📥 للتعريف بالكتاب وتحميله

📥 للبحث في الآيات القرآنية وعناوينها

56. أداء الأمانة

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈56⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ [النساء: 58]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن مسعود:

روي عن عبد الله بن مسعود (ت 32 هـ) أنّه قال: إن القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها، إلا الأمانة، يجاء بالرجل يوم القيامة ـ وإن كان قتل في سبيل الله ـ فيقال له: أد أمانتك، فيقول: من أين وقد ذهبت الدنيا!؟ فيقال: انطلقوا به إلى الهاوية، فينطلق به، فتمثل له أمانته كهيئتها يوم دفعت إليه في قعر جهنم، فيحملها، فيصعد بها، حتى إذا ظن أنه خارج بها، فهزلت من عاتقه، فهوت وهوى معها أبد الآبدين، قال زاذان: فأتيت البراء بن عازب فقلت: أما سمعت ما قال أخوك ابن مسعود؟ قال صدق، إن الله يقول: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، والأمانة في الصلاة، والأمانة في الغسل من الجنابة، والأمانة في الحديث، والأمانة في الكيل والوزن، والأمانة في الدين، وأشد ذلك في الودائع(1).

__________

(1) ابن أبي شيبة ١٣/٣٨٦.

علي:

روي عن الإمام علي (ت 40 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يسمعوا له ويطيعوا، وأن يجيبوا إذا دعوا(1)..

2. روي أنّه قال:من أوى اليتيم ورحم الضعيف وارتفق على والده ورفق على ولده ورفق مملوكه أدخله الله تعالى في رضوانه ويسّر عليه رحمته، ومن كفّ غضبه وبسط رضاه وبذل معروفه ووصل رحمه وأدى أمانته جعله الله تعالى في نوره الأعظم يوم القيامة(2).

3. روي أنّه قال: الأمانة تجرّ الرزق، والخيانة تجرّ الفقر(3).

4. روي أنّه قال:أدّ الأمانة إذا ائتمنت، ولا تتّهم غيرك إذا ائتمنته فإنّه لا إيمان لمن لا أمانة له(4).

5. روي أنّه قال: أصل الدين أداء الأمانة، والوفاء بالعهود(5).

6. روي أنّه قال:ثلاث من كانت فيه واحدة منها زوّجه الله من الحور العين: رجل ائتمن على أمانة خفيّة شهيّة فأدّاها مخافة من الله عزّ وجلّ، ورجل عفا عن قاتله، ورجل قرأ (قل هو الله أحد) عشر مرّات في دبر كلّ صلاة(6).

7. روي أنّه قال:أربع إذا كنّ فيك لم تبل ما فاتك من الدنيا: حفظ أمانة، وصدق حديث، وحسن خليقة، وعفّة في طعمة)

8. روي أنّه قال:أربع من اعطيهنّ أعطي خير الدنيا والآخرة: صدق حديث، وأداء أمانة، وعفّة بطن، وحسن خلق(7).

9. روي أنّه قال:إنّ لأهل الدين علامات يعرفون بها.. منها: أداء الأمانة(8).

10. روي أنّه قال:إنّ أفـــضل ما يتوسّل به المتوسّلون الإيمان بالله.. وأدّوا الأمانة إلى من ائتمنكم(9).

11. روي أنّه قال:الأمانة إيمان، البشاشة إحسان(10).

12. روي أنّه قال:الأمانة صيانة(10).

13. روي أنّه قال:الأمانة فوز لمن رعاها(10).

14. روي أنّه قال:الأمانة فـــضيلة لمن أداها(10).

15. روي أنّه قال:الأمانة تؤدّي إلى الصدق(10).

16. روي أنّه قال:الأمانة والوفاء صدق الأفعال والكذب والافتراء خيانة الأقوال(10).

17. روي أنّه قال:أفـــضل الأمانة الوفاء بالعهد(10).

18. روي أنّه قال:أقلّ شيء الصدق والأمانة(10).

19. روي أنّه قال:إذا قويت الأمانة كثر الصدق(10).

20. روي أنّه قال:إذا أحبّ الله عبدا حبّب إليه الأمانة(10).

21. روي أنّه قال:توخّ الصدق والأمانة ولا تكذّب من كذّبك ولا تخن من خانك(10).

22. روي أنّه قال:رأس الإسلام الأمانة(10).

23. روي أنّه قال:صحّة الأمانة عنوان حسن المعتقد(10).

24. روي أنّه قال:عليك بالأمانة فإنّها أفـــضل ديانة(10).

25. روي أنّه قال:كلّ شيء لا يحسن نشره أمانة وإن لم يستكتم(10).

26. روي أنّه قال:ليصدق ورعك ويشتدّ تحرّيك وتخلص نيّتك في الأمانة واليمين(10).

27. روي أنّه قال:من عمل بالأمانة فقد اكمل الديانة(10).

28. روي أنّه قال:رأس الإيمان الأمانة(10).

29. روي أنّه قال:أفـــضل الإيمان الأمانة(10).

30. روي أنّه قال:من لا أمانة له لا إيمان له(10).

31. روي أنّه قال:لا إيمان لمن لا أمانة له(10).

32. روي أنّه قال:لا أمانة لمن لا دين له(10).

33. روي أنّه قال:أدّ الأمانة إذا ائتمنت، ولا تتّهم غيرك إذا ائتمنته فإنّه لا إيمان لمن لا أمانة له(10).

34. روي أنّه قال:إذا ائتمنت فلا تستخن(10).

35. روي أنّه قال:آفة الأمانة الخيانة(10).

36. روي أنّه قال:إذا ائتمنت فلا تخن(10).

37. روي أنّه قال:فساد الأمانة طاعة الخيانة(10).

38. روي أنّه قال:من استهان بالأمانة وقع في الخيانة(10).

39. قال الإمام علي لكميل: (يا كميل افهم واعلم أنّا لا نرخّص في ترك أداء الأمانة لأحد من الخلق فمن روى عنّي في ذلك رخصة فقد أبطل وأثم وجزاؤه النار بما كذب، أقسم لسمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول لي قبل وفاته بساعة مرارا ثلاثا: يا أبا الحسن أد الأمانة إلى البرّ والفاجر فيما جلّ وقلّ حتّى الخيط والمخيط(11).

40. روي أنّه قال:أدّوا الأمانة ولو إلى قاتل ولد الأنبياء(12).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٨٦.

(2) الأشعثيّات/166

(3) تحف العقول/221

(4) غرر الحكم الفصل 2 رقم 171

(5) غرر الحكم الفصل 1 رقم 1777

(6) تنبيه الخواطر ونزهة النواظر 2/226

(7) غرر الحكم الفصل 1 رقم 2151

(8) أصول الكافي 2/239

(9) المحاسن/289 كتاب مصابيح الظلم باب 64

(10) تصنيف غرر الحكم/250

(11) تحف العقول/175

(12) الكافي 5/133

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، إنه لم يرخص لموسر ولا لمعسر أن يمسكها(1).

2. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، هي مسجلة للبر والفاجر(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/١٧٢.

(2) ابن أبي شيبة ١٢/٢٢٢.

مجاهد:

روي عن مجاهد (ت 104 هـ) أنّه قال: في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، قال نزلت في عثمان بن طلحة، قبض النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مفتاح الكعبة، فدخل الكعبة يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان، فدفع إليه المفتاح، وقال: (خذوها يا بني أبي طلحة بأمانة الله، لا ينزعها منكم إلا ظالم(1).

__________

(1) ابن عساكر في تاريخ دمشق ٣٨/٣٨٩.

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه سئل عن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فقال: إيانا عنى، أن يؤدي الإمام الأول منا إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح، ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الذي في أيديكم(1).

2. روي أنّه قال في قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ هي الوصية يدفعها الرجل منا إلى الرجل(2).

3. روي أنّه قال: الإمام يعرف بثلاث خصال: أنه أولى الناس بالذي كان قبله، وأنه عنده سلاح النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعنده الوصية، وهي التي قال الله في كتابه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وقال ـ إن السلاح فينا بمنزلة التابوت في بني إسرائيل يدور الملك حيث دار السلاح، كما كان يدور حيث دار التابوت(3).

4. روي أنّه قال: يا جابر، أيكتفي من انتحل التشيّع أن يقول بحبّنا أهل البيت؟ فو الله ما شيعتنا إلّا من أتقى الله وأطاعه وما كانوا يعرفون يا جابر إلّا بالتواضع، والتخشّع، والأمانة، وكثرة ذكر الله، والصوم والصلاة، والبرّ بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة، والغارمين، والأيتام وصدق الحديث، وتلاوة القرآن، وكفّ الألسن عن الناس، إلّا من خير، وكانوا امناء عشائرهم في الأشياء(4).

5. روي أنّه قال: ثلاث لم يجعل الله عزّ وجلّ لأحد فيهنّ رخصة: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد للبرّ والفاجر، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين(5).

__________

(1) الكافي 1/217.

(2) الغيبة: 51/2.

(3) تفسير العياشي 1/249.

(4) أصول الكافي 2/74

(5) أصول الكافي 2/162

ابن أسلم:

روي عن زيد بن أسلم (ت 136 هـ) أنّه قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية، أنزلت هذه الآية في ولاة الأمر، وفيمن ولي من أمور الناس شيئا(1).

__________

(1) ابن أبي شيبة ١٢/٢٢٢.

الربيع:

روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ) أنّه قال: هذه الأمانات فيما بينك وبين الناس، في المال وغيره(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٨٥.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه سئل عن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فقال: أمر الله الإمام الأول أن يدفع إلى الإمام الذي بعده كل شيء عنده(1).

2. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ قال: أمر الله الإمام أن يدفع ما عنده إلى الإمام الذي بعده، وأمر الأئمة أن يحكموا بالعدل، وأمر الناس أن يطيعوهم(2).

4. روي أنّه سئل عن ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فقال: على الإمام أن يدفع ما عنده إلى الإمام الذي بعده، وأمرت الأئمة بالعدل، وأمر الناس أن يتبعوهم(3).

5. عن أبي كهمس قال: قلت للإمام الصادق: عبد الله بن أبي يعفور يقرئك السّلام، قال: (عليك وعليه السّلام، إذا أتيت عبد الله فاقرأه السّلام وقل له: إنّ جعفر بن محمّد يقول لك: انظر ما بلغ به عليّ عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فالزمه، فإنّ عليّا إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بصدق الحديث وأداء الأمانة(4).

6. روي أنّه قال: أحبّ العباد إلى الله عزّ وجلّ رجل صدوق في حديثه، محافظ على صلاته وما افترض الله عليه، مع أداء الأمانة)، ثمّ قال: (من اؤتمن على أمانة فأدّاها فقد حلّ ألف عقدة من عنقه من عقد النار، فبادروا بأداء الأمانة، فإنّ من اؤتمن على أمانة وكلّ به إبليس مائة شيطان من مردة أعوانه ليضلّوه ويوسوسوا إليه حتّى يهلكوه إلّا من عصم الله عزّ وجلّ(5).

7. روي أنّه قال: لا تغترّوا بكثرة صلاتهم ولا بصيامهم، فإنّ الرجل ربّما لهج بالصلاة والصوم حتّى لو تركه استوحش، ولكن اختبروهم عند صدق الحديث وأداء الأمانة(6).

8. روي أنّه قال: عليك بصدق الحديث وأداء الأمانة تشرك الناس في أموالهم هكذا، وجمع بين أصابعه)، قال الراوي: فحفظت ذلك عنه فزكّيت ثلاثمائة ألف درهم(7)..

9. روي أنه قيل له: امرأة بالمدينة كان الناس يضعون عندها الجواري فتصلحهنّ، ما رأينا مثل ما صبّ عليها من الرزق، فقال: إنّها صدقت الحديث وأدّت الأمانة، وذلك يجلب الرزق(8).

10. روي أنّه قال: لا دين لمن لا عهد له، ولا إيمان لمن لا أمانة له، ولا صلاة لمن لا زكاة له، ولا زكاة لمن لا ورع له(9).

11. روي أنّه قال: المسلم من سلم الناس من يده ولسانه، والمؤمن من ائتمنه الناس على أموالهم وأنفسهم(10).

12. عن الفـــضيل بن يسار قال: كنت عند الإمام الصادق ودخلت امرأة وكنت أقرب القوم إليها، فقالت لي: فقلت: عمّا ذا؟ فقالت: إنّ ابني مات وترك مالا كان في يد أخي فأتلفه ثمّ أفاد مالا فأودعنيه، فلي أن آخذ منه بقدر ما أتلف من شيء؟ فأخبرته بذلك، فقال: لا، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (أدّ الامانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك(11).

13. عن إسماعيل بن عمّار قال: قال لي الإمام الصادق: أوصيك بتقوى الله، والورع، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الجوار، وكثرة السجود، فبذلك أمرنا محمّد(12).

14. عن فـــضيل بن عثمان، عن الإمام الصادق قال: قلت له أوصني، قال: أوصيك بتقوى الله، وصدق الحديث، وأداء الأمانة، وحسن الصحابة لمن صحبك، وإذا كان قبل طلوع الشمس وقبل الغروب فعليك بالدعاء واجتهد ولا تمتنع بشي ء تطلبه من ربّك ولا تقل: هذا ما لا أعطاه، وادع فإنّ الله يفعل ما يشاء(13).

15. روي أنّه قال: (المكارم عشر، فإن استطعت أن تكون فيك فلتكن، فإنها تكون في الرجل ولا تكون في ولده، وتكون في الولد ولا تكون في أبيه، وتكون في العبد ولا تكون في الحرّ)، قيل: وما هنّ؟ قال: (صدق البأس، وصدق اللسان، وأداء الأمانة، وصلة الرّحم، وإقراء الضيف، وإطعام السائل، والمكافاة على الصنائع، والتذمّم للجار، والتذمّم للصاحب، ورأسهنّ الحياء(14).

16. روي أنّه قال: عليكم بالورع والاجتهاد وأداء الأمانة وصدق الحديث وحسن الصحبة لمن صحبكم وطول السجود، فإنّ ذلك من سنن الأوّابين(15).

17. روي أنّه قال: أدّوا الأمانة ولو إلى قاتل الحسين بن عليّ(16).

18. روي أنّه قال: اتّقوا الله، وعليكم بأداء الأمانة إلى من ائتمنكم، فلو أنّ قاتل عليّ ائتمنني على الأمانة لأدّيتها إليه(16).

19. عن عبد الله بن سنان، قال: دخلت على الإمام الصادق وقد صلّى العصر وهو جالس مستقبل القبلة في المسجد، فقلت: يا ابن رسول الله، إنّ بعض السلاطين يأمننا على الأموال، يستودعناها وليس يدفع اليكم خمسكم، أفنؤدّيها إليهم؟ قال: (وربّ هذه القبلة (ثلاث مرّات) لو أنّ ابن ملجم قاتل أبي فإنّي اطلبه يتستّر لأنّه قتل أبي ائتمنني على الأمانة لأدّيتها إليه(16).

20. روي أنّه قال: ما بعث الله نبيّا قط إلّا بصدق الحديث وأداء الأمانة(16).

21. روي أنّه قال: إنّ الله عزّ وجلّ لم يبعث نبيّا إلّا بصدق الحديث، وأداء الأمانة إلى البرّ والفاجر(4).

22. روي أنّه قال: ثلاثة لا عذر لأحد فيها: أداء الأمانة إلى البرّ والفاجر، والوفاء بالعهد إلى البرّ والفاجر، وبرّ الوالدين برّين كانا أو فاجرين(8).

23. روي أنّه قال: اتّقوا الله، وعليكم بأداء الأمانة إلى من ائتمنكم، ولو أنّ قاتل الإمام علي ائتمنني على أمانة لأدّيتها إليه(8).

24. روي أنّه قال: أدّوا الأمانة إلى البرّ والفاجر، فلو أنّ قاتل الإمام علي ائتمنني على أمانة لأدّيتها إليه(17).

25. روي أنّه قال: إنّ ضارب عليّ بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثمّ قبلت ذلك منه لأدّيت إليه الأمانة(18).

26. روي أنّه قال: عليكم بالورع، والاجتهاد، وصدق الحديث، وأداء الأمانة لمن ائتمنكم، فلو أنّ قاتل الحسين عليه السّلام ائتمنني على السيف الّذي قتله به لأتيته إليه(19).

27. عن إسماعيل بن عبد الله القرشيّ، أنّ رجلا قال للإمام الصادق: الناصب يحلّ لي اغتياله قال: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك وأراد منك النصيحة ولو إلى قاتل الإمام الحسين(20).

__________

(1) الكافي 1/218.

(2) تفسير العياشي 1/249

3. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ يؤدي الإمام إلى إمام عند وفاته<المناقب 1/252.

(3) التهذيب 6 لا 223/533.

(4) أصول الكافي 2/104

(5) أمالي الصدوق/295

(6) أصول الكافي 3/162

(7) الكافي 5/134

(8) الكافي 5/132

(9) مشكاة الأنوار/46

(10) معاني الأخبار)/239

(11) التهذيب 6/348

(12) مشكاة الأنوار/66.

(13) كتاب الزهد/19

(14) أصول الكافي 2/55

(15) تفسير العيّاشي 2/286

(16) مشكاة الأنوار/52

(17) الإختصاص:/241

(18) (تنبيه الخواطر ونزهة النواظر): 1/12، و(تحف العقول):/374

(19) إرشاد القلوب/101

(20) روضة الكافي/293 ح 448

ابن جريج:

روي عن ابن جريج (ت 150 هـ) أنّه قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، نزلت في عثمان بن طلحة، قبض منه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مفتاح الكعبة، ودخل به البيت يوم الفتح، فخرج وهو يتلو هذه الآية، فدعا عثمان، فدفع إليه المفتاح، قال وقال عمر بن الخطاب: لما خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من الكعبة وهو يتلو هذه الآية ـ فداؤه أبي وأمي ـ ما سمعته يتلوها قبل ذلك(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/١٧٠.

الثوري:

روي عن سفيان الثوري (ت 161 هـ) أنّه قال: السنة سنتان: سنة أخذها هدى وتركها ضلالة، وسنة أخذها هدى وتركها ليس بضلالة، وأن الله لا يقبل نافلة حتى تؤدي الفريضة، وأن لله حقا بالليل لا يقبله بالنهار، وحقا بالنهار لا يقبله بالليل، وأنه يحاسب العبد يوم القيامة بالفرائض، فإن جاء بها تامة قبلت فرائضه ونوافله، وإن لم يؤديها وأضاعها لحقت النوافل بالفرائض، فإن شاء غفر له، وإن شاء عذبه، وأولى الفرائض الانتهاء عن الحرام والمظالم، وأن الله تعالى يقول في كتابه: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية...(1).

__________

(1) أبو نعيم في حلية الأولياء ٧/٣٥.

الكاظم:

روي عن الإمام الكاظم (ت 183 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: هم الأئمة من آل محمد، يؤدي الإمام الأمانة إلى الإمام بعده، ولا يخص بها غيره، ولا يزويها عنه(1).

2. روي أنّه قال: أداء الأمانة والصدق يجلبان الرزق، والخيانة والكذب يجلبان الفقر والنفاق(2).

3. عن محمّد بن القاسم، قال: سألت الإمام الكاظم عن رجل استودع رجلا مالا له قيمة، والرجل الّذي عليه المال رجل من العرب يقدر على أن لا يعطيه شيئا ولا يقدر له على شيء، والرجل الّذي استودعه خبيث خارجيّ، فلم أدع شيئا، فقال لي: (قل له: ردّه عليه، فإنّه ائتمنه عليه بأمانة الله)، قلت: فرجل أشتري من امرأة من العبّاسيّين بعض قطائعهم فكتب كتابا أنّها قد قبضت المال ولم تقبضه، فيعطيها المال أم يمنعها؟ قال: (قل له: يمنعها أشدّ المنع، فإنّها باعته ما لم تملك(3).

__________

(1) تفسير العياشي 1/249.

(2) تحف العقول/403

(3) الكافي 5/132

الرضا:

روي عن الإمام الرضا (ت 203 هـ) أنّه سئل عن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فقال: هم الأئمة من آل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يؤدي الإمام الأمانة إلى من بعده، ولا يخص بها غيره، ولايزويها عنه(1).

__________

(1) الكافي 1/217.

الجواد:

روي عن الامام الجواد (ت 220 هـ) أنّه سئل عن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فقال: أمر الله الإمام منا أن يؤدي الإمامة إلى الإمام الذي بعده، ليس له أن يزويها عنه، ألا تسمع إلى قوله تعالى: ﴿وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ هم﴾ الحكام ـ يا زرارة ـ أو لا ترى أنه خاطب بها الحكام!؟ (1).

__________

(1) الغيبة: 54/5.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله عزّ وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾:

أ. قيل: لما فتح الله مكة على يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال العباس: يا رسول الله، لو جعلت السقاية والحجابة فينا؛ فأخذ مفاتيح الكعبة من ولد شيبة فدفعها إلى العباس؛ فأنزل الله تعالى هذه الآية؛ فأخذ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مفاتيح الكعبة فردها إلى ولد شيبة، ثم قال [النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم‏]: (يا عمّ، إنّ الله تعالى أحبّ أن يرزأ ولا يرزأ شيئا)

ب. وقيل: إنها نزلت في الأمراء في الفي‏ء الذين‏ استأمنهم على جمعها وقسمتها، والصدقات التي استأمنهم على جمعها وقسمتها.

2. الآية يجب أن تكون نازلة في كل أمانة اؤتمن المرء فيها، من نحو ما كان فيما كان بينه وبين ربه، وما كان فيها بين الخلق:

أ. أما ما كان فيما بينه وبين ربه، من نحو العبادات التي أمر المرء بأدائها، ومن نحو تعليم العلم الذي رزقه الله تعالى كقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية [الأحزاب: 72]، وكقوله تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية [المائدة: 8]، وكقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ كل ذلك أمانة تدخل في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

ب. وكذلك كل أمانة يؤتمن المرء عليها تدخل في ذلك، ذكر أن نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك عليها، ولا تخن من خانك)

ج. ومن قال نزلت في الأمراء، استدلّ بقوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾؛ لأن الحكم إلى الأمراء.

د. وعن ابن عباس: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قال هي مبهمة، المؤمن والكافر سواء.

3. قوله عزّ وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ من الحكومة بالعدل، وأداء الأمانات إلى أهلها.

4. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ يحتمل وجهين:

أ. يحتمل: مجيبا لمن دعا له وسأل؛ كقوله عزّ وجل: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186] يجيب لمن استجاب له]، وأدى الأمانة.

ب. ويحتمل: ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي: لا يخفى عليه شيء.

5. اختلف أهل العلم في العارية إذا ضاعت:

أ. قال أصحابنا (2): لا شيء عليه.. ولأصحابنا في ذلك عدة حجج:

أحدها: أن المستعير إن لبس القميص، أو ركب الدابة، أو حمل عليها ما أذن له في حمله عليها، وأصابها في ذلك نقصان في قيمتها ـ فلا شيء عليه، فإذا لم يكن عليه ضمان فيما وقع بها من الضرر والنقص بفعله، ولبسه، وركوبه ـ فلا يجب عليه ضمان ما هلك منها بغير فعله.

الثاني: ما روي عن ابن الحنفية، عن علي قال العارية ليس بتبعة، ولا مضمونة، إنما هي معروف، إلا أن يخالف فيضمن.

وقد روي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ما يؤيد قولنا، وهو قوله: (العاريّة مؤدّاة)

ب. وقال غيرهم: عليه الضمان.. واحتج في ذلك:

بحديث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: (على اليد ما أخذت حتّى تردّه) فالحديث يحتمل معنيين:

● أحدهما: أن يقال: معناه على اليد أن ترد ما أخذت إذا كان قائما عليها رده؛ ألا ترى أن الوديعة لا تضمن إذا تلفت، وعليه أن يردها إذا كانت قائمة، فالعارية مثلها.

● الثاني: أن يحتمل معنى ذلك في الغصب وأشباهه؛ فعلى الغاصب أن يرده قائما أو تالفا، ولا يدخل في عموم الخبر العارية؛ ألا ترى أن الوديعة لم تدخل فيها، وإن كان فيه أخذ.

واحتجوا أيضا بحديث صفوان: أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم استعار من صفوان يوم حنين درعا، فقال: أغصب يا محمد؟ فقال: (بل عاريّة مضمونة)

وروي في خبر آخر: أن صفوان هرب من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يريد حنينا، فقال: (يا صفوان، هل عندك من سلاح؟) قال عارية أو غصبا؟ قال: بل عاريّة) فأعاره، ولم يذكر فيه الضمان، فهو عندنا ـ إن ثبت خبر صفوان ـ: مضمونة الرد على المستعير، [و] رد العارية ليس كالوديعة؛ لأن الوديعة ما لم يطلب صاحبها لم ترد.

ج. وروي عن الحسن قال إذا خالف صاحب العارية ضمن.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/222.

(2) يقصد الحنفية

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ المعني بها ولاة المسلمين من الأئمة الطاهرين أي ترد أمور الدين والشرائع إليهم ولا ينازعوا في شيء من ذلك، وقيل إن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خوطب برد مفاتيح الكعبة إلى عثمان بن أبي طلحة.

2. وهذه الآية عامة في رد كل شيء إلى ما أؤتمن عليه، وروينا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/182.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في المعني بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ أربعة أقاويل:

أ. أحدها: أنه عنى ولاة أمور المسلمين، وهذا قول شهر بن حوشب، ومكحول، وزيد بن أسلم.

ب. الثاني: أنه أمر السلطان أن يعظ النساء، وهذا قول ابن عباس.

ج. الثالث: أنه خوطب بذلك النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في عثمان بن أبي طلحة، أن يرد عليه مفاتيح الكعبة، وهذا قول ابن جريج.

د. الرابع: أنه في كل مؤتمن على شيء، وهذا قول أبيّ بن كعب، والحسن، وقتادة، وقد روى قتادة عن الحسن أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/499.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في المعني بهذه الآية ثلاثة أقوال:

أ. أولها: ما قال ابن عباس، وأبي بن كعب، والحسن، وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام، وأبي عبد الله عليه السلام: إن كل مؤتمن على شيء يلزمه رده.

ب. الثاني: قال زيد بن أسلم، ومكحول، وشهر بن حوشب: إن المراد به ولاة الأمر وهو اختيار الجبائي، وروي ذلك عن أبي جعفر أيضاً وأبي عبد الله عليه السلام وقالوا: أمر الله الأئمة كل واحد منهم أن يسلم الأمر إلى من بعده‏، وعلى الوجه الأول يدخل هذا فيه، لأن ذلك من جملة ما ائتمنه الله عليه، ولذلك‏ قال أبو جعفر عليه السلام: إن أداء الصلاة والزكاة والصوم والحج من الأمانة، ويكون الأمر لآمر بأداء الأمانة من الغنائم والصدقات، وغير ذلك مما يتعلق به حق الرعية.

ج. الثالث: قال ابن جريج: نزلت في عثمان بن طلحة، أمر الله تعالى نبيه أن يرد إليه مفاتيح الكعبة، والمعتمد هو الأول، وإن كان الأخير روي أنه سبب نزول الآية، غير أنه لا يقصر عليه.

2. ﴿تُؤَدُّوا﴾ تقول: أديت الشيء أؤديه تأدية، وهو المصدر الحقيقي، ولو قلت: أديت أداء كان جائزاً يقام الاسم مقام المصدر، ويقال: أدوت للصيد آدو له ادواً: إذا ختلته، لتصيده، وأدى اللبن يأدي: إذا حمض.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/234.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. قيل: نزلت في ولاة الأمر، عن زيد بن أسلم ومكحول.

ب. وقيل: في أمراء السرايا.

ج. وقيل: نزلت في عثمان بن طلحة بن أبي طلحة بن شيبة حين قبض النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم منهم مفتاح البيت يوم الفتح، وأراد أن يدفعه إلى العباس؛ ليكون له الحجابة والسقاية، فنازعه شيبة بن عثمان، فنزلت الآية، فرد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى شيبة عن ابن عباس وابن جريج.

د. وقيل: نزلت في اليهود وما وجدوه في كتابهم من صفة النبي، صلّى الله عليه وآله وسلّم.

2. في كيفية اتصال الآية بما قبلها وجوه:

أ. قيل: إنه يتصل بما حكى عنهم أنهم قالوا للمشركين: هَؤُلَاءِ أهدى، فأوعدهم على ذلك، ثم أخبرهم بأداء الأمانة وترك الكتمان في ذلك.

ب. وقيل: بل يتصل بما وعد الله قبلها للمؤمنين فأمر عقيبه بأداء العبادات ليستحقوا ذلك، فالمراد بالأمانات العبادات.

ج. وقيل: لما بَيَّنَ أنه آتى آل إبراهيم الملك في أن النبوة والإمامة صارت أمانة في آله، وأن الله أعطاهم ذلك، أمر عقيبه الولاة والحكام بأداء الأمانة فيما يلزمهم من حقوق العباد.

3. اختلف في الخطاب في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ﴾:

أ. قيل: إنه خطاب لليهود في بيان صفة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ب. وقيل: خطاب لولاة الأمر عن زيد بن أسلم ومكحول وشهر بن حوشب.

ج. وقيل: كل مؤتمن على شيء عن ابن عباس والحسن وقتادة.

د. وقيل: خطاب للنبي، صلّى الله عليه وآله وسلّم برد المفتاح عن ابن جريج.

هـ. وقيل: خطاب لجميع المكلفين بأداء ما أمرهم الله به من العبادات فهو مؤتمن فيها عن ابن مسعود، وهو الصحيح؛ لأنه يدخل فيه الحقوق والديون والودائع، وجميع ما أمر الله به.

4. على حسب اختلافهم في المخاطب اختلفوا في معنى الأمانة وأدائها:

أ. فقيل: بيان صفة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ب. وقيل: ما يجب على ولاة الأمر من القيام بالعدل، وإعطاء كل ذي حق حقه من المواريث وقسمة الغنائم والصدقات وغيرها.

ج. وقيل: هو رد كل أمانة.

د. وقيل: هو أداء كل ما أمر به من العبادات؛ لأن العبد أمين فيها.

5. تدل الآية الكريمة على وجوب أداء الأمانات، وظاهر الكلام يوجب الحقوق المالية لقوله: ﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾ والعبادات وإن صح كونها أمانة فيتعذر دخوله في الظاهر لقوله: ﴿إِلَى أَهْلِهَا﴾ والسبب المروي في مفتاح البيت يدل عليه عن القاضي.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/673

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. يقال: أديت الشئ تأدية، وقد يوضع الأداء موضع التأدية، فيقام الاسم مقام المصدر.

2. أمر سبحانه بأداء الأمانة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ قيل في المعنى بهذه الآية أقوال:

أ. أحدها: إنها في كل من اؤتمن أمانة من الأمانات، وأمانات الله: أوامره ونواهيه، وأمانات عباده: فيما يأتمن بعضهم بعضا من المال وغيره، عن ابن عباس، وأبي بن كعب، وابن مسعود، والحسن، وقتادة، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله عليهما السلام.

ب. وثانيها: إن المراد به: ولاة الأمر، أمرهم الله أن يقوموا برعاية الرعية، وحملهم على موجب الدين والشريعة، عن زيد بن أسلم، ومكحول، وشهر بن حوشب، وهو اختيار الجبائي، ورواه أصحابنا عن أبي جعفر الباقر، وأبي عبد الله الصادق، قالا: (أمر الله تعالى كل واحد من الأئمة أن يسلم الامر إلى من بعده، ويعضده أنه سبحانه أمر الرعية بعد هذا بطاعة ولاة الأمر)، وروي عنهم أنهم قالوا: (آيتان إحداهما لنا، والأخرى لكم، قال الله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية، ثم قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية)، وهذا القول داخل في القول الأول، لأنه من جملة ما ائتمن الله عليه الأئمة الصادقين، ولذلك قال أبو جعفر عليه السلام: (إن أداء الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، من الأمانة، ويكون من جملتها الامر لولاة الامر بقسم الصدقات والغنائم وغير ذلك مما يتعلق به حق الرعية)، وقد عظم الله سبحانه أمر الأمانة بقوله: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾، وقوله: ﴿ولا تخونوا الله والرسول﴾، وقوله: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ الآية.

ج. وثالثها: إنه خطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم برد مفتاح الكعبة إلى عثمان بن طلحة، حين قبض منه المفتاح، يوم فتح مكة، وأراد أن يدفعه إلى العباس، لتكون له الحجابة والسقاية، عن ابن جريج.

د. والمعول على ما تقدم، وإن صح القول الأخير، والرواية فيه، فقد دل الدليل على أن الامر إذا ورد على سبب لا يجب قصره عليه بل يكون على عمومه.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/99.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في سبب نزول قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لمّا فتح مكة، طلب مفتاح البيت من عثمان بن أبي طلحة، فذهب ليعطيه إيّاه، فقال العباس: بأبي أنت وأمّي اجمعه لي مع السّقاية، فكفّ عثمان يده مخافة أن يعطيه للعباس، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (هات المفتاح) فأعاد العباس قوله، وكفّ عثمان، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (أرني المفتاح إن كنت تؤمن بالله وباليوم الآخر) فقال: هاكه يا رسول الله بأمانة الله، فأخذ المفتاح، ففتح البيت، فنزل جبريل بهذه الآية، فدعا عثمان، فدفعه إليه، رواه أبو صالح، عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، والزّهريّ، وابن جريج، ومقاتل.

ب. الثاني: أنها نزلت في الأمراء، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس، وبه قال زيد بن أسلم، وابنه، ومكحول، واختاره أبو سليمان الدّمشقيّ، وقال: أمر الأمراء أن يؤدّوا الأمانة في أموال المسلمين،

ج. الثالث: أنها نزلت عامّة، وهو مرويّ عن أبيّ بن كعب، وابن عباس، والحسن، وقتادة، واختاره القاضي أبو يعلى، واعلم أن نزولها على سبب لا يمنع عموم حكمها، فإنها عامّة في الودائع وغيرها من الأمانات، وقال ابن مسعود: الأمانة في الوضوء، وفي الصّلاة، وفي الصّوم، وفي الحديث، وأشدّ ذلك في الودائع.

2. ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ يقول: نعم الشيء يعظكم به، وقد ذكرناه في (البقرة)

__________

(1) زاد المسير: 1/424.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في علاقة الآية الكريمة بما قبلها وجهان:

أ. لما شرح الله تعالى بعض أحوال الكفار وشرح وعيده عاد إلى ذكر التكاليف مرة أخرى، وأيضا لما حكى عن أهل الكتاب أنهم كتموا الحق حيث قالوا للذين كفروا: (هؤلاء أهدى من الذين آمنوا سبيلا)، أمر المؤمنين في هذه الآية بأداء الأمانات في جميع الأمور، سواء كانت تلك الأمور من باب المذاهب والديانات، أو من باب الدنيا والمعاملات.

ب. وأيضا لما ذكر في الآية السابقة الثواب العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات، وكان من أجل الأعمال الصالحة الأمانة لا جرم أمر بها في هذه الآية.

2. نزول هذه الآية عند هذه القصة(2) لا يوجب كونها مخصوصة بهذه القضية، بل يدخل فيه جميع أنواع الأمانات، واعلم أن معاملة الإنسان اما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد، أو مع نفسه، ولا بد من رعاية الامانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة.

أ. أما رعاية الامانة مع الرب: فهي في فعل المأمورات وترك المنهيات، وهذا بحر لا ساحل له قال ابن مسعود: الامانة في كل شيء لازمة، في الوضوء والجنابة والصلاة والزكاة والصوم، وقال ابن عمر: أنه تعالى خلق فرج الإنسان وقال هذا أمانة خبأتها عندك فاحفظها إلا بحقها، واعلم أن هذا باب واسع، فأمانة اللسان أن لا يستعمله في الكذب والغيبة والنميمة والكفر والبدعة والفحش وغيرها، وأمانة العين أن لا يستعملها في النظر إلى الحرام، وأمانة السمع أن لا يستعمله في سماع الملاهي والمناهي، وسماع الفحش والأكاذيب وغيرها، وكذا القول في جميع الأعضاء.

ب. الثاني: وهو رعاية الأمانة مع سائر الخلق فيدخل فيها رد الودائع، ويدخل فيه ترك التطفيف في الكيل والوزن، ويدخل فيه أن لا يفشي على الناس عيوبهم، ويدخل فيه عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملوهم على التعصبات الباطلة، بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم، ويدخل فيه نهي اليهود عن كتمان أمر محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ونهيهم عن قولهم للكفار: ان ما أنتم عليه أفضل من دين محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ويدخل فيه أمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم برد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، ويدخل فيه أمانة الزوجة للزوج في حفظ فرجها، وفي أن لا تلحق بالزوج ولدا يولد من غيره، وفي اخبارها عن انقضاء عدتها.

ج. الثالث: وهو أمانة الإنسان مع نفسه فهو أن لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا، وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة، ولهذا قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته)

3. ﴿يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ يدخل فيه الكل، وقد عظم الله أمر الامانة في مواضع كثيرة من كتابه فقال: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ﴾ [الأحزاب: 72] وقال: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: 8] وقال: ﴿وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: 27] وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (لا أيمان لمن لا أمانة له)، وقال ميمون بن مهران: ثلاثة يؤدين إلى البر والفاجر: الامانة والعهد وصلة الرحم.

4. الامانة مصدر سمي به المفعول، ولذلك جمع فإنه جعل اسما خالصا، قال الزمخشري: قرئ (الامانة) على التوحيد، وقال القاضي: لفظ الامانة وان كان متناولا للكل إلا أنه تعالى قال في هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فوجب أن يكون المراد بهذه الامانة ما يجري مجرى المال، لأنها هي التي يمكن أداؤها إلى الغير، وقال أبو بكر الرازي: من الأمانات الودائع، ويجب ردها عند الطلب والأكثرون على أنها غير مضمونة، وعن بعض السلف أنها مضمونة، روى الشعبي عن أنس قال: استحملني رجل بضاعة فضاعت من بين ثيابي، فضمنني عمر بن الخطاب، وعن أنس قال: كان لإنسان عندي وديعة ستة آلاف درهم فذهبت، فقال عمر: ذهب لك معها شيء؟ قلت لا، فألزمني الضمان، وحجة القول المشهور ما روى عمرو بن شعيب عن أبيه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم (لا ضمان على راع ولا على مؤتمن)، وأما فعل عمر فهو محمول على أن المودع اعترف بفعل يوجب الضمان.

5. اختلف في العارية، وهل هي مضمونة بعد الهلاك:

أ. قال الشافعي: العارية مضمونة بعد الهلاك.. وحجة الشافعي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وظاهر الأمر للوجوب، وبعد هلاكها تعذر ردها بصورتها، ورد ضمانها ردها بمعناها، فكانت الآية دالة على وجوب التضمين، ونظير هذه الآية قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (على اليد ما أخذت حتى تؤديه)، أقصى ما في الباب أن الآية مخصوصة في الوديعة، لكن العام بعد التخصيص حجة، وأيضا فلأنا أجمعنا على أن المستام مضمون، وأن المودع غير مضمون، والعارية وقعت في البين، فنقول: المشابهة بين العارية وبين المستام أكثر، لأن كل واحد منهما أخذه الأجنبي لغرض نفسه، بخلاف المودع، فإنه أخذ الوديعة لغرض المالك، فكانت المشابهة بين المستعار وبين المستام أتم، فظهر الفرق بين المستعار وبين المودع.

ب. وقال أبو حنيفة: غير مضمونة.. وحجة أبي حنيفة قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (لا ضمان على مؤتمن).. قلنا: إنه مخصوص في المستام، فكذا في العارية، ولأن دليلنا ظاهر القرآن وهو أقوى.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/109.

(2) ذكر ما ورد في سبب النزول الذي سبق ذكره.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ هذه الآية من أمهات الأحكام تضمنت جميع الدين والشرع، وقد اختلف من المخاطب بها:

أ. فقال علي بن أبى طالب وزيد بن أسلم وشهر بن حوشب وابن زيد: هذا خطاب لولاة المسلمين خاصة، فهي للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمرائه، ثم تتناول من بعدهم.

ب. وقال ابن جريج وغيره: ذلك خطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم خاصة في أمر مفتاح الكعبة حين أخذه من عثمان بن أبي طلحة الحجبي العبدري من بني عبد الدار ومن ابن عمه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة وكانا كافرين وقت فتح مكة، فطلبه العباس بن عبد المطلب لتنضاف له السدانة إلى السقاية، فدخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الكعبة فكسر ما كان فيها من الأوثان، وأخرج مقام إبراهيم ونزل عليه جبريل بهذه الآية، قال عمر بن الخطاب: وخرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو يقرأ هذه الآية، وما كنت سمعتها قبل منه، فدعا عثمان وشيبة فقال: (خذاها خالدة تالدة لا ينزعها منكم إلا ظالم)، وحكى مكي: أن شيبة أراد ألا يدفع المفتاح، ثم دفعه، وقال للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: خذه بأمانة الله.

ج. وقال ابن عباس: الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردوهن إلى الأزواج.

2. الأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال ورد الظلامات والعدل في الحكومات، وهذا اختيار الطبري، وتتناول من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة ما ونحوه، والصلاة والزكاة وسائر العبادات أمانة الله تعالى، وروي هذا المعنى مرفوعا من حديث ابن مسعود عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (القتل في سبيل الله يكفر الذنوب كلها ـ أو قال: كل شي إلا الأمانة ـ والأمانة في الصلاة والأمانة في الصوم والأمانة في الحديث وأشد ذلك الودائع)، ذكره أبو نعيم الحافظ في الحلية، وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب وابن مسعود وابن عباس وأبي ابن كعب قالوا: الأمانة في كل شي في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس: (لم يرخص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة)، وهذا إجماع، وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرار منهم والفجار، قاله ابن المنذر، والأمانة: مصدر بمعنى المفعول فلذلك جمع.

3. وجه النظم بما تقدم أنه تعالى أخبر عن كتمان أهل الكتاب صفة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقولهم: إن المشركين أهدى سبيلا، فكان ذلك خيانة منهم فانجر الكلام إلى ذكر جميع الأمانات، فالآية شاملة بنظمها لكل أمانة وهي أعداد كثيرة كما ذكرنا، وأمهاتها في الأحكام: الوديعة واللقطة والرهن والعارية:

أ. روى أبي بن كعب قال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: (أد الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)، أخرجه الدارقطني، ورواه أنس وأبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد تقدم في البقرة معناه.

ب. وروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول في خطبته عام حجة الوداع: (العارية مؤداة والمنحة مردودة والدين مقضي والزعيم غارم)، صحيح أخرجه الترمذي وغيره، وزاد الدارقطني: فقال رجل: فعهد الله؟ قال: (عهد الله أحق ما أدي)، وقال بمقتضى هذه الآية والحديث في رد الوديعة وأنها مضمونة ـ على كل حال كانت مما يغاب عليها أو لا يغاب تعدى فيها أو لم يتعد ـ عطاء والشافعي وأحمد وأشهب، وروي أن ابن عباس وأبا هريرة ضمنا الوديعة، وروى ابن القاسم عن مالك أن من استعار حيوانا أو غيره مما لا يغاب عليه فتلف عنده فهو مصدق في تلفه ولا يضمنه إلا بالتعدي، وهذا قول الحسن البصري والنخعي، وهو قول الكوفيين والأوزاعي قالوا: ومعنى قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (العارية مؤداة) هو كمعنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾، فإذا تلفت الأمانة لم يلزم المؤتمن غرمها لأنه مصدق، فكذلك العارية إذا تلفت من غير تعد، لأنه لم يأخذها على الضمان، فإذا تلفت بتعديه عليها لزمه قيمتها لجنايته عليها، وروي عن علي وعمر وابن مسعود أنه لا ضمان في العارية، وروى الدارقطني عن، عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (لا ضمان على مؤتمن)، واحتج الشافعي فيما استدل به بقول صفوان للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لما استعار منه الأدراع: أعارية مضمونة أو عارية مؤداة؟ فقال: (بل عارية مؤداة)

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/256.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع، لأن الظاهر أن الخطاب يشمل جميع الناس في جميع الأمانات، وقد روي عن علي، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب: أنها خطاب لولاة المسلمين، والأوّل أظهر، وورودها على سبب كما سيأتي لا ينافي ما فيها من العموم، فالاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما تقرر في الأصول.

2. تدخل الولاة في هذا الخطاب دخولا أوّليا، فيجب عليهم تأدية ما لديهم من الأمانات، وردّ الظلامات، وتحري العدل في أحكامهم، ويدخل غيرهم من الناس في الخطاب، فيجب عليهم ردّ ما لديهم من الأمانات، والتحري في الشهادات والأخبار.

وممن قال بعموم هذا الخطاب: البراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبيّ بن كعب، واختاره جمهور المفسرين، ومنهم ابن جرير، وأجمعوا: على أن الأمانات مردودة إلى أربابها: الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر، والأمانات: جمع أمانة، وهي مصدر بمعنى المفعول.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/556.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿اِنَّ اللهَ يَامُرُكُمُ أَن تُوَدُّواْ الَامَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ أمانات الله من أوامره ونواهيه، وأمانات الأزواج الأولاد والعبيد، وسائر رعيَّة الإنسان، وأمانات سائر الخلق، فلا يخون الإنسان بإفشاء سرٍّ ولا تضييع مال، أو إفساده.

2. سبب نزول الآية خاصٌّ، نزلت بمكَّة لَمَّا فُتحت مكَّةُ، أَغلَقَ عثمانُ بن طلحة بن عبد الدار البيتَ وصعد السطح، فطلب صلّى الله عليه وآله وسلّم المفتاح، فقيل: إنَّه مع عثمان، فطلب منه فأبى، وقال: (لو علمتُ أنَّه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لم أمنعه المفتاح)، فلوى عليُّ بن أبي طالب يده، وأخذ منه المفتاح وفتح الباب، ودخل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم البيت، وصلَّى ركعتين، وأخرج منه تمثالَ إبراهيم، وقِدَاحًا يستقسمون بها، والمقامَ وكان داخل البيت، وقال: (قبَّحهم الله! ما شأن إبراهيم والقداح!؟)، فلمَّا خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سأله العبَّاس أن يعطيه المفتاح، ويجمع له السقاية والسدانة، فنزلت الآية، فأمر عليًّا أن يردَّه إلى عثمان ويعتذر إليه، ففعل، فقال عثمان: (أكرهتني وآذيتني، ثمَّ جئتَ برفق)، فقال: (لقد أنزل الله في شأنك قرآنًا)، فقرأها، فقال عثمان: (أشهد أن لا إله إلَّا الله وأنَّ محمَّدا رسول الله)، فهبط جبريل فأخبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنَّ السدانة في أولاد عثمان أبدًا، لا ينزعها منهم إلَّا ظالم.

3. وشهر أنَّ عثمان بن طلحة أسلم في هُدنة الحديبيَّة مع خالد وعمرو بن العاص، كما رأيته في استيعاب أبي عمر يوسف بن عبد البرِّ، وهاجر عثمان بعد، ودفع المفتاح لأخيه شيبة، وشهر أنَّه لم يمتنع لكن كلَّما أراد إعطاءه إيَّاه صلّى الله عليه وآله وسلّم سأل العبَّاس رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يعطيه إيَّاه فيأبى عثمان، حتَّى قال صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد الامتناع الثاني: (إن كنت تؤمن بالله، فأعطنيه) فأعطاه، فقال: (خده على أمانة الله)، وعلى كلِّ حال هو أمانة في يد عثمان مِمَّن قبله، وهكذا حُقِّق، والتحقيق أنَّ الخطاب عامٌّ، وقيل: لولاة الأمر، ويناسبه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/208.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذه الآية من أمهات الآيات المشتملة على كثير من أحكام الشرع، قال أبو السعود: (في تصدير الكلام بكلمة التحقيق وإظهار الاسم الجليل وإيراد الأمر على صورة الإخبار، من الفخامة وتأكيد وجوب الامتثال به والدلالة على الاعتناء بشأنه ما لا مزيد عليه، وهو خطاب يعم حكمه المكلفين قاطبة، كما أن الأمانات تعم جميع الحقوق المتعلقة بذممهم: من حقوق الله تعالى وحقوق العباد، سواء كانت فعلية أو قولية أو اعتقادية، وإن ورد في شأن عثمان بن طلحة)، أي لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، كما تقرر في الأصول.

2. أجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها، الأبرار منهم والفجار، كما قال ابن المنذر، وفي حديث سمرة: إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (أدّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك)، رواه الإمام أحمد وأهل السنن، قال الحافظ ابن كثير: وقد ذكر كثير من المفسرين أن هذه الآية نزلت في شأن عثمان بن طلحة بن أبي طلحة، واسم أبي طلحة عبد الله بن عبد العزّى بن عثمان بن‏ عبد الدار بن قصيّ بن كلاب القرشيّ العبدريّ حاجب الكعبة المعظمة، وهو ابن عم شيبة بن عثمان بن أبي طلحة الذي صارت الحجابة في نسله إلى اليوم، أسلم عثمان هذا في الهدنة بين صلح الحديبية وفتح مكة، هو وخالد بن الوليد وعمرو بن العاص، وأما عمه عثمان بن طلحة بن أبي طلحة فكان معه لواء المشركين يوم أحد وقتل يومئذ كافرا، وإنما نبهنا على هذا النسب لأن كثيرا من المفسرين قد يشتبه عليه هذا بهذا، وسبب نزولها فيه: لما أخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مفتاح الكعبة يوم الفتح ثم رده عليه، قال محمد بن إسحاق (في غزوة الفتح): حدثني محمد بن جعفر بن الزبير عن عبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن صفية بنت شيبة، أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لما نزل بمكة واطمأن الناس، خرج حتى جاء إلى البيت فطاف به سبعا على راحلته يستلم الركن بمحجن في يده، فلما قضى طوافه دعا عثمان بن طلحة فأخذ منه مفتاح الكعبة ففتحت له، فدخلها فوجد فيها حمامة من عيدان فكسرها بيده ثم طرحها ثم وقف على باب الكعبة وقد استكفّ له الناس في المسجد.

3. قال السيوطيّ في (الإكليل): في هذه الآية وجوب ردّ كل أمانة من وديعة وقراض وقرض وغير ذلك، واستدل المالكية، بعموم الآية، على أن الحربيّ إذا دخل دارنا بأمان فأودع وديعة ثم مات أو قتل، إنه يجب رد وديعته إلى أهله، وأن المسلم إذا استدان من الحربيّ بدار الحرب ثم خرج، يجب وفاؤه، وأن الأسير إذا ائتمنه الحربيّ على شيء لا يجوز له أن يخونه، وعلى أن من أودع مالا وكان المودع خانه قبل ذلك، فليس له أن يجحده كما جحده، ويوافق هذه المسألة حديث: أدّ الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك.

4. قال ابن تيمية في رسالته (السياسة الشرعية) بعد الخطبة: هذه الرسالة مبنية على آية الأمراء في كتاب الله تعالى، وهي قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ الآية، قال العلماء: نزلت في ولاة الأمور، عليهم أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالعدل، ثم قال وإذا كانت الآية قد أوجبت أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بالعدل، فهذان جماع السياسة العادلة والولاية الصالحة، ثم قال أما أداء الأمانات ففيه نوعان:

أ. أحدهما: الولايات وهو كان سبب نزول الآية، فإن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لما فتح مكة وتسلم مفاتيح الكعبة من بني شيبة وطلبها العباس ليجمع له بين سقاية الحاج وسدانة البيت فأنزل الله هذه الآية، فرد مفاتيح الكعبة إلى بني شيبة، فيجب على وليّ الأمر أن يولي على كل عمل من أعمال المسلمين أصلح من يجده لذلك العمل، قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (من ولي من أمر المسلمين شيئا، فولّى رجلا وهو يجد من هو أصلح للمسلمين منه، فقد خان الله ورسوله والمؤمنين)، رواه الحاكم في صحيحه‏، وفي رواية: من قلد رجلا عملا على عصابة، وهو يجد في تلك العصابة أرضى منه، فقد خان الله ورسوله وخان المؤمنين‏.. فيجب عليه البحث عن المستحقين للولايات من نوابه على الأمصار، من الأمراء الذين هم نواب ذي السلطان والقضاة، ومن أمراء الأجناد ومقدمي العساكر الكبار والصغار وولاة الأموال من الوزراء والكتاب والشادين والسعاة على الخراج والصدقات وغير ذلك من الأموال التي للمسلمين، وعلى كل واحد من هؤلاء أن يستنيب ويستعمل أصلح من يجده، وينتهي ذلك إلى أئمة الصلاة والمؤذنين والمقرئين والمعلمين وأمراء الحاج والبرد وخزان الأموال ونقباء العساكر الكبار والصغار وعرفاء القبائل والأسواق، وعلى كل من ولي شيئا من أمور المسلمين من الأمراء وغيرهم أن يستعمل فيما تحت يده، في كل موضع، أصلح من يقدر عليه، ولا يقدم الرجل لكونه طلب أو سبق في الطلب، بل ذلك سبب المنع، فإن‏ في الصحيح‏ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (أن قوما دخلوا عليه فسألوه ولاية فقال: إنا لا نولي أمرنا هذا من طلبه)، وقال‏ لعبد الرحمن بن سمرة: (يا عبد الرحمن! لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها من مسألة وكلت إليها)، أخرجاه في الصحيحين، وقال‏: (من طلب القضاء واستعان عليه وكل إليه، ومن لم يطلبه ولم يستعن عليه أنزل الله إليه ملكا يسدده)، رواه أهل السنن‏، فإن عدل عن الأحق الأصلح إلى غيره، لأجل قرابة بينهما، أو ولّاه عتاقة أو صداقة أو موافقة في مذهب أو بلد أو طريقة أو جنس، كالعربية والفارسية والتركية والرومية، أو لرشوة يأخذها منه من ماله أو منفعة، أو غير ذلك من الأسباب، أو لضغن في قلبه على الأحق، أو عداوة بينهما ـ فقد خان الله ورسوله والمؤمنين ودخل فيما نهى عنه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 27]

ب. الثاني: أمانات الأموال كما قال الله تعالى في الديون: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ﴾ [البقرة: 283]، ويدخل في هذا القسم الأعيان والديون الخاصة والعامة، مثل رد الودائع ومال الشريك والموكل والمضارب ومال المولى من اليتيم وأهل الوقف ونحو ذلك، وكذلك وفاء الديون من أثمان المبيعات وبدل القرض وصدقات النساء وأجور المنافع ونحو ذلك، وقد قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إِلَّا الْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ﴾ ـ إلى قوله ـ ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المعارج: 19 ـ 32]، وقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا﴾ [النساء: 105]، أي لا تخاصم عنهم، وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم‏: (المؤمن من أمنه الناس على دمائهم وأموالهم، والمسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده، والمهاجر من هاجر ما نهى الله عنه، والمجاهد من جاهد نفسه في ذات الله)، وهو حديث صحيح، بعضه في الصحيحين وبعضه في سنن الترمذيّ، وقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم‏: من أخذ أموال الناس يريد أداءها أداها الله عنه ومن أخذ يريد إتلافها أتلفه الله، رواه البخاريّ، وإذا كان الله تعالى قد أوجب أداء الأمانات التي قبضت بحق، ففيه تنبيه على وجوب أداء الغصب والسرقة والخيانة ونحو ذلك من المظالم، وكذلك أداء العارية، وقال بعضهم: بل لم يسمع، حتى إذا قضى حديثه قال: أين أراه السائل عن الساعة؟ قال: ها أنا يا رسول الله! قال: (فإذا ضيعت الأمانة فانتظر الساعة) قال كيف إضاعتها؟ قال: (إذا وسّد الأمر إلى غير أهله، فانتظر الساعة)

5. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي نعم ما يأمركم به من أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وغير ذلك من أوامره وشرائعه الكاملة العظيمة، و(ما) إما منصوبة موصوفة بـ (يعظكم) أو مرفوعة موصولة، كأنه قيل نعم شيئا يعظكم به، أو نعم الشيء الذي يعظكم به، والجملة مستأنفة مقررة لما قبلها متضمنة لمزيد لطف بالمخاطبين وحسن استدعائهم إلى الامتثال بالأمر ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا﴾ لأقوالكم في الأمانات والأحكام‏ ﴿بَصِيرًا﴾ بأفعالكم فيهما، فإن سمع ورأى خيرا جازاكم عليه خير الجزاء، وإن سمع ورأى شرّا جازاكم عليه، فهو وعد ووعيد.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/178.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هاتان الآيتان هما أساس الحكومة الإسلامية ولو لم ينزل في القرآن غيرهما لكفتا المسلمين في ذلك إذا هم بنوا جميع الأحكام عليهما وقد ذكروا لنزولهما أسبابا وصرحوا بأن السبب الخاص لا يخصص عموم الخطاب.

2. الظاهر(2) أنها نزلت قبل فتح مكة وأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تلاها يومئذ استشهادا وإن لم يتذكر عمر أنه سمعها قبل ذلك إن صحت الرواية وصح أن عمر قال ذلك فقد صح عنه أنه ذهل عند وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عما ورد في ذكر موته حتى قرأ أبو بكر ﴿وما محمد إلا رسول قد خلت من قبله الرسل أفئن مات أو قتل انقلبتم على أعقابكم﴾ [آل عمران: 144] فتذكر وذهل عن آية ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ [النساء: 20] حتى ذكرته بها المرأة التي راجعته في مسألة تحديد المهور كما تقدم في أوائل هذه السورة وكل أحد عرضة للنسيان والذهول، والرواية عن ابن عباس لا تصح وإن اعتمدها الجلال فقد ذكرنا من قبل أن المحدثين قالوا: إن أوهى طرق التفسير عن ابن عباس هي طريق الكلبي عن أبي صالح قالوا إن انضم إليها مروان الصغير فهي سلسلة الكذب، وأما رواية شعبة عن حجاج هذا هو المصيصي الأعور فقد كان ثقة ولكنه تغير في آخر عمره وهو ممن روى عن شعبة وابن جرير ولم يذكروا أن شعبة روى عنه ولكن شعبة روى عن حجاج الأسلمي وهو مجهول كما قال أبو حاتم.

3. وفي الروايتين بحث من جهة المعنى أيضا فإن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أولى بمفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة ومن كل أحد فلو أعطاه للعباس أو غيره لم يكن فاعلا إلا ما له الحق فيه ومن أعطاه إياه يكون هو أهله وأحق به، وليس هذا من بابـ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الأحزاب: 6] بل لأن الكعبة من المصالح العامة، وإنما كان يكون من هذا الباب لو كان المفتاح مفتاح بيت عثمان بن طلحة نفسه ونزع ملكه منه وأعطاه آخر بل الحكام الآن في جميع الممالك ينزعون ملك من يرون المصلحة العامة في نزع ملكه منه ولكنهم يعطونه ثمنه شاء أم أبى.

4. قال محمد عبده: بعد ما بين الله تعالى لنا من شأن أهل الكتاب ما بينه حتى تفضيلهم المشركين في الهداية على المؤمنين بالله وحده وبجميع كتبه ورسله أدبنا بهذا الأدب العالي وأمرنا بالأمانة العامة وهي الاعتراف بالحق سواء كان الحق حسيا أو معنويا فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ فالكلام متصل بما قبله بمناسبة قوية تجعل السياق كعقد من الجوهر متناسب اللآلي فسواء صح ما ذكر من حكاية مفتاح الكعبة أو لم يصح فإن صحته لا تضر بالتئام السياق ولا بعموم الحكم إذ السبب الخاص لا ينافي عموم الحكم.

5. الأمانة حق عند المكلف يتعلق به حق غيره ويودعه لأجل أن يوصله إلى ذلك الغير كالمال والعلم سواء كان المودع عنده ذلك الحق قد تعاقد مع المودع على ذلك بعقد قولي خاص صرح فيه بأنه يجب على المودع عنده أن يؤدي كذا إلى فلان مثلا أم لم يكن كذلك فإن ما جرى عليه التعامل بين الناس في الأمور العامة هو بمثابة ما يتعاقد عليه الأفراد في الأمور الخاصة فالذي يتعلم العلم قد أودع أمانة وأخذ عليه العهد بالتعامل والعرف بأن يؤدي هذه الأمانة ويفيد الناس ويرشدهم بهذا العلم وقد أخذ الله العهد العام على الناس بهذا التعامل المتعارف بينهم شرعا وعرفا بنص قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾ [آل عمران: 187]، ولذلك عد علماء أهل الكتاب خائنين بكتمان صفات النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيجب على العالم أن يؤدي أمانة العلم إلى الناس كما يجب على من أودع المال أن يرده إلى صاحبه، ويتوقف أداء أمانة العلم على تعرف الطرق التي توصل إلى ذلك فيجب أن تعرف هذه الطرق لأجل السير فيها، وإعراض العلماء عن معرفة الطرق التي تتأدى بها هذه الأمانة بالفعل هو ابتعاد عن الواجب الذي أمروا به وإخفاء الحق بإخفاء وسائله هو عين الإضاعة للحق، فإذا رأينا الجهل بالحق والخير فاشيا بين الناس واستبدلت به الشرور والبدع ورأينا أن العلماء لم يعلموهم ما يجب في ذلك فيمكننا أن نجزم بأن هؤلاء العلماء لم يؤدوا الأمانة وهي ما استحفظوا عليه من كتاب الله ولا عذر لهم في ترك استبانه الطريق الموصل إلى ذلك بسهولة وقرب، فهم خونة الناس وليسوا بالأمناء.

6. يجب على العلماء أن يعرفوا الطرق التي تؤدي إلى إيصال العلم إلى الناس وقبوله وهذه الطرق تختلف باختلاف الزمان والمكان كما تختلف الطرق التي تؤدي بها أمانة المال ففي هذا العصر تؤدى الأموال إلى أصحابها بطرق لم تكن معروفة في العصور السابقة منها التحويل على مصلحة البريد ومنها المصارف ومنها غير ذلك، وكذلك توجد طرق لنشر العلم بين الناس أسهل من الطرق السابقة فمن أبى سلوكها لا يعذر بعدم تأديته لأمانة العلم النافع وأكثر العلماء المتأخرين يقولون إنه لا يجب على العالم أن يتصدى لتعليم الناس وإنما يجب عليه أن يجيب إذا سئل وربما قيدوا هذا بما إذا فقد من يقوم مقامه في الإفتاء، وإنما قال مثل هذا من قاله من المتقدمين في المسائل الخاصة التي يحتاج إليها عند وقوع الوقائع فأما ما لا بد منه ولا يسع الناس جهله من العقائد والواجبات وأحكام الحلال والحرام فلم يشترط أحد فيه هذا الشرط ولذلك اتفقوا على وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولم يقيدوه بالاستفتاء، والمجهول لا تتوجه النفوس إلى السؤال عنه أفيترك الجاهلون بالسنن العاملون بالبدع حتى يطرقوا أبواب العلماء في بيوتهم أو مدارسهم مع العلم بأنهم لا يفعلون.

7. لا يخرج علماء الدين من تبعة الكتمان والخيانة في أمانة الله بتصديهم لتدريس كتب الفقه والعقائد فإن هذه الكتب لا تفهمها العامة ولا تجب عليها معرفتها لأنها وضعت للمنقطعين للعلم يستعينون بها على القضاء والإفتاء في المسائل التي لا يحتاج إليها كل الناس دائما ومنها ما تمر الأعصار ولا يقع بل منها يستحيل وقوعه، فيجب على العلماء أن يتصدوا لتعليم الجمهور ما لا يسع أحدا منهم جهله وأن يأمروهم المعروف وينهوهم عن المنكر من أقرب الطرق وأسهلها وإنما يعرف ذلك بالتجربة والاختبار ولله در الشاعر الذي قال: (لو صح منك الهوى أرشدت للحيل)

8. الأمانة ما يؤمن عليه الإنسان من الأمن وهو طمأنينة النفس وعدم الخوف، يقال أمنته (كسمعته) على الشيء ﴿هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلَّا كَمَا أَمِنْتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ﴾ [يوسف: 64] ويقال أمنه بكذا ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ [آل عمران: 75] ويقال ائتمن فلانا أي عده أو اتخذه أمينا وائتمنه على الشيء كأمنه عليه ﴿فليؤد الذي ائتمن أمانته﴾ [البقرة: 283] وكل أمانة يجب حفظها ومنها ما يحفظ فقط كالسر وفي الحديث المرفوع (إذا حدث الرجل بحديث ثم التفت فهو أمانة) رواه أحمد وأبو داود والترمذي والضياء عن جابر وأبو يعلى في مسنده عن أنس وأشار السيوطي في الجامع الصغير إلى صحته، ومنه يعلم أن كل ما يدل على الائتمان من قول وعمل وعرف وقرينة يجب اعتباره والعمل به وتقدم تصريح محمد عبده بذلك، ومنها (أي الأمانة) يحفظ ليؤدي إلى صاحبه سواء كان هو الذي ائتمنك عليه أو غيره لأجله، ويسمى من يحفظ الأمانة ويؤديها حفيظا وأمينا ووفيا ويسمى من لا يحفظها أو لا يؤديها خائنا ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ فمن خان عالما عامدا كان من العصاة ووجب عليه الضمان.

9. الأمانة على أنواع ولذلك جمعت في الآية وفي سورة الأنفال بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾ [الأنفال: 27] وسورة المؤمنون والمعارج بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُونَ﴾ [المؤمنون: 8 والمعا رج: 32،] وقد ذكرنا عن محمد عبده أمانة العلم وأمانة المال، وجعلها بعضهم ثلاثا:

أ. إحداها: أمانة العبد مع الرب، وهي ما عهد إليه حفظه من الائتمار بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه، واستعمال مشاعره وجوارحه فيما ينفعه ويقربه من ربه فالمعاصي كلها خيانة لله عز وجل، وقد ورد في المأثور ما يدل على ذلك.

ب. ثانيها: أمانة العبد مع الناس، ويدخل فيها رد الودائع وعدم الغش في شيء من الأشياء وحفظ السر وغير ذلك مما يجب لآحاد الناس وللحكام وللأهل والأقربين، قال الرازي: (ويدخل في هذا القسم عدل الأمراء مع رعيتهم وعدل العلماء مع العوام بأن لا يحملونهم على التعصبات الباطلة بل يرشدونهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم)، فعلى هذا يكون العلماء الذين يعلمون العامة مسائل الخلاف التي تثير التعصب بينهم والذين لا يعلمونهم ما ينفعهم في دنياهم من أمور التربية الحسنة وكسب الحلال وما ينفعهم في آخرتهم من المواعظ والأحكام التي تقوي إيمانهم وتنفرهم من الشرور وترغبهم في الخيرات كل أولئك العلماء من الخائنين للأمة، وهذا القسم يمكن أن يقسم إلى أقسام فيجعل رعاية أمانة الحكام قسما ورعاية أمانة الأقربين من الأصول والفروع والحواشي قسما، ورعاية أمانة الزوجية والصهر قسما، ومنها أن لا يفشي أحد الزوجين سر الآخر ولا سيما السر الذي يختص بهما ولا يطلع عليه عادة منهما سواهما، ورعاية أمانات سائر الناس قسما.

ج. ثالثها: أمانة الإنسان مع نفسه، وعرفها الرازي بأن (لا يختار لنفسه إلا ما هو الأنفع والأصلح له في الدين والدنيا وأن لا يقدم بسبب الشهوة والغضب على ما يضره في الآخرة)، ومن ذلك الذي أجمله توقي الإنسان لأسباب الأمراض والأوبئة بحسب معرفته وما يستفيده من الأطباء وذلك يدل على أن رعاية هذا النوع من الأمانة يتوقف على تعلم ما يحتاج إليه من علم حفظ الصحة ولا سيما في أيام الأمراض الوبائية المنتشرة، مثال ذلك إنه قد عرف بالتجارب نفع بعض ما يعمل للوقاية من المرض كتلقيح الجدري، ومن ذلك التداوي عند وقوع المرض، وتفصيل رعاية هذه الأمانات يطول، وسنعيد البحث فيها عند تفسير تلك الآيات إن أنسأ الله لنا في العمر.

10. قدم الأمر بأداء الأمانات على الأمر بالعدل لأن العدل في الأحكام يحتاج إليه عند الخيانة في الأمانات التي تتعلق بحقوق الناس والتخاصم إلى الحاكم، والأصل أن يكون الناس أمناء يقومون بأداء الأمانات بوازع الفطرة والدين، والخيانة خلاف الأصل، ومن شأنها أنها لا تقع في الأمة المتدينة إلا شذوذا، وقلما يحتاج إلى العدل في الحكم إذا راعى الناس أماناتهم وأدوها إلى أهلها.

11. ورد في الأمانة عدة آيات ذكرنا بعضها آنفا وورد فيها أحاديث كثيرة مشددة في وجوب رعايتها وأدائها وتشنيع الخيانة والوعيد عليها:

أ. منها حديث: آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان) رواه الشيخان والترمذي والنسائي من حديث أبي هريرة.

ب. وفي معناه حديث: (ثلاث من كن فيه فهو منافق وإن صام وصلى وحج واعتمر وقال إني مسلم من إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان) رواه رسته عبد الرحمن بن عمر أبي الحسن الزهري الأصفهاني) في الإيمان وأبو الشيخ في التوبيخ من حديث أنس، وهو مروي عن غيره عند غيرهما بألفاظ أخرى.

ج. ومنها حديث (لا إيمان لمن لا أمانة له ولا دين لمن لا عهد له) رواه أحمد وابن حبان من حديث أنس ورمز له السيوطي في جامعه بالصحة.

د. ومنها حديث: (لن تزال أمتي على الفطرة ما لم يتخذوا الأمانة مغنما والزكاة مغرما) رواه سعيد بن منصور في سننه.

12. في حكمة تأكيد الأمر بالأمانة وبيان فائدتها ومضرة الخيانة، ذكر حكيم الإسلام السيد جمال الدين الأفغاني في رسالته (الرد على الدهريين) التي ألفها بالفارسية وترجمها بالعربية تلميذه محمد عبده أن الدين قد أفاد الناس ثلاث عقائد وثلاث خصال أقاموا بها بناء مدنيتهم، ومن هذه الخصال أو الصفات الأمانة وهاك ما قاله فيها فهو يغني عن غيره:

أ. من المعلوم الجلي أن بقاء النوع الإنساني قائم بالمعاملات والمعاوضات في منافع الأعمال، وروح المعاملة والمعاوضة إنما هي الأمانة، فإن فسدت الأمانة بين المتعاملين بطلب صلات المعاملة وانبترت حبال المعاوضة فاختل نظام المعيشة وأفضى ذلك بنوع الإنسان إلى الفناء العاجل.

ب. ثم من البين أن الأمم في رفاهتها والشعوب في راحتها وانتظام أمر معيشتها محتاجة إلى الحكومة بأي أنواعها إما جمهورية أو ملكية مشروطة أو ملكية مقيدة، والحكومة في أي صورها لا تقوم إلا برجال يلون ضروبا من الأعمال فمنهم حراس على حدود المملكة يحمونها من عدوان الأجانب عليها ويدافعون الوالج في ثغورها، وحفظة في داخل البلاد يأخذون على أيدي السفهاء ممن يهتك ستر الحياء ويميل إلى الاعتداء من فتك أو سلب أو نحوهما، ومنهم حملة الشرع وعرفاء القانون يجلسون على منصات الأحكام لفصل الخصومات والحكم في المنازعات ومنهم أهل جباية الأموال يحصلون من الرعايا ما فرضت عليهم الحكومة من خراج مع مراعاة قانونها في ذلك ثم يستحفظون ما يحصلون في خزائن المملكة وهي خزائن الرعايا في الحقيقة وإن كانت مفاتيحها بأيدي خزنتها، ومنهم من يتولى صرف هذه الأموال في المنافع العامة للرعية مع مراعاة الاقتصاد والحكمة كإنشاء المدارس والمكاتب وتمهيد الطرق وبناء القناطر وإقامة الجسور وإعداد المستشفيات ويؤدي أرزاق سائر العاملين في شؤون الحكومة من الحراس والحفظة وقضاة العدل وغيرهم حسبما عين لهم، وهذه الطبقات من رجال الحكومة الوالين على أعمالها إنما تؤدي كل طبقة منها عملها المنوط بها بحكم الأمانة فإن خزيت أمنة أولئك الرجال وهم أركان الدولة سقط بناء السلطة وسلب الأمن وزاحت الراحة من بين الرعايا كافة وضاعت حقوق المحكومين وفشا فيهم القتل والتناهب ووعرت طرق التجارة وتفتحت عليهم أبواب الفقر والفاقة وخوت خزائن الحكومة وعميت على الدولة سبل النجاح فإن حزبها أمر سدت عليها نوافذ النجاة، ولا ريب أن قوما يساسون بحكومة خائنة إما أن ينقرضوا بالفساد وإما أن يأخذهم جبروت أمة أجنبية عنهم يسومونهم خسفا ويستبدون فيهم عسفا فيذوقون من مرارة العبودية ما هو أشد من مرارة الانقراض والزوال.

ج. ومن الظاهر أن استعلاء قوم على آخرين إنما يكون اتحاد آحاد العاملين والتئام بعضهم ببعض حتى يكون كل منهم لبنة قومه كالعضو للبدن ولن يكون هذا الاتحاد حتى تكون الأمانة قد ملكت قيادهم وعمت بالحكم أفرادهم.

د. فقد كشف الحق أن الإمامة دعامة بقاء الإنسان ومستقر أساس الحكومات وباسط ظلال الأمن والراحة ورافع أبنية العز والسلطان وروح العدالة وجسدها ولا يكون شيء من ذلك بدونها.

هـ. وإليك الاختبار في فرض أمة عطلت نفوسها من حيلة هذه الخلة الجليلة فلا تجد فيها إلا آفات جائحة، ورزايا قاتلة، وبلايا مهلكة وفقرا معوزا وذلا معجزا ثم لا تلبث بعد هذا كله أن تبتلعها بلاليع العدم، وتلتهمها أمهات اللهم.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/170.

(2) ذكر قبل هذا بعض الآثار التي سبق ذكرها في سبب النزول.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن ذكر سبحانه في الآية السابقة الأجر العظيم للذين آمنوا وعملوا الصالحات وكان من أجلّ تلك الأعمال أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس ـ لا جرم أمر بهما في هذه الآية، والأمانة على أنواع:

أ. أمانة العبد مع ربه، وهى ما عهد إليه حفظه من الائتمار بما أمره به والانتهاء عما نهاه عنه، واستعمال مشاعره وجوارحه فيما ينفعه ويقرّبه من ربه، وقد ورد في الأثر: إن المعاصي كلها خيانة لله عزّ وجل.

ب. أمانة العبد مع الناس، ومن ذلك رد الودائع إلى أربابها وعدم الغش وحفظ السر ونحو ذلك مما يجب للأهل والأقربين وعامة الناس والحكام، ويدخل في ذلك عدل الأمراء مع الرعية وعدل العلماء مع العوام بأن يرشدوهم إلى اعتقادات وأعمال تنفعهم في دنياهم وأخراهم من أمور التربية الحسنة وكسب الحلال، ومن المواعظ والأحكام التي تقوّى إيمانهم وتنقذهم من الشرور والآثام وترغبهم في الخير والإحسان، وعدل الرجل مع زوجه بألا يفشى أحد الزوجين سرا للآخر ولا سيما السر الذي يختص بهما ولا يطلع عليه عادة سواهما.

ج. أمانة الإنسان مع نفسه، بألا يختار لنفسه إلا ما هو الأصلح والأنفع له في الدين والدنيا، وألا يقدم على عمل يضره في آخرته أو دنياه، ويتوقى أسباب الأمراض والأوبئة بقدر معرفته وما يعرف من الأطباء، وذلك يحتاج إلى معرفة علم الصحة ولا سيما في أوقات انتشار الأمراض والأوبئة.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/70.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. 2. هذه هي تكاليف الجماعة المسلمة؛ وهذا هو خلقها: أداء الأمانات إلى أهلها، والحكم بين الناس بالعدل، على منهج الله وتعليمه، والأمانات تبدأ من الأمانة الكبرى.. الأمانة التي ناط الله بها فطرة الإنسان؛ والتي أبت السماوات والأرض والجبال أن يحملنها وأشفقن منها، وحملها (الإنسان).. أمانة الهداية والمعرفة والإيمان بالله عن قصد وإرادة وجهد واتجاه، فهذه أمانة الفطرة الإنسانية خاصة، فكل ما عدا الإنسان ألهمه ربه الإيمان به، والاهتداء إليه، ومعرفته، وعبادته، وطاعته، وألزمه طاعة ناموسه بغير جهد منه ولا قصد ولا إرادة ولا اتجاه، والإنسان وحده هو الذي وكل إلى فطرته، وإلى عقله، وإلى معرفته، وإلى إرادته، وإلى اتجاهه، وإلى جهده الذي يبذله للوصول إلى الله، بعون من الله: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.. وهذه أمانة حملها وعليه أن يؤديها أول ما يؤدي من الأمانات‏.

3. ومن هذه الأمانة الكبرى، تنبثق سائر الأمانات، التي يأمر الله أن تؤدى، ومن هذه الأمانات: أمانة الشهادة لهذا الدين.. الشهادة له في النفس أولا بمجاهدة النفس حتى تكون ترجمة له، ترجمة حية في شعورها وسلوكها، حتى يرى الناس صورة الإيمان في هذه النفس، فيقولوا: ما أطيب هذا الإيمان وأحسنه وأزكاه؛ وهو يصوغ نفوس أصحابه على هذا المثال من الخلق والكمال! فتكون هذه شهادة لهذا الدين في النفس يتأثر بها الآخرون.. والشهادة له بدعوة الناس إليه، وبيان فضله ومزيته ـ بعد تمثل هذا الفضل وهذه المزية في نفس الداعية ـ فما يكفي أن يؤدي المؤمن الشهادة للإيمان في ذات نفسه، إذا هو لم يدع إليها الناس كذلك، وما يكون قد أدى أمانة الدعوة والتبليغ والبيان، وهي إحدى الأمانات، ثم الشهادة لهذا الدين بمحاولة إقراره في الأرض؛ منهجا للجماعة المؤمنة؛ ومنهجا للبشرية جميعا.. المحاولة بكل ما يملك الفرد من وسيلة، وبكل ما تملك الجماعة من وسيلة، فإقرار هذا المنهج في حياة البشر هو كبرى الأمانات؛ بعد الإيمان الذاتي، ولا يعفى من هذه الأمانة الأخيرة فرد ولا جماعة.. ومن ثم ف(الجهاد ماض إلى يوم القيامة) على هذا الأساس.. أداء لإحدى الأمانات.

4. ومن هذه الأمانات ـ الداخلة في ثنايا ما سبق ـ أمانة التعامل مع الناس؛ ورد أماناتهم إليهم: أمانة المعاملات والودائع المادية، وأمانة النصيحة للراعي وللرعية، وأمانة القيام على الأطفال الناشئة، وأمانة المحافظة على حرمات الجماعة وأموالها وثغراتها.. وسائر ما يجلوه المنهج الرباني من الواجبات والتكاليف في كل مجالي الحياة على وجه الإجمال.. فهذه من الأمانات التي يأمر الله أن تؤدى؛ ويجملها النص هذا الإجمال.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/688.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الأمانات التي يأمر الله سبحانه وتعالى بأدائها إلى أهلها، كثيرة، متنوعة، وأهلها كثيرون مختلفون! فهناك أمانة عامة حملها أبناء آدم جميعا، هي أمانة التكليف، التي أبت عوالم السماء والأرض أن تحملها، وأشفقت من حملها، والقدرة على الوفاء بها، وأمانة التكليف هذه، هي التي أفردت الإنسان عن سائر المخلوقات، بالعقل، الذي به أصبح الإنسان سيد نفسه، بما له من قوى التفكير، والتقدير، والإرادة.. فإن شاء تقدم، وإن شاء تأخر، حسب ما يرى ويقدّر! ولهذا كان عالم الناس مجموعة عوالم، بعدد أفراد الناس، فردا، فردا، فكل إنسان عالم وحده، في تفكيره، وتقديره، وعواطفه، ومنازعه، وسلوكه، حتى لا يكاد يتساوى إنسان وإنسان بحال أبدا.. على خلاف الكائنات الأخرى، علويّها وسفليّها.. كل عالم منها ينتظم جميع أفراده، التي لا يختلف فيها واحد عن آخر، حتى لكأنها عدد مكرر من أعداد الحساب!

2. هذا التفرد الذي كان للإنسان، هو طموح جامح، منّته به نفسه الغرور، فارتفع إلى المستوي الرفيع الذي إن زلّت به قدمه فيه، سقط من علو شاهق، وهوى إلى أسفل سافلين.. وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾، فالإنسان إذ حمل هذه الأمانة ـ أمانة التكليف ـ أصبح سيّد الكائنات كلها، لا سيّد فوقه إلا الله سبحانه وتعالى، فهو بهذا الخلق القويم الكريم ظلّ الله في هذا الوجود، تتخايل فيه لمحات من علم الله، وقدرته، وإرادته، وكثير من صفاته، سبحانه وتعالى علوّا كبيرا عن الشبيه والمثيل!

3. وعلى هذا يمكن أن يفهم ما تحدّث به التوراة عن الله تعالى: (وقال الله: نعمل الإنسان على صورتنا، كشبهنا.. فخلق الله الإنسان على صورته، على صورة الله خلقه، ذكرا وأنثى خلقهم الله)

4. وإذ حمل الإنسان هذه الأمانة، وتحدّى الموجودات كلها، التي أشفقت من حملها، فإنّ من البر بنفسه، والكرامة لإنسانيته، أن يرتفع إلى هذا المستوي الكريم، وأن يرعى هذه الأمانة حق رعايتها، وأن يؤديها إلى أهلها، وهو الله سبحانه وتعالى، وذلك بالتعرف على الله والإيمان به أولا، ثم الاستقامة على طريق الحق والخير على ما شرعه الله ورسمه.

5. وأداء هذه الأمانة على وجهها، هو ضمان وثيق لأداء الأمانات كلها، لأن كل أمانة بعد هذا هي بعض من تلك الأمانة الكبرى، وأثر من آثارها.. فما بين الناس والناس من أمانات ماديّة، وعقود، وعهود، هو مما يندرج تحت هذه الأمانة وينضوى إليها.

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/819.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ استئناف ابتدائي قصد منه الإفاضة في بيان شرائع العدل والحكم، ونظام الطاعة، وذلك من الأغراض التشريعية الكبرى التي تضمّنتها هذه السورة، ولا يتعيّن تطلّب المناسبة بينه وبين ما سبقه، فالمناسبة هي الانتقال من أحكام تشريعية إلى أحكام أخرى في أغراض أخرى، وهنا مناسبة، وهي أنّ ما استطرد من ذكر أحوال أهل الكتاب في تحريفهم الكلم عن مواضعه، وليّهم ألسنتهم بكلمات فيها توجيه من السبّ، وافترائهم على الله الكذب، وحسدهم بإنكار فضل الله إذ آتاه الرسول والمؤمنين، كلّ ذلك يشتمل على خيانة أمانة الدين، والعلم، والحقّ، والنعمة، وهي أمانات معنويّة، فناسب أن يعقب ذلك بالأمر بأداء الأمانة الحسيّة إلى أهلها ويتخلّص إلى هذا التشريع.

2. جملة ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ صريحة في الأمر والوجوب، مثل صراحة النهي في قوله‏ في الحديث:‏ (إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم)، (وإنّ) فيها لمجرد الاهتمام بالخبر لظهور أنّ مثل هذا الخبر لا يقبل الشكّ حتّى يؤكّد لأنّه إخبار عن إيجاد شيء لا عن وجوده، فهو والإنشاء سواء، والخطاب لكلّ من يصلح لتلقّي هذا الخطاب والعمل به من كلّ مؤتمن على شيء، ومن كلّ من تولّى الحكم بين الناس في الحقوق.

3. الأداء حقيقة في تسليم ذات لمن يستحقّها، يقال: أدّى إليه كذا، أي دفعه وسلّمه، ومنه أداء الدّين، وتقدّم في قوله تعالى: ﴿مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ﴾ في سورة آل عمران، وأصل أدّى أن يكون مضاعف أدى ـ بالتخفيف ـ بمعنى أوصل، لكنّهم أهملوا أدى المخفّف واستغنوا عنه بالمضاعف، ويطلق الأداء مجازا على الاعتراف والوفاء بشيء، وعلى هذا فيطلق أداء الأمانة على قول الحقّ والاعتراف به وتبليغ العلم والشريعة على حقّها، والمراد هنا هو الأوّل من المعنيين، ويعرف حكم غيره منهما أو من أحدهما بالقياس عليه قياس الأدون.

4. الأمانة: الشيء الذي يجعله صاحبه عند شخص ليحفظه إلى أن يطلبه منه، وقد تقدّم الكلام عليها عند قوله تعالى‏ ﴿فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ في سورة البقرة، وتطلق الأمانة مجازا على ما يجب على المكلّف إبلاغه إلى أربابه ومستحقيه من الخاصّة والعامّة كالدّين والعلم والعهود والجوار والنصيحة ونحوها، وضدّها الخيانة في الإطلاقين، والأمر للوجوب، والأمانات من صيغ العموم، فلذلك قال جمهور العلماء فيمن ائتمنه رجل على شيء وكان للأمين حقّ عند المؤتمن جحده إيّاه: إنّه لا يجوز له أخذ الأمانة عوض حقّه لأنّ ذلك خيانة، ومنعه مالك في المدوّنة، وعن ابن عبد الحكم: أنه يجوز له أن يجحده بمقدار ما عليه له، وهو قول الشافعي، قال الطبري عن ابن عباس، وزيد بن أسلم، وشهر بن حوشب، ومكحول: أنّ المخاطب ولاة الأمور، أمرهم أن يؤدّوا الأمانات إلى أهلها.

5. أهل الأمانة هم مستحقّوها، يقال: أهل الدار، أي أصحابها، وذكر الواحدي في أسباب النزول، بسند ضعيف: أنّ الآية نزلت يوم فتح مكة إذ سلّم عثمان بن طلحة ابن أبي طلحة العبدري الحجبي مفتاح الكعبة للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وكانت سدانة الكعبة بيده، وهو من بني عبد الدار وكانت السدانة فيهم، فسأل العباس بن عبد المطلب من رسول الله أن يجعل له سدانة الكعبة يضمها مع السقاية وكانت السقاية بيده، وهي في بني هاشم، فدعا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عثمان بن طلحة وابن عمّه شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، فدفع لهما مفتاح الكعبة وتلا هذه الآية، قال عمر بن الخطاب: وما كنت سمعتها منه قبل ذلك، وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لعثمان بن طلحة (خذوها خالدة تالدة لا ينتزعها منكم إلّا ظالم)، ولم يكن أخذ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مفتاح الكعبة من عثمان بن طلحة أخذ انتزاع، ولكنّه أخذه ينتظر الوحي في شأنه، لأنّ كون المفتاح بيد عثمان بن طلحة مستصحب من قبل الإسلام، ولم يغيّر الإسلام حوزه إيّاه، فلمّا نزلت الآية تقرّر حقّ بني عبد الدار فيه بحكم الإسلام، فبقيت سدانة الكعبة في بني عبد الدار، ونزل عثمان بن طلحة عنها لابن عمّه شيبة بن عثمان، وكانت السدانة من مناصب قريش في الجاهلية فأبطل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بعضها في خطبة يوم الفتح أو حجّة الوداع، ما عدا السقاية والسدانة، فإطلاق اسم الأمانة في الآية حقيقة، لأنّ عثمان سلّم مفتاح الكعبة للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم دون أن يسقط حقّه، والأداء حينئذ مستعمل في معناه الحقيقي، لأنّ الحقّ هنا ذات يمكن إيصالها بالفعل لمستحقّها، فتكون الآية آمرة بجميع أنواع الإيصال والوفاءات، ومن جملة ذلك دفع الأمانات الحقيقية، فلا مجاز في لفظ (تؤدّوا)

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/160.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ضاع اليهود بأمرين:

أ. أولهما: أنهم كانوا لا يؤدون الأمانات، كما قال تعالى في أكثرهم: ﴿وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لَا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾

ب. الثاني أنهم لا يقيمون العدل إذا حكموا كما قال سبحانه: ﴿أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾، فبالظلم ذهب ملكهم في الماضي وسيذهب في الحاضر إن شاء الله تعالى.

2. وإذا كانت الخيانة قد أفسدت أمرهم، والظلم قد أذهب سلطانهم، فعلى المؤمنين أن يقيموا علاقاتهم على دعائم الأمانة والعدالة؛ ولذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ هذا أمر عام للمؤمنين جميعا، لا يختص به راع دون الرعية، ولا قوى دون ضعيف، ولا غنى دون فقير.

3. وقد أسند الأمر إلى الله تعالى بقوله تعالت كلماته مؤكدا أمره‏ ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾، وذلك لتأكيد الأداء فضل تأكيد بهذا التصريح، وذلك أن الأمر من قبل الله سبحانه مضافا إليه أمر مؤكد، كما يقال لتأكيد الأمر للعبد بالطاعة: سيدك‏ يأمرك بكذا، ولله المثل الأعلى في أوامره ونواهيه، وذلك فوق التأكيد بـ (إن) في صدر النص الكريم.

4. والأمانة مصدر بمعنى المفعول، فالمراد بالأمانة ما يؤتمن الإنسان عليه، وقد جمعها سبحانه بقوله تعالى‏ ﴿الْأَمَانَاتِ﴾ لتشمل كل ما يؤتمن الإنسان عليه من علم، ومال، وودائع، وأسرار، وغير ذلك مما يقع في دائرة الائتمان وتنبغى المحافظة عليه، ومعنى أدائها إلى أهلها توصيلها إلى ذويها كما هي من غير بخس ولا تطفيف:

أ. فالعالم يؤدى أمانة العلم من غير تزيد عليها، ولا تحريف لها؛ لأن التزيد طمس لمعالم العلم، والتحريف تبديل للحق، فمن أوتى علما بالقرآن لا يؤوله لهوى في نفسه، بل يقدمه للناس من غير تحريف للكلم عن مواضعه.

ب. والحكم أمانة في أعناق الحكام، عليهم أن يؤدوا الأمانة فيه بإقامة العدل، وتوخى المصلحة، وتجنب الفساد، سواء أكان فسادا معنويا، أم كان فسادا ماديا، والأول أعلى أنواع الفساد، والثاني أدناها، ومن أمانة الحكم ألا يشقوا على الرعية، وألا يفسدوا ضمائرهم، ولا يزعجوهم بالتظنن والتتبع ما داموا مؤمنين مذعنين، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1724.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. جاء في الكتاب والسنة العديد من الآيات والروايات في الحث على حفظ الأمانة وأدائها لصاحبها برا كان أو فاجرا، لأنها حق له بما هو انسان، لا بما هو صالح أو طالح، فمن القرآن هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾، ومنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ﴾، ومن الروايات: (لا ايمان لمن لا أمانة له، ولا دين لمن لا عهد له)، ولكن لم يرد في الكتاب والسنة ـ على ما نعلم ـ تحديد لمعنى الأمانة.

2. الذي نفهمه ان الأمانة هي الوديعة عندك لغيرك.. وعليك أن تحتفظ بها وتحرص عليها، وان تردها لصاحبها عند طلبها، كما هي، فإذا أمسكتها عنه، أو رددتها ناقصة محرفة فأنت خائن بحكم الكتاب والسنة، وليس من الضروري أن تكون الأمانة عينا حسية، كالمال والكتاب، فقد تكون سرا، أو نصيحة، أو عملا.. وأيضا ليس من الضروري أن يكون صاحبها الذي أن تؤديها له شخصا حقيقيا، فقد يكون الدين أو العلم، بل قد تكون نفسك بالذات صاحبة الأمانة، وأمانة الدين والعلم ما تعلمه من حلال الله وحرامه، ومن الخير والشر، وتتحقق التأدية لهذه الأمانة بأن تعمل بما تعلم، أما أمانة نفسك عندك فأن تختار ما هو الأصلح لها في دنياها وآخرتها.

3. الأمين هو الذي يؤدي ما عليه كاملا غير منقوص، سواء أكان الذي فرض هذا الواجب هو الدين، أو العلم، أو الوطن، أو المجتمع، أو أي شيء آخر.. فليست الأمانة ـ على هذا ـ ذوقا وسليقة يعجبها من الطعام أو الشراب هذا، لا ذاك، ومن النساء هذه، لا تلك، ولا وصفا يحبب الناس بصاحبه، كاللطف وخفة الروح، بل الأمانة عصب الحياة وقوامها الذي لا يستقيم شيء بدونه، والى هذا المعنى أشار الإمام علي عليه السلام بقوله: (الأمانات نظام الأمة) أي ان الأمة لا تنتظم شؤونها الا إذا أدى كل انسان ما يطلب منه.. وقال: (من لم يختلف سره وعلانيته، وفعله ومقالته فقد أدى الأمانة، وأخلص العبادة.. ومن استهان بالأمانة، ورتع في الخيانة، ولم ينزه نفسه ودينه عنها فقد أحل بنفسه في الدنيا الخزي، وهو في الآخرة أذل وأخزى، وان أعظم الخيانة خيانة الأمة، وأفظع الغش غش الأمة)، يشير الى القادة اللصوص، وسوء أثرهم، وفظاعة خطرهم.

4. ومن الدلائل على قداسة الأمانة وعظمتها قول الفقهاء: من أعلن الحرب على الإسلام والمسلمين، وأباح دماءهم وأموالهم، لا لشيء الا بغضا بكلمة التوحيد حل ماله ودمه، ولا تحل أمانته، قال الإمام زين العابدين عليه السلام(: لو ائتمني قاتل أبي على السيف الذي ذبحه به لما خنته).. وقال رجل للإمام الرضا عليه السلام: ان يهوديا خانني في ألف درهم، وحلف، ثم وقعت له عندي أرباح، فهل اقتص منه؟، قال الإمام: (ان كان ظلمك فلا تظلمه).. وفي رواية ثانية: (ان خانك فلا تخنه، ولا تدخل فيما عبته عليه)، والسر في ذلك ان الأمانة حق لصاحبها بوصفه إنسانا، لا بوصفه مسلما، لا مشركا، أو طيبا، لا خبيثا.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/355.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ظاهره الارتباط بالآيات السابقة عليها فإن البيان الإلهي فيها يدور حول حكم اليهود للمشركين بأنهم أهدى سبيلا من المؤمنين، وقد وصفهم الله تعالى في أول بيانه بأنهم أوتوا نصيبا من الكتاب والذي في الكتاب هو تبيين آيات الله والمعارف الإلهية، وهي أمانات مأخوذ عليها الميثاق أن تبين للناس، ولا تكتم عن أهله، وهذا الذي ذكر من القرائن يؤيد أن يكون المراد بالأمانات ما يعم الأمانات المالية وغيرها من المعنويات كالعلوم والمعارف الحقة التي من حقها أن يبلغها حاملوها أهلها من الناس.

2. بالجملة لما خانت اليهود الأمانات الإلهية المودعة عندهم من العلم بمعارف التوحيد وآيات نبوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم فكتموها ولم يظهروها في واجب وقتها، ثم لم يقنعوا بذلك حتى جاروا في الحكم بين المؤمنين والمشركين فحكموا للوثنية على التوحيد فآل أمرهم فيه إلى اللعن الإلهي وجر ذلك إياهم إلى عذاب السعير فلما كان من أمرهم ما كان، غير سبحانه سياق الكلام من التكلم إلى الغيبة فأمر الناس بتأدية الأمانات إلى أهلها، وبالعدل في الحكم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾

3. الذي وسعنا به معنى تأدية الأمانات والعدل في الحكم هو الذي يقضي به السياق على ما عرفت، فلا يرد عليه أنه عدول عن ظاهر لفظ الأمانة والحكم فإن المتبادر في مرحلة التشريع من مضمون الآية وجوب رد الأمانة المالية إلى صاحبها، وعدل القاضي وهو الحكم في مورد القضاء الشرعي، وذلك أن التشريع المطلق لا يتقيد بما يتقيد به موضوعات الأحكام الفرعية في الفقه بل القرآن مثلا يبين وجوب رد الأمانة على الإطلاق، ووجوب العدل في الحكم على الإطلاق فما كان من ذلك راجعا إلى الفقه من الأمانة المالية والقضاء في المرافعات راجعه فيه الفقه، وما كان غير ذلك استفاد منه فن أصول المعارف، وهكذا.

4. في تفسير البرهان، في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ﴾ الآية: عن محمد بن إبراهيم النعماني بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر محمد بن علي عليه السلام قال سألته عن قول الله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فقال: (أمر الله الإمام أن يؤدي الأمانة إلى الإمام الذي بعده، ليس له أن يزويها عنه، ألا تسمع قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ هم الحكام يا زرارة، أنه خاطب بها الحكام)، وصدر الحديث مروي بطرق كثيرة عنهم عليه السلام، وذيله يدل على أنه من باب الجري، وأن الآية نازلة في مطلق الحكم وإعطاء ذي الحق حقه فينطبق على مثل ما تقدم سابقا، وفي معناه ما في الدر المنثور، عن سعيد بن منصور والفريابي وابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن علي بن أبي طالب قال: (حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله ـ وأن يؤدي الأمانة ـ فإذا فعل ذلك فحق على الناس أن يسمعوا له وأن يطيعوا وأن يجيبوا إذا دعوا)

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/379.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الْأَمَانَاتِ﴾ عامٌ لكل أمانة، مثل: الودائع، والرسالات، وأموال اليتامى، وقضاء الدين، وثمن المبيع المؤجل من ذلك، وأداؤها: تسليمها، وأهلها: ملاكها ومن لهم ولايتها، ومن الأمانات: الضالَّةُ، واللقطة، فهي أمانة عند من أخذها، ومنها: ما أخذه المصدق من الزكوات وغير ذلك.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/94.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. نلاحظ على هذه الرواية(2) أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يمثل قمّة المحافظة على الأمانة، حتى أنه كان يلقب ـ قبل النبوة ـ بالأمين، فكيف يمكن أن يأخذ المفتاح من عثمان الذي يملك الحق في بقائه تحت يده ـ كما تقول الرواية في سبب نزول الآية ـ بمعنى أن أخذه منه لم يكن شرعيا، أما إذا قيل بأن النبي قد أخذه بحق لأنه صاحب السلطة الشرعية بصفته ولي الأمر الشرعي الذي يملك الولاية على الكعبة بمقتضى صلاحياته في حاكميته بالإضافة إلى‏ نبوته، فكيف اعتبر المفتاح أمانة عنده لا يجوز له الاحتفاظ بها؟ هذا مع ملاحظة أخرى، وهي أن مصطلح الأمانة، في أمثال هذا الموضوع، أنها الوديعة التي أودعها صاحبها أو صاحب الحق فيها عند الشخص، لا التي أخذت منه بالقوة.. إن هذه الرواية تسي‏ء إلى مقام النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وإلى مقام الإمام علي عليه السّلام الذي تصرف ـ حسب الرواية ـ بأمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بلحاظ ما رآه من طلب النبي المفتاح من عثمان ورفض الأخير لذلك لعدم اعترافه بأنه رسول الله، فكيف اعتذر منه الإمام عليه السّلام، والاعتذار ـ كما نعرف ـ لا يكون إلا عن ذنب، مما يؤدي إلى أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مارس عملا غير أخلاقي بتصرفه المباشر وغير المباشر.

2. هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كان سياق الآية واردا في بيان الخط التشريعي الذي أراد الله لنبيه والمؤمنين معه أن يتحركوا فيه في مسألة رد الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل، مما يوحي بأن القضية تمثل القاعدة الحيوية الإسلامية في سلوك المؤمنين في علاقاتهم بالآخرين أو ببعضهم البعض في مسألة الأمانة والحكم، مما يبعد معه أن يتأخر التشريع فيه إلى فتح مكة، كما أن الظاهر أن الآية نزلت في سياق واحد؛ الأمر الذي لا يتناسب مع وجود خصوصية في الفقرة الأولى دون الثانية؛ والله العالم.

3. ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ وينطلق القرآن في جولة جديدة مع المؤمنين، من أجل تنظيم حياتهم الاجتماعية في علاقاتهم‏ ومسئولياتهم؛ وقد أكدت هذه الآية على عنصرين أساسيين من عناصر السلامة العامة للتوازن الاجتماعي، وهما أداء الأمانة، والحكم بين الناس بالعدل، فإذا انطلق الأفراد في خط الأمانة وعاشوا المسؤولية العملية، في ما يأتمن به بعضهم بعضا من الأموال التي يودعونها ليحفظوها، أو من غير ذلك من الأمانات، التي قد تكون سرا من الأسرار، أو عملا من الأعمال، أو عرضا، أو نفسا، أو غير ذلك مما يحمّل الناس بعضهم بعضا مسئولية الحفاظ عليه، فإن المجتمع سيشعر بالأمن والطمأنينة على كل الأشياء التي يعتبرها أساسية، لأنه يجد الثقة التي تسود الأفراد في علاقاتهم وتحميهم من الإقدام على الخيانة، وبذلك يمكن لكل إنسان في المجتمع تجاوز الاستغراق في حاجاته الخاصة إلى الشعور بالمسؤولية في ما يتعلق بحاجات الآخرين، ليرعاها كما يرعى حاجاته وأموره؛ في مظهر من مظاهر التكامل الاجتماعي.

4. وقد اعتبرت النصوص الدينية الأمانة قمة الأخلاق الإسلامية، وأشارت إليها بعض الأحاديث على أساس أنها الصفة التي يمكن أن يختبر من خلالها صدق إيمان الشخص، وجاءت بعض الآيات لتعبر عن المسؤولية، التي تعني القيام بالتكليف عن إرادة واختيار، بكلمة الأمانة؛ وذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولًا﴾ [الأحزاب: 72]

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/313.

(2) ذكر ما ورد في سبب النزول الذي سبق ذكره.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الآية الكريمة وإنّ نزلت ـ كالكثير من الآيات ـ في مورد خاص، إلّا أن من البديهي أنّها تتضمّن حكما عامّا وشاملا للجميع، فهي تقول بصراحة: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾

2. من الواضح أنّ للأمانة معنى وسيعا يشمل كلّ شيء مادي ومعنوي، ويجب على كل مسلم ـ بصريح هذه الآية ـ أن لا يخون أحدا في أية أمانة دون استثناء، سواء كان صاحب الأمانة مسلما أو غير مسلم، وهذا هو في الواقع إحدى المواد في (الميثاق الاسلامي لحقوق الإنسان) التي يتساوى تجاهها كل أفراد البشر.

3. والجدير بالذكر أنّ الأمانة المذكورة في سبب النزول لم تكن مجرد أمانة مادية، ومن جانب آخر كان صاحبها المؤدى إليه تلك الأمانة مشركا.

4. وكما أسلفنا فإنّ الأمانة لا تنحصر في الأموال التي يودعها الناس ـ بعضهم عند بعض ـ بل العلماء في المجتمع هم أيضا مستأمنون يجب عليهم أن لا يكتموا الحقائق، بل حتى أبناء الإنسان وأولاده أمانات إلهية لدى الآباء والأمهات فلا يفرطوا في تربيتهم، ولا يقصروا في تأديبهم وتعليمهم، وإلّا كان ذلك خيانة في الأمانة الإلهية التي أمر الله بأدائها، بل وفوق ذلك كلّه الوجود الإنساني، فهو وجميع الطاقات المودوعة فيه (أمانات الله) التي يجب على الإنسان أن يجتهد في المحافظة عليها، كما عليه أن يحافظ على صحّة جسمه وسلامة روحه، ويحافظ على طاقة الشباب الفياضة، وفكره، ولا يفرط فيها، ولهذا لا يجوز له أن ينتحر أو يلحق الضرر بنفسه، حتى أنّه يستفاد من بعض الأحاديث والنصوص‏ الإسلامية إنّ علوم الإمامة وأسرارها وودائعها التي يسلمها كل إمام إلى الإمام الذي بعده داخلة في هذه الآية أيضا.

5. والجدير بالذكر، إنّ مسألة (أداء الأمانة) قدمت في هذه الآية على مسألة (العدالة) ولعلّ ذلك لأجل أنّ مسألة العدل في القضاء والحكم مترتبة دائما على الخيانة، لأنّ الأصل هو أن أمناء بالأصالة، فإذا انحرف شخص أو أشخاص عن هذا الأصل وصل الدور إلى العدالة لتوفّقهم على مسئولياتهم وتعرفهم بوظائفهم.

6. لقد ورد تأكيد كبير على هذه المسألة في المصادر الإسلامية إلى درجة أنّنا قلّما نجد مثله في مورد غيره من الأحكام والمسائل، والأحاديث القصيرة التالية توضيح هذه الحقيقة:

أ. عن الإمام الصّادق عليه السّلام أنّه قال: لا تنظروا إلى طول ركوع الرجل وسجوده فإن ذلك شيء اعتاده فلو تركه استوحش، ولكن انظروا إلى صدق حديثه وأداء أمانته)

ب. جاء في حديث آخر عن الإمام الصّادق عليه السّلام أنّه قال: إن عليّا إنّما بلغ ما بلغ به عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بصدق الحديث وأداء الأمانة)

ج. روي في حديث آخر عن الإمام الصّادق عليه السّلام أيضا قال لأحد أصحابه: (أعلم أن ضارب علي بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثمّ قبلت ذلك منه لأديت إليه الأمانة)

د. وفي روايات مروية في مصادر الشيعة والسنة عن النّبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم نلاحظ هذا الحديث السّاطع: (آية المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا ائتمن خان)

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/281.

57. الحكم بالعدل

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈57⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ [النساء: 58]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

علي:

روي عن الإمام علي (ت 40 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال لشريح القاضي: انظر إلى أهل المعك والمطل، ودفع حقوق الناس من أهل المقدرة واليسار، ممّن يدلي بأموال الناس إلى الحكّام، فخذ للناس بحقوقهم منهم، وبع فيها العقار والديار فإني سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: مطل المسلم الموسر ظلم للمسلم، ومن لم يكن له عقار، ولا دار، ولا مال فلا سبيل عليه.. واعلم أنه لا يحمل الناس على الحق، إلا من ورعهم عن الباطل، ثم واس بين المسلمين بوجهك ومنطقك ومجلسك، حتى لا يطمع قريبك في حيفك، ولا ييأس عدوك من عدلك، ورد اليمين على المدعي مع بينته، فإن ذلك أجلى للعمى، وأثبت في القضاء، واعلم أن المسلمين عدول بعضهم على بعض، إلا مجلود في حد لم يتب منه، أو معروف بشهادة زور، أو ظنين، وإياك والتضجر والتأذي في مجلس القضاء، الذي أوجب الله فيه الأجر، ويحسن فيه الذخر لمن قضى بالحق.. واعلم أن الصلح جائز بين المسلمين إلا صلحا حرم حلالا، أو أحل حراما.. واجعل لمن ادعى شهودا غيبا أمدا بينهما، فإن أحضرهم أخذت له بحقه، وإن لم يحضرهم أوجبت عليه القضية.. وإياك أن تنفذ قضية في قصاص، أو حد من حدود الله، أو حق من حقوق المسلمين، حتى تعرض ذلك عليّ إن شاء الله، ولا تقعد في مجلس القضاء حتى تطعم(1)..

2. روي أنّه قال لشريح: لا تشاور أحدا في مجلسك، وإن غضبت فقم، ولا تقضين وأنت غضبان(2)..

3. روي أنّه قال: من ابتلي بالقضاء فليواس بينهم في الإشارة، وفي النظر، وفي المجلس(3)..

4. روي أن رجلا نزل بالإمام علي، فمكث عنده أياماً، ثم تقدم إليه في خصومة لم يذكرها، فقال له: أخصم أنت؟ قال: نعم، قال: تحول عنّا، فإن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم نهى أن يضاف الخصم، إلا ومعه خصمه(4)..

5. عن الإمام الصادق، قال: كان أمير المؤمنين لا يأخذ بأول الكلام دون آخره(5)..

6. روي أنّه قال في عهده إلى مالك الأشتر، حين ولاه على مصر وأعمالها: واعلم أن الرعية طبقات: منها جنود الله، ومنها كتاب العامة والخاصة، ومنها قضاة العدل.. وكل قد سمى الله له سهمه، ووضعه على حده وفريضته.. ولكل على الوالي حق بقدر ما يصلحه.. واختر للحكم بين الناس أفـــضل رعيتك في نفسك، ممن لا تضيق به الأمور.. وأكثر تعاهد قضائه، وافسح له في البذل ما يزيح علته، وتقل معه حاجته إلى الناس، وأعطه من المنزلة لديك ما لا يطمع فيه غيره(6)..

7. روي أنّه قال: يد الله فوق رأس الحاكم ترفرف بالرحمة، فإذا حاف وكله الله إلى نفسه(7)..

8. عن الأصبغ بن نباته، قال: قضى أمير المؤمنين (الإمام علي): أن ما أخطأت القضاة في دم، أو قطع، فهو على بيت مال المسلمين(8)..

__________

(1) الكافي 7/ 412/ 1

(2) الكافي 7/ 413/ 5

(3) الكافي 7/ 413/ 3، والتهذيب 6/ 226/ 543، ومن لا يحضره الفقيه 3/ 8/ 9

(4) الكافي 7/ 413/ 4

(5) التهذيب 6/ 310/ 853

(6) نهج البلاغة 3: 99 / 53

(7) الكافي 7/ 410/ 1 والتهذيب 6/ 222/ 528

(8) من لا يحضره الفقيه 3/ 5/ 16

السجاد:

روي عن الإمام السجاد (ت 94 هـ) أنّه قال: إذا كنتم في أئمة جور فاقضوا في أحكامهم، ولا تشهروا أنفسكم فتقتلوا، وإن تعاملتم بأحكامنا كان خيرا لكم(1)..

__________

(1) التهذيب 6/ 225/ 540

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه سئل عن قول الله عز ذكره: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ فقال: (إيانا عنى، أن يؤدي الأول إلى الإمام الذي بعده، الكتب والعلم والسلاح ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الذي في أيديكم للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إيانا عنى خاصة، أمر جميع المؤمنين إلى يوم القيامة بطاعتنا (فإن خفتم تنازعا في أمر فردوه إلى الله وإلى الرسول واولي الأمر منكم) كذا نزلت، وكيف يأمرهم الله عز وجل بطاعة ولاة الأمر، ويرخص في منازعتهم، إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾(1).

2. عن محمّد بن مسلم، قال: مر بي الإمام الباقر وأنا جالس عند قاض بالمدينة، فدخلت عليه من الغد، فقال لي: ما مجلس رأيتك فيه أمس؟ فقلت: إن هذا القاضي لي مكرم، فربما جلست إليه، فقال لي: وما يؤمنك أن تنزل اللعنة، فتعم من في المجلس(2)..

3. روي أنّه قال: من أفتى الناس بغير علم، ولا هدى من الله، لعنته ملائكة الرحمة، وملائكة العذاب، ولحقه وزر من عمل بفتياه(3)..

4. روي أنّه قال: كان في بني إسرائيل قاض، وكان يقضي بالحق فيهم، فلما حضره الموت، قال لامرأته: إذا أنا مت فغسليني، وكفنيني، وضعيني على سريري، وغطي وجهي، فإنك لا ترين سوءا، فلما مات فعلت ذلك، ثم مكث بذلك حينا، ثم إنها كشفت عن وجهه لتنظر إليه فإذا هي بدودة تقرض منخره، ففزعت من ذلك، فلما كان الليل أتاها في منامها، فقال لها: أفزعك ما رأيت؟ قالت: أجل، فقال لها: أما لئن كنت فزعت ما كان الذي رأيت إلا في أخيك فلان، أتاني ومعه خصم له، فلما جلسا إلي قلت: اللهم اجعل الحق له، ووجه القضاء على صاحبه، فلما اختصما إليّ كان الحق له، ورأيت ذلك بينا في القضاء، فوجهت القضاء له على صاحبه، فأصابني ما رأيت لموضع هواي كان مع موافقة الحق(4).

__________

(1) الكافي 1/217.

(2) الكافي 7/ 410/ 1

(3) الكافي 1/ 33/ 3 و7/ 409/ 2، والتهذيب 6/ 123/ 531

(4) الكافي 7/ 410/ 2

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) أنّه قال في الآية: بعث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خالد بن الوليد في سرية، وفيها عمار بن ياسر، فساروا قبل القوم الذين يريدون، فلما بلغوا قريبا منهم عرسوا، وأتاهم ذو العينين(1)، فأخبرهم، فأصبحوا قد هربوا، غير رجل أمر أهله فجمعوا متاعهم، ثم أقبل يمشي في ظلمة الليل، حتى أتى عسكر خالد يسأل عن عمار بن ياسر، فأتاه، فقال: يا أبا اليقظان، إني قد أسلمت، وشهدت أن لا إله إلا الله، وأن محمدا عبده ورسوله، وإن قومي لما سمعوا بكم هربوا، وإني بقيت، فهل إسلامي نافعي غدا؟ وإلا هربت، فقال عمار: بل هو ينفعك، فأقم، فأقام، فلما أصبحوا أغار خالد، فلم يجد أحدا غير الرجل، فأخذه، وأخذ ماله، فبلغ عمارا الخبر، فأتى خالدا، فقال: خل عن الرجل؛ فإنه قد أسلم، وهو في أمان مني، قال خالد، وفيم أنت تجير؟ فاستبا، وارتفعا إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأجاز أمان عمار، ونهاه أن يجير الثانية على أمير، فاستبا عند النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال خالد: يا رسول الله، أتترك هذا العبد الأجدع يشتمني؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (يا خالد، لا تسب عمارا؛ فإنه من سب عمارا سبه الله، ومن أبغض عمارا أبغضه الله، ومن لعن عمارا لعنه الله)، فغضب عمار، فقام، فتبعه خالد حتى أخذ بثوبه، فاعتذر إليه، فرضي؛ فأنزل الله الآية(2).

__________

(1) ذو العينين: الجاسوس.

(2) ابن جرير ٧/١٧٨.

ابن أسلم:

روي عن زيد بن أسلم (ت 136 هـ) أنّه قال: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، نزلت في حكام الناس، فيمن ولي من أمور الناس شيئا، وفي لفظ: نزلت هذه الآية في ولاة الأمر(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٨٦.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: لسان القاضي وراء قلبه، فإن كان له قال، وإن كان عليه أمسك(1)..

2. روي أنّه قال: إذا كان الحاكم يقول لمن عن يمينه، ولمن عن يساره: ما ترى؟ ما تقول؟ فعلى ذلك لعنة الله والملائكة والناس أجمعين، إلا يقوم من مجلسه، ويجلسهم مكانه(2)..

3. روي أنّه قال: من أنصف الناس من نفسه رضي به حكما لغيره(3)..

4. روي أنّه قال: إذا تقدمت مع خصم إلى وال، أو إلى قاض فكن عن يمينه (يعني: عن يمين الخصم(4).

5. روي أنّه قال: إن النواويس شكت إلى الله عزّ وجلّ شدة حرها، فقال لها عزّ وجلّ: اسكني فإن مواضع القضاة أشد حراً منك(5)..

6. عن عبد الرحمن بن الحجاج، قال: كان الإمام الصادق قاعدا في حلقة ربيعة الرأي، فجاء أعرابي، فسأل ربيعة الرأي عن مسألة، فأجابه، فلما سكت قال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت عنه ربيعة، ولم يرد عليه شيئا، فأعاد المسألة عليه، فأجابه بمثل ذلك، فقال له الأعرابي: أهو في عنقك؟ فسكت ربيعة، فقال الإمام الصادق: هو في عنقه، قال: أو لم يقل: وكل مفت ضامن!؟ (6).

7. سئل الإمام الصادق عن قاض بين قريتين، يأخذ من السلطان على القضاء الرزق، فقال: ذلك السحت(7)..

8. روي أنّه قال: الرشا في الحكم هو الكفر بالله(8)..

9. روي أنّه سئل عن البخس، فقال: هو الرشا في الحكم(9)..

10. روي أنّه قال: من أكل السحت، الرشوة في الحكم(10)..

11. روي أنّه قال: أما الرشا في الحكم، فهو الكفر بالله(11)..

__________

(1) الكافي 7/ 413/ 5

(2) الكافي 7/ 414/ 6

(3) من لا يحضره الفقيه 3/ 7/ 4

(4) من لا يحضره الفقيه 3/ 7/ 8، والانتصار 244

(5) من لا يحضره الفقيه 3/ 4/ 11

(6) الكافي 7/ 409/ 1

(7) الكافي 7/ 409/ 1، والتهذيب 6/ 222/ 527

(8) الكافي 7/ 409/ 2

(9) الكافي 7/ 409/ 3

(10) تفسير العياشي 1/ 321/ 113

(11) تفسير العياشي 1/ 321/ 112

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) أنّه قال: ثم قال عز وجل: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا﴾ فلا أحد أسمع منه، ﴿بَصِيرًا﴾ فلا أحد أبصر منه(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٢.

ابن إسحاق:

روي عن محمد بن إسحاق (ت 151 هـ) أنّه قال: ﴿سَمِيعًا﴾، أي: سميع ما يقولون(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٨٧.

الكاظم:

روي عن الإمام الكاظم (ت 183 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنه قيل له: هل نأخذ في أحكام المخالفين، ما يأخذون منا في أحكامهم؟ فقال: يجوز لكم ذلك إن شاء الله، إذا كان مذهبكم فيه التقية منهم، والمداراة لهم(1)..

2. روي أنّه سئل عن الرجل، يأتيه من يسأله عن المسألة فيتخوف، إن هو أفتى فيها أن يشنع عليه، فيسكت عنه، أو يفتيه بالحق، أو يفتيه بما لا يتخوف على نفسه، فقال: السكوت عنه أعظم أجرا وأفـــضل(2)..

__________

(1) التهذيب 6/ 224/ 535

(2) التهذيب 6/ 225/ 538

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وقال عزّ وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] فمن ولي أمرا أو حكما فيما بين الناس فقد ولي الأمانة، يجب أن يؤديها إلى أهلها، وعلى ذلك جاءت الآثار:

أ. روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: ما من أحد يكون على شيء من هذه الأمور ـ قلّت أو كثرت ـ فلا يعدل فيهم إلّا أكبّه الله تعالى في النّار)

ب. وفي خبر آخر: (أيّما امرئ ولى من أمر النّاس شيئا ثمّ لم يحطهم مثل ما يحوط به نفسه وأهله لم يرح رائحة الجنّة يوم القيامة)

ج. وعن أبي سعيد الخدري قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إنّ من أحبّ النّاس إليّ وأقربهم مجلسا منّي يوم القيامة: إمام عادل، وإنّ أبغض النّاس إلىّ يوم القيامة وأشدّهم عذابا: إمام جائر)

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/226.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أمر الله تعالى الحكام بين الناس أن يحكموا بالعدل لا بالجور.

2. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ معناه نعم الشيء شيئاً يعظكم الله به من أداء الامانة وكتبت (ما) في (نعما) موصولة، لأنها بمنزلة الكافة في (إنما)، و(ربما)، غير انها في نعما اسم يعود إليه الضمير في (به) فتقديره نعم شيئاً يعظكم به أو نعم وعظاً يعظكم به، ولا يجوز إسكان العين مع الميم في نعما لأنه جمع بين ساكنين، ولكن يجوز اختلاس الحركة من غير إشباع الكسرة، كالاختلاص في (يأمركم وبارئكم) وعلى هذا تحمل قراءة أبي عمر، وقال الزجاج: اجتماع الساكنين فيه ينكره جميع البصريين.

3. السميع: هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يسمع المسموعات إذا وجدت والبصير من كان على صفة يجب لأجلها أن يبصر المبصرات إذا وجدت، والسامع هو المدرك للمسموعات، والمبصر هو المدرك للمبصرات، ولذلك يوصف تعالى فيما لم يزل بأنه سميع بصير، ولا يوصف بأنه سامع مبصر إلا بعد وجود المبصرات والمسموعات، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ اخبار بأنه كان سميعاً بصيراً فيما مضى، وذلك يرجع إلى كونه حياً لا آفة به فإذا كان لا يجوز خروجه عن كونه حياً، فلا يجوز خروجه عن كونه سميعاً بصيراً.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/235.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. بناء يعظ من الفعل يَفْعِلُ، لكنه معتل، تقول: وعظ يعظ، كقولك وعد يَعِدُ، ووقف يقف، والأمر بالخير يسمى وعظًا، والنهي عن الشر يسمى وعظًا.

ب. الفرق بين سميع وسامع أن سامعًا يدل على وجود المسموع؛ لأنه يتعدى من سمعتُ كلام فلان فأنا سامع له، وسميعًا مَنْ كان على صفة إذا وجد المسموع سمعه، وكذلك الفرق بين بصير ومبصر.

2. اختلف في معنى في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾:

أ. قيل: خطاب للأئمة والقضاة والأمراء وولاة الأمر، يعني ويأمركم أيها الولاة إذا حكمتم بين رعاياكم ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ والإنصاف في قضاياكم.

ب. وقيل: خطاب لهم في نفي الظلم وأداء حقوقهم.

3. ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي نعم العظة لكم عظة الله تعالى، فافهموا ذلك واعملوا به فنعم الواعظ هو، ونعم العظة كتابه.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾:

أ. قيل: يسمع ما يحكمون به، بصير بأداء الأمانة ممن أداها وخيانة من خانها.

ب. وقيل: سميع لأقوالكم عليم بأفعالكم.

5. أدخل ﴿كَانَ﴾ تنبيهًا على أن هذه الصفة واجبة له لم يزل.

6. تدل الآية الكريمة على:

أ. أن الواجب على كل من يلي أمرًا أن يحكم بالعدل، ولا واسطة بين العدل والجور، فإذا لم يكن عدلٌ كان جُور.

ب. أنه يعلم ما يحكم به وما يغلب على ظنه؛ لأنه لو لم يكن كذلك لم يؤمن كونه جورًا.

ج. استدل بعضهم بالآية على أن الحاكم يجب أن يكون من أهل الاجتهاد على ما يقوله محمد بن الحسن؛ ليمكنه أن يعلم العدل والجور، وأما أبو حنيفة فقال: يجوز له أن يقضي تقليدًا، كما يجوز للعامي أن يعمل بقول المفتي.

د. أن قضاء القاضي ينفذ، لولا ذلك لكان الجور كالعدل في أنه لا يلزم، ولهذا قالوا: إن قضاءه لا ينقض إلا إذا خالف نصًا أو إجماعا، وهذا لا شبهة فيه ظاهرًا، واختلفوا أن قضاءه في العقود والفسوخ هل ينفذ باطنًا، فقال أبو حنيفة ينفذ، واتفقوا في الأموال أنه لا ينفذ.

هـ. أن الحاكم لا بد أن يكون مخصوصًا؛ لأنه أمره بالحكم بين الناس دل أنه سواهم.

و. أن غرض الحاكم يجب أن يكون العدل؛ فتدل من هذا الوجه أنه لا يجوز له أخذ الأجرة والرشوة.

ز. أنه لا بد من سبب يصير به حاكمًا لولاه استوى جميع الناس، فمن هذا الوجه يدل على أنه لا بد من إمام يحكم، أو يولي من يحكم.

ح. أن إنفاذ القضايا إلى الإمام ومن يلي مِنْ قِبَلَهِ، وقد اختلفوا فيما إلى الإمام، فقيل: أمور شرعية كحفظ البيضة، وأمور الصدقات والغنائم، ومنع الظلم، وإنفاذ الأحكام والقضايا، وزعمت الإمامية أن بيان الشرع وحفظ البيضة إليه، والواجب أخذه عنه، وهذا لا يصح عندنا(2)، فأما الأمانات فمالية وغير مالية، فغير المالية كالعبادات ونحوها، والمالية كالوديعة واللقطة والآبق والمستأجر والعارية عند أبي حنيفة، ولكل واحد منهما حكم، وذلك مذكور في كتب الفقه.

7. ﴿نِعِمَّا﴾ حرفان تقديره: نِعْمَ شيئًا نفعكم به، أو نعم وعظًا القرآن، وإنما كُتبتْ ﴿نِعِمَّا﴾ موصولة؛ لأنها بمنزلة الكافة في إنما وربما)، إلا أنها في ﴿نِعِمَّا﴾ اسم يعود إليه الضمير في ﴿بِهِ﴾، ولا يجوز إسكان العين مع الميم في نعما؛ لأنه جمع بين ساكنين، ولكن يجوز اختلاس الحركة غير إشباع، كالاختلاس في ﴿يَأْمُرُكُمْ﴾، و﴿بَارِئِكُمْ﴾، قال الزجاج: واجتماع الساكنين فيه ينكره جميع البصريين.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/675

(2) يقصد الزيدية

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. السميع: هو من كان على صفة يجب لأجلها أن يسمع المسموعات إذا وجدت، والبصير: من كان على صفة يجب لأجلها أن يبصر المبصرات إذا وجدت، والسامع: هو المدرك للمسموعات، والمبصر: هو المدرك للمبصرات، ولهذا يوصف القديم فيما لم يزل بأنه سميع بصير، ولا يوصف في القدم بأنه سامع مبصر.

2. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أمر الله الولاة والحكام أن يحكموا بالعدل والنصفة، ونظيره قوله: ﴿يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق﴾، وروي أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال لعلي: (سو بين الخصمين في لحظك ولفظك)، وورد في الآثار أن الصبيين ارتفعا إلى الحسن بن علي في خط كتباه وحكماه في ذلك، ليحكم أي الخطين أجود، فبصر به علي، فقال: يا بني أنظر كيف تحكم، فإن هذا حكم والله سائلك عنه يوم القيامة.

3. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي نعم الشئ ما يعظكم به من الامر برد الأمانة، والنهي عن الخيانة، والحكم بالعدل، ومعنى الوعظ:

أ. قيل: الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.

ب. وقيل: هو الامر بالخير، والنهي عن الشر.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾:

أ. قيل: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا﴾ بجميع المسموعات، و﴿بَصِيرًا﴾ بجميع المبصرات.

ب. وقيل: معناه عالم بأقوالكم وأفعالكم، وأدخل ﴿كَانَ﴾ تنبيها على أن هذه الصفة، واجبة له فيما لم يزل.

5. مسائل لغوية ونحوية:

أ. قوله: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ تقديره: نعم شيئا شئ يعظكم به، فيكون ﴿شَيْئًا﴾ تبيينا لاسم الجنس المضمر الذي هو فاعل نعم، والمخصوص بالمدح قد حذف، وأقيمت صفته مقامه.

ب. قوله: ﴿نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ جملة في موضع رفع بأنه خبر ﴿إِنَّ﴾

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/100.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الامانة عبارة عما إذا وجب لغيرك عليك حق فأديت ذلك الحق اليه فهذا هو الأمانة، والحكم بالحق عبارة عما إذا وجب لإنسان على غيره حق فأمرت من وجب عليه ذلك الحق بأن يدفعه إلى من له ذلك الحق، ولما كان الترتيب الصحيح أن يبدأ الإنسان بنفسه في جلب المنافع ودفع المضار ثم يشتغل بغيره، لا جرم أنه تعالى ذكر الأمر بالأمانة أولا، ثم بعده ذكر الأمر بالحكم بالحق، فما أحسن هذا الترتيب، لأن أكثر لطائف القرآن مودعة في الترتيبات والروابط.

2. أجمعوا على أن من كان حاكما وجب عليه أن يحكم بالعدل قال تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ والتقدير: إن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] وقال: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152] وقال: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ﴾ [ص: 26] وعن أنس عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (لا تزال هذه الأمة بخير ما إذا قالت صدقت وإذا حكمت عدلت وإذا استرحمت رحمت)، وعن الحسن قال: (ان الله أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا، ثم قرأ ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى﴾ [ص: 26] وقرأ ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا﴾ [المائدة: 44]

3. مما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم قال تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ﴾ [الصافات: 22] وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ينادي مناد يوم القيامة أين الظلمة وأين أعوان الظلمة، فيجمعون كلهم حتى من برى لهم قلما أو لا ق لهم دواة فيجمعون ويلقون في النار)، وقال أيضا: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ﴾ [إبراهيم: 42] وقال: ﴿فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا﴾ [النمل: 52]، فان قيل: الغرض من الظلم منفعة الدنيا، فأجاب الله عن السؤال بقوله: ﴿لَمْ تُسْكَنْ مِنْ بَعْدِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا وَكُنَّا نَحْنُ الْوَارِثِينَ﴾ [القصص: 58]

4. قال الشافعي: ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء: في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم عليهما.. والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب، فان كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه.. ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته، ولا شاهدا شهادته لأن ذلك يضر بأحد الخصمين، ولا يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف، ولا يلقن المدعي عليه الإنكار والإقرار، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا، ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر، ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما، ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين، وروي‏ أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان لا يضيف الخصم الا وخصمه معه.. وتمام الكلام فيه مذكور في كتب الفقه، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه، وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر، وذلك هو المراد بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾

5. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ كالتصريح بأنه ليس لجميع الناس أن يشرعوا في الحكم، بل ذلك لبعضهم، ثم بقيت الآية مجملة في أنه بأي طريق يصير حاكما، ولما دلت سائر الدلائل على أنه لا بد للامة من الامام الأعظم، وأنه هو الذي ينصب القضاة والولاة في البلاد، صارت تلك الدلائل كالبيان لما في هذه الآية من الإجمال.

6. ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي نعم شيء يعظكم به، أو نعم الذي يعظكم به، والمخصوص بالمدح محذوف، أي نعم شيء يعظكم به ذاك، وهو المأمور به من أداء الأمانات والحكم بالعدل.

7. ثم قال ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي اعلموا بأمر الله ووعظه فإنه أعلم بالمسموعات والمبصرات يجازيكم على ما يصدر منكم، وفيه دقيقة أخرى، وهي أنه تعالى لما أمر في هذه الآيات بالحكم على سبيل العدل وبأداء الأمانة قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي إذا حكمت بالعدل فهو سميع لكل المسموعات يسمع ذلك الحكم، وإن أديت الأمانة فهو بصير لكل المبصرات يبصر ذلك، ولا شك أن هذا أعظم أسباب الوعد للمطيع، وأعظم أسباب الوعيد للعاصي، وإليه الإشارة بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (اعبد الله كأنك تراه فان لم تكن تراه فإنه يراك)

8. وفيه دقيقة أخرى، وهي أن كلما كان احتياج العبد أشد كانت عناية الله أكمل، والقضاة والولاة قد فوض الله إلى أحكامهم مصالح العباد، فكان الاهتمام بحكمهم وقضائهم أشد، فهو سبحانه منزه عن‏ الغفلة والسهو والتفاوت في ابصار المبصرات وسماع المسموعات، ولكن لو فرضنا أن هذا التفاوت كان ممكنا لكان أولى المواضع بالاحتراز عن الغفلة والنسيان هو وقت حكم الولاة والقضاة، فلما كان هذا الموضع مخصوصا بمزيد العناية لا جرم قال في خاتمة هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فما أحسن هذه المقاطع الموافقة لهذه المطالع.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/111.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ قال الضحاك: بالبينة على المدعي واليمين على من أنكر، وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميع الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إن المقسطين يوم القيامة على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)، وقال: (كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته فالإمام راع وهو مسئول عن رعيته والرجل راع على أهله وهو مسئول عنهم والمرأة راعية على بيت زوجها وهي مسئولة عنه والعبد راع على مال سيده وهو مسئول عنه ألا فكلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته)، فجعل في هذه الأحاديث الصحيحة كل هؤلاء رعاة وحكاما على مراتبهم، وكذلك العالم الحاكم، لأنه إذا أفتى حكم وقضى وفصل بين الحلال والحرام، والفرض والندب، والصحة والفساد، فجميع ذلك أمانة تؤدى وحكم يقضى.

2. ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ وصف الله تعالى نفسه بأنه سميع بصير يسمع ويرى، كما قال تعالى: ﴿إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى﴾ فهذا طريق السمع، والعقل يدل على ذلك، فإن انتفاء السمع والبصر يدل على نقيضيهما من العمى والصمم، إذ المحل القابل للضدين لا يخلو من أحدهما، وهو تعالى مقدس عن النقائص ويستحيل صدور الأفعال الكاملة من المتصف بالنقائص، كخلق السمع والبصر ممن ليس له سمع ولا بصر، وأجمعت الأمة على تنزيهه تعالى عن النقائص، وهو أيضا دليل سمعي يكتفى به مع نص القرآن في مناظرة من تجمعهم كلمة الإسلام، جل الرب تعالى عما يتوهمه المتوهمون ويختلقه المفترون الكاذبون ﴿سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/259.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أي: وإن الله يأمركم إذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل، والعدل: هو فصل الحكومة على ما في كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لا الحكم بالرأي المجرد، فإن ذلك ليس من الحق في شيء، إلا إذا لم يوجد دليل تلك الحكومة في كتاب الله ولا في سنة رسوله، فلا بأس باجتهاد الرأي من الحاكم الذي يعلم بحكم الله سبحانه، وبما هو أقرب إلى الحق عند عدم وجود النص، وأما الحاكم الذي لا يدري بحكم الله ورسوله، ولا بما هو أقرب إليهما، فهو لا يدري ما هو العدل، لأنه لا يعقل الحجة إذا جاءته، فضلا عن أن يحكم بها بين عباد الله.

2. ﴿نِعِمَّا﴾ ما موصوفة أو موصولة، وقد قدّمنا البحث في مثل ذلك.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/556.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ﴾ الواو داخلة على (تَحْكُمُوا) عاطفة له على (تُوَدُّوا)، و(إِذَا) خارج عن الشرط متعلِّق بـ (تَحْكُمُوا)، على أنَّه لا صدر لـ (أَنْ) المصدريَّة، وذلك قول الكوفيِّين، أي: إنَّ الله يأمركم أن تؤدُّوا الأَمانات إلى أهلها وأن تحكموا بالعدل إذا أردتم الحكم بين الناس، والبصريُّون يعطفون (إِذَا) على محذوف، أي: إنَّ الله يأمركم في كلِّ وقت بأن تؤدُّوا الأمانات إلى أهلها وفي وقت الحكم بين الناس بأن تحكموا بالعدل، أو يُعلَّق [(إِذَا)] بـ (يأمر) مقدَّرًا، أي: ويأمركم إذا حكمتم.. والأمر من الله سابق، لكن اعتبر تعلُّقه بالحكَّام، والخطاب لِكُلِّ من يصلح للحكم مِمَّن عيَّنه الإمام أو السلطان، فينفِّذ أمره، أو لم يعيِّنه فلا ينفِّد إلَّا برضا الخصمين، ولو نفَذ فيما بينهما وبين الله، روي أنَّ صبيَّين تحاكما إلى الحسن بن عليٍّ أيُّهما أجود خطًّا؟ فقال عليٌّ: (يا بني، انظر كيف تحكم، فإنَّ الله تعالى سائلك عمَّا تحكم به يوم القيامة)، وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (يا علي، سوِّ بين الخصمين في لفظك ولحظك)

2. ﴿إِنَّ اللهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ﴾ من أداء الأمانات والحكم بالعدل ﴿إِنَّ اللهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ بكم وبأحوالكم، ومنها حالكم في الأمانات والحكم، (مَا) واقعة على الشيء موصولة، أي: نعم الشيءُ الذي يعظكم به: تأديةُ الأمانة والحكم بالعدل.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/210.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. كما أن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، أمر لهم بإيصال الحقوق المتعلقة بذمم الغير إلى أصحابها، وحيث كان المأمور به ههنا مختصا بوقت المرافعة، قيد به، بخلاف المأمور به أولا، فإنه لما لم يتعلق بوقت دون وقت أطلق إطلاقا، وأصل العدل هو المساواة في الأشياء، فكل ما خرج من الظلم والاعتداء سمي عدلا.

2. روى مسلم عن عبد الله بن عمرو ‏قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إن المقسطين عند الله على منابر من نور عن يمين الرحمن، وكلتا يديه يمين، الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا)، وروى الترمذيّ عن أبي سعيد الخدريّ‏ قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (أحب‏ الناس إلى الله يوم القيامة وأدناهم عنده مجلسا: إمام عادل، وأبغض الناس إلى الله وأبعدهم منه مجلسا: إمام جائر)، وروى الحاكم والبيهقيّ بسند صحيح عن ابن أبي أوفي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تبرأ الله منه وألزمه الشيطان)

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/180.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ قال محمد عبده: بعد ما تقدم آنفا وكذلك أمر الله من يحكم بين الناس أن يحكم بالعدل، والحكم بين الناس له طرق منها الولاية العامة والقضاء ومنها تحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة فكل من يحكم يجب عليه أن يعدل وقد أمر الله بالعدل في آيات أخرى كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ﴾ [النحل: 90] الآية وقوله: ﴿اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [الأنعام: 7] وقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 134] ونهى عن الظلم وأوعد عليه في آيات كثيرة، ولم يذكر لنا حد العدل ولا تفسيره ولم يرد في السنة تفسير له أيضا، والعدل وقف على أمرين:

أ. أحدهما: أن يعلم الحاكم الحكم الذي شرعه الله ليكون الفصل بين الناس به مثال ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: 1] فهو يوجب علينا أن نوفي بما نتعاقد عليه وقوله: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [البقرة: 187] الآية وهو قد حرم أكل أموال الناس ورشوة الحكام، وكذلك ما ورد في السنة المتواترة من أحكامه وقضائه صلّى الله عليه وآله وسلّم فيجب على الحاكم تطبيق أحكامه على ما علم من حكم الله ورسوله وقد يكون التطبيق ظاهرا وقد يحتاج فيه إلى قياس واستنباط وإجهاد للفكر، فهذا النوع من العدل معروف عند الناس وإنما يذكر لتنبيه الناس وتذكيرهم.

ب. الثاني يتألف من أمرين:

أحدهما: فهم الدعوى من المدعي والجواب من المدعى عليه ليعرف موضوع ما به التنازع والتخاصم بأدلته من الخصمين.

ثانيهما: استقامة الحاكم وخلوه من الميل إلى أحد الخصمين ومن الهوى بأن يكره أحد الخصمين وإن كان لا يميل إلى الآخر، وهذا المعنى معروف للناس أيضا فكل من ركني العدل معروف، ولذلك ذكر الله العدل ولم يفسره لأنه معروف بنفسه كالنور.

2. لك وقد فهمت ما قلناه أن تقول: العدل عبارة عن إيصال الحق إلى صاحبه من أقرب الطرق إليه ولا يتحقق ذلك إلا بإقامة الركنين اللذين بيناهما فكل ما خرج عنهما فهو ظلم.

3. سؤال وإشكال: إذا أخر القاضي النظر في القضية اتباعا لرسوم وعادات لا يتوقف عليها إقامة العدل أو لم يقبل الشهادة لأنها لم تؤد بألفاظ مخصوصة وإن تبين بها الحق المراد أو أخر الحكم بعد انتهاء المحاكمة واستيفاء أسبابها، هل يكون مقيما للعدل؟ والجواب: قال محمد عبده هذا في الدرس فضج الحاضرون بقول (لا لا) إذا علمنا هذا وتأملنا في الأحكام التي تجري عندنا اليوم فهل نراها جارية على أصول العدل (قالوا لا لا)، نجد محاكمنا الشرعية تشترط في توجيه الدعوى وفي شهادة الشهود شروطا وألفاظا معينة كلفظ أشهد ولفظ هذا والمذكور وتبيين النقد وذكر البلد الذي ضرب فيه وإن كان ذلك مفهوما من الكلام لا يختلف في فهمه القاضي ولا الخصم، فهذه الاصطلاحات كثيرا ما تحول دون العدل، ترد الدعوى من أصلها، أو الشهادة لعدم موافقتها للألفاظ المصطلح عليها وإن أدت معناها، وكذلك كل ما يحول بين الناس وفهم الشريعة يكون من أسباب إضاعة العدل ولا عذر للناس بالجهل إذ يجب عليهم فهم الشريعة وإزالة كل ما يحول دون فهمها من الاصطلاحات، ولو كنا نقيم العدل لما كنا في هذه الحالة من الضعف وسوء الحال.

4. العدل بالفتح والكسر المثل والعديل المثيل قاله ابن الأثير وغيره قال في لسان العرب: وفلان يعدل فلانا أي يساويه، ويقال ما يعدلك عندنا شيء أي ما يقع عندنا شيء موقعك، وعدل المكاييل والموازين سواها، وعدل الشيء يعدله عدلا وعادله وازنه، وعادلت بين الشيئين وعدلت فلانا بفلان إذا سويت بينهما، وتعديل الشيء تقويمه، وقيل العدل تقويمك الشيء بالشيء من غير جنسه حتى تجعله له مثلا، والعدل والعدل والعديل سواء أي النظير والمثيل وقيل هو المثل وليس بالنظير عينه، وفي التنزيل ﴿أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا﴾ [المائدة: 95] قال مهلهل:

çعلى أن ليس عدلا من كليب...إذا ظهرت مخبأة الخدورé

والعدل بالفتح أصله مصدر قولك عدلت بهذا عدلا حسنا، تجعله اسما للمثل لتفرق بينه وبين عدل المتاع كما قالوا امرأة رزان وعجز رزين للفرق، (ثم قال) والعدل (بالكسر) نصف الحمل يكون على أحد جنبي البعير، وقال الأزهري العدل اسم حمل معدول بحمل آخر مسوى به والجمع أعدال وعدول عن سيبويه، ثم قال العديلتان الغرارتان لأن كل واحدة منهما تعادل صاحبتها، الأصمعي: يقال عدلت الجوالق على البعير أعدله عدلا يحمل على جنب البعير ويسوى بآخر، ابن الأعرابي: العدل محرك تسوية الأونين وهما العدلان، ويقال عدلت أمتعة البيت إذا جعلتها أعدالا مستوية للاعتكاف يوم الظعن، والعديل الذي يعادلك في المحمل.

5. هذا الذي ذكره عن أهل اللغة الأولين هو المستعمل في كلام المعاصرين في الجزيرة وسورية وغيرهما ومن يعلم أن العدل في الحكم بين الناس هو تحري المساواة سواء والمماثلة بين الخصمين بأن لا يرجح أحدهما على الآخر بشيء قط بل يجعلهما سواء كالعدلين على ظهر البعير أو غيره فالعدل المأمور به معروف عند أهل اللغة وليس معناه الحكم بما ثبت في الشرع فإن هذا ثابت بدليل آخر وكل ما ثبت في الشرع من ذلك موافق للعدل وليس هو عين العدل بل العدل يكون بالعمل به وتطبيقه على الدعوى بحيث يصل إلى ذي حقه.

6. وقد أمر الله تعالى بالعدل مطلقا في بعض السور المكية قبل بيان الأحكام الشرعية وما كل المسائل التي يتعامل بها الناس ويتخاصمون قد بينت أحكامها في الكتاب والسنة فما بين فيهما كان خير عون على العدل المقصود منهما وما لم يبين يجب على الحكام أن يتحروا فيه المساواة بقدر طاقتهم التي يصل إليها اجتهادهم، وسيأتي في الآية التالية بيان ما يجب من اتباع أحكام الله ورسوله فيما حكما به وبيان ما يجب فيما لم يحكما به، قال الرازي: قال الشافعي ينبغي للقاضي أن يسوي بين الخصمين في خمسة أشياء: في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم عليهما، قال والمأخوذ عليه التسوية بينهما في الأفعال دون القلب فإن كان يميل قلبه إلى أحدهما ويحب أن يغلب بحجته على الآخر فلا شيء عليه لأنه لا يمكنه التحرز عنه، قال: ولا ينبغي أن يلقن المدعي الدعوى والاستحلاف، ولا يلقن المدعى عليه الإنكار والإقرار، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا، ولا ينبغي أن يضيف أحد الخصمين دون الآخر لأن ذلك يكسر قلب الآخر ولا يجيب هو إلى ضيافة أحدهما ولا إلى ضيافتهما ما داما متخاصمين، وروي أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان لا يضيف الخصم إلا وخصمه معه، وتمام الكلام فيه مذكور في كتب الفقه، وحاصل الأمر فيه أن يكون مقصود الحاكم بحكمه إيصال الحق إلى مستحقه وأن لا يمتزج ذلك بغرض آخر، وذلك هو المراد بقوله تعالى ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾

7. ورد الأمر بالعدل والتعظيم لشأنه في كثير من الآيات والأحاديث كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] وقوله: ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9] والإقساط هو العدل وقوله آمرا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يبلغه للناس ﴿وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ﴾ [الشورى: 42] وقوله: ﴿ياأيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله ولو على أنفسكم أو الوالدين والأقربين إن يكن غنيا أو فقيرا فالله أولى بهما فلا تتبعوا الهوى أن تعدلوا﴾ [المائدة: 134] الآية، وفي معناها قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن لا تعدلوا، اعدلوا هو اقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾ [المائدة: 7] وسيأتي تفسيرها في مواضعها ولا حاجة إلى إيراد الأحاديث هنا ولا الآيات المحرمة للظلم المتوعدة عليه.

8. المسلمون مأمورون بالعدل في الأحكام والأقوال والأفعال والأخلاق وقد قال تعالى: ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾ [الأنعام: 152] وهذا الأمر موجه إلى الحكام وغيرهم.

9. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به وهو هنا أداء الأمانات والحكم بالعدل لأنه لا يعظكم إلا بما فيه صلاحكم وفلاحكم ما عملتم به مهتدين متعظين ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فلا يخفى عليه شيء من أقوالكم ولا من أفعالكم ولا من نياتكم فلا تدعو ما ليس فيكم من الأمانة والعدل ولا تقولوا ما لا تفعلون فإنه سيجزي كل عامل بما عمل.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/172.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أمر الله بالعدل في آيات كثيرة: منها هذه الآية، ومنها ﴿اعْدِلُوا هُوَأَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏﴾ وقوله‏ ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ وقوله‏ ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ والحكم بين الناس له طرق: منها الولاية العامة والقضاء وتحكيم المتخاصمين لشخص في قضية خاصة.

2. والحكم بالعدل يحتاج إلى أمور:

أ. فهم الدعوى من المدّعى والجواب من المدّعى عليه، ليعرف موضوع التنازع والتخاصم بأدلته من الخصمين.

ب. خلوّ الحاكم من التحيز والميل إلى أحد الخصمين.

ج. معرفة الحاكم الحكم الذي شرعه الله ليفصل بين الناس على مثاله من الكتاب أو السنة أو إجماع الأمة.

د. تولية القادرين على القيام بأعباء الأحكام.

3. وقد أمر المسلمون بالعدل في الأحكام والأقوال والأفعال والأخلاق، قال تعالى:‏ ﴿وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى﴾

4. ثم بين حسن العدل وأداء الأمانة فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ أي نعم الشيء الذي يعظكم به أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس، إذ لا يعظكم إلا بما فيه صلاحكم وفلاحكم وسعادتكم في الدارين.

5. ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي عليكم أن تعملوا بأمر الله ووعظه، فإنه أعلم منكم بالمسموعات والمبصرات، فإذا حكمتم بالعدل فهو سميع لذلك الحكم، وإن أديتم الأمانة فهو بصير بذلك، وفي هذا وعد عظيم للمطيع، ووعيد شديد للعاصى، وإلى ذلك الإشارة بقوله عليه السلام (اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وفيه أيضا إيماء إلى الاهتمام بحكم القضاة والولاة لأنه قد فوض إليهم النظر في مصالح العباد.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/72.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. فأما الحكم بالعدل بين (الناس) فالنص يطلقه هكذا عدلا شاملا (بين الناس) جميعا، لا عدلا بين المسلمين بعضهم وبعض فحسب، ولا عدلا مع أهل الكتاب، دون سائر الناس.. وإنما هو حق لكل إنسان بوصفه (إنسانا)، فهذه الصفة ـ صفة الناس ـ هي التي يترتب عليها حق العدل في المنهج الرباني، وهذه الصفة يلتقي عليها البشر جميعا: مؤمنين وكفارا، أصدقاء وأعداء، سودا وبيضا، عربا وعجما، والأمة المسلمة قيمة على الحكم بين الناس بالعدل ـ متى حكمت في أمرهم ـ هذا العدل الذي لم تعرفه البشرية قط ـ في هذه الصورة ـ إلا على يد الإسلام، وإلا في حكم المسلمين، وإلا في عهد القيادة الإسلامية للبشرية.. والذي افتقدته من قبل ومن بعد هذه القيادة؛ فلم تذق له طعما قط، في مثل هذه الصورة الكريمة التي تتاح للناس جميعا.

2. لأنهم (ناس)! لا لأية صفة أخرى زائدة عن هذا الأصل الذي يشترك فيه (الناس)! وذلك هو أساس الحكم في الإسلام؛ كما أن الأمانة ـ بكل مدلولاتها ـ هي أساس الحياة في المجتمع الإسلامي.

3. والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها؛ والحكم بين الناس بالعدل؛ هو التذكير بأنه من وعظ الله ـ سبحانه ـ وتوجيهه، ونعم ما يعظ الله به ويوجه: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه، فالأصل في تركيب الجملة: إنه نعم ما يعظكم الله به.. ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة، فيجعله (اسم إن) ويجعل نعم ما (نعما) ومتعلقاتها، في مكان (خبر إن) بعد حذف الخبر.. ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله ـ سبحانه ـ وهذا الذي يعظهم به.

4. ثم إنها لم تكن (عظة) إنما كانت (أمرا).. ولكن التعبير يسميه عظة، لأن العظة أبلغ إلى القلب، وأسرع إلى الوجدان، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة والحياء!

5. ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية؛ يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، والتناسق بين المأمور به من التكاليف؛ وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس؛ وبين كون الله سبحانه (سميعا بصيرا) مناسبة واضحة ولطيفة معا.. فالله يسمع ويبصر، قضايا العدل وقضايا الأمانة، والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر، وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر، وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/690.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ هو استنجاز لأداء بعض الأمانة التي حملها الناس.. وهى الحكم بالعدل بين الناس.. لأن العدل صفة من صفات الله، وفي الإنسان لمحة من هذه الصفة، وفي خروجه عن العدل، خيانة للأمانة التي حملها، وجناية على نفسه، وردّة لها إلى أسفل سافلين.

2. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ تحريض قوي على امتثال هذا الأمر الكريم، وتلك الموعظة الحسنة، لأنها دعوة من الله إلى خير، ولا يدعو الله إلا إلى الخير ولا يأمر إلا بالخير، (ونعمّا) هي فعل مدح، أصله (نعم) و(ما) التي هي نكرة بمعنى شيء، ليفيد هذا التنكير التعميم والشمول.. فكل ما يعظنا به الله، ويدعونا إليه هو خير، وخير مطلق.

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/821.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ عطف‏ ﴿أَنْ تَحْكُمُوا﴾ على‏ ﴿أَنْ تُؤَدُّوا﴾ وفصل بين العاطف والمعطوف الظرف، وهو جائز، مثل قوله: ﴿وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201] وكذلك في عطف الأفعال على الصحيح: مثل‏ ﴿وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ وَإِذَا بَطَشْتُمْ بَطَشْتُمْ جَبَّارِينَ﴾ [الشعراء: 129، 130]

2. الحكم: مصدر حكم بين المتنازعين، أي اعتنى بإظهار المحقّ منهما من المبطل، أو إظهار الحقّ لأحدهما وصرّح بذلك، وهو مشتقّ من الحكم ـ بفتح الحاء ـ وهو الردع عن فعل ما لا ينبغي، ومنه سميّت حكمة اللّجام، وهي الحديدة التي تجعل في فم الفرس، ويقال: أحكم فلانا، أي أمسكه.

3. العدل: ضدّ الجور، فهو في اللغة التسوية، يقال: عدل كذا بكذا، أي سوّاه به ووازنه عدلا ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: 1]، ثمّ شاع إطلاقه على إيصال الحقّ إلى أهله، ودفع المعتدي على الحقّ عن مستحقّه، إطلاقا ناشئا عمّا اعتاده الناس أنّ الجور يصدر من الطغاة الذين لا يعدّون أنفسهم سواء مع عموم الناس، فهم إن شاؤوا عدلوا وأنصفوا، وإن شاؤوا جاروا وظلموا، قال لبيد:

çومقسم يعطي العشيرة حقّها...ومغذمر لحقوقها هضّامهاé

فأطلق لفظ العدل ـ الذي هو التسوية ـ على تسوية نافعة يحصل بها الصلاح والأمن، وذلك فك الشيء من يد المعتدي، لأنّه تظهر فيه التسوية بين المتنازعين، فهو كناية غالبة، ومظهر ذلك هو الحكم لصاحب الحقّ بأخذ حقّه ممّن اعتدى عليه، ولذلك قال تعالى هنا: ﴿إِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ‏﴾، ثم توسّعوا في هذا الإطلاق حتّى صار يطلق على إبلاغ الحقّ إلى ربّه ولو لم يحصل اعتداء ولا نزاع.

4. والعدل: مساواة بين الناس أو بين أفراد أمّة: في تعيين الأشياء لمستحقّها، وفي تمكين كلّ ذي حقّ من حقّه، بدون تأخير، فهو مساواة في استحقاق الأشياء وفي وسائل تمكينها بأيدي أربابها، فالأوّل هو العدل في تعيين الحقوق، والثاني هو العدل في التنفيذ، وليس العدل في توزيع الأشياء بين الناس سواء بدون استحقاق، فالعدل وسط بين طرفين، هما: الإفراط في تخويل ذي الحقّ حقّه، أي بإعطائه أكثر من حقّه، والتفريط في ذلك، أي بالإجحاف له من حقّه، وكلا الطرفين يسمّى جورا، وكذلك الإفراط والتفريط في تنفيذ الإعطاء بتقديمه على وقته، كإعطاء المال بيد السفيه، أو تأخيره كإبقاء المال بيد الوصي بعد الرشد، ولذلك قال تعالى: ﴿وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ﴾ ـ إلى قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ [النساء: 5، 6]؛ فالعدل يدخل في جميع المعاملات، وهو حسن في الفطرة لأنّه كما يصدّ المعتدي عن اعتدائه، كذلك يصدّ غيره عن الاعتداء عليه، كما قال تعالى: ﴿لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]، وإذ قد كان العدل بهذه الاعتبارات تجول في تحديده أفهام مخطئة تعيّن أن تسنّ الشرائع لضبطه على حسب مدارك المشرّعين ومصطلحات المشرّع لهم، على أنّها معظمها لم يسلم من تحريف لحقيقة العدل في بعض الأحوال، فإنّ بعض القوانين أسّست بدافعة الغضب والأنانية، فتضمّنت أخطاء فاحشة مثل القوانين التي يمليها الثوار بدافع الغضب على من كانوا متولين الأمور قبلهم، وبعض القوانين المتفرّعة عن تخيّلات وأوهام، كقوانين أهل الجاهلية والأمم العريقة في الوثنية.

5. نجد القوانين التي سنّها الحكماء أمكن في تحقيق منافع العدل مثل قوانين أثينة وإسبرطة، وأعلى القوانين هي الشرائع الإلهية لمناسبتها لحال من شرعت لأجلهم، وأعظمها شريعة الإسلام لابتنائها على أساس المصالح الخالصة أو الراجحة، وإعراضها عن أهواء الأمم والعوائد الضالّة، فإنّها لا تعبأ بالأنانية والهوى، ولا بعوائد الفساد، ولأنّها لا تبنى على مصالح قبيلة خاصّة، أو بلد خاصّ، بل تبتنى على مصالح النوع البشري وتقويمه وهديه إلى سواء السبيل، ومن أجل هذا لم يزل الصالحون من القادة يدوّنون بيان الحقوق حفظا للعدل بقدر الإمكان وخاصّة الشرائع الإلهية، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25] أي العدل، فمنها المنصوص عليه على لسان رسول البشرية ومنها ما استنبطه علماء تلك الشريعة فهو مدرج فيها وملحق بها.

6. إنّما قيّد الأمر بالعدل بحالة التصدّي للحكم بين الناس، وأطلق الأمر بردّ الأمانات إلى أهلها عن التقييد: لأنّ كلّ أحد لا يخلو من أن تقع بيده أمانة لغيره لا سيما على اعتبار تعميم المراد بالأمانات الشامل لما يجب على المرء إبلاغه لمستحقّه كما تقدّم، بخلاف العدل فإنّما يؤمر به ولاة الحكم بين الناس، وليس كلّ أحد أهلا لتولّي ذلك، فتلك نكتة قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾، قال الفخر: قوله: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ﴾ هو كالتصريح بأنّه ليس لجميع الناس أن يشرّعوا في الحكم بل ذلك لبعضهم، فالآية مجملة في أنّه بأي طريق يصير حاكما ولمّا دلّت الدلائل على أنّه لا بد للأمّة من إمام وأنّه ينصب القضاة والولاة صارت تلك الدلائل كالبيان لهذه الآية.

7. جملة ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ واقعة موقع التحريض على امتثال الأمر، فكانت بمنزلة التعليل، وأغنت (إنّ) في صدر الجملة عن ذكر فاء التعقيب، كما هو الشأن إذا جاءت (إنّ) للاهتمام بالخبر دون التأكيد، و(نعمّا) أصله (نعم ما) ركّبت (نعم) مع (ما) بعد طرح حركة الميم الأولى وتنزيلها منزلة الكلمة الواحدة، وأدغم الميمان وحرّكت العين الساكنة بالكسر للتخلّص من التقاء الساكنين، و(ما) جوّز النحاة أن تكون اسم موصول، أو نكرة موصوفة، أو نكرة تامّة والجملة التي بعد (ما) تجري على ما يناسب معنى (ما)، وقيل: إنّ (ما) زائدة كافّة (نعم) عن العمل.

8. والوعظ: التذكير والنصح، وقد يكون فيه زجر وتخويف، وجملة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ أي عليما بما تفعلون وما تقولون، وهذه بشارة ونذارة.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/163.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. إذا كانت رعاية الأمانات وأداؤها واجبا مفروضا على الأمة كلها، حاكمها ومحكومها، وأنها متفاوتة المراتب، فإن الحاكم قد اختص بواجب آخر هو العدل، وهو من نوع الأمانة التي اختص بها، ولذا قال سبحانه بعد الأمر بأداء الأمانات: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ قال بعض العلماء: إن الخطاب في هذا النص موجه إلى الذين يحكمون، وهم الحكام من ولاة وقضاة وغيرهم ممن يلون الحاكم، ولا مانع عندنا من أن يكون الخطاب موجها للأمة كلها؛ لأن الأمة العزيزة غير الذليلة التي تتولى أمور نفسها من غير تحكم من ملك أو طاغ قاهر، هي محكومة ومحكمة، فهي التي تختار حاكمها، وهى في هذا محكّمة مطلوب منها العدل، فلا تختار لهوى، أو لعطاء، أو لمصلحة شخصية أيا كان نوعها، وهى محكمة في حاكمها فلا تقول فيه إلا حقا، ولا تطالبه إلا بما هو حق لا جور فيه، ولا تشتط في نقده، ولا تسكت عن نصيحته، فإن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: (الدين النصيحة لله ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم)

2. العدل معناه في أصل اللغة المثيل، وأطلق في مقام الحكم بمعنى أن يكون الحكم مساويا لما يستوجبه، فإذا ارتكب شخص جرما كان الحكم النازل مساويا للجرم المرتكب، وإذا كان الحكم بدين وجب أن يكون مساويا لما أخذ من غير زيادة، وهكذا، وإن العدل أنواع مختلفة، وله وسائل متباينة، وإذا كان مطلوبا في ذاته فوسائله يجب أن تتحقق فيها العدالة أيضا، وأخص أنواع العدالة عدالة القاضى في حكمه، وهى تتطلب أمورا أربعة:

أ. أولها: معرفة حكم الشرع والقانون فيما يقضى فيه.

ب. ثانيها: معرفة موضوع القضية معرفة متقص لأطرافها مستوعب لكل أجزائها.

ج. ثالثها: أن يبعد الهوى من نفسه، وأن ينظر دائما نظرا غير متحيز.

د. رابعها: أن يسوى بين الخصمين في كل شيء، وقد جاء في تفسير فخر الدين الرازي عن الشافعي ما يأتي (قال الشافعي: ينبغي للقاضى أن يسوى بين الخصمين في خمسة أشياء: في الدخول عليه، والجلوس بين يديه، والإقبال عليهما، والاستماع منهما، والحكم عليهما.. ولا ينبغي أن يلقن واحدا منهما حجته، ولا شاهدا شهادته؛ لأن ذلك يضر بأحد الخصمين، ولا يلقن المدعى الدعوى والاستخلاف، ولا يلقن المدعى عليه الإنكار والإقرار، ولا يلقن الشهود أن يشهدوا أو لا يشهدوا)

3. عدالة الحاكم الأكبر تقتضى الرفق بالرعية، وألا يعمل إلا ما فيه مصلحة، وأن يمنع الرشوة، وألا يولى أحدا ممن دونه لهوى أو غرض! فلا يوسد الحكم لمن‏ دونه إلا لمن هو أهل له، ولقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إذا وسد الأمر لغير أهله فانتظروا الساعة)، والأمانة واجبة سواء أكان من ائتمنك عادلا أم كان جائرا، فالنبى صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: (أد الأمانة لمن ائتمنك ولا تخن من خانك)، ومن المقررات في الفقه الإسلامى أن الظالم لا يظلم، والعدل مطلوب في ذاته، يستوى في ذلك المسلم وغير المسلم، فقد قال تعالى‏: ﴿ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَأَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏﴾ [المائدة]

4. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ الوعظ معناه التذكير بالخير والتحذير من الشر، بما يرق له القلب، ويخضع له الوجدان، و(ما) هنا إما نكرة بمعنى شيء، أو موصول، والمعنى واحد، وإن اختلف التخريج النحوى، ومؤدى النص أن الله جلت حكمته وهو العليم بكل شيء يأمركم بالأمانة والعدالة ولنعم هما شيئا خطيرا جليلا ذا أثر عظيم، في حياتكم العامة والخاصة، يذكركم به ويدعوكم إليه، فأداء الأمانات وإقامة العدالة، بهما تقوم الأمم، وعليهما تبنى دعائم العزة والكرامة الإنسانية، فهما ممدوحان دائما، ولا ينتج عنهما إلا خير، ولا ينتج عن تركهما إلا شر.

5. إن الله تعالى إذ يأمركم بذلك الخير العميم نفعه يراقبكم في تنفيذه، وإنه لن يترككم ولن يخليكم من العقاب إن لم تقوموا به، ولذلك ذيل الآية الكريمة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾، أي إن الله تعالى يعلم أحوالكم علم من يسمع، فهو يسمع خطرات نفوسكم وحركات قلوبكم، وعلم من يبصر، فهو يرى أعمالكم، هو إذن يسمع كلمة الحق نطق بها القاضى، وكلمة الرعية يختارون بها راعيهم، بالأمانة والصدق والإخلاص، ويرى عمل الوالى إذا عدل، فيجزيه بالحسنى، وعمله إذا ظلم أو شق على رعيته أو أرهقها من أمرها عسرا، فيأخذه سبحانه بظلمه إن ظلم، ويرى سبحانه الأمة وهى تقصر في حقوقها، ولا ترعى واجب الأمانة في الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر، ومنع الظالم من ظلمه، فيفسد أمرها، ويتحقق فيها قول النبيّ الأمين: (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يدى الظالم ولتأطرنه على الحق أطرا أو ليضربن قلوب بعضكم ببعض ثم تدعون فلا يستجاب لكم)

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1725.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، بعد أن أوجب سبحانه رد الأمانة الى أهلها عقب بوجوب العدل في الحكم بين الناس، لأن من لا ينصف الناس من نفسه فلا يحق له أن ينصبها حكما بينهم.. ووجوب العدل لا يختص بالقاضي، بل يشمل الوالي أيضا، والوالي العادل هو الذي يهتم بجميع نواحي الحياة، كالصحة والثقافة والعيش والحرية للجميع.. وقبل كل شيء يجب عليه أن لا يدع منفذا لطامع ـ أجنبيا كان أو من الوطن ـ يسلك منه الى التحكم والسيطرة على شأن من شؤون الناس ومقدراتهم.. فلقد أثبتت الأحداث التي مررنا بها ان المصدر الأول والأخير لما أصابنا من ويلات ونكبات هو تسرب اللصوص وغير الاكفاء الى مراكز القوة، والمناصب العالية.

2. أما عدل القاضي فيتمثل في مساواته بين الخصمين في كل شيء، وإعطاء كل ذي حق حقه بصرف النظر عن دينه وعقيدته، وصداقته وعداوته، وعظمته وضعته، وما عرف التاريخ شريعة اهتمت وتشددت في ذلك كالشريعة الاسلامية، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (من جعل قاضيا فقد ذبح بغير سكين) يشير الى أن مهمة القاضي أصعب المهمات وأدقها، لأن عليه أن يجاهد نفسه ويكافحها إذا كان الحق على غير ما يهوى.. وقال (القضاة ثلاثة: قاضيان في النار، وقاض في الجنة، فأما الذي في الجنة فرجل علم الحق، فقضى به، وأما اللذان في النار فرجل قضى للناس على جهل، ورجل علم الحق، وقضى بخلافه).. وقد تواتر ان عليا أمير المؤمنين عليه السلام جلس للمحاكمة بين يدي قاضيه شريح هو ونصراني خاصمه في درع.

3. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، المراد بالعظة هنا الأمر برد الأمانة، ولفظ نعم يشعر بأن الله سبحانه لا يأمر إلا بما فيه الخير والصلاح.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/358.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ﴾ فإن الله يأمركم ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ والعدل: هو الحق خلاف الجور، فلا يجوز الحكم بغير علم يميز بين العدل والجور، ولا يجوز الحكم بالجور اتباعاً للهوى أو بغضاً للمحكوم عليه كما قال تعالى: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا﴾ [المائدة: 8] وكذلك لا يجوز الحكم قبل تبين الحق، فلا يحكم لأحد الخصمين قبل سماع ما يقول الآخر أو قبل أن يدلي كل من الخصمين بحجته إن كان له حجة، ويحتاج الحاكم إلى أن يكون له ورع يحجزه عن الجور والميل لهوى النفس أو الغضب أو الخوف أو العجلة، وكلها راجعة إلى اتباع الهوى، والله تعالى يقول: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾ [ص: 26] وقد قام قوله تعالى: ﴿أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ مقام ذكر الشروط من العلم والورع والتثبت وكل ما لا يتم العدل إلا به.

2. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ يعظكم عن الخيانة والجور في الحكم بما في القرآن من المواعظ والوعيد وإكمال الحجة عليكم بحكمة الله ورحمته فنعم هذا الذي يعظكم به الله فقال في أول الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾ وقال هنا: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ فهو تأكيد للأمر، ودلالة على أن الله قد أتم الحجة عليكم، وقطع المعذرة بما وعظكم به في هذا القرآن من المواعظ العظيمة التي هي نعم المواعظ ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فلا تخفى عليه خيانة خائن، ولا جور جائر في حكمه فراقبوه.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/94.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ وهذا هو العنصر الثاني، الحكم بالعدل؛ فإن الله قد أنزل الرسالات كلها ليقوم الناس بالقسط، لما في ذلك من التأكيد على خط التوازن في الحياة، الذي تستقيم به الأمور وتتطور، وترتكز على قاعدة ثابتة في واقع الأشياء، فلا تنحرف بها عاطفة، ولا تجمح‏ بها رغبة، ولا تفسدها علاقة قريبة، ولا تغيّرها علاقة بعيدة، بل كل ما هناك، أن في الساحة حقا يراد بلوغه وإعطاؤه إلى صاحبه، من خلال المعطيات الواقعية للقضية والظروف الموضوعية المحيطة بها، فليست هناك عيون لامعة متنقلّة بين مزاج الإنسان ورغبته وبين مفردات الواقع، ليحاول التوفيق بين هذا وهذا، أو تغليب هذا على ذاك، بل هناك عين واحدة جامدة وعقل واحد هادئ، يحدّقان بالواقع من خلال معطياته، بعيدا عن كل شيء آخر يمنع القضية من أن تأخذ مجالها الطبيعي في الوصول إلى النتيجة الحاسمة، وهذا ما أكّده القرآن في أكثر من آية، كما في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [الأنعام: 152]، وفي قوله تعالى: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ بِالْقِسْطِ ولا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى‏ أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَأَقْرَبُ لِلتَّقْوى‏ واتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ‏﴾ [المائدة: 8]، وفي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [النساء: 135]

2. من الواضح أن العدل لا يختص بالمنازعات الحاصلة في مجالس القضاء، بل يتسع ليشمل كل القضايا التي يختلف الناس فيها، في شؤون الحكم من حيث علاقة الحاكم بالمحكومين، وعلاقات الناس ببعضهم، وفي شؤون التقييم للأشخاص والأوضاع، وفي تقديرهم للمواقف من خلال ما تختزنه من مؤثرات وما يحيط بها من ظروف.. وبذلك يكون العدل هو السمة البارزة التي تطبع الواقع الإسلامي في حياة الفرد؛ العائلية أو العامة من جيران وأقارب وأصدقاء ومعارف.. لا سيما الذين يتحمل مسئوليتهم ويتحملون مسئوليته، في نظرته للأمور، وفي كلماته وأعماله‏ وفي حياة المجتمع، في تصرفاته وعلاقاته بالمجتمعات الأخرى، ليكون العدل هو الأساس الذي يحكم التصرفات والعلاقات، بعيدا عن موازين القوة والضعف والقرب والبعد، لتتكامل الحياة وتتوازن في أوضاعها العامة والخاصة، وتحتضن قيمها الروحية والمادية في عدالة وسلام.

3. ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ وتلك هي الموعظة، التي هي نعم الموعظة، فإن الله لا يعظ الناس بالمواعظ الفارغة التي لا تقدم لهم شيئا كبيرا في بناء حياتهم وشخصيتهم، بل في كل مواعظه الخير والبركة والإصلاح، فلا بد للمؤمنين من الارتباط بها والسير على هداها، فإنه يسمع كل ما يقولون مما يتصل بالعدل والأمانة، ويبصر كل ما يعملونه في كل شؤون الحياة العامة والخاصة ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/316.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

ثمّ إنّه سبحانه يشير ـ في القسم الثّاني من الآية ـ إلى قانون مهم آخر، وهو مسألة (العدالة في الحكومة) فيقول: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ أي إنّ الله يوصيكم أيضا أن تلتزموا جانب العدالة في القضاء والحكم بين الناس، فتحكموا بعدل.

1. ثمّ قال سبحانه تأكيدا لهذين التعليمين: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾، ثمّ يقول مؤكدا ذلك أيضا: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فهو يراقب أعمالكم وهو يسمع أحاديثكم ويرى أفعالكم.

2. إنّ هذا القانون هو الآخر قانون كلّي وعام، ويشمل كل نوع من القضاء والحكومة، سواء في الأمور الكبيرة والأمور الصغيرة، إلى درجة أنّنا نقرأ في الأحاديث الإسلامية أنّ صبين ترافعا إلى الإمام الحسن بن علي في خط كتباه وحكماه في ذلك ليحكم أيّ الخطين أجود، فبصر به عليّ عليه السّلام فقال: (يا بني انظر كيف تحكم فإن هذا حكم والله سائلك عنه يوم القيامة)

3. إنّ هذين القانونين المهمّين (حفظ الأمانة، والعدالة في الحكم والحكومة) يمثلان قاعدة المجتمع الإنساني السليم، ولا يستقيم أمر مجتمع، سواء كان ماديا أو إلهيا من دون تنفيذ وإجراء هذين الأصلين:

أ. فالأصل الأوّل يقول: إنّ الأموال والثروات والمناصب والمسؤوليات والمهام والرساميل الإنسانية والثقافات والتراث والمخلفات التاريخية، كلها أمانات إلهية سلمت بأيدي أشخاص مختلفين في المجتمع، والجميع مكلّفون أن يحفظوا هذه الأمانات، ويجتهدوا في تسليمها إلى أصحابها الأصليين، ولا يخونوا فيها أبدا.

ب. ومن جهة أخرى حيث إنّ الاجتماعات تلازم التصادمات والاحتكاكات في المصالح والمنافع، ولهذا يتطلب الحل والفصل على أساس من الحكومة العادلة والقضاء العادل حتى يزول وينمحي كل أنواع التمييز الظالم من الحياة الاجتماعية.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/282.

58. طاعة الله والرسول وأولي الأمر

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈58⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن مسعود:

روي عن عبد الله بن مسعود (ت 32 هـ) أنّه قال: لا طاعة لبشر في معصية الله(1).

__________

(1) ابن أبي شيبة ١٢/٥٤٣.

علي:

روي عن الإمام علي (ت 40 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: حق على الإمام أن يحكم بما أنزل الله، وأن يؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك كان حقا على المسلمين أن يسمعوا ويطيعوا، ويجيبوا إذا دعوا(1).

2. روي عن سليم بن قيس، قال سمعت الامام علي يقول، وأتاه رجل فقال له: ما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا، وأدنى ما يكون به العبد كافرا، وأدنى ما يكون به العبد ضالا؟ فقال له: (قد سألت فافهم الجواب، أما أدنى ما يكون به العبد مؤمنا أن يعرفه الله تبارك وتعالى نفسه فيقر له بالطاعة، ويعرفه نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم فيقر له بالطاعة، ويعرفه إمامه وحجته في أرضه وشاهده على خلقه فيقر له بالطاعة)، فقلت: يا أمير المؤمنين، وإن جهل جميع الأشياء إلا ما وصفت! قال: نعم، إذا أمر أطاع، وإذا نهي انتهى، وأدنى ما يكون به العبد كافرا من زعم أن شيئا نهى الله عنه أن الله أمر به، ونصبه دينا يتولى عليه ويزعم أنه يعبد الذي أمره به، وإنما يعبد الشيطان، وأدنى ما يكون العبد به ضالا، أن لا يعرف حجة الله تبارك وتعالى وشاهده على عباده الذي أمر الله عز وجل بطاعته، وفرض ولايته)، قلت: يا أمير المؤمنين، صفهم لي، قال: الذين قرنهم الله تعالى بنفسه ونبيه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فقلت: يا أمير المؤمنين، جعلني الله فداك، أوضح لي، فقال: (الذين قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في آخر خطبته يوم قبضه الله عز وجل إليه: إني قد تركت فيكم أمرين، لن تضلوا بعدي إن تمسكتم بهما: كتاب الله عز وجل، وعترتي أهل بيتي، فإن اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين ـ وجمع بين مسبحتيه ـ ولا أقول كهاتين ـ وجمع بين المسبحة والوسطى ـ فتسبق إحداهما الاخرى، فتمسكوا بهما لا تزلوا، ولا تضلوا، ولا تتقدموهم فتضلوا(2).

3. روي عن سليم بن قيس الهلالي، قال قلت للإمام علي ـ وذكر حديثا قال فيه: ـ قال عليه السلام: (كنت أنا أدخل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كل يوم دخلة، وكل ليلة دخلة، فيخليني فيها، وقد علم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه لم يكن يصنع ذلك بأحد غيري، وكنت إذا سألت أجابني، وإذا سكت ابتدأني، ودعا الله أن يحفظني ويفهمني، فما نسيت شيئا أبدا منذ دعا لي، وإني قلت لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا نبي الله، إنك منذ دعوت لي بما دعوت لم أنس شيئا مما تعلمني، فلم تمليه علي، ولم تأمرني بكتبه، أتتخوف علي النسيان؟ فقال: يا أخي، لست أتخوف عليك النسيان ولا الجهل، وقد أخبرني الله عز وجل أنه قد استجاب لي فيك وفي شركائك الذين يكونون من بعد ذلك وإنما تكتبه لهم، قلت: يا رسول الله، ومن شركائي؟ فقال: الذين قرنهم الله بنفسه وبي، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قلت: يا نبي الله، ومن هم؟ قال الأوصياء إلى أن يردوا علي حوضي، كلهم هاد مهتد، لا يضرهم خذلان من خذلهم، هم مع القرآن والقرآن معهم، لا يفارقونه ولا يفارقهم، بهم تنصر امتي ويمطرون، ويدفع عنهم بمستجابات دعواتهم، قلت: يا رسول الله، سمهم لي، فقال: ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسن عليه السلام، ثم ابني هذا، ووضع يده على رأس الحسين عليه السلام، ثم ابن له على اسمك يا علي، ثم ابن له اسمه محمد بن علي، ثم أقبل على الحسين عليه السلام، فقال: سيولد محمد بن علي في حياتك فأقرئه مني السلام، ثم تكملة اثني عشر إماما، قلت: يا نبي الله، سمهم لي فسماهم رجلا رجلا، منهم والله ـ يا أخا بني هلال ـ مهدي امة محمد، يملأ الأرض قسطا وعدلا كما ملئت ظلما وجورا(3).

__________

(1) ابن أبي شيبة ١٢/٢١٣.

(2) الكافي 2/304، ينابيع المودة: 116.

(3) الغيبة 80/10.

الحسن:

روي عن هشام بن حسان، قال: سمعت أبا محمد الحسن بن علي (ت 50 هـ) يخطب الناس بعد البيعة له بالأمر، فقال: (نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسوله الأقربون، وأهل بيته الطيبون الطاهرون، وأحد الثقلين اللذين خلفهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أمته، والثاني كتاب الله، فيه تفصيل كل شيء، لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والمعول علينا في تفسيره، ولا نتظنن تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا فإن طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله عز وجل ورسوله مقرونة، قال الله عز وجل: ﴿يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنازَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ، وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ وأحذركم الإصغاء لهتاف الشيطان، فإنه لكم عدو مبين، فتكونون كأوليائه الذين قال لهم: لا ﴿غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا﴾ لا ﴿تَرَوْنَ﴾ فتلفون إلى الرماح وزرا، وإلى السيوف جزرا، وللعمد حطما، وإلى السهام غرضا، ثم لا ﴿يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا﴾ (1).

__________

(1) الأمالي 1/121.

أبو هريرة:

روي عن أبي هريرة (ت 58 هـ) أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، هم الأمراء منكم، وفي لفظ: هم أمراء السرايا(1).

__________

(1) سعيد بن منصور (٦٥٢.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، قال أهل العلم(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، يعني: أهل الفقه والدين، وأهل طاعة الله الذين يعلمون الناس معاني دينهم، ويأمرونهم بالمعروف، وينهونهم عن المنكر، فأوجب الله طاعتهم على العباد(2).

__________

(1) ابن عدي في الكامل ٣/٩٤٢.

(2) ابن جرير ٧/١٨٠ مختصرًا، وابن المنذر ٢/٧٦٥ دون قوله: أهل الفقه والدين، وابن أبي حاتم ٣/٩٨٩.

جابر:

روي عن جابر بن عبد الله (ت 78 هـ) أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، أولي الفقه، وأولي الخير(1).

__________

(1) ابن أبي شيبة ١٢/٢١٣، والحكيم الترمذي في نوادر الأصول ١/٢٦٠.

أبو العالية:

روي عن أبي العالية الرّياحيّ (ت 93 هـ) أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾، هم أهل العلم، ألا ترى أنه يقول: ﴿ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلم الذين يستنبطونه منهم﴾ [النساء: ٨٣](1).

__________

(1) ابن أبي شيبة ١٢/٢١٣ ـ ٢١٤.

النخعي:

روي عن إبراهيم النخعي (ت 96 هـ) أنّه قال: أولو العلم والفقه(1).

__________

(1) علَّقه ابن أبي حاتم ٣/٩٨٩.

الضحاك:

روي عن الضحاك بن مزاحم (ت 102 هـ) أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾، هم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، هم الدعاة الرواة(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٨٩.

مجاهد:

روي عن مجاهد (ت 104 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾، هم الفقهاء، والعلماء(1).

2. روي أنّه قال:، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، أولو الفقه في الدين والعقل(2).

__________

(1) سعيد بن منصور (٦٥٣.

(2) ابن أبي الدنيا في كتاب العقل وفضله ـ موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٦/٤٨١ ـ، وابن جرير ٧/١٨٠.

عكرمة:

روي عن عكرمة (ت 105 هـ) أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾، أبو بكر، وعمر(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/١٨٢.

البصري:

روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، أولي العلم، والفقه، والعقل، والرأي(1).

__________

(1) سعيد بن منصور في سننه ٤/١٢٨٩.

عطاء:

روي عن عطاء بن أبي رباح (ت 114 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، طاعة الرسول اتباع الكتاب والسنة(1).

2. روي أنّه قال:، في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، هم المهاجرون، والأنصار، والتابعون لهم بإحسان(2).

__________

(1) الدارمي ١/٢٩٧.

(2) تفسير الثعلبي ٣/٣٣٤.

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فإن خفتم تنازعا في الأمر فارجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى اولي الأمر منكم ـ قال ـ كيف يأمر بطاعتهم، ويرخص في منازعتهم، إنما قال ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾(1).

2. روي أنّه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الأئمة من ولد علي وفاطمة (صلوات الله عليهما) إلى أن تقوم الساعة(2).

3. روي أنه قيل له: لأي شيء يحتاج إلى النبي والإمام؟ فقال: لبقاء العالم على صلاحه، وذلك أن الله عز وجل يرفع العذاب عن أهل الأرض إذا كان فيهم نبي أو إمام، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ﴾ وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: النجوم أمان لأهل السماء، وأهل بيتي أمان لأهل الأرض، فإذا ذهبت النجوم أتى أهل السماء ما يكرهون، وإذا ذهب أهل بيتي أتى أهل الأرض ما يكرهون(3).

4. روي عن بريد بن معاوية، قال: كنت عند الإمام الباقر، فسألته عن قول الله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال فكان جوابه أن قال: ﴿أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ فلان وفلان ـ ﴿وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلَاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلًا﴾ يقول الأئمة الضالة والدعاة إلى النار: هؤلاء أهدى من آل محمد وأوليائهم سبيلا ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللهُ وَمَنْ يَلْعَنِ اللهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ﴾ يعني الإمامة والخلافة، ﴿فَإِذًا لَا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا﴾ نحن الناس الذين عنى الله، والنقير: النقطة التي رأيت في وسط النواة ﴿أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ فنحن المحسودون على ما آتانا الله من الإمامة دون خلق الله جميعا ﴿فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ يقول: فجعلنا منهم الرسل والأنبياء والأئمة، فكيف يقرون بذلك في آل إبراهيم وينكرونه في آل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم! ﴿فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا﴾ إلى قوله: ﴿وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾ قال قلت: قوله في آل إبراهيم: ﴿وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا﴾ ما الملك العظيم؟ قال: أن جعل منهم أئمة، من أطاعهم أطاع الله، ومن عصاهم عصى الله، فهو الملك العظيم)، قال ثم قال: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى ﴿سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ قال ـ إيانا عنى، أن يؤدي الأول منا إلى الإمام الذي بعده الكتب والعلم والسلاح ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ الذي في أيديكم، ثم قال للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فجمع المؤمنين إلى يوم القيامة ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إيانا عنى خاصة، فإن خفتم تنازعا في الأمر فارجعوا إلى الله وإلى الرسول واولي الأمر منكم، هكذا نزلت، وكيف يأمرهم بطاعة أولي الأمر ويرخص لهم في منازعتهم، إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ بريد العجلي، قال الإمام الباقر، مثله سواء، وزاد فيه: (أن تحكموا بالعدل إذا ظهرتم، أن تحكموا بالعدل إذا بدت في أيديكم(4).

5. روي أنّه سئل عن هذه الآية: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فقال: الأوصياء(5).

6. روي أنّه قال: نزلت في الإمام علي، قيل له: إن الناس يقولون لنا فما منعه أن يسمي الإمام علي وأهل بيته في كتابه؟ قال الإمام الباقر أنّه قال: (قولوا لهم: إن الله أنزل على رسوله الصلاة ولم يسم ثلاثا ولا أربعا حتى كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي فسر ذلك لهم، وأنزل الحج فلم ينزل طوفوا أسبوعا حتى فسر ذلك لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والله أنزل: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فنزلت في علي والحسن والحسين (عليهم السلام)، وقال في علي: من كنت مولاه فعلي مولاه، وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي، إني سألت الله أن لا يفرق بينهما حتى يوردهما علي الحوض، فأعطاني ذلك، وقال: فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلال ولو سكت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ولم يبين أهلها لادعاها آل عباس وآل عقيل وآل فلان وآل فلان، ولكن أنزل الله في كتابه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فكان علي والحسن والحسين وفاطمة (عليهم السلام) تأويل هذه الآية، فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيد علي وفاطمة والحسن والحسين (صلوات الله عليهم) فأدخلهم تحت الكساء في بيت أم سلمة، وقال: اللهم إن لكل نبي ثقلا وأهلا فهؤلاء ثقلي وأهلي، فقالت أم سلمة: ألست من أهلك؟ قال إنك إلى خير، ولكن هؤلاء ثقلي وأهلي، فلما قبض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان علي عليه السلام أولى الناس بها لكبره، ولما بلغ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأقامه وأخذ بيده، فلما حضر لم يستطع علي عليه السلام ولم يكن ليفعل أن يدخل محمد بن علي ولا العباس بن علي ولا أحدا من ولده، إذن لقال الحسن والحسين: أنزل الله فينا كما أنزل فيك، وأمر بطاعتنا كما أمر بطاعتك، وبلغ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فينا كما بلغ فيك، وأذهب عنا الرجس كما أذهب عنك، فلما مضى علي كان الحسن أولى بها لكبره، فلما حضر الحسن بن علي عليه السلام لم يستطع ولم يكن ليفعل أن يقول ﴿أُولُو الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ﴾ فيجعلها لولده، إذن لقال الحسين عليه السلام: أنزل الله في كما أنزل الله فيك وفي أبيك، وأمر بطاعتي كما أمر بطاعتك وطاعة أبيك، وأذهب الرجس عني كما أذهب الرجس عنك وعن أبيك، فلما أن صارت إلى الحسين عليه السلام لم يبق أحد يستطيع أن يدعي كما يدعي هو على أبيه وعلى أخيه، وهنالك جرى، إن الله عز وجل يقول: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ ثم صارت من بعد الحسين إلى علي بن الحسين، ثم من بعد علي بن الحسين إلى محمد بن علي)، قال الإمام الباقر أنّه قال: الرجس هو الشك، والله لا نشك في ديننا أبدا(5)

7. روي أنّه سئل عن قول الله تعالى، فذكر نحو هذا الحديث، وقال فيه زيادة: فنزلت عليه الزكاة فلم يسم الله من كل أربعين درهما حتى كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي فسر ذلك لهم) وذكر في آخره قال: فلما أن صارت إلى الحسين، لم يكن أحد من أهله يستطيع أن يدعي عليه كما كان هو يدعي على أخيه وعلى أبيه (عليهم السلام)، لو أرادا أن يصرفا الأمر عنه، ولم يكونا ليفعلا، ثم صارت حين أفضت إلى الحسين ابن علي عليه السلام، فجرى تأويل هذه الآية: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللهِ﴾ ثم صارت من بعد الحسين لعلي بن الحسين، ثم صارت من بعد علي بن الحسين إلى محمد بن علي (صلوات الله عليهم(6).

8. روي أنّه قال: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ هي في علي وفي الأئمة (عليهم السلام) جعلهم الله مواضع الأنبياء، غير أنهم لا يحلون شيئا ولا يحرمونه(7).

__________

(1) الكافي 8/184.

(2) كما الدين وتمام النعمة: 222/8.

(3) علل الشرائع: 123/1 باب 103.

(4) تفسير العيّاشي 1/246.

(5) تفسير العياشي 1/249.

(6) تفسير العيّاشي 1/251.

(7) تفسير العيّاشي 1/252.

مكحول:

1. روي أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، هم أهل الآية التي قبلها: ﴿إِنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ إلى آخر الآية(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/١٧٠.

ميمون:

روي عن ميمون بن مهران (ت 117 هـ) أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، أصحاب السرايا على عهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/١٧٧.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي عن الحكم عن الحسين بن أبي العلاء، قال: ذكرت للإمام الصادق قولنا في الأوصياء: إن طاعتهم مفروضة، فقال: نعم، هم الذين قال الله عز وجل: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وهم الذين قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾(1).

2. روي أنه قيل له: إنا نكلم الناس فنحتج عليهم بقول الله عز وجل: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فيقولون: نزلت في أمراء السرايا فنحتج عليهم بقوله عز وجل: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ﴾ إلى آخر الآية فيقولون نزلت في المؤمنين، ونحتج عليهم بقول الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فيقولون: نزلت في قربى المسلمين، فلم أدع شيئا مما حضرني ذكره من هذا وشبهه إلا ذكرته، فقال لي: (إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة)، قلت: وكيف أصنع، فقال: (أصلح نفسك)، ثلاثا ـ وأظنه قال ـ (وصم واغتسل، وابرز أنت وهو إلى الجبان، فتشبك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه، ثم أنصفه وابدأ بنفسك وقل: اللهم رب السماوات السبع، ورب الأرضين السبع، عالم الغيب والشهادة، الرحمن الرحيم، إن كان أبو مسروق جحد حقا وادعى باطلا، فأنزل عليه حسبانا من السماء وعذابا أليما، ثم رد الدعوة عليه، فقل: وإن كان فلان جحد حقا وادعى باطلا، فأنزل عليه حسبانا من السماء أو عذابا أليما)، ثم قال لي: (فإنك لا تلبث أن ترى ذلك فيه)، فو الله ما وجدت خلقا يجيبني إليه(2).

3. روي أنه قيل له: حدثني عما تثبتت عليه دعائم الإسلام، إذا أنا أخذت بها زكا عملي، ولم يضرني جهل ما جهلت بعده، فقال: شهادة أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والإقرار بما جاء به من عند الله، وحق في الأموال من الزكاة، والولاية التي أمر الله عز وجل بها ولاية آل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ قال ـ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: من مات ولا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، قال الله عز وجل: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فكان علي عليه السلام، ثم صار من بعده الحسن، ثم الحسين، ثم من بعده علي بن الحسين، ثم من بعده محمد بن علي، وهكذا يكون الأمر، إن الأرض لا تصلح إلا بإمام، ومن مات لا يعرف إمامه مات ميتة جاهلية، وأحوج ما يكون أحدكم إلى معرفته إذا بلغت نفسه ها هنا ـ قال وأهوى بيده إلى صدره ـ ويقول حينئذ: لقد كنت على أمر حسن(3).

4. روي أنه قيل له: الأوصياء طاعتهم مفترضة؟ فقال: هم الذين قال الله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وهم الذين قال الله: ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ﴾(4).

5. روي أنّه قال: إنكم أخذتم هذا الأمر من جذوه ـ يعني من أصله ـ عن قول الله: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ومن قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما إن تمسكتم به لن تضلوا، لا من قول فلان، ولا من قول فلان(5).

6. روي أنه قيل له: جعلت فداك، أخبرني من أولي الأمر الذين أمر الله بطاعتهم؟ فقال: أولئك الإمام علي والحسن والحسين وعلي بن الحسين ومحمد بن علي وجعفر أنا، فاحمدوا الله الذي عرفكم أئمتكم وقادتكم حين جحدهم الناس(6).

__________

(1) الكافي 1/143.

(2) الكافي 2/372.

(3) الكافي 2/18.

(4) الاختصاص: 277.

(5) تفسير العيّاشي 1/251.

(6) تفسير العيّاشي 1/252.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) أنّه قال: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، يعني: خالد بن الوليد؛ لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان ولاه أمرهم، فأمر الله عز وجل بطاعة أمراء سرايا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٣.

ابن زيد:

روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) أنّه قال: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إن كان حيا(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/١٧٥.

الرضا:

روي عن أبان، أنه دخل على الإمام الرضا (ت 203 هـ) قال: فسألته عن قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فقال: (ذلك الإمام علي) ثم سكت، قال فلما طال سكوته، قلت: ثم من قال: (ثم الحسن)، ثم سكت، فلما طال سكوته، قلت: ثم من؟ قال: (ثم الحسين) قلت: ثم من؟ قال: (علي بن الحسين) وسكت، فلم يزل يسكت عند كل واحد حتى أعيد المسألة فيقول، حتى سماهم إلى آخرهم (صلوات الله عليهم(1).

__________

(1) تفسير العيّاشي 1/251.

الرسّي:

ذكر الإمام القاسم الرسي (ت 246 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، أولو الأمر: أمراء السرايا، وعلماء القبائل، وحلماء العشائر، والحكماء الذين يأمرون بالمعروف والهدى، وينهون عن الردى، لما أمروا بما أمر به رب العالمين، وأبرار آل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلماؤهم؛ وهم: فولاة الأمر منهم؛ لما فضلهم الله به على غيرهم، من قرابة رسول الله، ومشاركتهم لأهل البر فيه؛ فلهم من القرابة ما ليس لغيرهم، وهم شركاء الأبرار في برهم.

2. الرد إلى الله أي: إلى محكم كتابه، وما أقام الله من أدلته.. وإلى الرسول أي: إلى سنته الجامعة إذا لم يكن من العترة من يرد إليه؛ لأن الكتاب والسنة والعترة الطاهرة ـ أما في أهل الخشية، الذين يلجئون إليه عند كل شبهة وفتنة؛ بذلك جاء الخبر عن أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، أنّه قال: (إنها ستكون فتنة) قلت: يا رسول الله، فما المخرج منها لمن فتن؟ قال: (كتاب الله؛ فيه خبر ما قبلكم، وحكم ما يأتيكم؛ فمن ابتغى الهدى في غيره، أو سأل عنه غير أهله أضله الله، ومن قال به صدق، ومن حكم به عدل، ومن اهتدى به هدي، ومن دعا إليه هدى إلى صراط مستقيم)، وعن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: (أصدق الحديث كتاب الله، وأحسن الحديث هدي محمد ـ صلى الله عليه وآله الطيبين ـ، وشر الأمور محدثاتها)، وقال ابن مسعود: (إن الله شرع لنبيه سنن الهدى)، وأهل الخشية لله لا يجاوز عملهم الكتاب والسنة، والأعلام القائمة الداعية إلى الله من العترة، الذين لا يتكلفون من العلم ما لم يكلفوا، ولا يتكلمون فيما كلفوا إلا في موضعه، ولا يضعونه إلا في أهله؛ لأنهم علماء بالعلم والسياسة للعلم، ويعملون لله بالعلم في السر والعلانية؛ فإذا كانوا كذلك أورثهم الله زهرة العلم، وهو العلم الباطن، الذي هو: فهم القلوب لكل معتبر به، وصاحب العبرة فيه، ومن استخراجهم له من البرهان، وحشاه من الدلالة عليه؛ فيورثهم ذلك النطق بالحكمة، والعبادة عنها، والدعاء لمن حد عنها إليها؛ وذلك أن العلم علمان، كما روى الحسن عن النبي صلى الله عليه: (العلم علمان: فعلم على اللسان؛ فذلك حجة الله على ابن آدم، وعلم في القلب؛ فذلك العلم النافع).. إلى آخر كلامه.

__________

(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/233.

الهادي إلى الحق:

ذكر الإمام الهادي إلى الحق (ت 298 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قول الله سبحانه: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، وأولوا الأمر الذين أمروا بالكينونة معهم فهم: الصادقون بادعاء الإمامة، وهم المستوجبون لها، والمستحقون لفرضها، وهم: من كانت فيه الصفات التي تجب له بها الإمامة: من ولادة الرسول، والعلم، والدين، والزهد، والورع، والمجاهدة لأعداء الله، من كشف رأسه، وسل سيفه، ونشر رايته، ودعا إلى الحق وعمل به، وزاحف الصفوف بالصفوف، وأزلف الألوف إلى الألوف، وخاض في طاعة الله الحتوف، وضرب بالسيوف الأنوف، وأقام حدود الله على من استوجبها، وأخذ أموال الله من مواضعها، وصرفها في وجوهها، وكان رحيما بالمؤمنين، مجاهدا غليظا على الكافرين والمنافقين، معه علمه ودليله، والعلم والدليل: الكلام بالحكمة، وحسن التعبير، والجواب عند المسألة، والفهم لدقائق غامض الكتاب، ولدقائق غيره من كل الأسباب، التي يعجز عن استنباطها غيره، ويضعف عن تثبيتها سواه، فمن كان في الصفة كما ذكرنا، وفي الأمر كما قلنا هو: الإمام الذي عقد الله له الإمامة، وحكم له على الخلق بالطاعة؛ فمن اتبعه رشد واهتدى، وأطاع الله فيما أمر به واتقى، ومن خالفه فقد هلك وهوى، وأفحش النظر لنفسه وأساء، واستوجب على فعله من الله العذاب الأليم، والخلود في الهوان المقيم، ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ أَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ جَنَّاتُ الْمَأْوَى نُزُلًا بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ كُلَّمَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا أُعِيدُوا فِيهَا وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا عَذَابَ النَّارِ الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تُكَذِّبُونَ﴾ [السجدة: 18 ـ 20]

__________

(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/235.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. سؤال وإشكال: كيف خص الله تعالى المؤمنين بالخطاب بالطاعة له وطاعة الرسول والأمر بها يعم المؤمن والكافر جميعا؟ والجواب: فيه بوجوه ثلاثة:

أ. أحدها: أن من عادة الملوك أنهم إذا خاطبوا بشيء إنما يخاطبون أهل الشرف والمجد، ومن كان أسمع لخطابهم، وأعظم لقولهم؛ كقوله عزّ وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي أَمْرِي﴾ [النمل: 32]، وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا﴾ [النمل: 38]، يخاطبون أبدا أهل الشرف والمجد، ومن هو أقبل لقولهم، وأطوع لأمرطم؛ فعلى ذلك خاطب الله تعالى المؤمنين وأمرهم أن يطيعوه ويطيعوا رسوله، وإن كان الخطاب بذلك يعمهم.

ب. والثاني: يحتمل أن يكون الخطاب بذلك للمؤمنين خاصة؛ لأن الكافر إنما يخاطب باعتقاد الطاعة له أولا، فإن أجاب إلى ذلك فعند ذلك يخاطب بغيره، والمؤمن قد اعتقد طاعة ربه، وطاعة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لذلك خرج الخطاب منه للمؤمنين خاصة.

ج. ويحتمل: أن يكون تخصيص الخطاب للمؤمنين؛ لما أمر بطاعه أولي الأمر؛ ليعلم أنه إنما أمر بطاعة أولي الأمر إذا كانوا مؤمنين، والله أعلم.

2. فيه دلالة جواز الطاعة لغير الله؛ لأن كل من عمل بأمر آخر فقد أطاعه، هو الائتمار للآمر، وأما العبادة فهي إخلاص الشيء بكليته لله عز وجل حقيقة؛ إذ الأشياء كلها لله بكليتها حقيقة، ليست لأحد سواه؛ لذلك لم يجز أن يعبد غير الله تعالى وقد يجوز أن يطاع غيره؛ لما ذكرنا أن الطاعة هي الائتمار بالأمر، وليس العبادة؛ لذلك افترقا، ثم طاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم تكون طاعة لله؛ لأنه بأمره يطاع، وفي طاعتهم له طاعته.

3. ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ في فرائضه، ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في سنته، وقيل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فيما أمركم ونهاكم في كتابه، ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما أمركم ونهاكم في سنته‏.

4. اختلف في أولى الأمر:

أ. قيل هم الأمراء على السرايا.

ب. وقيل: هم العلماء والفقهاء.

ج. وقيل: هم أهل الخير.

د. ويحتمل: أولى الأمر: الذين يولّون السرايا.

هـ. فكيفما ما كان ومن كان، ففيه الدلالة ألا يولى إلا من له العلم والبصر في ذلك، أمراء السرايا كانوا أو غيرهم؛ لأنه عزّ وجل أمر بطاعتهم، ولا يؤمر بطاعة أحد إلا بعلم وبصر يكون له في ذلك.

5. الآية التي تقدمت، وهو قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾ يدل على أن أولي الأمر الأمراء؛ لأنه تعالى أمر الحكام في الآية الأولى بالعدل، وأمر الرعية بالسمع لهم والطاعة فيما يحكمون ويأمرون ألا ترى أنه روي في الخبر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (يا أيّها النّاس، اسمعوا وأطيعوا، وإن أمّر عليكم حبشىّ مجدّع فاسمعوا له وأطيعوا ما أقام فيكم كتاب الله)، وعن ابن عمر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (على المرء المسلم السّمع والطّاعة فيما أحبّ وكره، إلّا أن يؤمر بمعصية، فمن أمر بمعصية فلا سمع عليه ولا طاعة)

6. هذه الآية والتي تليها تدل على أن أولي الأمر هم الفقهاء، وهو قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، والتنازع يكون بين العلماء؛ فكأنه ـ والله أعلم ـ أمر في آية أولي الأمر بطاعتهم، وأمر أولي الفقه برد ما يختلفون فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والآية تحتمل المعنيين ـ والله أعلم ـ: أن على العامة طاعة أمرائهم في أحكامهم، وعليهم اتباع علمائهم في فتواهم؛ يبين ذلك قول الله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ﴾ الآية [التوبة: 122]، فلو لم يجب على قومهم قبول قول علمائهم ما وجب عليهم إنذار قومهم.

7. وفي هذه الآية دليل على إبطال قول الإمامية في الإمامة؛ لأن الله تعالى قال ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فليس يخلو أولو الأمر من أحد ثلاثة أوجه: إما أن يكون الأمراء، أو الفقهاء، أو الإمام الذي تدعيه الإمامية، فإن كان المعنى في أولي الأمر: الفقهاء أو الأمراء، ففيه إبطال قول الإمامية: إنه الإمام الذي يصفونه، ومحال أن يكون ذلك هو الإمام الذي يذكرونه؛ لأنه قال الله سنته.

8. استدل قوم بهذه الآية على إبطال الاجتهاد، وترك القول إلا بما يوجد في كتاب الله تعالى أو في سنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، نصا، ويقولون: فنكل أمره إلى الله سبحانه وتعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وليس ذلك عندنا.

9. الآية تحتمل وجهين:

أ. أحدهما: أن يحمل تأويلها على أن التنازع إذا كان في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وجب أن يرد إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم ويسأل عن ذلك، ولا يستعمل في الحادثة الاجتهاد ولا النظر، فأما ما كان من التنازع بعد وفاة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فإن حكم الحادثة يطلب في كتاب الله، أو في سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أو في إجماع المسلمين، فإن وجد الحكم في أحدهم بينا وإلا قيل بالاجتهاد.

ب. الثاني: أن يكون المجتهد إذا ما اجتهد فيه إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيقول: وجدت في الكتاب أو في السنة كذا وكذا، وهذه الحادثة تشبه هذا الحكم، فحكمها حكمه، ويكون رادّا لحكم الحادثة إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم أو شبهها بما وجده من الحكم فيهما، وإذا كان ما وصفنا من تأويل الآية محتملا؛ فلا حجة لهم علينا في ذلك، والله المستعان.

10. في الآية دلالة جعل الإجماع حجة، وهو قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ الآية، أنه إنما أمر بالرد إلى الله والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم عند التنازع؛ لم يأمر عند الإجماع؛ دل أنه إذا كان ثمّ إجماع لا تنازع فيه، لم يجب الرد إلى ما أودع في الكتاب وفي السنة.

11. وفي الآية دلالة أنه يدرك بالطلب المودع فيه؛ لأنه لو لم يدرك، أو ليس ذلك فيه، لم‏ يكن للرد إلى ذلك معنى؛ ألا ترى أنه قال [الله ـ سبحانه و] تعالى ـ: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النّساء: 83] فإنما يستنبط ما فيه؛ فدل [أن حكم الحوادث‏] مذكور في هذين: في الكتاب، والسنة؛ إذ لو لم يكن الفرج عند النظر والطلب، لكان لا يفيد الأمر بالرد إليهما معنى، ثم لا توجد نصوص في كل ما يتلى، ثبت أنه مطلوب، وهو يدل على لزوم البحث في استخراج المودع من المنصوص.

12. في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية ـ تخصيص المؤمنين على اشتراك الجميع في اللزوم؛ يخرج على أوجه:

أ. أحدها: على مخاطبة الأشراف والنجباء، وعلى ذلك أمر الملوك في الأمور، يريدون اشتراك الرعية وأهل المملكة في ذلك؛ كقوله ـ سبحانه ـ: ﴿قَالَتْ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ [النمل: 29]، وقال سليمان عليه السلام: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ [النمل: 38]، وقال فرعون للملإ: ﴿يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ﴾ ونحو ذلك، فمثله الذي نحن فيه، والله أعلم.

ب. والثاني: أنهم مما قد عرفوا الأمور والمناهي؛ فقيل لهم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ وما ذكر، واعلموا أنهم فيمن أمروا به ونهوا عنه، ولم يكن من الكفرة علم بالذي يوجهون الأمر إليهم؛ فلذلك خص من ذكر، والله أعلم.

ج. والثالث: أن الكفرة قد أنكرت المعبود والرسول، فجرى الخطاب فيمن ثبتت لهم المعرفة بذلك، مع ما يحتمل: أن يكون هذا الخطاب في الشرائع، وهي غير لازمة للكفرة؛ فلذلك كان على ما ذكرت.

د. الرابع: ما أدخل في الخطاب أولي الأمر منا، ولا يلزمهم طاعتهم؛ لذلك خص المؤمنين، وكأن المقصود بالآية بيان طاعة أولي الأمر منا، وإلا كانت طاعة الله تعالى وطاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بما كان إيمانهم قد ثبت، ولكن جمعت طاعة من ذكر؛ ليعلم أن قد يكون بطاعة أولي الأمر طاعة الله.

13. مما يبين الذي ذكرت أن كل من عرف الإله، عرف أن عليه طاعته بما عرف اسمه الذي سمت العرب كل معبود: إلها، فمن عرف منهم الإله عرف أنه معبود، ثم من عرف ما له عنده من الأيادي، وعليه من النعم علم أن عليه شكره وطاعته به، ثم من عرف الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، عرف أن طاعته هي طاعة الله؛ لأنه إليه يدعو، وعن أمره ونهيه يأمر وينهي؛ إذ هو رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منه إلى الخلق، وليس من عرف الله وعرف الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يعرف أن عليه طاعة أولى الأمر بما لم يرو عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فبين الله تعالى ذلك في هذه الآية؛ ليعلموا أن طاعتهم هي طاعة الله وطاعة [رسول الله‏] صير الله تعالى طاعتهم طاعته، وهم في ذلك الإجماع.

14. وعلى ما ذكرت من شأن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يخرج قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء: 80] وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية [النساء: 65] صير الواجد حرجا مما قضى واجدا حرجا من قضاء الله تعالى في نفي حكم الإيمان؛ وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: 64] أي: ليكون عليهم طاعته بأمر الله تعالى إذ هي طاعة الله أولا؛ لتكون طاعته طاعة الله بإذنه وبأمره.

15. ثم اختلف في أولي الأمر، ومعلوم أنهم هم الذين إليهم يرجع تدبير أمور الدين، وعن آرائهم يصدر وهم الذين تضمنتهم آية أرجو أن يكون فيها الكفاية في تعريف المقصود بها، وهو قوله عزّ وجل: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83] فجعل أولي الأمر من عندهم علم الاستنباط، وشهد لهم بالعلم فيما رد إليهم؛ فثبت أنهم الفقهاء المعروفون بالاستنباط ورعاية أمور الدين، وفي هذا ـ أيضا ـ دلالة على إصابتهم فيما أجمعوا عليه؛ إذ شهد لهم في الجملة بالعلم؛ وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾ الآية [آل عمران: 110]، وقوله تعالى ـ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية [البقرة: 143]، ثم كانت الشهادات والأمر والنهي للعلماء بهما؛ ثبت أن الأمر في ذلك ينصرف إلى العلماء، وأنهم إذا اجتمعوا على شيء بالأمر أو بالنهي، يكون إجماعا؛ لأن ذلك كذلك عند الله تعالى وتجوز شهادتهم على جميع العوام ومن تأخرهم، ومن ذلك في الأمور التي تجري بها البلية والعمل بها في العامة، مما لا يحتمل خفاء مثله، على ما ذكرت من الخاص أن ذلك كان عند أولئك الخاص على ذلك؛ إذا لم يغيروا ولا شهدوا في ذلك بغيره، وأمراء السرايا لو كانوا أهل البصر في الأمر مع العلم بالشرع والفتيا يلزم فيهم ذلك؛ لأنهم صيروا في الباب أهل الأمر.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/226.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يعني أطيعوا الله عز وجل في أوامره ونواهيه وأطيعوا الرسول فيما يؤديه من قبل الله عز وجل وأولي الأمر منكم يعني الأئمة من ولده القائمين مقامه الحاملين ما حمله من أعباء الأمور وسد الثغور.

2. وروينا عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني) وطاعة الرسول اتباع سنته والعمل بكل ما جاء به من عند الله، وطاعة الأئمة من ولده واجبة في كل ما فيه طاعة الله سبحانه؛ فأما ما كان من معصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصيته.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/182.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، يعني أطيعوا الله في أوامره ونواهيه، وأطيعوا الرسول، روى الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصا الله، ومن عصا أميري فقد عصاني)

2. في طاعة الرسول قولان:

أ. أحدهما: اتباع سنته، وهو قول عطاء.

ب. الثاني: وأطيعوا الرسول إن كان حيا، وهو قول ابن زيد.

3. في أولي الأمر أربعة أقاويل:

أ. أحدها: هم الأمراء، وهو قول ابن عباس، وأبي هريرة، والسدي، وابن زيد، وقد روى هشام عن عروة عن أبي صالح عن أبي هريرة أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: سيليكم بعدي ولاة، فيليكم البرّ ببرّه، ويليكم الفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا في كلّ ما وافق الحقّ، وصلّوا وراءهم، فإن أحسنوا فلكم ولهم، وإن أساؤوا فلكم وعليهم.. واختلف قائلو هذا القول في سبب نزولها في الأمراء:

فقال ابن عباس: نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي إذ بعثه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في سرية.

وقال السدي: نزلت في عمار بن ياسر، وخالد بن الوليد حين بعثهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في سرية.

ب. الثاني: هم العلماء والفقهاء، وهو قول جابر بن عبد الله، والحسن، وعطاء، وأبي العالية.

ج. الثالث: هم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو قول مجاهد.

د. الرابع: هم أبو بكر وعمر، وهو قول عكرمة.

4. طاعة ولاة الأمر تلزم في طاعة الله دون معصيته، وهي طاعة يجوز أن تزول، لجواز معصيتهم، ولا يجوز أن تزول طاعة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لامتناع معصيته، وقد روى نافع عن عبد الله عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (على المرء المسلم الطّاعة فيما أحبّ أو كره إلّا أن يؤمر بمعصية فلا طاعة)

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/500.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذا خطاب من الله تعالى للمؤمنين يأمرهم أن يطيعوه ويطيعوا رسوله ويطيعوا أولي الأمر منهم، فالطاعة هي امتثال الأمر، فطاعة الله هي امتثال أوامره والانتهاء عن نواهيه، وطاعة الرسول كذلك امتثال أوامره وطاعة الرسول أيضاً هي طاعة الله، لأنه تعالى أمر بطاعة رسوله، فمن أطاع الرسول، فقد أطاع‏ الله كما قال‏ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فأما المعرفة بأنه رسول، فمعرفة بالرسالة ولا يتم ذلك إلا بعد المعرفة بالله، وليست إحداهما هي الأخرى، وطاعة الرسول واجبة في حياته وبعد وفاته، لأن بعد وفاته يلزم اتباع سنته، لأنه دعا إليها جميع المكلفين إلى يوم القيامة، كما أنه رسول إليهم أجمعين.

2. فأما أولو الأمر، فللمفسرين فيه تأويلان:

أ. أحدهما: قال أبو هريرة، وفي رواية عن ابن عباس، وميمون بن مهران، والسدي والجبائي، والبلخي، والطبري: إنهم الامراء.

ب. الثاني: قال جابر بن عبد الله، وفي رواية أخرى عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وعطاء، وأبي العالية: انهم العلماء.

ج. وروي أصحابنا(2) عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام أنهم الأئمة من آل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلذلك أوجب الله تعالى طاعتهم بالإطلاق، كما أوجب طاعة رسوله وطاعة نفسه كذلك، ولا يجوز إيجاب طاعة أحد مطلقاً إلا من كان معصوماً مأموناً منه السهو والغلط، وليس ذلك بحاصل في الامراء، ولا العلماء، وإنما هو واجب في الأئمة الذين دلت الأدلة على عصمتهم وطهارتهم، فأما من قال المراد به العلماء، فقوله بعيد، لأن قوله‏ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ معناه أطيعوا من له الأمر، وليس ذلك للعلماء، فان قالوا: يجب علينا طاعتهم إذا كانوا محقين، فإذا عدلوا عن الحق فلا طاعة لهم علينا، قلنا: هذا تخصيص لعموم إيجاب الطاعة لم يدل عليه دليل، وحمل الآية على العموم، فيمن يصح ذلك فيه أولى من تخصيص الطاعة بشيء دون شيء كما لا يجوز تخصيص وجوب طاعة الرسول وطاعة الله في شيء دون شيء.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/236.

(2) يقصد الإمامية.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أولو الأمر: من له الأمر كما أن أولي المال من له المال، قال أبو مسلم: وهو جمع واحده ﴿ذُو﴾، وهو مجموع على غير لفظه، يقال: ذو الأمر، وأولو الأمر، وذوو الرحم، وأولو الأرحام، وقد يجمع على لفظه، فيقال: ذو المال وذوو المال.

2. مما روي في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. قيل: نزلت الآية في عبد الله بن حذافة السهمي، بعثه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في سرية عن سعيد ابن جبير عن ابن عباس.

ب. وروي عن ابن عباس أن النبي، صلّى الله عليه وآله وسلّم بعث خالد بن الوليد في سرية وفيهم عمار، فلما دنوا منهم هربوا غير رجل كان قد أسلم، فأتى العسكر، واستأمن عمارًا فأَمَّنهُ عمار، وأمره أن يقيم، وأصبح خالد مغيرًا على القوم، وأخذ ذلك الرجل وماله، فقال عمار: خَلّ سبيله؟ فإنه مسلم وقد أمنته، فقال خالد: أنت تجير عَلَيَّ وأنا الأمير، وجرى بينهما كلام، وانصرفوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأخبره بالقصة، فأجاز أمان عمار، ونهى أن يجير على أمير بغير إذنه، واستب عمار وخالد بين يدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (كف عن عمار من يسب عمارًا يسبه الله، ومن يبغض عمارًا يبغضه الله)، فقام عمار وتبعه خالد، وسأله أن يرضى عنه فرضي، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

3. لما بين تعالى في الآية المتقدمة ما يجب على الولاة من حقوق رعاياهم بَيَّنَ في هذه الآية ما يجب عليهم من حقوق ولاتهم، فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدقوا الله ورسوله ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾:

أ. قيل: أطيعوا الله في أوامره، وأطيعوا الرسول في أوامره.

ب. وقيل: طاعة الله في اتباع فرائضه، وطاعة الرسول في حياته باتباعه، وبعد وفاته باتباع سنته وشرائعه.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾:

أ. قيل: هم الأمراء عن أبي هريرة وابن عباس بخلاف وميمون بن مهران والسدي وهو قول أبي علي.

ب. وقيل: أمراء السرايا في وقت الرسول عن أبي مسلم.

ج. وقيل: هم العلماء عن جابر وابن عباس ومجاهد والحسن وعطاء وأبي العالية والضحاك، واختاره القاضي؛ لأن الأمراء لا تجب طاعتهم إلا بعد أن يعلم أن ذلك طاعة لله ولرسوله، والعلماء إذا اتفقوا على شيء كان حجة، ولأنه قال عقيبه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ وهذا يليق بالعلماء، ولأن الواجب على الأمراء اتباع العلماء.

د. وقيل: هم الخلفاء الأربعة.

هـ. وقيل: أبو بكر وعمر عن عكرمة، واستدل بقوله: (اقتدوا بالَّذَينَ من بعدي أبي بكر وعمر)

و. وقيل: هم المهاجرون والأنصار والتابعون بإحسان عن عطاء.

ز. وقيل: هم الصحابة عن بكر بن عبد الله.

ح. وقيل: هم الأمراء والسلاطين، لما أُمروا بأداء الأمانات في الرعية أُمرتْ الرعية بحسن الطاعة لهم عن ابن زيد.

ط. وقيل: ذوو الرأي والعلم الَّذِينَ يريدون للناس أمرهم عن الأصم.

5. تدل الآية الكريمة على(2):

أ. وجوب طاعة الله وطاعة رسوله وأولي الأمر، وبينا ما قيل فيه، وأن الأوْلى حمله على العلماء.

ب. جماع أدلة الشرع؛ لأن أدلة الشرع أربع: كتاب الله، وسنة رسوله، وإجماع الأمة، والنظر والمقايسة، والآية تدل على جميع ذلك؛ لأنه قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ فلولا أن الإجماع حجة لكان يجب الرد عند عدم التنازع كما يجب عند وجوده، فلم يكن لشرط التنازع فائدة، ثم أمر بالرد إلى كتاب الله فدل أنه حجة، ولأنه كلام صادق حكيم، ثم أمر برده إلى الرسول، والمراد بسنته الصحيحة، فلولا أنه حجة لما وجب الرد إليها، ثم أمر بالرد، فلو كان عينه منصوصًا لم يكن ردًا، فلما أمر بالرد دل أن المراد به الاستنباط ورد الفرع إلى الأصل، وهذا نظير ما روي أنه لما بعث معاذًا إلى اليمن، فقال: بم تقضي)؟ قال: بكتاب الله، قال: فإن لم تجد)؟ قال: بسنة رسول الله، قال: فإن لم تجد؟ قال: أجتهد رأيي، فقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسوله)، وذلك يدل على بطلان من ينفي القياس والاجتهاد.

ج. بطلان مذهب الإمامية في الإجماع والقياس.

د. بطلان مذهبهم في وجوب أخذ الدين من الإمام؛ لأنه تعالى أوجب الرد إلى الكتاب والسنة، ولم يتعرض لذكر الإمام.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/676

(2) بعضها له علاقة بالمقطع التالي

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما بدأ في الآية المتقدمة بحث الولاة على تأدية حقوق الرعية، والنصفة والتسوية بين البرية، ثناه في هذه الآية بحث الرعية على طاعتهم، والاقتداء بهم، والرد إليهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾: أي ألزموا طاعة الله سبحانه فيما أمركم به، ونهاكم عنه.

2. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أي والزموا طاعة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم أيضا، وإنما أفرد الامر بطاعة الرسول، وإن كانت طاعته مقترنة بطاعة الله:

أ. قيل: مبالغة في البيان، وقطعا لتوهم من توهم أنه لا يجب لزوم ما ليس في القرآن من الأوامر ونظيره قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى﴾

ب. وقيل: معناه أطيعوا الله في الفرائض وأطيعوا الرسول في السنن، عن الكلبي.

3. الأول هو الأصح لان طاعة الرسول هي طاعة الله، وامتثال أوامره امتثال أوامر الله، وأما المعرفة بأنه رسول الله، فهي معرفة برسالته، ولا يتم ذلك إلا بعد معرفة الله، وليست إحداهما هي الأخرى، وطاعة الرسول واجبة في حياته، وبعد وفاته، لان اتباع شريعته لازم بعد وفاته، لجميع المكلفين، ومعلوم ضرورة أنه دعا إليها جميع العالمين إلى يوم القيامة، كما علم أنه رسول الله إليهم أجمعين.

4. في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قولان:

أ. أحدهما: إنهم الأمراء، عن أبي هريرة، وابن عباس، في إحدى الروايتين، وميمون بن مهران، والسدي، واختاره الجبائي، والبلخي، والطبري.

ب. والآخر: إنهم العلماء عن جابر بن عبد الله، وابن عباس، في الرواية الأخرى، ومجاهد، والحسن، وعطا، وجماعة، وقال بعضهم: لأنهم الذين يرجع إليهم في الاحكام، ويجب الرجوع إليهم عند التنازع دون الولاة.

ج. وأما أصحابنا (2) فإنهم رووا عن الباقر، والصادق عليه السلام أن أولي الامر هم الأئمة من آل محمد، أوجب الله طاعتهم بالاطلاق، كما أوجب طاعته، وطاعة رسوله، ولا يجوز أن يوجب الله طاعة أحد على الاطلاق إلا من ثبتت عصمته، وعلم أن باطنه كظاهره، وأمن منه الغلط، والامر بالقبيح، وليس ذلك بحاصل في الأمراء، ولا العلماء سواهم، جل الله عن أن يأمر بطاعة من يعصيه، أو بالانقياد للمختلفين في القول، والفعل، لأنه محال أن يطاع المختلفون، كما أنه محال أن يجتمع ما اختلفوا فيه، ومما يدل على ذلك أيضا أن الله تعالى لم يقرن طاعة أولي الامر بطاعة رسوله، كما قرن طاعة رسوله بطاعته، إلا وأولو الامر فوق الخلق جميعا، كما أن الرسول فوق أولي الامر، وفوق سائر الخلق، وهذه صفة أئمة الهدى من آل محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم الذين ثبتت إمامتهم، وعصمتهم، واتفقت الأمة على علو رتبتهم وعدالتهم.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/100.

(2) يقصد الإمامية.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في سبب نزول قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ قولان:

أ. أحدهما: أنها نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس السّهميّ إذ بعثه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في سريّة.

ب. الثاني: أن عمّار بن ياسر كان مع خالد بن الوليد في سريّة، فهرب القوم، ودخل رجل منهم على عمّار، فقال: إني قد أسلمت، هل ينفعني، أو أذهب كما ذهب قومي؟ قال عمّار: أقم فأنت آمن، فرجع الرجل، وأقام فجاء خالد، فأخذ الرجل، فقال عمّار: إنّي قد أمّنته، وإنه قد أسلم، قال أتجير عليّ وأنا الأمير؟ فتنازعا، وقدما على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس.

2. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ طاعة الرسول في حياته: امتثال أمره، واجتناب نهيه، وبعد مماته: اتّباع سنّته، وفي أولي الأمر أربعة أقوال:

أ. أحدها: أنهم الأمراء، قاله أبو هريرة، وابن عباس في رواية، وزيد بن أسلم والسّدّيّ ومقاتل.

ب. الثاني: أنهم العلماء، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وهو قول جابر بن عبد الله والحسن وأبي العالية وعطاء والنّخعيّ والضّحّاك، ورواه خصيف عن مجاهد.

ج. الثالث: أنهم أصحاب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، رواه ابن أبي نجيح عن مجاهد، وبه قال بكر بن عبد الله المزنيّ.

د. الرابع: أنهم أبو بكر وعمر، وهذا قول عكرمة.

__________

(1) زاد المسير: 1/424.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما أمر الله تعالى الرعاة والولاة بالعدل في الرعية أمر الرعية بطاعة الولاة فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ ولهذا قال علي بن أبي طالب: (حق على الامام أن يحكم بما أنزل الله ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحق على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا)

2. اختلف في حقيقة الطاعة:

أ. قال أهل السنة ـ ومن وافقهم ـ: الطاعة موافقة الأمر لا موافقة الارادة، لأنه لا نزاع في أن موافقة الأمر طاعة، إنما النزاع أن المأمور به هل يجب أن يكون مرادا أم لا؟ فإذا دللنا على أن المأمور به قد لا يكون مرادا ثبت حينئذ أن الطاعة ليست عبارة عن موافقة الإرادة، وإنما قلنا إن الله قد يأمر بما لا يريد لأن علم الله وخبره قد تعلقا بأن الايمان لا يوجد من أبي لهب ألبتة، وهذا العلم وهذا الخبر يمتنع زوالهما وانقلابهما جهلا، ووجود الايمان مضاد ومناف لهذا العلم ولهذا الخبر، والجمع بين الضدين محال، فكان صدور الايمان من أبي لهب محالا، والله تعالى عالم بكل هذه الأحوال فيكون عالما بكونه محالا، والعالم بكون الشيء محالا لا يكون مريدا له، فثبت أنه تعالى غير مريد للايمان من أبي لهب وقد أمره بالإيمان فثبت أن الأمر قد يوجد بدون الارادة، وإذا ثبت هذا وجب القطع بأن طاعة الله عبارة عن موافقة أمره لا عن موافقة إرادته.

ب. قال المعتزلة ـ ومن وافقهم ـ: الطاعة موافقة الإرادة، واحتجوا على أن الطاعة اسم لموافقة الارادة بقول الشاعر:

çرب من أنضجت غيظا صدره‏...قد تمنى لي موتا لم يطع‏é

رتب الطاعة على التمني وهو من جنس الارادة.

والجواب: أن العاقل عالم بأن الدليل القاطع الذي ذكرناه لا يليق معارضته بمثل هذه الحجة الركيكة.

3. هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه، وذلك لأن الفقهاء زعموا أن أصول الشريعة أربع: الكتاب والسنة والإجماع والقياس، وهذه الآية مشتملة على تقرير هذه الأصول الأربعة بهذا الترتيب، أما الكتاب والسنة فقد وقعت الإشارة إليهما بقوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

4. سؤال وإشكال: أليس أن طاعة الرسول هي طاعة الله، فما معنى هذا العطف؟ والجواب: قال القاضي: الفائدة في ذلك بيان الدلالتين، فالكتاب يدل على أمر الله، ثم نعلم منه أمر الرسول لا محالة، والسنة تدل على أمر الرسول، ثم نعلم منه أمر الله لا محالة، فثبت بما ذكرناه أن قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يدل على وجوب متابعة الكتاب والسنة.

5. قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يدل عندنا على أن إجماع الأمة حجة، والدليل‏ على ذلك:

أ. أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية ومن أمر الله بطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بد وأن يكون معصوما عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ يكون قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ والخطأ لكونه خطأ منهي عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد بالاعتبار الواحد، وانه محال، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت أن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ، فثبت قطعا أن أولي الأمر المذكور في هذه الآية لا بد وأن يكون معصوما.

ب. أن ذلك المعصوم إما مجموع الأمة أو بعض الأمة، لا جائز أن يكون بعض الأمة، لأنا بينا أن الله تعالى أوجب طاعة أولي الأمر في هذه الآية قطعا، وإيجاب طاعتهم قطعا مشروط بكوننا عارفين بهم قادرين على الوصول إليهم والاستفادة منهم، ونحن نعلم بالضرورة أنا في زماننا هذا عاجزون عن معرفة الامام المعصوم، عاجزون عن الوصول إليهم، عاجزون عن استفادة الدين والعلم منهم، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أن المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمة، ولا طائفة من طوائفهم، ولما بطل هذا وجب أن يكون ذلك المعصوم الذي هو المراد بقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ أهل الحل والعقد من الأمة، وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمة حجة.

6. المفسرون ذكروا في‏ ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ وجوها أخرى سوى هذا:

أ. أحدها: أن المراد من أولي الأمر الخلفاء الأربعة.

ب. الثاني: المراد أمراء السرايا، قال سعيد بن جبير: نزلت هذه الآية في عبد الله بن حذافة السهمي إذ بعثه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أميرا على سرية، وعن ابن عباس‏ أنها نزلت في خالد بن الوليد بعثه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أميرا على سرية وفيها عمار بن ياسر، فجرى بينهما اختلاف في شيء، فنزلت هذه الآية وأمر بطاعة أولي الأمر.. ويدل لمن حمل أولي الأمر على الأمراء والسلاطين وجوه:

الأول: أن الأمراء والسلاطين أوامرهم نافذة على الخلق، فهم في الحقيقة أولو الأمر أما أهل الإجماع فليس لهم أمر نافذ على الخلق، فكان حمل اللفظ على الأمراء والسلاطين أولى.

الثاني: أن أول الآية وآخرها يناسب ما ذكرناه، أما أول الآية فهو أنه تعالى أمر الحكام بأداء الأمانات وبرعاية العدل، وأما آخر الآية فهو أنه تعالى أمر بالرد إلى الكتاب والسنة فيما أشكل، وهذا إنما يليق بالأمراء لا بأهل الإجماع.

الثالث: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالغ في الترغيب في طاعة الأمراء، فقال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن أطاع أميري فقد أطاعني ومن عصاني فقد عصى الله ومن عصى أميري فقد عصاني)

ج. ثالثها: المراد العلماء الذين يفتون في الأحكام الشرعية ويعلمون الناس دينهم، وهذا رواية الثعلبي عن ابن عباس وقول الحسن ومجاهد والضحاك.

د. رابعها: نقل عن الإمامية أن المراد به الأئمة المعصومون، ولما كانت أقوال الأمة في تفسير هذه الآية محصورة في هذه الوجوه، وكان القول الذي نصروه خارجا عنها كان ذلك بإجماع الأمة باطلا.. وهو في غاية البعد لوجوه:

أحدها: ما ذكرناه أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم وقدرة الوصول إليهم، فلو أوجب علينا طاعتهم قبل معرفتهم كان هذا تكليف ما لا يطاق، ولو أوجب علينا طاعتهم إذا صرنا عارفين بهم وبمذاهبهم صار هذا الإيجاب مشروطا، وظاهر قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يقتضي الإطلاق، وأيضا ففي الآية ما يدفع هذا الاحتمال، وذلك لأنه تعالى أمر بطاعة الرسول وطاعة أولي الأمر في لفظة واحدة، وهو قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ واللفظة الواحدة لا يجوز أن تكون مطلقة ومشروطة معا، فلما كانت هذه اللفظة مطلقة في حق الرسول وجب أن تكون مطلقة في حق أولي الأمر.

الثاني: أنه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، وأولو الأمر جمع، وعندهم لا يكون في الزمان إلا إمام واحد، وحمل الجمع على الفرد خلاف الظاهر.

ثالثها: أنه قال ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ولو كان المراد بأولي الأمر الامام المعصوم لوجب أن يقال: فان تنازعتم في شيء فردوه إلى الامام، فثبت أن الحق تفسير الآية بما ذكرناه.

7. لا نزاع أن جماعة من الصحابة والتابعين حملوا قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ على العلماء، فإذا قلنا: المراد منه جميع العلماء من أهل العقد والحل لم يكن هذا قولا خارجا عن أقوال الأمة، بل كان هذا اختيارا لأحد أقوالهم وتصحيحا له بالحجة القاطعة، فاندفع السؤال الأول، وأما سؤالهم الثاني فهو مدفوع، لأن الوجوه التي ذكروها وجوه ضعيفة، والذي ذكرناه برهان قاطع، فكان قولنا أولى، على أنا نعارض تلك الوجوه‏ بوجوه أخرى أقوى منها:

أ. أحدها: أن الأمة مجمعة على أن الأمراء والسلاطين إنما يجب طاعتهم فيما علم بالدليل أنه حق وصواب، وذلك الدليل ليس إلا الكتاب والسنة، فحينئذ لا يكون هذا قسما منفصلا عن طاعة الكتاب والسنة، وعن طاعة الله وطاعة رسوله، بل يكون داخلا فيه، كما أن وجوب طاعة الزوجة للزوج والولد للوالدين، والتلميذ للأستاذ داخل في طاعة الله وطاعة الرسول، أما إذا حملناه على الإجماع لم يكن هذا القسم داخلا تحتها، لأنه ربما دل الإجماع على حكم بحيث لا يكون في الكتاب والسنة دلالة عليه، فحينئذ أمكن جعل هذا القسم منفصلا عن القسمين الأولين، فهذا أولى.

ب. ثانيها: أن حمل الآية على طاعة الأمراء يقتضي إدخال الشرط في الآية، لأن طاعة الأمراء إنما تجب إذا كانوا مع الحق، فإذا حملناه على الإجماع لا يدخل الشرط في الآية، فكان هذا أولى.

ج. ثالثها: أن قوله من بعد: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ مشعر بإجماع مقدم يخالف حكمه حكم هذا التنازع.

د. رابعها: أن طاعة الله وطاعة رسوله واجبة قطعا، وعندنا أن طاعة أهل الإجماع واجبة قطعا، وأما طاعة الأمراء والسلاطين فغير واجبة قطعا، بل الأكثر أنها تكون محرمة لأنهم لا يأمرون إلا بالظلم، وفي الأقل تكون واجبة بحسب الظن الضعيف، فكان حمل الآية على الإجماع أولى، لأنه أدخل الرسول وأولي الأمر في لفظ واحد وهو قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ فكان حمل أولي الأمر الذي هو مقرون بالرسول على المعصوم أولى من حمله على الفاجر الفاسق.

هـ. خامسها: أن أعمال الأمراء والسلاطين موقوفة على فتاوى العلماء، والعلماء في الحقيقة أمراء الأمراء، فكان حمل لفظ أولي الأمر عليهم أولى.

8. هذه الآية دالة على أن ما سوى هذه الأصول الأربعة: أعني الكتاب والسنة والإجماع والقياس مردود باطل، وذلك لأنه تعالى جعل الوقائع قسمين:

أ. أحدهما: ما تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالطاعة وهو قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

ب. الثاني: ما لا تكون أحكامها منصوصة عليها وأمر فيها بالاجتهاد وهو قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فإذا كان لا مزيد على هذين القسمين وقد أمر الله تعالى في كل واحد منهما بتكليف خاص معين دل ذلك على أنه ليس للمكلف أن يتمسك بشيء سوى هذه الأصول الأربعة، وإذا ثبت هذا فنقول: القول بالاستحسان الذي يقول به أبو حنيفة، والقول بالاستصلاح الذي يقول به مالك إن كان المراد به أحد هذه الأمور الأربعة فهو تغيير عبارة ولا فائدة فيه، وإن كان مغايرا لهذه الأربعة كان القول به باطلا قطعا لدلالة هذه الآية على بطلانه كما ذكرنا.

9. زعم كثير من الفقهاء أن قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يدل على أن ظاهر الأمر للوجوب، واعترض المتكلمون عليه فقالوا: قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ فهذا لا يدل على الإيجاب إلا إذا ثبت أن الأمر للوجوب، وهذا يقتضي افتقار الدليل إلى المدلول وهو باطل، وللفقهاء أن يجيبوا عنه من وجهين:

أ. الأول: أن الأوامر الواردة في الوقائع المخصوصة دالة على الندبية فقوله: ﴿أَطِيعُوا﴾ لو كان معناه أن الإتيان بالمأمورات مندوب فحينئذ لا يبقى لهذه الآية فائدة، لأن مجرد الندبية كان معلوما من تلك الأوامر، فوجب حملها على إفادة الوجوب حتى يقال: ان الأوامر دلت على أن فعل تلك المأمورات أولى من تركها، وهذه الآية دلت على المنع من تركها فحينئذ يبقى لهذه الآية فائدة.

ب. الثاني: أنه تعالى ختم الآية بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وهو وعيد، فكما أن احتمال اختصاصه بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ قائم، فكذلك احتمال عوده إلى الجملتين أعني قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ وقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ قائم، ولا شك أن الاحتياط فيه، وإذا حكمنا بعود ذلك الوعيد إلى الكل صار قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ موجبا للوجوب، فثبت أن هذه الآية دالة على أن ظاهر الأمر للوجوب، ولا شك أنه أصل معتبر في الشرع.

10. المنقول عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم اما القول واما الفعل، أما القول فيجب إطاعته لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وأما الفعل فيجب على الأمة الاقتداء به إلا ما خصه الدليل، وذلك لأنا بينا ان قوله: ﴿أَطِيعُوا﴾ يدل على أن أوامر الله للوجوب ثم انه تعالى قال في آية أخرى في صفة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿فَاتَّبَعُوهُ﴾ وهذا أمر، فوجب أن يكون للوجوب، فثبت أن متابعته واجبة، والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أن ذلك الغير فعله، فثبت أن قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ يوجب الاقتداء بالرسول في كل أفعاله، وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يوجب الاقتداء به في جميع أقواله، ولا شك أنهما أصلان معتبران في الشريعة.

11. ظاهر الأمر وان كان في أصل الوضع لا يفيد التكرار ولا الفور إلا أنه في عرف الشرع يدل عليه، ويدل عليه وجوه:

أ. الأول: ان قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ يصح منه استثناء أي وقت كان، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فوجب أن يكون قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ متناولا لكل الأوقات، وذلك يقتضي التكرار، والتكرار يقتضي الفور.

ب. الثاني: انه لو لم يفد ذلك لصارت الآية مجملة، لأن الوقت المخصوص والكيفية المخصوصة غير مذكورة، أما لو حملناه على العموم كانت الآية مبينة، وحمل كلام الله على الوجه الذي يكون مبينا أولى من حمله على الوجه الذي به يصير مجملا مجهولا، أقصى ما في الباب أنه يدخله التخصيص، والتخصيص خير من الإجمال.

ج. الثالث: ان قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أضاف لفظ الطاعة إلى لفظ الله، فهذا يقتضي أن وجوب الطاعة علينا له إنما كان لكوننا عبيدا له ولكونه إلها، فثبت من هذا الوجه ان المنشأ لوجوب الطاعة هو العبودية والربوبية، وذلك يقتضي دوام وجوب الطاعة على جميع المكلفين إلى قيام القيامة وهذا أصل معتبر في الشرع.

12. ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ أفرده في الذكر، ثم قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وهذا تعليم من الله سبحانه لهذا الأدب، وهو أن لا يجمعوا في الذكر بين اسمه سبحانه وبين اسم غيره، وأما إذا آل الأمر إلى المخلوقين فيجوز ذلك، بدليل انه قال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وهذا تعليم لهذا الأدب، ولذلك‏ روي‏ أن واحدا ذكر عند الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: من أطاع الله والرسول فقد رشد، ومن عصاهما فقد غوى، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (بئس الخطيب أنت هلا قلت من عصى الله وعصى رسوله)، أو لفظ هذا معناه، وتحقيق القول فيه أن الجمع بين الذكرين في اللفظ يوهم نوع مناسبة ومجانسة، وهو سبحانه متعال عن ذلك.

13. قد دللنا على أن قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يدل على أن الإجماع حجة، وكما أنه دل على هذا الأصل فكذلك دل على مسائل كثيرة من فروع القول بالإجماع، ومنها:

أ. الأول: مذهبنا أن الإجماع لا ينعقد إلا بقول العلماء الذين يمكنهم استنباط أحكام الله من نصوص الكتاب والسنة، وهؤلاء هم المسمون بأهل الحل والعقد في كتب أصول الفقه نقول: الآية دالة عليه لأنه تعالى أوجب طاعة أولي الأمر، والذين لهم الأمر والنهي في الشرع ليس إلا هذا الصنف من العلماء، لأن المتكلم الذي لا معرفة له بكيفية استنباط الأحكام من النصوص لا اعتبار بأمره ونهيه، وكذلك المفسر والمحدث الذي لا قدرة له على استنباط الأحكام من القرآن والحديث، فدل على ما ذكرناه، فلما دلت الآية على أن اجماع أولي الأمر حجة علمنا دلالة الآية على أنه ينعقد الإجماع بمجرد قول هذه الطائفة من العلماء، وأما دلالة الآية على أن العامي غير داخل فيه فظاهر، لأنه من الظاهر أنهم ليسوا من أولي الأمر.

ب. الثاني: اختلفوا في أن الإجماع الحاصل عقيب الخلاف هل هو حجة؟ والأصح أنه حجة، والدليل‏ عليه هذه الآية، وذلك لأنا بينا أن قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يقتضي وجوب طاعة جملة أهل الحل والعقد من الأمة، وهذا يدخل فيه ما حصل بعد الخلاف وما لم يكن كذلك، فوجب أن يكون الكل حجة.

ج. الثالث: اختلفوا في أن انقراض أهل العصر هل هو شرط؟ والأصح أنه ليس بشرط، والدليل عليه هذه الآية، وذلك لأنها تدل على وجوب طاعة المجمعين، وذلك يدخل فيه ما إذا انقرض العصر وما إذا لم ينقرض.

د. الرابع: دلت الآية على أن العبرة بإجماع المؤمنين لأنه تعالى قال في أول الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قال ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فدل هذا على أن العبرة بإجماع المؤمنين، فأما سائر الفرق الذين يشك في إيمانهم فلا عبرة بهم.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/113.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1): ‌

1. لما تقدم إلى الولاة في الآية المتقدمة وبدأ بهم فأمرهم بأداء الأمانات وأن يحكموا بين الناس بالعدل، تقدم في هذه الآية إلى الرعية فأمر بطاعته تعالى أولا، وهي امتثال أو أمره واجتناب نواهيه، ثم بطاعة رسوله ثانيا فيما أمر به ونهى عنه، ثم بطاعة الأمراء ثالثا، على قول الجمهور وأبي هريرة وابن عباس وغيرهم:

أ. قال سهل بن عبد الله التستري: أطيعوا السلطان في سبعة: ضرب الدراهم والدنانير، والمكاييل والأوزان، والأحكام والحج والجمعة والعيدين والجهاد، قال سهل: وإذا نهى السلطان العالم أن يفتي فليس له أن يفتي، فإن أفتى فهو عاص وإن كان أميرا جائرا.

ب. وقال ابن خويز منداد: وأما طاعة السلطان فتجب فيما كان لله فيه طاعة، ولا تجب فيما كان لله فيه معصية، ولذلك قلنا: إن ولاة زماننا لا تجوز طاعتهم ولا معاونتهم ولا تعظيمهم، ويجب الغزو معهم متى غزوا، والحكم من قبلهم، وتولية الإمامة والحسبة، وإقامة ذلك على وجه الشريعة، وإن صلوا بنا وكانوا فسقة من جهة المعاصي جازت الصلاة معهم، وإن كانوا مبتدعة لم تجز الصلاة معهم إلا أن يخافوا فيصلى معهم تقية وتعاد الصلاة.

ج. روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: حق على الإمام أن يحكم بالعدل، ويؤدي الأمانة، فإذا فعل ذلك وجب على المسلمين أن يطيعوه، لأن الله تعالى أمرنا بأداء الأمانة والعدل، ثم أمر بطاعته.

2. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾:

أ. قال جابر بن عبد الله ومجاهد: ﴿أولو الأمر﴾ أهل القرآن والعلم، وهو اختيار مالك.

ب. ونحوه قول الضحاك قال: يعني الفقهاء والعلماء في الدين.

ج. وحكي عن مجاهد أنهم أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم خاصة.

د. وحكي عن عكرمة أنها إشارة إلى أبي بكر وعمر خاصة، وروى سفيان بن عيينة عن الحكم بن أبان أنه سأل عكرمة عن أمهات الأولاد فقال: هن حرائر، فقلت بأي شي؟ قال بالقرآن، قلت: بأي شي في القرآن؟ قال قال الله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وكان عمر من أولي الامر، قال: عتقت ولو بسقط، وسيأتي هذا المعنى مبينا في سورة ﴿الْحَشْرِ﴾ عند قوله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾

هـ. وقال ابن كيسان: هم أولو العقل والرأي الذين يدبرون أمر الناس.

3. أصح هذه الأقوال الأول والثاني:

أ. أما الأول فلأن أصل الأمرمنهم والحكم إليهم، عن ابن عباس قال: نزل ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عدي السهمي إذ بعثه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في سرية، قال أبو عمر: وكان في عبد الله بن حذافة دعابة معروفة، ومن دعابته أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أمره على سرية فأمرهم أن يجمعوا حطبا ويوقدوا نارا، فلما أوقدوها أمرهم بالتقحم فيها، فقال لهم: ألم يأمركم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بطاعتي!؟ وقال: (من أطاع أميري فقد أطاعني)، فقالوا: ما آمنا بالله واتبعنا رسوله إلا لننجو من النار! فصوب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فعلهم وقال: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، وهو حديث صحيح الإسناد مشهور، وروى محمد بن عمرو بن علقمة عن عمر بن الحكم بن ثوبان أن أبا سعيد الخدري قال: كان عبد الله بن حذافة بن قيس السهمي من أصحاب بدر وكانت فيه دعابة، وذكر الزبير قال: حدثني عبد الجبار بن سعيد عن عبد الله بن وهب عن الليث بن سعد قال: بلغني أنه حل حزام راحلة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في بعض أسفاره، حتى كاد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقع، قال ابن وهب: فقلت لليث ليضحكه؟ قال: نعم كانت فيه دعابة، زقال ميمون بن مهران ومقاتل والكلبي: (أولو الأمر) أصحاب السرايا.

ب. أما القول الثاني فيدل على صحته قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾، فأمر تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله وسنة نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم، وليس لغير العلماء معرفة كيفية الرد إلى الكتاب والسنة، ويدل هذا على صحة كون سؤال العلماء واجبا، وامتثال فتواهملازما، قال سهل بن عبد الله: لا يزال الناس بخير ما عظموا السلطان والعلماء، فإذا عظموا هذين أصلح الله دنياهم وأخراهم، وإذا استخفوا بهذين أفسد دنياهم وأخراهم.

ج. أما القول الثالث فخاص، وأخص منه القول الرابع، وأما الخامس فيأباه ظاهر اللفظ وإن كان المعنى صحيحا، فإن العقل لكل فضيلة أس، ولكل أدب ينبوع، وهو الذي جعله الله للدين أصلا وللدنيا عمادا، فأوجب الله التكليف بكماله، وجعل الدنيا مدبرة بأحكامه، والعاقل أقرب إلى ربه تعالى من جميع المجتهدين بغير عقل، وروى هذا المعنى عن ابن عباس.

4. زعم قوم أن المراد بأولي الأمر علي والأئمة المعصومون، ولو كان كذلك ما كان لقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ معنى، بل كان يقول فردوه إلى الإمام وأولي الأمر، فإن قوله عند هؤلاء هو المحكم على الكتاب والسنة، وهذا قول مهجور مخالف لما عليه الجمهور.

5. حقيقة الطاعة امتثال الأمر، كما أن المعصية ضدها وهي مخالفة الأمر، والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عصى إذا اشتد، و﴿أُولُو﴾ واحدهم ﴿ذُو﴾ على غير قياس كالنساء والإبل والخيل، كل واحد اسم الجمع ولا واحد له من لفظه، وقد قيل في واحد الخيل: خائل وقد تقدم.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/259.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما أمر سبحانه القضاة والولاة إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بالحق، أمر الناس بطاعتهم هاهنا، وطاعة الله عزّ وجلّ هي: امتثال أوامره ونواهيه، وطاعة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم هي: فيما أمر به ونهى عنه، وأولي الأمر: هم الأئمة، والسلاطين، والقضاة، وكل من كانت له ولاية شرعية لا ولاية طاغوتية، والمراد طاعتهم فيما يأمرون به وينهون عنه ما لم تكن معصية، فلا طاعة لمخلوق في معصية الله، كما ثبت ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

2. قال جابر بن عبد الله ومجاهد: إن أولي الأمر: هم أهل القرآن والعلم، وبه قال مالك والضحاك، وروي عن مجاهد: أنهم أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقال ابن كيسان: هم أهل العقل والرأي، والراجح: القول الأوّل.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/556.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾ أعاد الأمر إعظامًا له صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ودفعًا لتوهُّم أنَّه لا يتبع إلَّا ما جاء به من القرآن، وإيذانًا بأنَّ له استقلالاً ليس لغيره.

2. ﴿وَأَوْلِي الَامْرِ مِنكُمْ﴾ أمراء المسلمين في القرى والعساكر والقضاة والمفتين وعلماء الشرع على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وبعده، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن يطع أمري فقد أطاعني، ومن يعص أمري فقد عصاني)، واختار بعض أنَّ أولي الأمر المجتهدون؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الَامْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]، ويسمَّوْن في أصول الفقه: أهلَ الحلِّ والعقد.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/210.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما أمر الله تعالى الرعاة والولاة بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، أمر الرعية من الجيوش وغيرهم بطاعة أولي الأمر الفاعلين لذلك في قسمهم وحكمهم ومغازيهم وغير ذلك، إلا أن يأمروا بمعصية الله فلا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

2. روى الطبريّ‏ بسند صحيح عن أبي هريرة: إن أولي الأمر هم الأمراء، واحتج له‏ الشافعيّ بأن قريشا ومن يليها من العرب كانوا لا يعرفون الإمارة ولا ينقادون إلى أمير، فأمروا بالطاعة لمن ولي الأمر، والانقياد له إذا بعثهم في السرايا، وإذا ولاهم البلاد، فلا يخرجوا عليهم ولا يمتنعوا عليهم، لئلا تفترق الكلمة، ولذلك‏ قال‏ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (من أطاع أميري فقد أطاعني)، متفق عليه، وفي البخاريّ‏ عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال نزلت في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عديّ إذ بعثه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في سرية، قال ابن كثير: وهكذا أخرجه بقية الجماعة إلا ابن ماجة وقال الترمذيّ: حديث حسن غريب، ولا نعرفه إلا من حديث ابن جريج، وروى الطبريّ‏ عن السدّيّ أنها نزلت في قصة جرت لعمار بن ياسر مع خالد ابن الوليد، وكان خالد أميرا، فأجار عمار رجلا بغير أمره، فتخاصما وارتفعا إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأجاز أمان عمار ونهاه أن يجير الثانية على أمير، قال ابن كثير: وهكذا رواه ابن أبي حاتم من طريق عن السدّي مرسلا، ورواه ابن مردويه عن السدّيّ عن أبي صالح عن ابن عباس، فذكره بنحوه، ولا تنافي بين الروايتين لما أسلفناه في مقدمة التفسير في بحث سبب النزول.

3. قال الزمخشريّ: المراد بأولي الأمر منكم، أمراء الحق، لأن أمراء الجور، الله ورسوله بريئان منهم، فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل واختيار الحق والأمر بهما والنهي عن أضدادهما، كالخلفاء الأربعة ومن تبعهم بإحسان، وكان الخلفاء يقولون: أطيعوني ما عدلت فيكم فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم، وفي الصحيحين‏ عن عليّ عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (إنما الطاعة في المعروف)، وروى الإمام أحمد عن عمران بن حصين عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (لا طاعة في معصية الله)

4. قال الحافظ ابن حجر في (الفتح): النكتة في إعادة العامل في الرسول دون أولي الأمر، مع أن المطاع في الحقيقة هو الله تعالى ـ كون الذي يعرف به ما يقع به التكليف هما القرآن والسنة، فكان التقدير: وأطيعوا الله فيما قضى عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بين لكم من القرآن وما ينصه عليكم من السنة، والمعنى: أطيعوا الله فيما يأمركم به من الوحي المتعبّد بتلاوته، وأطيعوا الرسول فيما يأمركم به من الوحي الذي ليس بقرآن، ومن بديع الجواب قول بعض التابعين لبعض الأمراء من بني أمية، لما قال له: أليس الله أمركم أن تطيعونا في قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾؟ فقال له: أليس قد نزعت‏ عنكم، يعني الطاعة، إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾؟

5. قال الطيبيّ: (أعاد الفعل في قوله:‏ ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، ولم يعده في أولي الأمر إشارة إلى أنه يوجد فيهم من لا تجب طاعته، ثم بين ذلك بقوله: فإن تنازعتم في شيء، كأنه قيل فإن لم يعملوا بالحق فلا تطيعوهم وردّوا ما تخالفتم فيه إلى حكم الله ورسوله)

6. يشمل عموم قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ العلماء، كما روى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس أنه يعني أهل الفقه والدين، وكذا قال مجاهد وعطاء والحسن البصريّ وأبو العالية، وهذا ليس قولا ثانيا في الآية بل هو مما يشمله لفظها، فهي عامة في أولي الأمر من الأمراء والعلماء وإن نزلت على سبب خاص، وقد كثرت الأوامر بطاعة العلماء كالأمراء:

أ. قال تعالى: ﴿لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ﴾ [المائدة: 63]، وقال تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [النحل: 43]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83]

ب. وفي الحديث الصحيح المتفق على صحته عن أبي هريرة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال‏: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني)

ج. وروى أبو داود عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)

د. وروى البخاريّ‏ عن أنس بن مالك قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (اسمعوا وأطيعوا وإن استعمل عليكم عبد حبشيّ كأن رأسه زبيبة)، والأحاديث في هذا كثيرة.

7. قال ابن تيمية في كتابه (الحسبة في الإسلام): وقد أمر الله تعالى في كتابه بطاعته وطاعة رسوله وطاعة أولي الأمر من المؤمنين، وأولو الأمر أصحاب الأمر وذووه وهم الذين يأمرون الناس، وذلك يشترك فيه أهل اليد والقدرة وأهل العلم والكلام، فلهذا كان أولو الأمر صنفين: العلماء والأمراء، فإذا صلحوا صلح الناس، وإذا فسدوا فسد الناس.. ويدخل فيهم الملوك والمشايخ وأهل الديوان وكل من كان متبوعا فإنه من أولي الأمر، وعلى كل واحد من هؤلاء أن يأمر بما أمر الله به وينهي عما نهى عنه، وعلى كل واحد ممن له عليه طاعة أن يطيعه في طاعة الله ولا يطيعه في معصية الله.. ‏ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ أي اختلفتم أنتم وأولو الأمر ﴿فِي شَيْءٍ﴾ من الأحكام‏ ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ أي فارجعوا فيه إلى كتابه‏ ﴿وَالرَّسُولُ﴾ بالسؤال منه في زمانه صلّى الله عليه وآله وسلّم والرجوع إلى سننه بعده لا إلى ما تهوون ولا إلى ما يهواه الحكام‏ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ الواضع لشرائع العدل‏ ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ الذي يجازى فيه الموافق والمخالف لتلك الشرائع‏ ﴿ذَلِكَ﴾ أي الرد إلى كتاب الله وسنة الرسول، والرجوع إليهما فصل النزاع‏ ﴿خَيْرُ﴾ أي لكم ولحكامكم وأصلح‏ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي عاقبة ومآلا، كما قاله السدّيّ وغير واحد، وقال مجاهد: وأحسن جزاء، وهو قريب.

8. قال الحافظ ابن كثير: (هذا أمر من الله عز وجل بأن كل شيء تنازع فيه الناس من أصول الدين وفروعه، أن يردّ التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10]، فما حكم به الكتاب والسنة وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال، ولهذا قال تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، أي ردوا الخصومات والجهالات إلى كتاب الله وسنة رسوله، فتحاكموا إليهما فيما شجر بينكم إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فدل على أن من لم يتحاكم، في محل النزاع، إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك، فليس مؤمنا بالله ولا باليوم الآخر)

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/185.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أمر الله تعالى بردّ الأمانات إلى أهلها وبالحكم بين الناس بالعدل مخاطبا بذلك جمهور الأمة، ولما كان يدخل في رد الأمانات توسيد الأمة أمر الأحكام إلى أهلها القادرين على القيام بأعبائها، وكان يجب في الحكم بالعدل مراعاة ما جاء عن الله تعالى وعن رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وما يتجدد للأمة من الأحكام، وكانت المصلحة في ذلك لا تحصل إلا بالطاعة قال عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

2. قال محمد عبده في مناسبة الاتصال: إن هذه الآية وما قبلها وردتا في مقابلة قول الذين أوتوا نصيبا من الكتاب أن الكافرين أهدى من المؤمنين، بعد ما بين تعالى أنهم يؤمنون بالجبت والطاغوت، ومن الطاغوت عند المشركين الأصنام والكهان فكانوا يحكمون الكاهن ويجعلونه شارعا ويقتسمون عند الصنم ويعدون ذلك فصلا في الخصومة، وقد اتخذ اليهود الجبت والطاغوت مثلهم وطواغيتهم ورؤسائهم الذين يحكمون فيهم بأهوائهم فيتبعونهم ككعب بن الأشرف مع أن عندهم التوراة فيها حكم الله، ولكنهم كانوا يقولون إن هؤلاء الرؤساء أعلم منا بالتوراة وبمصلحتنا، فالله تعالى قد بين لنا حالهم وقرنه ببيان ما يجب أن نسير عليه في الشريعة والأحكام حتى لا نضل كما ضل المشركون وأهل الكتاب الذين اتخذوا أفرادا منهم أربابا إذ جعلوا شارعين فكانوا سبب طغيانهم ولذلك سموا طواغيت.

3. ثم قال: أمر بطاعة الله وهي العمل بكتابه العزيز وبطاعة الرسول لأنه هو الذي يبين للناس ما نزل إليهم، وقد أعاد لفظ الطاعة لتأكيد طاعة الرسول، لأن دين الإسلام دين توحيد محض لا يجعل لغير الله أمرا ولا نهيا ولا تشريعا ولا تأثيرا، فكان ربما يستغرب في كتابه الأمر بطاعة غير وحي الله، ولكن قضت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه للناس رسل منهم وتكفل بعصمتهم في التبليغ ولذلك وجب أن يطاعوا فيما يبينون به الدين والشرع، مثال ذلك عن الله تعالى هو الذي شرع لنا عبادة الصلاة وأمرنا بها ولكنه لم يبين لنا في الكتاب كيفيتها وعدد ركعاتها ولا ركوعها وسجودها ولا تحديد أوقاتها فبينها الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بأمره تعالى إياه بذلك في مثل قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44] فهذا البيان بإرشاد من الله تعالى فاتباعه لا ينافي التوحيد ولا كون الشارع هو الله تعالى وحده.

4. قال: وأما أولوا الأمر فقد اختلف فيهم فقال بعضهم هم الأمراء واشترطوا فيهم أن لا يأمروا بمحرم كما قال مفسرنا (الجلال) وغيره والآية مطلقة (أي وإنما أخذوا هذا القيد من نصوص أخرى كحديث (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وحديث (إنما الطاعة في المعروف) وبعضهم أطلق في الحكام فأوجبوا طاعة كل حاكم وغفلوا عن قوله تعالى ﴿مِنْكُمْ﴾ وقال بعضهم إنهم العلماء ولكن العلماء يختلفون فمن يطاع في المسائل الخلافية ومن يعصى؟ وحجة هؤلاء أن العلماء هم الذين يمكنهم أن يستنبطوا الأحكام غير المنصوصة من الأحكام المنصوصة، وقالت الشيعة إنهم الأئمة المعصومون، وهذا مردود إذ لا دليل على العصمة ولو أريد ذلك لصرحت به الآية، ومعنى أولي الأمر الذين يناط بهم النظر في أمر إصلاح الناس أو مصالح الناس، وهؤلاء يختلفون أيضا فكيف يؤمر بطاعتهم بدون شرط ولا قيد؟

5. قال: إنه فكر في هذه المسألة من زمن بعيد فانتهى به الفكر إلى أن المراد بأولي الأمر جماعة أهل الحل والعقد من المسلمين وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر أو حكم وجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا منا، وأن لا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم التي عرفت بالتواتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه، وأن يكون ما يتفقون عليه من المصالح العامة وهو ما لأولي الأمر سلطة فيه ووقوف عليه، وأما العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد بل هو مما يؤخذ عن الله ورسوله فقط ليس لأحد رأي فيه إلا ما يكون في فهمه، فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص عن الشارع مختارين في ذلك غير مكرهين عليه بقوة أحد ولا نفوذه فطاعتهم واجبة ويصح أن يقال هم معصومون في هذا الإجماع ولذلك أطلق الأمر بطاعتهم بلا شرط مع اعتبار الوصل والاتباع المفهوم من الآية، وذلك كالديوان الذين أنشاه عمر باستشارة أهل الرأي من الصحابة وغيره من المصالح التي أحدثها برأي أولي الأمر من الصحابة ولم تكن في زمن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولم يعترض أحد من علمائهم على ذلك.

6. قال: فأمر الله في كتابه وسنة رسوله الثابتة القطعية التي جرى عليها صلّى الله عليه وآله وسلّم بالعمل هما الأصل الذي لا يرد وما لا يوجد فيه نص عنهما ينظر فيه أولوا الأمر إذا كان من المصالح لأنهم هم الذين يثق بهم الناس فيها ويتبعونهم فيجب أن يتشاوروا في تقرير ما ينبغي العمل به فإذا اتفقوا وأجمعوا وجب العمل بما أجمعوا عليه، وإن اختلفوا وتنازعوا فقد بين الواجب فيما تنازعوا بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وذلك بأن يعرض على كتاب الله وسنة رسوله وما فيهما من القواعد العامة والسيرة المطردة فما كان موافقا لهما علم أنه صالح لنا ووجب الأخذ به وما كان منافرا علم أنه غير صالح ووجب تركه وبذلك يزول التنازع وتجتمع الكلمة، وهذا الرد واستنباط الفصل في الخلاف من القواعد هو الذي يعبر عنه بالقياس الأول هو الإجماع الذي يعتد به، وقد اشترطوا في القياس شروطا بالنظر إلى العلة، والغرض من هذا الرد أن لا يقع خلاف في الدين والشرع لأنه لا خلاف ولا اختلاف في أحكامهما، كذا قال الأستاذ والمراد أن لا يفضي التنازع إلى اختلاف التفرق الذي يلبس المسلمين شيعا ويذيق بعضهم بأس بعض، وسيأتي بيان ذلك مفصلا ولكنهم لم يعملوا بالآية فتفرقوا واختلفوا.

7. ذكر محمد عبده في الدرس أن ما اهتدى إليه في تفسير أولي الأمر من كونهم جماعة أهل الحل والعقد لم يكن يظن أن أحدا من المفسرين سبقه إليه حتى رآه في تفسير النيسابوري، وأقول إن النيسابوري قد لخص في المسألة ما قاله الفخر الرازي بل جميع تفسيره تلخيص لتفسير الرازي مع زيادات قليلة، وإنما خصه الأستاذ بالذكر لأن ظاهر عبارة الرازي تشعر بأن أولي الأمر هم أهل الإجماع المصطلح عليه في أصول الفقه وهم المجتهدون في الأحكام الظنية الفقهية وإن عبر عنه تارة بإجماع الأمة وتارة بإجماع أهل الحل والعقد كأنه رأى أنه يسمي أهل الإجماع أهل الحل والعقد لقوله إن العلماء هم أمراء الأمراء، أي يجب أن يكونوا كذلك ولكنهم ليسوا كذلك بالفعل، وأما النيسابوري فعبارته هي التي تؤدي المعنى الذي قاله الأستاذ فإنه قال بعد إبطال الأقوال المشهورة في تفسير أولي الأمر: (وإذا ثبت أن حمل الآية على هذه الوجوه غير مناسب تعين أن يكون المعصوم كل الأمة أي أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء فالمراد بقوله وأولي الأمر ما اجتمعت الأمة عليه)، فقوله أهل الحل والعقد وأصحاب الاعتبار والآراء هو بمعنى قول الأستاذ الذي أدخل فيه أمراء الجند ورؤساء المصالح وهذا هو المعقول لأن مجموع هؤلاء هم الذين تثق بهم الأمة وتحفظ مصالحها، وباتفاقهم يؤمن عليها من التفرق والشقاق ولهذا أمر الله بطاعتهم لا لأنهم معصومون من الخطأ فيما يقررونه.

8. وقد رأينا أن ننقل بعض ما قاله الرازي لتصريحه فيه بما يسمونه اليوم في عرف أهل السياسة بسلطة الأمة وتفنيده قول من قال إن المراد بأولي الأمر الأمراء والسلاطين وهو ما يتزلف به المتزلفون إليهم حتى أنهم كانوا يتلون هذه الآية على مسامع السلطان عبد الحميد في كل صلاة جمعة على أنا قد صرحنا بهذه الحقائق في المنار وفي التفسير من قبل، قال الرازي بعد تقرير كون الجزم بطاعة أولي الأمر يقتضي عصمتهم فيما يطاعون فيه ما نصه(2).

9. إن القائلين بالإمام المعصوم يقولون إن فائدة اتباعه إنقاذ الأمة من ظلمة الخلاف وضرر التنازع والتفرق، وظاهر الآية بيان حكم المتنازع فيه مع وجود أولي الأمر وطاعة الأمة لهم، كأن يختلف أولو الأمر في حكم بعض النوازل والوقائع، والخلاف والتنازع مع وجود الإمام المعصوم غير جائز عند القائلين به لأنه عندهم مثل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فلا يكون لهذه الزيادة فائدة على رأيهم.

10. حصر الرازي الأقوال المنقولة في الأربعة التي ذكرها غير مسلم فقد روي عن مجاهد أن أولي الأمر هم الصحابة وفي رواية عنه وعن مالك والضحاك وهي مأثورة عن جابر ابن عبد الله أنهم أهل القرآن والعلم، فإن كان الرازي يعني بأهل الإجماع المجتهدين على اصطلاح أهل الأصول فهم أهل العلم والقرآن، وإن كان يعني بهم أهل الحل والعقد الذين ينصبون الإمام الأعظم كما يفهم من تعبيره الآخر فقد يوافق قوله قول ابن كيسان أن أولي الأمر هم أهل العقل والرأي، وقلما تجد أحدا من المتأخرين قال قولا إلا وتجد لمن قبله قولا بمعناه ولكن القول إذا لم يكن واضحا مفصلا حيث يحتاج إلى التفصيل فإنه يضيع ولا يفهم الجمهور المراد منه، وهذا الرازي على إسهابه وإطنابه في المسائل لم يحل المسألة كما يجب إذ عبر تارة بأهل الإجماع والمتبادر إلى الذهن أن المراد بهم المجتهدون في المسائل الفقهية، وتارة بأهل الحل والعقد والمتبادر إلى الذهن أنهم هم الذين يختارون الإمام الأعظم، وهذا ما فهمه أو اختاره النيسابوري وهو الصواب، وبه يكون الرازي قد حقق مسألة الإجماع أفضل التحقيق كما سنبينه، قال السعد في شرح المقاصد: (وتنعقد الإمامة بطرق أحدها بيعة أهل الحل والعقد من العلماء والرؤساء ووجوه الناس) الخ، فأهل الحل والعقد الذين هم خواص الأمة من العلماء ورؤساء الجند والمصالح العامة هم أولوا الأمر الذين تجب طاعتهم فيما يتفقون عليه، لأن عامة الناس ودهماءهم يتبعونهم بارتياح واطمئنان، ولأنهم هم العارفون بالمصلحة التي يحتاج إلى تقرير الحكم فيها، ولأن اجتماعهم واتفاقهم ميسور، ولأجل ذلك كان إجماعهم بمعنى إجماع الأمة برمتها، وهذه المعاني لا تتحقق بإجماع المجتهدين في الفقه إن أمكن أن يعرفوا وأن يجتمعوا وأن تعلم الأمة بإجماعهم وتثق به.

11. إذا تمهد هذا فالآية مبينة أصول الدين وشريعته والحكومة الإسلامية وهي:

أ. الأول: القرآن الحكيم والعمل به هو طاعة الله تعالى.

ب. الثاني: سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والعمل بها هو طاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ج. الثالث: إجماع أولي الأمر وهم أهل الحل والعقد الذين تثق بهم الأمة من العلماء والرؤساء في الجيش والمصالح كالتجارة والصناعة والزراعة وكذا رؤساء العمال والأحزاب ومديروا الجرائد المحترمة ورؤساء تحريرها وطاعتهم حينئذ هي طاعة أولي الأمر.

د. الرابع: عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد والأحكام العامة المعلومة في الكتاب والسنة، وذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

12. فهذه الأصول الأربعة هي مصادر الشريعة ولا بد من وجود جماعة يقومون بعرض المسائل التي يتنازع فيها على الكتاب والسنة وهل يكونون من أولي الأمر أو ممن يختارهم أولو الأمر من علماء هذا الشأن؟ سيأتي بيان ذلك قريبا.

13. ويجب على الحكام الحكم بما يقرره أولو الأمر وتنفيذه وبذلك تكون الدولة الإسلامية مؤلفة من جماعتين أو ثلاث:

أ. الأولى جماعة المبينين للأحكام الذين يعبر عنهم أهل هذا العصر بالهيئة التشريعية،

ب. الثانية جماعة الحاكمين والمنفذين وهم الذين يطلق عليهم اسم الهيئة التنفيذية،

ج. الثالثة جماعة المحكمين في التنازع ويجوز أن تكون طائفة من الجماعة الأولى.

14. يجب على الأمة قبول هذه الأحكام والخضوع لها سرا وجهرا، وهي لا تكون بذلك خاضعة خانعة لأحد من البشر ولا خارجة من دائرة توحيد الربوبية الذي شعاره إنما الشارع هو الله، ﴿إن الحكم إلا لله أمر أن لا تعبدوا إلا إياه﴾ [يوسف: 40] فإنها لم تعمل إلا بحكم الله تعالى أو حكم رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بإذنه أو حكم نفسها الذي استنبطه لها جماعة أهل الحل والعقد والعلم والخبرة من أفرادها الذين وثقت بهم واطمأنت بإخلاصهم وعدم اتفاقهم إلا على ما هو الأصلح لها فهي بذلك تكون خاضعة لوجدانها لا تشعر باستبداد أحد فيها، ولا باستذلاله واستعباده لها، بل يصدق عليها ما دامت لحكومتها على هذا الوجه بقية أنها أعز الناس نفوسا وأرفعها رؤوسا وإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين.

15. لا بد لنا قبل أن نحرر مسألة التنازع من فتح باب البحث في اجتماع أولي الأمر وتقريرهم للأحكام في المصالح العامة التي تحتاج إليها الأمة، فقد علمنا أو أولي الأمر معناه أصحاب أمر الأمة في حكمها وإدارة مصالحها وهو الأمر المشار إليه في قوله تعالى: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾ [الشورى: 38] ولا يمكن أن يكون شورى بين جميع أفراد الأمة فتعين أن يكون شورى بين جماعة تمثل الأمة ويكون رأيها كرأي مجموع أفراد الأمة لعلمهم بالمصالح العامة وغيرتهم عليها، ولما لسائر أفراد الأمة من الثقة بهم والاطمئنان بحكمهم، بحيث تكون بالعمل به عاملة بحكم نفسها وخاضعة لقلبها وضميرها وما هؤلاء إلا أهل الحل والعقد الذين تكرر ذكرهم في هذا السياق، ولكن كيف يجتمع هؤلاء ومن يجمعهم ولماذا لم يوضع لهم نظام في الإسلام كنظام مجالس الشورى التي تسمى مجالس النواب في عرف أهل هذا العصر.

16. بحثنا في هذه المسألة في تفسير ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ [آل عمران: 159] فبينا الحكم والأسباب لعدم وضع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هذا النظام، وكيف كانت خلافة الخلفاء الأربعة بالشورى بحسب حال زمنهم، وكيف أفسد الأمويون بعد ذلك حكومة الإسلام وهدموا قواعدها وسنوا للمسلمين سنة الحكومة الشخصية المؤيدة بعصبية الحاكم، فعليهم وزرها ووزر من عمل ويعمل بها إلى يوم القيامة، وصفوة ما هنالك أن هذا الأمر يختلف باختلاف أحوال الأمة الاجتماعية في الزمان والمكان، فلم يكن من الحكمة أن يوضع له نظام موافق لحال الصدر الأول وحدهم والمسلمون قليل من العرب وأولو الأمر فيهم محصورون في الحجاز ويجعل عاما لكل زمان، ولو وضعه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لأتخذوه دينا وتقيدوا به في كل زمان ومكان وهو لا يمكن أن يوافق كل زمان ومكان، ولكان إذا عمله باجتهاده غير عامل بالشورى، وإذا عمله بالشورى جاز أن يكون رأي المستشارين مخالفا لرأيه كما وقع في غزوة أحد فيكون رأيهم قيد للمسلمين مدى الدهر ويتخذونه دينا كما اتخذوا كثيرا من آراء الفقهاء.

17. فالأمر الذي لا ريب فيه أن الله تعالى هدانا إلى أفضل وأكمل الأصول والقواعد لنبني عليها حكومتنا ونقيم بها دولتنا ووكل هذا البناء إلينا فأعطانا بذلك الحرية التامة والاستقلال الكامل في أمورنا الدنيوية ومصالحنا الاجتماعية، وذلك أنه جعل أمرنا شورى بيننا ينظر فيه أهل المعرفة والمكانة الذين نثق بهم ويقررون لنا في كل زمان ما تقول به مصلحتنا وتسعد أمتنا، لا يتقيدون في ذلك بقيد إلا هداية الكتاب العزيز والسنة الصحيحة المبينة له، وليس فيهما قيود تمنع سير المدنية أو ترهق المسلمين عسرا في عمل من الأعمال، بل أساسها اليسر، ورفع الحرج والعسر، وحظر الضار، وإباحة النافع، وكون ما حرم لذاته يباح للضرورة، وما حرم لسد الذريعة يباح للحاجة، ومراعاة العدل لذاته، ورد الأمانات إلى أهلها، ولكننا ما رعينا هذه الهدية حق رعايتها فقيدنا أنفسنا بألوف من القيود التي اخترعناها وسميناها دينا، فلما أقعدتنا هذه القيود عن مجاراة الأمم في المدنية والعمران صار حكامنا الذين خرجوا بنا عن هذه الأسس والأصول المقررة في الكتاب والسنة فريقين:

أ. فريقا رضوا بالقعود واختاروا الموت على الحياة توهما منهم أنهم بمحافظتهم على قيودهم التقليدية محافظون على الإسلام، قائلين إن الموت على ذلك خير من الحياة باتباع غير المسلمين في أصول حكومتهم.

ب. وفريقا رأوا أنه لا بد لهم من تقليد غير المسلمين في قوانينهم الأساسية أو الفرعية.

18. فكان كل من الفريقين بجهله حجة على الإسلام في الظاهر، والإسلام حجة عليهم في الحقيقة، فكتاب الله حي لا يموت، ونوره متألق لا يخفى، وإن جعلوا بينه وبينهم ألف حجابـ ﴿قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ﴾ [الأنعام: 194]

19. ليس بين القانون الأساسي الذي قررته هذه الآية على إيجازها وبين القوانين الأساسية لأرقى حكومات الأرض في هذا الزمان إلا فرق يسير نحن فيه أقرب إلى الصواب وأثبت في الاتفاق منهم إذا نحن عملنا بما هدانا إليه ربنا:

أ. هم يقولون إن مصدر القوانين الأمة ونحن نقول بذلك في غير المنصوص في الكتاب والسنة كما قرره الإمام الرازي آنفا والمنصوص قليل جدا.

ب. وهم يقولون إنه لا بد أن ينوب عن الأمة من يمثلها في ذلك حتى يكون ما يقررونه كأنها هي التي قررته ونحن نقول ذلك كما علمت.

ج. وهم يقولون إن ذلك يعرف بالانتخاب ولهم فيه طرق مختلفة ونحن لم يقيدنا القرآن بطريقة مخصوصة فلنا أن نسلك في كل زمان ما نراه يؤدي إلى المقصد، ولكنه سمى هؤلاء الذين يمثلون الأمة أولي الأمر أي أصحاب الشأن في الأمة الذين يرجع إليهم في مصالحها وتطمئن هي باتباعهم وقد يكونون محصورين في مركز الحكومة في بعض الأوقات.. وقد يكونون متفرقين في البلاد فلا بد حينئذ من جمعهم ولهم أن يضعوا قانونا لذلك.

د. وهم يقولون إن هؤلاء إذا اتفقوا وجب على الحكومة تنفيذ ما يتفقون عليه وعلى الأمة الطاعة، ولهم أن يسقطوا الحاكم الذي لا ينفذ قانونهم، ونحن نقول بذلك، وهذا هو الإجماع الحقيقي الذي نعده من أصول شريعتنا.

هـ. وهم يقولون إنهم إذا اختلفوا يجب العمل برأي الأكثر وظاهر الآية على ما اختاره محمد عبده أن ما يختلفون فيه عندنا يرد إلى الكتاب والسنة ويعرض على أصولهما وقواعدهما فيعمل بما يتفق معهما ونحن نعلم كما يعلمون أن رأي الأكثرين ليس أولى بالصواب من رأي الأقلين ولا سيما في هذا الزمان حيث يتكون الأكثر من حزب ينصر بعض أفراده بعضا في الحق والباطل ويتواضعون على اتباع أقلهم لأكثرهم في خطأهم، فإذا كان أعضاء المجلس مئتين منهم مئة وعشرة يتبعون حزبا من الأحزاب وأراد زعماء هذا الحزب تقرير مسألة فإذا أقنعوا بالدليل أو النفوذ ستين منهم يتبعهم الخمسون الآخرون وإن كانوا يعتقدون خطاهم فإذا خالفهم سائر أهل المجلس يكون عدد الذين يعتقدون بطلان المسألة 140 والذين يعتقدون حقيتها ستين وهم أقل من النصف وتنفذ برأيهم، الأكثرية لا تستلزم الحقية والإصابة في الحكم ولا هي بالتي تطمئن الأمة إلى رأيها فربما كان الأكثرون الذين يقررون مسألة مالية أو عسكرية مثلا ليس فيهم العدد الكافي من العارفين بها فيظهر للجمهور خطاهم فتتزلزل ثقته بمجلس الأمة ويفتح باب الخلاف والتفرق ويخشى أن تتألف الأحزاب للمقاومة، فإما أن يكره الجمهور المخالف على القبول إكراها وحينئذ يكون الحكم للعصبية الغالبة، لا للأمة المتحدة، وإما أن تتطلع رؤوس الفتن وهذا ما يجب اتقاؤه وسد ذريعته في أساس الحكم وأصول السلطة، لئلا تهلك الأمة بقيام بعضها على بعض ويكون بأسها بينها شديدا، فيتمكن بذلك الأعداء من مقاتلها، وقد نهينا في الكتاب والسنة عن التفرق والتنازع والخلاف الذي يؤدي إلى مثل هذا البلاء، فتبين بهذا حكمة عرض المسائل التي يتنازع فيها أولو الأمر على جماعة يردونها إلى الكتاب والسنة ويحكمون فيها بقواعدهما التي أشرنا إلى بعضها آنفا، فإن الأمة كلها ترضى بفصل هذه الجماعة عندما تؤيده بدليله، وهل تكون هذه الجماعة من علماء الدين فقط أم من طبقات أولي الأمر المختلفة؟

20. أولو الأمر في كل قوم وكل بلد وكل قبيلة معروفون، فإنهم هم الذين يثق بهم الناس في أمور دينهم ومصالح دنياهم لاعتقادهم أنهم أوسع معرفة وأخلص في النصيحة، وقد كانوا في عصر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يكونون معه حيث كان وكذلك في المدينة قبل الفتوحات ثم تفرقوا وكانوا يحتاجون إليهم في مبايعة الإمام (الخليفة) وفي الشورى في السياسة والإدارة والقضاء: فأما المبايعة فكانوا يرسلون إلى البعيد من أمراء الأجناد ورؤوس الناس في البلاد من يأخذ بيعتهم، ولما لم يبايع معاوية أمير المؤمنين عليا كرم الله وجهه، وكان له عصبة قوية، قال من قال من الناس إنه كان مجتهدا في حربه وقد كان في اتباعه من هو حسن النية كما فيهم محب الفتنة ومن قال فيهم أمير المؤمنين: (أتباع كل ناعق) ولو كانت البيعة في عنقه لما كان ثم مجال لاشتباه من كان مخلصا في أمره، وأما القضاء فكانوا يجمعون له من حضر من أهل العلم والرأي ورؤساء الناس فيأخذون برأيهم فيما لا نص فيه.

21. بنو أمية هم الذين زحزحوا بناء السلطة الإسلامية عن أساس الشورى إذ كونوا لأنفسهم عصبية بالشام هدموا بها سلطة أولي الأمر من سائر المسلمين بالحيلة والقوة وحصروها في أنفسهم فكان الأمير مقيدا بسلطة قومه لا بسلطة أولي الأمر من جميع المسلمين فخرجوا عن هداية الآية شيئا فشيئا، ثم جاء العباسيون بعصبية الأعاجم من الفرس فالترك، ثم كان من أمر التغلب بين ملوك الطوائف بعصبياتهم ما كان فلم تكن الحكومة الإسلامية مبنية على أساسها من طاعة الله ورسوله وأولي الأمر، بل جعلت أولي الأمر كالعدم في أمر السلطة العامة، وكان تحري طاعة الله ورسوله بالعدل ورد الأمانات إلى أهلها يختلف باختلاف درجات الأمراء والحكام في العلم والدين.

22. أولو الأمر في زماننا وكيف يجتمعون: ذكرنا في تفسير الآية أن أولي الأمر في زماننا هذا هم كبار العلماء ورؤساء الجند والقضاة وكبار التجار والزراع وأصحاب المصالح العامة ومديروا الجمعيات والشركات وزعماء الأحزاب ونابغوا الكتاب والأطباء والمحامين (وكلاء الدعاوى) الذين تثق بهم الأمة في مصالحها وترجع إليهم في مشكلاتها حيث كانوا، وأهل كل بلد يعرفون من يوثق به عندهم ويحترم رأيه فيهم ويسهل على رئيس الحكومة في كل بلد أن يعرفهم وأن يجمعهم للشورى إن شاء، ولكن الحكام في هذا الزمان مؤيدون بقوة الجند الذي تربيه الحكومة على الطاعة العمياء حتى لو أمرته أن يهدم المساجد ويقتل أولي الأمر الموثوق بهم عند أمته لفعل، فلا يشعر الحاكم بالحاجة إلى أولي الأمر إلا لإفسادهم وإفساد الناس بهم ولا يريد أن يقرب إليه منهم إلا المتملق المدهن، فاشتدت الحاجة لأجل هذا إلى إعادة السلطة إلى أولي الأمر بقوة الأمة ورأيها وتكافلها، وقد جرت الدول التي بنت سلطتها على أساس الشورى أن تعهد إلى الأمة بانتخاب من تثق بهم لوضع القوانين العامة للمملكة والمراقبة على الحكومة العليا في تنفيذها، ومن تثق بهم للمحاكم القضائية والمجالس الإدارية، ولا يكون هذا الانتخاب شرعيا عندنا إلا إذا كان للأمة الاختيار التام في الانتخاب بدون ضغط من الحكومة ولا من غيرها، ولا ترغيب ولا ترهيب، ومن تمام ذلك أن تعرف الأمة حقها في هذا الانتخاب والغرض منه، فإذا وقع انتخاب غيرهم بنفوذ الحكومة أو غيرها كان باطلا شرعا ولم يكن للمنتخبين سلطة أولي الأمر ويتبع ذلك أن طاعتهم لا تكون واجبة شرعا بحكم الآية وإنما تدخل في باب سلطة التغلب، فمَثَلُ من ينتخب رجلا ليكون نائبا عن الأمة فيما يسمونه السلطة التشريعية وهو مكره على هذا الانتخاب كمَثَلِ من يتزوج أو يشتري بالإكراه لا تحل له امرأته ولا سلعته، وقد ذكر محمد عبده اشتراطه حرية الانتخاب كما تقدم ولكن الإجمال لا يغني في هذا المقام عن التفصيل.

23. خاطب الله الأمة كلها بإقامة القواعد الأربع المنصوصة في الآية بدليل قوله للمخاطبين ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فإذا لم يقم أهل الحل والعقد من أنفسهم بالاجتماع لإقامتها فالواجب على مجموع الأمة مطالبتهم بذلك ولا يترك الأمر فوضى ثم يبحث عن إجماع أهل الحل والعقد أو الاجتهاد وعن استنباط أهل الاستنباط في رواية الرواة: قال فلان كذا وسكت الناس عن كذا، وهذه المسألة لا نعرف فيها خلافا فهي إجماعية، كما وقع منذ زمن الرواية والتدوين والتصنيف إلى اليوم، فالله تعالى قد ذكر أولي الأمر هنا بصيغة الجمع وكذلك ذكرهم بصيغة الجمع في الآية الآتية التي ينوط فيها الاستنباط بهم بقوله: ﴿لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83] فعلم من ذلك أنه يجب أن يكون لأولي الأمر الأمن والخوف ليحكموا فيها، والظاهر أن طاعتهم تجب على الحكومة وأفراد الأمة إذا هم أجمعوا وإنه يجب على الحاكم والمحكوم رد المسائل العامة والتنازع فيها إليهم سواء اجتمعوا بأنفسهم أو بطلب الأمة أو بطلب الحكومة بشرط أن يكونوا هم هم.

24. سؤال وإشكال: أرأيت إذا انتخبت الأمة غير من ذكرتم وفاقا للرازي والنيسابوري أنهم أولوا الأمر ليكونوا هم المستنبطين لما تحتاج إليه من الأحكام والقوانين، والمشرفين على الحكام والمستشارين لهم، أيكون أولو الأمر من وصفتم وإن لم تنتخبهم الأمة أم يكونون هم المنتخبين من قبل الأمة وإن فقدوا تلك الصفات؟ والجواب: إن الأمة إذا كانت عالمة بمعنى الآية ومختارة في الانتخابات عالمة بالغرض منه لا يمكن أن تنتخب غير من ذكرنا إنهم هم أهل المكانة الموثوق بعلمهم ورأيهم وإخلاصهم عندها لأن هذا هو الذي تقوم به مصلحتها الدينية والدنيوية ويتحقق به العمل بما هداها الله إليه في كتابه، فانتخابها إياهم أثر طبيعي لثقتها بهم ولعلمها بهدي دينها، وإن كانت جاهلة بما ذكر أو غير مختارة في الانتخاب فلا يكون لانتخابها صفة شرعية، وإنما الخطاب في الآية لأمة الإجابة في الإسلام وهي المذعنة لأمر الإسلام ونهيه، العالمة بما لا بد من علمه فيه، ولعل جهل الذين كانوا يدخلون في الإسلام أفواجا في الصدر الأول بهذا الحكم، وعدم معرفتهم لأولي الأمر، كان أحد الأسباب في عدم العمل بقاعدة الانتخاب.

25. سؤال وإشكال: أيجب انتخاب جميع أهل الحل والعقد لأجل الاجتماع لاستنباط الأحكام العامة التي تحتاج إليها الأمة في سياستها وإدارتها العامة أم يكتفي ببعضهم؟ والجواب: الظاهر أنه يكتفي بأن يقوم بذلك من تحصل بهم الكفاية برضا الباقين، فإذا فرضنا أن المملكة مؤلفة من مئة مدينة أو ناحية في كل واحدة منها عشرة من أولي الأمر يثق أهلها بعلمهم ورأيهم وينقادون لهم يكون مجموع أولي الأمر ألف نسمة فإذا هم اختاروا من أنفسهم بالانتخاب أو القرعة مئة أو مائتين للقيام بما ذكر حصل المقصد بذلك وكان ما يقررونه إجماعا من الأمة، ويرجع الناس إلى الباقين في الأمور الخاصة بمكانهم كالشورى في القضاء والإدارة، وهذا ما يظهر لي أنه أقرب ما يتحقق به العمل بالآية.

26. أولو الأمر هم أهل الإجماع: بينا أن أصول الشريعة الأساسية هي الأربعة المبنية في هذه الآية، وطبق ذلك بعض المفسرين الأصوليين على الأصول الأربعة التي عليها مدار علم أصول الفقه وهي الكتاب والسنة والإجماع والقياس وجعلوا الآية حجة على مشروعية الإجماع وهي لعمري أقوى دلالة عليه من آية: ﴿من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى﴾ [النساء: 114] الآية، بل لا تدل هذه على الإجماع الأصولي كما سيأتي في تفسيرها من هذه السورة، وجعلوا معنى رد المتنازع فيه إلى الله ورسوله هو القياس الأصولي، واشترطوا أن يكون أهل الإجماع هم المجتهدين وكذلك أهل القياس، وعلى هذا يشترط في أعضاء مجلس النواب الذين يسمون في عرف العثمانيين بالمبعوثين وفي أعضاء المحاكم والمجالس أن يكونوا من المجتهدين ولا يكون لهم صفة تشريعية بغير ذلك، وهذا الذي يفهم من علم الأصول وقد علمت رأينا فيه.

27. أورد هنا كلام الرازي في تفسيره الكبير في أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه.. وقد سبق ذكره.

28. في توسيد الأمر إلى غير أولي الأمر: أخرج البخاري في صحيحه من حديث أبي هريرة المرفوع إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظروا الساعة) وتقدم في تفسير الآية السابقة أن محمد عبده قال إن المراد بالساعة في هذا الحديث ساعة الأمة التي تقوم فيها قيامتها أي تدول دولتها على حد: من مات فقد قامت قيامته، وفي إحياء علوم الدين إن القيامة قيامتان القيامة الصغرى وهي قيامة أفراد الناس بالموت والقيامة الكبرى وهي قيامتهم كلهم بانتهاء هذا العالم والدخول في عالم الآخرة، وقد يقال إن قيامة الجماعة كقيامة الأفراد، والتجوز بالساعة في هذا المقام أقرب إلى اللغة من التجوز بلفظ القيامة فإن القيامة من القيام وهي ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، وأما الساعة فهي الوقت المعين مطلقا ولا يزال الناطقون بالعربية يقولون جاءت ساعة فلان أو جاء وقته والقرينة تعين المراد بذلك الوقت وتلك الساعة، وإن خروج أمر الناس من يد أهله القادرين على القيام به كما يجب سبب لفساد أمرهم ومدن للساعة التي يهلكون فيها بالظلم أو يخرج الأمر من أيديهم، ثم راجعت مفردات الراغب فرأيت له تفسير الساعات تقسيما ثلاثيا: الساعة الكبرى بعث للناس للحساب والوسطى موت أهل القرن الواحد والصغرى موت الإنسان الواحد، وحمل على الأخير بعض الآيات.

29. توسيد الأمة الإسلامية أمرها إلى غير أهله لا يمكن أن يكون باختيارها وهي عالمة بحقوقها قادرة على جعلها حيث جعلها كتاب الله تعالى وإنما يسلبها المتغلبون هذا الحق بجهلها وعصبيتهم التي يعلو نفوذها أولي الأمر، حتى لا يجرؤ أحد منهم على أمر ولا نهي، أو يعرض نفسه للسجن أو النفي أو القتل، هذا ما كان، وهذا هو سبب سقوط تلك الممالك الواسعة، وذهاب تلك الدول العظيمة، ووقوع ما بقي في أيدي المسلمين تحت وصاية الدول العزيزة، التي لم تعتز وتقو إلا بجعل أمرها بيد الأمة، وتوسيد هذا الأمر إلى أهله، وهو هو الذي تركه المسلمون من إرشاد دينهم، وما تيسر لهم ترك أصول الشورى وتقديس الملوك والأمراء المستبدين إلا في الزمن الطويل بعد أن حجبوا الأمة عن كتاب ربها وسنة نبيها فجهلت حقوقها ثم أفسدوا عليها بعض أولي الأمر منها وأسقطوا قيمة الآخرين بضروب من المكايد الدينية والدنيوية.

30. نعم كان الجهل بالكتاب والسنة هو الذي مكن لأهل العصبية في بلاد المسلمين بالتدريج.. وقد عنى الملوك المستبدون بعد ذلك بجذب العلماء إليهم بسلاسل الذهب والفضة والرتب والمناصب، وكان غيرهم أشد انجذابا، وقضى الله أمرا كان مفعولا، وضع هؤلاء العلماء الرسميون قاعدة لأمرائهم ولأنفسهم هدموا بها القواعد التي قام بها أمر الدين والدنيا في الإسلام، وهي أنه يجوز أن يكون أولياء الأمور كالأئمة والولاة والقضاة والمفتين فاقدين للشروط الشرعية التي دل على وجوبها واشتراطها الكتاب والسنة وإن صرح بها أئمة الأصول والفقه، قالوا يجوز إذا فقد الحائزون لتلك الشروط، مثال ذلك أنه يشترط فيهم العلم الاستقلالي المعبر عنه بالاجتهاد، وقد صرح هؤلاء بجواز تقليد الجاهل (أي المقلد) وعدوه من الضرورة وأطلق الكثيرون هذا القول وجرى عليه العمل وذلك من توسيد الأمر إلى غير أهله الذي يقرب خطوات ساعة هلاك الأمة، ومن علاماتها ذهاب الأمانة وظهور الخيانة ولا خيانة أشد من توسيد الأمر إلى الجاهلين، روى مسلم وأبو داود من حديث ابن عباس) من استعمل عاملا من المسلمين وهو يعلم أن فيهم أولى بذلك منه وأعلم بكتاب الله وسنة نبيه فقد خان الله ورسوله وجميع المسلمين) وإن لحديث البخاري الذي تقدم في توسيد الأمر إلى غير أهله مقدمة وذلك أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال (إذا ضيعت الأمانة انتظر الساعة) قيل يا رسول الله وما إضاعتها فقال (إذا وسد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

31. أطلق أعوان الملوك والأمراء القول بجواز تولية الجاهل، وكذا فاقد غير العلم من شروط الولايات كالعدالة الشرعية، ولم يصرح الكثيرون منهم بأن هذه ضرورة موقتة وأنه يجب على الأمة إذا فقد شرط من شروط إقامة أمر دينها أو دنياها أن تسعى في إقامته، ومن صرح بذلك من أفراد المحققين ذهب قوله في الجمهور الجاهل عبثا، والأمة كلها تكون آثمة إذا فقد أولوا الأمر والأمراء والحكام ما يجب فيهم من العلم والتقوى ويجب عليها السعي والعمل لإيجاد الصالحين لذلك الذين يقيمون أمر الدين والدنيا وأن تكون هي التي تحكم بفقد تلك الشروط كلها أو بعضها وتقدره بقدره.

32. في زعم بعض المقلدين أن الآية تدل على وجوب التقليد: هذه المسألة أظهر من سابقتها في جعل الآية دليلا على ضد المراد منها فإنها مبينة لأركان الاجتهاد وشارعة له وقد جعلها بعض الجاهلين حجة على وجوب التقليد فزعموا أن تفسير أولي الأمر بالعلماء المجتهدين يدل على ذلك وهو ظاهر البطلان، فإن الذين فسروها بذلك أرادوا به أن إجماعهم حجة يجب العمل به على المجتهد وغير المجتهد لا أن كل عالم مجتهد يجب أن يتبع فإن طاعة أفراد المجتهدين تتعارض باختلافهم وطاعة الجميع إذا أجمعوا هي الممكنة على أن الطاعة غير الاتباع قال صاحب (فتح البيان في مقاصد القرآن) ما نصه: (ومن جملة ما استدل به المقلدة هذه الآية قالوا وأولوا الأمر هم العلماء والجواب أن للمفسرين في تفسيرها قولين أحدهما أنهم الأمراء والثاني أنهم العلماء كما تقدم، ولا يمتنع إرادة الطائفتين من الآية الكريمة (أي معا) ولكن أين هذا من الدلالة على مراد المقلدين؟ فإنه لا طاعة لأحدهما إلا إذا أمروا بطاعة الله على وفق سنة رسوله وشريعته، وأيضا العلماء إنما أرشدوا غيرهم إلى ترك تقليدهم ونهوهم عن ذلك كما روي عن الأئمة الأربعة وغيرهم، فطاعتهم ترك تقلديهم، ولو فرضنا أن في العلماء من يرشد الناس إلى التقليد ويرغبهم فيه لكان يرشد إلى معصية الله، ولا طاعة له بنص حديث من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم على وفق سنة رسوله وشريعته، وإنما قلنا يرشد إلى معصية الله لأن من أرشد هؤلاء العامة الذين لا يعقلون الحجج ولا يعرفون الصواب من الخطأ إلى التمسك بالتقليد كان هذا الإرشاد منه مستلزما لإرشادهم إلى ترك العمل بالكتاب والسنة إلا بواسطة آراء العلماء الذين يقلدونهم، فما عملوا به عملوا به وما لم يعملوا به لم يعملوا، ولا يلتفتون إلى كتاب وسنة، بل من شرط التقليد الذي أصيبوا به أن يقبل من إمامه رأيه ولا يعول على روايته ولا يسأله عن كتاب ولا سنة فإن سأله عنهما خرج عن التقليد لأنه قد صار مطالبا بالحجة) اه كلامه، والأمر عند هؤلاء المقلدة الذين يضعون هذه الأحكام في أصول الدين وفروعه أعظم مما قال، والجماهير متبعة لهم مع نقلهم الإجماع الذي لم يخالف فيه أحد قط أن المقلد جاهل لا رأي له ولا يؤخذ بكلامه وقد بينا تهافتهم في مواضع كثيرة، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

33. مراتب الطاعات الثلاث في الآية ونكتة تكرار لفظ الطاعة: قد رأى القارئ ما قاله محمد عبده في نكتة تكرار لفظ ﴿أَطِيعُوا﴾ في جانب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم دون أولي الأمر ولم تكن هذه النكتة ظاهرة عندي وقد ورد الأمر بطاعة الله والرسول مع تكرار لفظ الطاعة وعدمه في عدة آيات التفرقة بينهما عسيرة، فإن كان هنالك فرق بين التعبيرين فالأقرب عندي أن يقال إن إعادة كلمة ﴿أَطِيعُوا﴾ تدل على تغاير الطاعتين كان تجعل الأولى طاعة ما نزّل الله من القرآن والثانية طاعة الرسول فيما يأمر به باجتهاده، وقد يؤيد هذا الفهم ما ورد من الحكم بما في كتاب الله عز وجل فإن لم يجد فيه نص القضية ينظر في سنة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيقضي بما فيها، وهذا ما أمر به النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم معاذا حين أرسله إلى اليمن.. وعطف طاعة أولي الأمر على طاعة الرسول بدون إعادة العامل (أطيعوا) لأنهما في هذا المقام من جنس واحد أي أن طاعة أولي الأمر في اجتهادهم بدل من طاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في اجتهاده وحالّة محلها بعد وفاته لا لأنهم معصومون كعصمته بل لأن المصلحة وارتقاء الأمة وسلامتها من الاستبداد لا تحقق إلا بذلك وقد نبهنا على هذا المعنى من قبل وإنما أعدناه لنذكر الناس أن هؤلاء الأصوليين لم يقولوا بعصمة الأنبياء في اجتهادهم لأن الله تعالى بين في كتابه شيئا مما عاتبهم فيه على بعض اجتهادهم ولم يقرهم عليه فكيف يكون لخلفهم من أولي الأمر من المزية ما ليس لهم؟ وما ثبت في السنة وعمل الصحابة من جعل السنة في المرتبة الثانية يدل على أن الكتاب لا ينسخ بها وإنه هو المرجح دائما عند التعارض.

34. هذا ما فتح به علينا عند طبع تفسير هذه الآية الحكيمة من المسائل التي يتجلى به معناها والترجيح بين أقوال المفسرين فيها أنه يجب على جميع المؤمنين طاعة الله بالعمل بكتابه وطاعة رسوله باتباع سنته وطاعة جماعة أولي الأمر وهم أهل الحل والعقد من علماء الأمة ورؤسائها الموثوق بهم عندها فيما يضعونه لها بالشورى من الأحكام المدنية والقضائية والسياسية ومنها الصحية والعسكرية، وإذا وقع التنازع بين أولي الأمر أو بين أفراد الأمة وجماعاتها في شيء فيجب رده إلى الله ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة والعمل بما يظهر للمتنازعين أو لمن يحكمونهم في فصل النزاع من النصوص أو مقتضى القواعد والأصول العامة فيهما أو القياس على ما عرفت علته فيهما، ولا نسلم قول الرازي والنيسابوري أن هذا الرد خاص بما لا نص فيه ولا إجماع لأنه مبني على التنازع والخلاف ويجوز أن يقع التنازع والخلاف فيما فيه نص لم يعرفه المتنازعون كما اختلف المهاجرون والأنصار على عمر في الدخول على مكان الطاعون مع وجود النص الذي رواه بعد ذلك عبد الرحمن بن عوف ولو جاء عبد الرحمن قبل تحكيم عمر لمشايخ قريش وروى لهم الحديث لعملوا به ولم يحتاجوا إلى التحكيم، فليتأمل المستقلون ما حققناه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم.

35. تكرر في تفسير هذه الآية لفظ النص معرفا ومضافا إلى الكتاب والسنة بمعنى عبارتهما لا النص الأصولي.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/181، نقلنا بعض المباحث التي أوردها في المقطع التالي إلى هذا المبحث لمناسبتها لها.

(2) نقل هنا ما ذكره الرازي في تفسيرها، ولم نر حاجة إلى إعادة ذكره.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن أمر سبحانه برد الأمانات إلى أهلها، وبالحكم بين الناس بالعدل مخاطبا بذلك جمهور الأمة، أمر بطاعة الله والرسول وطاعة أولى الأمر، إذ لا تقوم المصالح العامة إلا بذلك، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي أطيعوا الله واعملوا بكتابه، وأطيعوا الرسول لأنه يبين للناس ما نزل إليهم، فقد جرت سنة الله بأن يبلغ عنه شرعه رسل منهم تكفل بعصمتهم وأوجب علينا طاعتهم. وأطيعوا أولى الأمر، وهم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند وسائر الرؤساء والزعماء الذين يرجع إليهم الناس في الحاجات والمصالح العامة، فهؤلاء إذا اتفقوا على أمر وحكم وجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا أمناء وألا يخالفوا أمر الله ولا سنة رسوله التي عرفت بالتواتر، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه.

2. أما العبادات وما كان من قبيل الاعتقاد الديني فلا يتعلق به أمر أهل الحل والعقد بل إنما يؤخذ عن الله ورسوله فحسب، وليس لأحد رأى فيه إلا ما يكون في فهمه، فأهل الحل والعقد من المؤمنين إذا أجمعوا على أمر من مصالح الأمة ليس فيه نص عن الشارع وكانوا مختارين في ذلك غير مكرهين بقوة أحد ولا نفوذه فطاعتهم واجبة، كما فعل عمر حين استشار أهل الرأي من الصحابة في الديوان الذي أنشأه وفي غيره من لمصالح التي أحدثها برأي أولى الأمر من الصحابة ولم تكن في زمن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ولم يعترض عليه أحد من علمائهم في ذلك.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/73.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الأمانة والعدل.. ما مقياسهما؟ ما منهج تصورهما وتحديدهما وتنفيذهما؟ في كل مجال في الحياة، وفي كل نشاط للحياة؟ أنترك مدلول الأمانة والعدل؛ ووسائل تطبيقهما وتحقيقهما إلى عرف الناس واصطلاحهم؟ وإلى ما تحكم به عقولهم ـ أو أهواؤهم؟ إن للعقل البشري وزنه وقيمته بوصفه أداة من أدوات المعرفة والهداية في الإنسان.. هذا حق.. ولكن هذا العقل البشري هو عقل الأفراد والجماعات في بيئة من البيئات، متأثرا بشتى المؤثرات.. ليس هناك ما يسمى (العقل البشري) كمدلول مطلق! إنما هناك عقلي وعقلك، وعقل فلان وعلان، وعقول هذه المجموعة من البشر، في مكان ما وفي زمان ما.. وهذه كلها واقعة تحت مؤثرات شتى؛ تميل بها من هنا، وتميل بها من هناك، ولا بد من ميزان ثابت، ترجع إليه هذه العقول الكثيرة؛ فتعرف عنده مدى الخطأ والصواب في أحكامها وتصوراتها، ومدى الشطط والغلو، أو التقصير والقصور في هذه الأحكام والتصورات، وقيمة العقل البشري هنا هو أنه الأداة المهيأة للإنسان، ليعرف بها وزن أحكامه في هذا الميزان.. الميزان الثابت، الذي لا يميل مع الهوى، ولا يتأثر بشتى المؤثرات، ولا عبرة بما يضعه البشر أنفسهم من موازين.. فقد يكون الخلل في هذه الموازين ذاتها، فتختل جميع القيم.. ما لم يرجع الناس إلى ذلك الميزان الثابت القويم.

2. والله يضع هذا الميزان للبشر، للأمانة والعدل، ولسائر القيم، وسائر الأحكام، وسائر أوجه النشاط، في كل حقل من حقول الحياة: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾

3. وفي هذا النص القصير يبين الله ـ سبحانه ـ شرط الإيمان وحد الإسلام، في الوقت الذي يبين فيه قاعدة النظام الأساسي في الجماعة المسلمة؛ وقاعدة الحكم، ومصدر السلطان.. وكلها تبدأ وتنتهي عند التلقي من الله وحده؛ والرجوع إليه فيما لم ينص عليه نصا، من جزئيات الحياة التي تعرض في حياة الناس على مدى الأجيال؛ مما تختلف فيه العقول والآراء والأفهام.. ليكون هنالك الميزان الثابت، الذي ترجع إليه العقول والآراء والأفهام!

4. إن (الحاكمية) لله وحده في حياة البشر ـ ما جل منها وما دق، وما كبر منها وما صغر ـ والله قد سن شريعة أودعها قرآنه، وأرسل بها رسولا يبينها للناس، ولا ينطق عن الهوى، فسنته صلّى الله عليه وآله وسلّم من ثم شريعة من شريعة الله.

5. والله واجب الطاعة، ومن خصائص ألوهيته أن يسن الشريعة، فشريعته واجبة التنفيذ، وعلى الذين آمنوا أن يطيعوا الله ـ ابتداء ـ وأن يطيعوا الرسول ـ بما له من هذه الصفة، صفة الرسالة من الله ـ فطاعته إذن من طاعة الله، الذي أرسله بهذه الشريعة، وببيانها للناس في سنته.. وسنته وقضاؤه ـ على هذا ـ جزء من الشريعة واجب النفاذ.. والإيمان يتعلق ـ وجودا وعدما ـ بهذه الطاعة وهذا التنفيذ ـ بنص القرآن: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾

6. فأما أولو الأمر؛ فالنص يعين من هم، ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أي من المؤمنين.. الذين يتحقق فيهم شرط الإيمان وحد الإسلام المبين في الآية.. من طاعة الله وطاعة الرسول؛ وإفراد الله ـ سبحانه ـ بالحاكمية وحق التشريع للناس ابتداء؛ والتلقي منه وحده ـ فيما نص عليه ـ والرجوع إليه أيضا فيما تختلف فيه العقول والأفهام والآراء، مما لم يرد فيه نص؛ لتطبيق المبادئ العامة في النصوص عليه.

7. والنص يجعل طاعة الله أصلا؛ وطاعة رسوله أصلا كذلك ـ بما أنه مرسل منه ـ ويجعل طاعة أولي الأمر منكم.. تبعا لطاعة الله وطاعة رسوله، فلا يكرر لفظ الطاعة عند ذكرهم، كما كررها عند ذكر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ليقرر أن طاعتهم مستمدة من طاعة الله وطاعة رسوله ـ بعد أن قرر أنهم (منكم) بقيد الإيمان وشرطه.

8. وطاعة أولي الأمر.. منكم.. بعد هذه التقريرات كلها، في حدود المعروف المشروع من الله، والذي لم يرد نص بحرمته؛ ولا يكون من المحرم عندما يرد إلى مبادئ شريعته، عند الاختلاف فيه.. والسنة تقرر حدود هذه الطاعة، على وجه الجزم واليقين:

أ. في الصحيحين من حديث الأعمش: (إنما الطاعة في المعروف)

ب. وفيهما من حديث يحيى القطان: (السمع والطاعة على المرء المسلم، فيما أحب أو كره، ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)

ج. وأخرج مسلم من حديث أم الحصين: (ولو استعمل عليكم عبد، يقودكم بكتاب الله، اسمعوا له وأطيعوا)

9. بهذا يجعل الإسلام كل فرد أمينا على شريعة الله وسنة رسوله، أمينا على إيمانه هو ودينه، أمينا على نفسه وعقله، أمينا على مصيره في الدنيا والآخرة.. ولا يجعله بهيمة في القطيع؛ تزجر من هنا أو من هنا فتسمع وتطيع! فالمنهج واضح، وحدود الطاعة واضحة، والشريعة التي تطاع والسنة التي تتبع واحدة لا تتعدد، ولا تتفرق، ولا يتوه فيها الفرد بين الظنون! ذلك فيما ورد فيه نص صريح، فأما الذي لم يرد فيه نص، وأما الذي يعرض من المشكلات والأقضية، على مدى الزمان وتطور الحاجات واختلاف البيئات ـ ولا يكون فيه نص قاطع، أو لا يكون فيه نص على الإطلاق.. مما تختلف في تقديره العقول والآراء والأفهام ـ فإنه لم يترك كذلك تيها، ولم يترك بلا ميزان، ولم يترك بلا منهج للتشريع فيه والتفريع.. ووضع هذا النص القصير، منهج الاجتهاد كله، وحدده بحدوده؛ وأقام (الأصل) الذي يحكم منهج الاجتهاد أيضا.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/691.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ هو استنجاز آخر لأداء بعض ما يتعلق بالأمانة الكبرى التي حملها الإنسان، وهو طاعة الله والرسول، وأولى الأمر، فالانقياد لله هو المظهر العملىّ الواضح لأداء هذه الأمانة، وغير هذا الانقياد هو التضييع للأمانة، والعدوان عليها.

2. والانقياد لله يتبعه الانقياد لرسول الله.. إذ كان هو السفير بين الله وبين عباده، وهو الحامل لكلمة الله إليهم، والمؤذّن بها فيهم.. فلا انقياد لله لمن لا ينقاد لرسول الله، وأولو الأمر.. هم من يلون أمر الإنسان، ويقومون على رعاية مصالحه، من آباء، وقادة، وحكام.. وغيرهم، ممن لهم على الإنسان سلطان أدبى أو مادىّ.

3. الانقياد لأولى الأمر ليس انقيادا مطلقا، بل هو انقياد محكوم بحدود العدل، والخير، والإحسان، ولهذا كانت طاعة الوالدين ـ وهما في المقام الأول من أولى الأمر ـ قائمة على سنن المعروف، فإن دعوا إلى منكر، فلا طاعة لهما، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾، فالولاية إذا لم تكن ولاية راشدة حكيمة، مستقيمة مع العدل والإحسان‏ كان لمن تحت ولايتها أن يراجعوها، وأن ينصحوا لها، وأن يعملوا على تبصرتها بالطريق القويم، الذي فيه خير الجماعة كلها.

4. إن كان خلاف بين أولى الأمر، وبين من في ولايتهم، ولم يلتقوا عنده على كلمة سواء.. كان الحكم بينهم في هذا، كتاب الله وسنّة رسول الله، فذلك هو الميزان العدل، الذي توزن به الأمور، وما يقضى به هنا كان هو الحق والخير، وكان التزامه أمرا واجبا.. من أباه، وخرج عليه، كان متعدّيا حدود الله، آثما ظالما.. تجرى عليه أحكام الآثمين الظالمين.

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/822.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لمّا أمر الله الأمّة بالحكم بالعدل عقّب ذلك بخطابهم بالأمر بطاعة الحكّام ولاة أمورهم؛ لأنّ الطاعة لهم هي مظهر نفوذ العدل الذي يحكم به حكّامهم، فطاعة الرسول تشتمل على احترام العدل المشرّع لهم وعلى تنفيذه، وطاعة ولاة الأمور تنفيذ للعدل، وأشار بهذا التعقيب إلى أنّ الطاعة المأمور بها هي الطاعة في المعروف، ولهذا قال عليّ: (حقّ على الإمام أن يحكم بالعدل ويؤدّي الأمانة، فإذا فعل ذلك فحقّ على الرعية أن يسمعوا ويطيعوا)

2. أمر الله بطاعة الله ورسوله وذلك بمعنى طاعة الشريعة، فإنّ الله هو منزّل‏ الشريعة ورسوله مبلّغها والحاكم بها في حضرته.

3. إنّما أعيد فعل: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ مع أنّ حرف العطف يغني عن إعادته إظهارا للاهتمام بتحصيل طاعة الرسول لتكون أعلى مرتبة من طاعة أولي الأمر، ولينبّه على وجوب طاعته فيما يأمر به، ولو كان أمره غير مقترن بقرائن تبليغ الوحي لئلّا يتوهّم السامع أنّ طاعة الرسول المأمور بها ترجع إلى طاعة الله فيما يبلّغه عن الله دون ما يأمر به في غير التشريع، فإنّ امتثال أمره كلّه خير، ألا ترى‏ أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم دعا أبا سعيد بن المعلّى، وأبو سعيد يصلي، فلم يجبه فلمّا فرغ من صلاته جاءه فقال له: (ما منعك أن تجيبني) فقال: (كنت أصلّي) فقال: (ألم يقل الله‏ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ﴾ [الأنفال: 24]؛ ولذلك كانوا إذا لم يعلموا مراد الرسول من أمره ربما سألوه: أهو أمر تشريع أم هو الرأي والنظر، كما قال له الحباب بن المنذر يوم بدر حين نزل جيش المسلمين: أهذا منزل أنزلكه الله ليس لنا أن نجتازه أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ قال بل الرأي والحرب والمكيدة..) الحديث، ولمّا كلّم بريرة في أن تراجع زوجها مغيثا بعد أن عتقت، قالت له: أتأمر يا رسول الله أم تشفع، قال بل أشفع، قالت: لا أبقى معه‏.

4. ولهذا لم يعد فعل‏ ﴿فَرُدُّوهُ﴾ في قوله: ﴿وَالرَّسُولُ﴾ لأنّ ذلك في التحاكم بينهم، والتحاكم لا يكون إلّا للأخذ بحكم الله في شرعه، ولذلك لا نجد تكريرا لفعل الطاعة في نظائر هذه الآية التي لم يعطف فيها أولو الأمر مثل قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ﴾ [الأنفال: 20] وقوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: 46] ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور: 52]، إذ طاعة الرسول مساوية لطاعة الله لأنّ الرسول هو المبلّغ عن الله فلا يتلقّى أمر الله إلّا منه، وهو منفّذ أمر الله بنفسه، فطاعته طاعة تلقّ وطاعة امتثال، لأنه مبلّغ ومنفّذ، بخلاف أولي الأمر فإنّهم منفّذون لما بلّغه الرسول فطاعتهم طاعة امتثال خاصّة، ولذلك كانوا إذا أمرهم بعمل في غير أمور التشريع، يسألونه أهذا أمر أم رأي وإشارة فإنّه لمّا قال للذين يأبرون النخل (لو لم تفعلوا لصلح)

5. قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ﴾ يعني ذويه وهم أصحاب الأمر والمتولّون له، والأمر هو الشأن، أي ما يهتمّ به من الأحوال والشئون، فأولو الأمر من الأمّة ومن القوم هم الذين يسند الناس إليهم تدبير شؤونهم ويعتمدون في ذلك عليهم، فيصير الأمر كأنّه من خصائصهم، فلذلك يقال لهم: ذوو الأمر وأولو الأمر، ويقال في ضدّ ذلك: ليس له من‏ الأمر شيء، ولمّا أمر الله بطاعة أولي الأمر علمنا أنّ أولي الأمر في نظر الشريعة طائفة معيّنة، وهم قدوة الأمّة وأمناؤها، فعلمنا أنّ تلك الصفة تثبت لهم بطرق شرعية إذ أمور الإسلام لا تخرج عن الدائرة الشرعية، وطريق ثبوت هذه الصفة لهم إمّا الولاية المسندة إليهم من الخليفة ونحوه، أو من جماعات المسلمين إذا لم يكن لهم سلطان، وإمّا صفات الكمال التي تجعلهم محلّ اقتداء الأمّة بهم وهي الإسلام والعلم والعدالة، فأهل العلم العدول: من أولي الأمر بذاتهم لأنّ صفة العلم لا تحتاج إلى ولاية، بل هي صفة قائمة بأربابها الذين اشتهروا بين الأمّة بها، لما جرب من علمهم وإتقانهم في الفتوى والتعليم، قال مالك: (أولو الأمر: أهل القرآن والعلم) يعني أهل العلم بالقرآن والاجتهاد، فأولو الأمر هنا هم من عدا الرسول من الخليفة إلى والي الحسبة، ومن قواد الجيوش ومن فقهاء الصحابة والمجتهدين إلى أهل العلم في الأزمنة المتأخّرة، وأولو الأمر هم الذين يطلق عليهم أيضا أهل الحلّ والعقد.

6. إنّما أمر بذلك بعد الأمر بالعدل وأداء الأمانة لأنّ هذين الأمرين قوام نظام الأمّة وهو تناصح الأمراء والرعية وانبثاث الثقة بينهم، ولمّا كانت الحوادث لا تخلو من حدوث الخلاف بين الرعيّة، وبينهم وبين ولاة أمورهم، أرشدهم الله إلى طريقة فصل الخلاف بالردّ إلى الله وإلى الرسول، ومعنى الردّ إلى الله الردّ إلى كتابه، كما دلّ على ذلك قوله في نظيره‏ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: 104]، ومعنى الردّ إلى الرسول إنهاء الأمور إليه في حياته وحضرته، كما دلّ عليه قوله في نظيره‏ ﴿إِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء: 83] فأمّا بعد وفاته أو في غيبته، فالردّ إليه الرجوع إلى أقواله وأفعاله، والاحتذاء بسنّته، روى أبو داود عن أبي رافع عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: لا ألفينّ أحدكم متّكئا على أريكته يأتيه الأمر ممّا أمرت به أو نهيت عنه فيقول: لا ندري، ما وجدنا في كتاب الله اتّبعناه)، وفي روايته عن العرباض ابن سارية أنه سمع رسول الله يخطب يقول: (أيحسب أحدكم وهو متّكئ على أريكته وقد يظنّ أنّ الله لم يحرّم شيئا إلّا ما في هذا القرآن ألا وإنّي والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنّها لمثل القرآن أو أكثر)، وأخرجه الترمذي من حديث المقدام‏، وعرض الحوادث على مقياس تصرّفاته والصريح من سنّته.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/165.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. إذ كان العدل، وجبت الطاعة لولى الأمر مقرونة بطاعة الله تعالى وطاعة رسوله؛ لأنها مشتقة من طاعتهما، ولذا قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

2. طاعة الله وطاعة رسوله متلازمتان، فمن يطع الرسول فقد أطاع الله، فإطاعة الرسول إطاعة لله، وإطاعة الله إطاعة للرسول أو تقتضيها، فقد قال الله تعالى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ [الحشر]

3. أولو الأمر هم الذين بيدهم الحل والعقد وبيدهم مقاليد الأمة التي يقومون على رعاية مصالحها وشئونها وإرشادها وتوجيهها، وقد قال بعض الحكام إنهم الفقهاء والذين يستطيعون استنباط الأحكام، ولكن الأكثرين على أن ولاة الأمر هم الحكام وأهل الحل والعقد، ونلاحظ هنا أمرين:

أ. أحدهما: أن القرآن الكريم يصرح بأن ولاة الأمر الذين تجب طاعتهم يجب أن يكونوا من المؤمنين، ولذلك يقول سبحانه (منكم)، فلا طاعة مطلقا لمن يغلبون على شؤون المسلمين ممن ليسوا من أهل الإيمان، فأولئك المنحرفون من بعض أهل الهوى الذين يزعمون أنهم مسلمون، ويزعمون أن الإنجليز أيام حكمهم كانوا من ولاة الأمور الذين يوجب النص طاعتهم ـ قد ضلوا ضلالا بعيدا، وهم بهذا وبغيره خارجون عن حكم الإسلام.

ب. ثانيهما: أن الله قرن طاعة أولى الأمر بطاعة الله ورسوله، فوجب أن تكون طاعتهما من جنس طاعة الله تعالى ورسوله، بأن تكون في سبيل العدل، ولا تخرج عن حدوده.

4. باقتران هذه الآية بالآية السابقة يستبين أن ولاة الأمر الذين تجب طاعتهم هم العادلون؛ لأن الأولى أوجبت العدل، والثانية أمرت بالطاعة، فلو كانوا غير عدول لكانت الطاعة مسايرة لهم على الظلم، وقد نهينا عنه، ولقد قال الزمخشري في هذا المقام ما نصه: (المراد (بأولى الأمر منكم) أمراء الحق، لأن أمراء الجور ـ الله ورسوله بريئان منهم ـ فلا يعطفون على الله ورسوله في وجوب الطاعة لهم، وإنما يجمع بين الله ورسوله والأمراء الموافقين لهما في إيثار العدل، واختيار الحق، والأمر بهما، والنهى عن أضدادهما، كالخلفاء الأربعة، وكان الخلفاء يقولون: أطيعونى ما عدلت فيكم، فإن خالفت فلا طاعة لي عليكم، وعن أبى حازم أن سلمة بن عبد الملك قال: ألستم أمرتم بطاعتنا في قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: أليس قد نزعت عنكم إذا خالفتم الحق بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، وعن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: (من أطاعنى فقد أطاع الله، ومن عصانى فقد عصى الله، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى، ومن عصى أميرى فقد عصانى)

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1728.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. كثر الكلام والنقاش حول المراد من أولي الأمر، وما يعتبر فيهم من صفات، كما تشبث بها الحكام الأدعياء على وجوب اطاعتهم، أو السكوت عنهم ـ على‏ الأقل ـ وأيضا استدلّ بها جماعة من الفقهاء على أن مصادر الشريعة وأصولها تنحصر بأربعة، وهي: كتاب الله لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، والسنة النبوية لقوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، والإجماع لقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، والقياس لقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، حيث زعموا ان المعنى قيسوا ما لا نص فيه على نظيره الذي فيه نص من الكتاب والسنة، ويأتي البيان عن ذلك.

2. لا خلاف في ان الكتاب والسنة هما الأصلان الأساسيان للتشريع، أما الإجماع والقياس فقد اختلفوا في حجيتهما، وفي دلالة الآية عليهما، وفيما يلي نعرض الجهات التي تضمنتها الآية، والآراء التي قبلت حولها.

3. لا يختلف اثنان من المسلمين في أن اطاعة الله والرسول انما تكون بالعمل بكتاب الله وسنة نبيه، وانهما وسيلتان للتعبير عن شيء واحد، ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾، ﴿وَما يَنْطِقُ عَنِ الْهَوى‏ إِنْ هُوَإِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏﴾، ومن هنا اتفق المسلمون قولا واحدا على رفض كل ما ينسب الى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا تنافى مع مبدأ من مبادئ القرآن وحكم من أحكامه.

4. سؤال وإشكال: لماذا كرر لفظ الاطاعة عند ذكر الرسول، ولم يكررها عند ذكر أولي الأمر؟ والجواب: للتنبيه على ان اطاعة الرسول أصل بذاته، تماما كإطاعة الله، ومن هنا كان قول كل منهما مصدرا من مصادر الشريعة، وليس كذلك اطاعة أولي الأمر.. انها فرع وتبع لاطاعة الله والرسول، ان اولي الأمر رواة عن الرسول.

5. لفظ (منكم) يدل بوضوح على ان حاكم المسلمين يجب أن يكون منهم، ولا يجوز إطلاقا ان يكون من غيرهم، ويؤيد ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾

6. اختلفوا في المراد من أولي الأمر بعد اتفاقهم على شرط الإسلام، فمن قائل: انهم الخلفاء الأربعة، وقائل: انهم قادة الجيش، وقال ثالث: هم علماء الدين، وقال الشيخ محمد عبده: هم الأمراء والحكام والعلماء ورؤساء الجند، وسائر الزعماء الذين يرجع اليهم الناس في الحاجات والمصالح، فإذا اتفق‏ هؤلاء على أمر وجب أن يطاعوا فيه بشرط أن يكونوا أمناء وألا يخالفوا أمر الله، ولا سنة رسوله، وأن يكونوا مختارين في بحثهم في الأمر واتفاقهم عليه.

7. قال الشيعة الإمامية: ان الله سبحانه عطف بالواو اطاعة أولي الأمر على اطاعة الرسول بدون قيد، والعطف بالواو يقتضي الجمع والمشاركة في الحكم، ومعنى هذا ان اطاعة أولي الأمر هي اطاعة الرسول، وان أمرهم هو أمره، وليس من شك ان هذه المرتبة السامية لا تكون الا لمن اتصف بما يؤهله لهذا الطاعة، ولا شيء يؤهله لها الا العصمة عن الخطأ والمعصية، فهي وحدها التي تجعل طاعته وطاعة الرسول سواء، وقد اعترف الرازي بفكرة العصمة صراحة، وقال: (ان أولي الأمر الذين تجب اطاعتهم لا بد أن يكونوا معصومين)، والرازي ـ كما هو معروف ـ من كبار علماء السنة وفلاسفتهم ومفسريهم، وهذا ما قاله بالحرف: (اعلم ان قوله (أولي الأمر) يدل عندنا على ان اجماع الأمة حجة، والدليل على ذلك ان الله تعالى أمر بالطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بطاعته لا بد أن يكون معصوما عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ، كان بتقدير اقدامه على الخطأ مع ان الله قد أمر بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل الخطأ، مع العلم بأن متابعة المخطئ منهي عنها، فثبت ان المقصود من أولي الأمر المذكورين في الآية لا بد أن يكون معصوما)، وهذا عين ما قاله الشيعة في تفسير هذه الآية، والخلاف بينهم وبين السنة في التطبيق وتعيين المعصوم، فالسنة يقولون: العصمة للأمة، وفسروا الأمة بأهل الحل والعقد، وقال كثير منهم: يكفي بعض أهل الحل والعقد.. وقال الشيعة: ان المراد بأولي الأمر أهل البيت، وهم المعصومون والمطهرون من الرجس والدنس، ففكرة العصمة ـ اذن ـ ليست خاصة بالشيعة، ولم يتفردوا بالقول بها، بل هي عند السنة، كما هي عند الشيعة، والفرق انما هو في التطبيق وتعيين المعصوم، كما قلنا، فالحملة على الشيعة من أجل القول بالعصمة، دون غيرهم، لا مبرر لها الا التعصب، وبث روح الشقاق والتفرقة.

8. استدل الشيعة على عصمة أهل البيت بأن العصمة منحة إلهية يختص الله بها من ارتضى من عباده، ومحال أن تحصل العصمة بالاكتساب، مهما اجتهد الإنسان، وجاهد، كما هو شأن سائر الصفات، كالعدالة والايمان، وما اليهما، وعليه ينحصر الطريق الى معرفة العصمة بالوحي فقط، وقد ثبت النص كتابا وسنة على عصمة أهل البيت عليه السلام، من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، ومن ذلك قول الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع عليا فقد أطاعني، ومن عصى عليا فقد عصاني)، رواه الحاكم في المستدرك وقال: هذا حديث صحيح، وصححه أيضا الذهبي في تلخيص المستدرك، وفي الكتاب المذكور قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: علي مع القرآن، والقرآن مع علي لن يفترقا، حتى يردا علي الحوض، وروى الترمذي في مسنده والحاكم في مستدركه وابن حجر في صواعقه عن الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم انه قال: (اللهم أدر الحق مع علي كيف دار)، وأيضا روى الامام ابن حنبل والترمذي والحاكم وابن حجر قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (اني قد تركت فيكم ما ان تمسكتم به لن تضلوا بعدي الثقلين: كتاب الله وعترتي أهل بيتي)، واشتهر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: (انما مثل أهل بيتي فيكم كسفينة نوح من ركبها نجا).. الى عشرات الأحاديث، وكلها مدوّنة في كتب السنة وصحاحهم، ومروية بأسانيدهم، وقد جمعها ووضع لها علماء الشيعة مؤلفات خاصة في القديم والحديث، فمن القديم كتاب الشافي للشريف المرتضى، وتلخيصه للشيخ الطوسي، ونهج الحق للعلامة الحلي، ومن الحديث المجلد الثالث من أعيان الشيعة للسيد محسن الأمين، ودلائل الصدق للشيخ المظفر، والمراجعات لشرف الدين.

9. بالإجمال ان الشيعة والسنة يؤمنون معا بالعصمة كمبدأ وأيضا يتفق الشيعة وأكثر السنة، أو الكثير منهم على ان أولي المذكورين في الآية معصومون، وأيضا يتفقون على ان الدليل على عصمتهم ان الله أوجب اطاعتهم، تماما كما أوجب اطاعة الله والرسول، ولكن السنة والشيعة يختلفون في المراد من أولي الأمر المعصومين: هل هم أهل الحل والعقد، أو هم أهل البيت عليه السلام؟ قال السنة: هم أهل الحل والعقد، وقال الشيعة: هم أهل البيت، لأن العصمة منحة إلهية لا تعرف الا بالنص من الله والرسول، وقد ثبت النص عنهما على عصمة أهل البيت، اذن يكون المراد بأولي الأمر أهل البيت دون غيرهم.

10. بتعبير ثان ان أولي الأمر في الآية معصومون لوجوب اطاعتهم، لأن من وجبت اطاعته فهو معصوم.. وأيضا ثبتت عصمة أهل البيت بالنص، ولم تثبت عصمة غيرهم، ومن ثبتت عصمته فهو واجب الطاعة، فالنتيجة الحتمية ان أولي الأمر هم أهل البيت، وان أهل البيت هم أولو الأمر دون غيرهم.. ومثل ذلك أن يقول لك قائل: استمع للناصح الأمين، ولا ناصح أمين الا زيد، فالنتيجة استمع لزيد.

11. مما استدلّ به الشيعة على عدم جواز الرجوع الى أهل الحل والعقد في الأمور الدينية ـ قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وقوله: ﴿وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُونَ﴾، ومعنى هذا ان الحق لا يعرف بالناس قلّوا أو كثروا، وإنما تعرف الناس بالحق الذي يؤخذ من كتاب الله، وسنة نبيه، وحكم العقل البديهي الذي لا يختلف فيه اثنان.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/358.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ لما فرغ من الندب إلى عبادة الله وحده لا شريك له وبث الإحسان بين طبقات المؤمنين وذم من يعيب هذا الطريق المحمود أو صد عنه صدودا عاد إلى أصل المقصود بلسان آخر يتفرع عليه فروع أخر، بها يستحكم أساس المجتمع الإسلامي وهو التحضيض والترغيب في أخذهم بالائتلاف والاتفاق، ورفع كل تنازع واقع بالرد إلى الله ورسوله.

2. لا ينبغي أن يرتاب في أن قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، جملة سيقت تمهيدا وتوطئة للأمر برد الأمر إلى الله ورسوله عند ظهور التنازع، وإن كان مضمون الجملة أساس جميع الشرائع والأحكام الإلهية، فإن ذلك ظاهر تفريع قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ثم العود بعد العود إلى هذا المعنى بقوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾

3. لا ينبغي أن يرتاب في أن الله سبحانه لا يريد بإطاعته إلا إطاعته في ما يوحيه إلينا من طريق رسوله من المعارف والشرائع، وأما رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم فله حيثيتان:

أ. إحداهما: حيثية التشريع بما يوحيه إليه ربه من غير كتاب، وهو ما يبينه للناس من تفاصيل ما يشتمل على إجماله الكتاب وما يتعلق ويرتبط بها كما قال تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾:.

ب. الثانية: ما يراه من صواب الرأي وهو الذي يرتبط بولايته الحكومة والقضاء قال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾:، وهذا هو الرأي الذي كان يحكم به على ظواهر قوانين القضاء بين الناس، وهو الذي كان صلّى الله عليه وآله وسلّم يحكم به في عزائم الأمور، وكان الله سبحانه أمره في اتخاذ الرأي بالمشاورة فقال: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: آل عمران 159، فأشركهم به في المشاورة ووحده في العزم.

4. إذا عرفت هذا علمت أن لإطاعة الرسول معنى ولإطاعة الله سبحانه معنى آخر وإن كان إطاعة الرسول إطاعة لله بالحقيقة لأن الله هو المشرع لوجوب إطاعته كما قال ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فعلى الناس أن يطيعوا الرسول فيما يبينه بالوحي، وفيما يراه من الرأي، وهذا المعنى (والله أعلم) هو الموجب لتكرار الأمر بالطاعة في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، لا ما ذكره المفسرون: أن التكرار للتأكيد فإن القصد لو كان متعلقا بالتأكيد كان ترك التكرار كما لو قيل: وأطيعوا الله والرسول أدل عليه وأقرب منه فإنه كان يفيد أن إطاعة الرسول عين إطاعة الله سبحانه وأن الإطاعتين واحدة، وما كل تكرار يفيد التأكيد.

5. أما أولوا الأمر فهم ـ كائنين من كانوا ـ لا نصيب لهم من الوحي، وإنما شأنهم الرأي الذي يستصوبونه فلهم افتراض الطاعة نظير ما للرسول في رأيهم وقولهم، ولذلك لما ذكر وجوب الرد والتسليم عند المشاجرة لم يذكرهم بل خص الله والرسول فقال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وذلك أن المخاطبين بهذا الرد هم المؤمنون المخاطبون بقوله في صدر الآية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، والتنازع تنازعهم بلا ريب، ولا يجوز أن يفرض تنازعهم مع أولي الأمر مع افتراض طاعتهم بل هذا التنازع هو ما يقع بين المؤمنين أنفسهم، وليس في أمر الرأي بل من حيث حكم الله في القضية المتنازع فيها بقرينة الآيات التالية الذامة لمن يرجع إلى حكم الطاغوت دون حكم الله ورسوله، وهذا الحكم يجب الرجوع فيه إلى أحكام الدين المبينة المقررة في الكتاب والسنة، والكتاب والسنة حجتان قاطعتان في الأمر لمن يسعه فهم الحكم منهما، وقول أولي الأمر في أن الكتاب والسنة يحكمان بكذا أيضا حجة قاطعة فإن الآية تقرر افتراض الطاعة من غير أي قيد أو شرط، والجميع راجع بالآخرة إلى الكتاب والسنة.

6. ومن هنا يظهر أن ليس لأولي الأمر هؤلاء ـ كائنين من كانوا ـ أن يضعوا حكما جديدا، ولا أن ينسخوا حكما ثابتا في الكتاب والسنة، وإلا لم يكن لوجوب إرجاع موارد التنازع إلى الكتاب والسنة والرد إلى الله والرسول معنى على ما يدل عليه قوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا﴾:، فقضاء الله هو التشريع وقضاء رسوله إما ذلك وإما الأعم، وإنما الذي لهم أن يروا رأيهم في موارد نفوذ الولاية، وأن يكشفوا عن حكم الله ورسوله في القضايا والموضوعات العامة.

7. وبالجملة لما لم يكن لأولي الأمر هؤلاء خيرة في الشرائع، ولا عندهم إلا ما لله ورسوله من الحكم أعني الكتاب والسنة لم يذكرهم الله سبحانه ثانيا عند ذكر الرد بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، فلله تعالى إطاعة واحدة، وللرسول وأولي الأمر إطاعة واحدة، ولذلك قال ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

8. ولا ينبغي أن يرتاب في أن هذه الإطاعة المأمور بها في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾، إطاعة مطلقة غير مشروطة بشرط، ولا مقيدة بقيد وهو الدليل على أن الرسول لا يأمر بشيء، ولا ينهى عن شيء يخالف حكم الله في الواقعة وإلا كان فرض طاعته تناقضا منه تعالى وتقدس ولا يتم ذلك إلا بعصمة فيه صلّى الله عليه وآله وسلّم.

9. وهذا الكلام بعينه جار في أولي الأمر غير أن وجود قوة العصمة في الرسول لما قامت عليه الحجج من جهة العقل والنقل في حد نفسه من غير جهة هذه الآية دون أولي‏ الأمر ظاهرا أمكن أن يتوهم متوهم أن أولي الأمر هؤلاء لا يجب فيهم العصمة ولا يتوقف عليها الآية في استقامة معناها.

10. بيان ذلك أن الذي تقرره الآية حكم مجعول لمصلحة الأمة يحفظ به مجتمع المسلمين من تسرب الخلاف والتشتت فيهم وشق عصاهم فلا يزيد على الولاية المعهودة بين الأمم والمجتمعات، تعطي للواحد من الإنسان افتراض الطاعة ونفوذ الكلمة، وهم يعلمون أنه ربما يعصي وربما يغلط في حكمه، لكن إذا علم بمخالفته القانون في حكمه لا يطاع فيه، وينبه فيما أخطأ، وفيما يحتمل خطؤه ينفذ حكمه وإن كان مخطئا في الواقع ولا يبالي بخطئه فإن مصلحة حفظ وحدة المجتمع والتحرز من تشتت الكلمة مصلحة يتدارك بها أمثال هذه الأغلاط والاشتباهات، وهذا حال أولي الأمر الواقع في الآية في افتراض طاعتهم فرض الله طاعتهم، على المؤمنين فإن أمروا بما يخالف الكتاب والسنة فلا يجوز ذلك منهم ولا ينفذ حكمهم‏ لقول رسول الله ص: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)

11. وقد روى هذا المعنى الفريقان وبه يقيد إطلاق الآية، وأما الخطأ والغلط فإن علم به رد إلى الحق وهو حكم الكتاب والسنة، وإن احتمل خطؤه نفذ فيه حكمه كما فيما علم عدم خطإه، ولا بأس بوجوب القبول وافتراض الطاعة فيما يخالف الواقع هذا النوع لأن مصلحة حفظ الوحدة في الأمة وبقاء السؤدد والأبهة تتدارك بها هذه المخالفة، ويعود إلى مثل ما تقرر في أصول الفقه من حجية الطرق الظاهرية مع بقاء الأحكام الواقعية على حالها، وعند مخالفة مؤداها للواقع تتدارك المفسدة اللازمة بمصلحة الطريق.

12. وبالجملة طاعة أولي الأمر مفترضة وإن كانوا غير معصومين يجوز عليهم الفسق والخطأ فإن فسقوا فلا طاعة لهم، وإن أخطئوا ردوا إلى الكتاب والسنة إن علم منهم ذلك، ونفذ حكمهم فيما لم يعلم ذلك، ولا بأس بإنفاذ ما يخالف حكم الله في الواقع دون الظاهر رعاية لمصلحة الإسلام والمسلمين، وحفظا لوحدة الكلمة.

13. وأنت بالتأمل فيما قدمناه من البيان تعرف سقوط هذه الشبهة من أصلها، وذلك أن هذا التقريب من الممكن أن نساعده في تقييد إطلاق الآية في صورة الفسق بما ذكر من قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق) وما يؤدي هذا المعنى من الآيات القرآنية كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾، وما في هذا المعنى من الآيات.

14. وكذا من الممكن بل الواقع أن يجعل شرعا نظير هذه الحجية الظاهرية المذكورة كفرض طاعة أمراء السرايا الذين كان ينصبهم عليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكذا الحكام الذين كان يوليهم على البلاد كمكة واليمن أو يخلفهم بالمدينة إذا خرج إلى غزاة، وكحجية قول المجتهد على مقلده وهكذا لكنه لا يوجب تقيد الآية فكون مسألة من المسائل صحيحة في نفسه أمر وكونها مدلولا عليها بظاهر آية قرآنية أمر آخر.

15. فالآية تدل على افتراض طاعة أولي الأمر هؤلاء، ولم تقيده بقيد ولا شرط، وليس في الآيات القرآنية ما يقيد الآية في مدلولها حتى يعود معنى قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إلى مثل قولنا: وأطيعوا أولي الأمر منكم فيما لم يأمروا بمعصية أو لم تعلموا بخطئهم فإن أمروكم بمعصية فلا طاعة عليكم، وإن علمتم خطأهم فقوموهم بالرد إلى الكتاب والسنة فما هذا معنى قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، مع أن الله سبحانه أبان ما هو أوضح من هذا القيد فيما هو دون هذه الطاعة المفترضة كقوله في الوالدين: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا﴾ الآية، فما باله لم يظهر شيئا من هذه القيود في آية تشتمل على أس أساس الدين، وإليها تنتهي عامة أعراق السعادة الإنسانية.

16. على أن الآية جمع فيها بين الرسول وأولي الأمر، وذكر لهما معا طاعة واحدة فقال: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ولا يجوز على الرسول أن يأمر بمعصية أو يغلط في حكم فلو جاز شيء من ذلك على أولي الأمر لم يسع إلا أن يذكر القيد الوارد عليهم فلا مناص من أخذ الآية مطلقة من غير أي تقييد، ولازمه اعتبار العصمة في جانب أولي الأمر كما اعتبر في جانب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من غير فرق.

17. ثم إن المراد بالأمر في أولي الأمر هو الشأن الراجع إلى دين المؤمنين المخاطبين بهذا الخطاب أو دنياهم على ما يؤيده قوله تعالى: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾، وقوله في مدح المتقين: ﴿وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ﴾، وإن كان من الجائز بوجه أن يراد بالأمر ما يقابل النهي لكنه بعيد.

18. وقد قيد بقوله: (مِنْكُمْ) وظاهره كونه ظرفا مستقرا أي أولي الأمر كائنين‏ منكم وهو نظير قوله تعالى: ﴿هُوَالَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، وقوله في دعوة إبراهيم: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾، وقوله: ﴿رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي﴾، وبهذا يندفع ما ذكره بعضهم: أن تقييد أولي الأمر بقوله: (مِنْكُمْ) يدل على أن الواحد منهم إنسان عادي مثلنا وهم منا ونحن مؤمنون من غير مزية عصمة إلهية.

19. ثم إن أولي الأمر لما كان اسم جمع يدل على كثرة جمعية في هؤلاء المسمين بأولي الأمر فهذا لا شك فيه لكن يحتمل في بادئ النظر أن يكونوا آحادا يلي الأمر ويتلبس بافتراض الطاعة واحد منهم بعد الواحد فينسب افتراض الطاعة إلى جميعهم بحسب اللفظ، والأخذ بجامع المعنى، كقولنا: صل فرائضك وأطع سادتك وكبراء قومك، ومن عجيب الكلام ما ذكره الرازي: أن هذا المعنى يوجب حمل الجمع على المفرد، وهو خلاف الظاهر، وقد غفل عن أن هذا استعمال شائع في اللغة، والقرآن ملي‏ء به كقوله تعالى: ﴿فَلَا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ﴾، وقوله: ﴿فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ﴾، وقوله: ﴿إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا﴾، وقوله: ﴿وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ﴾، وقوله: ﴿حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ﴾، وقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، إلى غير ذلك من الموارد المختلفة بالإثبات والنفي، والإخبار والإنشاء، والذي هو خلاف الظاهر من حمل الجمع على المفرد هو أن يطلق لفظ الجمع ويراد به واحد من آحاده لا أن يوقع حكم على الجمع بحيث ينحل إلى أحكام متعددة بتعدد الآحاد، كقولنا: أكرم علماء بلدك أي أكرم هذا العالم، وأكرم ذاك العالم، وهكذا.

20. ويحتمل أيضا أن يكون المراد بأولي الأمر ـ هؤلاء الذين هم متعلق افتراض الطاعة ـ الجمع من حيث هو جمع أي الهيئة الحاصلة من عدة معدودة كل واحد منهم من أولي الأمر، وهو أن يكون صاحب نفوذ في الناس، وذا تأثير في أمورهم كرؤساء الجنود والسرايا والعلماء وأولياء الدولة، وسراة القوم، بل كما ذكره في المنار هم أهل الحل والعقد الذين تثق بهم الأمة من العلماء والرؤساء في الجيش والمصالح العامة كالتجارة والصناعات والزراعة وكذا رؤساء العمال والأحزاب، ومديرو الجرائد المحترمة، ورؤساء تحريرها! فهذا معنى كون أولي الأمر هم أهل الحل والعقد، وهم الهيئة الاجتماعية من وجوه الأمة لكن الشأن في تطبيق مضمون تمام الآية على هذا الاحتمال.

21. والآية دالة ـ كما عرفت ـ على عصمة أولي الأمر وقد اضطر إلى قبول ذلك القائلون بهذا المعنى من المفسرين، فهل المتصف بهذه العصمة أفراد هذه الهيئة فيكون كل واحد واحد منهم معصوما فالجميع معصوم إذ ليس المجموع إلا الآحاد؟ لكن من البديهي أن لم يمر بهذه الأمة يوم يجتمع فيه جماعة من أهل الحل والعقد كلهم معصومون على إنفاذ أمر من أمور الأمة ومن المحال أن يأمر الله بشيء لا مصداق له في الخارج، أو أن هذه العصمة ـ وهي صفة حقيقية ـ قائمة بتلك الهيئة قيام الصفة بموصوفها وإن كانت الأجزاء والأفراد غير معصومين بل يجوز عليهم من الشرك والمعصية ما يجوز على سائر أفراد الناس فالرأي الذي يراه الفرد يجوز فيه الخطأ وأن يكون داعيا إلى الضلال والمعصية بخلاف ما إذا رأته الهيئة المذكورة لعصمتها؟ وهذا أيضا محال وكيف يتصور اتصاف موضوع اعتباري بصفة حقيقية أعني اتصاف الهيئة الاجتماعية بالعصمة، أو أن عصمة هذه الهيئة ليست وصفا لأفرادها ولا لنفس الهيئة بل حقيقته أن الله يصون هذه الهيئة أن تأمر بمعصية أو ترى رأيا فتخطئ فيه، كما أن الخبر المتواتر مصون عن الكذب، ومع ذلك ليست هذه العصمة بوصف لكل واحد من المخبرين ولا للهيئة الاجتماعية بل حقيقته أن العادة جارية على امتناع الكذب فيه، وبعبارة أخرى هو تعالى يصون الخبر الذي هذا شأنه عن وقوع الخطإ فيه وتسرب الكذب عليه، فيكون رأي أولي الأمر مما لا يقع فيه الخطأ البتة وإن لم يكن آحادهم ولا هيئتهم متصفة بصفة زائدة بل هو كالخبر المتواتر مصون عن الكذب والخطإ وليكن هذا معنى العصمة في أولي الأمر.

22. والآية لا تدل على أزيد من أن رأيهم غير خابط بل مصيب يوافق الكتاب والسنة، وهو من عناية الله على الأمة، وقد روي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: (لا تجتمع أمتي على خطأ) أما الرواية فهي أجنبية عن المورد فإنها إن صحت فإنما تنفي اجتماع الأمة على خطأ ولا تنفي اجتماع أهل الحل والعقد منهم على خطأ وللأمة معنى ولأهل الحل والعقد معنى آخر، ولا دليل على إرادة معنى الثاني من لفظ الأول، وكذا لا تنفي الخطأ عن اجتماع الأمة بل تنفي الاجتماع على خطأ وبينهما فرق.

23. ويعود معنى الرواية إلى أن الخطأ في مسألة من المسائل لا يستوعب الأمة بل يكون دائما فيهم من هو على الحق: إما كلهم أو بعضهم ولو معصوم واحد، فيوافق ما دل من الآيات والروايات على أن دين الإسلام وملة الحق لا يرتفع من الأرض بل هو باق إلى يوم القيامة، قال تعالى: ﴿فَإِنْ يَكْفُرْ بِهَا هَؤُلَاءِ فَقَدْ وَكَّلْنَا بِهَا قَوْمًا لَيْسُوا بِهَا بِكَافِرِينَ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ وقوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

24. وليس يختص هذا بأمة محمد بل الصحيح من الروايات تدل على خلافه، وهي الروايات الواردة من طرق شتى عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الدالة على افتراق اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على اثنتين وسبعين فرقة، والمسلمين على ثلاث وسبعين فرقة كلهم هالك إلا واحدة، وقد نقلنا الرواية في المبحث الروائي الموضوع في ذيل قوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾

25. وبالجملة لا كلام على متن الرواية إن صح سندها فإنها أجنبية عن مورد الكلام، وإنما الكلام في معنى عصمة أهل الحل والعقد من الأمة لو كان هو المراد بقوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، ما هو العامل الموجب لعصمة أهل الحل والعقد من المسلمين فيما يرونه من الرأي؟

26. هذه العصابة التي شأنها الحل والعقد في الأمور غير مختصة بالأمة المسلمة بل كل أمة من الأمم العظام بل الأمم الصغيرة بل القبائل والعشائر لا تفقد عدة من أفرادها لهم مكانة في مجتمعهم ذات قوة وتأثير في الأمور العامة، وأنت إذا فحصت التاريخ في الحوادث الماضية وما في عصرنا من الأمم والأجيال وجدت موارد كثيرة اجتمعت أهل الحل والعقد منهم في مهام الأمور وعزائمها على رأي استصوبوه ثم عقبوه بالعمل، فربما أصابوا وربما أخطئوا، فالخطأ وإن كان في الآراء الفردية أكثر منه في الآراء الاجتماعية لكن الآراء الاجتماعية ليست بحيث لا تقبل الخطأ أصلا فهذا التاريخ وهذه المشاهدة يشهدان منه على مصاديق وموارد كثيرة جدا: فلو كان الرأي الاجتماعي من أهل الحل والعقد في الإسلام مصونا عن الخطإ فإنما هو بعامل ليس من سنخ العوامل العادية بل عامل من سنخ العوامل المعجزة الخارقة للعادة، ويكون حينئذ كرامة باهرة تختص بها هذه الأمة تقيم صلبهم، وتحفظ حماهم وتقيهم من كل شر يدب في جماعتهم ووحدتهم وبالآخرة سببا معجزا إلهيا يتلو القرآن الكريم، ويعيش ما عاش القرآن، نسبته إلى حياة الأمة العملية نسبة القرآن إلى حياتهم العلمية فكان من اللازم أن يبين القرآن حدوده وسعة دائرته، ويمتن الله به كما أمتن بالقرآن وبمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويبين لهذه العصابة وظيفتهم الاجتماعية كما بين لنبيه ذلك، وأن يوصي به النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أمته، ولا سيما أصحابه الكرام وهم الذين صاروا بعده أهلا للحل والعقد، وتقلدوا ولاية أمور الأمة، وأن يبين أن هذه العصابة المسماة بأولي الأمر ما حقيقتها، وما حدها وما سعة دائرة عملها، وهل يتشكل هيئة حاكمة واحدة على جميع المسلمين في الأمور العامة لجميع الأمة الإسلامية؟ أو تنعقد في كل جمعية إسلامية جمعية أولي الأمر فيحكم في نفوسهم وأعراضهم وأموالهم؟.

27. ولكان من اللازم أن يهتم به المسلمون ولا سيما الصحابة فيسألوا عنه ويبحثوا فيه، وقد سألوا عن أشياء لا قدر لها بالنسبة إلى هذه المهمة كالأهلة، وما ذا ينفقون، والأنفال قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ﴾ و﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ﴾ و﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ﴾ فما بالهم لم يسألوا؟ أو أنهم سألوا ثم لعبت به الأيدي فخفي علينا؟ فليس الأمر مما يخالف هوى أكثرية الأمة الجارية على هذه الطريقة حتى يقضوا عليه بالإعراض فالترك حتى ينسى.

28. ولكان من الواجب أن يحتج به في الاختلافات والفتن الواقعة بعد ارتحال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حينا بعد حين، فما لهذه الحقيقة لا توجد لها عين ولا أثر في احتجاجاتهم ومناظراتهم، وقد ضبطها النقلة بكلماتها وحروفها، ولا توجد في خطاب ولا كتاب؟ ولم تظهر بين قدماء المفسرين من الصحابة والتابعين حتى ذهب إليه شرذمة من المتأخرين: الرازي وبعض من بعده!.

29. حتى أن الرازي أورد على هذا الوجه بعد ذكره: بأنه مخالف للإجماع المركب فإن الأقوال في معنى أولي الأمر لا تجاوز أربعة: الخلفاء الأربعة، وأمراء السرايا، والعلماء والأئمة المعصومون، فالقول الخامس خرق للإجماع، ثم أجاب بأنه في الحقيقة راجع إلى القول الثالث فأفسد على نفسه ما كان أصلحه فهذا كله يقضي بأن الأمر لم يكن بهذه المثابة، ولم يفهم منه أنه عطية شريفة وموهبة عزيزة من معجزات الإسلام وكراماته الخارقة لأهل الحل والعقد من المسلمين.

30. أو يقال: إن هذه العصمة لا تنتهي إلى عامل خارق للعادة بل الإسلام بنى تربيته العامة على أصول دقيقة تنتج هذه النتيجة: أن أهل الحل والعقد من الأمة لا يغلطون فيما اجتمعوا عليه، ولا يعرضهم الخطأ فيما رأوه.

31. وهذا الاحتمال مع كونه باطلا من جهة منافاته للناموس العام وهو أن إدراك الكل هو مجموع إدراكات الأبعاض، وإذا جاز الخطأ على كل واحد واحد جاز على الكل يرد عليه أن رأي أولي الأمر بهذا المعنى لو اعتمد في صحته وعصمته على مثل هذا العامل غير المغلوب لم يتخلف عن أثره فإلى أين تنتهي هذه الأباطيل والفسادات التي ملأت العالم الإسلامي؟.

32. وكم من منتدى إسلامي بعد رحلة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم اجتمع فيه أهل الحل والعقد من المسلمين على ما اجتمعوا عليه ثم سلكوا طريقا يهديهم إليه رأيهم فلم يزيدوا إلا ضلالا ولم يزد إسعادهم المسلمين إلا شقاء ولم يمكث الاجتماع الديني بعد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم دون أن عاد إلى إمبراطورية ظالمة حاطمة! فليبحث الباحث الناقد في الفتن الناشئة منذ قبض رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وما استتبعته من دماء مسفوكة، وأعراض مهتوكة، وأموال منهوبة، وأحكام عطلت وحدود أبطلت! ثم ليبحث في منشئها ومحتدها، وأصولها وأعراقها هل تنتهي الأسباب العاملة فيها إلا إلى ما رأته أهل الحل والعقد من الأمة ثم حملوا ما رأوه على أكتاف الناس؟.

33. فهذا حال هذا الركن الركين الذي يعتمد عليه بناية الدين أعني رأي أهل الحل والعقد لو كان هو المراد بأولي الأمر المعصومين في رأيهم، فلا مناص على القول بأن المراد بأولي الأمر أهل الحل والعقد من أن نقول بجواز خطئهم وإنهم على حد سائر الناس يصيبون ويخطئون غير أنهم لما كانوا عصابة فاضلة خبيرة بالأمور مدربين مجربين يقل خطؤهم جدا، وأن الأمر بوجوب طاعتهم مع كونهم ربما يغلطون ويخطئون من باب المسامحة في موارد الخطإ نظرا إلى المصلحة الغالبة في مداخلتهم فلو حكموا بما يغاير حكم الكتاب والسنة، ويطابق ما شخصوه من مصلحة الأمة بتفسير حكم من أحكام الدين بغير ما كان يفسر سابقا أو تغيير حكم بما يوافق صلاح الوقت أو طبع الأمة أو وضع حاضر الدنيا كان هو المتبع، وهو الذي يرتضيه الدين لأنه لا يريد إلا سعادة المجتمع ورقية في اجتماعه كما هو الظاهر المتراءى من سير الحكومات الإسلامية في صدر الإسلام ومن دونهم فلم يمنع حكم من الأحكام الدائرة في زمن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولم يقض على سيرة من سيره وسننه إلا علل ذلك بأن الحكم السابق يزاحم حقا من حقوق الأمة، وأن صلاح حال الأمة في إنفاذ حكم جديد يصلح شأنهم، أو سن سنة حديثة توافق آمالهم في سعادة الحياة، وقد صرح بعض الباحثين‏ أن الخليفة له أن يعمل بما يخالف صريح الدين حفظا لصلاح الأمة.

34. وعلى هذا فيكون حال الملة الإسلامية حال سائر المجتمعات الفاضلة المدنية في أن فيها جمعية منتخبة تحكم على قوانين المجتمع على حسب ما تراه وتشاهده من مقتضيات الأحوال، وموجبات الأوضاع، وهذا الوجه أو القول ـ كما ترى ـ قول من يرى أن الدين سنة اجتماعية سبكت في قالب الدين، وظهرت في صورته فهو محكوم بما يحكم على متون الاجتماعات البشرية وهياكلها بالتطور في أطوار الكمال التدريجي، ومثال عال لا ينطبق إلا على حياة الإنسان الذي كان يعيش في عصر النبوة وما يقاربه، فهي حلقة متقضية من حلق هذه السلسلة المسماة بالمجتمع الإنساني لا ينبغي أن يبحث عنها اليوم إلا كما يبحث علماء طبقات الأرض (الجيولوجيا) عن السلع المستخرجة من تحت أطباق الأرض.

35. والذي يذهب إلى مثل هذا القول لا كلام لنا معه في هذه الآية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الآية، فإن القول يبتني على أصل مؤثر في جميع الأصول والسنن المأثورة من الدين من معارف أصلية ونواميس أخلاقية وأحكام فرعية ولو حمل على هذا ما وقع من الصحابة في زمن النبي وفي مرض موته ثم الاختلافات التي صدرت منهم وما وقع من تصرف الخلفاء في بعض الأحكام وبعض سير النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ثم في زمن معاوية ومن تلاه من الأمويين ثم العباسيين ثم الذين يلونهم والجميع أمور متشابهة أنتج نتيجة باهتة.

36. ومن أعجب الكلام المتعلق بهذه الآية ما ذكره بعض المؤلفين أن قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ لا يدل على شيء مما ذكره المفسرون على اختلاف أقوالهم:

أ. أما أولا فلأن فرض طاعة أولي الأمر كائنين من كانوا لا يدل على فضل ومزية لهم على غيرهم أصلا كما أن طاعة الجبابرة والظلام واجبة علينا في حال الاضطرار اتقاء من شرهم، ولن يكونوا بذلك أفضل منا عند الله سبحانه.

ب. وأما ثانيا فلأن الحكم المذكور في الآية لا يزيد على سائر الأحكام التي تتوقف فعليتها على تحقق موضوعاتها نظير وجوب الإنفاق على الفقير وحرمة إعانة الظالم فليس يجب علينا أن نوجد فقيرا حتى ننفق عليه أو ظالما حتى لا نعينه.

37. الوجهان اللذان ذكرهما ظاهرا الفساد، مضافا إلى أن هذا القائل قدر أن المراد بأولي الأمر في الآية الحكام والسلاطين وقد تبين فساد هذا الاحتمال:

أ. أما الوجه الأول فلأنه غفل عن أن القرآن مملوء من النهي عن طاعة الظالمين والمسرفين والكافرين، ومن المحال أن يأمر الله مع ذلك بطاعتهم ثم يزيد على ذلك فيقرن طاعتهم بطاعة نفسه ورسوله، ولو فرض كون هذه الطاعة طاعة تقية لعبر عنها بإذن ونحو ذلك كما قال تعالى: ﴿إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً﴾:، لا بالأمر بطاعتهم صريحا حتى يستلزم كل محذور شنيع.

ب. وأما الوجه الثاني فهو مبني على الوجه الأول من معنى الآية أما لو فرض افتراض طاعتهم لكونهم ذا شأن في الدين كانوا معصومين لما تقدم تفصيلا، ومحال أن يأمر الله بطاعة من لا مصداق له، أو له مصداق اتفاقي في آية تتضمن أس أساس المصالح الدينية وحكما لا يستقيم بدونه حال المجتمع الإسلامي أصلا، وقد عرفت أن الحاجة إلى أولي الأمر عين الحاجة إلى الرسول وهي الحاجة إلى ولاية أمر الأمة وقد تكلمنا فيه في بحث المحكم والمتشابه.

38. ولنرجع إلى أول الكلام في الآية: ظهر لك من جميع ما قدمناه أن لا معنى لحمل قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ على جماعة المجمعين من أهل الحل والعقد، وهي الهيئة الاجتماعية بأي معنى من المعاني فسرناه فليس إلا أن المراد بأولي الأمر آحاد من الأمة معصومون في أقوالهم مفترض طاعتهم فتحتاج معرفتهم إلى تنصيص من جانب الله سبحانه من كلامه أو بلسان نبيه فينطبق على ما روي من طرق أئمة أهل البيت عليه السلام أنهم هم.

39. وأما ما قيل: إن أولي الأمر هم الخلفاء الأربعة أو أمراء السرايا أو العلماء المتبعون في أقوالهم وآرائهم فيدفع ذلك كله:

أ. أولا: أن الآية تدل على عصمتهم ولا عصمة في هؤلاء الطبقات بلا إشكال إلا ما تعتقده طائفة من المسلمين في حق علي عليه السلام.

ب. وثانيا: أن كلا من الأقوال الثلاث قول من غير دليل يدل عليه.

40. أما ما أورد على كون المراد به أئمة أهل البيت المعصومين عليه السلام:

أ. أولا: إن ذلك يحتاج إلى تعريف صريح من الله ورسوله، ولو كان ذلك لم يختلف في أمرهم اثنان بعد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وفيه: أن ذلك منصوص عليه في الكتاب والسنة كآية الولاية وآية التطهير وغير ذلك، وسيأتي بسط الكلام فيها، وكحديث السفينة: (مثل أهل بيتي كمثل سفينة نوح من ركبها نجا، ومن تخلف عنها غرق)، وحديث الثقلين: (إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي ـ ما إن تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي أبدا)، وقد مر في بحث المحكم والمتشابه في الجزء الثالث من الكتاب، وكأحاديث أولي الأمر المروية من طرق الشيعة وأهل السنة، وسيجيء بعضها في البحث الروائي التالي.

ب. وثانيا: أن طاعتهم مشروطة بمعرفتهم فإنها من دون معرفتهم تكليف بما لا يطاق وإذا كانت مشروطة فالآية تدفعه لأنها مطلقة، وفيه: أن الإشكال منقلب على المستشكل فإن الطاعة مشروطة بالمعرفة مطلقا، وإنما الفرق أن أهل الحل والعقد يعرف مصداقهم على قوله من عند أنفسنا من غير حاجة إلى بيان من الله ورسوله، والإمام المعصوم يحتاج معرفته إلى معرف يعرفه، ولا فرق بين الشرط والشرط في منافاته الآية، على أن المعرفة وإن عدت شرطا لكنها ليست من قبيل سائر الشروط فإنها راجعة إلى تحقق بلوغ التكليف فلا تكليف من غير معرفة به وبموضوعه ومتعلقه، وليست راجعة إلى التكليف والمكلف به، ولو كانت المعرفة في عداد سائر الشرائط كالاستطاعة في الحج، ووجدان الماء في الوضوء مثلا لم يوجد تكليف مطلق أبدا إذ لا معنى لتوجه التكليف إلى مكلف سواء علم به أو لم يعلم.

ج. وثالثا: أنا في زماننا هذا عاجزون عن الوصول إلى الإمام المعصوم وتعلم العلم‏ والدين منه، فلا يكون هو الذي فرض الله طاعته على الأمة إذ لا سبيل إليه، وفيه: أن ذلك مستند إلى نفس الأمة في سوء فعالها وخيانتها على نفسها لا إلى الله ورسوله فالتكليف غير مرتفع كما لو قتلت الأمة نبيها ثم اعتذرت أنها لا تقدر على طاعته، على أن الإشكال مقلوب عليه فإنا لا نقدر اليوم على أمة واحدة في الإسلام ينفذ فيها ما استصوبته لها أهل الحل والعقد منها.

د. ورابعا: أن الله تعالى يقول: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ولو كان المراد من أولي الأمر الإمام المعصوم لوجب أن يقال: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الإمام، وفيه: أن جوابه تقدم فيما مر من البيان، والمراد بالرد الرد إلى الإمام بالتقريب الذي تقدم.

هـ. وخامسا: أن القائلين بالإمام المعصوم يقولون: إن فائدة اتباعه إنقاذ الأمة من ظلمة الخلاف، وضرر التنازع والتفرق وظاهر الآية يبين حكم التنازع مع وجود أولي الأمر، وطاعة الأمة لهم كأن يختلف أولو الأمر في حكم بعض النوازل والوقائع، والخلاف والتنازع مع وجود الإمام المعصوم غير جائز عند القائلين به لأنه عندهم مثل الرسول ص فلا يكون لهذا الزيادة فائدة على رأيهم، وفيه: أن جوابه ظاهر مما تقدم أيضا فإن التنازع المذكور في الآية إنما هو تنازع المؤمنين في أحكام الكتاب والسنة دون أحكام الولاية الصادرة عن الإمام في الوقائع والحوادث، وقد تقدم أن لا حكم إلا لله ورسوله فإن تمكن المتنازعون من فهم الحكم من الكتاب والسنة كان لهم أن يستنبطوه منهما، أو يسألوا الإمام عنه وهو معصوم في فهمه، وإن لم يتمكنوا من ذلك كان عليهم أن يسألوا عنه الإمام، وذلك نظير ما كان لمن يعاصر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كانوا يتفقهون فيما يتمكنون منه أو يسألون عنه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويسألونه فيما لا يتمكنون من فهمه بالاستنباط، فحكم أولي الأمر في الطاعة حكم الرسول على ما يدل عليه الآية، وحكم التنازع هو الذي ذكره في الآية سواء في ذلك حضور الرسول كما يدل عليه الآيات التالية، وغيبته كما يدل عليه الأمر في الآية بإطلاقه، فالرد إلى الله والرسول المذكور في الآية مختص بصورة تنازع المؤمنين كما يدل عليه قوله: ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾، ولم يقل: فإن تنازع أولو الأمر، ولا قال فإن تنازعوا، والرد إلى الله والرسول عند حضور الرسول هو سؤال الرسول عن حكم المسألة أو استنباطه من الكتاب والسنة للمتمكن منه، وعند غيبته أن يسأل الإمام عنه أو الاستنباط كما تقدم بيانه، فلا يكون قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ (إلخ) زائدا من الكلام مستغنى عنه كما ادعاه المستشكل.

41. فقد تبين من جميع ما تقدم: أن المراد بأولي الأمر في الآية رجال من الأمة حكم الواحد منهم في العصمة وافتراض الطاعة حكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهذا مع ذلك لا ينافي عموم مفهوم لفظ أولي الأمر بحسب اللغة، وإرادته من اللفظ فإن قصد مفهوم من المفاهيم من اللفظ شيء وإرادة المصداق الذي ينطبق عليه المفهوم شيء آخر، وذلك كما أن مفهوم الرسول معنى عام كلي وهو المراد من اللفظ في الآية لكن المصداق المقصود هو الرسول محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

42. في تفسير البرهان، عن ابن بابويه بإسناده عن جابر بن عبد الله الأنصاري: لما أنزل‏ الله عز وجل على نبيه محمد ص: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قلت: يا رسول الله عرفنا الله ورسوله ـ فمن أولو الأمر الذين قرن الله طاعتهم بطاعتك؟ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: هم خلفائي يا جابر ـ وأئمة المسلمين من بعدي: أولهم علي بن أبي طالب، ثم الحسن، ثم الحسين، ثم علي بن الحسين، ثم محمد بن علي المعروف في التوراة بالباقر ـ ستدركه يا جابر فإذا لقيته فأقرئه مني السلام، ثم الصادق جعفر بن محمد ثم موسى بن جعفر، ثم علي بن موسى، ثم محمد بن علي، ثم علي بن محمد، ثم الحسن بن علي، ثم سميي محمد وكنيي حجة الله في أرضهـ وبقيته في عباده ابن الحسن بن علي ذاك ـ الذي يفتح الله تعالى ذكره على يديه مشارق الأرض ومغاربها، ذاك الذي يغيب عن شيعته وأوليائه غيبة ـ لا يثبت فيه على القول بإمامته ـ إلا من امتحن الله قلبه للإيمان، قال جابر: فقلت له يا رسول الله ـ فهل يقع لشيعته الانتفاع به في غيبته ـ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم إي والذي بعثني بالنبوة ـ إنهم يستضيئون بنوره، وينتفعون بولايته في غيبته كانتفاع الناس بالشمس ـ وإن تجلاها سحاب، يا جابر هذا من مكنون سر الله ـ ومخزون علم الله فاكتمه إلا عن أهله، وعن النعماني بإسناده عن سليم بن قيس الهلالي عن علي عليه السلام ما في معنى الرواية السابقة، ورواها علي بن إبراهيم بإسناده عن سليم عنه عليه السلام، وهناك روايات أخر من طرق الشيعة وأهل السنة، وفيها ذكر إمامتهم بأسمائهم من أراد الوقوف عليها فعليه بالرجوع إلى كتاب ينابيع المودة وكتاب غاية المرام للبحراني وغيرهما.

43. وفي تفسير العياشي، عن جابر الجعفي قال سألت أبا جعفر عليه السلام عن هذه الآية: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: الأوصياء، وفي تفسير العياشي، عن عمر بن سعيد عن أبي الحسن عليه السلام مثله وفيه: علي بن أبي طالب والأوصياء من بعده، وعن ابن شهرآشوب: سأل الحسن بن صالح عن الصادق عليه السلام عن ذلك ـ فقال: الأئمة من أهل بيت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وروى مثله الصدوق عن أبي بصير عن الباقر عليه السلام وفيه: قال الأئمة من ولد علي وفاطمة إلى أن تقوم الساعة.

44. وفي الكافي، بإسناده عن أبي مسروق عن أبي عبد الله عليه السلام قال قلت له: إنا نكلم أهل الكلام ـ فنحتج عليهم بقول الله عز وجل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فيقولون: نزلت في المؤمنين، ونحتج عليهم بقول الله عز وجل: ﴿قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَى﴾ فيقولون: نزلت في قربى المسلمين قال فلم أدع شيئا مما حضرني ذكره من هذا وشبهه إلا ذكرته، فقال لي: إذا كان ذلك فادعهم إلى المباهلة، قلت: وكيف أصنع؟ فقال: أصلح نفسك ثلاثا وأطبه، قال وصم واغتسل وابرز أنت وهو إلى الجبال ـ فتشبك أصابعك من يدك اليمنى في أصابعه ـ ثم أنصفه، وابدأ بنفسك، وقل: اللهم رب السماوات السبع ورب الأرضين السبع ـ عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم ـ إن كان أبو مسروق جحد حقا وادعى باطلا ـ فأنزل عليه حسبانا من السماء وعذابا أليما، ثم رد الدعوة عليه فقل: وإن جحد حقا وادعى باطلا ـ فأنزل عليه حسبانا من السماء وعذابا أليما، ثم قال لي: فإنك لا تلبث أن ترى ذلك فيه، فوالله ما وجدت خلقا يجيبني إليه.

45. وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن عجلان عن أبي جعفر عليه السلام في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ قال: هي في علي وفي الأئمة ـ جعلهم الله مواضع الأنبياء غير أنهم لا يحلون شيئا ولا يحرمونه.. والاستثناء في الرواية هو الذي قدمنا في ذيل الكلام على الآية أنها تدل على أن لا حكم تشريعا إلا لله ورسوله.

46. وفي الكافي، بإسناده عن بريد بن معاوية قال تلا أبو جعفر عليه السلام: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ـ فإن خفتم تنازعا في الأمر ـ فأرجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم، قال كيف يأمر بطاعتهم ويرخص في منازعتهم ـ إنما قال ذلك للمارقين الذين قيل لهم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾.. والرواية لا تدل على أزيد من كون ما تلاه عليه السلام تفسير للآية وبيانا للمراد منها، وقد تقدم في البيان السابق توضيح دلالتها على ذلك، وليس المراد هو القراءة كما ربما يستشعر من قوله: تلا أبو جعفر عليه السلام، ويدل على ذلك اختلاف اللفظ الموجود في الروايات كما في تفسير القمي، بإسناده‏ عن حريز عن أبي عبد الله عليه السلام قال نزلت: (فإن تنازعتم في شيء ـ فأرجعوه إلى الله وإلى الرسول وإلى أولي الأمر منكم)، وما في تفسير العياشي، عن بريد بن معاوية عن أبي جعفر عليه السلام وهو رواية الكافي، السابقة وفي الحديث: ثم قال للناس: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فجمع المؤمنين إلى يوم القيامة ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ إيانا عنى خاصة (فإن خفتم تنازعا في الأمر ـ فارجعوا إلى الله وإلى الرسول وأولي الأمر منكم) هكذا نزلت، وكيف يأمرهم بطاعة أولي الأمر ـ ويرخص لهم في منازعتهم ـ إنما قيل ذلك للمأمورين الذين قيل لهم: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

47. وفي تفسير العياشي،: في رواية أبي بصير عن أبي جعفر عليه السلام قال نزلت (يعني آية ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾، في علي بن أبي طالب عليه السلام ـ قلت له: إن الناس يقولون لنا: فما منعه أن يسمي عليا وأهل بيته في كتابه؟ فقال أبو جعفر عليه السلام: قولوا لهم: إن الله أنزل على رسوله الصلاة ولم يسم ثلاثا ولا أربعا ـ حتى كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الذي فسر ذلك لهم وأنزل الحج ولم ينزل طوفوا أسبوعا ـ حتى فسر ذلك لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والله أنزل: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ تنزلت في علي والحسن والحسين عليه السلام، وقال في علي من كنت مولاه فعلي مولاه، وقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أوصيكم بكتاب الله وأهل بيتي ـ إني سألت الله أن لا يفرق بينهما ـ حتى يوردهما علي الحوض فأعطاني ذلك، وقال: فلا تعلموهم فإنهم أعلم منكم، إنهم لن يخرجوكم من باب هدى، ولن يدخلوكم في باب ضلال، ولو سكت رسول الله ولم يبين أهلها ـ لادعى آل عباس وآل عقيل وآل فلان، ولكن أنزل الله في كتابه: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾ فكان علي والحسن والحسين وفاطمة عليه السلام تأويل هذه الآية، فأخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيد علي وفاطمة والحسن والحسين عليهم السلام ـ فأدخلهم تحت الكساء في بيت أم سلمة ـ وقال: اللهم إن لكل نبي ثقلا وأهلا فهؤلاء ثقلي وأهلي، وقالت أم سلمة: ألست من أهلك؟ قال إنك إلى خير، ولكن هؤلاء ثقلي وأهلي، الحديث.. وروي في الكافي، بإسناده عن أبي بصير عنه عليه السلام مثله مع اختلاف يسير في اللفظ.

48. وفي تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن تفسير مجاهد: أنها نزلت في أمير المؤمنين‏ حين خلفه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمدينة ـ فقال: يا رسول الله أتخلفني على النساء والصبيان؟ فقال: أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؟ حين قال له: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ﴾ فقال الله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ

49. والروايات عن أئمة أهل البيت عليه السلام في المعاني السابقة كثيرة جدا وقد اقتصرنا فيما نقلناه على إيراد نموذج من كل صنف منها، وعلى من يطلبها أن يراجع جوامع الحديث، وأما الذي روي عن قدماء المفسرين فهي ثلاثة أقوال: الخلفاء الأربعة، وأمراء السرايا والعلماء، وما نقل عن الضحاك أنهم أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فهو يرجع إلى القول الثالث فإن اللفظ المنقول منه: أنهم أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هم الدعاة الرواة، وظاهره أنه تعليل بالعلم فيرجع إلى التفسير بالعلماء.

50. نقل في أسباب نزول هذه الآيات أمور كثيرة، وقصص مختلفة شتى لكن التأمل فيها لا يدع ريبا في أنها جميعا من قبيل التطبيق النظري من رواتها، ولذلك تركنا إيرادها لعدم الجدوى في نقلها، وإن شئت تصديق ذلك فعليك بالرجوع‏ إلى الدر المنثور، وتفسير الطبري، وأشباههما.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/388.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ هذا أمر بطاعة الله في كل شيء وطاعته وجبت بها طاعة الرسول وأولي الأمر ولذلك فصل طاعة الرسول وأولي الأمر؛ لأنه لا شركة لهما في الملك، فقال تعالى: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ فطاعة الرسول بأمر الله وهي تبع لرسالته، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَإِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 3 ـ 4] فوجبت طاعته في كل شيء، ولذلك قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ الآية [النور: 63] وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾

2. وأما طاعة ولي الأمر الولاية العامة فهي كذلك بأمر الله، وهو قائم مقام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في إقامة الدين والحكم بالحق والعدل، وهداية الناس، والدعوة إلى الخير، وجهاد الكفار والظالمين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ونحو ذلك مما به صلاح وسعادة الناس في الدنيا والآخرة، وهذه مهمة كبرى، ومسئولية عظمى، لا يتهيأ القيام بها إلا لمن ارتضاه الله واختاره من ورثة كتاب الله الذين دل عليهم القرآن الكريم، والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهي لذلك ولاية شرعية مستمدة من القرآن، فلا ولاية شرعية إلا ما كان مصدره القرآن الكريم، ولا اعتبار للولاية بالوراثة أو الملكية أو ما يسمى بالديمقراطية ونحو ذلك مما صدر عن القوانين الكفرية الواردة من أعداء الإسلام المغايرة لشريعة الله.

3. ولقد عمل الظالمون في الماضي والحاضر على تضليل الناس، ولبس الحق بالباطل من خلال استغلال هذه الآية الكريمة لتثبيت ملكهم، وردع الناس عن مخالفتهم، وإلزام الناس بطاعتهم، فاعتبروا أنهم أولوا الأمر المقصود في هذه الآية، تضليلاً على الناس وغشاً لهم، وكذلك افتروا على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم واختلقوا كثيراً من الأخبار الموجبة لطاعة ولي الأمر حتى وإن كان ظالماً فاسقاً جائراً، وهذا ضلال كبير، وفساد عظيم يتنافى مع القرآن والرسول الكريم صلّى الله عليه وآله وسلّم وحاشا لله أن يريد ذلك، وحاشا لرسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يصدر منه كذلك، والله المستعان.

4. وأما طاعة الأمراء المتولين لولاية خاصة كأمراء السرايا ونحوهم فهي واجبة تبعاً لأمرهم، فلا تجب إلا في حدود أمر الأمير، فمن حيث أن الأمراء كلهم ليس لأحد منهم أن يأمر بمعصية الله أو ينهى عن طاعة الله، بل الواجب عليهم أن يأمروا بالمعروف وينهوا عن المنكر، كما قال تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104] وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41]، فإمرة الأمراء كلهم محدودة بأن يأمروا بالحق وليس لهم أن يأمروا بمعصية، فالأمر بالمعصية خارج عن حدود ولايتهم ولا تجب طاعتهم فيه من حيث هم أمراء بل تجب مخالفتهم طاعة لله ورسوله، وهذا فيمن لم يثبت أنه مع الحق وأنه لا يأمر إلا بالحق فنفس أمره ونهيه دليل على الحق.

5. وأما سائر الأمراء صغارهم وكبارهم فلا أمر بطاعتهم على الإطلاق بل في حدود إمرتهم؛ لأن الحكم معلق عليها، فأمير السرية يطاع في حدود إمرته وذلك فيما يتعلق بالمقصود الذي أرسل له لا في كل شيء وكذلك الأمير على بلد لأعمال مخصوصة تذكر في عهد الوالي الذي ولاّه، فإمرته محدودة بها.

6. وبهذا يظهر: أنه لا يجب في كل صاحب ولاية أن يكون معصوماً، ولا حاجة إلى اشتراط العصمة؛ لأنه ليس مشرعاً ولا طاعة له إن أمر بمعصية، نعم ينبغي في الإمام الأعظم أن يكون الظاهر من حاله لعلمه وورعه وزهده وسعة صدره وقوته على تحمل هذا الأمر أنه لا يتحول في المستقبل إذا تمكن في الأرض وهذا يمكن فيمن كمل اختباره في سفره وحضره ورضاه وغضبه وغير ذلك من أحواله حتى ظهر منه أنه لن يتحول، ومن كان هكذا فالظاهر من حاله العصمة، وعلى هذا: يحمل ما حكي عن أبي العباس الحسني من اشتراط العصمة في الإمام، وأن المراد العصمة في الظاهر، لا اشتراط أن تثبت عصمته بدليل، ومرادنا بالعصمة: التسديد من الله والتوفيق والألطاف، كما قال أمير المؤمنين عليه السلام: (من العصمة تعذر المعاصي)، والمراد ـ أيضاً ـ العصمة عن تعمد الظلم، ومخالفة الحق عمداً، لا الخطأ والنسيان وما أشبه خطايا الأنبياء، ويمكن الاحتجاج لهذا القول بقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41] والله أعلم، وفي اشتراط هذا نظر لاحتمال الدليل فإن وجد مَن ظاهره كما ذكرنا فلا إشكال أنه أولى ممن ليس كذلك وإن لم يوجد فعدمه دليل على أنه لا يشترط.

7. قوله تعالى: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ دليلٌ على أنه لا طاعة لكافر؛ لأنه ليس منا، وكذا المنافق والفاجر المسرف الغاش لرعيته؛ لقوله تعالى: ﴿وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28]؛ ولأن الواجب نهيه عن المنكر والأخذ على يديه من الظلم، وقد كفرهم الإمام الهادي عليه السلام وأوجب البدء بقتالهم، واحتج لذلك بقول الله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] ولعل هذا فيمن يدعي الباطل الواضح البطلان ويدعي أنه حق بناء على قانون كفري أو لمجرد اتباع هواه.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/95.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لنا ملاحظة(2)، وهي أن القضية خارجة عن موضوع الأمان والإجارة التي ليس للإنسان أن يمارسها بعيدا عن الأمير المسؤول عن القيام بالمهمة الموكولة إليه من قبل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأن الرجل المذكور في الرواية إنسان مسلّم لا يحتاج إلى أمان أو إجارة، فهو ليس من الأشخاص الذين أرسل النبي خالدا إليهم للإغارة عليهم وإخضاعهم لسيادة الإسلام بقيادة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل هو من المسلمين السابقين الذين أسلموا قبل هذه الحادثة، فلا ينطبق عليه ما ينطبق على الكفار من الأمر بمحاربتهم إلا أن يأخذوا الأمان، وعلى ضوء ذلك، فإن عمارا لم يخطئ عندما أمر الرجل بالعودة إلى مقرّه الطبيعي في موقع أهله لأنه ليس خاضعا لمسؤولية خالد العسكرية، إلا أن يقال: إن خالدا المكلف من قبل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالإغارة على هؤلاء الحي من العرب، كان لا بد أن يأخذ العلم بإسلام هذا الرجل من عمار قبل أن يأذن له عمار بالبقاء في محلته، ولكن هذا التحفظ ليس واردا، لأن خالدا كان ينكر على عمار إجارته بصفة أنه كافر لا بصفة أنه مسلّم، ومع ذلك كله، فإن المسألة المطروحة في الخط العام صحيحة لأن المفروض أن خالدا، على تقدير صحة الرواية ـ وهي ضعيفة ـ كان مكلفا بالأمر القيادي من قبل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مما جعله وليا شرعيا في هذه الدائرة الخاصة، فليس لأتباعه إلا الطاعة والخضوع له في أوامره ونواهيه المتصلة بحركة المسؤولية، فلا يجوز لهم الاستقلال عنه بأي عمل أو موقف، لأن معصيته معصية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لكن ذلك مختص بالقيادة الشرعية التي تملك شرعية الصفة من خلال العناصر التي تؤكد ذلك ولا تمتد إلى شرعية الأمر الواقع التي تفرض‏ سلطانها بالقوة على الناس من دون أيّ أساس، فلا مجال لاستغلال هذه الآية وهذه الرواية لدعوة المظلومين إلى إطاعة ولاة الأمر غير الشرعيين ومنعهم من مواجهتهم بالإنكار عليهم وإسقاط مواقعهم الظالمة مما حاوله البعض من أتباع هؤلاء.

2. في هذه الآية، وفي ما بعدها، يريد الله سبحانه أن يخطّط للمسلمين ويدخلهم في أجواء النظام، على أساس النظرية والتطبيق معا، فيدعوهم إلى اعتبار الطاعة لله وللرسول ولأولي الأمر قاعدة ثابتة، ترتكز عليها الحياة العامة؛ وهذا ما عالجته هذه الآية في دعوتها إلى طاعة الله‏.

3. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾؛ فإنها أساس الإيمان، لأن معناه العميق يتمثل في الإحساس بعبودية المؤمن لله في كل أفكاره وأقواله وأفعاله، مما يدفعه إلى السير في حياته وفق أوامر الله ونواهيه، في ما يحبه وما لا يحبه؛ وفي دعوتها إلى إطاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

4. ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ في ما تمثله من السير على الخط الذي يرسمه الرسول في تخطيطه للمسار العملي في تفصيلات الأمور، وجزئيات القضايا، وحركة الصراع، وقيادة الأمة إلى أهدافها وتحريك الساحة نحو المواقف الحاسمة في مواجهة التحديات، وتفجير الطاقات في سبيل الإبداع والعطاء.. وهكذا كانت سنّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، المتمثلة في قوله وفعله وتقريره، الوجه التفصيلي والتطبيقي للمفاهيم القرآنية العامّة؛ فلا مجال للأخذ بالقرآن بشكل دقيق، إلا بالرجوع إلى السنّة لنعرف من خلالها تفصيل ما أجمله القرآن، وإيضاح ما أبهمه، وتخصيص ما أطلقه، فقد أوكل الله إلى رسوله أمر ذلك كله، كما أوكل إليه القيام بإدارة شؤون الرسالة وقيادة الأمة، وذلك بما أوكله إليه من شؤون الحاكمية بالإضافة إلى الرسالة، عندما جعله أولى بالمؤمنين من أنفسهم، واعتبره حكما وحاكما في كل ما اختلفوا فيه، لتسير الحياة على خطين: خط الرسالة، وخط القيادة؛ لتكتمل لها شروط الثبات والتقدم والنجاح، ولهذا كان التأكيد في أكثر من آية على إطاعة الرسول، إلى جانب إطاعة الله، لئلا يستقل الناس في قضايا التطبيق والتخطيط، بعيدا عن القيادة الأولى الرسولية، التي تعرف من عمق المفاهيم وامتدادها، المدى الذي يمكن أن تتحرّك فيه وتصل إليه.

5. وربما نستوحي بعض ملامح ذلك في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، وهذا هو ما ينبغي لنا التعرف إليه من شخصية الرسول في الإسلام، فنجد فيه صفة الرسول المبلّغ الداعية، كما نجد فيه صفة القائد الحاكم المحارب، الذي يخطّط وينفّذ، ويمسك بيده زمام الأمر كله، خلافا لبعض الباحثين الذين حاولوا اقتصار دور النبي على مهمّة التبليغ والدعوة، وذلك على أساس بعض الآيات التي تشير إلى ذلك مثل قوله تعالى: ﴿فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾؛ [الغاشية: 21 ـ 22]، ولكن غاب عن فكر هؤلاء أن مثل هذه الآيات كانت تتحدث عن الجانب الرسالي في شخصية، لتحدّد له دوره في إثارة الإيمان في نفوس الناس من خلال الدعوة والإقناع، لأنه لا يملك السيطرة على كل شروط الإيمان الداخلية في أفكارهم ومشاعرهم ومؤثراتها الخاصة والعامة، بل الله هو الذي يملك أمر ذلك كله، من خلال ما يملكه من شؤون الإنسان في ما يريده وما لا يريده، ولم يكن لهذه الآيات أيّ اتجاه في الحديث عن الجانب التطبيقي أو التنفيذي للمهمات الرسالية العملية في الحياة.

6. ثم تحدثت الآية عن إطاعة فئة أخرى‏ ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، الذين أوكل الله إليهم أمر القيام بإدارة شؤون الناس وذلك من خلال القواعد التي وضعها للقائمين على الأمر، لما يتصفون به من صفات وما يقومون به من مسئوليات ومهمات، ولما وضعه من التسلسل في القيادة، فقد لا يكون لأولي الأمر إطاعة مستقلّة إلا من خلال ارتباطها بإطاعة الرسول، في ما جعله الله له من ذلك، لأنهم لا يملكون مهمة التشريع، بل كل ما هناك أنهم يملكون التحرك في نطاق ساحته على أساس تطبيقي.

7. ولكن من هم أولو الأمر؟

أ. هل هم الذين يتصدّون لولاية الأمر بطريقة واقعية، انطلاقا من الوسائل التي يملكونها، مما يهيّئ لهم الإمكانات العملية للسيطرة والاستيلاء على الحكم، بعيدا عن الشرعية الإسلامية؛ وذلك من خلال قوة السلاح والمال والرجال؟ هذا ما توهمه البعض، ممن يسيرون في حياتهم وراء الحكام، مهما كان لونهم ووضعهم وطريقتهم في الحكم، ويطلبون من أتباعهم أن يخضعوا لهم ولا يثوروا في وجوههم مهما فعلوا أو ظلموا، لأن الله أمرنا بإطاعة أولي الأمر، ولم يحدد لنا صفتهم لنحدّد نحن ذلك في المجال العملي، وقد استطاع هذا المفهوم أن يمكّن الظالمين والمنحرفين والمستكبرين من السيطرة على مقدرات الأمور، ويجمّد كل‏ إمكانات الثورة ضدّهم من قبل الشعوب المسلمة المضطهدة، ونحن نعلم أن الله قد أقام الولاية على أساس العدل، وركز السلطة على أساس الأيمان والتقوى والسير على الصراط المستقيم، من خلال ما جاءت به الآيات والأحاديث والروايات؛ مما يمكن أن يكون أساسا لتقييد هذا المفهوم بذلك كله.

ب. وقال البعض: إنه الأمة؛ فهي التي تمثل السلطة الشرعية الصالحة للحكم، وخلاصة فكرتهم أن إطلاق الأمر بالطاعة لشخص أو لجماعة يفرض العصمة فيه، لأنه إذا كان ممن يجوز عليه الخطأ، كان الأمر بإطاعته ـ بشكل مطلق ـ أمرا بالسير على وفق أوامره ونواهيه حتى في حالات الانحراف عن الحق، وهو غير جائز، وقد دل الدليل على عصمة الأمة، في رأي هذا القائل، بالحديث المعروف لدى كثير من المسلمين‏ (لا تجتمع أمتي على ضلالة..)، ولكن هذا الرأي لا يرجع إلى قاعدة مركّزة واضحة، لأن هذا الحديث موضع جدل بين العلماء في صحته وعدم صحته، ولأن إجماع الأمة كلها لم يتحقق في أي وقت على أي فرد أو جماعة في ولاية الأمر.

ج. وأما اعتبار قول أهل الحل والعقد، فهو قابل للأخذ والرد، في تعيينهم، وفي الحكم بإصابتهم في الرأي، وفي غير ذلك من الأمور التي يمكن أن تقع محلّا للنقاش، مما لا يتسع المجال لبحثه.

د. وقال علماء الشيعة الإمامية: إن المراد بهم الأئمة الاثنا عشر المعصومون، لأنهم الذين ثبت عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم الأثر في ولايتهم، كما دلّت آية التطهير على عصمتهم، بعد أن كانت الآية دليلا على وجوب عصمة أولي الأمر لإطلاق الأمر بالطاعة، كما ألمحنا إليه آنفا، وقد وردت أحاديث كثيرة مستفيضة في إرادة هذا المعنى من الآية.

هـ. وقال البعض: إنهم صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

و. وقال بعضهم: إنهم أمراء السرايا والجيوش والعمّال الذين كان يستعملهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، على الناس.

8. قد تكون الإفاضة في تحليل الأقوال المختلفة في تفسير هذه الكلمة، تستدعي المزيد من الأبحاث الكلامية، التي قد لا يكون مجالنا التفسيري متسعا لها، لأن القضية لا تنطلق من بحث في المفهوم؛ فهو واضح تمام الوضوح، بل البحث في المصداق، في ما يختلف فيه المسلمون من شؤون الولاية ممن يملك السلطة في أمور المسلمين، فلنقف من ذلك عند حدود العرض الذي عرضناه، مع الإشارة إلى بعض الملاحظات القصيرة:

أ. إن الأمر بالإطاعة لا يفرض دائما عصمة الشخص المطاع، بل ربما يكون واردا في مجال التأكيد على حجية قوله، كما في الكثير من وسائل الإثبات التي أمرنا الله ورسوله بالعمل بها والسير عليها، في الوقت الذي لا نستطيع التأكيد بأنها تثبت الحقيقة بشكل مطلق، وكما في الكثير من الأحاديث التي دلّت على الرجوع إلى الفقهاء الذين قد يخطئون وقد يصيبون في فهمهم للحكم الشرعي، وذلك انطلاقا من ملاحظة التوازن بين النتائج الإيجابية التي تترتّب على الاتباع لهم، وبين النتائج السلبية التي تحصل من عدم ذلك، مع غلبة الجوانب الإيجابية على الجوانب السلبية، وعلى ضوء هذا، فإننا لا نستطيع اعتبار الأمر بالطاعة دليلا على تعيين المراد من أولي الأمر بالمعصومين، بعيدا عن الأحاديث الواردة في هذا المجال.

ب. إنّ من الممكن السير مع الأحاديث التي تنص على أن المراد من أولي الأمر، الأئمة المعصومون، مع الالتزام بسعة المفهوم؛ وذلك على أساس الأسلوب الذي جرت عليه أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السّلام، في الإشارة إلى التطبيق بعنوان التفسير، للتأكيد على حركة القرآن المستقبلية في‏ القضايا الفكرية والعمليّة الممتدّة بامتداد الحياة، لأن ذلك هو السبيل الأفضل لوعي الإنسان المسلّم للفكرة، على أساس التطبيق الواضح من أجل أن يرتبط بالواقع بشكل مؤكّد.

ج. إن هذا الاحتمال الذي يؤكده إطلاق الآية يجعلنا قادرين على التمسك بالآية، في ما يثار فيه الجدل كثيرا من أمر الولاية في حال غيبة الإمام، في ولاية الفقيه، أو في ولاية أهل الشورى من المسلمين، وذلك في الحالة التي يصدق عليهم أنهم أولو الأمر من ناحية واقعية.

9. إن هذه الملاحظات قد تستطيع أن تثير أمامنا بعض الأفكار حول الموضوع، من أجل الوصول إلى نتيجة حاسمة في مجال التطبيق والاستنتاج؛ والله العالم.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/319.

(2) ذكر ما ورد في سبب النزول الذي سبق ذكره.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذه الآية وبعض الآيات اللاحقة تبحث عن واحدة من أهم المسائل الإسلامية، ألا وهي مسألة القيادة، وتعيين القادة والمراجع الحقيقيين للمسلمين في مختلف المسائل الدينية والاجتماعية، فهي تأمر المؤمنين:

أ. أوّلا: بأن يطيعوا الله، ومن البديهي أنّه يجب أن تنتهي جميع الطاعات ـ عند الفرد المؤمن ـ إلى طاعة الله سبحانه، وكل قيادة وولاية يجب أن تنبع من ولاية الله سبحانه وذاته المقدسة تعالى وتكون حسب أمره ومشيئته، لأنّه الحاكم والمالك التكويني لهذا العالم، وكلّ حاكمية ومالكية يجب أن تكون بإذنه وبأمره: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ﴾

ب. وفي المرحلة الثّانية تأمر باتّباع النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وإطاعته، وهو النّبي المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ولا ينطلق من الهوس، والنّبي الذي هو خليفة الله بين الناس، وكلامه كلام الله، وقد أعطي هذا المقام من جانب الله سبحانه، ولهذا تكون‏ إطاعة الله ممّا تقتضيه خالقيته وحاكمية ذاته المقدسة، ولكن إطاعة النّبي واتّباع أمره ناشئ من أمر الله، وبعبارة أخرى فإنّ الله واجب الإطاعة بالذات والنّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم واجب الإطاعة بالعرض، ولعل تكرار (أطيعوا) في هذه الآية للإشارة إلى مثل هذا الفرق بين الطاعتين‏ ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾

ج. وفي المرحلة الثانية يأمر سبحانه بإطاعة أولي الأمر القائمين من صلب المجتمع الإسلامي، والذين يحفظون للناس أمر دينهم ودنياهم.

2. ثمّة كلام كثير بين المفسّرين في المقصود من أولي الأمر في هذه الآية، ويمكن تلخيص أوجه النظر في هذا المجال في ما يلي:

أ. ذهب جماعة من مفسّري أهل السنّة إلى أنّ المراد من (أولى الأمر) هم الأمراء والحكام في كل زمان ومكان، ولم يستثن من هؤلاء أحدا، فتكون نتيجة هذا الرأي هي: إنّ على المسلمين أن يطيعوا كل حكومة وسلطة مهما كان شكلها حتى إذا كانت حكومة المغول، ودولتهم الجائرة.

ب. ذهب البعض من المفسّرين ـ مثل صاحب تفسير المنار وصاحب تفسير في ظلال القرآن وآخرون ـ إلى أنّ المراد من (أولي الأمر) ممثلو كافة طبقات الأمة، من الحكام والقادة والعلماء وأصحاب المناصب في شتى مجالات حياة الناس، ولكن لا تجب طاعة هؤلاء بشكل مطلق وبدون قيد أو شرط، بل هي مشروطة بأن لا تكون على خلاف الأحكام والمقررات الإسلامية.

ج. ذهبت جماعة أخرى إلى أنّ المراد من (أولي الأمر) هم القادة المعنويون والفكريون، أي العلماء والمفكرون العدول العارفون بمحتويات الكتاب والسنة معرفة كاملة.

د. وذهب بعض مفسّري أهل السنة إلى أنّ المراد من هذه الكلمة هم‏ (الخلفاء الأربعة) الذين شغلوا دست الخلافة بعد رسول الله خاصّة ولا تشمل غيرهم، وعلى هذا لا يكون لأولي الأمر أي وجود خارجى في الأعصر الأخرى.

هـ. يفسر بعض المفسّرين (أولي الأمر) بصحابة الرّسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم.

و. هناك احتمال آخر يقول ـ في تفسير أولي الأمر ـ إنّ المراد منه هم القادة العسكريون المسلمون، وأمراء الجيش والسرايا.

ز. ذهب كلّ مفسّري الشيعة بالاتفاق إلى أنّ المراد من (أولي الأمر) هم الأئمّة المعصومون عليهم السّلام الذين أنيطت إليهم قيادة الأمة الإسلامية المادية والمعنوية في جميع حقول الحياة من جانب الله سبحانه والنّبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا تشمل غيرهم، اللهم إلّا الذي يتقلد منصبا من قبلهم، ويتولى أمرا في إدارة المجتمع الإسلامي من جانبهم ـ فإنّه يجب طاعته أيضا إذا توفرت فيه شروط معينة، ولا تجب طاعته لكونه من أولي الأمر، بل لكونه نائبا لأولي الأمر ووكيلا من قبلهم.

3. والآن لنستعرض التفاسير المذكورة أعلاه باختصار:

أ. لا شك أنّ التّفسير الأوّل لا يناسب مفهوم الآية وروح التعاليم الإسلامية بحال، إذ لا يمكن أن تقترن طاعة كل حكومة ـ مهما كانت طبيعتها ـ ومن دون قيد أو شرط بإطاعته الله والنّبي، ولهذا تصدى كبار علماء السنة لنفي هذا الرأي والتّفسير مضافا إلى علماء الشيعة.

ب. وكذا التّفسير الثّاني: فإنّه لا يناسب إطلاق الآية الشريفة، لأنّ الآية توجب إطاعة أولي الأمر من دون قيد أو شرط.

ج. وهكذا التّفسير الثّالث، يعني تفسير (أولي الأمر) بالعلماء والعدول والعارفين بالكتاب والسنة، فهو لا يناسب إطلاق الآية، لأنّ لإطاعة العلماء وإتباعهم شروطا من جملتها أن لا يكون كلامهم على خلاف الكتاب والسنة، وعلى هذا لو ارتكبوا خطأ (لكونهم عرضة للخطأ وغير معصومين) أو انحرفوا عن جادة الحقّ لأي سبب آخر لم تجب طاعتهم، في حين توجب الآية الكريمة إطاعة أولي الأمر بنحو مطلق كإطاعة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، هذا مضافا إلى أنّ إطاعة العلماء إنّما هي في الأحكام التي يستفيدونها من الكتاب والسنة، وعلى هذا لا تكون إطاعتهم شيئا غير إطاعة الله وإطاعة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلا حاجة إلى ذكرها بصورة مستقلة.

د. وأمّا التّفسير الرّابع (وهو حصر عنوان أولي الأمر بالخلفاء الأربعة الأوائل) فمؤداه عدم وجود مصداق لأولي الأمر بين المسلمين في هذا الزمان هذا مضافا إلى عدم وجود دليل على مثل هذا التخصيص.

هـ. والتّفسير الخامس والسّادس: يعنيان تخصيص هذا العنوان بالصحابة أو القادة العسكريين المسلمين، ويرد عليها نفس الإشكال الوارد على التّفسير الرّابع، يعني أنّه لا يوجد أي دليل على مثل هذا التخصيص أيضا.

4. أراد جماعة من مفسّري السنة مثل (محمّد عبده) العالم المصري المعروف ـ تبعا لبعض ما قاله المفسّر المعروف الفخر الرازي ـ أن يقبل بالاحتمال الثّاني (القاضي بأنّ أولي الأمر هم ممثلو مختلف طبقات المجتمع الإسلامي من العلماء والحكام وغير هؤلاء من طبقات وفئات المجتمع الإسلامي) مشروطا ببعض الشروط ومقيدا ببعض القيود، مثل أن يكونوا مسلمين (كما يستفاد من كلمة (منكم) في الآية) وأن لا يكون حكمهم على خلاف الكتاب والسنة، وأن يحكموا عن اختيار لا جبر ولا قهر، وأن يحكموا وفق مصالح المسلمين، وأن يتحدثوا في مسائل يحقّ لهم التدخل فيها (لا مثل العبادات التي لها قوانين وأحكام ثابتة في الإسلام) وأن لا يكون قد ورد في الحكم الذي أصدروه نص خاص من الشرع، وأن يكونوا ـ فوق كل هذا ـ متفقين في الرأي والحكم، وحيث إنّ هؤلاء يعتقدون أن مجموع الأمّة أو مجموع ممثليها لا تخطأ ولا تجتمع على خطأ، ـ وبعبارة أخرى ـ أن مجموع الأمّة معصومة (أو أنّ الأمّة بوصفها معصومة) تكون نتيجة هذه الشروط وجوب إطاعة مثل هذا الحكم بشكل مطلق ومن دون قيد أو شرط تماما مثل إطاعة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (ومؤدى هذا الكلام هو حجّيّة الإجماع)، ولكن ترد على هذا التّفسير أيضا إشكالات واعتراضات عديدة وهي:

أ. أوّلا: إنّ الاتفاق في الرأي في المسائل الاجتماعية قلّما يتفق وقلّما يتحقق، وعلى هذا فإن هذا الرأي يستلزم وجود حالة من الفوضى والانتظام في أغلب شؤون المسلمين وبصورة دائمة، وأمّا إذا أراد هؤلاء قبول رأي الأكثرية فيرد عليه: إنّ الأكثرية لا تكون معصومة أبدا، ولهذا لا تجب إطاعتها بنحو مطلق.

ب. ثانيا: لقد ثبت في علم الأصول، أنّه ليس هناك أي دليل على عصمة مجموع الأمّة من دون وجود الإمام المعصوم بينهم.

ج. ثالثا: إنّ أحد الشرائط التي يذكرها أنصار هذا التّفسير هو أن لا يكون حكم هؤلاء (أي أولوا الأمر) على خلاف الكتاب والسنة، فيجب حينئذ أن نرى من الذي يشخّص أن هذا الحكم مخالف للكتاب والسنة أو لا، لا شك أن ذلك من مسئولية المجتهدين والفقهاء العارفين بالكتاب والسنة، ويعني هذا إنّ إطاعة أولي الأمر لا يجوز بدون إجازة المجتهدين والعلماء، بل تلزم أن تكون إطاعة العلماء أعلى من إطاعة أولي الأمر، وهذا لا يناسب ولا يوافق ظاهر الآية الشريفة.

5. صحيح أن هؤلاء اعتبروا العلماء جزء من أولي الأمر (ولكن الحقيقة أن العلماء والمجتهدين ـ وفق هذا التّفسير ـ اعترف بهم على أنّهم المراقبون والمراجع العليا من بقية ممثلي مختلف فئات الأمّة، لا أنّهم في مستوى بقية الممثلين المذكورين، لأنّ على العلماء والفقهاء أن يشرفوا على أعمال الآخرين ويشخصوا موافقتها للكتاب والسنة، وبهذا يكون العلماء مراجع عليا لهم، وهذا لا يناسب التّفسير المذكور ولا يوافقه، وعلى هذا الأساس يواجه التّفسير الحاضر (أي الثّاني) إشكالات ومآخذ من وجهات عديدة.

6. فيبقى تفسير واحد سليما من جميع الاعتراضات السابقة وهو التّفسير السّابع: (وهو تفسير أولي الأمر بالأئمّة المعصومين عليهم السّلام لموافقة هذا التّفسير لإطلاق وجوب الإطاعة المستفاد من الآية المبحوثة هنا، لأن مقام (العصمة) يحفظ الإمام من كلّ معصية ويصونه عن كل خطأ، وبهذا الطريق يكون أمره ـ مثل أمر الرّسول ـ واجب الإطاعة من دون قيد أو شرط، وينبغي أن يوضع في مستوى إطاعته صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل وإلى درجة أنها تعطف على إطاعة الرّسول من دون تكرار (أطيعوا)

7. الجدير بالانتباه إلى أنّ بعض العلماء المعروفين من أهل السنة، ومنهم المفسر المعروف الفخر الرازي اعترف بهذه الحقيقة في مطلع حديثه عند تفسير هذه الآية حيث قال: (إنّ الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم في هذه الآية، ومن أمر الله بإطاعته على سبيل الجزم والقطع لا بدّ أن يكون معصوما عن الخطأ، إذ لو لم يكن معصوما عن الخطأ كان بتقدير إقدامه على الخطأ قد أمر الله بمتابعته، فيكون ذلك أمرا بفعل ذلك الخطأ، والخطأ لكونه خطأ منهيّ عنه، فهذا يفضي إلى اجتماع الأمر والنهي في الفعل الواحد، فثبت أن الله تعالى أمر بطاعة أولي الأمر على سبيل الجزم، وثبت إن كل من أمر الله بطاعته على سبيل الجزم وجب أن يكون معصوما عن الخطأ)، وأضاف قائلا: (ذلك المعصوم إمّا مجموع الأمّة أو بعض الأمّة، ولا يجوز أن يكون بعض الأمّة لأن إيجاب طاعتهم قطعا مشروط بكوننا عارفين بهم، ونحن عاجزون عن الوصول إليهم، وإذا كان الأمر كذلك علمنا أنّ المعصوم الذي أمر الله المؤمنين بطاعته ليس بعضا من أبعاض الأمّة، ولمّا بطل هذا وجب أن يكون ذلك‏ المعصوم الذي هو المراد بقوله: (وأولي الأمر) هم أهل الحل والعقد ومن الأمّة (أي الأمّة كلها وذلك يوجب القطع بأن إجماع الأمّة حجّة)

8. وهكذا نرى الفخر الرازي مع ما نعهد منه من كثيرة الإشكال في مختلف المسائل العلمية، قد قبل دلالة هذه الآية على أنّ أولي الأمر يجب أن يكونوا معصومين، غاية ما في الأمر حيث أنّه لم يكن عارفا بمذهب أهل البيت النبوي عليهم السّلام وأئمّة هذا المذهب تجاهل احتمال أن يكون (أولي الأمر) أشخاصا معنيين من الامة، فاضطر إلى تفسير (أولي الأمر) بمجموع الامّة (أو ممثلي عموم فئات الامّة)، في حين أن هذا الاحتمال لا يمكن القبول به، لأن أولي الأمر ـ كما قلنا في ما سبق ـ يجب أن يكونوا قادة المجتمع الإسلامي، وتتمّ الحكومة الإسلامية والحكم بين المسلمين بهم، ونعلم أنه لا يمكن لا في الحكومة الجماعية (المتألفة من مجموعة الأمّة) بل ولا من ممثلي فئاتها أن يتحقق اجتماع واتفاق في الرأي مطلقا، لأنّ الحصول على إجماع من جانب الامّة جميعا أو من جانب ممثليها في مختلف المسائل الاجتماعية والسياسية والثقافية والخلقية والاقتصادية، لا يتيسر ولا يتحقق في الأغلب، كما أنّ إتّباع الأكثرية ـ كذلك ـ لا يعد اتّباعا لأولي الأمر، ولهذا يلزم من كلام الرازي ومن تبعه من العلماء المعاصرين أن تتعطل مسألة إطاعة (أولي الأمر)، أو تصير مسألة نادرة واستثنائية جدا...

9. من كل ما قلناه نستنتج أنّ الآية الشريفة تثبت قيادة وولاية الأئمّة المعصومين الذين يشكلون نخبة من الامّة الإسلامية (تأمل)

10. هناك اعتراضات ومآخذ على هذا التّفسير (السّابع) يجدر طرحها هنا بتجرّد وموضوعية:

أ. سؤال وإشكال: إذا كان المراد من (أولي الأمر) هم الأئمّة المعصومون، فإنّ ذلك لا يناسب مع كلمة (أولي) التي هي بصيغة الجمع، لأنّ الإمام المعصوم في كل عصر، شخص واحد لا أكثر، والجواب: أنّ الإمام المعصوم وإن كان في كل عصر شخصا واحدا لا أكثر، إلّا أنّ الأئمة المتعددين في الأعصر المختلفة يشكلون جماعة، ونحن نعلم أنّ الآية لا تحدد وظيفة الناس في عصر واحد.

ب. سؤال وإشكال: إنّ أولي الأمر ـ بهذا المعنى ـ لم يكونوا في عصر النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فكيف أمر القرآن الكريم بإطاعتهم؟ والجواب: يتّضح أيضا من الكلام السابق، لأنّ الآية لا تنحصر (أو لا تعني) زمانا خاصا، بل توضح وتبيّن وظيفة المسلمين وواجبهم في جميع العصور والقرون، وبعبارة أخرى، يمكن أن نقول أن أولي الأمر في زمان النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان شخص النّبي بالذات، لأن النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان له منصبان منصب (الرسالة) الذي أشير إليه في الآية المذكورة تحت عنوان‏ ﴿أَطِيعُوا الرَّسُولَ‏﴾ والآخر منصب (قيادة الأمّة الإسلامية) الذي ذكره القرآن الكريم تحت عنوان‏ ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾، وعلى هذا يكون القائد وولي الأمر المعصوم في عهد النّبي هو النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فهو مضافا إلى ما له من منصب الرسالة وإبلاغ الأحكام الإسلامية، له منصب قيادة الأمّة وولاية أمرها، ولعل عدم تكرار جملة (وأطيعوا) بين (الرّسول) و(أولي الأمر) لا يخلو عن الإشارة إلى هذه النقطة، وبعبارة أخرى إن منصب (الرسالة) ومنصب (أولي الأمر) منصبان مختلفان اجتمعا في شخص رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولكن المنصب الثّاني فقط يتوفر في كل إمام على حدة، فللإمام منصب اولي الأمر فقط.

ج. سؤال وإشكال: إذا كان المقصود من (أولي الأمر) هم الأئمّة المعصومون، فلماذا أشار سبحانه في ذيل الآية إلى مسألة التنازع والاختلاف بين المسلمين إذ قال ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ فإنّنا لا نشاهد هنا أي حديث عن (أولي الأمر) بل أشير إلى الله تعالى (كتاب الله ـ القرآن) والنّبي (السنة) كمرجع يجب أن يرجع إليه المسلمون عند الاختلاف والتنازع، والجواب:

أوّلا: إنّ هذا الإشكال لا يختص بالتّفسير الشّيعي لهذه الآية، بل يردّ على بقية التفاسير أيضا، إذا أمعنا النظر قليلا.

وثانيا: لا شك أنّ المراد من الاختلاف والتنازع في العبارة الحاضرة هو الاختلاف والتنازع في الأحكام، لا في المسائل المتعلقة بجزئيات الحكومة والقيادة الإسلامية، لأنّه في هذه المسائل يجب إطاعة أولي الأمر (كما صرّح بذلك في الجملة الأولى من الآية المبحوثة هنا)، وعلى هذا فالمراد من الاختلاف هو الاختلاف في الأحكام والقوانين الكلية الإسلامية التي يعود أمر تشريعها إلى الله سبحانه ونبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنّنا نعلم أنّ الإمام مجرّد منفذ للأحكام الإلهية وليس مشرعا، ولا ناسخا لشيء من تلك الأحكام، وإنّما عليه فقط أن يطبق الأحكام والأوامر الإلهية والسنة النّبوية في حياة الأمة، ولهذا جاء في أحاديث أهل البيت عليهم السّلام إنّهم قالوا: (إذا بلغكم عنّا ما يخالف كتاب الله وسنة نبيّه فاضربوه عرض الحائط ولا تقبلوه) أي يستحيل أن نقول ما يخالف كتاب الله وسنة نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم، وعلى هذا فإنّ أوّل مرجع يرجع إليه المسلمون لحل خلافاتهم في الأحكام الإسلامية هو الله سبحانه والنّبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم الذي يوحى إليه، وإذا ما بيّن الأئمّة المعصومون أحكاما، فإنّ تلك الأحكام ليست سوى اقتباس من كتاب الله، أو هي‏ من العلوم التي وصلت إليهم من النّبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبهذا تتّضح علّة عدم ذكر أولي الأمر إلى جانب المرجع في حلّ الاختلاف في الأحكام المذكورة في هذا الجزء من الآية.

11. هذا وقد وردت في المصادر الإسلامية أيضا أحاديث تؤيد تفسير (أولي الأمر) بأئمّة أهل البيت عليهم السّلام منها:

أ. ما كتبه المفسّر الإسلامي المعروف أبو حيان الأندلسي المغربي (المتوفي عام 756) في تفسيره البحر المحيط: من أنّ هذه الآية نزلت في حقّ علي عليه السّلام وأهل بيته‏.

ب. روى العالم السني أبو بكر بن مؤمن الشيرازي في رسالة الإعتقاد (حسب نقل الكاشي في المناقب) عن ابن عباس أنّ الآية الكريمة نزلت في علي عليه السّلام عندما خلفه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المدينة (في غزوة تبوك)، فقال علي عليه السّلام: يا رسول الله تخلفني مع النساء والصبيان؟ فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى حين قال أخلفني في قومي وأصلح فقال عز وجل: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾

ج. وروى الشيخ سليمان الحنفي القندوزي وهو من أعلام أهل السنة المشهورين في كتابه (ينابيع المودة) من كتاب (المناقب) عن (سليم بن قيس‏ الهلالي) قال سمعت عليا صلوات الله عليه يقول: أتاه رجل فقال أرني أدنى ما يكون به العبد مؤمنا، وأدنى ما يكون به العبد كافرا، وأدنى ما يكون به العبد ضالا فقال: قد سألت فافهم الجواب.. وأمّا أدنى ما يكون العبد به ضالا أن لا يعرف حجة الله تبارك وتعالى وشاهده على عباده الذي أمر الله عزّ وجلّ عباده بطاعته وفرض ولايته، قلت: يا أمير المؤمنين، صفهم لي، قال الذين قرنهم الله تعالى: بنفسه وبنبيّه فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾، فقلت له: جعلني الله فداك أوضح لي؟ فقال: الذين قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في مواضع وفي آخر خطبة يوم قبضه الله عز وجل إليه: (إنّي تركت فيكم أمرين لن تضلوا بعدي إن تمسكتم بهما: كتاب الله عز وجل وعترتي أهل بيتي)

د. وكذلك كتب نفس العالم في كتاب (ينابيع المودة): وفي المناقب في تفسير مجاهد: إنّ هذه الآية نزلت في أمير المؤمنين علي عليه السّلام‏.

هـ. رويت أحاديث كثيرة في مصادر الشيعة مثل كتاب الكافي وتفسير العياشي وكتب الصدوق ومصنفاته وغيرها تشهد جميعها بأنّ المراد من (أولي الأمر) هم الأئمّة المعصومون، حتى أن بعضها ذكرت أسماء الأئمّة عليهم السّلام واحدا واحدا.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/286.

59. النزاعات والمرجعية الشرعية

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈59⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾، فيكون الله ورسوله هو الذي يحكم فيه(1).

2. روي أنّه قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، خير عاقبة(1).

__________

(1) ابن عساكر في تاريخ دمشق ١٦/٢٣٥.

مجاهد:

روي عن مجاهد (ت 104 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ فإن تنازع العلماء ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ فردوه إلى كتاب الله وسنة رسوله، ثم قرأ: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، وأحسن جزاء(2).

__________

(1) الثوري في تفسيره ص ٩٦ مختصرًا، وسعيد بن منصور (٦٥٦.

(2) تفسير مجاهد ص ٢٨٥.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾، ردوه إلى كتاب الله، وسنة رسوله(1).

2. روي أنّه قال: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، يقول: ذلك أحسن ثوابا، وخير عاقبة(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/١٨٧.

(2) ابن جرير ٧/١٨٨.

ميمون:

روي عن ميمون بن مهران (ت 117 هـ) أنّه قال: الرد إلى الله: الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله ما دام حيا، فإذا قبض فإلى سنته(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/١٨٦.

زيد:

روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) أنّه قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ معناه اختلفتم فيه ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ﴾ معناه إلى كتاب الله جلّ وعلا ﴿وَالرَّسُولُ﴾ معناه إلى سنته صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).

__________

(1) تفسير الإمام زيد، ص 121.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) أنّه قال: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ من الحلال والحرام، يعني: خالدا وعمارا، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ﴾ يعني: إلى القرآن، ﴿وَالرَّسُولُ﴾ يعني: سنة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، نظيرها في النور(1).. ثم قال: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ﴾ يعني: تصدقون بالله بأنه واحد لا شريك له، ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يعني: باليوم الذي فيه جزاء الأعمال؛ فليفعل ما أمر الله(2).

__________

(1) لعله يشير إلى قوله تعالى: ﴿إنَّما كانَ قَوْلَ المُؤْمِنِينَ إذا دُعُوا إلى اللهِ ورسولهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أنْ يَقُولُوا سَمِعْنا وأَطَعْنا وأُولئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ ومَن يُطِعِ اللهَ ورسولهُ ويَخْشَ اللهَ ويَتَّقْهِ فَأُولئِكَ هُمُ الفائِزُونَ﴾..

(2) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٣.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أيد كون أولى الأمر هم العلماء قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ومعلوم أن على العوام لذي الإشكال والحاجة الردّ إلى أولى الأمر بما ذكرت من الآية، فثبت أن هذا في تنازع العلماء، وهو يوضح إبطال قول الإمامية في جعل أولي الأمر إمامهم، وإبطال قول من يجعل أولي الأمر كل أمير أو نحوه، وإنما هم العلماء في كل نوع، حتى يمكن‏ فيهم التنازع، وإمامهم واحد لا معنى للتنازع فيهم، والتنازع إنما يكون عن تدبر وبحث ونظر، ولا معنى في ذلك للعوام الذين لا يعرفون الأصول والفروع.

2. اختلف في تأويل قوله تعالى: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾:

أ. فقال قوم: كأنه قيل: كلوا الأمر فيه إلى الله تعالى والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا تجتهدوا فيه؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10]، ولأن الاختلاف كان على تأويل الكتاب والسنة، فكيف يطلب من بعد فيهما، وبعد الطلب حدث التنازع!؟.

ب. وقال قوم: الاختلاف يقع في التأويل بقوله عزّ وجل: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى ظاهر ذلك، ولا تتأوّلوا فتختلفوا؛ إذ الأول كان على التأويل.

ج. وقال قوم: هذا كان في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يظهر في ذلك نص الحكم والحق في ذلك؛ فيكون الأمر الذي يتنازع فيه أولو الأمر لم يجز لأحد العمل إلا بالبيان، ولهم وجه الوصول إلى البيان في الحقيقة، فأمروا بذلك مع ما كان يجوز أن يكون التنازع في وقت لم يفرغ من بيان جميع ما بالخلق إليه حاجة بالكفاية؛ إذ كان ذلك الوقت وقت حدوث الشرائع، ووقت احتمال التناسخ وتبديل الأحكام، فإن‏ فلهم مع إشكال التنازع شبهة احتمال أن أصله لم ينزل، وأن الذي يتضمن حكمه من المنصوص لم يبلغهم في ذلك، فيجب في ذلك الرد إلى الله سبحانه وتعالى بالرد إلى‏ رسوله محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأما بعده فقد فرغ من جميع أصول الحوادث التي يعلم الله سبحانه وتعالى أنها تقع‏ عزّ وجل: ﴿فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10] تعالى، وإذا لم يحكم فيها لم يصر الحكم إليه، بل لا حكم فيه إلى الله تعالى فلما وجب بالذي ذكرت أن يكون ذلك مما تضمنه البيان ـ لزم الاجتهاد.

3. ثم لو كان الحق عند التنازع الظاهر دون أن يطلب ـ على أصح التأويلات ـ دليل، لكان لا يجوز التنازع أن يقع؛ لأن الظاهر قد كان في أيديهم وهو حجة لا يحتمل أن يتركه أحد إلا بالدليل لو كان حجة، وكان قد قام الدليل على لزوم العدول عن الظاهر بتأويل جميع أولي الأمر في ذلك؛ فثبت أن دليل ذلك مطلوب يوجد، ويتفقون عليه إذا أنصفوا، وأنعموا النظر، وأعرضوا عن حسن الظن، ففريق من الأئمة على أن الذي يقوله هؤلاء يقتضي أحكام الحوادث كلها بيقين؛ فثبت أن أحكامهم مودعات في المنصوص؛ فصرن متعلقات بالمعاني، لا بالظواهر.

4. ثم الأصل: أن العمل بالظواهر في محتمل المعاني ومختلف التأويلات ممّا فيه التنازع‏ في الأمة، وللتنازع أمر بالرد؛ فبعيد أن يرد إلى ما لم يثبت صحته، بل في الظاهر وجه في ظاهر الاسم باللسان.

5. قوله عزّ وجل: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ يحتمل وجهين:

أ. يحتمل: أي: ذلك الرد خير إلى ما ذكر.

ب. ويحتمل: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي: الائتلاف فيما أمكن فيه خير من الاختلاف وأحمد.

6. قوله عزّ وجل: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ يحتمل وجوها:

أ. يحتمل: أي: عاقبة.

ب. وقيل: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: خبرا.

ج. وفي حرف حفصة: (ذلك خير وأحسن ثوابا)

د. وعن ابن عباس: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ قال: القرآن أحسن تأويلا.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/233.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي إلى كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم والعالمين بهما من عترته ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ وأظهر حقاً وأحمد عاقبة وأكثر صواباً وخير من تأويلكم الذي لا يرجع إلى أصل ولا يفضي إلى حق.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/183.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ قال مجاهد، وقتادة: يعني إلى كتاب الله وسنة رسوله.

2. في قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ثلاثة تأويلات:

أ. أحدها: أحمد عاقبة، وهذا قول قتادة، والسدي، وابن زيد.

ب. الثاني: أظهر حقا وأبين صوابا، وهو معنى قول مجاهد.

ج. الثالث: أحسن من تأويلكم الذي لا يرجع إلى أصل ولا يفضي إلى حق، وهذا قول الزجاج.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/501.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ معنى الرد إلى الله هو إلى كتابه والرد إلى رسوله هو الرد إلى سنته، وقول مجاهد، وقتادة، وميمون بن مهران، والسدي: والرد إلى الأئمة يجري مجرى الرد إلى الله والرسول، ولذلك قال في آية أخرى‏: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ ولأنه إذا كان‏ قولهم حجة من حيث كانوا معصومين حافظين للشرع جروا مجرى الرسول في هذا الباب.

2. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي تصدقون بهما، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ ذلك اشارة إلى الرد إلى الله وإلى الرسول‏ ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾:

أ. قال قتادة، والسدي، وابن زيد: أحمد عاقبة.

ب. وقال مجاهد: معناه أحسن جزاء.

ج. وهو من آل يؤول إذا رجع والمآل المرجع والعاقبة مآل، لأنها بمنزلة ما تفرقت عنه الأشياء ثم رجعت إليه، وتقول: إلى هذا يؤول الأمر أي يرجع، وقال الزجاج: أحسن من تأويلكم أنتم إياه من غير رد إلى أصل من كتاب الله وسنة نبيه، وهذا هو الأقوى، لأن الرد إلى الله والرسول والأئمة المعصومين أحسن من تأويل بغير حجة.

3. استدل جماعة بهذه الآية على أن الإجماع حجة بأن قالوا: إنما أوجب الله الرد إلى الكتاب والسنة بشرط وجود التنازع، فدل على أنه إذا لم يوجد التنازع، لا يجب الرد، ولا يكون كذلك إلا وهو حجة، وهذا إن استدلّ به مع فرض أن في الامة معصوماً حافظاً للشرع كان صحيحاً، وإن فرضوا مع عدم المعصوم كان باطلا، لأن ذلك استدلال بدليل خطاب، لأن تعليق الحكم بشرط أو صفة لا يدل على أن ما عداه بخلافه عند أكثر المحصلين، فكيف يعتمد عليه هاهنا، على أنهم لا يجمعون على شيء إلا عن كتاب أو سنة، فكيف يقال: إذا أجمعوا لا يجب عليهم الرد إلى الكتاب والسنة، وهم قد ردوا إليهما على أن ذلك يلزم في كل جماعة، وإن لم يكونوا جميع الأمة إذا اتفقوا على شيء ألا يجب عليهم الرد إلى الكتاب والسنة، لأن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ يتناول جماعة ولا يستغرق جميع الأمة، فعلم بذلك فساد الاستدلال بما قالوه، وقد بينا الكلام على ذلك مستوفى في العدة في أصول الفقه.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/237.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. المنازعة: مفاعلة من النزع، والتنازع: اختلاف الآراء، وأصله النزع فإنهما يتجاذبان ويتمانعان ما اختلفا فيه.

ب. التأويل من آل يؤول إذا رجع.

ج. المآل: المرجع، والعاقبة: ما آل وإلى هذا يؤول أمره، أي يرجع.

2. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾:

أ. قيل: إن اختلفتم في شيء من أمر دينكم فردوه بالاستدلال والاستنباط إلى الله تعالى، يعني إلى كتابه، وإلى الرسول، إليه في حال حياته، وإلى سنته بعد وفاته عن مجاهد وقتادة والسدي وأبي علي وأبي مسلم.

ب. وقيل: إن تنازعتم مع أمراء السرايا في حياته صلّى الله عليه وآله وسلّم فردوه إليه عن أبي مسلم.

ج. وقيل: لو تنازعتم في المتشابه فردوه إلى المحكم من كتاب الله والصحيح من سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

د. وقيل: إن تنازعتم في شيء لا يمكنكم معرفته فكلوه إلى الله ورسوله، أي قولوا: الله ورسوله أعلم عن الأصم.

3. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ أي تصدقون الله ﴿وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يوم القيامة الذي فيه الثواب والعقابـ ﴿ذَلِكَ﴾:

أ. قيل: الرد إلى الله ورسوله ﴿خَيْرُ﴾ من التنازع.

ب. وقيل: ما تجدون في كتاب الله، أو يخبركم به رسول الله خير عن أبي علي.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾:

أ. قيل: أي أحمد عاقبة عن قتادة والسدي وابن زيد.

ب. وقيل: أحسن جزاء عن مجاهد.

ج. وقيل: خير لكم في الدنيا، وأحسن عاقبة في الآخرة.

د. وقيل: أحسن من تأويلكم إياه من غير رد إلى أصل عن الزجاج.

5. مسائل لغوية ونحوية:

أ. ﴿أُولِي الْأَمْرِ﴾ نصب بـ ﴿أَطِيعُوا﴾

ب. ﴿تُؤْمِنُونَ﴾ محله نصب؛ لأنه خبر ﴿كَانَ﴾ تقديره: إن كنت أنت مؤمنا فافعل كذا.

ج. ﴿تَأْوِيلًا﴾ نصب على التفسير والتمييز؛ لأنك لو قلت: وأحسن لم يعلم ما هو، ففسر بما بعده.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/680

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ معناه: فإن اختلفتم في شئ من أمور دينكم، فردوا التنازع فيه إلى كتاب الله وسنة الرسول، وهذا قول مجاهد، وقتادة، والسدي، ونحن نقول (2): الرد إلى الأئمة القائمين مقام الرسول بعد وفاته، هو مثل الرد إلى الرسول في حياته، لأنهم الحافظون لشريعته، وخلفاؤه في أمته، فجروا مجراه فيه.

2. ثم أكد سبحانه ذلك وعظمه بقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فما أبين هذا وأوضحه! ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى طاعة الله، وطاعة رسوله، وأولي الأمر، والرد إلى الله والرسول ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾:

أ. قيل: أي أحمد عاقبة عن قتادة، والسدي، وابن زيد، قالوا: لان التأويل من آل يؤول، إذا رجع، والمآل: المرجع، والعاقبة، سمي تأويلا لأنه مآل الامر.

ب. وقيل: معناه أحسن جزاء، عن مجاهد.

ج. وقيل: خير لكم في الدنيا وأحسن عاقبة في الآخرة.

د. وقيل: معناه أحسن من تأويلكم أنتم إياه، من غير رد إلى أصل من كتاب الله وسنة نبيه، عن الزجاج، وهو الأقوى، لان الرد إلى الله ورسوله، ومن يقوم مقامه، من المعصومين، أحسن لا محالة، من تأويل بغير حجة.

3. استدل بعضهم بقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ على أن إجماع الأمة حجة، بأن قالوا: إنما أوجب الله الرد إلى الكتاب والسنة، بشرط وجود التنازع، فدل على أنه إذا لم يوجد التنازع لا يجب الرد، ولا يكون كذلك إلا والاجماع حجة، وهذا الاستدلال إنما يصح لو فرض أن في الأمة معصوما، حافظا للشرع، فأما إذا لم يفرض ذلك، فلا يصح لان تعليق الحكم بشرط، أو صفة، لا يدل على أن ما عداه بخلافه عند أكثر العلماء، فكيف اعتمدوا عليه ههنا؟ على أن الأمة لا تجمع على شئ، إلا عن كتاب، أو سنة، وكيف يقال: إنها إذا اجتمعت على شئ لا يجب عليها الرد إلى الكتاب والسنة، وقد ردت إليهما!؟

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/101.

(2) يقصد الإمامية.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ قال الزجّاج: معناه: اختلفتم، وقال كل فريق: القول قولي، واشتقاق المنازعة: أنّ كلّ واحد ينتزع الحجّة.

2. ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ في كيفيّة هذا الرّدّ قولان:

أ. أحدهما: أنّ ردّه إلى الله ردّه إلى كتابه، وردّه إلى النبيّ ردّه إلى سنّته، هذا قول مجاهد، وقتادة، والجمهور، قال القاضي أبو يعلى: وهذا الرّدّ يكون من وجهين:

أحدهما: إلى المنصوص عليه باسمه ومعناه.

الثاني: الرّدّ إليهما من جهة الدّلالة عليه، واعتباره من طريق القياس، والنّظائر.

ب. الثاني: أنّ ردّه إلى الله ورسوله أن يقول من لا يعلم الشيء: الله ورسوله أعلم، ذكره قوم، منهم الزجّاج.

3. في المراد بالتّأويل أربعة أقوال:

أ. أحدها: أنه الجزاء، والثّواب، وهو قول مجاهد، وقتادة.

ب. الثاني: أنه العاقبة، وهو قول السّدّيّ، وابن زيد، وابن قتيبة، والزجّاج.

ج. الثالث: أنه التّصديق، مثل قوله تعالى: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾، قاله ابن زيد في رواية.

د. الرابع: أن معناه: ردّكم إياه إلى الله ورسوله أحسن من تأويلكم، ذكره الزجّاج‏.

__________

(1) زاد المسير: 1/425.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يدل عندنا(2) على أن القياس حجة، والذي يدل على ذلك أن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ إما أن يكون المراد فان اختلفتم في شيء حكمه منصوص عليه في الكتاب أو السنة أو الإجماع، أو المراد فان اختلفتم في شيء حكمه غير منصوص عليه في شيء من هذه الثلاثة، والأول باطل لأن على ذلك التقدير وجب عليه طاعته فكان ذلك داخلا تحت قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ وحينئذ يصير قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إعادة لعين ما مضى، وإنه غير جائز، وإذا بطل هذا القسم تعين الثاني وهو أن المراد: فان تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة والإجماع، وإذا كان كذلك لم يكن المراد من قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة، فوجب أن يكون المراد رد حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له، وذلك هو القياس، فثبت أن الآية دالة على الأمر بالقياس.

1. سؤال وإشكال: لم لا يجوز أن يكون المراد بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي فوضوا علمه إلى الله واسكتوا عنه ولا تتعرضوا له؟ وأيضا فلم لا يجوز ان يكون المراد فردوا غير المنصوص إلى المنصوص في أنه لا يحكم فيه إلا بالنص؟ وأيضا لم لا يجوز أن يكون المراد فردوا هذه الأحكام إلى البراءة الأصلية؟ والجواب:

أ. أما الأول فمدفوع، وذلك لأن هذه الآية دلت على أنه تعالى جعل الوقائع قسمين، منها ما يكون حكمها منصوصا عليه، ومنها ما لا يكون كذلك، ثم أمر في القسم الأول بالطاعة والانقياد، وأمر في القسم الثاني بالرد إلى الله وإلى الرسول، ولا يجوز أن يكون المراد بهذا الرد السكوت، لأن الواقعة ربما كانت لا تحتمل ذلك، بل لا بد من قطع الشغب والخصومة فيها بنفي أو إثبات، وإذا كان كذلك امتنع حمل الرد إلى الله على السكوت عن تلك الواقعة، وبهذا الجواب يظهر فساد السؤال الثالث.

ب. وأما السؤال الثاني: فجوابه أن البراءة الأصلية معلومة بحكم العقل، فلا يكون رد الواقعة إليها ردا إلى الله بوجه من الوجوه، أما إذا رددنا حكم الواقعة إلى الأحكام المنصوص عليها كان هذا ردا للواقعة على أحكام الله تعالى، فكان حمل اللفظ على هذا الوجه أولى.

2. هذه الآية دالة على أن الكتاب والسنة مقدمان على القياس مطلقا، فلا يجوز ترك العمل بهما بسبب القياس، ولا يجوز تخصيصهما بسبب القياس البتة، سواء كان القياس جليا أو خفيا، سواء كان ذلك النص مخصوصا قبل ذلك أم لا، ويدل عليه أنا بينا أن قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ أمر بطاعة الكتاب والسنة، وهذا الأمر مطلق، فثبت أن متابعة الكتاب والسنة سواء حصل قياس يعارضهما أو يخصصهما أو لم يوجد واجبة، ومما يؤكد ذلك وجوه أخرى:

أ. أحدها: أن كلمة (إن) على قول كثير من الناس للاشتراط، وعلى هذا المذهب كان قوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول صريح في أنه لا يجوز العدول إلى القياس إلا عند فقدان الأصول.

ب. الثاني: أنه تعالى أخر ذكر القياس عن ذكر الأصول الثلاثة، وهذا مشعر بأن العمل به مؤخر عن الأصول الثلاثة.

ج. والثالث: أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم اعتبر هذا الترتيب في قصة معاذ حيث أخر الاجتهاد عن الكتاب، وعلق جوازه على عدم وجدان الكتاب والسنة بقوله: (فان لم تجد)

د. الرابع: أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم حيث قال ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ﴾ [البقرة: 34] ثم إن إبليس لم يدفع هذا النص بالكلية، بل خصص نفسه عن ذلك العموم بقياس هو قوله: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾ [الأعراف: 12] ثم أجمع العقلاء على أنه جعل القياس مقدما على النص وصار بذلك السبب ملعونا، وهذا يدل على أن تخصيص النص بالقياس تقديم للقياس على النص وانه غير جائز.

هـ. الخامس: أن القرآن مقطوع في متنه لأنه ثبت بالتواتر، والقياس ليس كذلك، بل هو مظنون من جميع الجهات، والمقطوع راجح على المظنون.

و. السادس: قوله تعالى ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: 45] وإذا وجدنا عموم الكتاب حاصلا في الواقعة ثم انا لا نحكم به بل حكمنا بالقياس لزم الدخول تحت هذا العموم.

ز. السابع: قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [الحجرات: 1] فإذا كان عموم القرآن حاضر، ثم قدمنا القياس المخصص عليه لزم التقديم بين يدي الله ورسوله.

ح. الثامن: قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ﴾ [الأنعام: 148] جعل اتباع الظن من صفات الكفار، ومن الموجبات القوية في مذمتهم، فهذا يقتضي أن لا يجوز العمل بالقياس ألبتة ترك هذا النص لما بينا أنه يدل على جواز العمل بالقياس، لكنه إنما دل على ذلك عند فقدان النصوص، فوجب عند وجدانها أن يبقى على الأصل.

ط. التاسع: انه‏ روي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: إذا روي عني حديث فاعرضوه على كتاب الله فان وافقه فاقبلوه وإلا ذروه)، ولا شك ان الحديث أقوى من القياس، فإذا كان الحديث الذي لا يوافقه الكتاب مردودا فالقياس أولى به.

ي. العاشر: ان القرآن كلام الله الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد، والقياس يفرق عقل الإنسان الضعيف، وكل من له عقل سليم علم أن الأول أقوى بالمتابعة وأحرى.

3. ذكرنا أن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يدل على صحة العمل بالقياس، فنقول: كما أن هذه الآية دلت على هذا الأصل، فكذلك دلت على مسائل كثيرة من فروع القول بالقياس، ونحن نذكر بعضها:

أ. الأول: قد ذكرنا أن قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ معناه فردوه إلى واقعة بين الله حكمها، ولا بد وأن يكون المراد فردوها إلى واقعة تشبهها، إذ لو كان المراد بردها ردها إلى واقعة تخالفها في الصورة والصفة، فحينئذ لم يكن ردها إلى بعض الصور أولى من ردها إلى الباقي، وحينئذ يتعذر الرد، فعلمنا أنه لا بد وأن يكون المراد: فردوها إلى واقعة تشبهها في الصورة والصفة، ثم إن هذا المعنى الذي قلناه يؤكد بالخبر والأثر، أما الخبر فإنهم لما سألوه صلّى الله عليه وآله وسلّم عن قبلة الصائم فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (أرأيت لو تمضمضت) يعني المضمضة مقدمة الأكل، كما أن القبلة مقدمة الجماع، فكما أن تلك المضمضة لم تنقض الصوم، فكذا القبلة، ولما سألته الخثعمية عن الحج فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: أرأيت لو كان على أبيك دين فقضيته هل يجزى فقالت نعم: قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: فدين الله أحق بالقضاء)، وأما الأثر فما روي عن عمر أنه قال: (اعرف الأشباه والنظائر وقس الأمور برأيك)، فدل مجموع ما ذكرناه من دلالة هذه الآية ودلالة الخبر ودلالة الأثر على أن قوله: ﴿فَرُدُّوهُ﴾ أمر برد الشيء إلى شبيهة، وإذا ثبت هذا فقد جعل الله المشابهة في الصورة والصفة دليلا على أن الحكم في غير محل النص مشابه للحكم في محل النص، وهذا هو الذي يسميه الشافعي قياس الأشباه، ويسميه أكثر الفقهاء قياس الطرد، ودلت هذه الآية على صحته لأنه لما ثبت بالدليل أن المراد من قوله: ﴿فَرُدُّوهُ﴾ هو أنه ردوه إلى شبيهه علمنا أن الأصل المعول عليه في باب القياس محض المشابهة، وهذا بحث فيه طول، ومرادنا بيان كيفية استنباط المسائل من الآيات، فأما الاستقصاء فيها فمذكور في سائر الكتب.

ب. الثاني: دلت الآية على أن شرط الاستدلال بالقياس في المسألة أن لا يكون فيها نص من الكتاب والسنة لأن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ﴾ مشعر بهذا الاشتراط.

ج. الثالث: دلت الآية على أنه إذا لم يوجد في الواقعة نص من الكتاب والسنة والإجماع جاز استعمال القياس فيه كيف كان، وبطل به قول من قال لا يجوز استعمال القياس في الكفارات والحدود وغيرهما، لأن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ عام في كل واقعة لا نص فيها.

د. الرابع: دلت الآية على أن من أثبت الحكم في صورة بالقياس فلا بد وأن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالنص، ولا يجوز أن يقيسه على صورة ثبت الحكم فيها بالقياس لأن قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ظاهره مشعر بأنه يجب رده إلى الحكم الذي ثبت بنص الله ونص رسوله.

هـ. الخامس: دلت الآية على أن القياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالقرآن، والقياس على الأصل الذي ثبت حكمه بالسنة إذا تعارضا كان القياس على القرآن مقدما على القياس على الخبر لأنه تعالى قدم الكتاب على السنة في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وفي قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ وكذلك في خبر معاذ.

و. السادس: دلت الآية على أنه إذا تعارض قياسان أحدهما تأيد بإيماء في كتاب الله والآخر تأيد بإيماء خبر من أخبار رسول الله، فإن الأول مقدم على الثاني، يعني كما ذكرناه في الفرع الخامس، فهذه المسائل الأصولية استنبطناها من هذه الآية في أقل من ساعتين، ولعل الإنسان إذا استعمل الفكر على الاستقصاء أمكنه استنباط أكثر مسائل أصول الفقه من هذه الآية.

4. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ قال الزجاج: اختلفتم، وقال كل فريق: القول قولي واشتقاق المنازعة من النزع الذي هو الجذب، والمنازعة عبارة عن مجاذبة كل واحد من الخصمين لحجة مصححة لقوله، أو محاولة جذب قوله ونزعه إياه عما يفسده.

5. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ هذا الوعيد يحتمل أن يكون عائدا إلى قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وإلى قوله: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾

6. ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ يقتضي أن من لم يطع الله والرسول لا يكون مؤمنا، وهذا يقتضي أن يخرج المذنب عن الايمان لكنه محمول على التهديد.

7. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي ذلك الذي أمرتكم به في هذه الآية خير لكم وأحسن عاقبة لكم لأن التأويل عبارة عما اليه مآل الشيء ومرجعه وعاقبته.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/115.

(2) يقصد الشافعية

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ أي تجادلتم واختلفتم، فكأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويذهبها، والنزع الجذب، والمنازعة مجاذبة الحجج، ومنه الحديث (وأنا أقول ما لي ينازعني القرآن)، وقال الأعشى:

çنازعتم قضب الريحان متكئا...وقهوة مزة راووقها خضلé

الخضل النبات الناعم والخضيلة الروضة.

2. ﴿فِي شَيْءٍ﴾ أي من أمر دينكم، ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي ردوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم، هذا قول مجاهد والأعمش وقتادة، وهو الصحيح، ومن لم ير هذا اختل إيمانه، لقوله تعالى ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وقيل: المعنى قولوا الله ورسوله أعلم، فهذا هو الرد، وهذا كما قال عمر بن الخطاب: الرجوع إلى الحق خير من التمادي في الباطل.

3. القول الأول أصح، لقول علي: ما عندنا إلا ما في كتاب الله وما في هذه الصحيفة، أو فهم أعطيه رجل مسلم، ولو كان كما قال هذا القائل لبطل الاجتهاد الذي خص به هذه الأمة والاستنباط الذي أعطيها، ولكن تضرب الأمثال ويطلب المثال حتى يخرج الصواب، قال أبو العالية: وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾، نعم، ما كان مما استأثر الله بعلمه ولم يطلع عليه أحدا من خلقه فذلك الذي يقال فيه: الله أعلم، وقد استنبط علي مدة أقل الحمل ـ وهو ستة أشهر ـ من قوله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾ فإذا فصلنا الحولين من ثلاثين شهرا بقيت ستة أشهر، ومثله كثير.

4. في قوله تعالى: ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ دليل على أن سنته صلّى الله عليه وآله وسلّم يعمل بها ويمتثل ما فيها، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك من كان قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) أخرجه مسلم، وروى أبو داوود عن أبي رافع عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (لا ألفين أحدكم متكئا على أريكته يأتيه الأمر من أمري مما أمرت به أو نهيت عنه فيقول لا ندري ما وجدنا في كتاب الله اتبعناه)، وعن العرباض بن سارية أنه حضر رسول الله صلى الله وسلم يخطب الناس وهو يقول: (أيحسب أحدكم متكئا على أريكته قد يظن أن الله لم يحرم شيئا إلا ما في هذا القرآن ألا وإني والله قد أمرت ووعظت ونهيت عن أشياء إنها لمثل القرآن أو أكثر)، وأخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معدي كرب بمعناه وقال: حديث حسن غريب، والقاطع قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ الآية، وسيأتي.

5. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ أي ردكم ما اختلفتم فيه إلى الكتاب والسنة خير من التنازع، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي مرجعا، من آل يئول إلى كذا أي صار، وقيل: من ألت الشيء إذا جمعته وأصلحته، فالتأويل جمع معاني ألفاظ أشكلت بلفظ لا إشكال فيه، يقال: أول الله عليك أمرك أي جمعه، ويجوز أن يكون المعنى وأحسن من تأويلكم.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/262.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. المنازعة: المجاذبة، والنزع: الجذب، كأن كل واحد ينتزع حجة الآخر ويجذبها، والمراد: الاختلاف والمجادلة، وظاهر قوله: ﴿فِي شَيْءٍ﴾ يتناول أمور الدين والدنيا، ولكنه لما قال ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ تبين به أن الشيء المتنازع فيه يختص بأمور الدين دون أمور الدنيا، والردّ إلى الله: هو الردّ إلى كتابه العزيز، والردّ إلى الرسول: هو الردّ إلى سنته المطهرة بعد موته، وأما في حياته فالردّ إليه: سؤاله، هذا معنى الرد إليهما.

2. وقيل: معنى الردّ: أن يقولوا: الله أعلم، وهو قول ساقط، وتفسير بارد، وليس الردّ في هذه الآية إلا الرد المذكور في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾

3. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ فيه دليل: على أن هذا الرد متحتم على المتنازعين، وإنه شأن من يؤمن بالله واليوم الآخر، والإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ﴾ إلى الردّ المأمور به ﴿خَيْرٌ لكم وأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: مرجعا، من الأوّل: آل، يؤول إلى كذا، أي: صار إليه؛ والمعنى: أن ذلك الردّ خير لكم وأحسن مرجعا ترجعون إليه، ويجوز أن يكون المعنى: أن الردّ أحسن تأويلا من تأويلكم الذي صرتم إليه عند التنازع.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/557.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ من أمر الدين، أيُّها العامَّة وأولوا الأمر، أو أيُّها المتولُّون للأمر فيما بينكم ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ﴾ إلى كتابه ﴿والرَّسُولِ﴾ بسؤاله عنه، وبعد موته بالرجوع إلى سنَّته، ومن الردِّ إلى كتاب الله وسنَّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم القياس، فالآية مثبِتة للقياس لمن تأهَّل له، لا نافية له كما زعم من قال: إنَّه يجب الوقوف على النصوص فيه وفي السنَّة، ويردُّه أيضًا أنَّه لا توجد الأحكام كلُّها فيهما، فالأحكام من الكتاب والسنَّة والقياس والإجماع، إلَّا أنَّه راجع للقياس، إلَّا أنَّه لا يَعرفُ الناسُ بعد انعقاده كلُّهم مأخذه.

2. ﴿إِن كُنتُمْ تُومِنُونَ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الَاخِرِ﴾ متعلِّق بقوله: ﴿فَرُدُّوهُ﴾، أو بقوله: ﴿أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ﴾، وتعليقه بالردِّ أولى، كما يناسبه قوله: ﴿ذَالِكَ﴾ أي: الردُّ إلى الله ورسوله ﴿خَيْرٌ﴾ نفعٌ لكم ﴿وَأَحْسَنُ تَاوِيلاً﴾ رجْعًا وعاقبة، أو أحسن من رأيكم على فرض أنَّ فيه حُسْنًا، أو هو حسن، وقولكم بخلافه قبيح، أو حسن لكم، أو أفضل من رأيكم الذي تدَّعون فيه فضلاً.

3. هرب قوم قصدهم خالد إلَّا رجلاً أتى عمَّارًا فأسلم، فلمَّا أصبح خالد أغار فلم يجد إلَّا الرجل وأهله وماله، فقال عمَّار: (خلِّ عنه فإنَّه مسلم، فاستبَّا حينئذ، وحين وصلا إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: أتترك مثل هذا يجير عليَّ؟ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (من شتم عمارًا فقد شتم الله سبحانه)، وأجار الرجل وماله وأهله، فقال لعمَّار: (لا تُجِرْ بعد هذا أحدًا على أميرك)، وتبعه خالد واسترضاه فرضي عنه.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/210.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قال البيضاويّ: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾، يؤيد أن المراد بأولي الأمر الأمراء لا العلماء، إذ ليس للمقلد أن ينازع المجتهد في حكمه بخلاف المرؤوس.. إلا أن يقال: الخطاب لأولي الأمر، على طريقة الالتفات، وتابعه أبو السعود.

2. قال الخفاجيّ: (وجه التأييد أن للناس والعامة منازعة الأمراء في بعض الأمور وليس لهم منازعة العلماء، إذ المراد بهم المجتهدون، والناس ممن سواهم لا ينازعونهم في أحكامهم، والمراد بالمرؤوس (على وزن المفعول) العامة التابعة للرائس والرئيس، فإذا كان الخطاب في (تنازعتم) لأولي الأمر على الالتفات صح إرادة العلماء، لأن للمجتهدين أن ينازع بعضهم بعضا مجادلة ومحاجة، فيكون المراد أمرهم بالتمسك بما يقتضيه الدليل)، وفي وقوله: (إذ ليس للمقلد إلخ) ما ستراه.

3. فهم كثير من الناس والمفسرين أيضا أن طاعة أولي الأمر العلماء، تقليدهم فيما يفتون به، وهو غلط قال ابن القيّم في (أعلام الموقعين) في عقد مجلس مناظرة بين مقلد وبين صاحب حجة منقاد للحق حيث كان، قال المقلد: وقد أمر الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأولي الأمر ـ وهم العلماء، أو العلماء والأمراء ـ وطاعتهم تقليدهم فيما يفتون به، فإنه لولا التقليد، لم‏ يكن هناك طاعة تختص بهم، قال وجوابه أن أولي الأمر، قيل: هم الأمراء، وقيل: هم العلماء، وهما روايتان عن الإمام أحمد، والتحقيق أن الآية تتناول الطائفتين، وطاعتهم من طاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، لكن خفي على المقلدين أنهم يطاعون في طاعة الله إذا أمروا بأمر الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأين في الآية تقديم آراء الرجال على سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وإيثار التقليد عليها؟ ثم قال ابن القيّم: إن هذه الآية من أكبر الحجج عليهم وأعظمها إبطالا للتقليد، وذلك من وجوه:

أ. أحدها: الأمر بطاعة الله التي هي امتثال أمره واجتناب نهيه.

ب. الثاني: طاعة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا يكون العبد مطيعا لله ولرسوله حتى يكون عالما بأمر الله تعالى ورسوله، وأما من هو مقلد فيها لأهل العلم لم يمكنه تحقيق طاعة الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم البتة.

ج. الثالث: أن أولي الأمر قد نهوا عن تقليدهم، كما صح ذلك عن معاذ بن جبل وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وعبد الله بن عباس وغيرهم من الصحابة، وذكرناه عن الأئمة الأربعة وغيرهم، وحينئذ فطاعتهم في ذلك إن كانت واجبة بطل التقليد، وإن لم تكن واجبة الاستدلال.

د. الرابع: أنه سبحانه وتعالى، قال في الآية نفسها: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، وهذا صريح في إبطال التقليد والمنع من رد المتنازع فيه إلى رأي أو مذهب أو تقليد، فإن قيل: فما هي طاعتهم المختصة بهم؟ إن كانت الطاعة فيما يخبرون به عن الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، كانت الطاعة لله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا لهم، قيل: هذا هو الحق، وطاعتهم إنما هي تبع لا استقلال، ولهذا قرنها بطاعة الرسول، وأعاد العامل لئلا يتوهم أنه إنما يطاع تبعا كما يطاع أولو الأمر تبعا، وليس كذلك، بل طاعته واجبة استقلالا، كان، ما أمر به أو نهى عنه في القرآن، أو لم يكن.

4. وقال قبل ذلك: إن فرقة التقليد قد ارتكبت مخالفة أمر الله تعالى وأمر رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهدي أصحابه وأحوال أئمتهم، وسلكوا ضد طريق أهل العلم، أما أمر الله تعالى، فإنه أمر أن يرد ما تنازع فيه المسلمون إليه وإلى رسوله، والمقلدون قالوا: إنما نردّه إلى من قلدناه، وأما أمر رسوله فإنه صلّى الله عليه وآله وسلّم أمر عند الاختلاف بالأخذ بسنته وسنة خلفائه الراشدين المهديين، وأمر أن يتمسك بها ويعض عليها بالنواجذ، وقال المقلدون: بل عند الاختلاف نتمسك بقول من قلدناه ونقدمه على كل ما عداه، وأما هدي الصحابة فمن المعلوم بالضرورة أنه لم يكن‏ شخص واحد يقلد رجلا في جميع أقواله ويخالف من عداه من الصحابة بحيث لا يرد من أقواله شيئا ولا يقبل من أقوالهم شيئا، وهذا من أعظم البدع وأقبح الحوادث، وأما مخالفتهم لأئمتهم فإن الأئمة نهوا عن تقليدهم وحذروا منه، كما تقدم ذكر بعض ذلك عنهم وضبطها والنظر فيها وعرضها على القرآن والسنن الثابتة عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأقوال خلفائه، فما وافق ذلك منها قبلوه ودانوا الله تعالى به، وقبضوا به وأفتوا به، وما خالف ذلك منها لم يلتفتوا إليه وردوه، وما لم يتبين لهم كان عندهم من مسائل الاجتهاد التي غايتها أن تكون سائغة الاتّباع لا واجبة الاتّباع، من غير أن يلزموا بها أحدا ولا يقولوا إنها الحق دون ما خالفها، هذه طريقة أهل العلم سلفا وخلفا، وأما هؤلاء الخلف فعكسوا الطريق وقلبوا أوضاع الدين، فزيفوا كتاب الله سبحانه وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأقوال خلفائه وجميع أصحابه، وعرضوها على أقوال من قلدوه، فما وافقها منها قالوا: لنا؛ وانقادوا له مذعنين، وما خالف أقوال متبوعهم منها قالوا: احتج الخصم بكذا وكذا، ولم يقبلوه ولم يدينوا به، واحتال فضلاؤهم في ردها بكل ممكن، وتطلبوا لها وجوه الحيل التي يرونها، حتى إذا كانت موافقة لمذهبهم، وكانت تلك الوجوه بعينها قائمة فيها، شنعوا على منازعهم وأنكروا عليهم ردها بمثل تلك الوجوه بعينها، وقالوا: لا تردّ النصوص بهذا، ومن له همة تسمو إلى الله ومرضاته، ونصر الحق الذي بعث به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، أين كان ومع من كان، لا يرضى لنفسه بمثل هذا المسلك الوخيم والخلق الذميم.

5. استدلّ مثبتو القياس بقوله تعالى‏ ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾.. قالوا: معنى الآية: فإن تنازعتم في شيء حكمه غير مذكور في الكتاب والسنة، فردوا حكمه إلى الأحكام المنصوصة في الوقائع المشابهة له، وذلك هو القياس، قالوا: ولو كان المراد من قوله تعالى‏ ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ طلب حكمه من نصوص الكتاب والسنة ـ لكان داخلا تحت قوله‏ ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وهو إعادة لعين ماضي (كذا) وهو غير جائز، وقد توسع الرازيّ في تقرير ذلك هاهنا، كما توسع في أن قوله تعالى (وأولي الأمر) إشارة إلى الإجماع، فتكون الآية، بزعمه، دلت على الأصول الأربع، ولا يخفى ما في هذا التعمق من دقيق الاستنباط.

6. قدمنا رواية البخاريّ في سبب نزول هذه الآية، وأن ابن عباس قال نزلت في عبد الله بن حذافة، قال الداوديّ (شارح الصحيح): هذا وهم على ابن عباس، فإن عبد الله بن حذافة خرج على جيش فغضب عليهم، فأمرهم أن يوقدوا نارا ويقتحموها، فامتنع بعض وهم بعض أن يفعل، قال فإن كانت الآية نزلت قبل، فكيف يخص عبد الله بن حذافة بالطاعة دون غيره؟ وإن كانت نزلت بعد فإنما قيل لهم: إنما الطاعة في المعروف، وما قيل لهم: لم لم تطيعوه؟ وأجاب الحافظ ابن حجر: أي المقصود في قصته قوله‏ ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ﴾ لأنهم تنازعوا في امتثال ما أمرهم به، وسببه أن الذين هموا أن يعطوه وقفوا عند امتثال الأمر بالطاعة، والذين امتنعوا عارضه عندهم الفرار من النار، فناسب أن ينزل في ذلك ما يرشدهم إلى ما يفعلونه عند التنازع، وهو الرد إلى الله وإلى رسوله، أي: إن تنازعتم في جواز الشيء وعدم جوازه فارجعوا إلى الكتاب والسنة.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/190.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. للمفسرين في المخاطبين بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ قولان مشهوران:

أ. أحدهما: أنهم أولو الأمر على طريق الالتفات عن الغيبة إلى الخطاب، وعلى هذا يكون أولو الأمر مخيرين في طريقة رد الشيء المتنازع فيه إلى الله والرسول بين أن يكون ذلك بواسطة بعض منهم أو من غيرهم بشرط أن يكونوا عالمين بالكتاب والسنة والمصالح العامة، فإن اتضح الأمر برده إلى الكتاب والسنة لوضوح دليله وجب العمل به حتما وإلا كان المرجح هو الإمام الأعظم كما تدل عليه السنة في ترجيح النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لما اختلف فيه الصحابة ببدر وأحد، وعلى أي شيء يبنى ترجيحه؟ الذي ظهر لي أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ورجح في أحد رأي الأكثرين مخالفا لرأيه، ورجح في بدر الرأي الموافق رأيه ولم يكن هناك أكثرية ظاهرة، فيجب أن يراعي الإمام ذلك، ولا مجال في هذا للتفرق والخلاف.

ب. الثاني: إن المخاطبين هم أولي الأمر أي العامة، وصرح بعضهم بأن هذا يختص بأمر الدين فهو الذي لا يعمل فيه برأي أولي الأمر.

2. الأولى أن يقال هم مجموع الأمة وعلى هذا يكون للأمة أن تقيم من يحكم فيما يختلف فيه أولو الأمر برده إلى الكتاب والسنة ويأتي هنا ما ذكرناه آنفا في الاتفاق والاختلاف.

3. التنازع من النزع وهو الجذب لأن كل واحد من المختلفين يجذب الآخر إلى رأيه أو يجذب حجته من يده ويلقي بها، والمسائل الدينية لا ينبغي أن يكون فيها تفرق ولا خلاف ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: 13] لأن العمل فيها بالنص لا بالرأي كما تقدم.

4. يؤيد القول الأول آية الاستنباط الآتية وهي قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83] فبين أن ما ينظر فيه أولو الأمر هو المسائل العامة كمسائل الأمن والخوف وأن العامة لا ينبغي لها الخوض في ذلك، بل عليها أن ترده إلى الرسول وإلى أولي الأمر، وأن من هؤلاء من يتولى أمر استنباطه وإقناع الآخرين به، وهذه الآية تنفي أن يكون أولو الأمر هم الملوك والأمراء لأنه لم يكن مع الرسول ملوك ولا أمراء، وإن يكونوا هم العارفين بأحكام الفتوى فقط لأن مسائل الأمن والخوف وما يصلح للأمة في زمن الحرب يحتاج فيه إلى الرأي الذي يختلف باختلاف الزمان والمكان ولا يكفي فيه معرفة أصول الفقه وفروعه ولا الاجتهاد بالمعنى الذي يقوله علماء الأصول وقد بينا ذلك في مواضع كثيرة.

5. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي أطيعوا الله وأطيعوا الرسول الخ أو ردوا الشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة إن كنتم تؤمنون بالله الخ فإن المؤمن لا يؤثر على حكم الله شيئا والمؤمن باليوم الآخر يهتم بجزاء الآخرة أشد من اهتمامه بحظوظ الدنيا فلو كان له هوى في المسألة المتنازع فيها فإنه يتركه لحكم الله ابتغاء مرضاته ومثوبته في اليوم الآخر، وفيه تعريض أو دليل على أن من لا يؤثر اتباع الكتاب والسنة على أهوائه وحظوظه ولا سيما في مسائل المصالح العامة فيه لا يكون مؤمنا بالله واليوم الآخر إيمانا يعتد به.

6. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ هذا بيان لفائدة هذه الأحكام أو هذا الرد في الدنيا بعد بيان فائدته في الآخرة كما هو اللائق بدين الفطرة الجامع بين مصالح الدارين، أي ذلك الذي شرعناه لكم في تأسيس حكومتكم وإصلاح أمركم، أو ذلك الرد للشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله، خير لكم في نفسه، لأنه أقوى أساس لحكومتكم، والله أعلم منكم بما هو خير لكم فلم يشرع لكم في كتابه وعلى لسان رسوله من الأصول والقواعد إلا ما هو قيم لمصالحكم ومنافعكم، وهو على كونه خيرا في نفسه أحسن تأويلا أي مآلا وعاقبة لأنه يقطع عرق التنازع، ويسد ذرائع الفتن والمفاسد.

7. قال محمد عبده: قيل إن الشرط متعلق بالأخير وهو الرد إلى الله والرسول والغرض منه تذكيرهم بالله حتى لا يستعملوا شهوتهم وحظوظهم في الرد وقيل متعلق بكل ما تقدم من طاعة الله وطاعة الرسول وأولي الأمر، وهو الظاهر وجمهور المفسرين على أنه تهديد من الله تعالى لمن خالف أمرا من هذه الأوامر وإخراج له من حظيرة الإيمان، ومعنى كونه خيرا أنه أنفع من كل ما عداه ولو جرى المسلمون عليه لما أصابهم ما أصابهم من الشقاء فقد رأينا كيف سعد المهتدون به وكيف شقي الذين أعرضوا عنه واستبدوا بالأمر، وأما كونه أحسن تأويلا فهو أن الأوامر والأحكام إنما تكون صورا معقولة وعبارات مقولة حتى يعمل بها فتظهر فائدتها وأثرها، فعلمنا بالآخرة ليس إلا صورا ذهنية لا نعرف الحقائق التي تنطبق عليها إلا إذا صرنا إليها.

8. تلك أصول الشريعة الإسلامية المدنية السياسية والقضائية لا ترى فيها عوجا ولا أمتا، ولا تبصر فيها غلا ولا قيدا، وليس فيها عسر ولا حرج، ولا مجال فيها للاضطراب والهرج، ولكن لم يعمل بها إلا الخلفاء الراشدون عليهم الرضوان، بحسب ما اقتضته حال الأمة في ذلك الزمان، فكانوا مع ذلك حجة الله على نوع الإنسان، إذ لم تكتحل بمثل عدلهم عين الدنيا إلى الآن.

9. إذا كان الله تعالى قد أكمل لنا بالإسلام دين الأنبياء أصولا وفروعا ووضع لنا أصول الكمال للشريعة المدنية ووكل إلينا أمر الترقي فيها بمراعاة تلك الأصول، فكان ينبغي لنا بعد اتساع ملك الإسلام ودخول الممالك العامرة التي سبقت لها المدنية في دائرة سلطانه أن نرتقي في نظام الحكومة المدنية، ويكون خلفنا فيها أرقى من سلفنا لما للخلف من أسباب ووسائل هذا الترقي، ولكنهم حولوا الحكومة عن أساس الشورى كما تقدم وأضاعوا الأصول التي أمروا بإقامتها في هذه الآية، فجرى أكثرهم على أن أولي الأمر هم أفراد الأمراء والسلاطين، وإن كانوا جائرين، ومنهم من قال إنهم العلماء المجتهدون في الفقه خاصة، ثم قالوا إنهم قد انقرضوا وأنه لا يجوز أن يخلفهم أحد وأن الإجماع خاص بهم وكذلك استنباط الأحكام الفرعية خاص بهم، ومهما اشتدت حاجة المسلمين إلى استنباط أحكام الوقائع وأقضية جديدة فلا يجوز لأحد أن يستنبط لها حكما، وإن ما تنازع فيه المسلمون لا يجوز رده إلى الله ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة والعمل بما يهديان إليه بل يجب أن يقلد كل طائفة من المسلمين من شاءوا من المختلفين في الأحكام الشخصية ويتبعوا الحكام في غيرها، ولا ضرر في اختلافهم وتفرقهم شيعا وإن تفرقت كلمتهم في الأحكام والقضايا وفي العبادات حتى صار الحنفي يمكث في المسجد وإمام الشافعية يصلي الصبح بالمنتسبين إلى مذهبه فلا يصلي هذا الحنفي معهم حتى يجيء إمام مذهبه فيأتم به.

10. وقف المسلمون في دينهم وشريعتهم عند الكتب التي ألفها المقلدون في القرون الوسطى وما بعدها ولكن الزمان ما وقف حتى صار حكمهم فريقين كما تقدم، وصار الناس ينسبون كل ما هم عليه من الضعف والوهن والجهل والفقر إلى دينهم وشريعتهم وسرى هذا الاعتقاد إلى الذين يتعلمون علوم أوروبا وقوانينها فمنهم من مرق من الإسلام وفضل تلك القوانين على الشريعة، اعتقادا منهم أن الشريعة هي ما يعرفه من كتب الفقه وهو لا يعرف من القرآن ولا من السنة شيئا، ومنهم من تركوا العمل بهذا الفقه في السياسة وأحكام العقوبات وأحكام المعاملات المدنية واستبدل بها القوانين الأوروبية، فصارت حكومتهم أمثل مما كانت عليه فقويت بذلك حجة أهل القوانين الوضعية، على أهل الشريعة الإلهية، فظنوا أنها حجة على الشريعة نفسها وقام طلاب إصلاح الحكومة في الدولتين العثمانية والإيرانية من المتفرنجين يطلبون تقليد الإفرنج في إصلاح قوانين حكومتيهما لأنهم جاهلون بما في القرآن الحكيم من أصول حكومة الشورى وتفويضها إلى أولي الأمر الذين تثق بهم الأمة وتعول على رأيهم.

11. إذا كان فقهاؤنا لا يبالون بما يقول فينا أهل العصر لأجلهم ولأجل بعض كتب الفقه فيجب أن يبالوا ولا يرضوا بأن ينسب الجمود إلى أصل الشريعة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم نعم إنهم لا ينكرون هذه الأصول ولكنهم يقولون إنه لا يوجد في المسلمين الآن ولا قبل الآن بقرون من هم أهل للإجماع ولا لاستنباط الأحكام التي تحتاج إليها الأمة من الكتاب والسنة، وما دام المسلمون راضين بهذا الحكم عليهم فإن حالهم لا تتغير فإن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.

12. أورد هنا كلام الرازي في تفسيره الكبير في أن هذه الآية آية شريفة مشتملة على أكثر علم أصول الفقه.. وقد سبق ذكره.

13. قد علمت أنهم جعلوا الآية حجة على أن الإجماع أصل من أصول هذه الشريعة ورأيت أن بعضهم يقول إجماع الأمة وإجماع أهل الحل والعقد الذين يمثلون الأمة ثم إنهم صرحوا مع ذلك بأن المراد بهذا هو الإجماع الأصولي فما هو تعريفه(2):

أ. الإجماع في اصطلاح جمهور الأصوليين (هو اتفاق مجتهدي هذه الأمة بعد وفاة نبيها في عصر على أمر أي أمر كان)، فلا عبرة فيه باتفاق بعض المجتهدين ولو الأكثر ولا باتفاق المقلدين ولا باتفاق غير المسلمين كالذين يكفرون ببدعتهم والذين يجعلون الإسلام جنسية لهم لا دينا، فإذا فرضنا أن عصرا خلا من المجتهدين (كما يقول جماهير المشتغلين بالعلم من المنتمين إلى السنة في هذا العصر) واتفق جميع المسلمين فيه على حكم في واقعة عرضت ليس فيها نص شرعي فإن اتفاقهم كلهم لا يعد إجماعا وربما يقول متفقهتنا أنهم يكونون بذلك كلهم عصاة لله تعالى باجتهادهم هذا، ولا يبعد أن يقول المتنطع من هؤلاء المتفقهة أنهم إذا استحلوا وضع الحكم والعمل به وعده شرعيا يكونون مرتدين عن الإسلام، ونعوذ بالله من مثل هذا التنطع الذي يجيز عقل صاحبه خطأ الملايين ويقول بعصمة الاثنين فأكثر من المجتهدين.

ب. واعتبر بعضهم وفاق العوام للمجتهدين ليصح أن الأمة أجمعت إذ عبر بعضهم كالغزالي في التعريف باتفاق الأمة، وعبر في جمع الجوامع بمجتهد الأمة لصدقه على الاثنين فأكثر والمفرد المضاف يعم، وأراد أنه لو لم يوجد إلا اثنين من المجتهدين واجمعا وجب العمل بإجماعهما بشرطه ولو كانا امرأتين أو عبدين وفيه خلاف، وهناك خلافات أخرى في قيود الحد ومفهومها وفي مسائل أخرى تتعلق بالإجماع.

ج. وقال في كشاف اصطلاحات الفنون الاجتهاد في اصطلاح الأصوليين استفراغ الفقيه الوسع لتحصيل ظن بحكم شرعي والمستفرغ وسعه في ذلك التحصيل يسمى مجتهدا، ثم قال: فائدة للمجتهد شرطان:

الأول: معرفة البارئ تعالى وصفاته وتصديق النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بمعجزاته وسائر ما يتوقف عليه علم الإيمان كل ذلك بأدلة إجمالية إن لم يقدر على التحقيق والتفصيل على ما هو دأب المتبحرين في علم الكلام.

الثاني: أن يكون عالما بمدارك الأحكام وأقساطها وطرق إثباتها ووجوه دلالتها وتفاصيل شرائطها ومراتبها وجهات ترجيحها عند تعارضها والتقصي عن الاعتراضات الواردة عليها فيحتاج إلى معرفة حال الرواة وطرق الجرح والتعديل وأقسام النصوص المتعلقة بالأحكام وأنواع العلوم الأدبية من اللغة والصرف والنحو وغير ذلك، هذا في حق المجتهد المطلق الذي يجتهد في الشرع، وأما المجتهد في مسألة فيكفيه علم ما يتعلق بها ولا يضره الجهل بما لا يتعلق بها، هذا كله خلاصة ما في العضدي وحواشيه وغيرها اه.

د. وإنني أذكر لك خلاصة ما في كتاب جمع الجوامع في ذلك وهو أن المجتهد عندهم هو الفقيه ويشترط في تحقق الاجتهاد أن يكون بالغا عاقلا ذا ملكة يدرك بها المعلوم فقيه النفس عارفا بالدليل العقلي أي البراءة الأصلية ذا درجة وسطى في اللغة العربية وفنونها (من النحو والصرف والبلاغة) والأصول والكتاب والسنة، وصرح بأنه يكفي في زماننا الرجوع إلى أئمة الحديث أي إلى مصنفاتهم في الجرح والتعديل وما يصح وما لا يصح وبأنه لا يشترط علم الكلام ولا الذكورة ولا الحرية، فيجوز أن يتألف المجتهدون أهل الإجماع من النساء والعبيد.

هـ. ليس تحصيل هذا الاجتهاد الذي ذكروه بالأمر العسير ولا بالذي يحتاج فيه إلى اشتغال الذين يحصلون درجات العلوم العالية عند علماء هذا العصر في الأمم الحية كالحقوق والطب والفلسفة ومع ذلك نرى جماهير علماء التقليد منعوه فلا تتوجه نفوس الطلاب إلى تحصيله.

و. وظاهر أن تعريف جمهور الأصوليين للإجماع وتخصيصه بالمجتهدين المعرفين بما ذكر لا يتفق مع قول القائلين إنهم أهل الحل والعقد ولا على المصلحة العامة فإن العالمين بما ذكروه من شروط المجتهد لا يعرفون مصالح الأمة والدولة في الأمور العامة كمسائل الأمن والخوف والسلم والحرب والأموال والإدارة والسياسة بل لا يوثق بعلمهم الذي اشترطوه في أحكام القضاء في هذا العصر الذي تجدد للناس فيه من طرق المعاملات ما لم يكن له نظير في العصور الأولى فيقيسوه به.

ز. ثم إن ما ذكروه في تعريف الاجتهاد والمجتهد لا يقتضي أن يكون المجتهدون معصومين في اتفاقهم على الأمر الذي يسمى إجماعا ولا سيما على قول الجمهور الذين يجيزون إجماع العدد القليل كاثنين والثلاثة، وغلا بعض أهل الأصول فقالوا: إن عصمتهم كعصمة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وجعل بعضهم من ذلك: اتفاقهم على العمل وإن لم يصدر منهم قول فيه، فقالوا فعلهم كفعل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، واختاره الجويني خلافا للباقلاني، وصرحوا بأن وقوع الخطأ منهم محال، أخذوا هذا من كون الأمة لا تجتمع على ضلالة، وهذا معنى آخر، على أنهم يجيزون خطأ الأمة كلها إذا خلت من المجتهدين كما تقدم فنسأل الله تعالى أن يحفظ علينا العقل والدين، ونحمده أن كانت هذه الآراء مختلفا فيها بين الباحثين، حتى منع بعضهم هذا الإجماع البتة وأحاله وبعضهم لم يعتد إلا بإجماع الصحابة واعتد بعضهم بإجماع العترة النبوية وبعضهم بإجماع أهل المدينة في العصر الأول واشترط بعضهم عدد التواتر وبعضهم موافقة العوام.

ح. وبعد هذا وذاك نقول: إن حصر المجتهدين بالمعنى الذي ذكروه لا يمكن والعلم باتفاقهم على تفرقهم لا يمكن ولهذا قال بعض العلماء إن هذا الإجماع الأصولي غير ممكن، وإذا أمكن فالعلم به غير ممكن، وقال بعضهم يمكن العلم بالإجماع السكوتي دون القولي، وهو مختلف في كونه إجماعا، قال بعضهم إنه حجة ظنية لا إجماع وقال بعضهم إنه ليس بإجماع ولا حجة، والقول الثالث أنه إجماع ظني، وقد يقال السكوتي لا سبيل إلى العلم به أيضا لأن عدم العلم بالقول من زيد لا يقتضي عدم صدور القول منه، وكان يطلق بعض السلف الإجماع على المسألة التي رويت عن جمع من الصحابة، ولم ينقل أن أحدا خالفهم فيها وهذا غير الإجماع الذي يعتد به جمهور الأصوليين.

ط. وروي عن الإمام أحمد أنه قال: (من ادعى الإجماع فقد كذب لعل الناس قد اختلفوا هذه دعوى بشر المريسي والأصم (من المعتزلة) ولكن يقول لا أعلم الناس اختلفوا أو لم يبلغه) نقل هذا في المسودة ثم قال: وكذلك نقل المروزي عنه أنه قال كيف يجوز للرجل أن يقول) أجمعوا)، إذا سمعتهم يقولون أجمعوا فاتهمهم، لو قال إني لا أعلم مخالفا كان (أحسن)، قال في المسودة وكذلك نقل أبو طالب عنه أنه قال هذا كذب ما عِلْمُه أن الناس مجتمعون، ولكن يقول لا أعلم فيه اختلافا فهو أحسن من قوله إجماع الناس، وكذلك نقل عنه أبو الحارث: لا ينبغي لأحد أن يدّعي الإجماع لعل الناس اختلفوا، وحمل القاضي إنكار أحمد للإجماع على الورع وحمله تقيّ الدين بن تيمية على إجماع المخالفين بعد الصحابة أو بعدهم وبعد التابعين أو بعد القرون الثلاثة، وإنما أوّلُوا كلامه المقرون بالدليل الذي يرد تأويلهم لأنه وقع في كلامه لفظ الإجماع كاستدلاله على أن التكبير من غداة يوم عرفة إلى آخر أيام التشريق بإجماع عمر وعلي وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عباس ذكره القاضي وهذا إجماع مقيد غير الإجماع المطلق الذي نفاه.

ي. كان بعض السلف يذكرون الإجماع في الصدر الأول بمعناه اللغوي ويظن بعض الناس أنه الإجماع الذي اصطلح عليه أهل فن الأصول الذي حدث بعدهم، ولهذا ظن القاضي أن كلام الإمام أحمد اختلف في الاعتداد بالإجماع تارة وإنكاره تارة أخرى وليس كذلك.

ك. الإجماع في اللغة جمع الأمر وإحكامه والعزم عليه يقال أجمعوا الأمر والرأي وأجمعوا عليه إذا أحكموا وضموا ما انتشر وتفرق منه وعزموا عليه عزما لا تردد فيه ولا يكون ذلك في غير الضروريات إلا بعد الروية والتدقيق والمرادة في الشورى قال تعالى حكاية عن نوح عليه السلام: ﴿فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ لَا يَكُنْ أَمْرُكُمْ عَلَيْكُمْ غُمَّةً ثُمَّ اقْضُوا إِلَيَّ وَلَا تُنْظِرُونِ﴾ [يونس: 71] وذلك أنه ليس بعد الإجماع إلا الإمضاء والتنفيذ، وقال في إخوة يوسف: ﴿فلما ذهبوا به وأجمعوا أن يجعلوه في غيابة الجبّ﴾ [يوسف: 15] ثم قال فيهم: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ﴾ [يوسف: 102] وقال حكاية لقول فرعون للسحرة: ﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ﴾ [طه: 64] والإجماع للأمر يكون من الواحد ومن الجمع.

ل. قال في لسان العرب: وفي الحديث (من لم يجمع الصيام من الليل فلا صيام له) الإجماع إحكام النية والعزيمة، أجمعت الرأي وأزمعته وعزمت عليه بمعنى، ومنه حديث كعب بم مالك) أجمعت صدقه) وفي صلاة المسافر) ما لم أجمع مكثا) أي ما لم أعزم على الإقامة، وأجمع أمره جعله جميعا بعدما كان متفرقا، قال وتفرقه أنه جعل يديره فيقول مرة أفعل كذا ومرة أفعل كذا فلما عزم على أمر محكم أجمعه أي جعله جميعا، قال وكذلك يقال أجمعت النهب، والنهب إبل القوم أغار عليها اللصوص وكانت متفرقة في مراعيها فجمعوها من كل ناحية حتى اجتمعت لهم ثم طردوها وساقوها فإذا اجتمعت قيل أجمعوها.. والإجماع أن تجمع الشيء المتفرق جميعا فإذا جعلته بقي ولم يكد يتفرق كالرأي المعزوم عليه الممضى، وأجمع المطر الأرض إذا سال رغابها وجهادها كلها، وفلاة مجمعة ومجمعة (بتشديد الميم) يجتمع فيها القوم ولا يتفرقون خوف الضلال ونحوه كأنها هي التي تجمعهم اه المراد منه.

م. فعلم من هذا أن الإجماع في اللغة ليس هو اتفاق الناس أو طائفة منهم على أمر مطلقا وإنما هو إحكام الأمر المتفرق وعزمه لئلا يتفرق، ويكون من الواحد وأكثر من الواحد ولا يقتضي أن يقوم به كل أهل الشأن، بل يكفي أن يبرمه من يمتنع التفرق بإبرامهم له، فرجوع عمر بمن كان معه عن الوباء كان بالإجماع اللغوي دون الأصولي، ومنه قول عمر وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: (اقض بما في كتاب الله فإن لم يكن فيما في سنة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فإن لم يكن فيما أجمع عليه الصالحون) وفي لفظ ما قضى به الصالحون، ومنه قول الإمام أحمد أنه عمل في مسألة التكبير بإجماع عمر وعليّ وابن مسعود وابن عباس، أي ما جزموا به وعزموه بالعمل فأين هذا من إجماع الأصول الذي معناه أن يتفق جميع المجتهدين على أمر ما، وكان المجتهدون في العصر الأول ألوفا كثيرة لا يمكن حصرهم فلذلك أنكر الإمام أحمد دعوى العلم بإجماعهم على المعنى الذي اصطلح الناس عليه في زمنه، وكذلك أنكره غيره.

ن. وما زال أهل الاستقلال في الفهم يبحثون في ذلك وقد زرت محمد عبده في العيد منذ اثنتي عشرة سنة فألفيت عنده أحمد فتحي باشا زغلول العالم القانوني وإذا هو يسأله في الإجماع كيف يمكن أن يقع وأن يعلم به مع عدم حصر أهله ولا تعارفهم؟ ورأيت محمد عبده وافقه على استنكاره فقلت إن الذي أعتقده في الإجماع هو أن يجتمع العلماء النابغون الموثوق بهم ويتذاكروا في المسائل التي لا نص فيها ويكون ما يتفقون عليه هو المجمع عليه حتى ينعقد إجماع آخر منهم أو ممن بعدهم، فقال محمد عبده هذا حسن لو كان ولكن ليس هو الإجماع الذي يذكرونه.

س. وجملة القول أن الأصل في الإجماع أن يكون إجماع الأمة كما صرح به بعضهم ولا سبيل إلى اجتماع أفراد الأمة فيحصل المراد بمن يمثلها وهم أولو الأمر بالمعنى الذي بيناه مرارا ولابد من اجتماعهم، وللمتأخرين منهم أن ينقضوا ما أجمع عليه من قبلهم بل وما أجمعوا هم عليه إذا رأوا المصلحة في غيره فإن وجوب طاعتهم لأجل المصلحة لا لأجل العصمة كما قيل في الأصول والمصلحة تظهر وتخفى وتختلف باختلاف الأوقات والأحوال من القوة والضعف وغير ذلك، وهذا غير ما حظره السلف من مخالفة الإجماع الذي كانوا يعنون به ما جرى عليه من الصحابة وكذا التابعون من هدى الدين بغير خلاف يصح عن أحد من علمائهم، وظاهر كلام الشافعي في رسالته أن هذا هو الإجماع الذي يعتد به وأرى أن أحمد كان على هذا ومن البديهي أنه لا يعقل أن يتفق أهل العصر الأول على أمر ديني ولا يكون له أصل في الدين، وأين هذا مما يعزى إلى المجتهدين بعدهم من قول أو سكوت مما لم يكن معروفا في خير القرون، ولا سيما إذا لم يوافقهم عليه سائر المسلمين.

ع. وقد احتجوا على دعوى عدم جواز مضادة الإجماع لإجماع قبله بحديث (لا تجتمع أمتي على ضلالة) والحديث رواه أحمد والطبراني في الكبير مرفوعا، والحاكم بلفظ) سألت ربي أن لا تجتمع أمتي على ضلالة وأعطانيها) والحديث لا يدل على ذلك لا في إجماع جمهور الأصوليين المتأخرين الذي لا يصدق عليه أنه إجماع الأمة ولا في غيره لأن الإجماع يكون عن اجتهاد والمخطئ في اجتهاده لا يعد ضالا وإنما يعد عاملا بما وجب عليه وإن ظهر له خطأ اجتهاده بعد ذلك كمن يجتهد في القبلة ويصلي عدة صلوات ثم يظهر أن اجتهاده كان خطأ فإن صلاته صحيحة، فهذا هو الحكم في العبادة التي لا تختلف أحكامها كما تختلف المصالح القضائية والسياسية التي يجري فيها الاجتهاد العام والإجماع، وذكر في جمع الجوامع أن مضادة الإجماع لإجماع قبله فيه خلاف أبي عبد الله البصري الذي يرى أن الإجماع الأول مغيًّا بوجود الثاني، وفي المسودة عن ابن عقيل الحنبلي قال: يجوز ترك ما ثبت وجوبه بالإجماع إذا تغيرت حاله مثل الإجماع على جواز الصلاة بالتيمم فإذا وجد الماء فيها (أي وهو في الصلاة) خرج منها بل وجب وبه قالت الحنفية وقال بعض الشافعية لا ينتقل من الإجماع إلا بإجماع مثله، وهذا الذي ذكره يقتضي جواز مخالفته بدليل شرعي غير الإجماع ويبطل قول من زعم أن الاستصحاب تمسك بالإجماع كما في مدلول النص فالأقوال في المسألة ثلاثة.

14. القياس الأصولي: عرفه ابن السبكي تبعا للباقلاني بأنه حمل معلوم لمساواته في علة حكمه، وابن الحاجب تبعا للآمدي بأنه مساواة فرع الأصل في علة حكمه، وفيه خلاف فمنعه ابن حزم في الأحكام الشرعية مطلقا وابن عبدان إلا في حال الضرورة ومنع داود غير الجليّ منه، ومنعه أبو حنيفة في الحدود والكفارات والرخص والتقديرات، وقوم في الأسباب والشروط والموانع، وقوم في أصول العبادات صرح بذلك كله في جمع الجوامع وعلى الأخير محمد عبده، وأركان القياس عندهم أربعة:

أ. الأصل المشبه به أي المقيس عليه.

ب. حكم الأصل قالوا ومن شرطه أن يثبت بغير القياس.

ج. الفرع المشبه بالأصل وهو المقيس ومن شرطه وجود تمام علة حكم الأصل فيه.

د. العلة قالوا وهي المعرف للحكم.

15. أقول وفيها معترك الأنظار، فمنها ما هو بديهي ككون الإسكار هو علة تحريم الخمر ومنها ما لا يدل عليه عقل ولا نقل، كالأقوال المشهورة في علة تحريم الربا: الكيل والوزن والطعم، وقد اكتفى الحنفية في العلة بأي نوع من التشبيه، والحنابلة على أنه لابد من علة معينة تجمع بين الفرع والأصل حتى يجوز الرد والحمل وهو الأقرب ولا يظهر حمل الأمر برد المتنازع فيه إلى الله والرسول على عرضه على مثل تلك العلل والتشبيهات التي لا نص عليها في الكتاب ولا في السنة ولا هي متبادرة منهما على أن ذلك لا يزيل التنازع بل ربما يزيده، وإذا امتنع هذا وامتنع أن يكون المراد بهذا الرد محصورا في طلب النصوص في نفس الشيء المتنازع فيه تعين أن يكون المراد ما قلناه من قبل وهو ما يشمل رده إلى مقاصدهما أو قواعدهما العامة وما يتبادر من علل الأحكام فيهما بحيث لا يكون للتنازع فيه مجال.

16. هذا والظاهر من تعريف الأصوليين للاجتهاد والمجتهد لا يشترط فيه عندهم الإحاطة بما يمكن معرفته من الأحاديث بل صرح بعضهم بأن سنن أبي داود كافية لما ينبغي العلم به منها، ويؤيد ذلك عمل الصحابة وقضاتهم فقد كان الخلفاء الراشدون يسألون عن السنة وقضاء النبي من حضر ولا يستقصون في الطلب فإن لم يجدوا عملوا بالرأي الذي مناطه المصلحة كما فعل عمر وأصحابه في واقعة الوباء قبل أن يخبرهم عبد الرحمن بن عوف بما عنده فيها من الحديث المرفوع، ولكن طلب النصوص من الكتب الآن أسهل من طلبه من الناس قبل تدوين الحديث، قال ابن تيمية: هل يجوز الحكم بالقياس قبل الطلب التام للنصوص؟ هذه المسألة لها ثلاث صور: إحداها: الحكم به قبل طلبه من النصوص المعروفة وهذا لا يجوز بلا تردد الثانية: الحكم به قبل الطلب من نصوص لا يعرفها مع رجاء الوجود لو طلبها فهذه طريقة الحنفية تقتضي جوازه ومذهب الشافعي وأحمد وفقهاء الحديث أنه لا يجوز ولهذا جعلوا القياس بمنزلة التيمم وهم لا يجيزون التيمم إلا إذا غلب على الظن عدم الماء فكذا النص وهو معنى قول الإمام أحمد ما تصنع بالقياس وفي الحديث ما يغنيك عنه، وهذه المسألة أم في الفرق بين أهل الحديث وبين أهل الرأي، لكن يتفاوت أهل الحديث في طلب النصوص وطلب الحكم منها، وهذه المسألة تشبه جواز الاجتهاد بحضور النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وفيها لأصحابنا وجهان مع أن قول الحنفية هناك أنه لا يجوز لكن قد يقولون وجود النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ليس بمنزلة وجود النص، الثالثة: إذا أيس من الظفر بنص بحيث يغلب على الظن عدمه فهناك يجوز بلا تردد اه.

17. إذا علمت أن اجتهاد أولي الأمر هو الأصل الثالث من أصول الشريعة الإسلامية وأنهم إذا أجمعوا رأيهم وجب على أفراد الأمة وعلى حكامها العمل به فاعلم أن اجتهادهم خاص في المختار عندنا بالمعاملات القضائية والسياسية والمدنية دون العبادات والأحكام الشخصية إذا لم ترفع إلى القضاء، وإنه ينبغي أن يبنى على قاعدة جلب المصالح وحفظها ودرء المفاسد وإزالتها، ويظن بعض المشتغلين بالعلم أن جعل المصالح المرسلة أي المطلقة أصلا من أصول الفقه خاص بالمالكية، لكن قال القرافي أنها عند التحقيق ثابتة في جميع المذاهب، ومن الأدلة عليها حديث (لا ضرر ولا ضرار) رواه أحمد وابن ماجة عن ابن عباس، والثاني عن عبادة وعلم السيوطي عليه في الجامع الصغير بالحسن ورواه الحاكم وقال صحيح على شرط مسلم ولها دلائل أخرى أشرنا إلى بعضها في محاورات المصلح والمقلد والأصل فيها رفع الحرج والعسر وتقديم كل ما فيه اليسر على الأمة وهذا ثابت في القرآن وأشرنا إليه في سياق تفسير الآية التي نحن بصدد تفسيرها.

18. ومما يتفرع عن ذلك التعارض بين المصلحة العامة وبين العمل ببعض النصوص وهو يرجع في الحقيقة إلى التعارض بين النصوص لأن مراعاة المصلحة مؤيدة بها وقلما ترى في الكتب المتداولة بحثا مشبعا في هذه المسألة المهمة التي تتوقف عليها حياة الشريعة والعمل بها وإنك لترى المشتغلين بالفقه لا يبالون بتقديم نصوص علماء مذاهبهم على العمل بما تحفظ به المصلحة العامة فما بالك بنصوص الكتاب والسنة ولم نر أحدا توسع في هذه المسألة كما توسع فيها نجم الدين الطوفي من أئمة الحنابلة (توفي سنة716) في شرح الحديث الذي ذكرناه آنفا وقد نشرنا كلامه في ذلك في المجلد العاشر من المنار وقاعدته أن المصلحة مقدمة حتى على النص والإجماع، وقد عرفها بحسب العرف بأنها السبب المؤدي إلى الصلاح والنفع كالتجارة المؤدية إلى الربح وبحسب الشرع بأنها السبب المؤدي إلى مقصود الشارع عبادة أو عادة، وأورد في الاستدلال عليها من القرآن سبعة أوجه من قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ [يونس: 58،57] وأقول إن في القرآن دلائل كثيرة أصرح من هاتين الآيتين في الدلالة عليها والكلام في تفصيل ذلك لدلائل الكتاب والسنة وعمل الصحابة يطول ويمكن أن يدخل في كتاب خاص ولعلنا نوفق لبيانه في مقدمة التفسير التي نودعها كليات فقه القرآن وحكمته العليا.

19. على أن الطوفي لم يقتصر على وجوه تينك الآيتين بل ذكر دلائل أخرى من الكتاب والسنة ومسائل الإجماع ورد ما يعترض به على هذه القاعدة وبين ما تتعارض به المصالح وطرق الترجيح فيها فليراجعه في المجلد العاشر من المنار.

20. في الأخبار والآثار في الجماعة بمعنى الإجماع: بينا أن لفظ الإجماع لم يرد في الكتاب والسنة بالمعنى المعروف في اصطلاح الأصوليين ولكن ورد في الأخبار والآثار لفظ الجماعة بالمعنى المقصود من الإجماع الأصولي الصحيح المختار ويقابله الاختلاف والتفرق اللذان نهى الله عنهما ورسوله نهيا شديدا:

أ. ومن الأخبار في ذلك حديث (من فارق الجماعة شبرا فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) رواه أحمد وأبو داود والحاكم عن أبي ذر، وابن أبي شيبة عن حذيفة الحاكم عن ابن عمر بلفظ (من خرج من الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه حتى يراجعه ومن مات وليس عليه إمام جماعة فإن موتته موتة جاهلية) وبقريب من هذا اللفظ الطبراني عن ابن عباس، والنسائي عن حذيفة بلفظ (من فارق الجماعة شبرا فارق الإسلام) ورواه غيرهم أيضا بألفاظ متقاربة.

ب. ومنها حديث (يد الله مع الجماعة) رواه الترمذي عن ابن عباس والطبراني عن عرفجة بزيادة و(الشيطان مع من خالف الجماعة يركض) وحديث (لن تجتمع أمتي على ضلالة أبدا وإن يد الله مع الجماعة) رواه بهذا اللفظ الطبراني عن ابن عمر.

ج. قال الحافظ ابن حجر في الفتح عند ذكر قول البخاري (باب وكذلك جعلناكم وسطا وما أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بلزوم الجماعة وهم أهل العلم) وورد الأمر بلزوم الجماعة في عدة أحاديث منها ما أخرجه الترمذي مصححا من حديث الحارث بن الحارث الأشعري فذكر حديثا طويلا فيه (وأنا آمركم بخمس أمرني الله بهن: السمع والطاعة والجهاد والهجرة والجماعة فإن من فارق الجماعة قيد شبر فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه) وفي خطبة عمر المشهورة التي خطبها في الجابية، (عليكم بالجماعة وإياكم والفرقة فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد، وفيه ومن أراد بحبوحة الجنة فليلزم الجماعة، وقال ابن بطال مراد الباب الحض على الاعتصام بالجماعة لقوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143] وشرط قبول الشهادة العدالة وقد ثبتت لهم هذه الصفة بقوله وسطا والوسط العدل، والمراد بالجماعة أهل الحل والعقد من كل عصر، وقال الكرماني مقتضى الأمر بلزوم الجماعة أنه يلزم المكلف متابعة ما أجمع عليه المجتهدون وهم المراد بقوله (أي البخاري) وهم أهل العلم، والآية التي ترجم عليها احتج بها أهل الأصول لكون الإجماع حجة لأنهم عدلوا بقوله تعالى: ﴿جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] أي عدولا، ومقتضى ذلك أنهم عصموا من الخطأ فيما أجمعوا عليه قولا وفعلا اه ما أورده في الفتح وقوله عصموا الخ ممنوع كما تقدم.

21. إن التعديل للأمة، وإنما يمثل الأمة أهل الحل والعقد وهم الذين يناط بهم أمرها ويجب عليها اتباعهم فيما أجمعوه وعزموه لا المجتهدون خاصة الذين ذكرهم جمهور المصنفين في الأصول الذين قد يكونون رجلين حرين أو عبدين أو امرأتين فإن هذين أو هاتين لا يصح أن يصدق عليهما نص ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ [البقرة: 143] فلله در ابن بطال فقد جاء بالحق وما بعد الحق إلا الضلال.

22. استدل بعض الظاهرية بالآية على بطلان القياس كما استدل بها غيرهم على إثابته وقد تقدم، ووجه هؤلاء أن الله تعالى أمر برد المتنازع فيه إلى الله والرسول أي إلى نصوص الكتاب والسنة ولو كان القياس مشروعا لقال: فإن تنازعتم في شيء فقيسوه على أشباهه، أو نحوا من هذا، والصواب أنها ليست نصا أصوليا في إثبات القياس كما قال الرازي وغيره ولا في منعه كما قال هؤلاء، أما كونها ليست نصا في مشروعية القياس فلما بيناه من جواز التنازع مع وجود النص قبل علم المتنازعين به فإذا تحروا رد المسألة إلى الكتاب والسنة وبحثوا فيهما أوشك أن يجدوه، ومن جواز كون المراد بالرد إليهما إلى قواعدهما العامة بغير طريق القياس، وأما كونها ليست نصا على منعه فلأن ما لا نص فيه إذا حمل على مماثله من الأحكام الثابتة مع علتها بالنص يصدق عليه أنه رد إلى ذلك النص، نعم إنها تدل على بطلان القياس على أقوال الفقهاء وإن كانوا مجتهدين كما نراه كثيرا في كتب الفقه يقولون هذا جائز أو حرام أو واجب قياسا على قولهم كذا، ومثله القياس بالعلل المنتزعة عن بعد بالتمحل الذي يوجد في النص ما ينفيه ولا يوجد ما يثبته ومنه قياس الدم على البول في نقض الوضوء عند بعض الفقهاء ولو كان هذا قياسا صحيحا لمضت به السنة وتوفرت فيه النصوص لكثرة الوقائع فيه في العصر الأول لأن الدماء كانت تسيل كثيرا من جميع تلك الأجساد الطاهرة دفاعا عن الدين والنفس وإعلاء لكلمة الحق، وفي السنة وما يدل على بطلان هذا القياس وهو التفرقة بين الحيض والاستحاضة، وقد قاس النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والصحابة وتبعهم من بعدهم.

23. ولا يعارض ثبوت القياس العمل بالبراءة الأصلية وكون الأصل في الأشياء الإباحة كما هو ظاهر، فإن قيل إن القياس في الدين باطل بنص الأحاديث والقرآن، أما الأحاديث فمنها حديث (ما نهيتكم عنه فاجتنبوه وما أمرتكم به فافعلوا منه ما استطعتم فإنما أهلك الذين قبلكم كثرة مسائلهم واختلافهم على أنبيائهم) رواه الشيخان في صحيحيهما من حديث أبي هريرة وفي معناه أحاديث كثيرة في الصحيحين والسنن ورواية أحمد ومسلم بلفظ (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم) وحديث (إن الله فرض فرائض فلا تضيعوها وحد حدودا فلا تعتدوها وحرم أشياء فلا تنتهكوها وسكت عن أشياء رحمة بكم من غير نسيان فلا تبحثوا عنها) قال النووي في الأربعين حديث حسن رواه الدارقطني وغيره، فإن هذه الأحاديث تدل على أن الدين لا يؤخذ إلا من نص الشارع وإن مقاصد الحنفية السمحة أن لا تكون تكاليفها كثيرة فتكثيرها بقياس المسكوت عنه على المنصوص مخالف لما أراده الله فيها من اليسر ولنصوص هذه الأحاديث المأخوذ من عموم القرآن إذ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ما كان إلا مبينا للقران فهو قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تسألوا عن أشياء إن تبد لكم تسؤكم وإن تسألوا عنها حين ينزل القرآن تبدلكم عفا الله عنها والله غفور رحيم قد سألها قوم من قبلكم ثم أصبحوا بها كافرين﴾ [الأعراف: 105،104] والتعبير بالعفو وتأكيده بالمغفرة والحلم مما يدل على أن المسكوت عنه قد يكون شبيها بالمنصوص بحيث لو سئل عنه حين كان ينزل القرآن أي وقت شرع الدين لكان الجواب إلحاقه بالمنصوص وزيادة التكليف به وإنما سكت الله عنه عفوا منه تعالى ورحمة بنا، ولنفاة القياس أن يقولوا وإذا كان الأمر كذلك فالقياس باطل وتفسير رد المتنازع فيه إلى الله ورسوله به باطل.

24. والجواب إن الآية والأحاديث خاصة بأمر الدين المحض من العبادات والحلال والحرام بحيث يزيد القياس فيها عبادة أو يحرم شيئا لا يدل النص على تحريمه وهذا هو الذي تجرأ عليه الكثيرون من المسلمين الذين هم ليسوا أهلا للاجتهاد والقياس فكم قالوا ولا نزال نسمعهم يقولون هذا حرام وهذا حلال، بما تصف ألسنتهم الكذب والتهجم على شرع ما لم يأذن به الله، وإذا تنازعوا في شيء ردوه إلى كلام هؤلاء المقلدين، حتى أن من يأخذ الإسلام عنهم يراه غير الحنيفية السمحة المبنية على أساس اليسر وموافقة الفطرة، يراه دينا لا يكاد يحتمل من شدة الضيق والعسر وكثرة التكاليف، والله ورسوله بريئان من كل هذه الزيادات، وأما القياس الذي قد تدل الآية على الإذن به فهو ما يتعلق بأحكام المعاملات القضائية والسياسية والإدارية التي فوض الله تعالى الاجتهاد فيها إلى أولي الأمر لأنها تختلف باختلاف الأحوال والأزمنة ولا يمكن استيفاء كل ما يحتاج إليه منها بالنصوص.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/186.

(2) تقسيم الفروع هنا ليس منهجيا، وإنما من باب التبسيط فقط

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ أي فإذا لم يوجد نص على الحكم في الكتاب ولا في السنة ينظر أولو الأمر فيه، لأنهم هم الذين يوثق بهم، فإذا اتفقوا وأجمعوا وجب العمل بما أجمعوا عليه، وإن اختلفوا وتنازعوا وجب عرض ذلك على الكتاب والسنة وما فيهما من القواعد العامة، فما كان موافقا لهما علم أنه صالح لنا ووجب الأخذ به، وما كان مخالفا لهما علم أنه غير صالح ووجب تركه، وبذا يزول التنازع وتجتمع‏ الكلمة، وهذا الرد واستنباط الفصل في الخلاف من القواعد هو الذي يعبر عنه بالقياس الأول هو الإجماع الذي يعتدّ به.

2. مما تقدم تعلم أن الآية مبينة لأصول الدين في الحكومة الإسلامية، وهى:

أ. الأول: القرآن الكريم، والعمل به هو طاعة الله تعالى.

ب. الثاني: سنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والعمل به طاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ج. الثالث: إجماع أولى الأمر وهم أهل الحل والعقد الذين تثق بهم الأمة من العلماء والرؤساء في الجيش والمصالح العامة كالتجار والصناع والزراع، ورؤساء العمال والأحزاب ومديرى الصحف ورؤساء تحريرها ـ وطاعتهم حينئذ هي طاعة أولى الأمر.

د. الرابع: عرض المسائل المتنازع فيها على القواعد والأحكام العامة المعلومة في الكتاب والسنة، وذلك قوله: فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول.

3. هذه الأربعة الأصول هي مصادر الشريعة، ولا بد من وجود جماعة يقومون بعرض المسائل المتنازع فيها على الكتاب والسنة ممن يختارهم أولو الأمر من علماء هذا الشأن، ويجب على الحكام الحكم بما يقرّونه، وبذلك تكون الدولة الإسلامية مؤلفة من جماعتين:

أ. الأولى: الجماعة المبينة للأحكام الذين يسمون الآن (الهيئة التشريعية) والجماعة

ب. الثانية: جماعة الحاكمين والمنفذين وهم الذين يسمون (الهيئة التنفيذية)

4. على الأمة أن تقبل هذه الأحكام وتخضع لها سرا وجهرا، وهى بذلك لا تكون خاضعة لأحد من البشر، لأنها لم تعمل إلا بحكم الله تعالى أو حكم رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم بإذنه، أو حكم نفسها الذي استنبطه لها جماعة أهل الحل والعقد والعلم والخبرة من أفرادها الذين وثقت بإخلاصهم وعدم اتفاقهم إلا على ما هو الأصلح لها.

5. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي ردوا الشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله بعرضه على الكتاب والسنة إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر، فإن المؤمن لا يقدم شيئا على حكم الله، كما أنه يهتم باليوم الآخر أشد من اهتمامه بحظوظ الدنيا، وفي هذا دليل على أن من لا يقدم اتباع الكتاب والسنة على أهوائه وحظوظه فإنه لا يكون مؤمنا حقا.

6. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي ذلك الردّ للشيء المتنازع فيه إلى الله ورسوله خير لكم، لأنه أقوى الأسس في حكومتكم، والله أعلم منكم بما هو الخير لكم، ومن ثم لم يشرع لكم في كتابه وعلى لسان رسوله إلا ما فيه مصالحكم ومنافعكم وما هو أحسن عاقبة لما فيه من قطع عرق التنازع وسد ذرائع الفتن.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/73.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، ردوه إلى النصوص التي تنطبق عليه ضمنا، فإن لم توجد النصوص التي تنطبق على هذا النحو، فردوه إلى المبادئ الكلية العامة في منهج الله وشريعته.. وهذه ليست عائمة، ولا فوضى، ولا هي من المجهلات التي تتيه فيها العقول كما يحاول بعض المخادعين أن يقول، وهناك ـ في هذا الدين ـ مبادئ أساسية واضحة كل الوضوح، تغطي كل جوانب الحياة الأساسية، وتضع لها سياجا خرقه لا يخفى على الضمير المسلم المضبوط بميزان هذا الدين‏.

2. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾.. وصدق الله العظيم.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/692.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ ما يشير إلى احتمالات النزاع المتوقعة بين أولى الأمر ومن في ولايتهم، وأن ذلك أمر غير مستبعد، بين الناس والناس، فإذا وقع نزاع في أمر ما، كان ردّه إلى حكم الله ورسوله أمرا واجبا على المؤمنين، وكان الله سبحانه وتعالى هو وليّهم جميعا، وكانت شريعته لهم، هي الدستور الواجب اتباعه، والاحتكام إليه فيما يقع بينهم من خلاف، فمن كان مؤمنا بالله واليوم الآخر، استقام على شرع الله، ووقف عند حدوده، وخضع لحكمه.

2. في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ إشارة إلى أن الرجوع عند الخلاف إلى ما قضى به كتاب الله وسنة رسوله، هو الطريق المأمون، الذي يسلم المختلفين إلى يد الوفاق والسلام، حيث كان احتكامهم إلى أحكم الحاكمين، الذي يحكم بين عباده بالحق، فلا ميل مع هوى، ولا محاباة لكبير أو عظيم، لأن الخلق خلقه، والناس عبيده، لا تفاضل بينهم عنده إلا بالتقوى!

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/823.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. التنازع: شدّة الاختلاف، وهو تفاعل من النزع، أي الأخذ، قال الأعشى:

çنازعتهم قضب الريحان متّكئا...وقهوة مزة راووقها خضل‏é

فأطلق التنازع على الاختلاف الشديد على طريق الاستعارة، لأنّ الاختلاف الشديد يشبه التجاذب بين شخصين، وغلب ذلك حتّى ساوى الحقيقة، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: 46] ﴿فَتَنَازَعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى﴾ [طه: 62]

2. ضمير ﴿تَنَازَعْتُمْ﴾ راجع للذين آمنوا فيشمل كلّ من يمكن بينهم التنازع، وهم من عدا الرسول، إذ لا ينازعه المؤمنون، فشمل تنازع العموم بعضهم مع بعض، وشمل تنازع ولاة الأمور بعضهم مع بعض، كتنازع الوزراء مع الأمير أو بعضهم مع بعض، وشمل تنازع الرعية مع ولاة أمورهم، وشمل تنازع العلماء بعضهم مع بعض في شؤون علم الدين، وإذا نظرنا إلى ما ذكر في سبب النزول نجد المراد ابتداء هو الخلاف بين الأمراء والأمّة، ولذلك نجد المفسّرين قد فسّروه ببعض صور من هذه الصور، فليس مقصدهم قصر الآية على ما فسّروا به، وأحسن عباراتهم في هذا قول الطبري: (يعني فإن اختلفتم أيّها المؤمنون أنتم فيما بينكم أو أنتم وأولو أمركم فيه)، وعن مجاهد: (فإن تنازع العلماء ردّوه إلى الله)

3. لفظ (شيء) نكرة متوغّلة في الإبهام فهو في حيّز الشرط يفيد العموم، أي في كلّ شيء، فيصدق بالتنازع في الخصومة على الحقوق، ويصدق بالتنازع في اختلاف الآراء عند المشاورة أو عند مباشرة عمل ما، كتنازع ولاة الأمور في إجراء أحوال الأمّة، ولقد حسّن موقع كلمة (شيء) هنا تعميم الحوادث وأنواع الاختلاف، فكان من المواقع الرشيقة في تقسيم عبد القاهر، وقد تقدّم تحقيق مواقع لفظ شيء عند قوله تعالى: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ في سورة البقرة.

4. الردّ هنا مجاز في التحاكم إلى الحاكم وفي تحكيم ذي الرأي عند اختلاف الآراء، وحقيقته إرجاع الشيء إلى صاحبه مثل العارية والمغصوب، ثم أطلق على التخلّي عن الانتصاف بتفويض الحكم إلى الحاكم، وعن عدم تصويب الرأي بتفويض تصويبه إلى الغير، إطلاقا على طريق الاستعارة، وغلب هذا الإطلاق في الكلام حتّى ساوى الحقيقة.

5. عموم لفظ شيء في سياق الشرط يقتضي عموم الأمر بالردّ إلى الله والرسول؛ وعموم أحوال التنازع، تبعا لعموم الأشياء المتنازع فيها، فمن ذلك الخصومات والدعاوي في الحقوق، وهو المتبادر من الآية بادئ بدء بقرينة قوله عقبه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ فإنّ هذا كالمقدّمة لذلك فأشبه سبب نزول، ولذلك كان هو المتبادر وهو لا يمنع من عموم العامّ، ومن ذلك التنازع في طرق تنفيذ الأوامر العامّة، كما يحصل بين أفراد الجيوش وبين بعض قوادهم، وقد قيل: إنّ الآية نزلت في نزاع حدث بين أمير سرية الأنصار عبد الله بن حذافة السهمي كما سيأتي، ومن ذلك الاختلاف بين أهل الحلّ والعقد في شؤون مصالح المسلمين، وما يرومون حمل الناس عليه، ومن ذلك اختلاف أهل العلم في الأحكام الشرعية التي طريقها الاجتهاد والنظر في أدلة الشريعة.

6. كلّ هذا الاختلاف والتنازع مأمور أصحابه بردّ أمره إلى الله والرسول، وردّ كلّ نوع من ذلك يتعيّن أن يكون بحيث يرجى معه زوال الاختلاف، وذلك ببذل الجهد والوسع في الوصول إلى الحقّ الجليّ في تلك الأحوال، فما روي عن مجاهد وميمون بن مهران في تفسير التنازع بتنازع أهل العلم إنّما هو تنبيه على الفرد الأخفى من أفراد العموم، وليس تخصيصا للعموم.

7. وذكر الردّ إلى الله في هذا مقصود منه مراقبة الله تعالى في طلب انجلاء الحقّ في مواقع النزاع، تعظيما لله تعالى، فإنّ الردّ إلى الرسول يحصل به الردّ إلى الله، إذ الرسول هو المنبئ عن مراد الله تعالى، فذكر اسم الله هنا هو بمنزلة ذكره في قوله: ﴿فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ﴾ [الأنفال: 41] الآية.

8. ثمّ الردّ إلى الرسول في حياة الرسول وحضوره ظاهر وهو المتبادر من الآية، وأمّا الردّ إليه في غيبته أو بعد وفاته، فبالتحاكم إلى الحكّام الذين أقامهم الرسول أو أمّرهم بالتعيين، وإلى الحكّام الذين نصبهم ولاة الأمور للحكم بين الناس بالشريعة ممّن يظنّ به العلم بوجوه الشريعة وتصاريفها، فإنّ تعيين صفات الحكّام وشروطهم وطرق توليتهم، فيما ورد عن الرسول من أدلّة صفات الحكّام، يقوم مقام تعيين أشخاصهم، وبالتأمّل في تصرّفاته وسنّته ثم الصدر على ما يتبيّن للمتأمّل من حال يظنّها هي مراد الرسول لو سئل عنها في جميع أحوال النزاع في فهم الشريعة واستنباط أحكامها المسكوت عنها من الرسول، أو المجهول قوله فيها.

9. قوله تعالى: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ تحريض وتحذير معا، لأنّ الإيمان بالله واليوم الآخر ووازعان يزعان عن مخالفة الشرع، والتعريض بمصالح الأمّة للتلاشي، وعن الأخذ بالحظوظ العاجلة مع العلم بأنّها لا ترضي الله وتضرّ الأمة، فلا جرم أن يكون دأب‏ المسلم الصادق الإقدام عند اتّضاح المصالح، والتأمّل عند التباس الأمر والصدر بعد عرض المشكلات على أصول الشريعة.

10. معنى‏ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ﴾ مع أنّهم خوطبوا بـ ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: أي إن كنتم تؤمنون حقّا، وتلازمون واجبات المؤمن، ولذلك قال تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فجي‏ء باسم الإشارة للتنويه، وهي إشارة إلى الردّ المأخوذ من‏ ﴿فَرُدُّوهُ﴾، و(خير) اسم لما فيه نفع، وهو ضدّ الشرّ، وهو اسم تفضيل مسلوب المفاضلة، والمراد كون الخير وقوّة الحسن.

11. التأويل: مصدر أوّل الشيء إذا أرجعه، مشتقّ من آل يؤول إذا رجع، وهو هنا بمعنى أحسن ردّا وصرفا، أخرج البخاري عن ابن عباس قال: نزل قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ في عبد الله بن حذافة بن قيس بن عديّ إذ بعثه النبي في سرية، وأخرج في (كتاب المغازي) عن علي قال بعث النبي سرية فاستعمل عليها رجلا من الأنصار، وأمرهم أن يطيعوه، فغضب، فقال: (أليس أمركم النبي أن تطيعوني) قالوا: (بلى) قال: فأجمعوا حطبا) فجمعوا، قال: أوقدوا نارا)، فأوقدوها، فقال (ادخلوها)، فهمّوا، وجعل بعضهم يمسك بعضا، ويقولون: (فررنا إلى النبي من النار)، فأزالوا حتّى خمدت النار فسكن غضبه فبلغ ذلك النبي فقال: (لو دخلوها ما خرجوا منها إلى يوم القيامة، الطاعة في المعروف)، فقول ابن عبّاس: نزلت في عبد الله بن حذافة، يحتمل أنّه أراد نزلت حين تعيينه أميرا على السرية وأنّ الأمر الذي فيها هو الذي أوجب تردّد أهل السرية في الدخول في النار، ويحتمل أنّها نزلت بعد ما بلغ خبرهم رسول الله، فيكون المقصود منها هو قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ إلخ، ويكون ابتداؤها بالأمر بالطاعة لئلّا يظنّ أنّ ما فعله ذلك الأمير يبطل الأمر بالطاعة.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/167.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لكى تكون طاعة أولياء الأمر في سبيل الحق والعدل، ومقترنة بطاعة الله ورسوله، وجب الرجوع عند الاختلاف إلى الكتاب والسنة، ولذا قال سبحانه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾

2. لقد ثبت بإجماع العلماء الذي لا مماراة فيه أن طاعة أولياء الأمر إنما تكون فيما فيه طاعة الله تعالى، وطاعة رسوله الأمين كما نوهنا، وأنه ليس لولى الأمر طاعة في معصية، لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق)، ولقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إنما الطاعة في المعروف)، والمعصية منكر لا طاعة فيه، ولقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (على المرء المسلم السمع والطاعة، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة)، ولما قررنا من أن طاعة أولى الأمر مقرونة بطاعة الله ورسوله، وأنه‏ ليس من المعقول أن يفهم من الآية أن ولى الأمر يطاع حيث يعصى الله ورسوله، وهما مقترنتان، وولى الأمر منا حقا وصدقا لا يخالف الله ورسوله، وإلا كان متغلبا طاغيا.

3. إذا كانت طاعة ولى الأمر لا تكون إلا في دائرة الكتاب والسنة، فلا بد أن يكونا هما المرجع في الوفاق والخلاف معا، فإن اتفق أهل الحل والعقد على أمر مشتق من كتاب الله وسنة رسوله، وغير خارج عنهما ولا عن أصولهما المقررة، فهو الحجة الواضحة.

4. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ ليس التنازع هو المحاربة، إنما التنازع هو الاختلاف في طلب الحق في الأمر، وقد جاء في تفسير معنى التنازع في مفردات الراغب: (نزع الشيء جذبه.. والتنازع والمنازعة المجاذبة، ويعبر بهما عن المخالفة والمجادلة)، وكأن كل واحد من المختلفين يجذب من الآخر الحجة لدليله، ويجعل الحق في جانبه بجذب الحجة على مخالفه، ومن هذا قول النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ما لي أنازع القرآن)! وذلك أن بعض المأمومين جهر خلفه، فنازعه القراءة فشغله، فنهى صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الجهر بالقراءة خلفه في الصلاة.

5. يجب بهذا النص عند التنازع الرد إلى كتاب الله وسنة رسوله، وذلك بالتماس ما يكون من الأحكام متفقا مع المقاصد والغايات التي جاء بها الكتاب والسنة، وإن لعلماء الإسلام في ذلك منهاجين:

أ. أحدهما: أن يبحث في الأصلين عن حكم منصوص عليه يشبه في سبب الحكم الحادثة التي لا يجدون فيها نصا، وهذا يسمى القياس الفقهى، وهو ما تسير عليه الكثرة الكبرى من الفقهاء.

ب. الثاني، أن ينظر إلى المقاصد العامة للشريعة، وهى مصالح الناس، الثابت الأخذ بها من مجموع النصوص لا من نص بعينه، فإذا كان في الأمر المتنازع فيه مصلحة ملائمة لمقاصد الشارع، من غير مخالفة أي نص، أخذ بها، وهذا المنهاج أخذ به الإمام مالك، وأحمد، وزيد.

6. سؤال وإشكال: من الذين يجرى بينهم التنازع؟ ومن الذين يتولون رد الأمر إلى الكتاب والسنة؟ والجواب:

أ. الأول: أن الذين يجرى بينهم الخلاف هم أهل الحل والعقد، وذلك يقتضى أن تكون هناك جماعة مصطفاة مختارة تتولى سن النظم ووضع القوانين المشتقة من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، وهم رجال الشورى الذين ترتضيهم الأمة.

ب. الثاني: أن الذين يردون الأمر المختلف فيه، يجب أن يكونوا على علم بالكتاب والسنة ومقاصد الشريعة وغاياتها، وهم علماء الإسلام المتفقهون في أحكامه، ولذلك يجب أن يكون في أهل الحل والعقد، أو بجوارهم يعملون معهم، رجال من فقهاء الإسلام المخلصين المؤمنين بحقائقه، الذين لا يغلب عليهم الهوى، ولا يخضعون لهوى الحكام، ولا يحرفون الكلم عن مواضعه.

7. إن الله تعالى يقرر ـ تعالت كلماته ـ أن ذلك وهو الرد إلى الكتاب شأن أهل الإيمان بالله حقا وصدقا، والذين لا تغلبهم الدنيا ومتعها العاجلة، ولذلك يقول‏ ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ أي إن كنتم تذعنون للحق الذي شرعه الله تعالى لكم وتصدقون وتؤمنون بالآخرة وما فيها من حساب وعقاب، ولم تستول عليكم الدنيا بأهوائها وشهواتها، فإنكم بلا ريب سترجعون إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ذلك أن المؤمن حقا ومصدقا بالله واليوم الآخر لا تستهويه شهوات الدنيا، فيظنها مصالح، بل يذعن لحكم الله دائما، ولا يكون كأولئك الذين قال الله تعالى فيهم: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾، وإن اتباع القرآن والسنة في الحكم فيه الخير وحسن المآب.

8. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ إن ذلك الرجوع إلى الكتاب والسنة، في الفرقان والافتراق، خير لكم في الدنيا؛ لأن فيه مصلحتكم الحقيقية، وفيه بعد عن الهوى، وفيه خضوع لله تعالى، وأحسن تأويلا أي مآلا ونهاية، وفهما لأمور هذه الحياة، فإن شؤون الحياة معقدة، تختلط فيها الشهوات بالمصالح، فلا يمكن فهمها على حقيقتها إذا تشابكت إلا بالرجوع إلى شرع الله، ففيه الفهم الصحيح، وفيه الغاية السامية، وفيه المآل الذي لا شر فيه، فاللهم وفق أمتك للأخذ بشرعتك واجعلنا من الذين لا يحرفون الكلم عن مواضعه، إنك سميع الدعاء.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1730.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. سؤال وإشكال: قدمنا ان قوله تعالى: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ يدل بالاتفاق على وجوب التمسك بالكتاب والسنة، وان قوله: ﴿وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ يدل على وجوب اطاعة أهل بيت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عند الشيعة، وعلى اطاعة أهل الحل والعقد عند أكثر السنة، أو الكثير منهم، والآن نتكلم عن قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ﴾ الخ، وهل يدل على وجوب العمل بالقياس، أو هو أجنبي عنه؟، وقبل الجواب عن هذا السؤال نطرح السؤال التالي: لماذا أوجب الله سبحانه الرد عند التنازع الى الله والرسول، دون أولي الأمر مع العلم بأنه أوجب اطاعة الثلاثة؟، والجواب: لأن التنازع قد يقع في تعيين أولي الأمر أنفسهم، كما حدث ذلك بالفعل، حيث قال السنة: هم أهل الحل والعقد، وقال الشيعة: هم أهل البيت، وعليه يجب الرجوع في هذا التنازع الى كتاب الله، وسنة الرسول، ومن أجل هذا استدلّ الشيعة بآية التطهير وحديث الثقلين وغيره على ان أولي الأمر هم أهل البيت.

2. نعود الآن الى دلالة الآية على وجوب العمل بالقياس، أو عدم دلالتها عليه، والقياس هو إعطاء حكم الواقعة المنصوص عليها شرعا لواقعة أخرى لم ينص الشارع عليها لمشاركة الواقعتين في علة يستنبطها الفقيه من تلقائه وعندياته ـ مثلا ـ نص الشارع على ان الجدة لأم ترث، ولم ينص على الجدة لأب، فنورّث الجدة لأب قياسا على الجدة لأم، لأن كلتيهما جدة:

أ. قال السنة: ان قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يدل على صحة العمل بهذا القياس، لأن (معناه فردوه الى واقعة بيّن الله حكمها، ولا بد أن يكون المراد فردوها الى واقعة تشبهها)

ب. وقال الشيعة: ان الآية بعيدة عن القياس ولا تدل على أكثر من وجوب الرجوع الى الكتاب والسنة في المسائل الدينية التي يقع فيها الخلاف بين الفقهاء، وأقوال الأئمة المعصومين تدخل في السنة، لأنها روايات عن جدهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، أما طريقتهم فيما لا نص فيه من الكتاب والسنة فهي الرجوع الى حكم العقل البديهي القطعي الذي لا يختلف فيه اثنان، مثل قبح العقاب بلا بيان، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب، وليس القياس من هذا الباب، لأن نتائجه كلها ظنية، والظن لا يغني عن الحق شيئا، ومما استدلّ به الشيعة على بطلان القياس ان الأمور العرفية يصح قياس بعضها على بعض، لأن أسبابها بيد العرف، أما الأحكام الدينية فلا يصح فيها القياس، لأن الشرع قد جمع بين المختلفات، كما في موجبات الوضوء، حيث سوّى بين النوم والبول، وفرّق بين المجتمعات، حيث أوجب قطع يد من سرق درهما، دون من اغتصب مئات الألوف.

3. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾، قال صاحب مجمع البيان: (فما أبين هذا وأوضحه)، ونقول: ما ألطف هذا التفسير وأحسنه، ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، أي ان اطاعة الله والرسول، وإرجاع حكم المختلف فيه الى الكتاب والسنة أحمد عاقبة ومآلا، هذا إذا فسرنا التأويل في الآية بالمآل، وقيل: المراد به التفسير، وعليه يكون المعنى ان تفسير الله والرسول لما تنازعتم فيه خير وأحسن من تفسيركم، ومهما يكن، فان لفظ التأويل يتحمل المعنيين.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/363.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ إلى آخر الآية تفريع على الحصر المستفاد من المورد فإن قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ إلخ، حيث أوجب طاعة الله ورسوله، وهذه الطاعة إنما هي في المواد الدينية التي تتكفل رفع كل اختلاف مفروض، وكل حاجة ممكنة لم يبق مورد تمس الحاجة الرجوع إلى غير الله ورسوله، وكان معنى الكلام: أطيعوا الله، ولا تطيعوا الطاغوت، وهو ما ذكرناه من الحصر، وتوجه الخطاب إلى المؤمنين كاشف عن أن المراد بالتنازع هو تنازعهم بينهم لا تنازع مفروض بينهم وبين أولي الأمر، ولا تنازع مفروض بين أولي الأمر فإن الأول أعني التنازع بينهم وبين أولي الأمر لا يلائم افتراض طاعة أولي الأمر عليهم، وكذا الثاني أعني التنازع بين أولي الأمر فإن افتراض الطاعة لا يلائم التنازع الذي أحد طرفيه على الباطل، على أنه لا يناسب كون الخطاب متوجها إلى المؤمنين في قوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ﴾

2. لفظ الشيء وإن كان يعم كل حكم وأمر من الله ورسوله وأولي الأمر كائنا ما كان لكن قوله بعد ذلك: ﴿فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ يدل على أن المفروض هو النزاع‏ في شيء ليس لأولي الأمر الاستقلال والاستبداد فيه من أوامرهم في دائرة ولايتهم كأمرهم بنفر أو حرب أو صلح أو غير ذلك، إذ لا معنى لإيجاب الرد إلى الله والرسول في هذه الموارد مع فرض طاعتهم فيها، فالآية تدل على وجوب الرد في نفس الأحكام الدينية التي ليس لأحد أن يحكم فيها بإنفاذ أو نسخ إلا الله ورسوله، والآية كالصريح في أنه ليس لأحد أن يتصرف في حكم ديني شرعه الله ورسوله، وأولو الأمر ومن دونهم في ذلك سواء.

3. وقوله: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾، تشديد في الحكم وإشارة إلى أن مخالفته إنما تنتشئ من فساد في مرحلة الإيمان فالحكم يرتبط به ارتباطا فالمخالفة تكشف عن التظاهر بصفة الإيمان بالله ورسوله، واستبطان للكفر، وهو النفاق كما يدل عليه الآيات التالية.

4. وقوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي الرد عند التنازع أو إطاعة الله ورسوله وأولي الأمر، والتأويل هو المصلحة الواقعية التي تنشأ منها الحكم ثم تترتب على العمل وقد تقدم البحث عن معناه في ذيل قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/402.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ خطاب للذين آمنوا فهو يعم الولاة والرعايا، فعليهم أن يردوا ما اختلفوا وتعارضوا فيه وتطالبوا إلى الله والرسول، وفي (أمالي المرشد بالله عليه السلام) في (الحديث الرابع والثلاثين) قصة التحاكم بين أمير المؤمنين علي عليه السلام ويهودي في درع لأمير المؤمنين عليه السلام بعد حرب صفين، وفي (أمالي أبي طالب عليه السلام) بسند آخر عن الشعبي قال وجد علي بن أبي طالب عليه السلام درعاً له عند نصراني، فأقبل به إلى شريح يحاكمه.. إلى آخر القصة.

2. لعل هذا هو السر في الإتيان بـ (الفاء) في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ﴾ ويحتمل أن الإتيان بـ (الفاء) للتفريع على طاعة الله وطاعة الرسول المأمور بها في أول الآية، ولكن هذا يشمل أولي الأمر في إيجاب الرجوع إلى الله ورسوله، ويدل على أن الرد إلى أولي الأمر لا يغني عن الرجوع إلى الله ورسوله؛ لأن على أولي الأمر إذا حكموا بين الناس أن يحكموا بحكم الله ورسوله؛ ولذلك قال تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ ولم يقل: (وأولي الأمر منكم)، فظهر: أن الواجب الرد إلى الله ورسوله، وأنه لا يستغنى عن ذلك بالرد إلى أولي الأمر، فأما التحاكم إلى أولي الأمر الذين يحكمون بكتاب الله وسنة رسوله بناء على أنهم كذلك، فليس استغناء عن كتاب الله وسنة رسوله بل توصل إلى حكمهما، بحيث لو ظهر مخالفة الحاكم لهما وقطع بذلك لرد حكمه كسائر الحكام، ومثل هذا قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾ [البقرة: 213] وعلى هذا فلا دلالة في الآية على أن قول الأمير حجة بمنزلة الكتاب والسنة.

3. معنى الرد إلى الله: الرد إلى حكمه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ﴾ [الشورى: 10] والرد إلى الرسول: الرد إلى حكمه؛ لأنه يحكم بحكم الله في كتابه أو فيما أوحى إليه من وحيه، قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ وقد روي عن أمير المؤمنين علي عليه السلام أنّه قال: (الرد إلى الله الرد إلى كتابه، والرد إلى رسوله الرد إلى سنته الجامعة غير المفرقة)

4. ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ حثٌ على الرد إلى الله والرسول ويدل على أن ذلك من مقتضى الإيمان ومن شأن المؤمن، وهو يفيد: أن من امتنع من الرد إليهما وأصر على الشقاق فليس بمؤمن، وكذلك من ردّ إلى غيرهما كحكام الطاغوت من الكهنة وغيرهم، كما يأتي في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ إلى آخر الآيات.

5. أما قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ فهو ترغيب في الرد إلى الله والرسول عند التنازع؛ لأنه يقطع الخلاف ويقرب من الائتلاف، ويوضح الحق لمن كان غالطاً، ويدفع الكبر.

6. وقوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ فالرد إلى الله والرسول يؤول بالمتنازعين إلى مآل محمود ويصير بهم إلى عاقبة مرضية؛ لأنه يقطع تطور النزاع وتسلسل الخلاف بين المتنازعين، بل وبين ورثتهم ومن يتبعهم حتى تبقى فائدة الحكم يتوارثها الأجيال، كما أن ترك الرد إلى الله ورسوله قد يؤدي إلى القتال وتسلسل القتال، فلعظم أهمية الرد إلى الله والرسول جاء في الحث عليه هذه الآية والآيات التي تليها.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/98.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قد يتنازع المؤمنون في قضاياهم الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية ونحوها، فكيف يجب أن يعالجوا أمثال هذه المنازعات؟ ومن هو المرجع؟ إن الآية تحدّد لنا الميزان الذي يزن لنا الحقيقة، فيعرّفنا الخط الفاصل بين الحق والباطل؛ فليرجعوا إلى الله من خلال كتابه المجيد الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ومن خلفه، وليهتدوا بهدي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وسنته، في ما لا يستطيعون فهمه من القرآن؛ فهما المصدران المعصومان اللذان نستطيع من خلالهما الوقوف عند الحق لنعمل به، والانطلاق ضد الباطل لنجتنبه، وذلك هو دليل الإيمان بالله واليوم الآخر، في ما يفرضه على الإنسان من الالتزام‏ بكتاب الله وسنّة نبيّه؛ لأن الإنسان الذي لا يسير على هذا الخط هو إنسان لا يعيش الانتماء إلى خط الله ورسوله، لما يعنيه الانتماء من الابتعاد عن كل خطّ آخر غيره، سواء كان من وحي نفسه أو من وحي الآخرين، وربما كان من الضروري لهذا الحديث، الإشارة إلى أن الآية توجهنا إلى السير في هذا الخط في اتجاهين: الاتجاه الفكري، والاتجاه العملي.

2. فإذا اختلفنا في الخطوط الفكرية السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يرتكز عليها نظام المجتمع، فيجب علينا الانطلاق إلى الله والرسول، لنرسم الخطة على أساس المفاهيم والأحكام والوسائل التي يتضمنها الكتاب والسنّة، لنحدّد الخط الإسلامي من غيره عندما تشتبك الخطوط أمامنا وتشتبه؛ فهذا هو الذي يحفظ للرؤية الإسلامية وضوحها وسلامتها من الانحراف والخلل، وهذا هو الذي يؤكد للمسيرة الإسلامية أصالتها وثباتها وتوازنها، ولهذا حضت الكثير من الأحاديث المسلمين على ضرورة تقديم الأساس بين صحيح الحديث وباطله، مما يروى عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأئمة أهل البيت عليهم السّلام، بإرجاعه إلى كتاب الله وسنّة نبيّه صلّى الله عليه واله وسلّم، مؤكدة هذه الروايات بأن‏ (كل حديث لا يوافق كتاب الله فهو زخرف) أو باطل، وما إلى ذلك من الكلمات التي تقترب من بعضها البعض.

3. وهذا ما ينبغي لنا مواجهته في ما يخوضه المفكرون المسلمون من صراعات فكرية، يتحرك بعضها في نطاق الإصرار على الرجوع إلى المصادر الأصيلة للإسلام في الفكر والتشريع والتخطيط وبناء الدولة وإقامة النظام، ويتحرك بعض آخر، ليوفّق بين مفاهيم الإسلام القرآنية والنبوية، وبين المفاهيم الحديثة التي انطلقت في تفكير الفلاسفة الأوروبيين، وذلك من أجل المحافظة على تحديث الإسلام وعصريته حتى ينسجم مع مسيرة العصر الحضارية، وربما يتحرّك في كلا الاتجاهين متطرفون هنا وهناك، ليتجمد هؤلاء على النص في لفظه بعيدا عن روحه، وليتحرر أولئك فيتركوا النص تماما ليستلهموا روحه بطريقة مائعة، وقد أثار هذا الاختلاف جوا سلبيا في الساحة الإسلامية على مستوى الفكر والعمل.

4. والآية التي نحن بصددها ليست إلا نوعا من التذكرة، بأن النزاع في فهم الفكرة، وفي طبيعة الخط، قد يكون له مبرراته الداخلية والخارجية، ولكن ذلك لا يتأتى بطريقة ذاتية، بل بالرجوع إلى القواعد الفكرية القرآنية والنبوية لتكون هي الميزان في الفكر الإسلامي الصحيح، في مواجهة الفكر الزائف؛ فإن ذلك هو علامة الإيمان الحق، أما في الجانب التطبيقي الذي يحكم المسيرة، فالأمر لا يختلف عن الجانب الفكري؛ لأن قضية الإسلام ليست الإيمان بالفكرة على أساس المعرفة فحسب، بل العمل على خط الإيمان في حركة الواقع، فلا يكفي في سلامة المسيرة أن يكون الفكر صحيحا، بل ينبغي أن يكون التطبيق سليما، لتتكامل الشخصية الإسلامية وتتوازن، وفي ضوء ذلك، لا بد أن تحل مشاكل الاختلاف في التطبيق على هدى القرآن والسنّة، ليعرف الإنسان المؤمن أن حياته لم تبتعد عن فكره وإيمانه.

5. ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ للإنسان في حياته، في ما يثيره فيها من نتائج طيبة، ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ الظاهر أن المراد منها أحسن مآلا ومرجعا؛ وذلك من خلال المصير الذي ينتهي إليه الإنسان المؤمن الذي يرجع إلى الله، فيجد عنده الرحمة والرضوان واللطف الكبير.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/327.

60. الإيمان والتحاكم للطاغوت

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈60⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ [النساء: 60]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: كان أبو بردة الأسلمي كاهنا يقضي بين اليهود فيما يتنافرون فيه، فتنافر إليه ناس من المسلمين؛ فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ إلى قوله: ﴿إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾(1).

2. روي أنّه قال: كان الجلاس بن الصامت قبل توبته، ومعتب بن قشير، ورافع بن زيد، وبشير؛ كانوا يدعون الإسلام، فدعاهم رجال من قومهم من المسلمين في خصومة كانت بينهم إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فدعوهم إلى الكهان حكام الجاهلية؛ فأنزل الله فيهم: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ الآية(2).

3. روي أنّه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ الآية، قال نزلت في رجل من المنافقين يقال له: بشر، خاصم يهوديا، فدعاه اليهودي إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف، ثم إنهما احتكما إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقضى لليهودي، فلم يرض المنافق، وقال: تعال نتحاكم إلى عمر بن الخطاب، فقال اليهودي لعمر: قضى لنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلم يرض بقضائه، فقال للمنافق: أكذلك؟ قال نعم، فقال عمر: مكانكما حتى أخرج إليكما، فدخل عمر، فاشتمل على سيفه، ثم خرج، فضرب عنق المنافق حتى برد، ثم قال هكذا أقضي لمن لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت(3).

4. روي أنّه قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، قال الطاغوت رجل من اليهود، كان يقال له: كعب بن الأشرف، وكانوا إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا: بل نحاكمكم إلى كعب، فذلك قوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾(4).

__________

(1) الطبراني في الكبير ١١/٣٧٣.

(2) عزاه السيوطي إلى ابن إسحاق، وابن المنذر، وابن أبي حاتم..

(3) أورده الواحدي في أسباب النزول ص ١٦٢.

(4) ابن جرير ٧/١٩٣ واللفظ له، وابن أبي حاتم ٣/٩٧٥.

جابر:

روي عن وهب بن منبّه، قال سألت جابر بن عبد الله (ت 78 هـ) عن الطواغيت التي كانوا يتحاكون إليها، قال: إن في جهينة واحدا، وفي أسلم واحدا، وفي هلال واحدا، وفي كل حي واحدا، وهم كهان تنزل عليهم الشياطين(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٧٦.

الشعبي:

روي عن الشعبي (ت 103 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: أنّه قال: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة ـ وفي لفظ: ورجل ممن زعم أنه مسلم ـ، فجعل اليهودي يدعوه إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ لأنه قد علم أنه لا يأخذ الرشوة في الحكم، وجعل الآخر يدعوه إلى اليهود؛ لأنه قد علم أنهم يأخذون الرشوة في الحكم، ثم اتفقا على أن يتحاكما إلى كاهن في جهينة؛ فنزلت: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ الآية إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(1).

2. روي أنّه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني: الذي من الأنصار، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني: اليهودي، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾: إلى الكاهن، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ يعني: أمر هذا في كتابه، وأمر هذا في كتابه، وتلا: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، وقرأ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/١٨٩.

(2) ابن جرير ٧/١٩٠.

مجاهد:

روي عن مجاهد (ت 104 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، تنازع رجل من المؤمنين ورجل من اليهود، فقال اليهودي: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال المؤمن: اذهب بنا إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله: ﴿صُدُودًا﴾.. وقال ابن جريج: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ قال القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ قال التوراة، قال ويكون بين المسلم والمنافق الحق، فيدعوه المسلم إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ليحاكمه إليه، فيأبى المنافق، ويدعوه إلى الطاغوت.. وقال ابن جريج: قال مجاهد: الطاغوت: كعب بن الأشرف(1).

2. روي أنّه قال: الطاغوت: الشيطان في صورة إنسان يتحاكمون إليه، وهو صاحب أمرهم(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/١٩٤.

(2) ابن المنذر (١٩٤٦.

البصري:

روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: انطلق رجل يحاكم آخر إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال الآخر: لا، بل انطلق إلى وثن بني فلان، فأنزل الله هذه الآية(1).

__________

(1) تفسير الثعلبي ٣/٣٣٧.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: ذكر لنا: أن هذه الآية نزلت في رجل من الأنصار ورجل من اليهود في مدارأة كانت بينهما، في حق تدارءا فيه، فتحاكما إلى كاهن كان بالمدينة، وتركا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فعاب الله ذلك عليهما، وقد حدثنا: أن اليهودي كان يدعوه إلى نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكان لا يعلم أنه لا يجوز عليه، وكان يأبى عليه الأنصاري الذي زعم أنه مسلم؛ فأنزل الله فيهما ما تسمعون، عاب ذلك على الذي زعم أنه مسلم، وعلى صاحب الكتاب(1).

__________

(1) عَبد بن حُمَيد كما في قطعة من تفسيره ص ١٠٤.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) أنّه قال في الآية: كان ناس من اليهود قد أسلموا، ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل الرجل من بني النضير ـ قتلته بنو قريظة ـ قتلوا به منهم، فإذا قتل رجل من بني قريظة ـ قتلته النضير ـ أعطوا ديته ستين وسقا من تمر، فلما أسلم أناس من قريظة والنضير قتل رجل من بني النضير رجلا من بني قريظة، فتحاكموا إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال النضيري: يا رسول الله، إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية، فنحن نعطيهم اليوم الدية، فقالت قريظة: لا، ولكنا إخوانكم في النسب والدين، ودماؤنا مثل دمائكم، ولكنكم كنتم تغلبونا في الجاهلية، فقد جاء الإسلام، فأنزل الله تعالى يعيرهم بما فعلوا، فقال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: ٤٥] يعيرهم، ثم ذكر قول النضيري: كنا نعطيهم في الجاهلية ستين وسقا، ونقتل منهم ولا يقتلوننا، فقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: ٥٠]، فأخذ النضيري فقتله بصاحبه، فتفاخرت النضير وقريظة، فقالت النضير: نحن أكرم منكم، وقالت قريظة: نحن أكرم منكم، فدخلوا المدينة إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، فقال المنافقون من قريظة والنضير: انطلقوا بنا إلى أبي بردة ينفر(1)، بيننا، وقال المسلمون من قريظة والنضير: لا، بل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ينفر بيننا، فتعالوا إليه، فأبى المنافقون، وانطلقوا إلى أبي بردة، وسألوه، فقال: أعظموا اللقمة، يقول: أعظموا الخطر(2).. فقالوا: لك عشرة أوساق، قال لا، بل مائة وسق ديتي، فإني أخاف أن أنفر النضير فتقتلني قريظة، أو أنفر قريظة فتقتلني النضير، فأبوا أن يعطوه فوق عشرة أوساق، وأبى أن يحكم بينهم، فأنزل الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(3).

__________

(1) نفّر القاضي الرجلَ وأنفره: إذا حكم له بالغلبة، والمراد بقولهم: (ينفر بيننا) أي: يحكم بيننا.

(2) الخطر: الرهن بعينه، وهو ما يتراهن عليه.

(3) ابن جرير ٧/١٩٣.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه سئل عن قول الله عز وجل: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ﴾ فقال: يا أبا بصير، إن الله عز وجل قد علم أن في الامة حكاما يجورون، أما إنه لم يعن حكام العدل، ولكنه عنى حكام الجور، يا أبا محمد، إنه لو كان لك على رجل حق، فدعوته إلى حكام أهل العدل فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له، لكان ممن حاكم إلى الطاغوت، وهو قول الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾(1).

2. روي أنّه قال: أيما رجل كان بينه وبين أخ له مماراة في حق، فدعاه إلى رجل من إخوانه ليحكم بينه وبينه فأبى إلا أن يرافعه إلى هؤلاء، كان بمنزلة الذين قال الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الآية(2).

3. روي أنّه قال: من كانت بينه وبين أخيه منازعة فدعاه إلى رجل من أصحابه يحكم بينهما، فأبى إلا أن يرافعه إلى السلطان، فهو كمن حاكم إلى الجبت والطاغوت، وقد قال الله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿بَعِيدًا﴾(3).

4. روي أنّه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يا أبا محمد إنه لو كان لك على رجل حق، فدعوته إلى حكام أهل العدل، فأبى عليك إلا أن يرافعك إلى حكام أهل الجور ليقضوا له، كان ممن حاكم إلى الطاغوت(3).

__________

(1) التهذيب 6/219.

(2) التهذيب 6/220.

(3) تفسير العيّاشي 1/254.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) أنّه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ يعني: صدقوا ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن، ﴿و﴾ صدقوا بـ ﴿مآ أنزل من قبلك﴾ من الكتب على الأنبياء.. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني: كعب بن الأشرف، وكان يتكهن، ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ يعني: أن يتبرأوا من الكهنة، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ﴾ عن الهدى ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ يعني: طويلا(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٣.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ذكر في القصة: أن رجلين تنازعا: أحدهما منافق، والآخر يهودي، فقال المنافق: اذهب بنا إلى كعب بن الأشرف، وقال اليهودي: اذهب بنا إلى محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فاختصما إلى نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقضى لليهودى على المنافق، فلما خرجا قال المنافق: انطلق بنا إلى عمر بن الخطاب نختصم إليه، فأقبل معه اليهودي إلى عمر فقال اليهودي: يا عمر، إنا اختصمنا إلى محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم فقضى لي عليه، فزعم أنه لا يرضى بقضائه، وهو يزعم أنه يرضى بقضائك، فاقض بيننا، فقال عمر للمنافق: كذلك‏ عنق المنافق‏، فأنزل الله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾

2. الطاغوت، قيل: هو كعب بن الأشرف‏، وقيل: الطَّاغُوتِ: هو اسم الكاهن، وقيل: الطَّاغُوتِ: الكافر، والطاغوت: هو كل معبود دون الله تعالى وعلى هذا التأويل خرج قوله سبحانه وتعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾.. أي: جاء أهل النفاق يحلفون بالله: أنه لم يرد بالتحاكم إلى ذلك إلا إحسانا وتوفيقا.

3. في الآية دلالة إثبات رسالة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ وذلك أن قوله سبحانه وتعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾ قصدوا أن يتحاكموا ولم يتحاكموا بعد، فأخبرهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بذلك؛ فعلموا أنه إنما علم ذلك بالله، لكنهم لشدة تعنتهم وتمردهم لم يتبعوه.

4. قوله عزّ وجل: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي: أمروا أن يكفروا بالطاغوت؛ كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾‏ [البقرة: 256]

5. قوله عزّ وجل: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي: يزين لهم الشيطان ليضلوا ضلالا بعيدا؛ أي: لا يعودون إلى الهدى أبدا، فيه إخبار أنهم يموتون على ذلك، فكذلك كان، وهو في موضع الإياس عن الهدى، وقيل: بعيدا عن الحق، وقيل: طويلا، وهو واحد.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/236.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ هذه الآية نزلت في رجل أنصاري من المنافقين ورجل من اليهود كان بينهما خصومة فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك لأنه علم أنهم لا يقبلون الرشوة وقال المنافق: بل أحاكمك إلى اليهود منهم كعب بن الأشرف لأنه علم أنهم يقبلون الرشوة فاصطلحا أن يتحاكما إلى رجل من جهينة فنزلت فيه هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني المنافق ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني اليهودي ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني الكاهن.

2. وقيل إنها نزلت في رجل من بني النضير وبني قريظة وكانت بنو قريظة في الجاهلية إذا قتل رجل من بني قريظة لم يقتاد من القاتل وأعطوا ديته ستون وسقاً من تمر فلما أسلم ناس من بني قريظة وبني النضير قتل رجل من بني النضير رجلاً من بني قريظة فتحاكموا إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال النظيري يا رسول الله إنا كنا نعطيهم في الجاهلية الدية ستين وسقاً من تمر فنحن نعطيهم اليوم ذلك، وقالت بنو قريظة: نحن إخوان في النسب وفي الدين وإنما كان ذلك في غلبة الجاهلية وقد جاء الإسلام، فأنزل الله تعالى فيهم: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ﴾ [المائدة: 45]، ثم ذكر قول بني النظير فقال: ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50]، ثم أخذ النظيري فقتله بالقرظي ولذلك دخلت بنو النظير وبنو قريظة المدينة فتحاكموا إلى أبي بردة الأسلمي الكاهن فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني في الحال ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني حين كانوا يهود ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني أبا بردة الأسلمي الكاهن.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/184.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. اختلف فيمن نزلت هذه الآية على قولين:

أ. أحدهما: أنها نزلت في رجل من المنافقين ورجل من اليهود كان بينهما خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى أهل دينك لأني أعلم أنهم لا يقبلون الرشوة، وقال المنافق: أحاكمك إلى اليهود منهم كعب بن الأشرف، لأنه علم أنهم يقبلون الرشوة، فاصطلحا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، فأنزل الله فيهما هذه الآية ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني المنافق‏ ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني اليهودي، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني الكاهن، وهذا قول الشعبي ومجاهد.

ب. الثاني: أنها نزلت في رجلين من بني النضير وبني قريظة، وكانت بنو قريظة في الجاهلية إذا قتلت رجلا من بني النضير أقادوا من القاتل، وكانت بنو النضير في الجاهلية إذا قتلت رجلا من بني قريظة لم تقد من القاتل وأعطوا ديته ستين وسقا من تمر، فلما أسلم ناس من بني قريظة وبني النضير، قتل رجل من بني النضير رجلا من بني قريظة فتحاكموا إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال النّضيريّ لرسول الله: إنا كنّا في الجاهلية نعطيهم الدية ستين وسقا من تمر، فنحن نعطيهم اليوم ذلك، وقالت بنو قريظة: نحن إخوان في النسب والدين وإنما كان ذلك عليه الجاهلية وقد جاء الإسلام، فأنزل الله تعالى يعيّرهم بما فعلوا ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ [المائدة: 45]، ثم ذكر قول بني النضير ﴿أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ﴾ [المائدة: 50] ثم أخذ النّضيريّ فقتله بالقرظي، فتفاخرت النضير وقريظة ودخلوا المدينة، فتحاكموا إلى أبي بردة الأسلمي الكاهن، فأنزل الله في ذلك‏ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [النساء: 60] يعني في الحال، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني حين كانوا يهودا، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ يعني أبا بردة الأسلمي الكاهن، وهذا قول السدي.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/502.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. عجب الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذه الآية ممن يزعم أنه آمن بما أنزل على محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وما أنزل من قبله بأن قال ألم ينته علمك إلى هؤلاء الذين ذكرنا وصفهم يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمرهم الله أن يكفروا به، وقال الحسن، والجبائي: نزلت الآية في قوم منافقين احتكموا إلى الأوثان بضرب القداح، وقد بينا معنى الطاغوت فيما تقدم، وقيل في معناه هاهنا قولان:

أ. أحدهما: أنه كاهن تحاكم إليه رجل من المنافقين، ورجل من اليهود هذا قول الشعبي، وقتادة، وقال السدي اسمه أبو بردة.

ب. الثاني: قال ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والضحاك: إنه كعب ابن الأشرف رجل من اليهود، فاختار المنافق التحاكم إلى الطاغوت، وهو رجل يهودي، وقيل: كعب بن الأشرف، لأنه يقبل الرشوة، واختار اليهودي التحاكم إلى محمد نبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم لأنه لا يقبل الرشوة، ومعنى الطاغوت، ذو الطغيان ـ على جهة المبالغة في الصفة ـ فكل من يعبد من دون الله فهو طاغوت، وقد تسمى به الأوثان كما تسمى بأنها رجس من عمل الشيطان، ويوصف به كل من طغى، بأن حكم بخلاف حكم الله تعالى غير راض بحكمه تعالى.

ج. وروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام أن الآية في كل من يتحاكم إلى من يحكم بخلاف الحق‏

2. (زعم)، يحتاج إلى اسم، وخبر، (وانهم) في الآية نائب عن الاسم، والخبر، لأنها على معنى الجملة، ومخرج المفرد، وليس بمنزلة ظننت ذلك، لأنه على معنى المفرد ومخرج المفرد، لأن قولك: زعمت أنه قائم يفيد ما يفيد هو قائم، وكذلك ظننت ذاك، لأنه‏ يدل دلالة الاشارة إلى ما تقدر علمه عند المخاطب.

3. قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ يدل على بطلان قول المجبرة: إن الله تعالى يفعل المعاصي ويريدها، لأن الله تعالى نسب إظلالهم إلى أنه بارادة الشيطان على وجه الذم لهم، فلو أراد تعالى أن يضلهم بخلق الضلال فيهم، لكان ذلك أوكد وجوه الذم في إظلالهم.

4. أصل الضلال الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى البغية، لأنه ضد الهدى الذي هو الدلالة على الطريق المؤدي إلى البغية، وله تصرف كثير يرجع إلى هذه النكتة ذكرناه فيما مضى، وأضله الله معناه: سماه الله ضالا أو حكم عليه به، كما يقال اكفره بمعنى سماه بالكفر، ولا يجوز أن يقال أكفره الله بمعنى أنه دعاه إلى الكفر، لأنه منزه عن ذلك، فتعالى الله عن ذلك علوا كبيراً.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/238.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الطاغوت: ذو الطغيان، وهو (فَعَلُوت) من طغى، وبني للمبالغة في الصفة، وهو كل معبود دون الله، وسمي بها الأوثان، ويسمى به كل من طغى وتمرد.

ب. الضلال أصله الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى البغية، ونقيضه الهدى.

2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. قيل: تخاصم رجلان فقال أحدهما: انطلق، إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقال الآخر: بل انطلق إلى وثن بني فلان، فأنزل الله تعالى هذه الآية عن الحسن.

ب. وقيل: كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أحاكمك إلى محمد، فقال المنافق: لا، وجعل اليهودي يدعو إلى المسلمين لعلمه بأنهم لا يقبلون الرِّشَا، ولا يقضون إلا بالحق، وجعل المنافق يدعو إلى اليهود؛ لأنهم يقبلون الرشوة، ويميلون في الحكم، فاتفقا أن يتحاكما إلى كاهن من جهينة، فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية عن الشعبي.

ج. وقيل: نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، وكان يسمى الطاغوت، وأبى اليهودي، فأتيا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقضى لليهودي، فلما خرجا قال: لا أرضى، وأتيا عمر وقصَّا عليه القصة، فقال عمر للمنافق: أكذلك هو؟ قال: نعم، فقال: رويدكما حتى أخرج، فدخل بيته فأخذ سيفه وخرج وقتل المنافق، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فاجتمع قومه وشكوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ما صنع عمر، فقال له: لم قتلته)؟ قال: لأنه لم يرض بقضائك ونزلت الآية، وقال جبريل: إن عمر فرق بين الحق والباطل فسمي يومئذ الفاروق عن ابن عباس.

د. وقيل: أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضيريًا قُتل به وأخذ منه ديته مائة وسق من تمر، وإذا قتل نضيري قريظيًا لم يقتل به، وأعطى ديته ستين وسقًا من تمر، فكانت النضير أشرف، وهم حلفاء للأوس، وقريظة حلفاء الخزرج، فلما هاجر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة، قتل نضيري قريظيًا، فاختصما فيه، فقالت بنو النضير: لا قصاص علينا، وإنما علينا ستون وسقًا من تمر على ما اصطلحنا عليه، وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية ونحن وأنتم اليوم إخوة، وديننا واحد فلا فضل بيننا، وأبى النضير ذلك، فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون: بل إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأبى المنافقون فانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ودعا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الكاهن إلى الإسلام فأسلم عن السدي.

3. لما أمر الله تعالى أولي الأمر بالحكم بقضية الإسلام، وأمر المسلمين بطاعة أولي الأمر اتصل بذكر المنافقين الذين لا يرضون بحكم الله وحكم رسوله، وتحاكموا إلى الطاغوت فقال سبحانه ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعجيب منه تعالى لنبيه، أي:

أ. ألم تتعجب من صنعهم.

ب. وقيل: ألم تعلم.

ج. وقيل: ألم ينته علمك إلى هَؤُلَاءِ.

4. ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن والدين ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من الكتاب، وهم المنافقون ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾:

أ. قيل: كاهن تحاكم إليه المنافق واليهودي عن الشعبي وقتادة، وقال السدي: اسمه أبو بردة الأسلمي، وقد بينا القصة فيه.

ب. وقيل: كعب بن الأشرف رجل من اليهود عن ابن عباس ومجاهد والربيع والضحاك.

ج. وقيل: هَؤُلَاءِ الأوثان احتكموا إليها بضرب القداح عن الحسن وأبي علي.

د. وقيل: حيي بن أخطب.

هـ. وقيل: هم الكفرة عن أبي مسلم.

5. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ يعني أمرهم الله أن يكذبوا ما جاء به الطاغوت، فبين الله تعالى أن باطنهم خلاف ظاهرهم، وإن كانوا مؤمنين لما احتكموا إلى الطاغوت الذي أمرهم الله بجحده.

6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾:

أ. قيل: يريد الطاغوت الذي يتحاكَمان إليه إضلالهم عن الحق والدين ﴿ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ عن الحق.

ب. وقيل: يريد الشيطان بما زين لهم أن يجوروا عن الحق جورًا لا يرجعون إليه أبدًا.

7. تدل الآية الكريمة على:

أ. وجوب الرضا بقضاء الله وحكمه وحكم ما شرعه من دين الإسلام.

ب. أن مَنْ لم يرض بحكمه يكفر.

ج. أنه لا يجوز الحكم إلى غير الله وغير رسوله.

د. يدل قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ﴾ على أنه أراد خلاف إرادة الله.

هـ. أن إرادة الضلال قبيحة؛ لذلك ذمه عليه، فتدل على أنه لا يريد الضلال.

و. أن الشيطان يضل، وأن الضلال ليس من الله، فتدل على بطلان مذاهبِ الجبر في المخلوق والإرادة.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/680

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الطاغوت: ذو الطغيان على جهة المبالغة في الصفة، فكل من يعبد من دون الله فهو طاغوت، وقد يسمى به الأوثان كما يسمى بأنه رجس من عمل الشيطان، ويوصف به أيضا كل من طغى بأن حكم بخلاف حكم الله.

ب. أصل الضلال: الهلاك بالعدول عن الطريق المؤدي إلى البغية، لأنه ضد الهدى الذي هو الدلالة على الطريق المؤدي إلى البغية، وله تصرف كثير يرجع جميعه إلى هذه النكتة، ذكرناها في سورة البقرة عند قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾

2. مما روي في سبب نزول الآية الكريمة: كان بين رجل من اليهود، ورجل من المنافقين، خصومة، فقال اليهودي: أحاكم إلى محمد، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة، ولا يجور في الحكم، فقال المنافق: لا بل بيني وبينك كعب بن الأشرف، لأنه علم أنه يأخذ الرشوة، فنزلت الآية، عن أكثر المفسرين.

3. لما أمر الله أولي الامر بالحكم والعدل، وأمر المسلمين بطاعتهم، وصل ذلك بذكر المنافقين الذين لا يرضون بحكم الله ورسوله، فقال ﴿أَلَمْ تَرَ﴾:

أ. قيل: أي ألم تعلم.

ب. وقيل: إنه تعجب منه أي: ألم تتعجب من صنيع هؤلاء.

ج. وقيل: ألم ينته علمك.

4. ﴿إِلَى﴾ هؤلاء ﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ من القرآن، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ من التوراة والإنجيل.

5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾:

أ. قيل: يعني كعب بن الأشرف، عن ابن عباس، ومجاهد، والربيع، والضحاك.

ب. وقيل: إنه كاهن من جهينة، أراد المنافق أن يتحاكم إليه، عن الشعبي، وقتادة.

ج. وقيل: أراد به ما كانوا يتحاكمون فيه إلى الأوثان، بضرب القداح، عن الحسن.

د. وروى أصحابنا عن السيدين الباقر عليه السلام، والصادق عليه السلام، أن المعني به كل من يتحاكم إليه ممن يحكم بغير الحق.

6. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾: يعني به قوله تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى لَا انْفِصَامَ لَهَا﴾، ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ بما زين لهم ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ عن الحق، نسب إضلالهم إلى الشيطان، فلو كان الله قد أضلهم بخلق الضلالة فيهم على ما يقوله المجبرة، لنسب إضلالهم إلى نفسه دون الشيطان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/102.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ أربعة أقوال:

أ. أحدها: أنها نزلت في رجل من المنافقين كان بينه وبين يهوديّ خصومة، فقال اليهوديّ: انطلق بنا إلى محمّد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف، فأبى اليهوديّ، فأتيا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقضى لليهوديّ، فلمّا خرجا، قال المنافق: ننطلق إلى عمر بن الخطّاب، فأقبلا إليه، فقصّا عليه القصّة، فقال: رويدا حتى أخرج إليكما، فدخل البيت، فاشتمل على السّيف، ثم خرج، فضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي بين من لم يرض بقضاء الله ورسوله، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس.

ب. الثاني: أنّ أبا برزة الأسلميّ كان كاهنا يقضي بين اليهود، فتنافر إليه ناس من المسلمين فنزلت هذه الآية، رواه عكرمة، عن ابن عباس.

ج. الثالث: أنّ يهوديّا ومنافقا كانت بينهما خصومة، فدعا اليهوديّ المنافق إلى النبيّ، لأنه لا يأخذ الرّشوة، ودعا المنافق إلى حكّامهم، لأنهم يأخذون الرّشوة، فلمّا اختلفا، اجتمعا أن يحكّما كاهنا، فنزلت هذه الآية، هذا قول الشّعبيّ.

د. الرابع: أنّ رجلا من بني النّضير قتل رجلا من بني قريظة، فاختصموا، فقال المنافقون منهم: انطلقوا إلى أبي برزة الكاهن، فقال المسلمون من الفريقين: بل إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأبى المنافقون، فانطلقوا إلى الكاهن، فنزلت هذه الآية، هذا قول السّدّيّ.

2. الزّعم والزّعم لغتان، وأكثر ما يستعمل في قول ما لا تتحقّق صحته، وفي الذين زعموا أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله قولان:

أ. أحدهما: أنه المنافق.

ب. الثاني: أن الذي زعم أنه آمن بما أنزل إليه المنافق، والذي زعم أنه آمن بما أنزل من قبله اليهوديّ، والطّاغوت: كعب بن الأشرف، قاله ابن عباس، ومجاهد، والضّحّاك، والرّبيع، ومقاتل.

3. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ قال مقاتل: أن يتبرّؤوا من الكهنة، و(الضّلال البعيد): الطّويل.

__________

(1) زاد المسير: 1/426.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما أوجب الله تعالى في الآية الأولى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ويطيعوا الرسول ذكر في‏ هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وإنما يريدون حكم غيره.

2. الزعم والزعم لغتان، ولا يستعملان في الأكثر الا في القول الذي لا يتحقق، قال الليث: أهل العربية يقولون زعم فلان إذا شكوا فيه فلم يعرفوا أكذب أو صدق، فكذلك تفسير قوله: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ أي بقولهم الكذب، قال الأصمعي: الزعوم من الغنم التي لا يعرفون أبها شحم أم لا، وقال ابن العربي: الزعم يستعمل في الحق، وأنشد لأمية بن الصلت‏:

çواني أدين لكم أنه‏...سينجزكم ربكم ما زعم‏é

3. إذا عرفت هذا فنقول: الذي في هذه الآية المراد به الكذب، لأن الآية نزلت في المنافقين، وذكروا في أسباب النزول وجوها:

أ. الأول: قال كثير من المفسرين: نازع رجل من المنافقين رجلا من اليهود فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف، والسبب في ذلك أن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة، وكعب بن الأشرف كان شديد الرغبة في الرشوة، واليهودي كان محقا، والمنافق كان مبطلا، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول، والمنافق كان يريد كعب بن الأشرف، ثم أصر اليهودي على قوله، فذهبا اليه صلّى الله عليه وآله وسلّم فحكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لليهودي على المنافق، فقال المنافق لا أرضى انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم أبو بكر لليهودي فلم يرض المنافق، وقال المنافق: بيني وبينك عمر، فصارا إلى عمر فأخبره اليهودي أن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وأبا بكر حكما على المنافق فلم يرض بحكمهما، فقال للمنافق: أهكذا فقال نعم، قال اصبرا إن لي حاجة أدخل فأقضيها وأخرج اليكما، فدخل فأخذ سيفه ثم خرج إليهما فضرب به المنافق حتى برد وهرب اليهودي، فجاء أهل المنافق فشكوا عمر إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فسأل عمر عن قصته، فقال عمر: إنه رد حكمك يا رسول الله.. وعلى هذا القول الطاغوت هو كعب بن الأشرف.

ب. الثاني: أنه أسلم ناس من اليهود ونافق بعضهم، وكانت قريظة والنضير في الجاهلية إذا قتل قرظي نضريا قتل به وأخذ منه دية مائة وسق من تمر، وإذا قتل نضري قرظيا لم يقتل به، لكن أعطي ديته ستين وسقا من التمر، وكان بنو النضير أشرف وهم حلفاء الأوس، وقريظة حلفاء الخزرج، فلما هاجر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة قتل نضري قرظيا فاختصما فيه، فقالت بنو النضير: لا قصاص علينا، إنما علينا ستون وسقا من تمر على ما اصطلحنا عليه من قبل، وقالت الخزرج: هذا حكم الجاهلية، ونحن وأنتم اليوم إخوة، وديننا واحد ولا فضل بيننا، فأبى بنو النضير ذلك، فقال المنافقون: انطلقوا إلى أبي بردة الكاهن الأسلمي، وقال المسلمون: بل إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأبى المنافقون وانطلقوا إلى الكاهن ليحكم بينهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ودعا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الكاهن إلى الإسلام فأسلم، هذا قول السدي.. وعلى هذا القول الطاغوت هو الكاهن.

ج. الثالث: قال الحسن: ان رجلا من المسلمين كان له على رجل من المنافقين حق، فدعاه المنافق‏ إلى وثن كان أهل الجاهلية يتحاكمون اليه، ورجل قائم يترجم الأباطيل عن الوثن، فالمراد بالطاغوت هو ذلك الرجل.

د. الرابع: كانوا يتحاكمون إلى الأوثان، وكان طريقهم أنهم يضربون القداح بحضرة الوثن، فما خرج على القداح عملوا به، وعلى هذا القول فالطاغوت هو الوثن.

4. اتفقوا على أن هذه الآية نزلت في بعض المنافقين، ثم قال أبو مسلم: ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب، مثل أنه كان يهوديا فأظهر الإسلام على سبيل النفاق لأن قوله تعالى: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق.

5. مقصود الكلام ان بعض الناس أراد أن يتحاكم إلى بعض أهل الطغيان ولم يرد التحاكم إلى محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم قال القاضي: ويجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر، وعدم الرضا بحكم محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم كفر، ويدل عليه وجوه:

أ. الأول: انه تعالى قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون ايمانا به، ولا شك أن الايمان بالطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطغوت إيمان بالله.

ب. الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ج. الثالث: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63] وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة اليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم.

6. قال المعتزلة ـ ومن وافقهم ـ: ان قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ يدل على أن كفر الكافر ليس بخلق الله ولا بإرادته، وبيانه من وجوه:

أ. الأول: أنه لو خلق الله الكفر في الكافر وأراده منه فأي تأثير للشيطان فيه، وإذا لم يكن له فيه تأثير فلم ذمه عليه؟

ب. الثاني: انه تعالى ذم الشيطان بسبب انه يريد هذه الضلالة؟ فلو كان تعالى مريدا لها لكان هو بالذم أولى من حيث ان كل من عاب شيئا ثم فعله كان بالذم أولى قال تعالى: ﴿كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف: 3]

ج. الثالث: ان قوله تعالى في أول الآية صريح في إظهار التعجب من أنهم كيف تحاكموا إلى الطاغوت مع أنهم قد أمروا أن يكفروا به، ولو كان ذلك التحاكم بخلق الله لما بقي التعجب، فإنه يقال: إنما فعلوا لا جل أنك خلقت ذلك الفعل فيهم وأردته منهم، بل التعجب من هذا التعجب أولى، فان من فعل ذلك فيهم ثم أخذ يتعجب منهم انهم كيف فعلوا ذلك كان التعجب من هذا التعجب أولى.

7. حاصل هذا الاستدلال يرجع إلى التمسك بطريقة المدح أو الذم، وقد عرفت منا انا لا نقدح في هذه الطريقة إلا بالمعارضة بالعلم والداعي.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/120.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. مما روي في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. روى يزيد بن زريع عن داوود بن أبي هند عن الشعبي قال: كان بين رجل من المنافقين ورجل من اليهود خصومة، فدعا اليهودي المنافق إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة، ودعا المنافق اليهودي إلى حكامهم، لأنه علم أنهم يأخذون الرشوة في أحكامهم، فلما اختلفا اجتمعا على أن يحكما كاهنا في جهينة، فأنزل الله تعالى في ذلك: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني المنافق، ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني اليهودي، ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ وقال الضحاك: دعا اليهودي المنافق إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ودعاه المنافق إلى كعب بن الأشرف وهو ﴿الطَّاغُوتَ﴾

ب. ورواه أبو صالح عن ابن عباس قال: كان بين رجل من المنافقين ـ يقال له بشر ـ وبين يهودي خصومة، فقال اليهودي: انطلق بنا إلى محمد، وقال المنافق: بل إلى كعب بن الأشرف ـ وهو الذي سماه الله ﴿الطَّاغُوتَ﴾ أي ذو الطغيان ـ فأبى اليهودي أن يخاصمه إلا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلما رأى ذلك المنافق أتى معه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقضى لليهودي، فلما خرجا قال المنافق: لا أرضى، انطلق بنا إلى أبي بكر، فحكم لليهودي فلم يرض ـ ذكره الزجاج ـ وقال: انطلق بنا إلى عمر فأقبلا على عمر فقال اليهودي: إنا صرنا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ثم إلى أبي بكر فلم يرض، فقال عمر للمنافق: أكذلك هو؟ قال: نعم، قال: رويد كما حتى أخرج إليكما، فدخل وأخذ السيف ثم ضرب به المنافق حتى برد، وقال: هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله وقضاء رسوله، وهرب اليهودي، ونزلت الآية.

2. انتصب: ﴿ضَلَالًا﴾ على المعنى، أي فيضلون ضلالا، ومثله قوله تعالى: ﴿وَاللهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾، وقد تقدم هذا المعنى مستوفى، و﴿صُدُودًا﴾ اسم للمصدر عند الخليل، والمصدر الصد، والكوفيون يقولون: هما مصدران.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/264.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ فيه تعجيب لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من حال هؤلاء الذين ادعوا لأنفسهم أنهم قد جمعوا بين الإيمان بما أنزل على رسول الله ـ وهو القرآن ـ وما أنزل على من قبله من الأنبياء، فجاؤوا بما ينقض عليهم هذه الدعوى، ويبطلها من أصلها، ويوضح أنهم ليسوا على شيء من ذلك أصلا، وهو إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، وقد أمروا فيما أنزل على رسول الله، وعلى من قبله، أن يكفروا به.

2. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ معطوف على قوله: ﴿يُرِيدُونَ﴾ والجملتان مسوقتان لبيان محل التعجب، كأنه قيل: ماذا يفعلون؟ فقيل: يريدون كذا، ويريد الشيطان كذا، وقوله: ضَلالًا مصدر لفعل المذكور بحذف الزوائد كقوله: ﴿وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا﴾ أو مصدر لفعل محذوف دلّ عليه الفعل المذكور، والتقدير: ويريد الشيطان أن يضلهم فيضلون ضلالا، والصدود: اسم للمصدر، وهو الصدّ عند الخليل، وعند الكوفيين: أنهما مصدران، أي: يعرضون عنك إعراضا.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/558.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ يعني القرآن‏ ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ يعني التوراة، ووصفهم بادعاء الإيمان بالقرآن وبما أنزل من قبله، لتأكيد العجيب من حالهم وتشديد التوبيخ والاستقباح، ببيان كمال المباينة بين دعواهم المقتضية حتما للتحاكم إلى الرسول، وبين ما صدر عنهم من مخالفة الأمر المحتوم.

2. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الداعي إلى الطغيان بالحكم على خلاف المنزل إليك والمنزل على من قبلك، وتقدم قريبا معاني الطاغوت، والمراد به هاهنا ما سوى كتاب الله وسنة رسوله، من الباطل‏.

3. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا﴾ في جميع تلك الكتبـ ﴿أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يتبرؤوا منه، لأنه تحاكم على خلاف ما أنزل الله في كتبه فيعصونه ويطيعون الشيطان‏ ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ أي من الجن والإنس‏ ﴿أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ عن الحق والهدى.

4. ﴿وَيُرِيدُ﴾ عطف على (يريدون) داخل في حكم التعجيب، فإن اتباعهم لمن يريد إضلالهم وإعراضهم عمن يريد هدايتهم، أعجب من كل عجيب.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/194.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعجيبـ ﴿إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ يقولون قولاً كاذبًا، وقيل: يظنُّون، وفيه أنَّهم لا يظنُّون أنَّهم آمنوا بالقرآن، بل يعلمون أنَّهم كفروا به.

2. ﴿أَنَّهُمُ ءَامَنُواْ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ﴾ حالٌ، أو كأنَّهم قيل: ما شأنهم؟ فقال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَّتَحَاكَمُواْ إلَى الطَّاغُوتِ﴾ الكثير الطغيان، أو الرئيس في الضلال ﴿وَقَدُ امِرُواْ أَنْ يَّكْفُرُواْ بِهِ﴾ أي: بدينه، أو معنى الكفر به أن لا يعتبروه في أمر دينه، وهو هنا كعب بن الأشرف؛ لأنَّ فيه كثرة الطغيان والرياسة في الضلال، أو إلى الشيطان مع أنَّ التحاكم إلى كعب، لكن لَمَّا كان سبب التحاكم إليه الشيطان قال: إلى الشيطان، أو سمَّاه شيطانًا استعارة أو حقيقة، أو لأنَّ الشيطان هو الحامل له على التحاكم إلى كعب، فالتجوُّز إرساليٌّ.

3. دعا يهوديٌّ بشرًا المنافق أن يتحاكما إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ودعاه المنافق إلى كعب، وتحاكما إلى رسول الله فحكم لليهوديِّ، فطلبه المنافق أن يعيدا إلى عمر  ، فمضيا إليه، فقال اليهوديُّ: (قد حكم لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، ولم يَرضَ بشر)، فقال لبشر: (أكذلك؟) قال: (نعم)، فقال: (رويدًا حتَّى أخرج إليكما)، فدخل عمر البيت، واشتمل على سيف فضرب به بشرا حتَّى مات؛ وقال: (هكذا أقضي على من لم يرض بقضاء الله ورسوله)، ونزلت الآية.

4. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ﴾ المذكور باسم الطاغوت، أو جنس الشيطان ﴿أَنْ يُّضِلَّهُمْ﴾ عن الحقِّ ﴿ضَلَالاً بَعِيدًا﴾ أي: إضلالاً بعيدًا عن الحقِّ، أو يضلّهم فيضلُّوا ضلالاً بعيدًا.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/212.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قال محمد عبده: الكلام متصل بما قبله فإنه تعالى ذكر أن اليهود يؤمنون بالجبت والطاغوت الخ وذكر من سوء لحالهم ووعيدهم ما ذكر ثم أمر المؤمنين بعد ذلك بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل، لأن أولئك قد خانوا بجعلهم الكافرين أهدى سبيلا من المؤمنين، وأمرهم بطاعة الله ورسوله في كل شيء وطاعة أولي الأمر فيما يجمعون عليه مختارين لا مسيطر عليهم فيه وبرد ما تنازعوا فيه إلى الله ورسله في مقابلة طاعة أولئك للطاغوت وإيمانهم به وبالجبت واتباعهم للهوى، وبعد هذا بين لنا حال طائفة أخرى بين الطائفتين وهم المنافقون الذين يزعمون أنهم آمنوا، ومن مقتضى الإيمان امتثال ما أمر به المؤمنون في الآيتين السابقتين، ولكنهم مع هذه الدعوى يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت الذي عليه تلك الطائفة فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ وقد ذكر المفسرون أسبابا متعددة لنزول هذه الآية يمنعنا اختلافها وتشتت رواياتها أن نجزم بواحدة معينة منها وإنما نسترشد بمجموعها إلى معرفة حال من أعرضوا عن حكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

2. تقدم أن (الطاغوت) مصدر الطغيان وهو يصدق على كل من جاءت الروايات في سبب نزول الآية بالتحاكم إليهم (كما قرأت آنفا) ومن قصد التحاكم إلى أي حاكم يريد أن يحكم له بالباطل ويهرب إليه من الحق فهو مؤمن بالطاغوت ولا كذلك الذي يتحاكم إلى من يظن أنه يحكم بالحق، وكل من يتحاكم إليه من دون الله ورسوله ممن يحكم بغير ما أنزل الله على رسوله فهو راغب عن الحق إلى الباطل وذلك عين الطاغوت الذي هو بمعنى الطغيان الكثير، ويدخل في هذا مع ما يقع كثيرا من تحاكم الخصمين إلى الدجالين كالعرافين وأصحاب المندل والرمل ومدعي الكشف ويخرج المحكم في الصلح وكل ما أذن به الشرع مما هو معروف.

3. الاستفهام في قوله تعالى ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ استفهام تعجيب من أمر الذين يزعمون أنهم آمنوا ويأتون بما ينافي في الإيمان كما تقدم بيانه في تفسير ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾ [آل عمران: 23] وأحوال الأمم تكون متشابهة لأنها مظهر أطوار البشر فالإيمان الصحيح بكتب الله ورسله يقتضي الاتباع والعمل بما شرعه الله تعالى على ألسنة تلك الرسل، وترك العمل مع الاستطاعة دليل على أن الإيمان غير راسخ في نفس مدعيه فكيف إذا كان العمل بضد ما شرعه الله تعالى؟ هكذا كان يدعي الإيمان بموسى والتوراة جميع اليهود حتى أولئك الذين يشترون الضلالة بالهدى ويأكلون السحت ويؤمنون بالجبت والطاغوت، وهكذا كان في مسلمي العصر الأول من يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وهم مع ذلك يرغبون عن التحاكم إليه إلى التحاكم إلى الطاغوت، وهكذا شأن الناس في كل زمان لا يكونون كلهم عدولا صادقين في ملة من الملل، ولا يكونون كلهم منافقين أو فاسقين في ملة من الملل، ومن العجائب أن يقال إن كل المسلمين الذين رأوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كانوا عدولا والقرآن يصف بعضهم بمثل ما في هذه الآية ويسجل على بعضهم النفاق.

4. الزعم في أصل اللغة القول والدعوى سواء كان ذلك حقا أم باطلا، قال أمية بن أبي الصلت في شعر له: (سينجزكم ربكم ما زعم)، يريد ما وعد وأرى أن القافية اضطرته إلى استعمال هذا الحرف هنا وما هو بمكين ووعده تعالى لا يكون إلا حقا، وقال الليث سمعت أهل العربية يقولون إذا قيل ذكر فلان كذا وكذا فإنما يقال ذلك لأمر يستيقن أنه حق وإذا شك فيه فلم يدره لعله كذب أو باطل قيل زعم فلان كذا، وقيل الزعم الظن وقيل الكذب، وكل هذا مأخوذ من اختلاف الاستعمال بنظر القائل إلى بعض كلام العرب دون بعض، والذي ينظر في مجموع استعمالاتها لهذه الكلمة يجزم بأن الأكثر أن تستعمل فيما لا يجزم به وإن جاز أن يكون حقا، وقال الراغب الزعم حكاية قول يكون مظنة للكذب ولهذا جاء في القرآن في كل موضع ذم القائلين به، وأشار إلى بعض الآيات في ذلك ونحن نزيد عليه في بيانها، قال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ [التغابن: 7] وقال: ﴿وما نرى معكم شفعاؤكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون﴾ [الأنعام: 94] وقال: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِهِ فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنْكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾ [الإسراء: 56] وقال ﴿بل زعمتم أن لن نجعل لكم موعدا﴾ [الكهف: 49] وفي هذه السورة أيضا ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُوا شُرَكَائِيَ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ [الكهف: 52] وبقي آيات أخرى مستعملة هذا الاستعمال فلغة القرآن أن الزعم يستعمل في الباطل والكذب وهو يرد على الزاعمين ولا يقرهم على شيء.

5. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به في التنزيل الذي يزعمون أنهم آمنوا به، فهذا التنزيل قد بين ذلك بنص الخطاب أو فحواه قال تعالى في سورة النحل وهي مكية: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: 36] الآية وهي نص في أن كل نبي أرسله الله تعالى قد أمر أتباعه باجتناب الطاغوت، وقال تعالى: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ [البقرة: 255] الخ الآيتين، والمعنى أن هؤلاء الزاعمين تدعي ألسنتهم الإيمان بالله وبما أنزله على رسله وتدل أفعالهم على كفرهم بالله وإيمانهم بالطاغوت وإيثارهم لحكمه.

6. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ قال محمد عبده: أي إن الشيطان الذي هو داعية الباطل والشر في نفس الإنسان يريد أن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة فيكون ضلالهم عنه مستمرا لأنهم لشدة بعدهم عنه لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه، قيل له فما تقول في هذه المحاكم الأهلية والقوانين؟ قال: تلك عقوبة عوقب بها المسلمون أن خرجوا عن هداية قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾ فإذا كنا قد تركنا هذه الهداية للقيل والقال وآراء فلان وكلها آراء الرجال من قبل أن نبتلى بهذه القوانين ومنفذيها فأي فرق بين آراء فلان وآراء فلان وكلها آراء منها الموافق لنصوص الكتاب والسنة ومنها المخالف له؟ ونحن الآن مكرهون إلى التحاكم إلى هذه القوانين فما كان منها يخالف حكم الله تعالى يقال فيه أي في أهله ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ الآية.

7. انظر إلى ما هو موكول إلينا إلى الآن كالأحكام الشخصية والعبادات والمعاملات بين الوالدين الأولاد والأزواج والزوجات، فهل نرجع في شيء من ذلك إلى الله ورسوله؟ إذا تنازع عالمان منا في مسألة فهل يردانها إلى الله ورسوله أم يردانها إلى قيل وقال، فهذا يقول قال الجمل وهذا يقول قال الصاوي وفلان وفلان.

8. لا قول لأحد في قضية أو مسألة مع وجود نص فيها مما أنزله الله تعالى على رسوله أو ما قضى به صلّى الله عليه وآله وسلّم بإذن الله عز وجل، والمسلمون قد تركوا ما جرى عليه السلف من النظر في كل قضية في كتاب الله أولا ثم في سنة رسوله وفي رد المتنازع فيه إليهما، بل عملوا بآراء الناس الذين ينتمون إليهم ويسمونهم علماء مذاهبهم، وإن وجد نص الكتاب أو السنة مخالفا له، ويحرمون الرجوع إلى هذه النصوص، لأن ذلك من الاجتهاد الممنوع عندهم الذي يعد المتصدي له ضالا مضلا في نظرهم.

9. وقد ترتب على هذا الذنب الذي هو اجتناب تقديم الكتاب والسنة على كل قول ورأي أن سلس المسلمون لحكامهم في مثل مصر، حتى انتقلوا بهم من الحكم بقول فلان وفلان من الذين يسمونهم أهل الفقه ويأخذون بما في كتبهم ابتداء وافق نصوص الكتاب والسنة أم خالفها إلى الحكم بقول فلان وفلان من واضعي القوانين، ولم يكن المتحاكمون إلى رجال القانون أسوأ حالا من المتحاكمين إلى أقوال الفقهاء، وهم الآن أقدر على تحكيم الكتاب والسنة في عباداتهم ومعاملاتهم فيما بينهم وفي محاكمهم الشرعية منهم على تحكيمها في المعاملات المدنية والعقوبات لأنهم في هذا تحت سيطرة الأجانب الأقوياء، وأما في ذاك فليسوا تحت سيطرة أجنبية، فإذا أراد علماؤهم وأهل الرأي والمكانة فيهم ذلك نفذ ولكنهم لا يريدون.

10. الذين يضعون هذه القوانين المصرية يوافقون في أكثرها الشرع ويبنون رأيهم على المصلحة العامة بحسب ما يصل إليه علمهم ولكنهم لا يلصقون رأيهم بالشرع كالفقهاء، ومراعاة المصلحة من مقاصد الشرع في المنصوص وفي الموكل إلى الرأي والناس يقبلون آراء المنسوبين إلى الفقه ولو فيما يخالف نصوص الكتاب والسنة، لأنهم يلصقونها بالشرع من حيث يدعون أنها اجتهاد صحيح مبني على أصوله ولكن لا اجتهاد مع النص، وربما كان العامل بالرأي لا يسميه دينا أقل جناية على الشرع ممن يعمل بالرأي يسميه دينا ولا سيما مع وجود النص.

11. جملة القول إنه ما كان للمسلمين أن يقبلوا قول أحد أو يعملوا برأيه في شيء له حكم في كتاب الله أو سنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم الثابتة، إلا فيما رخص الله تعالى فيه من أحكام الضرورات والحاجات وما لا حكم له فيهما، فالعمل فيه برأي أولي الأمر في كل زمن بشرطه أولى من العمل دائما برأي بعض المؤلفين لكتب الفقه في القرون الخالية لأنه أقرب إلى المصلحة، هذا هو ما كان يريده محمد عبده في العبارة التي قالها في درسه بالأزهر وما كان يعتقده، نعم إن من يضعون الأحكام لما لا نص فيه يشترط في الإسلام أن يكونوا عالمين بالنصوص ومقاصد الشريعة وعللها حتى لا يخالفوها وليتيسر لهم رد المتنازع فيها إليها، والأستاذ يقول بهذا أيضا.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/223.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن أوجب سبحانه في الآية السالفة على جميع المؤمنين طاعة الله وطاعة الرسول ذكر في هذه الآية أن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه بل يريدون حكم غيره.

2. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أي انظر إلى عجيب أمر هؤلاء الذين يزعمون أنهم آمنوا بك وآمنوا بمن قبلك من الأنبياء ويأتون بما ينافى الإيمان، إذ الإيمان الصحيح بكتب الله ورسله يقتضى العمل بما شرعه الله على ألسنة أولئك الرسل وترك العمل مع الاستطاعة دليل على أن الإيمان غير راسخ في نفس مدّعيه فكيف إذا عمل بضد ما شرعه الله؟ فهؤلاء المنافقون إذ هربوا من التحاكم إليك‏ وقبلوا التحاكم إلى مصدر الطغيان والضلال من أولئك الكهنة والمشعوذين ـ سواء أكان أبا برزة الأسلمى أم كعب بن الأشرف ـ دليل على أن الإيمان ليس له أثر في نفوسهم، بل هي كلمات يقولونها بأفواههم لا تعبر عما تلجلج في صدورهم، وكيف يزعمون الإيمان بك وكتابك المنزل عليك يأمرهم بالكفر بالجبت والطاغوت في نحو قوله‏ ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ وقوله‏: ﴿فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِنْ بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى﴾ وهم يتحاكمون إليه؟ فألسنتهم تدّعى الإيمان بالله وبما أنزله على رسله، وأفعالهم تدلّ على كفرهم بالله وإيمانهم بالطاغوت وإيثارهم لحكمه، ويدخل في هؤلاء كل من يتحاكم إلى الدّجالين كالعرّافين وأصحاب المندل والرمل ومدّعى الكشف والولاية.

3. في الآية إيماء إلى أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فهو خارج من الإسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد، ومن أجل هذا حكم الصحابة بردّة الذين منعوا الزكاة وقتلهم وسبى ذراريهم.

4. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي ويريد الشيطان أن يجعل بينهم وبين الحق مسافة بعيدة، فهم لشدة بعدهم عن الحق لا يهتدون إلى الطريق الموصلة إليه.

5. والخلاصة ـ إن الواجب على المسلمين ألا يقبلوا قول أحد ولا يعملوا برأيه في شيء له حكم في كتاب الله أو سنة رسوله، وما لا حكم له فيهما فالعمل فيه برأي أولى الأمر، لأنه أقرب إلى المصلحة.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/75.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. وحين ينتهي السياق من تقرير هذه القاعدة الكلية، في شرط الإيمان وحد الإسلام، وفي النظام الأساسي للأمة المسلمة، وفي منهج تشريعها وأصوله.. يلتفت إلى الذين ينحرفون عن هذه القاعدة؛ ثم يزعمون ـ بعد ذلك ـ أنهم مؤمنون! وهم ينقضون شرط الإيمان وحد الإسلام، إذ يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله.. ﴿إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، يلتفت إليهم ليعجب من أمرهم ويستنكر.. وليحذرهم ـ وأمثالهم ـ من إرادة الشيطان بهم الضلال، ويصف حالهم حين يدعون إلى ما أنزل الله وإلى الرسول فيصدون، ويعتبر هذا الصدود نفاقا، كما اعتبر إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت خروجا من الإيمان ـ بل وعدم دخول فيه ابتداء ـ كما يصف معاذيرهم الواهية الكاذبة في اتباع هذه الخطة المستنكرة، حين تجر عليهم الوبال والنكال.. ومع هذا كله فهو يوجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى النصح لهم وموعظتهم.. ويختم المقطع كله ببيان ما أراده الله ـ سبحانه ـ من إرسال الرسل.

2. إن هذا التصوير لهذه المجموعة التي تصفها النصوص، يوحي بأن هذا كان في أوائل العهد بالهجرة، يوم كان للنفاق صولة؛ وكان لليهود ـ الذين يتبادلون التعاون مع المنافقين ـ قوة، وهؤلاء الذين يريدون أن يتحاكموا إلى غير شريعة الله ـ إلى الطاغوت ـ قد يكونون جماعة من المنافقين ـ كما صرح بوصفهم في الآية الثانية من هذه المجموعة ـ وقد يكونون جماعة من اليهود الذين كانوا يدعون ـ حين تجدّ لهم أقضية مع بعضهم البعض أو أهل المدينة ـ إلى التحاكم إلى كتاب الله فيها.. التوراة أحيانا، وإلى حكم الرسول أحيانا ـ كما وقع في بعض الأقضية ـ فيرفضون ويتحاكمون إلى العرف الجاهلي الذي كان سائدا.

3. ولكننا نرجح الفرض الأول لقوله فيهم: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾.. واليهود لم يكونوا يسلمون أو يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول، إنما كان المنافقون هم الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليه وما أنزل من قبله (كما هو مقتضى العقيدة الإسلامية من الإيمان بالرسل كلهم)

4. وهذا لم يكن يقع إلا في السنوات الأولى للهجرة، قبل أن تخضد شوكة اليهود في بني قريظة وفي خيبر، وقبل أن يتضاءل شأن المنافقين بانتهاء شأن اليهود في المدينة! على أية حال نحن نجد في هذه المجموعة من الآيات، تحديدا كاملا دقيقا حاسما لشرط الإيمان وحد الإسلام، ونجد شهادة من الله بعدم إيمان الذين‏ ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ كما نجد قسما من الله سبحانه ـ بذاته العلية ـ أنهم لا يدخلون في الإيمان؛ ولا يحسبون مؤمنين حتى يحكموا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في أقضيتهم، ثم يطيعوا حكمه، وينفذوا قضاءه، طاعة الرضى، وتنفيذ الارتياح القلبي؛ الذي هو التسليم، لا عجزا واضطرارا، ولكن طمأنينة وارتضاء.

5. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، ألم تر إلى هذا العجب العاجب.. قوم.. يزعمون.. الإيمان، ثم يهدمون هذا الزعم في آن!؟ قوم‏ ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، ثم لا يتحاكمون إلى ما أنزل إليك وما أنزل من قبلك؟ إنما يريدون أن يتحاكموا إلى شيء آخر، وإلى منهج آخر، وإلى حكم آخر.. يريدون أن يتحاكموا إلى.. الطاغوت.. الذي لا يستمد مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ولا ضابط له ولا ميزان، مما أنزل إليك وما أنزل من قبلك.. ومن ثم فهو.. طاغوت.. طاغوت بادعائه خاصية من خواص الألوهية، وطاغوت بأنه لا يقف عند ميزان مضبوط أيضا! وهم لا يفعلون هذا عن جهل، ولا عن ظن.. إنما هم يعلمون يقينا ويعرفون تماما، أن هذا الطاغوت محرم التحاكم إليه: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾.. فليس في الأمر جهالة ولا ظن، بل هو العمد والقصد، ومن ثم لا يستقيم ذلك الزعم، زعم أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك! إنما هو الشيطان الذي يريد بهم الضلال الذي لا يرجى منه مآب.

6. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، فهذه هي العلة الكامنة وراء إرادتهم التحاكم إلى الطاغوت، وهذا هو الدافع الذي يدفعهم إلى الخروج من حد الإيمان وشرطه بإرادتهم التحاكم إلى الطاغوت! هذا هو الدافع يكشفه لهم، لعلهم يتنبهون فيرجعوا، ويكشفه للجماعة المسلمة، لتعرف من يحرك هؤلاء ويقف وراءهم كذلك.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/694.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ما تكاد الآيات القرآنية الكريمة ترفع يدها الآخذة بمخانق اليهود، وما يكاد اليهود يلتقطون أنفاسهم اللاهثة من تلك المطاردة العنيفة التي تلهب فيها آيات الكتاب الكريم ظهورهم بسياط ملتهبة من الفضيحة والخزي ـ ما كان ذلك يحدث حتى تعود إليهم الآيات الكريمة مرة أخرى، فتعيد معهم سيرتها الأولى، حتى تتقطع أنفاسهم.. إنها تلقاهم بعذاب أشبه بعذاب الآخرة، الذي يتبدل فيه المعذّبون جلودهم بجلود غيرها، كلما نضجت.. كما يقول الله تعالى: ﴿كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾

2. هنا في هذه الآيات، يفضح الله اليهود ونفاقهم، إذ يجيئون إلى النبيّ في صورة المؤمنين به، كما أنهم مؤمنون بما في أيديهم من الكتب السماوية، ثم هم مع هذا لا يرضون بالاحتكام إلى القرآن أو التوراة والإنجيل، وإنما يحتكمون إلى ما عندهم من ضلالات ومفتريات.

3. ﴿يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ وهو مجمع الباطل والضلال.. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ إذ لا يجتمع إيمان بالله وبكتبه، مع الاطمئنان إلى الطاغوت والولاء له..!

4. إن هؤلاء المنافقين إنما يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم.. وإنه إذا كانت أفواههم تردد كلمات الإيمان بالله، والولاء لرسوله، فإن قلوبهم منطوية على إيمان غير هذا الإيمان، وسرائرهم منعقدة على ولاء غير هذا الولاء.. إيمان بالجبت، وولاء للطاغوت.

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/824.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ استئناف ابتدائي للتعجيب من حال هؤلاء، ناسب الانتقال إليه من مضمون جملة: ﴿إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء: 59]، والموصول مراد به قوم معروفون وهم فريق من‏ المنافقين الذين كانوا من اليهود وأظهروا الإسلام لقوله: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾، ولذلك قال: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾، وقد اختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآية اختلافا متقاربا(2).

1. صيغة الجمع في قوله: ﴿الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ مراد بها واحد، وجي‏ء باسم موصول الجماعة لأنّ المقام مقام توبيخ، كقولهم: ما بال أقوام يقولون كذا، ليشمل المقصود ومن كان على شاكلته، والزعم: خبر كاذب، أو مشوب بخطإ، أو بحيث يتّهمه الناس بذلك، فإنّ الأعشى لمّا قال يمدح قيسا بن معد يكرب الكندي:

çونبّئت قيسا ولم أبله‏...كما زعموا خير أهل اليمن‏é

غضب قيس وقال: (وما هو إلّا الزعم)، وقال تعالى: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: 7]، ويقول المحدّث عن حديث غريب فزعم فلان أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال كذا، أي لإلقاء العهدة على المخبر، ومنه ما يقع في كتاب سيبويه من قوله زعم الخليل، ولذلك قالوا: الزعم مطية الكذب، ويستعمل الزعم في الخبر المحقّق بالقرينة، كقوله:

çزعم العواذل أنّني في غمرة...صدقوا ولكن غمرتي لا تنجلي‏é

فقوله صدقوا هو القرينة، ومضارعه مثلّث العين، والأفصح فيه الفتح، وقد كان الذين أرادوا التحاكم إلى الطاغوت من المنافقين، كما هو الظاهر، فإطلاق الزعم على إيمانهم ظاهر.

2. عطف قوله‏ ﴿وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ لأنّ هؤلاء المنافقين كانوا من اليهود، وقد دخل المعطوف في حيّز الزعم فدلّ على أنّ إيمانهم بما أنزل من قبل لم يكن مطّردا، فلذلك كان ادّعاؤهم ذلك زعما، لانتفاء إيمانهم بالتوراة في أحوال كثيرة مثل هذا، إذ لو كانوا يؤمنون بها حقّا، لم يكونوا ليتحاكموا إلى الكهّان، وشريعة موسى عليه السلام تحذّر منهم.

3. ﴿يُرِيدُونَ﴾ أي يحبّون محبّة تبعث على فعل المحبوب، والطاغوت هنا هم الأصنام، بدليل قوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ولكن فسّروه بالكاهن، أو بعظيم اليهود، كما رأيت في سبب نزول الآية، فإذا كان كذلك فهو إطلاق مجازي بتشبيه عظيم الكفر بالصنم المعبود لغلوّ قومه في تقديسه، وإمّا لأنّ الكاهن يترجم عن أقوال الصنم في زعمه، وقد تقدّم اشتقاق الطاغوت عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 51] من هذه السورة.

4. إنّما قال: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي يحبّ ذلك ويحسنه لهم، لأنّه ألقى في نفوسهم الدعاء إلى تحكيم الكهّان والانصراف عن حكم الرسول، أو المعنى: يريد أن يضلّهم في المستقبل بسبب فعلتهم هذه لولا أن أيقظهم الله وتابوا ممّا صنعوا، والضلال البعيد هو الكفر، ووصفه بالبعيد مجاز في شدّة الضلال بتنزيله منزلة جنس ذي مسافة كان هذا الفرد منه بالغا غاية المسافة، قال الشاعر: (ضيّعت حزمي في إبعادي الأملا)

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/170.

(2) ذكر ما ورد في سبب النزول الذي سبق ذكره.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. دعت الآيتان السابقتان المؤمنين إلى أن يؤدوا الأمانات إلى أهلها، وأن يحكموا بالعدل، وقد ذكرت الآية الثانية أن طاعة الله ورسوله واجبة، وأن طاعة أولى الأمر لازمة ما استقاموا على الحق من غير عوج، وأن ذلك سبيل الحق والعدل، واستقرارهما، وفي هذه الآيات يبين سبحانه وتعالى حال بعض أهل الكتاب الذين يتركون الأحكام المقررة في الشرائع السماوية، ويستبدلون بها الظلم وحكم الطغيان، ولذا قال سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾

2. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ هذا التعبير قرآنى، وهو استفهام سيق للتعجب والإنكار، فيه التعجب وتوبيخ الذين وقع منهم هذا الفعل، وأداة الاستفهام دخلت على النفي ونفى النفي إثبات، والمعنى: قد رأيت الأمر العجب المستنكر الذي وقع من أولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، والزعم يكون فيمن يقول قولا لا يوجد ما يدل على صدقه، والمعنى: قد رأيت حال أولئك الذين يدعون كذبا أنهم يعتقدون ويذعنون للذى أنزل إليك من شريعة عادلة وحاكمة بين الناس بالعدل، وأنهم يؤمنون بالكتب المنزلة وما اشتملت عليها، ومع ذلك يتركون الحق الواضح البين الذي لا شبهة فيه، الذي اشتملت عليه شريعتك وما قبلها، ويتحاكمون إلى الطاغوت، وهو الطغيان الكثير، ولعل المراد به هنا الحكم الذي لا يبنى على الحق، ولا يقوم على أساسه، وليس له نظام وقانون مقرر ثابت، يعرف فيه كل واحد من الخصمين ما له من حقوق وما عليه من التزامات، وواضح من النص الكريم أن هؤلاء متصفون بصفتين:

أ. أولاهما ـ أنهم يدعون الإيمان وليسوا بمؤمنين، إذ قال سبحانه: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾

ب. وثانيتهما ـ أنهم في الأصل من أهل الكتاب الذين يدعون أنهم آمنوا بما أنزل على موسى والأنبياء قبله.

3. وبهذا النص الكريم يتعين أن يكون أولئك من المنافقين من اليهود الذين كانوا يظهرون الإيمان، وإذا خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزءون، أو من الضعفاء الذين ليس عندهم من قوة الإيمان ما يحملهم على الخضوع لأحكام الله تعالى.

4. وإن المفسرين قد تكلموا في سبب نزول هذه الآيات، ورووا في ذلك روايات مختلفة، وأقربها إلى معنى الآية أن منافقا اختلف مع يهودى، فأراد اليهودى أن يكون الحكم هو النبيّ لما يعرف عنه من عدالة وامتناع عن رشوة، ولأنه يحكم بقانون ثابت لا عوج فيه ولا انحراف، وأراد المنافق أن يتحاكما إلى غير النبيّ ـ قيل إلى كاهن، وقيل إلى أحد كبار اليهود ـ وكلا الحكمين لا يمكن‏ أن يكون بالنسبة للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلا ظالما، حكمه فيه طغيان كثير؛ لأنه لا يعتمد على قانون منظم للحقوق والالتزامات.

5. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ وإذا كان الله تعالى قد أمرهم أن يكفروا بحكم الهوى والغرض والظلم وبحكم الأوهام والكهنة، واختاروا هم الاحتكام إلى طاغية من طغاتهم، أو كاهن من الكهان، فقد كان ذلك بوسوسة الشيطان المضل في نفوسهم، وهو لا يريد لهم إلا العدول عن الخط المستقيم، فالضلال هو العدول عن الخط المستقيم، سواء أكان ذلك في المعنويات أم كان في السير الحسى، ومن عدل عن الطريق المستقيم واستمر في غيره، فهو كمن بعد عن الطريق السوى، وسار في متاهات، كلما أمعن بعد، وهؤلاء قد ابتدؤوا بالنفاق، فكلما وسوس لهم شيطانهم بالباطل أبعدهم عن الحق وعن طريقه، فمعنى يضلهم ضلالا بعيدا يبعدهم عن الحق الذي ابتدؤوا باجتنابه، فصاروا كمن يوغلون في متاهات من الأرض، كلما أوغلوا زادوا بعدا عن الطريق المستقيم.

6. إن هذا النص يومئ إلى أنه لا يتفق مع الإيمان الصادق أن يتحاكم المؤمن إلى غير النظام الذي يقرره القرآن والسنة، ويومئ النص أيضا إلى أن كل تحاكم لغير شريعة الله تعالى وما تقرره من أحكام، هو تحاكم إلى طغيان كبير لا يقوم الحكم فيه إلا على الهوى، ألم تر كل النظم التي تحكم بغير القرآن لا تعاقب الزانى، ولا تعتبر فعله جريمة إلا إذا كان فيه اعتداء على الزوجية أو اغتصاب، أو زنى بقاصرة! وأى طغيان وهوى أعظم من ذلك جرما!؟

7. ويومئ النص كذلك إلى أن من يرفض حكم القرآن يخضع لحكم الشيطان، ويضل به ضلالا، كلما سار فيه بعد عن الحق المبين.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1734.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾، الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بصيغة الاستفهام، والمراد به التعجب من حال المنافقين الذين أبطنوا الكفر، وأظهروا الإسلام والإيمان بالكتب السماوية، ومحل التعجب انهم كذّبوا أنفسهم بأنفسهم، حيث رفضوا التحاكم عند أهل الحق، وانصرفوا عنهم الى أهل الباطل، مع ان الإسلام يأمرهم بالابتعاد عن الضالين والمبطلين، ولكن الواقع تغلب على التزييف والتمويه، وأبطل ما كان يدعون.

2. قال صاحب مجمع البيان: تخاصم يهودي ومنافق من المسلمين، فقال اليهودي: أحاكمك الى محمد، لأنه علم ان محمدا صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يقبل الرشوة، ولا يجوز في الحكم، فقال المنافق: بل بيني وبينك كعب الأشراف ـ يهودي ـ لأنه علم ان كعبا يأخذ الرشوة، ويجور في الحكم.. ورغم علمنا بأن أكثر المفسرين لا يتثبتون في أسباب التنزيل، وأنهم يتخذون من الحادثة سببا لنزولها، رغم علمنا هذا فلا نرى مثالا يفسر المعنى المراد من الآية أوضح من هذه الحادثة التي ذكرها صاحب مجمع البيان.. رفض المنافق التحاكم الى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنه يكفر به وبدينه، أما اليهودي فإنه يؤمن باليهودية، ومع ذلك أبى التحاكم عند يهودي مثله، وطلب التحاكم الى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو كافر به وبدينه، والسر هو المنفعة.

3. ولا تختص هذه الظاهرة باليهود، فكل من نال خيرا من دين، أو مبدأ فلا ينبغي الوثوق به ولا بدينه إلا بعد الابتلاء، فان كثيرا من الناس يقبضون الألوف، ويعيشون سعداء، لا لشيء إلا لثقة الناس بإيمانهم وصلاحهم، وربما كانوا ممن ينطبق عليهم قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾، وقال الإمام علي عليه السلام: (الثناء بعد البلاء)، وقال ولده الإمام الحسين عليه السلام: (الناس عبيد الدنيا، والدين لعق على ألسنتهم يحوطونه ما درت عليه معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون)، وكان الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول في السراء: (الحمد لله المنعم المفضل، ويقول في الضراء: الحمد لله على كل حال)، يشير الى انه مؤمن بالله راض بما قدّر، حتى في هذه الحال، تماما كالولد البار، يبقى على إخلاصه لوالده، حتى في حال تأديبه له، قال الإمام علي عليه السلام: (لو ضربت خيشوم المؤمن بسيفي هذا على ان يبغضني ما أبغضني)، وكان حفيده الإمام زين العابدين عليه السلام يقول فيما يقول إذا أصابته شدة: (يا إلهي أي الحالين أحق بالشكر لك؟ وأي الوقتين أولى بالحمد لك؟ أوقت الصحة التي هنأتني فيها؟ أو وقت العلة التي محصتني بها؟.. اللهم اجعل مخرجي من علتي الى عفوك، وسلامتي من هذه الشدة الى فرجك)

4. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، هذا دليل صريح على ان الشر من الشيطان، لا من الرحمن.. وكل فكرة تدفع بك الى الشر تسمى شيطانا، قال تعالى: ﴿الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ﴾، وفي الحديث: (إذا قال لك الشيطان: ما أكثر صلاتك!.. فقل له: غفلتي أكثر، وإذا قال لك: ما أكثر حسناتك!.. فقل: سيئاتي أكثر، وإذا قال ما أكثر من ظلمك!.. فقل: من ظلمته أكثر)، وبديهة ان النفس هي التي تصور لصاحبها انه عابد ومحسن ومظلوم، ولا ينخدع بأباطيلها هذه الا جاهل مغرور.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/365.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ إلى آخر الآية الزعم‏ هو الاعتقاد بكذا سواء طابق الواقع أم لا، بخلاف‏ العلم‏ فإنه الاعتقاد المطابق للواقع، ولكون الزعم يستعمل في الاعتقاد في موارد لا يطابق الواقع ربما يظن أن عدم مطابقة الواقع مأخوذ في مفهومه وليس كذلك، والطاغوت مصدر بمعنى الطغيان كالرهبوت والجبروت والملكوت غير أنه ربما يطلق ويراد به اسم الفاعل مبالغة يقال: طغى الماء إذا تعدى ظرفه لوفوره وكثرته، وكان استعماله في الإنسان أولا على نحو الاستعارة ثم ابتذل فلحق بالحقيقة وهو خروج الإنسان عن طوره الذي حده له العقل أو الشرع، فالطاغوت‏ هو الظالم الجبار، والمتمرد عن وظائف عبودية الله استعلاء عليه تعالى وهكذا، وإليه يعود ما قيل: إن الطاغوت كل معبود من دون الله.

2. ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، بمنزلة أن يقال: بما أنزل الله على رسله، ولم يقل: آمنوا بك وبالذين من قبلك لأن الكلام في وجوب الرد إلى كتاب الله وحكمه وبذلك يظهر أن المراد بقوله: ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ الأمر في الكتب السماوية والوحي النازل على الأنبياء: محمد ومن قبله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

3. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلخ، الكلام بمنزلة دفع الدخل كأنه قيل: ما وجه ذكر قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ (إلخ) فقيل: ألم تر إلى تخلفهم من الطاعة حيث يريدون التحاكم إلى الطاغوت؟ والاستفهام للتأسف والمعنى: من الأسف ما رأيته أن بعض الناس، وهم معتقدون أنهم مؤمنون بما أنزل إليك من الكتاب وإلى سائر الأنبياء والكتب السماوية إنما أنزلت لتحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وقد بينه الله تعالى لهم بقوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: يتحاكمون عند التنازع إلى الطاغوت وهم أهل الطغيان والمتمردون عن دين الله المتعدون على الحق، وقد أمروا في هذه الكتب أن يكفروا بالطاغوت، وكفى في منع التحاكم إليهم أنه إلغاء لكتب الله وإبطال لشرائعه.

4. في قوله تعالى: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾، دلالة على أن تحاكمهم إنما هو بإلقاء الشيطان وإغوائه، والوجهة فيه الضلال البعيد.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/403.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعجيب من قصتهم وتوجيه للسامعين إليها ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ يدّعون ذلك دعوى ويقولونه بألسنتهم أنهم آمنوا ﴿بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ بالقرآن أنه من الله، وأنه حق، أو بما أنزل إليك من الوحي كله أنه حق من الله، ومع هذه الدعوى ما يكشف كذبها، وهي أنهم ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ إلى الكاهن مثلاً ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ أن يكفروا بكل حاكم يحكم بغير حكم الله.

2. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أن يغويهم غواية بعيدة عن طريق الصواب؛ لأنهم أطاعوه فتسلط عليهم، وظاهر الآية: أن الخصمين أرادا التحاكم إلى الطاغوت، فما يروى: أن سبب نزولها أن أحدهما طلب التحاكم إلى أبي القاسم أي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والآخر طلب التحاكم إلى كعب بن الأشرف ونحو هذه الرواية، فذلك غير صحيح لمخالفته ظاهر الآية.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/100.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَزْعُمُونَ﴾: الزعم في أصل اللّغة: القول حقا كان أو باطلا، ثم كثر استعماله في الظنّ والاعتماد اللّذين يعتقد ببطلانهما، أو يشك بصدقهما، ولم يستعمل في القرآن إلّا في الكذب والباطل، فمن استعماله في الباطل قوله تعالى: ﴿هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ﴾ [الأنعام: 136]، ومن استعماله في الكذب قوله: ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا﴾ [التغابن: 7]

2. لنا(2) ملاحظات:

أ. في الروايات الأولى، حديث عن أن بعض المسلمين كانوا لا يلتزمون القضاء الإسلامي الممثّل لحكم الله المتمثل بالنبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيلجئون في خلافاتهم مع الآخرين إلى كاهن جاهلي لأنهم يرون أن بإمكانهم أن يصلوا إلى ما يريدونه بحكم الجاهلية، باعتبار أن حكم الله ـ في الواقعة الفعلية الخاصة ـ لا يمنحهم الحق، لأن الحق للخصم الذي قد لا يكون مسلما بل يهوديا ـ كما جاء في الرواية ـ إذ أراد التحاكم إلى النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم لا إيمانا بالإسلام، بل لأنه يمثل العدل الذي يحكم للكافر على المسلّم إذا كان الحق معه، ويشير ذلك إلى أن البعض من المسلمين لا يعيشون الإسلام من خلال الالتزام بالحق المتحرك معه، بل ينطلقون بعيدا عنه، إذا لم يتوافق مع مصالحهم الخاصة التي لا تلتقي بالحق.

ب. وفي الرواية الثانية، قد نتحفظ على ما نقله الزبير عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من رد فعله على كلام الأنصاري، في أمره الزبير بأن يحبس الماء عن الأنصاري الذي أراد النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم التوسعة عليه، في الوقت الذي لا يملك حقا فيه، لأن خلق رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم العظيم لا يلتقي مع ذلك، فإن بالإمكان توبيخ الأنصاري أو إرشاده إلى طبيعة المسألة من حيث الحق الشرعي، إن ملاحظتنا هذه لا تنبع من أن هذا الموقف يتنافى مع العصمة، لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ إذا صحت الرواية ـ لم يفعل شيئا على خلاف الحق في رد فعله، ولكنها تنبع من أن الأسلوب النبوي في أخلاقه العالية يرتكز على الدفع بالتي هي أحسن، بحيث يحوّل العدوّ إلى صديق، وعلى أنه لا يخضع لسلطان الغضب عليه وهو نبيّ العفو والرحمة، مما يجعلنا نشك بما روي عن الزبير، لأنه لا يتناسب مع طبيعة الواقع الأخلاقي الرفيع للشخصية النبوية العظيمة، مع التنبيه أن الزبير ـ في هذه الرواية ـ يتحدث عن اجتهاد شخصي في نزول الآية لتأكيد هذه القصة في قوله: والله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك.

3. إننا نحاول التدقيق في روايات أسباب النزول، لأنها تمثل تصورا ثقافيا قد يخطئ في إعطاء الصورة الدقيقة الحقيقية للتصور الإسلامي وللمضمون القرآني، لأن الكثير من هذه الروايات ليس موثقا بما يضمن الوثوق بها، كما أن البعض منها يعبر عن اجتهاد الرواة والمفسرين من خلال ذهنياتهم المحدودة الخاضعة لبعض المؤثرات الثقافية المتخلفة؛ الأمر الذي يفرض علينا مناقشة ذلك كله، لأننا نخشى أن تفرض هذه الروايات ـ بما فيها من التصورات ـ نفسها على المفاهيم القرآنية لتبتعد بها عن صفاء الفكرة وإشراقة الصورة وانفتاح التصور.

4. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ وهذا حديث عن بعض نماذج المنافقين الذين انحرفوا عن الخط الإيماني الذي عرضت له الآية السابقة، فلم تتوافق دعواهم إلى الإيمان برسالة الرسول محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم والرسالات السابقة التي جاء القرآن وأكّد على الإيمان بها كجزء من الإيمان بالإسلام، مع السلوك العملي من خلال ما يقبلون وما يرفضون من الأشياء، وما يواجهونه من مواقف عملية في التزامهم بأحكام الله عندما تقترب من مصالحهم، وتؤثر على ما هم فيه من أطماع وشهوات، وقد حدثنا هذه الآيات حديثا وافيا عن ملامحهم الحقيقية، فها هم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، لأنهم يزعمون أنهم يؤمنون به وبالكتاب المنزلة قبله، ولكنهم يرفضون الانصياع إليه، لأنه لا يؤمّن لهم رغباتهم المنحرفة.

5. ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ الذي يمثل الحكم القائم على الطغيان، في ما يرتكز عليه من التشريعات المنحرفة الباطلة.

6. ﴿وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ في الوقت الذي أراد منهم الإسلام ـ الذي يزعمون الإيمان به ـ أن يكفروا به فكرا وشريعة وعملا، فقد رأوا في حكم الطاغوت ما يؤمّن لهم أطماعهم وشهواتهم، وعاشوا الحياة من أجل هذه الأطماع والشهوات بعيدا عن خط الإيمان الحق، انطلاقا من الخضوع لإرادة الشيطان في ما وسوس لهم وما خطط لحياتهم.

7. ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ ليضلهم ضلالا بعيدا ويبعدهم عن الارتباط بالقاعدة الفكرية والروحية التي تحدّد لهم ما يفعلون وما يتركون، من موقع المصلحة الحقيقية للحياة والإنسان، بعيدا عن القضايا الذاتية، لأنه إذا ابتعد الإنسان عن القاعدة الثابتة في حياته لم يجد لحياته أساسا من الهدى، مما يدفعه إلى الابتعاد كثيرا عن الخط المستقيم ويسلمه إلى الضياع الفكري والروحي والعملي، ليغرق في الرمال المتحركة مع الرياح في الصحراء، حيث لا أرض صلبة يقف عليها، ولا علامات واضحة تحدّد له ملامح الطريق.

8. وقد ذكر صاحب مجمع البيان أنه (كان بين رجل من اليهود ورجل من المنافقين خصومة، فقال اليهودي: أحاكم إلى محمد، لأنه علم أنه لا يقبل الرشوة ولا يجوز في الحكم، فقال المنافق: لا، بل بيني وبينك كعب ابن الأشرف، لأنه علم أنه يأخذ الرشوة)، ولعلّ جوّ الآية يوحي بمثل هذه القصة.

9. وهذا ما نواجهه عند كثير من المسلمين الذين يتحاكمون إلى القوانين‏ والشرائع الكافرة، التي استطاع الكافر المستعمر أن يخطط لها في البلدان الإسلامية وينفذها بقوة الدولة، وذلك لإبعاد التشريع الإسلامي عن حكم المسلمين كأسلوب شيطاني لإبعادهم عن دينهم، عندما تتحرك حياتهم العملية اليومية في اتجاه غير الاتجاه الإسلامي، وقد تتمثل نماذج هؤلاء المسلمين في فريقين:

أ. الأول: الفريق الذي يرفض التحاكم إلى كتاب الله وسنّة نبيّه ويفضّل الرجوع إلى حكم القانون المدنيّ، عندما يوازن بينهما بالنظر إلى ما يتحقق له من إطماع وغايات شخصية، فيجد ذلك لدى حكم الطاغوت، فيعمل به ويدعو إليه.

ب. الثاني: الفريق الذي يرفض العمل من أجل إقامة حكم الله، ويعمل على محاربة السائرين في هذا السبيل، لأنه يستريح إلى الأوضاع القائمة التي تجلب له الراحة، وتؤمّن له سبيل العيش الرغيد، فيحاول تبرير التخاذل والتقاعس بكل ما أوتيه من قوّة، ويشتد على المؤمنين العاملين في هذا الاتجاه أكثر من اشتداده على الكافرين، بل يبرّر لهؤلاء العذر في بعض ظلمهم بما لا يبرره للمؤمنين في جهادهم، وذلك هو الضلال البعيد الذي يريد الشيطان أن يوقعهم فيه.

10. إن هذه الآية تحدد للمؤمنين الخط الفاصل بين الإيمان والنفاق؛ فالمؤمن هو الذي يلتزم بحكم الله وينطلق نحوه مهما كانت الظروف والنتائج؛ أما المنافق فهو الذي يلتزم بمطامعه وشهواته، فهي التي تحدّد له الالتزام بالقوانين الموجودة حوله، سواء كانت قوانين الله أو قوانين البشر؛ وفي ضوء هذا، لا يمكن للمؤمن أن يعطي الحكم الكافر ـ الذي هو حكم الطاغوت ـ أيّ نوع من أنواع الشرعية، بعد ما أمر الله أن يكفر به جملة وتفصيلا؛ مما يدفعنا إلى إعادة النظر في كثير من الممارسات التي يمارسها البعض ممن يتولون المهمات الدينية الرسمية في بلاد المسلمين، فيبررون للحكم أوضاعه وخططه، ويتحدثون عن شرعيته، تماما كما يتحدثون عن شرعية الإسلام؛ مما يجعلنا نتحفظ أمام هؤلاء، لنتعرف في ملامحهم هذه ما تؤكده الآية من ملامح النفاق والمنافقين.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/330.

(2) ذكر ما ورد في سبب النزول الذي سبق ذكره.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. كان بين رجل من اليهود ورجل من المسلمين المنافقين خصومة واختلاف، فعزما على أن يحتكما إلى شخص، وحيث كان اليهودي يعرف بعدل النّبي وحياده ولأنّه علم أنّه لا يأخذ الرّشوة ولا يجور في الحكم قال أحاكم إلى محمّد، ولكن المنافق قال لا، بل بيني وبينك كعب بن الأشرف، (لأنّه يأخذ الرّشوة وهو من أقطاب اليهود)، وبذلك رفض التحاكم إلى رسول الإسلام صلّى الله عليه وآله وسلّم، فنزلت الآية توبّخ أمثال هذا الشخص، وتشجب بشدّة موقفهم المشين هذا.

2. وقد ذكر بعض المفسرين أسبابا أخرى لنزول هذه الآية تشهد بأنّ بعض المسلمين الحديثي العهد بالإسلام كانوا ـ على عادتهم في الجاهلية ـ يحتكمون ـ في مطلع الإسلام ـ إلى علماء اليهود أو الكهنة، فنزلت الآية الكريمة تنهى عن‏ هذه العادة المقيتة بشدّة.

3. الآية الكريمة مكملة للآية السابقة، لأنّ الآية السابقة كانت تدعو المؤمنين إلى طاعة الله والرّسول وأولي الأمر، والتحاكم إلى الكتاب والسنة، وهذه الآية تنهي عن التحاكم إلى الطاغوت واتّباع أمره وحكمه.

4. والطّاغوت ـ كما أشرنا إلى ذلك سابقا ـ مشتقّ من الطغيان، وهذه الكلمة مع جميع مشتقاتها تعني التجاوز والتعدي وكسر الحدود وتجاهل القيود، أو كل شيء يكون وسيلة للطغيان أو التمرّد، وعلى هذا الأساس يكون كل من يحكم بالباطل طاغوتا، لأنّه تجاوز حدود الله وتعدي على قوانين الحقّ والعدل، ففي الحديث عن الإمام جعفر بن محمّد الصّادق عليه السّلام أنّه قال: (الطّاغوت كلّ من يتحاكم إليه ممن يحكم بغير الحقّ)

5. والآية الكريمة تنهى المسلمين عن أن يترافعوا في الحكم والقضاء إلى مثل هؤلاء الحكام وتقول: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾، ثمّ يضيف القرآن قائلا: ﴿وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾ أي أنّ التحاكم إلى الطاغوت فخّ الشيطان ليضل المؤمنين عن الصراط المستقيم.

6. وغير خفي أن الآية الكريمة ـ شأنها شأن سائر الآيات القرآنية الأخرى ـ تتضمّن حكما عاما، وتبيّن قانونا خالدا لجميع المسلمين في جميع العصور والدهور، وتحذرهم من مراجعة الطواغيت، وطلب الحكم منهم، وإنّ ذلك لا يناسب الإيمان بالله والكتب السماوية، هذا مضافا إلى كونه يضل الإنسان عن طريق الحقّ، ويلقيه في مجاهيل الباطل بعيدا عن الحق.

7. إنّ مفاسد وتبعات مثل هذه الأقضية والأحكام، وأثرها في تحطيم كيان المجتمع البشري وتخريب علاقاته وروابطه وأسسه ممّا لا يخفى على أحد، فهي أحد العوامل المؤثرة في انحطاط المجتمعات وتأخرها.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/297.

61. المنافقون والإعراض عن الله والرسول

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈61⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ [النساء: 61 ـ 63]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) أنّه قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، قال كانوا إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول ليحكم بينهم قالوا: بل نتحاكم إلى الطاغوت، وقد أمروا أن يكفروا به، ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٩٢.

الضحاك:

روي عن الضحاك بن مزاحم (ت 102 هـ) أنّه قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ في الملأ، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ في السر والخلاء(1).

__________

(1) تفسير البغوي ٢/٢٤٤.

مجاهد:

روي عن مجاهد (ت 104 هـ) أنّه قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ في أنفسهم، وبين ذلك ما بينهما من القرآن، هذا من تقديم القرآن(1).

__________

(1) ابن المنذر (١٩٥٠.

البصري:

روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، عقوبة لهم بنفاقهم، وكرههم حكم الله(1).

2. روي أنّه قال: قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وهذا كلام منقطع عما قبله وعما بعده، يقول: ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ﴾ يعني: أن يظهروا ما في قلوبهم، فيقتلهم رسول الله(2).

3. روي أنّه قال: القول البليغ: أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قتلتم، لأنه يبلغ في نفوسهم كل مبلغ(3).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٩٢.

(2) تفسير ابن أبي زمنين ١/٣٨٣.

(3) تفسير البغوي ٢/٢٤٤.

عطاء:

روي عن عطاء بن أبي رباح (ت 114 هـ) أنّه قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، الصدود: الإعراض(1).

__________

(1) ابن المنذر (١٩٤٩.

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) أنّه قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الخسف ـ والله ـ عند الحوض بالفاسقين(1).

__________

(1) تفسير العيّاشي 1/254.

الكلبي:

روي عن محمد بن السائب الكلبي (ت 146 هـ) أنّه قال: ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ في القول، ﴿وَتَوْفِيقًا﴾: صوابا(1).

__________

(1) تفسير الثعلبي ٣/٣٣٩.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) أنّه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يعني ـ والله ـ فلانا وفلانا(1).

__________

(1) الكافي 8/334.

ابن جريج:

روي عن ابن جريج (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، دعا المسلم المنافق إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليحكم(1).

2. روي أنّه قال: ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾، بما قدمت أيديهم في أنفسهم، وبين ذلك ما بين ذلك: قل لهم قولا بليغا(2).

3. روي أنّه قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، ذلك لقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ في أنفسهم(3).

__________

(1) ابن المنذر (١٩٤٨.

(2) ابن أبي حاتم ٣/٩٩٢.

(3) ابن المنذر (١٩٥١.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، يعني: يعرضون عنك يا محمد إعراضا إلى غيرك، مخافة أن تحيف عليهم(1).

2. روي أنّه قال: ﴿فَكَيْفَ﴾ بهم، يعني: المنافقين ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ في أنفسهم بالقتل؛ ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ من المعاصي، في التقديم، ثم انقطع الكلام، ثم ذكر الكلام، فقال ـ عز ذكره ـ: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾، وفي سورة براءة، ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ ببناء مسجد الضرار، ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، يعني: إلا الخير والصواب، وفيهم نزلت: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ يعني: إلا الخير، ﴿وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ﴾ [التوبة: ١٠٧] في قولهم الذي حلفوا به(1).

3. روي أنّه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ بلسانك، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾(1).

4. روي أنّه قال: في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، نسختها آية السيف(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٥.

الكاظم:

روي عن الإمام الكاظم (ت 183 هـ) أنّه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: فقد سبقت عليهم كلمة الشقاء وسبق لهم العذابـ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾(1).

__________

(1) الكافي 8/184.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾‏ أي: إذا قيل لهم: تعالوا إلى حكم ما أنزل الله في كتابه، وإلى الرسول، وإلى أمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وسنته.

2. ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ والصدود: هو الإعراض في اللغة، والصد: الصرف، وقال الكسائي: يقرأ: (يصدّون) بكسر الصاد، و(يصدون) بضم الصاد، وفي حرف حفصة: (وإذا دعوت الكافرين والمنافقين إلى ما أنزل الله رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا)

3. ﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وتَوْفِيقاً﴾ يحتمل وجوها:

أ. يحتمل هذا ما ذكر في القصة الأولى: أن عمر لما قتل ذلك الرجل المنافق جاء المنافقون إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يحلفون بالله ما أراد ذلك الرجل إلا إِحْساناً أي: تخفيفا وتيسيرا عليك؛ ليرفع عنك المؤنة، وتَوْفِيقاً إلى الخير والصواب.

ب. وقيل: نزلت في المنافقين في بناء مسجد ضرار؛ كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾‏ [التوبة: 107]

ج. ويحتمل قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وتَوْفِيقاً﴾ الآية في كل مصيبة تصيبهم، وكل نكبة تلحقهم أن كانوا يأتون رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فيعتذرون كما ﴿يَعْتَذِرُونَ إِلَيْكُمْ إِذَا رَجَعْتُمْ إِلَيْهِمْ قُلْ لَا تَعْتَذِرُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكُمْ قَدْ نَبَّأَنَا اللَّهُ مِنْ أَخْبَارِكُمْ﴾.. الآية [التوبة: 94]؛ لأنهم كانوا يميلون إلى حيثما كانوا يطمعون من المنافع من الغنيمة وغيرها، إن رأوا النكبة والدبرة على المؤمنين مالوا إلى هؤلاء، ويظهرون الموافقة لهم؛ طمعا منهم، ويقولون: إنا معكم، وإن كانت [النكبة و] الدبرة على الكافرين يظهرون الموافقة لهم؛ كقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 141] هذا كان دأبهم وعادتهم أبدا.

4. في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ وجوه:

أ. قيل: إلا تخفيفا وتيسيرا عليك.

ب. وقيل: قالوا: تحاكمنا إليه على أنه إن وفق، وإلا رجعنا إليك.

5. وفيه دلالة بطلان تحكيم الكافر والتحاكم إليه، وذلك حجة لأصحابنا (2).

6. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق والخلاف غير ما حلفوا، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾:

أ. لا تعاقبهم في هذه المرة، وقُلْ لَهُمْ: إن فعلتم مثل هذا ثانية عاقبتكم.

ب. ويحتمل: أن يكون على الوعيد، أي: لا تعاقبهم؛ فإن الله عزّ وجل هو معاقبهم.

7. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾:

أ. قيل: أي: تخفيفا وتيسيرا عليك، على أنه إن وفق للصواب وإلا رجعنا إليك؛ إحسانا وتوفيقا؛ لما لعل التحاكم إليهم يحملهم على الرجوع إلى دين الإسلام.

ب. وقيل: إِحْساناً: يحسنون إلينا ويبروننا بفضول أموالهم.

ج. وقيل: وتَوْفِيقاً: بفضول أموالهم.

د. وقيل: وتَوْفِيقاً: أي: صوابا.

8. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾:

أ. قيل: أوعدهم وعيدا؛ حتى إذا عادوا إلى مثله يعاقبون.

ب. وقيل: ألزمهم الحجة في ذلك وأبلغها إليهم؛ حتى إذا عادوا عاقبتهم.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/237.

(2) يقصد الحنفية

العياني:

ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. معنى قوله عز وجل: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ هذا من التقديم والتأخير، والمعنى في ذلك فعظهم وقل لهم في أنفسهم قولاً بليغاً ثم أعرض عنهم.

__________

(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/243.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾.. الآية وسبب نزولها أن المنافقين بعد القود من صاحبهم اعتذروا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في محاكمتهم إلى غيره بأن قالوا: ما أردنا في عدولنا عنك إلا إحساناً لتقريب في الحكم دون الحمل على من الحق وتوفيقاً بين الخصوم فنزلت الآية.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/184.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ الآية قولان:

أ. أحدهما: أن عمر قتل منافقا لم يرض بحكم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فجاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه، وحلفوا بالله أننا ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحسانا إلى النساء، وما يوافق الحق في أمرنا.

ب. الثاني: أن المنافقين بعد القود من صاحبهم اعتذروا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في محاكمتهم إلى غيره بأن قالوا ما أردنا في عدولنا عنك إلا توفيقا بين الخصوم وإحسانا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مرّ الحق، فنزلت هذه الآية.

2. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني من النفاق الذي يضمرونه، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ وفي الجمع بين الإعراض والوعظ مع تنافي اجتماعهما في الظاهر ثلاثة أوجه:

أ. أحدها: أعرض عنهم بالعداوة لهم وعظهم فيما بدا منهم.

ب. الثاني: أعرض عن عقابهم وعظهم.

ج. الثالث: أعرض عن قبول الأعذار منهم وعظهم.

3. في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ قولان:

أ. أحدهما: أن يقول لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلكم، فإنه يبلغ من نفوسهم‏ كل مبلغ، وهذا قول الحسن.

ب. الثاني: أن يزجرهم عما هم عليه بأبلغ الزواجر.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/502.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ قال ابن جريج: الداعي إلى حكم الرسول هو المسلم الذي يدعو المنافق إلى حكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقال قتادة: هو يهودي دعا المنافق إلى حكم الرسول، لعلمه أنه لا يجوز في الحكم.

2. ﴿تَعَالَوْا﴾ أصله من العلو وهو تفاعلوا، منه كقولك: توافقوا، فإذا قلت لغيرك: تعالى، فمعناه ارتفع علي ـ وان كان في انخفاض من الأرض ـ لأنه جعله كالرفيع بكونه فيه، ويجوز أن يكون أصله للمكان العالي حتى صار لكل مكان.

3. ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ قيل في سبب صد المنافقين عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قولان:

أ. أحدهما: لعلمهم بأنه لا يأخذ الرشا على الحكم وأنه يحكم بمر الحق.

ب. الثاني: لعداوتهم للدين.

4. صددت الأصل فيه ألا يتعدى، لأنك تقول: صددت عن فلان أصد بمعنى أعرضت عنه، ويجوز صددت فلاناً عن فلان ـ بالتعدي ـ لأنه دخله معنى منعته عنه، ومثله رجعت أنا ورجعت غيري، لأنه دخله معنى رددته، فلذلك جاز رجعته، (وصدوداً) نصب على المصدر على وجه التأكيد للفعل، كقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ ومعنى ذلك أنه ليس ذلك على بيان كالكلام بل كلمة في الحقيقة، وقيل في معنى (تكليما) أنه كلمه تكليما شريفاً عظيماً ويمكن مثله في الآية، ويكون تقديره رأيت المنافقين يصدقون عنك صدوداً عظيما.

5. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ قيل في موضع كيف من الاعراب قولان:

أ. أحدهما: انه رفع بتقدير: فكيف صنيعهم إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم، كأنه قال الاساءة صنيعهم بالجرأة في كذبهم أم الإحسان بالتوبة من جرمهم.

ب. الثاني: انه نصب وتقديره: كيف يكونون أمصرين أم تائبين يكونون؟ ويجوز الرفع على معنى كيف بك، كأنه قال أصلاح أم فساد؟

6. قيل في معنى المصيبة في الآية قولان:

أ. أحدهما: ذكره الزجاج: ان بعض المنافقين أظهر أنه لا يرضي بحكم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقتله عمر، ثم جاء إخوانه من المنافقين يطالبون بدمه‏ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ كذباً وزوراً.

ب. الثاني: ان أصابتهم نقمة من الله لم ينيبوا تائبين من المعصية بل يزدادون جرأة بحلفهم كاذبين بالله عز وجل، وقال الحسين بن علي المغربي: الآية نزلت في عبد الله بن أبي وما أصابه من الذل عند مرجعهم من غزوة بني المصطلق وهي غزوة المريسيع حين نزلت سورة المنافقين، فاضطر إلى الخشوع والاعتذار، وذلك مذكور في تفسير سورة المنافقين أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الاقالة والاستغفار واستوهبه ثوبه، ليتقي به النار يقولون: ما أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً أي بكلامه بين الفريقين المتنازعين في غزوة بني المصطلق.

7. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يأساً منهم (وعظمه) ايجاباً للحجة عليهم‏ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ فيه دلالة على فضل البلاغة وحث على اعتمادها.

8. في قوله تعالى: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ قولان:

أ. أحدهما: أي ما أردنا بالمطالبة بدم صاحبنا إلا احساناً إلينا، وما وافق الحق في أمرنا.

ب. الثاني: ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلا توفيقاً بين الخصوم، وإحسانا بالتقريب في الحكم دون الحمل على مر الحق، كل ذلك كذب منهم وافك.

9. سؤال وإشكال: كيف يقتضي الانتقام منهم الاعتذار لما سلف من جرمهم؟ والجواب: عنه جوابان:

أ. أحدهما: للتقريع بتعجيل العقاب على ما ارتكبوا من الاثام.

ب. الثاني: ان الانتقام قد يكون إقصاء النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وإذلاله إياهم، وتخويفه بالنفي أو القتل ان لم ينتهوا عن قبائحهم ـ هذا قول الجبائي ـ والحلف: القسم، ومنه الحلف، لتحالفهم فيه على الامر، وحليف الجود ونحوه، لأنه كالحلف في اللزوم، أو حلف الغلام، إذا قارب البلوغ.

10. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ (أولئك) اشارة إلى المنافقين الذين تقدم وصفهم، وإنما قال يعلم ما في قلوبهم وإن كان معلوماً ذلك بدلالة العقل لأمرين:

أ. أحدهما: تأكيداً لما علمناه.

ب. الثاني: انه يفيد أنه لا يغني عنهم كتمان ما يضمرونه شيئاً من العقاب، لأن الله يعلم ما في قلوبهم من النفاق، وكذلك كل ما ذكره الله مما هو معلوم عند المخاطب، إنما الفائدة في مقارنته بما ليس بمعلوم على جهة الاحتجاج به، أو غيره من الوجوه.

11. قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ جمع بين معنى الاعراض والإقبال، وقيل في معناه ثلاثة أوجه:

أ. أحدها: فاعرض عنهم بعداوتك لهم، وعظهم.

ب. الثاني: فاعرض عن عقابهم وعظهم.

ج. الثالث: قال الجبائي: أعرض عن قبول الاعتذار منهم.

12. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ قال الحسن: القول البليغ الذي أمر به في الآية أن يقول: إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم، فهذا يبلغ من نفوسهم كل مبلغ، وقال الجبائي: خوفهم بمكاره تنزل بهم في أنفسهم إن عادوا لمثل ما فعلوه، ويجوز أن يكون المراد ازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر.

13. أصل البلاغة البلوغ، تقول: بلغ الرجل بالقول يبلغ بلاغة، فهو بليغ: إذا كان بعبارته يبلغ كثير ما في قبله، ويقال: أحمق بليغ، وبلغ ومعناه، أنه أحمق يبلغ حيث يريد، وقيل: معناه قد بلغ في الحماقة، وفي الآية دلالة على فضل البلاغة، وأنها أحد أقسام الحكمة، لما فيها من بلوغ المعنى الذي يحتاج إلى التفسير باللفظ الوجيز مع حسن الترتيب.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/240.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. أصل تعالوا العلو، وهو تفاعلوا كقولك ترافعوا، فإذا قال: تعال إليَّ تقديره: ارتفع إليّ، ويجوز أن يكون أصله المكان العالي.

ب. الصدود والتولي والإعراض نظائر، وأصله ألا يتعدى، صددت عن فلان أصد بمعنى أعرضت عنه، ويجوز صددت فلانًا عن فلان بالتعدي؛ لأنه دخله معنى منعته، كما يجوز رجعت أنا ورجعته لأنه دخل معنى رددته.

ج. المصيبة: ما يصيب الإنسان من قارعة في نفسه أو ولده أو ماله، ومنه ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾

د. الحلف: القسم، ومنه الحِلف لتحالفهم فيه على الأمر، وحليف الجود لأنه كان كالحليف في اللزوم.

هـ. البليغ من البلاغة، وأصله البلوغ بلغ الرجل بلاغة إذا بلغ بعبارته كُنْهَ ما في قلبه، ويُقال: أحمق بلغ، وبلغ بفتح الباء وكسرها، وقيل: معناه إنه مع حماقته يبلغ حيث يريد، وقيل: إنه بلغ في الحماقة الغاية.

و. والتوفيق: من الوفاق وهو ههنا الطاعة، وسمي بذلك؛ لأنه يريد أن يوفق بين فعله وأمر الرسول، وسمي اللطف توفيقًا؛ لأنه يوفق بينه وبين وقوع الفعل.

2. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ يعني المنافقين، فالقائل لهم:

أ. قيل: رجل مسلم دعا المنافق إلى حكم الرسول عن ابن جريج.

ب. وقيل: القائل هم المؤمنون، قالوا: هلموا إلى حكم الله وحكم رسوله.

ج. وقيل: بل هو يهودي دعا المنافق إلى حكم الرسول؛ لعلمه أنه لا يجور عن قتادة.

3. ﴿رَأَيْتَ﴾ يا محمد ﴿الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾:

أ. قيل: يمتنعون، ويعرضون عن المصير إليك.

ب. وقيل: يمنعون غيرهم عن المصير إليك.

4. سؤال وإشكال: لماذا صد المنافق مع علمه بأنه لا يجور ولا يميل؟ والجواب:

أ. قيل: لهذا لما علم أنه لا يأخذ الرِّشَا، ولا يميل في الحكم، ويقضي بالحق، وعلم أن الحكم يتوجه عليه فلهذا صد.

ب. وقيل: لعداوتهم له، وبغضهم لدينه ﴿عَنْكَ﴾ يا محمد ﴿صُدُودًا﴾ إعراضًا ومنعًا، فيمتنعون ويمنعون غيرهم.

5. ثُمَّ بين تعالى أنهم إذا تركوا حكم الله وجاءهم انتقام من الله وأن معاذيرهم لا تنفع عنده لكونها كذبًا، فقال تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ﴾ فقيل: فكيف هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يتحاكمون إلى الطاغوت، وكيف يصنعون إذا أصابتهم مصيبة.

6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مُصِيبَةٌ﴾:

أ. قيل: المصيبة هي قتل عمر للمنافق، وجاء إخوانه من المنافقين يحلفون زورًا عن الأصم والزجاج.

ب. وقيل: هو إخبار بأنه سيصيبهم مصائب تلجئهم إلى إظهار الإيمان والاعتذار إلى الرسول.

ج. وقيل: هو إخبار عن حال المنافقين بأنهم إذا أصابتهم نقمة وعذاب لم ينيبوا، بل يزدادون جرأة ويحلفون كذبًا.

د. وقيل: المصيبة إذلال الرسول لهم، وتخويفهم بالقتل، وترك الاستعانة بهم، وتركهم عند الخروج إلى الغزو وإعراضه عنهم عن أبي علي.

7. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾:

أ. قيل: بما سلف من معاصيهم.

ب. وقيل: من نفاقهم وردهم حكم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن الأصم.

8. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ يا محمَّد ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ يقسمون ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾:

أ. قيل: يعني ما أردنا إلا الطلب بدم صاحبنا الذي قتله عمر ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ إلينا وما يوافق الحق من أمرنا.

ب. وقيل: ما أردنا بالعدول عنك في الحكم إلا توفيقًا بين الخصوم دون الحمل على مر الحق، وكله كذب وزور.

ج. وقيل: أردنا بالترافع إلى عمر الإحسان.

د. وقيل: ما أردنا بما كان منا من مداراة الكفار إلا الإصلاح، وأن نتفق معهم على الإسلام، وهم كاذبون في ذلك، بل أرادوا الإضرار بالمؤمن.

9. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾:

أ. قيل: إحسانًا في القول، وتوفيقًا بين الخصوم.

ب. وقيل: توفيقًا صوابًا.

ج. وقيل: حقًا وعدلاً عن الأصم.

د. وقيل: توفيقًا بيننا وبين الكفار في الإسلام.

10. ﴿أُولَئِكَ﴾ يعني هَؤُلَاءِ ﴿الَّذِينَ﴾ يحلفون ﴿يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق، فلا يغني عنهم الكتمان.

11. اختلف في نسخ قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾:

أ. قيل: إنه ثابت.. واختلفوا في معناه على وجوه:

فقيل: أعرض عنهم بعدوانك وَعِظْهُمْ.

وقيل: عاقِبْهُمْ وعظهم.

وقيل: أعرض عن قبول الاعتذار عنهم وعظهم عن أبي علي.

وقيل: اصرف وجهك عنهم تدلهم به على سخطك كي لا يرجعوا إلى النفاق.

ب. وقيل: منسوخ بآية القتال.. ومعناه أعرض عنهم ولا تعاقبهم، لكن عظهم بتخويفك إياهم ببأس الله، وحذرهم عاقبة ما هم عليه.

12. ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد ﴿لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يعني أنفس المنافقين ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾:

أ. قيل: معناه أن تقول: لو أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم عن الحسن، فهذا يبلغ من نفوسهم كل مبلغ.

ب. وقيل: خوفهم بمكاره تنزل بهم في أنفسهم إن عادوا بمثل ما فعلوا.

ج. وقيل: ازجرهم عما هم عليه بأبلغ الزجر.

د. وقيل: عظهم في الملأ وقل لهم قولاً بليغًا في السر عن الضحاك.

هـ. وقيل: البليغ هي الموعظة بعينها، وهي النصيحة التامة عن أبي مسلم.

13. مسائل لغوية ونحوية:

أ. صدودًا: نصب على المصدر.

ب. جاز المصدر بعد الفعل في ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ لتأكيد وقوع الصدود حقيقة دون الحال التي هي كالصدود، وكقوله: ﴿وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ أي ليس على بيان كالكلام، بل كلمه في الحقيقة.

ج. وقيل: في الآية: إنه حذف منها كيف، تقديره: ألم تر إليهم يزعمون أنهم آمنوا، فكيف أرادوا أن يتحاكموا إلى الطاغوت!؟ وقيل: هو إخبار عنهم فلا تحتاج إلى حذف.

د. موضع ﴿كَيْفَ﴾ قيل: رفع بتقدير: كيف صنيعهم إذا أصابتهم مصيبة، كأنه قال: ألا ساء صنيعهم بالجرأة في كذبهم أم الإحسان بالتوبة من دينهم، وقيل: نصب بتقدير: فكيف يكونون، كأنه قيل: أمصرين أم تائبين يكونون، ويجوز الرفع على كيف بك)، كأنه قيل: أصلاح أم إفساد بك.

هـ. ﴿أُولَاءِ﴾ في محل الرفع؛ لأنه مبتدأ به، وهو جمع ﴿ذَا﴾، و﴿أُولَاءِ﴾ مبني على الكسر والكاف علامة الخطاب فتحت علامة للتذكير، وكسرت التاء من تلك علامةً للتأنيث، و﴿الَّذِينَ﴾ في محل الرفع؛ لأنه خبر المبتدأ لكن لا يبين فيه الإعراب.

و. ﴿إِحْسَانًا﴾ نصب لأنه خارج من الوصف، ويتم الكلام دونه، وقيل: لوقوع الفعل على تقديره: أردنا الإحسان.

ز. ﴿أَيْدِيهِمْ﴾ رفع؛ لأنها الفاعلة إلا أن الياء فيها لا يدخلها رفع ولا جر؛ لأنها من حروف المد واللين، فلا يدخل عليها كسر ولا ضم إلا أن يكسر ما قبلها.

14. تدل الآيات الكريمة على:

أ. أن المصائب قد تصيب بما قدمت أيديهم، ثم اختلفوا فمنهم من قال: لا يكون إلا عقوبة إلا في التائب، وهو قول أبي علي، ومنهم من قال: يكون لطفًا، وهو قول أبي هاشم، قال القاضي: قد يكون لأجل ما قدمت أيديهم لطفًا، وقد يكون جزاء فهو موقوف على الدليل.

ب. ذم من يحلف كاذبًا ويعتذر كاذبًا، وقبح النفاق والرياء.

ج. يدل قوله: ﴿يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أن أفعال القلوب كأفعال الجوارح في أنه يؤاخذ بها.

د. أن النفاق أن يكون ظاهره في الإيمان والكفر خلاف باطنه.

هـ. أن الواجب الإعراض عن الكفار إذلالاً لهم، وإذا حمل على هذا فلا نسخ فيه.

و. أنه مع الإذلال تجب عظته؛ لكي يعود إلى الحق.

ز. أنه كما يبلغ الشرائع يبين العقليات تأكيدًا؛ لأن المراد بالعظة التنبيه على ذلك.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/680

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. تعالوا: أصله من العلو، فإذا قلت لغيرك تعال: فمعناه ارتفع إلي.

ب. صددت: الأصل فيه أن لا يتعدى، تقول صددت عن فلان أصد: بمعنى أعرضت عنه، ويجوز صددت فلانا عن فلان بالتعدي، لأنه دخله معنى: منعته عنه، ومثله رجعت أنا، ورجعت غيري، لأنه دخله معنى: رددته.

ج. الحلف: القسم، ومنه الحليف لتحالفهم فيه على الامر.

د. أصل البلاغة: البلوغ، يقال بلغ الرجل بالقول، يبلغ، بلاغة، فهو بليغ: إذا صار يبلغ بعبارته كثيرا من ما في قلبه، ويقال: أحمق بلغ وبلغ: إذا كان مع حماقته يبلغ حيث يريد، وقيل: معناه قد بلغ في الحماقة.

2. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾: أي المنافقين ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ في القرآن من الاحكام ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ في حكمه ﴿رَأَيْتَ﴾ يا محمد ﴿الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾: أي يعرضون عنك: أي عن المصير إليك إلى غيرك، إعراضا.

3. ثم عطف تعالى على ما تقدم بقوله: ﴿فَكَيْفَ﴾ صنيع هؤلاء ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾: أي نالتهم من الله عقوبة ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾: بما كسبت أيديهم من النفاق، وإظهار السخط لحكم النبي ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ يا محمد ﴿يَحْلِفُونَ﴾: يقسمون ﴿بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا﴾: أي ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك إلا التخفيف عنك، فإنا نحتشمك برفع الصوت في مجلسك، ونقتصر على من يتوسط لنا برضاء الخصمين، دون الحكم المورث للضغائن، فقوله: ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾: أي إحسانا إلى الخصوم.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَتَوْفِيقًا﴾:

أ. قيل: بينهم بالتماس التوسعة دون الحمل على مر الحكم.

ب. وأراد (بالتوفيق): الجمع والتأليف.

ج. وقيل: (توفيقا): أي طلبا لما يوافق الحق.

د. وقيل: إن المعني بالآية عبد الله بن أبي، والمصيبة:

قيل: ما أصابه من الذل برجعتهم من غزوة بني المصطلق، وهي غزوة المريسيع، حين نزلت سورة المنافقين، فاضطر إلى الخشوع والاعتذار، وسنذكر ذلك إن شاء الله في سورة المنافقين.

وقيل: أو مصيبة الموت لما تضرع إلى رسول الله في الإقالة والاستغفار واستوهبه ثوبه، ليتقي به النار، يقولون: ما أردنا بالكلام بين الفريقين المتنازعين بني المصطلق، ذكره الحسين بن علي المغربي.

5. في الآية دلالة على أنه قد تصيب المصيبة بما يكتسبه العبد من الذنوب، ثم اختلف في ذلك:

أ. فقال أبو علي الجبائي: لا يكون ذلك إلا عقوبة إلا في التائب.

ب. وقال أبو هاشم: يكون ذلك لطفا.

ج. وقال القاضي عبد الجبار: قد يكون ذلك لطفا، وقد يكون جزاء، وهو موقوف على الدليل.

6. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الشرك، والنفاق، والخيانة.

7. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾:

أ. قيل: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: أي لا تعاقبهم، ﴿وَعِظْهُمْ﴾ بلسانك، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾: أي قل لهم: إن أظهرتم ما في قلوبكم من النفاق قتلتم، فهذا هو القول البليغ، لأنه يبلغ من نفوسهم كل مبلغ، عن الحسن.

ب. وقيل معناه: فأعرض عن قبول الاعتذار منهم، وعظهم مع ذلك، وخوفهم بمكاره تنزل بهم في أنفسهم، إن عادوا لمثل ما فعلوه، عن أبي علي الجبائي.

8. في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ دلالة على فضل البلاغة، وحث على اعتمادها بأوضح بيان، لكونها أحد أقسام الحكمة، لما فيها من بلوغ المعنى الذي يحتاج إلى التفسير باللفظ الوجيز، مع حسن الترتيب.

9. مسائل لغوية ونحوية:

أ. ﴿صُدُودًا﴾: نصب على المصدر على وجه التأكيد للفعل، كقوله ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ والمعنى أنه ليس ذلك على بيان مثل الكلام، بل حكمه في الحقيقة، وقيل في معنى ﴿تَكْلِيمًا﴾ أنه كلمه تكليما شريفا عظيما، فيمكن تقدير مثل ذلك في الآية: أي يصدون عنك صدودا عظيما.

ب. موضع ﴿كَيْفَ﴾: رفع بأنه خبر مبتدأ محذوف، والتقدير فكيف صنيعهم إذا أصابتهم مصيبة، فكأنه قال: الإساءة صنيعهم بالجرأة على كذبهم، أم الاحسان صنيعهم بالتوبة من جرمهم، ويجوز أن يكون موضع ﴿كَيْفَ﴾ نصبا، وتقديره: كيف يكونوا أمصرين أم تائبين يكونون، ولو قلت إنه رفع على معنى كيف بك؟ كأنه قال: أصلاح بك، أم فساد بك، فيكون مبتدأ محذوف الخبر.

ج. ﴿يَحْلِفُونَ﴾: في موضع نصب على الحال.

د. ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا﴾ جواب القسم، و﴿إِحْسَانًا﴾: مفعول به: أي أردنا إحسانا.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/103.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ قال مجاهد: هذه الآية والتي قبلها نزلتا في خصومة اليهوديّ، والمنافق، والهاء والميم في (لهم): إشارة إلى الذين يزعمون، و﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾: أحكام القرآن، ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي: إلى حكمه‏.

2. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي: كيف يصنعون ويحتالون إذا أصابتهم عقوبة من الله؟ وفي المراد بالمصيبة قولان:

أ. أحدهما: أنه تهديد ووعيد.

ب. الثاني: أنه قتل المنافق الذي قتله عمر.

3. في الذي قدّمت أيديهم ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: نفاقهم واستهزاؤهم.

ب. الثاني: ردّهم حكم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ج. الثالث: معاصيهم المتقدّمة.

4. ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ بمعنى، ما أردنا، ﴿إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ فيه ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: أنه لما قتل عمر صاحبهم، جاؤوا يطلبون بدمه، ويحلفون ما أردنا في المطالبة بدمه إلا إحسانا إلينا، وما يوافق الحقّ في أمرنا.

ب. الثاني: ما أردنا بالتّرافع إلى عمر إلا إحسانا وتوفيقا.

ج. الثالث: أنهم جاؤوا يعتذرون إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من محاكمتهم إلى غيره، ويقولون: ما أردنا في عدولنا عنك إلا إحسانا بالتّقريب في الحكم، وتوفيقا بين الخصوم دون الحمل على مرّ الحقّ.

5. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ أي: من النّفاق والزّيغ، وقال ابن عباس: إضمارهم خلاف ما يقولون‏ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تعاقبهم، وذهب قوم إلى أنّ (الإعراض) المذكور في هذه الآية منسوخ بآية السّيف.

6. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ بلسانك‏ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: تقدّم إليهم: إن فعلتم الثانية، عاقبتكم، وقال الزجّاج: يقال: بلغ الرجل يبلغ بلاغة فهو بليغ: إذا كان يبلغ بعبارة لسانه كنه ما في قلبه.

7. تكلم العلماء في حدّ (البلاغة):

أ. فقال بعضهم: (البلاغة): إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ.

ب. وقيل: (البلاغة): حسن العبارة مع صحّة المعنى.

ج. وقيل: البلاغة: الإيجاز مع الإفهام، والتّصرّف من غير إضجار.

د. وقال خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما قلّت ألفاظه، وكثرت معانيه، وخير الكلام ما شوّق أوّله إلى سماع آخره.

هـ. وقال غيره: إنما يستحقّ الكلام اسم البلاغة إذا سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك.

__________

(1) زاد المسير: 1/427.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بين في الآية الأولى رغبة المنافقين في التحاكم إلى الطاغوت، وبين بهذه الآية نفرتهم عن التحاكم إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم:

أ. وقال المفسرون: إنما صد المنافقون عن حكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لأنهم كانوا ظالمين، وعلموا أنه لا يأخذ الرشا وانه لا يحكم إلا بمر الحكم.

ب. وقيل: كان ذلك الصد لعداوتهم في الدين.

2. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ يصدون عنك صدودا، أي يعرضون عنك، وذكر المصدر للتأكيد والمبالغة كأنه قيل: صدودا أي صدود.

3. في علاقة قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ بما قبله وجهان:

أ. الأول: أن قوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ كلام وقع في البين، وما قبل هذه الآية متصل بما بعدها هكذا: وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا ثم جاءوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا، يعني أنهم في أول الأمر يصدون عنك أشد الصدود، ثم بعد ذلك يجيئونك ويحلفون بالله كذبا على أنهم ما أرادوا بذلك الصد إلا الإحسان والتوفيق، وعلى هذا التقدير يكون النظم متصلا، وتلك الآية وقعت في البين كالكلام الأجنبي، وهذا يسمى اعتراضا، وهو كقول الشاعر:

çإن الثمانين وبلغتها...قد أحوجت سمعي إلى ترجمان‏é

فقوله: وبلغتها، كلام أجنبي وقع في البين، إلا أن هذا الكلام الأجنبي شرطه أن يكون له من بعض الوجوه تعلق بذلك المقصود كما في هذا البيت، فان قوله: بلغتها دعاء للمخاطب وتلطف في القول معه، والآية أيضا كذلك، لأن أول الآية وآخرها في شرح قبائح المنافقين وفضائحهم وأنواع كيدهم ومكرهم، فان الآية أخبرت بأنه تعالى حكى عنهم في أول الآية أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت مع أنهم أمروا بالكفر به، ويصدون عن الرسول مع أنهم أمروا بطاعته، فذكر بعد هذا ما يدل على شدة الأحوال عليهم بسبب هذه الأعمال السيئة في الدنيا والآخرة فقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ أي فكيف حال تكل الشدة وحال تلك المصيبة، فهذا تقرير هذا القول، وهو قول الحسن البصري، واختيار الواحدي من المتأخرين.

ب. الثاني: أنه كلام متصل بما قبله، وتقريره انه تعالى لما حكى عنهم في الآية المتقدمة أنهم يتحاكمون إلى الطاغوت، ويفرون من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أشد الفرار دل ذلك على شدة نفرتهم من الحضور عند الرسول والقرب منه، فلما ذكر ذلك قال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يعني إذا كانت نفرتهم من الحضور عند الرسول في أوقات السلامة هكذا، فكيف يكون حالهم في شدة الغم والحسرة إذا أتوا بجناية خافوا بسببها منك، ثم جاءوك شاؤوا أم أبوا ويحلفون بالله على سبيل الكذب: انا ما أردنا بتلك الجناية إلا الخير والمصلحة، والغرض من هذا الكلام بيان ان ما في قلبهم من النفرة عن الرسول لا غاية له، سواء غابوا أم حضروا، وسواء بعدوا أم قربوا، ثم انه تعالى أكد هذا المعنى بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ والمعنى أن من أراد المبالغة في شيء قال هذا شيء لا يعلمه إلا الله، يعني انه لكثرته وقوته لا يقدر أحد على معرفته إلا الله تعالى، ثم لما عرف الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم شدة بغضهم ونهاية عداوتهم ونفرتهم أعلمه انه كيف يعاملهم فقال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ وهذا الكلام على ما قررناه منتظم حسن الاتساق لا حاجة فيه إلى شيء من الحذف والإضمار، ومن طالع كتب التفسير علم ان المتقدمين والمتأخرين كيف اضطربوا فيه والله أعلم.

4. ذكروا في تفسير قوله تعالى: ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وجوها:

أ. الأول: أن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقر أنه لا يرضى بحكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، فهم جاؤوا إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فطالبوا عمر بدمه وحلفوا انهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة، وهذا اختيار الزجاج.

ب. الثاني: قال أبو علي الجبائي: المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من أنه لا يستصحبهم في الغزوات، وانه يخصهم بمزيد الإذلال والطرد عن حضرته وهو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ/ثُمَّ لا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60 ـ 61] وقوله: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 83] وبالجملة فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم، فكانت معدودة في مصائبهم، وإنما يصيبهم ذلك لأجل، نفاقهم، وعني بقوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ أي وقت المصيبة يحلفون ويعتذرون أنا ما أردنا بما كان منا من مداراة الكفار الا الصلاح، وكانوا في ذلك كاذبين لا نهم أضمروا خلاف ما أظهروه، ولم يريدوا بذلك الإحسان الذي هو الصلاح.

ج. الثالث: قال أبو مسلم الاصفهاني: انه تعالى لما أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول، بشر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه، وإلى أن يظهروا له الايمان به وإلى أن يحلفوا بأن مرادهم الإحسان والتوفيق، قال ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا وكذا، ومثاله قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41] وقوله: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 25] ثم أمره تعالى إذا كان منهم ذلك أن يعرض عنهم ويعظهم.

5. في تفسير الإحسان والتوفيق في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ وجوه:

أ. الأول: معناه ما أردنا بالتحاكم إلى غير الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم الا الإحسان إلى خصومنا واستدامة الاتفاق والائتلاف فيما بيننا، وإنما كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم لأنهم لو كانوا عند الرسول لما قدروا على رفع صوت عند تقرير كلامهم، ولما قدروا على التمرد من حكمه، فاذن كان التحاكم إلى غير الرسول إحسانا إلى الخصوم.

ب. الثاني: أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إلا أنه يحسن إلى صاحبنا بالحكم العدل والتوفيق بينه وبين خصمه، وما خطر ببالنا أنه يحكم بما حكم به الرسول.

ج. الثالث: أن يكون المعنى ما أردنا بالتحاكم إلى غيرك يا رسول الله الا أنك لا تحكم الا بالحق المر، وغيرك يدور على التوسط ويأمر كل واحد من الخصمين بالإحسان إلى الآخر، وتقريب مراده من مراد صاحبه حتى يحصل بينهما الموافقة.

6. ثم قال تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ والمعنى أنه لا يعلم ما في قلوبهم من النفاق والغيظ والعداوة الا الله.

7. ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ واعلم أنه تعالى أمر رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يعاملهم بثلاثة أشياء:

أ. الأول: ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ وهذا يفيد أمرين:

أحدهما: أن لا يقبل منهم ذلك العذر ولا يغتر به، فإن من لا يقبل عذر غيره ويستمر على سخطه قد يوصف بأنه معرض عنه غير ملتفت إليه.

الثاني: أن هذا يجري مجرى أن يقول له: اكتف بالإعراض عنهم ولا تهتك سترهم، ولا تظهر لهم أنك عالم بكنه ما في بواطنهم، فإن من هتك ستر عدوه وأظهر له كونه عالما بما في قلبه فربما يجرئه ذلك على أن لا يبالي بإظهار العداوة فيزداد الشر، ولكن إذا تركه على حاله بقي في خوف ووجل فيقل الشر.

ب. الثاني: ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿وَعِظْهُمْ﴾ والمراد أنه يزجرهم عن النفاق والمكر والكيد والحسد والكذب ويخوفهم بعقاب الآخرة، كما قال تعالى: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ﴾ [النحل: 125]

ج. الثالث: ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ وفي قوله تعالى: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وجوه:

الأول: أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: وقل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما ويستشعرون منه الخوف استشعارا.

الثاني: أن يكون التقدير: وقل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولا بليغا، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شرا من ذلك وأغلظ.

الثالث: قل لهم في أنفسهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر، لأن النصيحة على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة.

8. في قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ قولان:

أ. أحدهما: أن المراد بالوعظ التخويف بعقاب الآخرة، والمراد بالقول البليغ التخويف بعقاب الدنيا، وهو أن يقول لهم: إن ما في قلوبكم من النفاق والكيد معلوم عند الله، ولا فرق بينكم وبين سائر الكفار، وإنما رفع الله السيف عنكم لأنكم أظهرتم الايمان، فان واظبتم على هذه الأفعال القبيحة ظهر للكل بقاؤكم على الكفر، وحينئذ يلزمكم السيف.

ب. الثاني: أن القول البليغ صفة للوعظ، فأمر تعالى بالوعظ، ثم أمر أن يكون ذلك الوعظ بالقول البليغ، وهو أن يكون كلاما بليغا طويلا حسن الألفاظ حسن المعاني مشتملا على الترغيب والترهيب والاحذار والإنذار والثواب والعقاب، فان الكلام إذا كان هكذا عظم وقعه في القلب، وإذا كان مختصرا ركيك اللفظ قليل المعنى لم يؤثر ألبتة في القلب.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/122.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَكَيْفَ﴾ يكون حالهم، أو ﴿فَكَيْفَ﴾ يصنعون ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي من ترك بهم، وما يلحقهم من الذل في قوله: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوًّا﴾، وقيل: يريد قتل صاحبهم ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وتم الكلام، ثم ابتد يخبر عن فعلهم، وذلك أن عمر لما قتل صاحبهم جاء قومه يطلبون ديته ويحلفون ما نريد بطلب ديته إلا الإحسان وموافقة الحق، وقيل: المعنى ما أردنا بالعدول عنك في المحاكمة إلا التوفيق بين الخصوم، والإحسان بالتقريب في الحكم، ابن كيسان: عدلا وحقا، نظيرها ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾ فقال الله تعالى مكذبا لهم: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ قال الزجاج: معناه قد علم الله أنهم منافقون، والفائدة لنا: اعلموا أنهم منافقون.

2. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ قيل: عقابهم، وقيل: عن قبول اعتذارهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي خوفهم، قيل في الملا، ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي ازجرهم بأبلغ الزجر في السر والخلاء، الحسن: قل لهم إن أظهرتم ما في قلوبكم قتلتكم، وقد بلغ القول بلاغة، ورجل بليغ يبلغ بلسانه كنه ما في قلبه، والعرب تقول: أحمق بلغ وبلغ، أي نهاية في الحماقة، وقيل: معناه يبلغ ما يريد وإن كان أحمق.

3. يقال: إن قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ نزل في شأن الذين بنوا مسجد الضرار، فلما أظهر الله نفاقهم، وأمرهم بهدم المسجد حلفوا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم دفاعا عن أنفسهم: ما أردنا ببناء المسجد إلا طاعة الله وموافقة الكتاب.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/265.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ بيان لعاقبة أمرهم وما صار إليه حالهم، أي: كيف يكون حالهم ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾؟ أي: وقت إصابتهم، فإنهم يعجزون عند ذلك، ولا يقدرون على الدفع، والمراد: ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ ما فعلوه من المعاصي التي من جملتها: التحاكم إلى الطاغوت.

2. ﴿ثُمَّ جاؤُكَ﴾ يعتذرون عن فعلهم، وهو عطف على ﴿أَصَابَتْهُمْ﴾ وقوله: ﴿يَحْلِفُونَ﴾ حال: أي: جاءوك حال كونهم حالفين ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي: ما أردنا بتحاكمنا إلى غيرك إلا الإحسان لا الإساءة، والتوفيق بين الخصمين لا المخالفة لك، وقال ابن كيسان: معناه: ما أردنا إلا عدلا وحقا، مثل قوله: ﴿وَلَيَحْلِفُنَّ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا الْحُسْنَى﴾

3. فكذبهم الله بقوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق والعداوة للحق، قال الزجاج: معناه: قد علم الله أنهم منافقون ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: عن عقابهم، وقيل: عن قبول اعتذارهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي: خوفهم من النفاق ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في حق أنفسهم، وقيل: معناه: قل لهم خاليا بهم ليس معهم غيرهم ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي: بالغا في وعظهم إلى المقصود، مؤثرا فيهم، وذلك بأن توعدهم بسفك دمائهم، وسبي نسائهم، وسلب أموالهم.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/558.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾ إلخ عطف على (يُرِيدُونَ)، فالتعجيب منسحب عليه أيضًا ﴿لَهُمْ تَعَالَوِاْ اِلَى مَآ أَنزَلَ اللهُ﴾ من القرآن وسائر الوحي إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿وَإلَى الرَّسُولِ﴾ ليحكم به بيننا ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ﴾ أي: رأيتهم، لكن وضع الظاهر ليذمَّهم باسم النفاق، ويلوِّح بأنَّ علَّةَ الصدِّ النفاقُ، ﴿يَصُدُّونَ﴾ يُعرضون ﴿عَنكَ صُدُودًا﴾، ولو كان المعنى: يصدُّون الناس عنك لقال: يصدُّون عنك صدًّا؛ لأنَّ (صُدُودًا) نادر في المتعدِّي، والصدُّ في المعقول، والسدُّ في المحسوس.

2. قيل: نزل ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلخ في ناس تحاكموا إلى أبي برزة الكاهن، وقيل: في جماعة من اليهود ـ قريظة والنضير ـ أسلموا، وتحاكموا في قتيل إلى أبي برزة، فقال: (أعظموا اللقمة)، فقالوا: (لك عشرة أوسق)، فقال: (بل مائة)، ولم يرضوا إِلَّا بعشرة، فلم يحكم، روى ابن أبي شيبة عن عليٍّ عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم : (لا طاعة لبشر في معصية الله تعالى)

3. ﴿فَكَيْفَ﴾ حالهم أو صفتهم؟ أيصبرون أو يقدرون على الفرار؟ ﴿إذَآ أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ﴾ كقتل عمر بِشْرًا المنافق، ونقمة الله دنيًا ﴿بِمَا قَدَّمَتَ اَيْدِيهِمْ﴾ من المعاصي والنفاق، وإطلاع اليهود على السرِّ ﴿ثُمَّ جَآءُوكَ﴾ اعتذارًا ﴿يَحْلِفُونَ بِاللهِ﴾ يجيء المصابُ الحيُّ، أو من يليه، أو يجيء مَن يلي الميِّتَ الذي مات بتلك المصيبة، ﴿إِنَ اَرَدْنَآ﴾ بما قلنا أو فعلنا ﴿إِلَّآ إِحْسَانًا﴾ إلى الخصم بالصلح، أو إليك يا رسول الله، ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ تأليفًا بين الخصمين، أو بينكم وبين عدوِّكم من المشركين، كما جاء أصحاب الذي قتله عمر طالبين دمه إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وقالوا: ما أردنا بالتحاكم إلى عمر إِلَّا أن يحسن إلى صاحبنا، ويوفِّق بينه وبين خصمه، دون الحمل على مُرِّ الحقِّ الذي هو عادتك بلا تساهل.

4. ﴿أُوْلَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق وحب المخالفة فلن يفوته عقابهم ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تعاقبهم، فإنَّ في ترك عقابهم صلاحا، ولو عاقبهم لقال ناس بجهلهم: عاقبهم في أدنى شيء، وكانت الفتنة في أهله، أو فأعرض عن قبول عذرهم، كما يقال: اعتذر إليه فأعرض عنه، بمعنى أنَّه لم يجبه بقبول عذره، ولم يلتفت إلى قبوله.

5. والمصيبة تكون عقابًا على الذنب، وإن لم يتب عوقب أيضًا في الآخرة، وتكون للثواب، وتكون مغفرةً لِمَا لم يصرَّ عليه وأهمَلَه.

6. ﴿وَعِظْهُمْ﴾ بالزجر عن النفاق والمكر والكذب، وبعقاب الله في الآخرة، ﴿وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ في شأن أنفسهم الخبيثة وحقِّها، أو في خلوة بهم، فإنَّ النصح في السرِّ أنفع، وفي الجهر فضيحة، ﴿قَوْلاً بَلِيغًا﴾ أكيدًا يأخذ منهم مأخذًا، بأن يكون خشونة في حقٍّ، مثل أن يقول: أنتم لا بدَّ مغلوبون مفتضحون، وقد استوجبتم أكثر مِمَّا استوجب من أظهر الشرك، إِلَّا أنَّ الله ستر عليكم لظاهر إسلامكم، فكيف تأمنون أن ينزل عليكم ما أنزل على المشركين المجاهرين من قتل وسبي وغنم؟ فقد يسلِّط الله عليكم المسلمين!

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/213.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما أوجب تعالى على جميع المكلفين أن يطيعوا الله ورسوله، آثرها بأن المنافقين والذين في قلوبهم مرض لا يطيعون الرسول ولا يرضون بحكمه، وإنما يريدون حكم غيره، فقال: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾

2. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ أي: إلى حكم ما أنزل الله في القرآن الذي تدعون الإيمان به‏ ﴿وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ أي: حكمه‏ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ﴾ أي يمنعون خصومهم فيبعدونهم‏ ﴿عَنْكَ صُدُودًا﴾ بليغا ليتمكنوا مما يريدونه بالرشوة.

3. وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ﴾.. تكملة لمادة التعجيب ببيان إعراضهم صريحا عن التحاكم إلى كتاب الله تعالى ورسوله، إثر بيان إعراضهم عن ذلك في ضمن التحاكم إلى الطاغوت، وإظهار (المنافقين) في مقام الإضمار للتسجيل عليهم بالنفاق، وذمهم به، والإشعار بعلة الحكم.

4. قال أبو مسلم الأصفهاني: (ظاهر الآية يدل على أنه كان منافقا من أهل الكتاب، مثل: إنه كان يهوديّا فأظهر الإسلام على سبيل النفاق، لأن قوله تعالى‏ ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ إنما يليق بمثل هذا المنافق)، ما استظهره مناف لما أسلفناه مما روي في نزولها، على أن توصيفهم بالإيمان بـ (ما أنزل من قبل) لا يؤيد ما ذكره، لأن هذا كثيرا ما يذكر تنويها به وتثبيتا لركنيته في الإيمان، وتذكيرا له، كما لا يخفى على من سبر قاعدة التنزيل في أمثاله، فاعرفه.

5. قال ابن كثير: هذه الآية إنكار من الله عز وجل على من يدّعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك، يريد أن يتحاكم، في فصل الخصومات، إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب‏ نزول هذه الآية، ثم ساق ما قدمناه وقال: الآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامّة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بـ (الطاغوت) هاهنا، وأعرضوا كالمستكبرين كما قال تعالى عن المشركين‏ ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [البقرة: 170]، وهؤلاء بخلاف المؤمنين الذين قال الله فيهم‏ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾ [النور: 51]، الآية.

6. قال القاضي: يجب أن يكون التحاكم إلى هذا الطاغوت كالكفر، وعدم الرضا بحكم محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم كفر، ويدل عليه وجوه:

أ. الأول: أنه تعالى قال: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ فجعل التحاكم إلى الطاغوت يكون إيمانا به، ولا شك أن الإيمان بالطاغوت كفر بالله، كما أن الكفر بالطاغوت إيمان بالله.

ب. الثاني: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، وهذا نص في تكفير من لم يرض بحكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ج. الثالث: قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ [النور: 63]، وهذا يدل على أن مخالفته معصية عظيمة، وفي هذه الآيات دلائل على أن من رد شيئا من أوامر الله أو أوامر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فهو خارج عن الإسلام، سواء رده من جهة الشك أو من جهة التمرد، وذلك يوجب صحة ما ذهبت الصحابة إليه من الحكم بارتداد مانعي الزكاة وقتلهم وسبي ذراريّهم، نقله الرازي.

7. قال بعض المفسرين: في هذه الآية وجوب الرضا بقضاء الله سبحانه، والرضا بما شرعه، وتدل على أنه لا يجوز التحاكم إلى غير شريعة الإسلام، وقال الحاكم: وتدل على أن من لم يرض بحكمه كفر، وما ورد من فعل عمر وقتله المنافق يدل على أن دمه هدر، لا قصاص فيه ولا دية، وهاهنا فرع، وهو أن يقال: إذا تحاكم رجلان في أمر فرضي أحدهما بحكم المسلمين وأبى الثاني، وطلب المحاكمة إلى حاكم الملاحدة، فإنه يكفر، لأن في ذلك رضا بشعار الكفرة.

8. في قوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا﴾ دقيقة بديعة، قال أبو السعود: الاقتصار في معرض التعجب والاستقباح على ذكر إرادة التحاكم، دون‏ نفسه، مع وقوعه أيضا ـ للتنبيه على أن إرادته مما يقضي منه العجب ولا ينبغي أن يدخل تحت الوقوع، فما ظنك بنفسه؟

9. قال المفسرون: إنما صد المنافقون عن حكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لأنهم كانوا ظالمين، وعلموا أنه لا يأخذ الرشا، وأنه لا يحكم إلا بمرّ الحكم، وقيل: كان ذلك الصدّ لعداوتهم في الدين.

10. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ متصل بما قبله، مبين غائلة جناياتهم المحكية ووخامة عاقبتها، أي كيف يكون حالهم إذا ساقتهم التقادير إليك، في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، التي منها المحاكمة إلى الطاغوت والكراهة لحكمك، واحتاجوا إليك في ذلك‏ ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ للاعتذار عما صنعوا من القبائح‏ ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ كذبا ﴿إِنْ أَرَدْنَا﴾ أي ما أردنا بذلك التحاكم‏ ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ أي فصلا بالوجه الحسن‏ ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ بالصلح بين الخصمين، ولم نرد مخالفة لك ولا تسخطا لحكمك، فلا تؤاخذنا بما فعلنا، وهذا وعيد لهم على ما فعلوا، وأنهم سيندمون عليه حين لا ينفعهم الندم، ولا يغني عنهم الاعتذار.

11. قال الرازيّ: ذكروا في تفسير قوله تعالى‏ ﴿أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ وجوها:

أ. الأول: إن المراد منه قتل عمر صاحبهم الذي أقرّ أنه لا يرضى بحكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، فهم جاؤوا إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فطالبوا عمر بدمه، وحلفوا أنهم ما أرادوا بالذهاب إلى غير الرسول إلا المصلحة، وهذا اختيار الزجاج.. قلت: واختياره غير مختار، لأن قصة قتل عمر لم ترو من طريق صحيح ولا حسن، فهي ساقطة عند المحققين، واستدلال الحاكم، الذي قدمناه، مسلم، لو صحّت.

ب. الثاني: قال أبو عليّ الجبائيّ: المراد من هذه المصيبة ما أمر الله تعالى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من أنه لا يستصحبهم في الغزوات، وأنه يخصهم بمزيد الإذلال والطرد عن حضرته، وهو قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾ [الأحزاب: 60 ـ 61] وقوله‏: ﴿فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 83] وبالجملة، فأمثال هذه الآيات توجب لهم الذل العظيم، فكانت معدودة في مصائبهم، وإنما يصيبهم ذلك لأجل نفاقهم.

ج. الثالث: قال أبو مسلم الأصفهانيّ: إنه تعالى لمّا أخبر عن المنافقين أنهم رغبوا في حكم الطاغوت وكرهوا حكم الرسول، بشّر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه ستصيبهم مصائب تلجئهم إليه وإلى أن يظهروا له الإيمان به، وإلى أن يحلفوا بأن مرادهم الإحسان والتوفيق، قال ومن عادة العرب عند التبشير والإنذار أن يقولوا: كيف أنت إذا كان كذا وكذا؟ ومثاله، قوله تعالى‏ ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ [النساء: 41]، وقوله‏: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 25]، ثم أمره تعالى، إذا كان منهم ذلك، أن يعرض عنهم ويعظهم.

12. ﴿أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى المنافقين‏ ﴿الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من النفاق والميل إلى الباطل وإن أظهروا إسلامهم وعذرهم بحلفهم‏ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي لا تعاقبهم لمصلحة في استبقائهم ولا تزد على كفهم، بالموعظة والنصيحة عما هم عليه‏ ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أي ازجرهم عما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي مؤثرا وأصلا إلى كنه المراد.

13. سؤال وإشكال: بم تعلق قوله تعالى:‏ ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾؟ والجواب:

أ. بقوله‏: ﴿بَلِيغًا﴾ على رأي من يجيز تقديم معمول الصفة على الموصوف، أي قل لهم قولا بليغا في أنفسهم مؤثرا في قلوبهم يغتمون به اغتماما، ويستشعرون منه الخوف استشعارا، وهو التوعد بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق وأطلع قرنه، وأخبرهم أن ما في نفوسهم من الدغل والنفاق، معلوم عند الله، وإنه لا فرق بينكم وبين المشركين، وما هذه المكافّة إلا لإظهاركم الإيمان وإسراركم الكفر وإضماره، فإن فعلتم ما تكشفون به غطاءكم لم يبق إلا السيف.

ب. أو يتعلق بقوله‏ ﴿قُلْ لَهُمْ‏﴾ أي: قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النّفاق، قولا بليغا، وإن الله يعلم ما في قلوبكم، لا يخفى عليه، فلا يغني عنكم إبطانه فأصلحوا أنفسكم وطهروا قلوبكم وداووها من مرض النفاق، وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك، من انتقامه، وشرّا من ذلك وأغلظ.

ج. أو قل لهم في أنفسهم خاليا بهم، ليس معهم غيرهم، مسارّا لهم بالنصيحة، لأنها في السر أنجع وفي الإمحاض‏ أدخل‏ ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ منهم ويؤثر فيهم، كذا يستفاد من الكشاف.

14. قال الناصر في (الانتصاف) ولكل من هذه التأويلات شاهد على الصحة:

أ. أما الأول، فلأن حاصله أمره بتهديدهم على وجه مبلغ صميم قلوبهم، وسياق التهديد في قوله‏: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ يشهد له، فإنه أخبر بما سيقع لهم على سبيل التهديد.

ب. وأما الثاني: فيلائمه من السياق قوله: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ يعني ما انطوت عليه من الخبث والمكر والحيل، ثم أمره بوعظهم والإعراض عن جرائمهم حتى لا تكون مؤاخذتهم بها مانعة من نصحهم ووعظهم، ثم جاء قوله‏: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ كالشرح للوعظ ولذكر أهم ما يعظهم فيه، وتلك نفوسهم التي علم الله ما انطوت عليه من المذامّ، وعلى هذا يكون المراد الوعظ وما يتعلق به.

ج. وأما الثالث: فيشهد له سيرته صلّى الله عليه وآله وسلّم في كتم عناد المنافقين، والتجافي عن إفصاحهم والستر عليهم، حتى عدّ حذيفة، صاحب سره صلّى الله عليه وآله وسلّم، لتخصيصه إياه بالاطلاع على أعيانهم وتسميتهم له بأسمائهم، وأخباره في هذا المعنى كثيرة.

15. قال بعض المفسرين: وثمرة الآية قبح الرياء والنفاق واليمين الكاذبة والعذر الكاذب، لأنهم اعتذروا بإرادتهم الإحسان، وذلك كذب، ثم قال ودلت الآية على لزوم الوعظ والمبالغة فيه.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/194.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ صرح في هذه الآية بما دلت عليه التي قبلها من نفاق هؤلاء الذين يرغبون عن حكم كتاب الله وحكم رسوله إلى حكم الطاغوت من أصحاب الأهواء وناهيك بمن فعل ذلك في عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وحكمه لا يكون إلا حقا ما بينت الدعوى على حقيقتها لأن الحكم بحسب الظاهر، وأما حكم غيره بشريعته فقد يقع فيه الخطأ بجهل القاضي بالحكم أو بتطبيقه على الدعوى، يقول تعالى: وإذا قيل لأولئك الذين يزعمون أنهم آمنوا وهم يريدون التحاكم إلى الطاغوت: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن لنعمل به ونحكمه فيما بيننا وإلى الرسول ليحكم بيننا بما أراه الله رأيت المنافقين أي رأيتهم وهم المنافقون جاء بالظاهر بدل الضمير ليبين حالهم وحال أمثالهم بالنص ويبني عليه ما بعده وهو أثره يصدون عنك صدودا أي يعرضون عنك ويرغبون عن حكمك إعراضا متعمدا منهم، وهو هنا من (صد) اللازم.

2. الآية ناطقة بأن من صد وأعرض عن حكم الله ورسوله عمدا ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به فإنه يكون منافقا لا يعتد بما يزعمه من الإيمان وما يدعيه من الإسلام، وهي حجة الله البالغة على المقلدين لبعض الناس فيما استبان حكمه في الكتاب والسنة ولا سيما إذا دعوا إليه ووعظوا به، قال محمد عبده: إن الحامل لهم على هذا الصدود هو اتباع شهواتهم وإلفتهم للباطل، وعدو الحق يعرض عنه إعراضا شديدا.

3. ثم أراد تعالى أن يبين سخافتهم وجهلهم وعدم طاقتهم بالثبات على هذا الصدود فقال: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الخ أي لو عقلوا لالتزموا ما أظهروا قبوله من الإسلام وعملوا بمقتضى ما ادعوه من الإيمان ليتم لهم الاستفادة منه لأن العاقل يعلم أن تلك الحال التي اختاروا فيها التحاكم إلى الطاغوت لا تدوم لهم، وأنه يوشك أن ينتقلوا منها فيقعوا في مصاب يضطرهم إلى الرجوع إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ليكشفه عنهم، وأن يعتذروا عن صدودهم بأنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحسانا وتوفيقا، كأنه يقول: فكيف يفعلون إذا أطلعك الله على شأنهم في إعراضهم عن حكم الله والتحاكم إليه وتبين أن عملهم يكذب دعواهم الإيمان؟ إنهم إذا يستحقون العقوبة والإذلال ليكونوا عبرة لغيرهم، وذهب أبو مسلم إلى أن في الآية بشارة بأن المنافقين سيقعون في مصيبة تفضح أمرهم، وتكشف سرهم، وهل يتوبون حينئذ ويجيئونك أم لا، ويقول غيره ليس المراد بذلك البشارة بشيء سيقع، وإنما هو بيان ناجز لأمرهم، وإيذان بمؤاخذتهم وإذلالهم، وإراءتهم أنهم سفهاء الأحلام، مستحقون لما يعاتبهم به النبي عليه السلام.

4. أشار محمد عبده في الدرس إلى اختلاف المفسرين في قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ وإنما تناقلوا الخلاف فيها لأنه روي عن بعض السلف فيها فهم شاذ فتبعه بعضهم فيه، وهو قول الحسن أن قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ جملة معترضة بين ما قبلها وما بعدها والمعنى: رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا، ثم جاءك يحلفون بالله الخ أي إذا دعوا إلى ما أنزل الله وإليك يصدون عنك في غيبتك، ثم يجيئونك يعتذرون ويحلفون في حضرتك، فكيف إذا أصابتهم مصيبة أي كيف يكون حال تلك المصيبة والشدة، وقال الرازي أن الواحدي قد اختار هذه الرواية، وأقول لا عجب إذا اختارها، وإن كان النظم الكريم يتبرأ منها، وقد خطرت في بال من هو أحسن منه فهما للكلام، وهل عثر متقدم عثرة ولم يعثر وراءه فيها كثير من المتأخرين لو تكلفا للعثار؟ ثم إن بعضهم حمل الكلام هنا على معنى الآيات الواردة في المنافقين عامة، وخلط بين الآيات الواردة في الوعد ببيان نفاقهم، وإغراء النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بعقابهم، وفي الذين يتخلفون منهم عن الخروج معه صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى الجهاد ثم يعتذرون إليه بعد ذلك كما هو مفصل في سورة التوبة وسورة الأحزاب، وكل ذلك من التوسع الذي يضيع معه المعنى المتبادر من الآية.

5. وهو: فكيف يكون حال هؤلاء المنافقين أو حالهم وحال أمثالهم، أو كيف يكون الشأن في أمرهم إذا أصابتهم مصيبة بسبب ما قدمت أيديهم أي ما عملوا من السيئات بباعث النفاق الظاهر، والخبث الباطن، فإن الأعمال السيئة تترتب عليها آثار سيئة، وتكون لها عواقب ضارة لا يمكن كتمانها، ولا يستغني صاحبها عن الاستعانة فيها بقومه وأولياء أمره، فالآية تنذر جميع المنافقين الذين يستخفون من الناس بأعمال النفاق مبينة أن هذه الأعمال لابد أن يترتب عليها بعض المصائب التي تفضح أمرهم، وتضطرهم إلى الرجوع إلى النبي والاعتذار له، والحلف على ذلك ليصدقه، فإنهم يشعرون بأنهم متهمون بالكذب، أو كيف تعاملهم في هذه الشدة أيها الرسول بعد علمك بما كان من صدودهم عنك، في وقت الاستغناء عنك، هل تعطف عليهم وتقبل قولهم إذا أصابتهم المصيبة التي يستحقونها بارتكاب أسبابها.

6. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي يخادعونك بالحلف بالله إنهم ما أرادوا بما عملوا من الصدود أو من الأعمال المنكرة والمعاصي التي ترتبت عليها المصيبة إلا إحسانا في المعاملة وتوفيقا بينهم وبين خصمهم بالصلح أو الجمع بين منفعة الخصمين، وقالوا نحن نعلم أنك لا تحكم إلا بمرّ الحق لا تراعي فيه أحدا، فلم نر ضررا في استمالة خصومنا بقبول حكم طواغيتهم والتوفيق بين منفعتنا ومنفعتهم.

7. سأل العليم الحكيم كيف تكون المعاملة في هذه الحال تمهيدا لبيان ما يجب العمل به وهو قوله تعالى: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ من الكفر والحقد والكيد وتربص الدوائر بالمؤمنين ليظهروا عداوتهم، قال محمد عبده: والعبارة تدل على تعظيم الأمر أي فظاعته وكبره ولا يزال مثلها مستعملا فيما يعظم شأنه من خير وشر ومسرة وحزن، يقول الرجل لمن يحبه ويحفظ وده: الله يعلم ما في نفسي لك، أي ويقول في العدو الماكر المخادع الله يعلم ما في قلبه، والمعنى أن ما في قلوب هؤلاء المنافقين كبير جدا لا يعرفه كما هو إلا الله تعالى ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي اصرف وجهك عنهم ولا تقبل عليهم بالبشاشة والتكريم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ ببيان سوء حالهم لهم إذا هم أصروا على ما هم عليه ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يبلغ من نفوسهم الأثر الذي تريد أن تحدثه فيها.

8. أما الإعراض عنهم فهو يحدث في نفوسهم الهواجس والخوف من سوء العاقبة فإنهم لم يكونوا على يقين من أسباب كفرهم ونفاقهم ولا جازمين بما في نفوسهم من تكذيب الوحي ولذلك كانوا يحذرون أن تنزل سورة تنبئهم بما في قلوبهم، ويحسبون كل صيحة عليهم، فإذا رأوا من النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الإعراض عنهم وعدم الالتفات إلى أعذارهم المؤكدة بأيمانهم الكاذبة على خلاف عادته مع أصحابه من الإقبال عليهم والبشاشة في وجوههم فإنهم يظنون الظنون: لعله عرف ما نسر في نفوسنا، لعل سورة نزلت نبأته بما في قلوبنا، لعله يريد أن يؤاخذنا بما في بواطننا، وهذه الظنون تعدهم للتأمل فيما يلقي عليهم من الوعظ وهو كما تقدم في تفسير الجزء الثاني النصح والتذكير بالخير والحق على الوجه الذي يرق له القلب ويبعث على العمل.

9. وأما الأمر الثالث وهو: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ فقيل معنى قوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في شأن أنفسهم كأن يذكر لهم من شأن أنفسهم في عقائدها وما تنطوي عليه سرائرها وما يترتب على تلك العقائد والسرائر، من الأعمال الدالة على أن الظاهر مرآة الباطن، ويبين لهم أن هذه الذبذبة لم تكن خيرا لهم فيما يهمهم من أمر دنياهم، لأنهم صاروا بها في اضطراب دائم، وهم ملازمون، وهي شر لهم في آخرتهم.

10. وقيل ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ معناه في السر دون الملأ لأن الكلام في السر يبلغ من النفس ما لا يبلغه الكلام على مسمع من الناس، فإن من تحدثه خاليا لا يشغله عن معنى حديثك ما يشغل غيره من ذهاب نفسه وراء تأثير حديثك في نفوس الناس الذين سمعوه: هل يحتقرونه به، هل يحدثون به غيرهم، ماذا ينبغي أن يفعل وأن يقول إذا قيل له فيه أو احتقر لأجله، قيل: المعنى: قولا بليغا في أنفسهم أي يغوصوا فيها ويبلغوا غاية ما يراد به منها، وهو الذي أشار إليه محمد عبده: وفيه تقديم الصفة على الموصوف وهو جائز عند الكوفيين، وكثيرا ما يرجح محمد عبده مذهبهم ولا سيما في الجواز واستعمال اللغة، والبصريون لا يجيزونه إلا حيث يجوز تقديم العامل وتوسع بعضهم في الظروف، وقيل إن المراد بالقول البليغ: أن يكون الوعظ بكلام بليغ وقيل هو أمر ثالث فالوعظ النصح المتعلق بأمر الآخرة والقول البليغ ما يكون في أمر الدنيا ومعاملتهم فيها، وذكر بعضهم أن من بلاغة الكلام طوله وهو قول مردود.

11. وفي الآية شهادة للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالقدرة على الكلام البليغ وتفويض أمر الوعظ والقول البليغ إليه، لأن الكلام يختلف تأثيره باختلاف أفهام المخاطبين وهي شهادة له بالحكمة ووضع الكلام في موضعه وهذا بمعنى إيتاء الله تعالى نبيه داود الحكمة وفصل الخطاب وما أوتي نبي فضيلة إلا وأوتي مثلها خاتم النبيين (صلى الله وسلم عليه وعليهم أجمعين) وشهادة الله تعالى له في هذا المقام أكبر شهادة وإنما آتاه الله تعالى هاتين المزيتين على وجه الكمال بالنبوة والقرآن ولم يكن قبل النبوة مشهورا بين قومه بالفصاحة والبلاغة، وإن كان فصيحا بليغا، لأن الله تعالى صرفه عن مظهر فصاحتهم وبلاغتهم وهو الشعر والخطابة والمماتنة (المغالبة) في الأسواق والمجامع، وإنما صرفه الله تعالى عن ذلك لتكون حجته في إعجاز القرآن بالبلاغة أظهر وأبعد عن الشبهة فلا يقولن قائل إنه تمرن على الكلام البليغ وزاوله الزمن الطويل حتى ارتقى فيه إلى هذه القمة العليا التي لا يطاول فيها، هذه هي حجتنا المؤيدة بسيرته الشريفة، على أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يكن معدودا قبل النبوة في بلغاء القوم بالشعر ولا الخطابة ولم يكن يحفل بمفاخراتهم ومماتناتهم فيها وإنما كان مشهورا بالأمانة والفضيلة والصدق، وأما دليلنا على أن الحكمة العليا كالبلاغة العليا قد كمله الله تعالى بها بالنبوة أيضا فنصوص القرآن، وسيأتي منها في هذه السورة قوله تعالى: ﴿وأنزل عليك الكتاب والحكمة وعلمك ما لم تكن تعلم﴾ [النساء: 112]

12. قال القاضي عياض في الشفاء: (وأما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلّى الله عليه وآله وسلّم من ذلك بالمحل الأفضل، والموضع الذي لا يجهل، سلاسة طبع، وبراعة منزع، وإيجاز مقطع، ونصاعة لفظ، وجزالة قول، وصحة معان، وقلة تكلف، أوتي جوامع الكلم، وخص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة منها بلسانها، ويحاورها بلغتها، ويباريها في منزع بلاغتها، حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موطن عن شرح كلامه، وتفسير قوله، من تأمل حديثه وسبره، علم ذلك وتحققه، وليس كلامه مع قريش والأنصار وأهل الحجاز ونجد ككلامه مع ذي المعشار الهمذاني وطهفة النهدي وقطن بن حارثة العليمي والأشعث بن قيس ووائل بن حجر الكندي وغيرهم من أقيال حضر موت وملوك اليمن) ثم أورد الشواهد على ذلك.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/228.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي وإذا قيل لأولئك الزاعمين للإيمان الذين يريدون التحاكم إلى الطاغوت: تعالوا إلى ما أنزل الله في القرآن لنعمل به ونحكّمه فيما بيننا، وإلى الرسول ليحكم بيننا بما أراه الله، رأيتهم يعرضون عنك ويرغبون عن حكمك إعراضا متعمدا منهم، وهذه الآية مؤكدة لما دلت عليه الآية التي قبلها من نفاق هؤلاء الذين يرغبون عن حكم الله وحكم رسوله إلى حكم الطاغوت من أصحاب الأهواء، لأن حكم الرسول لا يكون إلا حقا متى بينت الدعوى على وجهها؛ وأما حكم غيره بشريعته فقد يقع فيه الخطأ بجهل القاضي بالحكم، أو بجهل تطبيقه على الدعوى، وهى أيضا دالة على أن من أعرض عن حكم الله متعمدا، ولا سيما بعد دعوته إليه وتذكيره به، فإنه يكون منافقا لا يعتقد ما يزعمه من الإيمان، ولا ما يدّعيه من الإسلام.

2. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ أي فكيف يفعلون إذا أطلعك الله على شأنهم في إعراضهم عن حكم الله وعن التحاكم إليك، وتبين أن عملهم يكذب دعواهم، وأن تلك الحال التي اختاروا فيها التحاكم إلى غير الرسول لا تدوم لهم، وأنه يوشك أن يقعوا في مصاب بسبب ما قدمت أيديهم من هذه الأعمال وأمثالها، ثم اضطروا إلى الرجوع إليك لتكشفه عنهم، واعتذروا عن صدودهم بأنهم ما كانوا يريدون بالتحاكم إلى غير الرسول إلا إحسانا في المعاملة وتوفيقا بينهم وبين خصومهم بالصلح أو بالجمع بين منفعة الخصمين ويحلفون بالله على ذلك وهم مخادعون، وفي الآية وعيد شديد لهم على ما فعلوا، وأنهم سيندمون حين لا ينفعهم الندم، ويعتذرون ولا يغنى عنهم الاعتذار.

3. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ هذا أسلوب يستعمل فيما يعظم من خير أو شر، مسرة أو حزن، فيقول الرجل لمن يحبه ويحفظ وده: الله يعلم ما في نفسي لك، أي إنه لكثرته وقوته لا يقدر على معرفته إلا الله تعالى، ويقول في العدو الماكر المخادع: الله يعلم ما في قلبه، أي إن ما في قلبه من الخبث والخديعة بلغ حدا كبيرا لا يعلمه إلا علام الغيوب، فالمعنى هنا أن ما في قلوبهم من الكفر والحقد والكيد وتربص الدوائر بالمؤمنين بلغ من الفظاعة مقدارا لا يحيط به إلا من يعلم السر وأخفى.

4. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ طلب إليه سبحانه أن يعاملهم بثلاثة أشياء.

أ. الإعراض عنهم وعدم الإقبال عليهم بالبشاشة والتكريم، إذ هذا يحدث في نفوسهم الهواجس والخوف من سوء العاقبة، وهم لم يكونوا على يقين من أسباب كفرهم ونفاقهم، وكانوا يحذرون أن تنزل عليه سورة تنبئهم بما في قلوبهم، وإذا استمر هذا الإعراض عنهم ظنوا الظنون، وقالوا لعله عرف ما في نفوسنا، لعله يريد أن يؤاخذنا بما في بواطننا.

ب. النصح والتذكير بالخير على وجه ترقّ له قلوبهم ويبعثهم على التأمل فيما يلقى إليهم من العظات والزواجر.

ج. القول البليغ المؤثر في النفس الذي يغتمون به ويستشعرون منه الخوف بأن يتوعدهم بالقتل والاستئصال إن نجم منهم النفاق، ويخبرهم بأن ما في نفوسهم من مكنونات الشر والنفاق غير خاف على العليم بالسر والنجوى، وأنه لا فرق بينهم وبين الكفار، وإنما رفع الله عنهم السيف لأنهم أظهروا الإيمان وأسرّوا الكفر وأضمروه، فإن فعلوا ما ينكشف به غطاؤهم لم يبق إلا السيف، وفي الآية شهادة للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالقدرة على بليغ الكلام وتفويض أمر الوعظ والقول البليغ إليه، لأن لكل مقام مقالا، والكلام يختلف تأثيره باختلاف أفهام المخاطبين، كما أن فيها شهادة له بالحكمة ووضع الكلام في مواضعه، وهذا نحو ما وصف الله به نبيه داود ﴿وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ وَفَصْلَ الْخِطَابِ﴾، قال القاضي عياض في كتابه [الشفاء] في وصف بلاغته صلّى الله عليه وآله وسلّم: أما فصاحة اللسان وبلاغة القول فقد كان صلّى الله عليه وآله وسلّم من ذلك بالمحل‏ الأرفع، والموضع الذي لا يجهل، قد أوتى جوامع الكلم، وحص ببدائع الحكم، وعلم ألسنة العرب، يخاطب كل أمة بلسانها، ويحاورها بلغتها.. حتى كان كثير من أصحابه يسألونه في غير موضع عن شرح كلامه وتفسير قوله.. وليس كلامه مع قريش والأنصار وأهل الحجاز ونحد ككلامه مع ذي المعشار الهمداني وطهفة النّهدى والأشعث بن قيس ووائل بن حجر الكندي وغيرهم من أقيال حضر موت وملوك اليمن.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/77.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. يمضي السياق في وصف حالهم إذا ما دعوا إلى ما أنزل الله إلى الرسول وما أنزل من قبله.. ذلك الذي يزعمون أنهم آمنوا به: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾. يا سبحان الله! إن النفاق يأبى إلا أن يكشف نفسه! ويأبى إلا أن يناقض بديهيات المنطق الفطري.. وإلا ما كان نفاقا.

2. إن المقتضى الفطري البديهي للإيمان، أن يتحاكم الإنسان إلى ما آمن به، وإلى من آمن به، فإذا زعم أنه آمن بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه، ثم دعي إلى هذا الذي آمن به، ليتحاكم إلى أمره وشرعه ومنهجه؛ كانت التلبية الكاملة هي البديهية الفطرية، فأما حين يصد ويأبى فهو يخالف البديهية الفطرية، ويكشف عن النفاق، وينبئ عن كذب الزعم الذي زعمه من الإيمان!

3. وإلى هذه البديهية الفطرية يحاكم الله ـ سبحانه ـ أولئك الذين يزعمون الإيمان بالله ورسوله، ثم لا يتحاكمون إلى منهج الله ورسوله، بل يصدون عن ذلك المنهج حين يدعون إليه صدودا! ثم يعرض مظهرا من مظاهر النفاق في سلوكهم؛ حين يقعون في ورطة أو كارثة بسبب عدم تلبيتهم للدعوة إلى ما أنزل الله وإلى الرسول؛ أو بسبب ميلهم إلى التحاكم إلى الطاغوت، ومعاذيرهم عند ذلك، وهي معاذير النفاق: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾

4. وهذه المصيبة قد تصيبهم بسبب انكشاف أمرهم في وسط الجماعة المسلمة ـ يومذاك ـ حيث يصبحون معرضين للنبذ والمقاطعة والازدراء في الوسط المسلم، فما يطيق المجتمع المسلم أن يرى من بينه ناسا يزعمون أنهم آمنوا بالله وما أنزل، وبالرسول وما أنزل إليه؛ ثم يميلون إلى التحاكم لغير شريعة الله؛ أو يصدون حين يدعون إلى‏ التحاكم إليها.. إنما يقبل مثل هذا في مجتمع لا إسلام له ولا إيمان، وكل ما له من الإيمان زعم كزعم هؤلاء؛ وكل ما له من الإسلام دعوى وأسماء! أو قد تصيبهم المصيبة من ظلم يقع بهم؛ نتيجة التحاكم إلى غير نظام الله العادل؛ ويعودون بالخيبة والندامة من الاحتكام إلى الطاغوت؛ في قضية من قضاياهم، أو قد تصيبهم المصيبة ابتلاء من الله لهم، لعلهم يتفكرون ويهتدون.

5. وأياما كان سبب المصيبة؛ فالنص القرآني، يسأل مستنكرا: فكيف يكون الحال حينئذ! كيف يعودون إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، إنها حال مخزية.. حين يعودون شاعرين بما فعلوا.. غير قادرين على مواجهة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بحقيقة دوافعهم، وفي الوقت ذاته يحلفون كاذبين: أنهم ما أرادوا بالتحاكم إلى الطاغوت ـ وقد يكون هنا هو عرف الجاهلية ـ إلا رغبة في الإحسان والتوفيق! وهي دائما دعوى كل من يحيدون عن الاحتكام إلى منهج الله وشريعته: أنهم يريدون اتقاء الإشكالات والمتاعب والمصاعب، التي تنشأ من الاحتكام إلى شريعة الله! ويريدون التوفيق بين العناصر المختلفة والاتجاهات المختلفة والعقائد المختلفة.. إنها حجة الذين يزعمون الإيمان ـ وهم غير مؤمنين ـ وحجة المنافقين الملتوين.. هي هي دائما وفي كل حين!

6. والله ـ سبحانه ـ يكشف عنهم هذا الرداء المستعار، ويخبر رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، أنه يعلم حقيقة ما تنطوي عليه جوانحهم، ومع هذا يوجهه إلى أخذهم بالرفق، والنصح لهم بالكف عن هذا الالتواء: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، أولئك الذين يخفون حقيقة نواياهم وبواعثهم؛ ويحتجون بهذه الحجج، ويعتذرون بهذه المعاذير، والله يعلم خبايا الضمائر ومكنونات الصدور.. ولكن السياسة التي كانت متبعة ـ في ذلك الوقت ـ مع المنافقين كانت هي الإغضاء عنهم، وأخذهم بالرفق، واطراد الموعظة والتعليم.

7. والتعبير العجيب: ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، تعبير مصور.. كأنما القول يودع مباشرة في الأنفس، ويستقر مباشرة في القلوب.

8. وهو يرغبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كنف الله وكنف رسوله.. بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الاحتكام إلى الطاغوت؛ ومن الصدود عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم حين يدعون إلى التحاكم إلى الله والرسول.. فالتوبة بابها مفتوح، والعودة إلى الله لم يفت أوانها بعد؛ واستغفارهم الله من الذنب، واستغفار الرسول لهم، فيه القبول، ولكنه قبل هذا كله يقرر القاعدة الأساسية: وهي أن الله قد أرسل رسله ليطاعوا ـ بإذنه ـ لا يخالف عن أمرهم، ولا ليكونوا مجرد وعاظ! ومجرد مرشدين! ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/695.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ حيث يتصادم ظاهرهم مع باطنهم، ويغلب نفاقهم على إيمانهم، فيفرون من بين يدى هذه الدعوة التي يدعون فيها إلى الاحتكام إلى ما أنزل الله، وإلى ما يقضى به الرسول.

2. ﴿فَكَيْفَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جاؤُكَ يَحْلِفُونَ بِاللهِ إِنْ أَرَدْنا إِلَّا إِحْساناً وَتَوْفِيقاً﴾ تنديم لهؤلاء المنافقين بما يجرّ عليهم النفاق من شر وشؤم، وأن عاقبة هذا الالتواء الذي تجرى عليه حياتهم إنما هو الخزي والخذلان.. وأنهم حين يحيق بهم مكرهم السيئ، واحتكامهم إلى غير كتاب الله ورسول الله، يفزعون إلى الرسول بوجوه وقاح لا حياء فيها، ويحلفون ـ كذبا ـ ما أردنا فيما فعلنا من الاحتكام إلى غيرك إلّا معالجة الأمر على الوجه الذي نبغى به حسم الخلاف، والصلح بين المتخاصمين! وهذا عذر غير مقبول منهم، لأنهم لم يأخذوا طريقهم الذي سلكوه عن اجتهاد، وإنما كان عن خلاف متعمّد للرسول، ومنابذة له.

3. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ إشارة فاضحة لهؤلاء المنافقين، ممسكة بهم وهم متلبسون بنفاقهم.. وهذه الإشارة تكاد تكون يدا آخذة بناصية كل منافق من هؤلاء المنافقين، يجد كل منافق مسّها، ويستشعر اشتمالها على وجوده.

4. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ دعوة للنبي الكريم بالإغضاء عنهم، وترك مماراتهم والجدل معهم.. وذلك هو سبيل النبيّ في موقفه من أهل الجدل والمراء، في كل حال يلتقى فيها مع أصحاب النفوس المريضة، والطبائع السقيمة، حيث ينصح له الله سبحانه بقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَوَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجاهِلِينَ﴾

5. ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ استيفاء لرسالة الرسول، واستكمال لكمالها.. حيث لا تترك هؤلاء المرضى الذين يأبون أن يستطبّوا لدائهم، وأن يتناولوا ما يقدم لهم من دواء، بل إن واجب الرسالة أن تبالغ في النصح لهم، وألا يحجزها هذا الضلال الذي يتخبطون فيه عن أن تسمعهم كلمات الله، وأن تشقّ طريقها إليهم من خلال هذا الضباب الكثيف المنعقد على بصائرهم، وبهذا تقوم الحجة عليهم، وتنقطع أسباب معاذيرهم.. ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ وفي هذا ما فيه من رحمة الله، وما تحمل رسالة الإسلام من خير عميم للناس، تسوقه إليهم من كل وجه، وتلقاهم به في كل سبيل، حتى ولو كانوا على طريق الضالين، المعاندين.. إنها رحمة الله، تتلمس طريقها إلى كل قلب، وترسل شعاعها إلى كل إنسان.. ﴿فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا﴾

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/825.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ الآية أي إذا قيل لهم احضروا أو ايتوا، فإنّ (تعال) كلمة تدلّ على الأمر بالحضور والإقبال، فمفادها مفاد حرف النداء إلّا أنّها لا تنبيه فيها، وقد اختلف أئمّة العربية في أنّه فعل أو اسم فعل، والأصحّ أنّه فعل لأنّه مشتقّ من مادّة العلوّ، ولذلك قال الجوهري في (الصحاح) (والتعالي الارتفاع)، تقول منه، إذا أمرت: (تعال يا رجل)، ومثله في (القاموس)، ولأنّه تتّصل به ضمائر الرفع، وهو فعل مبني على الفتح على غير سنّة فعل الأمر، فذلك البناء هو الذي حدا فريقا من أهل العربية على القول بأنّه اسم فعل، وليس ذلك القول ببعيد، ولم يرد عن العرب غير فتح اللام، فلذلك كان كسر اللام في قول أبي فراس:

çأيا جارتا ما أنصف الدهر بيننا...تعالي أقاسمك الهموم تعالي‏é

بكسر لام القافية المكسورة، معدودا لحنا، وفي (الكشّاف) أنّ أهل مكة ـ أي في زمان الزمخشري ـ يقولون تعالي للمرأة، فذلك من اللحن الذي دخل في اللغة العربية بسبب انتشار الدّخلاء بينهم، ووجه اشتقاق تعال من مادّة العلوّ أنّهم تخيّلوا المنادي في علوّ والمنادي (بالفتح) في سفل، لأنّهم كانوا يجعلون بيوتهم في المرتفعات لأنّها أحصن لهم، ولذلك كان أصله‏ أن يدلّ على طلب حضور لنفع، قال ابن عطية في تفسير في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ في سورة المائدة: (تعال نداء ببرّ، هذا أصله، ثم استعمل حيث البرّ وحيث ضدّه)، وقال في تفسير آية النساء: (وهي لفظة مأخوذة من العلوّ لمّا استعملت في دعاء الإنسان وجلبه صيغت من العلوّ تحسينا للأدب كما تقول: ارتفع إلى الحقّ ونحوه)، وأعلم أنّ تعال لمّا كانت فعلا جامدا لم يصحّ أن يصاغ منه غير الأمر، فلا تقول: تعاليت بمعنى حضرت، ولا تنهى عنه فتقول: لا تتعال، قال في (الصحاح) (ولا يجوز أن يقال منه تعاليت ولا ينهى عنه)، وفي (الصحاح) عقبه (وتقول: قد تعاليت وإلى أي شيء أتعالى) يعني أنّه يتصرّف في خصوص جواب الطلب لمن قال لك تعال، وتبعه في هذا صاحب (اللسان) وأغفل العبارة التي قبله، وأمّا صاحب (تاج العروس) فربما أخطأ إذ قال: قال الجوهري: ولا يجوز أن يقال منه: تعاليت وإلى أي شيء أتعالى) ولعلّ النسخة قد وقع فيها نقص أو خطأ من الناسخ لظنّه في العبارة تكريرا، وإنّما نبّهت على هذا لئلّا تقع في أخطاء وحيرة.

2. و(تعالوا) مستعمل هنا مجازا، إذ ليس ثمّة حضور وإتيان، فهو مجاز في تحكيم كتاب الله وتحكيم الرسول في حضوره، ولذلك قال: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ إذ لا يحكم الله إلّا بواسطة كلامه، وأمّا تحكيم الرسول فأريد به تحكيم ذاته لأنّ القوم المخبر عنهم كانوا من المنافقين وهم بالمدينة في حياة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم و(صدودا) مفعول مطلق للتوكيد، ولقصد التوصّل بتنوين‏ ﴿صُدُودًا﴾ لإفادة أنّه تنوين تعظيم.

3. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ تفريع على قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ [النساء: 61] الآية، لأنّ الصدود عن ذلك يوجب غضب الله عليهم، فيوشك أن يصيبهم الله بمصيبة من غير فعل أحد، مثل انكشاف حالهم للمؤمنين فيعرفوا بالكفر فيصبحوا مهدّدين، أو مصيبة من أمر الله رسوله والمؤمنين بأن يظهروا لهم العداوة وأن يقتلوهم لنفاقهم فيجيئوا يعتذرون بأنّهم ما أرادوا بالتحاكم إلى أهل الطاغوت إلّا قصد الإحسان إليهم وتأليفهم إلى الإيمان والتوفيق بينهم وبين المؤمنين، وهذا وعيد لهم لأنّ‏ ﴿إِذَا﴾ للمستقبل، فالفعلان بعدها: وهما ﴿أَصَابَتْهُمْ﴾ و﴿جَاءُوكَ﴾ مستقبلان، وهو مثل قوله: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَمَا ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا﴾

4. ﴿فَكَيْفَ﴾ خبر مبتدأ محذوف معلوم من سياق الكلام: أي كيف حالهم حين تصيبهم مصيبة بسبب ما فعلوا فيجيئونك معتذرين، والاستفهام مستعمل في التهويل، كما تقدّم القول فيه في قوله تعالى آنفا: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾

5. تركيب (كيف بك) يقال إذا أريدت بشارة أو وعيد تعجيبا أو تهويلا، فمن الأوّل‏ قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لسراقة بن مالك: (كيف بك إذ لبست سواري كسرى) بشارة بأنّ سواري كسرى سيقعان بيد جيش المسلمين، فلمّا أتي بسواري كسرى في غنائم فتح فارس ألبسهما عمر بن الخطاب سراقة بن مالك تحقيقا لمعجزة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومن الثاني قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ [آل عمران: 25] وقد جمع الأمرين قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41] الآية.

6. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ جاء باسم الإشارة لتمييزهم للسامعين أكمل تمييز، لأنّهم قد حصل من ذكر صفاتهم ما جعلهم كالمشاهدين، وأراد بما في قلوبهم الكفر الذي أبطنوه وأمر رسوله بالإعراض عنهم.

7. وحقيقة الإعراض عدم الالتفات إلى الشيء بقصد التباعد عنه، مشتقّ من العرض ـ بضم العين ـ وهو الجانب، فلعلّ أصل الهمزة في فعل أعرض للدخول في الشيء، أي دخل في عرض المكان، أو الهمزة للصيرورة، أي صار ذا عرض، أي جانب، أي أظهر جانبه لغيره، ولم يظهر له وجهه، ثم استعمل استعمالا شائعا في التّرك والإمساك عن المخالطة والمحادثة، لأنّه يتضمّن الإعراض غالبا، يقال: أعرض عنه كما يقال: صدّ عنه، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ﴾ [الأنعام: 68] ولذلك كثر هذا اللفظ في أشعار المتيّمين رديفا للصدود، وهذا أقرب المعاني إلى المعنى الحقيقي، فهو مجاز مرسل بعلاقة اللزوم، وقد شاع ذلك في الكلام ثمّ أطلق على العفو وعدم المؤاخذة بتشبيه حالة من يعفو بحالة من لا يلتفت إلى الشيء فيوليه عرض وجهه، كما استعمل صفح في هذا المعنى مشتقّا من صفحة الوجه، أي جانبه، وهو أبعد عن المعنى الحقيقي من الأوّل لأنّه مبني على التشبيه.

8. والوعظ: الأمر بفعل الخير وترك الشرّ بطريقة فيها تخويف وترقيق يحملان على الامتثال، والاسم منه الموعظة، وتقدّم آنفا عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ﴾ [النساء: 58]، فهذا الإعراض إعراض صفح أو إعراض عدم الحزن من صدودهم عنك، أي لا تهتمّ بصدودهم، فإنّ الله مجازيهم، بدليل قوله: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، وذلك إبلاغ لهم في المعذرة، ورجاء لصلاح حالهم.. شأن الناصح الساعي بكلّ وسيلة إلى الإرشاد والهدى، والبليغ فعيل بمعنى بالغ بلوغا شديدا بقوّة، أي: بالغا إلى نفوسهم متغلغلا فيها.

9. وقوله: ﴿فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ يجوز أن يتعلّق بقوله بليغا، وإنّما قدّم المجرور للاهتمام بإصلاح أنفسهم مع الرعاية على الفاصلة، ويجوز أن يتعلق بفعل‏ ﴿قُلْ لَهُمْ‏﴾، أي قل لهم قولا في شأن أنفسهم، فظرفية (في) ظرفية مجازية، شبّهت أنفسهم بظرف للقول.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/173.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ إذا قيل لهؤلاء الذين ضعف إيمانهم فلم يذعنوا للحق، ولم يخضعوا لحكم الله: تعالوا وأقبلوا على الخضوع لله تعالى ولحكمه ـ رأيت الذين اتسموا بالنفاق منهم يعرضون عنك إعراضا شديدا؛ وذلك لأنهم لمرض النفاق في قلوبهم‏ ينفرون من العدل والحق نفورهم من الإيمان الصريح الذي لا دخل فيه‏، ومن الطريق المستقيم الخالى من العوج.

2. في الآية الكريمة إشارتان بيانيتان:

أ. إحداهما ـ التعبير بقوله تعالى: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ فإن هذا يبين لهم أنهم يتركون الحكم المنزل من السماء من عند الله إلى حكم الأرض وأهواء أهلها، ويبين لهم أن الرجوع في الحكم إلى الرسول هو رجوع إلى حكم الله الذي ينطق به رسوله الأمين، وأن امتناعهم عن ذلك إنكار للرسالات الإلهية مع أنهم من أهل الكتاب، الذين يعتزون على العرب بأنهم يؤمنون بشرائع السماء وغيرهم أميون! ثم يبين ذلك أن الخضوع لحكم الرسول خضوع لحكم الله تعالى وما أنزله الله، فالمعترض على حكم الرسول معترض على الله سبحانه وتعالى.

ب. الثانية ـ في قوله تعالى: ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ فإنه يشير إلى أن الذين يعرضون عن حكم الله تعالى وينفرون منه هم المنافقون الذين يسرون ما لا يظهرون ويخفون ما لا يبدون، فالإعراض عن حكم الله تعالى سمة من سمات النفاق أو بالأحرى أوضحها وأبينها.

3. والنص يشير مع هذا إلى أن الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت فريقان: فريق ضعيف الإيمان، وفريق منافق، وأن المنافقين من بينهم شديد والنفرة والإعراض، اللهم إلا أن يقال إن ذلك إظهار في موضع الإضمار، أي أن الذين يزعمون أنهم آمنوا بالله وبالرسول، الذين يرتضون حكم الطاغوت هم منافقون، وهم بسبب نفاقهم يعرضون عن حكم الله إعراضا شديدا، فهم طائفة واحدة! وأظهر وصفهم ليعلم أنه علة إعراضهم، وهذا ما نرتضيه، ويتفق مع قوله تعالى من قبل‏ ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾

4. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ إذا كان أولئك المنافقون يصدون ذلك الصدود، ويعرضون هذا الإعراض، فلينظروا إلى حالهم عندما تصيبهم مصيبة بسبب تركهم التحاكم إلى القانون العادل والحاكم العادل، كيف تكون حالهم عندما تنزل بهم مصيبة الظلم وعدم الخضوع لقانون عادل يرد الحق إلى نصابه! وذلك أن الذي يترك القانون الذي لا يخضع لهوى، والقاضى الذي لا يخضع لغرض، ولا ينحرف عن الحق لأى غرض من أغراض الدنيا ـ تنزل به مصيبته لا محالة، وهى الاضطراب، وعدم الاطمئنان إلى حكم حاكم! والجماعة التي تترك الحكم المستقيم إلى الحكم المعوج الذي يستمد من الطغيان والظلم، لا بد أن تنزل بها مصيبة التفرق والانقسام، وعدم التواصى بالحق، فالقرآن يشير للمنافقين بهذه النتيجة، بل ينبئهم فيقول لهم: كيف تكون حالكم إذ تصيبكم مصيبة التظالم، وأكل بعضكم مال بعض، ونفرة الرسول منكم، وظهور أمركم وانكشاف حالكم، وذلك بما قدمته أيديكم من ترك للحق وعدم خضوع له!

5. والتعبير ﴿بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ يبين ما سبق من أمرهم، وإن لم يكن باليد؛ لأن اليد مظهر العمل، فهي كناية عن عمل الإنسان، وإن كان باللسان أو القلب.

6. ثم إنهم بعد أن تصيبهم مصيبة الباطل وانكشاف أمرهم، ونفرتك منهم ـ جاءوك يعتذرون إليك ويوثقون اعتذارهم بالحلف بالله تعالى قائلين: ما أردنا بالمخاصمة لغيرك إلا إحسان المعاملة والتوفيق بين الخصوم، والمعنى الجلى للنص السامي كيف تكون حالهم إذا نزلت بهم النازلة التي تترتب على تركهم حكم الله إلى حكم الطغيان، ثم جاؤوا إليك معتذرين عما سبق منهم، قائلين حالفين بالله أنهم ما قصدوا الإعراض، بل أرادوا التوفيق، والمعاملة الحسنة! والتعبير بـ (ثم) في هذا المقام، يشير إلى التباين بين حالهم في الإعراض والصدود، وإقبالهم بالاعتذار والحلف والازدلاف.

7. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، أولئك النافرون عن حكم الله إلى حكم الطغيان والهوى والشيطان، وهم يزعمون أنهم من أهل الإيمان يعلم الله تعالى ما يستكن في قلوبهم، وما يدفعهم إلى أعمالهم وخروجهم عن حكم الحق إلى حكم الهوى، والإبهام في قوله تعالى‏: ﴿يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ للإشارة إلى خفائه إذ يخفونه ويبدون غيره، وإلى أنه شيء كثير من الفساد والانحراف النفسي يحكمون إخفاءه، وإلى تنوعه من رغبة في الكيد والأذى، والتفريق بين المؤمنين، وممالأة المشركين، وغير ذلك.

8. وإذا كان الله يعلم ما في نفوسهم علما دقيقا، لا يغيب عنه شيء؛ لأنه وحده العليم بذات الصدور الذي لا يخفى عليه شيء في السماء والأرض، فإنه سبحانه وتعالى مجازيهم في الآخرة بأعمالهم ودوافعها المكنونة في قلوبهم، إن استمروا على حالهم ولكن عليك أنت أيها الرسول أن تبلغهم الحق، وتدعو إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة.

9. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي إذا كانوا كذلك من السوء فأعرض عنهم، وفي هذا النص بيان لطرق علاج المنحرفين في نفوسهم إذا كانوا صالحين للعلاج، وهذه الطرق ثلاث مراحل متداخلة:

أ. أولاها ـ الإعراض عنهم بألا يقبل عليهم ليشعروا باستنكاره لأعمالهم، وأنه غير راض عنهم، وذلك في غير جفوة؛ لأنه إن كانت الجفوة كان العناد، فلا يمكن أن يصل إلى المرحلة الثانية، وهذه المرحلة الأولى هي التي عبر عنها سبحانه بقوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾

ب. الثانية ـ الوعظ، وهو الزجر مع التخويف بسوء العاقبة والمآل ونتائج أعمالهم، فإن ذلك قد يدفعهم إلى التفكير، ومع التفكير في العاقبة ينفتح باب الهداية وسلوك الطريق المستقيم.

ج. الثالثة ـ الاتجاه إلى جذبهم بقول بليغ يصل إلى قلوبهم، بأن يبين لهم العاقبة الحسنى في العمل بالحق، والخضوع لحكم القرآن المشتمل على شريعة الرحمن، ومعنى قوله تعالى: ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أنه يبلغ إلى كنه ما في قلوبهم، فيصل إلى أعماقها ويوجههم توجيها حسنا إلى ما فيه صلاح في الدنيا والآخرة، وذلك بأن يورد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم القول على طريقة تجعلهم يقبلون قوله ولا ينفرون، فيقربهم ويدنيهم، ويأتيهم من قبل ما يألفون إن كان حقا.

10. وإن القول البليغ الذي يصل إلى كنه القلوب، يجب أن تتحقق فيه ثلاثة أوصاف:

أ. أولها، أن يكون المطلوب حقا.

ب. الثاني، أن يكون اللفظ مستقيما، والمعنى سليما، فلا يصل إلى الحق إلا بالحق.

ج. الثالث، أن يكون القول منبعثا من النفس، بحيث يؤمن القائل بصواب ما يقول، فإنه لا يؤثر إلا المتأثر.

11. هذه طرق الدعوة إلى الحق، هدانا الله إلى الطيب من القول وهدانا إلى صراط الحميد.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1736.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، لأنهم لا يؤمنون بالله ولا برسوله، ولا بشيء الا بالعاجل من أين أتى.

2. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، وأعظم المصائب كلها على المنافقين أن ينكشف أمرهم، ويفتضح سرهم أمام الملأ، حيث يعرفون عند الناس بالخيانة والغدر والكذب والمكر والخداع والجبن والهوان.

3. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾، يأتون الرسول خاضعين خانعين يتعللون بالمعاذير، والله يعلم، ورسوله يعلم، والناس يعلمون ان المنافقين لكاذبون، وانهم يتخذون ايمانهم جنة ووقاية من الخزي والعقوبة.

4. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، أي تجاهل أمرهم، فلا تقبل منهم عذرا، لأنهم يستغلون قبولك هذا في أغراضهم، ولا تعاقبهم، لأنهم اعتذروا ولو ظاهرا ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، كأن يأمرهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بتقوى الله بأسلوب يشعرون معه بأنهم مخطئون، وان عليهم أن يحاولوا تطهير أنفسهم بالانابة.. هذا هو مبدأ الإسلام في كل مجرم لا يعاجله بالعقوبة، ولا يؤيسه‏ من العفو، بل يستنفد معه جميع الطرق الى إصلاحه: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (الفقيه، كل الفقيه من لم يقنّط الناس من رحمة الله، ولم يؤيسهم من روح الله، ولم يؤمنهم من مكر الله)، ومصدر هذه الحكمة قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ﴾

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/367.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي:

1. قوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا﴾ إلى آخر الآية، تعالوا بحسب الأصل أمر من التعالي وهو الارتفاع، وصد عنه‏ يصد صدودا أي أعرض، وقوله: ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾، بمنزلة أن يقال: إلى حكم الله ومن يحكم به، وفي قوله: ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ﴾، إنما خص الرسول بالإعراض مع أن الذي دعوا إليه هو الكتاب والرسول معا لا الرسول وحده لأن الأسف إنما هو من فعل الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل الله فهم ليسوا بكافرين حتى يتجاهروا بالإعراض عن كتاب الله بل منافقون بالحقيقة يتظاهرون بالإيمان بما أنزل الله لكنهم يعرضون عن رسوله، ومن هنا يظهر أن الفرق بين الله ورسوله بتسليم حكم الله والتوقف في حكم الرسول نفاق البتة.

2. ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾.. إيذان بأن هذا الإعراض والانصراف عن حكم الله ورسوله، والإقبال إلى غيره وهو حكم الطاغوت سيعقب مصيبة تصيبهم لا سبب لها إلا هذا الإعراض عن حكم الله ورسوله، والتحاكم إلى الطاغوت، وقوله: ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾، حكاية لمعذرتهم أنهم ما كانوا يريدون بركونهم إلى حكم الطاغوت سوء، والمعنى ـ والله أعلم ـ: فإذا كان حالهم هذا الحال كيف صنيعهم‏ إذا أصابهم بفعالهم هذا وباله السيئ ثم جاءوك يحلفون بالله قائلين ما أردنا بالتحاكم إلى غير الكتاب والرسول إلا الإحسان والتوفيق وقطع المشاجرة بين الخصوم.

3. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾.. تكذيب لقولهم فيما اعتذروا به، ولم يذكر حال ما في قلوبهم، وأنه ضمير فاسد لدلالة قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ على ذلك إذ لو كان ما في قلوبهم غير فاسد كان قولهم صدقا وحقا ولا يؤمر بالإعراض عمن يقول الحق ويصدق في قوله.

4. ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ أي قولا يبلغ في أنفسهم ما تريد أن يقفوا عليه ويفقهوه من مفاسد هذا الصنيع، وأنه نفاق لو ظهر نزل بهم الويل من سخط الله تعالى.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي إذا دعوا ﴿إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ ليردوا ما تنازعوا فيه إلى الله والرسول رأيتهم ﴿يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾ أي يعرضون عنك إعراضاً؛ لأنهم منافقون غير مؤمنين كما زعموا.

2. ﴿فَكَيْفَ﴾ تكون حالهم ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بنفاقهم وطلبهم التحاكم إلى الطاغوت وسائر معاصيهم ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ﴾ للتخلص من المصيبة أو لتغطية نفاقهم ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا﴾ بطلب التحاكم إلى الطاغوت ﴿إِلَّا إِحْسَانًا﴾ فيما بيننا وتيسيراً من كلٍ منا لخصمه لسهولة التحاكم إلى الطاغوت مثلاً ﴿وَتَوْفِيقًا﴾ فيما بيننا وقطعاً للخلاف لا الفرار من التحاكم لديك فادع لنا بكشف المصيبة أو فلا تتهمنا بالنفاق.

3. ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين يحلفون بالله إن أردنا، أي الذين في قلوبهم خلاف ما يزعمون قد علمه الله، فلا يفيدهم الحلف شيئاً ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ اتركهم ﴿وَعِظْهُمْ﴾ أزجرهم عن النفاق وادعهم إلى الإيمان لينجوا من النار ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ قال في (الكشاف): (أي قل لهم قولاً بليغاً في أنفسهم، مؤثراً في قلوبهم..)، الظاهر: قل لهم في أنفسهم أي قل لهم كلاماً فيهم تخبرهم عن حكمهم عند الله وتنذرهم عاقبة نفاقهم ونحو هذا من كشف زيفهم بما يعلمون به أن الله قد أطلعه على ما يكتمون أو نحو هذا ﴿قَوْلًا بَلِيغًا﴾ ينفذ إلى قلوبهم ويؤدي إليها الخوف والغم بسبب ما قدمت أيديهم، والإعراض هنا مثله في قوله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ [التوبة: 95] فهو ترك العقاب العاجل أو الإعراض عن محاورتهم فيما يعتذرون منه وهذا أقرب؛ ولذلك صح تقديمه قبل قوله تعالى: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ﴾

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/101.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ﴾ وكان المسلمون يقولون لهؤلاء: ﴿تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ﴾ ليحكم بينكم، فذلك أقرب إلى خط الحق، وأبعد عن خط الضلال‏ ﴿رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، ولكنهم لا يستجيبون لذلك ولا يسمحون بالدخول في مناقشة حوله، لأن القرار لم يكن صادرا عن خلل في القناعة، بل هو عن عناد وإصرار على التمرّد، ولذلك تراهم يصدون عن رسول الله صدودا غير عائبين بكل النتائج على مستوى الدنيا والآخرة.

2. ويمتد بهم المجال في سعة من العيش وراحة في البال، حتى‏ ﴿إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾، ورأوا أن السير في بعض مراحل طريق الضلال قد أتعبهم وأوقعهم في مشاكل كثيرة، لجأوا إلى تبرير ما فعلوه، ليمكّنهم ذلك من نيل شيء من الثقة من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ومن المؤمنين، ليحصلوا من ذلك على بعض مكاسب الإيمان وامتيازاته.

3. ﴿ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ﴾ جاؤوا إلى النبي يقولون: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾ إننا لم نرد من خلال ما فعلناه السوء والشر لمن حولنا أو للإسلام، بل أردنا الإحسان والتوفيق؛ فتلك هي نوايانا الحقيقية، وتلك هي مقاصدنا في كل التحركات التي قمنا بها، وربما خيّل إليهم أن الحيلة قد تنطلي على المجتمع المسلّم الذي يتمتع أفراده بطيبة الإيمان وطهارته، فيحملهم على‏ الخير إذا كان محتملا للخير والشر.

4. ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾ ولكن الله يعلم ما في قلوبهم ويكشفه لنبيّه وللمسلمين، ليعرفوا كيف يتعاملون مع هذه النماذج بطريقة واقعية، وكيف يردّون كيدهم في نحورهم دون أن يثيروا أية سلبيات على مستوى العلاقات العامة.

5. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾؛ وهكذا أراد الله لنبيه أن يعرض عنهم ولا يبالي بهم، فهم لا يستطيعون أن يضروا الإسلام والمسلمين شيئا ﴿وَعِظْهُمْ﴾، ولكنه أراد له ـ في الوقت ذاته ـ أن يعظهم ويبيّن لهم حقائق الأمور، ويكشف لهم باطن أمرهم‏ ﴿وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾، فربما كان هذا الأسلوب باعثا لهم على التراجع والإقبال على حقائق الإيمان في أفكاره ومواقفه، وتلك هي الطريقة الإسلامية في التعامل مع المنافقين والمنحرفين، فلا مجال للتهاون والإهمال، ولكن مع استمرار الرسالة في مخاطبة الجانب الطيب في الإنسان، فربما استطاعت أن توقظه من غفوته، أو ترفع عنه الركام الهائل من الأوضاع القلقة، التي حجبت عنه الرؤية الصحيحة للحقيقة.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/340.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في أعقاب النهي الشديد عن التحاكم إلى الطاغوت وحكام الجور الذي مرّ في الآية السابقة جاءت هذه الآيات الثلاث تدرس نتائج أمثال هذه الأحكام والأقضية، وما يتمسك به المنافقون لتبرير تحاكمهم إلى الطّواغيت وحكام الجور والباطل.

ففي الآية الأولى يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾، وفي الحقيقة يقول القرآن في هذه الآية: إنّ التحاكم إلى الطاغوت ليس خطأ عابرا يمكن أن يعالج ببعض التذكير، بل إنّ الإصرار على هذا العمل يكشف عن ضعف إيمانهم وروح النفاق فيهم، وإلّا لوجب أن ينتبهوا ويثوبوا إلى رشدهم على‏ دعوة رسول الإسلام صلّى الله عليه وآله وسلّم لهم ويعترفوا بخطئهم: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا﴾

2. ثمّ في الآية الثّانية يبيّن هذه الحقيقة، وهي أن هؤلاء المنافقين عندما يتورطون في مصيبة كنتيجة لمواقفهم وأعمالهم، ويواجهون طريقا مسدودة يعودون إليك عن اضطرار ويأس: ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَاءُوكَ﴾، ويحلفون في هذه الحالة أنّ هدفهم من التحاكم إلى الآخرين لم يكن إلّا الإحسان والتوصل إلى الوفاق بين طرفي الدّعوي: ﴿يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾

3. وهنا لا بدّ من الإشارة إلى نقطتين:

أ. الأولى: أن نرى ما هو المقصود من المصيبة التي تصيبهم؟ لا يبعد أن تكون المصيبة هي ما ينشأ من مضاعفات ومآسي وويلات من حكم الطواغيت، لأنّه لا شك في أن الحكم الصادر من الأشخاص غير الصالحين والظالمين وإن كان ينطوي على منفعة آنية لأحد جانبي الدعوى، ولكن لا يمضي زمان إلّا ويوجب هذا الحكم ظهور الفساد وانتشار الظلم والجور، وسيادة الهرج والمرج وتبعثر الكيان الاجتماعي، ولهذا فإنّه سرعان ما تواجه هؤلاء المتحاكمين إلى الطواغيت تبعات ومفاسد عملهم هذا، وسرعان ما يندمون على فعلهم هذا، هذا ويحتمل بعض المفسّرين أنّ المراد من (المصيبة) هو الفضيحة التي تلحق بالمنافقين، أو المصائب التي تصيبهم بأمر الله سبحانه (كالمآسي والمحن الغير المتوقعة)

ب. الثّانية: إنّ مقصود المنافقين من (الإحسان) هل هو الإحسان إلى طرفي الدعوى، أو إلى النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم؟ يمكن أن يكون مرادهم كلا الأمرين، فهم تذرعوا بحجج مضحكة لتحاكمهم إلى الطاغوت والرجوع إلى الأجانب، من جملتها أنّهم كانوا يقولون: إنّ التحاكم إلى الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يناسب شأنه ولا يليق بمقامه، لأنّ الغالب أن يحصل شجار وصياح في محضر القضاة ومن جانب المتداعيين، وذلك أمر لا يناسب شأن النّبي ولا يليق بمكانته ومحضره، هذا مضافا إلى أنّ القضاء ينتهي دائما إلى الإضرار بأحد الطرفين، ولذلك فهو يثير حفيظته وعداوته ضد القاضي والحاكم، وكأنّهم بأمثال هذه الحجج الواهية والأعذار الموهونة، كانوا يحاولون تبرئة أنفسهم وتبرير مواقفهم الباطلة، وادعاء أنّ تحاكمهم إلى غير النّبي كان بهدف التخفيف عن النّبي، وربّما اعتذروا لذلك قائلين: إنّ هدفنا لم يكن ماديا في الأساس، بل كان التوصل إلى وفاق بين المتداعيين.

4. لكن كشف سبحانه في الآية الثّالثة النقاب عن وجههم، وأبطل هذه التبريرات الكاذبة وقال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ﴾، لكنّه سبحانه يأمر نبيّه مع ذلك أن ينصرف عن مجازاتهم وعقوبتهم فيقول: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾

5. ولقد كان رسول الله يداري المنافقين ما أمكنه لأجل تظاهرهم بالإسلام، لأنّه كان مأمورا بالتعامل معهم على حسب ظواهرهم، فلم يكن يجازيهم إلّا في بعض الموارد الاستثنائية، لأنّهم كانوا بين صفوف المسلمين ـ في الظاهر ـ فكانت مجازاتهم يمكن أن تحمل على أنها نشأت من أغراض شخصية.

6. ثمّ إنّه سبحانه يأمر النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يعظهم، وأن ينفذ إلى قلوبهم بالقول البالغ، والعظة المؤثرة، يذكرهم بنتائج أعمالهم: ﴿وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/300.

62. الرسول والهداية والاستغفار

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈62⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ [النساء: 64]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن جبير:

روي عن سعيد بن جبير (ت 95 هـ) أنّه قال: الاستغفار على نحوين: أحدهما في القول، والآخر في العمل؛ فأما استغفار القول فإن الله يقول: ﴿ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول﴾، وأما استغفار العمل فإن الله يقول: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٣]، فعنى بذلك: أن يعملوا عمل الغفران، ولقد علمت أن أناسا سيدخلون النار وهم يستغفرون الله بألسنتهم، ممن يدعي بالإسلام، ومن سائر الملل(1).

__________

(1) ابن المنذر (١٩٥٥.

مجاهد:

روي عن مجاهد (ت 104 هـ) أنّه قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾، قال واجب لهم أن يطيعهم من شاء الله، لا يطيعهم أحد إلا بإذن الله(1).

__________

(1) تفسير مجاهد ص ٢٨٥.

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) أنّه قال: قال: لقد خاطب الله الإمام علي في كتابه، قال قلت: في أي موضع؟ قال: في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فيما تعاقدوا عليه، لئن أمات الله محمدا ألا يردوا هذا الأمر في بني هاشم ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ عليهم من القتل أو العفو ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(1).

__________

(1) الكافي 1/322.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) أنّه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يعني ـ والله ـ فلانا وفلانا ﴿وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ثم جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ يعني ـ والله ـ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والإمام علي مما صنعوا، أي لو جاءوك بها يا علي فاستغفروا الله مما صنعوا واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ فقال الإمام الصادق ـ هو والله علي عليه السلام بعينه ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ على لسانك يا رسول الله، يعني به من ولاية علي عليه السلام ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ للإمام علي(1).

__________

(1) الكافي 8/334.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ يعني: إلا لكي يطاع، ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ يقول: لا يطيعه أحد حتى يأذن الله عز وجل له في طاعة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ بالذنوب، يعني: حين لم يرضوا بقضائك جاءوك، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ﴾ من ذنوبهم، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٦.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ قيل: تأويله: أنه ما أرسل رسولا في الأمم السالفة إلا ليطيعوه، فكيف تركتم أنتم طاعة الرسول الذي أرسل إليكم.

2. وقوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ما أرسل الله رسولا إلا وقد أمرهم أن يطيعوه، لكن منهم من قد أطاعه، ومنهم من لم يطع.

3. يحتمل قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وجوها:

أ. قيل: ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بمشيئة الله‏.

ب. وقيل: ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بأمر الله‏.

ج. وقيل: ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بعلم الله‏.

4. ومن قال ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، بمشيئة الله؛ أي: من أطاع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إنما يطيعه بمشيئته، وكذلك من عصاه إنما يعصيه بمشيئته، من أطاعه أو عصاه فإنما ذلك كله بمشيئة الله، ومن‏ تأول: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ العلم، يقول: إنه يعلم من يطيعه ومن يعصيه، أي: كل ذلك إنما يكون بعلمه، لا عن غفلة منه وسهو، كصنيع ملوك الأرض أن ما يستقبلهم من العصيان والخلاف إنما يستقبلهم [لغفلة] منهم وسهو بالعواقب، فأما الله سبحانه وتعالى إذا بعث رسلا بعث على علم منه بالطاعة لهم وبالمعصية، لكنه‏ بعثهم لما لا ينفعه طاعة أحد؛ ولا يضره معصية أحد، فإنما ضرّ ذلك عليهم، ونفعه لهم.

5. قالت المعتزلة في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾: أخبر أنه ما أرسل الرسل إلا لتطاع، ومن الرسل من لم يطع؛ كيف لا تبينتم أن من الفعل ما قد أراد عزّ وجل أن يفعل، وأن يكون، ولكن لم يكن على ما أخبر أنه ما أرسل من‏ أرسل ليطاع، ولم يطعه الكل ما يبعد أن يكون أراد ليطاع وإن كان لا يطيعه الكل، فقلنا: إذا قال ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، والإذن يتوجه إلى ما ذكرت؛ فعلى ما ذكرت كان ليطاع ممن يطيعه لا غير؛ فحصل الأمر على الدعوى، وهو كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾ [الذاريات: 56] ومعلوم أن الصغار منهم لا يعبدون، فخرج الخبر إلى الخصوص بالوجود، لا أن كان في كل أمر؛ فعلى ذلك أمر الإرادة فيمن وجد، لا أنه في كل على أنه فيه بعلم، وهو يرجع إلى بعض دون الكل، فمثله الإذن على إرادة المشيئة

6. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي: علموا أن حاصل ظلمهم راجع إليهم؛ لأن الظلم هو وضع الشيء في غير موضعه، وهم وضعوا أنفسهم في غير موضعها، فإذا لم يعرفوا أنفسهم لم يعرفوا خالقها.

7. ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ أي: جاءوك مسلمين، تائبين عن التحاكم إلى غيرك، راضين بقضائك، نادمين على ما كان منهم، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أي: تشفع‏ لهم الرسول، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أي: قابلا لتوبتهم.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/240.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. (ما) في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾ نافية فلذلك قال: (من رسول)، لأن (من) لا تزاد في الإيجاب، وزيادتها تؤذن باستغراق الكلام كقولك: ما جاءني من أحد، والتقدير في الآية: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع، فيمتثل ما نأمره به، والذي اقتضى ذكر طاعة الرسول إعراض هؤلاء المنافقين ـ الذين تحاكموا إلى الطاغوت ـ عن طاعته، وهم يزعمون أنهم يؤمنون به حتى كأنه قد قيل لهم: من الايمان أن لا تطيعوه في كل ما يدعو إليه، فبين الله تعالى أنه كغيره من الرسل الذي ما أرسل إلا ليطاع.

2. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ معناه بأمر الله الذي دل على وجوب طاعتهم، والاذن على وجوه:

أ. يكون بمعنى اللطف، كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

ب. ومنها الأمر مثل هذه الآية.

ج. ومنها التخلية نحو ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ معناه إذ بخسوها حقها بإدخال الضرر عليها بالفعل المعصية من استحقاق العقاب، وتفويت الثواب بفعل الطاعة.

3. موضع (أنهم) رفع، والمعنى لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم‏ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ و(لو) موضوعة للفعل، لما فيها من معنى الجزاء تقول: لو كان كذا، لكان كذا، ولا يقع بعدها إلا (أن)، وإنما أجيز في (أن) خاصة أن تقع بعدها، لأنها كالفعل في إفادة معنى الجملة، وفتحت (ان) لأنها مبنية على (لو) بترتيبها على نحو ترتيبها بعد العامل فيها.

4. في الآية دلالة على بطلان مذهب المجبرة: من أن الله تعالى يريد أن يعصي الأنبياء قوم ويطيعهم آخرون، لأنه تعالى بين أنه ما أرسلهم إلا ليطاعوا، واللام لام الغرض ومعناه إلا وأراد من المبعوث إليهم أن يطيعوا، وذلك خلاف مذهبهم.

5. وفيها أيضاً دلالة على أن من كان مرتكباً لكبيرة يجب أن يستغفر الله فان الله سيتوب عليه ويقبل توبته، ولا ينبغي لأحد أن يستغفر مع كونه مصراً على المعصية بل ينبغي أن يتوب ويندم على ما فعل ويعزم على أن لا يعود إلى مثله ثم يستغفر باللسان ليتوب الله عليه.

6. قوله تعالى: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾ يحتمل أمرين:

أ. أحدهما: لوجدوا مغفرة الله لذنوبهم ورحمته إياهم.

ب. الثاني: لعلموا الله تواباً رحيما، والوجدان قد يكون بمعنى الإدراك، فلا يجوز عليه تعالى أنه تعالى غير مدرك في نفسه.

7. ذكر الحسن في هذه الآية: أن اثني عشر رجلا من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق وائتمروا به فيما بينهم، فأخبره الله بذلك، وقد دخلوا على رسول الله، فقال رسول الله: إن اثني عشر رجلا من المنافقين اجتمعوا على أمر من النفاق، وائتمروا به فيما بينهم، فليقم أولئك فليستغفروا ربهم، وليعترفوا بذنوبهم حتى اشفع لهم، فلم يقم أحد، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ألا تقومون؟ ـ مراراً ـ، ثم قال قم يا فلان وأنت يا فلان، فقالوا يا رسول الله نحن نستغفر الله ونتوب إليه، فاشفع لنا، قال: الآن أنا كنت في أول أمركم أطيب نفساً بالشفاعة، وكان الله تعالى أسرع إلى الاجابة أخرجوا عني، فأخرجوا عنه حتى لم يرهم.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/244.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الاستغفار: طلب المغفرة، والمغفرة أصله الستر، كأنه بالعفو يستر الذنب، ومنه المِغْفَر؛ لأنه يستر الرأس.

ب. الإذن أصله من الإعلام، ومنه الأذان، ومنه ﴿وَأَذَانٌ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ﴾ ومنه ﴿فَقُلْ آذَنْتُكُمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾ ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ﴾ ثم يستعمل على وجوه منها:

بمعنى اللطف كقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾

ومنها: بمعنى الأمر وهو المراد بالآية.

ومنها: التخلية كقولهم ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللهِ﴾

ومنها: بمعنى العلم.

2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. قيل: نزلت في الَّذِينَ احتكموا إلى الطاغوت.

ب. وقيل: إن قومًا من المنافقين ائتمروا على أمر مكيدة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأتاه جبريل وأخبره، فقال: إن قومًا دخلوا يريدون أمرًا لا ينالونه فليقوموا فليستغفروا الله حتى أستغفرَ لهم، فقال: ألا تقومون؟ فلم يفعلوا، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا فلان قم، يا فلان قم، حتى عد اثني عشر رجلاً، فقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا، فاستغفرْ لنا، فقال: (الآن عني اخرجوا أنا كنت في بادئ الأمر أقرب إلى الاستغفار، وكان الله أقرب إلى الإجابة اخرجوا عني)، حكاه الأصم.

3. لما حكى الله تعالى عصيانهم للرسول، وردهم حكمه عقبه بالتوبيخ لهم، وأن غرضه من البعثة القبول عنه لا الرد، فقال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ يعني القصد والغرض من الإرسال أن يطاع الرسول، ويقبل منه، ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ بأمره.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾:

أ. قيل: يعني هَؤُلَاءِ المنافقين الَّذِينَ احتكموا إلى الطاغوت.

ب. وقيل: أراد المنافق المقتول عن الأصم.

ج. وقيل: الَّذِينَ جادلوا عن الكفار الكافر المعاند للرسول.

5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾:

أ. قيل: ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ باكتسابهم الذنب العظيم واحتكامهم إلى الطاغوت ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبين مؤمنين مخلصين ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ﴾ طلبوا المغفرة بالتوبة ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أي سأل لهم المغفرة ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا﴾ قابلاً لتوبتهم ﴿رَحِيمًا﴾ بهم.

ب. وقيل: لو أنهم إذ ظلموا أنفسهم بالإعراض عنك جاءوك مقبلين عليك مؤمنين بك، واستشفعوا بك إلينا، لأقلنا عثرتهم، ولغفرنا زلتهم.

ج. وقيل: لوجدوا الله: لعلموا أن الله يقبل توبتهم ويغفر ذنبهم؛ لأن الواجد قد يكون بمعنى العلم، وقد يكون بمعنى الإدراك عن أبي علي.

6. تدل الآية الكريمة على:

أ. أن الغرض والمقصود من البعثة أن يطاع، فيبطل قول الْمُجْبِرَةِ: إن الغرض ممن لا يؤمن به الرد والعصيان، بل قد يبعث نبيًا والغرض ألا يقبل منه ألبتة، بل الغرض أن يعصى، وهذا خلاف الكتاب.

ب. أن مع كل رسول شريعة؛ لأن ظاهر القول يقتضي ذلك، ولو كانوا يدعون إلى العقليات لكان هم وغيرهم سواء، فلا يكون للرسول اختصاص.

ج. أن العاصي قد ظلم نفسه بعصيانه، وتدل أن الظلم فعلهم، وكذلك الاستغفار، فيبطل قول الْمُجْبِرَةِ في المخلوق، ويدل على ذلك قوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾؛ لأنه لو خلق الطاعة عندهم أطيع وإن خلق المعصية عصي، والأمر موقوف على خلقه لا على البعثة.

د. وجوب التلافي بالتوبة، وإنه إذا تاب غفر له.

هـ. أن مجرد الاستغفار لا يكفي؛ لأنه ما لم يتب لا يستغفر لهم الرسول.

و. أن الرسول يشفع للتائبين، فيبطل قول من يقول: لا فائدة في شفاعة التائبين.

ز. أنه تعالى يقبل التوبة حالاً بعد حال؛ لأن قوله تعالى: ﴿تَوَّابًا﴾ ينبئ عن ذلك.

7. مسائل لغوية ونحوية:

أ. موضع ﴿أَنّ﴾ من قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ رفع على معنى لو وقع مجيئهم في وقت ظلمهم مع استغفارهم لوجدوا الله توابًا رحيمًا.

ب. ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أدغمت الذال في الظاء؛ لأنهما من مخرج واحد ﴿لَوَجَدُوا﴾ أدخلت اللام؛ لأنها جواب لقوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/686

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لامهم سبحانه على ردهم أمره، وذكر أن غرضه من البعثة الطاعة، فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾: أي لم نرسل رسولا من رسلنا ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ عني به أن الغرض من الإرسال أن يطاع الرسول، ويمتثل بما يأمر به، وإنما اقتضى ذكر طاعة الرسول هنا أن هؤلاء المنافقين الذين يتحاكمون إلى الطاغوت، زعموا أنهم يؤمنون به، وأعرضوا عن طاعته، فبين الله أنه لم يرسل رسولا إلا ليطاع.

2. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾: أي بأمر الله الذي دل به على وجوب طاعتهم، والاذن على وجوه:

أ. أحدها: يكون بمعنى اللطف كقوله ﴿وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

ب. وثانيها: بمعنى التخلية كقوله تعالى: ﴿وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾

ج. وثالثها: بمعنى الامر كما في الآية.

3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾:

أ. قيل: أي بخسوها حقها بإدخال الضرر عليها بفعل المعصية، من استحقاق العقاب، وتفويت الثواب، بفعل الطاعة.

ب. وقيل: ظلموا أنفسهم بالكفر والنفاق.

4. ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبين مقبلين عليك، مؤمنين بك، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لذنوبهم، ونزعوا عما هم عليه، ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ رجع من لفظ الخطاب في قوله: ﴿جَاءُوكَ﴾ إلى لفظ الغيبة، جريا على عادة العرب المألوفة، واستغفرت لهم يا محمد ذنوبهم: أي سألت الله أن يغفر لهم ذنوبهم، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ﴾ هذا يحتمل معنيين:

أ. أحدهما: لوجدوا مغفرة الله لذنوبهم، ورحمته إياهم.

ب. والثاني: لعلموا الله توابا رحيما، والوجدان يكون بمعنى العلم، وبمعنى الادراك، فلا يجوز أن يكون على ظاهره هنا بمعنى الادراك، لأنه سبحانه غير مدرك في نفسه.

5. ﴿تَوَّابًا﴾: أي قابلا لتوبتهم ﴿رَحِيمًا﴾ بهم في التجاوز عما قد سلف منهم.

6. في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ أوكد دلالة على بطلان مذهب المجبرة، والقائلين بأن الله يريد أن يعصي أنبياءه قوم، ويطيعهم آخرون.

7. ذكر الحسن في هذه الآية أن اثني عشر رجلا من المنافقين، ائتمروا فيما بينهم، واجتمعوا على أمر مكيدة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأتاه جبرائيل، فأخبره بها، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إن قوما دخلوا يريدون أمرا لا ينالونه فليقوموا وليستغفروا الله وليعترفوا بذلك حتى أشفع لهم)، فلم يقوموا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مرارا: ألا تقومون؟ فلم يقم أحد منهم، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: قم يا فلان، قم يا فلان، حتى عد اثني عشر رجلا، فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا، فاشفع لنا، فقال: الآن أخرجوا عني، أنا كنت في أول أمركم أطيب نفسا بالشفاعة، وكان الله أسرع إلى الإجابة، فخرجوا عنه حتى لم يرهم.

8. في الآية دلالة على أن مرتكب الكبيرة، يجب عليه الاستغفار، فإن الله سيتوب عليه بأن يقبل توبته، ويدل أيضا على أن مجرد الاستغفار لا يكفي مع كونه مصرا على المعصية، لأنه لم يكن ليستغفر لهم الرسول، ما لم يتوبوا، بل ينبغي أن يتوب ويندم على ما فعله، ويعزم في القلب على أن لا يعود أبدا إلى مثله، ثم يستغفر الله باللسان، ليتوب الله عليه.

9. مسائل لغوية ونحوية:

أ. (ما) في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا﴾: نافية فلذلك قال ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ لان من لا تزاد في الإيجاب، وزيادتها تؤذن باستغراق الكلام كقولك: ما جاءني من أحد.

ب. (لو) موضوعة للفعل لما فيها من معنى الجزاء، تقول: لو كان كذا لكان كذا، ولا تأتي بعدها إلا أن خاصة، وإنما أجيز في أن خاصة أن تقع بعدها، لأنها كالفعل في إفادة التأكيد، فموضع أن بعد لو مع اسمها وخبرها، رفع بكونه فاعل الفعل المضمر بعد لو، وتقديره لو وقع أنهم جاؤوك وقت ظلمهم أنفسهم: أي لو وقع مجيئهم.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/105.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ قال الزجّاج: (من) دخلت للتّوكيد، والمعنى: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع.

2. في قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ قولان:

أ. أحدهما: أنه بمعنى: الأمر، قاله ابن عباس.

ب. الثاني: أنه الإذن نفسه، قاله مجاهد، وقال الزجّاج: المعنى: إلا ليطاع بأنّ الله أذن له في ذلك.

3. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ يرجع إلى المتحاكمين اللذين سبق ذكرهما، قال ابن عباس: ظلموا أنفسهم بسخطهم قضاء الرّسول: ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ من صنيعهم.

__________

(1) زاد المسير: 1/428.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما أمر الله تعالى بطاعة الرسول في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ ثم حكى أن بعضهم تحاكم إلى الطاغوت ولم يتحاكم إلى الرسول، وبين قبح طريقه وفساد منهجه، رغب في هذه الآية مرة أخرى في طاعة الرسول فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، قال الزجاج كلمة (من) هاهنا صلة زائدة، والتقدير: وما أرسلنا رسولا، ويمكن أن يكون التقدير: وما أرسلنا من هذا الجنس أحدا الا كذا وكذا، وعلى هذا التقدير تكون المبالغة أتم.

2. قال أبو علي الجبائي: (معنى الآية: وما أرسلت من رسول إلا وأنا مريد أن يطاع ويصدق ولم أرسله ليعصى، وهذا يدل على بطلان مذهب المجبرة لأنهم يقولون: انه تعالى أرسل رسلا لتعصى، والعاصي من المعلوم أنه يبقى على الكفر، وقد نص الله على كذبهم في هذه الآية، فلو لم يكن في القرآن ما يدل على بطلان قولهم إلا هذه الآية لكفى، وكان يجب على قولهم أن يكون قد أرسل الرسل ليطاعوا وليعصوا جميعا، فدل ذلك على أن معصيتهم للرسول غير مرادة لله، وأنه تعالى ما أراد ألا أن يطاع)، وهذا الاستدلال في غاية الضعف وبيانه من وجوه:

أ. الأول: ان قوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ يكفي في تحقيق مفهومه أن يطيعه مطيع واحد في وقت واحد، وليس من شرط تحقق مفهومه أن يطيعه جميع الناس في جميع الأوقات، وعلى هذا التقدير فنحن نقول بموجبه: وهو أن كل من أرسله الله تعالى فقد أطاعه بعض الناس في بعض الأوقات، اللهم الا أن يقال: تخصيص الشيء بالذكر يدل على نفي الحكم عما عداه، الا أن الجبائي لا يقول بذلك، فسقط هذا الأشكال على جميع التقديرات.

ب. الثاني: لم لا يجوز أن يكون المراد به ان كل كافر فإنه لا بد وأن يقربه عند موته، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ﴾ [النساء: 159] أو يحمل ذلك على إيمان الكل به يوم القيامة، ومن المعلوم أن الوصف في جانب الثبوت يكفي في حصول مسماه ثبوته في بعض الصور وفي بعض الأحوال.

ج. الثالث: أن العلم بعدم الطاعة مع وجود الطاعة متضادان، والضدان لا يجتمعان، وذلك العلم ممتنع العدم، فكانت الطاعة ممتنعة الوجود، والله عالم بجميع المعلومات، فكان عالما بكون الطاعة ممتنعة الوجود، والعالم بكون الشيء ممتنع الوجود لا يكون مريدا له، فثبت بهذا البرهان القاطع أن يستحيل أن يريد الله من الكافر كونه مطيعا، فوجب تأويل هذه اللفظة وهو أن يكون المراد من الكلام ليس الإرادة بل الأمر، والتقدير: وما أرسلنا من رسول إلا ليأمر الناس بطاعته، وعلى هذا التقدير سقط الأشكال.

3. قال أهل السنة ـ ومن وافقهم ـ: الآية دالة على أنه لا يوجد شيء من الخير والشر والكفر والايمان والطاعة والعصيان إلا بارادة الله تعالى، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، ولا يمكن أن يكون المراد من هذا الاذن الأمر والتكليف، لأنه لا معنى لكونه رسولا الا أن الله أمر بطاعته، فلو كان المراد من الاذن هو هذا لصار تقدير الآية: وما أذنا في طاعة من أرسلناه الا باذننا وهو تكرار قبيح، فوجب حمل الاذن على التوفيق والإعانة، وعلى هذا الوجه فيصير تقدير الآية: وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بتوفيقنا وإعانتنا، وهذا تصريح بأنه سبحانه ما أراد من الكل طاعة الرسول، بل لا يريد ذلك الا من الذي وفقه الله لذلك وأعانه عليه وهم المؤمنون، وأما المحرومون من التوفيق والإعانة فالله تعالى ما أراد ذلك منهم، فثبت أن هذه الآية من أقوى الدلائل على مذهبنا.

4. الآية دالة على أنه لا رسول إلا ومعه شريعة ليكون مطاعا في تلك الشريعة ومتبوعا فيها، إذ لو كان لا يدعو إلا إلى شرع من كان قبله لم يكن هو في الحقيقة مطاعا، بل كان المطاع هو الرسول المتقدم الذي هو الواضع لتلك الشريعة، والله تعالى حكم على كل رسول بأنه مطاع.

5. الآية دالة على أن الأنبياء عليهم السلام معصومون عن المعاصي والذنوب لأنها دلت على وجوب طاعتهم مطلقا، فلو أتوا بمعصية لوجب علينا الاقتداء بهم في تلك المعصية فتصير تلك المعصية واجبة علينا، وكونها معصية يوجب كونها محرمة علينا، فيلزم توارد الإيجاب والتحريم على الشيء الواحد وإنه محال، سؤال وإشكال: ألستم في الاعتراض على كلام الجبائي ذكرتم أن قوله: ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ لا يفيد العموم، فكيف تمسكتم به في هذه المسألة مع أن هذا الاستدلال لا يتم إلا مع القول بأنها تفيد العموم؟ والجواب: ظاهر اللفظ يوهم العموم، وإنما تركنا العموم في تلك المسألة للدليل العقلي القاطع الذي ذكرناه على أنه يستحيل منه تعالى أن يريد الايمان من الكافر، فلأجل ذلك المعارض القاطع صرفنا الظاهر عن العموم، وليس في هذه المسألة برهان قاطع عقلي يوجب القدح في عصمة الأنبياء فظهر الفرق.

6. في سبب النزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وجهان:

أ. الأول: المراد به من تقدم ذكره من المنافقين، يعني لو أنهم عندما ظلموا أنفسهم بالتحاكم إلى الطاغوت والفرار من التحاكم إلى الرسول جاؤوا الرسول وأظهروا الندم على ما فعلوه وتابوا عنه واستغفروا منه واستغفر لهم الرسول بأن يسأل الله أن يغفرها لهم عند توبتهم لوجدوا الله توابا رحيما.

ب. الثاني: قال أبو بكر الأصم: إن قوما من المنافقين اصطلحوا على كيد في حق الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ثم دخلوا عليه لأجل ذلك الغرض فأتاه جبريل عليه السلام فأخبره به، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم إن قوما دخلوا يريدون أمرا لا ينالونه، فليقوموا وليستغفروا الله حتى أستغفر لهم فلم يقوموا، فقال: ألا تقومون، فلم يفعلوا فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم قم يا فلان قم يا فلان حتى عد اثنى عشر رجلا منهم، فقاموا وقالوا: كنا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله من ظلمنا أنفسنا فاستغفر لنا، فقال: الآن اخرجوا أنا كنت في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار: وكان الله أقرب إلى الاجابة اخرجوا عني.

7. سؤال وإشكال: أليس لو استغفروا الله وتابوا على وجه صحيح لكانت توبتهم مقبولة، فما الفائدة في ضم استغفار الرسول إلى استغفارهم؟ والجواب: عنه من وجوه:

أ. الأول: أن ذلك التحاكم إلى الطاغوت كان مخالفة لحكم الله، وكان أيضا إساءة إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وإدخالا للغم في قلبه، ومن كان ذنبه كذلك وجب عليه الاعتذار عن ذلك الذنب لغيره، فلهذا المعنى وجب عليهم أن يطلبوا من الرسول أن يستغفر لهم.

ب. الثاني: أن القوم لما لم يرضوا بحكم الرسول ظهر منهم ذلك التمر، فإذا تابوا وجب عليهم أن يفعلوا ما يزيل عنهم ذلك التمرد، وما ذاك إلا بأن يذهبوا إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ويطلبوا منه الاستغفار.

ج. الثالث: لعلهم إذا أتوا بالتوبة أتوا بها على وجه الخلل، فإذا انضم إليها استغفار الرسول صارت مستحقة للقبول.

8. إنما قال: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ولم يقل واستغفرت لهم إجلالا للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأنهم إذا جاءوه فقد جاؤوا من خصه الله برسالته وأكرمه بوحيه وجعله سفيرا بينه وبين خلقه، ومن كان كذلك فان الله لا يرد شفاعته، فكانت الفائدة في العدول عن لفظ الخطاب إلى لفظ المغايبة ما ذكرناه.

9. الآية دالة على الجزم بأن الله تعالى يقبل توبة التائب، لأنه تعالى لما ذكر عنهم الاستغفار قال بعده: ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وهذا الجواب إنما ينطلق على ذلك الكلام إذا كان المراد من قوله: ﴿تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ هو أن يقبل توبتهم ويرحم تضرعهم ولا يرد استغفارهم.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/125.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة للتوكيد، ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ فيما أمر به ونهى عنه، ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ يعلم الله، وقيل: بتوفيق الله.

2. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ روى أبو صادق عن علي قال: قدم علينا أعرابي بعد ما دفنا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بثلاثة أيام، فرمى بنفسه على قبر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وحثا على رأسه من ترابه، فقال: قلت يا رسول الله فسمعنا قولك، ووعيت عن الله فوعينا عنك، وكان فيما أنزل الله عليك ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ الآية، وقد ظلمت نفسي وجئتك تستغفر لي، فنودي من القبر إنه قد غفر لك.

3. معنى ﴿لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أي قابلا لتوبتهم، وهما مفعولان لا غير.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/266.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ ﴿مِنْ﴾ زائدة للتوكيد ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ﴾ فيما أمر به ونهى عنه ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ بعلمه، وقيل: بتوفيقه.

2. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بترك طاعتك والتحاكم إلى غيرك ﴿جاؤُكَ﴾ متوسلين إليك، متنصلين عن جناياتهم ومخالفتهم ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ لذنوبهم، وتضرعوا إليك حتى قمت شفيعا لهم فاستغفرت لهم، وإنما قال ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ على طريقة الالتفات، لقصد التفخيم لشأن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أي: كثير التوبة عليهم، والرحمة لهم.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/558.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَآ أَرْسَلنَا مِن رَّسُولٍ اِلَّا لِيُطَاعَ﴾ في الواجب والمباح، وكذا الأمراء الْمُحِقُّون، وقيل: لا تجب طاعة الأمراء في المباح والمندوب إليه، وقيل تجب إن لم تكن فيهما مضرَّة، ﴿بِإِذْنِ اللهِ﴾ بأمر الله، أو فيما أمر الله به، وهذا رسولنا لم يطيعوه في حكمه الذي أمره الله به، أو اجتهد، ومن لم يطعه فهو كافر لم يؤمن برسالته، وذِكْرُ الإرسال مغنٍ عن أن يقال المعنى: وما أرسلنا بإذن الله ـ أي: بشريعته ـ من رسول إِلَّا ليطاع.

2. ﴿وَلَوَ اَنَّهُمُ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ﴾ بالنفاق وتوابعه، من عدم الرضا بحكمه كما مَرَّ، ومن الدخول عليه ليقتلوه موهمين الزيارة، وبالتحاكم إلى الطاغوت ﴿جَآءُوكَ فَاسْتغْفَرُواْ اللهَ﴾ من ذنوبهم مخلصين ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ مقتضى الظاهر: واستغفرت لهم، لكن ذكر الرَّسول تفخيمًا له، وتنبيها على أنَّ من شأن الرَّسول قبول العذر، ومنَّة عليهم لو قبلوها؛ لأنَّ استغفار الرَّسول عظيم، ﴿لَوَجَدُواْ اللهَ﴾ صادفوه، أو علموه؛ لأنَّهم إن تابوا أخبرهم الله بقبولها، فذلك لهم علم، ﴿تَوَّابًا﴾ قابلاً لتوبتهم ﴿رَحِيمًا﴾ متفضِّلاً عليهم بزيادة الخير.

3. روي أنَّ قوما من المنافقين دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليقتلوه، فأخبره جبريل عليه السلام ، فقال: (إن قوما دخلوا علي يريدون أمرا لا ينالونه، فليقوموا وليستغفروا الله حتَّى أستغفر لهم)، فلم يقوموا، فقال: (قوموا)، فلم يفعلوا، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (قم يا فلان، قم يا فلان)، حتَّى عدَّ اثني عشر رجلاً، فقاموا، وقالوا: (كنَّا عزمنا على ما قلت، ونحن نتوب إلى الله تعالى من ظلم أنفسنا، فاستغفر لنا)، فقال: (الآن اخرجوا، أمَا كنتُ في بدء الأمر أقرب إلى الاستغفار، وكان الله أقربَ إلى الإجابة، اخرجوا عنِّي)

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/215.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ كلام مبتدأ، جي‏ء به تمهيدا لبيان خطئهم في ترك طاعة الرسول، والاشتغال بسر جنايتهم بالاعتذار بالأباطيل وعدم تلافيها بالتوبة، أي: وما أرسلنا رسولا إلا ليطاع فيما حكم، لا ليطلب الحكم من غيره، فطاعته فرض على من أرسل إليهم، وإنكار فرضيتها كفر.

2. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي: بسبب إذنه في طاعته، وبأنه أمر المبعوث إليهم بأن يطيعوه ويتبعوه، لأنه مؤدّ عن الله، فطاعته طاعة الله، ومعصيته معصية الله‏ ﴿ومن يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ويجوز أن يراد: بتيسير الله وتوفيقه في طاعته.

3. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ هذا الظلم العظيم غاية العظم، إذ عرضوها لعذاب، على عذاب النفاق، بترك طاعتك والتحاكم إلى الطاغوت‏ ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبين من النفاق متنصلين عما ارتكبوا ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ من ذلك وتابوا إليه تعالى من صنيعهم‏ ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أي دعا لهم بالمغفرة، فكان استغفاره شفاعة لقبول استغفارهم‏ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا﴾ أي قابلا لتوبتهم‏ ﴿رَحِيمًا﴾ أي متفضلا عليهم بالرحمة وراء قبول التوبة، قال الزمخشريّ: ولم يقل: واستغفرت لهم، وعدل عنه إلى طريقة الالتفات، تفخيما لشأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وتعظيما لاستغفاره وتنبيها على أن شفاعة من اسمه الرسول، من الله بمكان، قال في (الانتصاف): وفي هذا النوع من الالتفات خصوصية، وهي اشتماله على ذكر صفة مناسبة لما أضيف إليه، وذلك زائد على الالتفات بذكر الأعلام الجامدة.

4. دلت الآية على أن توبة المنافق مقبولة عند الله وفاقا، وأما الظاهر فظاهر الآية قبولها، لأنه جعل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم مستغفرا لهم وشافعا، وعن الراضي بالله في (الباطنية): إن أظهروا شبههم وما يعتادون كتمه، دل ذلك على صدق توبتهم، فيقبل وإلا فلا، ودلت الآية على أن من تكررت منه المعصية والتوبة صحت توبته لقوله تعالى: ﴿تَوَّابًا﴾ وذلك ينبئ عن التكرار، كذا في بعض التفاسير.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/199.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الكلام متصل بما قبله متمم لسياق وجوب طاعة الله ورسوله والتشنيع على من يرغب عن التحاكم إلى الرسول، ويؤثر عليه التحاكم إلى الطاغوت، وقال محمد عبده بعدما بين تعالى ما ينبغي للرسول مع أولئك المنافقين قال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فهذا كالدليل على استحقاق أولئك المنافقين للمقت لأنهم لم يرضوا بحكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، يقول إننا أرسلنا هذا الرسول على حكمنا وسنتنا في الرسل قبله إننا لا نرسلهم إلا ليطاعوا بإذن الله تعالى، فمن صد عنهم وخرج عن طاعتهم أو رغب عن حكمهم كان خارجا عن حكمنا وسنتنا فيهم مرتكبا أكبر الآثام في ذلك.

2. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ للاحتراس لأن الطاعة في الحقيقة لله تعالى فهذا القيد من قيود القرآن المحكمة الذاهبة بظنون أن الرسول يطاع لذاته بلا شرط ولا قيد فهو عز وجل يقول إن الطاعة الذاتية ليست إلا لله تعالى رب الناس وخالقهم وقد أمر أن تطاع فطاعتهم واجبة بإذنه وإيجابه.

3. قوله تعالى: ﴿مِنْ رَسُولٍ﴾ أبلغ في استغراق النفي من أن يقال: (وما أرسلنا رسولا) فكل رسول تجب طاعته، وإيجاب طاعة الرسل تشعر بأن الرسول أخص من النبي فالرسول لابد أن يكن مقيما لشريعة.

4. فسر بعضهم الإذن بالإرادة وبعضهم بالأمر وبعضهم بالتوفيق والإعانة، وهو مما تجادل فيه الأشعرية والمعتزلة ولا مجال فيه للجدال، قال الراغب: الإذن في الشيء إعلام بإجازته والرخصة فيه نحو: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي بإرادته وأمره اه، وقوله بإرادته وأمره تفسير باللازم وإلا فالإذن في اللغة كالأذان والإيذان لما يعلم بإدراك حاسة الأذنين أي بالسمع فقوله: ﴿لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ معناه بإعلامه الذي نطق به وحيه وطرق آذانكم، كقوله في الآية السابقة التي هي أم هذا السياق: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ وما صرف الرازي عن هذا المعنى البديهي إلا انصراف ذكائه للرد على الجبائي دون فهم الآية في نفسها بما تعطيه اللغة الفصحى.

5. استدل بالآية على عصمة الأنبياء ووجهه أننا مأمورون بطاعتهم مطلقا فهي واجبة، ولو أتوا بمعصية لكنا مأمورين بطاعتهم فيها فتكون بذلك واجبة قد فرضنا أنها معصية محرمة فيلزم توارد الإيجاب والتحريم على الشيء والواحد وهو جمع بين الضدين بمعنى النقيضين، وفي هذا الاستدلال نظر فإن الآية تدل على وجوب طاعتهم فيما يأمرون أو يحكمون به الممتنع أن يحكموا أو يأمروا بخلاف ما أنزله الله تعالى عليهم، وأما أفعالهم التي لم يأمروا ولم يحكموا بها فلا تدل الآية على وجوب إتباعهم فيها وإن كانت من أكبر الطاعات في نفسها كالتهجد الذي كان مفروضا على نبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم دون المؤمنين، ومنها خصائص كتعدد الزوجات الذي أبيح له منه ما لم يبح لغيره، ومن أوامره وأحكامه ما يكون بالاجتهاد إذا لم يكن في الواقعة أو الدعوى وحي منزل، ولم يقولوا بعصمة الأنبياء من الخطأ في الاجتهاد وإنما قالوا إن الله تعالى لا يقرهم على الخطأ فيه بل يبين لهم الحق فيه وقد يعاتبهم عليه كما وقع لنبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم في مسألة أسرى بدر ومسألة الإذن لبعض المنافقين في التخلف عن غزوة تبوك، ولكن الخطأ في الاجتهاد ليس من المعصية في شيء فهو لا ينافي العصمة لأن المعصية هي مخالفة ما أمر الله تعالى به أو نهى عنه.

6. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ أي ولو أن أولئك الذين رغبوا عن حكمك إلى حكم الطاغوت عند ظلمهم لأنفسهم بذلك: ﴿جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ من ذنبهم وندموا أن اقترفوه وحسنت توبتهم ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ أي دعا الله أن يغفر لهم.

7. ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أي لتقبل الله توبتهم على هذا الوجه أتم القبول وأكمله وتغمدهم برحمته وغمرهم بإحسانه لأنه تعالى يقبل التوبة النصوح كثيرا مهما عاد صاحبها ورحمته وسعت كل شيء، هذا هو معنى صيغة المبالغة في تواب رحيم، وإنما قرن استغفارهم الذي هو عنوان توبتهم باستغفار الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لأن ذنبهم هذا لم يكن ظلما لأنفسهم فقط لم يتعد شيء منه إلى الرسول فيكفي فيه توبتهم بل تعدى إلى إيذاء الرسول من حيث إنه رسول له وحده الحق في الحكم بين المؤمنين به فكان لابد في توبتهم وندمهم على ما صدر منهم أن يظهروا ذلك للرسول ليصفح عنهم فيما اعتدوا به على حقه، ويدعو الله تعالى أن يغفر لهم إعراضهم عن حكمه.

8. من هذا البيان تعرف نكتة وضع الاسم الظاهر موضع الضمير إذ قال: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ولم يقل: (واستغفرت لهم) فإن حقه عليهم أن يتحاكموا إليه إنما كان له بأنه رسول الله وأنه مأمور بأن يحكم بين الناس بما أراه الله في وحيه وما هداه إليه في اجتهاده، ولو أنهم اعتدوا في معصيتهم على حقوقه الشخصية كأكل شيء من ماله بغير حق لقال: (واستغفرت لهم) فإن التوبة عن المعاصي المتعلقة بحقوق الناس لا تكون مقبولة ولا صحيحة إلا بعد استرضاء صاحب الحق.

9. جعل بعض المفسرين نكتة وضع الظاهر موضع الضمير إجلال منصب الرسالة والإيذان بقبول استغفار صاحب هذا المنصب الشريف وعدم رد شفاعته والظاهر ما قلناه والمنصب هو هو في شرفه وعلوه، ولكن الله لا يغفر للمنافقين إذا لم يتوبوا وإن استغفر لهم الرسول لأن الله تعالى قال له فيهم: ﴿اسْتَغْفِرْ لَهُمْ أَوْ لَا تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ إِنْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: 80] والآية ناطقة بأن التوبة الصحيحة تكون مقبولة حتما إذا كملت شرائطها، وظاهر الآية أن منها أن تكون عقب الذنب كما يدل الشرط والعطف بالفاء وهو بمعنى ﴿ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ وتقدم تفسيره.

10. ذكر محمد عبده أنه تعالى سمّى ترك طاعة الرسول ظلما للأنفس أي إفسادا لمصلحتها لأن الرسول هاد إلى مصالح الناس في دنياهم وآخرتهم، وهذا الظلم يشمل الاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك، والاستغفار هو الإقبال على الله وعزم التائب على اجتناب الذنب وعدم العود إليه مع الصدق والإخلاص لله في ذلك، وأما الاستغفار باللسان عقب الذنب من دون هذا التوجه القلبي فليس استغفارا حقيقيا.. يعني ما اعتاده الناس من تحريك اللسان بلفظ (أستغفر الله) لا يعد طلبا للمغفرة لأن الطلب الحقيقي ينشأ عن الشعور بالحاجة إلى المطلوب فلابد أن يشعر القلب أولا بألم المعصية وسوء مغبتها، وبالحاجة إلى التزكي من دنسها، ولا يكون هذا إلا بما ذكر الأستاذ من التوجه القلبي إلى الله بالصدق والإخلاص والعزم القوي على اجتناب سبب هذا الدنس وهو المعصية، وكيف يكون متألما من القذر الحسي من ألفه وعرض بدنه له إذا طلب غسله باللسان، وهو لا يترك الالتياث به ولا يدنو من الماء.

11. وقال في استغفار الرسول: إنكم تعلمون أن مشاركة الناس بعضهم لبعض في الدعاء مسنونة وإن من سنته تعالى أن يتقبل من الجماعة بأسرع مما يتقبل من الواحد فدعاء الجماعة أرجى للإجابة وإن كان كل داع موعودا بالاستجابة، وحقيقة الدعاء إظهار العبودية والخضوع له تعالى، والإجابة التي وعد بها هي الإثابة وحسن الجزاء فمتى أخلص الداعي أجاب الله دعاءه سواء كان بإعطائه ما طلب أو بغير ذلك من الأجر والثواب، وإنما كانت المشاركة في الدعاء أرجى للقبول لأن الداعين الكثيرين لشخص يؤدون هذه العبادة بسببه أي أن ذنبه يكون هو السبب في شعورهم وإحساسهم كلهم بالحاجة إلى الله تعالى والخضوع له والاتحاد المرضي عنده فكأن حاجته حاجتهم كلهم، فإذا كان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم هو الداعي والمستغفر لأولئك التائبين من ظلمهم لأنفسهم مع استغفارهم هم فذلك من اشتراك قلبه الشريف مع قلوبهم بالحاجة إلى تطهير الله لهم من دنس الذنب وطلب النجاة من عقوبته وناهيك بقرب الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من ربه والرجاء في استجابة دعائه.

12. وأما اشتراط استغفار الرسول إلى استغفارهم فمعناه أن توبتهم لا تحقق إلا إذا رضي عن توبتهم رضا كاملا بحيث يشعر قلبه الرحيم بالمؤمنين بحاجتهم إلى المغفرة لصحة توبتهم وإخلاصهم فذنبهم ذلك لا يغفر إلا بضم استغفاره صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى استغفارهم وليس كل ذنب كذلك بل يكتفي في سائر الذنوب بتوبة العبد المذنب حيث كان والإخلاص لله تعالى.

13. بينا الفرق بين هذا الذنب وغيره من الذنوب، ومنه يعلم بعد من قاس كل ذنب على ذنب الرغبة عن التحاكم إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وإيثار التحاكم إلى الطاغوت، وقاس كل مذنب بعد وفاة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم على من أعرض عن حكمه في حياته، فجعل مجيء كل مذنب إلى قبره الشريف واستغفاره عنده كمجيء من أعرضوا عن حكمه في حياته تائبين ليعفو عن حقه عليهم ويستغفر لهم.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/233.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن أوجب سبحانه فيما سلف طاعة الله وطاعة الرسول وشنع على من رغب عن التحاكم إلى الرسول وآثر عليه التحاكم إلى الطاغوت ـ ذكر هنا ما هو كالدليل على استحقاق الرسول للطاعة، وعلى استحقاق المنافقين الذين لم يقبلوا التحاكم للمقت والخذلان، لأنهم لم يرضوا بحكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

2. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي إن سنتنا في هذا الرسول كسنتنا في الرسل قبله، فما نرسلهم إلا ليطاعوا بإذن الله، فمن خرج عن طاعتهم أو رغب عن حكمهم، خرج عن حكمنا وسنتنا وارتكب أكبر الآثام، وجيء بقوله: بإذن الله، لبيان أن الطاعة الذاتية لا تكون إلا لله رب العالمين، لكنه قد أمر أن تطاع رسله فطاعتهم واجبة بإذنه وإيجابه.

3. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أي ولو أن أولئك القوم حين ظلموا أنفسهم ورغبوا عن حكمك إلى حكم الطاغوت ـ جاءوك فاستغفروا الله من ذنبهم وندموا على ما فرط منهم وتابوا توبة نصوحا ودعا لهم الرسول بالمغفرة، لتقبل الله توبتهم وغمرهم بإحسانه، فرحمته وسعت كل شيء.

4. وإنما قرن استغفار الرسول باستغفار الله، لأن ذنبهم لم يكن ظلما لأنفسهم فحسب بل تعدى إلى إيذاء الرسول من حيث إنهم أعرضوا عن حكمه وهو صاحب الحق في الحكم وحده، فكان لا بد في توبتهم وندمهم على ما فرط منهم أن يظهروا ذلك للرسول ليصفح عنهم، لأنهم اعتدوا على حقه، وليدعو لهم بالمغفرة، إذ أعرضوا عن حكمه.

5. وفي الآية إيماء إلى أن التوبة الصحيحة تقبل حتما إذا استكملت شرائطها، ومنها أن تكون عقب الذنب مباشرة، وقد سمى الله ترك طاعة الرسول ظلما للأنفس، أي إفسادا لها، لأن الرسول هو الهادي إلى مصالح الناس في الدنيا والأخرى، وهذا الظلم شامل للاعتداء والبغي والتحاكم إلى الطاغوت وغير ذلك.

6. والاستغفار لا يكون مقبولا إلا إذا ناجى العبد ربه عازما على اجتناب الذنب وعدم العودة إليه مع الصدق والإخلاص لله في ذلك ـ أما الاستغفار باللسان عقب‏ الذنب دون أن يوجد هذا التوجه بالقلب فلا يكون استغفارا معتدّا به عند الله، إذ لا بد أن يشعر القلب أوّلا بألم المعصية وسوء مغبتها، وبالحاجة إلى التزكى من دنسها، مع العزم القوىّ على اجتناب هذا الدنس، ومتى أخلص الداعي أجاب الله دعاءه بإعطائه ما طلب أو بغيره من الأجر والثواب.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/80.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. وهو يرغبهم في العودة والتوبة والاستقامة والاطمئنان إلى كنف الله وكنف رسوله.. بعد كل ما بدا منهم من الميل إلى الاحتكام إلى الطاغوت؛ ومن الصدود عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم حين يدعون إلى التحاكم إلى الله والرسول.. فالتوبة بابها مفتوح، والعودة إلى الله لم يفت أوانها بعد؛ واستغفارهم الله من الذنب، واستغفار الرسول لهم، فيه القبول، ولكنه قبل هذا كله يقرر القاعدة الأساسية: وهي أن الله قد أرسل رسله ليطاعوا ـ بإذنه ـ لا يخالف عن أمرهم، ولا ليكونوا مجرد وعاظ! ومجرد مرشدين! ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾

2. وهذه حقيقة لها وزنها.. إن الرسول ليس مجرد (واعظ) يلقي كلمته ويمضي، لتذهب في الهواء ـ بلا سلطان ـ كما يقول المخادعون عن طبيعة الدين وطبيعة الرسل؛ أو كما يفهم الذين لا يفهمون مدلول (الدين)، إن الدين منهج حياة، منهج حياة واقعية، بتشكيلاتها وتنظيماتها، وأوضاعها، وقيمها، وأخلاقها وآدابها، وعباداتها وشعائرها كذلك، وهذا كله يقضي أن يكون للرسالة سلطان، سلطان يحقق المنهج، وتخضع له النفوس خضوع طاعة وتنفيذ.

3. والله أرسل رسله ليطاعوا ـ بإذنه وفي حدود شرعه ـ في تحقيق منهج الدين، منهج الله الذي أراده لتصريف هذه الحياة، وما من رسول إلا أرسله الله، ليطاع، بإذن الله، فتكون طاعته طاعة لله.. ولم يرسل الرسل لمجرد التأثر الوجداني، والشعائر التعبدية.. فهذا وهم في فهم الدين؛ لا يستقيم مع حكمة الله من إرسال الرسل، وهي إقامة منهج معين للحياة، في واقع الحياة.. وإلا فما أهون دنيا كل وظيفة الرسول فيها أن يقف واعظا، لا يعنيه إلا أن يقول كلمته ويمضي، يستهتر بها المستهترون، ويبتذلها المبتذلون! ومن هنا كان تاريخ الإسلام كما كان.. كان دعوة وبلاغا، ونظاما وحكما، وخلاقة بعد ذلك عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تقوم بقوة الشريعة والنظام، على تنفيذ الشريعة والنظام، لتحقيق الطاعة الدائمة للرسول، وتحقيق إرادة الله من إرسال الرسول، وليست هنالك صورة أخرى يقال لها: الإسلام، أو يقال لها: الدين، إلا أن تكون طاعة للرسول، محققة في وضع وفي تنظيم، ثم تختلف أشكال هذا الوضع ما تختلف؛ ويبقى أصلها الثابت، وحقيقتها التي لا توجد بغيرها.. استسلام لمنهج الله، وتحقيق لمنهج رسول الله، وتحاكم إلى شريعة الله، وطاعة للرسول فيما بلغ عن الله، وإفراد لله ـ سبحانه ـ بالألوهية (شهادة أن لا إله إلا الله) ومن ثم إفراده بالحاكمية التي تجعل التشريع ابتداء حقا لله، لا يشاركه فيه سواه، وعدم احتكام إلى الطاغوت، في كثير ولا قليل، والرجوع إلى الله والرسول، فيما لم يرد فيه نص من القضايا المستجدة، والأحوال الطارئة؛ حين تختلف فيه العقول.

4. وأمام الذين ﴿ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بميلهم عن هذا المنهج، الفرصة التي دعا الله المنافقين إليها على عهد رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ ورغبهم فيها، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، والله تواب في كل وقت على من يتوب، والله رحيم في كل وقت على من يئوب، وهو ـ سبحانه ـ يصف نفسه بصفته، ويعد العائدين إليه، المستغفرين من الذنب، قبول التوبة وإفاضة الرحمة.. والذين يتناولهم هذا النص ابتداء، كان لديهم فرصة استغفار الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وقد انقضت فرصتها، وبقي باب الله مفتوحا لا يغلق، ووعده قائما لا ينقض، فمن أراد فليقدم، ومن عزم فليتقدم.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/696.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. وإذ يغضى الرسول عن مهاترات المهاترين، ونفاق المنافقين، وإذ يمدّ إليهم يده بالهدى والنور، فإن ذلك هو مبلغ جهده، وغاية رسالته، ولا عليه أن يقيم الكافرون على كفرهم، ويعيش المنافقون مع نفاقهم: ﴿مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾، والله سبحانه وتعالى قد ندب الرسول ليبلغ رسالة ربّه، فإذا بلّغها فقد أدّى رسالته، وكان على الناس أن يستمعوا له، ويؤمنوا بما جاءهم به، ولكن أكثر الناس لا يلقون هذه الدعوة الراشدة الكريمة إلّا بالعناد والالتواء.

2. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَحِيماً﴾ التفات إلى هؤلاء المعاندين، الذين ركبوا مركب الضلال، ليكون لهم رجعة إلى الله، ولينتهوا عما هم فيه قبل أن يهلكوا، إنهم إن راجعوا أنفسهم، وأقبلوا على الله، واستغفروه، واستجابوا لرسوله، لوجدوا ربا غفورا، يتقبل توبتهم، ويقبلهم فيمن قبل من عباده المؤمنين.. فما أوسع رحمة الله بعباده، وما أعظم فضله عليهم، يدعوهم إليه وهم شاردون، ويمدّ إليهم يده وهم معرضون.. ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/827.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ جملة معترضة في خلال الخبر عن قضية المنافق الذي تحاكم إلى الطاغوت، وهو رجوع إلى الغرض الأوّل، وهو الإنحاء عليهم في إعراضهم عن التحاكم إلى الرسول، وأنّ إعراضهم ذلك مؤذن بنفاقهم: ببيان أنّ معنى الإيمان الرضا بحكم الرسول إذ ما جاء الرسول إلّا ليطاع فكيف يعرض عنه.

2. ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ في موضع الحال من الضمير في (يطاع) أي متلبّسا في ذلك بإذن الله أي بأمره ووصايته، إذ لا تظهر فائدة الشرائع بدون امتثالها، فمن الرسل من أطيع، ومنهم من عصي تارة أو دائما، وقد عصي موسى في مواقع، وعصى عيسى في معظم أمره، ولم يعص محمد من المؤمنين به المحقّين إلّا بتأوّل، مثل ما وقع في يوم أحد إذ قال الله تعالى: ﴿وَعَصَيْتُمْ﴾ [آل عمران: 152]، وإنّما هو عصيان بتأوّل، ولكنّه اعتبر عصيانا لكونه في الواقع مخالفة لأمر الرسول، ولذلك كان أكمل مظاهر الرسالة تأييد الرسول بالسلطان، وكون السلطان في شخصه لكيلا يكون في حاجة إلى غيره، وإنّما تمّ هذا المظهر في رسالة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ولذلك وصف بأنّه نبي‏ء الملاحم، وقد ابتدأت بوارق‏ ذلك في رسالة موسى عليه السلام، ولم تستكمل، وكملت لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ﴾ [الحديد: 25] ولا أحسبه أراد برسله إلّا رسوله محمدا صلّى الله عليه وآله وسلّم وكان هو المراد من الجمع لأنّه الأكمل فيهم.

3. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، عطف على جملة ﴿فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ﴾ [النساء: 62] توبيخا لهم على تحاكمهم إذ كان ذلك عصيانا على عصيان، فإنّهم ما كفاهم أن أعرضوا عن تحكيم الرسول حتّى زادوا فصدّوا عمّن قال لهم: تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول، فلو استفاقوا حينئذ من غلوائهم لعلموا أنّ إرادتهم أن يتحاكموا إلى الكفار والكهنة جريمة يجب الاستغفار منها ولكنّهم أصرّوا واستكبروا، وفي ذكر (لو) وجعل‏ ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ جوابا لها إشارة إلى أنّهم لمّا لم يفعلوا فقد حرموا الغفران، وكان فعل هذا المنافق ظلما لنفسه، لأنّه أقحمها في معصية الله ومعصية الرسول، فجرّ لها عقاب الآخرة وعرضها لمصائب الانتقام في العاجلة.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/176.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ما قبل هذا النص الكريم كان في وجوب إطاعة الله تعالى ورسوله، ووجوب إطاعة أولى الأمر الذين ينفذون حكم الله تعالى ويقومون على رعاية شرعه، ويرجعون إليه في وفاقهم وفي اختلافهم، وكان فيما سبق أيضا بيان أن من يتركون حكم الله ورسوله، إنما يتحاكمون عند تركه إلى الظلم والطغيان؛ لأن ما جاء به الشرع هو الحق الذي لا شك فيه، وما ذا بعد الحق إلا الضلال، وما ذا بعد ترك حكم الله إلا حكم الطغيان، وفي الآيات التالية يبين سبحانه أن الالتجاء إلى حكم الله تعالى، عندما يكون الخلاف، هو من الإيمان، فمن ترك حكم الله إلى غيره عامدا مستهينا بحكم الله، أو منكرا عدالته وصلاحيته، لا يعد مؤمنا ولا يعد آخذا بحكم الرسالة.

2. ولذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ ومعنى النص السامي لا نرسل أي رسول في أي أمة، إلا كان من شأنه أن يطاع، وهذه الطاعة اللازمة على من أرسل إليهم هي بإذن الله بطاعته، فالله تعالى هو الذي بأمر بطاعته، ومن عصاه فإنما يعصى الله، ومن أطاعه فقد أطاع الله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ [النساء]، وفي الأثر الصحيح: (من أطاعنى فقد أطاع الله، ومن عصانى فقد عصى الله، ومن أطاع أميرى فقد أطاعنى، ومن عصى أميرى فقد عصانى) أي أن من يعصى الأمير المعين من قبل الرسول، أو الذي عين على مقتضى أحكام شريعته، فقد عصى الله، فليس كل أمير يعد أميرا للرسول.

3. قوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ يدل على أبلغ عموم وأبلغ استغراق، إذ تأكد الاستغراق بالتنكير وبحرف (من) وبالنفى والإثبات، وإن هذا يدل على أن الطاعة هي مقتضى الرسالة، فأساس الإيمان بالرسالة الإيمان بأن ما يبلغ إنما يبلغ عن الله تعالى، ولقد أيد سبحانه وتعالى هذا المعنى وهو التبليغ عن الله تعالى بقوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، فكل أمر يأمر به هو من الله تعالى، وكل ما ينهى عنه هو من الله تعالى، كما قال تعالى: ﴿إِنْ هُوَإِلَّا وَحْيٌ يُوحى‏﴾ [النجم‏]

4. سؤال وإشكال: ويجرنا الكلام في هذا إلى الكلام في اجتهاد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: هل طاعته واجبة فيه بإذن من الله، وبعبارة أخرى: أهو لا يخطئ فتجب الطاعة، ويكون ما ينتهى إليه في الاجتهاد هو كالموحى به؟ والجواب: عن ذلك أنه يجوز الخطأ على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في الاجتهاد في بيان بعض الأحكام، ويجوز الخطأ عليه في القضاء إذا لبس الخصوم، والخطأ الأول قد وقع فقد اجتهد مع أصحابه في معاملة الأسرى، وخطأهم الله في اجتهادهم في ذلك الموضع‏، وقد فرض صلّى الله عليه وآله وسلّم جواز الخطأ في القضاء، فقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إنكم تختصمون إلى ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من البعض الآخر، فمن قضيت له بحق أخيه، فإنما أقتطع له قطعة من النار)، ولكن الخطأ في الأحكام لا يمكن أن يقره الله تعالى عليه، بل يبينه، لسلامة النقل عن الله تعالى، وليكون كل ما يأمر به النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم حقا، وليتحقق معنى قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ما أمرتكم به فخذوه، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه)، وكذلك لا يجتهد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في قضائه‏ ويكون باطلا؛ لأنه يكون ظلما، ولا يقع منه صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقوله السابق في هذا من قبيل فرض التقصير في نفسه، كما فرض التقصير في كثير من أمره تنزها عن الغرور، وتوجيها لنا، ولعل قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لتعليم الناس قول الحق في مجلس القضاء، وليبين لهم أن إثم خطأ القاضى يقع عليهم، والقضاء لا يبرر الباطل ولا يغمط الحق، فإن أخطأ لا يحل دينا لمن كان الخطأ لمصلحته أن يأكل مال أخيه، أو يغمط حقه.

5. ذهبت الجرأة ببعض الذين يتكلمون في الفقه إلى أن ما يكون باجتهاد من النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يكون حجة، كأن النبيّ يمكن أن يقر على الخطأ في اجتهاده! وذلك كلام باطل لا يكون إلا من مستهين بمقام النبوة، وتبليغ الرسالة! ولقد قال بعض المالكية وقولهم الحق: إن كل من لم يرض بحكم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وطعن فيه ورده، فهي ردة يستتاب فاعلها، فأولى بهؤلاء أن يصمتوا ولا يتكلموا، فكلامهم تلبيس وأوهام لا تصدر عن عالم في الدين يفهم حقائقه، ويدرك معانيه!.

6. طاعة الرسول إذن واجبة في كل ما يأمر به على أنه دين واجب الأخذ به، وكل من يعاند الرسول في حكمه يكون ظالما لنفسه؛ لأنه تمرد على أمر ربه، ولأنه اختار الباطل بدل الحق، ويجب عليه التوبة والاستغفار، ولذا قال تعالى في أولئك الذين يتمردون على أحكام الرسول وقضائه.

7. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ أي لو ثبت أن أولئك الذين تحاكموا إلى الطغيان والظلم، من اليهود أو المنافقين، وظلموا أنفسهم بخروجهم عن جادة الحق وردهم الحق الثابت، جاؤوا إليك تائبين راجعين، فطلبوا غفران الله تعالى، وطلبت لهم ذلك، لعلموا علم اليقين أن الله كثير القبول للتوبة، رحيم بعباده، يفتح باب المغفرة ليدخلوه آمنين مطمئنين إليه، وما سلكوه من طريق الضلال يغفر لهم سلوكه؛ لأن الله تعالى يحب قبول التوبة ويحب المغفرة، وإن مثلهم كمثل الناقة الشاردة التي يراها صاحبها، يضع لها أسباب التقريب، فإذا عادت إليه فرح بعودتها، بيد أن أحدا من عباد الله لا ينفعه!.

8. هنا إشارات بيانية يجب التنبيه إليها:

أ. أولاها ـ أن الله تعالى سمى الذين تحاكموا إلى غير الشرع ظالمين لأنفسهم، يستوى في ذلك من حكم له ومن حكم عليه؛ لأن تحكيم الطاغى الظالم هو بث للظلم ونشر له، وإذا شاع الظلم وكثر شاع معه الفساد والاضطراب، ومن فعل ما يؤدى إلى ذلك هو ظالم لنفسه، وظالم لجماعته التي يعيش فيها.

ب. ثانيتها ـ أن الله تعالى قرن الاستغفار من الرسول بالاستغفار له، ليشير بهذا إلى أن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يقول من عند نفسه، بل يقول عن الله تعالى، ولتكريم مقام الرسالة ومقام الحاكم العادل، فإن الإعراض عنه استهانة به، والاستهانة بالحاكم العادل تؤدى إلى الفوضى وعدم استقرار الأحكام، على أن شفاعة من اسمه رسول من الله بمكان، فالالتفات كما نرى للتنبيه إلى مكانة الرسالة، وتفخيمها، ولبيان أن شفاعة الرسول بمقتضى كونه رسولا، لها مقامها من الله تعالى، وفوق ذلك أن الالتفات يؤدى إلى أن يكون الاستغفار للرسول بوصف أنه رسول، فالباعث على وجوب الاستغفار له هو أنه يبلغ رسالة الله، فترك حكمه استهانة بحكم الله، وهو رسول الله، ورسول الله له حق الكرامة الكاملة.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1740.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، المراد بإذن الله أمره جل وعلا، سؤال وإشكال: ان هذا الاخبار أشبه بتوضيح الواضح، لأن اضافة الرسول الى الله تدل بذاتها على انه أرسل كي يطاع، وإلا لم يكن للاضافة معنى، فما هو القصد، اذن من هذا البيان؟ والجواب: القصد إلقاء الحجة على المنافقين الذين عصوا الرسول، ورفضوا التحاكم اليه.. ووجه الحجة ان الله سبحانه بيّن للمنافقين وغيرهم في هذه الآية ان معصية الرسول ليست معصية له بالذات، وإنما هي معصية لله، حيث أبى إلا ان يجري الأمور على سننها: ومن هذه السنن أن يبلغ أحكامه لعباده بواسطة رسول منهم، وعلى هذا فمن عاند الرسول فيما يبلغه من أحكام الله فقد عاند الله، والى هذا المعنى يشير قوله تعالى: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، والنتيجة ان المنافقين، وكل من يعصي الله مستحقون للعقاب لأنهم عصوا الله وخالفوه.

2. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾، ظلموا أنفسهم، حيث عرضوها للعذاب والهلكة بما اقترفوا من ذنوب، وظلموا الله أيضا بتجاوز حدوده، وعصيان أوامره، وظلموا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنهم رفضوا حكمه، وارتضوا حكم الطاغوت، وأظهروا له خلاف ما يضمرون، وبالرغم من هذا كله فان الله قد فتح لهم باب التوبة، وما عليهم إلا أن يلجوه، ويطلبوا المغفرة، فان فعلوا أدخلهم في رحمته، وان استنكفوا فلا يجدون من دونه وليا ولا نصيرا.

3. سؤال وإشكال: ان قوله تعالى: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ يتنافى مع مبدأ الإسلام الذي يرفض فكرة الوسطاء بين الله والناس؟ والجواب: أجل، لا واسطة بين الله وعباده، ولكن فيما يعود الى حقوقه تعالى، والتعدي عليها، أما التعدي على حقوق الناس فالأمر اليهم، والصفح عنها يطلب منهم، لا من غيرهم.. والمنافقون قد آذوا الرسول، وتعدوا على حقه فكان لا بد في توبتهم ان يظهروا الندم له، ويطلبوا الصفح منه، وكل من أظهرت له خلاف ما تضمر فقد ظلمته، وتعديت على حقه، بل لو علمت ان (فلانا) ظن بك وصفا حسنا، وما هو فيك، وعاملك وائتمنك على أساسه، ثم تجاهلت وأغضيت ولم تلفت نظره، وعلى الأقل تتهرب منه، إذا كان كذلك فأنت ظالم له.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/368.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾، رد مطلق لجميع ما تقدمت حكايته من هؤلاء المنافقين من التحاكم إلى الطاغوت، والإعراض عن الرسول، والحلف والاعتذار بالإحسان والتوفيق، فكل ذلك مخالفة للرسول بوجه سواء كانت مصاحبة لعذر يعتذر به أم لا، وقد أوجب الله طاعته من غير قيد وشرط فإنه لم يرسله إلا ليطاع بإذن الله، وليس لأحد أن يتخيل أن المتبع من الطاعة طاعة الله، وإنما الرسول بشر ممن خلق إنما يطاع لحيازة الصلاح فإذا أحرز صلاح من دون طاعته فلا بأس بالاستبداد في إحرازه، وترك الرسول في جانب، وإلا كان إشراكا بالله، وعبادة لرسوله معه، وربما كان يلوح ذلك في أمور يكلمون فيها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول قائلهم له إذا عزم عليهم في مهمة: أبأمر من الله أم منك؟ فذكر الله سبحانه أن وجوب طاعة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وجوب مطلق، وليست إلا طاعة الله فإنها بإذنه نظير ما يفيده قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ الآية:.

2. ثم ذكر أنهم لو رجعوا إلى الله ورسوله بالتوبة حين ما خالفوا الرسول بالإعراض لكان خيرا لهم من أن يحلفوا بالله، ويلفقوا أعذارا غير موجهة لا تنفع ولا ترضي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لأن الله سبحانه يخبره بحقيقة الأمر، وذلك قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ﴾ إلى آخر الآية.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/405.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فليس لأحد أن لا يرضى بحكم الرسول، ولا يتم الإيمان بالرسول إلا باتباعه وطاعته وتحكيمه.

2. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ بطلب التحاكم إلى الطاغوت وصدودهم عنك ﴿جَاءُوكَ﴾ تائبين ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ﴾ طلبوه أن يغفر لهم ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾؛ لأنهم قد تابوا ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾؛ لأنه لو تابوا تاب عليهم ورحمهم وأخبرهم بذلك الرسول فكان هذا خيراً لهم من الحلف بالله إن أردنا إلا إحساناً وتوفيقاً.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/102.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. يتابع القرآن تأكيد الفكرة في الدور الذي أراده الله للرسول، فلم يرسل الله رسله ليكونوا مجرّد شخصيات مقدسة، يقدّم لهم الناس فروض الاحترام والتقديس والتعظيم في مظاهر عبادية واحتفالية، دون أن يكون لهم أيّ أثر عملي في حياة الناس، كما يفعل الكثيرون من العوام في علاقتهم بالأنبياء الأولياء، عند زيارتهم لهم في قبورهم ومشاهدهم، فليس هناك إلا تقديم مراسيم الخضوع والنذور والقرابين، من أجل العلاقة الذاتية التي تتوسّل إلى رغباتها بالوسائل التي يحاول الناس بها الوصول إلى أغراضهم من بعضهم البعض، ثم لا شيء بعد ذلك مما يتصل بالخط الذي يتبناه هذا النبي أو الإمام أو الوليّ؛ فذلك أمر لا علاقة له بالدور الذي يتمثله الناس في الحضور العاطفي لهذه الشخصيات في حياتهم.

2. وهذا ليس هو الدور الذي جعله الله للأنبياء في علاقة الناس بهم، بل هو دور الاتباع والطاعة لهم‏ ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ فإن الله لم يرسل أي رسول‏ ﴿إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ لتكون طاعته ـ في ما يأمر به أو ينهى عنه ـ طاعة لله، فنحن نطيعه لأن الله أذن لنا في ذلك، لا من خلال صلة شخصية أو عاطفية، وهذا خط إسلامي يرسمه الله لنا في حركة الطاعة للأشخاص في حياتنا؛ فإن الله لم يجعل لنا حرية الطاعة لأيّ كان، لئلا تختلط علينا الأمور في مسيرتنا العملية، تبعا لاختلاط أشكال الطاعة وأوضاعها في علاقاتنا العامة والخاصة، بل لا بد لنا من أن ندرس حالة أيّ شخص يطلب منا أن نطيعه، فإن كان يؤدي عن الله بحجة شرعية ثابتة، فلنا أن نطيعه من خلال أن الله أراد لنا ذلك؛ وإن لم يكن ممن يؤدي عن الله في ما يؤدّيه من شؤون الفكر والحياة، أو لم نستوثق من ذلك من خلال ما يثبت لنا من وسائل الثقة، فإن علينا أن نتوقف أو نتحفّظ لئلا نقع في أحابيل الشيطان، من حيث نريد أو لا نريد.

3. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ ثم يثير القرآن أمام موقف هؤلاء المنافقين المنحرفين الذين يحاولون أن يبرّروا أعمالهم بالباطل، إمكانية أن يتراجعوا ويصحّحوا مسارهم الطبيعي، من دون حاجة إلى اللف والدوران؛ ﴿جَاءُوكَ﴾ وذلك بأن يقفوا أمام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بعد أن ظلموا أنفسهم بمعصيتهم لله، وتمرّدهم على الرسول، ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ ليستغفروا الله ويتوبوا إليه مما عملوه حتى يستغفر لهم الرسول، ليؤكّد قبوله لهم ومسامحتهم في حقه، فيدعو الله لهم بالمغفرة، كما يدعونه ليغفر لهم، ﴿لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ وسيجدون الله عند حسن ظنهم فيتوب عليهم إذا عرف منهم صدق التوبة، ويرحمهم بمغفرته وعفوه ورضوانه، وبذلك يمكنهم أن يتخففوا من ثقل الذنوب التي أرهقت نفوسهم وظهورهم، وينطلقوا إلى الحياة خفافا من كل وزر، أطهارا من كل رجس.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/342.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في الآيات السابقة شجب القرآن الكريم التحاكم إلى حكّام الجور، وفي هذه الآية يقول سبحانه مؤكدا: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أي أنّنا بعثنا الأنبياء ليطاعوا بإذن الله وأمره ولا يخالفهم أحد، لأنّهم كانوا رسل الله وسفراءه كما كانوا رؤساء الحكومة الإلهية أيضا، وعلى هذا يجب على الناس أن يطيعوهم من جهة بيان أحكام الله ومن جهة طريقة تطبيقها، ولا يكتفوا بمجرّد ادعاء الإيمان.

2. ومن هذه العبارة يستفاد أنّ الهدف من إرسال الرسل وبعث الأنبياء هو إطاعة جميع الناس لهم، فإذا أساء بعض الناس استخدام حريتهم ولم يطيعوا الأنبياء كان اللوم متوجها إلى أنفسهم لا إلى أحد، وبهذا تنفي الآية الكريمة عقيدة الجبريين الذين يقولون: الناس صنفان: صنف كلّف بالطاعة من البدء، وصنف كلّف بالمعصية من البدء.

3. كما أنّه يستفاد من عبارة ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ أن كل ما عند الأنبياء من الله، أو بعبارة أخرى: إن وجوب طاعتهم ليس بالذات، بل هي ـ أيضا ـ بأمر الله ومن ناحيته.

4. ثمّ إنّه سبحانه يترك باب التوبة والإنابة ـ عقيب تلك الآية ـ مفتوحا على العصاة والمذنبين، وعلى الذين يراجعون الطواغيت ويتحاكمون إليهم أو يرتكبون معصية بنحو من الأنحاء، ويقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾

5. الجدير بالتأمل والانتباه إنّ القرآن يقول بدل: عصوا أمر الله وتحاكموا إلى الطاغوت: ﴿إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ﴾ وهو إشارة إلى أنّ فائدة الطاعة لأمر الله وأمر الرّسول تعود إليكم أنفسكم، وإن مخالفة ذلك نوع من الظلم توقعونه على أنفسكم، لأنّها تحطم حياتكم المادية، وتوجب تخلفكم وانحطاطكم من الناحية المعنوية.

6. إنّ هذه الآية تجيب ضمنا على كل الذين يعتبرون التوسل برسول الله أو بالإمام نوعا من الشرك، لأنّ الآية تصرح بأن التوسل بالنّبي والاستشفاع به إلى الله، وطلب الاستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر وموجب لقبول التوبة وشمول الرحمة الإلهية، فلو كانت وساطة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ودعاؤه للعصاة المتوسلين به، والاستشفاع به وطلب الاستغفار منه شركا، فكيف يمكن أن يأمر القرآن العصاة والمذنبين بمثل هذا الأمر؟ نعم، غاية ما في الباب أنّ على العصاة والمذنبين أنفسهم أن يتوبوا هم ويرجعوا عن طريق الخطأ، ثمّ يستفيدوا ـ لقبول توبتهم ـ من استغفار النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومن البديهي أنّ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ليس من شأنه أن يغفر الذنوب، بل شأنه في المقام أن يطلب من الله المغفرة خاصّة، وهذه الآية إجابة مفحمة للذين ينكرون مشروعية أو فائدة هذه الوساطات.

7. هذا والمفلت للنظر أنّ القرآن الكريم لم يقل: استغفر لهم يا رسول الله، بل قال: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ وهذا التعبير ـ لعلّه ـ إشارة إلى أن يستفيد النّبي من مقامه ومكانته ويستغفر للعصاة التائبين.

8. إنّ هذا الموضوع (أي تأثير استغفار النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم للمؤمنين) ورد في آيات أخرى من القرآن الكريم أيضا مثل الآية من سورة محمّد والآية من سورة المنافقون والآية من سورة التوبة التي تشير إلى استغفار إبراهيم لأبيه (عمّه)، والآيات الأخرى التي تنهي عن الاستغفار للمشركين، ومفهومها جواز الاستغفار للمؤمنين، كما يستفاد من بعض الروايات إن الملائكة تستغفر لجماعة من المؤمنين المذنبين عند الله (سورة غافر الآية 77، وسورة الشورى الآية 5)

9. وخلاصة القول، إنّ هناك آيات كثيرة تكشف عن هذه الحقيقة وهي إنّ الأنبياء، أو الملائكة، أو المؤمنين الصادقين الطيبين بامكانهم أن يستغفروا لبعض العصاة، وإن استغفارهم مؤثر عند الله، وهذا هو أحد معاني شفاعة النّبي أو الملائكة أو المؤمنين الطيبين للعصاة والخاطئين، ولكن الشّفاعة كما قلنا تحتاج إلى أرضية وصلاحية وأهلية في العصاة أنفسهم.

10. والعجيب أنّه يستفاد من بعض ما قاله جماعة من المفسّرين أنّهم أرادوا اعتبار استغفار النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ في الآية الكريمة ـ مرتبطا بالتجاوزات الواقعة في شؤون النّبي خاصّة لا مطلق المعاصي والذنوب، وكأنّهم أرادوا أن يقولوا: لو أنّ أحدا ظلم النّبي أو أساء إليه وجب استحلاله واسترضاؤه ليغفر الله تلك الإساءة ويتوب على ذلك التجاوز، ولكن من الواضح البيّن أن إرجاع التحاكم إلى غير النّبي ليس ظلما شخصيا يهدف به شخص النّبي، بل هي مخالفة لمنصبه الإلهي الخاص (أو بعبارة أخرى) إنّها مخالفة للأمر الإلهي، وحتى إذا كان ذلك ظلما شخصيا موجها إلى شخص‏ النّبي ـ افتراضا ـ فإن القرآن لم يقصده ولم يركز عليه، بل ركز القرآن على هذا الموضوع وهو أن ذلك التحاكم مخالفة لأمر الله وتجاهل لإرادته.

11. هذا مضافا إلى أنّنا لو ظلمنا أحدا كفانا رضاه، فما الحاجة إلى طلب استغفاره، ودعائه للمسي‏ء؟ بل وفوق ذلك كلّه، لو أننا فسّرنا الآية بمثل هذا التّفسير ـ فرضا ـ فما الذي نقوله في تلك المجموعة الكبيرة من الآيات التي تشير إلى استغفار الأنبياء، والملائكة والمؤمنين للعصاة والخاطئين؟ فهل المقام فيها مقام الحقوق الشخصية أيضا؟

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/303.

63. الإيمان والتحاكم والتسليم

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈63⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي أن نافع بن الأزرق قال لابن عباس (ت 68 هـ): أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، قال فيما أشكل عليهم، قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت زهيرا وهو يقول(1):

ç متى تشتجر قوم تقل سرواتهم... هم بيننا فهم رضا وهم عدلé

__________

(1) الطستي ـ كما في مسائل نافع بن الأزرق.

المسيب:

روي عن سعيد بن المسيب (ت 93 هـ) أنّه قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية، أنزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة، اختصما في ماء، فقضى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يسقي الأعلى، ثم الأسفل(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٩٤.

الضحاك:

روي عن الضحاك بن مزاحم (ت 102 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿حَرَجًا﴾، إثما(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، يقول: ويسلموا لقضائك وحكمك، إذعانا منهم بالطاعة، وإقرارا لك بالنبوة تسليما(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٠١.

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: التسليم: الرضا والقنوع بقضائه(1).

2. روي أنّه قال: إن مولى عثمان كان سبابة لعلي (صلوات الله عليه)، فحدثتني مولاة لهم كانت تأتينا وتألفنا أنه حين حضره الموت قال ما لي وما لهم؟ فقلت: جعلت فداك، ما آمن هذا؟ فقال: أما تسمع قول الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية، ثم قال: هيهات هيهات حتى يكون الثبات في القلب، وإن صام وصلى(2).

3. روي أنّه قال: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ مما قضى محمد وآل محمد ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾(3).

__________

(1) المحاسن: 271/364.

(2) مختصر بصائر الدرجات: 74.

(3) تفسير العيّاشي 1/256.

زيد:

روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ومعناه اختلط(1).

2. روي أنّه قال: ﴿لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ معناه ضيق(1).

__________

(1) تفسير الإمام زيد، ص 121.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: (لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان، ثم قالوا لشيء صنعه الله أو صنعه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ألا صنع خلاف الذي صنع؟ أو وجدوا ذلك في قلوبهم، لكانوا بذلك مشركين)، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ثم قال الإمام الصادق أنّه قال: (عليكم بالتسليم)(1).

2. روي أنّه سئل عن قول الله عز وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ فقال: عنى بهذا الإمام علي، وتصديق ذلك في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جاؤُكَ﴾ يعني عليا ﴿فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ يعني النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم(2).

3. روي أنّه قال: (إن أشد ما يكون عدوكم كراهية لهذا الأمر، حين تبلغ نفسه هذه) وأومأ بيده إلى حنجرته، ثم قال: إن رجلا من آل عثمان كان سبابة للإمام علي، فحدثتني مولاة له كانت تأتينا، قالت: لما احتضر قال ما لي وما لهم، قلت: جعلني الله فداك ما له قال هذا؟ فقال: لما رأى من العذاب، أما سمعت قول الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ هيهات هيهات، لا والله حتى يكون ثبات الشيء في القلب، وإن صلى وصام(3).

4. روي أنّه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلًا بَلِيغًا﴾ يعني والله فلانا وفلانا، ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ﴾ إلى قوله: ﴿تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ يعني والله النبي وعليا (صلوات الله عليهما) بما صنعوا، أي لو جاءوك بها يا علي فاستغفروا الله مما صنعوا واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ﴾ قال الإمام الصادق أنّه قال: هو ـ والله ـ علي بعينه ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ على لسانك يا رسول الله، يعني به ولاية علي ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ للإمام علي(4).

__________

(1) الكافي 1/321.

(2) مختصر بصائر الدرجات: 71.

(3) كتاب الزهد: 85/227.

(4) تفسير العيّاشي 1/255.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، يعني: اختلفوا بينهم، يقول: لا يستحقون الإيمان حتى يرضوا بحكمك فيما اختلفوا فيه من شيء(1).

2. روي أنّه قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾، يقول: لا يجدون في قلوبهم شكا مما قضيت أنه الحق(1).

3. روي أنّه قال: ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ لقضائك لهم وعليهم ﴿تَسْلِيمًا﴾(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٦.

الهادي إلى الحق:

ذكر الإمام الهادي إلى الحق (ت 298 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65]، يقول سبحانه لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم: مخبرا له عن أصحابه، مقسِما بنفسه، أن أصحابه لا يؤمنوا على حقيقة الإيمان، حتى يردوا إليه ما تشاجروا فيه، وهو ما اختلفوا فيه، ثم يرضوا بحكمه في ذلك، ولا يجدوا في صدورهم شيئاً فيه، ولا غضبا منه، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: ينفذوا حكمه ويسلموا له، ويرضوا به ولا يردوه.

__________

(1) تفسير الإمام الهادي: 1/177.

المرتضى:

ذكر الإمام المرتضى بن الهادي (ت 310 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. معنى قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: ولا يصح لهم الإيمان، ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾: من مناظرتهم، وما اختلفوا فيه من أمورهم، ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾، والحرج هو: الشك والارتياب وضيق الصدر، فإذا لم يجدوا ذلك في قلوبهم من حكمه، ولم يراجعوه في شيء من قوله، ويسلموا لذلك ـ فقد صح لهم الإيمان، وبعدت عنهم نزغات الشيطان؛ وهذا دليل على أنه قد كان مع رسول الله صلى الله عليه من إذا حكم عليه بحكم، أو أنفذ شيئا من أمور الله فيه ـ حرج صدره، وضاقت نفسه؛ فنبههم الله في ذلك، وبين لهم أنه شريطة الإيمان، ويتم عليهم فيه من الله النعمة والإحسان؛ فهذا معنى الآية وتفسيرها.

2. سؤال وإشكال: وقلت: هل كتب الله عليهم أن يقتلوا أنفسهم؟ والجواب: أولا تسمع كيف يقول عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ [النساء: 66]، ولم يقل: كتبنا؛ فأخبر سبحانه: أنه لو امتحنهم وأمرهم بشديد من الأمر ـ ما قدروا على ذلك ولا أطاقوه؛ فهذا يوجب الشكر له عز وجل عليهم؛ إذ لم يمتحنهم بمحنة تصعب، ولا بفرض منه سبحانه يغلب، ولم يكلفهم شيئا من الأمور المعضلات، التي كلفها غيرهم من القرون الخالية، والأمم السالفة؛ فيجب عليهم بتركها: اسم المعصية، ويستوجبوا من الله فيها النقمة، أو يحمدوا على فعله، ويثابوا في الآخرة على عمله؛ بل خفف عليهم الامتحان، وأوجب لهم بفعلهم المغفرة والرضوان، وقد ذكر عز وجل: أنه قد امتحن قوم موسى بقتل أنفسهم، وقيل: إنهم امتحنوا بقتال عدوهم، وحرم عليهم أن يزولوا من مصافهم، حتى يفنوا عن آخرهم؛ وكل ذلك فمحنة شديدة عظيمة؛ إذ لم يجعل لهم توبة دون فعل ما أمرهم به؛ وذلك قوله عز وجل في كتابه، يخبر عن موسى في قوله لهم: ﴿وإذ قال موسى لقومه ياقوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم﴾ [البقرة: 54]، وقد امتحن الله عز وجل: الأمم من قبل أمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم بأمور شديدة، وأسباب جليلة، وتعبدهم بفرائض خففها؛ خفف ذلك كله عن أمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ رحمة منه لهم، وإكمال حجة عليهم، وكرامة لنبيهم صلى الله عليه وعلى أهل بيته وسلم.

__________

(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/236.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله عزّ وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾:

أ. قيل: قوله: ﴿فَلَا﴾ صلة، وكذلك في كل قسم أقسم به؛ كقوله تعالى: ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1] ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1] ونحوه، كله صلة، كأنه قال أقسم وربك لا يؤمنون.

ب. وقيل: قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ ليس هو على الصلة، ولكن يقال ذلك على نفي ما تقدم من الكلام وإنكاره؛ كقول الرجل: لا والله، هو ابتداء الكلام، ولكن على نفي ما تقدم من الكلام، فعلى ذلك هذا.

2. وفيه دلالة تفضيل رسولنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم على غيره من البشر؛ لأن الإضافة إذا خرجت إلى واحد تخرج مخرج التعظيم لذلك الواحد، والتخصيص له، وإذا كانت إلى‏ جماعة تعظيما له؛ كقوله: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ﴾ [الجن: 18]، وقوله: ﴿لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [البقرة: 116]، ونحوه.

3. وقوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حاكما وإن لم يحكموه، ليس معناه ـ والله أعلم ـ: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: حتى يرضوا بحكمك وقضائك.

4. وقوله عزّ وجل: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي: اختلفوا بينهم وتنازعوا، وقوله عزّ وجل: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ‏﴾:

أ. قيل: ضيقا.

ب. وقيل: شكّا مما قضيت بينهم أنه حق‏.

ج. وقيل: إثما.

5. ثم في الآية دلالة أن الإيمان يكون بالقلب؛ لأنه قال تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في قلوبهم؛ ألا ترى أنه قال الله تعالى في آية أخرى: ﴿وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125] ذكر ضيق الصدر، وذكر ضيق الأنفس، وهو واحد؛ ألا ترى أنه قال الله عزّ وجل في آية أخرى: ﴿وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ﴾ [المائدة: 41] فهذه الآيات ترد على الكرامية قولهم؛ لأن الله تعالى قال ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ وهم يقولون: بل يؤمنون تنازعا، فتحاكما إلى الطاغوت‏.

6. ثم قيل: إن الآية نزلت في اليهودي والمنافق اللذين تنازعا، فتحاكما إلى الطاغوت، وقيل: نزلت في شأن رجل من الأنصار والزبير بن العوام كان بينهما تشاجر في الماء، فارتفعا إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال للزبير: (اسق، ثمّ أرسل الماء إلى جارك)، فغضب ذلك الرجل؛ فنزلت الآية ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية، ولا ندري كيف كانت القصّة؟ وفيم كانت؟ ثم روي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في بعض الأخبار أنّه قال: (لا يؤمن أحد حتّى أكون أحبّ إليه من نفسه، وأهله، وولده، وماله، والنّاس جميعا)

7. وقيل في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ أي: في قلوبهم‏ ﴿حَرَجًا﴾ أي: شكّا ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أنه هو الحق‏ ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ لقضائك لهم وعليهم‏ ﴿تَسْلِيمًا﴾

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/242.

العياني:

ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. معنى قوله عز وجل: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، أي فيما التبس عليهم، والمشاجرة: هي الاختلاف واللبسة، قال الشاعر:

çوهم الحكام أرباب الندى...وسراة الناس في الأمر الشجرé

__________

(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/243.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي وقع بينهم من المشاجرة وهي المنازعة والاختلاف سمي بذلك مشاجرة لتداخل بعض الكلام في بعض كتداخل الشجر بالتفافها ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ والحرج بمعنى الشك والإثم وهذه الآية نزلت في اليهودي والمنافق الذين احتكما إلى الطاغوت.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/185.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ ومعنى‏ ﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي وقع بينهم من المشاجرة وهي المنازعة والاختلاف، سمّي ذلك مشاجرة، لتداخل بعض الكلام كتداخل الشجر بالتفافها.

2. في الحرج في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ تأويلان:

أ. أحدهما: يعني شكّا وهو قول مجاهد.

ب. الثاني: يعني إثما، وهو قول الضحاك.

3. اختلف في سبب نزولها على قولين:

أ. أحدهما: أنها نزلت في المنافق واليهودي اللّذين احتكما إلى الطاغوت، وهذا قول مجاهد، والشعبي.

ب. الثاني: أنها نزلت في الزبير ورجل من الأنصار قد شهد بدرا، تخاصما إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في شراج من الحرّة كانا يسقيان به نخلا، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (اسق يا زبير ثمّ أرسل الماء إلى جارك) فغضب الأنصاري وقال: يا رسول الله آن كان ابن عمتك، فتلوّن وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى عرف أن قد ساءه، ثم قال: يا زبير: (احبس الماء إلى الجدر أو إلى الكعبين ثمّ خلّ سبيل الماء) فنزلت هذه الآية، وهذا قول عبد الله بن الزبير، وعروة، وأم سلمة.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/504.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في معنى دخول (لا) في أول الكلام في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ قولان:

أ. أحدهما: أنها رد لكلام، كأنه قيل لا الامر كما يزعمون من الايمان وهم على تلك الحال من الخلاف، ثم استؤنف قوله: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى﴾

ب. الثاني: انها توطئة للنفي الذي يأتي فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وآخره كان أوكد وأحسن، لأن النفي له صدر الكلام، وقد اقتضى القسم أن يذكر في الجواب.

2. قيل في سبب نزول هذه الآية قولان:

أ. أحدهما: أنها نزلت في الزبير ورجل من الأنصار تخاصما إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في سراح من الحركة كانا يسقيان منه نخلا لهما، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: اسق يا زبير ثم أرسل إلى جارك، فغضب الانصاري، وقال: يا رسول الله ان كان ابن عمتك!؟ فتلون وجه رسول الله حتى عرف ان قد ساءه، ثم قال: يا زبير احبس الماء إلى الجدد أو إلى الكعبين، ثم خل سبيل الماء فنزلت الآية، وقال أبو جعفر عليه السلام كانت الخصومة بين الزبير، وحاطب بن أبي بلتعة، روي ذلك عن الزبير وأم سلمة، وذهب إليه عمر بن شبه، والواقدي.

ب. وقال قوم وهو اختيار الطبري: إنها نزلت في المنافق واليهودي الذين احتكما إلى الطاغوت، قال لأن سياق الكلام بهذا أشبه.

3. ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ معناه فيما وقع بينهم من الاختلاف، تقول شجر يشجر شجراً وشجوراً وشاجره في الأمر: إذا نازعه فيه مشاجرة، وشجاراً وتشاجروا فيه: تشاحوا، وكل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض كتداخل الشجر بالتفافه.

4. في الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة، لأنه إذا وجب الرضي بفعل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فالرضا بفعل الله تعالى أولى، ولو كان خلق الكفر والمعاصي لوجب على الخلق الرضا به، وذلك خلاف الإجماع.

5. قيل في معنى الحرج قولان:

أ. أحدهما: قال مجاهد هو الشك.

ب. وقال الضحاك: الإثم، وأصل الحرج الضيق فكأنه قال ضيق شك أو اثم وكلاهما يضيق الصدر.

6. معنى الآية أن هؤلاء المنافقين لا يؤمنون حتى يحكموا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما وقع بينهم من الاختلاف، ثم لا يجدوا حرجاً مما قضى به أي لا تضيق صدورهم به، ويسلموا لما يحكم به لا يعارضونه بشيء فحينئذ يكونون مؤمنين.

7. ﴿تَسْلِيمًا﴾ مصدر مؤكد والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكرك للفعل ثانياً كأنك قلت: سلمت تسليماً ومن حق التوكيد أن يكون محققاً لما تذكرة في صدر كلامك، فإذا قلت: ضربت ضرباً، فمعناه أحدثت ضرباً احقه حقاً ولا أشك فيه، ومثله في الآية انهم يسلمون من غير شك يدخلهم فيه.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/245.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الحكم أصله المنع، ومنه سميت حَكَمَتُ الدابة، وحَكَمْتُ السفيه، وأحكمته أخذت على يده، قال جرير:

أَبنيِ حَنِيفَةَ أَحْكمُوا سُفَهاءكم... إنّي أَخَافُ عليكمُ أَنْ أَغْضبا.

ومنه الحكمة؛ لأنها تمنع الجهل، والحاكم؛ لأنه يفصل بين الحق والباطل ويمنع الظلم، وحكَّمه في كذا جعل أمره إليه، وفي الحديث: (إن الجنة للمحكمين) يعني الَّذِينَ حكموا وخيروا بين القتل والإسلام أو الكفر، فاختاروا القتل مع الإسلام.

ب. المشاجرة: المنازعة، وشجر بينهم إذا اختلف الأمر بينهم، وهو من الأشجار، واشتجروا تنازعوا يقال: شَجَرَ يَشْجُرُ شَجْرًا نحو نصر ينصر نصرًا، وشجورا أيضًا مصدر شجر، وكذلك مشاجرة وشجارًا، وأصله من الشجر، وسمي المنازعة بذلك؛ لتداخل بعض كلامهم في بعض كتداخل الشجر بالتفافه.

ج. الحرج: الإثم، والحرج: الضيق، وقيل: في قوله: (حدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج) لا ضيق، وقيل: لا إثم.

د. تسليمًا مصدر مؤكد لما قبله.

2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. قيل: نزلت في اليهود ي والمنافق اللذين احتكما إلى الطاغوت عن مجاهد والشعبي وأبي علي.. وهو الوجه؛ لأن إجراء الكلام على الاتصال أحسن من الانقطاع.

ب. وقيل: بل نزلت في الزبير ورجل من الأنصار.

ج. وقيل: حاطب بن أبي بلتعة قضى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم للزبير عليه فقال الرجل: قضى لابن عمته ولوى شدقه، فنزلت الآية عن الزبير وأم سلمة.

3. لما تقدم أنه تعالى إنما يبعث الرسول ليطاع بين أن الإيمان به هو التزام حكمه، والرضا بما أتى به، فقال تعالى: ﴿فَلَا﴾ أي ليس كما يزعمون أنهم يؤمنون مع خلافهم لك، ومحاكمتهم إلى الطاغوت ﴿وَرَبّكَ﴾ أي وخالقك ورازقك يا محمد، وهو قسم ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي لا يكونون مؤمنين بنبوتك ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ يجعلوك حكمًا أي يقرون بأن الحكم إليك.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾:

أ. قيل: فيما اختلط بينهم من أمورهم واختلفوا فيه من المنازعات.

ب. وقيل: فيما التبس عليهم حكمه في الدين عن ابن عباس.

5. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ يعني إذا حكمت بينهم لا يجدون في قلوبهم لذلك حرج:

أ. قيل: شك عن مجاهد، يعني شكًّا في أن ما قلت حق.

ب. وقيل: إثم عن الضحاك، يعني لا يأثمون بالكتاب ذلك.

ج. وقيل: ضيق عن أبي علي، وهو الأوجه، مما قضيت أو حكمت.

6. ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي ينقادوا لحكمك إذعانًا بالطاعة لك وخضوعًا لأمرك.

7. تدل الآية الكريمة على:

أ. أن من لم يؤمن بالرسول، ولم يرض بحكمه لا يكون مؤمنًا وإن آمن بِاللهِ.

ب. أن الرضا بحكمه من الإيمان خلاف قول المرجئة.

ج. أنه، صلّى الله عليه وآله وسلّم الحاكم بين الناس، كما أنه الرسول والنبي؛ لأن من الجائز رسول ليس بحاكم وحاكم ليس برسول، فجمع له الأمرين تشريفًا.

د. أن قضاءه لازم؛ لأنَّهُ إما أن يكون ابتداء شرع فيلزم، أو يحكم بعد الرفع إليه.

هـ. أن الرد على الرسول كفر.

و. أن التسليم لا يغني ما لم ينضم إليه انقياد القلب والإخلاص.

ز. استدل بعضهم بالآية على أن أوامره على الوجوب، قال القاضي: الظاهر أن قضاءه لازم، والقضاء هو الإلزام، وذلك غير الأوامر، فالآية لا تدل على ذلك.

8. مسائل لغوية ونحوية:

أ. ﴿لَا﴾ دخلت في أول الكلام قيل: لأنها رد لكلام، كأنه قيل: ليس الأمر كما يزعمون أنهم يؤمنون وهم على ما هم عليه من الخلاف، ولا يرضون بحكمك، ويصدون عنك، ثم استأنف القسم فقال: ﴿وَرَبُّكَ﴾، وقيل: لأنها توطئة للنفي الذي يأتي فيما بعد؛ لأن ذِكْرَهُ أول الكلام وآخره أوكد، وقيل ﴿لَا﴾ صلة كقوله: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾

ب. ﴿يَجِدُوا﴾ نصب عطفًا على ما بعد ﴿حَتَّى﴾، كأنه قيل: وحتى لا يجدوا، ولو لم يكن نصبا لقيل: يجدون، ويسلموا) أيضًا نصب عطفًا على قوله: ﴿لَا يَجِدُوا﴾ ﴿وَرَبُّكَ﴾ جُرَّ؛ لأنه قسم كقولك: والله.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/688

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. شجر الامر، شجرا، وشجورا: إذا اختلط، وشاجره في الامر: إذا نازعه، وتشاجروا فيه، وكل ذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض، كتداخل الشجر بالتفافه.

ب. أصل الحرج: الضيق، وفي الحديث: (حدثوا عن بني إسرائيل، ولا حرج) أي لا ضيق، وقيل: لا إثم.

2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. قيل: نزلت في الزبير، ورجل من الأنصار، خاصمه إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، في شراج من الحرة، كانا يسقيان بها النخل، كلاهما، فقال النبي للزبير: أسق، ثم أرسل إلى جارك، فغضب الأنصاري، وقال: يا رسول الله لئن كان ابن عمتك! فتلون وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثم قال للزبير: أسق يا زبير، ثم احبس الماء، حتى يرجع إلى الجدر، واستوف حقك، ثم أرسل إلى جارك، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أشار إلى الزبير برأي فيه السعة له ولخصمه، فلما أحفظ رسول الله، استوعب للزبير حقه في صريح الحكم ويقال: إن الرجل كان حاطب بن أبي بلتعة، قال الراوي: ثم خرجا، فمرا على المقداد، فقال: لمن كان القضاء يا أبا بلتعة؟ قال: قضى لابن عمته ـ ولوى شدقه ـ ففطن لذلك يهودي، كان مع المقداد، فقال: قاتل الله هؤلاء، يزعمون أنه رسول الله ثم يتهمونه في قضاء يقضي بينهم، وأيم الله! لقد أذنبنا مرة واحدة في حياة موسى، فدعانا موسى إلى التوبة، فقال: اقتلوا أنفسكم، ففعلنا، فبلغ قتلانا سبعين ألفا في طاعة ربنا، حتى رضي عنا! فقال ثابت بن قيس بن شماس: أما والله إن الله ليعلم مني الصدق، ولو أمرني محمد أن أقتل نفسي لفعلت، فأنزل الله في شأن حاطب بن أبي بلتعة، وليه شدقه هذه الآية.

ب. وقال الشعبي: نزلت في قصة بشر المنافق واليهودي، اللذين اختصما إلى عمر، وقد مضى ذكرهما.

3. بين الله تعالى أن الايمان إنما هو بالتزام حكم رسول الله، والرضاء به، فقال: ﴿فَلَا﴾: أي ليس كما تزعمون أنهم يؤمنون، مع محاكمتهم إلى الطاغوت ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾: أقسم الله إن هؤلاء المنافقين لا يكونون مؤمنين، ولا يدخلون في الايمان ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾: أي حتى يجعلوك حكما، أو حاكما ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾: أي فيما وقع بينهم من الخصومة، والتبس عليهم من أحكام الشريعة ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾: أي في قلوبهم ﴿حَرَجًا﴾:

أ. قيل: أي شكا في أنما قلته حق، عن مجاهد.

ب. وقيل: إثما: أي لا يأثمون بإنكار ذلك، عن الضحاك.

ج. وقيل: ضيقا بشك، أو إثم، عن أبي علي الجبائي، وهو الوجه.

4. ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾: أي حكمت، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: أي ينقادوا لحكمك إذعانا لك، وخضوعا لأمرك، وروي عن الصادق عليه السلام أنه قال: (لو أن قوما عبدوا الله، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وصاموا شهر رمضان، وحجوا البيت، ثم قالوا لشئ صنعه رسول الله ألا صنع خلاف ما صنع، أو وجدوا من ذلك حرجا في أنفسهم، لكانوا مشركين)، ثم تلا هذه الآية.

5. مسائل لغوية ونحوية:

أ. (لا) دخلت في أول الكلام، لأنها رد لكلام، فكأنه قيل: فليس الامر كما يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم فقال ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقيل: إن ﴿لَا﴾ ههنا توطئة للنفي الذي يأتي فيما بعد، لان ذكر النفي في أول الكلام وآخره، أوكد، فإن النفي يقتضي أن يكون له صدر الكلام، وقد اقتضى القسم أن يكون النفي في الجواب.

ب. ﴿تَسْلِيمًا﴾: مصدر مؤكد، والمصادر المؤكدة بمنزلة ذكرك للفعل ثانيا، ومن حق التوكيد أن يكون محققا لما تذكره في صدر كلامك، فإذا قلت: ضربت ضربا، فمعناه أحدثت ضربا أحقه حقا.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/106.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في سبب نزول قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قولان:

أ. أحدهما: أنها نزلت في خصومة كانت بين الزّبير وبين رجل من الأنصار في شراج الحرّة، فقال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم للزّبير: (اسق ثمّ أرسل إلى جارك) فغضب الأنصاريّ، قال يا رسول الله، أن كان ابن عمّتك! فتلوّن وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثم قال للزّبير: (اسق يا زبير ثمّ احبس الماء حتّى يبلغ الجدر) قال الزّبير: فو الله ما أحسب هذه الآية نزلت إلا في ذلك، أخرجه البخاريّ ومسلم.

ب. الثاني: أنها نزلت في المنافق، واليهوديّ اللذين تحاكما إلى كعب بن الأشرف، وقد سبقت قصّتهما، قاله مجاهد.

2. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أي: لا يكونون مؤمنين حتى يحكّموك، وقيل: (لا) ردّ لزعمهم أنهم مؤمنون، والمعنى: فلا، أي: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا، وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف، فقال: وربّك لا يؤمنون حتى يحكّموك فيما شجر بينهم، أي: فيما اختلفوا فيه.

3. في (الحرج) قولان:

أ. أحدهما: أنه الشّكّ، قاله ابن عباس، ومجاهد، وقتادة، والسّدّيّ في آخرين.

ب. الثاني: الضّيق، قاله أبو عبيدة، والزجّاج.

4. في قوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ قولان:

أ. أحدهما: يسلّموا لما أمرتهم به، فلا يعارضونك، هذا قول ابن عباس، والزجّاج، والجمهور.

ب. الثاني: يسلّموا ما تنازعوا فيه لحكمك، قاله الماورديّ‏.

__________

(1) زاد المسير: 1/429.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في سبب نزول هذه الآية قولان:

أ. أحدهما: وهو قول عطاء ومجاهد والشعبي: ان هذه الآية نازلة في قصة اليهودي والمنافق، فهذه الآية متصلة بما قبلها، وهذا القول هو المختار عندي.

ب. الثاني: انها مستأنفة نازلة في قصة أخرى، وهو ما روي عن عروة بن الزبير أن رجلا من الأنصار خاصم الزبير في ماء يسقي به النخل، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم للزبير: (اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك) فقال الانصاري: لأجل أنه ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ثم قال للزبير: (اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر)

2. الحكم في هذا أن من كانت أرضه أقرب إلى فم الوادي فهو أولى بأول الماء وحقه تمام السقي، فالرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أذن للزبير في السقي على وجه المسامحة، فلما أساء خصمه الأدب ولم يعرف حق ما أمر به الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من المسامحة لا جله أمره النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم باستيفاء حقه على سبيل التمام، وحمل خصمه على مر الحق.

3. في (لا) في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ قولان:

أ. الأول: معناه فو ربك، كقوله: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر: 92] و(لا) مزيدة لتأكيد معنى القسم، كما زيدت في‏ ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ لتأكيد وجوب العلم و﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ جواب القسم.

ب. الثاني: أنها مفيدة، وعلى هذا التقدير ذكر الواحدي فيه وجهين:

الأول: أنه يفيد نفي أمر سبق، والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم بقوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾

الثاني: أنها لتوكيد النفي الذي جاء فيما بعد، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن.

4. ﴿شَجَرَ﴾ يقال شجر يشجر شجورا وشجرا إذا اختلف واختلط، وشاجره إذا نازعه وذلك لتداخل كلام بعضهم في بعض عند المنازعة، ومنه يقال لخشبات الهودج شجار، لتداخل بعضها في بعض، قال أبو مسلم الأصفهاني: وهو مأخوذ عندي من التفاف الشجر، فان الشجر يتداخل بعض أغصانه في بعض، وأما الحرج فهو الضيق، قال الواحدي: يقال للشجر الملتف الذي لا يكاد يوصل اليه: حرج، وجمعه حراج، وأما التسليم فهو تفعيل يقال: سلم فلان أي عوفي ولم ينشب به نائبة، وسلم هذا الشيء لفلان، أي خلص له من غير منازع، فإذا ثقلته بالتشديد فقلت: سلم له فمعناه أنه سلمه له وخلصه له، هذا هو الأصل في اللغة، وجميع استعمالات التسليم راجع إلى الأصل فقولهم: سلم عليه، أي دعا له بأن يسلم، وسلم اليه الوديعة، أي دفعها اليه بلا منازعة، وسلم اليه أي رضي بحكمه، وسلم إلى فلان في كذا، أي ترك منازعته فيه، وسلم إلى الله أمره أي فوض اليه حكم نفسه، على معنى أنه لم ير لنفسه في أمره أثرا ولا شركة، وعلم أن المؤثر الصانع هو الله تعالى وحده لا شريك له.

5. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ قسم من الله تعالى على أنهم لا يصيرون موصوفين بصفة الايمان إلا عند حصول شرائط:

أ. أولها: ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ وهذا يدل على أن من لم يرض بحكم الرسول لا يكون مؤمنا، ومن يتمسك بهذه الآية في بيان أنه لا سبيل إلى معرفة الله تعالى إلا بإرشاد النبي المعصوم لأن قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ تصريح بأنه لا يحصل لهم الايمان إلا بأن يستعينوا بحكم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في كل ما اختلفوا فيه، ونرى أهل العلم مختلفين في صفات الله سبحانه وتعالى، فمن معطل ومن مشبه، ومن قدري ومن جبري، فلزم بحكم هذه الآية أنه لا يحصل الايمان إلا بحكمه وإرشاده وهدايته، وحققوا ذلك بأن عقول أكثر الخلق ناقصة وغير وافية بإدراك هذه الحقائق؟ وعقل النبي المعصوم كامل مشرق، فإذا اتصل اشراق نوره بعقول الأمة قويت عقولهم وانقلبت من النقص إلى الكمال، ومن الضعف إلى القوة، فقدروا عند ذلك على معرفة هذه الأسرار الإلهية، والذي يؤكد ذلك أن الذين كانوا في زمان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كانوا جازمين متيقنين كاملي الايمان والمعرفة، والذين بعدوا عنه اضطربوا واختلفوا، وهذه المذاهب ما تولدت إلا بعد زمان الصحابة والتابعين، فثبت ان الأمر كما ذكرنا، والتمسك بهذه الآية رأيته في كتب محمد بن عبد الكريم الشهرستاني، فيقال له: فهذا الاستقلال الذي ذكرته إنما استخرجته من عقلك، فإذا كان عقول الأكثرين ناقصة فلعلك ذكرت هذا الاستدلال لنقصان عقلك، وإذا كان هذا الاحتمال قائما وجب أن يشك في صحة مذهبك وصحة هذا الدليل الذي تمسكت به، ولأن معرفة النبوة موقوفة على معرفة الإله، فلو توقفت معرفة الإله على معرفة النبوة لزم الدور، وهو محال.

ب. الثاني: ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ قال الزجاج: لا تضيق صدورهم من أقضيتك، والراضي بحكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قد يكون راضيا به في الظاهر دون القلب فبين في هذه الآية انه لا بد من حصول الرضا به في القلب، وأن ميل القلب ونفرته شيء خارج عن وسع البشر، فليس المراد من الآية ذلك، بل المراد منه أن يحصل الجزم واليقين في القلب بأن الذي يحكم به الرسول هو الحق والصدق.

ج. الثالث: قوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ واعلم أن من عرف بقلبه كون ذلك الحكم حقا وصدقا قد يتمرد عن قبوله على سبيل العناد أو يتوقف في ذلك القبول، فبين تعالى أنه كما لا بد في الايمان من حصول ذلك اليقين في القلب، فلا بد أيضا من التسليم معه في الظاهر، فقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ المراد به الانقياد في الباطن، وقوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ المراد منه الانقياد في الظاهر والله أعلم.

6. دلت الآية على أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون عن الخطأ في الفتوى وفي الأحكام لأنه تعالى أوجب الانقياد لحكمهم وبالغ في ذلك الإيجاب وبين انه لا بد من حصول ذلك الانقياد في الظاهر وفي القلب، وذلك ينفي صدور الخطأ عنهم، فهذا يدل على أن قوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43] وأن فتواه في أسارى بدر، وأن قوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] وأن قوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: 1] كل ذلك محمول على الوجوه التي لخصناها في هذا الكتاب.

7. من الفقهاء من تمسك بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ على أن ظاهر الأمر للوجوب، وهو ضعيف لأن القضاء هو الإلزام، ولا نزاع في أنه للوجوب.

8. ظاهر الآية يدل على أنه لا يجوز تخصيص النص بالقياس، لأنه يدل على أنه يجب متابعة قوله وحكمه على الإطلاق، وانه لا يجوز العدول عنه إلى غيره، ومثل هذه المبالغة المذكورة في هذه الآية قلما يوجد في شيء من التكاليف، وذلك يوجب تقديم عموم القرآن والخبر على حكم القياس، وقوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ مشعر بذلك لأنه متى خطر بباله قياس يفضي إلى نقيض مدلول النص فهناك يحصل الحرج في النفس، فبين تعالى أنه لا يكمل إيمانه إلا بعد أن لا يلتفت إلى ذلك الحرج، ويسلم النص تسليما كليا، وهذا الكلام قوي حسن لمن أنصف.

9. قال المعتزلة ـ ومن وافقهم ـ: لو كانت الطاعات والمعاصي بقضاء الله تعالى لزوم التناقض، وذلك لأن الرسول إذا قضى على إنسان بأنه ليس له أن يفعل الفعل الفلاني وجب على جميع المكلفين الرضا بذلك لأنه قضاء الرسول، والرضا بقضاء الرسول واجب لدلالة هذه الآية، ثم لو أن ذلك الرجل فعل ذلك الفعل على خلاف فتوى الرسول، فلو كانت المعاصي بقضاء الله لكان ذلك الفعل بقضاء الله، والرضا بقضاء الله واجب، فيلزم أن يجب على المكلفين الرضا بذلك الفعل، لأنه قضاء الله، فوجب أن يلزمهم الرضا بالفعل والترك معا، وذلك محال، وجواب أهل السنة ـ ومن وافقهم ـ: أن المراد من قضاء الرسول الفتوى المشروعة، والمراد من قضاء الله التكوين والإيجاد، وهما مفهومان متغايران، فالجمع بينهما لا يفضي إلى التناقض.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/128.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1): ‌

1. قال مجاهد وغيره: المراد بهذه الآية من تقدم ذكره ممن أراد التحاكم إلى الطاغوت وفيهم نزلت، وقال الطبري: قوله: ﴿فَلَا﴾ رد على ما تقدم ذكره، تقديره فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك، ثم استأنف القسم بقوله: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وقال غيره: إنما قدم ﴿لَا﴾ على القسم اهتماما بالنفي وإظهارا لقوته، ثم كرره بعد القسم تأكيدا للتهمم بالنفي، وكان يصح إسقاط ﴿لَا﴾ الثانية ويبقى أكثر الاهتمام بتقديم الأولى، وكان يصح إسقاط الأولى ويبقى معنى النفي ويذهب معنى الاهتمام.

2. ﴿شَجَرٍ﴾ معناه اختلف واختلط، ومنه الشجر لاختلاف أغصانه، ويقال لعصي الهودج: شجار، لتداخل بعضها في بعض، قال الشاعر:

çنفسي فداؤك والرماح شواجر...والقوم ضنك للقاء قيامé

وقال طرفة:

çوهم الحكام أرباب الهدى...وسعاة الناس في الأمر الشجرé

3. قالت طائفة: نزلت في الزبير مع الأنصاري، وكانت الخصومة في سقي بستان، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم للزبير: (اسق أرضك ثم أرسل الماء إلى أرض جارك)، فقال الخصم: أراك تحابي ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال للزبير: (اسق ثم احبس الماء حتى يبلغ الجدر) ونزل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، الحديث ثابت صحيح رواه البخاري عن علي بن عبد الله عن محمد بن جعفر عن معمر، ورواه مسلم عن قتيبة كلاهما عن الزهري، واختلف أهل هذا القول في الرجل الأنصاري، فقال بعضهم: هو رجل من الأنصار من أهل بدر، وقال مكي والنحاس: هو حاطب بن أبي بلتعة، وقال الثعلبي والواحدي والمهدوي: هو حاطب، وقيل: ثعلبة بن حاطب، وقيل غيره: والصحيح القول الأول، لأنه غير معين ولا مسمى، وكذا في البخاري ومسلم أنه رجل من الأنصار، واختار الطبري أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي، كما قال مجاهد، ثم تتناول بعمومها قصة الزبير، قال ابن العربي: وهو الصحيح، فكل من اتهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحكم فهو كافر، لكن الأنصاري زل زلة فأعرض عنه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأقال عثرته لعلمه بصحة يقينه، وأنها كانت فلتة وليست لأحد بعد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكل من لم يرض بحكم الحاكم وطعن فيه ورده فهي ردة يستتاب، وأما إن طعن في الحاكم نفسه لا في الحكم فله تعزيره وله أن يصفح عنه، وسيأتي بيان هذا في آخر سورة الْأَعْرَافِ إن شاء الله تعالى.

4. إذا كان سبب نزول هذه الآية ما ذكرناه من الحديث ففقهها أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم سلك مع الزبير وخصمه مسلك الصلح فقال: (اسق يا زبير) لقربه من الماء (ثم أرسل الماء إلى جارك)، أي تساهل في حقك ولا تستوفه وعجل في إرسال الماء إلى جارك، فحضه على المسامحة والتيسير، فلما سمع الأنصاري هذا لم يرض بذلك وغضب، لأنه كان يربد ألا يمسك الماء أصلا، وعند ذلك نطق بالكلمة الجائرة المهلكة الفاقرة فقال: آن كان ابن عمتك؟ بمد همزة أَنْ المفتوحة على جهة الإنكار، أي أتحكم له علي لأجل أنه قرابتك؟، فعند ذلك تلون وجه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم غضبا عليه، وحكم للزبير باستيفاء حقه من غير مسامحة له، وعليه لا يقال: كيف حكم في حال غضبه وقد قال: (لا يقضي القاضي وهو غضبان)؟ فإنا نقول: لأنه معصوم من الخطأ في التبليغ والأحكام، بدليل العقل الدال على صدقه فيما يبلغه عن الله تعالى فليس مثل غيره من الحكام، وفي هذا الحديث إرشاد الحاكم إلى الإصلاح بين الخصوم وإن ظهر الحق، ومنعه مالك، واختلف فيه قول الشافعي، وهذا الحديث حجة واضحة على الجواز، فإن اصطلحوا وإلا استوفى لذي الحق حقه وثبت الحكم.

5. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ أي ضيقا وشكا، ومنه قيل للشجر الملتف: حرج وحرجة، وجمعها حراج، وقال الضحاك: أي إثما بإنكارهم ما قضيت، ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي ينقادوا لأمرك في القضاء، وقال الزجاج: ﴿تَسْلِيمًا﴾ مصدر مؤكدو، فإذا قلت: ضربت ضربا فكأنك قلت لا أشك فيه، وكذلك ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي ويسلموا لحكمك تسليما لا يدخلون على أنفسهم شكا.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/267.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ قال ابن جرير: ﴿فَلَا﴾ رد على ما تقدم ذكره، تقديره: فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك، ثم استأنف القسم بقوله: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ وقيل: إنه قدّم (لا) على القسم اهتماما بالنفي، وإظهارا لقوته، ثم كرره بعد القسم تأكيدا؛ وقيل: لا: مزيدة لتأكيد معنى القسم لا لتأكيد معنى النفي، والتقدير: فوربك لا يؤمنون، كما في قوله: ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾

2. ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ أي: يجعلوك حكما بينهم في جميع أمورهم، لا يحكمون أحدا غيرك؛ وقيل: معناه: يتحاكمون إليك، ولا ملجئ لذلك فِيما شَجَرَ بَيْنَهُمْ أي: اختلف بينهم واختلط، ومنه: الشجر لاختلاف أغصانه، ومنه قول طرفة:

çوهم الحكّام أرباب الهدى... وسعاة النّاس في الأمر الشّجرé

أي: المختلف، ومنه: تشاجر الرماح، أي: اختلافها.

3. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ قيل: هو معطوف على مقدّر ينساق إليه الكلام، أي: فتقضي بينهم ثم لا يجدوا، والحرج: الضيق، وقيل: الشك، ومنه قيل للشجر الملتفّ: حرج، وحرجة، وجمعها: حراج؛ وقيل: الحرج: الإثم، أي: لا يجدون في أنفسهم إثما بإنكارهم ما قضيت.

4. ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ أي: ينقادوا لأمرك وقضائك انقيادا لا يخالفونه في شيء، قال الزجاج: تَسْلِيماً مصدر مؤكد، أي: ويسلمون لحكمك تسليما لا يدخلون على أنفسهم شكا ولا شبهة فيه، والظاهر: أن هذا شامل لكل فرد من كل حكم، كما يؤيد ذلك قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ فلا يختص بالمقصودين بقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ وهذا في حياته صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأما بعد موته: فتحكيم الكتاب والسنة، وتحكيم الحاكم بما فيهما من الأئمة والقضاة إذا كان لا يحكم بالرأي المجرد مع وجود الدليل في الكتاب والسنة، أو في أحدهما، وكان يعقل ما يردّ عليه من حجج الكتاب والسنة، بأن يكون عالما باللغة العربية، وما يتعلق بها: من نحو، وتصريف، ومعاني، وبيان، عارفا بما يحتاج إليه من علم الأصول، بصيرا بالسنة المطهرة، مميزا بين الصحيح وما يلحق به، والضعيف وما يلحق به، منصفا غير متعصب لمذهب من المذاهب ولا لنحلة من النحل، ورعا لا يحيف ولا يميل في حكمه، فمن كان هكذا فهو قائم في مقام النبوّة، مترجم عنها، حاكم بأحكامها، وفي هذا الوعيد الشديد: ما تقشعر له الجلود، وترجف له الأفئدة، فإنه أوّلا أقسم سبحانه بنفسه، مؤكدا لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله، حتى تحصل لهم غاية، هي: تحكيم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ فضم إلى التحكيم أمرا آخر، هو عدم وجود حرج، أيّ حرج، في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافيا حتى يكون من صميم القلب عن رضا، واطمئنان، وانثلاج قلب، وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضمّ إليه قوله: ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ أي: يذعنوا وينقادوا ظاهرا وباطنا، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال: ﴿تَسْلِيمًا﴾ فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضي عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه، تسليما لا يخالطه ردّ ولا تشوبه مخالفة.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/559.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلَا﴾ زيدت (لَا) تأكيدًا للقسم، كقوله:

çخليلي لا والله ما من مُلِمَّة...تدوم على حيٍّ وإن هي جلَّتé

أو لتأكيد النفي في الجواب، ولم تُسمع زيادتها مع القَسَم بالله إِلَّا إن كان الجواب بنفي، أو (لَا) نافية، أي: فلا صحَّة لإيمانهم الذي ادَّعوه، أو يقدَّر: فلا يؤمنون، فيؤكَّد بقوله: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُومِنُونَ﴾ إيمانًا كاملاً، وإلَّا فإنَّ الإنسان قد يسلم قلبه ولا يجد من نفسه قبولاً، وبيَّن الله بالآية ضعف إيمانهم.

2. ﴿حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ﴾ فيما تخالف من أمورهم وأقوالهم وقلوبهم، كتخالف أغصان الشجر، ولتخالفها سمِّي شجرًا ﴿بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ضَيْقًا أو شكًّا، فإنَّ الشاكَّ في ضيق حتَّى يطمئنَّ، أو إثمًا، ﴿مِّمَّا قَضَيْتَ﴾ أثبتتَه بالحكم، أو من قضائك، أي: إثباتك ﴿وَيُسَلِّمُواْ﴾ ينقادوا ظاهرًا وباطنًا لأمرك، ﴿تَسْلِيمًا﴾ بلا معارضة.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/216.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ في السر ولا يستحقون اسم الإيمان في السر ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ يجعلوك حاكما ويترافعوا إليك‏ ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي فيما اختلف بينهم من الأمور والتبس‏ ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ﴾ في قلوبهم‏ ﴿حَرَجًا﴾ أي ضيقا ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ بينهم‏ ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ أي: ينقادوا لأمر ويذعنوا لحكمك‏ ﴿تَسْلِيمًا﴾ تأكيد للفعل، بمنزلة تكريره، أي تسليما تاما بظاهرهم وباطنهم من غير ممانعة ولا مدافعة ولا منازعة، كما ورد في الحديث: والذي نفسي بيده! لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به.

2. (لا) في قوله تعالى‏ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ قيل إنها ردّ لمقدّر، أي: تفيد نفي أمر سبق، والتقدير: ليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا وهم يخالفون حكمك، ثم استأنف القسم بقوله‏: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ وقيل: مزيدة لتأكيد النفي الذي جاء فيما بعد أعني الجواب، لأنه إذا ذكر في أول الكلام وفي آخره كان أوكد وأحسن، وقيل: إنها مزيدة لتأكيد معنى القسم، وارتضاه الزمخشريّ، قال كما زيدت في‏ ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ﴾ [الحديد: 29]، لتأكيد وجوب العلم، قال في (الانتصاف) يشير إلى أن (لا) لما زيدت مع القسم، وإن لم يكن المقسم به، دلّ ذلك على أنها إنما تدخل فيه لتأكيد القسم، فإذا دخلت حيث يكون المقسم عليه نفيا، تعين جعلها لتأكيد القسم، طردا للباب، أو الظاهر عنده، والله أعلم، أنها هنا لتوطئة النفي المقسم عليه، والزمخشريّ لم يذكر مانعا من ذلك، وحاصل ما ذكره مجيئها لغير هذا المعنى في الإثبات، وذلك لا يأبى مجيئها في النفي على الوجه الآخر من التوطئة، على أن في دخولها على القسم المثبت نظرا، وذلك أنها لم ترد في الكتاب العزيز إلا مع القسم حيث يكون بالفعل، مثل‏ ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ [البلد: 1]، ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [القيامة: 1]، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ﴾ [التكوير: 15]، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَوَاقِعِ النُّجُومِ﴾ [الواقعة: 75]، ﴿فَلَا أُقْسِمُ بِمَا تُبْصِرُونَ وَمَا لَا تُبْصِرُونَ﴾ [الحاقة: 38 ـ 39]، ولم تدخل أيضا إلا على القسم بغير الله تعالى، ولذلك شرّ يأبى كونها في هذه الآية لتأكيد القسم، ويعين كونها للتوطئة: وذلك أن المراد بها في جميع الآيات التي عددناها تأكيد تعظيم المقسم به، إذ لا يقسم بالشيء إلا إعظاما له، فكأنه بدخولها يقول: إن إعظامي لهذه الأشياء بالقسم بها، كلا إعظام، يعني أنها تستوجب من التعظيم فوق ذلك، وهذا التأكيد إنما يؤتى به رفعا لتوهم كون هذه الأشياء غير مستحقة للتعظيم، وللإقسام بها، فيزاح هذا الوهم بالتأكيد، في إبراز فعل القسم مؤكدا بالنفي المذكور، وقد قرر الزمخشريّ هذا المعنى في دخول (لا) عند قوله (لا) عند قوله‏: ﴿لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ على وجه مجمل، هذا بسطه وإيضاحه، فإذا بين ذلك، فهذا الوهم الذي يراد إزاحته في القسم بغير الله، مندفع في الإقسام بالله، فلا يحتاج إلى دخول (لا) مؤكدة للقسم، فيتعين حملها على الموطئة، ولا تكاد تجدها، في غير الكتاب العزيز، داخلة على قسم مثبت، وأما دخولها في القسم، وجوابه نفي، فكثير مثل:

çفلا وأبيك ابنة العامريّ‏...لا يدّعي القوم أنّي أفرّé

وكقوله:

çألا نادت أمامة باحتمال‏...لتحزنني، فلا بك ما أبالي‏é

وقوله:

çرأى برقا فأوضع فوق بكر...فلا بك ما أسال ولا أغاماé

وقوله:

çفحالف فلا والله تهبط تلعة...من الأرض إلّا أنت للذلّ عارف‏é

وهو أكثر من أن يحصى، فتأمل هذا الفصل فإنه حقيق بالتأمل.

3. كل حديث صح عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، بأن رواه جامعو الصحاح، أو صححه من يرجع إليه في التصحيح من أئمة الحديث، فهو مما تشمله هذه الآية، أعني قوله تعالى‏ ﴿مِمَّا قَضَيْتَ﴾ فحينئذ يتعين على كل مؤمن بالله ورسوله الأخذ به وقبوله ظاهرا وباطنا، وإلا بأن التمس مخارج لرده أو تأويله، بخلاف ظاهره، لتمذهب تقلّده وعصبية ربي عليها، كما هو شأن المقلدة أعداء الحديث وأهله ـ فيدخل في هذا الوعيد الشديد المذكور في هذه الآية، الذي تقشعر له الجلود وترجف منه الأفئدة.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/201.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ هذه الآية متصلة بما قبلها أشد الاتصال والسياق محكم متسق وإن ذكروا أسباب خاصة لنزولها.

2. أقسم الله تعالى بربوبيته لرسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم مخاطبا له في ذلك خطاب التكريم، ومن المعهود في اللغة أن مثل هذا القسم يعد تكريما وقد كانت عائشة تقسم برب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم فلما غضبت مرة أقسمت برب إبراهيم عليه السلام فكلمها النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في ذلك بعد رضاها فقالت: إنما أهجر اسمك، أقسم تعالى بأن أولئك الذين رغبوا عن التحاكم إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم وأمثالهم وهم من المنافقين الذين يزعمون الإيمان زعما كما تقدم لا يؤمنون إيمانا صحيحا حقيقيا وهو إيمان الإذعان النفسي إلا بثلاث:

أ. الأولى: أن يحكموا الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما شجر بينهم أي في القضايا التي يختصمون فيها ويشتجرون فلم يتبين الحق فيها لهم، أو لم يعترف به كل منهم، بل يذهب كل مذهبا فيه، فمعنى شجر اختلف واختلط الأمر فيه، قيل إن الشجر (مصدر شجر) والتشاجر والاشتجار مأخوذ من الشجر الملتف المتداخل بعضه في بعض، وقال بعضهم بل سمي الشجر شجرا لاشتجار أغصانه وتداخلها وقيل من الشجار (ككتاب) وهو خشب الهودج لاشتباك بعضه في بعض، وقيل من الشجر (بالفتح) وهو مفتح الفم لكثرة الكلام في الأمور التي يقع النزاع فيها، وكل هذه المعاني مناسبة، وتحكيمه تفويض أمر الحكم إليه.

ب. الثانية: قوله: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ الحرج الضيق والقضاء الحكم وزعم بعض المستشرقين من الإفرنج أن لفظ القضاء لم يكن مستعملا في صدر الإسلام الأول بمعنى الحكم، وهذا من دعاويهم التي يتجرؤون عليها من غير استقصاء ولا علم، والمعنى ثم تذعن نفوسهم لقضائك وحكمك فيما شجر بينهم بحيث لا يكون فيها ضيق ولا امتعاض من قبوله والعمل به، ولما كان الإنسان لا يملك نفسه أن يسبق إليها الألم والحرج إذا خسرت ما كانت ترجو من الفوز، والحكم لها بالحق المختصم فيه، عفا الله تعالى عن الحرج يفاجئ النفس عند الصدمة الأولى وجعل هذا الشرط على التراخي فعظمه بثم، والمؤمن الكامل الإيمان ينشرح صدره لحكم الرسول من أول وهلة لعلمه أنه الحق وأن الخير له فيه والسعادة في الإذعان له، فإذا كان في إيمانه ضعف ما ضاق صدره عند الصدمة الأولى، ثم يعود على نفسه بالذكرى وينحي عليها باللوم حتى تخشع وتنشرح بنور الإيمان وإيثار الحق الذي حكم به الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم على الهوى، وقيل المراد بنفي وجدان الحرج عدم الشك في حقية الحكم بأن يكون موقنا بأنه قضاء بمر الحق الذي لا شبهة فيه، قال هذا من قاله وهو خلاف المتبادر لأن وجدان القلب لا يتعلق به التكليف وقد علمت ما هو الصواب.

ج. الثالثة: قوله تعالى: ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ التسليم هنا الانقياد بالفعل، وما كل من يعتقد حقية الحكم ولا يجد في نفسه ضيقا منه ينقاد له بالفعل وينفذه طوعا وإن لم يخش في ترك العمل به مؤاخذة في الدنيا.

3. استدلوا بالآية على عصمة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من الخطأ في الحكم وغيره، وذهب الرازي إلى عدم معارضة هذا بفتواه في أسرى بدر وما في معناه مما عاتبه الله تعالى عليه بقوله: ﴿عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ﴾ [التوبة: 43]، وقوله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى﴾ [عبس: 1] الخ، وقوله: ﴿لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ﴾ [التحريم: 1] وأحال على تأويله لهذه الآيات في مواضعها، ولا شك في عصمته صلّى الله عليه وآله وسلّم في الحكم بمعنى أنه لا يحكم إلا بالحق بحسب صورة الدعوى ظاهرها لا بحسب الواقع في نفسه لأن الحكم في شريعته على الظاهر والله يتولى السرائر، وقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها) رواه الجماعة كلهم مالك وأحمد والبخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة من حديث أم سلمة، وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إنما أنا بشر إذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر) رواه مسلم والنسائي عن رافع بن خديج، وفي معناه: (إنما أنا بشر وإن الظن يخطئ ويصيب ولكن ما قلت لكم قال الله فلن أكذب على الله) رواه أحمد وابن ماجة عن طلحة وصححوه، ولأجل هذه الأحاديث كانوا يسألونه إذا أمر بأمر لم يظهر لهم أنه الرأي هل هو عن وحي أو رأي، فإن كان عن وحي أطاعوا وسلموا تسليما، وإن كان رأيا ذكروا ما عندهم وربما رجع إلى رأيهم كما فعل يوم بدر، فيا لله ما أكمل هديه وما أجمل تواضعه صلى الله عليه وعلى آله وأولئك الصحب الكاملين.

4. استدلوا بالآية أيضا على أن النص لا يعارض ولا يخصص بالقياس فمن بلغه حديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ورده بمخالفة قياسه له فهو غير مطيع للرسول ولا ممن تصدق عليه الخصال الثلاث المشروطة في صحة الإيمان بنص الآية، ومخالفة نص القرآن بالقياس أعظم جرما وأضل سبيلا.

5. تدل الآية بالأولى على بطلان التقليد فمن ظهر له حكم الله أو حكم رسوله في شيء وتركه إلى قول الفقهاء الذين يتقلد مذهبهم كان غير مطيع لله ولرسوله كما أمر الله عز وجل، وإذا قلنا إن للعامي أن يتبع العلماء فليس المعنى أنه يتخذهم شارعين ويقدم أقوالهم على أحكام الله ورسوله المنصوصة، وإنما يتبعهم بتلقي هذه النصوص عنهم والاستعانة بهم على فهمها لا في آرائهم وأقيستهم المعارضة للنص، مثال ذلك أن بعض الفقهاء يقول إن حكم الحاكم على الظاهر والباطن، فإذا حكم لك بما تعلم أنه ليس لك صار حلالا لك أن تأكله، ونص الحديث المتفق عليه الذي أوردناه آنفا أن من قضي له بحق أحد بناء على ظاهر الدعوى وهو يعلم أنه ليس بصاحب هذا الحق فإنما هي قطعة من النار إذا أخذها، فمن بلغه الحديث واعتقد صحته ولم يعارضه عنده نص يرجح عليه أو ينسخه بالدليل لا بالاحتمال، وبقي مقلدا لقول ذلك الفقيه يستحل ما يحكم له به من حق غيره كان غير مطيع لله ولرسوله ولا متصفا بالخصال التي تتوقف عليها صحة الإيمان.

6. قال محمد عبده: قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ الخ تفريع على ما سبقه وهو نفي وإبطال لظن الظانين أنهم بمجرد محافظتهم على أحكام الدين الظاهرة يكونون صحيحي الإيمان مستحقين للنجاة من عذاب الآخرة وللفوز بثوابها، لا وربك لا يكونون مؤمنين حتى يكونوا موقنين في قلوبهم مذعنين في بواطنهم، ولا يكونون كذلك حتى يحكموك فيما شجر واختلط بينهم من الحقوق، ثم بعد أن تحكم بينهم لا يجدوا في أنفسهم الضيق الذي يحصل للمحكوم عليه إذا لم يكن خاضعا للحكم في قلبه، فإن الحرج إنما يلازم قلب من لم يخضع، ذلك بأن المؤمن لا ينازع أحدا في شيء إلا بما عنده من شبهة الحق فإذا كان كل من الخصمين يرضى بالحق متى عرفه وزالت الشبهة عنه، كما هو شأن المؤمن فحكم الرسول يرضيهما ظاهرا وباطنا، لأنه أعدل من يحكم بالحق.

7. أما ما ذكروه في أسباب نزول الآية فقد أورد السيوطي منه في لباب النقول ما رواه الأئمة الستة (أي البخاري ومسلم وأصحاب السنن الأربعة) عن عبد الله بن الزبير قال: خاصم الزبير رجلا من الأنصار في شراج الحرة.. إلى آخر الأثر سبق ذكره.. وأخرج ابن أبي حاتم عن سعيد بن المسيب أنها أنزلت في الزبير بن العوام وحاطب بن أبي بلتعة اختصما في ماء، فقضى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يسقي الأعلى ثم الأسفل، وهذه عين الرواية الأولى مختصرة، وفيها جزم بأن الآية نزلت في هذه الواقعة، والصواب أن هذا اجتهاد من الرواة لانطباق الآية على الرواية.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/237.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أقسم سبحانه بربوبيته لرسوله بأن أولئك الذين رغبوا عن التحاكم إليك هم ومن ماثلهم من المنافقين، لا يؤمنون إيمانا حقا وهو إيمان الإذعان والانقياد إلا إذا كملت لهم ثلاث خصال:

أ. أن يحكموا الرسول في القضايا التي يختصمون فيها ويشتجرون ولا يتبين لهم وجه الحق فيها.

ب. ألا يجدوا حرجا وضيقا فيما يحكم به: أي أن تذعن نفوسهم لقضائه وحكمه فيما شجر بينهم بلا امتعاض من قبوله والعمل به، إذ المؤمن الكامل ينشرح صدره لحكم الرسول لأول وهلة، لأنه الحق وأن الخير والسعادة في الإذعان له.

ج. الانقياد والتسليم لذلك الحكم، فكثيرا ما يعرف الشخص أن الحكم حق، لكنه يتمرد عن قبوله عنادا أو يتردد في ذلك.

2. في هذه الآية إشارة إلى شيئين:

أ. عصمة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بمعنى أنه لا يحكم إلا بالحق المطابق لصورة الدعوى وظاهرها لا بحسب الواقع في نفسه، إذ الحكم في شريعته على الظاهر، والله يتولى السرائر، وقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم‏ (إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلىّ فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، فمن قضيت له بحق مسلم فإنما هي قطعة من النار فليأخذها أو ليتركها) رواه البخاري ومسلم وأصحاب السنن، ومن ثم كانوا يسألونه إذا أمر بأمر لم يظهر لهم أنه الرأي أعن وحي هو أم عن رأى؟ فإن كان عن وحي‏ أطاعوا وسلموا، وإن كان عن رأى ذكروا ما عندهم، وربما يرجع إليهم كما حدث يوم بدر.

ب. أنهم لا يكونون مؤمنين إيمانا صحيحا مستحقا للفوز بالثواب والنجاة من العقاب إلا إذا كانوا موقنين بقلوبهم مذعنين في بواطنهم بصدق الرسول في كل ما جاء به الدين، ومن أمارة ذلك أن يحكّموه فيما شجر بينهم من خلاف، وألا يجدوا ضيقا وحرجا في حكمه، إذ الضيق إنما يلازم قلب من لم يخضع، وأن ينقادوا انقيادا كاملا بلا تمرد ولا عناد في قبوله.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/82.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أخيرا يجيء ذلك الإيقاع الحاسم الجازم، إذ يقسم الله ـ سبحانه ـ بذاته العلية، أنه لا يؤمن مؤمن، حتى يحكم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في أمره كله، ثم يمضي راضيا بحكمه، مسلما بقضائه، ليس في صدره حرج منه، ولا في نفسه تلجلج في قبوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

2. ومرة أخرى نجدنا أمام شرط الإيمان وحدّ الإسلام، يقرره الله سبحانه بنفسه، ويقسم عليه بذاته، فلا يبقى بعد ذلك قول لقائل في تحديد شرط الإيمان وحدّ الإسلام، ولا تأويل لمؤول، اللهم إلا مماحكة لا تستحق الاحترام.. وهي أن هذا القول مرهون بزمان، وموقوف على طائفة من الناس! وهذا قول من لا يدرك من الإسلام شيئا؛ ولا يفقه من التعبير القرآني قليلا ولا كثيرا، فهذه حقيقة كلية من حقائق الإسلام؛ جاءت في صورة قسم مؤكد؛ مطلقة من كل قيد.

3. ليس هناك مجال للوهم أو الإيهام بأن تحكيم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هو تحكيم شخصه، إنما هو تحكيم شريعته ومنهجه، وإلا لم يبق لشريعة الله وسنة رسوله مكان بعد وفاته صلّى الله عليه وآله وسلّم.

4. وإذا كان يكفي لإثبات (الإسلام) أن يتحاكم الناس إلى شريعة الله وحكم رسوله.. فإنه لا يكفي في (الإيمان) هذا، ما لم يصحبه الرضى النفسي، والقبول القلبي، وإسلام القلب والجنان، في اطمئنان! هذا هو الإسلام.. وهذا هو الإيمان.. فلتنظر نفس أين هي من الإسلام؛ وأين هي من الإيمان! قبل ادعاء الإسلام وادعاء الإيمان!

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/697.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هو بيان للإيمان الذي يقبل من هؤلاء الضالين الذين يريدون العودة إلى الله، فإنهم لا يحسبون في المؤمنين، حتى ينزلوا على حكم الله، فيما يكون بينهم من خلاف، فذلك هو الدستور الذي لا يكون المؤمن مؤمنا حتى يستقيم عليه، ويتقبل حكمه فيه، بقلب مطمئن، ونفس راضية، ولو كان ذلك مخالفا لهواه، مفوّتا لمصلحة خاصة له.. أما أن يأخذ من حكم الله ما يرضيه، ويدع ما لا يستجيب لهواه، ويلتقى مع رغباته، فذلك هو النفاق مع الله، ومع الرسول! إن الإيمان هو التسليم المطلق لأحكام الله، والولاء المطلق لرسوله، وما يقضى به.. وبغير هذا لا يكون إيمان، ولا يعتدّ بدعوى من يدعيه!

2. في إضافة النبي الكريم إلى الله في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ تشريف للنبي واستدعاء له إلى الحضرة العلية ليشهد هذا القسم العظيم، وليكون شاهدا على هؤلاء الضالين المنافقين.. و(لا) النافية في قوله تعالى: ﴿فَلَا يُؤْمِنُونَ﴾ هي توكيد للنفى السابق للقسم في قوله سبحانه: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾.. وقد فصل القسم بينهما.

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/828.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ تفريع عن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ﴾ [النساء: 60] وما بعده إذ تضمّن ذلك أنّهم فعلوا ما فعلوا وهم يزعمون أنّهم مؤمنون، فكان الزعم إشارة إلى انتفاء إيمانهم، ثمّ أردف بما هو أصرح وهو أن أفعالهم تنافي كونهم مؤمنين بقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾، وأكّده بالقسم وبالتوكيد اللفظي، وأصل الكلام: فو ربّك لا يؤمنون، والعرب تأتي بحرف النفي قبل القسم إذا كان جواب القسم منفيا للتعجيل بإفادة أنّ ما بعد حرف العطف قسم على النفي لما تضمّنته الجملة المعطوف عليها، فتقديم النفي للاهتمام بالنفي، كقول قيس بن عاصم:

çفلا والله أشربها صحيحا...ولا أشفى بها أبدا سقيماé

ويكثر أن يأتوا مع حرف النفي بعد العاطف بحرف نفي مثله في الجواب ليحصل مع الاهتمام التأكيد، كما في هذه الآية، وهو الاستعمال الأكثر، ولم أر في كلام العرب تقديم (لا) على حرف العطف إبطالا للكلام السابق، ووقع في قول أبي تمّام:

çلا والذي هو عالم أنّ النوى‏...صبر وأنّ أبا الحسين كريم‏é

وليست (لا) هذه هي التي ترد مع فعل القسم مزيدة والكلام معها على الإثبات، نحو ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: 1] وفي غير القسم نحو ﴿لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ﴾ [الحديد: 29]، لأنّ تلك ليس الكلام معها على النفي، وهذه الكلام معها نفي، فهي تأكيد له على ما اختاره أكثر المحقّقين خلافا لصاحب (الكشّاف)، ولا يلزم أن تكون مواقع الحرف الواحد متّحدة في المواقع المتقاربة.

1. وقد نفي عن هؤلاء المنافقين أن يكونوا مؤمنين كما يزعمون في حال يظنّهم الناس مؤمنين، ولا يشعر الناس بكفرهم، فلذلك احتاج الخبر للتأكيد بالقسم وبالتوكيد اللفظي، لأنّه كشف لباطن حالهم، والمقسم عليه هو: الغاية، وما عطف عليها بثمّ، معا، فإن هم حكّموا غير الرسول فيما شجر بينهم فهم غير مؤمنين، أي إذا كان انصرافهم عن تحكيم الرسول للخشية من جوره كما هو معلوم من السياق فافتضح كفرهم، وأعلم الله الأمّة أنّ هؤلاء لا يكونون مؤمنين حتّى يحكّموا الرسول ولا يجدوا في أنفسهم حرجا من حكمه، أي حرجا يصرفهم عن تحكيمه، أو يسخطهم من حكمه بعد تحكيمه، وقد علم من هذا أنّ المؤمنين لا ينصرفون عن تحكيم الرسول ولا يجدون في أنفسهم حرجا من قضائه بحكم قياس الأحرى.

2. ليس المراد الحرج الذي يجده المحكوم عليه من كراهية ما يلزم به إذا لم يخامره شكّ في عدل الرسول وفي إصابته وجه الحقّ، وقد بيّن الله تعالى في سورة النور كيف يكون الإعراض عن حكم الرسول كفرا، سواء كان من منافق أم من مؤمن، إذ قال في شأن المنافقين: ﴿وإذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون وإن يكن لهم الحقّ يأتوا الله مذعنين أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله﴾ ـ ثمّ قال ـ ﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا﴾، لأنّ حكم الرسول بما شرع الله من الأحكام لا يحتمل الحيف إذ لا يشرع الله إلّا الحقّ، ولا يخالف الرسول في حكمه شرع الله تعالى.

3. ولهذا كانت هذه الآية خاصّة بحكم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأمّا الإعراض عن حكم غير الرسول فليس بكفر إذا جوّز المعرض على الحاكم عدم إصابته حكم الله تعالى، أو عدم العدل في الحكم، وقد كره العباس وعليّ حكم أبي بكر وحكم عمر في قضية ما تركه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من أرض فدك، لأنّهما كانا يريان أنّ اجتهاد أبي بكر وعمر في ذلك ليس من الصواب، وقد قال عينية بن حصن لعمر: (إنّك لا تقسم بالسوية ولا تعدل في القضية) فلم يعد طعنه في حكم عمر كفرا منه.

4. ثم إنّ الإعراض عن التقاضي لدى قاضي يحكم بشريعة الإسلام قد يكون للطعن في الأحكام الإسلامية الثابت كونها حكم الله تعالى، وذلك كفر لدخوله تحت قوله تعالى: ﴿أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا﴾ [النور: 50]؛ وقد يكون لمجرّد متابعة الهوى إذا كان الحكم المخالف للشرع ملائما لهوى المحكوم له، وهذا فسوق وضلال، كشأن كلّ مخالفة يخالف بها المكلّف أحكام الشريعة لاتّباع الأعراض الدنيوية، وقد يكون للطعن في الحاكم وظنّ الجور به إذا كان غير معصوم، وهذا فيه مراتب بحسب التمكّن من الانتصاف من الحاكم وتقوميه، وسيجيء بيان هذا عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ في سورة العقود.

5. معنى‏ ﴿شَجَرٍ﴾ تداخل واختلف ولم يتبيّن فيه الإنصاف، وأصله من الشجر لأنه يلتفّ بعضه ببعض وتلتفّ أغصانه، وقالوا: شجر أمرهم، أي كان بينهم الشرّ، والحرج: الضيق الشديد ﴿يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا﴾ [الأنعام: 125]

6. تفريع قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية على ما قبله يقتضي أنّ سبب نزول هذه الآية هو قضية الخصومة بين اليهودي والمنافق، وتحاكم المنافق فيها للكاهن، وهذا هو الذي يقتضيه نظم الكلام، وعليه جمهور المفسّرين، وقاله مجاهد، وعطاء، والشعبي.

7. في (البخاري) عن الزبير: أحسب هذه الآية نزلت في خصومة بيني وبين أحد الأنصار في شراج من الحرّة (أي مسيل مياه جمع شرج ـ بفتح فسكون ـ وهو مسيل الماء يأتي من حرّة المدينة إلى الحوائط التي بها) إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال رسول الله: (اسق يا زبير ثم أرسل الماء إلى جارك) فقال الأنصاري: لأن كان ابن عمّتك، فتغيّر وجه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وقال: اسق يا زبير حتّى يبلغ الماء الجدر ثم أرسل إلى جارك واستوف حقّك‏ (والجدر هو ما يدار بالنخل من التراب كالجدار) فكان قضاؤه الأوّل صلحا، وكان قضاؤه الثاني أخذا بالحقّ، وكأنّ هذا الأنصاري ظنّ أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أراد الصلح بينهم على وجه فيه توفير لحقّ الزبير جبرا لخاطره، ولم ير في ذلك ما ينافي العصمة، فقد كان الصحابة متفاوتين في العلم بحقائق صفات الرسول مدفوعين في سبر النفوس بما اعتادوه من‏ الأميال والمصانعات، فنبّههم الله تعالى على أنّ ذلك يجرّ إلى الطعن في العصمة، وليس هذا الأنصاري بمنافق ولا شاكّ في الرسول، فإنّهم وصفوه بالأنصاري وهو وصف لخيرة من المؤمنين، وما وصفوه بالمنافق، ولكنّه جهل وغفل فعفا عنه رسول الله ولم يستتبه.

8. وهذه القضية ترجع إلى النظر في التكفير بلازم القول والفعل، وفيها تفصيل حسن لابن رشد في البيان والتحصيل في كتاب (الجنائز) وكتاب (المرتدّين)، خلاصته: أنّه لا بدّ من تنبيه من يصدر منه مثل هذا على ما يلزم قوله من لازم الكفر فإن التزمه ولم يرجع عدّ كافرا، لأنّ المرء قد يغفل عن دلالة الالتزام، ويؤخذ هذا على هذا الوجه في سبب النزول من أسلوب الآية لقوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ ـ إلى قوله ـ ﴿تَسْلِيمًا﴾ فنبّه الأنصاري بأنّه قد التبس بحالة تنافي الإيمان في خفاء إن استمرّ عليها بعد التنبيه على عاقبتها لم يكن مؤمنا، والأنصاري، قيل: هو غير معروف، وحبّذا إخفاؤه، وقيل: هو ثعلبة بن حاطب، ووقع في (الكشاف) أنه حاطب بن أبي بلتعة، وهو سهو من مؤلفه، وقيل: ثابت بن قيس بن شمّاس، وعلى هذه الرواية في سبب النزول يكون معنى قوله: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾ أنّه لا يستمرّ إيمانهم، والظاهر عندي أنّ الحادثتين وقعتا في زمن متقارب ونزلت الآية في شأن حادثة بشر المنافق فظنّها الزبير نزلت في حادثته مع الأنصاري.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/177.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ معناها تنازعوا فيما بينهم، واختلط الحق بالباطل، وتشابكت الأمور كما تتشابك غصون الأشجار، وإن التحاكم يكون في مثل هذه الأمور التى‏ تتشابك فيها عناصر الحق والباطل، ويلتبس بعضها ببعض، ولا يعرف الحق الصريح الواضح من بينها، ويميزه الحاكم العادل الفاحص، الذي ينظر إلى الأمور بعمق، وتدبر، وقوة فراسة، وعزمة على الحق، وطلبه بإخلاص لا هوى.

2. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ أيها النبيّ الكريم، لا يؤمنون، ولا يعدون في عداد المؤمنين، حتى يحكموك فيما يكون بينهم من خلاف، فإن من أول مظاهر الإيمان والإذعان للحق الرضا بتحكيم الشرع في الخلاف، وهنا ثلاثة بحوث لفظية:

أ. أولها: (الفاء) في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ ونقول إنها فاء الإفصاح، لأنها تفصح عن شرط مقدر، ومعنى الكلام: إذا كانت طاعة الرسول واجبة بحكم أنه رسول من عند الله، فإنهم لا يؤمنون برسالته حتى يرتضوا التحاكم إليه.

ب. ثانيها: (لا) في قوله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ قال الزمخشري إنها زائدة لتقوية الكلام، فيكون النص كقوله تعالى: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [الحجر] وقد قال الطبري إن (لا) ليست زائدة، وإنما هي رد على ما تقدم ذكره من تحاكمهم إلى الطاغوت وتركهم حكم الشرع، وقد قال في ذلك: (قوله (فلا) رد على ما تقدم ذكره، تقديره: فليس الأمر كما يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك ثم استأنف القسم بقوله‏: ﴿وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

ج. ثالثها: أن الله سبحانه وتعالى أقسم بذاته العلية، ولكنه أضاف الربوبية إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: ﴿وَرَبُّكَ﴾ يا أيها النبيّ تكريما لذات النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإعلاء لشأنه، وجواب القسم هو قوله تعالى: ﴿لَا يُؤْمِنُونَ﴾

3. من هذا النص السامي يتبين أن أول مظهر من مظاهر الإيمان الرضا بحكم الشرع، ولكن الرضا وحده ليس كافيا بل لا بد من أمرين آخرين، وهما أن يكون الرضا عن طيب نفس من غير حرج ولا ضيق، وثانيهما التسليم والخضوع لحكم الشرع، وقد قال سبحانه وتعالى في ذلك: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ الحرج الضيق والتململ من الحكم أو الشك في صحته، والمعنى: أن من مظاهر الإيمان أن يقبلوا التحاكم إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم ابتداء، وإذا صدر الحكم لا يشكون في صحته، ولا يضيقون ويتبرمون به، بل يتقبلونه بقبول حسن؛ لأن قبول الأحكام على أنها من عند الله ينهى الخصومات، ويلقى بالسلام بعدها؛ لأنهم تحاكموا إلى ذي الجلال والإكرام، وقد تكلم العلماء في العطف بـ (ثم) بدل الفاء أو الواو، فقال إن (ثم) تدل على التراخى، وكأن الله يغفر لهم الإثم الذي يصيبهم عند صدمة الحكم لهم بالنطق به، ولكن عليهم أن يروضوا أنفسهم على القبول والإذعان، من غير ضيق ولا تململ، لكى يكون الحكم حاسما للخلاف قاطعا للنزاع.

4. ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ هذا هو الوصف الثالث لأهل الإيمان بالنسبة لأحكام الشرع الشريف، والتسليم معناه الانقياد والإذعان التام في المظهر والحس، وإذا كان الوصف الثاني لبيان الخضوع النفسي، فهذا الوصف الثالث لبيان الخضوع الحسى الظاهر، وقد أكد سبحانه وتعالى التسليم بالمصدر فقال: ﴿تَسْلِيمًا﴾ للإشارة إلى وجوب الإذعان المطلق من غير أن يثيروا أي شبهة حول الحكم، ولا أن يماروا فيه مراء ظاهرا، فإن المراء قد يثير نزاعا جديدا، والقضاء يجب أن يكون حاسما قاطعا.

5. أصل التسليم هو تقديم النفس، وجعلها خالصة لمن يسلم إليه، يقال: سلم لأمر الله وأسلم له، إذا جعل نفسه خالصة لله تعالى، ثم أطلق التسليم على الانقياد الظاهرى، وعدم المماراة فيما يقرره الشرع من حقوق وواجبات.

6. يجب التنبيه إلى أن التحاكم إلى النبيّ بعد وفاته هو التحاكم إلى كتاب الله تعالى وسنة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فيجب أن يعلم كل من يسمى نفسه مسلما أن الله تعالى يقرر أنه لا يؤمن من لا يتحاكم إلى كتاب الله وسنة رسوله، ثم لا يجد ضيقا في حكم الشرع، بل يرضى به، وينقاد له انقيادا ظاهرا وباطنا، وإذا كان ذلك ما يقره الشرع، فليعلم المسلمون اليوم مكانهم من الإيمان، وقد ارتضوا حكم القوانين‏ الأوروبية بدل كتاب الله وسنة رسوله، وإذا دعوا إلى حكم الله ضاقت صدورهم حرجا، وتململوا ولم يسلموا، بل يناوءون ويعاندون؛ إذ هم يؤمنون بما عند الأوروبيين أكثر من إيمانهم بكتاب الله تعالى وسنة رسوله! ولا حول ولا قوة إلا بالله.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1744.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، لأن جميع الأحكام التي تلّفظ بها محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ليست منه، وإنما هي من الله وحده، والنبي لسانه وبيانه.

2. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، المعنى انهم لا يؤمنون، حتى يعلموا علم اليقين ان حكمك هو حكم الله بالذات، وان من ردّ عليك فعلى الله يرد.. ومحال أن يشعر المؤمن حقا بالضيق والحرج من حكم يعلم انه من عند الله.. أجل، قد يريد بينه وبين نفسه أن يكون الأكل مباحا في شهر رمضان ـ مثلا ـ، ولكنه مع ذلك يصوم ويمتنع عن الأكل خوفا من عذاب الله الذي هو أشد وأشق من الصيام، وقد تغلبه نفسه على المعصية، ولكنه يتألم ويتبرم منها، ويلعنها، لأنها استثقلت الحق.. وهذا عين الايمان.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/370.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الشجر ـ بسكون الجيم ـ والشجور: الاختلاط يقال: شجر شجرا وشجورا أي اختلط، ومنه التشاجر والمشاجرة كأن الدعاوي أو الأقوال اختلط بعضها مع بعض، ومنه قيل للشجر: شجر لاختلاط غصونها بعضها مع بعض، والحرج الضيق.

2. ظاهر السياق في بدء النظر أنه رد لزعم المنافقين أنهم آمنوا بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مع تحاكمهم إلى الطاغوت فالمعنى: فليس كما يزعمون أنهم يؤمنون مع تحاكمهم إلى الطاغوت بل لا يؤمنون حتى يحكموك.. لكن شمول حكم الغاية أعني قوله: ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ لغير المنافقين، وكذا قوله بعد ذلك: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ يؤيد أن الرد لا يختص بالمنافقين بل يعمهم وغيرهم من جهة أن ظاهر حالهم أنهم يزعمون أن مجرد تصديق ما أنزل من عند الله بما يتضمنه من المعارف والأحكام إيمان بالله ورسوله وبما جاء به من عند ربه حقيقة، وليس كذلك بل الإيمان تسليم تام باطنا وظاهرا فكيف يتأتى لمؤمن حقا أن لا يسلم للرسول حكما في الظاهر بأن يعرض عنه ويخالفه، أو في باطن نفسه بأن يتحرج عن حكم الرسول إذا خالف هوى نفسه، وقد قال الله تعالى لرسوله: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾، فلو تحرج متحرج بما قضى به النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فمن حكم الله تحرج لأنه الذي شرفه بافتراض الطاعة ونفوذ الحكم.

3. وإذا كانوا سلموا حكم الرسول، ولم يتحرج قلوبهم منه كانوا مسلمين لحكم الله قطعا سواء في ذلك حكمه التشريعي والتكويني، وهذا موقف من مواقف الإيمان يتلبس فيه المؤمن بعدة من صفات الفضيلة أوضحها: التسليم لأمر الله، ويسقط فيه التحرج والاعتراض والرد من لسان المؤمن وقلبه، وقد أطلق في الآية التسليم إطلاقا.

4. من هنا يظهر أن قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ إلى آخر الآية، وإن كان مقصورا على التسليم لحكم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بحسب اللفظ لأن مورد الآيات هو تحاكمهم إلى غير رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مع وجوب رجوعهم إليه إلا أن المعنى عام لحكم الله ورسوله جميعا، ولحكم التشريع والتكوين جميعا كما عرفت، بل المعنى يعم الحكم بمعنى قضاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكل سيرة سار بها أو عمل عمل به لأن الأثر مشترك فكل ما ينسب بوجه إلى الله ورسوله بأي نحو كان لا يتأتى‏ لمؤمن بالله حق إيمانه أن يرده أو يعترض عليه أو يمله أو يسوءه بوجه من وجوه المساءة فكل ذلك شرك على مراتبه، وقد قال تعالى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

5. في محاسن البرقي، بإسناده عن أبي الجارود عن أبي جعفر عليه السلام في قول الله تعالى: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآية، قال التسليم، الرضا، والقنوع بقضائه، وفي الكافي، بإسناده عن عبد الله الكاهلي قال قال أبو عبد الله عليه السلام: لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له، وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان ـ ثم قالوا الشيء صنعه الله وصنع رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: لم صنع هكذا وكذا، ولو صنع خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ ثم قال أبو عبد الله عليه السلام: عليكم بالتسليم، وفي تفسير العياشي، عن عبد الله بن يحيى الكاهلي عن أبي عبد الله عليه السلام قال سمعته يقول: والله لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة، وآتوا الزكاة، وحجوا البيت، وصاموا شهر رمضان ـ ثم قالوا لشيء صنعه رسول الله ص: لم صنع كذا وكذا؟ ووجدوا ذلك في أنفسهم لكانوا بذلك مشركين، ثم قرأ: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا﴾ ـ مما قضى محمد وآل محمد ﴿وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾، وفي معنى الروايتين روايات أخر، والذي ذكره عليه السلام تعميم في الآية من جهة الملاك من جهتين: من جهة أن الحكم لا يفرق فيه بين أن يكون حكما تشريعيا أو تكوينيا، ومن جهة أن الحاكم بالحكم لا يفرق فيه بين أن يكون هو الله أو رسوله.

6. هناك روايات تطبق الآيات أعني قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ إلى آخر الآيات على ولاية علي عليه السلام أو على ولاية أئمة أهل البيت عليه السلام، وهو من مصاديق التطبيق على المصاديق، فإن الله سبحانه ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمة من أهل البيت عليه السلام مصاديق الآيات وهي جارية فيهم.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/405.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ تكذيبٌ لدعواهم أنهم آمنوا بعد بيان الدليل على بطلان الدعوى كما لو قالوا قد آمنا، فقال لا، وقوله تعالى: ﴿وَرَبُّكَ﴾ قسم على إبطال دعواهم.

2. ﴿لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ﴾ إلى آخر الآية، دليلٌ على أن الإيمان لا يكون إلا مع تحكيم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ولا يكفي التحكيم بل لا بد من أن لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضى، ولا يكفي ذلك بل لا بد من التسليم والانقياد للحكم.

3. ﴿فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ أي فيما وقع بينهم من مشكلة تنازعوا فيها، قال في (الصحاح): (وشجر بين القوم: إذا اختلف الأمر بينهم..) معنى اختلاف الأمر: اختلاف وجوهه التي لأجلها تنازعوا فيه، ولعل أصل معنى شجر هنا من شجَرَه الرمحُ إذا شبَكَه، قال يذكرني (حم) والرمح شاجر.. فهلا تلى (حم) قبل التقدم والحرج: الضيق، فإذا وجدوا في أنفسهم ضيقاً من حكم الرسول الذي حكم به بينهم فليسوا مؤمنين، والتسليم: الانقياد بتنفيذ الحكم والعمل به.

4. قال الشرفي في (المصابيح): (قال إمامنا المنصور بالله القاسم بن محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم: هذا نص صريح في عدم إيمان من يجد في صدره أدنى حرج من حكم ما جاء به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم)، قال في (الكشاف): (تسليماً تأكيدٌ للفعل بمنزلة تكريره، كأنه قيل: وينقادوا لحكمه انقياداً لا شبهة فيه بظاهرهم وباطنهم)

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/103.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. يعود القرآن ـ من جديد ـ ليحدّد للمؤمنين الحدّ الفاصل بين الإيمان وعدمه، ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ بكلمة الإيمان التي يقولونها، أو بمظاهره وشعائره التي يحملونها، بل لا بد من الموقف الصعب الحاسم الذي يضع الأمور في نصابها الصحيح.

2. ﴿حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾؛ فإذا اختلفوا في أية قضية من قضايا الحياة، وتعدّدت الآراء التي يدلي بها هذا الفريق أو ذاك، فإن علامة إيمانهم أن يجعلوك الحاكم في ما يأخذون أو يدعون، وذلك من خلال صفتك الرساليّة، ليكون رجوعهم إليك وتحكيمهم لك رجوعا إلى الرسالة وتحكيما لها في جميع أمورهم التي يختلفون فيها، فإن معنى ذلك أنهم لا يجدون لأنفسهم الحق في الاستقلال في رأي ما، بعيدا عن الرسول والرسالة، ولا يتطلعون في جميع قضاياهم الحياتية إلى أي شخص آخر، أو أي فكر آخر، وذلك هو معنى الإيمان الذي يلتزم بالقاعدة ولا يلتزم بأية قاعدة غيرها، فإذا حكمت بينهم بأمر، مما يلتقي برغباتهم الذاتية أو مما لا يلتقي بها، فإنهم سيرتفعون ـ عند ذلك ـ عن الخضوع لمشاعرهم الخاصة، فلا يقومون بأيّ عمل سلبي ضد هذا الحكم، ولا يتعقّدون في داخلهم من أجله، بل يتقبلونه برحابة صدر ورضا نفس، ويستسلمون لحكم الله في دعة واطمئنان، لأنه يملك منهم ما لا يملكونه من أنفسهم، وهذا هو معنى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾

3. قد نستوحي من هذه الآية، أن من علامات إيمان المؤمن أن يقف أمام المراحل الصعبة التي يقطعها في مجالات الجهاد والدعوة إلى الإسلام، ليحدّد موقفه من خلال حاجة المرحلة؛ فقد تفرض عليه أن يكبت انفعالاته ويجمّد حماسه عندما تقتضي مصلحة الإسلام ذلك؛ وقد تفرض عليه أن يتقدّم في بعض المواقف ويقف في بعضها الآخر، فلا يخضع لهوى نفسه ولرغبة مزاجه، بل يجعل الإسلام نصب عينيه من خلال ما يفرضه عليه حكم الله ليسير على هدى ذلك، باعتبار أنه الحكم العدل الذي لا ينحرف ولا يزيغ.

4. قد نستوحي من ذلك التأكيد على عصمة النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم من خلال التسليم الكلي لحكمه، سواء أكان الحكم متصلا بالخط التشريعي الذي يشرعه الله في أحكام الناس في قضاياهم العامة، أم كان متصلا بالجانب القضائي في منازعات الناس في أمورهم الخاصة أمامه، أم كان متحركا في تفاصيل الواقع كله، لأنه يمثل الحقيقة التي لا مجال فيها لأيّ ريب أو لأية شبهة مما قد يدور في خاطر الأوهام من احتمالات الخطأ، لا سيّما أن الله ربط ذلك بالإيمان بحيث يفقد المرء إيمانه إذا ابتعد عن هذا الخط المستقيم، فلو كان النبي معرّضا للخطأ في أيّ شيء من ذلك أو واقعا تحت تأثير احتمالات الخطيئة، لكان للناس الحق أن يراجعوا أحكامه في حسابات النقد التحليلي الذي يمكن أن يثير السؤال أو يبحث عن الوضوح‏ في أجواء الغموض.

5. إذا كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يمثل الحقيقة البيضاء الناصعة، فلا مجال لأيّ اجتهاد خاص أو عام في مقابل أي حديث صادر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وليس هناك أية فرصة للآراء الشخصية المتنوعة من أية جهة أو من أيّ شخص، ومن الطبيعي أن ذلك مختص بما صدر عن النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم بطريق اليقين أو الاطمئنان المستقر، أمّا إذا لم يكن موثّقا بطريقة حاسمة، فبإمكان الباحثين من العلماء الذين يملكون سعة الاطلاع واجتهاد البحث أن يناقشوا ويدققوا في مضمون هذا الحديث أو ذاك في مقارنة دقيقة مع القرآن، أو يلاحقوا علامات الاستفهام في سنده، لأن القضية هي قضية الإسلام الذي لا بد أن تكون العقيدة والمفهوم والشريعة فيه منطلقة من المصادر الموثوقة الخاضعة لموازين النقد العلمي الواسع العميق.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/343.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. وقع خصام بين الزّبير بن العوام ـ وهو من المهاجرين ـ وبين رجل من الأنصار على سقي نخيلهما التي كانت متقاربة في المكان، فترافعا إلى النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وحيث أن نخيل الزبير كانت أعلى مكانا من نخيل الأنصاري، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم للزبير: (اسق ثمّ أرسل إلى جارك) (وقد كانت هذه هي العادة في البساتين المتجاورة آنذاك) فغضب الأنصاري من حكم النّبي العادل هذا، وقال: يا رسول الله لئن كان ابن عمتك؟ فتلون وجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم انزعاجا من موقف الأنصاري وكلامه، فنزلت الآية الكريمة تحذر المسلمين من مثل هذه المواقف، وقد ذكرت في بعض التفاسير أسباب أخرى لنزول الآية تشابه ـ إلى درجة كبيرة ـ ما ذكر في سبب النزول المتقدم (راجع تفسير التّبيان والطّبرسي، والمنار)

2. الآية، وإن ذكر لها سبب نزولها خاص ـ ولكننا أسلفنا غير مرّة أن أسباب النزول الخاصّة لا تنافي عمومية مفهوم الآيات، ولهذا يمكن اعتبار هذه الآية تكميلا لما جاء من البحث في الآيات السابقة.

3. ولقد أقسم الله ـ في هذه الآية ـ بأنّ الأفراد لا يمكن أن يمتلكوا إيمانا واقعيا إلّا إذا تحاكموا إلى النّبي وقضائه، ولم يتحاكموا إلى غيره‏ ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾، ثمّ يقول سبحانه: يجب عليهم، أن يتحاكموا إليك فقط، ومضافا إلى ذلك ليرضوا بما تحكمه، سواء كان في صالحهم أو في ضررهم ولا يشعروا بأي حرج في نفوسهم فضلا عن أن لا يعترضوا، وبالتالي ليسلموا تسليما.

4. ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾: والانزعاج النفسي الباطني من الأحكام التي ربّما تكون في ضرر الإنسان، وإن كان في الأغلب أمرا غير اختياري، إلّا أنّه على أثر التربية الخلقية المستمرة يمكن أن تحصل لدى الإنسان روح التسليم أمام الحق، والخضوع للعدالة، خاصّة بملاحظة المكانة لواقعية النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلا ينزعج من أحكام النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل ولا من أحكام العلماء الذين يخلفونه، وعلى كل فإن المسلمين الواقعيين مكلفون دائما بتنمية روح الخضوع للحق، والتسليم أمام العدل في نفوسهم.

5. إن الآية الكريمة تبيّن علائم الإيمان الواقعي الراسخ في ثلاث مراحل:

أ. أن يتحاكموا إلى النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وحكمه النابع من الحكم الإلهي ـ في ما اختلفوا فيه، كبيرا كان أم صغيرا، لا إلى الطواغيت وحكام الجور والباطل.

ب. أن لا يشعروا بأي انزعاج أو حرج في نفوسهم تجاه أحكام الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وأقضيته العادلة التي هي ـ في الحقيقة ـ نفس الأوامر الإلهية، ولا يسيئوا الظن بهذه الأحكام.

ج. أن يطبقوا تلك الأحكام ـ في مرحلة تنفيذها ـ تطبيقا كاملا ويسلموا أمام الحق تسليما مطلقا.

6. من الواضح أنّ القبول بأي دين وأحكامه في ما إذا كانت في مصلحة الإنسان وكانت مناسبة لمنافعه وتطلعاته، لا يمكن أن يكون دليلا على إيمانه بذلك الدين، بل يثبت ذلك إذا كانت تلك الأحكام في الاتجاه المتعاكس لمنافعه وتطلعاته ظاهرا، وإن كانت مطابقة للحق والعدل في الواقع، فإذا قبل بمثل هذه الأحكام وسلم لها تسليما كاملا كان ذلك دليلا على إيمانه ورسوخ اعتقاده، فقد روي عن الإمام الصادق عليه السّلام‏ في تفسير هذه الآية: (لو أن قوما عبدوا الله وحده لا شريك له وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وحجوا البيت وصاموا شهر رمضان ثمّ قالوا لشيء صنعه الله وصنع رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لم صنع هكذا وكذا، ولو صنع خلاف الذي صنع، أو وجدوا ذلك في قلوبهم لكانوا بذلك مشركين، ثمّ تلا هذه الآية (الحاضرة) ثمّ قال عليه السّلام: عليكم بالتسليم)

7. ثمّ إنّه يستفاد من الآية الكريمة مطلبان مهمّان ـ ضمنا:

أ. إنّ الآية إحدى الأدلة على عصمة النّبي الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنّ الأمر بالتسليم المطلق أمام جميع أحكامه وأوامره قولا وعملا، بل والتسليم القلبي والخضوع الباطني له أيضا دليل واضح على أنّه صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يخطئ في أحكامه وأقضيته وتعليماته، ولا يتعمد قول ما يخالف الحق فهو معصوم عن الخطأ، كما هو معصوم عن الذنب أيضا.

ب. إنّ الآية الكريمة تبطل كلّ اجتهاد في مقابل النص الوارد عن النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وتنفي شرعية كل رأي شخصي في الموارد التي وصلت إلينا فيها أحكام صريحة من جانب الله تعالى ونبيّه صلّى الله عليه وآله وسلّم.

8. وعلى هذا الإساس فإن ما نراه في التاريخ الإسلامي من اجتهاد بعض الأشخاص في مقابل الأحكام الإلهية والنصوص النبوية، وقولهم: قال النّبي كذا ونقول كذا، فليس أمامنا حياله إلّا أن نذعن بأنّهم عملوا على خلاف صريح هذه الآية، وخالفوا نصها.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/307.

64. التسليم والاختبارات الصعبة

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈64⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 66 ـ 68]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن جبير:

روي عن سعيد بن جبير (ت 95 هـ) أنّه قال: ﴿مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾، الجنة(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٩٦.

البصري:

روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: أنّه قال: لما نزلت هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال أناس من الصحابة: لو فعل ربنا لفعلنا، فبلغ النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: الإيمان أثبت في قلوب أهله من الجبال الرواسي(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٩٥.

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ وسلموا للإمام تسليما ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ رضا له ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ﴾ إن أهل الخلاف ﴿فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ وفي هذه الآية ﴿ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ﴾ من أمر الوالي ﴿وَيُسَلِّمُوا﴾ لله الطاعة ﴿تَسْلِيمًا﴾(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ في علي ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾(2).

3. روي أنّه قال: هكذا نزلت هذه الآية: ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به في علي لكان خيرا لهم(3).

4. روي أنّه قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ للإمام تسليما ﴿أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ رضا له ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ﴾ إن أهل الخلاف ﴿فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يعني في علي عليه السلام(4).

__________

(1) الكافي 8/184.

(2) الكافي 1/345.

(3) الكافي 1/351.

(4) تفسير العيّاشي 1/256.

زيد:

روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) أنّه قال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ معناه قضينا عليهم(1).

__________

(1) تفسير الإمام زيد، ص 121.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) أنّه قال: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، تصديقا(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٠٩.

السبيعي:

روي عن أبي إسحاق السبيعي (ت 129 هـ) أنّه قال: لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: إن من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٠٧.

الكلبي:

روي عن محمد بن السائب الكلبي (ت 146 هـ) أنّه قال: كان رجال من المؤمنين ورجال من اليهود جلوسا، فقالت اليهود: لقد استتابنا الله من أمر، فتبنا إليه منه، وما كان ليفعله أحد غيرنا، قتلنا أنفسنا في طاعة الله حتى رضي عنا، فقال ثابت بن قيس بن شماس: إن الله يعلم لو أمرنا محمد أن نقتل أنفسنا لقتلت نفسي، فأنزل الله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾(1).

__________

(1) تفسير ابن أبي زمنين ١/٣٨٤.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: فقالت اليهود: قاتل الله هؤلاء، ما أسفههم، يشهدون أن محمدا رسول الله، ويبذلون له دماءهم وأموالهم، وطئوا عقبه، ثم يتهمونه في القضاء، فوالله، لقد أمرنا موسى عليه السلام في ذنب واحد، أتيناه، فقتل بعضنا بعضا، فبلغت القتلى سبعين ألفا حتى رضي الله عنا، وما كان يفعل ذلك غيرنا، فقال عند ذلك ثابت بن قيس بن شماس الأنصاري: فوالله، إن الله عز وجل ليعلم أنه لو أمرنا أن نقتل أنفسنا لقتلناها، فأنزل الله عز وجل في قول ثابت: ‌‌﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من القرآن، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في دينهم، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ يعني: تصديقا في أمر الله عز وجل(1).

3. روي أنّه قال: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ يعني: من عندنا، ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يعني: الجنة(1).

4. روي أنّه قال: فلما نزلت: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: لعمار بن ياسر، وعبد الله بن مسعود، وثابت بن شماس: من أولئك القليل(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٦.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله عزّ وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ الآية، عن الحسن قال لما نزلت هذه الآية قال رجل من الأنصار: والله، لو كانت‏: (والّذي نفس محمّد بيده للإيمان أثبت في صدور الرّجال من الأنصار من الجبال الرّواسي)، وقيل: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية: هم يهود يعني العرب كما أمر أصحاب موسى، عليه السلام‏.

2. ثم اختلف في قتل الأنفس:

أ. قال بعضهم: هو أن يقتل كلّ نفسه.

ب. وقال آخرون: هو أن يأمر أن يقتل بعض بعضا.

3. أما قتل كلّ نفسه فإنه لا يحتمل لوجهين:

أ. أحدهما: وذلك أنه عبادة شديدة مما لا يحتمل‏ أحد؛ كقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] أخبر أنه لا يكلف ما لا طاقة له.

ب. الثاني: أن فيه قطع النسل وحصول الخلق للإفناء خاصة، وذلك مما لا حكمة في خلق الخلق للإفناء خاصة.

4. وقوله عزّ وجل: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، قيل: هو عبد الله بن مسعود، وعمار، وفلان، وفلان ولا تدري أيصح أم لا؟ ولو كان قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قتل بعض بعضا فذلك ما أمروا به بمجاهدة العدو، والإخراج من المنزل، والهجرة، ثم أخبر أنهم لا يفعلون ذلك إلا قليل منهم.

5. وقوله عزّ وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ يحتمل هذا وجهين:

أ. لو فعلوا ما يؤمرون به من الإسلام والطاعة لكان خيرا لهم من ذلك.

ب. ويحتمل: لو أنهم فعلوا ما يؤمرون به من القتل لو كتب عليهم، لكان خيرا لهم في الآخرة.

6. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾:

أ. قيل: حقيقة.

ب. وقيل: تحقيقا في الدنيا.

ج. وقيل: ما يوعظون به من القرآن‏

7. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في دينهم‏، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ يعني: تصديقا بأمر الله‏.

8. قوله عزّ وجل: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ يحتمل وجهين:

أ. الأجر العظيم في الآخرة.

ب. ويحتمل: في الدنيا؛ كقوله: ﴿فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى﴾ [الليل: 7]

9. وقوله: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾:

أ. فهو الهادى للعباد إلى الطريق المستقيم.

ب. وقيل: تثبيتا لهم في الدنيا.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/244.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قال أبو جعفر عليه السلام: لما حكم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم للزبير على خصمه، لوى شدقه وقال لمن سأله عمن حكم له، فقال: لمن يقضي؟ لابن عمته، فتعجب اليهودي وقال: إنا آمنا بموسى فأذنبنا ذنباً فأمرنا الله تعالى بأن نقتل أنفسنا، فقتلناها فأجلت عن سبعين ألف قتيل، وهؤلاء يقرون بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ويطئون عقبه ولا يرضون بقضيته، فقال ثابت بن الشماس: لو أمرني الله أن أقتل نفسي لقتلتها فأنزل الله‏ ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ يعني ابن الشماس ذكره السدي.

2. قرأ ابن عامر وحده (إلا قليلا) بالنصب، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، الباقون بالرفع، وقيل: إن النصب قراءة أبي:

أ. فمن رفع فعلى البدل من‏ المضمر كأنه قال ما فعله إلا قليل منهم، وهذا يجوز في النفي دون الإثبات، لأنه لا يجوز أن يقول فعله إلا قليل منهم، لأن الفعل ليس للقليل في الإثبات كما هو لهم في النفي، وقال الكسائي: ارتفع بالتكرار، والمعنى ما فعلوه ما فعله إلا قليل.

ب. ومن نصب فإنه قال الاستثناء بعد تمام الكلام، لأنه قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ كلام تام كما أن قولك فعل القوم كلام تام، فاستثني بعده، ولم يجعل، ما بعد إلا عليه الاعتماد.

ج. والوجه الرفع، لأن الفعل لهم، فهو أدل على المعنى.

3. قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي (ان اقتلوا) بضم النون وبضم الواو في قوله: ﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾ وقرأ عاصم وحمزة بكسرهما وكسر النون، وضم الواو أبو عمرو، فمن ضمها فلان الثالث مضموم أنبع الضمة، ومن كسرهما فعلى أصل الحركة لالتقاء الساكنين، وأبو عمرو ضم الواو تشبيهاً بواو ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾، ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾

4. معنى قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي لو أنا ألزمناهم وأوجبنا عليهم‏ ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ أي لو كتبنا عليهم ذلك ـ كما أوجبنا على قوم موسى وقتلوا أنفسهم وأخرجهم إلى التيه ـ ما فعله هؤلاء للمشقة التي فيه مع أنه كان ينبغي أن يفعلوه، لما لهم فيه من الحظ، لأنا لم نكن لنأمرهم به إلا لما تقتضيه الحكمة، وما فيه من المصلحة مع تسهيلنا تكليفهم وتيسيرنا عليهم، فما يقعدهم عنه مع تكامل أسباب الخير فيه وسهولة طريقه؟ ولو فعلوا ما يوعظون به أي ما يؤمرون به، لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً.

5. في قوله تعالى: ﴿َأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ قولان:

أ. أحدهما: ان البصيرة أثبت من اعتقاد الجهالة لما يعتري فيها من الحيرة واضطراب النفس الذي يتميز من حال المعرفة بسكون النفس إليه.

ب. الثاني: ان اتباع الحق أثبت منفعة لأن الانتفاع بالباطل يضمحل بما يعقب‏ من المضرة وعظيم الحسرة، فالأول لأجل البصرة، والثاني لأجل دوام المنفعة.

ج. قال البلخي معنى الآية أنه لو فرض الله عليهم قتل أنفسهم كما فرض على قوم موسى عندما التمسوا أن يتوب عليهم أو الخروج من ديارهم ما فعلوه، فإذا لم يفرض عليهم ذلك، فليفعلوا ما أمروا به مما هو أسهل عليهم منه، فان ذلك خير لهم وأشد تثبيتاً لهم على الايمان، وفي الدعاء اللهم ثبتنا على ملة رسولك، ومعناه اللهم الطف لنا ما تثبت معه على التمسك بطاعة رسولك والمقام على ملته.

6. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قيل: ان (إذاً) دخلت هاهنا لتدل على معنى الجزاء، كأنه قال ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً جزاء على فعلهم [ومعنى‏] (إذاً) جواب وجزاء وهي تقع متقدمة ومتأخرة ومتوسطة وإنما تعمل متقدمة خاصة إلا أن يكون الفعل بعدها للحال نحو إذا أظنك خارجاً، وتلغى اذاً عن العمل من بين أخواتها لأنها تشبه أظن في الاستدراك بها تقول: زيد في الدار أظن فتستدرك بها بعد ما مضى صدر الكلام على اليقين، وكذلك يقول القائل: أنا أجيئك فتقول: وأنا أكرمك اذن، أردت أن تقول: وأنا أكرمك ثم استدركته بإذن، ولدن مبنية ولم تبين عند، لأنها أشد إبهاما إذا كانت تقع في الجواب نحو أين زيد، فتقول: عند عمرو، فلا يقع لدن هذا الموقع، فجرت لشدة الإبهام مجرى الحروف.

7. معنى (لدنا) هاهنا من عندنا، وإنما ذكر ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ تأكيداً للاختصاص، بأنه ما لا يقدر عليه إلا الله، لأنه قد يؤتي بما يجريه على يد غيره، وقد يؤتي بما يختص بفعله، وذلك أشرف له وأعظم في النعمة ولأنه متحف بما لا يقدر عليه غيره.

8. ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ معناه ولفعلنا من اللطف بهم ما يثبتون معه على الطاعة، ولزوم الاستقامة وإنما لم يفعل بهم هذا اللطف مع الحال التي هم عليها، لأنه يخرجهم‏ من معنى اللطف حتى يصيروا بمنزلة من لا لطف له على وجه، ومثله‏ ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾ أي ثبتنا بلطفك على الصراط المستقيم، وقال أبو علي: معناه الأخذ بهم على طريق الجنة في الآخرة، قال: ولا يجوز أن يكون المراد بالهداية هاهنا الإرشاد إلى الذين لأنه تعالى وعد بهذا من يكون مؤمناً مطيعاً، ولا يكون كذلك إلا وقد اهتدى.

9. سؤال وإشكال: لم جاز أن يمنعوا اللطف لسوء فعلهم، ولم يجز أن يمنعوا لسوء فعل غيرهم إذ قد صاروا بمنزلة من لا لطف لهم؟ والجواب: لأنهم يؤتون في معاصيهم من قبل أنفسهم ولا يجوز أن يؤتوا فيها من قبل غيرهم ولو جاز ذلك لجاز أن يقتطعوا عن التوبة بالقتل فيكونوا قد أوتوا في معاصيهم من قبل المتقطع لهم وتكون التخلية فيه بمنزلة الامانة، والواجب في هذا ان يمنع غير هذا المكلف من سوء الفعل الذي فيه ارتفاع اللطف، فان كان لطف هذا المكلف متعلقاً بفعل غيره، وقد علم انه لا يفعله، لم يحسن تكليف هذا المكلف لأنه ان منع هذا من الايمان، فسد، وان ترك وسوء الفعل فسد.

10. اللام في قوله: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ لام الجواب التي تقع في جواب (لو) كما تقع في جواب القسم، كما قال امرؤ القيس:

çحلفت لها بالله حلفة فاجر...لناموا فما ان من حديث ولا صال‏é

والفرق بين لام الجواب ولام الابتداء ان لام الابتداء لا تدخل إلا على الاسم المبتدأ إلا في باب (ان) خاصة فإنها تدخل على الفعل لمضارعته الاسم، يبين ذلك قولك: قد علمت ان زيداً ليقوم، وقد علمت ان زيداً ليقومن فتكسر (ان)، والأولى وتفتح الثانية.

11. ﴿صِرَاطًا﴾ نصب على أنه مفعول ثان، لأنه في معنى مفعول كسوته ثوباً، أي فاكتسى ثوباً، فكذلك ولهديناهم فاهتدوا صراطاً.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/247.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. كَتَبَ: فرض، ومنه ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾ وأصله من الكتابة.

ب. تثبيت: تَفْعِيل من ثبتَ الشيء ثباتًا، ورجل ثَبْتٌ في الحرب، وثبت إذا لم يزل ولم يصرع، وأثبته السقم إذا لم يكد يفارقه.

ج. الهدى: الدلالة والبيان، والمستقيم من الاستقامة.

2. اختلف في سبب نزول الآيات الكريمة:

أ. قيل: نزلت في المنافقين الَّذِينَ مضت قصتهم.

ب. وقيل: نزلت في ثابت بن قيس بن شماس فاخر يهوديًّا فقال اليهودي: لو كتب علينا قتل أنفسنا قتلناها، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لقتلنا أنفسنا.

ج. وقيل: إن اليهود قالت: أمرنا موسى بقتل أنفسنا ففعلنا، ومحمد يأمركم بالقتال فتكرهونه، فقال بعض المسلمين: لو أمرنا به لفعلنا، فنزلت الآية عن الأصم.

د. وعن الحسن ومقاتل: لما نزلت هذه الآية قال عمر وعمار وابن مسعود وناس من الصحابة وهم القليل: والله لو أمرنا لفعلنا، فالحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: (إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي)

3. ثم أخبر تعالى عن سرائر القوم ونفاقهم فقال تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ أي أوجبنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾:

أ. قيل: على المنافقين.

ب. وقيل: الَّذِينَ تحاكموا إلى الطاغوت.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾:

أ. قيل: أراد حقيقة القتل كما أمر بني إسرائيل بقتلهم أنفسهم، وبالخروج من مصر.

ب. وقيل: المراد التعريض للقتل وأسبابه، يعني لو أمرنا المنافقين بالجهاد والهجرة كما أمرنا المؤمنين فبذلوا أنفسهم في الجهاد، وعرضوا للقتل، والهجرة عن ديارهم ما فعل هَؤُلَاءِ عن أبي مسلم.

ج. وقيل: أخبر عما علم من خلقه، أي لو كلفناهم ذلك.

5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾:

أ. قيل: لشدته إلا قليل، ولرحمته لم يكلفهم إلا يسيرًا سهلاً، عن أبي علي.

ب. وقيل: لو كتبنا عليهم أن يقتل بعضهم بعضًا، وأن يخرجوا من ديارهم ما فعلوا إلا قليل، أي ما فعلوا القتل والخروج.

6. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ يعني الَّذِينَ تقدم ذكرهم ﴿فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ يعني ما أمروا به، وتُلِيَ عليهم من كتاب الله ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في دنياهم وآخرتهم مما هم فيه من النفاق.

7. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾:

أ. قيل: أشد بصيرة ومعونة بما يجب عليهم من اعتقاد الجهل لما يعتري من الحيرة.

ب. وقيلِ: اتباع الحق أثبت منفعة؛ لأن الباطل مضمحل، وتعقبه الحسرة العظيمة.

8. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ﴾ يعني وإذًا لأعطيناهم جزاء على اتباع أمرك وقبول شرعك ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي ثوابًا جزيلاً ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي إلى صراط:

أ. وقيل: الهدى: اللطف الذي يثبتون به على الطاعة في لزوم الطريقة المستقيمة، تقديره ووفقناهم لنيل الطريق المستقيم والثبات عليه.

ب. وقيل: لهديناهم أي أخذناهم إلى طريق الجنة والثواب في الآخرة عن أبي مسلم وأبي علي.

ج. وقيل: أرشدناهم إلى طريق دين لا اعوجاج فيه، وهو دين الإسلام.

9. تدل الآيات الكريمة على:

أ. أنه تعالى منعم في التخفيف علينا في التكليف، وذلك يدل أنه لا يكلف ما لا يطيقون؛ لأنه إذا لم يكلفهم ما يثقل عليهم فكيف يكلفهم ما لا يقدرون عليه؟ وبعد فإن عندهم التكاليف كلها مما لا يطاق، ولا يقدر على شيء منه، فكيف يثبت في التكليف التخفيف، وكل ذلك يبطل قول الْمُجْبِرَةِ في الاستطاعة والمخلوق وتكليف ما لا يطاق.

ب. أنه تعالى يفعل الأصلح؛ لأنه بين أنه لو كلف القتل لقل المطيعون فلم يكلف ذلك.

ج. أن التكليف الذي يكثر معه الطاعة أولى، ولو كان جميع أفعال العباد خلقًا له لم يكن لهذا الكلام فائدة، وهذا حجة عليهم أيضا في المخلوق.

د. أن التمسك بالعبادة يزيد المرء تثبيتًا وسكون نفس؛ لأنه تعالى يلطف له.

هـ. يدل قوله: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ أن الهدى قد يكون إلى الجنة وإلى الثواب خلاف قول الْمُجْبِرَة: إنه خلق الإيمان.

10. قراءات ووجوه:

أ. قرأ ابن عامر وأبي بن كعب وعيسى بن عمر ﴿قَلِيلًا﴾ بالنصب، وكذا هو في مصاحف الشام، ومصحف أنس بن مالك، والباقون ﴿قَلِيلٍ﴾ بالرفع، وكذلك هو في مصاحفهم، فأما الرفع فعلى ضمير الفاعل من قوله: ﴿فَعَلُوهُ﴾ تقديره: فعله القليل، وقيل: على التكرار تقديره: ما فعلوه، تم الكلام، ثم قال: إلا أنه فَعَلَهُ قليل منهم، والنصب على الاستثناء، وقيل: فيه إضمار تقديره: إلا أن يكون قليلاً منهم.

ب. في قوله: ﴿أَنِ اقْتُلُوا﴾ ـ ﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾ ثلاث قراءات: الأول: بضم نون ﴿أَنْ﴾ وواو ﴿أَوْ﴾ ابن كثير ونافع وابن عامر والكسائي على نقل حركة الألف إليه، والثاني: الكسر فيهما لالتقاء الساكنين، عاصم وحمزة، والثالث: بكسر النون، وضم الواو أبو عمرو، وأما في كسر ﴿أَنْ﴾ على أصل الحركة لالتقاء الساكنين، وأما ضم ﴿أَوْ﴾ فلأنه يجري مجرى ﴿اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ﴾ ﴿وَلَا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ﴾ مع أن الثالث ينضم، وكسر ﴿لَوِ اسْتَطَعْنَا﴾؛ لأنه لم يجتمع فيه السببان كما اجتمع في ﴿أَوْ﴾

11. مسائل لغوية ونحوية:

أ. ﴿إِذًا﴾ دخلت هنا لتدل على الجزاء، تقديره: ولو فعلوا ما يوعظون به لآتيناهم أجرًا جزاء على فعلهم، و﴿إِذًا﴾ معناها جواب وخبر، وهي تقع متقدمة ومتأخرة ومتوسطة، وإنما تعمل متقدمة خاصة إلا أن يكون الفعل بعدها للحال نحو: إذن أظنك خارجًا.

ب. اللام في قوله: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ﴾ لام الجواب تقع في جوابـ ﴿إِذًا﴾، كما لو تقع في جواب القسم.

ج. ﴿صِرَاطًا﴾ مفعول ثانٍ كقوله: كسوته ثوبًا، وتقديره: لهديناهم فاهتدوا صراطًا مستقيمًا، وكسوته واكتسى ثوبًا.

د. ﴿خَيْرًا﴾ نصب؛ لأنه خبر ﴿كَانَ﴾ تقديره: لكان الوعظ خَيرًا لهم، وما يوعظون بمنزلة الوعظ.

هـ. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ نصب عطفًا على ﴿خَيْرًا﴾، و﴿لَدُنَّا﴾ النون مثقلة؛ لأنك أدغمت النون التي في (نا)

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/691

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أخبر سبحانه عن سرائر القوم فقال: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾: أي أوجبنا ﴿عَلَيْهِمْ﴾: أي على هؤلاء الذين تقدم ذكرهم ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ كما أوجبنا على قوم موسى، وألزمناهم ذلك، فقتلوا أنفسهم، وخرجوا إلى التيه ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾: أي ما فعله هؤلاء، للمشقة التي لا يتحملها إلا المخلصون ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾:

أ. قيل: إن القليل الذي استثنى الله هو: ثابت بن قيس بن شماس.

ب. وقيل: هو جماعة من أصحاب رسول الله، قالوا: والله! لو أمرنا لفعلنا فالحمد لله الذي عافانا، ومنهم عبد الله بن مسعود، وعمار بن ياسر، فقال النبي: (إن من أمتي لرجالا الايمان في قلوبهم أثبت من الجبال الرواسي)

2. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾: أي ما يؤمرون به ﴿لَكَانَ﴾ ذلك ﴿خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾:

أ. قيل: أي بصيرة في أمر الدين، كني عن البصيرة بهذا اللفظ، لان ما كان على بصيرة من أمر دينه، كان ذلك أدعى له إلى الثبات عليه، وكان هو أقوى في اعتقاد الحق، وأدوم عليه ممن لم يكن على بصيرة منه.

ب. وقيل: معناه أن قبولهم وعظ الله، ووعظ رسوله، في أمور الدين والدنيا، أشد تثبيتا لهم على الحق والصواب، وأمنع لهم من الضلال، وأبعد من الشبهات، كما قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾

ج. وقيل: إن معناه وأكثر انتفاعا بالحق، لان الانتفاع بالحق يدوم، ولا يبطل، لأنه يتصل بثواب الآخرة، والانتفاع بالباطل، يبطل ويضمحل، ويتصل بعقاب الآخرة.

د. قال البلخي: معنى الآية: (لو فرض عليهما القتل، أو الخروج من الديار، لم يفعلوا، فإذا لم يفرض عليهم ذلك، فليفعلوا ما أمروا به مما هو أسهل عليهم منه، فإن ذلك خير لهم، وأشد تثبيتا لهم على الايمان)، وفي الدعاء: (اللهم ثبتنا على دينك) ومعناه: ألطف لنا ما نثبت معه عليه.

3. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ﴾: هذا متصل بما قبله: أي ولو أنهم فعلوا ذلك لآتيناهم: أي لأعطيناهم ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾: أي من عندنا ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ لا يبلغ أحد كنهه، ولا يعرف منتهاه، ولا يدرك قصواه وإنما ذكر ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ تأكيدا بأنه لا يقدر عليه غيره، وليدل على الاختصاص، فإن الأجر يجوز أن يصل إلى المثاب على يد بعض العباد، فإذا وصل الثواب إليه بنفسه، كان أشرف للعبد، وأبلغ في النعمة.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾:

أ. قيل: أي ولثبتناهم مع ذلك على الطريق المستقيم.

ب. وقيل: معناه بما نفعله من الألطاف التي يثبتون معها على الطاعة، ويلزمون الاستقامة، وتقديره: ووفقناهم للثبات على الصراط المستقيم.

ج. وقيل: معناه ولهديناهم في الآخرة إلى طريق الجنة، عن أبي علي الجبائي، قال: (ولا يجوز أن تكون الهداية هنا الإرشاد إلى الدين، لأنه سبحانه وعد بها المؤمن المطيع، ولا يكون كذلك إلا وقد اهتدى)

5. قراءات ووجوه:

أ. قرأ ابن كثير، ونافع، وابن عامر، والكسائي، (أن اقتلوا) بضم النون، ﴿أَوِ اخْرُجُوا﴾ بضم الواو، وقرأ عاصم، وحمزة بكسرهما، وقرأ أبو عمرو بكسر النون، وضم الواو.. قال أبو علي: أما فصل أبي عمرو بين الواو والنون، فلأن الضم بالواو أحسن، لأنها تشبه واو الضمير، والجمهور في واو الضمير على الضم، نحو لا تنسوا الفضل بينكم، وقال: وإنما ضمت النون، لأنها مكان الهمزة التي ضمت، لضم الحرف الثالث، فجعلت بمنزلتها، وإن كانت منفصلة، وفي الواو هذا المعنى، والمعنى الذي أشرنا إليه من مشابهته واو الضمير والضمة، في سائر هذه، أحسن، لأنها في موضع الهمزة، قال أبو الحسن: وهي لغة حسنة، وهي أكثر في الكلام، وأقيس، ووجه قول من كسر أن هذه الحروف منفصلة من الفعل المضموم الثالث والهمزة متصلة بها، فلم يجروا المنفصل مجرى المتصل.

ب. قرأ ابن عامر وحده: ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ بالنصب، وهو كذلك في مصاحف أهل الشام، وقرأ الباقون بالرفع.. والوجه في قوله ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ الرفع على البدل، فكأنه قال: ما فعله إلا قليل، فإن معنى ما أتاني أحد إلا زيد، وما أتاني إلا زيد واحد، ومن نصبه فإنه جعل النفي بمنزلة الإيجاب، فإن قولك: ما أتاني أحد، كلام تام، كما أن جاءني القوم، كذلك، فنصب مع النفي، كما نصب مع الإيجاب.

6. مسائل لغوية ونحوية:

أ. ﴿لَوْ﴾: يمتنع بها الشئ لامتناع غيره، تقول: لو أتاني زيد لأكرمته، فالمعنى إن إكرامي امتنع لامتناع إتيان زيد فحقها أن يليها الفعل، فالتقدير هنا: لو وقع كتبنا عليهم، ويجوز أن يكون أن الشديدة كما نابت عن الاسم والخبر في قولك: حسبت أن زيدا عالم، نابت هنا عن الفعل والاسم، فيكون المعنى في قوله ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ كالمعنى في: لو كتبنا عليهم.

ب. ﴿إِذًا﴾: دخلت هنا لتدل على معنى الجزاء، ومعنى ﴿إِذًا﴾ جواب وجزاء، وهي تقع متقدمة، ومتوسطة، ومتأخرة، وإنما تعمل متقدمة خاصة، إلا أن يكون الفعل بعدها للحال، نحو: إذن أظنك خارجا.

ج. اللام في قوله: ﴿لَآتَيْنَاهُمْ﴾ و﴿لَهَدَيْنَاهُمْ﴾ اللام التي تقع في جواب لو، كما تقع في جواب القسم في قول امرئ القيس:

çحلفت لها بالله حلفة فاجر... لناموا فما إن من حديث ولا صالé

والفرق بين لام الجواب، ولام الابتداء: إن لام الابتداء لا تدخل إلا على الاسم المبتدأ، إلا في باب إن خاصة، فإنها تدخل على يفعل لمضارعته الاسم، وتقول علمت إن زيدا ليقوم، وعلمت أن زيدا ليقومن، فتكسر إن الأولى، لان علمت صارت متعلقة باللام في ليقوم فإنها لام الابتداء، أخرت إلى الخبر، لئلا يجتمع حرفان متفقان في المعنى، وتفتح أن الثانية، لأنها لام الجواب، فاعرفه فإنه من دقائق النحو، وأسراره.

د. ﴿صِرَاطًا﴾: مفعول ثان لهديناهم.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/108.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: أنّ رجلا من اليهود قال والله لقد كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم، فقتلناها، فقال ثابت بن قيس بن الشّمّاس: والله لو كتب الله علينا ذلك لفعلنا، فنزلت هذه الآية، هذا قول السّدّيّ.

2. ﴿وَلَوْ﴾ قال الزجّاج: (لو) يمتنع به الشّي‏ء لامتناع غيره، تقول: لو جاءني زيد لجئته، والمعنى: أنّ مجيئك امتنع لامتناع مجيئه.

3. ﴿كَتَبْنَا﴾ بمعنى: فرضنا، والمعنى: لو أنّا فرضنا على المؤمنين بك أن اقتلوا أنفسكم، قرأ أبو عمرو: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، بكسر النون، (أو اخرجوا) بضمّ الواو، وقرأ ابن عامر، وابن كثير، ونافع، والكسائيّ: (أن اقتلوا) (أو اخرجوا) بضم النون والواو، وقرأ عاصم، وحمزة بكسرهما، والمعنى: لو فرضنا عليهم كما فرضنا على قوم موسى، لم يفعله.

4. ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ هذه قراءة الجمهور، وقرأ ابن عامر: (إلا قليلا) بالنّصب، ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ﴾ يعني: المنافقين الذين يزعمون أنهم آمنوا، وهم يتحاكمون إلى الطّاغوت، ويصدّون عنك‏ ﴿فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أي: ما يذكّرون به من طاعة الله، والوقوف مع أمره.

5. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وأثبت لأمورهم، وقال السّدّيّ: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي: تصديقا.

__________

(1) زاد المسير: 1/430.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق، والمعنى أنا لو شددنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان لصعب ذلك عليهم ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل ذلك رحمة منا على عبادنا بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالإخلاص وليتركوا التمرد والعناد حتى ينالوا خير الدارين.

2. الكناية في قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ عائدة إلى القتل والخروج معا، وذلك لأن الفعل جنس واحد وان اختلفت ضروبه، واختلف القراء في قوله: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ فقرأ ابن عامر (قليلا) بالنصب، وكذا هو في مصاحب أهل الشام ومصحف أنس بن مالك، والباقون بالرفع، أما من نصب فقاس النفي على الإثبات، فإن قولك: ما جاءني أحد كلام تام، كما أن قولك: جاءني القوم كلام تام فلما كان المستثنى منصوبا في الإثبات فكذا مع النفي، والجامع كون المستثنى فضلة جاءت بعد تمام الكلام، وأما من رفع فالسبب أنه جعله بدلا من الواو في‏ ﴿فَعَلُوهُ﴾ وكذلك كل المستثنى من منفي، كقولك: ما أتاني أحد إلا زيد، برفع زيد على البدل من أحد، فيحمل إعراب ما بعد (إلا) على ما قبلها، وكذلك في النصب والجر، كقولك: ما رأيت أحدا الا زيدا، وما مررت بأحد إلا زيد، قال أبو علي الفارسي: الرفع أقيس، فان معنى ما أتى أحد إلا زيد، وما أتاني الا زيد واحد، فكما اتفقوا في قولهم ما أتاني الا زيد على الرفع وجب أن يكون قولهم: ما أتاني أحد الا زيد بمنزلته.

3. في الضمير في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ قولان:

أ. الأول: وهو قول ابن عباس ومجاهد انه عائد إلى المنافقين، وذلك لأنه تعالى كتب على بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، وكتب على المهاجرين أن يخرجوا من ديارهم، فقال تعالى: ولو أنا كتبنا القتل والخروج عن الوطن على هؤلاء المنافقين ما فعله الا قليل رياء وسمعة، وحينئذ يصعب الأمر عليهم وينكشف كفرهم، فإذا لم نفعل ذلك بل كلفناهم بالأشياء السهلة فليتركوا النفاق وليقبلوا الايمان على سبيل الإخلاص، وهذا القول اختيار أبي بكر الأصم وأبي بكر القفال.

ب. الثاني: أن المراد لو كتب الله على الناس ما ذكر لم يفعله إلا قليل منهم، وعلى هذا التقدير دخل تحت هذا الكلام المؤمن والمنافق، وأما الضمير في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عاما وآخرها خاصا، وعلى هذا التقدير يجب أن يكون المراد بالقليل المؤمنين، روي أن ثابت بن قيس بن شماس ناظر يهوديا، فقال اليهودي: ان موسى أمرنا بقتل أنفسنا فقبلنا ذلك، وأن محمدا يأمركم بالقتال فتكرهونه، فقال: يا أنت لو أن محمدا أمرني بقتل نفسي لفعلت ذلك، فنزلت هذه الآية، وروي أن ابن مسعود قال مثل ذلك، فنزلت هذه الآية، وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (والذي نفسي بيده إن من أمتي رجالا الايمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي)

4. قال أبو علي الجبائي: لما دلت هذه الآية على أنه تعالى لم يكلفهم ما يغلظ ويثقل عليهم، فبأن لا يكلفهم ما لا يطيقون كان أولى، فيقال له: هذا لا زم عليك لأن ظاهر الآية يدل على أنه تعالى إنما لم يكلفهم بهذه الأشياء الشاقة، لأنه لو كلفهم بها لما فعلوها، ولو لم يفعلوها لوقعوا في العذاب، ثم انه تعالى علم من أبي جهل وأبي لهب أنهم لا يؤمنون، وأنهم لا يستفيدون من التكليف إلا العقاب الدائم، ومع‏ ذلك فإنه تعالى كلفهم، فكل ما تجعله جوابا عن هذا فهو جوابنا عما ذكرت.

5. المراد من قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ أنهم لو فعلوا ما كلفوا به وأمروا به، وإنما سمي هذا التكليف والأمر وعظا، لأن تكاليف الله تعالى مقرونة بالوعد والوعيد، والترغيب والترهيب، والثواب والعقاب، وما كان كذلك فإنه يسمى وعظا.

6. ثم إنه تعالى بين أنهم لو التزموا هذه التكاليف لحصلت لهم أنواع من المنافع:

أ. الأول: ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ فيحتمل أن يكون المعنى أنه يحصل لهم خير الدنيا والآخرة، ويحتمل أن يكون المعنى المبالغة والترجيح، وهو أن ذلك أنفع لهم وأفضل من غيره، لأن قولنا: (خير) يستعمل على الوجهين جميعا.

ب. الثاني: ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ وفيه وجوه:

الأول: أن المراد أن هذا أقرب إلى ثباتهم عليه واستمرارهم، لأن الطاعة تدعو إلى أمثالها، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه.

الثاني: أن يكون أثبت وأبقى لأنه حق والحق ثابت باق، والباطل زائل.

الثالث: أن الإنسان يطلب أولا تحصيل الخير، فإذا حصله فإنه يطلب أن يصير ذلك الحاصل باقيا ثابتا، فقوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ إشارة إلى الحالة الأولى، وقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ إشارة إلى الحالة الثانية.

ج. الثالث: ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾، لما بين أن هذا الإخلاص في الايمان خير مما يريدونه من النفاق وأكثر ثباتا وبقاء، بين أنه كما أنه في نفسه خير فهو أيضا مستعقب الخيرات العظيمة وهو الأجر العظيم والثواب العظيم، قال الزمخشري: و(إذا) جواب لسؤال مقدر، كأنه قيل: ماذا يكون من هذا الخير والتثبيت، فقيل: هو أن نؤتيهم من لدنا أجرا عظيما، كقوله: ﴿وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 40]، وقد جمع الله تعالى في هذه الآية قرائن كثيرة، كل واحدة منها تدل على عظم هذا الأجر:

أحدها: أنه ذكر نفسه بصيغة العظمة وهي قوله: ﴿لَآتَيْنَاهُمْ﴾ وقوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ والمعطي الحكيم إذا ذكر نفسه باللفظ الدال على عظمة عند الوعد بالعطية دل ذلك على عظمة تلك العطية.

ثانيها: قوله: ﴿مِنْ لَدُنَّا﴾ وهذا التخصيص يدل على المبالغة، كما في قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾ [الكهف: 65]

ثالثها: أن الله تعالى وصف هذا الأجر بالعظيم، والشيء الذي وصفه أعظم العظماء بالعظمة لا بد وأن يكون في نهاية الجلالة، وكيف لا يكون عظيما، وقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر)

د. الرابع: ما عبّر عنه الله تعالى بقوله: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ وفيه قولان:

أحدهما: أن الصراط المستقيم هو الدين الحق، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ﴾ [الشورى: 52، 53]

الثاني: انه الصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة، وذلك لأنه تعالى ذكره بعد ذكر الثواب والأجر، والدين الحق مقدم‏ على الثواب والأجر، والصراط الذي هو الطريق من عرصة القيامة إلى الجنة إنما يحتاج اليه بعد استحقاق الأجر، فكان حمل لفظ الصراط في هذا الموضع على هذا المعنى أولى.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/130.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. سبب نزولها:

أ. ما روي أن ثابت بن قيس بن شماس تفاخر هو ويهودي، فقال اليهودي: والله لقد كتب علينا أن نقتل أنفسنا فقتلنا، وبلغت القتلى سبعين ألفا، فقال ثابت: والله لو كتب الله علينا أن اقتلوا أنفسكم لفعلنا.

ب. وقال أبو إسحاق السبيعي: لما نزلت ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: (إن من أمتي رجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي)، ذكر أبو الليث السمرقندي: أن القائل منهم عمار بن ياسر وابن مسعود وثابت بن قيس، قالوا: (لو أن الله أمرنا أن نقتل أنفسنا أو نخرج من ديارنا لفعلنا، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: الإيمان أثبت في قلوب الرجال من الجبال الرواسي)

2. ﴿لَوْ﴾ حرف يدل على امتناع الشيء لامتناع غيره، فأخبر الله سبحانه أنه لم يكتب ذلك علينا رفقا بنا لئلا تظهر معصيتنا، فكم من أمر قصرنا عنه مع خفته فكيف بهذا الأمر مع ثقله! لكن أما والله لقد ترك المهاجرون مساكنهم خاوية وخرجوا يطلبون بها عيشة راضية.

3. ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ أي القتل والخروج ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ ﴿قَلِيلٍ﴾ بدل من الواو، والتقدير ما فعله أحد إلا قليل، وأهل الكوفة يقولون: هو على التكرير ما فعلوه ما فعله إلا قليل منهم، وقرأ عبد الله بن عامر وعيسى بن عمر ﴿إِلَّا قَلِيلًا﴾ على الاستثناء، وكذلك هو في مصاحف أهل الشام، الباقون بالرفع، والرفع أجود عند جميع النحويين، وقيل: انتصب على إضمار فعل، تقديره إلا أن يكون قليلا منهم، وإنما صار الرفع أجود لأن اللفظ أولى من المعنى، وهو أيضا يشتمل على المعنى.

4. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أفي الدنيا والآخرة، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي على الحق، ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي ثوابا في الآخرة، وقيل: اللام لام الجواب، و﴿إِذَا﴾ دالة على الجزاء، والمعنى لو فعلوا ما يوعظون به لاتيناهم.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/270.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿لَوْ﴾: حرف امتناع، وأن: مصدرية، أو تفسيرية، لأن‏ ﴿كَتَبْنَا﴾ في معنى: أمرنا، والمعنى: أن الله سبحانه لو كتب القتل والخروج من الديار على هؤلاء الموجودين من اليهود ما فعله إلّا القليل منهم، أو: لو كتب ذلك على المسلمين ما فعله إلّا القليل منهم.

2. الضمير في قوله: ﴿فَعَلُوهُ﴾ راجع إلى المكتوب الذي دلّ عليه كتبنا، أو إلى القتل والخروج المدلول عليهما بالفعلين، وتوحيد الضمير في مثل هذا قد قدّمنا وجهه.

3. ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ قرأه الجمهور: بالرفع على البدل، وقرأ عبد الله بن عامر، وعيسى بن عمر: إلا قليلا: بالنصب على الاستثناء، وكذا هو في مصاحف أهل الشام، والرفع أجود عند النحاة.

4. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من اتباع الشرع والانقياد لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم‏ ﴿لَكَانَ﴾ ذلك‏ ﴿خَيْرًا لَهُمْ﴾ في الدنيا والآخرة، ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لأقدامهم على الحق فلا يضطربون في أمر دينهم‏.

5. ﴿وَإِذَا﴾ أي: وقت فعلهم لما يوعظون به‏ ﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ لا عوج فيه، ليصلوا إلى الخير الذي يناله من امتثل ما أمر به، وانقاد لمن يدعوه إلى الحق.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/561.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَلَوَ اَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِم﴾ في التوبة ﴿أَنُ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُم﴾ كما أمرنا بني إسرائيل أن يقتلوا أنفسهم، أو ادخلوا في الجهاد الذي هو من أسباب القتل، ﴿أَوُ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم﴾ كما أمرنا بني إسرائيل حين عبدوا العجل أن يخرجوا من مصرَ توبةً، ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ ما فعلوا أحدهما المأمور به في التوبة، أو ما فعلوا المكتوبـ ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾ وهم المخلصون، قال أبو بكر وعمر وعبد الله بن رواحة وابن مسعود وعمَّار وثابت بن قيس وغيرهم: (لو أمرنا لقتلنا أنفسنا)، وفي الحديث: (إنَّ الإيمان أثبت في قلوب رجال من أمَّتي من الجبال في مراسيها)، وقد سهَّلنا لهم التوبة بدون الخروج من الديار، وقتل الأنفس، ولم نشدِّد عليهم كما شدَّدنا على بني إسرائيل ولم يتوبوا، وقد تابت بنو إسرائيل بذلك التشديد، وقَتَل سبعون ألفًا منهم أنفسهم.

2. ﴿وَلَوَ اَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من اتَّباع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ﴿لَكَانَ﴾ فعلهم ذلك ﴿خَيْرًا لَّهُمْ﴾ نفعًا أو حَسَنًا (بفتحتين)، وغيره قبيح، أو أحسن من عدم الفعل على فرض أنَّ في عدمه حُسْنًا (بضمٍّ فإسكان)

3. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لهم في الدين، ولثواب أعمالهم، لأنَّه ـ أعني فعل ما يوعظون به ـ أشدُّ لتحصيل العلم ونفي الشكِّ، والطَّاعةُ تدعو إلى أمثالها، والواقع منها في وقت يدعو إلى المواظبة عليه، روى أبو نعيم عن أنس عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم : (من عمل بما عَلِمَ أورثه اللهُ تعالى عِلْمَ ما لم يعلم)

4. والآية في شأن المنافق بِشْرٍ واليهوديِّ، وتقدَّمَت قصَّتهما، وقيل: الآية والتي قبلها في حاطب بن أبي بلتعة، أو ثعلبة بن حاطب، أو حاطب بن راشد، أو ثابت بن قيس، خاصم الزبير بن العوَّام في شِرَاجٍ من الحَرَّة كانا يسقيان بها النخل، ونخل الزبير أسبق إليها، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (اسق يا زبير ثمَّ أرسِل الماء إلى جارك)، فقال حاطب: (لأَنْ كان ابن عمَّتك)! فتلوَّن صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (اسق يا زبير ثمَّ احبس الماء إلى الجدر، واستوف حقَّك ثمَّ أرسله إلى جارك)، أمر الزبيرَ بترك بعض حقِّه ولم يعرف حاطب ذلك، فبيَّن له أنَّ الحقَّ أن يسقي الزبير حتَّى يصل الماء الجدر ليعلم الحقَّ، وأنَّه تفضّل عليه لا انتقامًا، والشِّرَاج [مفرده شرجٌ]: مسيل الماء من الحَرَّة إلى السهل، والحَرَّة: أرض ذات حجارة سود، وفي الحديث: الإصلاح بالنقص من حقِّ صاحب الحقِّ بدون إعلامه وإرضائه للإدلال على الذي له الحقُّ، إذا علم أنَّه يرضى، أو ذلك لأنَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم أحقُّ بمال أمَّته، وقال المقداد: (لمن قضى صلّى الله عليه وآله وسلّم ؟) فقال حاطب: (لابن عمَّته)، ولوى شدقه بها، فقال يهوديٌّ: (إنَّه آمن به وأنكر حكمه!) قاتله الله.

5. ﴿وَإِذًا ءَلَاتَينَاهُم مِّن لَّدُنَّآ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ هو الجنَّة، (إِذًا) حرف جزاء مهملة إذ لم تدخل على المضارع، وإذ تَقدَّمَ العاطف، وكأنَّه قيل: ما لهم بعد التثبيت؟ فقال: الجواب: لو تبثوا لآتيناهم أجرًا عظيمًا.

6. ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا﴾ زدناهم هدى، وعندهم أصل الهدى كقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : (من عمل بما علم أورثه الله علم ما لم يعلم)، أو طريقا في الأرض من المحشر إلى الجنَّة، كقوله تعالى: ﴿فَاهْدُوهُمُ إِلَىٰ صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 23]، أي: إلى طريق في الأرض من المحشر إلى النَّار، وزاد ترغيبًا لهم في متابعة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله: ﴿وَمَنْ يُّطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/216.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، قال الرازيّ: اعلم أن هذه الآية متصلة بما تقدم من أمر المنافقين وترغيبهم في الإخلاص وترك النفاق، والمعنى: إنا لو شدّدنا التكليف على الناس، نحو أن نأمرهم بالقتل والخروج عن الأوطان، لصعب ذلك عليهم، ولما فعله إلا الأقلون، وحينئذ يظهر كفرهم وعنادهم، فلما لم نفعل ذلك، رحمة منا على عبادنا، بل اكتفينا بتكليفهم في الأمور السهلة، فليقبلوها بالإخلاص، وليتركوا التمرد والعناد، حتى ينالوا خير الدارين.

2. ونقله فيما بعد عن ابن عباس، وعليه فمرجع الضمير في (عليهم) إلى المنافقين، وثمة وجه آخر، وهو عوده إلى الناس كافة، ويكون المراد بـ (القليل) المؤمنين، وأما الضمير في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا﴾ فهو مختص بالمنافقين، ولا يبعد أن يكون أول الآية عامّا وآخرها خاصّا، قرره الرازيّ.

3. روى ابن جريج بسنده إلى أبي إسحاق السبيعيّ قال لما نزلت: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ الآية، قال رجل: لو أمرنا لفعلنا، والحمد لله الذي عافانا، فبلغ ذلك النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: (إن من أمتي لرجالا، الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي)، ورواه ابن أبي حاتم نحوه.

4. قال بعض المفسرين: أراد حقيقة القتل والخروج من الديار، وقيل: أراد التعرض للقتل بالجهاد، وأراد الهجرة بالخروج من الديار، والمعنى: لو أمر المنافقون، كما أمر المؤمنون، ما فعلوه، والقول الثاني بعيد، لأنه لا يعدل عن الحقيقة إلا لضرورة، ولمنافاته للآثار المذكورة الصريحة في الأول.

5. الضمير في (فعلوه) للمكتوب الشامل للقتل والخروج، لدلالة (كتبنا) عليه، أو هو عائد على أحد مصدري الفعلين، قال الخفاجيّ: وللعطف بـ (أو) لزم توحيد الضمير.

6. ذكر الشيخ خالد في (التصريح) أن إفراد الضمير في العطف بـ (أو) رأي البصريين، والتثنية رأي الكوفيين، فأفاد جواز الوجهين، قال محشيه العلامة يس: الذي نص عليه ابن مالك أن (أو) التي للشك والإبهام يفرد بعدها الضمير، والتي للتنويع يطابق، نحو قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾ [النساء: 135]، ونص على ذلك ابن هشام في (المغني) في (بحث الجملة المعترضة) فقال (في قوله تعالى: ﴿إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا﴾): الظاهر أن الجواب: فالله أولى بهما، ولا يرد ذلك تثنية للضمير كما قد توهموا، لأن (أو) هنا للتنويع، حكمها حكم (الواو) في وجوب المطابقة، نصّ عليه الأبدي، وهو الحق.. وبه يعلم أن ما اشتهر من أنه إذا ذكر متعاطفان بـ (أو) فإنه يعاد الضمير إلى أحدهما: ليس على عمومه.

7. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ أي: من عندنا ﴿أَجْرًا﴾ أي ثوابا ﴿عَظِيمًا﴾ يعني الجنة، ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي لثبتناهم في الدنيا على دين قويم نرتضيه، وهو الإسلام.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/215.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الكلام متصل بما سبق والسياق لم ينته، والمروي عن ابن عباس ومجاهد أن قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾ عائد للمنافقين الذين سبق القول فيهم ومن كان مثلهم فله حكمهم، إذ الأحكام ليست منوطة بذوات المكلفين وشخوصهم بل بصفاتهم وأعمالهم، أي لو أمرناهم بقتل أنفسهم أي بتعريضها للقتل المحقق أو المظنون ظنا راجحا، وقيل قتلها هو الانتحار كما قيل مثل هذا في أمر بني إسرائيل بقتل أنفسهم توبة إلى ربهم من عبادة العجل، أو قلنا لهم اخرجوا من دياركم أي أوطانكم وهاجروا إلى بلاد أخرى ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ أي المأمور به من القتل والهجرة من الوطن ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾

2. بين الله تعالى لنا أن المؤمن الصادق هو من يطيع الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم في المنشط والمكره والسهل والشاق، ولو قتل النفس والخروج من الدار، وهما متقاربان لأن الجسم دار الروح والوطن دار الجسم، وأن المنافق هو من يعبد الله على حرف واحد وهو ما يوافق هواه وغرضه فإن أصابه خير اطمأن به وإن أصابته فتنة انقلب على وجهه خسر الدنيا والآخرة، وأنه قلما يوجد في أولئك المنافقين من يصبر على نار الفتنة رياء وتقية فيطيع فيما يكتب عليه ولو كان التعرض للقتل، والجلاء عن الوطن والأهل.

3. وقيل إن الكلام في جملة المكلفين من الناس، والمعنى أن الإنسان خلق ضعيفا كما تقدم في آية من هذه السورة، فلو كتبنا عليهم ما يشق احتماله كقتل الأنفس والخروج من الوطن لعصى الكثير منهم، ولم يطع إلا القليل وهم أصحاب العزائم القوية الذين يؤثرون رضوان الله على حظوظهم وشهواتهم، ولكننا لم نكتب عليهم ذلك كما كتبناه على بني إسرائيل من قبلهم، بل أرسلنا خاتم رسلنا بالحنيفية السمحة، التي تجمع لهم بين حسنة الدنيا وحسنة الآخرة، فلا عذر لهم بالضعف البشري إن عصوا الرسول، واتبعوا الطاغوت، وإنما ظلموا بذلك أنفسهم.

4. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من الأوامر والنواهي المقرونة بحكمها وبيان فائدتها، والوعد والوعيد لمن عمل بها ومن صد عنها، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ في حفظ مصالحهم، واعتزاز أنفسهم بارتقاء أمتهم، وفي عاقبة أمرهم وآخرتهم.

5. ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لهم في أمر دينهم، والتثبيت: التقوية بجعل الشيء ثابتا راسخا، وإنما كان العمل وإتيان الأمور الموعوظ بها في الدين يزيد العامل قوة وثباتا لأن الأعمال هي التي يكون بها العلم الإجمالي المبهم تفصيليا جليا، وهي التي تطبع الأخلاق والملكات في نفس العامل، وتبدد المخاوف والأوهام من نفسه، مثال ذلك: أن بذل المال في سبيل الله تعالى بأعمال البر آية من أقوى آيات الإيمان، وقربة من أكبر أسباب السعادة والرضوان، فمن آمن بذلك ولم يعمل به لا يكون علمه بمنافعه وفوائده له وللأمة والملة إلا ناقصا، وكلما اعتنّ له سبب من أسباب البذل، تحداه في نفسه طائفة من أسباب الإمساك والبخل، كالخوف من الفقر والإملاق، أو نقصان ماله عن مال بعض الأقران، أو تعليل النفس بادخار ما احتيج إلى بذله الآن، ليوضع فيما هو خير وأنفع في مستقبل الزمان، فإذا هو اعتاد البذل صار السخاء خلقا له، لا يثنيه عنه وسواس ولا خوف، واتسعت معرفته بطرق منافعه، ووضع المال في خير مواضعه.

6. قال محمد عبده: لكان خيرا لهم في مصالحهم، وأشد تثبيتا لهم في إيمانهم، فإن الامتثال إيمانا واحتسابا يتضمن الذكرى وتصور احترام أمر الله والشعور بسلطانه، وإمرار هذه الذكرى على القلب عند كل عمل مشروع يقوي الإيمان ويثبته، وكلما عمل المرء بالشريعة عملا صحيحا انفتح له باب المعرفة فيها، بل ذلك مطرد في كل علم.

7. ذكر الرازي في التثبيت ثلاثة أوجه:

أ. إن ذلك أقرب إلى ثباتهم واستمرارهم لأن الطاعة تدعو إلى مثلها.

ب. إن ذلك يكون أثبت في نفسه لأنه حق، والحق ثابت باق والباطل زائل.

ج. إن الإنسان يطلب الخير أولا فإذا حصله طلب أن يكون الحاصل ثابتا باقيا، فقوله تعالى: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ إشارة إلى الحالة الأولى، وقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ إشارة إلى الحالة الثانية.

8. من مباحث اللفظ في كيفية الأداء اختلاف القراء في (أن) و(أو) من قوله تعالى: ﴿أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا﴾ قرأ أبو عمرو ويعقوب بكسر نون (أن) وضم واو (أو) وعاصم وحمزة بكسرهما والباقون بضمهما وهما لغتان، فأما الكسر فهو الأصل في التخلص من التقاء الساكنين عند النحاة وأما الضم فإجراؤهما مجرى الهمزة المتصلة بالفعل تنقل حركة ما بعدها إليها، وأما قراءة أبي عمرو فجمع بين طريقتي العرب في ذلك من قبيل التلفيق.

9. ومنها أن قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ يعود ضميره إلى القتل والخروج، وأفرد الضمير لأن الفعل جنس واحد أو بتأويل ما ذكر.

10. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ إذا) حرف جواب وجزاء ولذلك ذكر في الكشاف أنها هنا جواب لسؤال مقدر كأنه قيل: ماذا يكون من هذا الخير العظيم والتثبيت؟ فأجيب هو أن نؤتيهم أي نعطيهم أجرا عظيما الخ.

11. ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قيل إن هذا الصراط عبارة عن دين الحق وقيل هو موطن من مواطن القيامة، وقال محمد عبده: الصراط المستقيم هنا هو طريق العمل الصالح على الوجه الصحيح، وأقول: إن هذه الهداية الرابعة التي شرحها الأستاذ في تفسير سورة الفاتحة، والصراط هنا هو الصراط هناك: صراط الذين أنعم عليهم المذكورين في الآية التالية، غير المغضوب عليهم ولا الضالين، وصرح بذلك في تفسير الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/241.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن بين عز اسمه فيما سلف أن الإيمان لا يتم إلا بتحكيم الرسول فيما شجر بينهم من خلاف مع التسليم والانقياد لحكمه ـ ذكر هنا قصور كثير من الناس في ذلك، لوهن إسلامهم وضعف إيمانهم.

2. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ أن اقتلوا أنفسكم: أي اقتلوها ببخع النفس (الانتحار) ـ كما أمر بنو إسرائيل بذلك ليتوبوا من عبادة العجل، وقوله أو اخرجوا من دياركم بالهجرة إلى بلاد أخرى، وقوله ما فعلوه: أي المأمور به من القتل والهجرة من الوطن.

3. بين الله لنا في هذه الآية أن صادق الإيمان هو الذي يطيع الله في كل ما يأمر به، في السهل والصعب، والمحبوب والمكروه، ولو كان ذلك بقتل النفس والخروج من الديار (الجسم دار الروح والوطن دار الجسم) أما المنافق فيعبد الله على ما يوافق هواه وشهواته، فإن أصابه خير اطمأن به ورضى، وإن ناله أذى انقلب على وجهه وارتد على عقبه وباء بالخسران في الدنيا والآخرة.

4. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي ولو أنهم فعلوا ما أمروا به وتركوا ما نهوا عنه لكان ذلك خيرا لهم في مصالحهم، وأشد تثبيتا لهم في إيمانهم، إذ الأعمال هي التي تطبع الأخلاق والفضائل في نفس العامل، وتبدد الأوهام والمخاوف من نفسه؛ فبذل المال مثلا آية من آيات الإيمان وقربة من أعظم القرب، فمن فعله كان مؤمنا إيمانا صادقا، ومن آمن بذلك ولم يفعله كان علمه بمنافعه ومزاياه له وللأمة والدين علما ناقصا، فكلما دعا الداعي إلى البذل طاف به طائف البخل والإمساك، وعرض له شبح الفقر والإملاق، أو نقصان المال عن مال بعض الأقران، لكنه إذا اعتدل البذل صار السخاء خلقا له وسجية، وقلما امتنع عن فعله حين تدعو الحاجة إليه، إذ الطاعة تدعو إلى مثلها، فالمرء يطلب الخير أوّلا حتى إذا حصّله طلب أن يكون الحاصل ثابتا قويا.

5. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي ولو أنهم فعلوا هذا الخير العظيم وامتثلوا ما أمروا به وأخلصوا العمل لأعطيناهم الثواب العظيم من عندنا، وكيف لا يكون عظيما وقد وصفه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم‏ بقوله‏ (فيها ما لا عين رأت‏ ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ولهديناهم إلى طريق العمل الصالح على الوجه المرضى الموصل إلى الفوز بالسعادة في الدنيا والآخرة، وهو صراط الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/83.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن يقرر الله تعالى أن لا إيمان قبل تحكيم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وقبل الرضى والتسليم بقضائه، يعود ليقول: إن هذا المنهج الذي يدعون إليه؛ وهذه الشريعة التي يقال لهم: تحاكموا إليها ـ لا لسواها ـ وهذا القضاء الذي يتحتم عليهم قبوله والرضاء به.. إنه منهج ميسر، وشريعة سمحة، وقضاء رحيم.. إنه لا يكلفهم شيئا فوق طاقتهم؛ ولا يكلفهم عنتا يشق عليهم؛ ولا يكلفهم التضحية بعزيز عليهم.. فالله يعلم ضعف الإنسان؛ ويرحم هذا الضعف، والله يعلم أنهم لو كلفوا تكاليف شاقة، ما أداها إلا قليل منهم.. وهو لا يريد لهم العنت، ولا يريد لهم أن يقعوا في المعصية.. ومن ثم لم يكتب عليهم ما يشق، وما يدعو الكثيرين منهم للتقصير والمعصية، ولو أنهم استجابوا للتكاليف اليسيرة التي كتبها الله عليهم؛ واستمعوا للموعظة التي يعظهم الله بها؛ لنالوا خيرا عظيما في الدنيا والآخرة؛ ولأعانهم الله بالهدى، كما يعين كل من يجاهد للهدى بالعزم والقصد والعمل والإرادة، في حدود الطاقة: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾

2. إن هذا المنهج ميسر لينهض به كل ذي فطرة سوية، إنه لا يحتاج للعزائم الخارقة الفائقة، التي لا توجد عادة إلا في القلة من البشر، وهذا الدين لم يجيء لهذه القلة القليلة، إنه جاء للناس جميعا، والناس معادن، وألوان، وطبقات، من ناحية القدرة على النهوض بالتكاليف، وهذا الدين ييسر لهم جميعا أن يؤدوا الطاعات المطلوبة فيه، وأن يكفوا عن المعاصي التي نهى عنها.

3. وقتل النفس، والخروج من الديار.. مثلان للتكاليف الشاقة، التي لو كتبت عليهم ما فعلها إلا قليل منهم، وهي لم تكتب لأنه ليس المراد من التكاليف أن يعجز عنها عامة الناس؛ وأن ينكل عنها عامة الناس، بل المراد أن يؤديها الجميع، وأن يقدر عليها الجميع، وأن يشمل موكب الإيمان كل النفوس السوية العادية؛ وأن ينتظم المجتمع المسلم طبقات النفوس، وطبقات الهمم، وطبقات الاستعدادات؛ وأن ينميها جميعا ويرقيها، في أثناء سير الموكب الحافل الشامل العريض!

4. عن شريح بن عبيد: قال لما تلا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم هذه الآية: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية، أشار رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بيده إلى عبد الله ابن رواحة، فقال: (لو أن الله كتب هذا، لكان هذا من أولئك القليل)، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يعرف رجاله معرفة وثيقة عميقة دقيقة؛ ويعرف من خصائص كل منهم ما لا يعرفه كل منهم عن نفسه! وفي السيرة من هذا الكثير من الشواهد على خبرة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بكل واحد من رجاله؛ وخبرته كذلك بالرجال والقبائل التي كانت تحاربه.. خبرة القائد البصير بكل ما حوله ومن حوله.. في دقة عجيبة.. لم تدرس بعد الدراسة الواجبة.

5. وليس هذا موضوعنا، ولكن موضوعنا أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يعرف أن في أمته من ينهض بالتكاليف الشاقة لو كتبت عليهم، ولكنه كان يعرف كذلك أن الدين لم يجيء لهذه القلة الممتازة في البشرية كلها، وكان الله ـ سبحانه ـ يعلم طبيعة هذا (الإنسان) الذي خلقه؛ وحدود طاقته؛ فلم يكتب على الناس في الدين الذي جاء للبشر أجمعين، إلا ما هو ميسر للجميع؛ حين تصح العزيمة، وتعتدل الفطرة، وينوي العبد الطاعة، ولا يستهتر ولا يستهين.

6. وتقرير هذه الحقيقة ذو أهمية خاصة؛ في مواجهة الدعوات الهدامة؛ التي تدعو الإنسان إلى الانحلال والحيوانية، والتلبط في الوحل كالدود! بحجة أن هذا هو (واقع) الإنسان، وطبيعته وفطرته وحدود طاقته! وأن الدين دعوة (مثالية) لم تجيء لتحقق في واقع الأرض؛ وإذا نهض بتكاليفها فرد، فإن مائة لا يطيقون! هذه دعوى كاذبة أولا؛ وخادعة ثانيا؛ وجاهلة ثالثا.. لأنها لا تفهم (الإنسان) ولا تعلم منه ما يعلمه خالقه، الذي فرض عليه تكاليف الدين؛ وهو يعلم ـ سبحانه ـ أنها داخلة في مقدور الإنسان العادي، لأن الدين لم يجيء للقلائل الممتازين! وإن هي إلا العزيمة ـ عزيمة الفرد العادي ـ وإخلاص النية، والبدء في الطريق، وعندئذ يكون ما يعد الله به العاملين: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾

7. فمجرد البدء، يتبعه العون من الله، ويتبعه التثبيت على المضي في الطريق، ويتبعه الأجر العظيم، وتتبعه الهداية إلى الطريق المستقيم.. وصدق الله العظيم.. فما يخدع الله سبحانه وتعالى عباده؛ ولا يعدهم وعدا لا يفي لهم به؛ ولا يحدثهم إلا حديث الصدق.. (ومن أصدق من الله حديثا)؟

8. في الوقت ذاته ليس اليسر ـ في هذا المنهج ـ هو الترخص، ليس هو تجميع الرخص كلها في هذا الدين وجعلها منهج الحياة، فهذا الدين عزائم ورخص، والعزائم هي الأصل والرخص للملابسات الطارئة.. وبعض المخلصين حسني النية، الذين يريدون دعوة الناس إلى هذا الدين، يعمدون إلى (الرخص) فيجمعونها ويقدمونها للناس، على أنها هي هذا الدين، ويقولون لهم: انظروا كم هو ميسر هذا الدين! وبعض الذين يتملقون شهوات السلطان أو شهوات الجماهير، يبحثون عن (منافذ) لهذه الشهوات من خلال الأحكام والنصوص؛ ويجعلون هذه المنافذ هي الدين! وهذا الدين ليس هذا وليس ذاك، إنما هو بجملته، برخصه وعزائمه، ميسر للناس يقدر عليه الفرد العادي، حين يعزم، ويبلغ فيه تمام كماله الذاتي ـ في حدود بشريته ـ كما يبلغ تمام كماله الذاتي في الحديقة الواحدة: العنب والخوخ والكمثرى والتوت والتين والقثاء.. ولا تكون كلها ذات طعم واحد.. ولا يقال عن أحدها: إنه غير ناضج ـ حين يبلغ نضجه الذاتي ـ إذا كان طعمه أقل مرتبة من النوع الآخر! في حديقة هذا الدين ينبت البقل والقثاء؛ وينبت الزيتون والرمان، وينبت التفاح والبرقوق، وينبت العنب والتين.. وينضج كله؛ مختلفة طعومه ورتبه.. ولكنه كله ينضج، ويبلغ كماله المقدر له، إنها زرعة الله.. في حقل الله.. برعاية الله.. وتيسير الله‏.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/698.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. السّمة الواضحة في الشريعة الإسلامية أنها قائمة على السماحة واليسر، ليس فيها ما يعنت أو يرهق، وليس فيما شرع الله فيها ما يراد به العقاب والتنكيل، كما فعل الله باليهود وغيرهم ممن حادّوا الله ورسله.. كما يقول الله تعالى فيهم: ﴿فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ﴾.. فقد حرّم الله عليهم ما كان قد أحلّ لهم من الطيبات، وابتلاهم بهذا البلاء، ليقيمهم أبدا على خطيئة، حيث لا صبر لهم على الحرمان مما أحلّ الله لعباده من طيبات.. حرمها عليهم.

2. وأكثر من هذا، فإنهم ـ أي اليهود ـ حين اتخذوا العجل إلها من دون الله، بعد أن نجّاهم الله من فرعون، وفرق بهم البحر، وأنزل عليهم المنّ والسلوى ـ حين فعلوا ذلك أمرهم الله بأن يقتلوا أنفسهم بأنفسهم، فليس غير إراقة دمائهم شيء يقبله الله منهم، إن أرادوا التكفير عن خطيئتهم، والرجوع إلى رتبهم، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ﴾ وفي قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ إشارة إلى ما في شريعة الإسلام من يسر، وأن ما شرعه الله فيها، وهو مما تتقبله النفوس، وتتجاوب معه! وأن هذه الشريعة لم تحمل إلى الناس ما حملت الشرائع قبلها من الأحكام الشاقة الرادعة.

3. فليذكر أتباع هذه الشريعة فضل الله عليهم، إذ عافاهم مما ابتلى به الأمم من قبلهم، وليستقيموا على شريعة الإسلام، وليتقبلوا أحكامها برضى وحمد، وأنهم إذا ضعفوا عن حمل هذه التكاليف السمحة السهلة، وتفلتوا منها، أو ضاقوا بها ـ فكيف كان يكون شأنهم لو أن الله أمرهم ـ فيما أمرهم به ـ أن يقتلوا أنفسهم أو يخرجوا من ديارهم؟ إن قلة قليلة منهم هي التي كانت تستجيب لهذا الأمر، وتتقبله، أما أكثرهم فلا يمتثلونه، ولا يأخذون به!

4. وقد جمع القرآن بين قتل النفس والخروج من الديار، لأن إلف الإنسان للدار التي يسكنها، وللوطن الذي يعيش أشبه بإلف الروح للجسد، والقتل تفرقه بين الروح والجسد، وكذلك الخروج من الوطن، تفرقة بين الإنسان الكائن الحىّ، الذي يشبه الروح، وبين الوطن والدار، وهما أشبه بالجسد لهذا الإنسان.

5. قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ إلفات إلى ما تدعوهم إليه الشريعة الإسلامية مما لا مشقة فيه، ولا عنت معه، وأنه إذا ووزن بما حملت بعض الشرائع السابقة من أحكام مرهقة معنتة، لوجد رحمة راحمة، ونعمة سابغة.

6. فلو أن هؤلاء المعاندين الضالين امتثلوا أوامر الله، وفعلوا ما وعظوا به لكان في ذلك خيرهم وسعادتهم، لأنه يقيم طريقهم على الحق والإحسان، وبثمر لهم أطيب الثمر في الدنيا والآخرة جميعا، ولو أنهم تقبلوا شرع الله، واستقاموا عليه، لوجدوا له روحا في أنفسهم، وتجاوبا مع مشاعرهم، وكانوا كلما مضت الأيام بهم وهم على شريعة الله ازدادوا إيمانا بها، وتثبتا من خيرها وفضلها، ولو أنهم فعلوا هذا، وعاشوا به، واطمأنوا إليه، لأثابهم الله ثوابا عظيما، وأدخلهم مدخلا كريما، ولأمسك بهم على طريق الحق، وعصمهم من الزيغ والضلال.

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/829.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ لم يظهر وجه اتّصاله بما قبله ليعطف عليه، لأنّ ما ذكر هنا ليس أولى بالحكم من المذكور قبله، أي ليس أولى بالامتثال حتّى يقال: لو أنّا كلّفناهم بالرضا بما هو دون قطع الحقوق لما رضوا، بل المفروض هنا أشدّ على النفوس ممّا عصوا فيه، فقال جماعة من المفسّرين: وجه اتّصالها أنّ المنافق لمّا لم يرض بحكم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأراد التحاكم إلى الطاغوت، وقالت اليهود: ما أسخف هؤلاء يؤمنون بمحمّد ثم لا يرضون بحكمه، ونحن قد أمرنا نبيئنا بقتل أنفسنا ففعلنا وبلغت القتلى منّا سبعين ألفا؛ فقال ثابت بن قيس بن شماس: لو كتب ذلك علينا لفعلنا، فنزلت هذه الآية تصديقا لثابت بن قيس، ولا يخفى بعده عن السياق لأنّه لو كان كذلك لما قيل‏ ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ بل قيل: لفعله فريق منهم، وقال الفخر: هي توبيخ للمنافقين، أي لو شدّدنا عليهم التكليف لما كان من العجب ظهور عنادهم، ولكنّا رحمناهم بتكليفهم اليسر فليتركوا العناد، وهي على هذا الوجه تصلح لأن تكون تحريضا للمؤمنين على امتثال الرسول وانتفاء الحرج عنهم من أحكامه، فإنّه لم يكلّفهم إلّا اليسر، كلّ هذا محمول على أنّ المراد بقتل النفوس أن يقتل أحد نفسه بنفسه.

2. وعندي أنّ ذكر ذلك هنا من براعة المقطع تهيئة لانتقال الكلام إلى التحريض على الجهاد الآتي في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ [النساء: 71] وأنّ المراد بـ ﴿اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾: ليقتل بعضكم بعضا فإنّ المؤمنين يقاتلون قومهم وأقاربهم من المشركين في الجهاد المأمور به بدليل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ الآية، والمراد بالخروج من الديار الهجرة، أي كتبنا عليهم هجرة من المدينة، وفي هذا تنويه بالمهاجرين والمجاهدين.

3. معنى‏ ﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ علم من قوله: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ﴾ [النساء: 63]، أي ما يؤمرون به أمر تحذير وترقيق، أي مضمون ما يوعظون لأنّ الوعظ هو الكلام والأمر، والمفعول هو المأمور به، أي لو فعلوا كلّ ما يبلّغهم الرسول، ومن ذلك الجهاد والهجرة.

4. وكونه خيرا أنّ فيه خير الدنيا لأنّ الله يعلم وهم لا يعلمون، ومعنى كونه‏ ﴿أَشَدَّ تَثْبِيتاً﴾ يحتمل أنّه التثبيت على الإيمان وبذلك فسّروه ويحتمل عندي أنّه أشدّ تثبيتا لهم، أي لبقائهم بين أعدائهم ولعزّتهم وحياتهم الحقيقية فإنّهم إنّما يكرهون القتال استبقاء لأنفسهم، ويكرهون المهاجرة حبّا لأوطانهم، فعلّمهم الله أنّ الجهاد والتغرب فيه أو في غيره أشدّ تثبيتا لهم، لأنّه يذود عنهم أعداءهم، كما قال الحصين بن الحمام:

çتأخّرت أستبقي الحياة فلم أجد...لنفسي حياة مثل أن أتقدّماé

5. وممّا دلّ على أنّ المراد بالخير خير الدنيا، وبالتثبيت التثبيت فيها، قوله عاطفا عليه‏ ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾

6. جملة ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ معطوفة على جواب (لو)، والتقدير: لكان خيرا وأشدّ تثبيتا ولآتيناهم إلخ، ووجود اللام التي تقع في جواب (لو) مؤذن بذلك، وأمّا واو العطف فلوصل الجملة المعطوفة بالجملة المعطوف عليها، وأمّا (إذن) فهي حرف جواب‏ وجزاء، أي في معنى جواب لكلام سبقها ولا تختصّ بالسؤال، فأدخلت في جواب (لو) بعطفها على الجواب تأكيدا لمعنى الجزاء، فقد أجيبت (لو) في الآية بجوابين في المعنى لأنّ المعطوف على الجواب جواب، ولا يحسن اجتماع جوابين إلّا بوجود حرف عطف، وقريب ممّا في هذه الآية قول العنبري في الحماسة:

çلو كنت من مازن لم تستبح إبلي‏...بنو اللّقيطة من ذهل بن شيبانا

إذن لقام بنصري معشر خشن‏...عند الحفيظة إن ذو لوثة لاناé

قال المرزوقي: يجوز أن يكون (إذن لقام) جواب: (لو كنت من مازن) في البيت السابق كأنّه أجيب بجوابين، وجعل الزمخشري قوله: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ﴾ جواب سؤال مقدّر، كأنّه: قيل وما ذا يكون لهم بعد التثبيت، فقيل: وإذن لآتيناهم، قال التفتازاني: (على أن الواو للاستئناف)، أي لأنّ العطف ينافي تقدير سؤال، والحقّ أنّ ما صار إليه في (الكشّاف) تكلّف لا داعي إليه إلّا التزام كون (إذن) حرفا لجواب سائل، والوجه أنّ الجواب هو ما يتلقّى به كلام آخر سواء كان سؤالا أو شرطا أو غيرهما.

7. ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ أي لفتحنا لهم طرق العلم والهداية، لأنّ تصدّيهم لامتثال ما أمروا به هو مبدأ تخلية النفوس عن التعلق بأوهامها وعوائدها الحاجبة لها عن درك الحقائق، فإذا ابتدؤوا يرفضون هذه المواقع فقد استعدّوا لتلقّي الحكمة والكمالات النفسانية ففاضت عليهم المعارف تترى بدلالة بعضها على بعض وبتيسير الله صعبها بأنوار الهداية والتوفيق، ولا شكّ أنّ الطاعة مفتاح المعارف بعد تعاطي أسبابها.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/180.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الآيات السابقة بينت أحوال المنافقين وصفات الإيمان، وأن مظهر قوة الإيمان إطاعة الله ورسوله، والرجوع إلى الكتاب والسنة عند الاختلاف، وتحكيمهما في كل أمور الحياة التي تحتاج إلى حكم وفصل، وأقسم الله بذاته العلية التي خلقت كل ما في الوجود، وقامت عليه بالحفظ، ألا يكون الإيمان الكامل إلا لمن يحكم الله ورسوله في كل الخصومات، ويذعن للحكم من غير تململ، ولا تردد، وفي هذه الآيات يبين أن الذين يذعنون لأمر الله ونهيه، حتى في النفس وترك الأهل، قليلون، وليسوا كثيرين، وهم الذين تقوم عليهم قوة الأمة، ولذا قال سبحانه: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾

2. معنى قتل النفس تعريضها للتلف من غير أمل في النجاة، ويكون في ذلك إعلاء للحق، ونصر للفضيلة ورفع شأنها، كهذا الذي ينطق بكلمة الحق أمام سلطان جائر ويتأكد أنه سيقتله إن قالها! ولذلك قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (سيد الشهداء حمزة بن عبد المطلب، ورجل قال كلمة حق أمام سلطان جائر فقتله)! ومن هذا أيضا أن يحمل على النطق بالكفر، فيمتنع فيقتل! نعم إن الله سبحانه وتعالى قال: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾ [النحل‏]، فرخص له بالنطق بكلمة الكفر، ولكن الأفضل ألا يقول، وهو مثوب إذا أصر ولم يقل، ففي هذه الأحوال يكون التعرض للقتل فضيلة مشكورة؛ لأنه إعلان للناس بأن للحق أنصارا يفتدونه بأنفسهم، وفي ذلك تحريض على تأييده وهو دعوة صارخة له.

3. معنى الخروج من الديار: الهجرة من البلد منصرفين للجهاد في سبيل الله تعالى، وذلك إذا لم يكونوا مستضعفين في الأرض، محكومين بغير المسلمين.

4. معنى النص الكريم: لو ثبت أننا فرضنا عليهم أن يعرضوا أنفسهم للتلف من غير أمل في النجاة، أو يخرجوا من موضع استقرارهم وأمنهم في ديارهم، إلى حيث المشقة الشديدة والعمل الكادح، ما استجاب لهذه الفريضة إلا عدد قليل من الناس، وهذا يشير إلى أمرين:

أ. أولهما: أن التكليفات الشرعية لا تكون إلا فيما يطاق من غير مشقة مجهدة، لأن الله تعالى يقول: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة]، والتعبير بـ (لو) يدل على أن التكليف لا يقع على هذا؛ لأن (لو) كما يقول العلماء تدل على امتناع الشرط لامتناع الجواب، فالله تعالى لو يكلف ذلك التكليف لثقل التكليف إلا على عدد قليل منهم.

ب. الثاني: أن في كل طائفة عددا يقوم بذلك الأمر الشاق، فهؤلاء المؤمنون الأولون قد صبروا على أذى المشركين في مكة من غير وهن ولا ضعف، ومنهم‏ من مات تحت حر العذاب الشاق، ثم هاجروا وخرجوا من ديارهم، وهؤلاء أصحاب الأخدود الذين آذوا المؤمنين، فصبروا، وهم يلقون في النيران وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج‏]

5. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ وإذا كان الله سبحانه لا يكلف ما يشق أداؤه، ولا يمكن احتماله، إلا لعدد من الأقوياء جعلوا منار الهدى أمام الناس في كل العصور، فإنه سبحانه يكلف الناس ما فيه خيرهم وتثبيتهم على الحق.

6. معنى النص السامى‏ ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾: لو ثبت أنهم فعلوا ما يكلفونه من تكليفات محتملة بينت لهم فيها نتائجها وثمراتها، لكان فيها الخير لهم في الدنيا والآخرة، ففي الآخرة يكون الثواب العظيم والنعيم المقيم، وفي الدنيا يكون العدل والفضيلة، والمصلحة الحقيقية، وهذه الأمور هي خير الدنيا، فالشرع الإسلامى بنى على هذه الأمور الثلاثة:

أ. الأول الفضيلة المهذبة للنفس، الموجهة إلى توثيق العلاقة بين الإنسان وأخيه الإنسان، والعبد وربه، والسعى نحو الكمال الإنساني والمنزلة الرفيعة.

ب. الثاني العدالة التي هي الميزان في العلائق الإنسانية التي ينتظم بها معاشهم ومعادهم.

ج. الثالث المصلحة الحقيقية، فما من مصلحة حقيقية ليست هوى ملحا ولا شهوة جامحة ـ إلا دعا إليها الإسلام، وما من حكم جاء به التكليف الإلهي إلا طويت فيه المصلحة، وكانت نتيجة وثمرة للأخذ به.

7. معنى قوله تعالى: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي يكون في الأخذ بالتكليف الذي يطاق تثبيت على الحق، هو أشد تثبيت وأقواه، وكان في التكليف الذي يطاق تثبيت للحق، لأنه يمكن الاستمرار عليه، والاستمرار على فعل ما هو حق يثبته ويقرب الغاية منه، ولذلك كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يدعو إلى المداومة على الخير ولو كان‏ قليلا، وقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (أحب الأعمال إلى الله أدومها وإن قل)، وإن الاستمرار على طاعة الله يؤدى إلى مثلها، وإن الاستمرار على السهل يجعل المكلف قادرا على الصعب، ثم على الأصعب، وهكذا حتى يصل إلى أعلى درجات التكليف مشقة، فيكون بعد هذه الخطوات أمرا مستطاعا، وإذا وصل إلى ذلك يكون الأجر العظيم، لذا قال سبحانه: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وإنما قام المكلفون بما كلفوا، وأدوا حق الله تعالى، وقد زاد ثباتهم على الحق، ونالوا الخير، فإن لهم مع ذلك جزاء عظيما، لا حدود لعظمته، وقد تأكدت عظمة الجزاء بأمور ثلاثة:

أ. أولها ـ تنكيره، فهذا التنكير يشير إلى أنه غير محدود بحدود، فهي عظمة أقصى ما يصل إليه الخيال.

ب. ثانيها ـ أنه قال إن ذلك من لدن الله تعالى، وهذا شرف إضافى لهذا الجزاء، وهو جزاء يعلو على كل جزاء من الناس، ثم إنه جزاء يستهان في سبيله كل أذى.

ج. ثالثها ـ الوصف بالعظمة، والذى وصفه بذلك هو الحكيم الخبير، والخلاق العظيم.

8. ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ الصراط هو الطريق، والمستقيم هو الذي يوصل إلى غايته أو هدفه، ويقول علماء الهندسة: إن الخط المستقيم هو أقرب خط بين نقطتين، فالصراط المستقيم هو أقرب طريق يوصل إلى الحق، والهداية هنا هي التوفيق لأقرب طريق موصل إلى الله تعالى، ومعنى النص الكريم: من أجاب داعى الحق، وقام بالأوامر والنواهي على وجهها الأكمل، وفقه الله تعالى إلى طريقه المستقيم الذي لا اعوجاج فيه، ويصل بذلك إلى القرب من الله تعالى، فإن الذي يتقرب إلى الله تعالى بالطاعات يصل إلى إدراك نورانى لحقائق العبودية، ولقد قال البيضاوى في تفسير هذه الآية: (يصلون بسلوكه جناب القدس، ويفتح عليهم أبواب الغيب، قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (من عمل بما علم ورثه الله علم ما لم‏ يعلم)، وإنه قد ورد أن العبد يتقرب إلى الله تعالى بنوافل الطاعات حتى يصير الله تعالى بصره الذي يبصر به وسمعه الذي يسمع به)

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1747.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾، ان دين الله سعة ويسر، وخير وصلاح، فلا يكلف أحدا فوق طاقته، ولا بغير منفعته دينا ودنيا، قال تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ﴾، وقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، وعليه فإن الله سبحانه لا يأمر بالخروج من الديار، ولا بقتل النفس الا ما كان من الاسرائيليين لأمر استحقوا من أجله هذا القتل.

2. سؤال وإشكال: إذا كان الأمر كذلك فلا وجه لقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ لأنه أمر بما لا يطاق؟ والجواب: ان هذا مجرد فرض، ولذا جي‏ء بـ (لو) التي تدل على امتناع شيء لامتناع غيره، والغرض من هذا الفرض أن يبين الله سبحانه ان المنافقين لا عذر لهم إطلاقا في العناد والتمرد على أحكامه سبحانه، حيث لا مشقة فيها ولا إرهاق، بل هي رحمة لهم، وسعة عليهم، ومع هذا عصوا واستنكفوا.

3. وإذا استنكف المنافقون واضرابهم عن طاعته جل وعلا، على ما فيها من سهولة ويسر فإن في صحابة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من لو أمر بقتل نفسه لفعل، والى هؤلاء أشار تعالى بقوله: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ﴾ ومن هذا القليل ياسر وزوجته اللذان استشهدا في التعذيب من أجل الإسلام، وولدهما عمار الذي قتلته الفئة الباغية يوم صفين، وكان في مناجاته يخاطب الله، ويقول: (اللهم انك تعلم لو اني أعلم ان مرضاتك‏ في ان أضع سيفي هذا في صدري، وأنحني عليه، حتى يخرج من ظهري لفعلت)

4. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾، المراد بفعل ما يوعظون به اطاعة الله في أوامره ونواهيه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، والمراد بالتثبت الثبات على الإيمان، قال الإمام علي عليه السلام: (فمن الايمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور الى أجل معلوم)، وبهذا فسّر الامام الصادق قوله تعالى: ﴿فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ﴾

5. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾، هذا بيان للخير في قوله سبحانه: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وكل أجر الله وثوابه عظيم، وان قل ـ ان صح التعبير ـ فكيف إذا وصفه هو بالعظمة.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/371.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الآيات ـ كما ترى ـ غير عادمة الارتباط بما تقدمها من الآيات فإن آيات السورة آخذة من قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾، كأنها مسوقة لترغيب الناس في الإنفاق في سبيل الله، وإقامة صلب طبقات المجتمع وأرباب الحوائج من المؤمنين وذم الذين يصدون الناس عن القيام بهذا المشروع الواجب، ثم الحث على إطاعة الله وإطاعة الرسول وأولي الأمر، وقطع منابت الاختلاف والتجنب عن التشاجر والتنازع، وإرجاعه إلى الله ورسوله لو اتفق، والتحرز عن النفاق، ولزوم التسليم لأوامر الله ورسوله وهكذا إلى أن تنتهي إلى الآيات النادبة إلى الجهاد المبينة لحكمه أو الآمرة بالنفر في سبيل الله، فجميع هذه الآيات مجهزة للمؤمنين للجهاد في سبيل الله، ومنظمة لنظام أمورهم في داخلهم، وربما تخللها آية أو آيتان بمنزلة الاعتراض في الكلام لا يخل باتصال الكلام كما تقدم الإيماء إليه في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى﴾

2. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ قد تقدم في قوله: ﴿وَلَكِنْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ نساء 4 إن هذا التركيب يدل على أن الحكم للهيئة الاجتماعية من الأفراد وهو المجتمع، وأن الاستثناء لدفع توهم استغراق الحكم واستيعابه لجميع الأفراد، ولذلك كان هذا الاستثناء أشبه بالمنفصل منه بالمتصل أو هو برزخ بين الاستثنائين: المتصل والمنفصل لكونه ذا جنبتين، وعلى هذا فقوله‏: ﴿مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ وارد مورد الإخبار عن حال الجملة المجتمعة أنهم لا يمتثلون الأحكام والتكاليف الحرجية الشاقة التي تماس ما يتعلق به قلوبهم تعلق الحب الشديد كنفوسهم وديارهم، واستثناء القليل لدفع التوهم.

3. فالمعنى: ولو أنا كتبنا أي فرضنا عليهم قتل أنفسهم والخروج من ديارهم وأوطانهم المألوفة لهم ما فعلوه أي لم يمتثلوا أمرنا، ثم لما استشعر أن قوله: ما فعلوه يوهم أن ليس فيهم من هو مؤمن حقا مسلم لحكم الله حقيقة دفع ذلك باستثناء القليل منهم، ولم يكن يشمله الحكم حقيقة لأن الإخبار عن حال المجتمع من حيث إنه مجتمع ولم تكن الأفراد داخلة فيه إلا بتبع الجملة.

4. ومن هنا يظهر أن المراد قتل الجملة الجملة وخروج الجملة وجلاؤهم من جملة ديارهم كالبلدة والقرية دون قتل كل واحد نفسه، وخروجه من داره كما في قوله تعالى: ﴿فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾، فإن المقصود بالخطاب هو الجماعة دون الأفراد.

5. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ في تبديل الكتابة في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾، بالوعظ في قوله: ﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ إشارة إلى أن هذه الأحكام الظاهرة في صورة الأمر والفرض ليست إلا إشارات إلى ما فيه صلاحهم وسعادتهم فهي في الحقيقة مواعظ ونصائح يراد بها خيرهم وصلاحهم.

6. ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ أي في جميع ما يتعلق بهم من أولاهم وأخراهم، وذلك أن خير الآخرة لا ينفك من خير الدنيا بل يستتبعه، وقوله: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي‏ لنفوسهم وقلوبهم بالإيمان لأن الكلام فيه، قال تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ﴾ الآية.

7. ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي حين تثبتوا بالإيمان الثابت، والكلام في إبهام قوله: ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ كالكلام في إطلاق قوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾

8. ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ قد مضى الكلام في معنى الصراط المستقيم في ذيل قوله: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/407.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ السياق في الذين يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وهم يزعمون أنهم آمنوا، بدليل العطف في قوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ فهم في صدودهم عن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يصدون عن الشريعة اليسرى، ولو أمروا بقتل أنفسهم أو الخروج من ديارهم لامتنعوا، ولم يبق تستر بالأيمان الفاجرة: ﴿إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا﴾

2. الضمير في قوله تعالى: ﴿مَا فَعَلُوهُ﴾ عائد إلى أحد الشيئين، وقوله تعالى: ﴿إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ يفيدُ: أن القليل منهم يصلحون في المستقبل مطلقاً، أو لَوْ كلِّفوا أحد الأمرين، ويحتمل: أن القليل منهم لو خيِّر بين قتل نفسه والخروج من داره لاختار الخروج من داره وامتثل به؛ لأنه لم يؤمر بقتل نفسه على التعيين.

3. ﴿مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ ما يؤمرون به زجراً لهم عن الباطل، كالتحاكم إلى الرسول لئلا يقعوا في أحد باطلين: إما التحاكم إلى الطاغوت، وإما المغالبة المؤدية إلى الجرح أو القتل أو نحو ذلك إذا تركوا المحاكمة ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ لأنه أمر علاَّم الغيوب أحكم الحاكمين الذي لا جور فيه ولا غلط الذي يريد اليسر ولا يريد العسر ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لكم على الحق وطريق النجاة؛ لأن طاعة الله وتقواه مع الإيمان سبب للتثبيت، كما أن المعصية قد تكون سبباً للزيغ.

4. ﴿وَإِذَا﴾ لو أنهم فعلوا ما يوعظون به ﴿لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا﴾ من عندنا ﴿أَجْرًا﴾ ثواباً ﴿عَظِيمًا﴾ فاجتمعت لهم فائدة العاجل بإصابة الحق الذي هو ﴿خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ والتثبيت على الحق لئلا تزل قدم بعد ثبوتها، وفائدة الثواب في الآخرة، وفائدة زيادة الهدى ﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾ [مريم: 76]، ولعله قدم ذكر الأجر لكونه أبلغ في الترغيب وزيادةُ الهدى سببٌ لزيادة الأجر، والصراط: الطريق القوي الواضح قال الشاعر:

çدعسنا أرضهم بالخيل حتى... تركناها أذل من الصراطé

5. والمستقيم: الذي لا عوج فيه، والمراد به: سبيل الله الذي هو دينه، فتدل الآية على: أن الانقياد لأمر الله ونهيه سبب للعلم النافع الذي هو معرفة الدين وسببٌ للتوفيق للعمل به.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/104.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ وماذا بعد ذلك؟ إن القرآن يخاطب مواقفهم الحقيقية، ليحرّك أعماقهم بما تختزنه من رواسب التمرّد ومشاعر الانحراف، فلو كانوا مؤمنين كما يزعمون، لانطلقوا مع خط الإيمان في مواقعه المطلقة التي تعبر عن الاستسلام لله في كل شيء، ولكنهم ليسوا كذلك، فلو أن الله دعاهم إلى أن يقتلوا أنفسهم في ساحات الجهاد أو بطريقة ذاتية، أو طلب منهم أن يخرجوا من ديارهم لأي هدف كان، لما أطاعوه في ذلك، إلا قليل منهم ممن انفتحت آفاقهم على الله فرجعوا إليه، وهذا دليل عدم الإيمان، لأن الإسلام يعني التسليم الذي تمثل في موقف إبراهيم وولده إسماعيل، كما حدثنا الله‏ عنه‏ ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قالَ يا بُنَيَّ إِنِّي أَرى‏ فِي الْمَنامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ ماذا تَرى‏ قالَ يا أَبَتِ افْعَلْ ما تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شاءَ اللهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَما وتَلَّهُ لِلْجَبِينِ ونادَيْناهُ أَنْ يا إِبْراهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيا إِنَّا كَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هذا لَهُوَالْبَلاءُ الْمُبِينُ‏﴾ [الصافات: 102 ـ 106]

2. ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ من الخير والعمل الصالح، ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ لنفوسهم وقلوبهم بالإيمان، لأن الإيمان يثبت بالموقف الصلب والعمل الصالح، ولحصلوا من الله على الأجر العظيم، ولهداهم إلى الصراط المستقيم، لأن الله يهدي الإنسان الذي يطلب الهدى ويتحرك في سبيله‏ ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/345.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. تكميلا للبحث السابق حول أولئك الذين يشعرون بضيق وحرج تجاه أحكام النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأقضيته العادلة بعض الأحيان ـ يشير القرآن هنا إلى بعض التكاليف والفرائض الثقيلة في الأمم السالفة فيقول: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾

2. أي أنّنا لم نكلّفهم بأية فريضة شاقة لا تتحمل، ولو أنّنا كنّا نكلّفهم بمثل ما كلّفنا به الأمم السابقة (مثل اليهود الذين أمروا بأن يقتل بعضهم البعض الآخر كفارة لما ارتكبوه من عبادة العجل، أو يخرجوا من وطنهم المحبب إليهم لذلك) كيف كانوا يتحملونه؟ إنّهم لم يتحملوا حكما بسيطا أصدره النّبي في أمر سقي نخلات، ولم يسلموا لهذا القضاء العادل، فكيف ترى يمكنهم أن يقوموا بالمهمات العظيمة والمسؤوليات الجسيمة ويمروا بالاختبارات الصعبة بنجاح، فلو أنّنا أمرناهم بأن يقتلوا أنفسهم (أي يقتل بعضهم بعضا) أو يخرجوا من وطنهم المحبب عندهم لما فعله إلّا قليل منهم.

3. إنّ مسألة (الاستعداد للقتل) تشبه ـ حسب قول بعض المفسّرين ـ مسألة (الخروج عن الوطن) من جهات عديدة، لأنّ البدن وطن الروح الإنسانية تماما كما أنّ الوطن مثل الجسم الإنساني، فكما أنّ التغاضي عن ترك وطن الجسم أمر صعب، كذلك التغاضي عن الوطن الذي هو مسقط رأس الإنسان ومحل ولادته ونشأته.

4. ثمّ إنّ الله سبحانه يقول: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي لو أنّهم قبلوا نصائح النّبي ومواعظه لكان ذلك من مصلحتهم، ولكان سببا لتقوية أسس الإيمان عندهم.

5. والملفت للنظر أنّ القرآن يعبّر ـ في هذه الآية ـ عن الأحكام والأوامر الإلهية بالموعظة، وهو إشارة إلى أنّ الأحكام المذكورة ليست أمورا تصب في مصلحة المشرّع (أي الله) أو تجر له نفعا، بل هي ـ في الحقيقة ـ نصائح ومواعظ نافعة لكم، ولهذا يقول ودون تأخير: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي تقوية لإيمانهم وترسيخا لجذورها في نفوسهم.

6. ولا بدّ أيضا أن ننتبه إلى هذه النقطة، وهي أنّ الله سبحانه يقول في ختام هذه الآية: ﴿وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا﴾ أي كلّما اجتهد الإنسان في السير في سبيل طاعة الله وتنفيذ أوامره ازدادت استقامته وازداد ثباته، وهذا يعني أن إطاعة الأوامر الإلهية نوع من الرياضة الروحية التي تحصل للإنسان من تكرارها قوة وثبات أكبر واستحكام أكثر، على غرار ما يحصل للجسم نتيجة تكرار الرياضات الجسمية والتمارين الرياضية البدنية، فيصل الإنسان ـ نتيجة ذلك ـ إلى مرحلة لا يمكن لأية قدرة أن تغلب قدرته أو تخدعه أو تزعزعه.

7. ثمّ إنّه سبحانه يبيّن ـ في الآية الثّانية ـ الفائدة الثّالثة من فوائد التسليم لأوامر الله وطاعته إذ يقول: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي إذا لأعطيناهم ـ مضافا إلى ما ذكرناه ـ أجرا من عندنا عظيما، لا يعرف منتهاه ولا يدرك مداه.

8. ثمّ في آخر آية من هذه الآيات يشير سبحانه إلى رابع نتيجة إذ يقول: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، ومن الواضح البيّن أنّ المراد من هذه (الهداية) ليس هو الإرشاد إلى أصل الدين، بل المراد الطاف جديدة يمن بها الله سبحانه على مثل هؤلاء العباد الصالحين بعنوان الثواب والهداية الثانوية، فهو يشبه ما أشير إليه في الآية من سورة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلّم إذ قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾، وقد روي‏ أنّه عندما نزل قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ قال رجل من المسلمين: والله لو أمرنا لفعلنا فالحمد لله الذي عافانا، فلما بلغ هذا الكلام إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: إنّ من أمتي لرجالا الإيمان أثبت في قلوبهم من الجبال الرواسي)

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/311.

65. المنعَم عليهم والمعيّة

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈65⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ [النساء: 69 ـ 70]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

علي:

روي عن الإمام علي (ت 40 هـ) أنّه قال: (جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: يا رسول الله، ما أستطيع فراقك، وإني لأدخل منزلي فأذكرك فأترك ضيعتي وأقبل حتى أنظر إليك حبا لك، فذكرت إذا كان يوم القيامة وادخلت الجنة فرفعت في أعلى عليين فكيف لي بك يا نبي الله؟ فنزلت: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فدعا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الرجل فقرأها عليه وبشره بذلك(1).

__________

(1) أمالي الطوسي 2/233.

مسروق:

روي عن مسروق بن الأجدع (ت 62 هـ)، قال: قال أصحاب محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا رسول الله، ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك لو قد مت رفعت فوقنا فلم نرك، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢١٤.

ابن جبير:

روي عن سعيد بن جبير (ت 95 هـ) أنّه قال: جاء رجل من الأنصار إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو محزون، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: (يا فلان، ما لي أراك محزونا؟)، قال: يا نبي الله، شيء فكرت فيه، فقال: (ما هو؟)، قال: نحن نغدو عليك، ونروح، ننظر في وجهك، ونجالسك، غدا ترفع مع النبيين فلا نصل إليك، فلم يرد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئا؛ فأتاه جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿رَفِيقًا﴾، قال فبعث إليه النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فبشره(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢١٣.

الشعبي:

روي عن الشعبي (ت 103 هـ) أنّ رجلا من الأنصار أتى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: والله، يا رسول الله، لأنت أحب إلي من نفسي وولدي وأهلي ومالي، ولولا أني آتيك فأراك لظننت أني سأموت، وبكى الأنصاري، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ما أبكاك؟)، فقال: ذكرت أنك ستموت ونموت، فترفع مع النبيين، ونحن إذا دخلنا الجنة كنا دونك، فلم يخبره النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بشيء؛ فأنزل الله على رسوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾، إلى قوله: ﴿عَلِيمًا﴾، فقال: أبشر، يا أبا فلان(1).

__________

(1) سعيد بن منصور (٦٦١.

عكرمة:

روي عن عكرمة (ت 105 هـ) أنّه قال: أتى فتى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقال: يا نبي الله، إن لنا منك نظرة في الدنيا، ويوم القيامة لا نراك؛ لأنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ﴾ الآية، فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: أنت معي في الجنة، إن شاء الله(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٩٨.

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) أنّه قال: أعينونا بالورع فإنه من لقي الله عز وجل منكم بالورع كان له عند الله فرجا، وإن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فمنا النبي، ومنا الصديق، ومنا الشهداء، ومنا الصالحون(1).

__________

(1) الكافي 2/63.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: ذكر لنا: أن رجالا قالوا: هذا نبي الله نراه في الدنيا، فأما في الآخرة فيرفع بفضله فلا نراه، فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿رَفِيقًا﴾(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢١٤.

جعفر:

روي عن جعفر بن أبي المغيرة (ت 121 هـ) أنّه قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾، الأنبياء(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٩٧.

سعد:

روي عن سعد بن إبراهيم (ت 125 هـ) قال: مروا برجل يوم القادسية، وقد قطعت يداه ورجلاه، وهو يضحك ويقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، فقيل: ممن أنت ـ رحمك الله ـ؟ قال امرؤ من الأنصار(1).

__________

(1) ابن أبي الدنيا في كتاب الصبر ـ موسوعة الإمام ابن أبي الدنيا ٤/٤١.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) أنّه قال: قال ناس من الأنصار: يا رسول الله، إذا أدخلك الله الجنة، فكنت في أعلاها، ونحن نشتاق إليك؛ فكيف نصنع؟ فأنزل الله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢١٥.

الربيع:

روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ) أنّ أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قالوا: قد علمنا أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم له فضل على من آمن به في درجات الجنة ممن تبعه وصدقه، فكيف لهم إذا اجتمعوا في الجنة أن يرى بعضهم بعضا؟ فأنزل الله هذه الآية في ذلك، فقال له النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: إن الأعلين ينحدرون إلى من هو أسفل منهم، فيجتمعون في رياضها، فيذكرون ما أنعم الله عليهم، ويثنون عليه، وينزل لهم أهل الدرجات، فيسعون عليهم بما يشتهون، وما يدعون به، فهم في روضة يحبرون، ويتنعمون فيه(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢١٥.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) أنّه قال ـ في حديث له مع أبي بصير ـ: يا أبا محمد، لقد ذكركم الله في كتابه، فقال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ فرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الآية النبيون، ونحن في هذا الموضع الصديقون والشهداء، وأنتم الصالحون، فتسموا بالصلاح كما سماكم الله عز وجل(1).

__________

(1) الكافي 8/35.

ابن جريج:

روي عن ابن جريج (ت 150 هـ) أنّه قال: وقال غير مجاهد، عن أبي ذر، في قوله ـ جل وعز ـ: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾: الصديقين: المؤمنين(1).

__________

(1) ابن المنذر ٢/٧٨٢.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ بالنبوة، ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ بالتصديق، وهم أول من صدق بالأنبياء? حين عاينوهم، ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ يعني: القتلى في سبيل الله بالشهادة، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ يعني: المؤمنين أهل الجنة، ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾(1).

2. روي أنّه قال: ﴿ذَلِكَ﴾ يعني: هذا الثواب هو ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللهِ وَكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا﴾(2).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٨.

(2) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٧.

مالك:

روي عن مالك بن أنس (ت 179 هـ) أنّه قال: سمعت ذلك الرجل ـ يعني: عبد الله بن يزيد بن هرمز ـ وهو يصف المدينة وفضلها، يبعث منها أشراف هذه الأمة يوم القيامة، وحولها الشهداء أهل بدر وأحد والخندق، ثم تلا هذه الآية: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، والآية التي بعدها(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/٩٩٨.

الرضا:

روي عن الإمام الرضا (ت 203 هـ) أنّه قال: حق على الله أن يجعل ولينا رفيقا للنبيين، والصديقين، والشهداء، والصالحين، وحسن أولئك رفيقا(1).

__________

(1) تفسير العيّاشي 1/256.

المرتضى:

ذكر الإمام المرتضى بن الهادي (ت 310 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. سألت عن قوله تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، فقلت: ما معنى الرفيق؟.. ألا تسمع كيف يقول الله عز وجل في أول الآية: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾، إلى آخر الآية، ومعنى قوله: ﴿رَفِيقًا﴾ ـ فالرفيق هو: الصاحب، والمجالس، والمحادث، والمقارن؛ فهذا هو الرفيق.

__________

(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/237.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ الآية:

أ. قيل في بعض القصة: إن رجلا جاء إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فبكى، ثم قال والذي لا إله غيره لأنت أحبّ إلىّ من نفسي وولدي وأهلي، وإني لأذكرك، فلو لا أني أجيء فأنظر إليك، لرأيت أني سأموت، وذكرت موتي وموتك، ومنزلتك في‏ صلّى الله عليه وآله وسلّم: [(أبشر يا أبا فلان، أنت معي في الجنّة، إن شاء الله) وروي‏ كآبة وجزعا لم يترك طاعته أبدا ـ والله أعلم ـ كما قال تعالى: ﴿إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ [الأنفال: 38]

ب. ويحتمل: أن يكون ذلك لما سمعوا أن لكل أحد في الجنة مثل الدنيا فظنوا ألا يكون لهم الاجتماع والالتقاء؛ لبعد بعضهم من بعض، فأخبر عزّ وجل أن يكون لهم الاجتماع؛ لأن ذلك لهم في الدنيا من أعظم النعم وأجلها.

ج. ويحتمل: أن يكون على الابتداء: أن من أطاع الله تعالى والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فيكون‏ ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾] في دار واحدة، لا يكونون في غيرها؛ فهذه الوجوه كأنها أشبه ـ والله أعلم ـ إذ هم بالطاعة أجابوا.

2. ثم اختلف في‏ ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾:

أ. قال بعضهم: أتباع الأنبياء عليهم السلام وخلفاؤهم في كل أمر من التعليم، والدعاء لهم إلى كل خير وطاعة.

ب. وقيل: الصديق: هو الذي يصدق الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في أول دعوة دعاه إلى دين الله تعالى وفي أول ما عاينه.

ج. وعن ابن عباس قال الصديقون هم الذين أدركوا الرسل عليهم السلام وصدقوهم.

د. وعن أبي ذر قال الصديقون هم المؤمنون.

هـ. وقيل الصديقون‏: السابقون، الذين سبقوا إلى تصديق النبيين‏، أنعم الله عليهم بالتصديق، والشهداء: هم الذين أنعم الله عليهم بالشهادة.

و. والصالحون: هم المؤمنون أهل الجنة.

3. وقوله عزّ وجل: ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾:

أ. قيل: الشهيد: الذي قتل في سبيل الله‏.

ب. وقيل: الشهيد: هو القائم بدينه‏.

ج. وقيل: الصديقون والشهداء والصالحون كله واحد.

4. وقوله عزّ وجل: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ دلت الآية على أن الجزاء إفضال من الله تعالى إذ قد سبق من عنده الإنعام والإفضال عليهم؛ فيخرج طاعتهم له مخرج الشكر له، لا أن عليه ذلك وأن الجنة لا يدخل فيها إلا برحمته وفضله:

أ. وقوله: ـ أيضا ـ ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ذلك الإنعام الذي أنعم عليهم فضل من الله.

ب. ويحتمل قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي: ما أحسن من الرفقة بينهم؛ فذلك فضل منه.

5. الآية ترد على أصحاب الأصلح؛ لأن تلك الأفعال إنما صارت قربة لله بإنعام من الله وإفضاله وتوفيقه، وبه استوجبوا الثواب.

6. قوله ـ تعالى أيضا ـ: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ بعد العلم بأن الفضل هو بذل ما لم يكن عليه، وبذل ما عليه هو الوفاء، لا الفضل في متعارف اللسان والمعتاد، ثم لا يخلو من أن يرجع منه إلى الخيرات التي اكتسبوها؛ فيبطل به قول المعتزلة بما لا يخلو من أن كان منه ذلك الفضل‏ أو مثله إلى الكافر أولى، فإن كان منه لم يكن للامتنان منه بالذي كان منه وجه يستحقه، وقد كان منه إلى غيره، فلم ينل تلك الدرجة، ولا بلغ تلك الرتبة؛ فبان أنه لا بذلك بلغ من بلغ، فيكون منه فيما لم يكن، وأيضا: إنه لو لم يكن معه ذلك عنهم لم يكن البذل فضلا لما ذكرت؛ ثبت أن ليس الحق عليه كل ما به الأصلح في الدين؛ لما يزيل معنى الفضل، وإن لم يكن إعطاء الكافر مثله فهو عندهم محاباة منه على المؤمن، وقد منع ما عليه في الأصلح، وذلك عندهم بخل، جل الله عما وصفوه، وإن كان ذلك في الثواب دل أن له أن يثيب حتى يصير ما أثاب عليه فضلا، ولا يحتمل ألا يرضى بطاعة العبد واتباع رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فثبت أن الرضا ليس هو المراد.

7. وقوله عزّ وجل: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾:

أ. قيل: عليما بالآخرة وثوابها.

ب. وقيل: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بما وعد من الخير في الآخرة لهؤلاء الأصناف.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/247.

العياني:

ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. معنى قوله عز وجل: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي حسن أولئك أصحاباً، والرفيق: هو الصاحب، قال الشاعر:

çوكن مثل طعم الماء عذباً وبارداً... على الكبد الحرا لكل رفيقé

__________

(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/244.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ﴾.. الآية:

أ. أما الصديقون فهو جمع صديق وهم المصدقون بالأنبياء والصديق فعيل من الصدق.

ب. والشهداء جمع شهيد وهو المقتول في سبيل الله تعالى لأنه من شهداء الآخرة إذا قتل في سبيل الله وإنما سمي الشهيد شهيداً لأنه قام بشهادة الحق حتى قتل.

ج. الصالحون فجمع صالح وهو من أصلح عمله وصلحت سريرته وعلانيته.

2. وأما الرفيق ففيه قولان: أحدهما: أنه مأخوذ من الترفق في السير.. وسبب نزول هذه الآية أن ناساً توهموا أنهم لا يرون الأنبياء في الجنة لأنهم في أعلى عليين وحزنوا وسألوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فنزلت هذه الآية.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/185.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أما الصدّيقون فهو جمع صديق، وهم أتباع الأنبياء، وفي تسمية الصدّيق قولان:

أ. أحدهما: أنه فعّيل من الصّدق.

ب. الثاني: أنه فعّيل من الصدقة.

2. أما الشهداء فجمع شهيد، وهو المقتول في سبيل الله تعالى، وفي تسمية الشهيد قولان:

أ. أحدهما: لقيامه بشهادة الحق، حتى قتل في سبيل الله.

ب. الثاني: لأنه يشهد كرامة الله تعالى في الآخرة، ويشهد على العباد بأعمالهم يوم القيامة إذا ختم له بالقتل في سبيل الله.

3. أما الصالحون فجمع صالح وفيه قولان:

أ. أحدهما: أنه كل من صلح عمله.

ب. الثاني: هو كل من صلحت سريرته وعلانيته.

4. أما الرفيق ففيه قولان:

أ. أحدهما: أنه مأخوذ من الرفق في العمل.

ب. الثاني: أنه مأخوذ من الرفق في السير.

5. سبب نزول هذه الآية على ما حكاه الحسن وسعيد بن جبير وقتادة والربيع والسدي أنّ ناسا توهموا أنهم لا يرون الأنبياء في الجنة لأنهم في أعلى عليين، وحزنوا وسألوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فنزلت هذه الآية.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/505.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. اختلف في علاقة الآية الكريمة بما قبلها:

أ. قيل: لما جرى ذكر الطاعة فيما تقدم والحض عليها اقتضى ذكر طاعة الله، وطاعة الرسول، والوعد عليها.

ب. وقيل: إنه وعد بأمر مخصوص على الطاعة من مرافقة النبيين ومن ذكر معهم وهو أعم فائدة.

2. معنى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ انه يستمتع برؤية النبيين وزيارتهم، والحضور معهم، فلا ينبغي أن يتوهم من أجل أنهم في أعلى عليين انه لا يراهم، وقال الحسن، وسعيد بن جبير، ومسروق، وقتادة، والربيع، والسدي، وعامر: إن سبب نزول هذه الآية ان بعض الناس توهم ذلك، فحزن له، وسأل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن ذلك، فانزل الله الآية.

3. قيل في معنى الصديق قولان:

أ. أحدهما: المداوم على ما يوجبه التصديق بالحق.

ب. الثاني: ان الصديق هو المتصدق بما يخلص له من عمل البر، والاول أظهر.

4. الشهداء جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل الله، وفي تسميته شهيداً قولان:

أ. أحدهما: لأنه قام بشهادة الحق حتى قتل في سبيل الله.

ب. والآخر: انه من شهداء الآخرة بما ختم له من القتل في سبيل الله، وليست الشهادة هي القتل، لأنها معصية، ولكنها حال المقتول في اخلاص القيام بالحق لله مقراً به، وداعياً إليه.

ج. وقيل: الشهادة هي الصبر على ما أمره الله به من قتال عدوه والانقياد له، فأما الصبر على الألم بترك الأنين فليس بممنوع، بل هو مباح إذا لم يقل ما يكرهه الله.

د. وقال الجبائي: الشهداء جمع شهيد، وهم الذين جعلهم الله شهداء في الآخرة، فهم عدول الآخرة، وهذا على مذهبه بعيد لأن أهل الجنة كلهم عدول عنده، لأن من ليس بعدل لا يدخل الجنة، والله تعالى وعد من يطيعه ويطيع رسوله بأنه يحشره مع هؤلاء، فينبغي أن يكونوا غير الموعود لهم، وإلا يصير تقديره إنهم مع نفوسهم.

5. الصالح: من استقامت نفسه بحسن عمله، والمصلح المقوم لعمل يحسنه، ويقال: الله يصلح في تدبير عباده، بمعنى أنه يحسن تدبير عباده، ولا يوصف بانه صالح.

6. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ نصب على التمييز، ولذلك لا يجمع، وهو في موضع رفقاء، وقيل إنه لم يجمع، لأن المعنى، حسن كل واحد منهم رفيقاً كما قال ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ وقال الشاعر:

çنصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا...بأسهم أعداء وهن صديق‏é

ومن قال: ﴿رَفِيقًا﴾ نصب على التمييز، قال لأنه قد سمع حسن أولئك من رفقاء، وكرم زيد من رجل، وقال قوم: هو نصب على الحال، فإنه قد تدخل (من) في مثله، فإذا سقطت (من) فالحال هو الاختيار، لأنه من أسماء الصفات كأسماء الأجناس، ويكون التوحيد لما دخله من معنى حسن كل واحد منهم مرافقاً، ونظيره: لله درهم فارساً، أي حال الفروسية.

7. الرفيق: مشتق من الرفق في العمل، وهو الارتفاق فيه، ومنه الترفق في‏ السير، ونحوه، ومنه المرافقة، والمرفق من اليد ـ بكسر الميم ـ لأنه يرتفق به، ويقال أيضاً في العمل نحو قوله: ﴿وَيُهَيِّئْ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾ أي رفقاً يصلح به أمركم، والمرفق: ـ بفتح الميم ـ من مرافق الدار، والرفقة: الجماعة في السفر، لارتفاق بعضهم ببعض.

8. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾ اشارة إلى الثواب بالكون مع النبيين، والصديقين، والتقدير ذلك هو الفضل من الله، وهو وإن كان مستحقاً، فلم يخرج من أن يكون تفضلا، لأن سببه الذي هو التكليف، تفضل، والفضل: هو الزائد على المقدار إلا أنه قد كثر على ما زاد من الانتفاع، وكل ما يفعله تعالى فهو فضل، وتفضل، وإفضال، لأنه زائد على مقدار الاستحقاق الذي يجري على طريق المساواة.

9. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ انما ذكر، ليعلم انه لا يضيع عنده شيء من جزاء الاعمال، من حيث كان تعالى: عالماً به، وبما يستحق عليه، وتقديره، وكفى بالله عليما بكنه الجزاء على حقه، وتوفير الحظ فيه، ودخلت الباء في اسم الله:

أ. زائدة للتوكيد، والمعنى كفى الله، ووجه التأكيد أن اتصال الاسم بالفعل من جهة بنائه عليه وجه من وجوه الاتصال واتصاله بالباء وجه آخر من وجوه الاتصال، فإذا اجتمعا كان أوكد.

ب. ووجه آخر هو أن معناه اكتفى العباد بالله.

ج. ووجه ثالث وهو أنه توطئة لباب سير بزيد وأكرم بزيد من جهة أن موضعه رفع، وفيه حرف من حروف الجر.

10. والكفاية مقدار مقاوم للحاجة، ولا يخلو المقدار من أن يكون فاضلا أو مقصراً أو كافياً، فهذه الأقسام الثلاثة متقابلة.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/250.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الصديق: المداوم على ما يوجبه التصديق بالحق، وقيل: الصديق الذي عادته الصدق، وكل من غلب على عادته فِعْل، فإذا وصف به نبي جاء على فِعِّيل من ذلك الفعل، يقال للملازم الخمر خِمِّيرٌ، ولملازم السكر سِكِّير، ولملازم الشرب شِريبٌ، ولملازم الشر شِرِّير، وأصل الباب من الصدق خلاف الكذب، والصدق من صفات المؤمنين، ومن عظيم ذلك تصديق الأنبياء، وعن علي: (أنا الصديق الأكبر)؛ لأنه لم يكذب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قط، والصديق قد يثنى ويجمع فيذهب بها إلى أنه اسم، وقد لا يثنى ولا يجمع؛ لأنه يشبه المصدر نحو ﴿زَفِيرٌ وَشَهِيقٌ﴾

ب. الشهداء: جمع شهيد، وسمي شهيدا؛ لأنه أقام شهادة الحق حتى قتل، وقيل: لأنه من شهداء الآخرة.

ج. الرفيق: الصاحب وأصله من الرفق في العمل، وهو الارتفاق فيه، ومنه الرفقة الجماعة في السفر لارتفاق بعضهم لبعض.

2. اختلف في سبب نزول الآيات الكريمة:

أ. روى قاضي القضاة عماد الدين بإسناده عن الأسود عن عائشة أن رجلاً جاء إلى رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقال: يا رسول الله إنك لأحب إليَّ من نفسي وأهلي وولدي، وإني أكون في البيت فأذكرك فما لي صبر حتى آتيك فأنظر إليك، وإذا ذكرت الموت عرفت أنك في الجنة ترفع مع النبيين وإني إذا دخلت الجنة لا أراك، فلم يرد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئًا حتى نزل جبريل بهذه الآية.

ب. وقيل: نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكان يحب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حبًا شديدًا، فأتاه يومًا، وقد تغير لونه ونحل جسمه، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: مالك يا ثوبان؟ فقال: ما بي مرض ولا وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك، وقد ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك؛ لأنك ترفع مع النبيين، فأنزل الله تعالى هذه الآية، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: والذي نفسي بيده لا يؤمن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه وأبويه وأهله وولده والناس أجمعين)

ج. وقيل: إن أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قالوا: يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنا لا نراك إلا في الدنيا فأما في الآخرة فإنك ترفع فوقنا لفضلك، فنزلت الآية عن قتادة ومسروق.

3. ثم بين تعالى ما يجب لهم لو أطاعوا فقال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ بالانقياد لأمره ونهيه وطاعته، وبالرسول باتباع شريعته والرضا بحكمه ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ بهذه الآية والتوفيق لطاعته، يعني يكونون معهم في الجنة، وذلك إشارة إلى الثواب بالكون مع النبيين.

4. ثم بين تفضيل مَنْ أنعم الله عليه فقال سبحانه: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾:

أ. قيل: إنه عام في الجميع.

ب. وقيل: إنه خاص.. واختلفوا:

قيل: النبيون محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، والصديقون أفاضل الصحابة، والشهداء من استشهد من أصحابه، والصالحون صالحو أمته.

وقيل: النبيون محمد، والصديقون أبو بكر، والشهداء عمر وعثمان وعلي، والصالحون سائر الصحابة.

5. ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الرسل، ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾:

أ. قيل: المداومون على التصديق والحق.

ب. وقيل: السابقون إلى تصديق الأنبياء والإيمان بهم عن أبي مسلم.

ج. وقيل: هو فِعِّيل من الصدقة، وهم المكثرون التصديق.

د. وقيل: هم أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالشُّهَدَاءِ﴾:

أ. قيل: المقتولون في سبيل الله.

ب. وقيل: القائمون بالقسط المبينون عن الله عن الأصم.

ج. وقيل: الأبرار عن أبي مسلم.

د. وقيل: من يشهد كرامة الله له في الآخرة.

هـ. وقيل: الَّذِينَ يشهدون على الناس بأعمالهم عن أبي علي.

7. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ قيل: من صلحت سريرته وعلانيته.

8. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ﴾ من تقدم ذكرهم ﴿رَفِيقًا﴾ يعني رفيقًا في الجنة، والرفقاء الخلطاء والأصحاب، وقد يجيء فَعِيل بمعنى فعلاء:

أ. وقيل: حسن كل واحد منهم رفيقًا

ب. وقيل: حسن أولئك مجتمعين في الجنة.

ج. وقيل: معناه التعجب، أي ما أحسن أولئك رفيقًا، كقولهم: ما أكرم رجلاً زيد، أي ما أكرمه.

9. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ أي الثواب الذي أعطاهم من الله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللهِ عَلِيمًا﴾:

أ. يعني لمن يستوجب الجنة والثواب حتى لا يضيع شيء من حقه، ويوفره عليه على ما استحقه.

ب. وقيل: كفى به عليمًا بأفعال الخلق حتى يجازيهم.

10. تدل الآيات الكريمة على:

أ. أن طاعة الرسول شرط في الفوز كطاعة الله.

ب. أن إنزال المكلف منزلة من عظمت رتبته تزيده رغبة في الطاعة.

ج. أن غير النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يكون معه في الجنة والدرجة، وإن كان لا يساويه في المنزلة والثواب؛ لأن كونه في مجاورته لا توجب مساواته في الثواب والنعمة؛ لأن من يزيد ثوابه قد يكون مع من ينقص في المكان ثم استويا في الثواب، ألا ترى أن الحور العين والأطفال يكونون في الجنة، دل أنه لا اعتبار بالمكان.

د. يدل قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾ أن الثواب فضل منه تعالى، وذلك وإن وجب بسبب من جهة العبد فهو تعالى المتفضل بسببه، وهو التكليف والتمكين والهداية والتوفيق واللطف، فصار ما يناله من ذلك يناله بفضله.

11. مسائل لغوية ونحوية:

أ. نصبـ ﴿رَفِيقًا﴾ قيل: على التمييز، تقديره: حسن أولئك رفيقًا، وقيل: على الحال، وفي توحيد ﴿رَفِيقًا﴾ قولان: أحدهما: لأنه في موضع التمييز، والثاني: على تقدير حسن كل واحد منهم رفيقًا، كقوله: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ قال الشاعر:

çنَصَبْنَ الْهوَيَ ثم ارْتَمَيْنَ قُلوبَنا... بِأَعْيُنِ أعداءٍ وهُنَّ صَدِيقُé

ب. دخل الباء في ﴿كَفَى بِاللهِ﴾ قيل: زائدة تأكيدًا، وتقديره كفى الله، وقيل: معناه اكتفى العباد بِاللهِ.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/695

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الصديق: المداوم على التصديق بما يوجبه الحق، وقيل: الصديق الذي عادته الصدق، وهذا البناء يكون لمن غلب على عادته فعل، يقال لملازم السكر سكير ولملازم الشرب شريب.

ب. الشهداء: جمع شهيد، وهو المقتول في سبيل الله، وليست الشهادة في القتل الذي هو معصية، لكنها حال المقتول في إخلاص القيام بالحق لله، مقرا وداعيا إليه، وهي من أسماء المدح، ويجوز للمرء أن يتمناها، ولا يجوز أن يتمنى قتل الكافر إياه لأنه معصية، وقيل: الشهادة هي الصبر على ما أمر الله به من قتال عدوه، فأما الصبر على الألم بترك الأنين، فليس بواجب، وليس الأنين بممنوع عنه، بل هو مباح، إذا لم يقل ما يكرهه الله تعالى.

ج. الصالح: من استقامت نفسه بحسن عمله.

د. الرفيق: الصاحب، وهو مشتق من الرفق في العمل: وهو الارتفاق فيه، ومنه المرافقة، والمرفق، والمرفق: من اليد، بكسر الميم، لأنه يرتفق به، وقوله: ﴿ويهئ لكم من أمركم مرفقا﴾ أي رفقا يصلح به أمركم.

هـ. الفضل: في أصل اللغة، هو الزيادة على المقدار، وقد استعمل في النفع أيضا، وأفعال الله تعالى كلها فضل، وتفضل وإفضال، لأنه لا يقتصر بالعبد على مقدار ما يستحق بمثل عمله فيما بين الناس، بل هو يزيد عليه زيادات كثيرة، ولا يجري ذلك على طريق المساواة.

2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. قيل: نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكان شديد الحب لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم، وقد تغير لونه، ونحل جسمه، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا ثوبان! ما غير لونك؟ فقال: يا رسول الله! ما بي من مرض، ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة، فأخاف أني لا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين، وإني إن أدخلت الجنة كنت في منزلة أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل الجنة فذاك حتى لا أراك أبدا! فنزلت الآية، ثم قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: والذي نفسي بيده لا يؤمنن عبد حتى أكون أحب إليه من نفسه، وأبويه، وأهله، وولده، والناس أجمعين.

ب. وقيل: إن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قالوا: ما ينبغي لنا أن نفارقك، فإنا لا نراك إلا في الدنيا، وأما في الآخرة، فإنك ترفع فوقنا بفضلك، فلا نراك! فنزلت الآية، عن قتادة، ومسروق بن الأجدع.

3. بين سبحانه حال المطيعين فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ بالانقياد لامره ونهيه، ﴿وَالرَّسُولُ﴾ باتباع شريعته والرضى بحكمه، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ في الجنة.

4. ثم بين المنعم عليهم فقال: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ يريد أنه يستمتع برؤية النبيين والصديقين، وزيارتهم، والحضور معهم، فلا ينبغي أن يتوهم من أجل أنهم في أعلى عليين، أنه لا يراهم، وقيل، في معنى الصديق: إنه المصدق بكل ما أمر الله به وبأنبيائه، لا يدخله في ذلك شك، ويؤيده قوله: ﴿والذين آمنوا بالله ورسوله أولئك هم الصديقون﴾

5. ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾: يعني المقتولين في الجهاد، وإنما سمي الشهيد شهيدا:

أ. قيل: لقيامة بشهادة الحق على جهة الاخلاص، وإقراره به، ودعائه إليه، حتى قتل.

ب. وقيل: إنما سمي شهيدا، لأنه من شهداء الآخرة على الناس، وإنما يستشهدهم الله بفضلهم وشرفهم، فهم عدول الآخرة، عن الجبائي، وقال الشيخ أبو جعفر: هذا لا يصح على مذهبه، فعنده لا يجوز أن يدخل الجنة إلا من هو عدل، والله سبحانه وتقدس، وعد من يطيعه بأنه يحشره مع هؤلاء، وينبغي أن يكون الموعود له غير الموعود بالكون معه وإلا فيصير التقدير أنهم مع نفوسهم.

6. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾، معناه: صلحاء المؤمنين الذين لم تبلغ درجتهم درجة النبيين، والصديقين، والشهداء، والصالح: الفاعل للصلاح، الملازم له، المتمسك به، ويقال: هو الذي صلحت حاله، واستقامت طريقته، والمصلح: الفاعل لما فيه إصلاح، ولذلك يجوز المصلح في صفات الله تعالى، ولا يجوز الصالح، وإنما يقال: رجل صالح، أو مصلح، لأنه يصلح نفسه وعمله.

7. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ معناه: من يكون هؤلاء رفقاء له فأحسن بهم من رفيق، أو فما أحسنهم من رفيق، وروى أبو بصير، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: (يا أبا محمد! لقد ذكركم الله في كتابه، ثم تلا هذه الآية وقال: فالنبي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ونحن الصديقون، والشهداء، وأنتم الصالحون فتسموا بالصلاح كما سماكم الله تعالى)

8. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى أن الكون مع النبيين والصديقين ﴿الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ تفضل به على من أطاعه ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾:

أ. قيل: بالعصاة، والمطيعين، والمنافقين، والمخلصين، ومن يصلح لمرافقة هؤلاء، ومن لا يصلح، لأنه يعلم خائنة الأعين.

ب. وقيل: معناه: حسبك به علما، بكيفية جزاء المطيعين على حقه، وتوفير الحظ فيه.

9. ﴿رَفِيقًا﴾: نصب على التمييز، ولذلك لم يجمع فكأنه قال: حسن أولئك رفيقا، وقيل: إنه لم يجمع لان المعنى حسن كل أحد منهم رفيقا، كقوله سبحانه: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ وقال الشاعر:

نصبن الهوى ثم ارتمين قلوبنا... بأعين أعداء وهن صديق

وقيل إنه نصب على الحال، فإنه قد يدخل من في مثله فإذا أسقطت من فالحال هو الاختيار، لأنه من الصفات الداخلة في أسماء الأجناس، ويكون للتوحيد لما دخله من بمعنى حسن كل واحد منهم مرافقا، ونظيره: لله دره فارسا: أي في حال الفروسية.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/110.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في سبب نزول قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: أن ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان شديد المحبّة للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فرآه رسول الله يوما فعرف الحزن في وجهه، فقال: يا ثوبان ما غيّر وجهك؟ قال ما بي من وجع غير أنّي إذا لم أرك اشتقت إليك، فأذكر الآخرة، فأخاف أن لا أراك هناك، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح عن ابن عباس.

ب. الثاني: أنّ أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قالوا له: ما ينبغي أن نفارقك في الدّنيا، فإنّك إذا فارقتنا رفعت فوقنا، فنزلت هذه الآية، هذا قول مسروق.

ج. الثالث: أنّ رجلا من الأنصار جاء إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو محزون، فقال: ما لي أراك محزونا؟ فقال: يا رسول الله غدا ترفع مع الأنبياء، فلا نصل إليك، فنزلت هذه الآية، هذا قول سعيد بن جبير.

2. قال ابن عباس: ومن يطع الله في الفرائض، والرّسول في السّنن.

3. الصّدّيق: قال ابن قتيبة: والصّدّيق: الكثير الصّدق، كما يقال: فسّيق، وسكّير، وشرّيب، وخمّير، وسكّيت، وفجّير، وعشّيق، وضلّيل، وظلّيم: إذا كثر منه ذلك، ولا يقال ذلك لمن فعل الشيء مرّة، أو مرتين حتى يكثر منه ذلك، أو يكون عادة.

4. فأما الشهداء، فجمع شهيد وهو القتيل في سبيل الله، وفي تسميته بالشّهيد خمسة أقوال:

أ. أحدها: لأنّ الله تعالى وملائكته شهدوا له بالجنّة، قاله ثعلب.

ب. الثاني: لأنّ ملائكة الرّحمة تشهده.

ج. الثالث: لسقوطه بالأرض، والأرض: هي الشّاهدة، ذكر القولين ابن فارس اللغويّ.

د. الرابع: لقيامه بشهادة الحق في أمر الله حتى قتل، قاله أبو سليمان الدمشقي.

هـ. الخامس: لأنه يشهد ما أعدّ الله له من الكرامة بالقتل، قاله شيخنا عليّ بن عبيد الله.

5. الصّالحون: هو اسم لكل من صلحت سريرته وعلانيته.

6. الجمهور على أن النّبيين، والصّدّيقين، والشّهداء، والصّالحين عامّ في جميع من هذه صفته، وقال عكرمة: المراد بالنّبيين هاهنا محمّد، والصّديقين أبو بكر، وبالشّهداء عمر وعثمان وعليّ، وبالصّالحين سائر الصّحابة.

7. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ قال الزجّاج: (رفيقا) منصوب على التّمييز، وهو ينوب عن رفقاء، قال الشاعر:

çبها جيف الحسرى فأمّا عظامها...فبيض وأمّا جلدها فصليب‏é

وقال آخر: (في حلقكم عظم وقد شجينا) يريد: في حلوقكم عظام.

8. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ﴾ الذي أعطي المذكورين‏ ﴿مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بالمقاصد والنّيات.

__________

(1) زاد المسير: 1/430.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما أمر الله تعالى بطاعة الله وطاعة الرسول بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] ثم زيف طريقة الذين تحاكموا إلى الطاغوت وصدوا عن الرسول، ثم أعاد الأمر بطاعة الرسول مرة أخرى فقال: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [النساء: 64] ثم رغب في تلك الطاعة بقوله: ﴿لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾ [النساء: 66 ـ 68] أكد الأمر بطاعة الله وطاعة الرسول في هذه الآية مرة أخرى فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ إلى آخر الآية.

2. الأولى: ذكروا في سبب النزول وجوها:

أ. الأول: روى جمع من المفسرين‏ أن ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان شديد الحب لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قليل الصبر عنه، فأتاه يوما وقد تغير وجهه ونحل جسمه وعرف الحزن في وجهه، فسأله رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن حاله، فقال يا رسول الله ما بي وجع غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، فذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك، لأنى إن أدخلت الجنة فأنت تكون في درجات النبيين وأنا في درجة العبيد فلا أراك، وإن أنا لم أدخل الجنة فحينئذ لا أراك أبدا، فنزلت هذه الآية:

ب. الثاني: قال السدي: ان ناسا من الأنصار قالوا: يا رسول الله إنك تسكن الجنة في أعلاها، ونحن نشتاق إليك، فكيف نصنع؟ فنزلت الآية.

ج. الثالث: قال مقاتل: نزلت في رجل من الأنصار قال للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يا رسول الله إذا خرجنا من عندك إلى أهالينا اشتقنا إليك، فما ينفعنا شيء حتى نرجع إليك، ثم ذكرت درجتك في الجنة، فكيف لنا برؤيتك ان دخلنا الجنة؟ فأنزل الله هذه الآية، فلما توفي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أتى الأنصار ولده وهو في حديقة له فأخبره بموت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده إلى أن ألقاه، فعمى مكانه، فكان يحب النبي حبا شديدا فجعله الله معه في الجنة.

د. الرابع: قال الحسن: ان المؤمنين قالوا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما لنا منك إلا الدنيا، فإذا كانت الآخرة رفعت في الأولى فحزن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وحزنوا، فنزلت هذه الآية.

3. قال المحققون: لا ننكر صحة هذه الروايات إلا أن سبب نزول الآية يجب أن يكون شيئا أعظم من ذلك، وهو البعث على الطاعة والترغيب فيها، فإنك تعلم أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ، فهذه الآية عامة في حق جميع المكلفين، وهو أن كل من أطاع الله وأطاع الرسول فقد فاز بالدرجات العالية والمراتب الشريفة عند الله تعالى.

4. ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ يوجب الاكتفاء بالطاعة الواحدة، لأن اللفظ الدال على الصفة يكفي في العمل به في جانب الثبوت حصول ذلك المسمى مرة واحدة، قال القاضي: لا بد من حمل هذا على غير ظاهره، وأن تحمل الطاعة على فعل المأمورات وترك جميع المنهيات، إذ لو حملناه على الطاعة الواحدة لدخل فيه الفساق والكفار، لأنهم قد يأتون بالطاعة الواحدة، وعندي فيه وجه آخر، وهو أنه ثبت في‏ أصول الفقه أن الحكم المذكور عقيب الصفة مشعر بكون ذلك الحكم معللا بذلك الوصف.

5. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ﴾ أي ومن يطع الله في كونه إلها، وطاعة الله في كونه إلها هو معرفته والإقرار بجلاله وعزته وكبريائه وصمديته، فصارت هذه الآية تنبيها على أمرين عظيمين من أحوال المعاد:

أ. الأول: هو أن منشأ جميع السعادات يوم القيامة إشراق الروح بأنوار معرفة الله، وكل من كانت هذه الأنوار في قلبه أكثر، وصفاؤها أقوى، وبعدها عن التكدر بمحبة عالم الأجسام أتم كان إلى السعادة أقرب وإلى الفوز بالنجاة أوصل.

ب. الثاني: انه تعالى ذكر في الآية المتقدمة وعد أهل الطاعة بالأجر العظيم والثواب الجزيل والهداية إلى الصراط المستقيم، ثم ذكر في هذه الآية وعدهم بكونهم مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وهذا الذي وقع به في الختم لا بد أن يكون أشرف وأعلى مما قبله، ومعلوم أنه ليس المراد من كون هؤلاء معهم هو أنهم يكونون في عين تلك الدرجات، لأن هذا ممتنع، فلا بد وأن يكون معناه أن الأرواح الناقصة إذا استكملت علائقها مع الأرواح الكاملة في الدنيا لسبب الحب الشديد، فإذا فارقت هذا العالم ووصلت إلى عالم الآخرة بقيت تلك العلائق الروحانية هناك، ثم تصير تلك الأرواح الصافية كالمرايا المجلوة المتقابلة، فكأن هذه المرايا ينعكس الشعاع من بعضها على بعض، وبسبب هذه الانعكاسات تصير أنوارها في غاية القوة، فكذا القول في تلك الأرواح فإنها لما كانت مجلوة بصقالة المجاهدة عن غبار حب ما سوى الله، وذلك هو المراد من طاعة الله وطاعة الرسول، ثم ارتفعت الحجب الجسدانية أشرقت عليها أنوار جلال الله، ثم انعكست تلك الأنوار من بعضها إلى بعض وصارت الأرواح الناقصة كاملة بسبب تلك العلائق الروحانية، فهذا الاحتمال خطر بالبال والله أعلم بأسرار كلامه.

6. ليس المراد بكون من أطاع الله وأطاع الرسول مع النبيين والصديقين، كون الكل في درجة واحدة، لأن هذا يقتضي التسوية في الدرجة بين الفاضل والمفضول، وإنه لا يجوز، بل المراد كونهم في الجنة بحيث يتمكن كل واحد منهم من رؤية الآخر، وإن بعد المكان، لأن الحجاب إذا زال شاهد بعضهم بعضا، وإذا أرادوا الزيارة والتلاقي قدروا عليه، فهذا هو المراد من هذه المعية.

7. ذكر الله تعالى النبيين، ثم ذكر أوصافا ثلاثة: الصديقين والشهداء والصالحين، واتفقوا على أن النبيين مغايرون للصديقين والشهداء والصالحين، فأما هذه الصفات الثلاثة فقد اختلفوا فيها:

أ. قال بعضهم: هذه الصفات كلها لموصوف واحد، وهي صفات متداخلة فإنه لا يمتنع في الشخص الواحد أن يكون صديقا وشهيدا وصالحا.

ب. وقال الآخرون: بل المراد بكل وصف صنف من الناس، وهذا الوجه أقرب لأن المعطوف يجب أن يكون مغايرا للمعطوف عليه، وكما أن النبيين غير من ذكر بعدهم، فكذلك الصديقون يجب أن يكونوا غير من ذكر بعدهم وكذا القول في سائر الصفات.

8. الصّدّيق: وهو اسم لمن عادته الصدق، ومن غلب على عادته فعل إذا وصف بذلك الفعل قيل فيه فعيل، كما يقال: سكير وشريب وخمير، والصدق صفة كريمة فاضلة من صفات المؤمنين، وكفى الصدق فضيلة أن الايمان ليس إلا التصديق، وكفى الكذب مذمة أن الكفر ليس إلا التكذيب، وللمفسرين في الصديق وجوه:

أ. الأول: أن كل من صدق بكل الدين لا يتخالجه فيه شك فهو صديق، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ﴾ [الحديد: 19]

ب. الثاني: قال قوم: الصديقون أفاضل أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ج. الثالث: أن الصديق اسم لمن سبق إلى تصديق الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فصار في ذلك قدوة لسائر الناس.

9. الشهادة: والكلام في الشهداء قد مر في مواضع من هذا الكتاب، ولا بأس بأن نعيد البعض فنقول: لا يجوز أن تكون الشهادة مفسرة بكون الإنسان مقتول الكافر، والذي يدل عليه وجوه:

أ. الأول: أن هذه الآية دالة على أن مرتبة الشهادة مرتبة عظيمة في الدين، وكون الإنسان مقتول الكافر ليس فيه زيارة شرف، لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة له عند الله.

ب. الثاني: أن المؤمنين قد يقولون: اللهم ارزقنا الشهادة، فلو كانت الشهادة عبارة عن قتل الكافر إياه لكانوا قد طلبوا من الله ذلك القتل وانه غير جائز، لأن طلب صدور ذلك القتل من الكافر كفر، فكيف يجوز أن يطلب من الله ما هو كفر.

ج. الثالث: روي أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال المبطون شهيد والغريق شهيد.

10. الشهادة ليست عبارة عن القتل، بل نقول: الشهيد فعيل بمعنى الفاعل، وهو الذي يشهد بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط، وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَوَالْمَلائِكَةُ وَأولو الْعِلْمِ قائِماً بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18] ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد من حيث أنه بذل نفسه في نصرة دين الله، وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل، وإذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في نصرة دين الله، الآخرة، كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]

11. الصالحون: الصالح هو الذي يكون صالحا في اعتقاده وفي عمله، فان الجهل فساد في الاعتقاد، والمعصية فساد في العمل، وإذا عرفت تفسير الصديق والشهيد والصالح ظهر لك ما بين هذه الصفات من التفاوت، وذلك لأن كل من كان اعتقاده صوابا وكان عمله طاعة وغير معصية فهو صالح، ثم ان الصالح قد يكون بحيث يشهد لدين الله بأنه هو الحق وأن ما سواه هو الباطل، وهذه الشهادة تارة تكون بالحجة والدليل وأخرى بالسيف، وقد لا يكون الصالح موصوفا بكونه قائما بهذه الشهادة، فثبت أن كل من كان شهيدا كان صالحا، وليس كل من كان صالحا شهيدا، فالشهيد أشرف أنواع الصالح، ثم ان الشهيد قد يكون صديقا وقد لا يكون: ومعنى الصديق الذي كان أسبق إيمانا من غيره، وكان إيمانه وقدوة لغيره، فثبت أن كل من كان صديقا كان شهيدا، وليس كل من كان شهيدا كان صديقا، فثبت أن أفضل الخلق هم الأنبياء عليهم السلام، وبعدهم الصديقون، وبعدهم من ليس له درجة إلا محض درجة الشهادة، وبعدهم من ليس له إلا محض درجة الصلاح.

12. فالحاصل أن أكابر الملائكة يأخذون الدين الحق عن الله، والأنبياء يأخذون عن الملائكة، كما قال: ﴿يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ﴾ [النحل: 2] والصديقون يأخذونه عن الأنبياء، والشهداء يأخذونه عن الصديقين، لأنا بينا أن الصديق هو الذي يأخذ في المرة الأولى عن الأنبياء وصار قدوة لمن بعده، والصالحون يأخذونه عن الشهداء، فهذا هو تقرير هذه المراتب وإذا عرفت هذا ظهر لك أنه لا أحد يدخل‏ الجنة إلا وهو داخل في بعض هذه النعوت والصفات.

13. ثم قال تعالى: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ قال الزمخشري: فيه معنى التعجيب، كأنه قيل: ما أحسن أولئك رفيقا، والرفق في اللغة لين الجانب ولطافة الفعل، وصاحبه رفيق، هذا معناه في اللغة ثم الصاحب يسمى رفيقا لا لارتفاق بعضهم ببعض، قال الواحدي: إنما وحد الرفيق وهو صفة لجمع، لأن الرفيق والرسول والبريد تذهب به العرب إلى الواحد وإلى الجمع قال تعالى: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: 16] ولا يجوز أن يقال: حسن أولئك رجلا، وبالجملة فهذا إنما يجوز في الاسم الذي يكون صفة، أما إذا كان اسما مصرحا مثل رجل وامرأة لم يجز، وجوز الزجاج ذلك في الاسم أيضا وزعم أنه مذهب سيبويه، وقيل: معنى قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي حسن كل واحد منهم رفيقا، كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: 67] و﴿رَفِيقًا﴾ نصب على التمييز، وقيل على الحال: أي حسن واحد منهم رفيقا.

14. بين الله تعالى فيمن أطاع الله ورسوله أنه يكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، ثم لم يكترث بذلك، بل ذكر أنه يكون رفيقا له، وقد ذكرنا أن الرفيق هو الذي يرتفق به في الحضر والسفر، فبين أن هؤلاء المطيعين يرتفقون بهم، وإنما يرتفقون بهم إذا نالوا منهم رفقا وخيرا، ولقد ذكرنا مرارا كيفية هذا الارتفاق، وأما على حسب الظاهر فلأن الإنسان قد يكون مع غيره ولا يكون رفيقا له، فأما إذا كان عظيم الشفقة عظيم الاعتناء بشأنه كان رفيقا له، فبين تعالى أن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون له كالرفقاء من شدة محبتهم له وسرورهم برؤيته.

15. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ لا شك أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى كل ما تقدم ذكره من وصف الثواب، فلما حكم على كل ذلك بأنه فضل من الله دل هذا على أن الثواب غير واجب على الله، ومما يدل عليه من جهة المعقول وجوه:

أ. الأول: القدرة على الطاعة إن كانت لا تصلح إلا للطاعة، فخالق تلك القدرة هو الذي أعطى الطاعة، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا، وإن كانت صالحة للمعصية أيضا لم يترجح جانب الطاعة على جانب المعصية إلا بخلق الداعي إلى الداعي، ويصير مجموع القدرة والداعي موجبا للفعل، فخالق هذا المجموع هو الذي أعطى الطاعة، فلا يكون فعله موجبا عليه شيئا.

ب. الثاني: نعم الله على العبد لا تحصى وهي موجبة للطاعة والشكر، وإذا كانت الطاعات تقع في مقابلة النعم السالفة امتنع كونها موجبة للثواب في المستقبل.

ج. الثالث: أن الوجوب يستلزم استحقاق الذنب عند الترك، وهذا الاستحقاق ينافي الإلهية، فيمتنع حصوله في حق الإله تعالى، فثبت أن ظاهر الآية كما دل على أن الثواب كله فضل من الله تعالى، فالبراهين العقلية القاطعة دالة على ذلك أيضا، وقالت المعتزلة: الثواب وإن كان واجبا لكن لا يمتنع إطلاق اسم الفضل عليه، وذلك أن العبد إنما استحق ذلك الثواب لأن الله تعالى كلفه والتكليف تفضل، ولأنه تعالى هو الذي أعطى العقل والقدرة وأزاح الأعذار والموانع حتى تمكن المكلف من فعل الطاعة، فصار ذلك بمنزلة من وهب لغيره ثوبا كي ينتفع به، فإذا باعه وانتفع بثمنه جاز أن يوصف ذلك الثمن بأنه فضل من الواهب فكذا هاهنا.

16. في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ احتمالان:

أ. أحدهما: أن يكون التقدير: ذلك هو الفضل من الله، ويكون المعنى أن ذلك الثواب لكمال درجته كأنه هو الفضل من الله وأن ما سواه فليس بشيء.

ب. الثاني: أن يكون التقدير: ذلك الفضل هو من الله، أي ذلك الفضل المذكور، والثواب المذكور هو من الله لا من غيره.. ولا شك أن الاحتمال الأول أبلغ.

17. ثم قال تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفية الجزاء والتفضل، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة والاحتراز عن التقصير فيه.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/133.

‌‌القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ لما ذكر تعالى الأمر الذي لو فعله المنافقون حين وعظوا به وأنابوا إليه لأنعم عليهم، ذكر بعد ذلك ثواب من يفعله، وهذه الآية تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ وهي المراد في قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم عند موته (اللهم الرفيق الأعلى)، وفي البخاري عن عائشة قالت سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: (ما من نبي يمرض إلا خير بين الدنيا والآخرة) كان في شكواه الذي مرض فيه أخذته بحة شديدة فسمعته يقول: ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فعلمت أنه خير:

أ. قالت طائفة: إنما نزلت هذه الآية لما قال عبد الله بن زيد بن عبد ربه الأنصاري ـ الذي أري الأذان ـ: يا رسول الله، إذا مت ومتنا كنت في عليين لا نراك ولا نجتمع بك، وذكر حزنه على ذلك فنزلت هذه الآية.

ب. وذكر مكي عن عبد الله هذا وأنه لما مات النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: اللهم أعمني حتى لا أرى شيئا بعده، فعمي مكانه، وحكاه القشري فقال: اللهم أعمني فلا أرى شيئا بعد حبيبي حتى ألقى حبيبي، فعمي مكانه.

ج. وحكى الثعلبي: أنها نزلت في ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكان شديد الحب له قليل الصبر عنه، فأتاه ذات يوم وقد تغير لونه ونحل جسمه، يعرف في وجهه الحزن، فقال له: (يا ثوبان ما غير لونك) فقال: يا رسول الله ما بي ضر ولا وجع، غير أني إذا لم أرك اشتقت إليك واستوحشت وحشة شديدة حتى ألقاك، ثم ذكرت الآخرة وأخاف ألا أراك هناك، لأني عرفت أنك ترفع مع النبيين وأني إن دخلت الجنة كنت في منزلة هي أدنى من منزلتك، وإن لم أدخل فذلك حين لا أراك أبدا، فأنزل الله تعالى هذه الآية، ذكره الواحدي عن الكلبي.

د. وأسند عن مسروق قال قال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ما ينبغي لنا أن نفارقك في الدنيا، فإنك إذا فارقتنا رفعت فوقنا، فأنزل الله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾

2. في طاعة الله طاعة رسوله ولكنه ذكره تشريفا لقدره وتنويها باسمه صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلى آله، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدرجة، فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدنيا والاقتداء، وكل من فيها قد رزق الرضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول، قال الله تعالى: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾

3. الصديق فعيل، المبالغ في الصدق أو في التصديق، والصديق هو الذي يحقق بفعله ما يقول بلسانه، وقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصديق، وقد تقدم في البقرة اشتقاق الصديق ومعنى الشهيد، و﴿الصَّالِحِينَ﴾ صالحي أمة محمد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، واللفظ يعم كل صالح وشهيد.

4. الرفق لين الجانب، وسمي الصاحب رفيقا لارتفاقك بصحبته، ومنه الرفقة لارتفاق بعضهم ببعض، ويجوز (وحسن أولئك رفقاء)، قال الأخفش: ﴿رَفِيقًا﴾ منصوب على الحال وهو بمعنى رفقاء، وقال: انتصب على التمييز فوحد لذلك، فكأن المعنى وحسن كل واحد منهم رفيقا، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ أي نخرج كل واحد منكم طفلا، وقال تعالى: ﴿يَنْظُرُونَ مِنْ طَرْفٍ خَفِيٍّ﴾ وينظر معنى هذه الآية قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (خير الرفقاء أربعة) ولم يذكر الله تعالى هنا إلا أربعة فتأمله.

5. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللهِ﴾ أخبر تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه، خلافا لما قالت المعتزلة: إنما ينال العبد ذلك بفعله، فلما امتن الله سبحانه على أوليائه بما آتاهم من فضله، وكان لا يجوز لا حد أن يثني على نفسه بما لم يفعله دل ذلك على بطلان قولهم.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/272.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ كلام مستأنف، لبيان فضل طاعة الله والرسول، والإشارة بقوله: ﴿فَأُولَئِكَ﴾ إلى المطيعين، كما تفيده من‏ ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ بدخول الجنة، والوصول إلى ما أعدّ الله لهم.

2. والصدّيق: المبالغ في الصدق، كما تفيده الصيغة؛ وقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء، والشهداء: من ثبتت لهم الشهادة، والصالحين: أهل الأعمال الصالحة، والرفيق: مأخوذ من الرفق، وهو لين الجانب، والمراد به المصاحب، لارتفاقك بصحبته، ومنه: الرفقة، لارتفاق بعضهم ببعض، وهو منتصب على التمييز أو الحال، كما قال الأخفش.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/561.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَنْ يُّطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ﴾ فيما أمرا به، نزلت الآية في شأن من قال من الصحابة: (كيف نراك في الجنَّة وأنت في الدرجات العلا ونحن دونك؟)، وفي أنَّ ثوبان مولى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أتاه يومًا متغيِّر الجسم نحِلا، فسأله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن حاله، فقال: (ما بي وجع، لكن إذا لم أرك اشتقت إليك، واشتدَّت وحشتي حتَّى ألقاك، ثمَّ ذكرت الآخرة فخفت أن لا أراك هناك إن دخلت الجنَّة؛ لأنَّك أعلى درجة، وإلَّا فلن أراك أبدًا)، وفي رجل من الأنصار جاء إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: (لأنت أحبُّ إليَّ من نفسي وأهلي ومالي وولدي، ولولا أنِّي آتيك فأراك لظننت أنِّي سأموت)، وبكى، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (ما يبكيك؟) فقال: (ذكرت أنَّك ستموت ونموت، فترفع مع الأنبياء، فإن دخلنا الجنَّة فنحن دونك)، فنزلت، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (أبشر فهم يرونه من أماكنهم فوقهم، وأهل الجنَّة يتزاورون أيضًا)، ولا مانع من أن يرفعوا إليه صلّى الله عليه وآله وسلّم ثمَّ يرجعوا، لَمَّا مات رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، وأُخبر بموته وهو في حديقة له، فقال: (اللهمَّ أعمني فلا أرى شيئًا بعد حبيبي، حتَّى ألقى حبيبي) فعمي في حينه، قال أبو بكر: (لو أنَّ رجلا فَعَلَ الطَّاعات كلَّها، وتَرَكَ المعاصي كلَّها، وقال: أَلَا صَنَعَ صلّى الله عليه وآله وسلّم خلاف ما صَنَعَ، أو وَجَدَ في نفسه، لكان مشركًا)، أي: إن كان إنكارًا، لا ضرورةَ كراهةِ النفس.

2. ﴿فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ﴾ في الجنَّة، ويرونهم ويزورونهم، ويحضرون معهم كلَّما أرادوا وحيثما أرادوا، وقيل: يهبط الأعلى إلى الأسفل في الزيارة، وليس المراد استواء الدرجات، ﴿مِنَ النَّبِيئِينَ﴾ المتجاوزين حدَّ الكمال في العلم والعمل إلى درجة التكميل.

3. ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الذين لا يَدَعُون شيئًا أظهروه بألسنتهم إلَّا حقَّقوه بقلوبهم وعملهم، وأعرضوا عمَّا سوى الله تعالى، كأفاضل أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لمبالغتهم في الصدق والتصديق، وقد يقال: المراد الصدق البليغ في الإخبار عن الغيوب التي ألهمهم الله إليها، لمبالغة نظرهم في الحجج والآيات، وتطهير نفوسهم بترك المعاصي والمكاره وما لا يعني، والكسل والتقصير على الواجب.

4. ﴿وَالشُهَدَآءِ﴾ من قاموا بالحقِّ حتَّى قُتلوا في سبيل الله، إلَّا أنَّه جاء: (إنَّ الشهيد يُغفر له كلُّ ذنب إلَّا الدَّيْن)، وجاء بعد ذلك: (حتَّى الدَّين)، ولعلَّه لم يجد خلاصًا ودان به، وفي الفروع: إن لم يُتبَع بدم أو مال أو فرج حرام.

5. ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ القائمين بحقوق الله وحقوق العباد، ومن خلص من الفساد، وفي الآية أربعة أقسام على التدلِّي، وفي الكلِّ صلاح، إلَّا أنَّ الرابع دون الثلاثة.

6. ﴿وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ﴾ الذين مع هؤلاء الأربعة ﴿رَفِيقًا﴾ في الجنَّة أو الأربعة، أو حَسُن الأربعةُ مع هؤلاء الملتحقين بهم، وعلى كلِّ حال أفرد (رَفِيقًا) لأنَّه كالمصدر، مثل الدبيب والصهيل، والمصدر يطلق على الواحد وغيره بلفظ واحد، أو بتأويل، أو باعتبار: حَسُنَ كلُّ واحد، وسواء في ذلك أن يكون تمييزا أو حالا، ولا يلزم أن يكون لِـ (حَسُنَ) مخصوصٌ بالمدح محذوفٌ تقديره: (هم)، لأنَّه وُضِع من أوَّل على الضمِّ، كظرُف وكَرُمَ من سائر ما ضُمَّ وسطه وضعًا ويُجاء له بتمييز.

7. ﴿ذَالِكَ﴾ أي: المذكور من الأجر والهدى، والكون مع الذين أنعم الله عليهم ﴿الْفَضْلُ﴾ خبر ﴿مِنَ اللهِ﴾ حال من (الْفَضْلُ) لعمل اسم الإشارة فيه، أو خبر و(الْفَضْلُ) تابع، ﴿وَكَفَىٰ بِاللهِ عَلِيمًا﴾ بِكُلِّ شيء، ومنه جزاء من أطاعه، ومقدار الفضل وأهله، فثقوا بعلمه، ولا صادق في خبره كالله، ولا ينبِّئك مثل خبير.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/219.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بين الله تعالى فضل الطاعة وأن ثمرتها مرافقة أقرب عباد الله إلى الله وأرفعهم درجات عنده، فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ ولم يذكر المنعم به إشعارا بقصور العبارة عن تفصيله وبيانه‏ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ الذين أنبأهم الله أكمل الاعتقادات والأحكام، وأمرهم بإنبائها الخلق، كلّا بمقدار استعداده‏ ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾ (جمع صديق) وهو المبالغ في صدق ظاهره بالمعاملة، وباطنه بالمراقبة، أو الذي يصدق قوله بفعله، كذا في (المدارك)

2. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ﴾ إشارة إلى النبيين والصديقين وما بعدهما ﴿رَفِيقًا﴾ يعني في الجنة، والرفيق الصاحب، سمي رفيقا لارتفاقك به وبصحبته، وإنما وحّد (الرفيق) وهو صفة الجمع، لأن العرب تعبّر به عن الواحد والجمع، كالصديق والخليط، والجملة تذييل مقرر لما قبله، مؤكد للترغيب والتشويق، قال الزمخشريّ: فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقا! ولاستقلاله بمعنى التعجب قرئ (وحسن) بسكون السين.

3. روي في السنة في معنى هذه الآية أخبار وافرة، منها:

في صحيح مسلم‏ عن ربيعة بن كعب الأسلميّ أنه قال كنت أبيت مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فأتيته بوضوء وحاجته فقال لي: سل: فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة فقال: أو غير ذلك؟ قلت: هو ذاك، قال فأعنّي على نفسك بكثرة السجود.

ومنها في مسند الإمام أحمد عن عمرو بن مرة الجهنيّ: قال جاء رجل إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال: يا رسول الله! شهدت أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله، وصليت الخمس وأديت زكاة مالي، وصمت شهر رمضان، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (من مات على ذلك كان من النبيين والشهداء يوم القيامة هكذا (ونصب إصبعيه) ما لم يعقّ والديه)، قال ابن كثير: تفرد به أحمد.

ومنها ما رواه الإمام أحمد أيضا عن سهل بن‏ معاذ بن أنس عن أبيه أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (من قرأ ألف آية في سبيل الله تبارك وتعالى كتب يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)

ومنها ما رواه الترمذيّ‏ عن أبي سعيد قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (التاجر الصديق الأمين مع النبيين والصديقين والشهداء.

قال ابن كثير: وأعظم من هذا كله بشارة، ما ثبت في الصحيح والمسانيد وغيرهما من طرق متواترة عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم‏ سئل عن الرجل يحب القوم ولما يلحق بهم؟ فقال: (المرء مع من أحب)، قال أنس: فما فرح المسلمون فرحهم بهذا الحديث.

وعن أبي سعيد الخدريّ‏ قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إن أهل الجنة ليتراءون أهل الغرف من فوقهم، كما تتراءون الكوكب الدريّ الغابر من الأفق، من المشرق أو المغرب، لتفاضل ما بينهم)، قالوا: يا رسول الله! تلك منازل الأنبياء لا يبلغها غيرهم، قال: (بلى، والذي نفسي بيده! رجال آمنوا بالله وصدقوا المرسلين)، أخرجاه في الصحيحين من حديث الإمام مالك، واللفظ لمسلم.

4. ﴿ذَلِكَ﴾ مبتدأ، إشارة إلى ما للمطيعين من الأجر ومزيد الهداية ومرافقة المنعم عليهم، أو إلى فضل هؤلاء المنعم عليهم ومزيتهم، فالمشار إليه إما جميع ما قبله أو ما يليه، ﴿الْفَضْلِ﴾ صفة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ خبره، أي: ذلك الفضل العظيم من الله تعالى لا من غيره، أو ﴿الْفَضْلِ﴾ خبر، و﴿مِنَ اللَّهِ﴾ حال، والعامل فيه معنى الإشارة، أي: ذلك الثواب، لكمال درجته، كأنه هو الفضل، وإن ما سواه ليس بشيء موجودا وكائنا من الله تعالى، لا أن أعمال المكلفين توجبه.

5. قال الناصر في (الانتصاف): معتقدنا، معاشر أهل السنة، أن الطاعات والأعمال التي يتميز بها هؤلاء الخواص، خلق الله تعالى وفعله، وإن قدرهم لا تأثير لها في أعمالهم، بل الله عز وجل يخلق على أيديهم الطاعات ويثيبهم عليها، فالطاعة إذا من فضله، فله الفضل على كل حال، والمنة في الفاتحة والمآل، وكفى بقول سيد البشر في ذلك حجة وقدوة، فقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم‏: (لا يدخل أحد منكم الجنة بعمله)، قيل: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: (ولا أنا، إلا أن يتغمدني الله بفضل منه وبرحمة)، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا﴾، والحديث المذكور أخرجه الشيخان عن أبي هريرة، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بجزاء من أطاعه وبمقادير الفضل واستحقاق أهله، قال الرازيّ: وله موقع عظيم في توكيد ما تقدم من الترغيب في طاعة الله، لأنه تعالى نبه بذلك على أنه يعلم كيفية الطاعة وكيفية الجزاء والتفضل، وذلك مما يرغب المكلف في كمال الطاعة، والاحتراز عن التقصير فيه.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/217.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الصراط المستقيم في الآية السابقة هو الصراط الذي سار عليه عباد الله المصطفون الأخيار الذين أنعم الله عليهم بمعرفة الحق واتباعه وعمل الخيرات واجتناب الفواحش والمنكرات، وهم الأصناف الأربعة في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الخ وكان الظاهر بادي الرأي أن يقال: ولهديناهم صراطا مستقيما، صراط أولئك الذين أنعم الله عليهم، أو فكانوا مع الذين أنعم الله عليهم، أو ما هو بهذا المعنى، ولكن أعيد ذكر طاعة الله ورسوله، لأنه هو الأصل المراد في السياق الذي تكون سعادة صحبة من أنعم الله عليهم جزاء له، أي إن كل من يطيع الله تعالى ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم على الوجه المبين في الآيات من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا﴾، ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾

2. ما قيل من أن الطاعة تصدق بامتثال أمر واحد مرة واحدة وما يبني عليه من الجواب هو مما اعتادوه من اختراع الإيرادات والأجوبة عنها وإن كان السياق يأباها فهذه الطاعة هي التي يدخل فيها إيثار حكم الله ورسوله على حكم الطاغوت من أهل الأهواء، وهي التي علمنا بها أن العمل من أركان الإيمان الصحيح أو شرط له لتوقفه على الإذعان في الظاهر والباطن لحكم الله ورسوله بحيث لا يكون في نفس المؤمن حرج منه ويسلم له تسليما، ويدخل في ذلك امتثال أمر الله ورسوله ولو في تعريض النفس للقتل والخروج من الديار والأوطان.

3. ذهب بعض المفسرون إلى أن الصديقين والشهداء والصالحين أوصاف متداخلة لموصوف واحد، فالمؤمنون الكاملون فريقان: الأنبياء والمتصفون بالصفات الثلاثة، وهذا وجه ضعيف، والصواب المغايرة بينهم كما هو ظاهر العطف على ما في صفاتهم من العموم والخصوص، وقد اختلفوا في تعريفهم، وهاك ما لا كلفة فيه ولا جناية على اللغة.

4. الصديقون: جمع صديق وهو من غلب عليه الصدق وعرف به كالسكير، لمن غلب عليه السكر، قال الراغب: الصديق من كثر منه الصدق وقيل بل يقال لمن لا يكذب قط وقيل لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق، وقيل بل لمن صدق بقوله واعتقاده وحقق صدقه بقوله، قال: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ وقال أي في المسيح ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة: 75] وقال: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ فالصديقون هم قوم دوين الأنبياء في الفضيلة على ما بينت ذلك في الذريعة إلى مكارم الشريعة، قال محمد عبده: الصديقون هم الذين زكت فطرتهم، واعتدلت أمزجتهم، وصفت سرائرهم، حتى أنهم يميزون بين الحق والباطل والخير والشر بمجرد عروضه لهم، فهم يصدقون بالحق على أكمل وجه، ويبالغون في صدق اللسان والعمل.

5. ما نقلناه عن الراغب والأستاذ من كون الصديقية هي المرتبة التي تلي مرتبة النبوة في الكمال البشري قد صرح به كثير من العلماء، وللغزالي كلام كثير فيه، ولا غرو فالصدق في القول والعمل أس الفضائل، كما أن الكذب والنفاق أس الرذائل، واختار محمد عبده أخذ الصديق من التصديق وهو المبالغة في تصديق الأنبياء وكمال الإيمان بهم.. وقد سمى الله الدين صدقا في قوله: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ﴾ [الزمر: 32] نعم إن الصادق يكون أسرع إلى تصديق غيره عادة، فإن كان بليدا أو ساذجا غِرًّا صدق غيره في كل شيء، وإن كان ذكيا مجربا لم يصدق إلا ما هو معقول، ومن كان كبير العقل قوي الحدس يدرك لأول وهلة ما لا يصل إليه غيره إلا بعد السنين الطوال.

6. الشهداء: جمع شهيدّ، وبين الرازي أنه لا يجوز أن يراد بالشهيد هنا من قتله الكفار في الحرب، لأن الشهادة مرتبة عالية عظيمة في الدين: (وكون الإنسان مقتول الكافر ليس فيه زيادة شرف لأن هذا القتل قد يحصل في الفساق ومن لا منزلة له عند الله تعالى)، ولأن المؤمنين يدعون الله تعالى أن يرزقهم الشهادة ولا يجوز أن يطلبوا منه أن يسلط عليهم الكفار يقتلونهم، ولأنه ورد إطلاق لفظ الشهيد على المبطون والمطعون والغريق، قال: (فعلمنا أن الشهادة ليست عبارة عن القتل بل نقول الشهيد فعيل بمعنى الفاعل، وهو الذي يشهد بصحة دين الله تعالى تارة بالحجة والبيان، وأخرى بالسيف والسنان، فالشهداء هم القائمون بالقسط وهم الذين ذكرهم الله في قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ [آل عمران: 18] ويقال للمقتول في سبيل الله شهيد، من حيث إنه بذل نفسه في نصرة دين الله وشهادته له بأنه هو الحق وما سواه هو الباطل، وإذا كان من شهداء الله بهذا المعنى كان من شهداء الله في الآخرة كما قال: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143]

7. وقال محمد عبده: الشهداء هم الذين أمرنا الله تعالى أن نكون منهم في قوله: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143] وهم أهل العدل والإنصاف الذين يؤيدون الحق بالشهادة لأهله بأنهم محقون، ويشهدون على أهل الباطل أنهم مبطلون، ودرجتهم تلي درجة الصديقين، والصديقون شهداء وزيادة.

8. إن الشهادة التي تقوم بها حجة أهل الحق على أهل الباطل تكون بالقول والعمل والأخلاق والأحوال، فالشهداء هم حجة الله تعالى على المبطلين في الدنيا والآخرة بحسن سيرتهم، وتقدم القول في ذلك في تفسير: ﴿لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ﴾ [البقرة: 143].. ويروى عن سيدنا علي أنه قال إن الأرض لا تخلو من قائم لله بالحجة، ويتوهم أسرى الاصطلاحات، ورهائن القيود المستحدثات، أن حجج الله تعالى في الأرض هم علماء الرسوم حملة الشهادات، الذين حذقوا النقاش في العبارات، والجدل في مصارعة الشبهات، وجمع النقول في تلفيق المصنفات، كلا إن حجج الله تعالى من الناس هم أعلام الحق والفضيلة، ومُثُلُ العدل والخير، فمنهم العالم المستقل بالدليل وإن سخط المقلدون، والحاكم المقيم للعدل وإن كثر حوله الجائرون، والمصلح لما فسد من الأخلاق والآداب وإن غلب المفسدون، والباذل لروحه حتى يقتل في سبيل الحق وإن حجم الجبناء والمراءون.

9. الصالحون: هم الذين صلحت نفوسهم وأعمالهم ولم يبلغوا أن يكونوا حججا ظاهرين كالذين قبلهم لأنه ليس لهم من العلم والعمل المتعدي نفعه إلى غيرهم ما يحتج به على المبطلين، والجائرين عن الصراط المستقيم، وقال محمد عبده: هم الذين صلحت أعمالهم في الغالب ويكفي أن تغلب حسناتهم على سيئاتهم وأن لا يصروا على الذنب وهم يعلمون.

10. هؤلاء الأصناف الأربعة هم صفوة الله من عباده وقد كانوا موجودين في كل أمة، ومن أطاع الله والرسول من هذه الأمة كان منهم، وحشر يوم القيامة معهم، لأنه وقد ختم الله النبوة والرسالة لابد أن يرتقي في الاتباع إلى درجة أحد الأصناف الثلاثة: الصديقين والشهداء والصالحين.

11. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي أن مرافقة أولئك الأصناف هي في الدرجة التي يرغب العاقل فيها لحسنها، وفي الكشاف أن في هذه الجملة معنى التعجب كأنه قيل ما أحسن أولئك رفيقا، والرفيق كالصديق والخليط الصاحب، والأصحاب يرتفق بعضهم ببعض، واستعملت العرب الرفيق والرسول والبريد مفردا استعمال الجمع أو الجنس ولهذا حسن الإفراد هنا، وقيل تقدير الكلام وحسن كل فريق من أولئك رفيقا.

12. سؤال وإشكال: هل يرافق كل فريق فريقه، إذ كان مشاكله وضريبه، أم يتصل كل منهم بمن فوقه ولو بعض الاتصال، الذي يكون في حال دون حال؟ والجواب: الظاهر الثاني وهو ما يشير إليه التعبير بالفضل في الآية التالية:

أ. روى الطبراني وابن مردويه بسند قال السيوطي لا بأس به عن عائشة قالت: جاء رجل إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال يا رسول الله إنك لأحب إلي من نفسي، وإنك لأحب إلي من ولدي، وإني لأكون في البيت فأذكرك فما أصبر حتى آتي فأنظر إليك، وإني ذكرت موتي وموتك عرفت أنك إذا دخلت الجنة رفعت مع النبيين، وأني إذا دخلت الجنة خشيت أن لا أراك، فلم يرد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم شيئا حتى نزل جبريل بهذه الآية: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾

ب. وأخرج ابن أبي حاتم عن مسروق أن سبب نزولها قول الصحابة: يا رسول الله ما ينبغي لنا أن نفارقك فإنك لو قد مت لرفعت فوقنا ولم نرك، وأخرج عن عكرمة قال أتى فتى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال يا نبي الله إن لنا منك نظرة في الدنيا ويوم القيامة لا نراك فإنك في الجنة في الدرجات العلى، فأنزل الله هذه الآية فقال له رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (أنت معي في الجنة إن شاء الله تعالى)، وهذه الروايات ضعيفة السند، فإن كان لها أصل فالمراد أن الآية نزلت في سياقها المتصلة به بعد شيء من هذه الأسئلة، وأما معنى هذه الروايات فيؤيده حديث أبي قرصانة مرفوعا (من أحب قوما حشره الله معهم) رواه الطبراني والضياء وعلم عليه في الجامع الصغير بالصحة، وفي معناه حديث أنس عن أحمد والشيخين وغيرهم (المرء مع من أحب)

13. قد يغر كثير من المنافقين والفاسقين أنفسهم بدعوى محبة الله ورسوله، وإنما آية المحبة الطاعة، والآية قد جعلت هذه المعية جزاء لطاعة، وفي آية أخرى ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل عمران: 30]

14. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ في هذه العبارة وجهان:

أ. أحدهما: أن المعنى: ذلك الذي ذكر من جزاء من يطيع الله ورسوله هو الفضل الكامل الذي لا يعلوه فضل، فإن الصعود إلى إحدى تلك المراتب في الدنيا وما يتبعه من مرافقة أهلها وأهل من فوقها في الآخرة هو منتهى السعادة فيه يتفاضل الناس فيفضل بعضهم بعضا وهو من الله تفضل به على عباده.

ب. وثانيهما: أن المعنى: ذلك الفضل الذي ذكر من جزاء المطيعين هو من الله تعالى، ويرى بعض الناس أن التعبير بلفظ الفضل ينافي أن يكون ذلك جزاء ويقتضي أن يكون زيادة على الجزاء، سمه جزاء أو لا تسمه، هو من فضل الله تعالى على كل حال.

15. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ وكيف لا تقع الكفاية بعلمه بالأعمال وبدرجة الإخلاص فيها وبما يستحق العامل من الجزاء، وإرادته تعالى للجزاء الوفاق ولجزاء الفضل ولزيادة الفضل ذلك كله تابع لعلمه المحيط، فهو يعطي بإرادته ومشيئته، ويشاء بحسب علمه، فالتذكير بالعلم الإلهي في آخر السياق يشعرنا بأن شيئا من أعمالنا ونياتنا لا يعزب من علمه، ليحذر المنافقون المراءون، لعلهم يتذكرون فيتوبون، وليطمئن المؤمنون الصادقون، لعلهم ينشطون ويزدادون.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/244.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن أمر سبحانه بطاعته وطاعة الرسول، ثم شنّع على الذين تحاكموا إلى الطاغوت وصدوا عن الرسول، ثم رغب في تلك الطاعة بقوله: لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا، حث على الطاعة وشوّق إليها بذكر مزاياها وبيان حسن عواقبها وأنها منتهى ما تصل إليه الهمم، وأرفع ما تشرئبّ إليه الأعناق.

2. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾ أي إن كل من يطيع الله ورسوله على الوجه المبين في الآيات‏ السالفة ويفعل الأوامر ويترك النواهي يكون يوم القيامة مرافقا لأقرب عباد الله وأرفعهم درجات عنه، وهم الأصناف الأربعة الذين ذكروا في الآية وهم صفوة الله من عباده، وقد وجدوا في كل أمة، ومن أطاع الله ورسوله من هذه الأمة كان منهم وحشر يوم القيامة معهم.

3. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي إن الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين يكونون كالرفقاء له من شدة محبتهم إياه وسرورهم برؤيته.. وآية المحبة الطاعة كما قال تعالى‏ ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾

4. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ أي إن هذا الذي ذكر من الجزاء لمن يطيع الله والرسول هو الفضل الذي لا يعلوه فضل، فإن السموّ إلى إحدى تلك المنازل في الدنيا ومرافقة أهلها في الآخرة هو منتهى ما يأمله المرء من السعادة، وبه يتفاضل الناس فيفضل بعضهم بعضا.

5. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ أي كفى به سبحانه عليما بالعصاة والمطيعين، والمنافقين والمخلصين ومن يصلح لمرافقة هؤلاء ومن لا يصلح، فهو لا يعزب عن علمه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، وليحذر المنافقون المراءون لعلهم يتذكرون فيتوبوا، وليطمئن المؤمنون الصادقون لعلهم ينشطون ويزدادون في الطاعة، ويبتعدون عن التقصير.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/85.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في نهاية هذه الجولة، ونهاية هذا الدرس، يعود السياق إلى الترغيب؛ واستجاشة القلوب؛ والتلويح للأرواح بالمتاع الحبيب.. متاع الصحبة في الآخرة للنبيين والصديقين والشهداء والصالحين.

2. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾، إنها اللمسة التي تستجيش مشاعر كل قلب، فيه ذرة من خير؛ وفيه بذرة من صلاح وفيه أثارة من التطلع إلى مقام كريم في صحبة كريمة، في جوار الله الكريم.. وهذه الصحبة لهذا الرهط العلوي.. إنما هي من فضل الله، فما يبلغ إنسان بعمله وحده وطاعته وحدها أن ينالها.. إنما هو الفضل الواسع الغامر الفائض العميم.

3. ويحسن هنا أن نعيش لحظات مع صحابة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهم يتشوقون إلى صحبته في الآخرة؛ وفيهم من يبلغ به الوجد ألا يمسك نفسه عند تصور فراقه.. وهو صلّى الله عليه وآله وسلّم بين ظهرانيهم، فتنزل هذه الآية: فتندي هذا الوجد؛ وتبل هذه اللهفة.. الوجد النبيل، واللهفة الشفيفة(2).

4. لقد كان الأمر يشغل قلوبهم وأرواحهم.. أمر الصحبة في الآخرة.. وقد ذاقوا طعم الصحبة في الدنيا! وإنه لأمر يشغل كل قلب ذاق محبة هذا الرسول الكريم.. وفي الحديث الأخير أمل وطمأنينة ونور.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/700.

(2) ذكر هنا بعض الآثار التي سبق ذكرها.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. تجيء الدعوة إلى طاعة الله ورسوله، هنا، بعد هذا العرض الكاشف لضلال الضّالّين، ونفاق المنافقين، وبعد تلك الموازنة بين الشريعة الإسلامية ويسرها، وما تحمل إلى الناس من خير ورحمة، وبين الشرائع السابقة وما كانت تحمل إلى الناس من نكال، وبلاء، جزاء كفرهم ومكرهم بآيات الله، وفي هذا العرض تصحو المشاعر الطيبة في الإنسان، لتلتقى بتلك الدعوة الكريمة، التي يوجهها الله إلى عباده، أن يستجيبوا لله وللرسول، وأن يمتثلوا أوامر الله، وأن يحتكموا إلى كتاب الله، وإلى رسول الله.. فإن هم فعلوا ذلك كانوا في عداد الصالحين، الذين رضى الله عنهم، وأجزل المثوبة لهم، من النبيّين، والصدّيقين، والشهداء والصالحين.

2. ففي هذا المنزل الكريم ينزل ذلك الذي يطيع الله ورسوله، ومع هؤلاء النفر الكرام من عباد الله المقربين المكرمين ينعم بما ينعمون، ويسعد بما يسعدون: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، فذلك فضل الله يؤتيه من يشاء من عباده، الذين رضى عنهم، وسلك بهم مسالك الهدى والإيمان، وكفى بالله عليما بعباده، وما هم أهل له، من جنة أو نار، حيث يوفّون أجورهم يوم القيامة: ﴿فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/831.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ تذييل لجملة: ﴿وَإِذًا لَآتَيْنَاهُمْ مِنْ لَدُنَّا أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 67] وإنّما عطفت باعتبار إلحاقها بجملة: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ على جملة ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ﴾ [النساء: 66]، وجي‏ء باسم الإشارة في جملة جواب الشرط للتنبيه على جدارتهم بمضمون الخبر عن اسم الإشارة لأجل مضمون الكلام الذي قبل اسم الإشارة، والمعيّة معيّة المنزلة في الجنة وإن وإن كانت الدرجات متفاوتة.

2. معنى‏ ﴿مَنْ يُطِعِ﴾ من يتّصف بتمام معنى الطاعة، أي أن لا يعصي الله ورسوله، ودلّت (مع) على أنّ مكانة مدخولها أرسخ وأعرف، وفي الحديث الصحيح‏ (أنت مع من أحببت)

3. الصديقون هم الذين صدّقوا الأنبياء ابتداء، مثل الحواريين والسابقين الأوّلين من المؤمنين، وأمّا الشهداء فهم من قتلوا في سبيل إعلاء كلمة الله، والصالحون الذين لزمتهم الاستقامة.

4. و(حسن) فعل مراد به المدح ملحق بنعم ومضمّن معنى التعجّب من حسنهم، وذلك شأن فعل ـ بضم العين ـ من الثلاثي أن يدلّ على مدح أو ذمّ بحسب مادّته مع التعجّب، وأصل الفعل حسن ـ بفتحتين ـ فحوّل إلى فعل ـ بضمّ العين ـ لقصد المدح والتعجّب.

5. ﴿أُولَئِكَ﴾ فاعل‏ ﴿حُسْنُ﴾، و﴿رَفِيقًا﴾ تمييز، أي ما أحسنهم حسنوا من جنس الرفقاء، والرفيق يستوي فيه الواحد والجمع، وفي حديث الوفاة (الرفيق الأعلى)

6. تعريف الجزأين في قوله: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾ يفيد الحصر وهو حصر ادعائيّ لأنّ فضل الله أنواع، وأصناف، ولكنّه أريد المبالغة في قوّة هذا الفضل، فهو كقولهم: أنت الرجل.

7. التذييل بقوله: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ للإشارة إلى أنّ الذين تلبّسوا بهذه المنقبة، وإن لم يعلمهم الناس، فإنّ الله يعلمهم والجزاء بيده فهو يوفّيهم الجزاء على قدر ما علم منهم، وقد تقدّم نظيره في هذه السورة.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/182.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الأساس في الارتفاع إلى هذه المقامات العليا هو طاعة الله وطاعة رسوله، ولذا قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ ذكر الله سبحانه وتعالى في الآيات السابقة فضل الطاعة وجزاءها، وهو أجر عظيم، وهداية إلى الطريق الذي يوصل إلى القدسية ومرتبة المشاهدة لله تعالى، وعظمته التي ذكرها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم في قوله: (اعبد الله كأنك تراه فإن لم تكن تراه فإنه يراك) وفي هذه الآية الكريمة يذكر لهم جزاء آخر، وهو كرم الصحبة في الدنيا والآخرة، فهم إذ يسيرون في الصراط المستقيم الموصل إلى الله يكونون في قافلة الأطهار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، وما أحسنها رفقة طاهرة كريمة طيبة!.

2. الإشارة في قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ إلى أولئك السابقين الذين أعطاهم الله سبحانه الأجر العظيم، وهداهم للوصول إلى مرتبة السمو، ومشاهدة المعاني القدسية، وكرر ذكر الطاعة فقال: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾؛ لأن هذه الطاعة هي الأساس في هذه الأجزية المجزية، الرافعة السامية الهادية، وفي تكرارها تحريض عليها، ودعوة إليها.

3. وقد ذكر سبحانه أن النبيين والصديقين والشهداء والصالحين قد أنعم عليهم، وإن ذلك هو الحق الذي لا ريب فيه، ففيهم جميعا نعم ثلاث قد اختصوا بها:

أ. أولاها ـ نعمة الهداية والتوفيق، وتلك هي الأساس.

ب. الثانية ـ نعمة إدراك معانى الربوبية والعبودية، فهم يحسون بعظمة الخالق المنشئ، كما يحسون بعظمة المعبود، ويذوقون طعم الخضوع لله الواحد الأحد الذي ليس بوالد ولا ولد.

ج. الثالثة ـ نعمة العمل الصالح، وتلك النعم هي معانى الإنسانية العالية التي تسمو عن كل مظاهر الحيوانية، وما بقى منها فإنه تقوى به هذه المعاني العالية، وتلك النعم السامية.

4. المنعم عليهم في الآية الكريمة هم:

أ. أولهم: النبيون، وهم الذين أنبأهم الله، واختارهم ليخبروا عنه سبحانه، ويبلغوا الناس شرعه ويفسروه، وإن من يبالغ في محبتهم وطاعتهم يكون معهم، لأن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: (المرء مع من أحب)، والذى يعنينا في هذا أن من يحب الله ورسوله يكون مع حبيب الله محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وغيره من الأنبياء الأطهار.

ب. الثاني: الصديقون، ومرتبتهم تلى مرتبة النبيين، والصديقون جمع صديق، وقد فسر العلماء الصديق بأنه الصادق الذي لا يكذب، وقد جاء في مفردات الراغب الأصفهانى: الصديق من كثر منه الصدق، وقيل: يقال لمن لا يكذب قط، وقيل: لمن لا يتأتى منه الكذب لتعوده الصدق، وقيل: بل لمن صدق بقوله واعتقاده، وحقق صدقه بعمله، قال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا﴾ [مريم‏] وقال: ﴿وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾ [المائدة] وقال: ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ﴾، وإن هذه المعاني متلازمة، فمن صدق في قوله لا يكذب قط؛ إذ يصير الصدق عادة نفسية له، فلا يتأتى منه الكذب، ولقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: (عليكم بالصدق فإنه يهدى إلى البر، والبر يهدى إلى الجنة، وإن الرجل ليصدق حتى يكتب عند الله صديقا)، وإن الصدق في القول إذا صار عادة نفسية زكت النفس وطهرت، واستقام الفكر والعمل، وصار يدرك الحق لذات الحق، ويتجه إلى طلبه من غير التواء، فيدركه من غير طلب حجة ولا برهان؛ لأن أمارات الحق تلوح له، ويدركها بنور قلبه.. وإن زكاء النفس بمداومة الصدق يؤدى إلى سلامة الاعتقاد، وصحة العمل، وإلى المداومة على تعرف عيوبها، فيكون الصدوق سليم النظر في كل شيء لم يلبس بباطل، وبذلك يكون الصديق لا يتأتى منه الكذب، ويسلم قلبه كما سلم لسانه، ويصح اعتقاده كما يصلح عمله.

ج. الثالث: هم الشهداء، وهم الذين شهدوا الحق وعلموه علما كعلم المعاينة والمشاهدة، فهؤلاء يشهدون بالحق، ويعلنونه ويدعون إليه، فهم الذين قال الله تعالى في أمثالهم: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا﴾ [البقرة]، فهم حضور الحق والشاهدون به والداعون إليه، وإن من أولئك بلا ريب الذين يقتلون في الجهاد في سبيل الله تعالى لإعلاء كلمة الحق، قاصدين وجه الله بقتالهم؛ لأنهم شهدوا الحق وأعلنوه، وضربوا الأمثال على افتدائه بأنفسهم، وشهد الله تعالى لهم بالجنة.

د. الرابع: الصالحون، وهم من صلحت نفوسهم وأعمالهم، فهم صالحون في الباطن والظاهر.

5. هذه القافلة المكونة من هذه الطوائف الأربع، هم أهل الإيمان حقا وصدقا، وهم رفقاء الخير، ورفقتهم أحسن النعم، ولذا قال سبحانه: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ الرفيق هو الصاحب الذي يلازمك في عمل أو سفر، وسمى رفيقا لأنك ترتفق به وتستعين، ويعاون كل منكما صاحبه، ويأتنس به في العمل والسفر والملازمة بشكل عام، والرفيق هنا ذكر مفردا واستعمل في معنى الجمع، فالمعنى: وحسن أولئك رفقاء! وإنما أفرد لأن الحسن في ذات الرفقة، ولأن المصاحبة إفرادية، فكل واحد يصاحب الآحاد والجميع، فهم جميعا في معنى رفيق واحد، لتشاكل النفوس وتوافقها، وقال الزمخشري إن (حسن) في معنى فعل التعجب، فالمعنى: ما أحسن وأطيب رفقة هؤلاء! ولذلك كانت نعمة أنعم الله بها على عباده المخلصين، وهى من فضله.

6. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ الإشارة إلى كل ما ذكر من جزاء على طاعة الله وطاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، من أجر عظيم، وهداية إلى الصراط المستقيم، ورفقته مع الأخيار الأبرار من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين، هذا كله فضل من الله تعالى العلى الكبير، وعطاء منه، ورحمة يرحم بها المتقين، وهو العليم بكل ما يعملون من خير، لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو السميع البصير، فقوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ فيه بيان أنه يعلم سبحانه من يستحق فضله وعطاءه ومن لا يستحق، وفيه إشارة إلى أن الطاعة هي طاعة العالم بكل شيء، فالطاعة فيها مصلحة للعباد؛ وكون الجزاء بفضل الله فيه إشارة إلى أن العمل وحده لا يستوجب العطاء، إنما هو من فضل الله تعالى، ولقد روى أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: لن ينجى أحدا منكم عمله)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله!؟ قال: ولا أنا، إلا أن يتغمدنى الله برحمته، سددوا وقاربوا واغدوا وروحوا، وشيء من الدلجة (أى من قيام الليل) والقصد القصد تبلغوا)، اللهم اختم لنا بخير ما نعمل، ونجنا بفضل رحمتك من سوء أعمالنا، إنك ذو الفضل العظيم.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1751.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذه الآية تأكيد للآية السابقة، وترغيب في الايمان والصلاح الذي يجعل صاحبه رفيقا للنبيين والشهداء والصالحين.

2. الصديقون: قال الشيخ محمد عبده: (الصديقون هم الذين زكت فطرتهم، حتى أنهم يميزون بين الحق والباطل، والخير والشر بمجرد عروضه عليهم)، وهذا القول قريب من قول الصوفية بأن الإنسان إذا جاهد نفسه وروّضها أدركت الحق تلقائيا من غير تعلم، والأليق بالواقع أن نفسر الصديقين بالأئمة المعصومين الكاملين في أنفسهم المكلمين لغيرهم، لأن الله سبحانه قد جعلهم في المرتبة الثانية من النبيين بلا فاصل، وهذه المرتبة لن تكون أبدا لمن يجوز عليه الخطأ، لان من جاز عليه الخطأ لا يكون مكملا لغيره كمالا حقيقيا، بل يحتاج الى كامل حقيقي يرده عن خطأه، وهذا الكامل هو المعصوم، وبتعبير ثان ان الصادق على نوعين:

أ. الأول أن لا يتعمد الكذب، ولكن يجوز عليه الخطأ والاشتباه، كمن يخبر بشيء، وهو يؤمن بصدق ما اخبر، ثم يتبين ان خبره غير مطابق للواقع، فيكون هو صادقا في قصده، وخبره كاذبا.. وهذا كثيرا ما يحدث.

ب. الثاني: ان لا يتعمد الكذب، ولا يجوز عليه الخطأ، بحيث لا يخالف قوله الواقع بحال، وهذا هو المراد بالصديقين، وبأولي الأمر في الآية 59 من هذه السورة، وعند تفسير هذه الآية، فقرة (من هم أولو الأمر) ذكرنا الدليل من الكتاب والسنة على ان أهل البيت عليه السلام معصومون لا يجوز عليهم الخطأ والاشتباه، وعلى هذا يكون المراد بالصديقين في الآية 69، وأولي الأمر في الآية 59 هم أهل البيت.

3. الشهداء: قال الشيخ محمد عبده: (ان المراد بالشهداء هنا أهل العدل والانصاف الذين يؤيدون الحق بالشهادة لأهله بأنهم محقون، ويشهدون على أهل الباطل بأنهم مبطلون)، وهذا تأويل لظاهر اللفظ من غير دليل، فان المفهوم من الشهداء انهم الذين قتلوا في سبيل الله والحق.. أجل، جاء في الحديث ان مداد العلماء كدماء الشهداء، وان من مات دون ماله، أو تمنى الاستشهاد في سبيل الحق مات شهيدا، أي له ثواب الشهيد، وبديهة ان الشهيد شيء، ومن له منزلته شيء آخر.

4. الصالحون: هم الذين صلحت عقائدهم وأعمالهم، قال الامام علي عليه السلام: (بالايمان يستدل على الصالحات، وبالصالحات يستدل على الايمان)، وليس من شك ان المعرفة بحلال الله وحرامه اجتهادا أو تقليدا شرط أساسي في الصلاح، لأن الجهل يفسد الاعتقاد والعمل.

5. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ﴾، أجل، ان مرضاة الله، ورفقة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين هي السعادة الحقة، والفضل الدائم، لا هذا المتاع الزائل.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/372.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ إلى قوله: ﴿حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً﴾ جمع بين الله والرسول في هذا الوعد الحسن مع كون الآيات السابقة متعرضة لإطاعة الرسول والتسليم لحكمه وقضائه، لتخلل ذكره تعالى بينها في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾.. فالطاعة المفترضة طاعته تعالى وطاعة رسوله، وقد بدأ الكلام على هذا النحو في قوله‏: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية.

2. قوله تعالى: ﴿فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، يدل على اللحوق دون الصيرورة فهؤلاء ملحقون بجماعة المنعم عليهم، وهم أصحاب الصراط المستقيم الذي لم ينسب في كلامه تعالى إلى غيره إلا إلى هذه الجماعة في قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾، وبالجملة فهم ملحقون بهم غير صائرين منهم كما لا يخلو قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ من تلويح إليه، وقد تقدم أن المراد بهذه النعمة هي الولاية.

3. أما هؤلاء الطوائف الأربع أعني النبيين والصديقين والشهداء والصالحين:

أ. فالنبيون هم أصحاب الوحي الذين عندهم نبأ الغيب، ولا خبرة لنا من حالهم بأزيد من ذلك إلا من حيث الآثار.

ب. وقد تقدم أن المراد بالشهداء شهداء الأعمال فيما يطلق من لفظ الشهيد في القرآن دون المستشهدين في معركة القتال.

ج. وأن المراد بالصالحين هم أهل اللياقة بنعم الله.

د. وأما الصديقون‏ فالذي يدل عليه لفظه هو أنه مبالغة من الصدق، ومن الصدق ما هو في القول، ومنه ما هو في الفعل، وصدق الفعل هو مطابقته للقول لأنه حاك عن الاعتقاد فإذا صدق في حكايته كان حاكيا لما في الضمير من غير تخلف، وصدق القول مطابقته لما في الواقع، وحيث كان القول نفسه من الفعل بوجه كان الصادق في فعله لا يخبر إلا عما يعلم صدقه وأنه حق، ففي قوله الصدق الخبري والمخبري جميعا، فالصديق الذي لا يكذب أصلا هو الذي لا يفعل إلا ما يراه حقا من غير اتباع لهوى النفس، ولا يقول إلا ما يرى أنه حق، ولا يرى شيئا إلا ما هو حق فهو يشاهد حقائق الأشياء، ويقول الحق، ويفعل الحق.

4. وعلى ذلك فيترتب المراتب فالنبيون وهم السادة، ثم الصديقون وهم شهداء الحقائق والأعمال، والشهداء وهم شهداء الأعمال، والصالحون وهم المتهيئون للكرامة الإلهية.

5. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ أي من حيث الرفاقة فهو تمييز، قيل: ولذلك لم يجمع، وقيل: المعنى: حسن كل واحد منهم رفيقا، وهو حال نظير قوله: ﴿ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾

6. ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ تقديم‏ ﴿ذَلِكَ﴾ وإتيانه بصيغة الإشارة الدالة على البعيد ودخول اللام في الخبر يدل على تفخيم أمر هذا الفضل كأنه كل الفضل، وختم الآية بالعلم لكون الكلام في درجات الإيمان التي لا سبيل إلى تشخيصها إلا العلم الإلهي.

7. في هذه الآيات الشريفة موارد عديدة من الالتفات الكلامي متشابك بعضها مع بعض فقد أخذ المؤمنون في صدر الآيات مخاطبين ثم في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ﴾ كما مر غائبين، وكذلك أخذ تعالى نفسه في مقام الغيبة في صدر الآيات في قوله: ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ﴾ الآية، ثم في مقام المتكلم مع الغير في قوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ﴾ الآية، ثم الغيبة في قوله: ﴿بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ الآية، ثم المتكلم مع الغير في قوله: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا﴾ الآية، ثم الغيبة في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية، وكذلك الرسول أخذ غائبا في صدر الآيات في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ الآية، ثم مخاطبا في قوله: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ الآية، ثم غائبا في قوله: ﴿وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ﴾ الآية، ثم مخاطبا في قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ﴾ الآية، ثم غائبا في قوله: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾ الآية، ثم مخاطبا في قوله: ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ﴾ الآية، فهذه عشر موارد من الالتفات الكلامي والنكات المختصة بكل مورد مورد ظاهرة للمتدبر.

8. في تفسير البرهان، عن ابن شهرآشوب عن أنس بن مالك عمن سمى عن أبي صالح عن ابن عباس) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ﴾ يعني محمدا ـ و﴿الصِّدِّيقِينَ﴾ يعني عليا وكان أول من صدق ـ و﴿الشُّهَدَاءِ﴾ ـ يعني عليا وجعفرا وحمزة والحسن والحسين عليه السلام.. وفي هذا المعنى أخبار أخر.

9. وفي الكافي، عن الباقر عليه السلام قال أعينونا بالورع ـ فإنه من لقي الله بالورع كان له عند الله فرحا ـ فإن الله عز وجل يقول: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ﴾، وتلا الآية ـ ثم قال: فمنا النبي ومنا الصديق ومنا الشهداء والصالحون، وفيه، عن الصادق عليه السلام: المؤمن مؤمنان: مؤمن وفي الله بشروطه ـ التي اشترطها عليه ـ فذلك مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين ـ وحسن أولئك رفيقا، وذلك ممن يشفع ولا يشفع له، وذلك ممن لا يصيبه أهوال الدنيا وو لا أهوال الآخرة، ومؤمن زلت به قدم ـ فذلك كخامة الزرع كيفما كفأته الريح انكفأ، وذلك ممن يصيبه أهوال الدنيا وأهوال الآخرة ـ ويشفع له، وهو على خير.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/408.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾ هذا عام للمؤمنين المطيعين بأنهم يكونوا ﴿مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾ في الجنة يرافقونهم فيها يواصلونهم فيها ويلاقونهم ويزورونهم مثلاً فكما هداهم في الدنيا لصراطهم جعلهم في الجنة رفقاءهم ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، قال في (الكشاف): (فيه معنى التعجب، كأنه قيل: وما أحسن أولئك رفيقاً)، ومثله في (المصابيح)، والأقرب: أن المراد بالصديقين: السابقون إلى الأنبياء المصدقون بما جاؤوا به.

2. وقد روى الحاكم في (شواهد التنزيل) في الآيات من (سورة الحديد) بسنده: عن ابن أبي ليلى، عن أبيه، قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (الصديقون ثلاثة: حبيب النجار مؤمن آل ياسين ﴿قَالَ يَاقَوْمِ اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾ [يس: 20] وحزبيل مؤمن آل فرعون، هو الذي قال: ﴿أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [غافر: 28] وعلي بن أبي طالب الثالث وهو أفضلهم) وأخرجه ابن المغازلي بسنده عن ابن أبي ليلى عن أبيه قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فذكره، وخرجه المحمودي في طبعة (شواهد التنزيل) الثالثة من عدة كتب، فأفاد: أنه رواه أبو نعيم في كتاب (معرفة الصحابة) وابن عدي، قال: ورواه ـ أيضاً ـ في (الروض النضير) عن ابن النجار، وأبي نعيم في (المعرفة) ورواه ـ أيضاً ـ السلفي في المشيخة البغدادية)

3. وأما الشهداء فيحتمل: أنهم الشهداء على الناس، وقد مر ذكرهم عند قوله تعالى: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ﴾ وهذا أظهر، ويحتمل: أنهم الذين قتلوا في سبيل الله، ولا يبعد أنهم سموا شهداء لأنهم يشهدون على الناس، فيكون المعنى واحداً.

4. والصالحون: هم الكاملون في الإيمان والتقوى والعمل الصالح الذين سلموا من المعايب ومن الجهل، فهم أهل العلم النافع والعمل به، وهذا لأن السياق يدل على تفوقهم في الصلاح.

5. ﴿ذَلِكَ﴾ إشارة إلى كون المطيع لله ورسوله مع الذين أنعم الله عليهم المذكورين هو ﴿الْفَضْلِ﴾ العظيم ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ الذي ينبغي أن يسعى له كل عاقل ويطلبه بكل جهد؛ لأنه الفضل من الله ﴿وَاللهُ ذُوالْفَضْلِ الْعَظِيمِ﴾ [البقرة: 105] أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين، لا ينقصه عطاء، ولا يثقل عليه تفضل؛ لأنه ﴿عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [البقرة: 20] و﴿بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ [البقرة: 29] ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بمن أطاع وبما يحق له من الفضل.

6. قال الشرفي في (المصابيح): (قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآية الكريمة على أن جميع ما أنعم الله به على عباده المؤمنين من الهداية والثواب فضل من الله تفضَّل به على أوليائه وليس ذلك بواجب عليه، تعالى الله عن أن يجب عليه واجب)، يعني أنه لا يجب على الله تعالى على حدِّ وجوب الأجرة للأجير لأن الطاعات وجبت للمالك المنعم فلا يجب للعبد أجر عليها ولكنه يستحق الثواب، بمعنى أنه أهل له، كما أن العاصي يستحق العقاب بمعنى أنه أهل له وحقيق به ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بطاعة من أطاعه وما يستاهل من الثواب والتفضل وبكل شيء.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/105.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في الرواية التي تتميز بالصورة العاطفية المتمثلة في عشق هذا الإنسان المسلم (ثوبان) للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وذوبانه فيه، لا نجد انسجاما بين خصوصياتها الحوارية في حوارة مع النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وبين مضمون الآية الذي يعبّر عن القاعدة العامة للمطيعين لله ولرسوله في منزلتهم الرفيعة التي تجعلهم مع النبيين والصديقين والشهداء، لأنهم يلتقون معهم في خط الاستقامة على السير في رضوان الله في إطاعة أوامره ونواهيه، لأن ذلك هو الأساس الذي ارتفع به أولئك عند الله، فليس هناك في الجنة حواجز بين الناس على المستوى الطبقي، بحيث تتميز كل طبقة عن غيرها في مجال اللقاء أو في الجو الاجتماعي للجنة، حتى لو تميزت الدرجات عند الله في مستوى الإيمان والطاعة والجهاد، ولكن امتيازات الجنة تختلف في طبيعتها عن امتيازات الدنيا، فقد يحصل عليها أصحاب الدرجات الرفيعة والمنازل العليا في الأجواء الروحية في رضوان الله في النعيم الروحي الذي لا يعرف مداه إلا الربانيون في مواقع القرب من الله، والله العالم.

2. في ختام هذا الفصل، تحدثنا الآية الأخيرة عن الجو الذي أعدّه الله في الآخرة للطائعين الذين يطيعون الله ورسوله، وعن الدرجة الرفيعة التي يضعهم الله فيها ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ﴾ الذين أخلصوا لله الإيمان والعمل، ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾ الذين أرادهم الله أن يكونوا شهداء الأعمال يوم القيامة، ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾ الذين ساروا في خط الصلاح والفلاح.

3. ﴿وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا﴾، وأي رفقة أعظم من هذه الرفقة الروحية في الجنة، حيث الكرامة الإلهية في رضوان الله ومغفرته‏ ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾ بعباده العاملين المخلصين.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/346.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في هذه الآية يبيّن القرآن ميزة أخرى من ميزات من يطيع أوامر الله تعالى والنّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وفي الحقيقة مكملة للميزات التي جاء ذكرها في الآيات السابقة، وهي صحبة الذين أتمّ الله نعمه عليهم ومرافقتهم: ﴿وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ﴾، وكما أسلفنا في سورة الحمد فإنّ الذين أنعم الله عليهم هم الذين ساروا في الطريق المستقيم ولم يرتكبوا أي خطأ، ولم يكن فيهم أي انحراف.

2. ثمّ يشير ـ لدى توضيح هذه الجملة، وتحديد من أنعم الله عليهم ـ إلى أربع طوائف يشكلون في الحقيقة الأركان الأربعة لهذا الموضوع وهم:

أ. الأنبياء: أي رسل الله تعالى الذين كانوا طليعة السائرين في سبيل هداية الناس ودعوتهم إلى الصراط المستقيم‏ ﴿مِنَ النَّبِيِّينَ﴾

ب. الصّادقون: وهم الذين يصدقون في القول ويصدقون إيمانهم بالعمل الصالح، ويثبتون أنّهم ليسوا مجرّد أدعياء الإيمان، بل مؤمنون بصدق بأوامر الله وتعاليمه‏ ﴿وَالصِّدِّيقِينَ﴾، ومن هذا التعبير يتّضح أنّه ليس بعد مقام النبوة أعلى من مقام الصدق، والصدق هذا لا ينحصر في الصدق في القول فقط، بل هو الصدق في الفعل والعمل.. الصدق في الممارسات والمواقف، وهو لذلك يشمل الأمانة والإخلاص أيضا، لأن الأمانة هي الصدق في العمل كما أن الصدق أمانة في القول، وفي المقام ليس هناك صفة بعد الكفر أقبح من الكذب والنفاق والخيانة في القول والعمل (ويجب الانتباه ـ هنا ـ إلى أن الصدّيق صيغة مبالغة وهي بمعنى الصادق كله، ظاهرا وباطنا)، وقد فسّر (الصدّيق) في بعض الروايات والأخبار بعلي عليه السّلام والأئمّة من أهل‏ البيت النّبوي عليهم السّلام، وهذا التّفسير كما قلنا في ما سبق من باب بيان المصداق الأكمل والأوضح لهذه الآيات، فلا تفيد الحصر والقصر.

ج. الشّهداء: الذين قتلوا في سبيل الله وفي سبيل العقيدة الإلهية الطاهرة، أو الذين يشهدون على الناس وأعمالهم في الآخرة ﴿وَالشُّهَدَاءُ﴾

د. الصّالحون: وهم الذين بلغوا بأعمالهم الصالحة والمفيدة وباتّباع الأنبياء وأوامرهم إلى مراتب عالية ومقامات رفيعة ﴿وَالصَّالِحِينَ﴾، ولهذا فسّر (الصّالحون) في رواياتنا وأحاديثنا، بالصفوة المختارة من أصحاب الأئمّة عليهم السّلام وهذا هو أيضا من باب بيان أظهر المصاديق وأوضحها كما أسلفنا في تفسير الصديقين.

3. النقطة الجديرة بالتذكير هنا هي أن ذكر هذه المراحل الأربع يمكن أن يكون إشارة إلى أنّه لا بدّ لبناء المجتمع الإنساني الصالح والسليم من: أن يبدأ الأنبياء ـ وهم القادة والهداة بحق الهداية، ثمّ يتبعهم المبلغون الصادقون بالقول والعمل، وهم الصادقون الذين يصدق عملهم قولهم وفعلهم دعواهم فينشروا الحقائق في كل مكان، ثمّ بعد مرحلة البناء الفكري والاعتقادي هذه، يقوم جماعة في وجه العناصر الفاسدة ومن يريدون الوقوف في طريق الحقّ، فيضحون بأنفسهم ويقدمون أجسادهم وحياتهم قرابين للحقّ والعدل، فيكون حاصل هذه الجهود والمساعي ظهور الصّالحين واستقرار المجتمع الطاهر السليم.

4. من الواضح البيّن أنّ على الصالحين أيضا أن يقوموا بهذه الواجبات الثلاث أي عليهم أن يقودوا، ويبلغوا، ويضحوا لكي يبقوا على جذوة الحق متقدة، وعلى مشعل العدل مضيئا للأجيال اللاحقة.

5. كما أنّه يستفاد من الآيات الحاضرة ضمنا هذه الحقيقة، وهي أنّ مسألة مرافقة الصالحين وصحبة الرفقاء الطيبين لها من الأهمية بحيث تعتبر في الآخرة الجزء المكمل للنعم الإلهية الكبرى التي يمنّ الله بها على المطيعين في الجنّة، فهم علاوة على كل ما يحصلون عليه من نعم وميزات سيحظون بمرافقة رفقاء كالأنبياء والصّديقين والشّهداء والصّالحين.

6. ولعلنا في غنى عن التذكير بأن معاشرة المطيعين لهذه الطوائف الأربع ليس معناه أنّهم في منزلتهم ورتبتهم، وإنّهم في درجتهم من جميع الجهات، بل يعني أن لكل واحد منهم ـ مع معاشرة بعضهم لبعض ـ سهما خاصا (يتناسب ومقامه) من المواهب والألطاف الإلهية، فهم كأشجار بستان واحد ووروده وأعشابه، فهي مع كونها مجتمعة متجاوزة ومع أنّها تستفيد برمتها من ضوء الشمس والمطر، ولكنها ليست متساوية في حجم الاستفادة من تلك العناصر، كما أنّها ليست متساوية في القيمة.

7. ثمّ يبيّن سبحانه في الآية اللاحقة أهمية هذا الامتياز الكبير (أي مرافقة تلك الصفوة المختارة) إنّ هذه الهبة من جانب الله، وهو عليم بأحوال عباده ونواياهم ومؤهلاتهم: ﴿ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا﴾، فلا يخطئ في الإثابة والجزاء حيث أن (ذلك) إشارة إلى البعيد لهذا يوحي في هذه الموارد إلى أهمية المقام وعلوه.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/314.

66. المؤمنون والنفير

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈66⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: في سورة النساء: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، قال عصبا، وفرقا(1).

2. روي أنّه قال: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ قال عصبا، يعني: سرايا متفرقين، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يعني: كلكم(2).

3. روي أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله عز وجل: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾، قال عشرة فما فوق ذلك، قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت عمرو بن كلثوم التغلبي وهو يقول(3):

çفأما يوم خشيتنا عليهم... فتصبح خيلنا عصبا ثباتاé

4. روي أنّه قال: في سورة النساء: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: عصبا، وفرقا، قال نسخها: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ [التوبة: ١٤١](1).

__________

(1) ابن المنذر (١٩٨٥.

(2) ابن جرير ٧/٢١١.

(3) الطستي ـ كما في مسائل نافع بن الأزرق ـ

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) أنّه قال: أن المراد بالثبات: السرايا، وبالجميع: العسكر(1).

__________

(1) مجمع البيان 3/112.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي: إذا نفر نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فليس لأحد أن يتخلف عنه(1).

__________

(1) عَبد بن حُمَيد كما في قطعة من تفسيره ص ١٠٥.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) أنّه قال: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ هي العصبة، وهي الثبة، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢١٩.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، يعني: عدتكم من السلاح(1).

2. روي أنّه قال: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾: عصبا سرايا جماعة إلى عدوكم، ﴿أَوِ انْفِرُوا﴾ إليهم ﴿جَمِيعًا﴾ مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا نفر(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٨.

الليث:

روي عن الليث بن سعد (ت 175 هـ) أنّه قال: كان أول من فسر هذه الآية لأهل المدينة مسلم بن جندب الهذلي: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، قال ثبة، ثبتان، ثلاث ثبات، قال الفرقة بعد الفرقة في سبيل الله، وجميعا بمرة(1).

__________

(1) عبد الله بن وهب في الجامع ٢/١١٦.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. وقوله عزّ وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾:

أ. قيل: خذوا عدتكم من السلاح‏.

ب. وقيل: قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ من جميع ما يحترز به العدو؛ كقوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ الآية [الأنفال: 60]، وكقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: 46] أمر الله عزّ وجل بالاستعداد عند الالتقاء، والثبات، وذكر الله عزّ وجل كما قال ﴿فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ [الأنفال: 45]، وفي هذا الأمر بالإعداد للعدو قبل اللقاء، وأيد ذلك قوله عزّ وجل: ﴿وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً﴾ [التوبة: 46]، وكذلك قوله: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ [الأنفال: 60] فيكون الأمر بالإعداد قبل وقت الحاجة دليل جواز الكسب لحاجات تجددت‏، وأن الاستعداد للحاجات ليس برغبة في الدنيا؛ إذ لم يكن الإعداد فشل ولا ترك التوكل، على أن الجوع وحاجات النفس تعين وتلقى العدو، ولا حول ولا قوة إلا بالله.

2. قوله عزّ وجل: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾:

أ. قيل: الثبات: هو السرايا ﴿أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يعني: عسكرا.

ب. وقيل: ﴿ثُبَاتٍ﴾ يعني: فرقا، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: مجموعا.

ج. وقيل: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ أي: عصبا، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ وعن ابن عباس قال زحفا.

د. وقيل الثبات: الأثبات، والثبة في كلام العرب الجمع الكثير، ومعناه: انفروا كثيرا أو لم يكن للإمام استنفار البعض؛ يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ﴾ الآية [التوبة: 122]، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] وأصله أنه فرض لعله لا يجوز بقاؤه‏ من جهة إبداء للعورة من‏ جهات؛ فلذلك لم يحتمل تكليفه‏ بخروج الجميع من جهة استنفر منها.

3. قوله عزّ وجل: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ دل أن فرض الجهاد فرض كفاية يسقط بقيام البعض عن الباقين؛ لأنه قال ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أمر بنفير الثبات، فلو كان لا يسقط بقيامهم عن الباقين لم يكن للأمر به معنى، وتأويله ـ والله أعلم ـ: إذا قيل لكم، انفروا، فانفروا ثبات أو انفروا جميعا.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/250.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قولان:

أ. أحدهما: يعني احذروا عدوّكم.

ب. الثاني: معناه خذوا سلاحكم فسماه حذرا لأنه به يتقي الحذر.

2. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ والثّبات: جمع ثبة، والثبة العصبة، ومنه قول زهير:

çلقد أغدو على ثبة كرام...نشاوى واجدين لما نشاءé

فيكون معنى الآية فانفروا عصبا وفرقا أو جميعا.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/506.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذا خطاب للمؤمنين الذين صدقوا بالله، وبرسوله، ومعناه أيقنوا بالله ورسوله، أمرهم الله أن يأخذوا حذرهم، وقيل في معناه قولان:

أ. أحدهما: قال أبو جعفر عليه السلام وغيره: خذوا سلاحكم، فسمي السلاح حذراً لأن به يقي الحذر.

ب. الثاني: احذروا عدوكم بأخذ السلاح، كما يقال للإنسان خذ حذرك، بمعنى احذر، والحذر والحذر لغتان، مثل الاذن والاذن، والمثل المثل.

2. ثم أمرهم بان ينفروا، والنفور: الفزع نفر ينفر نفوراً: إذا فزع، ونفر إليه: إذا فزع من أمر إليه، والمعنى انفروا إلى قتال عدوكم، ومنه النفر: جماعة تفزع إلى مثلها، والنفير إلى قتال العدو، ونفر الحاج يوم الثاني والثالث من التشريق، لأنهم يفزعون إلى الاجتماع للرجوع إلى الأوطان، والمنافرة: المحاكمة للفزع إليها فيما يختلف فيه، وقيل: إنما كانت، لأنهم يسألون الحاكم أينا أعز نفراً، ونفره تنفيراً، ونافره منافرة، وتنافروا تنافراً، واستنفره استنفاراً.

3. ﴿ثُبَاتٍ﴾ قال ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي: إن معناه انفروا فرقة بعد فرقة، أو فرقة في جهة وفرقة في جهة، أو انفروا جميعاً، من غير تفرق بالأوقات، والجهات، والثبات جمع ثبة وهي جماعات في تفرقة أي يأتون متفرقين، وقال أبو جعفر: الثبات: السرايا والجميع العسكر، قال أبو ذؤيب:

çفلما اجتلاها بالأيام تحيرت‏...ثبات عليها ذلها واكتئابهاé

يصف العاسل، وتدخينه على النحل، والأيام ـ بكسر الهمزة على وزن لجام ـ الدخان ويجمع ثبة على تبين، أيضاً، قال زهير:

çوقد اغدوا على ثبة كرام‏...نشاوى واجدين لما نشاءé

وانما جاز أن يجمع ثبة ثبوت ـ وان كان هذا الجمع يختص ما يعقل ـ للعوض من النقص الذي لحقه، لأن أصله ثبوة، ومثله عضين وسنتين وعرين، فان صغرت‏ قلت ثبيات‏ وسنيات، لأن النقص قد زال، وقيل: ان الثبة عصبة منفردة من (عصب)، وتقول ثبيت على الرجل اثبي تثبية: 7 ذا أثنيت عليه، وذكرت محاسنه في حال حياته، وتصغير ثبة ثبية، فأما ثبة الحوض، فهي وسطه، الذي يثوب إليه الماء، وهي من ثاب يثوب، لأن تصغيرها ثويبة.

4. قوله تعالى: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مضى معناه.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/253.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الثُّبات: جماعات في تفرقة، واحدها ثُبَةٌ، والجمع على ثِبين، وأصله الجمع من ثنيت على الرجل أثني يثنيه إذا جمعت ذكر محاسنه والدعاء، وتصغيرها ثُبَيَّة، فأما ثُبْتُ الحوض فهي وسطه الذي يثوب الماء إليه، وإنما هي من ثاب يثوب، وتصغيرها ثويبة.

ب. النَّفْرُ: الخروج إلى العدو، وأصله الفزع، نفر ينفر نفورًا إذا فزع، ومنه النفر، جماعة تفزع إلى مثلها، ومنه النفير إلى قتال العدو، ويقال: نفر يَنْفِر وينفُر بكسر الفاء وضمها.

2. أمر الله تعالى المؤمنين بقتال الكفار والأهبة لذلك قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدقوا ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾:

أ. قيل: سلاحكم سمي به؛ لأنه يتقى به الحذر.

ب. وقيل: معناه احذروا عدوكم بأخذ سلاحكم، كقولهم: خذ حذرك، يعني احذروا، ومعناه احذروا عدوكم، وخذوا سلاحكم لقتالهم، وجاهدوا في قتال عدوكم ولا تتكلوا على مجرد نصرة الله؛ لأن الله أراد نصرتكم إذا نصرتم دينكم، وقيل: أراد أن يبتليكم.

3. ﴿فَانْفِرُوا﴾ أي اخرجوا إلى الجهاد ﴿ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾:

أ. قيل: أي جماعات في تفرقة، ومعناه اخرجوا فرقة بعد فرقة، وفرقة في جهة، وفرقة في جهة أخرى، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أو انفروا جميعًا من غير تفرق عن ابن عباس ومجاهد والضحاك وقتادة والسدي.

ب. وقيل: واحدًا وجماعة.

ج. وقيل: سرية سرية، أو كلكم.

د. وقيل: الثُّبات: الطلائع، والجميع معظم الجيش.

4. تدل الآية الكريمة على:

أ. وجوب أخذ الأهبة لجهاد العدو.

ب. وجوب الخروج إلى الجهاد، وهذا على وجهين:

إن كان المسلمون يخرجون إلى دار الحرب فهو فرض على الكفاية، إذا خرج قوم سقط عن الباقين، وكذلك حفظ الثغور.

فإن قصد الكفار دار الإسلام فحينئذ يجب على الأعيان.

ج. أن لهم أن يخرجوا متفرقين وجماعات، واتفق العلماء أن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام.

5. مسائل لغوية ونحوية:

أ. كسرت التاء من ﴿ثُبَاتٍ﴾ لأنها جماعة، وهي زائدة في ذلك تقول في الواحدة ثُبَةٌ، فلا تاء فيه.

ب. ﴿انْفِرُوا﴾ جزم لأنه أمر.

ج. جاز في جمع ثبة ثبون، للعوض من النقض الذي لحقه، وكذلك سبيل عِزِين وعضِيِن، وسنين، وإن صغرت لم يجز إلا ثُبَيَّات وسُنَيَّات؛ لأن النقص قد زال.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/698

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الحذر والحذر، لغتان مثل الإذن والأذن، والمثل والمثل.

ب. النفر: الخروج إلى الغزو، وأصله الفزع، نفر ينفر نفورا: فزع، ونفر إليه: فزع من أمر إليه، والنفر: جماعة تفزع إلى مثلها، والمنافرة: المحاكمة للفزع إليها فيما تختلف فيه، وقيل: إنما سميت بذلك، لأنهم يسألون الحاكم عند التنافر: أينا أعز نفرا.

ج. الثبات: جماعات في تفرقة، واحدتها ثبة، قال أبو ذؤيب.

çفلما اجتلاها بالإيام تحيرت... ثبات عليها ذلها واكتئابهاé

والإيام: الدخان، يصف العاسل وتدخينه على النحل، وقد يجمع الثبة: ثبون، وإنما جمع على الواو، وإن كان هذا الجمع مختصا بما يعقل للتعويض عن النقص الذي لحقه، لان أصله ثبوه، ومثله عضون، وسنون، وعزون، فإن صغرت قلت: ثبيات وسنيات، لان النقص قد زال.

2. أمر الله سبحانه المؤمنين بمجاهدة الكفار، والتأهب لقتالهم فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قيل فيه قولان:

أ. أحدهما: إن معناه: احذروا عدوكم بأخذ السلاح، كما يقال للانسان خذ حذرك: أي احذر.

ب. والثاني: إن معناه: خذوا أسلحتكم، سمى الأسلحة حذرا، لأنها الآلة التي بها يتقى الحذر، وهو المروي عن أبي جعفر، وغيره، وهذا القول أصح لأنه أوفق بمقايس كلام العرب، ويكون من باب حذف المضاف، وتقديره خذوا آلات حذركم، وأهب حذركم، فحذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مقامه، فصار خذوا حذركم.

3. ﴿فَانْفِرُوا﴾ إلى قتال عدوكم: أي اخرجوا إلى الجهاد ﴿ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾:

أ. قيل: ﴿ثُبَاتٍ﴾: أي جماعات في تفرقة، ومعناه: أخرجوا فرقة بعد فرقة، فرقة في جهة، وفرقة أخرى في جهة أخرى، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾: أي مجتمعين في جهة واحدة، إذا أوجب الرأي ذلك.

ب. وروي عن أبي جعفر عليه السلام أن المراد بالثبات: السرايا، وبالجميع: العسكر.

4. (ثبات): منصوبة على الحال من ﴿انْفِرُوا﴾ وذو الحال الواو و﴿جَمِيعًا﴾، أيضا: منصوب على الحال.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/113.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قولان:

أ. أحدهما: احذروا عدوّكم.

ب. الثاني: خذوا سلاحكم.

2. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ قال ابن قتيبة: أي: جماعات، واحدتها: ثبة، يريد جماعة بعد جماعة، وقال الزجّاج: (الثّبات): الجماعات المتفرّقة، قال زهير:

çوقد أغدوا على ثبة كرام‏...نشاوى واجدين لما نشاءé

قال ابن عباس: فانفروا ثبات، أي: عصبا، سرايا متفرّقين، أو انفروا جميعا، يعني كلّكم.

3. نقل عن ابن عباس أنّ هذه الآية وقوله‏: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وقوله تعالى: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا﴾ منسوخات بقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ قال أبو سليمان الدّمشقيّ: والأمر في ذلك بحسب ما يراه الإمام، وليس في هذا من المنسوخ شيء.

__________

(1) زاد المسير: 1/432.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. عاد الله تعالى بعد الترغيب في طاعة الله وطاعة رسوله إلى ذكر الجهاد الذي تقدم، لأنه أشق الطاعات، ولأنه أعظم الأمور التي بها يحصل تقوية الدين فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، والحذر والحذر بمعنى واحد، كالاثر والأثر، والمثل والمثل، يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه ويعصم بها روحه، والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم، هذا ما ذكره الزمخشري، وقال الواحدي فيه قولان:

أ. أحدهما: المراد بالحذر هاهنا السلاح، والمعنى خذوا سلاحكم، والسلاح يسمى حذرا، أي خذوا سلاحكم وتحذروا.

ب. الثاني: أن يكون‏ ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ بمعنى احذروا عدوكم لأن هذا الأمر بالحذر يتضمن الأمر بأخذ السلاح، لأن أخذ السلاح هو الحذر من العدو، فالتأويل أيضا يعود إلى الأول، فعلى القول الأوّل الأمر مصرح بأخذ السلاح، وعلى القول الثاني أخذ السلاح مدلول عليه بفحوى الكلام.

2. سؤال وإشكال: ذلك الذي أمر الله تعالى بالحذر عنه ان كان مقتضى الوجود لم ينفع الحذر، وان كان مقتضى العدم لا حاجة إلى الحذر، فعلى التقديرين الأمر بالحذر عبث وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (المقدور كائن والهم فضل)، وقيل أيضا: الحذر لا يغني من القدر، والجواب:

أ. ان صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع، فإنه يقال: إن كان الإنسان من أهل السعادة في قضاء الله وقدره فلا حاجة إلى الايمان، وان كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الايمان والطاعة، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية.

ب. والتحقيق في الجواب أنه لما كان الكل بقدر كان الأمر بالحذر أيضا داخلا في القدر، فكان قول القائل: أي فائدة في الحذر كلاما متناقضا، لأنه لما كان هذا الحذر مقدرا فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر.

3. ﴿فَانْفِرُوا﴾ يقال: نفر القوم ينفرون نفرا ونفيرا إذا نهضوا لقتال عدو وخرجوا للحرب، واستنفر الامام الناس لجهاد العدو فنفروا ينفرون إذا حثهم على النفير ودعاهم اليه، ومثله‏ قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم (وإذا استنفرتم فانفروا)، والنفير اسم للقوم الذين ينفرون، ومنه يقال: فلان لا في العير ولا في النفير، وقال أصحاب العربية: أصل هذا الحرف من النفور والنفار وهو الفزع، يقال نفر اليه إذا فزع اليه، ونفر منه إذا فزع منه وكرهه، ومعنى الآية فانفروا إلى قتال عدوكم.

4. ﴿ثُبَاتٍ﴾: قال جميع أهل اللغة: الثبات جماعات متفرقة واحدها ثبة، وأصلها من: ثبيت الشيء، أي جمعته، ويقال أيضا: ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه، وتأويله جميع محاسنه، فقوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ معناه: انفروا إلى العدو إما ثبات، أي جماعات متفرقة، سرية بعد سرية، وإما جميعا، أي مجتمعين كوكبة واحدة، وهذا المعنى أراد الشاعر في قوله: (طاروا اليه زرافات ووحدانا)، ومثله قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا﴾ [البقرة: 239] أي على أي الحالتين كنتم فصلوا.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/138.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ هذا خطاب للمؤمنين المخلصين من أمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وأمر لهم بجهاد الكفار والخروج في سبيل الله وحماية الشرع، ووجه النظم والاتصال بما قبل أنه لما ذكر طاعة الله وطاعة رسوله، أمر أهل الطاعة بالقيام بإحياء دينه وإعلاء دعوته، وأمر هم ألا يقتحموا على عدوهم على جهالة حتى يتحسسوا إلى ما عندهم، ويعلموا كيف يردون عليهم، فذلك أثبت لهم فقال: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ فعلمهم مباشرة الحروب، ولا ينافي هذا التوكل بل هو مقام عين التوكل كما تقدم في آل عمران ويأتي، والحذر والحذر لغتان كالمثل والمثل، قال الفراء: أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا، يقال: خذ حذرك، أي احذر، وقيل: خذوا السلاح حذرا، لان به الحذر والحذر لا يدفع القدر.

2. الحذر لا يدفع القدر: خلافا للقدرية في قولهم: إن الحذر يدفع ويمنع من مكايد الأعداء، ولو لم يكن كذلك ما كان لأمرهم بالحذر معنى، فيقال لهم: ليس في الآية دليل على أن الحذر ينفع من القدر شيئا، ولكنا تعبدنا بألا نلقي بأيدينا إلى التهلكة، ومنه الحديث (اعقلها وتوكل)، وإن كان القدر جاريا على ما قضي، ويفعل الله ما يشاء، فالمراد منه طمأنينة النفس، لا أن ذلك ينفع من القدر وكذلك أخذ الحذر، الدليل على ذلك أن الله تعالى أثنى على أصحاب نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم بقوله: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللهُ لَنَا﴾ فلو كان يصيبهم غير ما قضى عليهم لم يكن لهذا الكلام معنى.

3. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ يقال: نفر ينفر (بكسر الفاء) نفيرا، ونفرت الدابة تنفر (بضم الفاء) نفورا، المعنى: انهضوا لقتال العدو، واستنفر الإمام الناس دعاهم إلى النفر، أي للخروج إلى قتال العدو، والنفير اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله من النفار والنفور وهو الفزع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ أي نافرين، ومنه نفر الجلد أي ورم، وتخلل رجل بالقصب فنفر فمه أي ورم، قال أبو عبيد: إنما هو من نفار الشيء من الشيء وهو تجافيه عنه وتباعده منه، قال ابن فارس: النفر عدة رجال من ثلاثة إلى عشرة، والنفير النفر أيضا، وكذلك النفر والنفرة، حكاها الفراء بالهاء، ويوم النفر: يوم ينفر الناس عن منى.

4. ﴿ثُبَاتٍ﴾ معناه جماعات متفرقات، ويقال: ثبين يجمع جمع السلامة في التأنيث والتذكير، قال عمرو بن كلثوم:

çفأما يوم خشينا عليهم...فتصبح خيلنا عصبا ثبيناé

فقوله تعالى: ﴿ثُبَاتٍ﴾ كناية عن السرايا، الواحدة ثبة وهي العصابة من الناس، وكانت في الأصل الثبية، وقد ثبيت الجيش جعلتهم ثبة ثبة، والثبة: وسط الحوض الذي يثوب إليه الماء أي يرجع قال النحاس: وربما توهم الضعيف في العربية أنهما واحد، وأن أحدهما من الآخر، وبينهما فرق، فثبة الحوض يقال في تصغيرها: ثويبة، لأنها من ثاب يثوب، ويقال في ثبة الجماعة: ثيبة، قال غير: فثبة الحوض محذوفة الواو وهو عين الفعل، وثبة الجماعة معتل اللام من ثبا يثبو مثل خلا يخلو، ويجوز أن يكون الثبة بمعنى الجماعة من ثبة الحوض، لأن الماء إذا ثاب اجتمع فعلى هذا تصغر به الجماعة ثوبية فتدخل إحدى الياءين في الأخرى، وقد قيل: إن ثبة الجماعة إنما اشتقت من ثبيت على الرجل إذا أثنيت عليه في حياته وجمعت محاسن ذكره فيعود إلى الاجتماع.

5. ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ معناه الجيش الكثيف مع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، قاله ابن عباس وغيره، ولا تخرج السرايا إلا بإذن الإمام ليكون متجسسا لهم، عضدا من ورائهم، وربما احتاجوا إلى درئه، وسيأتي حكم السرايا وغنائمهم وأحكام الجيوش ووجوب النفير في الأنفال وبراءة إن شاء الله تعالى.

6. ذكر ابن خويز منداد: وقيل إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وبقوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾، ولأن يكون ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ منسوخا بقوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ وبقوله: ﴿وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً﴾ أولى، لأن فرض الجهاد تقرر على الكفاية، فمتى سد الثغور بعض المسلمين أسقط الفرض عن الباقين، والصحيح أن الآيتين جميعا محكمتان، إحداهما في الوقت الذي يحتاج فيه إلى تعين الجميع، والأخرى عند الاكتفاء بطائفة دون غيرها.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/274.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ هذا خطاب لخلص المؤمنين، وأمر لهم بجهاد الكفار، والخروج في سبيل الله، والحذر والحذر لغتان، كالمثل والمثل، قال الفراء: أكثر الكلام الحذر، والحذر مسموع أيضا، يقال: خذ حذرك، أي: احذر؛ وقيل: معنى الآية: الأمر لهم بأخذ السلاح حذرا، لأن به الحذر.

2. ﴿فَانْفِرُوا﴾ نفر، ينفر، بكسر الفاء، نفيرا، ونفرت الدابة، تنفر، بضم الفاء، نفورا، والمعنى: انهضوا لقتال العدوّ، أو النفير: اسم للقوم الذين ينفرون، وأصله: من النفار والنفور، وهو الفزع، ومنه قوله تعالى: ﴿وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ أي: نافرين.

3. ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع ثبة: أي جماعة، والمعنى: انفروا جماعات متفرقات، ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي: مجتمعين جيشا واحدا، ومعنى الآية: الأمر لهم بأن ينفروا على أحد الوصفين، ليكون ذلك أشدّ على عدوّهم، وليأمنوا من أن يتخطفهم الأعداء إذا نفر كل واحد منهم وحده، أو نحو ذلك.

4. وقيل: إن هذه الآية منسوخة بقوله تعالى: ﴿انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا﴾ وبقوله: ﴿إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ﴾ والصّحيح: أن الآيتين جميعا محكمتان: إحداهما: في الوقت الذي يحتاج فيه إلى نفور الجميع، والأخرى: عند الاكتفاء بنفور البعض دون البعض.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/562.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ﴾ استعملوا الحَذَر الذي في طاقتكم من العدوِّ، بضبط أنفسكم، وإعداد السلاح، أو شبَّه الحَذَر بالسلاح وآلة الوقاية على طريق الكناية، ورمز إليه بالأخذ، أو الحِذْر ـ بكسر فإسكان ـ هو نفس ما يُحذَر به، كسلاح ودرع وترس، ويضعِّفه الجمع بينهما في قوله: ﴿وَلْيَاخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102]، وذلك في أن لا يفاجئكم العدوُّ على غفلة، وفي أن تقعوا عليهم، وأنتم عارفون بأحوالهم.

2. ﴿فَانفِرُواْ﴾ انهضوا، وأصله الفزع، ﴿ثُبَاتٍ﴾ جماعات متفرِّقين، جماعة بعد جماعة، من العشرة أو من الاثنين، قولان، وقد يستعمل في غير الرجال كقوله:

çفأمَّا يوم خشيتنا عليهم...فتصبح خيلنا عصبًا ثباتاé

والسَّرِيَّة: من خمسة إلى أربعمائة، أو من مائة إلى ثلاثمائة أو أربعمائة، أو من مائة إلى خمسمائة، والجيش العظيم: خميس، وما افترق من السَّرِيَّة بعث، وقد تطلق السَّرِيَّة على مطلق الجماعة، وخصَّها بعضهم بالليل، والمنسر (بكسر الميم وفتح السين، أو بفتحها وكسر السين): من أربعمائة إلى ثمانمائة، والجيش: من ثمانمائة إلى أربعة آلاف، والجحفل: ما زاد على ذلك، والمفرد: (ثبة)، واويُّ اللام محذوفة، معوَّض عنها التاء، مِن: ثبا يثبو، أي: اجتمع، أو يائيٌّ معوَّضا عنها التاء، كذلك مِنْ: ثَبَيْتُ على الرجل: أَثنَيْتُ عليه، كأنَّك جمعت محاسنه المتفرِّقة، ﴿أَوِ اِنفِرُواْ جَمِيعًا﴾ مجتمعين.

3. والآية دليل على أنَّ القتال فرض كفاية، وذلك إن كان زيادة في الإسلام، وأباحت الآية قتال كلِّ جماعة على حدة، وجماعة قبل أخرى، والقتال بمرَّة، وإن وقع العدوُّ على بلد إسلام وجب على كلِّ من أمكنه من أهل الإسلام ـ إن علم ـ أن يقاتلهم، ولو كانوا مخالفين؛ لأنَّهم يقاتلونهم على الإسلام، وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم : (إذا استُنفرتم فانفروا)، وفي الآية المبادرة إلى الجهاد أوَّلاً وبالذات، وإلى سائر الخيرات ثانيًا، وبالعَرَض كيفما أمكنت قبل الفوت.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/221.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أعاد الله تعالى بعد الترغيب في طاعته وطاعة رسوله، الأمر بالجهاد الذي تقدم، لأنه أشق الطاعات وأعظم الأمور التي يحصل بها تقوية الدين، فقال سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي تيقظوا واحترزوا من العدوّ ولا تمكنوه‏ من أنفسكم، يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من المخوف، كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه، ويطلق الحذر على ما يحذر به ويصون، كالسلاح والحزم، أي: استعدوا للعدوّ، والحذر على هذا حقيقة، وعلى الأول من الكناية والتخييل، بتشبيه الحذر بالسلاح وآلة الوقاية، قال في (الإكليل): فيه الأمر باتخاذ السلاح، وأنه لا ينافي التوكل.

2. قال بعض المفسرين: دلت الآية على وجوب الجهاد وعلى استعمال الحذر، وهو الحزم، من العدوّ، وترك التفريط، وكذلك ما يحذرونه وهو استعمال السلاح على أحد التفسيرين، فتكون الرياضة بالمسابقة والرهان في الخيل، من أعمال الجهاد.

3. ﴿فَانْفِرُوا﴾ أي اخرجوا إلى الجهاد ﴿ثُبَاتٍ﴾ جمع (ثبة) بمعنى الجماعة، كما في القاموس، أي جماعات متفرقين، سرية بعد سرية، وفرقة بعد فرقة إظهارا للجرأة ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي مجتمعين كلكم كوكبة واحدة، إيقاعا للمهابة بتكثير السواد، ومبالغة في التحرز عن الخطر، قال الحاكم: اتفق العلماء على أن ذلك موكول إلى اجتهاد الإمام.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/221.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قال محمد عبده: الكلام من أول السورة إلى قوله تعالى: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ في موضوع خاص وهو ما يكون بين الأهل والأقارب والأزواج واليتامى من المعاملات المالية والمصاهرة والإرث، والآيات من قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ﴾ إلى هنا في مطالبة المؤمنين بالإخلاص في العبادة وحسن المعاملة بين الأقربين واليتامى والمساكين والجيران والأصحاب والأرقاء وسائر الناس، وأحكام بعض العبادات وبيان ما فيها من تثبيت النفس على الصدق في المعاملة، ضرب لهم فيها مثل اليهود الذين كان لهم كتاب يهتدون به ونهاهم أن يكونوا مثلهم، وعلمهم كيف يعملون بأمرهم برد الأمانات إلى أهلها والحكم بالعدل وطاعة الله ورسوله وأولي الأمر منهم ورد ما يتنازعون فيه إلى الله ورسوله، وأكد أمر طاعة الله والرسول وبين حال المنافقين الذين يريدون التحاكم إلى الطاغوت، ولا شك أن المسلمين إذا عملوا بهذه الأحكام صلح حالهم فيما بينهم واستقامت أمورهم وصاروا متحدين متعاونين على الأعمال النافعة وحفظ الجامعة ووثق بعضهم ببعض في التعاون على مصالحهم والدفاع عن حقيقتهم، فالغرض من هذه الوصايا انتظام شمل وصلاح أمورهم الخاصة والعامة.

2. بعد بيان هذا، أراد الله تعالى أن يوجه المسلمين إلى أمر آخر يلي اجتماعهم على عقيدة واحدة ومصلحة واحدة وانتظام شؤونهم وصلاح حالهم، وهو ما يتم لهم به الأمن وحسن الحال بالنسبة إلى غيرهم، وذلك أنه كان للمسلمين عند التنزيل أعداء يناصبونهم ويفتنونهم في دينهم، والإنسان لا يتم له نظام في معيشته ولا هناء ولا راحة إلا بالأمنين كليهما الأمن الداخلي والأمن الخارجي، فلما أرشدنا الله إلى ما به أمننا الداخلي أرشدنا إلى ما به أمننا مع الخارجين عنا المخالفين لنا في ديننا، وذلك إما بمعاهدات تكون بيننا وبينهم نطمئن بها على ديننا وأنفسنا ومصالحنا وإما باتقاء شرهم بالقوة، وهذه الآيات في بيان ذلك وهي كثيرة كما يأتي.

3. كان الأظهر عندي أن يقال إن الله تعالى بين لنا أصل الحكومة الإسلامية في آية الأمانات والعدل، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ الخ وكان قد بين لنا في هذه السورة كثيرا من مهمات الأحكام الدينية والشخصية والمدنية (كما يقال في عرف هذا العصر) ثم شدد النكير على من يرغب عن حكم غيره من أهل الطغيان، بعد هذا كله شرع يبين لنا بعض الأحكام الحربية والسياسية ويبين لنا الطريق الذي نسير عليه في حفظ ملتنا وحكومتنا المبنية على تلك الأصول المحكمة الحكيمة من الأعداء الذين يعتدون علينا.

4. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ قال الراغب: (الحذر (بالتحريك) احتراز عن مخيف، وقال عز وجل: خذوا حذركم أي ما فيه الحذر من السلاح وغيره)، وظاهره التفرقة بين الحذر بالتحريك والحذر بكسر فسكون، وفي لسان العرب أن الحذر والحذر الخيفة، ومن خاف شيئا اتقاه بالاحتراس من أسبابه، قال في الأساس: رجل حذر متيقظ محترز وحاذر مستعد، وقال الرازي: الحذر والحذر بمعنى واحد كالإثر والأثر والمثل والمثل يقال أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من الخوف كأنه جعل الحذر آلته التي يقي بها نفسه والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم، هذا ما ذكره صاحب الكشاف، ثم نقل عن الواحدي فيه قولين: أحدهما أنه السلاح، والثاني أن المعنى احذروا عدوكم، والتحقيق ما قدمناه وهو أن الحذر الخيفة ويلزمه الاحتراز والاستعداد.

5. قال محمد عبده: الحذر والحذر الاحتراس والاستعداد لاتقاء شر العدو وذلك بأن نعرف حال العدو ومبلغ استعداده وقوته وإذا كان الأعداء متعددين فلا بد في أخذ الحذر من معرفة ما بينهم من الوفاق والخلاف وأن تعرف الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا، وأن يعمل بتلك الوسائل، فهذه ثلاثة لا بد منها، وذلك أن العدو إذا أنس غرة منا هاجمنا وإذا لم يهاجمنا بالفعل كنا دائما مهددين منه، فإن لم نهدد في نفس ديارنا كنا مهددين في أطرافها، فإذا أقمنا ديننا أو دعونا إليه عند حدود العدو فإنه لا بد أن يعارضنا في ذلك وإذا احتجنا إلى السفر إلى أرضه كنا على خطر، وكل هذا يدخل في قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ كما قال في آية أخرى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [الأنفال: 60] وعلى النفوس المستعدة للفهم أن تبحث في كل ما يتوقف عليه امتثال الأمر من علم وعمل، ويدخل في ذلك:

أ. معرفة حال العدو ومعرفة أرضه وبلاده طرقها ومضايقها وجبالها وأنهارها، فإننا إذا اضطررنا في تأديبه إلى دخول بلاده فدخلناها ونحن جاهلون لها كنا على خطر، وفي أمثال العرب (قتلت أرض جاهلها) وتجب معرفة مثل ذلك من أرضنا بالأولى حتى إذا هاجمنا فيها لا يكون أعلم بها منا.

ب. ويدخل في الاستعداد والحذر معرفة الأسلحة واتخاذها واستعمالها، فإذا كان ذلك يتوقف على معرفة الهندسة والكيمياء والطبيعة وجر الأثقال فيجب تحصيل كل ذلك، كما هو الشأن في هذه الأيام، ذلك أنه أطلق الحذر، أي ولا يتحقق الامتثال إلا بما تتحقق به الوقاية والاحتراز في كل زمن بحسبه.

6. يريد محمد عبده أنه يجب على المسلمين في هذا الزمان اتخاذ أهبة الحرب المستعملة فيه من المدافع بأنواعها والبنادق والبوارج المدرعة وغير ذلك من أنواع السلاح وآلات الهدم والبناء وكذلك المناطيد الهوائية والطيارات، وأنه يجب تحصيل العلم بصنع هذه الأسلحة والآلات وغيرها وما يلزم لها، والعلم بسائر الفنون والأعمال الحربية وهي تتوقف على ما أشار إليه من العلوم الأخر كتقويم البلدان وخرت الأرض.

7. قال محمد عبده: وقد كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والصحابة عارفين بأرض عدوهم، وكان للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عيون وجواسيس في مكة يأتونه بالأخبار ولما أخبروه بنقض قريش العهد استعد لفتح مكة، ولما جاء أبو سفيان لتجديد العهد ظنه أنهم لم يعلموا بنكثهم لم يفلح وكان جواب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والصحابة له واحدا.

8. تعرض الرازي هنا لمسألة القدر وما عسى أن يقال من عدم نفع الحذر وكونه عبثا قال: (وعنه قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (المقدور كائن والهم فضل) وقيل أيضا: (الحذر لا يغني من القدر) فنقول: إن صح هذا الكلام بطل القول بالشرائع فإنه يقال إذا كان الإنسان من أهل السعادة في قضاء الله وقدره فلا حاجة إلى الإيمان وإن كان من أهل الشقاوة لم ينفعه الإيمان والطاعة، فهذا يفضي إلى سقوط التكليف بالكلية، والتحقيق في الجواب أنه لما كان الكل بقدر كان الأمر بالحذر أيضا داخلا في القدر فكان قول القائل: (أي فائدة في الحذر؟) كلاما متناقضا لأنه لما كان الحذر مقدرا فأي فائدة في هذا السؤال الطاعن في الحذر)

9. إن المسلمين قد ابتلوا بمسألة القدر كما ابتلي بها من قبلهم وقد شفي غيرهم من سم الجهل بحقيقتها فلم يعد مانعا لهم من استعمال مواهبهم في ترقية أنفسهم وأمتهم ولما يَشْفَ المسلمون، وقد كشفنا الغطاء عن وجه المسألة غير مرة ولم نر بدا مع ذلك من العود إليها في مثل هذا الموضع، لا لأن مثل الرازي ذكرها، بل لأن المسلمين أمسوا أقل الناس حذرا من الأعداء حتى أن أكثر بلادهم ذهبت من أيديهم وهم لا يتوبون ولا يذكرون، ولا يتدبرون أمر الله في هذه الآية وما في معناها ولا يمتثلون، ثم إنك إذا ذكرتهم يسلون في وجهك كلمة القدر ومثل الحديثين اللذين ذكرهما الرازي.

10. أما حديث المقدور كائن الخ فلا أذكر أنني رأيته في كتب المحدثين بهذا اللفظ ولكن روى البيهقي في الشعب والقدر مرفوعا (لا تكثر همك ما قدر يكن وما ترزق يأتك) وهو ضعيف، وأما الحديث الثاني الذي عبر عنه بقوله: (وقيل أيضا) فقد رواه الحاكم عن عائشة بلفظ (لا يغني حذر من قدر) وصححه وما أراه يصح وتساهل الحاكم في التصحيح معروف، والرازي ليس من رجال الحديث ولكنه رأى بالعقل أنه مخالف للآية أو مضعف من تأثير الأمر فيها، وكيف يقول الله ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ ويقول رسوله أن الحذر لا ينفع لأن العبرة بالقدر الذي لا يتغير.

11. وإني على استبعادي لصحة الحديث وميلي إلى أنه من وضع المفسدين أفسدوا بأس الأمة بأمثال هذه الأحاديث أقول إنه لا يناقض الآية فإن الله أمرنا بالحذر لندفع عنا شر الأعداء ونحفظ حقيقتنا لا لندفع القدر ونبطله، والقدر عبارة عن جريان الأمور بنظام تأتي فيه الأسباب على قدر المسببات، والحذر من جملة الأسباب فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضاده.

12. ثم فرع على أخذ الحذر ما هو الغاية له والمقصد منه أو المتمم له فقال: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ (النفر) الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء كالفزع عن الشيء وإلى الشيء كما قال الراغب:

أ. ومن الأول ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِيَذَّكَّرُوا وَمَا يَزِيدُهُمْ إِلَّا نُفُورًا﴾ [الإسراء: 41] وهم إنما ينفرون عن القرآن لا إليه.

ب. ومن الثاني النفر إلى الحرب وفيه آيات، وكانوا إذا استنفروا الناس للحرب يقولون النفير النفير.

13. (والثبات) جمع ثبة بضم ففتح وهي الجماعة المنفردة، والمعنى فانفروا جماعة في أثر جماعة بأن تكونوا فصائل وفرقا وهو الذي يتعين إذا كان الجيش كثيرا أو كان موقع العدو يقتضي ذلك وهو الغالب، أو انفروا كلكم مجتمعين إذا قضت الحال بذلك، أو المعنى: فانفروا سرايا وطوائف على قدر الحاجة أو نفيرا عاما، ويجب هذا إذا دخل العدو أرضنا كما قال الفقهاء.

14. قال محمد عبده: النفر مستعمل في الخروج إلى الحرب ثبات وجماعات، ولا تتقيد الجماعة بعدد معين، وجميعا يراد به جميع المؤمنين على الإطلاق، وهذا على حسب حال العدو، وإن أخذ الحذر ليشمل مع ما تقدم كيفية سوق الجيش وقيادته وهو النفر، ولما كان هذا مما قد يتساهل فيه خصه بالذكر فأمر به بهذا التفصيل ولو لم يصرح به لكان الاجتهاد في أخذ الحذر مما قد يقف دونه فلا يصل إليه، وهو أن النفر على حسب الحاجة إلى مقاومة العدو وهو أن يرسل الجيش جماعات وفرقا كما عليه العمل حتى الآن، فإذا احتيج في المقاومة إلى نفر جميع أفراد الأمة وخروجهم للجهاد وجب، وهو قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، وليس المراد أن يكون النفر على كيفيتين، الأول أن يقسم الجيش إلى فرق وسرايا، والثانية أن يسير خميسا واحدا، ليس هذا هو المراد وإنما المراد الأول.

15. قال: ويتوقف امتثال هذا الأمر على أن تكون الأمة كلها مستعدة دائما للجهاد بأن يتعلم كل فرد من أفرادها فنون الحرب ويتمرنوا عليها بالعمل فيظهر أن المعافاة من الخدمة العسكرية ليست شرفا بل هي إباحة لترك ما أوجبه الله في كتابه، أقول ويدخل فيه اقتناء السلاح مع العلم بكيفية استعماله والتمرن على الرمي بالمدافع وببندق الرصاص في هذا الزمان، كما كانوا يتمرنون على رمي السهام، وقد قصر المسلمون في هذا وسبقهم إليه من يعيبونهم بأنهم أمة حربية، فصارت أمة السلام بدعواها قدوة لأمة الحرب في الحرب وآلاته، فيجب على الحكومة الإسلامية أن تقيم هذا الواجب بنفسها لا أن تبقى فيه عالة على غيرها، ويجب على الأمة أن تواتيها وتساعدها عليه، وأن تلزمها إياه إذا هي قصرت فيه.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/250.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن بين سبحانه في هذه السورة كثيرا من الأمور الدينية من عبادته تعالى وعدم الشرك به، والمدنية كمعاملة ذوى القربى والجيران واليتامى والمساكين، والشخصية كأحكام الزواج والمصاهرة والمواريث، بيّن في هذه الآيات بعض الأحكام الحربية والسياسية، ورسم لنا الطريق التي نسير عليها في حفظ ملتنا وحكومتنا المبنية على تلك الأصول من الأعداء.

2. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ أي احترسوا واستعدوا لاتقاء شر العدوّ، بأن تعرفوا حاله ومبلغ استعداده وقوته، وإذا كان لكم أعداء كثيرون فاعرفوا ما بينهم من وفاق وخلاف، واعرفوا الوسائل لمقاومتهم إذا هجموا، واعملوا بتلك الوسائل، ويدخل في ذلك معرفة حال العدو ومعرفة أرضه وبلاده وأسلحته واستعمالها وما يتوقف على ذلك من معرفة الهندسة والكيمياء وجر الأثقال، وعلى الجملة اتخاذ أهبة الحرب المستعملة فيها من طيارات وقنابل ودبابات وبوارج مدرّعة ومدافع مضادة للطائرات إلى نحو ذلك حتى لا يهاجمكم على غرّة أو يهددكم في دياركم، وحتى لا يعارضكم في إقامة دينكم أو دعوتكم إليه.

3. وقد كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والصحابة على علم بأرض عدوهم، كما كان لهم عيون وجواسيس يأتونهم بالأخبار (قلم مخابرات) ولما أخبروه بنقض قريش للعهد (إخلالهم بشروط المعاهدة في صلح الحديبية) استعد لفتح مكة ولم يفلح أبو سفيان في تجديد العهد مرة أخرى، وقد كان يظن أن المسلمين لم يعلموا بنكثهم له.

4. ما رواه الحاكم عن عائشة (لا يغنى حدر من قدر) لا يناقض أخذ الحذر، لأن الأمر بالحذر داخل في القدر، فالأمر به لندفع عنا شر الأعداء، لا لندفع القدر ونبطله، إذ القدر هو جريان الأمور بنظام تأتى فيه الأسباب على قدر المسببات، والحذر من جملة الأسباب فهو عمل بمقتضى القدر لا بما يضاده.

5. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ أي فانفروا جماعة إثر جماعة بأن تكونوا فصائل وفرقا ـ إذا كان الجيش كبيرا أو موقع العدو يستدعى ذلك ـ أو تنفر الأمة كلها جميعا إذا اقتضت الحال ذلك بحسب قوة العدو، والخلاصة ـ إنكم إما أن تنفروا جماعات جماعات، وإما أن ينفر جميع المؤمنين على الإطلاق بحسب حال العدو.

6. وامتثال هذا الأمر يقتضى أن تكون الأمة على استعداد دائم للجهاد بأن يتعلم كل فرد من أفرادها فنون الحرب ويتمرن عليها، وأن تقتنى السلاح الذي تحتاج إليه في هذا النضال، وتعلم كيفية استعماله في كل زمان بما يناسبه.

7. ومن هذا تعلم أن الحكومة الإسلامية يجب عليها أن تقيم هذا الواجب بنفسها لا أن تبقى عالة على غيرها، وعلى الأمة أن تساعدها عليه، بل تلزمها إياه إذا قصرت فيه، بعكس ما نراه الآن من تراخى الأمم الإسلامية وضعفها وتوانيها في ذلك، حتى طمعت فيها كل الدول التي تجاورها واجتاحتها من أطرافها واجتثت كثيرا من كورها وأقاليمها، وقد شدد الدين أيما تشديد في هذا الأمر فجاء مثل هذا في قوله تعالى‏ ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ وجاءت أحاديث كثيرة بهذا المعنى.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/87.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. نرجح أن تكون مجموعة هذه الآيات الواردة في هذا الدرس، نزلت في وقت مبكر.. ربما كان ذلك بعد غزوة أحد، وقبل الخندق، فصورة الصف المسلم التي تبدو من خلال هذه الآيات توحي بهذا، توحي بوجود جماعات منوعة في داخل الصف، لم تنضج بعد؛ أو لم تؤمن إنما هي تنافق! وتوحي بأن الصف كان في حاجة إلى جهود ضخمة من التربية والتوجيه، ومن الاستنهاض والتشجيع، لينهض بالمهمة الضخمة الملقاة على عاتق الجماعة المسلمة؛ والارتفاع إلى مستوى هذه المهمة، سواء في التصورات الاعتقادية؛ أو في خوض المعركة مع المعسكرات المعادية.

2. وهذا الذي نقرره لا يطعن في الحقيقة الأخرى، حقيقة أنه كان في هذا الصف من النماذج المسلمة من استوى على القمة السامقة؛ وصعد المرتقى إلى هذه القمة.. ووصل.. ولكننا إنما نتحدث عن (الصف المسلم) ككل، وكبناء مختلط ولكنه غير متجانس؛ وهو في هذه الحالة يحتاج إلى الجهد الجاهد لتسويته وتنسيقه؛ مما هو ظاهر في هذه التوجيهات القرآنية الكثيرة.

3. والتدقيق في الملامح التي تبدو من خلال هذه التوجيهات، يجعلنا نعيش مع الجماعة المسلمة، في صورتها البشرية التي كثيرا ما ننساها! ونرى فيها مواضع الضعف ومواضع القوة، ونرى كيف كان القرآن يخوض‏ المعركة مع الضعف البشري ومع رواسب الجاهلية ومع المعسكرات المعادية في وقت واحد، ونرى منهج القرآن في التربية ـ وهو يعمل في النفوس الحية في عالم الواقع ـ ونرى طرفا من الجهد الموصول الذي بذله هذا المنهج، حتى انتهى بهذه المجموعة ـ المختلفة الدرجات، المختلفة السمات، الملتقطة ابتداء من سفح الجاهلية ـ إلى ذلك التناسق والتكامل والارتفاع، الذي نشهده في أواخر أيام الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بقدر ما تسمح به الفطرة البشرية كذلك!

4. هذا يفيدنا.. يفيدنا كثيرا:

أ. يفيدنا في إدراك طبيعة النفس البشرية، وما تحمله من استعدادات الضعف واستعدادات القوة، متمثلة في خير الجماعات.. الجماعة التي رباها رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمنهج القرآني.

ب. ويفيدنا في إدراك طبيعة المنهج القرآني في التربية؛ وكيف كان يأخذ هذه النفوس؛ وكيف كان يتلطف لها؛ وكيف كان ينسق الصف، الذي يحتوي على نماذج شتى من مستويات شتى، حيث نراه وهو يعمل في عالم الواقع.. على الطبيعة..!

ج. ويفيدنا في أن نقيس حالنا وحال المجموعات البشرية؛ على واقع النفس البشرية، ممثلة في تلك الجماعة المختارة.. كيلا نيأس من أنفسنا حين نطلع على مواضع الضعف، فنترك العلاج والمحاولة! وكيلا تبقى الجماعة الأولى ـ على كل فضلها ـ مجرد حلم طائر في خيالنا، لا مطمع لنا في محاولة السير على خطاها، من السفح الهابط، في المرتقى الصاعد، إلى القمة السامقة! وكل هذه ذخيرة، حين نخرج بها ـ من الحياة في ظلال القرآن ـ نكون قد جنينا خيرا كثيرا إن شاء الله.

5. إن من خلال هذه المجموعة من آيات هذا الدرس يبدو لنا أنه كان في الصف المسلم يومذاك:

أ. من يبطئ نفسه عن الجهاد في سبيل الله، ومن يبطئ غيره، ثم يحسبها غنيمة إذا لم يخرج فسلم، على حين أصابت المسلمين مصيبة! كما يعدها خسارة إذا لم يخرج فغنم المسلمون، لأنه لم يكن له سهم في الغنيمة! وبذلك يشتري الدنيا بالآخرة!

ب. وكان فيه من المهاجرين أنفسهم ـ وممن كانت تأخذهم الحماسة للقتال ودفع العدوان وهم في مكة، مكفوفون عن القتال ـ من يأخذهم الجزع حينما كتب عليهم القتال في المدينة؛ ويتمنى لو أن الله أمهلهم إلى أجل، ولم يكتب عليهم القتال الآن!

ج. ومن كان يرجع الحسنة ـ حين تصيبه ـ إلى الله؛ ويرجع السيئة ـ حين تصيبه ـ إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لا لشدة إيمانه بالله طبعا؛ ولكن لتجريح القيادة والتطير بها!

د. ومن كان يقول: طاعة، في حضرة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فإذا خرج بيت هو ومن لف لفه غير الذي يقول!

هـ. ومن كان يتناول الشائعات، فيذيع بها في الصف؛ محدثا بها ما يحدثه من البلبلة، قبل أن يتثبت منها، من القيادة التي يتبعها!

و. ومن كان يشك في أن مصدر هذه الأوامر والتوجيهات كلها هو الله سبحانه، ويظن أن بعضها من عند النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لا مما أوحي له به!

ز. ومن كان يدافع عن بعض المنافقين ـ كما سيأتي في مطلع الدرس التالي ـ حتى لتنقسم الجماعة المسلمة في أمرهم فئتين.. مما يوحي بعدم التناسق في التصور الإيماني وفي التنظيم القيادي (من ناحية عدم فهم المجموع لوظيفة القيادة وعلاقتهم بها في مثل هذه الشؤون)

6. قد يكون هؤلاء جميعا مجموعة واحدة من المنافقين؛ أو مجموعتين: المنافقين، وضعاف الإيمان، الذين لم تنضج شخصيتهم الإيمانية ـ ولو كان بعضهم من المهاجرين.. ولكن وجود تلك المجموعة أو هاتين المجموعتين في الصف المسلم ـ وهو يواجه العداوات المحيطة به في المدينة من اليهود، وفي مكة من المشركين، وفي الجزيرة العربية كلها من المتربصين.. من شأنه أن يحدث خلخلة في الصف؛ تحتاج إلى تربية طويلة، وإلى جهاد طويل! ونحن نرى في هذا الدرس نماذج من هذا الجهاد، ومن هذه التربية، وعلاجا لكل خبيئة في النفس أو في الصف، في دقة، وفي عمق، وفي صبر كذلك، يتمثل في صبر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قائد هذا الصف، الذي يتولى تربيته بالمنهج القرآني:

أ. نرى الأمر بالحذر، فلا يخرج المجاهدون المؤمنون فرادى، للسرايا أو المهام الجهادية، بل يخرجون (ثبات) أي سرايا أو فصائل.. أو يخرجون جميعا في جيش متكامل، لأن الأرض حولهم ملغمة! والعداوات حولهم شتى، والكمين قد يكون كامنا بينهم من المنافقين، أو ممن يؤويهم المنافقون واليهود من عيون الأعداء المتربصين!

ب. ونرى تصويرا منفرا للمبطئين يبدو فيه سقوط الهمة؛ وحب المنفعة القريبة؛ والتلون من حال إلى حال، حسب اختلاف الأحوال! وكذلك نرى التعجيب من حال أولئك الذين كانوا شديدي التحمس في مكة للقتال، فلما كتب عليهم في المدينة عراهم الجزع.

ج. ونرى وعد الله لمن يقاتلون في سبيل الله، بالأجر العظيم، وإحدى الحسنيين: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

د. ونرى تصوير القرآن لشرف القصد، وارتفاع الهدف، ونبل الغاية، في القتال الذي يدفعهم إليه ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾

هـ. كما نرى تصوير القرآن لأحقية الغاية التي يجاهد لها الذين آمنوا وقوة السند؛ إلى جانب بطلان غاية الذين كفروا وضعف سندهم فيها: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾

و. ونرى معالجة المنهج القرآني للتصورات الفاسدة، التي تنشأ عنها المشاعر الفاسدة والسلوك الضعيف، وذلك بتصحيح هذه التصورات الاعتقادية.. مرة في بيان حقيقة الدنيا وحقيقة الآخرة: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾.. ومرة في تقرير حتمية الموت ونفاذ المقدر فيه؛ مهما يتخذ المرء من الاحتياط، ومهما ينكل عن الجهاد: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، ومرة في تقرير حقيقة قدر الله وعمل الإنسان: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾

ز. ونرى القرآن يؤكد حقيقة الصلة بين الله ـ سبحانه ـ ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وأن طاعته من‏ طاعته، ويقرر أن هذا القرآن كله من عنده؛ ويدعوهم إلى تدبر الوحدة الكاملة فيه، الدالة على وحدة مصدره: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾.. ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾

ح. ثم نراه ـ بعد أن يصف حال المرجفين بالأنباء ـ يوجههم إلى الطريق الأسلم، المتفق مع قاعدة التنظيم القيادي للجماعة: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾

ط. ويحذرهم من عاقبة هذا الطريق، وهو يذكرهم فضل الله عليهم في هدايتهم: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، ونستطيع أن ندرك مدى الخلخلة التي كانت تنشئها هذه الظواهر في الجماعة المسلمة؛ والتي كانت تحتاج إلى مثل هذا الجهد الموصول، المنوع الأساليب.. حين نسمع الله ـ سبحانه ـ يأمر نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن يجاهد ـ ولو كان وحيدا ـ وأن يحرض المؤمنين على القتال، فيكون مسئولا عن نفسه فحسب: والله يتولى المعركة: ﴿فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا﴾.. وفي هذا الأسلوب ما فيه من استجاشة القلوب، واستثارة الهمم؛ بقدر ما فيه من استجاشة الأمل في النصر، والثقة ببأس الله وقوته.

7. لقد كان القرآن يخوض المعركة بالجماعة المسلمة في ميادين كثيرة، وكان أولها ميدان النفس ضد الهواجس والوساوس وسوء التصور ورواسب الجاهلية، والضعف البشري ـ حتى ولو لم يكن صادرا عن نفاق أو انحراف ـ وكان يسوسها بمنهجه الرباني لتصل إلى مرتبة القوة، ثم إلى مرتبة التناسق في الصف المسلم، وهذه غاية أبعد وأطول أمدا، فالجماعة حين يوجد فيها الأقوياء كل القوة، لا يغنيها هذا، إذا وجدت اللبنات المخلخلة في الصف بكثرة.. ولا بد من التناسق مع اختلاف المستويات.. وهي تواجه المعارك الكبيرة.

8. والآن نأخذ في مواجهة النصوص مواجهة تفصيلية: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، إنها الوصية للذين آمنوا: الوصية من القيادة العليا، التي ترسم لهم المنهج، وتبين لهم الطريق، وإن الإنسان ليعجب، وهو يراجع القرآن الكريم؛ فيجد هذا الكتاب يرسم للمسلمين ـ بصفة عامة طبعا ـ الخطة العامة للمعركة وهي ما يعرف باسم (استراتيجية المعركة)، ففي الآية الأخرى يقول للذين آمنوا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً﴾، فيرسم الخطة العامة للحركة الإسلامية، وفي هذه الآية يقول للذين آمنوا: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ وهي تبين ناحية من الخطة التنفيذية أو ما يسمى (التاكتيك)، وفي سورة الأنفال جوانب كذلك في الآيات: ﴿فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾.. الآيات.

9. وهكذا نجد هذا الكتاب لا يعلم المسلمين العبادات والشعائر فحسب؛ ولا يعلمهم الآداب والأخلاق فحسب ـ كما يتصور الناس الدين ذلك التصور المسكين! إنما هو يأخذ حياتهم كلها جملة، ويعرض لكل ما تتعرض له حياة الناس من ملابسات واقعية.. ومن ثم يطلب ـ بحق ـ الوصاية التامة على الحياة البشرية؛ ولا يقبل من الفرد المسلم ولا من المجتمع المسلم، أقل من أن تكون حياته بجملتها من صنع هذا المنهج، وتحت تصرفه وتوجيهه، وعلى وجه التحديد لا يقبل من الفرد المسلم، ولا من المجتمع المسلم أن يجعل لحياته مناهج متعددة المصادر: منهجا للحياة الشخصية، وللشعائر والعبادات، والأخلاق والآداب، مستمدا من كتاب الله، ومنهجا للمعاملات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والدولية، مستمدا من كتاب أحد آخر؛ أو من تفكير بشري على الإطلاق! إن مهمة التفكير البشري أن تستنبط من كتاب الله منهجه أحكاما تفصيلية تطبيقية لأحداث الحياة المتجددة، وأقضيتها المتطورة ـ بالطريقة التي رسمها الله في الدرس السابق من هذه السورة ـ ولا شيء وراء ذلك، وإلا فلا إيمان أصلا ولا إسلام، لا إيمان ابتداء ولا إسلام، لأن الذين يفعلون ذلك لم يدخلوا بعد في الإيمان، ولم يعترفوا بعد بأركان الإسلام، وفي أولها: شهادة أن لا إله إلا الله، التي ينشأ منها أن لا حاكم إلا الله، وأن لا مشرع إلا الله.

10. وها هو ذا كتاب الله يرسم للمسلمين جانبا من الخطة التنفيذية للمعركة؛ المناسبة لموقفهم حينذاك، ولوجودهم بين العداوات الكثيرة في الخارج، والمنافقين وحلفائهم اليهود في الداخل، وهو يحذرهم ابتداء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، خذوا حذركم من عدوكم جميعا، وبخاصة المندسين في الصفوف من المبطئين، الذين سيرد ذكرهم في الآية: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، ثبات، جميع ثبة: أي مجموعة.. والمقصود لا تخرجوا للجهاد فرادى، ولكن اخرجوا مجموعات صغيرة، أو الجيش كله.. حسب طبيعة المعركة.. ذلك أن الآحاد قد يتصيدهم الأعداء، المبثوثون في كل مكان، وبخاصة إذا كان هؤلاء الأعداء منبثين في قلب المعسكر الإسلامي.. وهم كانوا كذلك، ممثلين في المنافقين، وفي اليهود، في قلب المدينة.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/701.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. من أقوى دعامات الإيمان، الجهاد في سبيل الله، إذ كان أكثر التكاليف مشقة على النفس، وأنهكها للبدن والمال! ومن هنا كانت منزلة الجهاد في الإسلام، ومقام المجاهدين عند الله، كما كان الجهاد مطلبا أول للمؤمنين، الذين صدقوا الله ما عاهدوه عليه، ومن هنا أيضا كانت عناية الله بالمجاهدين، ورسم معالم الطريق لهم، وحراستهم من أن يغرّر بهم، أو يبيتوا.. فكانت وصاة الله سبحانه وتعالى للمجاهدين دستورا متكاملا، لمعاناة الحرب، والتهيؤ لها، والحذر من المكيدة، والأخذ بها:

أ. فمن ذلك، الإعداد للحرب، والأخذ بوسائل القوة والغلب، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ ومن ذلك أيضا، الحذر من مباغتة العدوّ عند انتهاز الغفلة من المؤمنين، وفي هذا يقول سبحانه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾

ب. ومن ذلك أيضا الثبات في المعركة، ومساندة المجاهدين بعضهم بعضا، حتى لكأنهم جسد واحد، وكلهم أعضاء في هذا الجسد، فلا يطلب أحدهم السلامة لنفسه، كما لا يطلب السلامة لعضو من أعضائه بتعريض الجسد كله للتلف، وفي هذا يقول سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ﴾ ويقول جل شأنه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ﴾ وهنا في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ لفتة من لفتات السماء للمجاهدين أن يأخذوا حذرهم من عدوهم، فيكونوا دائما على تأهب واستعداد، فهي دعوة عامة إلى الحيطة والحذر، واليقظة الدائمة لملاقاة العدوّ بالقوة الرادعة، واليد المتمكنة الباطشة.

2. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ هو مظهر من مظاهر الحذر، حيث يتخير المجاهدون الأسلوب المناسب للقاء عدوّهم، فتارة يلقونه جماعة جماعة، وطورا يلقونه بقوتهم جميعا، حسب تقديرهم لقوة العدوّ، وللأسلوب الذي تمليه الحكمة، ويقتضيه النظر.. ويستدعيه الموقف، والثّبات: جمع ثبة وهى الجماعة، والعصبة من الفرسان، والنّفر، والنّفرة: التحرك للقتال، والفراغ له.

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/832.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ استئناف وانتقال إلى التحريض على الجهاد بمناسبة لطيفة، فإنّه انتقل من طاعة الرسول إلى ذكر أشدّ التكاليف، ثمّ ذكر الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين، وكان الحال أدعى إلى التنويه بشأن الشهادة دون بقية الخلال المذكورة معها الممكنة النوال.

2. هذه الآية تشير لا محالة إلى تهيئة غزوة من غزوات المسلمين، وليس في كلام السلف ذكر سبب نزولها، ولا شكّ أنّها لم تكن أوّل غزوة لأنّ غزوة بدر وقعت قبل نزول هذه السورة، وكذلك غزوة أحد التي نزلت فيها سورة آل عمران، وليست نازلة في غزوة الأحزاب لأنّ قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ يقتضي أنّهم غازون لا مغزوّون، ولعلّها نزلت لمجرّد التنبيه إلى قواعد الاستعداد لغزو العدوّ، والتحذير من‏ العدوّ الكاشح، ومن العدوّ الكائد، ولعلّها إعداد لغزوة الفتح، فإنّ هذه السورة نزلت في سنة ستّ، وكان فتح مكة في سنة ثمان، ولا شكّ أنّ تلك المدّة كانت مدّة اشتداد التألّب من العرب كلّهم لنصرة مشركي قريش والذبّ عن آلهتهم، ويدلّ لذلك قوله بعد ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ [النساء: 75] إلخ، وقوله: ﴿فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 141] فإنّ اسم الفتح أريد به فتح مكة في مواضع كثيرة كقوله: ﴿فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا﴾ [الفتح: 27]

3. ابتدأ بالأمر بأخذ الحذر، وهي أكبر قواعد القتال لاتّقاء خدع الأعداء، والحذر: هو توقّي المكروه، ومعنى ذلك أن لا يغترّوا بما بيّنهم وبين العدوّ من هدنة صلح الحديبية، فإنّ العدوّ وأنصاره يتربّصون بهم الدوائر، ومن بينهم منافقون هم أعداء في صورة أولياء، وهم الذين عنوا بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ـ إلى ـ ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾

4. لفظ خُذُوا استعارة لمعنى شدّة الحذر وملازمته، لأنّ حقيقة الأخذ تناول الشيء الذي كان بعيدا عنك، ولما كان النسيان والغفلة يشبهان البعد والإلقاء كان التذكّر والتيقّظ يشبهان أخذ الشيء بعد إلقائه، كقوله: ﴿خُذِ الْعَفْوَ﴾ [الأعراف: 199]، وقولهم: أخذ عليه عهدا وميثاقا، وليس الحذر مجازا في السلاح كما توهمه كثير، فإنّ الله تعالى قال في الآية الأخرى: ﴿وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ﴾ [النساء: 102]، فعطف السلاح عليه.

﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ تفريع عن أخذ الحذر لأنّهم إذا أخذوا حذرهم تخيّروا أساليب القتال بحسب حال العدوّ، و﴿انْفِرُوا﴾ بمعنى أخرجوا للحرب، ومصدره النّفر، بخلاف نفر ينفر ـ بضمّ العين ـ في المضارع فمصدره النفور.

5. ﴿ثُباتٍ﴾ بضمّ الثاء جمع ثبة ـ بضمّ الثاء أيضا ـ وهي الجماعة، وأصلها ثبية أو ثبوة بالياء أو بالواو، والأظهر أنّها بالواو، لأنّ الكلمات التي بقي من أصولها حرفان وفي آخرها هاء للتأنيث أصلها الواو نحو عزة وعضة فوزنها فعة، وأمّا ثبة الحوض، وهي وسطه الذي يجتمع فيه الماء فهي من ثاب يثوب إذا رجع، وأصلها ثوبة فخفّفت فصارت بوزن فلة، واستدلّوا على ذلك بأنّها تصغّر على ثويبة، وأنّ الثبة بمعنى الجماعة تصغّر على ثبيّة، قال النحّاس: (ربّما توهّم الضعيف في اللغة أنّهما واحد مع أنّ بينهما فرقا) ومع هذا فقد جعلهما صاحب (القاموس) من واد واحد وهو حسن، إذ قد تكون ثبة الحوض مأخوذة من الاجتماع إلّا إذا ثبت اختلاف التصغير بسماع صحيح، وانتصبـ ﴿ثُباتٍ﴾ على الحال، لأنّه في تأويل: متفرّقين، ومعنى جَمِيعاً جيشا واحدا.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/183.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في الآيات السابقات بين الله سبحانه وتعالى دعائم الحكومة الإسلامية الوثيقة الأركان، فذكر لها ثلاثة أوصاف:

أ. أولها ـ أن تسودها الأمانة في القول والعمل والمال، فلا تقوم حكومة قويمة إلا إذا كانت الأمانة هي السائدة بين الحكام والسائدة بين الشعب، والسائدة في العلاقات بين الشعب والحكومة، فإذا لم تكن الأمانة فسد أمر الحاكم والمحكوم، وضاعت الأمة.

ب. ثانيها ـ العدل، فهو ميزان الجماعة وميزان الحكم، ولقد كان العدل شعار الإسلام وسيماه ومعناه، فإذا كان لكل دين سمة واضحة فيه، فسمة الإسلام العدل من العدو والولى على سواء، ولا تقوم أمة إذا لم يقم بينها العدل، واحترام الحقوق التي قررها الله تعالى، ومنحها لعباده.

ج. ثالثها ـ الرجوع إلى كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، واتخاذهما الحكم المرضى للحكومة دائما، لا يأخذ أحد منهما ما يحب ويدع ما لا يحب، وإنه يجب أن يكون للأمة مجلس للحل والعقد يستشيره الحاكم ويشير عليه، فإن اختلف أهل الحل والعقد، احتكموا إلى كتاب الله تعالى، يشير إلى ذلك قوله تعالى: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [النساء]

2. وفي الآيات السابقة أكد الأمر بطاعة الله تعالى، وبين أن أعلى الدرجات أن يطيع المؤمن الله ورسوله، ولو أمره بأن يتقدم لإعلان الحق والنطق به، وهو يعلم أنه سيقتل، وإذا تكونت الأمة ذلك التكوين العادل الأمين، تقدمت للدفاع عن نفسها، ولذلك جاء بعده أخذ الأهبة للقتال، فقد قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ يا أيها الذين أذعنوا للحق، واستجابوا لله ولرسوله، خذوا الأهبة بالحذر واتقاء أذى الأعداء، وكونوا متأهبين للقاء دائما، ولا يكن أخذ الحذر والاحتراس بالقعود في الديار، بل بالنفرة والاستعداد لمواجهة الأعداء في الميدان، فعلى المؤمنين أن ينفروا للحرب، جماعة بعد جماعة، تمر بالثغور التي تواجه الأعداء، أو تلاقى من تستطيع لقاءه منهم، أو إذا تكاثف العدو في مكان، وأصبحت لا تكفيه جماعة الجند العامل، فلينفر الجند كله، وليتقدم للميدان بكلكله‏، وهذا معنى النص الكريم بالإجمال ولنتجه إلى تحليل بعض العبارات من ناحية اللفظ والمعنى.

3. أولى هذه العبارات قوله تعالى: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، فقد قال الزمخشري: (إن الحذر والحذر معناهما واحد، ويقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترس، ومعنى خذوا حذركم، أي خذوا ما فيه الاحتياط لكم، ودفع كل مخوف عنكم)، وقد ذكر محمد عبده: (أن من أخذ الحذر تعرف حال البلاد الإسلامية، وتعرف حال بلاد الأعداء، أو من يتوقع منهم الاعتداء، وتعرف بلاد المعاهدين وغيرهم، بحيث إذا اضطروا إلى الحرب كانوا عالمين بمواطن قوتها وأماكن ضعفها)، وذكر (أنه يدخل في الاستعداد وأخذ الحذر، واتقاء كل مخوف معرفة الأسلحة واستعمالها فإذا كان ذلك يتوقف على معرفة الهندسة والكيمياء والطبيعة وجر الأثقال، فإنه يجب تحصيل ذلك)، ولقد قال الإمام هذا في أول هذا القرن الذي يعيش فيه، وهو ألزم في هذا العصر الذى‏ كشف ابن الأرض فيه الفضاء، وصارت الحرب لا تكون بشجاعة الشجعان، بل تكون بالأدوات وغيرها.. فعلينا أن نعد العدة بمثل ما يعدون، وقد ابتكروا ما يخرب الديار، فعلينا أن نعمل بهذا الابتكار، فإن الشر لا يدفع إلا بمثله، والله من ورائهم محيط.

4. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، معنى انفروا: اخرجوا إلى ميدان القتال أو الحراسة، وقالوا: إن نفر ينفر معناه انزعج وخرج إلى عمل من الأعمال، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ﴾ [التوبة]، ومصدره النفر أو النفار أو النفير، والأخير قد يطلق بمعنى الجماعة النافرة، وقالوا إن نفر ينفر ـ معناها انزعج عن الشيء، ومنه النفور من الأمور ونفور الدابة، (وثبات) جمع ثبة، وهى في الأصل ثبية، حذفت الياء، ووزنها فعة، ويقال: ثيبت الجيش، جعلته ثبة ثبة، أي جعلته جماعة متفرقة، كل واحدة لها مقصد خاص، وعمل تقوم به، اقتضاه توزيع القوى، والنفير جماعة جماعة، هو الحال الدائمة المستمرة، فيجب أن تكون حراسة مستمرة للحدود والثغور، وهى المرابطة، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران‏]، وأما النفير العام فإنما يكون عند قيام الحرب التي لا تكفى فيها كتيبة، أو كتيبتان، أو كالتعبير التاريخى في الإسلام: سرية أو سريتان أو أكثر، بل لا بد من الجيش المحارب كله والأمة من ورائه تؤيده وتؤازره.

5. سؤال وإشكال: لكن ما المراد من النفير جميعا؟ أهو الجيش المحارب كله، أم نفير الأمة كلها؟ والجواب: لا شك أنه إذا لم تغن السرية وجب أن يتقدم الجيش كله، وتقدم الجيش كله هو في معنى نفير الأمة كلها؛ لأن الأمة عليها أن تكون الجيش المقاتل، تؤازره وتؤيده بالمال والقول والعمل، وتكون من وراء ظهره تدفعه إلى العمل وتحميه من‏ كل خيانة، فإن تكوين جيش مسلح كاف فرض كفاية على كل المسلمين، تأثم الأمة كلها إذا تركت تكوينه، ثم إذا دخل العدو الديار صار الواجب أن ينفر كل قادر من الأمة، وإلا كانت كلها مقصرة، ويكون الخروج فرض عين، وحين ذلك تنفر الأمة كلها حقيقة لا حكما.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1755.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، هذه الآية من آيات الحث على الجهاد، وسبق منها كثير، وما يأتي أكثر، ولكن هذه الآية توجب النفير العام، وحشد الأمة كلها الى الحرب، ان أحوج الحال.. وان دل هذا الاهتمام على شيء فإنما يدل على ما كان للإسلام من أعداء، يدبرون له المكائد والمصائد، وما للمسلمين من خصوم يناصبونهم ويفتنونهم عن دينهم.. والى اليوم يقاسي الإسلام والمسلمون الكثير من أهل الكفر والطغيان، فمن الطبيعي ـ اذن ـ ان يحث الله سبحانه المسلمين على الحذر والتعرف على قوة العدو والاستعداد له بسلاح أمضى وأقوى.

2. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾، انفروا أمر بالخروج للحرب، وثبات أي فصائل وفرقا من الجنود المتخصصين للقتال، وجميعا أي جيشا وشعبا، حسبما تقتضيه الحال، والقصد هو الاستعداد لمجابهة العدو، وحشد جميع الطاقات والقدرات، واستنفاد كل وسيلة لردعه عن البغي والعدوان، حتى ولو أدى الدفاع الى تطوع الأمة كلها للحرب كبارا وصغارا، رجالا ونساء، قال العلامة الحلي في التذكرة: (لو أحوج الحال الى الاستعانة بالنساء وجب)

3. كانت الحرب فيما مضى بالرجال، وتعبئة الجنود والكتائب، أما اليوم فقد أصبح العلم قوة في كل ميدان، وحوّل السيف والرمح، وغيرهما من أدوات الحرب الى صواريخ موجهة، وقاذفات القنابل، وغواصات نووية، ودبابات برمائية، وحاملات طائرات، وغازات سامة، ومخترعات للتجسس جوا وبرا وبحرا.. الى ما لا يعلمه إلا الله والراسخون في علم التخريب والتدمير، ولم يكتف تجار الحروب بتوجيه العلم، وعبقرية العلماء الى اختراع آلات الخراب والدمار، حتى أنشأوا معاهد للتخصص بعمليات التخريب، وتدبير المؤامرات والانقلابات، وإيقاظ الفتن والأحقاد، واشاعة الفوضى والجرائم، ووضع الخطط لانتشار الخوف والرعب وانهيار الأعصاب، والاستخفاف بالأخلاق والقيم، والايمان بالأساطير والخرافات.. الى كل ما يمهد لسيطرة القوي على الضعيف، وعبودية المتخلف للمتقدم.

4. هذا هو نوع السلاح الذي يحاربنا به عدو الدين والانسانية.. فبأي شيء نتقي شره وعدوانه؟، أبالسباب والشتائم، أو بالندب والبكاء، أو بالمشاحنات والخلافات؟ لا شيء ـ ونحن الآن على ما نحن ـ الا ان نعرف من هو عدونا؟ وما هي مقدرته؟، ونحذر منه ومن أساليبه وألاعيبه، ولا نطمئن اليه في شيء، وأن نتعلم من أخطائنا، ونتحرر من الخونة، ونعمل جاهدين يدا واحدة على تقويتنا في شتى الميادين، وبهذا نستطيع أن نقف في وجه العدو.. وعلى الأقل لا يصل بنا الأمر الى الحد الذي وصلنا اليه الآن.

5. لقد سحق شعب فيتنام الأعزل رؤوس الأمريكيين، على رغم ما يحشدونه من قوى، وينفقونه من ملايين الدولارات، وقبل فيتنام تحررت كوبا من امريكا، وهي أقوى دول العالم على الإطلاق.. والآن تأسر كوريا الشمالية سفينة التجسّس بيبلو، ولا تستطيع أمريكا أن تبدي حراكا.. والسر ـ فيما نعتقد ـ ان هذه الشعوب قد وعت مصالحها ونظمت صفوفها، وتلافت أخطاءها، فضربت على أيدي الخونة، وأبعدتهم عن القيادة ومركز القوة، وآمنت بحقها ومبادئها، واستهانت بالحياة في سبيلها، ولا يمكن لقوى العالم مجتمعة أن تقهر شعبا منظما واعيا فيتناميا كان، أو عربيا، والفرق في الأوضاع، لا في الطباع، وفي الوعي والصلابة فيما يؤمن ويعتقد.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/374.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الآيات بالنسبة إلى ما تقدمها ـ كما ترى ـ بمنزلة ذي المقدمة بالنسبة إلى المقدمة وهي تحث وتستنهض المؤمنين للجهاد في سبيل الله، وقد كانت المحنة شديدة على المؤمنين أيام كانت تنزل هذه الآيات، وهي كأنها الربع الثاني من زمن إقامة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم بالمدينة كانت العرب هاجت عليهم من كل جانب لإطفاء نور الله، وهدم ما ارتفع من بناية الدين يغزو رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مشركي مكة وطواغيت قريش، ويسري السرايا إلى أقطار الجزيرة، ويرفع قواعد الدين بين المؤمنين، وفي داخلهم جمع المنافقين وهم ذو قوة وشوكة، وقد بان يوم أحد أن لهم عددا لا ينقص من نصف عدة المؤمنين بكثير، وكانوا يقلبون الأمور على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويتربصون به الدوائر، ويثبطون المؤمنين وفيهم مرضى القلوب سماعون لهم، وحولهم اليهود يفتنون المؤمنين ويغزونهم‏ وكانت عرب المدينة تحترمهم، وتعظم أمرهم من قديم عهدهم فكانوا يلقون إليهم من باطل القول ومضلات الأحاديث ما يبطل به صادق إرادتهم، وينتقض به مبرم جدهم، ومن جانب آخر كانوا يشجعون المشركين عليهم، ويطيبون نفوسهم في مقاومتهم، والبقاء والثبات على كفرهم وجحودهم، وتفتين من عندهم من المؤمنين.

2. فالآيات السابقة كالمسوقة لإبطال كيد اليهود للمسلمين، وإمحاء آثار إلقاءاتهم على المؤمنين، وما في هذه الآيات من حديث المنافقين هو كتتميم إرشاد المؤمنين، وتكميل تعريفهم حاضر الحال ليكونوا على بصيرة من أمرهم، وعلى حذر من الداء المستكن الذي دب في داخلهم، ونفذ في جمعهم، وليبطل بذلك كيد أعدائهم الخارجين المحيطين بهم، ويرتد أنفاسهم إلى صدورهم، وليتم نور الدين في سطوعه، والله متم نوره ولو كره المشركون والكافرون.

3. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ الحذر بالكسر فالسكون ما يحذر به وهو آلة الحذر كالسلاح، وربما قيل: إنه مصدر كالحذر بفتحتين، والنفر هو السير إلى جهة مقصودة، وأصله الفزع، فالنفر من محل السير فزع عنه وإلى محل السير فزع إليه، والثبات‏ جمع ثبة، وهي الجماعة على تفرقة، فالثبات الجماعة بعد الجماعة بحيث تتفصل ثانية عن أولى، وثالثة عن ثانية، ويؤيد ذلك مقابلة قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾

4. التفريع في قوله: ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾، على قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، بظاهره يؤيد كون المراد بالحذر ما به الحذر على أن يكون كناية عن التهيؤ التام للخروج إلى الجهاد ويكون المعنى: خذوا أسلحتكم أي أعدوا للخروج واخرجوا إلى عدوكم فرقة فرقة (سرايا) أو اخرجوا إليهم جميعا (عسكرا)

5. من المعلوم أن التهيؤ والإعداد يختلف باختلاف عدة العدو وقوته فالترديد في قوله: ﴿أَوِ انْفِرُوا﴾، ليس تخييرا في كيفية الخروج وإنما الترديد بحسب تردد العدو من حيث العدة والقوة أي إذا كان عددهم قليلا فثبة، وإن كان كثيرا فجميعا، فيئول المعنى ـ وخاصة بملاحظة الآية التالية: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾، ـ إلى نهيهم عن أن يضعوا أسلحتهم، وينسلخوا عن الجد وبذل الجهد في أمر الجهاد فيموت عزمهم ويفتقد نشاطهم في إقامة أعلام الحق، ويتكاسلوا أو يتبطئوا أو يتثبطوا في قتال أعداء الله، وتطهير الأرض من قذارتهم.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/415.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ كونوا على حذر من أعدائكم وقد جعل الحذر مأخوذاً كالسلاح وأضيف إليهم؛ لأنه وقاية لهم يختص بهم كما يختص بهم السلاح.

2. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ﴾ أي جماعات ﴿أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ مجتمعين كلكم، والنَّفْرُ: الخروج إلى العدو أو هو عام لكل ارتحال في سرعة، قال في (مفردات الراغب): (النفر: الانزعاج عن الشيء وإلى الشيء، كالفزع إلى الشيء وعن الشيء)

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/107.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذه الآيات انطلاقة جديدة للدعوة إلى إطاعة الله والرسول، في خط الجهاد الذي فرضه على الأمة، لتكون قادرة على مواجهة التحديات من‏ مواقع القوة، لأن أية أمة تريد الوقوف على قدميها، لا بد لها من قاعدة فكرية تواجه بها الفكر المنحرف الضالّ، ومن قاعدة للقوّة تواجه بها الفئات المنحرفة الضالّة، لتستمر في رسالتها على مدى الزمن، ولهذا جاء النداء للمؤمنين ليأخذوا حذرهم من كل التحديات المحتملة المحيطة بهم.

2. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ فهناك أكثر من عدو يتربّص بهم، سواء كان من أهل الكتاب أو المشركين، وهناك أكثر من جهة تعبث بأمنهم، سواء في ذلك المنافقون وغيرهم، فلا بد لهم من مواجهة ذلك كله بالاستعداد.

3. ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ فإذا جاء وقت النفر إلى الجهاد، فعليهم أن ينفروا متفرّقين أو مجتمعين، حسب الخطة الموضوعة للنفر في نطاق المصلحة العليا للإسلام والمسلمين؛ فقد تكون المصلحة أن يخرجوا فرقة فرقة، وهو ما يسمى بنظام السرايا، وقد تكون المصلحة أن يخرجوا جميعا وهو ما يسمى بنظام العسكر.

4. إذا دققنا في كلمة ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ فإننا ننفتح من خلالها على كل ساحات الصراع التي يمكن أن يتواجد فيها أعداء الإسلام والمسلمين في كل زمان ومكان، ليستغلوا كل الثغرات الموجودة في المجتمع المسلم لينفذوا من خلالها إليه، للإضرار به ليعبثوا بأمنه أو ليحشدوا القوة العاتية، ليهجموا بها على الواقع الإسلامي كله، لأن المعركة في حركة التحديات المضادة مستمرة في صراع الحق والباطل والخير والشرّ، وإذا أردنا استنطاق كلمة ﴿حِذْرَكُمْ﴾ فإنها تعني مواجهة كل الأوضاع والمشاكل والتيارات المختلفة والظروف المتنوعة، بالكثير من الدراسة والتخطيط للتعرف على مخططات العدو في مواقع قوته وقدرته وأساليبه واستراتيجيته، ومداه البشري‏ والعسكري، ولتجميع كل نقاط القوة المتناثرة في الساحة الإسلامية، ولتوزيع الطاقات على مواقع المعركة بكل دقة وإتقان، لأن قضية المواجهة لا تسير على نهج واحد وعلى أسلوب واحد، بل تتنوع تبعا لتنوع قدرات العدو وأوضاعه.

5. لا بد من التنبيه على أن كلمة (الحذر)، تختلف عن كلمة (الخوف) فإن الخوف يشلّ القدرة ويدفع إلى الهزيمة، أما الحذر، فإنه يوحي بالدراسة الدقيقة الموضوعية للواقع للتعرف على أفضل الوسائل للمواجهة بطريقة حكيمة واعية مدروسة.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/347.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. (الحذر) يعني اليقظة والتأهب والترقب لخطر محتمل، كما يعني أحيانا الوسيلة التي يستعان بها لدفع الخطر، أمّا كلمة (ثبات) فتفيد معنى المجموعات المتفرقة، ومفردها (ثبة) من مادة (ثبي) أي جمع.

2. القرآن يخاطب عامّة المسلمين في الآية الكريمة، ويقدم لهم اثنتين من التعاليم اللازمة لصيانة وجود المسلمين والمجتمع الإسلامي تجاه كل خطر يهدد هذا الوجود، ففي البداية تأمر الآية المؤمنين بالتمسك باليقظة والبقاء في حالة التأهب من أجل مواجهة العدو، وتحذرهم من الغفلة عن هذا الأمر: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، ثمّ تأمر الآية بالاستفادة من الأساليب والتكتيكات المختلفة في مواجهة العدو، من ذلك الزحف على شكل مجموعات إن تطلب الأمر مثل هذا الأسلوب، أو على شكل جيش موحّد مترابط إن استدعت المواجهة هجوما شاملا منسجما، وفي كلتا الحالتين لا بدّ من المواجهة الجماعية ﴿فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾

3. ذهب بعض المفسّرين إلى أن معنى (الحذر) في الآية هو (السلاح) لا غير، بينما للحذر معنى واسع لا يقتصر على السلاح، ثمّ أن الآية من هذه السورة تدل بوضوح على أنّ الحذر غير السلاح حيث يقول تعالى: ﴿أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وجواز وضع السلاح (في الصلاة) مع أخذ الحذر يدل على أنّ الحذر لا يعنى السلاح بالذات.

4. الآية الكريمة تشتمل على أمر عام مطلق لجميع المسلمين في كلّ العصور والأزمنة، ويدعو هذا الأمر المسلمين إلى الالتزام باليقظة والاستعداد الدائم لمواجهة أي طارى‏ء من جانب الأعداء ولحماية أمن الأمّة، وذلك عن طريق التحلّي بالاستعداد المادي والمعنوي الدائمين.

5. كلمة (الحذر) أيضا تستوعب بمعانيها الواسعة ـ كل أنواع الوسائل المادية والمعنوية الدفاعية التي يتحتم على المسلمين اتباعها، من ذلك التعرف على قدرة العدو من حيث العدّة والعدد، وأساليبه الحربية، والإستراتيجية، ومدى فاعلية أسلحته، وكيفية مواجهتها والاحتماء من خطرها وخطر العدوّ نفسه، وبذلك يكون المسلمون قد أوفوا من حيث العمل بما يتطلبه منهم أمر (الحذر) من الاستعداد والتأهب واليقظة لمواجهة أي خطر طارى‏ء.

6. يشتمل أمر (الحذر) أيضا على الاستعداد النفسي والثقافي والاقتصادي، لتعبئة كافة الإمكانيات البشرية، والاستفادة من أقوى أنواع الأسلحة وأكثرها تطورا في الوقت المطلوب، وكذلك الإلمام بصور استخدام هذا السلاح وأساليبه، فإذا كان المسلمون يلتزمون بهذا الأمر ويطبقونه على حياتهم لاستطاعوا أن‏ يجنّبوا أنفسهم وأمّتهم الفشل والتقهقر والهزيمة على مدى تاريخهم المليء بالأحداث.

7. والشيء الآخر الذي يفهم من هذه الآية الكريمة، هو اختلاف أساليب مواجهة العدو بحسب ما تقتضيه الضرورة، ويعينه الظرف، ويحدد موقع العدو ـ فلو كان هذا الموقع يتطلب مقابلة العدو بجماعات منفصلة، لوجب استخدام هذا الأسلوب مع كل ما يحتاج إليه من عدد وعدّة وغير ذلك، وقد يكون موقع العدو بصورة تقتضي مواجهة العدو في هجوم عام ضمن مجموعة واحدة متماسكة، وعند هذا يجب أن يعدّ المسلمون العدّة اللازمة والعدد الكافي لمثل هذا الهجوم الشامل.

8. ومن هنا يتّضح أنّ إصرار البعض على أن يكون للمسلمين أسلوب كفاحي واحد دون اختلاف في التكتيك لا يقوم على منطق ولا تدعمه التجارب، إضافة إلى أنّه يتنافى مع روح التعاليم الإسلامية.

9. لعل الآية الكريمة تشير أيضا إلى أنّ المسألة الهامّة هي تحقيق الأهداف الواقعية سواء تطلب الأمر أن يسلك الجميع أسلوبا واحدا، أو أن ينهجوا أساليب متنوعة، ويفهم من كلمة (جميعا) أنّها تعني أنّ المسلمين كافّة مكلّفون بالمشاركة في أمر مواجهة العدو، ولا يختص هذا الحكم بطائفة معينة.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/318.

67. المتباطئون والنفير

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈67⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 72 ـ 73]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

البصري:

روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ عن الغزو والجهاد(1).

__________

(1) تفسير ابن أبي زمنين ١/٣٨٦.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال عن الجهاد، وعن الغزو في سبيل الله، ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ هذا قول مكذب(1).

2. روي أنّه قال: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ هذا قول مكذب، ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ لَيَقُولَنَّ﴾ الآية هذا قول حاسد(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٢٠.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ فسماهم مؤمنين وليس هم بمؤمنين، ولا كرامة، قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ إلى قوله: ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ولو أن أهل السماء والأرض قالوا: قد أنعم الله علي إذ لم أكن مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لكانوا بذلك مشركين، وإذا أصابهم فضل من الله قال يا ليتني كنت معهم فأقاتل في سبيل الله(1).

2. روي أنّه قال: لو أن أهل السماء والأرض قالوا: قد أنعم الله علينا إذ لم نكن مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لكانوا بذلك مشركين(2).

3. روي أنّه قال: والله لو قال هذه الكلمة أهل المشرق والمغرب لكانوا بها خارجين من الإيمان، ولكن الله قد سماهم مؤمنين بإقرارهم(3).

__________

(1) تفسير العيّاشي 1/257.

(2) مجمع البيان 3/114.

(3) تفسير القمّي 1/143.

ابن حيان:

روي عن مقاتل بن حيان (ت 149 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ هو فيما بلغنا عبد الله بن أبي بن سلول؛ رأس المنافقين، ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال ليتخلفن عن الجهاد، فإن أصابتكم مصيبة من العدو وجهد من العيش قال: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ فيصيبني مثل الذي أصابهم من البلاء والشدة(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ يعني: فتحا، وغنيمة، وسعة في الرزق، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ المنافق وهو نادم في التخلف، ﴿كأن لمن يكن بينكم وبينه مودة﴾ يقول: كأنه ليس من أهل دينكم في المودة، فهذا من التقديم: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ يعني: آخذ من الغنيمة نصيبا وافرا(1).

__________

(1) ابن المنذر (١٩٩٢.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ يعني: ليتخلفن النفر، ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني: بلاء من العدو، أو شدة من العيش ﴿قَالَ﴾ المنافق: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ يعني: شاهدا؛ فيصيبني من البلاء ما أصابهم(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ يعني: رزق، ﴿مِنَ اللهِ﴾ عز وجل، يعني: الغنيمة، ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ندامة في التخلف: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في الدين والولاية، ﴿ياليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما﴾، فألحق من الغنيمة نصيبا وافرا(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٨.

ابن جريج:

روي عن ابن جريج (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ المنافق يبطئ المسلمين عن الجهاد في سبيل الله، ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ بقتل العدو من المسلمين ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ هذا قول الشامت(1).

2. روي أنّه قال: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ هذا قول الشامت، ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ ظهور المسلمين على عدوهم، وأصابوا منهم غنيمة ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ الآية، قول الحاسد(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٢٠.

ابن زيد:

روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) أنّه قال: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾، هزيمة(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٢١.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ في قوله عزّ وجل: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ يحتمل وجوها:

أ. يحتمل: في الظاهر منكم.

ب. ويحتمل: في الحكم منكم.

ج. ويحتمل: في الدعوى؛ لأنهم كانوا يدعون أنهم منا، ويظهرون الموافقة للمؤمنين، وإن كانوا ـ في الحقيقة ـ لم يكونوا.

2. وقوله تعالى ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾: قيل: إن المنافقين كانوا يبطئون الناس عن الجهاد ويتخلفون‏؛ كقوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا وَلَا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 18] كانوا يسرون ذلك ويضمرونه، فأطلع الله عزّ وجل نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم على ذلك؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى، وفيه دلالة إثبات رسالة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

3. وقوله عزّ وجل: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ على التقديم والتأخير يسرّ ويفرح من كان بينه وبين آخر مودة إذا أصابته نكبة يحزن عليه ويتألم، فأخبر الله عزّ وجل أن هؤلاء المنافقين إذا أصابت المؤمنين نكبة يسرون بذلك ولا يحزنون، كأن لم يكن بينهم مودة ولا صحبة.

4. وقوله عزّ وجل: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ يعني: الغنيمة والفتح‏، يقولون: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي: يأخذ من الغنيمة نصيبا وافرا.

5. قوله عزّ وجل: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ هذا قول المكذب الشامت‏: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ الآية، هو قول الحاسد؛ وهو قول قتادة.

6. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ يعنى: ليتخلفن عن النفير: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعنى: شدة وبلاء من العيش والعدو، ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ فيصيبنى ما أصابهم: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/253.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قال الحسن، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، وابن زيد: نزلت هذه الآية في المنافقين الذين كانوا يثبطون الناس عن الجهاد، فإذا أصابتهم مصيبة فيه، من قتل أو هزيمة، قالوا قول الشامت بهم في تلك الحال: قد أنعم الله علينا إذ لم نكن معهم شهداء أي حضوراً، وقال أبو جعفر عليه السلام: من يتمنى التأخر عن جماعة المسلمين، لا يكون إلا كافراً.

2. قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ خطاب للمؤمنين، وانما أضاف المنافقين إليهم لأمرين:

أ. أحدهما: ان من عدادكم ودخلائكم.

ب. الثاني: أي منكم في الحال الظاهرة، أو حكم الشريعة من حقن الدم، ونحو ذلك من الموارثة، والمناكحة.

3. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ اللام الاولى لام الابتداء بدلالة دخولها على الاسم، والثانية لام القسم بدلالة دخولها على الفعل مع نون التأكيد، وتقديره إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن، وإنما جاز صلة (من) بالقسم، ولم يجز بالأمر والنهي لأن القسم خبر يوضح الموصول، كما يوضح الموصوف في قولك: مررت برجل لتكرمنه، لأنه خصصه بوقوع الإكرام به في المستقبل من كل رجل غيره، وليس كذلك‏ الامر في قولك: مررت برجل أضربه، لأنه لا يتخصص بالضرب في الامر كما، تخصص في الخبر، قال الفراء تدخل اللام في النكرات وفي من وما والذي، فإذا جئت بالمعرفة الموقتة، لم يجز إدخال اللام فيها، لا تقول إن عبد الله ليقومن وان زيداً ليذهبن، لأن زيدا، وعبد الله، لا يحتاجان إلى صلة، والإبطاء: اطالة مدة العمل لقلة الانبعاث، وضده الاسراع، وهو قصر مدة العمل، للتدبير فيه، والاناة: اطالة الأحكام الذي لا سبيل إليه إلا بالتثبت فيه، وضدها العجلة وهي قصر المدة من غير إحكام الصنعة تقول: بطؤ في مشيه يبطؤ بطاء: إذا ثقل وتباطأ تباطياً وبطأه تبطياً واستبطأ واستبطاء وأبطأ إبطاء: إذا تأخر.

4. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ المعني بهذه الآية المنافقون الذين وصفهم الله بأنهم يفرحون بتأخرهم عن المؤمنين إذا أصيبوا، وانهزموا، فأخبر عنهم انه إذا أصاب المؤمنين فضل من الله بان يظفروا أو يقهروا العدو، بأنهم يتمنون الكون معهم، فيفوزوا فوزاً عظيماً، وانما ذمهم الله بهذا التمني لأحد أمرين:

أ. أحدهما: لأنهم قالوه على وجه إيثار الغنيمة لا على حال المثوبة من جهة الله لشكهم في الجزاء من الله.

ب. الثاني: قال قتادة وابن جريج انهم قالوا: ذلك على جهة الحسد للمؤمنين.

5. الاصابة: ملامسة المرمي لما وقعت به الرمية، فإذا قيل: أصابـ مطلقاً ـ فمعناه أصاب الغرض، ويجوز أن ينفى فيقال: لم يصب، يعني الغرض، وان أصاب غيره.

6. في قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: انه اعتراض بين القول، والتمني، ولا يكون له موضع من الاعراب، وتقديره ليقولن: يا ليتني كنت معهم، فأفوز فوزاً عظيما، كأنه لم يكن بينكم وبينه مودة.

ب. الثاني: أن يكون اعتراضياً وموضعه التقديم، وتقديره فان أصابتكم مصيبة، قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيداً كأنه لم يكن بينكم، وبينه مودة، واختار هذا الوجه أبو علي النحوي.

ج. الثالث: أن يكون في موضعه على موضع الحال، كما تقول: مررت بزيد كأن لم يكن بينك وبينه معرفة فضلا عن مودة.

د. والزجاج أجاز الوجوه الثلاثة.

7. في معنى الآية قولان:

أ. أحدهما: قال الجبائي: المعنى ليقولن لهؤلاء الذين أقعدهم عن الجهاد، كأن لم يكن بينكم وبينه أي وبين محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم مودة، فيخرجكم لتأخذوا من الغنيمة، ليبغضوا إليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ب. الثاني: انه يقول قول الممنوع بالعداوة، وإنما أنى من جهله بتلك الحال، وهو الأظهر، والمعنى كأنه لم يعاقدكم على الايمان ولم يظهر لكم مودة على حال يخاطبون بذلك من أقعدوه من الخروج، ثم يقول من قبل نفسه: يا ليتني كنت معهم، وقال الحسين بن علي المغربي: المعنى ليس يتمنون الكون معهم في الخير، والشر، كأهل المودات، وإنما يتمنون ذلك عند الغنيمة كالبعداء يذمهم بسوء العهد مع سوء الدين.

8. انما نصب جواب التمني بالفاء، لأنه مصروف عن العطف محمول على تأويل المصدر، وتقديره يا ليتني كان لي حضور، معهم ففوز، ولو كان على العطف، لكان يا ليتني كنت معهم ففزت.

9. قرأ أبو جعفر المدني، وحفص، ورويس، والبرجمي: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ ـ بالتاء ـ لأن لفظة المودة مؤنثة، ومن قرأ بالياء، فلان التأنيث‏ ليس بحقيقي، ومع ذلك قد وقع فصل بين الفعل، والفاعل.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/255.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ بالطاء المشددة والمخففة بمعنى، يقال: تباطأ عن هذا الأمر وتثاقل، والإبطاء إطالة مدة العمل لقلة الانبعاث، ونقيضه الإسراع، يقال: أبطأ تأخر، وبطيء ثقيل، والتبطئة إذا أريد بها التثبيط، لا يعدى إلا بالباء، عن أبي مسلم، يقال: بطُؤَ مشيه، بُطْئًا وبِطاءً تبطئة.

ب. الإصابة: إصابة الغرض.

ج. الفوز: الظفر والغنيمة.

2. اختلف في سبب نزول الآيات الكريمة:

أ. قيل: نزلت في المنافقين، كانوا يثبطون الناس عن الجهاد، فإذا أصابتهم مصيبة قالوا قَوْلَ الشامت بهم تلك الكلمات، عن الحسن ومجاهد وقتادة وابن جريج وابن زيد والأصم وأبي علي.

ب. وقيل: نزلت في المؤمنين؛ لأنه ابتداء فقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ وقد قال في المنافقين ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ وعلى القول الآخر هو خطاب على الحذف كأنه قيل: وإن منكم على زعمه في الظاهر، أو في حكم الشرع، ونحو ذلك.

3. لما حث الله تعالى على الجهاد بين حال المثبطين، فقال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ يعني منكم جماعة ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾:

أ. قيل: يتخلفون عنه في الخروج، والمبطئ: المتخلف عما يجب عليه عن أبي مسلم.

ب. وقيل: يثبطون الغير عن الخروج مع الرسول عن الأصم.

4. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ قيل: جراح أو هزيمة ﴿قَالَ﴾ هذا المنافق المتخلف ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ﴾ شماتة بكم وسرورًا بتخلفه، قد أنعم الله علي بالقعود ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي حاضرًا في القتال فكان يصيبني ما أصابهم ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ يعني فتحًا وغنيمة يتحسر ويقول: يا ليتني كنت معهم.

5. اختلفوا في تقدير قوله تعالى: ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ على ثلاثة أقوال:

أ. الأول: أنه اعتراض بين القول والتمني، يعني يتمنون لا لنصرتكم، كأنه ليس بينكم وبينه مودة، ولكن يتمنى لنفع نفسه، تقديره: يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزًا عظيمًا من الغنيمة، كأن لم يكن بينكم وبينه مودة.

ب. الثاني: على التقديم والتأخير تقديره: فإن أصابتكم مصيبة قال: قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدًا كأن لم يكن بينكم وبينه مودة.

ج. الثالث: أن يكون في موضعه على معنى الحال كما تقول: مررت بزيد كأن لم يكن بينك وبينه معرفة فضلاً عن مودة.

د. وأجاز الأوجه الثلاثة الزجاج.

6. اختلفوا في قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ قول مَنْ؟

أ. فقيل: إنه حكاية عن المنافقين أنهم قالوا ذلك للذين أقعدوهم عن الجهاد، كأن لم يكن بينكم وبينه أي وبين محمد مودة، فيخرجكم معه لتأخذوا من الغنيمة؛ ليبغضوا إليهم رسول الله، صلّى الله عليه وآله وسلّم عن أبي علي.. وعلى هذا القول الكناية ترجع إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ب. وقيل: إنه كلام الله تعالى لا على سبيل الحكاية، يعني يقولون: هذا القول كأن لم يكن بينكم أيها المؤمنون وبين هذا المنافق مودة.. وعلى هذا القول الكناية ترجع إلى قائل هذا القول.

7. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾:

أ. قيل: كأنه لم يعاقدكم على الإيمان ولم يظهر لكم المودة بذلك.

ب. وقيل: كأنه لم يعاقدكم على أن يجاهدوا معكم.

ج. وقيل: كأنه ليس من أهل دينكم، ولا مودة بينكم عن مقاتل.

8. ﴿يَا لَيْتَنِي﴾ كلمة تمني يعني يتمنون ﴿كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ في تلك الغزوة ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أصيب غنيمة عظيمة، وآخذ حظًا وافرًا منها.

9. تدل الآيات الكريمة على:

أ. وصف المنافقين وتثبيطهم عن الجهاد وأفعالهم الخبيثة، وأنهم عند الفتح أوهموا أن تخلفهم من جهة الرسول؛ حيث لم يخرجهم لإفساد القلوب عليه، والتضريب بينه وبين المسلمين.

ب. معجزة للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حيث أخبر عن سرائرهم.

ج. عظم أمر الجهاد، وما يوجبه من الثواب الجزيل عند الله.

10. قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم، ويعقوب الحضرمي ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ بالتاء، يعني المودة، والباقون بالياء لتقدم الفعل.

11. مسائل لغوية ونحوية:

أ. اللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ لام الابتداء، وفي قوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لام القسم لدخول الأول على الاسم، والثانية على الفعل مع نون التأكيد.

ب. ﴿كَأنَ﴾ خففت النون؛ لأنك أردت ﴿كَأَنَّهُ﴾ فحذفت الهاء وخففت وصارت ﴿لَمْ﴾ عوضًا مما حذفت منه، ﴿فَأَفُوزَ﴾ نصب؛ لأنه جواب التمني بالفاء، وإنما نصب لأنه مصروف عن العطف محمول على تأويل المصدر بتقدير: يا ليتني كان لي حضور معهم [فأفوز]، ولو كان على العطف لقال: يا ليتني كنت معهم ففزت، ﴿فَوْزًا﴾ نصب على المصدر.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/700

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. التبطئة: التأخر عن الامر، يقال: ما بطأ بك عنا: أي ما أخرك عنا، ومثله الإبطاء: وهو إطالة مدة العمل لقلة الانبعاث، وضده الإسراع: وهو قصر مدة العمل للتدبير فيه، ويقال بطأ في مشيه يبطأ بطأ: إذا ثقل.

2. اختلف في سبب نزول الآيات الكريمة:

أ. قيل إنها نزلت في المؤمنين لأنه خاطبهم بقوله ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ وقد فرق بين المؤمنين والمنافقين بقوله ما هم منكم ولا منهم.

ب. وقال أكثر المفسرين نزلت في المنافقين وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب لا من جهة الايمان وهو اختيار الجبائي.

3. لما حث الله على الجهاد، بين حال المتخلفين عنه فقال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾، خاطب المؤمنين، ثم أضاف المنافقين إليهم فقال: ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾: أي هم منكم في الحال الظاهرة، أو في حكم الشريعة، من حقن الدم، والمناكحة، والموارثة، وقيل: منكم: أي من عدادكم ودخلائكم ويبطئ ويبطئ بالتشديد والتخفيف معناهما واحد: أي من يتأخر عن الخروج مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

4. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ فيه من قتل أو هزيمة، قال قول الشامت المسرور بتخلفه ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾: أي شاهدا حاضرا في القتال، فكان يصيبني ما أصابهم، وقال الصادق عليه السلام: (لو أن أهل السماء والأرض قالوا: قد أنعم الله علينا إذ لم نكن مع رسول الله لكانوا بذلك مشركين)، ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾: أي فتح، أو غنيمة ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ يتحسر ويقول: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾

5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾:

أ. قيل: اعتراض يتصل بما تقدمه وتقديره قال قد أنعم الله علي إذ لم أكن معهم شهيدا، ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾: أي لا يعاضدكم على قتال عدوكم، ولا يراعي الذمام الذي بينكم، عن أبي علي الفارسي.

ب. وقيل: إنه اعتراض بين القول والتمني، وتقديره ليقولن ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ من الغنيمة ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾، (كأنه ليس بينكم وبينه مودة): أي يتمنى الحضور، لا لنصرتكم، وإنما يتمنى النفع لنفسه.

ج. وقيل: إن الكلام في موضعه من غير تقديم وتأخير، ومعناه: ولئن أصابكم فضل من الله، ليقولن هذا المبطئ قول من لا تكون بينه وبين المسلمين مودة: أي كأنه لم يعاقدكم على الايمان، ولم يظهر لكم مودة على حال: يا ليتني كنت معهم: أي يتمنى الغنيمة دون شهود الحرب، وليس هذا من قول المخلصين، فقد عدوا التخلف في إحدى الحالتين نقمة من الله، وتمنوا الخروج معهم في إحدى الحالتين، لأجل الغنيمة، وليس ذلك من إمارات المودة، وعلى هذا فيكون قوله ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في موضع النصب على الحال.

د. وقال أبو علي الجبائي: إنه حكاية عن المنافقين، قالوا للذين أقعدوهم عن الجهاد: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾: أي بين محمد مودة، فتخرجوا معه لتأخذوا معه من الغنيمة، وإنما قالوا ذلك ليبغضوا إليهم رسول الله ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ وهذا التمني من قول المبطئين القاعدين تمنوا أن يكونوا معهم في تلك الغزوة، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾: أي أصيب غنيمة عظيمة، وآخذ حظا وافرا منها.

6. قراءات ووجوه:

أ. قرأ أهل الكوفة، غير حفص، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، غير هشام (كأن لم يكن) بالياء، والباقون ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ بالتاء.. من قرأ بالياء فلان التأنيث غير حقيقي، وحسن التذكير للفصل الواقع بين الفاعل والفعل، ومثل التذكير: ﴿وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ﴾ ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ وفي موضع آخر: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ فكلا الامرين قد جاء التنزيل به.

ب. روي في الشواذ بالياء عن الحسن ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بضم اللام.. من قرأ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بالضم فإنه أعاد الضمير إلى معنى ﴿مِنَ﴾ مثل قوله ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ﴾ فإن قوله: ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لا يعني به رجل واحد، وإنما معناه أن هناك جماعة هذه صفتهم.

ج. روي عن يزيد النحوي، والحسن: ﴿فَأَفُوزَ﴾ بالرفع.. على أن يتمنى الفوز، فكأنه قال: يا ليتني أفوز، ولو جعله جوابا لنصبه أي: إن أكن معهم أفز.

7. مسائل لغوية ونحوية:

أ. اللام الأولى التي في قوله ﴿لِمَنْ﴾: لام إن التي هي لام الابتداء، بدلالة دخولها على الاسم، والثانية التي في ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾: لام القسم، بدلالة دخولها على الفعل مع نون التأكيد.

ب. من موصولة بالجالب للقسم وتقديره وإن منكم لمن حلف بالله ليبطئن، وإنما جاز صلة من بالقسم، ولم يجز بالأمر والنهي، لان القسم خبر يوضح الموصول، كما يوضح الموصوف في قولك: مررت برجل لتكرمنه، لأنك خصصته بوقوع الاكرام به في المستقبل، من كل رجل غيره، وليس كذلك في قولك: مررت برجل اضربه، لأنه لا يتخصص بالضرب في الامر، كما يتخصص بالخبر (كأن) خففت النون لأنك أردت كأنه، فحذفت الهاء، وصارت (لم) عوضا مما حذفت منه.

ج. ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملة اعترضت بين المفعول وفعله، فإن قوله: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾، في موضع نصب بكونه مفعول يقولن كما أن قوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ في موضع نصب بكونه مفعول.

د. ﴿فَأَفُوزَ﴾ منصوب على جواب التمني بالفاء، وانتصابه بإضمار أن فيكون عطف اسم على اسم، وتقديره: يا ليتني كان لي حضور معهم ففوز، ولو كان العطف على ظاهره لكان: يا ليتني معهم ففزت.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/114.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. اختلفوا فيمن نزل قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ على قولين:

أ. أحدهما: أنها في المنافقين، كعبد الله بن أبيّ، وأصحابه كانوا يتثاقلون عن الجهاد، فإن لقيت السّريّة نكبة، قال من أبطأ منهم: لقد أنعم الله عليّ، وإن لقوا غنيمة، قال يا ليتني كنت معهم، هذا قول ابن عباس، وابن جريج.

ب. الثاني: أنها نزلت في المسلمين الذين قلّت علومهم بأحكام الدّين، فتثبّطوا لقلّة العلم، لا لضعف الدّين، ذكره الماورديّ وغيره، فعلى الأوّل تكون إضافتهم إلى المؤمنين بقوله (منكم) لموضع نطقهم بالإسلام، وجريان أحكامه عليهم، وعلى الثاني تكون الإضافة حقيقة.

2. قال ابن جرير: اللام في‏ ﴿لِمَنْ﴾ لام تأكيد، قال الزجّاج: واللام في‏ ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لام القسم، كقولك: إنّ منكم لمن أحلف بالله ليبطّئنّ، يقال: (أبطأ الرّجل) و(بطؤ) فمعنى (أبطأ): تأخّر، ومعنى (بطؤ): ثقل، وقرأ أبو جعفر: (ليبطّئن) بتخفيف الهمزة.

3. في معنى (ليبطّئنّ) قولان:

أ. أحدهما: ليبطّئنّ هو نفسه، وهو قول ابن عباس.

ب. الثاني: ليبطّئنّ غيره، قاله ابن جريج.

4. قال ابن عباس: و(المصيبة): النّكبة، و(الفضل من الله): الفتح والغنيمة.

5. ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ قرأ ابن كثير، وحفص، والمفضّل، عن عاصم: (كأن لم تكن) بالتاء، لأن الفاعل المسند إليه مؤنّث في اللفظ، وقرأ نافع، وحمزة، والكسائيّ، وأبو بكر، عن عاصم: يكن بالياء، لأن التّأنيث ليس بحقيقي، قال الزجّاج: يجوز أن يكون المعنى: ليقولنّ يا ليتني كنت معهم، كأن لم يكن بينكم وبينه مودّة، أي: كأنّه لم يعاقدكم على أن يجاهد معكم، ويجوز أن يكون هذا الكلام معترضا به، فيكون المعنى: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولنّ يا ليتني كنت معهم فإن أصابتكم مصيبة، قال قد أنعم الله عليّ، كأن لم يكن بينكم وبينه مودّة، فيكون معنى (المودّة) أي: كأنّه لم يعاقدكم على الإيمان.

__________

(1) زاد المسير: 1/432.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾:

أ. قيل: يجب أن يكون راجعا إلى المؤمنين الذين ذكرهم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾، وقيل إن هؤلاء المبطئين كانوا ضعفة المؤمنين وهو اختيار جماعة من المفسرين، وقالوا: التبطئة بمعنى الإبطاء أيضا، وفائدة هذا التشديد تكرر الفعل منه، وحكى أهل اللغة أن العرب تقول: ما أبطأ بك يا فلان عنا، وإدخالهم الباء يدل على أنه في نفسه غير متعد، فعلى هذا معنى الآية أن فيهم من يبطئ عن هذا الغرض ويتثاقل عن هذا الجهاد، فإذا ظفر المسلمون تمنوا أن يكونوا معهم ليأخذوا الغنيمة، وإن أصابتهم مصيبة سرهم أن كانوا متخلفين، وهؤلاء هم الذين أرادهم الله بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 38] والذي يدل على أن المراد بقوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الإبطاء منهم لا تثبيط غيرهم، ما حكاه تعالى من قولهم: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ عند الغنيمة، ولو كان المراد منه تثبيط الغير لم يكن لهذا الكلام معنى، وطعن القاضي في هذا القول وقال: انه تعالى حكى عن هؤلاء المبطئين أنهم يقولون عند مصيبة المؤمنين: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ فيعد قعوده عن القتال نعمة من الله تعالى، ومثل هذا الكلام انما يليق بالمنافقين لا بالمؤمنين، وأيضا لا يليق بالمؤمنين أن يقال لهم: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ﴾ يعني الرسول: ﴿مَوَدَّةً﴾ فثبت أنه لا يمكن حمله على المؤمنين، وإنما يمكن حمله على المنافقين، ثم قال: فان حمل على أنه من الإبطاء والتثاقل صح في المنافقين، لأنهم كانوا يتأخرون عن الجهاد ويتثاقلون ولا يسرعون إليه، وإن حمل على تثبيط الغير صح أيضا فيهم، فقد كانوا يثبطون كثيرا من المؤمنين بما يوردون عليهم من أنواع التلبيس، فكلا الوصفين موجود في المنافقين، وأكثر المفسرين حمله على تثبيط الغير، فكأنهم فصلوا بين أبطأ وبطأ، فجعلوا الأول لازما، والثاني متعديا، كما يقال في أحب وحب، فان الأول لا زم، والثاني متعد.

ب. وقيل: المراد منه المنافقون كانوا يثبطون الناس عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

2. سؤال وإشكال: قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ تقديره: يا أيها الذين آمنوا إن منكم لمن ليبطئن، فإذا كان هذا المبطئ منافقا فكيف جعل المنافق قسما من المؤمن في قوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾؟ والجواب: من وجوه:

أ. الأول: أنه تعالى جعل المنافق من المؤمنين من حيث الجنس والنسب والاختلاط.

ب. الثاني: أنه تعالى جعلهم من المؤمنين بحسب الظاهر لأنهم كانوا في الظاهر متشبهين بأهل الايمان.

ج. الثالث: كأنه قيل: يا أيها الذين آمنوا في زعمكم ودعواكم كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ﴾ [الحجر: 6]

3. ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ قال الزجاج: (من) في قوله: ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ موصولة بالحال للقسم كأن هذا لو كان كلاما لك لقلت إن منكم لمن حلف بالله ليبطئن.

4. ثم قال تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني من القتل والانهزام وجهد من العيش، يعني لم أكن معهم شهيدا حاضرا حتى يصيبني ما أصابهم من البلاء والشدة ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ من ظفر وغنيمة ليقولن: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

5. قراءات ووجوه:

أ. قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم‏ ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ بالتاء المنقطة من فوق يعني المودة، والباقون بالياء لتقدم الفعل، قال الواحدي: وكلا القراءتين قد جاء به التنزيل، قال: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [يونس: 57] وقال في آية أخرى: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 275] فالتأنيث هو الأصل والتذكير يحسن إذا كان التأنيث غير حقيقي، سيما إذا وقع فاصل بين الفعل والفاعل.

ب. قرأ الحسن‏ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بضم اللام أعاد الضمير إلى معنى (من) لأن قوله: ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ في معنى الجماعة، إلا أن هذه القراءة ضعيفة لأن (من) وإن كان جماعة في المعنى لكنه مفرد في اللفظ، وجانب الإفراد قد ترجح في قوله: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ [النساء: 72] وفي قوله: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

6. سؤال وإشكال: لو كان التنزيل هكذا: ولئن أصابكم فضل من الله ليقولن يا ليتني كنت معهم فأفوز فوزا عظيما كان النظم مستقيما حسنا، فكيف وقع قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ في البين؟ والجواب: أنه اعتراض وقع في البين وهو في غاية الحسن، بيانه أنه تعالى حكى عن هذا المنافق أنه إذا وقعت للمسلمين نكبة أظهر السرور الشديد بسبب أنه كان متخلفا عنهم، ولو فازوا بغنيمة ودولة أظهر الغم الشديد بسبب فوات تلك الغنيمة، ومثل هذه المعاملة لا يقدم عليها الإنسان إلا في حق الأجنبي العدو، لأن من أحب إنسانا فرح عند فرحه وحزن عند حزنه، فاما إذا قلبت هذه القضية فذاك إظهار للعداوة.

7. حكى الله تعالى عن هذا المنافق سروره وقت نكبة المسلمين، ثم أراد أن يحكي حزنه عند دولة المسلمين بسبب أنه فاته الغنيمة، فقبل أن يذكر هذا الكلام بتمامه ألقى في البين قوله: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ والمراد التعجب كأنه تعالى يقول: انظروا إلى ما يقول هذا المنافق كأنه ليس بينكم أيها المؤمنون وبينه مودة ولا مخالطة أصلا، فهذا هو المراد من الكلام، وهو وإن كان كلاما واقعا في البين على سبيل الاعتراض إلا أنه في غاية الحسن.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/139.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ يعني المنافقين، والتبطئة والإبطاء التأخر، تقول: ما أبطأك عنا، فهو لازم، ويجوز بطأت فلانا عن كذا أي أخرته، فهو متعد، والمعنيان مراد في الآية، فكانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم، والمعنى أن من دخلائكم وجنسكم وممن أظهر إيمانه لكم، فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم.

2. اللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾ لام توكيد، والثانية لام قسم، و﴿مِنْ﴾ في موضع نصب، وصلتها ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لأن فيه معنى اليمين، والخبر ﴿مِنْكُمْ﴾، وقرأ مجاهد والنخعي والكلبي ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ بالتخفيف، والمعنى واحد.

3. قيل: المراد بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ بعض المؤمنين، لأن الله خاطبهم بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ وقد فرق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله: ﴿وَمَا هُمْ مِنْكُمْ﴾ وهذا يأباه مساق الكلام وظاهره، وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بينا لا من جهة الإيمان، هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، والله أعلم، يدل عليه قوله: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي قتل وهزيمة ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ﴾ يعني بالقعود، وهذا لا يصدر إلا من منافق، لا سيما في ذلك الزمان الكريم، بعيد أن يقول مؤمن، وينظر إلى هذه الآية ما رواه الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إخبارا عن المنافقين (إن أثقل صلاة عليهم صلاة العشاء وصلاة الفجر ولو يعلمون ما فيهما لا توهما ولو حبوا) الحديث، في رواية (ولو علم أحدهم أنه يجد عظما سمينا لشهدها) يعني صلاة العشاء، يقول: لو لاح شي من الدنيا يأخذونه وكانوا على يقين منه لبادروا إليه، وهو معنى قوله: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللهِ﴾ أي غنيمة وفتح ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هذا المنافق قول نادم حاسد ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ فالكلام فيه تقديم وتأخير.

4. وقيل: المعنى ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي كأن لم يعاقدكم على الجهاد، وقيل: هو في موضع نصب على الحال، وقرأ الحسن (ليقولن) بضم اللام على معنى ﴿مِنْ﴾، لأن معنى قوله: ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ليس يعني رجلا بعينه، ومن فتح اللام أعاد فوحد الضمير على لفظ ﴿مِنْ﴾، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ بالتاء على لفظ المودة، ومن قرأ بالياء جعل مودة بمعنى الود.

5. قول المنافق ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾ على وجه الحسد أو الأسف على فوت الغنيمة مع الشك في الجزاء من الله، ﴿فَأَفُوزَ﴾ جواب التمني ولذلك نصب، وقرأ الحسن ﴿فَأَفُوزَ﴾ بالرفع على أنه تمنى الفوز، فكأنه قال: يا ليتني أفوز فوزا عظيما، والنصب على الجواب، والمعنى إن أكن معهم أفز، والنصب فيه بإضمار ﴿أَنْ﴾ لأنه محمول على تأويل المصدر، التقدير يا ليتني كان لي حضور ففوز.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/276.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ التبطئة والإبطاء: التأخر، والمراد: المنافقون كانوا يقعدون عن الخروج ويقعدون غيرهم، والمعنى: أن من دخلائكم وجنسكم، ومن أظهر إيمانه لكم نفاقا، من يبطئ المؤمنين ويثبطهم.

2. اللام في قوله: ﴿لِمَنْ﴾، وفي قوله: ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لام جواب القسم، و(من) في موضع نصب، وصلتها: الجملة، وقرأ مجاهد، والنخعي، والكلبي‏ ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ بالتخفيف.

3. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ من قتل أو هزيمة أو ذهاب مال، قال هذا المنافق: قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم حتى يصيبني ما أصابهم‏ ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ غنيمة أو فتح‏ ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ هذا المنافق قول نادم حاسد: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

4. ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملة معترضة بين الفعل الذي هو ليقولن وبين مفعوله، وهو: ﴿يَا لَيْتَنِي﴾، وقيل: إن في الكلام تقديما وتأخيرا، وقيل: المعنى: ليقولن كأن لم تكن بينكم وبينه مودّة، أي: كأن لم يعاقدكم على الجهاد؛ وقيل: هو في موضع نصب على الحال، وقرأ الحسن: ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ بضم اللام على معنى من، وقرأ ابن كثير وحفص عن عاصم: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾: بالتاء، على لفظ المودّة.

5. ﴿فَأَفُوزَ﴾ بالنصب، على جواب التمني، وقرأ الحسن: ﴿فَأَفُوزَ﴾ بالرفع.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/562.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنَّ مِنكُمْ﴾ يا عسكر محمَّد صلّى الله عليه وآله وسلّم ، الشامل للمؤمنين والمنافقين، لكنِ المبطِّئون المنافقون ﴿لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ﴾ المؤمنين، جملة (والله ليبطِّئنَّ) صِلَة (مَنْ)، وساغ جعْلُ القَسَم صِلَة مع أنَّه إنشاءٌ مراعاةً لجوابه وهو إخبار، واللام الثانية في جواب القسم، ولو كانت زائدة ـ كما قيل ـ لم يصحَّ توكيد الفعل بالنون، أي: يحمل المؤمنين على البُطء عن الجهاد، أي: التأخير عنه، أو مِن بطَّأ بالشدِّ مع اللزوم، أي: يَبْطَأُ بنفسه عن الجهاد ويتأخَّر عنه، كما تأخَّر عبد الله بن أُبيِّ بن سلول عن الجهاد يوم أُحد وأخَّر غيرَه ولو بعد الخروج.

2. ﴿فَإِنَ اَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ﴾ كقتل وجرح وهزيمة وفساد مال وأخذه ﴿قَالَ قَدَ اَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمَ اَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾ حاضرًا فيصيبني ما أصابهم ﴿وَلَئِنَ اَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ عظيم، لقوله: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الآية: 73]، ﴿مِنَ اللهِ﴾ كفتح وغنْمٍ، وقتلٍ للعدوِّ، وهزمه، أضاف الفضل إلى الله تعالى دون المصيبة مع أنَّهما منه؛ لأنَّ الخير كلَّه امتنان منه، بخلاف المضرَّة، فإِنَّ الإنسان يستحقُّها، وكذا في سائر القرآن، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ﴾ [الشعراء: 80]، وقدَّم الإصابة الأولى لأنَّها غرض المنافق الذي الكلام فيه.

3. ﴿لَيَقُولَنَّ﴾ قولاً أكيدًا لشدَّة تحسُّره وندمه: ﴿كَأَن﴾ أي: كأنَّه والهاء للشأن أو للقائل، وليست عاملة في المحذوف على المشهور ولكن قَدَّرْتُهُ، وقيل بعملها إذا خُفِّفت، ﴿لَمْ يَكُن بَيْنَكُمْ﴾ أيُّها المؤمنون ﴿وَبَيْنَهُ﴾ بين القائل ﴿مَوَدَّةٌ﴾ محَبَّة، والجملة حال، أو معترضة من كلام الله تعالى بين القول والمقول، وحكمة الاعتراض أو الحال التلويح إلى أن غمَّهم لفوز المسلمين شديدٌ، كأنَّهم أجانب أعداء، إذ كانوا بمسرَّة عظيمة إذا أصيب المسلمون، وقيل: ﴿كَأَن لَّمْ يَكُن﴾ إلخ من كلام القائل، والخطاب لضعفاء المؤمنين والمنافقين، سعيًا في إيقاع العداوة بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أو ليقولنَّ المبطِّئُ لمن يـبطِّئه من المنافقين أو ضَعَفة المؤمنين: كأن لم يكن بينكم وبين رسول الله مودَّة حيث لم يستصحبكم معه في الغزو حتَّى تفوزوا بما فاز به المستصحبون: يا ليتني كنت.. إلخ.

4. ﴿يَا لَيْتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ﴾ أي: انتبهوا ليتني، أو يا قوم ليتني كنت معهم، وليست متعلِّقة بقوله: ﴿قَالَ قَدَ اَنْعَمَ اللهُ عَلَيَّ إِذْ لَمَ اَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا﴾، لإقحامه في جملة أخرى، ولو كان مناسبًا من حيث المعنى، ﴿فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ بحظٍّ من الغنيمة إن كانت، وبشهرة أنَّه مِمَّن حضر فتح كذا، وممَّن هزم العدوَّ وقتله، والمتبادر أنَّ المراد بالفضل الغنيمة، وبالفوز: أخذ الحظِّ منها، والآية تنادي أن لا مواصلة بينكم وبين المنافقين، وإنَّما يكونون معكم لمجرَّد المال، وسترا على أنفسهم، فالمراد بالمودَّة ما يظهر منها والأمر بخلافها.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/223.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أي: ليتثاقلن وليتخلفن عن الجهاد والخروج مع الجماعة لنفاق، أو معناه: ليثبطن غيره، كما كان المنافقون يثبطون غيرهم، وكان هذا ديدن المنافق عبد الله بن أبيّ، وهو الذي ثبط الناس يوم أحد، وقد روي عن كثير من التابعين أن الآية نزلت في المنافقين، فإن ما حكي عنهم هو دأبهم، وقيل: الخطاب للمؤمنين وقوفا مع صدر الآية، فإن قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، ثم قال: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾، وقد قال تعالى في المنافقين: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ﴾، قال الحاكم: والتقدير على القول الأول: وإنّ منكم، على زعمه، في الظاهر أو في حكم الشرع.

2. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ كهزيمة، وشهادة، وغلب العدوّ لكم، لما لله في ذلك من الحكمة ﴿قَالَ﴾ أي: المبطئ فرحا بصنعه، ومعجبا برأيه‏ ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ بالقعود ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي حاضرا في المعركة، فيصيبني ما أصابهم، يعدّ ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر، أو الشهادة إن قتل.

3. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ كفتح، وغنيمة، ونصر، وظفر، ونسبة إصابة الفضل إلى جنابه تعالى، دون إصابة المصيبة، من العادات الشريفة التنزيلية، كما في قوله تعالى: ﴿وإِذا مَرِضْتُ فَهُوَيَشْفِينِ‏﴾ [الشعراء: 80]

4. ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ندامة على تثبطه وقعوده، وتهالكا على حطام الدنيا، وتحسّرا على فواته‏ ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ أي: صلة في الدين، ومعرفة بالصحبة ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ فأصيب غنائم كثيرة، وحظّا وافرا.

5. قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ﴾، إلخ، اعتراض بين الفعل وهو ﴿لَيَقُولُنَّ﴾ ومفعوله وهو ﴿يَا لَيْتَنِي﴾.. للتنبيه على ضعف عقيدتهم، وأن قولهم هذا قول من لم تتقدم له معكم موادّة، لأن المنافقين كانوا يوادّون المؤمنين ويصادقونهم في الظاهر، وإن كانوا يبغون لهم الغوائل في الباطن، وفيه تعجيب أيضا من قولهم المذكور، قال بعض المفسرين: ثمرة ذلك تأكيد وجوب الجهاد وتحريم التثبيط عنه.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/222.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ الخطاب لمجموع المؤمنين في الظاهر وفيهم المنافقون وضعاف الإيمان والجبناء وهم الأقل، فالمنافقون يرغبون عن الحرب لأنهم لا يحبون بقاء الإسلام وأهله فيدافعوا عنه ويحموا بيضته، فكان هؤلاء يبطئون عن القتال ويبطئون غيرهم عن النفر إليه، والآخرون يبطئون بأنفسهم فقط، والتبطيء يطلق على الإبطاء وعلى الحمل على البطء معا، والبطء التأخر عن الانبعاث في السير، قال محمد عبده: أي يبطئ هو عن السير إبطاء لضعف في إيمانه والإتيان بصيغة التشديد للمبالغة في الفعل وتكراره وليس معناه أن يحمل غيره على البطء، فإن الخطاب للمؤمنين وهذا لا يصدر عن مؤمن، ويقال في اللغة) بطأ) بالتشديد (لازم) بمعنى أبطأ.

2. وقد شرح الله حال هذا القسم من الضعفاء توبيخا لهم وإزعاجا إلى تطهير نفوسهم وتزكيتها فقال: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ فشكره لله على عدم شهوده لتلك الحرب دليل على عدم إيمانه، ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ كالظفر والغنيمة ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي ليقولن قول من ليس منكم، ولا جمعته مودة بكم، يا ليتني كنت معهم فأفوز بذلك الفضل فوزهم، فهو قد نسي أنه كان أخا لكم، وكان من شأنه أن يخرج معكم، وما منعه أن يخرج إلا ضعف إيمانه، ثم إن تمنيه بعد الظفر أو الغنيمة لو كان معكم دليل على ضعف عقله وكونه ممن يشرون الحياة الدنيا بالآخرة وهم الذين تشير إليهم الآية التالية.

3. هذا ما اختاره محمد عبده في الآية وهو أحد قولين للمفسرين رجحوه بكون الخطاب للذين آمنوا ثم بقوله: ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ ولم يقل فيكم ربما في معناه من قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [التوبة: 38] والقول الثاني أن هؤلاء المبطئين هم المنافقون لأن هذه الصفات لا تكون إلا لهم فإن المؤمن مهما كان ضعيف الإيمان لا يقول هذا القول عند مصيبة المؤمنين ولا يعد من نعم الله عليه أنه لم يكن معهم شهيدا، بل يستحي من الله عز وجل ويلوم نفسه أن أطاعت داعي الجبن ويستغفر ربه من ذلك، ولا يكون شديد الشره والحرص على المشاركة في الفوز والغنيمة، فالآية في المنافقين سواء كان التبطيء فيها لازما بمعنى الإبطاء أو متعديا بمعنى حمل الناس عليه، وقد أسند الله تعالى كلا المعنيين إلى المنافقين في عدة آيات، والظاهر هنا معنى الإبطاء عن الخروج إذ لو بطأ غيره وخرج هو لكان قد شهد الحرب فلا معنى لسروره إذا أصيبوا، ولا لتمنيه لو كان معهم إذا ظفروا، ويصح أن يقال أن من أبطأ يبطئ غيره بإبطائه إذ يكون قدوة رديئة لمثله من منافق أو جبان، ويبطئه أيضا بقوله حتى لا ينفرد بهذا الذنب، فإن الفضيحة والمؤاخذة على المنفرد أشد، وإذا كثر المذنبون يتعسر أو يتعذر عقابهم، ولأجل هذا تتألف العصابات في هذا الزمان للأعمال التي يعاقب عليها الحكام، ولفظ التبطيء يدل على كونه يبطئ غيره بسبب إبطائه، فهو أبلغ من غيره.

4. هؤلاء الذين اختاروا أن المبطئ هو المنافق قد أجابوا عن جعله من المؤمنين بقوله تعالى لهم: ﴿مِنْكُمْ﴾ بأنه منهم بالزعم والدعوى أو في الظاهر دون الباطن لأنه كان يعامل معاملة المؤمنين وتجري عليه أحكامهم، وزاد بعضهم وجها ثالثا وهو أنه منهم في الجنس والنسب والاختلاط، وليس بشيء.

5. يجزم هؤلاء بأن الإيمان ينافي ما ذكر من التبطيء عن القتال من معنييه مع ذينك القولين عند المصيبة، وعند الظفر والغنيمة، فإن من يبطئ ويقول ذلك لا يكون له هم ولا عناية بأمر دينه، وإنما أكبر همه شهواته وربحه من الدين، حتى أنه يعد مصيبة المسلمين نعمة إذا لم يصبه سهم منها، فليحاسب المسلمون في هذا الزمان أنفسهم، ليزنوا بهذه الآيات إيمانهم.

6. ثم إن قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملة معترضة بين القول ومقوله، وذكر المودة هنا نكرة منفية في سياق التشبيه في أوج البلاغة الأعلى فهي كلمة لا تدرك شأوها كلمة أخرى ولا تنتهي إلى غورها في التأثير، ذلك بأن قائل ذلك القول الذي لا يقوله من كان بينه وبين المؤمنين مودة ما معدود من المؤمنين الذين هم بنص كتاب الله إخوة بعضهم أولياء بعض، وبنص حديث رسول الله تتكافأ دماؤهم، ويجير عليهم أدناهم، وهم كأعضاء الجسم الواحد وكالبنيان يشد بعضه بعضا، فإذا كان هذا مكان كل مؤمن من سائر المؤمنين، فكيف يصدر عن أحد منهم مثل ذلك القول وذلك التمني الذي يشعر بأن صاحبه لا يرى نعمة الله وفضله على المؤمنين نعمة وفضلا عليه، وهو لا يعقل أن يصدر عمن كان بينه وبينهم مودة ما ولو قليلة في زمن ما ولو بعيدا، أعني أن قليلا من المودة كان في وقت ما ينبغي أن يمنع عن مثل ذلك التمني، وفي هذا من التقريع والتوبيخ بألطف القول وأرق العبارة ما لا يقدر على مثله بلغاء البشر، ومن فوائده أن يؤثر في نفس من يذوقه التأثير الذي لا يدنوا من مثله النبز بالألقاب والطعن بهجر القول، التأثير الذي يحمل صاحبه على التأمل والتفكر في حقيقة حاله، ومعاتبة نفسه، فإن كان فيه بقية من الرجاء تاب إلى ربه، ورجع كله إلى حقيقة دينه، هذه هي فائدة تلك الجملة المعترضة ويا لله ما أعجب التشبيه فيها ونفي الكون وتنكير المودة، إنك إن تعط ذلك حقه من التأمل، ويؤتك ذوق الكلام قسطه من البلاغة، فقد أوتيت آية من آيات الفرق بين كلام الخالق وكلام المخلوقين، وكشف لك عن سر من أسرار عجز البشر عن الإتيان بمثل هذا الكتاب المبين.

7. قرأ ابن كثير وحفص عن عاصم ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ﴾ بالتاء، والباقون (يكن) بالياء، ومثل ذلك معروف في التنزيل وكلام العرب فتأنيث الفعل هو الأصل لأن المسند إليه مؤنث، ولكن التأنيث فيه لفظي لا حقيقي ولهذا جاز تذكير الفعل وحسن، ويكثر مثله ولا سيما في حال الفصل أي إذا فصل بين الفعل وفاعله أو اسمه فاصل، ومن الأول قوله: ﴿قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ ومن الثاني ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ﴾ [البقرة: 275] ذكر الفعل وقد فصل بينه وبين فاعله بالضمير الذي هو المفعول.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/255.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ أي ليتثاقلن ويتأخرنّ عن الجهاد، والخطاب لجماعة المؤمنين بحسب الظاهر، ومنهم المنافقون وضعفة الإيمان والجبناء؛ فالمنافقون يرغبون عن الحرب، لأنهم لا يحبون أن يبقى الإسلام وأهله ولا أن يدافعوا عنه، ويحموا بيضته‏ فهم يبطّئون عن القتال ويبطئون غيرهم عن النفر إليه، والجبناء وضعفة الإيمان يبطئون بأنفسهم عن القتال خورا وخوفا من صليل السيوف ومن الكرّ والفر ومقابلة العدو وهو شاكى السلاح.

2. ثم فصل أحوال هؤلاء الضعفاء فقال: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي قال ذلك المبطّئ فرحا بما فعل حامدا رأيه شاكرا ربه، إذا أصابتكم المصيبة من قتل أو هزيمة ـ إن الله قد أنعم علىّ بالقعود فلم أكن حاضرا معهم فيصيبنى مثل ما أصابهم من البلاء والشدة.

3. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أي ولئن منّ الله عليكم بالظفر وفتح البلاد فغنمتم وأخذتم السبايا والأسرى ليقولن قول من ليس منكم ومن لم تجمعه مودة بكم ـ ليتنى كنت معهم فأفوز كما فازوا، فهو قد نسى ما يجب عليه من مدّ يد المعونة إليكم وبذل كل ما يمكنه من نفس أو مال ليتمّ ذلك الظفر.

4. ولكن ضعف إيمانه أو جبنه منعه عن هذا، إذ هذا التمني بعد فوات الفرصة دليل على ضعف العقل وكونه ممن يشرى الحياة الدنيا بالآخرة، وفي قوله: كأن لم تكن بينكم وبينه مودة تقريع وتوبيخ بألطف القول وأرقّ العبارة، إذ أن قليلا من المودة كان ينبغي أن يمنع مثل هذا التمني وأن يعد هذا الإحجام نعمة، فهذا يشعر بأن صاحبه لا يرى نعمة الله على المؤمنين نعمة وفضلا عليه، ولا ما يصيبهم من جهد وبلاء كأنه يصيبه هو، مع أن القرآن يصرح بأن المؤمنين إخوة، والحديث يدل على أنهم كأعضاء الجسم الواحد وكالبنيان يشد بعضه بعضا، ومن فوائد هذا الأسلوب أنه يؤثر في نفس سامعه تأثيرا لا يدنو من مثله الطعن بهجر القول، إذ يدعو صاحبه إلى التأمل والتفكر في حقيقة حاله ومعاتبة نفسه، والتوبة إلى ربه، والرجوع إلى أوامر دينه.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/89.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. انفروا جماعات نظامية، أو انفروا جميعا، ولا ينفر بعضكم ويتثاقل بعضكم ـ كما هو واقع ـ وخذوا حذركم، لا من العدو الخارجي وحده؛ ولكن كذلك من المعوقين المبطئين المخذلين؛ سواء كانوا يبطئون أنفسهم ـ أي يقعدون متثاقلين ـ أو يبطئون غيرهم معهم؛ وهو الذي يقع عادة من المخذّلين المثبطين!

2. ولفظة ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ مختارة هنا بكل ما فيها من ثقل وتعثر؛ وإن اللسان ليتعثر في حروفها وجرسها، حتى يأتي على آخرها، وهو يشدها شدا؛ وإنها لتصور الحركة النفسية المصاحبة لها تصويرا كاملا بهذا التعثر والتثاقل في جرسها، وذلك من بدائع التصوير الفني في القرآن، الذي يرسم حالة كاملة بلفظة واحدة.

3. وكذلك يشي تركيب الجملة كلها: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾، بأن هؤلاء المبطئين ـ وهم معدودون من المسلمين ـ (منكم) يزاولون عملية التبطئة كاملة، ويصرون عليها إصرارا، ويجتهدون فيها اجتهادا.. وذلك بأسلوب التوكيد بشتى المؤكدات في الجملة! مما يوحي بشدة إصرار هذه المجموعة على التبطئة، وشدة أثرها في الصف المسلم؛ وشدة ما يلقاه منها! ومن ثم يسلط السياق الأضواء الكاشفة عليهم، وعلى دخيلة نفوسهم؛ ويرسم حقيقتهم المنفرة، على‏ طريقة القرآن التصويرية العجيبة:

أ. فها هم أولاء، بكل بواعثهم، وبكل طبيعتهم وبكل أعمالهم وأقوالهم.. ها هم أولاء مكشوفين للأعين، كما لو كانوا قد وضعوا تحت مجهر، يكشف النوايا والسرائر؛ ويكشف البواعث والدوافع.

ب. ها هم أولاء ـ كما كانوا على عهد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وكما يكونون في كل زمان وكل مكان.

ج. ها هم أولاء، ضعافا منافقين ملتوين؛ صغار الاهتمامات أيضا: لا يعرفون غاية أعلى من صالحهم الشخصي المباشر، ولا أفقا أعلى من ذواتهم المحدودة الصغيرة، فهم يديرون الدنيا كلها على محور واحد، وهم هم هذا المحور الذي لا ينسونه لحظة! إنهم يبطئون ويتلكئون، ولا يصارحون، ليمسكوا العصا من وسطها كما يقال!

4. وتصورهم للربح والخسارة هو التصور الذي يليق بالمنافقين الضعاف الصغار: يتخلفون عن المعركة.. فإن أصابت المجاهدين محنة، وابتلوا الابتلاء الذي يصيب المجاهدين ـ في بعض الأحايين ـ فرح المتخلفون؛ وحسبوا أن فرارهم من الجهاد، ونجاتهم من الابتلاء نعمة: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾

5. إنهم لا يخجلون ـ وهم يعدون هذه النجاة مع التخلف نعمة ـ أن ينسبوها لله، الله الذي خالفوا عن أمره فقعدوا! والنجاة في هذه الملابسة لا تكون من نعمة الله أبدا، فنعمة الله لا تنال بالمخالفة، ولو كان ظاهرها نجاة! إنها نعمة! ولكن عند الذين لا يتعاملون مع الله، عند من لا يدركون لماذا خلقهم الله، ولا يعبدون الله بالطاعة والجهاد لتحقيق منهجه في الحياة، نعمة عند من لا يتطلعون إلى آفاق أعلى من مواطئ الأقدام في هذه الأرض.. كالنمال.. نعمة عند من لا يحسون أن البلاء ـ في سبيل الله وفي الجهاد لتحقيق منهج الله وإعلاء كلمة الله ـ هو فضل واختيار من الله، يختص به من يشاء من عباده؛ ليرفعهم في الحياة الدنيا على ضعفهم البشري، ويطلقهم من إسار الأرض يستشرفون حياة رفيعة، يملكونها ولا تملكهم، وليؤهلهم بهذا الانطلاق وذلك الارتفاع للقرب منه في الآخرة.. في منازل الشهداء، إن الناس كلهم يموتون! ولكن الشهداء ـ في سبيل الله ـ هم وحدهم الذين (يستشهدون).. وهذا فضل من الله عظيم.

6. فأما إذا كانت الأخرى.. فانتصر المجاهدون؛ الذين خرجوا مستعدين لقبول كل ما يأتيهم به الله.. ونالهم فضل من الله بالنصر والغنيمة.. ندم المتخلفون أن لم يكونوا شركاء في معركة رابحة! رابحة بحسب مفهومهم القريب الصغير للربح والخسارة! ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

7. إنها أمنية الفوز الصغير بالغنيمة والإياب، هي التي يقولون عنها: (فوزا عظيما) والمؤمن لا يكره الفوز بالإياب والغنيمة؛ بل مطلوب منه أن يرجوه من الله، والمؤمن لا يتمنى وقوع البلاء بل مطلوب منه أن يسأل الله العافية.. ولكن التصور الكلي للمؤمن غير هذا التصور، الذي يرسمه التعبير القرآني لهذه الفئة رسما مستنكرا منفرا.

8. إن المؤمن لا يتمنى البلاء بل يسأل الله العافية، ولكنه إذا ندب للجهاد خرج ـ غير متثاقل ـ خرج يسأل الله إحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة.. وكلاهما فضل من الله؛ وكلاهما فوز عظيم، فيقسم له الله الشهادة، فإذا هو راض بما قسم الله؛ أو فرح بمقام الشهادة عند الله، ويقسم له الله الغنيمة والإياب، فيشكر الله على فضله، ويفرح بنصر الله، لا لمجرد النجاة!

9. وهذا هو الأفق الذي أراد الله أن يرفع المسلمين إليه؛ وهو يرسم لهم هذه الصورة المنفرة لذلك الفريق (منهم) وهو يكشف لهم عن المندسين في الصف من المعوقين، ليأخذوا منهم حذرهم؛ كما يأخذون حذرهم من أعدائهم!

10. ومن وراء التحذير والاستنهاض للجماعة المسلمة في ذلك الزمان، يرتسم نموذج إنساني متكرر في بني الإنسان، في كل زمان ومكان، في هذه الكلمات المعدودة من كلمات القرآن! ثم تبقى هذه الحقيقة تتملاها الجماعة المسلمة أبدا، وهي أن الصف قد يوجد فيه أمثال هؤلاء، فلا ييئس من نفسه، ولكن يأخذ حذره ويمضي، ويحاول بالتربية والتوجيه والجهد، أن يكمل النقص، ويعالج الضعف، وينسق الخطى والمشاعر والحركات!

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/706.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ إشارة فاضحة لجبن الجبناء، ونفاق المنافقين، من الذين يحشرون أنفسهم في زمرة المجاهدين، ويضافون إليهم، فهناك أفراد يغلبهم الحرص على أنفسهم، كما يغلب عليهم الطمع فيما يقع لأيدى المجاهدين من غنائم، فإذ جاء النفير إلى الجهاد، تلبّثوا، وتعللوا بالعلل والمعاذير، حتى يفوتهم الركب المجاهد، وهم لا يزالون في موقف من يتأهب للقتال، ويتجهز للّحاق بالمجاهدين.. ثم لا يزالون على هذا الموقف حتى تنتهى المعركة، وينفضّ سوقها، وهنا ينكشف أمر هؤلاء الجبناء، ويفتضح نفاقهم حتى مع أنفسهم، فإذا كانت الهزيمة في المجاهدين، أظهروا الفرحة، وحمدوا لأنفسهم هذا الموقف المتخاذل الذي كان منهم، وقال قائلهم: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾.. لقد نجا بنفسه، وسلم من التلف، ومادرى أنه من الخاسرين، حيث فاته ثواب الشهداء، وأجر المجاهدين، وإن كانت الغلبة للمجاهدين، نظر إلى ما في أيديهم من أسلاب ومغانم، فامتلأت نفسه حسرة وأسى وندما، وتمنّى أن لو كان في هذا الركب الظافر الغانم، وقال ونفسه تتقطع كمدا وحسرة: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

2. في قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ تنديد بهذه الخسّة وذلك الجبن، الذي قطع أواصر الأخوّة والتناصر بينه وبين أصحابه.. فما على هذا الأسلوب الخسيس تقوم الصحبة بين الجماعة، التي من شأنها أن تتقاسم السرّاء والضرّاء، وأن تذوق الحلو والمرّ.. أمّا أن تقف لتتحيّن الفرصة لتشارك في السّرّاء، ولا تشارك في الضراء، فذلك هو اللؤم الدني‏ء الذي تترفع عنه أدنى الحيوانات، التي إذا هاجمها عدوّ، لقيته يدا واحدة، وقوة مجتمعة!

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/834.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾:

أ. أي من جماعتكم وعدادكم، والخبر الوارد فيهم ظاهر منه أنّهم ليسوا بمؤمنين في خلوتهم، لأنّ المؤمن إن أبطأ عن الجهاد لا يقول: (قد أنعم الله عليّ إذ لم أكن معهم شهيدا)، فهؤلاء منافقون، وقد أخبر الله عنهم بمثل هذا صراحة في آخر هذه السورة بقوله: ﴿بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (138)﴾ إلى قوله: ﴿الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النساء: 138 ـ 141]، وعلى كون المراد بـ ﴿لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ المنافقين حمل الآية مجاهد، وقتادة، وابن جريج.

ب. وقيل: أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتّضح أمر النصر، قال الفخر (وهذا اختيار جماعة من المفسرين) وعلى هذا فمعنى ﴿ومِنْكُمْ﴾ أي من أهل دينكم، وعلى كلا القولين فقد أكّد الخبر بأقوى المؤكّدات لأنّ هذا الخبر من شأنه أن يتلقى بالاستغراب، وبطّأ ـ بالتضعيف ـ قاصر، بمعنى تثاقل في نفسه عن أمر، وهو الإبطاء عن الخروج إبطاء بداعي النفاق أو الجبن، والإخبار بذلك يستتبع الإنكار عليه، والتعريض به، مع كون الخبر باقيا على حقيقته لأنّ مستتبعات التراكيب لا توصف بالمجاز.

2. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ تفريع عن ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾، إذ هذا الإبطاء تارة يجرّ له الابتهاج بالسلامة، وتارة يجرّ له الحسرة والندامة، و(المصيبة) اسم لما أصاب الإنسان من شرّ، والمراد هنا مصيبة الحرب أعني الهزيمة من قتل وأسر.

3. معنى ﴿أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ الإنعام بالسلامة: فإن كان من المنافقين فوصف ذلك بالنعمة ظاهر؛ لأنّ القتل عندهم مصيبة محضة إذ لا يرجون منه ثوابا؛ وإن كان من ضعفة المؤمنين فهو قد عدّ نعمة البقاء أولى من نعمة فضل الشهادة لشدّة الجبن، وهذا من تغليب الداعي الجبليّ على الداعي الشرعي.

4. والشهيد على الوجه الأوّل: إمّا بمعنى الحاضر المشاهد للقتال، وإمّا تهكّم منه على المؤمنين مثل قوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ﴾ [المنافقون: 7]؛ وعلى الوجه الثاني الشهيد بمعناه الشرعي وهو القتيل في الجهاد، وأكّد قوله: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ﴾، باللام الموطّئة للقسم وبلام جواب القسم وبنون التوكيد، تنبيها على غريب حالته حتّى ينزّل سامعها منزلة المنكر لوقوع ذلك منه، والمراد من الفضل الفتح والغنيمة، وهذا المبطّئ يتمنّى أن لو كان مع الجيش ليفوز فوزا عظيما، وهو الفوز بالغنيمة والفوز بأجر الجهاد، حيث وقعت السلامة والفوز برضا الرسول، ولذلك أتبع ﴿فَأَفُوزَ﴾ بالمصدر والوصف بعظيم، ووجه غريب حاله أنّه أصبح متلهّفا على ما فاته بنفسه، وأنّه يودّ أن تجري المقادير على وفق مراده، فإذا قعد عن الخروج لا يصيب المسلمين فضل من الله.

5. جملة ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ معترضة بين فعل القول ومقوله، والمودّة الصحبة والمحبّة؛ وإمّا أن يكون إطلاق المودّة على سبيل الاستعارة الصورية إن كان المراد به المنافق، وإمّا أن تكون حقيقة إن أريد ضعفة المؤمنين، وشبّه حالهم في حين هذا القول بحال من لم تسبق بينه وبين المخاطبين مودّة حقيقية أو صوريّة، فاقتضى التشبيه أنّه كان بينه وبينهم مودّة من قبل هذا القول.

6. وجه هذا التشبيه أنّه لمّا تمنّى أن لو كان معهم وتحسّر على فوات فوزه لو حضر معهم، كان حاله في تفريطه رفقتهم يشبه حال من لم يكن له اتّصال بهم بحيث لا يشهد ما أزمعوا عليه من الخروج للجهاد، فهذا التشبيه مسوق مساق زيادة تنديمه وتحسيره، أي أنّه الذي أضاع على نفسه سبب الانتفاع بما حصل لرفقته من الخير، أي أنّه قد كان له من الخلطة مع الغانمين ما شأنه أن يكون سببا في خروجه معهم، وانتفاعه بثواب النصر وفخره ونعمة الغنيمة.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/185.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. إن هذا واجب المخلصين في الأمة، وفي كل أمة معوقون يقولون: هلم إلينا ولا يأتون البأس إلا قليلا! ولذا قال سبحانه: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، وإن ممن يعيشون معكم ويساكنونكم ويرتبطون معكم برحم واصلة، ويعلنون اسم الإيمان لمن يتثاقلون عند الدعوة إلى القتال، فيبطئون ولا يخرجون، يبطئون غيرهم ويثبطونهم، وهؤلاء لا ينظرون إليكم نظرة المحب الذي يودكم، بل يترقبون الأمر معكم، فإن أصابتكم هزيمة وقتية، أو استشهد عدد منكم، لا يتألمون، بل يفرحون، ويعتبرون قعودهم نعمة أنعم الله بها عليهم، ويحمدون الله تعالى إذ لم يكونوا حاضرين هذه الحرب! فمعنى‏ ﴿شَهِيدًا﴾ حاضرا الحرب، يقاتل فيقتل أو يقتل.

2. من هم هؤلاء؟ أهم المنافقون، أم ضعاف الإيمان؟ قال أكثر مفسرى الرواية: إنهم منافقون، وذلك شأنهم، والتعبير بـ (منكم) يحتاج إلى توفيق بين هذا وقوله تعالى في شأن المنافقين: ﴿مَا هُمْ مِنْكُمْ وَلَا مِنْهُمْ﴾ [المجادلة]، والتوفيق أن يقال هنا إن المراد بقوله منكم، أي من أهلكم وعشيرتكم وتربطكم بهم رحم؛ فكل منافق كان في قرابته من هو صادق الإيمان، مجاهد في الله حق جهاده، ويزكى هذا قوله تعالى في الآية الآتية: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾، وبعض المفسرين رأى أن المراد ضعاف الإيمان، ومن ليست عندهم عزيمة الجهاد، وذلك موجود في كل جماعة، ففي كل جماعة المؤمن القوى في نفسه ودينه، ومنهم الضعيف في نفسه وهمته ودينه.

3. الحق أنه يصح أن يشمل التعبير الطائفتين: المنافقين وضعاف الأنفس والإيمان، فكلا الفريقين لا يهمه إلا نفسه، ولا يندمج إحساسه في إحساس أهل الإيمان، فهو متربص منتظر، فإن وجد هزيمة لا يألم، بل يسر لأنها لم تصبه؛ إذ لا يعتبر آلام جماعته إيلاما لنفسه، وإن وجد نصرا تألم؛ لأنه لم يكن من الغانمين الذين اشتركوا في المعركة، ونالوا الفوز فيها.

4. ولذا قال سبحانه وتعالى في شأن هؤلاء في حال النصر: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ ولئن نلتم نصرا وغنما بفضل الله تعالى، لا يفكرون في سروركم ولا يحمدون الله على نصركم، ولكن يفكرون في أمانيهم، ويتمنون أن لو كانوا معكم ليفوزوا الفوز العظيم الذي نلتموه، وهو فوز النصر وفوز الغنيمة، فوز الاطمئنان وأداء الواجب، يفكرون فيما ينالهم من خير يرجونه، أو آلام يتجنبونها، ولا ينظرون إلى آلامكم وسروركم، كأن لم يكن بينكم وبينهم أية مودة، ولو كانت ضئيلة! فتنكير المودة لبيان تصغيرها، وهذا شأن الأثر الذي يحب نفسه فقط، ولا يفكر في الجماعة التي يعيش فيها.

5. هنا ثلاثة بحوث لفظية ومعنوية:

أ. أولها: التعبير عن هذه الجماعة، المنافقة أو ضعيفة الإيمان، بالمفرد اتباعا للفظ (من) الذي يجوز عود الضمير عليه مفردا، وفي هذا التعبير إشارة إلى معنى الانفراد في الإحساس الذي اختصوا به، ولم يشاركوا أحدا في إحساسهم بالألم أو السرور.

ب. ثانيها: التعبير بقوله: ﴿أَصَابَكُمْ فَضْلٌ﴾ فإن التعبير بإصابة الخير مع أنهم نالوه، للإشارة إلى أن ذلك إرادة الله تعالى، فإن أصابكم ما يؤلمكم فبإرادته، وإن نلتم من خير فبإرادته وبتفضله.

ج. ثالثها: إن قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ جملة معترضة بين القول ومقوله، للإشارة إلى فقدهم الإحساس الاجتماعى فقدا تاما، الذى‏ يجعل مودة أيا كان مقدارها بين المتعاشرين أو المتجاورين أو المتجانسين! لقد فقدوا هذا فقدا تاما، وهذا شأن كل من ينفصل عن جماعته بالإحساس والأنانية الخسيسة!

6. في قوله تعالى: ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ إشارة إلى استعظام الخير الذي ينال المؤمنين، شأن الحسود غير المحب.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1759.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾، يشير سبحانه الى الطابور الخامس الذي يندس‏ في صفوف الطيبين بقصد التخريب والتثبيط عن مقاومة العدو.

2. سؤال وإشكال: (منكم) خطاب للمؤمنين، والمنافقون أبعد الناس عن الايمان، فكيف ساغ جعلهم من المؤمنين؟ والجواب: لأنهم معدودون من المؤمنين في الظاهر، ويعاملون معاملتهم، تماما كمن يحمل جنسية بلد، وهو عميل لمن يستعمره ويستغله، وهؤلاء موجودون في كل زمان ومكان.

3. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾، هذا القول حكاية لحال المنافق الذي كان يفرح ويغتبط إذا هزم المسلمون في معركة لم يشهدها معهم.. وكل من فرح بسلامته من البلاء الذي أصاب إخوانه في سبيل الله، والجهاد لإعلاء كلمة الدين فهو منافق.

4. سؤال وإشكال: قوله: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ اقرار منه بوجود الله، فكيف ساغ جعله من المنافقين؟ والجواب: إنه نافق بإظهار الإسلام والإيمان بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وإضمار الكفر بنبوته، وهذا لا يتنافى مع الإقرار بالخالق، فما كل من آمن بالله آمن بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، وقد أخبر الله ان من الناس من يؤمن به، وفي الوقت نفسه يؤمن بغيره، أو بمن يقربه اليه زلفى: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾

5. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، بعد أن أخبر سبحانه ان المنافق يفرح بتخلفه عن المسلمين إذا هزموا ونكبوا أخبر انه يندم على ترك الغزو معهم إذا انتصروا وغنموا.. وبديهة ان من هذا شأنه فليس من المسلمين في شيء، ولو كان مسلما كما يدعي، ويظهر المودة بينه وبين المسلمين لشعر بأن خيرهم خيره، وشرهم شره، واشتهر الحديث عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ان المسلمين كأعضاء الجسم الواحد، وكالبنيان يشد بعضه بعضا، وان من لم يهتم بأمورهم فليس منهم.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/376.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾، قيل: إن اللام الأولي لام الابتداء لدخولها على اسم إن، واللام الثانية لام القسم لدخولها على الخبر وهي جملة فعلية مؤكدة بنون التأكيد الثقيلة، والتبطئة والإبطاء بمعنى، وهو التأخير في العمل.

2. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾، يدل على أن هؤلاء من المؤمنين المخاطبين في صدر الآية بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾، على ما هو ظاهر كلمة ﴿مِنْكُمْ﴾ كما يدل عليه ما سيأتي من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، فإن الظاهر أن هؤلاء أيضا كانوا من المؤمنين، مع قوله تعالى بعد ذلك: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾، وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ إلخ، وكذا قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ﴾، وقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، كل ذلك تحريض واستنهاض للمؤمنين وفيهم هؤلاء المبطئون على ما يلوح إليه اتصال الآيات.

3. على أنه ليس في الآيات ما يدل بظاهره على أن هؤلاء المبطئين من المنافقين الذين لم يؤمنوا إلا بظاهر من القول، مع أن في بعض ما حكى الله عنهم دلالة ما على إيمانهم في الجملة كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾، وقوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ إلخ.

4. نعم ذكر المفسرون أن المراد بقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ﴾، المنافقون، وأن معنى كونهم منهم دخولهم في عددهم، أو اشتراكهم في النسب فهم منهم نسبا أو اشتراكهم مع المؤمنين في ظاهر حكم الشريعة بحقن الدماء والإرث ونحو ذلك لتظاهرهم بالشهادتين، وقد عرفت أن ذلك تصرف في ظاهر القرآن من غير وجه، وإنما دعاهم إلى هذا التفسير حسن الظن بالمسلمين في صدر الإسلام (كل من لقي النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وآمن به) والبحث التحليلي فيما ضبطه التاريخ من سيرتهم وحياتهم مع النبي وبعد يضعف هذا الظن، والخطابات القرآنية الحادة في خصوصهم توهن هذا التقدير.

5. ولم تسمح الدنيا حتى اليوم بأمة أو عصابة طاهرة تألفت من أفراد طاهرة من غير استثناء مؤمنة واقفة على قدم صدق من غير عثرة قط (إلا ما نقل في حديث الطف) بل مؤمنو صدر الإسلام كسائر الجماعات البشرية فيهم المنافق والمريض قلبه والمتبع هواه والطاهر سره، والذي يمتاز به الصدر الأول من المسلمين هو أن مجتمعهم كان مجتمعا فاضلا يقدمهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويغشاهم نور الإيمان، ويحكم فيهم سيطرة الدين، هذا حال مجتمعهم‏ من حيث إنه مجتمع، وإن كان يوجد بينهم من الأفراد الصالح والطالح جميعا، وفي صفاتهم الروحية الفضيلة والرذيلة معا وكل لون من ألوان الأخلاق والملكات.

6. وهذا هو الذي يذكره القرآن من حالهم، ويبينه من صفاتهم قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ ـ إلى أن قال ـ: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا﴾، فقد بدأ تعالى بذكر صفاتهم وفضائلهم الاجتماعية مطلقة، وختم بذكر المغفرة والأجر لأفرادهم مشروطة.

7. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ أي من قتل أو جرح‏ ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ حتى أبتلى بمثل ما ابتلي به المؤمنون.

8. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ من قبيل غنيمة الحرب ونحوها، والفضل‏ هو المال وما يماثله.

9. ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ﴾، تشبيه وتمثيل لحالهم فإنهم مؤمنون، والمسلمون يد واحدة يربط بعضهم ببعض أقوى الروابط، وهو الإيمان بالله وآياته الذي يحكم على جميع الروابط الأخر من نسب أو ولاية أو بيعة أو مودة لكنهم لضعف إيمانهم لا يرون لأنفسهم أدنى ربط يربطهم بالمؤمنين فيتمنون الكون معهم والحضور في جهادهم كما يتمنى الأجنبي فضلا ناله أجنبي فيقول أحدهم: ﴿يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾، ومن علائم ضعف إيمانهم إكبارهم أمر هذه الغنائم، وعدهم حيازة الفضل والمال فوزا عظيما، وكل مصيبة أصابت المؤمنين في سبيل الله من قتل أو جرح أو تعب نقمة.

10. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾، قال في المجمع: يقال شريت أي بعت، واشتريت أي ابتعت، فالمراد بقوله يشرون الحياة الدنيا بالآخرة أي يبيعون حياتهم الدنيا ويبدلونها بالآخرة، والآية تفريع على ما تقدم من الحث على الجهاد، وذم من يبطئ في الخروج إليه ففيها تجديد للحث على القتال في سبيل الله بتذكير أن هؤلاء جميعا مؤمنون، قد شروا بإسلامهم لله تعالى الحياة الدنيا بالآخرة كما قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ﴾

11. ثم صرح على فائدة القتال الحسنة وأنها الأجر العظيم على أي حال بقوله: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلخ، فبين أن أمر المقاتل في سبيل الله ينتهي إلى إحدى عاقبتين محمودتين: أن يقتل‏ في سبيل الله، أو يغلب عدو الله، وله أي حال أجر عظيم، ولم يذكر ثالث الاحتمالين ـ وهو الانهزام ـ تلويحا إلى أن المقاتل في سبيل الله لا ينهزم.

12. وقدم القتل على الغلبة لأن ثوابه أجزل وأثبت فإن المقاتل الغالب على عدو الله وإن كان يكتب له الأجر العظيم إلا أنه على خطر الحبط باقتراف بعض الأعمال الموجبة لحبط الأعمال الصالحة، واستتباع السيئة بعد الحسنة بخلاف القتل إذ لا حياة بعده إلا حياة الآخرة فالمقتول في سبيل الله يستوفي أجره العظيم حتما، وأما الغالب في سبيل الله فأمره مراعى في استيفاء أجره.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/418.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾ أي ممن قد آمن في الماضي ولكنه قد صار في قلبه مرض وذهب منه الإيمان، وأكد هذا بـ (إن) و(اللام) وتأكيد الفعل؛ لأنهم يستبعدون ممن قد آمن أن ينقلب مثبطاً عن الجهاد مائلاً إلى الدنيا ﴿لَيُبَطِّئَنَّ﴾ ليثبطن عن الجهاد ويخذل عنه.

2. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ﴾ في الجهاد ﴿مُصِيبَةٍ﴾ بوقوع قتل وجراح مثلاً ﴿قَالَ﴾ هذا المثبط: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ أي أنعم الله علي إذ لم أكن معهم فيصيبني ما أصابهم، ومعنى شهيداً: حاضراً وهذا القول منه من خذلانه؛ لأنه الخاسر بالتخلف عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وكأنه أراد تبرير تخلفه وتبرير تثبيطه والزيادة في التثبيط بهذا الكلام.

3. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ﴾ أي نالكم ﴿فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ﴾ ولحقكم نصر وغنيمة مثلاً ﴿لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ﴾ بالغنيمة ﴿فَوْزًا عَظِيمًا﴾ وذلك أنه لا يهمه إلا الدنيا ومطالبها، فهي عنده الفوز العظيم.

4. ويظهر من هذا: أن الكلام في بعض من قد آمن ولم ينافق إنما في قلبه مرض قد ذهب عنه الإيمان واشتغل بحب الحياة ومطالبها، فتثبيطه ليس نفاقاً إنما هو ليوجَد متخلفون معه حتى لا ينفرد بالعار؛ ولهذا لو أصابوا غنيمة لتمنى أنه كان معهم، والمنافق بعيد من ذلك لأنه يكره نصر الإسلام على كل حال.

5. ويؤكد هذا قوله تعالى: ﴿كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ﴾ فهذه مودة الإيمان استمرت فيه حتى ظهر أمره واستمرت فيهم كذلك بناء على إيمانه، وكانت هذه المودة تهيئ له الغزو معهم لوثوقه بهم في رعاية الصحبة والأخوَّة في الطريق وحال المعركة لكن تخلف ميلاً إلى الراحة وزهداً في الدين وقلة مبالاة بأمر الله ورسوله، وكثير من الناس أمثال هذا مسلمين غير منافقين لأن المنافقين هم الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/108.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. يتحدث القرآن عن بعض الفئات التي تعيش الضعف في الموقف، بين فئة تعاني من ضعف الإيمان والإرادة، وبين فئة تعيش النفاق في داخلها، في الوقت الذي تعيش في مجتمع المؤمنين كأية فئة منهم.

2. ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ وخلاصة موقفهم أنهم لا ينفرون مع النافرين، بل يتباطئون متعلّلين ببعض الأعذار التي تبرر لهم ذلك، حتى يخرج الجميع وتفوتهم الفرصة التي أرادوا أن تفوتهم.

3. ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ فإذا رجع المؤمنون من الجهاد وكانوا في موقع الهزيمة أو الفشل أو القتل ـ في ما عبّر عنه القرآن بالمصيبة ـ قال هؤلاء الناس، كما لو كانوا يتحدثون عن نعمة من نعم الله عليهم: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ﴾ لأننا لم نشهد المعركة، ﴿إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ فلم نصب بما أصيبوا به من قتل أو جرح أو نحو ذلك، من دون أن يلتفتوا إلى الآفاق الروحية التي يعيش فيها المؤمنون الصادقون المجاهدون، الذين يعتبرون القتل والجهد والجرح في سبيل الله ربحا وسعادة، ينالون من خلالها رضا الله في الدنيا وذلك جزاء المحسنين، فليست قصة الحياة لدى المؤمنين، قصة استمتاع ولذة وامتياز، ولكنها قصة مسئولية ومعاناة وجهاد؛ فقد اشترى الله منهم أنفسهم أن يبذلوها في سبيله، في أي موقع من مواقع العمل والجهاد المرّ.

4. ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ أما إذا رجع المسلمون بالنصر وبالغنائم التي غنموها من العدو، فلم يصابوا بأيّ بلاء مما يصيب المقاتلين، فإن الموقف يتبدل لدى هؤلاء، ويتمثل بإطلاق التمنيات الذاتية التي لا تنطلق من رغبة روحية في المعاناة مع إخوانهم المؤمنين في ما عانوه من جهد في سبيل الله، ليكون لهم فضل المشاركة في الجهاد والمؤاساة لإخوانهم، فهم لا يعيشون المودّة للمؤمنين المجاهدين ولا يشعرون بالعلاقة الإيمانية التي تربطهم بهم، لتكون قضاياهم المصيرية مشتركة في الموقف والشعور؛ بل تنطلق كل تمنياتهم من النظر إلى الأرباح التي حصل عليها المجاهدون، تماما كأيّ إنسان بعيد عن المؤمنين عندما يتمنى لنفسه الفضل المادي الذي حصلوا عليه؛ فيقولون وهم يعبّرون عن الحسرة الداخلية لفوات الفرصة عليهم: يا ليتنا كنا معكم فنفوز فوزا عظيما.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/350.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد صدور الأمر العام إلى المسلمين بالجهاد والاستعداد لمقابلة العدوّ في الآية السابقة تبيّن هاتان الآيتان موقف المنافقين من الجهاد، وتفضح تذبذبهم، فهم يصرّون على الامتناع عن المشاركة في صفوف المجاهدين في سبيل الله.

2. ﴿وَإِنْ مِنْكُمْ﴾، وحين يعود المجاهدون من ميدان القتال أو حين تصل أنباء معاركهم، فإن‏ كان قد أصابهم مكروه في قتالهم يتحدث المنافقون بابتهاج بأنّ الله قد أنعم عليهم نعمة كبيرة إذ لم يشاركوا المجاهدين في ذلك القتال، ويفرحون لعدم حضورهم في مشاهد الحرب الرهيبة ﴿فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾

3. وحين تصل الأخبار بانتصار المسلمين المجاهدين ونيلهم المغانم، يتبدل موقف هؤلاء المنافقين فتبدو الحسرة عليهم ويظهر الندم على وجوههم، ويشرعون ـ وكأنّهم غرباء لا تربطهم بالمسلمين أية رابطة ـ بترديد عبارات التأسف: ﴿وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ لَيَقُولَنَّ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾

4. في الآية إشارة إلى المفهوم المادي للنصر في نظر المنافقين، فالذي يرى الشهادة والقتل في سبيل الله مصيبة وبلاء، ويخال النجاة من القتل أو الشهادة في هذه السبيل نعمة إلهية، لا ينظر إلى النصر والفوز إلّا من خلال منظار كسب الغنائم والمتاع المادي لا غير.

5. هؤلاء المتلونون الموجودون ـ مع الأسف ـ في كل المجتمعات، سرعان ما يغيرون أقنعتهم تجاه ما يواجهه المؤمنون من نصر أو هزيمة، هؤلاء لا يشاركون المؤمنين في معاناتهم ولا يساعدونهم في الملمات، لكنّهم يتوقعون أن يكون لهم في الانتصارات السّهم الأوفى، وأن يحصلوا على ما يحصل عليه المجاهدون المؤمنون من امتيازات.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/321.

68. القتال في سبيل الله والجزاء الإلهي

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈68⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 74]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن جبير:

روي عن سعيد بن جبير (ت 95 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ يعني: يقاتل المشركين ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في طاعة الله(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني: ومن يقاتل المشركين ﴿فَيُقْتَلْ﴾ يعني: يقتله العدو، ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ يعني: يغلب العدو من المشركين، ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، يعني: جزاء وافرا في الجنة، فجعل القاتل والمقتول من المسلمين في جهاد المشركين شريكين في الأجر(2).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/١٠٠٠.

(2) ابن أبي حاتم ٣/١٠٠١.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) أنّه قال: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾، يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٢٤.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) أنّه قال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ فيقتل في سبيله، أو يغلب عدوه ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ في الجنة... فأشركهم جميعا في الأجر(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٩.

ابن زيد:

روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) أنّه قال: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾: يشري: يبيع، ويشري: يأخذ، فأخبر أن الحمقى باعوا الآخرة بالدنيا(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٢٤.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله عزّ وجل: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ كأنه ـ والله أعلم ـ نهي المنافقين بالخروج إلى الغزو كقوله تعالى: ﴿فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَدًا﴾ [التوبة: 83] وأمر المؤمنين أن يخرجوا لذلك؛ لأنه قال الله تعالى: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ والمؤمنون هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة.

2. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾:

أ. قيل: في إظهار دين الله‏.

ب. وقيل: في طاعة الله تعالى ونصر أوليائه‏.

3. في قوله عزّ وجل: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ دلالة أن من بذل نفسه وماله لله تعالى غاية ما يجب أن يبذل استوجب العوض قبله، وإن لم يتلف نفسه فيه ولا أحدث؛ لأنه قال عزّ وجل: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ [التوبة: 111] جعل لمن يتلف نفسه فيه الثواب والعوض الذي تلفت نفسه فيه؛ لأنه إذا غلب لم تتلفت نفسه فيه، وكذلك قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: 111] جعل لمن قتل ولم يقتل فيه العوض؛ فهذا يدل على مسائل لنا(2):

أ. من ذلك: أن المرأة إذا سلمت نفسها إلى زوجها في الوقت الذي كان عليها التسليم استوجب كمال الصداق وإن لم يقبض الزوج منها.

ب. ومن ذلك: البائع ـ أيضا ـ إذا سلم المبيع إلى المشترى كان مسلّما وإن لم يقبض المشترى.

ج. وكذلك من صلى صلاة الظهر في منزله، ثم خرج إلى الجمعة يصير رافضا للظهر؛ لأن عليه الخروج إليها؛ فيصير بالخروج إليها كالمباشر لها، وإن لم يباشر؛ على سبيل ما جعل الباذل لنفسه لله عزّ وجل والمسلم إليه، كأنها أخذت منه في استيجاب العوض الذي وعد له؛ فعلى ذلك يجب أن يجعل تسليم ما ذكرنا إلى المحق كأخذ المحق منه، وإن لم يأخذ، وليس كالقيام إلى الخامسة، ولا كالمتوجه إلى عرفات قبل فراغه من العمرة؛ لأن على هؤلاء الفراغ مما كانوا فيه، ثم التوجه إلى عرفات والقيام إلى الخامسة؛ فلم يصح ذلك، وأما المرأة والبائع ومؤدى الظهر في منزله عليهم التسليم والبذل؛ لذلك كان ما ذكرنا.

4. في الآية أن الله تعالى عامل عباده معاملة أهل الفضل والإحسان كأن لا حق له، لا معاملة ذي الحق، وإن كانت الأنفس والأموال كلها له في الحقيقة؛ حيث فرض عليهم الجهاد، وجعل لهم بذلك عوضا؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، وقال الله عزّ وجل في آية أخرى: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ [التوبة: 111] من المؤمنين كثيرا من لا حق له فيها، وهي له في الحقيقة، ووعد لهم على ذلك عوضا وأجرا عظيما.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/256.

(2) يقصد الحنفية

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما أخبر الله تعالى في الآية الاولى ان قوماً من المنافقين يثبطون المؤمنين عن جهاد العدو والقتال في سبيل الله، حث في هذه الآية على الجهاد، بأن قال: لا تلتفتوا إلى تثبيط المنافقين، وقاتلوا في سبيل الله بائعين للدنيا بالآخرة، إذ لكم بذلك أعظم الأجر وأكبر الحظ، وقال الزجاج: فليكن من الذين يقاتلون في سبيل الله أو عمن كان بينه وبينكم عقد مودة.

2. معنى‏ ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وبيعهم إياها بالآخرة هو استبدالهم إياها بالآخرة ببذلهم أنفسهم، وأموالهم في سبيل الله، وبتوطين أنفسهم على الجهاد في طاعة الله، يقال: شريت بمعنى بعت، واشتريت: ابتعت، ويشرون: يبيعون ـ في قول الحسن، والسدي، وابن زيد، وجميع أهل اللغة ـ، قال يزيد بن مفرغ:

çوشريت بردا ليتني‏...من بعد برد كنت هامةé

وبرد اسم غلامه، وشريته بمعنى بعته، وفي الآية حذف، والتقدير يشرون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة، كأنه قال يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية، ويجوز يبيعون الحياة الدنيا بنعيم الآخرة.

3. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ فالوعد على القتال، لا على القتل، والغلبة، وقوله: (فيقتل) عطف على يقاتل، ولذلك جزمه والجواب قوله: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ وإنما قال أو يغلب، لأن الوعد على القتال حتى ينتهي إلى تلك الحال، لأنه أعظم الجهاد، وعليه أعظم الأجر.

4. والأجر العظيم هو أعلى أثمان العمل، وذلك أن ثمن العمل على ثلاثة أوجه، ثمن أعلى، وثمن أدنى، وثمن أوسط بينهما فالله تعالى يثامن عليه بالثمن الأعظم الأعلى، فلذلك حسن وصف الأجر بالعظم من غير تقييد له، إذ كان لا ثمن أعظم مما يثامن الله عليه في ذلك العمل.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/258.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ أمر للغائب، يقال: لِيَضْرِبْ زيد، وليقتل عمرو، وشريت: بعت، واشتريت ابتعت، والأصل واحد، ويقال: شريت بمعنى اشتريت.

2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. قيل: نزلت في المنافقين الَّذِينَ تخلفوا عن أُحُدٍ، وتقدير الكلام: على هذا: فليقاتل الَّذِينَ يختارون الدنيا على الآخرة، وشريت بسكون الياء بمعنى اشتريت، ولا بد من حذف وتقديره: أي آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة أن يؤمن الكافر بشيء متقدم على الإيمان.

ب. وقيل: بل نزلت في المؤمنين المخلصين، ومعنى يشرون: يبيعون.

3. اختلف في علاقة الآية الكريمة بما قبلها:

أ. على قول من يقول: هو خطاب للمؤمنين في اتصاله قولان:

قيل: أيها المؤمنون لا تلتفتوا إلى تثبيط المنافقين، وقاتلوا في سبيل الله بائعين الدنيا بالآخرة؛ لأن لكم به أعظم الأجر.

وقيل: فليكن من الَّذِينَ يقاتلون في سبيل الله إن كان بينكم وبينه عقد مودة عن الزجاج.

ب. وعلى قول من يقول: إنه خطاب للمنافقين كأنه لما حكى تخلفهم وتثبيطهم عن الجهاد، قال: لا تفعلوا ذلك وقاتلوا.

4. ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ ليجاهد، وهو أمر، وأمر الله تعالى يدل على الوجوب:

أ. وقيل: إنه خطاب للمؤمنين عن الأصم وأبي علي وأبي مسلم.

ب. وقيل: خطاب للمنافقين.

5. ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي في سبيل دينه والدعاء إليه، وفيه حذف أي: فليقاتل من خالف الحق وكفر بِاللهِ؛ لأن في الكلام ما يدل عليه.

6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾:

أ. قيل: يبيعون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة ونعيمها، قال الأصم: وهذه الكلمة تجمع المال والنفس.

ب. وقيل: يشترون الدنيا بالآخرة، فينبغي أن يؤمنوا ويقاتلوا في سبيل الله.

7. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي يجاهد:

أ. قيل: في طريق دينه.

ب. وقيل: في طاعة ربه، يعني بذلوا أموالهم وأنفسهم ابتغاء مرضات الله.

8. ﴿فَيُقْتَلْ﴾ فيستشهد ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ فيظفر بالعدو، وفيه حث على الجهاد في جميع الأحوال غَلَب أو غُلبـ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ نعطيه ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي ثوابًا عظيمًا دائمًا لا تنغيص فيه.

9. تدل الآية الكريمة على:

أ. وجوب القتال، وتدل على عظم حاله، ووجوب الثواب غَلب أم غُلب؛ لأنه في الحالين بذل الجهد في دين الله، وكان من الجائز أن يتوهم أن المنزلة تحصل عند الغلبة، وإذا قتل لم تحصل، فأزال الإيهام، وبين أن له المنزلة العظيمة في كلا الحالين.

ب. أن الثواب أعظم النعم؛ لأنه ما من وجه يرغب لأجله في الشيء إلا وهو حاصل في الثواب؛ لأنها نعمة وهي دائمة مستحقة وخالصة من الشوائب، وغير ذلك من الوجوه.

10. مسائل لغوية ونحوية:

أ. جزم ﴿يُقَاتِلْ﴾ بـ ﴿مِنْ﴾؛ لأنه شرط وجزاء، و﴿يَقْتُلْ﴾ معطوف عليه، و﴿نُؤْتِيهِ﴾ جواب المجازاة إلا أنك رفعته؛ لأنه بعد الفاء في قوله: ﴿فَسَوْفَ﴾

ب. في تقدير: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ قولان:

الأول: يشرون الحياة الدنيا بالحياة الآخرة، يعني يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية.

الثاني: يشرون الحياة الدنيا بنعيم الآخرة [أي يبيعونها أيضا]

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/702

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. يقال: شريت بمعنى بعت، واشتريت بمعنى ابتعت، ويشرون: يبيعون، وقال يزيد بن مفرغ:

çوشريت بردا ليتني... من بعد برد كنت هامهé

وبرد: اسم غلامه.

2. لما أخبر الله سبحانه في الآية الأولى: إن قوما يتأخرون عن القتال، أو يبطؤون المؤمنين عنه، حث في هذه الآية على القتال فقال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذا أمر من الله وظاهر أمره يقتضي الوجوب: أي فليجاهد في سبيل الله: أي في طريق دين الله.

3. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ يحتمل وجهين:

أ. أي الذين يبيعون الحياة الفانية بالحياة الباقية.

ب. ويجوز: يبيعون الحياة الدنيا بنعيم الآخرة: أي يبذلون أنفسهم وأموالهم في سبيل الله، بتوطين أنفسهم على الجهاد في طاعة الله، وبيعهم إياها بالآخرة: هو استبدالهم إياها بالآخرة.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾:

أ. قيل: أي يجاهد في طريق دين الله.

ب. وقيل: في طاعة ربه، بأن يبذل ماله ونفسه ابتغاء مرضاته.

5. ﴿فَيُقْتَلْ﴾: أي يستشهد ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾: أي يظفر بالعدو، وفيه حث على الجهاد، فكأنه قال: هو فائز بإحدى الحسنيين: إن غلب، أو غلبـ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾:

أ. قيل: أي: نعطيه أعلى أثمان العمل.

ب. وقيل: ثوابا دائما لا تنغيص فيه.

6. ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾: عطف على ﴿يُقَاتِلْ﴾، وجواب الشرط: ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/116.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ يشرون هاهنا: بمعنى يبتغون في قول الجماعة، وأنشدوا:

çوشريت بردا ليتني‏...من بعد برد كنت هامةé

و(برد) غلام له باعه.

2. معنى الآية: ليكن قتال المقاتلين على وجه الإخلاص وطلب الآخرة.

3. قوله تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ خرج مخرج الغالب، وقد يثاب من لم يغلب ولم يقتل.

__________

(1) زاد المسير: 1/433.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما ذم الله تعالى المبطئين في الجهاد عاد إلى الترغيب فيه فقال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وللمفسرين في قوله: ﴿يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ وجهان:

أ. الأول: أن‏ ﴿يَشْرُونَ﴾ معناه يبيعون قال ابن مفرغ:

çوشريت بردا ليتني‏...من بعد برد كنت هامةé

قال وبرد هو غلامه، وشربته بمعنى بعته، وتمنى الموت بعد بيعه، فكان معنى الآية: فليقاتل في سبيل الله الذين يبيعون الحياة الدنيا بالآخرة، وهو كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ﴾ [التوبة: 111]

ب. الثاني: معنى قوله: ﴿يَشْرُونَ﴾ أي يشترون قالوا: والمخاطبون بهذا الخطاب هم المنافقون الذين تخلفوا عن أحد، وتقرير الكلام: فليقاتل الذين يختارون الحياة الدنيا على الآخرة، وعلى هذا التقدير فلا بد من حذف تقديره: آمنوا ثم قاتلوا لاستحالة حصول الأمر بشرائع الإسلام قبل حصول الإسلام.

2. عندي في الآية احتمالات أخرى:

أ. أحدها: أن الإنسان لما أراد أن يبذل هذه الحياة الدنيا في سبيل الله بخلت نفسه بها، فاشتراها من نفسه بسعادة الآخرة ليقدر على بذلها في سبيل الله بطيبة النفس.

ب. ثانيها: أنه تعالى أمر بالقتال مقرونا ببيان فساد ما لأجله يترك الإنسان القتال، فان من ترك القتال فإنما يتركه رغبة في الحياة الدنيا، وذلك يوجب فوات سعادة الآخرة، فكأنه قيل له: اشتغل بالقتال واترك ترجيح الفاني على الباقي.

ج. ثالثها: كأنه قيل: الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة إنما رجحوا الحياة الدنيا على الآخرة إذا كانت مقرونة بالسعادة والغبطة والكرامة وإذا كان كذلك فليقاتلوا، فإنهم بالمقاتلة يفوزون بالغبطة والكرامة في الدنيا، لأنهم بالمقاتلة يستولون على الأعداء ويفوزون بالأموال، فهذه وجوه خطرت بالبال والله أعلم بمراده.

3. ثم قال تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ والمعنى من يقاتل في سبيل الله فسواء صار مقتولا للكفار أو صار غالبا للكفار فسوف نؤتيه أجرا عظيما، وهو المنفعة الخالصة الدائمة المقرونة بالتعظيم، ومعلوم أنه لا واسطة بين هاتين الحالتين، فإذا كان الأجر حاصلا على كلا التقديرين لم يكن عمل أشرف من الجهاد، وهذا يدل على أن المجاهد لا بد وأن يوطن نفسه على أنه لا بد من أحد أمرين، إما أن يقتله العدو، وإما أن يغلب العدو ويقهره، فإنه إذا عزم على ذلك لم يفر عن الخصم ولم يحجم عن المحاربة، فأما إذا دخل لا على هذا العزم فما أسرع ما يقع في الفرار، فهذا معنى ما ذكره الله تعالى من التقسيم في قوله: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/141.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ الخطاب للمؤمنين، أي فليقاتل في سبيل الله الكفار ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي يبيعون، أي يبذلون أنفسهم وأموالهم لله تعالى ﴿بِالْآخِرَةِ﴾ أي بثواب الآخرة.

2. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ شرط، ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ عطف عليه، والمجازاة ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، ومعنى ﴿فَيُقْتَلْ﴾ فيستشهد، ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ يظفر فيغنم، وقرأت طائفة ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ﴾ ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ بسكون لام الأمر، وقرأت فرقة ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ بكسر لام الأمر، فذكر تعالى غايتي حالة المقاتل واكتفى بالغايتين عما بينهما، ذكره ابن عطية.

3. ظاهر الآية يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما:

أ. وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا جهاد في سبيلي وإيمان بي وتصديق برسلي فهو علي ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة) وذكر الحديث.

ب. وفيه عن عبد الله بن عمرو أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (ما من غازية تغزو في سبيل الله فيصيبون الغنيمة إلا تعجلوا ثلثي أجرهم من الآخرة ويبقى لهم الثلث وإن لم يصيبوا غنيمة تم لهم أجرهم)

4. فقوله: (نائلا ما نال من أجر أو غنيمة) يقتضي أن لمن يستشهد من المجاهدين أحد الأمرين، إما الأجر إن لم يغنم، وإما الغنيمة ولا أجر، بخلاف حديث عبد الله ابن عمرو، ولما كان هذا قال قوم: حديث عبد الله بن عمرو ليس بشيء، لأن في إسناده حميد بن هانئ وليس بمشهور، ورجحوا الحديث الأول عليه لشهرته، وقال آخرون: ليس بينهما تعارض ولا اختلاف، و(أو) في حديث أبي هريرة بمعنى الواو، كما يقول الكوفيون وقد دلت عليه رواية أبي داوود فإنه قال فيه: (من أجر وغنيمة) بالوا والجامعة، وقد رواه بعض رواة مسلم بالواو الجامعة أيضا، وحميد بن هانئ مصري سمع أبا عبد الرحمن الحبلى وعمرو ابن مالك، وروى عنه حياة بن شريح وابن وهب، فالحديث الأول محمول على مجرد النية والإخلاص في الجهاد، فذلك الذي ضمن الله له إما الشهادة، وإما رده إلى أهله مأجورا غانما، ويحمل الثاني على ما إذا نوى الجهاد ولكن مع نيل المغنم، فلما انقسمت نيته انحط أجره، فقد دلت السنة على أن للغانم أجرا كما دل عليه الكتاب فلا تعارض، ثم قيل: إن نقص أجر الغانم على من يغنم إنما هو بما فتح الله عليه من الدنيا فتمتع به وأزال عن نفسه شظف عيشه، ومن أخفق فلم يصب شيئا بقي على شظف عيشه والصبر على حالته، فبقي أجره موفرا بخلاف الأول، ومثله قوله في الحديث الآخر: (فمنا من مات لم يأكل من أجره شيئا ـ منهم مصعب ابن عمير ـ ومنا من أينعت له تمرته فهو يهد بها)

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/278.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذا أمر للمؤمنين، وقدّم الظرف على الفاعل للاهتمام به، و﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ معناه: يبيعون، وهم المؤمنون، والفاء في قوله: ﴿فَلْيُقَاتِلْ﴾ جواب الشرط مقدّر، أي: إن لم يقاتل هؤلاء المذكورون سابقا الموصوفون بأن منهم لمن ليبطئن، فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم، البائعون للحياة الدنيا بالآخرة.

2. ثم وعد المقاتلين في سبيل الله بأنه سيؤتيهم أجرا عظيما لا يقادر قدره، وذلك أنه: إذا قتل فاز بالشهادة التي هي أعلى درجات الأجور، وإن غلب وظفر كان له أجر من قاتل في سبيل الله مع ما قد ناله من العلوّ في الدنيا والغنيمة، وظاهر هذا: يقتضي التسوية بين من قتل شهيدا أو انقلب غانما، وربما يقال: إن التسوية بينهما إنما هي في إيتاء الأجر العظيم، ولا يلزم أن يكون أجرهما مستويا، فإن كون الشيء عظيما هو من الأمور النسبية التي يكون بعضها عظيما بالنسبة إلى ما هو دونه، وحقيرا بالنسبة إلى ما هو فوقه.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/563.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لإعلاء دينه ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾ إن تأخَّر المبطِّئ أو أَخَّرَ غيرَه فليقاتل المخلصون، الذين يبيعون الحياة الدُّنيا ﴿بِالَاخِرَةِ﴾، أو قد تأخَّروا وأخَّروا غيرهم فليتركوا ذلك، ويقاتلوا، ويتركوا شراء الحياة الدُّنيا بالآخرة، ويلتحقوا بالمخلصين.

2. ﴿وَمَنْ يُّقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ فَيُقْتَلَ﴾ شهيدًا، مجزوم للعطف، والفتح نقل ﴿اَو يَغْلِبْ﴾ عدوَّه في الله تعالى، فالواجب على المجاهد أن يقصد بجهاده إعلاء الدِّين، ويثبت حتَّى يقتله العدوُّ شهيدًا، أو يَغلِب عدوَّه، ولا يكون غرضُه الغنيمة، ولا أن يكون مقتولاً، وفي القتال إعزاز الدِّين، قتل أو غلب، وفي موته إعزاز نفسه بالشهادة، ﴿فَسَوْفَ نُوتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ترغيب في الجهاد إذ كان فيه الأجر العظيم، سواء أكان مقتولاً أو غالبًا.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/224.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما ذم تعالى المبطئين عن الجهاد، رغّب المؤمنين فيه بقوله سبحانه: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي: يبيعونها بها، وهم المؤمنون الذين يستحبون الآجلة على العاجلة ويستبدلونها بها، والمعنى: إن صدّ الذين في قلوبهم مرض، فليقاتل المخلصون الباذلون أنفسهم في طلب الآخرة، ويقال: عني بالموصول المنافقين المبطئين، أي الذين يشترونها ويختارونها على الآخرة، فيكون وعظا لهم بأن يبدلوا التثبيط بالجهاد.

2. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ أي يستشهد ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ أي: يظفر على العدوّ ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ﴾ نعطيه‏ ﴿أَجْرًا عَظِيمًا﴾ ثوابا وافرا، روى الشيخان عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (تضمن الله لمن خرج في سبيله، لا يخرجه إلا جهادا في سبيلي، وإيمانا بي، وتصديقا برسلي، فهو عليّ ضامن أن أدخله الجنة أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه، نائلا ما نال من أجر أو غنيمة)

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/223.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أمر الله تعالى عباده المؤمنين بأخذ الحذر من أعداء الدعوة الإسلامية وأهلها بالاستعداد التام للحرب، وبالنفر وكيفية تعبئة الجيش وسوقه، وذكر حال المبطئين عن القتال، وكونها لا تتفق مع ما يجب أن يكون عليه أهل الإيمان، ثم أمر بالقتال المشروع يرغب فيه المؤمنين الذين يؤثرون ما عند الله تعالى في دار الجزاء على الكسب والغنيمة وعلى الفخر بالقوة والغلب فقال: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ قال محمد عبده: بين الله تعالى حال ضعفاء الإيمان الذين يبطؤون عن القتال في سبيله ثم دلهم بهذه الآية على طريق تطهير نفوسهم من ذلك الذنب العظيم ذنب القعود عن القتال ولو عملوا كل صالح وضعفت نفوسهم عن القتال لما كان ذلك مكفرا لخطيئتهم، وسبيل الله هي طريق الحق والانتصار له فمنه إعلاء كلمة الله ونشر دعوة الإسلام، ومنه دفاع الأعداء إذا هددوا أمتنا، أو أغاروا على أرضنا، أو نهبوا أموالنا، أو صادرونا في تجارتنا، وصدونا عن استعمال حقوقنا مع الناس، فسبيل الله عبارة عن تأييد الحق الذي قرره ويدخل فيه كل ما ذكرناه.

2. ويشرون بمعنى يبيعون قولا واحدا بلا احتمال، واستعمال القرآن فيه مطرد ففي سورة يوسف: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: 20] أي باعوه وقال تعالى: ﴿ولبئسما شروا به أنفسهم﴾ [البقرة: 102] أي باعوها وقال: ﴿ومن الناس من يشري نفسه ابتغاء مرضاة الله﴾ [البقرة: 207] أي يبيعها، والباء في صيغة البيع تدخل على الثمن دائما، فالمعنى أن من أراد أن يبيع الحياة الدنيا ويبذلها ويجعل الآخرة ثمنا لها وبدلا عنها فليقاتل في سبيل الله.

3. إن المفسرين ذكروا في (يشرون) وجهين: أحدهما: أنه بمعنى البيع كما اختار محمد عبده، والثاني: أنه بمعنى الابتياع الذي يطلق عليه في عرفنا الآن الشراء، وقد قال المفسرون أن شرى يشري يستعمل بمعنى باع وبمعنى ابتاع وأن اللفظ في الآية يحتمل المعنيين فإن أريد به البيع فهو للمؤمنين الصادقين الكاملين وإن أريد به الابتياع فهو لأولئك المبطئين ليتوبوا، وذهب الراغب إلى أن الشراء والبيع إنما يستعملان بمعنى واحد في التعبير عن استبدال سلعة بسلعة دون استبدال سلعة بدراهم، والقرآن استعمل لفظ شرى يشري بمعنى باع يبيع، واشترى يشتري بمعنى ابتاع يبتاع، فهذا هو الصحيح أو الفصيح وإن ورد عن أهل اللغة (شريت بردا) بمعنى اشتريته في الشعر بدون ذكر الثمن، وقد يذكر الثمن أو البدل وقد يسكت عنه وهو ما تدخل عليه الباء دائما سواء استعمل الشراء والبيع في الحسيات أو المعنويات.

4. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي ومتى كان القتال في سبيل الله لا لأجل الحمية والحظوظ الدنيوية فكل من قتل بظفر عدوه به ففاته الانتفاع بالقتال في الدنيا فإن الله تعالى يعطيه في الآخرة أجرا عظيما بدلا مما فاته، وهو إذا ظفر وغلب عدوه لا يفوته ذلك الأجر لأنه إنما ناله بكون قتاله في سبيل الله وهي سبيل الحق والعدل والخير لا في سبيل الهوى والطمع.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/258.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن بين عز اسمه حال ضعفاء الإيمان الذين يبطئون عن القتال في سبيله دلهم بهذه الآية على طريق تطهير نفوسهم من ذلك الذنب العظيم ذنب القعود عن القتال، وأمر به إيثارا لما عند الله من الأجر والثواب على ما في الدنيا من نعيم زائل، وعرضي يفنى.

2. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي فليقاتل في سبيل الله من أراد أن يبيع الحياة الدنيا ويبذلها ويجعل الآخرة ثمنا لها وعوضا منها، لأنه يكون قد أعز دين الله وجعل كلمته هي العليا، وكلمة الذين كفروا هي السفلى، والله عزيز ذو انتقام.

3. ثم رغّب في القتال بعد الأمر به بذكر الثواب عليه فقال: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ أي ومن يقاتل في سبيله فيظفر به عدوه أو يظفر هو بعدوه، فإن الله سيؤتيه أجرا عظيما من عنده خالدا أبدا في دار الجزاء.

4. وفي الآية إيماء إلى شرف الجهاد، لأنه إنما كان في سبيل الحق والعدل والخير لا في سبيل الهوى والطمع، كما أن فيها إيماء إلى أنه ينبغي للمقاتل أن يوطن نفسه على أحد الأمرين: إما أن يقتله العدو ويكرم نفسه بالشهادة، وإما أن يظفر به فيعزّ كلمة الحق والدين، ولا يحدّث نفسه بالهرب بحال، لأنه إن فعل ذلك فما أسرع ما يقع في ذلك الفخّ الذي نصبه لنفسه.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/91.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. يمضي السياق يحاول أن يرفع ويطلق هؤلاء المبطئين المثقلين بالطين! وأن يوقظ في حسهم التطلع إلى ما هو خير وأبقى.. الآخرة.. وأن يدفعهم إلى بيع الدنيا وشراء الآخرة، ويعدهم على ذلك فضل الله في الحالتين، وإحدى الحسنيين: النصر أو الشهادة: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

2. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ فالإسلام لا يعرف قتالا إلا في هذا السبيل، لا يعرف القتال للغنيمة ولا يعرف القتال للسيطرة، ولا يعرف القتال للمجد الشخصي أو القومي! إنه لا يقاتل للاستيلاء على الأرض؛ ولا للاستيلاء على السكان.. لا يقاتل ليجد الخامات للصناعات، والأسواق للمنتجات؛ أو لرؤوس الأموال يستثمرها في المستعمرات وشبه المستعمرات! إنه لا يقاتل لمجد شخص، ولا لمجد بيت، ولا لمجد طبقة، ولا لمجد دولة، ولا لمجد أمة، ولا لمجد جنس، إنما يقاتل في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله في الأرض، ولتمكين منهجه من تصريف الحياة، ولتمتيع البشرية بخيرات هذا المنهج، وعدله المطلق (بين الناس) مع ترك كل فرد حرا في اختيار العقيدة التي يقتنع بها.. في ظل هذا المنهج الرباني الإنساني العالمي العام.

3. وحين يخرج المسلم ليقاتل في سبيل الله، بقصد إعلاء كلمة الله، وتمكين منهجه في الحياة، ثم يقتل يكون شهيدا، وينال مقام الشهداء عند الله.. وحين يخرج لأي هدف آخر ـ غير هذا الهدف ـ لا يسمى (شهيدا) ولا ينتظر أجره عند الله، بل عند صاحب الهدف الآخر الذي خرج له.. والذين يصفونه حينئذ بأنه (شهيد) يفترون على الله الكذب؛ ويزكون أنفسهم أو غيرهم بغير ما يزكي به الله الناس، افتراء على الله! فليقاتل في سبيل الله ـ بهذا التحديد.. من يريدون أن يبيعوا الدنيا ليشتروا بها الآخرة، ولهم ـ حينئذ ـ فضل من الله عظيم؛ في كلتا الحالتين: سواء من يقتل في سبيل الله؛ ومن يغلب في سبيل الله أيضا: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

4. بهذه اللمسة يتجه المنهج القرآني إلى رفع هذه النفوس؛ وإلى تعليقها بالرجاء في فضل الله العظيم، في كلتا الحالتين، وأن يهوّن عليها ما تخشاه من القتل، وما ترجوه من الغنيمة كذلك! فالحياة أو الغنيمة لا تساوي شيئا إلى جانب الفضل العظيم من الله، كما يتجه إلى تنفيرها من الصفقة الخاسرة إذا هي اشترت الدنيا بالآخرة ولم تشتر الآخرة بالدنيا (ولفظ يشري من ألفاظ الضد فهي غالبا بمعنى يبيع) فهي خاسرة سواء غنموا أو لم يغنموا في معارك الأرض، وأين الدنيا من الآخرة؟ وأين غنيمة المال من فضل الله؟ وهو يحتوي المال ـ فيما يحتويه ـ ويحتوي سواه!؟ ثم يلتفت السياق إلى المسلمين، يلتفت من أسلوب الحكاية والتصوير عن أولئك المبطئين؛ إلى أسلوب الخطاب للجماعة المسلمة كلها، يلتفت إليها لاستجاشة مروءة النفوس، وحساسية القلوب؛ تجاه المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؛ الذين كانوا يقاسون في مكة ما يقاسون على أيدي المشركين غير قادرين على الهجرة إلى دار الإسلام والفرار بدينهم وعقيدتهم؛ وهم يتطلعون إلى الخلاص، ويدعون الله أن يجعل لهم مخرجا من دار الظلم والعدوان.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/708.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ذلك هو القتال في سبيل الله، لا يخفّ إليه، ولا يندرج به في جماعة المجاهدين، إلا من وطّن نفسه على احتمال تبعاته، وقدّر الموت قبل أن يقدر الحياة، وشرى الحياة الدنيا بالآخرة.. فذلك هو الذي يحتسب له أجر المجاهدين عند الله، إن سلم، أو عطب، لأنه بايع الله، ووفّى بما عاهد الله عليه، ووقع أجره على الله، وهو نيّة الجهاد، وعلى طريق المجاهدين، وإن لم يلتحم في معركة، أو يشارك في قتال.. إن ذلك المجاهد هو الذي يدعى للجهاد، ويقبل في صفوف المجاهدين.. أما أولئك المترددون، الذين يأخذون الجانب الهيّن اللّين من كل أمر، فلا مكان لهم في هذا المقام الكريم، الذي هو مقام الرجال! قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ بيان كاشف لموقف المجاهد، ومكانته عند الله.. فهو في إحدى منزلتين: إما أن يقتل، فيحسب في عداد الشهداء، وإما أن يغلب‏ وينتصر، ويغنم.. وهو في كلا الأمرين محمود عند الله، له أجر الشهداء ومنزلة المستشهدين.

2. في قوله تعالى: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ إشارة إلى أن المجاهدين في سبيل لهم العاقبة والنصر أبدا.. وأن الذين استشهدوا قد كتبوا بدمائهم الزكية الطاهرة وثيقة النصر للجبهة المقاتلين فيها.. فالمجاهدون إما شهداء، وإما منتصرون، ومعنى هذا ألا يتحول المجاهدون عن الجهاد، وألا يتركوا المعركة إلّا ومعهم النصر الذي وعدهم الله، وجعله جزاء معجلا لهم، ولهذا جاءت القسمة هكذا: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ ولم تجيء كما يقضى به ظاهر الأمر.. (فيقتل) أو يسلم!

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/835.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الفاء: إمّا للتفريع، تفريع الأمر على الآخر، أي فرّع ﴿فَلْيُقاتِلْ﴾ على ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا﴾ [النساء: 71]، أو هي فاء فصيحة، أفصحت عمّا دلّ عليه ما تقدّم من قوله: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ لأنّ جميع ذلك اقتضى الأمر بأخذ الحذر، وهو مهيّئ لطلب القتال والأمر بالنفير والإعلام بمن حالهم حال المتردّد المتقاعس، أي فإذا علمتم جميع ذلك، فالذين يقاتلون في سبيل الله هم الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة لا كلّ أحد.

2. ﴿يَشْرُونَ﴾ معناه يبيعون، لأنّ شرى مقابل اشترى، مثل باع وابتاع وأكرى واكترى، وقد تقدّم تفصيله عند قوله تعالى: ﴿أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى﴾‏ في سورة البقرة، فالذين يشرون الحياة الدنيا هم الذين يبذلونها ويرغبون في حظّ الآخرة، وإسناد القتال المأمور بع إلى أصحاب هذه الصلة وهي: ﴿يَشْرُونَ الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ﴾ للتنويه بفضل المقاتلين في سبيل الله، لأنّ في الصلة إيماء إلى علّة الخبر، أي يبعثهم على القتال في سبيل الله بذلهم حياتهم الدنيا لطلب الحياة الأبدية، وفضيحة أمر المبطّئين حتى يرتدعوا عن التخلّف، وحتّى يكشف المنافقون عن دخيلتهم، فكان معنى الكلام: فليقاتل في سبيل الله المؤمنون حقّا فإنّهم يشرون الحياة الدنيا بالآخرة، ولا يفهم أحد من قوله: ﴿فَلْيُقاتِلْ فِي سَبِيلِ اللهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أنّ الأمر بالقتال مختصّ بفريق دون آخر، لأنّ بذل الحياة في الحصول على ثواب الآخرة شيء غير ظاهر حتّى يعلّق التكليف به، وإنّما هو ضمائر بين العباد وربّهم، فتعيّن أنّ إسناد الأمر إلى أصحاب هذه الصلة مقصود منه الثناء على المجاهدين، وتحقير المبطّئين، كما يقول القائل (ليس بعشّك فادرجي)، فهذا تفسير الآية بوجه لا يعتريه إشكال، ودخل في قوله: ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ أصناف الغلبة على العدوّ بقتلهم أو أسرهم أو غنم أموالهم.

3. وإنّما اقتصر على القتل والغلبة في قوله: ﴿فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ﴾ ولم يزد أو يؤسر إباية من أن يذكر لهم حالة ذميمة لا يرضاها الله للمؤمنين، وهي حالة الأسر؛ فسكت عنها لئلّا يذكرها في معرض الترغيب وإن كان للمسلم عليها أجر عظيم أيضا إذا بذل جهده في الحرب فغلب إذ الحرب لا تخلو من ذلك، وليس بمأمور أن يلقي بيده إلى التهلكة إذا علم أنّه لا يجدي عنه الاستبسال، فإنّ من منافع الإسلام استبقاء رجاله لدفاع العدوّ.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/186.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. إن هؤلاء الذين يعيشون مع جماعة المؤمنين، ولا يحسون بإحساسهم، لا يخرجون إلى قتال، وإنما يخرج للقتال أولئك الذين يؤثرون على أنفسهم، ويقدمونها لله تعالى رجاء ما عنده، فهؤلاء هم القوة، وهم العماد في الحروب والشدائد، ولذا قال سبحانه: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ إذا كان المخذلون يتربصون بالمجاهدين، فإنه يجب أن يكون الجهاد للمخلصين، وأن يبعدوا عنهم المعوقين، فإنهم لا يزيدونهم إلا خبالا واضطرابا! فليتقدم للقتال الذين لا ينظرون إلى مغنم يبتغونه، ولا مال يريدونه، إنما يبيعون الحياة الدنيا ومتعها وشهواتها، ويطلبون ثمنا هو الآخرة وما فيها من جنات وعيون، ونعيمها ثابت دائم، ومعها رضوان الله تعالى، وسبيل الله التي يجب القتال فيها هي سبيل الحق، وإعلاء دينه، وجعل كلمة الله هي العليا.

2. ﴿يَشْرُونَ﴾ هنا معناها يبيعون أنفسهم، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ﴾ [البقرة] وقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ﴾ [البقرة] وقوله تعالى: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ﴾ [يوسف‏] أي باعوه، وإن الذي يبيع نفسه لله، ليفتدى الحق وأهله، له جزاؤه وأجره العظيم، ولذا قال سبحانه: ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾

3. ومن يتقدم للقتال في سبيل الحق، طالبا رضاه سبحانه، فإن قتل واستشهد في سبيله سبحانه، أو غلب وانتصر بتأييد الله تعالى، ونال السلطان من الله بالغلب، فهو في كلتا حاليه سينال جزاء عظيما، و(سوف) هنا لتأكيد نيل الجزاء في المستقبل، وأكثر استعمالاتها في القرآن هي لتأكيد الوقوع في القابل، ولذا لا تدخل على النفي وقد وصف الجزاء بالعظم للدلالة على مقداره، ونكر للدلالة على أنه لا يحده تعيين، ولا يبينه تعريف، مهما يكن دقيقا.

4. وإنما ينال ذلك الجزاء من خرج مجاهدا في سبيل الحق، لا يبتغى غير رضاء الله، ولا يبغى علوا في الأرض ولا تفاخرا، ولقد قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (تضمن الله لمن خرج في سبيله لا يخرج إلا جهادا في سبيلى، وإيمانا بى، وتصديقا برسلى، فهو على ضامن أن أدخله الجنة، أو أرجعه إلى مسكنه الذي خرج منه نائلا ما نال من أجر أو غنيمة).. اللهم هب أمتك روح الجهاد في سبيل الحق، وهبنا رحمة من عندك، إنك أنت الوهاب.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1761.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾، يشرون، أي يبيعون، واحسن ما قيل عند تفسير هذه الآية ما يلي: (ان الإسلام لا يقاتل على الأرض، ولا للاستيلاء على السكان، لا يقاتل ليجد الخامات للصناعات، والأسواق للمنتجات، أو لرؤوس الأموال يستثمرها في المستعمرات وشبه المستعمرات، انه لا يقاتل لمجد شخص، ولا لمجد بيت، أو طبقة، أو دولة، أو أمة، أو جنس، انما يقاتل في سبيل الله، لإعلاء كلمة الله في الأرض، ولتمكين منهجه من تصريف الحياة، ولتمتيع البشرية بهذا المنهج، وعدله المطلق بين الناس، مع ترك كل فرد حرا في اختيار العقيدة التي يتمتع بها)

2. وتمنيت، وأنا أقرأ قوله، (لا يقاتل الإسلام ليجد الخامات للصناعات) ان يعطف عليه هذه الجملة: ولا ليشحم المعامل والفبارك بدماء الأحرار والنساء والأطفال.

3. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾، كل من ناصر الحق لوجه الحق، وامتثالا لأمر الله وحده فهو مشكور ومأجور، سواء انتصر وغنم، أو غلب وهزم.. واتفق المؤرخون على اختلاف نزعاتهم ان السر في انتشار الإسلام هو عقيدة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والصحابة بأنهم الرابحون على كل حال، مقتولين أو قاتلين، فإن تكن الأولى فالمصير الى الجنة، وان تكن الثانية فقد علت كلمة الحق، وهذا ما يبغون.. بالاضافة الى اعتقادهم بأن أجلهم إذا جاء لا يستأخرون ساعة، ولا يستقدمون.. ومتى بلغ معتقد المرء هذا المبلغ لم يقف في وجهه حاجز.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/378.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أمرٌ بالقتال في سبيل الله ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ﴾ أي يبيعون ﴿الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي بالحياة الآخرة أي حياة السعادة الدائمة في جنات النعيم، وهذه هي التجارة الرابحة لا تجارة عبيد الدنيا الذين خسروا الجنة وهم لا بد مفارقون للدنيا.

2. ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ﴾ شهيداً ﴿أَوْ يَغْلِبْ﴾ ينتصر على العدو ﴿فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وهو ثواب الآخرة جنات النعيم، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون، فكأنه قيل للمؤمنين: قاتلوا في سبيل الله ولا تكونوا مثل هذا المثبط الخاسر، وفي هذه الآية دلالة على وجوب القتال في سبيل الله، وهي دلالة واضحة، كدلالة قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾ [التوبة: 123] وفي ذلك دلالة على لزوم ما لا يتم إلا به من إعداد القوة، وصلاح ذات البين، واتخاذ قيادة صالحة ذات كفاءة كاملة في الشجاعة وحسن الرأي والتدبير، والنصح لله ورسوله، وبيع الدنيا بالآخرة.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/109.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ وتنطلق الدعوة إلى الجهاد، في نداء حاسم يدفع المؤمنين إلى القتال في سبيل الله، من خلال الأجر العظيم الذي ينتظرهم عند الله، لأن الإيمان الحق يمثل ـ في عمق معناه ـ أن المؤمن يبيع نفسه لله ولا يرى الدنيا لنفسه ثمنا، بل يشتريها بالآخرة، فتكون هي الهدف الذي يستهدفه من كل أعماله ومواقفه، وهي المقياس للسعادة والشقاء في الجانب الإيجابي والسلبي منها.

2. ولهذا جاءت الآية لتثير هذه الحقيقة الإيمانية في ذواتهم، ليشعروا بأن القتال في سبيل الله يمثل الوجه الحقيقي لحركة الآخرة في وعي الإنسان وموقفه؛ ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ فإنّ الله قد أعدّ للمجاهدين الذين يقتلون في المعركة أو الذين ينتصرون على عدوّهم الأجر العظيم، ولم يتعرض القرآن لحالة الهزيمة، للإيحاء بأن ذلك ليس واردا في أجواء المؤمنين الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ويقاتلون في سبيل الله، لأن طبيعة الهدف تمنعهم من ذلك في أية حالة من الحالات.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/352.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن أوضحت الآية السابقة إحجام المنافقين عن مشاركة المجاهدين في القتال تتوجه الآية والتي تليها ـ بلغة مشجعة مشوقة ـ إلى المؤمنين فتدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله، ونزول هذه الآيات حين كان الإسلام مهددا من قبل مختلف الأعداء ـ سواء من الداخل أو الخارج ـ يدل على أهميتها في تربية الروح الجهادية لدى المسلمين.

2. وتوضح الآية في بدايتها أنّ أعباء الجهاد يجب أن تكون على عاتق أولئك النفر الذين باعوا حياتهم الدنيوية المادية الزائلة، مقابل فوزهم بالحياة الأخروية الخالدة: ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ أي أن المجاهدون الحقيقيون هم وحدهم المستعدون للدخول في هذه الصفقة، بعد أن انكشفت لهم دناءة الحياة المادية (وهو ما يفهم من لفظ الدنيا)، فهؤلاء أدركوا أن هذه الحياة لا قيمة لها تجاه الحياة الأبدية الخالدة، أمّا الذين يرون الأصالة في‏ الحياة المادية الدنيئة، ويعتبرونها أرفع وأكبر من الأهداف الإلهية المقدسة والأهداف الإنسانية السامية، فلا يمكن أن يكونوا أبدا مجاهدين صالحين.

3. تستمر الآية مبينة أنّ مصير المجاهدين الحقيقيين الذين باعوا الحياة الدنيا بالآخرة واضح لا يخرج عن حالتين: إمّا النصر على الأعداء، أو الشهادة في سبيل الله، وهم في كلتا الحالتين ينالون الأجر والثواب العظيم من الله تعالى‏ ﴿وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ وبديهي أن جنودا كهؤلاء لا يفهمون معنى الهزيمة، فهم يرون النصر إلى جانبهم في الحالتين: سواء تغلّبوا على العدو، أو نالوا الشهادة في سبيل الله، ومثل هذه المعنويات كفيلة بأن تمهد الطريق للانتصار على العدو، ويعتبر التاريخ خير شاهد على أنّ هذه المعنويات هي العامل في انتصار المسلمين على أعداء فأقوهم عددا وعدّة.

4. ويؤكّد هذا الأمر حتى المفكرون من غير المسلمين ممن كتبوا عن انتصارات المسلمين السريعة التي حققوها في عصر الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وفي العصور التالية، فهؤلاء المفكرون يرون أن منطق الفوز بإحدى الحسنيين أحد العوامل الحاسمة في تقدم المسلمين، يقول مؤرخ غربي مشهور في كتاب له في هذا المجال: إنّ المسلمين لم يكونوا ليخافوا الموت في سبيل دينهم الجديد، لما وعدوا به من هبات إلهية في الآخرة، وأنّهم لم يعتقدوا بأصالة خلود هذه الحياة الدنيا، ولذلك فهم قد تنازلوا عن هذه الحياة في سبيل العقيدة والهدف‏.

5. والجدير ذكره هنا هو أنّ هذه الآية ـ وآيات أخرى من القرآن الكريم ـ اعتبرت الجهاد أمرا مقدسا إذا كان في سبيل الله، ومن أجل إنقاذ البشر، وإحياء مبادئ الحق والعدالة والطهارة والتقوى، على عكس الحروب التي تشن بهدف التوسع وبدافع من التعصب والتوحش والاستعمار والاستغلال.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/323.

69. القتال ونصرة المستضعفين

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈69⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ [النساء: 75]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، وفي المستضعفين(1).

2. روي أنّه قال: المستضعفون أناس مسلمون، كانوا بمكة لا يستطيعون أن يخرجوا منها(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٢٦.

(2) ابن جرير ٧/٢٢٨.

السجاد:

ذكر الإمام السجاد (ت 94 هـ) أنّه قال: كانت خديجة ماتت قبل الهجرة بسنة، ومات أبو طالب بعد موت خديجة بسنة، فلما فقدهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم سئم المقام بمكة، ودخله حزن شديد، وأشفق على نفسه من كفار قريش، فشكا إلى جبريل ذلك، فأوحى الله إليه: يا محمد، أخرج من القرية الظالم أهلها وهاجر إلى المدينة، فليس لك اليوم بمكة ناصر، وانصب للمشركين حربا، فعند ذلكتوجه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة(1).

__________

(1) تفسير العيّاشي 1/257.

مجاهد:

روي عن مجاهد (ت 104 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال في الآية: أمر المؤمنون أن يقاتلوا عن مستضعفين مؤمنين كانوا بمكة(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ حجة ثابتة(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٢٦.

(2) ابن أبي حاتم ٣/١٠٠٣.

البصري:

روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، يعني: وعن المستضعفين من أهل مكة من المسلمين(1).

2. روي أنّه قال: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ خرج رجل من القرية الظالمة إلى القرية الصالحة، فأدركه الموت في الطريق، فنأى بصدره إلى القرية الصالحة، قالا: فما تلافاه إلا ذلك، فاحتجت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأمروا أن يقدروا أقرب القريتين إليه، فوجدوه أقرب إلى القرية الصالحة بشبر، وقال بعضهم: قرب الله إليه القرية الصالحة، فتوفته ملائكة الرحمة(2).

__________

(1) تفسير ابن أبي زمنين ١/٣٨٧.

(2) عبد الرزاق ١/١٦٦.

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) أنّه قال: ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجالِ وَالنِّساءِ وَالْوِلْدانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنا أَخْرِجْنا مِنْ هذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُها﴾ إلى ﴿نَصِيرًا﴾ نحن أولئك(1).

__________

(1) تفسير العيّاشي 1/257.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، هي مكة، كان بها رجال ونساء وولدان من المسلمين، فأمر نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يقاتل في سبيلهم، وفيهم، حتى يستنقذوهم(1).

__________

(1) ابن المنذر ٢/٧٩٢.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) أنّه قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، يقول: وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله، وفي المستضعفين، وأما القرية: فمكة(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٢٦.

الربيع:

روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ) أنّه قال: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندك(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/١٠٠٣.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) أنّه سئل عن المستضعفين، قال: (هم أهل الولاية)، قيل: أي ولاية تعني؟ قال: ليست ولاية، ولكنها في المناكحة، والمواريث، والمخالطة، وهم ليسوا بالمؤمنين ولا الكفار، ومنهم المرجون لأمر الله، فأما قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ إلى ﴿نَصِيرًا﴾ فأولئك نحن(1).

__________

(1) تفسير العيّاشي 1/257.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾، تقاتلون عن ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾، يعني: المقهورين ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ المقهورين بمكة حتى يتسع الأمر، ويأتي إلى الإسلام من أراد منهم... والمستضعفين من الرجال، يعني: المؤمنين، قال ابن عباس أنّه قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ يعني: من عندك وليا، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ على أهل مكة(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٩.

ابن زيد:

روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) أنّه قال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، وما لكم لا تفعلون؛ تقاتلون وهؤلاء الضعفاء المساكين الذين يدعون الله بأن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، فهم ليس لهم قوة!؟ فما لكم لا تقاتلون حتى يسلم الله هؤلاء ودينهم!؟ والقرية الظالم أهلها: مكة(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٢٨.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الآية [التوبة: 38]، مثل هذا لا يقال إلا لتفريط سبق منهم، ثم لم يزل اسم الإيمان منهم بذلك، وكان الجهاد فرضا عليهم؛ فهذا ينقض على من يخرج مرتكب الكبيرة من الإيمان.

2. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ عن ابن عباس قال وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين!؟ وكذلك روى عن الكسائي.

3. فيه دلالة: أن على المسلمين أن يستنقذوا أسراهم من أيدي الكفرة إذا أسروا بأي وجه ما قدروا عليه: بالأموال، والقتال، وغير ذلك، وذلك فرض عليهم، وحق ألا يتركوهم في أيديهم؛ لأنه قال الله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ الآية.

4. في الآية دلالة أن إسلام الصغار إسلام، وكفرهم كفر إذا عقلوا؛ لأنه قال الله تعالى: ﴿وَالْوِلْدَانِ﴾ والكبار من الرجال والنساء لا يسمون: ولدانا، إنما يسمون الصغار منهم؛ لأنه عاتبهم بتركهم في أيدي الكفرة، فلو كانوا على حكم أولاد الكفرة لم يكن للتعبير والعتاب وجه بتركهم في أيديهم؛ إذ لم يعاتبوا بترك ولدان الكفرة في أيديهم؛ فدل أنه إنما لحقهم العتاب لإسلامهم، وكذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ﴾ الآية [النساء: 97]، ثم استثنى المستضعفين، فقال عزّ وجل: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً﴾ [النساء: 98] فلو لم يكن إسلام الولدان إسلاما، ولا كفرهم كفرا، لم يكن لاستثنائهم من أولئك وإخراجهم من الوعيد الذي ذكر ـ معنى.

5. قوله عزّ وجل: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ﴾ سألوا الله عزّ وجل أن يخرجهم من القرية، وهم علموا أنه لا يتولى نحوه السماء، ولكن على أيدي قوم يعينهم على ذلك، وهم علموا أن لله تعالى في ذلك صنعا، والمعتزلة لم يعلموا، وذلك ينقض قولهم، وبالله التوفيق.

6. وقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ قيل: المشرك أهلها: كل ظالم منعهم عن الخروج إلى دار الإسلام والهجرة.

7. قوله عزّ وجل: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ في ديننا، ونصيرا يمنعنا عن المشركين، ويقال: مانعا يمنع عنا المشركين، وقد ذكرنا الولى والنصير في غير موضع.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/257.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ هي مكة في قول جميع المفسرين، لما كانوا عليه، كما أخبر الله به عنهم، من استضعاف الرجال والنساء والولدان وإفتانهم عن دينهم بالعذاب والأذى.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/507.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. معنى قوله: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ أي شيء لكم، و﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ في موضع الحال كأنه قال أي شيء لكم تاركين، أي في حال ترك القتال مع هذه الأمور التي تقتضي الحرص على الجهاد، أي لا عذر لكم ألا تقاتلوا في سبيل الله، ومثله قوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾

2. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ خفض بالعطف على ما عملت فيه (في) وتقديره في المستضعفين، وقيل في معناه قولان:

أ. أحدهما: وعن المستضعفين، فوقع (في) موقع (عن) فإذا ذكرت (عن) فلصرف الأذى عنهم إذ كانت لما عدا الشيء وإذا ذكرت (في) فلأن القتال مضمن بهم، لخلاصهم، إذا كانت في للوعاء.

ب. الثاني: ان يكون على محذوف، وتقديره وفي إعزاز المستضعفين، وقد قال المبرد: هو عطف على اسم الله بتقدير، وسبيل المستضعفين.

3. ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾. والولدان جمع ولد على مثال خرب وخربان، وبرق وبرقان، وورل وورلان، مثل ولد وولدان، وهو من ابنية الكثير، والأغلب على بابه فعال نحو جبال وجمال.

4. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ قال ابن عباس والحسن وابن أبي نجيح، والسدي ومجاهد وابن زيد: إنها مكة، لأن أهل مكة كانوا قد اجتهدوا أن يفتنوا قوماً من المؤمنين عن دينهم، والأذى لهم وكانوا مستضعفين في أيديهم.

5. قال تعالى ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ لا تسعون في خلاصهم، وهم يسمون كل مدينة قرية، وإنما جاز أن يجري صفة ظالم على الأول وهو في المعنى للثاني، لأنها قوية في العمل لقربها من الفعل متمكنة من الوصف بأنها تصرف تصرفه في التأنيث والتذكير والتثنية، والجمع، خلاف باب أفعل منك، فلذلك جاز مررت برجل ظالم أبوه، ولم يجز مررت برجل خير منه أبوه، والولي القيم بالأمر حتى يستنقذهم من أمر أعدائهم، لأنه يتولى الأمر بنفسه، ولا يكله إلى غيره.

6. حكى أبو علي ان منهم سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة وأبو جندل بن سهيل، وإنما قال ﴿يَقُولُونَ﴾.. ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ وان كان فيهم الولدان لا ينطقون تغليباً للاكثر، كقولك قال أهل البصرة، وإن كان قولا لبعضهم.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/259.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الولدان جمع ولد، ونظيره جرب وجربان، وَوَرَلٌ ووِرْلان، ووَزَغ ووِزْغان، وهو من أبنية الكثرة، والأغلب على بابه فعال، نحو: جمل وجمال، وخبل وخبال.

ب. الولي: القيم بالأمر.

ج. أصل القرية من الاجتماع، وسميت بذلك لاجتماع الناس فيها، وقريت الماء في الحوض جمعته، والمقراة: الحوض.

2. لما تقدم الأمر بالجهاد على الجملة فَصَّلَهُ في هذه الآية، وإنما أمر به لإعزاز الدين، ونصرة المستضعفين فقال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ أي ليس عذر لكم في ترك القتال أيها المؤمنون ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ في دينه وطاعته ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾:

أ. قيل: وفي نجاة المستضعفين.

ب. وقيل: في سبيل المستضعفين.

ج. وقيل: عن المستضعفين.

د. وقيل: في إعزاز المستضعفين، والرجال والنساء والولدان، وهم الَّذِينَ كانوا أسلموا بمكة، ومنعهم الكفار من الهجرة، وقيل: منهم سلمة بن هشام والوليد بن الوليد، وعباس بن أبي ربيعة وغيرهم عن أبي علي، وكانوا أسلموا، وعشائرهم يفتنونهم عن الإسلام.

3. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ هَؤُلَاءِ المستضعفون يقولون في دعائهم ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ أي سهل لنا الخروج وأنقذنا من أيدي الظلمة لنخرج ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ يعني مكة عن ابن عباس والحسن والسدي ومجاهد وابن زيد والأصم وأبي علي وأبي مسلم ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ يعني أهل مكة الَّذِينَ ظلموا بافتتان المسلمين عن دينهم ومنعهم عن الهجرة.

4. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ قيل: اجعل لنا بألطافك وتأييدك من عندك وليًّا يلي أمرنا بالكفاية؛ حتى ينقذنا من أيدي الظلمة ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندك ﴿نَصِيرًا﴾ ينصرنا على من ظلمنا.

5. تدل الآية الكريمة على:

أ. وجوب القتال؛ لأنه كالتوبيخ على تركه.

ب. أن استنقاذ المسلم من أيدي الكفار واجب إذا أمكن؛ لأنه تعالى جعل ذلك كالعلة في وجوب الجهاد.

ج. أن حكم الولدان حكم البالغين في وجوب الإنقاذ.

د. وجوب الانقطاع إلى الله تعالى وسائر المهمات.

هـ. أن للدعاء تأثيرًا في المسألة؛ لأنه عند الدعاء أجابهم، ويجوز أن تكون المصلحة فعل ذلك الشيء عند الدعاء، ولا يجوز أن يفعله إلا عقيب الدعاء، وقيل: إنه تعالى أجاب دعاءهم، ففتح رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم مكة وهرب بعضهم واستعمل عليهم عتاب بن أسيد، فكان وليًا ينصر الضعيف والمظلوم.

و. أن الجعل يراد به التوفيق؛ لأنه المراد بقوله: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾

ز. أن أفعال العباد حادثة من جهتهم؛ لذلك وبخهم بترك القتال وأضاف القول إليهم، ووصف أهلها بالظلم، ولو كان خلقًا له تعالى لما صح ذلك، فيبطل قول الْمُجْبِرَةِ في المخلوق.

ح. أنهم كانوا قادرين على الجهاد، وإلا لما صح ذمهم بتركه فيبطل قولهم في الاستطاعة.

6. مسائل لغوية ونحوية:

أ. موضع ﴿الْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ خفض بالعطف على ما عملت فيه ﴿فِي﴾، تقديره: وفي المستضعفين؛ لأن نصرة هَؤُلَاءِ أيضًا في سبيل الله، وقد اختلفوا في تقديره، قيل:

وعن المستضعفين عن ابن عباس فوقع ﴿فِي﴾ موقع ﴿عَنْ﴾

وقيل: فيه حذف أي وفي إعزاز المستضعفين.

وقيل: هو عطف على اسم الله تعالى، تقديره: وفي سبيل المستضعفين عن ابن شهاب.

ب. قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ موضعه نصب على الحال كقوله: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ﴾ بتقدير: أي شيء لكم في حال ترك القتال مع هذه الأمور التي تقتضي الحرص على الجهاد، أي لا عذر لكم.

ج. ﴿الظَّالِمُ﴾ خفض؛ لأنه نعمت للأهل، فلما عاد الأهل على القرية كان فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها، كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/704

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الولدان: جمع ولد، وولد وولدان، مثل خرب وخربان، وبرق وبرقان، وورل وورلان، والأغلب على بابه فعال نحو: جبال وجمال.

2. حث سبحانه على تخليص المستضعفين فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ﴾ أيها المؤمنون ﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ أي: أي عذر لكم في ترك القتال مع اجتماع الأسباب الموجبة للقتال ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾:

أ. قيل: أي في طاعة الله.

ب. ويقال: في دين الله.

ج. ويقال: في نصرة دين الله.

د. ويقال: في إعزاز دين الله وإعلاء كلمته.

3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾:

أ. قيل: أي: وفي المستضعفين، أو في سبيل المستضعفين: أي نصرة المستضعفين.

ب. وقيل: في إعزاز المستضعفين، وفي الذب عن المستضعفين.

4. ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ قيل: يريد بذلك قوما من المسلمين، بقوا بمكة، ولم يستطيعوا الهجرة منهم: سلمة بن هشام، والوليد بن الوليد، وعياش بن أبي ربيعة، وأبو جندل بن سهيل، جماعة كانوا يدعون الله أن يخلصهم من أيدي المشركين، ويخرجهم من مكة، وهم ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾: أي يقولون في دعائهم: ربنا سهل لنا الخروج من هذه القرية: يعني مكة، عن ابن عباس، والحسن، والسدي، وغيرهم.

5. ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أي: التي ظلم أهلها بافتتان المؤمنين عن دينهم، ومنعهم عن الهجرة ﴿وَاجْعَلْ لَنَا﴾ بألطافك وتأييدك ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾: أي من عندك ﴿وَلِيًّا﴾ يلي أمرنا بالكفاية، حتى ينقذنا من أيدي الظلمة ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ينصرنا على من ظلمنا، فاستجاب الله تعالى دعاءهم، فلما فتح رسول الله مكة صلّى الله عليه وآله وسلّم جعل الله نبيه لهم وليا، فاستعمل على مكة عتاب بن أسيد، فجعله الله لهم نصيرا، فكان ينصف الضعيف من الشديد، فأغاثهم الله فكانوا أعز بها من الظلمة قبل ذلك.

6. في هذه الآية دلالة على عظم موقع الدعاء من الله وإبطال قول من يزعم أن العبد لا يستفيد بالدعاء شيئا، لان الله حكى عنهم أنهم دعوا وأجابهم الله، وآتاهم سؤلهم، ولولا أنه استجاب دعاءهم، لما كان لذكر دعائهم معنى.

7. مسائل لغوية ونحوية:

أ. (ما): للاستفهام في موضع رفع بالابتداء.

ب. ﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾: في موضع نصب على الحال، وتقديره: أي شئ لكم تاركين للقتال.

ج. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾: جر بالعطف على ما عملت فيه ﴿فِي﴾ أي: وفي المستضعفين، وقال المبرد: هو عطف على اسم الله، وإنما جاز أن يجري الظالم صفة على القرية، وهو في المعنى للأهل، لأنها قوية على العمل لقربها من الفعل، وتمكنها في الوصفية، بأنها تؤنث وتذكر، وتثنى وتجمع، بخلاف باب أفعل منك، فلذلك جاز مررت برجل الظالم أبوه، ولم يجز مررت برجل خير منه أبوه، بل يقال: مررت برجل منه خير منه أبوه، لتكون الجملة في موضع الجر.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/117.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ﴾ قال الفرّاء: تقديره: وفي المستضعفين، وكذلك روي عن ابن عباس، وقال الزجّاج: المستضعفون في موضع خفض، والمعنى في سبيل الله، وسبيل المستضعفين، أي: ما لكم لا تسعون في خلاص هؤلاء؟ قال ابن عباس: وهم ناس مسلمون كانوا بمكّة لا يستطيعون أن يخرجوا، و(القرية): مكّة في قول الجماعة، قال الفرّاء: وإنما خفض‏ ﴿الظَّالِمُ﴾ لأنه نعت للأهل، فلمّا عاد الأهل على القرية كان فعل ما أضيف إليها بمنزلة فعلها، تقول: مررت بالرّجل الواسعة داره.

2. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ قال أبو سليمان: سألوا الله وليّا من عنده يلي إخراجهم منها، ونصيرا يمنعهم من المشركين، قال ابن عباس: فلما فتح رسول الله مكّة، جعل الله عزّ وجلّ النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وليّهم، واستعمل عليهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عتاب بن أسيد، فكان نصيرا لهم، ينصف الضعيف من القوي.

__________

(1) زاد المسير: 1/433.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ المراد منه إنكاره تعالى لتركهم القتال، فصار ذلك توكيدا لما تقدم من الأمر بالجهاد.

2. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ يدل على أن الجهاد واجب، ومعناه أنه لا عذر لكم في ترك المقاتلة وقد بلغ حال المستضعفين من الرجال والنساء والولدان من المسلمين إلى ما بلغ في الضعف، فهذا حث شديد على القتال، وبيان العلة التي لها صار القتال واجبا، وهو ما في القتال من تخليص هؤلاء المؤمنين من أيدي الكفرة، لأن هذا الجمع إلى الجهاد يجري مجرى فكاك الأسير.

3. قال المعتزلة ـ ومن وافقهم ـ: قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ انكار عليهم في ترك القتال وبيان أنه لا عذر لهم ألبتة في تركه، ولو كان فعل العبد بخلق الله لبطل هذا الكلام لأن من أعظم العذر أن الله ما خلقه وما أراده وما قضى به، وجوابه مذكور.

4. اتفقوا على أن قوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ متصل بما قبله، وفيه وجهان:

أ. أحدهما: أن يكون عطفا على السبيل، والمعنى: مالكم لا تقاتلون في سبيل الله وفي المستضعفين.

ب. الثاني: أن يكون معطوفا على اسم الله عز وجل، أي في سبيل الله وفي سبيل المستضعفين.

5. المراد بالمستضعفين من الرجال والنساء والولدان قوم من المسلمين بقوا بمكة وعجزوا عن الهجرة إلى المدينة، وكانوا يلقون من كفار مكة أذى شديدا، قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين من النساء والولدان.

6. الولدان: جمع الولد، ونظيره مما جاء على فعل وفعلان، نحو حزب وحزبان، وورك ووركان، كذلك ولد وولدان، قال الزمخشري: ويجوز أن يراد بالرجال والنساء الأحرار والحرائر، وبالولدان العبيد والإماء، لأن العبد والأمة يقال لهما الوليد والوليدة، وجمعهما الولدان والولائد، إلا أنه جعل هاهنا الولدان جمعا للذكور والإناث تغليبا للذكور على الإناث، كما يقال آباء وإخوة.

7. إنما ذكر الله الولدان مبالغة في شرح ظلمهم حيث بلغ أذاهم الولدان غير المكلفين إرغاما لآبائهم وأمهاتهم، ومبغضة لهم بمكانهم، ولأن المستضعفين كانوا يشركون صبيانهم في دعائهم استنزالا لرحمة الله بدعاء صغارهم الذين لم يذنبوا، كما وردت السنة بإخراجهم في الاستسقاء، ثم حكى تعالى عن هؤلاء المستضعفين أنهم كانوا يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾

8. أجمعوا على أن المراد من هذه القرية الظالم أهلها مكة، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان: 13] وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره.

9. سؤال وإشكال: القرية مؤنثة، وقوله: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ صفة للقرية ولذلك خفض، فكان ينبغي أن يقال: الظالمة أهلها، والجواب: أن النحويين يسمون مثل هذه الصفة الصفة المشبهة باسم الفاعل، والأصل في هذا الباب: أنك إذا أدخلت الألف واللام في الأخير أجريته على الأول في تذكيره وتأنيثه، نحو قولك: مررت بامرأة حسنة الزوج كريمة الأب، ومررت برجل جميل الجارية، وإذا لم تدخل الألف واللام في الأخير حملته على الثاني في تذكيره وتأنيثه كقولك: مررت بامرأة كريم أبوها، ومن هذا قوله تعالى: ﴿أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ولو أدخلت الألف واللام على الأهل لقلت من هذه القرية الظالمة الأهل، وإنما جاز أن يكون الظالم نعتا للقرية لأنه صفة للأهل، والأهل منتسبون إلى القرية، وهذا القدر كاف في صحة الوصف كقولك مررت برجل قائم أبوه، فالقيام للأب وقد جعلته وصفا للرجل، وإنما كان هذا القدر كافيا في صحة الوصف لأن المقصود من الوصف التخصيص والتمييز، وهذا المقصود حاصل من مثل هذا الوصف.

10. في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ قولان:

أ. الأول: قال ابن عباس: يريدون اجعل علينا رجلا من المؤمنين يوالينا ويقوم بمصالحنا ويحفظ علينا ديننا وشرعنا، فأجاب الله تعالى دعاءهم لأن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لما فتح مكة جعل عتاب بن أسيد أميرا لهم، فكان الولي هو الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكان النصير عتاب بن أسيد، وكان عتاب ينصف الضعيف من القوي والذليل من العزيز.

ب. الثاني: المراد: واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، والحاصل كن أنت لنا وليا وناصرا.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/141.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ حض على الجهاد، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده، وإن كان في ذلك تلف النفوس، وتخليص الأسارى واجب على جماعة المسلمين إما بالقتال وإما بالأموال، وذلك أوجب لكونها دون النفوس إذ هي أهون منها، قال مالك: واجب على الناس أن يفدوا الأسارى بجميع أموالهم، وهذا لا خلاف فيه، لقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم (فكوا العاني) وقد مضى في البقرة، وكذلك قالوا: عليهم أن يواسوهم فإن المواساة دون المفاداة، فإن كان الأسير غنيا فهل يرجع عليه الفادي أم لا، قولان للعلماء، أصحهما الرجوع.

2. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عطف على اسم الله تعالى، أي وفي سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله، وهذا اختيار الزجاج وقاله الزهري، وقال محمد بن يزيد: أختار أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل، أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم، فالسبيلان مختلفان، ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم وهم المعنيون بقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (اللهم أنج الوليد ابن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين)، وقال ابن عباس: (كنت أنا وأمي من المستضعفين)، في البخاري عنه ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ فقال: كنت أنا وأمي ممن عذر الله، أنا من الولدان وأمي من النساء.

3. ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ القرية هنا مكة بإجماع من المتأولين، ووصفها بالظلم وإن كان الفعل للأهل لعلقة الضمير، وهذا كما تقول: مررت بالرجل الواسعة داره، والكريم أبوه، والحسنة جاريته، وإنما وصف الرجل بها للعلقة اللفظية بينهما وهو الضمير، فلو قلت: مررت بالرجل الكريم عمر ولم تجز المسألة، لأن الكرم لعمرو فلا يجوز أن يجعل صفة لرجل إلا بعلقة وهي الهاء، ولا تثنى هذه الصفة ولا تجمع، لأنها تقوم مقام الفعل، فالمعنى أي التي ظلم أهلها ولهذا لم يقل الظالمين، وتقول: مررت برجلين كريم أبواهما حسنة جاريتاهما، وبرجال كريم آباؤهم حسنة جواريهم.

4. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك ﴿وَلِيًّا﴾ أي من يستنقذنا ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ أي ينصرنا عليهم.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/279.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خطاب للمؤمنين المأمورين بالقتال على طريق الالتفات، وقوله: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مجرور عطفا على الاسم الشريف، أي: ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وسبيل المستضعفين حتى تخلصوهم من الأسر، وتريحوهم مما هم فيه من الجهد، ويجوز أن يكون منصوبا على الاختصاص، أي: وأخص المستضعفين فإنهم من أعظم ما يصدق عليه سبيل الله، واختار الأوّل الزجاج والأزهري، قال محمد بن يزيد: أختار أن يكون المعنى: وفي المستضعفين، فيكون عطفا على السبيل.

2. المراد بالمستضعفين هنا: من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال الكفار، وهم الذين كان يدعو لهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيقول: (اللهمّ أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعيّاش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين) كما في الصحيح، ولا يبعد أن يقال: إن لفظ الآية أوسع، والاعتبار بعموم اللفظ لولا تقييده بقوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ فإنه يشعر: باختصاص ذلك بالمستضعفين الكائنين في مكة، لأنه قد أجمع المفسرون: على أن المراد بالقرية الظالم أهلها: مكة، وقوله: ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ بيان للمستضعفين.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/563.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. تكذيبا لقولهم: ﴿قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ زاد الله تعالى تحريضًا بقوله: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ وفيه توبيخ لمن قصَّر ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ وفي تخليص المستضعفين، كقوله: (علفتها تبنًا وماء باردًا)، أي: وسقيتها ماء؛ فالعطف على (سَبِيلِ)، ولا مانع من ترك التقدير؛ لأنَّ القتال سبيل لله وسبيل للمستضعفين؛ لأنَّ ما هو دين الله دينٌ لهم وشأنٌ لهم، أو سبيلهم: تخليصهم من أهل الشرك، فالعطف على لفظ الجلالة، والاستفعال في المستضعفين للعدِّ، أي: المعدودين ضعفاء، وعلى كلِّ حال لا يقدرون على الهجرة.

2. ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ النساء كلُّهنَّ ضعاف إلَّا ما شذَّ، والولدان كلُّهم ضِعاف، والرجال بعضهم ضعاف؛ فتجعل (مِنْ) للبيان على تقدير مضاف، هو لفظ (بعض)، أي: وهم بعض الرجال وكلُّ النساء والولدان، ولك أن لا تقدِّر بعضًا مراعاة للعهد الذهنيِّ، إذ عهدوا أنَّ في مكَّة رجالاً ضعفاء ونساء وولدانًا، حبسهم المشركون عن الهجرة وآذوهم، وضعفوا عن الهجرة لمرض أو ذلٍّ أو كِبَر سنٍّ أو خوف أو جهل طريق أو نحو ذلك، قال ابن عبَّاس  : (كنت أنا وأمِّي من المستضعفين)، أمُّه من النساء وهو من الوِلدان، وهو جمع ولد، ويجوز أن يراد بالولدان الإماء والعبيد، أطفالاً أو بلَّغًا، يقال للعبد والأَمَة: وليد ووليدة، وغلب العبد، فيراد بالرجال والنساء: الأحرار والحرائر، الشاملون للبلَّغ والصبيان، والمتبادر أنَّ الولدان: الصبيان.

3. في الآية ذمٌّ للمشركين، إذ كانوا يضربون النساء والضعفاء والصبيان مع ضعفهم وعجزهم عن القتال، ومع أنَّ الصبيان لا ذنب لهم، وقد كانوا في الجاهليَّة يستسقون بهم، ويستدفعون البلاء بهم، وجاءت السنَّة بالاستسقاء بهم.

4. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا﴾ ارزقنا خروجًا بوجه مَّا ﴿مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ مكَّة ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أنفسَهم بالشرك، وغيرَهم بظلمه في بدنه وماله، وحبسه عن الخروج، ودعائه إلى الشرك، ﴿وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا﴾ يتولَّى أمرنا بخير ﴿وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا﴾ يمنعنا من السوء، فاستجاب الله تعالى دعاءهم، فيسَّر الله جلَّ وعلا خيرَ وليٍّ وخيرَ نصير، وهو سيِّدُنا محمَّدٌ صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أو هو عتَّابُ بن أَسِيد (بفتح فكسر)، فَتَح صلّى الله عليه وآله وسلّم مكَّة وولَّاه عليهم، أو الناصر الذي أعطاهم الله: رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ؛ لأنَّهم انتصروا بفتحه، والوليُّ: عتَّاب، وعلى كلِّ حال تولَّاهم عَتَّاب وهو ابن ثماني عشرة سنة، ونصرهم فصاروا أعزَّة أهلها، ويسَّر الله سبحانه الخروج لبعضٍ قبل الفتح، وقيل: (نَصِيرًا) بمعنى: حجَّة ثابتة.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/225.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ خطاب للمأمورين بالقتال، على طريقة الالتفات، مبالغة في التحريض عليه، وتأكيدا لوجوبه، وقوله تعالى‏ ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ مجرور، عطفا على اسم الله، أي: في سبيل المستضعفين الذين هم كأنفسكم، وهو تخليصهم من الأسر وصونهم عن العدوّ، أو على السبيل، بحذف المضاف، أي في خلاص المستضعفين، أو منصوب على الاختصاص، يعني: وأختص من سبيل الله خلاص المستضعفين، لأن سبيل الله عام في كل خير، وخلاص المستضعفين من المسلمين من أيدي الكفار من أعظم الخير وأخصّه، قال في (الانتصاف): وفي النصب مبالغة في الحث على خلاصهم من جهتين: إحداهما ـ التخصيص بعد التعميم، فإنه يقتضي إضمار الناصب الذي هو أختص، ولولا النصب لكان التخصيص معلوما من إفراده بالذكر، ولكن أكد هذا المعلوم بطريق اللزوم، بأن أخرجه إلى النطق.

2. ﴿مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ بيان للمستضعفين، أو حال منهم، وهم المسلمون الذين صدّهم المشركون عن الهجرة، فبقوا بمكة مستذلين مستضعفين يلقون منهم الأذى الشديد، وكان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم يدعو لهم فيقول‏: اللهم! أنج الوليد بن الوليد وسلمة بن هشام وعياش بن أبي ربيعة والمستضعفين من المؤمنين، كما في الصحيح.

3. إنما ذكر (الولدان) معهم، تكميلا للاستعطاف واستجلاب المرحمة، وتنبيها على تناهي ظلم المشركين، بحيث بلغ أذاهم الصبيان، وإيذانا بإجابة الدعاء الآتي بسبب مشاركتهم في الدعاء.

4. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ من إيذاء أهل مكة وإذلالهم إياهم، متبرئين من المقام بها ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ أي: بالشرك الذي هو ظلم عظيم، وبأذية المسلمين، وهي مكة، و(الظالم) صفتها، وتذكيره لتذكير ما أسند إليه، فإن اسم الفاعل والمفعول إذا أجري على غير من هو له، كان كالفعل في التذكير والتأنيث، بحسب ما عمل فيه، قاله أبو السعود.

5. ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا﴾ أي: سخر لنا من عندك حافظا يحفظ علينا ديننا ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ناصرا يدفع عنا أذيّات أعدائنا، أو المعنى: واجعل لنا من لدنك ولاية ونصرة، أي: لتكن أنت ولينا وناصرنا، وقد استجاب الله عز وجل دعاءهم حيث يسرّ لبعضهم الخروج إلى المدينة، وجعل لمن بقي منهم خير وليّ وأعزّ ناصر، ففتح مكة على نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم، فتولّاهم أيّ تولّ، ونصرهم أية نصرة، حتى صاروا أعزّ أهلها.

6. قال بعض المفسرين: ثمرة هذه الآية تأكيد لزوم الجهاد، لأنه تعالى وبخ على تركه، وتدل الآية على لزوم استنقاذ المسلم من أيدي الكفار، ويأتي مثل هذا استنقاذه من كل مضرة، من ظالم أو لص وغير ذلك، ووجه مأخذ ذلك، أنه تعالى جعل ذلك كالعلم للانقطاع إليه، وتدل على أن حكم الولدان حكم الآباء، لأن الظاهر أنه أراد الصغار.

7. قال الزمخشريّ: ويجوز أن يراد بالرجال والنساء، الأحرار والحرائر، وبالولدان، العبيد والإماء، لأن العبد والأمة يقال لهما: الوليد والوليدة، وقيل (للولدان والولائد): الولدان، لتغليب الذكور على الإناث، كما يقال: الآباء والإخوة، وتدل الآية على أن للداعي حقّا عند الله، لأنه جعل ذلك اختصاصا لنصرته، وتدل على لزوم الهجرة من ديار الكفر، وأن المؤمن لا يذل نفسه بجعله مستضعفا، لأنه تعالى أوجب المقاتلة لزوال الغلبة عليهم، وفي الآيات هذه تأكيدات متتابعة على لزوم الجهاد.

8. قال ناصر الدين في (الانتصاف): وقفت على نكتة في هذه الآية حسنة، وهي أن كل قرية ذكرت في الكتاب العزيز، فالظلم ينسب إليها بطريق المجاز، كقوله: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ ـ إلى قوله ـ ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾ [النحل: 112]، وقوله: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص: 58]، وأما هذه القرية (في سورة النساء) فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة، لأن المراد بها مكة، فوقرت عن نسبة الظلم إليها، تشريفا لها، شرّفها الله تعالى.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/224.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ التفات إلى الخطاب لزيادة الحث على القتال الذي لا بد منه لكونه في سبيل الحق، أي وماذا ثبت لكم من الأعذار في حال ترك القتال حتى تتركوه؟ أي لا عذر لكم ولا مانع يمنعكم أن تقاتلوا في سبيل الله، لإقامة التوحيد مقام الشرك، وإحلال الخير محل الشر، ووضع العدل والرحمة، في موضع الظلم والقسوة: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ أي وفي سبيل المستضعفين، أو وأخص من سبيل الله إنقاذ المستضعفين، من ظلم الأقوياء الجبارين، وهم إخوانكم في الدين، وقد استذلهم أهل مكة ونالوا منهم بالعذاب والقهر، ومنعوهم من الهجرة ليفتنوهم عن دينهم، ويردوهم في ملتهم.

2. قال محمد عبده: الخطاب لضعفاء الإيمان من المسلمين، لا للمنافقين، والمستضعفون هم المؤمنون المحصورون في مكة يضطهدهم المشركون ويظلمونهم وقد جعل لهم سبيلا خاصا عطفه على سبيل الله مع أنه داخل فيه كما علم من تفسيرنا له، والنكتة فيه إثارة النخوة، وهز الأريحية الطبيعية، وإيقاظ شعور الأنفة والرحمة، ولذلك مثل حالهم، بما يدعو إلى نصرتهم، فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾

3. بين أنهم فقدوا من قومهم لأجل دينهم كل عون ونصير، وحرموا كل مغيث وظهير، فهم لتقطع أسباب الرجاء بهم، يستغيثون ربهم، ويدعونه ليفرج كربهم، ويخرجهم من تلك القرية وهي وطنهم، لظلم أهلها لهم، ويسخر لهم بعنايته الخاصة من يتولى أمرهم، وينصرهم على من ظلمهم، ليهاجروا إليكم، ويتصلوا بكم، فإن رابطة الإيمان، أقوى من روابط الأنساب والأوطان، (وإن جهل ذلك في هذا الزمان من لا حظ لهم من الإسلام) فليكن كل منكم وليا لهم ونصيرا، وقد بينا بعض ما كان عليه مشركوا مكة من ظلم المسلمين وتعذيبهم، ليردوهم عن دينهم، في تفسير ﴿وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ﴾ [البقرة: 191] من سورة البقرة حتى كان ذلك سبب الهجرة وما كل أحد قدر على الهجرة فالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وصاحبه صلّى الله عليه وآله وسلّم هاجرا ليلا ولو ظفروا بهما لقتلوهما إن استطاعوا وكانوا يصدون سائر المسلمين عن الهجرة، ويعذبون مريدها عذابا نكرا، وما كان سبب شرع القتال إلا عدم حرية الدين، وظلم المشركين للمسلمين، ومع هذا كله، وما أفاضت به الآيات من بيانه، يقول الجاهلون والمتجاهلون: إن الإسلام نشر بالسيف والقوة، فأين كانت القوة من أولئك المستضعفين؟.

4. القتال في نفسه أمر قبيح ولا يجيز العقل السليم ارتكاب القبيح إلا لإزالة شر أقبح منه، والأمور بمقاصدها وغاياتها، ولذلك بين القرآن في عدة مواضع حكمة القتال وكونه للضرورة وإزالة المفسدة، وإدالة المصلحة، ولم يكتف هنا ببيان ما في هذه الآية من كون القتال المأمور به مقيدا في سبيل الله وهي سبيل الحق والعدل، وإنقاذ المستضعفين المظلومين من الظلم، حتى أكده بإعادة ذكره، مع مقابلته بضده، وهو ما يقاتل الكفار لأجله، فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾

5. من مباحث اللفظ في الآية الثانية تذكير صفة اللفظ المؤنث في قوله: ﴿الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ لتذكير ما أسند إليه فإن اسم الفاعل أو المفعول إذا أجري على غير من هو له كان كالفعل يذكر ويؤنث على حسب ما عمل فيه، فالظالم أهلها هنا كقولك التي يظلم أهلها.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/260.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. زاد الله تعالى ترغيبا فيه فقال: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي وأىّ عذر لكم يمنعكم أن تقاتلوا في سبيل الله لتقيموا التوحيد مقام الشرك، وتحلّوا الخير محل الشر، وتضعوا العدل والرحمة موضع الظلم والقسوة.

2. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ أي وفي سبيل المستضعفين إخوانكم في الدين الذين استذلهم أهل مكة الأقوياء الجبابرة وآذوهم أشد الإيذاء، ليمنعوهم من الهجرة ويفتنوهم عن دينهم ويردوهم في ملتهم، وقد جعل الله هؤلاء سبيلا لإثارة النخوة وهزّ الأريحية، وإيقاظ شعور الرحمة والأنفة، فوصفهم بما يجعل نفس الحر تشتعل حماسة وغيرة على إنقاذهم والسعى في رفع الظلم عنهم فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾

3. أي إن هؤلاء المستضعفين فقدوا النصير والمعين، وتقطعت بهم أسباب الرجاء، فاستغاثوا بربهم ودعوه ليفرّج كربهم ويخرجهم من تلك القرية (مكة) لظلم أهلها لهم ويسخّر لهم بعنايته من يتولى أمرهم وينصرهم على من ظلمهم فيتمكنوا بذلك من الهجرة إليكم ويرتبطوا بكم بأقوى الروابط وهى رابطة الإيمان فهي أقوى من رابطة الأنساب والأوطان، وما كل أحد من المسلمين قدر على الهجرة، فقد كانوا يصدونهم عنها ويعذبون مريديها عذابا شديدا، وما شرع القتال إلا لعدم حرية الدين، وظلم المشركين للمسلمين، فالقتال قبيح ولا يجيزه العقل السليم إلا لإزالة قبيح أشد منه ضررا، والأمور بمقاصدها وغاياتها.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/92.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. يلتفت الله تعالى هذه الالتفاتة ليوحي إليهم بسمو المقصد، وشرف الغاية، ونبل الهدف، في هذا القتال، الذي يدعوهم أن ينفروا إليه، غير متثاقلين ولا مبطئين، وذلك في أسلوب تحضيضي؛ يستنكر البطء والقعود: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾، وكيف تقعدون عن القتال في سبيل الله؛ واستنقاذ هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والولدان؟ هؤلاء الذين ترتسم صورهم في مشهد مثير لحمية المسلم، وكرامة المؤمن، ولعاطفة الرحمة الإنسانية على الإطلاق؟

2. هؤلاء الذين يعانون أشد المحنة والفتنة؛ لأنهم يعانون المحنة في عقيدتهم، والفتنة في دينهم، والمحنة في العقيدة أشد من المحنة في المال والأرض والنفس والعرض، لأنها محنة في أخص خصائص الوجود الإنساني، الذي تتبعه كرامة النفس والعرض، وحق المال والأرض! ومشهد المرأة الكسيرة والولد الضعيف، مشهد مؤثر مثير، لا يقل عنه مشهد الشيوخ الذين لا يملكون أن يدفعوا ـ وبخاصة حين يكون الدفع عن الدين والعقيدة ـ وهذا المشهد كله معروض في مجال الدعوة إلى الجهاد، وهو وحده يكفي، لذلك يستنكر القعود عن الاستجابة لهذه الصرخات.. وهو أسلوب عميق الوقع، بعيد الغور في مسارب الشعور والإحساس.

3. ولا بد من لفتة هنا إلى التصور الإسلامي للبلد والأرض والوطن: إن‏ ﴿هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ التي يعدها الإسلام ـ في موضعها ذاك ـ دار حرب، يجب أن يقاتل المسلمون لاستنقاذ المسلمين المستضعفين منها، هي (مكة) وطن المهاجرين، الذين يدعون هذه الدعوة الحارة إلى قتال المشركين فيها، ويدعو المسلمون المستضعفون هذه الدعوة الحادة للخروج منه! إن كونها بلدهم لم يغير وضعها في نظر الإسلام ـ حين لم تقم فيها شريعة الله ومنهجه؛ وحين فتن فيها المؤمنون عن دينهم، وعذبوا في عقيدتهم.. بل اعتبرت بالنسبة لهم هم أنفسهم (دار حرب).. دار حرب، هم لا يدافعون عنها، وليس هذا فحسب بل هم يحاربونها لإنقاذ إخوتهم المسلمين منها.. إن راية المسلم التي يحامي عنها هي عقيدته، ووطنه الذي يجاهد من أجله هو البلد الذي تقام شريعة الله فيه؛ وأرضه التي يدفع عنها هي‏ (دار الإسلام) التي تتخذ المنهج الإسلامي منهجا للحياة.. وكل تصور آخر للوطن هو تصور غير إسلامي، تنضح به الجاهليات، ولا يعرفه الإسلام.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/709.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ وما ذا يقعد بالمؤمنين عن الجهاد، ويصرف وجوههم عنه، وبين أيديهم أسبابه قائمة، ودواعيه مجتمعة؟ فهؤلاء البغاة الطغاة يتسلطون على المستضعفين، من الرجال والنساء والولدان، الذين لا يستطيعون دفع العدوان، ولا يقدرون على الإفلات من هذا العذاب المسلط عليهم، وليس لهم إلا الضراعة إلى الله واللجأ إليه أن يخلصهم من هذا البلاء، وأن يسوق إليهم من رحمته جندا من جنده، وعبادا من عباده، ينتصرون لهم، ويدفعون يد العدوان عنهم!

2. إن المروءة ـ قبل الدّين ـ تقضى بأن يخفّ أهل النجدة والنخوة، إلى استنفاذ هؤلاء المستضعفين، الذين تسلطت عليهم الذئاب، وعلقت بهم شباك الضّالين الظالمين، فكيف إذا كان هؤلاء الضعاف المستضعفون، إنما يلقون ما يلقون من عنت وإرهاق، لأنهم آمنوا بالله، واستجابوا لرسول الله؟

3. إن كل مسلم مطالب ـ ديانة ومروءة ـ أن يجاهد لخلاصهم، وأن يستشهد في سبيل الحق الذي استمسكوا به، وأوذوا بسببه، فهم ـ والأمر كذلك ـ في الجبهة المقاتلة مع المؤمنين، ولزام على كل مؤمن أن يدفع الضرّ عنهم، وأن يردّ يد البغي المتسلطة عليهم.

4. في قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ إشارة مضيئة، تكشف عن جماعة المجاهدين الذين ندبهم الله لاستنفاذ هؤلاء المستضعفين.. إن هؤلاء المجاهدين هم جند الله الذين بعثهم من لدنه، ليكونوا أولياء ونصراء لهؤلاء الضعفاء.. إنهم استجابة لدعوة هؤلاء المظلومين، حين وجهوا وجوههم إلى الله ضارعين قائلين: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/836.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الخطاب في قوله تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ التفات من طريق الغيبة، وهو طريق‏ الموصول في قوله: ﴿الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ﴾ إلى طريق المخاطبة، ومعنى‏ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ ما يمنعكم من القتال، وأصل التركيب: أي شيء حقّ لكم في حال كونكم لا تقاتلون، فجملة ﴿لَا تُقَاتِلُونَ﴾ حال من الضمير المجرور للدلالة على ما منه الاستفهام، والاستفهام إنكاري، أي لا شيء لكم في حال لا تقاتلون، والمراد أنّ الذي هو لكم هو أن تقاتلوا، فهو بمنزلة أمر، أي قاتلوا في سبيل الله لا يصدّكم شيء عن القتال، وقد تقدّم قريب منه عند قوله تعالى: ﴿قَالُوا وَمَا لَنَا أَلَّا نُقَاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في سورة البقرة.

2. معنى‏ ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ لأجل دينه ولمرضاته، فحرف (في) للتعليل، ولأجل المستضعفين، أي لنفعهم ودفع المشركين عنهم.

3. (المستضعفون) الذين يعدّهم الناس ضعفاء، و(فالسين والتاء للحسبان، وأراد بهم من بقي من المؤمنين بمكة من الرجال الذين منعهم المشركون من الهجرة بمقتضى الصلح الذي انعقد بين الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وبين سفير قريش سهيل بن عمرو؛ إذ كان من الشروط التي انعقد عليها الصلح: أنّ من جاء إلى مكة من المسلمين مرتدا عن الإسلام لا يردّ إلى المسلمين، ومن جاء إلى المدينة فارّا من مكة مؤمنا يردّ إلى مكة، ومن المستضعفين الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، وأمّا النساء فهنّ ذوات الأزواج أو ولايي الأولياء المشركين اللائي يمنعهنّ أزواجهنّ وأولياؤهنّ من الهجرة: مثل أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي معيط، وأمّ الفضل لبابة بنت الحارث زوج العباس، فقد كنّ يؤذين ويحقّرن، وأمّا الولدان فهم الصغار من أولاد المؤمنين والمؤمنات، فإنّهم كانوا يألمون من مشاهدة تعذيب آبائهم وذويهم وإيذاء أمّهاتهم وحاضناتهم، وعن ابن عباس أنّه قال كنت أنا وأمّي من المستضعفين.

4. والقتال في سبيل هؤلاء ظاهر، لإنقاذهم من فتنة المشركين، وإنقاذ الولدان من أن يشبّوا على أحوال الكفر أو جهل الإيمان.

5. والقرية هي مكّة، وسألوا الخروج منها لما كدّر قدسها من ظلم أهلها، أي ظلم الشرك وظلم المؤمنين، فكراهية المقام بها من جهة أنّها صارت يومئذ دار شرك ومناواة لدين الإسلام وأهله، ومن أجل ذلك أحلّها الله لرسوله أن يقاتل أهلها، وقد قال عباس بن مرداس يفتخر باقتحام خيل قومه في زمرة المسلمين يوم فتح مكة:

çشهدن مع النبي مسوّمات‏...حنينا وهي دامية الحوامي‏

ووقعة خالد شهدت وحكّت‏...سنابكها على البلد الحرام‏é

وقد سألوا من الله وليّا ونصيرا، إذ لم يكن لهم يومئذ وليّ ولا نصير فنصرهم الله بنبيئه والمؤمنين يوم الفتح.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/187.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذه الآيات، وما يليها من آيات كريمات، للحض على الجهاد في سبيل الله وقد ابتدأ بدعوة المؤمنين لأخذ الأهبة، والنفرة للجهاد في سبيل الله وإعلاء الحق، والحفاظ على جماعتهم، وحماية أنفسهم، وأخذ الحذر لكيلا ينقض عليهم أعداؤهم، وإنه في سبيل الاستعداد أن يبعدوا عن حسابهم أولئك الذين يثبطون عن القتال ولا يحتسبوا في عدادهم إلا أولئك الذين باعوا أنفسهم لله، وباعوا متع الحياة الدنيا، لينالوا نعيم الآخرة.

2. وفي هذه الآيات يحض على القتال بتذكيرهم بشرف ما يجاهدون من أجله، وهو رضا الله، وإعلاء كلمة الحق، ويذكرهم بإخوانهم الذين يرهقون بالظلم، ويعيشون مستضعفين أذلاء، لا يجدون وليا يلى أمرهم، ولا نصيرا ينصرهم ويستنقذهم مما هم فيه من بلاء، ولذلك قال تعالى: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ أي شيء ثبت لكم، حتى صرتم في حال لا تقاتلون فيها في طريق الله طريق الحق الصحيح، والدين الذي لا شك فيه، والهداية التي فيها خير الإنسانية في الدنيا، وحسن المآل في الآخرة، ولا تقاتلون في سبيل أولئك الذين استضعفوا لعدم وجود من ينصرهم، فضعفوا، وهانوا على أولئك الظالمين، وإن لم يهونوا عند الله سبحانه وتعالى، وعندكم أنتم أهل الحق والإيمان.

3. وأولئك المستضعفون الذين أراد المشركون إضعافهم وإذلالهم، منهم الرجال الذين سلبوا كل حول وقوة، وصاروا أذلاء، ومنهم النساء اللائى لا قدرة لهن بحكم الأنوثة ومنهم الذرية الضعاف.

4. هنا بحوث نحوية وبلاغية، لا بد من الإشارة إليها:

أ. أولها: موضع‏ ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ من الإعراب، وقد قيل: إن (ما) دخلت على فعل محذوف يتضمن الكلام معناه ويقتضى تقديره، ويكون‏ المؤدى ما يثبت لكم حال كونكم لا تقاتلون في سبيل الله، فقوله سبحانه: ﴿لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ استفهام إنكارى، وموضع الاستنكار أنهم لا يقاتلون في سبيل الله مع توافر دواعى القتال من الإيمان وحماية من تجب حمايتهم بحكم الشرف، والكرامة الإنسانية.

ب. ثانيها: قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ فإنهم قالوا إن القتال لاستنقاذهم قتال في سبيل الله، فلما ذا ذكر بعد القتال في سبيل الله، وهو يشمله؟ وقد أجابوا عن ذلك بأن هذا من قبيل عطف الخاص على العام؛ لأن للخاص مزيد عناية بيانية، ومنهم من قال إن قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ منصوب على الاختصاص، والمعنى: لا تقاتلون في سبيل الله وخصوصا المستضعفين إلخ، ومهما يكن من التخريج النحوى، فإن المؤدى أن النص على هؤلاء للتحريض على القتال، بحكم الشرف والمروءة، بعد التحريض عليه بحكم الدين والقربى إلى الله سبحانه وتعالى، ذلك أن العربي الكريم المعدن، وإن لم يكن مؤمنا، يرى من المروءة والشرف والنجدة ألا يعتدى على ضعيف، لا قوة له، وأن من الواجب عليه أن ينصره، وأن يغيثه.

ج. ثالثها: أن النص على النساء والولدان الصغار فيه تحريض أقوى تحريض؛ لأن هؤلاء يعيرون إذا تركوهم في أيدى الأعداء، وذكر الأولاد بالذات، وهم لم يجنوا أي جناية، فيه حث بذاته على القتال، فإذا كان المشركون قد أفحشوا في الاعتداء، فليس للمسلمين أن يخذلوا هؤلاء الضعفاء.

5. إن هؤلاء المستضعفين من الرجال والنساء والذرية ليسوا مستسلمين للظلم، ولكنهم يريدون دفعه، ويتجهون إلى الله تعالى أن يخرجهم منه، إذ يقولون كما حكى الله سبحانه وتعالى عنهم: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ لا يجدون لهم قوة إلا الدعاء والضراعة إلى الله سبحانه وتعالى يطلبون معونته وإمدادهم، فيقولون مقرين بأن لله وحده حق الربوبية، وبأنه هو الذى يحوطهم ويكلؤهم، وأنه وحده الذي يملك أمرهم: أخرجنا من هذه المدينة الكبيرة، وهى مكة، التي يظلمنا أهلها، والظلم شأن من شؤونهم، ويضرعون إليه سبحانه أن يجعل لهم وليا ينتمون إليه، وولاية قوية يشعرون تحت سلطانها بالعزة والكرامة، ويبتعدون عن ولاية الكافرين الظالمة العاتية الباغية، وأن يجعل لهم من ينصرهم، ويخرجهم من نير أهل الكفر، فهاهنا ثلاثة مطالب متلاحقة لهم توجهوا بها إلى ربهم:

أ. أولها: الإخراج من نير الظلم، وحكم الظالمين.

ب. ثانيها: أن يكونوا تابعين لولاية دولة الله، وهى الدولة الإسلامية، فلا يخرجون مشردين لا دولة تحميهم، ولا ديار تؤويهم.

ج. ثالثها: أن يكون لهم من الله نصير دائم ينصرهم، فلا يتمكن الأعداء منهم.

6. هنا بحوث بلاغية:

أ. أولها ـ أن المراد من القرية مكة، وقد وصف أهلها بأنهم ظالمون، ولم توصف هي بأنها ظالمة، كما وصف غيرها من القرى مثل قوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص‏] وذلك تكريم لمكة، إذ هي حرم الله الآمن، ولم يمكن أن يوصف حرم الله الآمن بالظلم، ولو على سبيل المجاز والتقدير، وقد قال ناصر الدين السكندرى في كتابه (الانتصاف) في هذه الآية ما نصه: (ووقفت على نكتة في هذه الآية حسنة، وهى أن كل قرية ذكرت في الكتاب العزيز، فالظلم إليها ينسب بطريق المجاز، كقوله تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً﴾ [النحل‏] إلى قوله تعالى: ﴿فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَكَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ بَطِرَتْ مَعِيشَتَهَا﴾ [القصص‏]، وأما هذه القرية في سورة النساء، فينسب الظلم إلى أهلها على الحقيقة، لأن المراد بها مكة، فوقرت عن نسبة الظلم إليها، تشريفا لها، شرفها الله تعالى)

ب. ثانيها ـ أن النص يفيد أنهم يحسون بأن النصرة لا تكون إلا من الله، وأن الولاية لا تكون إلا منه فهم بذلك معتزون مطمئنون، ولو كانوا مستضعفين لا حول لهم ولا طول؛ لأن من التجأ إلى الله تعالى عزيز، ولو كان في أرض الذل.

ج. ثالثها ـ في التعبير ﴿لَدُنْكَ﴾ وهى بمعنى (عند)، ولا تكاد تستعمل في القرآن إلا مضافة إلى لفظ الجلالة، وعلى أي حال هي تفترق عن عند بأن (عند) تستعمل للعلو، والانخفاض في العندية، كما تستعمل في التساوى، فيقال فلان عند فلان إذا كانا متساويين في الرتبة أحدهما دون الآخر، أما (لدنك) فإنها لا تستعمل إلا إذا كان المضاف إليه عاليا، والمضاف دونه، فهذا التعبير يشير إلى أن أولئك الضعفاء قد لجئوا إلى الجانب الأعلى الذي لا يدانيه علو في الأرض ولا في السماء، وإذا كانوا قد لجئوا إلى الله، فإن الله ناصرهم.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1762.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هاجر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من مكة الى المدينة، وهاجر معه من استطاع من المسلمين، وبقي فيها من عجز عن الهجرة، وفيهم رجال ونساء وأطفال، وكانوا يلقون من المشركين أذى شديدا من أجل دينهم، ولا يستطيعون الدفاع عن أنفسهم، ولا يجدون معينا، ومن أجل هذا وصفهم سبحانه بالمستضعفين، ولما تقطعت بهم الأسباب لجأوا الى الله، وهم يقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ ـ أي مكة ـ: ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾

2. وقد جعل الله من محنة المستضعفين سبيلا لحث المسلمين على الجهاد لخلاص إخوانهم في الدين، وبقي جماعة من المستضعفين بمكة الى عام الفتح، حيث دخل الرسول المسجد الحرام منتصرا، واستسلم صناديد الشرك، وتحطمت الأصنام، وعلت كلمة الإسلام، ومنّ الله على الذين استضعفوا في مكة، وصاروا أعز أهلها.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/379.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ﴾ عطف على موضع لفظ الجلالة، والآية تشتمل على حث وتحريض آخر على القتال في لفظ الاستفهام بتذكير أن قتالكم قتال في سبيل الله سبحانه، وهو الذي لا بغية لكم في حياتكم السعيدة إلا رضوانه، ولا سعادة أسعد من قربه، وفي سبيل المستضعفين من رجالكم ونسائكم وولدانكم.

2. ففي الآية استنهاض وتهييج لكافة المؤمنين وإغراء لهم: أما المؤمنون خالصو الإيمان وطاهرو القلوب فيكفيهم ذكر الله جل ذكره في أن يقوموا على الحق ويلبوا نداء ربهم ويجيبوا داعيه، وأما من دونهم من المؤمنين فإن لم يكفهم ذلك فليكفهم أن قتالهم هذا على أنه قتال في سبيل الله قتال في سبيل من استضعفه الكفار من رجالهم ونسائهم وذراريهم فليغيروا لهم وليتعصبوا.

3. والإسلام وإن أبطل كل نسب وسبب دون الإيمان إلا أنه أمضى بعد التلبس بالإيمان الأنساب والأسباب القومية فعلى المسلم أن يفدي عن أخيه المسلم المتصل به بالسبب الذي هو الإيمان، وعن أقربائه من رجاله ونسائه وذراريه إذا كانوا على الإسلام فإن ذلك يعود بالآخرة إلى سبيل الله دون غيره.

4. وهؤلاء المستضعفون الذين هم أبعاضهم وأفلاذهم مؤمنون بالله سبحانه بدليل قوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾، وهم مع ذلك مذللون معذبون يستصرخون ويستغيثون بقولهم: ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها، وقد أطلق الظلم، ولم يقل: الظالم أهلها على أنفسهم، وفيه إشعار بأنهم كانوا يظلمونهم بأنواع التعذيب والإيذاء وكذلك كان الأمر.

5. وقد عبر عن استغاثتهم واستنصارهم بأجمل لفظ وأحسن عبارة فلم يحك عنهم أنهم يقولون: يا للرجال، يا للسراة، يا قوماه، يا عشيرتاه بل حكى أنهم يدعون ربهم‏ ويستغيثون بمولاهم الحق فيقولون: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ثم يشيرون إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وإلى من معه من المؤمنين المجاهدين بقولهم: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾، فهم يتمنون وليا، ويتمنون نصيرا لكن لا يرضون دون أن يسألوا ربهم الولي والنصير.

6. انظر إلى هذا الأدب البارع الإلهي الذي أتى به الكتاب العزيز وقسه إلى ما عندنا من ذلك بحسب قضاء الطبع ترى عجبا، لا شك أن في البنية الإنسانية ما يبعثه إلى الدفاع عما يحترمه ويعظمه كالذراري والنساء والجاه وكرامة المحتد ونحو ذلك وهو حكم توجبه الفطرة الإنسانية وتلهمه إياه لكن هذا الدفاع ربما كان محمودا إذا كان حقا وللحق، وربما كان مذموما يستتبع الشقاء وفساد أمور الحياة إذا كان باطلا وعلى الحق.

7. والإسلام يحفظ من هذا الحكم أصله وهو ما للفطرة، ويبطل تفاصيله أولا ثم يوجهه إلى جهة الله سبحانه بصرفه عن كل شيء ثم يعود به إلى موارده الكثيرة فيسبك الجميع في قالب التوحيد بالإيمان بالله فيندب الإنسان أن يتعصب لرجاله ونسائه وذراريه ولكل حق بإرجاع الجميع إلى جانب الله فالإسلام يؤيد حكم الفطرة، ويهذبه من شوب الأهواء والأماني الفاسدة ويصفي أمره في جميع الموارد، ويجعلها جميعا شريعة إنسانية يسلكها الإنسان على الفطرة، ويخلصها من ظلمة التناقض إلى نور التوافق والتسالم، فما يدعو إليه الإسلام ويشرعه لا تناقض ولا تضاد بين أجزائه وأطرافه، يشترك جميعها في أنها من شؤون التوحيد، ويجتمع كلها في أنها اتباع للحق فيعود جميع الأحكام حينئذ كلية ودائمة وثابتة من غير تخلف واختلاف.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/420.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ﴾ سؤال استنكار عن سبب ترك القتال ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ مع وجود الباعث عليه لمن آمن واتقى وضعف الصارف عنه بحيث لا ينبغي للمؤمن أن يعتذر به، كأن يقول السبب حب الحياة العاجلة ونسيان الآخرة؛ لأن متاع الدنيا قليل والآخرة خير لمن اتقى.

2. ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ وفي المستضعفين لأنهم إخوة في الدين مقهورون، وفيها دلالة على حق المؤمن على المؤمن، وأنه يشترك فيه الذكر والأنثى، والحر والعبد، قال في (الصحاح): (والوليد: الصبي والعبد، والجمع: ولدان ووِلْدَة)، قال في (المصابيح): (قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآيتان الكريمتان على وجوب القتال في سبيل الله، واستنقاذ الضعفاء المؤمنين الذين يحبون الهجرة ولا يستطيعون سبيلاً من الرجال والنساء والولدان)

3. قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا﴾ يدل على أنهم راغبون في الهجرة إلا أنهم لم يستطيعوا فدعوا الله أن يخرجهم من القرية التي هم فيها ساكنون؛ لأن أهلها ظالمون ولا يستطيعون الهجرة من بينهم ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك ﴿وَلِيًّا﴾ يتولى شؤوننا ويقوم بمصالحنا ويدفع عنا عدونا ونجاهد تحت قيادته ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ ينصرنا على أهل هذه القرية.

4. قولهم: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ يفيد: أنهم طلبوا أن يجعل الله ذلك من عنده وهو الولي الذي يستطيعون معه العمل بدين الله الذي يرضاه الله لهم غير ولاة السوء، وكذلك قولهم: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ فيظهر: أنهم أرادوا بهذا الدعاء طلب نصر الله لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى يفتح بلد الظلمة ويخلص المستضعفين من ظلم الظالمين؛ لأن ذلك هو الذي يتصور في تلك الحال.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/110.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. تتابع الآيات حديثها عن الأهداف الواقعية للجهاد بطريقة الإثارة، فتتوجه إلى المؤمنين بأسلوب يوحي بأن الأوضاع القلقة التي يعيشها المستضعفون تجعلهم لا يجدون لديهم وليا ولا نصيرا إلا الله، وذلك من خلال حالة الاستضعاف التي يعيشونها أمام حالة الاستكبار في كل ما يملكه الأعداء من قوىّ مادية ومعنوية لا بدّ أن تفرض حلّا حاسما لتغيير هذا الواقع من خلال الموقف، فكيف يواجه المؤمنون الذين يحملون لواء الدعوة إلى‏ الله، لتتساقط كل الأصنام الحجرية والبشرية على الأرض ولتتحطم كل القوى الظالمة الباغية أمام قوة الحق والعدل؟ كيف يواجهون الموقف، وهم يشاهدون كل هذه المآسي التي تتمثل في المظالم التي يقوم بها المستكبرون ضد المستضعفين، من جلدهم بالسياط وقتلهم وسجنهم وإخراجهم من ديارهم، لا لذنب جنوه، بل لأنهم رفضوا عبادة الأصنام وقالوا ربنا الله بكل صدق وصراحة وإيمان، ووقفوا في حالة اشتداد القهر والألم والظلم أمام الله، ليستغيثوا به ويبتهلوا إليه أن يخرجهم من هذه القرية الظالم أهلها، وأن يجعل لهم من لدنه وليا ونصيرا، إن الله يأمرهم بالقتال من أجل تحقيق الأهداف التي انطلق الإسلام ـ وكل رسالات الله ـ من أجلها، وهي إقامة العدل في كل أرض، ورفع الظلم عن كل إنسان، وتوفير الأمن والطمأنينة للحياة على أساس حكم الله وكلمة، وتلك هي أهداف القتال في الإسلام، فإنه لم يدع إلى القتال للسيطرة الاستعلائية التي تريد أن تحكم لتحقق للحاكم شهواته في العلو والاستكبار، أو لتفسح المجال للإفساد من خلال القوة الغاشمة التي يهيئها القتال للحكّام، بل دعا إليه من أجل أن يحقق للحياة رسالتها، وللإنسان إنسانيته، ولهذا جاءت الآية لتثير في داخل المؤمنين إيمانهم وعاطفتهم ومسئوليتهم عن الناس والحياة.

2. ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الذي حدّد لكم أهدافكم في رسالته التي تدعوكم إلى إقامة حكم الله في الأرض وتشييد الحق والعدل وهدم الباطل والظلم، فينبغي لكم أن تنطلقوا بكل الوسائل التي تحقق للإسلام حريته في الدعوة إلى الله في كل مناحي الأرض، ﴿وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾ الذين يتعرضون لأبشع أنواع الظلم والقهر والاستبداد ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ تحت وطأة الوضع الذي لا يطاق، في ابتهال خاشع مستغيث: ﴿رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ﴾ مكة ﴿الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾، لكل الناس الذين لا يخضعون لهم من الضعفاء الذين لا يملكون مقومات القوة الذاتية، فيلجئون إلى الله ليجعل لهم السبيل إلى القوة حيث لا قوة، وإلى النصرة حيث لا نصرة، ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾ وأيّ دور أعظم من هذا الدور الذي جعله الله للمؤمنين، وأيّ تكريم أفضل من هذا التكريم الذي منحهم إياه، في ما أراده منهم من القيام بشؤون الولاية والنصرة للمستضعفين، باعتبارهم القوة المؤمنة العادلة التي تعمل لتنفيذ إرادة الله في الأرض، وفقا لسننه في مسيرة الحياة التي جرت على أن النصر الذي يمنحه الله لعباده لا بد أن يتم بالأسباب الطبيعية التي وضعها بين أيديهم.

3. وهكذا نفهم، من خلال هذه الآية، رفض الفكرة التي يوجهها أعداء الإسلام للإسلام بأنه دين العنف والقتال، فإن العنف لم يكن إلا لتدمير العنف الظالم الذي يتمثل في القوى الغاشمة التي تضغط على إرادة المستضعفين، أمّا ما عدا ذلك، فإن الإسلام دين الرحمة والمحبة الذي يحتوي الحياة كلها بكل وداعة وتسامح واطمئنان.

4. يختم الله هذا النداء بتقرير الحقيقة الإيمانية، في الخط الفاصل بين قتال المؤمنين وقتال الكافرين؛ فإن المؤمنين يقاتلون في سبيل الله، فليس لهم أيّ هدف يتصل بالحالة الشخصية للمقاتل، أو بالنوازع الذاتية التي تربطه بعلاقاته وشهواته وأطماعه، أو بالأشخاص الذين يمثلون خط الطاغوت في الفكر والعمل والموقف، بل كل ما هناك، أنه يقاتل في سبيل الله الذي هو الوجه المشرق لسلامة الحياة والإنسان، أما الكفار، فإنهم يقاتلون في سبيل الطاغوت، بما يمثّله من الفكر الباطل والحكم الطاغي والشريعة المنحرفة والأهواء الضالة والفريق الظالم والفئة الشريرة الكافرة، وهذا ما يوحي للمؤمنين دائما بتحديد الساحة التي يقاتلون فيها، من خلال تحديد القيادة التي تقود الساحة، والحكم الذي يحكمها، والأفكار التي تسيطر عليها، والأهداف التي تستهدفها، والجبهة التي تعمل معها، أو تحاربها، فذلك هو الذي يحقق له مصداقية شخصيته الإيمانية من جهة، ويمنح موقفه الشرعية الإسلامية؛ فلا يمكن للمؤمنين أن يقاتلوا أولياء الله، مهما كانت الظروف والنتائج، لأن ذلك يعني الحرب على الله بشكل غير مباشر.

5. قد نحتاج إلى التدقيق في تطبيق هذا الخط على مسيرتنا الإسلامية، في مثل هذه العصور التي فقد فيها المسلمون الحكم الذي ينطلق من مواقع الشرعية الإسلامية، واختلفت ـ في الوقت ذاته ـ الأوضاع التي تتحرك في أكثر من صيغة سياسية في حياتنا، مما يمكن ـ معه ـ أن يلتبس على الإنسان الحق والباطل، ويشتبه عليه المخلصون من المنافقين.

6. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ لأنهم الذين يمثلون الطاغوت في كل جوانب حياتهم الفكرية والعملية؛ ولا تخافوا من كيدهم وشرّهم وطغيانهم، لأنهم يستمدّون قوتهم من الشيطان الذي يملك قوة محدودة تتحرك من خلال الوسائل المادية التي يقدمها لأتباعه، ولكنها سرعان ما تتهاوى أمام الموقف الصلب الذي يقفه المؤمنون، انطلاقا من قوة الله المطلقة التي لا تقف عند حد ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/353.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. كانت الآية السابقة تطالب المؤمنين بالجهاد معتمدة على إيمانهم بالله واليوم الآخر، وقد اعتمدت أيضا قضية الربح والخسارة في سياق دعوتها إلى الجهاد، أمّا هذه الآية فتستند في دعوتها الجهادية إلى العواطف والمشاعر الإنسانية وتستثيرها في هذا الاتجاه ـ فهي تخاطب مشاعر المؤمنين وعواطفهم بعرض ما يتحمله الرجال والنساء والأطفال المضطهدون من عذاب وظلم بين مخالب الطغاة الجبارين، وتطالب المؤمنين ـ مستثيرة عواطفهم في هذا الاتجاه ـ عن طريق عرض المشاهد المأساوية التي يعاني منها المستضعفون وتدعوهم إلى الجهاد في سبيل الله من أجل إنقاذ هؤلاء المظلومين فتقول الآية: ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ﴾

2. ولأجل إثارة المشاعر أكثر، تنبّه الآية المؤمنين بأنّ المستضعفين المذكورين لكثرة معاناتهم من البطش والإرهاب والاضطهاد قد انقطع أملهم في النجاة ويئسوا من كل عون خارجي، فأخذوا يدعون الله لإخراجهم من ذلك المحيط الرهيب المشحون بأنواع البطش والرعب والظلم الفاحش: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا﴾ ويطلب المستضعفون من الله ـ أيضا ـ أن يرسل لهم من يتولى الدفاع عنهم وينجيهم من الظالمين بقولهم: ﴿وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا﴾

3. الآية ـ في الواقع ـ تشير إلى أنّ الله قد استجاب دعاء المستضعفين، فهذه الرسالة الإنسانية الكبرى قد أوكلت إليكم أنتم أيّها المسلمون المخاطبون، فقد أصبحتم أنتم (الولي) المرتقب وأنتم (النصير) من قبل الله تعالى لإنقاذ المستضعفين، من هنا عليكم أن تنهضوا بهذه المسؤولية وتستثمروا هذه المكانة الكبرى المناطة إليكم ولا تضيعوها.

4. الآية هذه يستفاد منها أيضا عدّة أمور، هي:

أ. إنّ الجهاد في سبيل الله وكما أشير إليه من قبل ـ ليس من أجل انتزاع الأموال والسلطة والثروات من أيدي الآخرين، كما أنّه لا يستهدف إيجاد أسواق لاستهلاك البضائع أو لفرض عقائد خاصّة بالقوّة، بل أنه يستهدف نشر الفضيلة والإيمان والدفاع عن المظلومين والمضطهدين من النساء والرجال والولدان، ومن هذا المنطلق يتّضح أنّ للجهاد هدفين شاملين جامعين أشارت الآية إليهما، أحدهما (ربّاني)، وآخر (إنساني) يكمل أحدهما الآخر، ولا ينفصلان، بل‏ كلاهما يعودان إلى حقيقة واحدة.

ب. إنّ الإسلام يرى أن المحيط السالم الذي يمكن للإنسان أن يعيش فيه، هو ذلك المحيط الذي يوفّر الحرية للإنسان، ويضمن له العمل بما يعتقد دون مانع أو أذى، ويرى الإسلام ـ أيضا ـ أنّ المحيط الذي يسوده الكبت والإرهاب والقمع، ولا يستطيع المسلم فيه إظهار عقيدته أو إعلان إسلامه، فهو محيط لا يجدر بالإنسان المسلم أن يبقى فيه، لذلك فإن الآية تنقل عن المؤمنين دعاءهم إلى الله لكي يخلصهم من مثل هذا الجو المليء بالقمع والإرهاب، وعلى الرغم من أن مكّة كانت ملجأ وملاذا للمهاجرين، فإنّ تفشي الظلم فيها جعل المؤمنين يدعون الله لإنقاذهم من ظلم أهل هذه المدينة، وييسر لهم سبيلا إلى الخروج منها.

ج. وفي نهاية الآية نرى أنّ المؤمنين الذين يعانون من محيطهم الظالم، يسألون الله أن يبعث لهم من يتولى شؤونهم، وأن يمدهم ـ أيضا ـ بمن ينصرهم على الظالمين ويخلصهم من مخالبهم، ويفهم من هذه الآية أهمية القيادة الصالحة، وأهمية قدرة هذه القيادة في إنقاذ المظلومين وضرورة امتلاكها من العدد والعدّة ما يمكنها من القيام بمسؤوليتها الخطيرة هذه، بذلك نستنتج من الآية العناصر التي يجب أن تتوفر في كل قيادة إسلامية، وهي كما يلي:

أن تكون القيادة صالحة (بما في كلمة الصلاح من شمولية)

أن تكون قوية مقتدرة (أن تملك العدد والعدّة الكافيين، بالإضافة إلى الخطط العسكرية التي تضمن نجاح استخدام القوّة الموجودة)

د. تبيّن الآية أنّ المؤمنين يطلبون حاجاتهم من الله العلي القدير وحده، ولا يلجئون إلى غيره في حوائجهم، حتى أنّهم يسألون الله أن يمدهم بمن يتولى الدفاع عنهم وينصرهم على الظالمين.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/325.

70. الفرق بين قتال المؤمنين وقتال غيرهم

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈70⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) أنّه قال: إذا رأيتم الشيطان فلا تخافوه، واحملوا عليه؛ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾.. وقال مجاهد: كان الشيطان يتراءى لي في الصلاة، فكنت أذكر قول ابن عباس فأحمل عليه، فيذهب عني(1).

__________

(1) ابن المنذر ٢/٧٩٣.

البصري:

روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، أخبر أنهم يظهرون عليهم(1).

__________

(1) تفسير ابن أبي زمنين ١/٣٨٧.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾، يقول: في سبيل الشيطان(1).

__________

(1) ابن المنذر ٢/٧٩٣.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ يعني: طاعة الله، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ يعني: في طاعة الشيطان(1).

2. روي أنّه قال: ثم حرض الله عز وجل المؤمنين، فقال: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ يعني: المشركين بمكة، ﴿إِنَّ كَيْدَ﴾ يعني: إن مكر ﴿الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ يعني: واهنا، كقوله سبحانه: ﴿مُوهِنُ كَيْدِ الْكَافِرِينَ﴾ [الأنفال: ١٨]، يعني: مضعف كيد الكافرين، فسار النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى مكة، ففتحها، وجعل الله عز وجل للمستضعفين مخرجا(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٩.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 76] وسبيل الله: ذكرنا الذي يأمر خلقه بالسلوك فيه.

2. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ قال ابن عباس: الطاغوت: هو الشيطان في هذا الموضع؛ لأنه هو الذي يدعو ويأمر بالسلوك في سبيله.

3. في الآية دلالة ألا يؤمر الكفار بالجهاد، ولا بالصلاة، ولا بالزكاة، ولا بغيرها من العبادات؛ لأنه أخبر أنهم لو قاتلوا إنما يقاتلون في سبيل الشيطان، وكذلك إذا صلوا، صلوا له، وكذلك سائر العبادات، ولكن يؤمرون أولا بإتيان ما لو فعلوا من العبادات كانت في سبيل الله، وهو الإيمان، وهذا ينقض قول من يقول: إن الكافر مأمور مكلف بالصلاة، والزكاة، وغيرها من العبادات.

4. ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ هذا يدل على أن الطاغوت هو الشيطان هاهنا، وكل ما عبد دون الله فهو طاغوت.

5. قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ يحتمل وجهين:

أ. يحتمل: أي: كيد أولياء الشيطان كانَ ضَعِيفاً إذا كان الله ناصركم؛ كقوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلَا غَالِبَ لَكُمْ﴾ [آل عمران: 160]

ب. ويحتمل أن كيد الشيطان كان ضعيفا؛ لأنه لا يعمل سوى الدعاء والأمر يدعوهم إلى سبيله؛ فذلك لضعفه لا يباشر القتال ولا الضرب، إنما هو إشارة منه ودعاء؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ﴾ [إبراهيم: 22]

6. سؤال وإشكال: كيف قال الله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ وقد هلك به أكثر البشر؟ والجواب: قد يخرج على وجوه ـ والله أعلم ـ:

أ. أحدها: أنه يضعف كيده على من تعوّذ بالله تعالى كقوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ﴾ الآية [الأعراف: 200]، وإنما يقوى على من جنح له، ومال إلى ما دعاه إليه؛ كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ﴾ الآية إلى قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ﴾ [الأعراف: 201 ـ 202]

ب. الثاني: أن يكون ضعيفا على المقبل على ربه، والذاكر له في أحواله، والمفوض أمره إلى ربه، فأما من تولاه وأقبل على إشارته فهو الذي جعل له السلطان على نفسه بما آثره في شهواته، ومال به هواه، وهو كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا﴾ الآية [النحل: 99]، وقد سماه الله تعالى: ﴿الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ﴾ [الناس: 4]، بما يخنس بذكر الله تعالى ويوسوس عند الغفلة عن الله، فكان سلطانه به.

ج. الثالث: أنه لا يملك الجبر والقهر ولا اكتساب الضرر في الأبدان والأموال، فهو ضعيف.

د. الرابع: والله أعلم ـ: أن يكون كان ضعيفا، أي: صار ضعيفا عند نصر الله ومعونته.

هـ. ويحتمل: كان ضعيفا لو ظهر، حتى يعلم أنه شيطان، لكن قوى بما لا يعلم المغرور أنه كيده وتغريره.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/258.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أخبر الله تعالى في هذه الآية أن الذين صدقوا بالله، ورسوله يقاتلون في سبيل الله، وفي معنى سبيل الله قولان:

أ. أحدهما: طاعة الله، لأنها تؤدي إلى ثواب الله في جنته التي أعدها لأوليائه.

ب. الثاني: قال أبو علي: إنه دين الله الذي شرعه الذي يؤدي إلى ثوابه ورحمته، وتقديره في نصرة دين الله.

2. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني الذين جحدوا آيات الله الدالة على توحيده، ونبوة نبيه، ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ قد فسرناه فيما مضى:

أ. فقال قوم: هو الشيطان، وهو قول الحسن والشعبي.

ب. وقال آخرون: هو ما عبد من دون الله، حكاه الزجاج.

ج. وقال أبو العالية: هو الكاهن.

3. ﴿الطَّاغُوتِ﴾ يؤنث ويذكر، قال الله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ﴾ فذكره وقال: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا﴾ فأنث قال أبو عبيدة هو هاهنا في موضع جماعة، كما قال ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾ وكان المراد به الجنس، وقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ يقوي قول من قال المراد بالطاغوت الشيطان.

4. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ إنما دخلت (كان) هاهنا مؤكدة لتدل على ان الضعف لكيد الشيطان لازم في جميع الأوقات فيما مضى، والحال، والمستقبل، وليس هو عارضا في حال دون حال، والكيد السعي في فساد الحال على وجه الاحتيال تقول كاده يكيده كيداً، فهو كائد له، وإذا عمل في إيقاع الضرر به على وجه الحيلة عليه، وإنما وصف تعالى كيد الشيطان، بالضعف لامرين:

أ. أحدهما: لضعف نصرته، لأوليائه بالاضافة إلى نصرة الله المؤمنين ـ ذكره الجبائي ـ وقال الحسن: أخبرهم أنهم سيظهرون عليهم، فلذلك كان ضعيفاً.

ب. الثاني: لضعف دواعي أوليائه إلى القتال بأنها من جهة الباطل إذ لا نصير لهم، وإنما يقاتلون بما تدعو إليه الشبهة، والمؤمنون يقاتلون بما تدعو إليه الحجة.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/260.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الطاغوت فَعَلُوتُ من الطغيان، والطاغوت يذكر ويؤنث.

ب. الكيد: السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال، وإذا استعمل في صفته تعالى فهو توسع، والمراد جزاء كيدهم، يقال: كاده يكيده كيدًا وهو كائد له، والكيد: الحرب أيضًا.

2. حث الله تعالى على الجهاد، وشجع بِأنْ بين أنه في سبيل الله، وأن الله ناصرهم، وأن كيد أعدائهم ضعيف، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾ صدقوا الله ورسوله ﴿يُقَاتِلُونَ﴾ يجاهدون ﴿فِي سَبِيلِ اللهِ﴾:

أ. قيل: أي في دينه عن أبي علي.

ب. وقيل: في طاعته وطاعة رسوله.

3. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وكذبوا الله ورسوله وجحدوا الحق ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾:

أ. قيل: في طريق الشيطان عن الحسن والشعبي والأصم وأبي مسلم.

ب. وقيل: كل ما عبد من دون الله فهو طاغوت، وسبيله سبيل الباطل عن أبي علي والزجاج.

ج. وقيل: هو الكاهن عن أبي العالية.

د. وقيل: في طاعة كبرائهم.

4. ﴿فَقَاتِلُوا﴾ جاهدوا أيها المؤمنون ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾:

أ. يعني الَّذِينَ يتولونه ويطيعونه في خلاف طاعة الله.

ب. وقيل: حزب الشيطان.

5. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ مكره وتدبيره ﴿كَانَ ضَعِيفًا﴾:

أ. قيل: تضعف نصرته لأوليائه بإضافته إلى نصرة الله للمؤمنين عن أبي علي.

ب. وقيل: إنه أخبرهم بظهور المسلمين عليهم، ولذلك كان كيدهم ضعيفًا عن الحسن.

ج. وقيل: سماه ضعيفًا لضعف دواعي أوليائه إلى القتال؛ لأنه لا نصرة لهم، وقوة دواعي المسلمين؛ لأنه تعالى ناصرهم.

6. تدل الآية الكريمة على:

أ. أنه تعالى ينصر كل من قاتل في سبيله، ولا ينصر الكفار.

ب. وجوب قتال الكفار الَّذِينَ هم أولياء الشيطان.

ج. تشجيع المؤمنين ليثقوا بنصر الله، ويعلموا أن كيد أعدائهم ضعيف.

7. ﴿ضَعِيفًا﴾: نصب لأنه خبر ﴿كَانَ﴾، واسمه مضمر فيه، أي كان كيد الشيطان ضعيفًا، ثم كان وما عملت فيه خبر ﴿أَنْ﴾، ودخلت ﴿كَانَ﴾ في قوله: ﴿كَانَ ضَعِيفًا﴾ مؤكدة، ووجه ذلك أنها تدخل لتدل على أن اللازم خلاف العارض الذي لم يكن، ثم كان على جهة العارض، فنبه بأن كيده مما لزمه صفة الضعف.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/706

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الكيد: السعي في فساد الحال على وجه الاحتيال، تقول كاد، يكيد، كيدا، فهو كائد: إذا عمل في إيقاع الضرر به على وجه الحيلة فيه.

2. شجع الله تعالى المجاهدين، ورغبهم في الجهاد بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾: أي في طاعة الله، وفي نصرة دينه، وإعلاء كلمته، وابتغاء مرضاته، بلا عجب، ولا صلف، ولا طمع في غنيمة ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ وطاعته، ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ يعني جميع الكفار، وهذا يقوي قول من قال: إن الطاغوت الشيطان.

3. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ دخلت ﴿كَانَ﴾ هاهنا:

أ. قيل: مؤكدة لتدل على أن الضعف لكيد الشيطان لازم في جميع الأحوال والأوقات، ما مضى منها، وما يستقبل، وليس هو عارضا في حال دون حال، وإنما وصف سبحانه كيد الشيطان بالضعف، بالإضافة إلى نصرة الله المؤمنين، عن الجبائي.

ب. وقيل: لأنه أخبر بأنه سيظهر عليهم المؤمنين، عن الحسن.

ج. وقيل: لضعف دواعي أولياء الشيطان إلى القتال، إذ لا بصيرة لهم، وإنما يقاتلون بما تدعو إليه الشبهة، والمؤمنون يقاتلون بما تدعو إليه الحجة.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/118.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ الطّاغوت هاهنا في معنى جماعة، كقوله‏: ﴿وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ﴾ معناه: ولحم الخنازير.

2. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ﴾ يعني: مكره وصنيعه‏ ﴿كَانَ ضَعِيفًا﴾ حيث خذل أصحابه يوم بدر.

__________

(1) زاد المسير: 1/433.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما بين الله تعالى وجوب الجهاد بين أنه لا عبرة بصورة الجهاد، بل العبرة بالقصد والداعي، فالمؤمنون يقاتلون لغرض نصرة دين الله وإعلاء كلمته، والكافرون يقاتلون في سبيل الطاغوت، وهذه الآية كالدلالة على أن كل من كان غرضه في فعله رضا غير الله فهو في سبيل الطاغوت، لأنه تعالى لما ذكر هذه القسمة وهي أن القتال إما أن يكون في سبيل الله: أو في سبيل الطاغوت وجب أن يكون ما سوى الله طاغوتا.

2. ثم إنه تعالى أمر المقاتلين في سبيل الله بأن يقاتلوا أولياء الشيطان، وبين أن كيد الشيطان كان ضعيفا، لأن الله ينصر أولياءه، والشيطان ينصر أولياءه ولا شك أن نصرة الشيطان، لأوليائه أضعف من نصرة الله لأوليائه، ألا ترى أن أهل الخير والدين يبقى ذكرهم الجميل على وجه الدهر وان كانوا حال حياتهم في غاية الفقر والذلة، وأما الملوك والجبابرة فإذا ماتوا انقرض أثرهم ولا يبقى في الدنيا رسمهم ولا ظلمهم، والكيد السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه يقال: كاده يكيده إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه.

3. فائدة إدخال‏ ﴿كَانَ﴾ في قوله: ﴿كَانَ ضَعِيفًا﴾ للتأكيد لضعف كيده، يعني أنه منذ كان كان موصوفا بالضعف والذلة.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/142.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ أي في طاعته، ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ قال أبو عبيدة والكسائي: الطاغوت يذكر ويؤنث، قال أبو عبيد: وإنما ذكر وأنث لأنهم كانوا يسمون الكاهن والكاهنة طاغوتا، قال: حدثنا حجاج عن ابن جريج قال حدثنا أبو الزبير أنه سمع جابر بن عبد الله وسيل عن الطاغوت التي كانوا يتحاكمون إليها فقال: كانت في جهينة واحدة وفي أسلم واحدة، وفي كل حي واحدة.

2. قال أبو إسحاق: الدليل على أنه الشيطان قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ أي مكره ومكر من اتبعه، ويقال: أراد به يوم بدر حين قال للمشركين ﴿لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ﴾ على ما يأتي.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/280.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هذا ترغيب للمؤمنين، وتنشيط لهم بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره‏ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أي: سبيل الشيطان، أو الكهان، أو الأصنام، وتفسير الطاغوت هنا بالشيطان أولى، لقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ أي: مكره ومكر من اتبعه من الكفار.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/563.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الَّذِينَ ءَامَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لإعلاء دينه، فهو تعالى ناصرهم ومثيبهم ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ الشيطان، ولا ينفعهم بل يضرُّهم، ويبرأ منهم إذا اشتدَّ الأمر، فذلك ترغيب للمؤمنين في الجهاد.

2. ﴿فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَآءَ الشَّيْطَانِ﴾ أتباعه تغلبوهم، لأنَّ الله معكم، ﴿إِنَّ كَيْدَ﴾ احتيال ﴿الشَّيْطَانِ كَانَ﴾ من أوَّله، أو صار بالإسلام ﴿ضَعِيفًا﴾ لا يفيدهم شيئًا، وضُعفه بالنسبة إلى قوَّة الله، فلا تخافوهم، وعِظَم كيدِ النساء بالنسبة إلينا، على أنَّه من كلام العزيز، ومن كيده تحزيبه أولياءه الكفرة يوم بدر، وخابوا وهرب، وقال: إنِّي أرى ما لا ترون.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/227.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شجع الله تعالى المؤمنين ورغّبهم في الجهاد بقوله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني في طاعته لإعلاء كلمته، فهو وليّهم وناصرهم‏ ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ في طاعة الشيطان الآمر بغاية الطغيان، كإيذاء المستضعفين من المؤمنين وقتال أقويائهم‏ ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ أي: جنده، قال أبو السعود: وذكرهم بهذا العنوان للدلالة على أن ذلك نتيجة لقتالهم في سبيل الشيطان، والإشعار بأن المؤمنين أولياء الله تعالى لما أن قتالهم في سبيله، وكل ذلك لتأكيد رغبة المؤمنين في القتال وتقوية عزائمهم عليه، فإن ولاية الله تعالى علم في العزة والقوة، كما أن ولاية الشيطان مثل في الذلة والضعف، كأنه قيل: إذا كان الأمر كذلك، فقاتلوا، يا أولياء الله! أولياء الشيطان، ثم صرح في التعليل فقيل‏ ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ أي: في حد ذاته، فكيف بالقياس إلى‏ قدرة الله تعالى، ولم يتعرض لبيان قوة جنابه تعالى، إيذانا بظهورها، قالوا: فائدة إدخال (كان) في أمثال هذه المواقع التأكيد ببيان أنه منذ كان، كان كذلك، فالمعنى: إن كيد الشيطان منذ كان، كان موصوفا بالضعف

2. (والكيد): السعي في فساد الحال على جهة الاحتيال عليه، يقال: كاده يكيده، إذا سعى في إيقاع الضرر على جهة الحيلة عليه، أفاده الرازيّ.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/226.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ تقدم أن الطاغوت من المبالغة في الطغيان وهو مجاوزة حدود الحق والعدل والخير، إلى الباطل والظلم والشر، فلو ترك المؤمنون القتال والكافرون لا يتركونه لغلب الطاغوت وعم، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾ [البقرة: 251] فغلبت الوثنية المفسدة للعقول والأخلاق، وعم الظلم بعموم الاستبداد: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ فأنتم أيها المؤمنون أولياء الرحمن: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ وإنه يزين لأصحابه الباطل والظلم والشر، وإهلاك الحرث والنسل، فيوهمهم بوسوسته أنها خير لهم، وفيها عزهم وشرفهم، وهذا هو الكيد والخداع.

2. من سنن الله في تعارض الحق والباطل، أن الحق يعلو والباطل يسفل، وفي مصارعة المصالح والمفاسد بقاء الأصلح، ورجحان الأمثل، فالذين يقاتلون في سبيل الله يطلبون شيئا ثابتا صالحا تقتضيه طبيعة العمران فسنن الوجود مؤيدة لهم، والذين يقاتلون في سبيل الشيطان يطلبون الانتقام، والاستعلاء في الأرض بغير حق، وتسخير الناس لشهواتهم ولذاتهم وهي أمور تأباها فطرة البشر السليمة، وسنن العمران القويمة، فلا قوة ولا بقاء لها، إلا بتركها وشأنها، وإرخاء العنان لأهلها، وإنما بقاء الباطل في نومة الحق عنه، وثم معنى آخر.

3. قال محمد عبده: هذه الآية جواب عما عساه يطوف بخواطر أولئك الضعفاء، وهو أننا لا نقاتل لأننا ضعفاء والأعداء أكثر منا عددا، وأقوى منا عددا، فدلهم الله تعالى على قوة المؤمنين التي لا تعادلها قوة، وضعف الأعداء الذي لا يفيد معه كيد ولا حيلة، وهو أن المؤمنين يقاتلون في سبيل الله وهو تأييد الحق الذي يوقن به صاحبه وصاحب اليقين والمقاصد الصحيحة الفاضلة تتوجه نفسه بكل قواها إلى إتمام الاستعداد، ويكون أجدر بالصبر والثبات، وفي ذلك من القوة ما ليس في كثرة العدد والعدد.

4. في هذه الآيات من العبرة:

أ. أن القتال الديني أشرف من القتال المدني لأن القتال الديني في حكم الإسلام يقصد به الحق والعدل وحرية الدين وهي المراد بقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ [البقرة: 193] أي حتى لا يفتن أحد عن دينه ويكره على تركه ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] وقال في وصف من أذن لهم بالقتال بعد ما بين إلجاء الضرورة إليه: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 41] وتقدم شرح ذلك مرارا، وأما القتال المدني فإنما يقصد به الملك والعظمة، وتحكم الغالب القوي في المغلوب الضعيف، وإنما يذم أهل المدنية الحرب الدينية، لأنهم أولوا قوة وأولوا بأس شديد في الحروب المدنية، ولهم طمع في بلاد ليس مثلها تلك القوة، وإنما لها بقية من قوة العقيدة، فهم يريدون القضاء على هذه البقية ويتهمونها باطلا بهذه التهمة.

ب. ومنها أن هذه الآيات وسائر ما ورد في القتال في السور المتعددة تدل إذا عرضت عليها أعمال المسلمين، على أن الحرب التي يوجبها الدين، ويشترط لها الشروط ويحدد لها الحدود، قد تركها المسلمون من قرون طويلة، ولو وجدت في الأرض حكومة إسلامية تقيم القرآن وتحوط الدين وأهله بما أوجبه من إعداد كل ما يستطاع من قوة واستعداد للحرب حتى تكون أقوى دولة حربية ثم إنها مع ذلك تتجنب الاعتداء فلا تبدأ غيرها بقتال بمحض الظلم والعدوان، بل تقف عند تلك الحدود العادلة في الهجوم والدفاع، لو وجدت هذه الحكومة لاتخذها أهل المدنية الصحيحة قدوة صالحة لهم، ولكن صار بعض الأمم التي لا تدين بالقرآن أقرب إلى أحكامه في ذلك ممن يدعون اتباعه، وإنما الغلبة والعزة لمن يكون أقرب إلى هداية القرآن بالفعل، على من يكون أبعد عنها وإن انتسب إليه بالقول.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/261.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أي إن المؤمنين إنما يقاتلون لأجل إعلاء كلمة الحق، والكافرين إنما يقاتلون اتباعا لوسوسة الشيطان وتزيينا للكفر، فلو ترك المؤمنون القتال لغلب الطغيان وعم الفساد ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾

2. ثم حث مرة أخرى على القتال وبين لهم ضعف عدوهم فقال: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ أي فقاتلوا أيها المؤمنون أولياء الرحمن ـ أولياء الشيطان الذين زين لهم الشيطان بوسوسته وخداعه أن في الظلم وإهلاك الحرث والنسل شرفا لهم أيّما شرف.

3. وقد جرت سنة الله أن الحق يعلو والباطل يسفل، وأن الذي يبقى هو الأصلح والأمثل؛ فالذين يقاتلون في سبيل الله يطلبون ما تقتضيه سنة العمران، والذين يقاتلون في سبيل الشيطان يطلبون الانتقام والاستعلاء في الأرض بغير الحق، وتسخير الناس لأغراضهم وشهواتهم، وسنن العمران تأبى ذلك فلا يكون لذلك قوة ولا بقاء، إلا لنومة أهل الحق عن حقهم، فإذا هم أفاقوا من غفوتهم تغلب الحق على الباطل ورده خاسئا محسورا.

4. إلى أن الذين يقاتلون في تأييد الحق تتوجه هممهم إلى إتمام الاستعداد ويكونون أجدر بالثبات والصبر، وفي ذلك من القوة ما ليس في كثرة العدد والعدد، وهذا في الحروب الدينية التي قد تركها المسلمون منذ أزمان طويلة، ولو وجدت في الأرض حكومة إسلامية تقيم القرآن وتحوط الدين وأهله بما أوجبه من إعداد العدّة للحرب لاتخذها أهل المدنية قدوة لهم وإماما في أعمالهم.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/93.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ثم لمسة نفسية أخرى، لاستنهاض الهمم، واستجاشة العزائم، وإنارة الطريق، وتحديد القيم والغايات والأهداف، التي يعمل لها كل فريق: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾

2. وفي لمسة واحدة يقف الناس على مفرق الطريق، وفي لحظة ترتسم الأهداف، وتتضح الخطوط، وينقسم الناس إلى فريقين اثنين؛ تحت رايتين متميزتين:

أ. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ الذين آمنوا يقاتلون في سبيل الله؛ لتحقيق منهجه، وإقرار شريعته، وإقامة العدل (بين الناس) باسم الله، لا تحت أي عنوان آخر، اعترافا بأن الله وحده هو الإله ومن ثم فهو الحاكم.

ب. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ والذين كفروا يقاتلون في سبيل الطاغوت، لتحقيق مناهج شتى ـ غير منهج الله ـ وإقرار شرائع شتى ـ غير شريعة الله ـ وإقامة قيم شتى ـ غير التي أذن بها الله ـ ونصب موازين شتى غير ميزان الله!

3. ويقف الذين آمنوا مستندين إلى ولاية الله وحمايته ورعايته، ويقف الذين كفروا مستندين إلى ولاية الشيطان بشتى راياتهم، وشتى مناهجهم، وشتى شرائعهم، وشتى طرائقهم، وشتى قيمهم، وشتى موازينهم.. فكلهم أولياء الشيطان، ويأمر الله الذين آمنوا أن يقاتلوا أولياء الشيطان؛ ولا يخشوا مكرهم ولا مكر الشيطان: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾

4. وهكذا يقف المسلمون على أرض صلبة، مسندين ظهورهم إلى ركن شديد، مقتنعي الوجدان بأنهم يخوضون معركة لله، ليس لأنفسهم منها نصيب، ولا لذواتهم منها حظ، وليست لقومهم، ولا لجنسهم، ولا لقرابتهم وعشيرتهم منها شيء.. إنما هي لله وحده، ولمنهجه وشريعته، وأنهم يواجهون قوما أهل باطل؛ يقاتلون لتغليب الباطل على الحق، لأنهم يقاتلون لتغليب مناهج البشر الجاهلية ـ وكل مناهج البشر جاهلية ـ على شريعة منهج الله؛ ولتغليب شرائع البشر الجاهلية ـ وكل شرائع البشر جاهلية ـ على الله؛ ولتغليب ظلم البشر ـ وكل حكم للبشر من دون الله ظلم ـ على عدل الله، الذي هم مأمورون أن يحكموا به بين الناس.

5. كذلك يخوضون المعركة، وهم يوقنون أن الله وليهم فيها، وأنهم يواجهون قوما، الشيطان وليهم فهم إذن ضعاف.. إن كيد الشيطان كان ضعيفا، ومن هنا يتقرر مصير المعركة في حس المؤمنين، وتتحدد نهايتها، قبل أن يدخلوها، وسواء بعد ذلك استشهد المؤمن في المعركة ـ فهو واثق من النتيجة ـ أم بقي حتى غلب، ورأى بعينيه النصر؛ فهو واثق من الأجر العظيم.

6. من هذا التصور الحقيقي للأمر في كلتا حالتيه، انبثقت تلك الخوارق الكثيرة التي حفظها تاريخ الجهاد في سبيل الله في حياة الجماعة المسلمة الأولى؛ والتي تناثرت على مدى التاريخ في أجيال كثيرة، وما بنا أن نضرب لها هنا الأمثال؛ فهي كثيرة مشهورة.

7. ومن هذا التصور كان ذلك المد الإسلامي العجيب، في أقصر فترة عرفت في التاريخ؛ فقد كان هذا التصور جانبا من جوانب التفوق الذي حققه المنهج الرباني للجماعة المسلمة، على المعسكرات المعادية.. ذلك التفوق الذي أشرنا إليه من قبل في هذا الجزء، وبناء هذا التصور ذاته كان طرفا من المعركة الكلية الشاملة التي خاضها القرآن في نفوس المؤمنين، وهو يخوض بهم المعركة مع أعدائهم المتفوقين في العدد والعدة والمال؛ ولكنهم في هذا الجانب كانوا متخلفين؛ فأمسوا مهزومين!

8. وها نحن أولاء نرى الجهد الذي بذله المنهج في إنشاء هذا التصور وتثبيته، فلم يكن الأمر هينا، ولم يكن مجرد كلمة تقال، ولكنه كان جهدا موصولا، لمعالجة شح النفس، وحرصها على الحياة ـ بأي ثمن ـ وسوء التصور لحقيقة الربح والخسارة.. وفي الدرس بقية من هذا العلاج، وذلك الجهد الموصول.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/710.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. إذ ندب الله سبحانه من عباده من يتولّون الدفاع عن المستضعفين، ويجاهدون في سبيل الله من أجل خلاصهم من يد البغي والعدوان، وإذ استجاب‏ المجاهدون لما ندبهم الله له فإنهم بهذا قد حققوا معنى الإيمان الذي رضوا به، واتخذوه دينا.. فالمؤمن ـ إن صحّ إيمانه ـ كان دائما أبدا في جبهة الحق، ينتصر له، ويقاتل في سبيله: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾، لأنهم أعطوا ولاءهم كلّه لله، وليس كذلك سبيل الكافرين.. إنهم أولياء الباطل، وأتباع الضلال، ولذلك فهم يقاتلون ـ حين يقاتلون ـ لحساب الباطل، وتحت راية الطاغوت، والطاغوت.. هو مجمع كل شر، وملتقى كل فساد.. إنه الشيطان، كما فسّرته الآية في قوله تعالى: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾

2. في قوله تعالى: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ تثبيت لأقدام المجاهدين في سبيل الله، وتطمين لقلوبهم، وتلويح لهم ببشائر النصر على عدوّهم.. لأنهم على الحق، وفي سبيل الحق يقاتلون، والعدو على طريق الباطل، وتحت راية الباطل يقاتل.. والله سبحانه هو الحقّ، وهو مع الحق، وجند الحق، فالنصر لا يتخلف أبدا عمن يقاتلون في سبيل الله.. ﴿فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ﴾

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/837.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أشارت الآية إلى أنّ الله استجاب دعوتهم وهيّألهم النصر بيد المؤمنين فقال: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾، أي فجنّد الله لهم عاقبة النصر، ولذلك فرّع عليه الأمر بقوله: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾

2. والطاغوت: الأصنام، وتقدّم تفسيره في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾ في هذه السورة، وقوله: ﴿يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ [النساء: 60]

3. والمراد بكيد الشيطان تدبيره، وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين والتدبير لتأليب الناس عليهم، وأكّد الجملة بمؤكّدين (إنّ) (وكان) الزائدة الدالة على تقرّر ووصف الضعف لكيد الشيطان.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/188.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ سبيل الله تعالى هي سبيل الحق الثابت الذي لا يكون فيه العدل، ولا يكون بغى ولا فحشاء ولا أذى، وفيه قيام المصالح ودفع المفاسد، والطاغوت هو فعلوت من طغى، وهو مجاوزة الحد، والبغى الشديد، وترك الخير، وفعل الشر، والسعى في الأرض بالفساد.

2. وهنا مقابلة بين قتال أهل الإيمان، وقتال أهل الكفر ـ بالغاية منهما ـ فغاية المؤمنين نصرة الحق ودفع الفساد، وغاية الكافرين نشر الظلم والفساد في الأرض، ولو ترك الظالمون من غير أن يقاومهم أهل الحق، لعم الفساد، وذهب الخير، وهدم الحق، كما قال سبحانه: ﴿ولولا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ ولكِنَّ اللهَ ذُوفَضْلٍ عَلَى الْعالَمِينَ‏﴾ [البقرة]، ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج‏]

3. إن السبب في أن يجاهد المؤمنون في سبيل الله، وهى سبيل الحق ورفع الإنسانية، والمحافظة على كرامة الإنسان، هو إيمانهم، فالإيمان يدفع إلى أسمى الغايات والدفاع عنها، وذلك السمو هو سبيل الله تعالى، والكافرون لعدم إيمانهم بالمثل العليا الإنسانية يقاتلون في سبيل الطغيان والسيطرة الظالمة على الأرض.

4. إن هذه ظاهرة ثابتة، فالقتال في ظل الدين، والتمسك بمثله العليا، رفعة للإنسانية، ومنع الفساد، ومنع لتحكم الرذيلة في الفضيلة، والماضى ينبئ عن ذلك، فقتال النبيّ والصحابة من بعده كان فيه حد من طغيان الملوك، وظلم الظالمين، ونشر للواء العدل، ومنع للفتنة في الدين، وتحكم الإنسان في أخيه الإنسان، وقد وصف الله المؤمنين إذا انتصروا، فقال سبحانه وتعالى في أحوالهم: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج‏]، أي أنهم إذا انتصروا رفعوا لواء العدل، وأقاموا مجتمعا فاضلا على أساس من الفضيلة ودفع الرذيلة.

5. وأما الذين لا يذعنون للحق، ولا يؤمنون به، ولا يقيمون للفضيلة وزنا، فإن قتالهم في سبيل الغلب، والسلطان الغاشم، والتحكم والسيطرة، وإن الماضي والحاضر يشهدان بصدق ذلك، وإن العيان ليؤيد هذه الشهادة الصادقة، ألم تر إلى أولئك الذين يتحكمون الآن في مصاير العالم، لا يفكرون إلا في الغلب على قطعة من الأرض يستولون عليها، أو يبسطون نفوذهم فيها، وما ذلك إلا طغيان المتحكمين المسيطرين في بلادهم! وانظر نظرة عميقة إلى أولئك الذين وضعوا أيديهم على أدوات الحرب المخربة، التي إن ألقيت لا تبقى ولا تذر، وتأكل الأخضر واليابس، فإنهم يتغالبون على النفوذ، ولو استشيرت أممهم فردا فردا، لاستنكروا ما هم مقدمون عليه أو يكادون! فالحروب التي يثيرها الكافرون في هذا الزمان لا يدفعها إلا طغيان أفراد معدودين، يتحكمون في الشعوب ومصائرها، بطريقة أقسى مما كان يتحكم الملوك من قبل!.

6. ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ إذا كان الكافرون يقاتلون في سبيل الطغيان، والظلم والسيطرة والفتنة في الدين، وإكراه الناس، حتى لا يستمروا على إيمانهم، فإن على المؤمنين أن يقاتلوهم؛ لأنهم نصراء الشيطان، أو الذين دخلوا في ولايته، ومعنى النص السامي قاتلوا أيها المؤمنون الذين ارتضيتم سبيل الله طريقا، ونصرة الحق منهاجا، الكافرين الذين اتخذوا الشيطان لهم وليا يوالونه، ونصيرا لهم ينصرهم في زعمهم؛ وذلك لأنكم تعلون الحق، وتدفعون الأذى، وتمنعون الشر والفتنة في الدين، وتحاربون الفساد، ولا تخافوا من هؤلاء الذين يوالون الشيطان، ويزعمون أنه ينصرهم، فإنهم يتبعون تدبير الشيطان لهم، أي يتبعون وساوس أنفسهم، وأهواءها التي يتحكم فيها الشيطان ويسيرها، وتدبير الشيطان مهما يكن، لا يكون قويا ينتصر به أهل الكفر والفساد على أهل الحق، وضعف ذلك الكيد والتدبير الذي يدبره الكافرون وإبليس معهم، سببه أنهم تسيطر عليهم الأهواء، والأهواء تفسد الفكر وتفسد الأعمال، وتوجد الشحناء، وأهل الحق لو اتخذوا كل أسباب القوة، واعتزموا أمورهم ودبروا تدبيرهم، وقد جانبوا الهوى والشهوات، هم غالبون لا محالة، وما يغلب أهل الباطل إلا لعدم اتخاذ أهل الإيمان الأسباب.

7. وسمى الله سبحانه تدبير الكافرين مع شيطانهم‏ ﴿كَيْدٌ﴾، لأنهم لا يقصدون بالتدبير رفع حق أو خفض باطل، بل الكيد والأذى لأهل الحق.. اللهم اهد المؤمنين إلى أسباب القوة، وأخذ الأهبة، وإعداد العدة للجهاد في سبيلك، سبيل الحق والكرامة والسمو والعلو.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1766.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أمر سبحانه المؤمنين في الآية 71 أن ينفروا ويخرجوا للحرب سرايا أو كافة، وفي الآية 74 أمرهم بالقتال في سبيل الله، وفي الآية 75 بالحث على خلاص المستضعفين.. وقسم في هذه الآية المقاتلين الى مؤمنين يقاتلون من أجل الحق والعدل، والى كافرين يقاتلون من أجل السيطرة والسلب والنهب، وهؤلاء هم أولياء الشيطان.. وقد أمر الله المؤمنين بجهادهم، وإعلان الحرب عليهم، وعدم مهادنتهم بحال، لأن قتالهم خير وصلاح للانسانية، ومهادنتهم شر وفساد، والخلاصة ان الآيات التي أشرنا اليها وغيرها الواردة في القتال كلها تهدف الى شيء واحد، الى الصلابة والثبات في جهاد المبطلين والمستغلين، ولا تختلف آيات الجهاد إلا بالاسلوب والتعبير.. (عباراتنا شتى وحسنك واحد)

2. سؤال وإشكال: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾، ان المعنى الظاهر من هذه الآية ان المحقين ينتصرون دائما على أهل الباطل.. والعكس هو الواقع في أغلب الأحيان، فما هو السر؟ والجواب: سبق نظير هذا السؤال مع جوابه مفصلا عند تفسير الآية 137 من سورة آل عمران، ونجيب هنا بأسلوب آخر، استوحيناه من خطبة للإمام عليه السلام في نهج البلاغة بعنوان (من خطبة له عليه السلام في المكاييل والموازين)، وخلاصة الجواب ان الحشرة السامة لا تحيا وتنمو إلا في القذارة والأوساخ.. وهكذا الشيطان لا يجد منفذا لكيده إلا حيث يفسد المجتمع، فهنا تقوى عدته، وتمتلئ شباكه، ويظهر من قول الامام ان مهمة إبليس تنجح، حيث يكون في المجتمع فقراء بائسون، وأغنياء متمردون، وهذا ما قاله بالحرف: (هذا أوان فيه قويت عدة الشيطان، وعمت مكيدته، وأمكنت ـ أي سهلت ـ فريسته، اضرب بطرفك، حيث شئت من الناس، فهل تبصر الا فقيرا يكابد فقرا، أو غنيا بدّل نعمة الله كفرا، أو بخيلا اتخذ البخل بحق الله وفرا، أو متمردا كأنّ باذنه عن السمع وقرا، أين خياركم وصلحاؤكم؟، وأين أحراركم وسمحاؤكم؟ وأين المتورعون في مكاسبهم، والمتنزهون في مذاهبهم ـ الى ان قال ـ أفبهذا تريدون أن تجاوروا الله في دار قدسه، وتكونوا أعز أوليائه عنده، لعن الله الآمرين بالمعروف التاركين له، والناهين عن المنكر العاملين به)

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/380.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ إلى قوله‏: ﴿الطَّاغُوتَ﴾ مقايسة بين الذين آمنوا والذين كفروا من جهة وصف قتالهم، وبعبارة أخرى من جهة نية كل من الطائفتين في قتالهم ليعلم بذلك شرف المؤمنين على الكفار في طريقتهم وأن سبيل المؤمنين ينتهي إلى الله سبحانه ويعتمد عليه بخلاف سبيل الكفار ليكون ذلك محرضا آخر للمؤمنين على قتالهم.

2. ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ الذين كفروا لوقوعهم في سبيل الطاغوت خارجون عن ولاية الله فلا مولى لهم إلا ولي الشرك‏ وعبادة غير الله تعالى، وهو الشيطان فهو وليهم، وهم أولياؤه.

3. إنما استضعف كيد الشيطان لأنه سبيل الطاغوت الذي يقابل سبيل الله، والقوة لله جميعا فلا يبقى لسبيل الطاغوت الذي هو مكيدة الشيطان إلا الضعف، ولذلك حرض المؤمنين عليهم ببيان ضعف سبيلهم، وشجعهم على قتالهم، ولا ينافي ضعف كيد الشيطان بالنسبة إلى سبيل الله قوته بالنسبة إلى من اتبع هواه، وهو ظاهر.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏4/421.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ امتثالاً لأمر الله، ورغبة في ثواب الله ومرضاته؛ لأن إيمانهم بالله واليوم الآخر المبني على اليقين يبعثهم على الخوف من الله والحذر من النار، بحيث يؤثرون طاعة الله على حب الدنيا؛ ولأنهم يغضبون لله على أعداء الإسلام، وتحركهم الحمية الإسلامية للجهاد، فمن هنا كان الجهاد من علامات الإيمان كما في هذه الآية، وفي قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾ [الحجرات: 15]

2. ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ والطاغوت: ما أطغى، يفسر بالشيطان وقادة الكفر، وسبيلهم الباطل ومحاربة الحق ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ ﴿أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾ هم المقاتلون في سبيل الطاغوت فقد صاروا بذلك من حزب الشيطان وصاروا مع الشيطان في الدعوة إلى الباطل، والصد عن سبيل الله.

3. ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ فلا يستطيع مقاومة أهل الحق إذا صبروا وكانوا حزب الله وجنده؛ لِما عندهم من قوة الإيمان، وما ينزل لهم من نصر الرحمن؛ ولأن حزب الشيطان يحبون الحياة ويؤثرونها بخلاف المؤمنين الذين باعوا أنفسهم من الله رغبة في الجنة ومرضاة ربهم، فهم في القتال يرجون إحدى الحسنيين: إما النصر، وإما الشهادة.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/111.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لقد أوضحت الآيات السابقة قضية الجهاد، وأبرزت عناصره والمخاطبين به ودوافعه، وفي هذه الآية نلاحظ أنّها تحث المجاهدين على القتال، وتبيّن أهدافهم، مؤكّدة أنّهم يقاتلون في سبيل الله ولمصلحة عباد الله، وأن الكافرين يقاتلون في سبيل الطاغوت المتجبر: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ﴾ أي أنّ الحياة في كل الأحوال لا تخلو من الكفاح والصراع، غير أن جمعا يقاتلون في طريق الحق، وجمعا يقاتلون في طريق الشيطان والباطل، لذلك تطلب الآية من أنصار الحق أن ينبروا لقتال أنصار الشيطان دونما رهبة وخوف: ﴿فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ﴾

2. كما توضح هذه الآية حقيقة مهمّة، هي أنّ الطاغوت والقوى المتجبرة ـ مهما امتلكت من قوة ظاهرية ـ ضعيفة في نفسها وجبانة في باطنها، وبهذا تطمئن الآية المؤمنين كي لا يخافوا من هؤلاء الطواغيت مهما أوتوا من عدّة أو عدد، لأنّهم خالون من الهدف فارغون من الإيمان، ولذلك كانت خططهم كلها ضعيفة خاوية كقدرتهم ولأنّهم لا يعتمدون على منشأ القدرة الأزلية الأبدية الذي هو الله العزيز القدير، بل يعتمدون على قدرة الشيطان الضعيفة الجوفاء: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾

3. أما سبب قوة المؤمنين من أنصار الحق فيعود إلى أنهم يسيرون في طريق أهداف وحقائق تنسجم مع قانون الخليقة والوجود، وتتمتع بالصفة الأزلية الأبدية، فهم يجاهدون في سبيل تحرير الإنسان ومحو آثار الظلم والعدوان بينما الطاغوت وأنصاره يقاتلون من أجل منافعهم الشخصية أو يعملون في خدمة الطواغيت والمستكبرين من أجل استغلال البشر إرضاء لشهواتهم الفانية الزائلة، الأمر الذي يدفع في النهاية بالمجتمع إلى الانحطاط والزّوال، لأنّ عمل الطواغيت يتناقض وسرّ الوجود ويتعارض مع قوانين الفطرة والطبيعة، هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن المؤمنين باعتمادهم على القوى الروحية يتمتعون بثقة عالية بالنفس وبهدوء باطني يمهّد لهم سبيل النصر والفوز على العدو، بل ويهبهم القوّة والقدرة على الاندفاع لمواجهة الأعداء، بينما العدو والكافر لا يعتمد على أساس قوي أبدا.

4. وتجدر الملاحظة هنا أنّ الآية قرنت الطاغوت بالشيطان، وهذا يدل على أن القوى الطاغوتية المتجبرة إنّما تستمد القوة والعون من منبع ضعيف يتمثل في القوى الشيطانية والجوفاء، هذا المضمون تذكره ـ أيضا ـ الآية من سورة الأعراف: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/328.

71. الجهاد والجبناء

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈71⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: 77]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: أتى عبد الرحمن بن عوف وأصحاب له النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقالوا: يا نبي الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: (إني أمرت بالعفو، فلا تقاتلوا القوم)، فلما حوله الله إلى المدينة أمره الله بالقتال، فكفوا؛ فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية(1).

2. روي أنّه قال: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الآية، نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم(2).

__________

(1) النسائي ٦/٢.

(2) ابن جرير ٧/٢٣٣.

مجاهد:

روي عن مجاهد (ت 104 هـ) أنّه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ إلى قوله: ﴿لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: ٧٧ ـ ٨٣]، ما بين ذلك في يهود(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٣.

عكرمة:

روي عن عكرمة (ت 105 هـ) أنّه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عن الناس، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ نزلت في أناس من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٢.

الباقر:

1. روي أنّه قال: والله، للذي صنعه الحسن بن علي (عليهما السلام) كان خيرا لهذه الامة مما طلعت عليه الشمس، فو الله لقد نزلت هذه الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ إنما هي طاعة الإمام، وطلبوا القتال ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ مع الحسين عليه السلام ﴿قالُوا رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْلا أَخَّرْتَنا إِلى أَجَلٍ قَرِيبٍ، نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ﴾ أرادوا تأخير ذلك إلى القائم عليه السلام(1).

2. روي أنّه قال: يا فضيل، أما ترضون أن تقيموا الصلاة وتؤتوا الزكاة وتكفوا ألسنتكم وتدخلوا الجنة ـ ثم قرأ ـ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أنتم والله أهل هذه الآية(2).

__________

(1) الكافي 8/330.

(2) الكافي 8/289.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: كان أناس من أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ وهم يومئذ بمكة قبل الهجرة ـ يسارعون إلى القتال، فقالوا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ذرنا نتخذ معاول نقاتل بها المشركين، وذكر لنا: أن عبد الرحمن بن عوف كان فيمن قال ذلك، فنهاهم نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عن ذلك، قال: لم أؤمر بذلك، فلما كانت الهجرة وأمروا بالقتال كره القوم ذلك، وصنعوا فيه ما تسمعون، قال الله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٢.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال في الآية: هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال(1).

2. روي أنّه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، هم قوم أسلموا قبل أن يفرض عليهم القتال، ولم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾(1).

3. روي أنّه قال: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾، لم يكن عليهم إلا الصلاة والزكاة، فسألوا الله أن يفرض عليهم القتال، ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٢.

(2) ابن جرير ٧/٢٣٣.

الكلبي:

روي عن محمد بن السائب الكلبي (ت 146 هـ) أنّه قال في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية: كانوا مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بمكة قبل أن يهاجر إلى المدينة، وكانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا، فقالوا: يا نبي الله، ألا تأذن لنا في قتال هؤلاء القوم؛ فإنهم قد آذونا! فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (كفوا أيديكم عنهم؛ فإني لم أؤمر بقتالهم)، فلما هاجر رسول الله عليه السلام، وسار إلى بدر؛ عرفوا أنه القتال، كرهوا أو بعضهم(1).

__________

(1) تفسير ابن أبي زمنين ١/٣٨٨.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) أنّه قال في قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾: يعني كفوا ألسنتكم(1).

__________

(1) الكافي 2/93.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ نزلت في عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص، وهما من بني زهرة، وقدامة بن مظعون الجمحي، وذلك أنهم استأذنوا في قتال كفار مكة سرا، مما كانوا يلقون منهم من الأذى، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: (مهلا، كفو أيديكم عن قتالهم)، فلما هاجر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة أمر الله عز وجل بالقتال، فكره بعضهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾، نزلت في طلحة بن عبيد الله(1).

2. روي أنّه قال: فلما هاجر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة أمر الله عز وجل بالقتال، فكره بعضهم، فذلك قوله عز وجل: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ يعني: فرض القتال بالمدينة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ نزلت في طلحة بن عبيد الله ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يعني: كفار مكة، ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ﴾، فلا يقاتلونهم، ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا﴾ وهو الذي قال: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾، يعني: لم فرضت علينا القتال(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٩.

المرتضى:

ذكر الإمام المرتضى بن الهادي (ت 310 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. وسألت عن قول الله سبحانه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، إلى قوله: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾؟.. وهؤلاء قوم ممن كان مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من المنافقين، ممن كان يظهر بلسانه ما ليس في قلبه، وكانوا ينتزعون إلى الفتنة والقتال، ويمدون أيديهم فيما لا يجوز من الأفعال؛ فنهاهم الله عز وجل عن ذلك، وكان فعلهم هذا من قبل أن يفترض الله عز وجل على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الجهاد، فأمرهم سبحانه بالجهاد، وحكم به عليهم، وأطلق لنبيه ولهم، ثم نكلوا عما كانوا يقولون، ورجعوا عما كانوا من أنفسهم يظهرون، ثم أخبر أنهم يخشون الناس، ويفزعون من قتالهم، كخشية المؤمنين لله، الذي لا ينكلون عن أمره، ولا يرجعون عن حكمه؛ فذكر عز وجل هؤلاء المنافقين: أنهم يخشون الناس ويهابونهم كخشية الله، وليس لهم خشية لله، ولو كانت لهم خشية لله وهيبة ومعرفة ما نكلوا، ولا رجعوا، ولا ونوا، ولا قصروا؛ ولكن الله عز وجل أخبر نبيه والمؤمنين: أن هؤلاء المنافقين يخشون الناس كخشية الله التي في قلب نبيه وقلوب المؤمنين معه؛ فذم الله سبحانه أهل النفاق، والكفر والشقاق؛ بفعلهم، وما ربك بظلام للعبيد.

2. وقولهم: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، يقولون: إلى انقضاء المدة، وحضور الموت؛ فأخبرهم عز وجل أن متاع الدنيا قليل، وأنهم لو بلغوا في المدة غاية الأمل والإرادة لكان آخره انصرام وذهاب، وكل ما زال وذهب فليس بغبطة لمن كان له عقل ومعرفة، والفتيل فقد قيل: إنه الذي يكون وسط النواة، وقد قيل: إنه الذي يكون في شقها، والفتيل عندي: ما قل وحقر وصغر.

3. وقد قيل: إن هذه الآية نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، وقدامة بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص الزهري.

__________

(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/239.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله عزّ وجل: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ الآية، اختلف فيه:

أ. قيل: نزلت في بنى إسرائيل، وهي الآية التي ذكرها الله تعالى في سورة البقرة: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى﴾‏.. إلى قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 246]

ب. وقيل: إنها نزلت في المؤمنين من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم استأذنوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في قتال كفار مكة سرّا؛ لكثرة ما يلقون من الأذى منهم؛ فنزل قوله تعالى: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: لم أؤمر بالقتال، فنهاهم عن ذلك، فلما كتب عليهم القتال وأمروا به كرهوا ذلك؛ فدل قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ الآية.

ج. وقيل: إنها نزلت في المنافقين الذين كانوا يقاتلون مع النبي، صلّى الله عليه وآله وسلّم‏.

2. قوله عزّ وجل: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾:

أ. أي: يخشون الناس ـ يعني المنافقين ـ كخشية المؤمنين الله أو أشد خشية؛ كقوله سبحانه وتعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا﴾ [البقرة: 165]

ب. وإن كانت في المؤمنين؛ فتأويله: يخشون الناس في القتال كخشية الله في الموت أو أشد خشية؛ لأنه أهيب وأسرع نفاذا.

3. قوله ـ عزّ وجل أيضا ـ: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية، تكلموا في ذلك، فمنهم من جعله خبرا عن أمر بنى إسرائيل الذين قالوا لنبي لهم: ﴿ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ الآية، أنهم إذا أمروا بالكف عن مقاتلته تمنوا الإذن في ذلك، وسألوا نبيهم عليه السلام عن ذلك، ثم فيهم من أعرض عن الطاعة، وقد كان أهل الإيمان يتمنون الإذن في ذلك؛ كقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: 143] فوعظوا بمن ذكرت؛ ليقبلوا العافية، ولا يتمنوا محنة فيها شدّة؛ فيبعثهم على ما بعث‏ أولئك، وروي عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: (لا تتمنّوا لقاء العدوّ واسألوا ربّكم العافية، وإذا لقيتموهم فشوروا في وجوههم) أو كان في علم الله سبحانه وتعالى أن يأمرهم، فأخبروا بالذين قتلوا وحل بهم؛ لئلا يفعلوا مثل فعلهم، وخشيتهم كخشية الله؛ كقوله تعالى: ﴿لَا طَاقَةَ لَنَا الْيَوْمَ بِجَالُوتَ وَجُنُودِهِ﴾ إلى تمام القصة، وقد قيل: الآية نزلت فيما سألوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فأجيبوا في ذلك، ثم خاطبهم الذي ذكر.

4. لكن اختلف في ذلك، فمنهم من يقول: كان ذلك في المصدقين؛ لكن اشتد عليهم الأمر، وذلك نحو، حتى أغاثهم الله تعالى وفرج عنهم بمنّه، وعلى ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ﴾ [آل عمران: 143] أي: ما فيه الموت من الجهاد، وعلى ذلك: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، فلما عاينوا السبب الذي فيه هلاكهم، وتبلغ عند ذلك الخشية غايتها؛ نحو قرب الموت وشدة المرض؛ يكون المرء يخشى منه الموت ما لا يخشى لولا تلك الحال؛ لأنه يرى الموت من المرض، وإن كان الذي يظهر عليه من خشية الموت في تلك الحال أشد، فهو ـ في الحقيقة ـ خشية من الله تعالى أن يكون جعل ذلك سبب الموت، وأنه حضره وقرب منه؛ فيكون في ظاهر الأمر كمن يخشى من تلك الأحوال، وقد جعل لما جبل عليه الخلق في مثله معروف مثله؛ أعني: أن المريض عند الموت لما يغلب عليه الإياس من حياته، وإن كان الذي يصيبه يستوى عليه أحواله، فعلى ذلك أمر الأول، وعلى ذلك فيما طبع عليه الخلق من طمأنينة القلب عند ملك أسباب الرزق والقدرة عليه ما لم يكن في غيرها، وإن كان من حيث قدرة الله تعالى واحد؛ فتكون تلك الخشية جبلية طبيعية، لا اختيارية، أو سخط بحكم الرب، وهو كالذي جاء من قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وهُوَكُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: 216]

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/259.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ هذه الآية نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بمكة في قتال المشركين فلم يأذن لهم فلما كتب عليهم القتال وهم بالمدينة إذا فريق منهم يذكر ما ذكر الله عز وجل في كتابه، وقيل إنها نزلت في قوم من المنافقين.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/187.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. فيمن نزلت هذه الآية فيه أربعة أقاويل:

أ. أحدها: أنها نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بمكة في قتال المشركين فلم يأذن لهم، فلما كتب عليهم القتال وهم بالمدينة قال فريق منهم ما ذكره الله عنهم، وهذا قول ابن عباس، وعكرمة، وقتادة، والسدي.

ب. الثاني: أنها نزلت في المنافقين، وهو قول بعض البصريين.

ج. الثالث: أنها نزلت في اليهود.

د. الرابع: أنها من صفة المؤمن لما طبع عليه البشر من المخافة، وهذا قول الحسن.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/507.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قرأ ابن كثير، وحمزة، والكسائي، وخلف، والحلواني عن هشام ولا يظلمون بالياء، الباقون بالتاء، فمن قرأ بالياء حمل الكلام على لفظ الغيبة ومن قرأ بالتاء فعلى المواجهة.

2. قيل في سبب نزول هذه الآية قولان:

أ. أحدهما: قال ابن عباس، والحسن، وعكرمة، وقتادة، والسدي: انها نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال ابن عباس: منهم عبد الرحمن ابن عوف، وهم بمكة في قتال المشركين، فلم يأذن لهم: فلما كتب عليهم القتال، وهم بالمدينة قال فريق منهم ما حكاه الله في الآية، فان قيل: كيف، يجوز ذلك، والله تعالى يقول: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فأمرهم باقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، ولم تكن الزكاة فرضت بمكة؟ قيل: قد قال البلخي في ذلك: إنه يجوز أن يكون قوم من المنافقين عرضوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ذلك والأقوى عندي أن يكون الله قال ذلك على وجه الندب، والاستحباب دون الزكاة المقدرة على وجه مخصوص.

ب. الثاني: قال مجاهد: نزلت في اليهود، نهى الله هذه الأمة أن يصنعوا مثل صنيعهم.

3. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ معناه ألم ينته علمك إلى هؤلاء تعجيباً من ذلك، ولو قال ألم تر هؤلاء أو ألم تعلم هؤلاء لم يظهر فيه معنى التعجب منهم كما يظهر بـ (إلى)، لأنها تؤذن بحال بعيدة قد لا ينتهي إليها، لبعدها، لما فيها من العجب الذي يقع بها.

4. ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ يعني حين طلبوا القتال وقيل لهم: اقتصروا على اقامة الصلاة وإيتاء الزكاة ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ يعني الجهاد ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ يعني جماعة ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾:

أ. قال الحسن: هو من صفة المؤمنين لما طلبوا عليه من البشرية والخوف، لا على وجه كراهة المخالفة.

ب. وقال أبو علي: هو من صفة المنافقين، لأنهم كانوا كذلك حرصاً منهم على الدنيا والبقاء فيها والاستكثار منها وقال يخشون القتل من قبل المشركين كما يخشون الموت من قبل الله.

5. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ليس معنى (أو) هاهنا الشك، لأن ذلك لا يجوز عليه تعالى، وقيل في معناها قولان:

أ. أحدهما: أنها دخلت للإبهام على المخاطب، والمعنى أنهم على احدى الصفتين، وهذا أصل (أو) وهو معنى واحد على الإبهام.

ب. الثاني: على طريق الاباحة نحو قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، ومعناه إن قلت يخشون الناس كخشية الله فأنت مصيب، وان قلت يخشونهم أشد من ذلك فأنت مصيب لأنه قد حصل لهم مثل تلك الخشية وزيادة.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/262.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. كف عن الشي أمسك عنه، وكفكفته عنه منعته وكففته أيضًا.

2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. قيل: نزلت في ناس من الصحابة استأذنوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهم بمكة في قتال المشركين لما ينالهم من أذاهم فلم يأذن لهم، فلما كتب عليهم القتال، وهم بالمدينة قال فريق منهم ما حكى الله تعالى عنهم في الآية عن ابن عباس والحسن وعكرمة وقتادة والسدي، وذكر الكلبي أن منهم عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص.

ب. وقيل: نزلت في اليهود عن مجاهد.

ج. وقيل: إن قوله: ﴿يَخْشَوْنَ﴾ إلى آخرها نزلت في المنافقين عن أبي علي.

د. وقيل: نزلت في قوم من المؤمنين لم يكونوا راسخين في العلم.

هـ. وقيل: نزلت في قوم كانوا مؤمنين فلما فرض عليهم الجهاد نافقوا.

3. حكى الله تعالى عنهم من أفعالهم الذميمة فقال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾:

أ. قيل: ألم تعلم.

ب. وقيل: ألا تتعجب من هَؤُلَاءِ؟

ج. وقيل: ألم ينته علمك إليهم.

4. ﴿إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ قيل: القائل رسول الله، ومَنْ قيل لهم:

أ. قيل: أصحابه من المؤمنين.

ب. وقيل: بل من المنافقين.

5. ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أي أمسكوا عن قتال الكفار، وهذا كان بمكة فإني لم أوذن في قتالهم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ﴾ فرض ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ وهم بالمدينة بعد الهجرة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ جماعة ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللهِ﴾:

أ. قيل: هو من صفة المؤمنين لما طبع عليه البشر من المخافة لا على كراهة المحاربة عن الحسن.

ب. وقيل: هو من صفة المنافقين؛ لأنهم كانوا على ذلك حرصًا على الدنيا والبقاء فيها والاستكثار منها عن أبي علي.

ج. وقيل: معناه يخشون القتل من قبل المشركين كما يخشون الموت من قبل الله تعالى.

6. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي خوفهم من القتل أكثر.

7. تدل الآية الكريمة على:

أ. أنهم لم يكونوا متعبدين بالجهاد في ابتداء الإسلام، بل أمروا بكف الأيدي وإقامة الشرائع.

ب. أن الصلاة والزكاة كانت واجبة في الابتداء، وتدل على أن الجهاد فُرِضَ من بعد.

ج. أن وجوبه عام، وقد بينا أن الجهاد فرض، ثم قد يتعين عند قصد الكفار دار الإسلام، وقد يكون من فرض الكفاية إذا خرج الإمام إلى دار الحرب.

د. أن القوم خافوا القتال، وقد بينا ما قيل فيه، والأولى أنه صفة المنافقين؛ لأن ذلك لا يليق إلا بهم، وهو اختيار أبي علي وجماعة، فأما أكثر المفسرين على أنه في صفة المؤمنين، وذلك غير بعيد لجواز أن يخاف المؤمنون قتل الكفار، وقالوا ذلك لكنهم مع ذلك قاموا بالواجب ولم يخلّوا فتكون درجتهم أعظم؛ لأن الخائف الجبان قد يقوم بالواجب، وقد يمتنع الشجاع البطل من الواجب.

هـ. تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة؛ لأنه خير وأبقى.

8. مسائل لغوية ونحوية:

أ. دخل ﴿إِلَى﴾ في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ﴾ ليدل على الانتهاء كأنه قيل: ألم ينته علمك إلى هَؤُلَاءِ فدخله معنى التعجيب، ولو قال: ألم تر هَؤُلَاءِ، أو ألم تعلم؛ لم يظهر فيه معنى التعجيب عن علي بن عيسى.

ب. في دخول ﴿أَوْ﴾ من غير شك وجوه:

الأول: الإيهام على المخاطب بمعنى أنهم على إحدى الصفتين.

الثاني: على طريقة الإباحة نحو قولك: جالس الحسن أو ابن سيرين، تقديره: إن قلت نخشى كخشية الناس فأنت مصيب، وإن قلت خشيتهم أشد فأنت مصيب؛ لأنه قد حصل لهم مثل تلك الخشية وزيادة عن أبي علي.

وقيل ﴿أَوْ﴾ بمعنى الواو.

ج. ﴿خَشْيَةِ﴾ نصب على التمييز.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/708

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. سبب نزول الآية الكريمة: قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف الزهري، وقدامة بن مظعون الجمحي، وسعد بن أبي وقاص، كانوا يلقون من المشركين أذى شديدا، وهم بمكة، قبل أن يهاجروا إلى المدينة، فيشكون إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويقولون: يا رسول الله! إئذن لنا في قتال هؤلاء، فإنهم قد آذونا، فلما أمروا بالقتال وبالمسير إلى بدر، شق على بعضهم، فنزلت هذه الآية.

2. عاد سبحانه إلى ذكر القتال ومن كرهه، فقال: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ وهم بمكة ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾: أي أمسكوا عن قتال الكفار، فإني لم أومر بقتالهم ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ﴾ أي فرض ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ وهم بالمدينة ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي جماعة منهم.

3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾:

أ. قيل: أي: يخافون القتل من الناس كما يخافون الموت من الله.

ب. وقيل: يخافون الناس أن يقتلوهم كما يخافون الله أن يتوفاهم.

ج. وقيل: يخافون عقوبة الناس بالقتل، كما يخافون عقوبة الله.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾:

أ. قيل: إن ﴿أَوْ﴾ هنا بمعنى الواو: أي أشد خشية.

ب. وقيل: إن ﴿أَوْ﴾ هنا لإيهام الامر على المخاطب، وقد ذكرنا الوجوه في مثل هذا عند ذكر قوله سبحانه ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾ في سورة البقرة.

5. مسائل لغوية ونحوية:

أ. ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾: إذا هذه ظرف مكان، وهي بمنزلة الفاء في تعليقه الجملة بالشرط، وتسمى ظرف المكان كما في قول الشاعر:

çوكنت أرى زيدا كما قيل سيدا... إذا إنه عبد القفا واللهازمé

فهي في محل النصب بـ ﴿يَخْشَوْنَ﴾

ب. الكاف في ﴿خَشْيَةِ اللَّهِ﴾: في محل النصب للمصدر و﴿أَشَدُّ﴾: معطوف عليه، و﴿خَشْيَةِ﴾: منصوب على التمييز، وهو مما انتصب بعد تمام الاسم للمصدر.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/119.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. اختلفوا فيمن نزل قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ على قولين:

أ. أحدهما: أنها نزلت في نفر من المهاجرين، كانوا يحبّون أن يؤذن لهم في قتال المشركين وهم بمكّة قبل أن يفرض القتال، فنهوا عن ذلك، فلما أذن لهم فيه، كرهه بعضهم، روى هذا المعنى أبو صالح عن ابن عباس، وهو قول قتادة، والسّدّيّ، ومقاتل.

ب. الثاني: أنها نزلت واصفة أحوال قوم كانوا في الزمان المتقدّم، فحذّرت هذه الأمّة من مثل حالهم، روى هذا المعنى عطيّة، عن ابن عباس، قال أبو سليمان الدّمشقيّ: كأنه يومئ إلى قصة الذين قالوا: ابعث لنا ملكا، وقال مجاهد: هي في اليهود.

2. كفّ اليد: الامتناع عن القتال، ذلك كان بمكّة، و(كتب) بمعنى: فرض، وذلك بالمدينة، هذا على القول الأول.

3. في الفريق في قوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: أنهم المنافقون.

ب. الثاني: أنهم كانوا مؤمنين، فلما فرض القتال، نافقوا جبنا وخوفا.

ج. الثالث: أنهم مؤمنون غير أنّ طبائعهم غلبتهم، فنفرت نفوسهم عن القتال.

4. في المراد بالناس في قوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ قولان:

أ. أحدهما: كفّار مكّة.

ب. الثاني: جميع الكفّار.

5. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ قيل: إن (أو) بمعنى الواو، و(كتبت) بمعنى: فرضت.

__________

(1) زاد المسير: 1/434.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. اختلف في هذه الآية، وهل هي صفة للمؤمنين أو المنافقين؟ فيه قولان:

أ. الأول: أن الآية نازلة في حق المنافقين، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين:

الأول: أنه تعالى قال في وصفهم: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ [النساء: 77] ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى.

الثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين.

الثالث: أنه تعالى قال للرسول: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة، وذلك من صفات المنافقين.

ب. الثاني: أن الآية نزلت في المؤمنين، قال الكلبي: نزلت في عبد الرحمن بن عوف والمقداد وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص، كانوا مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قبل أن يهاجروا إلى المدينة، ويلقون من المشركين أذى شديدا فيشكون ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويقولون: ائذن لنا في قتالهم ويقول لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كفوا أيديكم فاني لم أومر بقتالهم، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة، فلما هاجر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة وأمروا بقتالهم في وقعة بدر كرهه بعضهم، فأنزل الله هذه الآية، واحتج الذاهبون إلى هذا القول بان الذين يحتاج الرسول أن يقول لهم: كفوا عن القتال هم الراغبون في القتال، والراغبون في القتال هم المؤمنون، فدل هذا على أن الآية نازلة في حق المؤمنين، ويمكن الجواب عنه بأن المنافقين كانوا يظهرون من أنفسهم انا مؤمنون وانا نريد قتال الكفار ومحاربتهم، فلما أمر الله بقتالهم الكفار أحجم المنافقون عنه وظهر منهم خلاف ما كانوا يقولونه، وأجابوا، عما ذكره أصحاب القول الأول:

أن حب الحياة والنفرة عن القتل من لوازم الطباع، فالخشية المذكورة في هذه الآية محمولة على هذا المعنى.

وقولهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ محمول على التمني لتخفيف التكليف لا على وجه الإنكار لا يجاب الله تعالى.

وقوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ مذكور لا لأن القوم كانوا منكرين لذلك، بل لأجل إسماع الله لهم هذا الكلام مما يهون على القلب أمر هذه الحياة، فحينئذ يزول من قلبهم نفرة القتال وحب الحياة ويقدمون على الجهاد بقلب قوي، فهذا ما في تقرير هذين القولين.

2. الأولى حمل الآية على المنافقين لأنه تعالى ذكر بعد هذه الآية قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ [النساء: 78] ولا شك أن هذا من كلام المنافقين، فإذا كانت هذه الآية معطوفة على الآية التي نحن في تفسيرها ثم المعطوف في المنافقين وجب أن يكون المعطوف عليهم فيهم أيضا.

3. دلت الآية على أن إيجاب الصلاة والزكاة كان مقدما على إيجاب الجهاد، وهذا هو الترتيب المطابق لما في العقول، لأن الصلاة عبارة عن التعظيم لأمر الله، والزكاة عبارة عن الشفقة على خلق الله، ولا شك أنهما مقدمان على الجهاد.

4. ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ مصدر مضاف إلى المفعول، وظاهر قوله: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ يوهم الشك، وذلك على علام الغيوب محال، وفيه وجوه من التأويل:

أ. الأول: المراد منه الإبهام على المخاطب، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة، وذلك لأن كل خوفين فأحدهما بالنسبة إلى الآخر إما أن يكون أنقص أو مساويا أو أزيد فبين تعالى بهذه الآية أن خوفهم من الناس ليس أنقص من خوفهم من الله، بل بقي إما أن يكون مساويا أو أزيد، فهذا لا يوجب كونه تعالى شاكا فيه، بل يوجب إبقاء الإبهام في هذين القسمين على المخاطب.

ب. الثاني: أن يكون (أو) بمعنى الواو، والتقدير: يخشونهم كخشية الله وأشد خشية، وليس بين هذين القسمين منافاة، لأن من هو أشد خشية فمعه من الخشية مثل خشيته من الله وزيادة.

ج. الثالث: أن هذا نظير قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ﴾ [الصافات: 147] يعني أن من يبصرهم يقول هذا الكلام، فكذا هاهنا والله أعلم.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/143.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1): ‌‌

1. روى عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بمكة فقالوا: يا نبي الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا أذلة؟ فقال: (إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم)، فلما حول الله تعالى إلى المدينة أمره بالقتال فكفوا، فنزلت الآية، أخرجه النسائي في سننه، وقاله الكلبي، وقال مجاهد: هم يهود، قال الحسن: هي في المؤمنين، لقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ أي مشركي مكة ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ فهي على ما طبع عليه البشر من المخافة لا على المخالفة، قال السدي: هم قوم أسلموا قبل فرض القتال فلما فرض كرهوه، وقيل: هو وصف للمنافقين، والمعنى يخشون القتل من المشركين كما يخشون الموت من الله.

2. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي عندهم وفي اعتقادهم، قلت: وهذا أشبه بسياق الآية، لقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي هلا، ولا يليها إلا الفعل، ومعاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم، اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به فيما تلحقه فيه المشقة وتدركه فيه الشدة، والله أعلم.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/281.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية، قيل: هم جماعة من الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن تسرعوا إليه، فلما كتب عليهم بالمدينة تثبطوا عن القتال من غير شك في الدين، بل خوفا من الموت، وفرقا من هول القتل؛ وقيل: إنها نزلت في اليهود؛ وقيل: في المنافقين، أسلموا قبل فرض القتال، فلما فرض كرهوه، وهذا أشبه بالسياق لقوله: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ الآية، ويبعد صدور مثل هذا من الصحابة.

2. ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ صفة مصدر محذوف، أي: خشية كخشية الله، أو حال، أي: تخشونهم مشبهين أهل خشية الله، والمصدر مضاف إلى المفعول، أي: كخشيتهم الله.

3. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ معطوف على كخشية الله، في محل جر، أو معطوف على الجار والمجرور جميعا، فيكون: في محل الحال، كالمعطوف عليه، وأو: للتنويع، على معنى: أن خشية بعضهم كخشية الله، وخشية بعضهم أشد منها.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/565.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى﴾ المؤمنين ﴿الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ قال لهم النبيُّ صلّى الله عليه وآله وسلّم : ﴿كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ﴾ عن قتال الكفَّار في مكَّة حين أذاهم الكفَّار، كعبد الرحمن بن عوف، والمقداد بن الأسود، وهو المقداد بن عمرو، وسعد بن أبي وقاص، وقدامة بن مظعون، وجماعة، يؤذيهم المشركون في مكَّة، فيقولون: (يا رسول الله، لو أذنت لنا في القتال)، فيقول لهم: (كفُّوا أيدكم، ثمَّ هاجروا)، وأُمِروا بقتال المشركين وكرهوا ذلك بالطبع، لا عصيانًا أو نفاقًا أو ردَّة ﴿وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَءَاتُواْ الزَّكَاةَ﴾ وأدُّوا ما أُمرتم به.

2. ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ في السَّنَة الثانية، جواب (لَمَّا) محذوف، أي: كرهوه، وقيل: هو قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِّنهُمْ﴾ (مِنْ) لبيان الفريق الموضوع موضع الضمير، لحكمة التلويح إلى تميُّزهم بخشية الناس، كأنَّه قيل: (فريق مغاير هم هؤلاء الذين قيل لهم كفُّوا) ويجوز أن يكون قوله: ﴿إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ إلخ مرادًا به المجموع، أَعَمُّ من الخاشين؛ لقوله: ﴿مِنْهُمْ﴾، على أنَّ (مِنْ) للتبعيض.

3. ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ يخشون قتال الناس الكفرة ﴿كَخَشْيَةِ اللهِ﴾ كخشيتهم أو خشية غيرهم الله أن ينزِّل صاعقة، أو يرجمهم، أو يخسف بهم، أو ينزِّل عليهم طاعونًا، ﴿أَوَ اَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي: أو خشيةً أشدَّ خشية، فـ (خَشْيَةً) تمييز لـ (أَشَدَّ)، فيكون أسند الخشية إلى الخشية، أي: خشيةً أشدَّ خشية، كقولهم: صومه أصوم من صومك، من المجاز العقليِّ.

4. و(أَشَدَّ) معطوف على الكاف إن كانت اسما، أو على منعوت محذوف، ففتحُ (أَشَدَّ) نصبٌ، أو معطوف على (خَشْيَةِ) فالفتح جرٌّ، أو المعطوف (خَشْيَةِ) و(أَشَدَّ) نعتُه، قدِّم فكان حالاً، أي: خشيةً كائنة كخشية الله، أو خشيةً أشدَّ من خشية الله، و(أَوْ) للتنويع، أو بمعنى بل، وهما أولى من كونها لتخيير السامع أن يعبِّر بما شاء من الخشيتين، وقيل: للإبهام.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/227.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ وهم المؤمنون عند استئذانهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في القتال، قبل أن يؤمروا به‏ ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ أي: عن القتال، فإنكم لم تؤمروا به‏ ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ أي: أتموا الصلوات الخمس بوضوئها وركوعها وسجودها، وما يجب فيها من مواقيتها، وأعطوا زكاة أموالكم.

2. ﴿فَلَمَّا كُتِبَ﴾ أي فرض‏ ﴿عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ أي الجهاد في سبيل الله حين قوي حالهم‏ ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي طائفة منهم وهم المنافقون، وإدخالهم مع المؤمنين لما كانوا يظهرونه من أنفسهم أنهم منهم‏ ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ أي: يخافون أهل مكة الكفار أن يقتلوهم‏ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ﴾ أي كما يخشون الله أن ينزل عليهم بأسه‏ ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي: أكثر خوفا منه.

3. سؤال وإشكال: ظاهر قوله‏: ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ يوهم الشك، وذلك على علام الغيوب محال، والجواب: (أو) إما بمعنى (بل) أو هي للتنويع على أن معنى: أن خشية بعضهم كخشية الله، وخشية بعضهم أشد منها، أو للإبهام على السامع، بمعنى أنهم على إحدى الصفتين من المساواة والشدة، وهو قريب مما في قوله تعالى: ﴿أَرْسَلْناهُ إِلى‏ مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ‏﴾ [الصافات: 147]، يعني أن من يبصرهم يقول: إنهم مائة ألف أو يزيدون.

4. حكى المفسرون هنا رواية عن ابن عباس، أن هذه الآية نزلت في جماعة من‏ الصحابة المهاجرين وأنهم كانوا يلقون من مشركي مكة، قبل الهجرة، أذى شديدا، فيشكون ذلك إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ويقولوا: ائذن لنا في قتالهم، فيقول لهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم: كفوا أيديكم، فإني لم أومر بقتالهم، واشتغلوا بإقامة دينكم من الصلاة والزكاة، ثم بعد الهجرة إلى المدينة، لما أمروا بقتالهم في وقعة بدر، كرهه بعضهم، فنزلت الآية.

5. عندي أن هذه الآية كسوابقها نزلت في المنافقين، تقريعا لهم وتحذيرا للمخلصين، من شاكلتهم، والقول بنزولها في بعض المؤمنين لا يصح لوجوه:

أ. منها ـ أن في إسنادها عن ابن عباس من ليس على شرط الصحيح.

ب. ومنها ـ أن طلبهم للجهاد وهم في مكة، مع قلة العدد والعدد، وممالأة العدوّ عليهم من كل جانب في غاية البعد.

ج. ومنها ـ أن السياق في المنافقين: وقد ابتدئ الكلام في شأنهم من قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾ ـ إلى قوله تعالى الآتي ـ ﴿فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ﴾ الآية، كما يظهر من التدبر الصادق.

د. ومنها ـ أن هذا السياق اشتمل على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين، لأنه تعالى قال في وصفهم: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ ولا يكون هذا الوصف إلا لكافر أو منافق.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/227.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أخرج النسائي والحاكم عن ابن عباس أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فقالوا يا نبي الله كنا في عز ونحن مشركون فلما آمنا صرنا أذلة، فقال: (أمرت بالعفو فلا تقاتلوا القوم) فلما حوله الله إلى المدينة أمرهم بالقتال فكفوا، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ الآية ذكره السيوطي في لباب النقول، ورواه ابن جرير في تفسيره وعنده روايات أخرى أنها في أناس من الصحابة على الإبهام، قال محمد عبده: إنني أجزم ببطلان هذه الرواية مهما كان سندها لأنني أبرئ السابقين الأولين كسعد وعبد الرحمن مما رموا به.

2. هذه الآية متصلة بما قبلها فإن الله تعالى أمر بأخذ الحذر والاستعداد للقتال والنفر له وذكر حال المبطئين لضعف قلوبهم وأمرهم بما أمرهم من القتال في سبيله وإنقاذ المستضعفين، ثم ذكر بعد ذلك شأنا آخر من شؤونهم وذلك أن المسلمين كانوا قبل الإسلام في تخاصم وتلاحم وحروب مسحرة مستمرة ولا سيما الأوس والخزرج فإن الحروب بينهم لم تنقطع إلا بالإسلام وبعد هجرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إليهم، أمرهم الإسلام بالسلم وتهذيب النفوس بالعبادة والكف عن الاعتداء والقتال إلى أن اشتدت الحاجة إليه ففرضه عليهم فكرهه الضعفاء منهم.

3. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ الاستفهام للتعجب منهم إذ أمرهم الله تعالى باحترام الدماء، وكف الأيدي عن الاعتداء، وبإقامة الصلاة، وبالخشوع والعبودية لله، وتمكين الإيمان في قلوبهم، وبإيتاء الزكاة التي تفيد مع تمكين الإيمان أشد أواخي التراحم بينهم، فأحبوا أن يكتب الله عليهم القتال ليجروا على ما تعودوا، فلما كتبه عليهم للدفاع عن بيضتهم، وحماية حقيقتهم، كرهه الضعفاء منهم، وكان عليهم أن يفقهوا من الأمر بكف الأيدي أن الله تعالى لا يحب سفك الدماء، وأنه ما كتب القتال إلا لضرورة دفاع المبطلين المغيرين على الحق وأهله لأنهم خالفوا أباطيلهم، واتبعوا الحق من ربهم، فيريدون أن ينكلوا بهم، أو يرجعوا عن حقهم، فأين محل الاستنكار، في مثل هذه الحال؟

4. وهؤلاء هم ضعفاء المسلمين الذين ذكر أنهم يبطئون عن القتال ولذلك قال: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ و(أو) هنا بمعنى (بل) أي إنهم يخشون الناس بالقعود عن قتالهم على ما فيه من مخالفة أمر الله تعالى، ولما كان من شأن الذي يساوي بين اثنين في الخشية أن يميل إلى هذا تارة وإلى الآخر تارة، وكان هؤلاء قد رجحوا بترك القتال خشية الناس مطلقا قال: (أو أشد خشية) أي بل أشد خشية.

5. استنكر محمد عبده نزول الآية في بعض كبار الصحابة المشهود لهم بالجنة وما استحقوها إلا بقوة الإيمان، والعمل والإذعان، وجعلها في المبطئين على الوجه الذي اختاره فيهم وهو أنهم ضعاف الإيمان (والوجه الآخر أنهم المنافقون كما تقدم) فكيف تصدق رواية تجعل عبد الرحمن بن عوف منهم؟ وقد روى ابن جرير عن أبي نجيح عن مجاهد أنها نزلت هي وآيات بعدها في اليهود، وروي عن ابن عباس في ذلك أنه قال في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾: (نهى الله تبارك وتعالى هذه الأمة أن يصنعوا صنيعهم) أي أن يكونوا مثل اليهود في ذلك، وإذا صح هذا فالمراد به والله أعلم الاعتبار بما جاء في سورة البقرة من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ﴾ [البقرة: 246]

6. الظاهر أن الآية في جماعة المسلمين وفيهم المنافقون والضعفاء، ولا شك أن الإسلام كلفهم مخالفة عادتهم في الغزو والقتال لأجل الثأر، ولأجل الحمية والكسب، وأمرهم بكف أيديهم عن الاعتداء، وأمرهم بالصلاة والزكاة، وناهيك بما فيهما من الرحمة والعطف، حتى خمدت من نفوس أكثرهم تلك الحمية الجاهلية، وحل محلها أشرف العواطف الإنسانية، وكان منهم من يتمنى لو يفرض عليهم القتال، ولا يبعد أن يكون عبد الرحمن بن عوف وبعض السابقين رأوا تركه ذلا وطلبوا الأذن به، ولا يلزم من ذلك أن يكونوا هم الذين أنكروه بعد ذلك خشية من الناس بل ذلك فريق آخر من غير الصادقين، على أنه لما فرض عليهم القتال لما تقدم ذكره من الحكم والأسباب كان كرها لجمهور المسلمين كما سبق بيان ذلك في تفسير ﴿كتب عليهم القتال وهو كره لكم وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم﴾ [البقرة: 216] ولكن أهل العزم واليقين أطاعوا وباعوا أنفسهم لله عز وجل فكان الفرق بين قتالهم في الجاهلية وقتالهم في الإسلام عظيما، وأما المنافقون ومرضى القلوب فكانوا قد أنسوا وسكنوا إلى ما جاء به الإسلام من ترك القتال وكف الأيدي فنال منهم الجبن، وأحبوا الحياة الدنيا، وكرهوا الموت لأجلها، وليس هذا من شأن الإيمان الراسخ، فظهر عليهم أثر الخشية والخوف من الأعداء حتى رجحوه على الخشية من الله عز وجل وسهل عليهم مخالفته بالقعود عن القتال وهو يقول: ﴿فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: 175] واستنكروا فرض القتال وأحبوا لو تأخر إلى أجل.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/263.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن أمر سبحانه بأخذ الحذر والاستعداد للقتال والنفر له، وذكر حال المبطئين الذين ضعفت قلوبهم، وأمرهم بالقتال في سبيله وفي سبيل إنقاذ المستضعفين، ذكر هنا أن الإسلام كلفهم ترك ما كانوا عليه في الجاهلية من تخاصم وتلاحم وحروب مستمرة ولا سيما بين قبيلتى الأوس والخزرج، فإن الحروب بينهم لم تنقطع إلا بمجي‏ء الإسلام، وأمرهم بكف أيديهم عن القتال والعدوان على غيرهم، وطلب إليهم إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة لما فيهما من تهذيب النفوس والعطف والرحمة حتى خمدت من نفوس كثير منهم حمية الجاهلية وحل محلها شريف العواطف الإنسانية، إلى أن اشتدت الحاجة إلى القتال للذود عن بيضة الإسلام ودفع العدوان من أولئك المشركين الذين آذوا المسلمين وأحبوا فتنتهم في دينهم وردهم إلى ما كانوا عليه، ففرضه عليهم فكرهه المنافقون والضعفاء فنعى ذلك عليهم ووبخهم أشد التوبيخ.

2. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ الخطاب لجماعة المسلمين وفيهم المنافقون والضعفاء، أي ألم تر إلى أولئك الذين أمرهم الله بحقن الدماء وكف الأيدى من الاعتداء، وإقامة الصلاة والخشوع لله، وإيتاء الزكاة التي تمكّن الإيمان في القلوب، وتشد أواصر التراحم بين الخلق، وقد كانوا من قبل ذوى إحن وأحقاد وتخاصم وتلاحم وحروب مستمرة، فلما جاء الإسلام أحبوا أن يكتب عليهم القتال ليسيروا على ما تعودوه، ولكن حين كتب عليهم كرهه الضعفاء منهم وخافوا أن يقاتلهم الكفار وينزلوا بهم النكال والوبال، كما خافوا أن ينزل الله بهم بأسه وعقابه بل رجح خوفهم من الناس على خوفهم من الله.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/94.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. إن السياق يمضي ـ بعد هذا ـ إلى التعجيب من أمر طائفة أو أكثر من المسلمين ـ قيل إن بعضهم من المهاجرين، الذين كانت تشتد بهم الحماسة ـ وهم في مكة يلقون الأذى والاضطهاد ـ ليؤذن لهم في قتال المشركين، حيث لم يكن مأذونا لهم ـ بعد ـ في قتال، للحكمة التي يعلمها الله؛ والتي قد نصيب طرفا من معرفتها فيما سنذكره بعد.. فلما كتب عليهم القتال، بعد أن قامت للإسلام دولة في المدينة، وعلم الله أن في هذا الإذن خيرا لهم وللبشرية.. إذا هم ـ كما يصورهم القرآن ـ ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ ممن إذا أصابتهم الحسنة قالوا: هذه من عند الله، وإن أصابتهم السيئة قالوا للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: هذه من عندك، وممن يقولون: طاعة حتى إذا خرجوا من عند الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم بيت طائفة منهم غير الذي تقول، وممن إذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به.

2. يمضي السياق ليعجب من شأن هؤلاء، في الأسلوب القرآني؛ الذي يصور حالة النفس، كما لو كانت مشهدا يرى ويحس! ويصحح لهم ـ ولغيرهم ـ سوء التصور والإدراك لحقائق الموت والحياة، والأجل والقدر، والخير والشر، والنفع والضرر، والكسب والخسارة، والموازين والقيم؛ ويبين لهم حقائقها في أسلوب يصور الحقائق في صورتها الموحية المؤثرة.

هؤلاء الذين تتحدث عنهم هذه المجموعات من الآيات؛ قد يكونون هم أنفسهم الذين تحدثت عنهم مجموعة سابقة في هذا الدرس: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾.. الآيات.. ويكون الحديث كله عن تلك الطائفة من المنافقين؛ التي تصدر منها هذه الأعمال وهذه الأقوال كلها.

3. وقد كدنا نرجح هذا الرأي؛ لأن ملامح النفاق واضحة، فيما تصفه هذه المجموعات كلها، وصدور هذه الأعمال وهذه الأقوال عن طوائف المنافقين في الصف المسلم، أمر أقرب إلى طبيعتهم، وإلى سوابقهم كذلك، وطبيعة السياق القرآني شديدة الالتحام بين الآيات جميعا، ولكن المجموعة الأولى من هذه المجموعات التي تتحدث عن الذين: ﴿قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾.. الآيات هي التي جعلتنا نتردد في اعتبار الآيات كلها حديثا عن المنافقين ـ وإن بدت فيها صفات المنافقين وبدت فيها لحمة السياق واستطراده ـ وجعلتنا نميل إلى اعتبار هذه المجموعة واردة في طائفة من المهاجرين ـ ضعاف الإيمان غير منافقين ـ والضعف قريب الملامح من النفاق ـ وأن كل مجموعة أخرى من هذه المجموعات الأربع ربما كانت تصف طائفة بعينها من طوائف المنافقين، المندسين في الصف المسلم، وربما كانت كلها وصفا للمنافقين عامة؛ وهي تعدد ما يصدر عنهم من أقوال وأفعال.

4. والسبب في وقوفنا هذا الموقف أمام آيات المجموعة الأولى؛ وظننا أنها تصف طائفة من المهاجرين الضعاف الإيمان؛ أو الذين لم ينضج بعد تصورهم الإيماني؛ ولم تتضح معالم الاعتقاد في قلوبهم وعقولهم، السبب هو أن المهاجرين هم الذين كان بعضهم تأخذه الحماسة والاندفاع، لدفع أذى المشركين ـ وهم في مكة ـ في وقت لم يكن مأذونا لهم في القتال ـ فقيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وحتى لو أخذنا في الاعتبار ما عرضه أصحاب بيعة العقبة الثانية الاثنان والسبعون على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من ميلهم على أهل منى ـ أي قتلهم ـ لو أمرهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ورده عليهم: (إننا لم نؤمر بقتال).. فإن هذا لا يجعلنا ندمج هذه المجموعة من السابقين من الأنصار ـ أصحاب بيعة العقبة ـ في المنافقين، الذين تتحدث عنهم بقية الآيات، ولا في الضعاف الذين تصفهم المجموعة الأولى، فإنه لم يعرف عن هؤلاء الصفوة نفاق ولا ضعف.

5. فأقرب الاحتمالات هو أن تكون هذه المجموعة واردة في بعض من المهاجرين، الذين ضعفت نفوسهم ـ وقد أمنوا في المدينة وذهب عنهم الأذى ـ عن تكاليف القتال.. وألا تكون بقية الأوصاف واردة فيهم، بل في المنافقين، لأنه يصعب علينا ـ مهما عرفنا من ظواهر الضعف البشري ـ أن نسم أي مهاجر من هؤلاء السابقين بسمة رد السيئة إلى الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم دون الحسنة! أو قول الطاعة وتبييت غيرها، وإن كنا لا نستبعد أن توجد فيهم صفة الإذاعة بالأمر من الأمن أو الخوف، لأن هذه قد تدل على عدم الدربة على النظام، ولا تدل على النفاق.

6. والحق.. أننا نجد أنفسنا ـ أمام هذه الآيات كلها ـ في موقف لا نملك الجزم فيه بشيء، والروايات الواردة عنها ليس فيها جزم كذلك بشيء.. حتى في آيات المجموعة الأولى، التي ورد أنها في طائفة من المهاجرين؛ كما ورد أنها في طائفة من المنافقين!

ومن ثم نأخذ بالأحوط؛ في تبرئة المهاجرين من سمات التبطئة والانخلاع مما يصيب المؤمنين من الخير والشر، التي وردت في الآيات السابقة، ومن سمة إسناد السيئة للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم دون الحسنة، ورد هذه وحدها إلى الله! ومن سمة تبييت غير الطاعة.. وإن كانت تجزئة سياق الآيات على هذا النحو ليست سهلة على من يتابع السياق القرآني، ويدرك ـ بطول الصحبة ـ طريقة التعبير القرآنية! والله المعين.

7. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ يعجب الله ـ سبحانه ـ من أمر هؤلاء الناس؛ الذين كانوا يتدافعون حماسة إلى القتال ويستعجلونه وهم في مكة، يتلقون الأذى والاضطهاد والفتنة من المشركين، حين لم يكن مأذونا لهم في القتال للحكمة التي يريدها الله، فلما أن جاء الوقت المناسب الذي قدره الله؛ وتهيأت الظروف المناسبة وكتب عليهم القتال ـ في سبيل الله ـ إذا فريق منهم شديد الجزع، شديد الفزع، حتى ليخشى الناس الذين أمروا بقتالهم ـ وهم ناس من البشر ـ كخشية الله؛ القهار الجبار، الذي لا يعذب عذابه أحد، ولا يوثق وثاقه أحد.. ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾!

8. وإذا هم يقولون ـ في حسرة وخوف وجزع ـ ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾.. وهو سؤال غريب من مؤمن، وهو دلالة على عدم وضوح تصوره لتكاليف هذا الدين؛ ولوظيفة هذا الدين أيضا.. ويتبعون ذلك التساؤل، بأمنية حسيرة مسكينة! ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وأمهلتنا بعض الوقت، قبل ملاقاة هذا التكليف الثقيل المخيف!

9. إن أشد الناس حماسة واندفاعا وتهورا، قد يكونون هم أشد الناس جزعا وانهيارا وهزيمة عندما يجد الجد، وتقع الواقعة.. بل إن هذه قد تكون القاعدة! ذلك أن الاندفاع والتهور والحماسة الفائقة غالبا ما تكون منبعثة عن عدم التقدير لحقيقة التكاليف، لا عن شجاعة واحتمال وإصرار، كما أنها قد تكون منبعثة عن قلة الاحتمال، قلة احتمال الضيق والأذى والهزيمة؛ فتدفعهم قلة الاحتمال، إلى طلب الحركة والدفع والانتصار بأي شكل، دون تقدير لتكاليف الحركة والدفع والانتصار.. حتى إذا ووجهوا بهذه التكاليف كانت أثقل مما قدروا، وأشق مما تصوروا، فكانوا أول الصف جزعا ونكولا وانهيارا.. على حين يثبت أولئك الذين كانوا يمسكون أنفسهم، ويحتملون الضيق والأذى بعض الوقت؛ ويعدون للأمر عدته، ويعرفون حقيقة تكاليف الحركة، ومدى احتمال النفوس لهذه التكاليف، فيصبرون ويتمهلون ويعدون للأمر عدته.. والمتهورون المندفعون المستحمسون يحسبونهم إذ ذاك ضعافا، ولا يعجبهم تمهلهم ووزنهم للأمور!

10. وفي المعركة يتبين أي الفريقين أكثر احتمالا؛ وأي الفريقين أبعد نظرا كذلك! وأغلب الظن أن هذا الفريق الذي تعنيه هذه الآيات كان من ذلك الصنف، الذي يلذعه الأذى في مكة فلا يطيقه؛ ولا يطيق الهوان وهو ذو عزة، فيندفع يطلب من الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يأذن له بدفع الأذى، أو حفظ الكرامة، والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يتبع في هذا أمر ربه بالتريث والانتظار، والتربية والإعداد، وارتقاب الأمر في الوقت المقدر المناسب، فلما أن أمن هذا الفريق في المدينة؛ ولم يعد هناك أذى ولا إذلال، وبعد لسع الحوادث عن الذوات والأشخاص؛ لم يعد يرى للقتال مبررا؛ أو على الأقل لم يعد يرى للمسارعة به ضرورة! ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾

11. وقد يكون هذا الفريق مؤمنا فعلا، بدليل اتجاههم إلى الله في ضراعة وأسى! وهذه الصورة ينبغي أن تكون في حسابنا، فالإيمان الذي لم ينضج بعد؛ والتصور الذي لم تتضح معالمه؛ ولم يتبين صاحبه وظيفة هذا الدين في الأرض ـ وأنها أكبر من حماية الأشخاص، وحماية الأقوام، وحماية الأوطان، إذ أنها في صميمها إقرار منهج الله في الأرض، وإقامة نظامه العادل في ربوع العالم؛ وإنشاء قوة عليا في هذه الأرض ذات سلطان، يمنع أن تغلق الحدود دون دعوة الله؛ ويمنع أن يحال بين الأفراد والاستماع للدعوة في أي مكان على سطح الأرض؛ ويمنع أن يفتن أحد من الأفراد عن دينه إذا هو اختاره بكامل حريته ـ بأي لون من ألوان الفتنة ـ ومنها أن يطارد في رزقه أو في نشاطه حيث هو ـ وهذه كلها مهام خارجة عن وقوع أذى على أشخاص بعينهم أو عدم وقوعه.. وإذن فلم يكن الأمن في المدينة ـ حتى على فرض وجوده كاملا غير مهدد ـ لينهي مهمة المسلمين هناك؛ وينهى عن الجهاد! الإيمان الذي لم ينضج بعد ليبلغ بالنفس إلى إخراج ذاتها من الأمر؛ والاستماع فقط إلى أمر الله واعتباره هو العلة والمعلول، والسبب والمسبب، والكلمة الأخيرة ـ سواء عرف المكلف حكمتها أم لم تتضح له ـ والتصور الذي لم تتضح معالمه بعد ليعرف المؤمن مهمة هذا الدين في الأرض؛ ومهمته هو ـ المؤمن ـ بوصفه قدرا من قدر الله، ينفذ به الله ما يشاؤه في هذه الحياة.. لا جرم ينشأ عنه مثل هذا الموقف، الذي يصوره السياق القرآني هذا التصوير؛ ويعجب منه هذا التعجيب! وينفر منه هذا التنفير.

12. فأما لماذا لم يأذن الله للمسلمين ـ في مكة ـ بالانتصار من الظلم؛ والرد على العدوان؛ ودفع الأذى بالقوة، وكثيرون منهم كان يملك هذا؛ فلم يكن ضعيفا ولا مستضعفا؛ ولم يكن عاجزا عن رد الصاع صاعين، مهما يكن المسلمون في ذلك الوقت قلة، أما حكمة هذا، والأمر بالكف عن القتال، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة، والصبر والاحتمال.. حتى وبعض المسلمين يلقى من الأذى والعذاب ما لا يطاق، وبعضهم يتجاوز العذاب طاقته؛ فيفتن عن دينه، وبعضهم لا يحتمل الاستمرار في العذاب فيموت تحت وطأته، أما حكمة هذا فلسنا في حل من الجزم بها، لأننا حينئذ نتألى على الله ما لم يبين لنا من حكمة؛ ونفرض على أوامره أسبابا وعللا، قد لا تكون هي الأسباب والعلل الحقيقية، أو قد تكون، ولكن يكون وراءها أسباب وعلل أخرى لم يكشف لنا عنها، ويعلم ـ سبحانه ـ أن فيها الخير والمصلحة.. وهذا هو شأن المؤمن أمام أي تكليف، أو أي حكم في شريعة الله ـ لم يبين الله سببه محددا جازما حاسما ـ فمهما خطر له من الأسباب والعلل لهذا الحكم أو لذلك التكليف؛ أو لكيفية تنفيذ هذا الحكم أو طريقة أداء ذلك التكليف، مما يدركه عقله ويحسن فيه.. فينبغي أن يعتبر هذا كله مجرد احتمال، ولا يجزم ـ مهما بلغت ثقته بعلمه وعقله وتدبره لأحكام الله ـ بأن ما رآه هو حكمة؛ هو الحكمة التي أرادها الله.. نصا.. وليس وراءها شيء، وليس من دونها شيء! فذلك التحرج هو مقتضى الأدب الواجب مع الله، ومقتضى ما بين علم الله ومعرفة الإنسان من اختلاف في‏ الطبيعة والحقيقة.

13. وبهذا الأدب الواجب نتناول حكمة عدم فرض الجهاد في مكة وفرضيته في المدينة.. نذكر ما يتراءى لنا من حكمة وسبب.. على أنه مجرد احتمال.. وندع ما وراءه لله، لا نفرض على أمره أسبابا وعللا، لا يعلمها إلا هو.. ولم يحددها هو لنا ويطلعنا عليها بنص صريح! إنها أسباب.. اجتهادية.. تخطئ وتصيب، وتنقص وتزيد، ولا نبغي بها إلا مجرد تدبر أحكام الله، وفق ما تظهره لنا الأحداث في مجرى الزمان:

أ. ربما كان ذلك لأن الفترة المكية كانت فترة تربية وإعداد؛ في بيئة معينة، لقوم معينين، وسط ظروف معينة، ومن أهداف التربية والإعداد في مثل هذه البيئة بالذات، تربية نفس الفرد العربي على الصبر على ما لا يصبر عليه عادة من الضيم يقع على شخصه أو على من يلوذون به، ليخلص من شخصه، ويتجرد من ذاته، ولا تعود ذاته ولا من يلوذون به، محورا لحياة في نظره، ودافع الحركة في حياته.. وتربيته كذلك على ضبط أعصابه؛ فلا يندفع لأول مؤثر ـ كما هي طبيعته ـ ولا يهتاج لأول مهيج، ليتم الاعتدال في طبيعته وحركته.. وتربيته على أن يتبع مجتمعا منظما له قيادة يرجع إليها في كل أمر من أمور حياته؛ ولا يتصرف إلا وفق ما تأمره ـ مهما يكن مخالفا لمألوفه وعادته ـ وقد كان هذا هو حجر الأساس في إعداد شخصية العربي، لإنشاء (المجتمع المسلم) الخاضع لقيادة موجهة؛ المترقي المتحضر، غير الهمجي أو القبلي.

ب. وربما كان ذلك أيضا، لأن الدعوة السلمية أشد أثرا وأنفذ، في مثل بيئة قريش؛ ذات العنجهية والشرف؛ والتي قد يدفعها القتال معها ـ في مثل هذه الفترة ـ إلى زيادة العناد وإلى نشأة ثارات دموية جديدة، كثارات العرب المعروفة، التي أثارت حرب داحس والغبراء، وحرب البسوس ـ أعواما طويلة، تفانت فيها قبائل برمتها ـ وتكون هذه الثارات الجديدة مرتبطة في أذهانهم وذكرياتهم بالإسلام، فلا تهدأ بعد ذلك أبدا، ويتحول الإسلام من دعوة، إلى ثارات وذحول تنسى معها فكرته الأساسية، وهو في مبدئه، فلا تذكر أبدا!

ج. وربما كان ذلك أيضا، اجتنابا لإنشاء معركة ومقتلة في داخل كل بيت، فلم تكن هناك سلطة نظامية عامة، هي التي تعذب المؤمنين وتفتنهم، إنما كان ذلك موكولا إلى أولياء كل فرد، يعذبونه هم ويفتنونه و(يؤدبونه)! ومعنى الإذن بالقتال ـ في مثل هذه البيئة ـ أن تقع معركة ومقتلة في كل بيت.. ثم يقال: هذا هو الإسلام! ولقد قيلت حتى والإسلام يأمر بالكف عن القتال! فقد كانت دعاية قريش في الموسم، في أوساط العرب القادمين للحج والتجارة: إن محمدا يفرق بين الوالد وولده؛ فوق تفريقه لقومه وعشيرته! فكيف لو كان كذلك يأمر الولد بقتل الوالد، والمولى بقتل الولي.. في كل بيت وكل محلة؟

د. وربما كان ذلك أيضا، لما يعلمه الله من أن كثيرين من المعاندين الذين يفتنون أوائل المسلمين عن دينهم، ويعذبونهم ويؤذونهم؛ هم بأنفسهم سيكونون من جند الإسلام المخلص، بل من قادته.. ألم يكن عمر ابن الخطاب من بين هؤلاء!؟

هـ. وربما كان ذلك، أيضا، لأن النخوة العربية، في بيئة قبلية، من عادتها أن تثور للمظلوم، الذي يحتمل الأذى، ولا يتراجع! وبخاصة إذا كان الأذى واقعا على كرام الناس فيهم.. وقد وقعت ظواهر كثيرة تثبت صحة هذه النظرة ـ في هذه البيئة ـ فابن الدغنة لم يرض أن يترك أبا بكر يهاجر ويخرج من مكة، ورأى في ذلك عارا على العرب! وعرض عليه جواره وحمايته.. وآخر هذه الظواهر نقض صحيفة الحصار لبني هاشم في شعب أبي طالب، بعد ما طال عليهم الجوع واشتدت المحنة.. بينما في بيئة أخرى من البيئات ذات الحضارة القديمة التي مردت على الذل، قد يكون السكوت على الأذى مدعاة للهزء والسخرية والاحتقار من البيئة؛ وتعظيم المؤذي الظالم المعتدي!

و. وربما كان ذلك أيضا، لقلة عدد المسلمين حينذاك، وانحصارهم في مكة، حيث لم تبلغ الدعوة إلى بقية الجزيرة، أو بلغت أخبارها متناثرة؛ حيث كانت القبائل تقف على الحياد، من معركة داخلية بين قريش وبعض أبنائها، حتى ترى ماذا يكون مصير الموقف.. ففي مثل هذه الحالة قد تنتهي المعركة المحدودة، إلى قتل المجموعة المسلمة القليلة ـ حتى ولو قتلوا هم أضعاف من سيقتل منهم ـ ويبقى الشرك، وتنمحي الجماعة المسلمة، ولم يقم في الأرض للإسلام نظام، ولا وجد له كيان واقعي.. وهو دين جاء ليكون منهج حياة، وليكون نظاما واقعيا عمليا للحياة.

ز. في الوقت ذاته لم يكن هناك ضرورة قاهرة ملحة، لتجاوز هذه الاعتبارات كلها، والأمر بالقتال ودفع الأذى، لأن الأمر الأساسي في هذه الدعوة كان قائما ـ وقتها ـ ومحققا.. هذا الأمر الأساسي هو (وجود الدعوة).. وجودها في شخص الداعية صلّى الله عليه وآله وسلّم وشخصه في حماية سيوف بني هاشم، فلا تمتد إليه يد إلا وهي مهددة بالقطع! والنظام القبلي السائد يجعل كل قبيلة تخشى أن تقع في حرب مع بني هاشم، إذا هي امتدت يدها إلى محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم فكان شخص الداعية من ثم محميا حماية كافية.. وكان الداعية يبلغ دعوته ـ إذن ـ في حماية سيوف بني هاشم ومقتضيات النظام القبلي، ولا يكتمها، ولا يخفيها، ولا يجرؤ أحد على منعه من إبلاغها وإعلانها، في ندوات قريش في الكعبة، ومن فوق جبل الصفا؛ وفي اجتماعات عامة.. ولا يجرؤ أحد على سد فمه؛ ولا يجرؤ أحد على خطفه وسجنه أو قتله! ولا يجرؤ أحد على أن يفرض عليه كلاما بعينه يقوله؛ يعلن فيه بعض حقيقة دينه؛ ويسكت عن بعضها، وحين طلبوا إليه أن يكف عن سب آلهتهم وعيبها لم يكف، وحين طلبوا إليه أن يسكت عن عيب دين آبائهم وأجدادهم وكونهم في جهنم لم يسكت، وحين طلبوا إليه أن يدهن فيدهنوا، أي أن يجاملهم فيجاملوه؛ بأن يتبع بعض تقاليدهم ليتبعوا هم بعض عبادته، لم يدهن.. وعلى الجملة كان للدعوة (وجودها) الكامل، في شخص رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم محروسا بسيوف بني هاشم ـ وفي إبلاغه لدعوة ربه كاملة في كل مكان وفي كل صورة.. ومن ثم لم تكن هناك الضرورة القاهرة لاستعجال المعركة، والتغاضي عن كل هذه الاعتبارات البيئية التي هي في مجموعها، مساندة للدعوة ومساعدة في مثل هذه البيئة.

14. هذه الاعتبارات ـ كلها ـ فيما نحسب ـ كانت بعض ما اقتضت حكمة الله ـ معه ـ أن يأمر المسلمين بكف أيديهم، وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.. لتتم تربيتهم وإعدادهم، ولينتفع بكل إمكانيات الخطة في هذه البيئة؛ وليقف المسلمون في انتظار أمر القيادة، في الوقت المناسب، وليخرجوا أنفسهم من المسألة كلها، فلا يكون لذواتهم فيها حظ، لتكون خالصة لله، وفي سبيل الله.. والدعوة لها (وجودها) وهي قائمة ومؤداة ومحمية ومحروسة.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/711.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قبل أن يكتب الله القتال على المؤمنين ـ جهادا في سبيل الله، وحماية لدعوة الحق التي في أيديهم ـ كانت تكاليف الإسلام محدودة، ليس فيها ما يشق على النفس، إذ لم تكن دعوة الله لهم تتجاوز اجتناب المحرمات وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، كما يقول تعالى: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾

2. وإنه حين كتب الله القتال على المؤمنين، استقبله المؤمنون الذين صدق إيمانهم بصدور منشرحة، ونفوس راضية، وعدّوا ذلك نعمة من نعم الله بهم، وفضلا من أفضاله عليهم، إذ أتاح لهم فرصة مسعدة للعمل على مرضاته، والفوز بمنزلة المجاهدين، والشهداء عنده.

3. أما الذين في قلوبهم ضعف أو مرض.. فقد فزعوا لهذا الأمر، وطلع عليهم من جهته شبح الموت يمدّ يديه الرهيبتين لانتزاع أرواحهم! إن حرصهم على الحياة، وحبّهم للدنيا، قد مثّل لهم الموت شيئا مهولا فظيعا، لأنه يقطعهم عن الحياة التي تعلّقوا بها، وسكروا من خمرها.. ورأوا فيما فرض الله عليهم من قتال أمرا لا يطاق، فقالوا ـ وكأنهم ينكرون على الله أن يكلفهم ما كلفهم بهـ: ﴿رَبَّنا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتالَ لَوْ لا أَخَّرْتَنا إِلى‏ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، إنهم يهربون من حمل تلك المسئولية، ويدافعون الأيام بالتسويف، إنهم يتمنّون على الله أن يؤخر هذا الأمر ـ أمر القتال ـ إلى غد.. وذلك الغد لن يلتقوا به أبدا.. إنه كلما جاء حسبوه يومهم، وانتظروا ما بعده غدا لهم.. وهكذا.. لا يلتقون بالغد أبدا.

4. ولهذا جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ناعيا عليهم هذا التعلّق الشديد بالحياة الدنيا، والحرص القوىّ على متاعها.. ولو أنهم‏ عقلوا لعرفوا أن متاع هذه الحياة الدنيا قليل، وإلى زوال، وأن الآخرة خير وأبقى، فمن ربح الدنيا وخسر الآخرة فذلك هو الخسران، المبين، ومن خسر الدنيا وربح الآخرة، فذلك هو الفوز العظيم.

5. في قوله تعالى‏ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ تعجّب واستنكار معا، من هؤلاء الذين وقفوا هذا الموقف المتخاذل من الدعوة إلى القتال.. إنهم ـ وتلك حالهم ـ مثار للعجب والتعجب، وفيهم عبرة لمن يعتبر! وقد ذكر الله سبحانه هذا الموقف المتخاذل، من بعض النفوس المريضة، وشنّع عليه، وأخذ باللائمة أهله.. فقال تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْ لا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ﴾

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/838.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. التعجيب من شأنهم على طريقة الاعتراض في أثناء الحثّ على الجهاد، وهؤلاء فريق يودّون أن يؤذن لهم بالقتال فلمّا كتب عليهم القتال في إبّانه جبنوا، وقد علم معنى حرصهم على القتال قبل أن يعرض عليهم من قوله: ﴿قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾، لأنّ كفّ اليد مراد، منه ترك القتال، كما قال: ﴿وَهُوَ الَّذِي كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكَّةَ﴾ [الفتح: 24]

2. والجملة معترضة بين جملة ﴿وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 75] والجمل التي بعدها وبين جملة ﴿فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النساء: 74] الآية اقتضت اعتراضها مناسبة العبرة بحال هذا الفريق وتقلّبها، فالذين قيل لهم ذلك هم جميع المسلمين، وسبب القول لهم هو سؤال فريق منهم، ومحلّ التعجيب إنّما هو حال ذلك الفريق من المسلمين.

3. معنى‏ ﴿كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ أنّه كتب عليكم في عموم المسلمين القادرين، وقد دلّت (إذا) الفجائية على أنّ هذا الفريق لم يكن تترقّب منهم هذه الحالة، لأنّهم كانوا يظهرون من الحريصين على القتال، قال جمهور المفسّرين: إنّ هاته الآية نزلت في طائفة من المسلمين كانوا لقوا بمكة من المشركين أذى شديدا، فقالوا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: (يا رسول الله كنّا في عزّ ونحن مشركون فلمّا آمنّا صرنا أذلّة) واستأذنوه في قتال المشركين، فقال لهم: (أنّي أمرت بالعفو، ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فلمّا هاجر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة، وفرض الجهاد جبن فريق من جملة الذين استأذنوه في القتال، ففيهم نزلت الآية.

4. المرويّ عن ابن عباس أنّ من هؤلاء عبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقّاص، والمقداد بن الأسود، وقدامة بن مظعون، وأصحابهم، وعلى هذا فقوله: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ مسوق مساق التوبيخ لهم حيث رغبوا تأخير العمل بأمر الله بالجهاد لخوفهم من بأس المشركين، فالتشبيه جار على طريقة المبالغة لأنّ حمل هذا الكلام على ظاهر الإخبار لا يلائم حالهم من فضيلة الإيمان والهجرة، وقال السديّ: (الذين قيل لهم كفّوا أيديكم) قوم أسلموا قبل أن يفرض القتال وسألوا أن يفرض عليهم القتال فلمّا فرض القتال إذا فريق يخشون الناس.

5. اختلف المفسّرون في المعنيّ بالفريق من قوله تعالى: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ فقيل: هم فريق من الذين استأذنوا في مكة في أن يقاتلوا المشركين، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والكلبي، وهو ظاهر الآية، ولعلّ الذي حوّل عزمهم أنّهم صاروا في أمن وسلامة من الإذلال والأذى، فزال عنهم الاضطرار للدفاع عن أنفسهم، وحكى القرطبي: أنّه قيل: إنّ هذا الفريق هم المنافقون، وعلى هذا الوجه يتعيّن تأويل نظم الآية بأن المسلمين الذين‏ استأذنوا في قتل المشركين وهم في مكة أنّهم لمّا هاجروا إلى المدينة كرروا الرغبة في قتال المشركين، وأعاد النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم تهدئتهم زمانا، وأنّ المنافقين تظاهروا بالرغبة في ذلك تمويها للنفاق، فلمّا كتب القتال على المسلمين جبن المنافقون، وهذا هو الملائم للإخبار عنهم بأنّهم يخشون الناس كخشية الله أو أشدّ، وتأويل وصفهم بقوله‏: ﴿مِنْهُمْ﴾: أي من الذين قيل لهم: كفّوا أيديكم، وهذا على غموضه هو الذي ينسجم مع أسلوب بقية الكلام في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وما بعده، كما سيأتي، أمّا على قول السدّي فلا حاجة إلى تأويل الآية.

6. فالاستفهام في قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ للتعجيب، وقد تقدّمت نظائره، والمتعجّب منهم ليسوا هم جميع الذين قيل لهم في مكة: كفّوا أيديكم، بل فريق آخر من صفتهم أنّهم يخشون الناس كخشية الله، وإنّما علّق التعجيب بجميع الذين قيل لهم باعتبار أنّ فريقا منهم حالهم كما وصف، فالتقدير: ألم تر إلى فريق من الذين قيل لهم: كفّوا أيديكم.

7. القول في تركيب قوله: ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ كالقول في نظيره، وهو قوله تعالى: ﴿فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا﴾ في سورة البقرة.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/189.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الآيات السابقة في الحض على القتال، وبيان أن القتال دفاع عن العجزة، والنساء، والأطفال، الذين لا يجدون حيلة للخروج من الهوان والاستكانة للظالمين، ولا يجدون سبيلا لأن يخرجوا من ديار الذل أو يدفعوا عن أنفسهم أوضاره وآلامه، ففي القتال دفاع عن هؤلاء، وإخراج لهم، ولكن المسلمين لم يكونوا سواء في تلقى شدائد القتال: فمنهم من يتقدم للميدان لا يهمه أن يقع على الموت أو يقع عليه، كعلى بن أبى طالب، وغيره من صناديد المؤمنين، ومنهم من يخشاه ويخافه، وهذا الصنف في كل جماعة، ولقد قال الله تعالى فيه: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾

2. تكاثر جمع المؤمنين نسبيا في مكة، وخرجوا مهاجرين، ليقيموا دولة الفضيلة في المدينة، وسكنها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم واستقر بها، وأخذ يعقد العقود، وينسق العلاقات بين المقيمين بها وحولها، حتى يكون الاطمئنان، ولقد أراد المؤمنون أن يتقدموا لقتال‏ المشركين، حتى إن النسائى يروى أن عبد الرحمن بن عوف وأصحابا له أتوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقالوا: يا نبيّ الله، كنا في عز ونحن مشركون، فلما آمنا صرنا في ذل! يريدون أن يأمرهم بقتال المشركين، وسواء أكان الطلب وهم بمكة، أم كان وهم بالمدينة، قبل أن يتقدم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم لدفع أذى المشركين بالسيف بعد أن استمادوا وطغوا في الأرض، وأكثروا فيها الفساد، فإن النبيّ بحكم الله أمرهم بأن يكفوا عن القتال وقتا ينظم فيه الأمر بتقوية أرواحهم، وتوجيهها إلى الله تعالى لتخلص لله وحده، وذلك بإقامة الصلاة، فإن الصلاة فيها تخليص النفس من أدران المآثم، والاتجاه بها إلى الله وحده، وهى إذا أديت على وجهها تنهى عن الفحشاء والمنكر، كما أمرهم أن يتجهوا في هذه الفترة أيضا إلى تقوية أنفسهم، والربط بين آحادهم بصلات المودة والتعاون، وإزالة ضعف الضعفاء، وذلك بإعطاء الفقراء الزكوات التي كانت مفروضة في أول الإسلام، وإن تقوية الضعفاء سبيل قوة الدولة، كما قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ابغونى في ضعفائكم، فإنما ترزقون وتنصرون بضعفائكم)

3. حتى إذا استقام أمر الجماعة الإسلامية كتب الله تعالى القتال الذي طلبه من قبل أقوياء الإيمان، ولم يعارضه غيرهم، فكان الطلب من الجميع، كتبه الله تعالى دفاعا عن أهل الإيمان الذين يستذلهم المشركون، ومنعا للفتنة في الدين، وإعلاء لكلمة الحق، ولكى يتقدم للإيمان كل مريد للحق طالب له، غير خائف من صولة الشرك، ولما كتب القتال كان الصادقون الأقوياء آخذين الأهبة، ومستعدين للإقدام، وكان الضعفاء في وجل، ولذا قال سبحانه: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ الخشية الخوف الشديد مع مهابة الضعيف لمن يخافه، وهذا الفريق الذي خاف القتال مع الهيبة من الأعداء هو من الضعفاء الذين لا يعلون بإيمانهم.

4. التعبير بقوله تعالى في أوصاف هذه الخشية: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، فيه بعض إشارات بيانية:

أ. أولاها ـ أنه عبر عن الأعداء بقوله‏: ﴿النَّاسِ﴾، وهو توبيخ أبلغ توبيخ، ذلك لأنهم أناس مثلهم، وليسوا في الفضل مثلهم، وفوق ذلك مع أنهم أناس مثلهم، يجعلون خشيتهم في مقابل خشية الله تعالى ذي الجلال والإكرام القاهر فوق عباده.

ب. الثانية ـ التعبير بلفظ الجلالة فيه إشارة إلى بيان خورهم وفساد تفكيرهم؛ إذ يجعلون خشية الله ـ جل جلاله ـ، في مقابل الخشية من الناس، والله تعالى إذا كان معهم وقاموا بحق الجهاد، فلن يخذلوا أبدا.

ج. الثالثة ـ في الترديد بين أن تكون خشيتهم من الله بمقدار خشيتهم من الناس، أو أكثر، فيه بيان لحال ضعفهم، واستمكان الضعف، وهو ترق في التوضيح، إذ إنه من المقرر أن المؤمن لا يليق به أن يخاف الناس، كما يخاف الله، فكيف إذا كان يخاف الناس أكثر من الله!؟ ولا شك أن فريقا من أولئك الضعفاء أو المنافقين كان على هذه الحال، وأولئك الجبناء لا يكتفون بالخوف والفزع، بل يصل بهم الأمر إلى درجة أن يعترضوا على فرضية القتال.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1769.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. دعا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أول ما دعا الى الله في مكة، فقاومه الأقوياء خوفا على مصالحهم، ونعتوه بالجنون والسحر والكذب، ولولا حماية عمه أبي طالب له لقضوا على حياته.. وإذا عجزوا عنه فقد نكلوا بمن آمن به، وكان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يأمرهم بالصبر، وكف الأيدي لكثرة العدو، وقلة الناصر.. ولما اشتد إيذاء المشركين وبطشهم بالمؤمنين المستضعفين قالت فئة منهم للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم: يا رسول الله إئذن لنا بقتال المشركين، فقال: اني أمرت بالصبر.. وكان صلّى الله عليه وآله وسلّم يبث في قلوب صحابته روح الثقة، والأمل بانتشار الإسلام، وزوال سلطان البغي، وبعد أن أمضى بمكة ثلاث عشرة سنة من بدء الدعوة هاجر الى المدينة، وهاجر معه من استطاع من المسلمين، ومن جملتهم الذين استأذنوه بقتال مشركي مكة.. ولما كثر عدد المسلمين في المدينة، وأصبح في مقدورهم الدفاع عن أنفسهم أمرهم الله بجهاد المشركين اتقاء لشرهم، بعد ان كان قد نهاهم عنه، وهم قلة مستضعفون، لأن حكمته تعالى اقتضت ان تجري الأمور على سننها وأسبابها، وان لا ينتشر دينه بين الناس الا بالوسائل البشرية، وان لا يفرض الدين عليهم فرضا بقدرته العلوية، كما تفرض الأمطار والزوابع.

2. وحين جد الأمر بالقتال جزع وخاف الذين كان يأخذهم الحماس لقتال المشركين، ويستعجلونه، وهم في مكة، حيث لم يكن مأذونا لهم بالقتال، وهذا هو شأن الذين يندفعون مع العاطفة من غير تفكير وروية، يشتدون ويتحمسون للنزال والقتال الى حد الهوس، حيث يكون الإقدام تهورا وانتحارا، ويتراجعون جزعا وانهيارا، حيث تشتد الحاجة الى القتال، ويكون حتما لا مناص منه.

3. وليس من الضروري ان يكون هؤلاء من المنافقين أو الشاكين في دينهم، فقد يكونون منافقين، وقد يكونون من الضعفاء الذين يخافون الموت، ويؤثرون الحياة جبنا على الاستشهاد في سبيل الحق.. وقد تعرضت الآية التي نحن في صددها لهذا الفريق من المسلمين، وحماسهم للقتال في مكة، ثم خوفهم منه في المدينة.. ومهدنا بما تقدم قبل أن نشرع بتفسير الآية لتوضيح المراد منها.

4. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، المراد بـ (الذين) من استعجلوا القتال، وتحمسوا له، وهم في مكة، وقوله تعالى: قيل لهم الخ اشارة الى أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان قد أمرهم بالصبر والكف عن القتال، والانصراف الى ما أمروا به من اقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لأن هذا هو الموقف الحكيم يوم كانوا في مكة.

5. ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ ـ أي العدو ـ ﴿كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾، المعنى انه لما توافرت أسباب القتال للمسلمين بعد ان هاجروا الى المدينة، واشتدت اليه الحاجة أمروا به.. ولكن فريقا من الذين كانوا يستعجلون القتال في مكة، حيث لم يفرض عليهم كرهوه بعد أن فرض عليهم حبا بالحياة، وجبنا عن مقابلة العدو، وخشية من نكاله.

6. ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ كناية عن ان الخوف بلغ بهم نهايته، والخلاصة ان هذا الفريق من المسلمين تحمس للقتال حين النهي عنه، لأنه عملية انتحارية، وتقاعسوا حين الأمر به، لأن تركه موت وانتحار.. وكان عليهم أن يتحمسوا للقتال عندما أمروا به، لا عندما نهوا عنه.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/381.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الآيات متصلة بما قبلها، وهي جميعا ذات سياق واحد، وهذه الآيات تشتمل على الاستشهاد بأمر طائفة أخرى من المؤمنين ضعفاء الإيمان وفيها عظة وتذكير بفناء الدنيا، وبقاء نعم الآخرة، وبيان لحقيقة قرآنية في خصوص الحسنات والسيئات.

2. ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ إلى قوله ﴿أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ كف الأيدي كناية عن الإمساك عن القتال لكون القتل الذي يقع فيه من عمل الأيدي، وهذا الكلام يدل على أن المؤمنين كانوا في ابتداء أمرهم يشق عليهم ما يشاهدونه من تعدي الكفار وبغيهم عليهم فيصعب عليهم أن يصبروا على ذلك ولا يقابلوه بسل السيوف فأمرهم الله بالكف عن ذلك، وإقامة شعائر الدين من صلاة وزكاة ليشتد عظم الدين ويقوم صلبه فيأذن الله لهم في جهاد أعدائه، ولولا ذلك لانفسخ هيكل الدين، وانهدمت أركانه، وتلاشت أجزاؤه.

3. ففي الآيات لومهم على أنهم هم الذين كانوا يستعجلون في قتال الكفار، ولا يصبرون على الإمساك وتحمل الأذى حين لم يكن لهم من العدة والقوة ما يكفيهم للقاء عدوهم فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون العدو وهم ناس مثلهم كخشية الله أو أشد خشية.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏5/6.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ تعجيب من قصتهم وتنبيهٌ للسامع للإصغاء لها قيل لهم كفوا أيديكم ولا تمدوها لإثارة الفتنة ومخاصمة الكفار، كما يفعل بعض الأتباع الذين يجرُّون المصائب على من هم معه قبل كمال الإعداد لقتال العدو وينفرِّون الناس عن إتباع الحق؛ لأن عدوانهم ينسب إلى أهل الحق لانضمامهم إليهم، وهم يصورون للناس أن الذي يفعلونه صلابة في الدين فقيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ عما تفعلون ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾ فذلك يكفيكم عن الخصومة في هذا الأوان، واجعلوا جدكم الذي تزعمونه في الدين بدلاً من أن تجعلوه في الخصومات، اجعلوه في إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة فهو العمل النافع إذا كان مع التقوى.

2. ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ قال الشرفي في (المصابيح): (قال المرتضى عليه السلام: هؤلاء قوم ممن كان مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من المنافقين يظهر بلسانه ما ليس في قلبه، وكانوا يتبرعون إلى الفتنة والقتال ويمدون أيديهم فيما لا يجوز من الأفعال، فنهاهم الله عن ذلك، وكان فعل هذا من قبل أن يفترض الله ـ عزَّ وجل ـ على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم الجهاد، فأمر الله سبحانه بالجهاد وحكم به عليهم، وأطلق لنبيه ولهم، ثم نَكَلوا عما كانوا يقولون، ورجعوا عما كانوا من أنفسهم يُظهِرون، ثم أخبر أنهم يخشون الناس ويفزعون من قتالهم كخشية المؤمنين لله الذين لا ينكُلون عن أمره ولا يرجعون عن حكمه، فذكر الله ـ عزَّ وجل ـ هؤلاء المنافقين أنهم يخشون الناس ويهابون كخشية الله وليس لهم خشية، ولو كانت لهم خشية لله وهيبة ومعرفة ما نَكَلوا ولا رجعوا ولا وَنَوا ولا قصَّروا، ولكن الله أخبر نبيئه والمؤمنين أن هؤلاء المنافقين يخشون الناس كخشية الله التي في قلب نبيئه وقلوب المؤمنين معه، فذم الله سبحانه أهل النفاق والكفر والشقاق بفعلهم ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [فصلت: 46])، لا يبعد عندي أنهم في أول أمرهم لَمَّا ينافقوا وأنهم إنما كانوا فاقدي الإيمان، ثم نافقوا بعد ما كتب عليهم القتال.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/112.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. جاء في أسباب النزول ـ للواحدي ـ قال الكلبي‏: نزلت هذه الآية في نفر من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم منهم عبد الرحمن بن عوف وقدامة بن مظعون وسعد بن أبي وقاص، كانوا يلقون من المشركين أذى كثيرا ويقولون: يا رسول الله، ائذن لنا في قتال هؤلاء، فيقول لهم: كفوا أيديكم عنهم، فإني لم أؤمر بقتالهم، فلما هاجر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم إلى المدينة وأمرهم الله تعالى بقتال المشركين، كرهه بعضهم وشقّ عليهم، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

2. لعل جو الآية يوحي بمثل هذا الجو الذي تتحدث عنه القصة، لأن القرآن يتحدث عن بعض الأوضاع القلقة التي كان يعيش فيها المجتمع المؤمن في مواجهته لتحديات الكفر، وذلك كأسلوب قرآني تربوي يعلّمنا أن لا نؤكّد دائما على الجوانب الإيجابية في مجتمعنا، فنتحدث عن نقاط القوة فيه والجوانب المشرقة في داخله، بل لا بد لنا من التأكيد أيضا على الجوانب السلبية، فنتحدث عن نقاط الضعف والجوانب المظلمة في داخله، لأن ذلك هو السبيل الوحيد لوضوح الرؤية وسلامة المسيرة، عندما يتطلع العاملون إلى المجتمع، كما هو في طبيعته الواقعية، فيعرفون كيف يتصرفون بطريقة عمليّة، من خلال نقاط الضعف والقوة معا، ليخططوا للعمل على هذا الأساس، أما إذا انطلقنا في إثارة الموضوع أمام أنفسنا وإخواننا من جانب واحد ـ إيجابيا كان أو سلبيا ـ وألغينا الجانب الآخر، فسيترك ذلك تأثيرا على سلامة الخط ويعرّض المسيرة للارتباك أو الانهيار.

3. وهذا ما أكّد عليه القرآن في أكثر من آية؛ ومن ذلك ما حدّثنا الله به عن هؤلاء المؤمنين الطيبين الذين التقوا بالدعوة الإسلامية في بدايتها، فآمنوا بها من خلال الإيمان بالله، وشعروا بالقوة الروحية التي تمنحهم شجاعة الموقف وقوّة التحدّي والمواجهة، ففكروا باندفاع وانفعال، تماما كما يفكر الإنسان في خوض المعركة الشخصية دون أن يحسب حسابا للساحة، لأن هناك حالة نفسية معقّدة متوترة تدفعه إلى المواجهة الحادّة، وتوحي له بأن التراجع يمثل الذلّ والانهزامية وغير ذلك من المشاعر الخاصة، ولا تترك له مجالا ليدرس الموقف من خلال النتائج المحتملة، بما يتطلبه ذلك من استعداد عمليّ، ومن دراسة للعناصر المقابلة المعادية وطريقة عملها، ليحدّد ما هو المصلحة لما يؤمن به من قيم ذاتية أو عامة، فقد يقع الإنسان في قبضة الذل من خلال حركة انفعالية اندفاعية، أكثر مما يعانيه من ذلك فيما لو سيطر على مشاعره، وتحمّل بعض انفعالات الموقف، وخطط لربح المعركة في نهاية المطاف.

4. بمثل هذه الحالة الانفعالية وقف هؤلاء المؤمنون الطيبون الذين كانوا يعانون من اضطهاد المشركين، حتى أنهم قالوا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ كما ذكرت بعض الروايات ـ: يا نبي الله، كنا في عزّ ونحن مشركون، فلما آمنّا صرنا أذلة، فواجهوا الموقف بانفعال، تماما كأية حالة ذاتية سريعة، ولم يفكروا أن الموقف هو موقف الدعوة والحاجة إلى تخطيط العمل على أساس المراحل، فقد تكون بحاجة إلى أن يعيش أفرادها روح الاستشهاد والتضحية والثبات، ليعمّقوا تأثير الدعوة في نفوس المجتمع الذي يضطهدهم بشكل غير مباشر، وليأخذوا لأنفسهم الوقت الملائم لإيصال الدعوة إلى كل قلب في الجزيرة العربية من خلال الموقع المميز لمكّة، وذلك بالابتعاد عن الصدمات اليومية التي قد تضيّق عليهم الخناق وتمنعهم من حرية الحركة، فربما كان من مصلحة الدعوة أن لا ينتبه المشركون إلى القوة الذاتية التي تملكها، من خلال ما يملكه أفرادها المؤمنون من القوة، وربما كانت القوة التي يملكونها لا تستطيع مواجهة القوة التي يملكها المشركون، مما قد يدفع بالموقف إلى هزيمة لا تتحملها الدعوة الجديدة.

5. ولهذا لم يؤمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالقتال طيلة عهد ما قبل الهجرة، وذلك من أجل تحضير الأجواء لانتشار الدعوة من جهة على أيدي مؤيديها ومعارضيها، ومن أجل إعداد المجتمع الجديد الذي ينطلق من قاعدة ثابتة صلبة خارج نطاق مكة، كما حدث في المدينة، فكانت هجرة المسلمين إلى الحبشة؛ وكانت مواقف الصمود والاستشهاد من قبل الذين لم يهاجروا، حتى أذن الله بالقتال، ووقف هؤلاء المؤمنون الذين قال لهم الله من خلال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فذلك ما ينبغي لكم القيام به، على أساس ما تقتضيه المصلحة الإسلامية في هذه المرحلة لأن إقامة الصلاة تمثل انفتاح الإنسان على الله للحصول على القرب منه، من حيث هي معراج روح المؤمن إلى الله، فذلك هو الذي ينمّي في داخله القيم الروحية والمعاني الإنسانية، كما أن الزكاة بمعناها الواسع، وهو العطاء، تمثل انفتاح الإنسان على الإنسان الآخر المحروم في حاجاته الخاصة والعامة لمساعدته على تجاوز حالة الحرمان التي يعانيها؛ الأمر الذي ينمي إنسانيته في علاقته بالآخر من خلال علاقته بالله، فذلك هو الذي يقدّم الإنسان المسلّم إلى العالم من موقعه الروحي والإنساني، مما يترك تأثيره الإيجابي على استجابة الناس للإسلام باعتباره الدين الذي يبلور للإنسان إنسانيته ويحوّله من إنسان مستغرق في ذاته إلى إنسان منفتح على الآخرين والعالم كله من موقع المسؤولية العامة عن الإنسان والحياة، على أساس أن الخلق كلهم عيال الله وأحبهم إلى الله أنفعهم لعياله.

6. قد نستوحي من هذا الخط الفاصل بين تكليف المسلمين في مكة وتكليفهم في المدينة أن مكة كانت ساحة الإعداد والتعبئة الروحية والثقافية والاستقامة في العمل من أجل صنع الطليعة الواعية القائدة لحركة الصراع تحت قيادة النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، أما المدينة، فهي ساحة الصراع التي تتحدى وتواجه التحدي من خلال قوة المسلمين الجديدة التي تريد أن تكون رقما صعبا في موازين القوة، وهذا ما يفسر الخطوط العملية الفارقة بين الموقعين.

7. ولم يرتح المسلمون إلى ذلك، ومرّت الأيام، وجاءت التجربة الإسلامية الجديدة في المرحلة الثانية الصعبة، وهي مرحلة المواجهة للكفر بأسلوب التحدي والقوة، وفرض الله القتال على المسلمين، وكان هؤلاء ممن كتب عليهم القتال، ووجهت إليهم الدعوة، فما ذا كان موقفهم؟

8. ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾، إن القرآن يحدثنا عن لحظات الضعف التي عاشوها إزاء هذه الدعوة، فقد واجهتهم حقيقة الخصائص الذاتية الكامنة في نفوسهم، فهم لا يعيشون القوة الروحية في المستوى الذي يجعلهم أقوياء في مواجهة التحدي، فلم تكن مواقفهم الأولى منطلقة من قاعدة صلبة في داخل ذواتهم، بل كانت منطلقة من حالة انفعالية طارئة بعيدة عن دراسة الموقف وحسابات الساحة، وهكذا بدأوا يواجهون حقيقة أنفسهم، فها هم ينهارون أمام حالة الرعب من قوة الأعداء فلا يستطيعون التماسك أمامها، وهذا ما صوره القرآن لنا بهذه الصورة المعبرة: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ فهم يخافون من الناس، كما يخافون من الله، أو أكثر من ذلك، ولهذا واجهوا الموقف بعدم الاستجابة للدعوة إلى القتال، خوفا من عذاب الناس، في ما يمكن أن تسفر عنه المعركة من جراحة أو قتل.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/357.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. روى جمع من المفسّرين عن ابن عباس أنّ نفرا من المسلمين كانوا أثناء وجودهم في مكّة قبل الهجرة يعانون من ضغط المشركين وأذائهم، فجاؤوا إلى النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وطلبوا منه أن يسمح لهم بقتال الأعداء فأجابهم النّبي في حينه أنّه لم يؤمر بالجهاد، ومضت أيّام على طلب هؤلاء، حتى هاجر المسلمون إلى المدينة وتهيأت هناك ظروف وشروط الجهاد المسلح، وأمر الله المسلمين بالجهاد، فأخذ بعض من أولئك النفر الذين كانوا يصرّون على النّبي للسماح لهم بالجهاد وقتال الأعداء في مكّة يظهرون الكسل والتهاون في تنفيذ الأمر الإلهي، ولم يبدوا أي حماس أو رغبة في الجهاد، كما كانوا يظهرون ذلك في مكّة، فنزلت هذه الآية وهي تحثّ‏ المسلمين على الجهاد وتؤنب المتهاونين والمتقاعسين عن هذا الواجب الحسّاس، وقد تطرقت الآية الكريمة إلى عدد من الحقائق في هذا الصدد.

2. تتحدث الآية بلغة التعجب من أمر نفر أظهروا رغبة شديدة في الجهاد خلال ظرف غير مناسب، وأصرّوا على السماح لهم بذلك، وقد صدرت الأوامر لهم ـ حينئذ ـ بالصبر والاحتمال، ودعوا إلى إقامة الصلاة، وأداء الزكاة، وبعد أن سنحت الفرصة وآتت الظروف للجهاد بصورة كاملة وأمروا به، استولى على هؤلاء النفر الخوف والرعب، وانبروا يعترضون على الأمر الإلهي ويتهاونون في أدائه.

3. تقول الآية: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ فكان هؤلاء في اعتراضهم على أمر الجهاد يقولون صراحة: لماذا أسرع الله في إنزال أمر الجهاد؟ ويتمنون لو أخر الله هذا الأمر ولو قليلا! أو يطلبون أن يناط أمر الجهاد للأجيال القادمة ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾

4. والقرآن الكريم يردّ على هؤلاء أوّلا من خلال عبارة: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ أي أن هؤلاء بدل أن يخافوا الله القادر القهار، أخذتهم الرّجفة واستولى عليهم الرعب من إنسان ضعيف عاجز، بل أصبح خوفهم من هذا الإنسان أكبر من خشيتهم الله العلي القدير.

5. ثمّ يواجه القرآن هؤلاء بهذه الحقيقة: لو أنّهم استطاعوا بعد تركهم الجهاد أن يوفّروا لأنفسهم ـ فرضا ـ حياة قصيرة رغيدة هانئة، فإنّهم سيخسرون هذه الحياة لأنّها زائلة لا محالة، بينما الحياة الأبدية التي وعد الله بها عباده المؤمنين المجاهدين الذين يخشونه ولا يخشون سواه، هي خير من تلك الحياة الزائلة، وإن المتقين سيلقون فيها ثوابهم كاملا غير منقوص دون أن يصيبهم أي ظلم، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾

6. سؤال وإشكال: لماذا أمرت أولئك النفر بإقامة الصلاة وأداء الزكاة دون غيرهما من الفرائض الكثيرة الأخرى؟ والجواب: يتلخص في أنّ الصلاة هي سر الاتصال بالله سبحانه عزّ وجل، والزكاة تعتبر مفتاحا لباب الاتصال بعباد الله، وعلى هذا الأساس فقد صدرت الأوامر للمسلمين بأن يعدّوا أنفسهم وأرواحهم ومجتمعهم للجهاد في سبيل الله، عن طريقة إقامة الصلة الوثيقة بينهم وبين الله وعباده، وبعبارة أخرى أن يسعوا إلى بناء أنفسهم وإعدادها، وبديهي أن أي جهاد يحتاج بالضرورة إلى إعداد النفس والروح، وإلى توثيق عرى التلاحم الاجتماعي، وبدون ذلك لا يمكن إحراز أي انتصار، والإنسان يقوي صلته بالله من خلال الصلاة ويربّي بها روحه ومعنوياته، فيكون بذلك مستعدا لتقديم أغلى التضحيات بما في ذلك التضحية بالنفس، كما أنّ الزكاة هي الوسيلة الوحيدة لرأب كل صدع اجتماعي، بالإضافة إلى كونها دعما اقتصاديا في سبيل إعداد ذوي الخبرة والتجربة والعدة الحربية، وما يحتاجه المسلمون في قتال الأعداء ليكونوا على استعداد لمواجهة العدو إذا صدر الأمر إليهم بذلك.

7. سؤال وإشكال: المعروف أنّ حكم الزكاة ورد في آيات نزلت في المدينة (أي أنّها آيات مدنية) ولم يكلف المسلمون بأداء الزكاة في مكّة ـ فكيف إذن يمكن القول إن هذه الآية تتحدث عن وضع المسلمين في مكّة؟ والجواب: يجيب على هذا السؤال الشيخ الطوسي في تفسير (التّبيان) فيقول: إنّ المقصود بالزكاة الواردة في هذه الآية هو الزكاة المستحبة التي كانت معروفة في مكّة، أي أنّ القرآن المجيد كان يحثّ المسلمين حتى في مكّة على تقديم المساعدات المالية إلى مستحقيها ولدعم اقتصاد المجتمع الإسلامي الجديد في مكّة.

8. تشير هذه الآية الكريمة إلى حقيقة مهمة، هي أنّ المسلمين في مكّة كان لهم منهج، ثمّ أصبح لهم في المدينة منهج آخر، ففي مكّة انشغل المسلمون ببناء شخصيتهم الإسلامية بعد أن تحرروا من أدران الجاهلية، فكان سعي النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في مكّة منصبا على تربية هؤلاء الذين نبذوا عبادة الأصنام ليجعل منهم أناسا يسترخصون النفس والنفيس في مواجهة ما يعترض سبيل المسلمين من تحديات، فما أحرزه المسلمون من انتصارات باهرة في المدينة المنورة، كان حصيلة عملية بناء الشخصية الإسلامية، هذه العملية التي تعهدت بها رسالة الإسلام في مكّة.

9. لقد تعلم المسلمون الكثير في مكّة ومارسوا تجارب جمّة واكتسبوا استعدادا روحيا ومعنويا عظيما خلال العهد المكي، ودليل هذا الأمر هو نزول قرابة التسعين سورة ـ من مجموع سور القرآن الكريم البالغة مائة وأربع وعشرة سورة ـ في مكّة، وقد تناولت هذه السور في الغالب الجوانب العقائدية التربوية الخاصّة بإعداد الشخصية الإسلامية ـ أمّا في المدينة فقد انصرف المسلمون إلى‏ تشكيل الحكومة الإسلامية وإقامة أسس المجتمع الإسلامي السليم، ويدل ـ أيضا ـ على عدم نزول حكم الجهاد والزكاة الواجبين في العصر المكي لأنّ الجهاد من واجبات الحكومة الإسلامية مثل تشكيل بيت المال فإنّه من شؤون الحكومة الإسلامية أيضا.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/330.

72. الجبناء والخوف من الموت

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈72⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [النساء: 77 ـ 78]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾، اتقى معاصي الله(1).

2. روي أنّه قال: البروج: الحصون، والآطام، والقلاع(2).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/١٠٠٦.

(2) تفسير الثعلبي ٣/٣٤٦.

أبو العالية:

روي عن أبي العالية الرّياحيّ (ت 93 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ لمن اتقى فيما بقي(1).

2. روي أنّه قال: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، قصور في السماء(2).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/١٠٠٦.

(2) ابن جرير ٧/٢٣٦.

مجاهد:

روي عن مجاهد (ت 104 هـ) أنّه قال: قال كان قبل أن يبعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم امرأة، وكان لها أجير، فولدت المرأة، فقالت لأجيرها: انطلق فاقتبس لي نارا، فانطلق الأجير، فإذا هو برجلين قائمين على الباب، فقال أحدهما لصاحبه: وما ولدت؟ فقال: ولدت جارية، فقال أحدهما لصاحبه: لا تموت هذه الجارية حتى تزني بمائة، ويتزوجها الأجير، ويكون موتها بعنكبوت، فقال الأجير: أما والله، لأكذبن حديثهما، فرمى بما في يده، وأخذ السكين فشحذها، وقال: ألا تراني أتزوجها بعدما تزني بمائة، ففرى كبدها، ورمى بالسكين، وظن أنه قد قتلها، فصاحت الصبية، فقامت أمها، فرأت بطنها قد شق، فخاطته وداوته حتى برئت، وركب الأجير رأسه، فلبث ما شاء الله أن يلبث، وأصاب الأجير مالا، فأراد أن يطلع أرضه فينظر من مات منهم ومن بقي، فأقبل حتى نزل على عجوز، وقال للعجوز: ابغي لي أحسن امرأة في البلد؛ أصيب منها، وأعطيها، فانطلقت العجوز إلى تلك المرأة ـ وهي أحسن جارية في البلد ـ فدعتها إلى الرجل، وقالت: تصيبين منه معروفا، فأبت عليها، وقالت: إنه قد كان ذاك مني فيما مضى، فأما اليوم فقد بدا لي أن لا أفعل، فرجعت إلى الرجل، فأخبرته، فقال: فاخطبيها لي، فخطبها، وتزوجها، فأعجب بها، فلما أنس إليها حدثها حديثه، فقالت: والله، لئن كنت صادقا لقد حدثتني أمي حديثك، وإني لتلك الجارية، قال: أنت!؟ قالت: أنا، قال والله، لئن كنت أنت إن بك لعلامة لا تخفى، فكشف بطنها، فإذا هو بأثر السكين، فقال: صدقني ـ والله ـ الرجلان، والله، لقد زنيت بمائة، وإني أنا الأجير وقد تزوجتك، ولتكونن الثالثة، وليكونن موتك بعنكبوت، فقالت: والله، لقد كان ذاك مني، ولكن لا أدري مائة أو أقل أو أكثر، فقال: والله، ما نقص واحدا، ولا زاد واحدا، ثم انطلق إلى ناحية القرية، فبنى فيه مخافة العنكبوت، فلبث ما شاء الله أن يلبث، حتى إذا جاء الأجل ذهب ينظر، فإذا هو بعنكبوت في سقف البيت، وهي إلى جانبه، فقال: والله، إني لأرى العنكبوت في سقف البيت، فقالت: هذه التي تزعمون أنها تقتلني، والله، لأقتلنها قبل أن تقتلني، فقام الرجل، فزاولها، وألقاها، فقالت: والله، لا يقتلها أحد غيري، فوضعت أصبعها عليها، فشدختها، فطار السم حتى وقع بين الظفر واللحم، فاسودت رجلها، فماتت، وأنزل الله على نبيه حين بعث: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾(1)

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٥.

عكرمة:

روي عن عكرمة (ت 105 هـ) أنّه قال: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، قال المجصصة(1).

__________

(1) ابن المنذر (٢٠١٧.

البصري:

روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، قال رحم الله عبدا صحبها على ذلك، ما الدنيا كلها من أولها إلى آخرها إلا كرجل نام نومة، فرأى في منامه بعض ما يحب، ثم انتبه فلم ير شيئا(1).

__________

(1) ابن المنذر ٢/٧٩٥ مختصرًا، وابن أبي حاتم ٣/١٠٠٦.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، في قصور محصنة(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٤.

ميمون:

روي عن ميمون بن مهران (ت 117 هـ) أنّه قال: الدنيا قليل، وقد مضى أكثر القليل، وبقي قليل من قليل(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/١٠٠٦.

زيد:

روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ معناه لم فرضت علينا(1).

2. روي أنّه قال: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ معناه في حصون، واحدها برج.. والمشيّدة: المطّولة.. والمشيّد: المزين(1).

__________

(1) تفسير الإمام زيد، ص 122.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، هو الموت(1).

2. روي أنّه قال: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، هي قصور بيض في سماء الدنيا مبنية(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٢.

(2) ابن جرير ٧/٢٣٦.

الربيع:

روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ) أنّه قال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، ولو كنتم في قصور في السماء(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٦.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ هلا تركتنا حتى نموت موتا، وعافيتنا من القتل(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ من الدنيا، يعني: الجنة أفضل من الدنيا ﴿لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ من أعمالكم الحسنة ﴿فَتِيلًا﴾، يعني: الأبيض الذي يكون في وسط النواة حتى يجازوا بها(1).

3. روي أنّه قال: قال عبد الله بن أبي ـ لما قتلت الأنصار يوم أحد ـ قال لو أطاعونا ما قتلوا، فنزلت: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، يعني: القصور(2).

4. روي أنّه قال: ثم أخبر عن كراهيتهم للقتال ذاكرا لهم أن الموت في أعناقكم، فقال سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ من الأرض ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ يعني: يأتيكم ﴿الْمَوْتَ﴾(2).

5. روي أنّه قال: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، يعني: القصور الطوال المشيدة إلى السماء في الحصانة حين لا يخلص إليه ابن آدم؛ يخلص إليه الموت حين يفر منه(2).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٨٩.

(2) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٩٠.

ابن جريج:

روي عن ابن جريج (ت 150 هـ) أنّه قال: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، قصور مشيدة(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٦.

الثوري:

روي عن سفيان الثوري (ت 161 هـ) أنّه قال في الآية: يرون أن هذه البروج في السماء(1).

__________

(1) ابن المنذر (٢٠١٩.

العياني:

ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. معنى قوله عز وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، يريد عز وجل أن العباد أينما كانوا فلا بد لهم من الموت، سواء كانوا في عز ومنعة، أو كانوا في ذل وضعف وضعه، فلا بد من الموت ولو كانوا في الملك والعز.

2. والبروج المشيدة: هي الحصون والدروب المرفوعة المنصوبة المطولة، وإنما قال ذلك ليزهدهم في عزهم، ويعظهم في طول غفلتهم، فهم لم يتعظوا بذلك في عصرهم وبعد عصرهم حتى خلت منهم قصورهم وديارهم، وانقطعت بعد طيب الحياة أعمارهم، وبقيت أعمالهم عند الله وأخبارهم، ولم يعتبر آخرهم بأولهم، لما هم عليه من مكابرة عقولهم، فنأياً وبعداً للقوم الظالمين، والحمد لله رب العالمين.

__________

(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/245.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ والبروج القصور وقيل البيوت في الحصون وأصل البروج الظهور ومنه تبرج المرأة أي ظهورها والمشيدة المعمورة بالشيد وهو الفضة وقيل شاد البناء أي أعلاه ورفعه ومنه قولهم: أشاد بذكره أي رفعه.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/187.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ الآية، يحتمل وجهين:

أ. أحدهما: الخبر عما في طباعهم، كما قال عزّ وجل: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وهُوَكُرْهٌ لَكُمْ﴾ الآية [البقرة: 216]، وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: (حفّت الجنّة بالمكاره) وإنما ذلك على الطبع فذلك الطبع كالسائل عن ذلك، وربما يضيفون القول والسؤال على اعتبار الأحوال إلى ما لا يطيق له، فعلى ذلك هذا.

ب. ويحتمل: أن يكون قولا منهم عن وجه الحكمة لهم بالأمر فيما علم أنهم يبلغون بالقتل والجبن إلى حال لا يقومون للعدو، ولا يملكون أنفسهم في ذلك الوقت؛ فأخبر الله عزّ وجل أن الذي حملهم على ذلك رغبتهم في التمتع بالدنيا، ولو صوروا متاع الآخرة في قلوبهم لذهب عنهم ذلك، ويثبتون للعدو، ولا يبالون للعدو بما يحل بهم، ولا يخشون لذلك، وكأنه وعد لهم أن متاع الآخرة لكم على هذا الفعل لو صبرتم خير لكم، وما وعد لكم عليه خير من متاع الدنيا.

ج. وأيضا: أن يقال: إن هذا وإن عظم هوله على الطبع، فإنه إذا كان لله بحق العبادة لهو أيسر وأهون من الموت على صاحبه إذا حضر؛ إذ يريهم الله متاع الآخرة أو بعض ما فيه الكرامة؛ فيصير ذلك متاع الآخرة لهم وقت الموت فهو خير من تمتعهم في الدنيا ثم الموت، ولا ذلك منه، كما قيل في تأويل قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (من أحبّ لقاء الله أحبّ الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه) إن المؤمن يرى ما له من الكرامة؛ فيحب الموت أن يعجل به؛ ليصل إلى ذلك، والكافر يرى سخطه فيكرهه، وعلى هذا تأويل القول في الدنيا أنها: (سجن المؤمن وجنّة الكافر) أن تكون كذلك في ذلك الوقت.

د. وتأويل آخر: أن تكون الآية في المنافقين: أنه يظهر عليهم النفاق وقت المحنة بالجهاد دون غيره من العبادات، قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾ الآية [محمد: 20]، بين ما نزل بالمنافقين، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ﴾ الآيات [الأحزاب: 18] ـ والله أعلم ـ فيمن نزلت الآية، لكنها معلوم أن فيها ترغيبا فيما عند الله، وتزهيدا في الدنيا، ودعاء إلى الرضا بحكم الله تعالى فيما خف وثقل، والله المستعان.

2. على التأويل الآخر: جميع ما ذكر ظاهر في المنافقين، مذكور ذلك في الآيات التي ذكرتها، وفيهم قال الله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ﴾ الآية [الأحزاب: 16]، وغير ذلك مما دل على إنكارهم، وفضل خوفهم في ذلك.

3. قوله عزّ وجل: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ قيل: في حرف حفصة: (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، قالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال، فلما كتب عليهم القتال إذا هم يخشون الناس كخشية الله) كأن في الآية إضمارا، يبين ذلك حرف حفصة، وإلا لم يكن في ظاهر الآية خبر حتى يكون قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ الآية ـ جوابا له.

4. قوله عزّ وجل: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ فإن كانت الآية في المنافقين، فهو على الإنكار قالوا ذلك، وإن كانت في المؤمنين فهو يخرج على طلب الحكمة في فرض القتال عليهم، طلبوا أي حكمة في فرض القتال علينا؟ وقد تطلب الحكمة في الأشياء، ولا عيب يدخل في ذلك، وأصله: أن كل آمر ـ في الظاهر ـ من هو فوقه فذلك سؤال له في الحقيقة لا أمر؛ فيخرج سؤاله مخرج الخضوع والتضرع له، ومن أمر من دونه فهو في الحقيقة ليس بسؤال، فهو يخرج على الأمر والنهي، وهو الأمر الظاهر في الناس.

5. قوله عزّ وجل: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ معناه ـ والله أعلم ـ: إنا لم نخلقكم للدنيا وللمتاع فيها، إنما خلقناكم للآخرة وللمقام فيها، فلو خلقتكم للدنيا ثم كتبت عليكم القتال ـ لكان ذلك عبثا خارجا عن الحكمة، ولكن خلقناكم للآخرة وللمقام فيها.

6. يحتمل قوله تعالى: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً﴾ وقوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ إلى آخره، أن لم يقولوا ذلك قولا، ولكن كان ذلك خطرا في قلوبهم، فأخبرهم نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلّم عما أضمروا؛ ليعلموا أنه إنما عرف ذلك بالله تعالى ليدلهم على نبوته ورسالته.

7. قوله عزّ وجل: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ فنموت حتف أنفنا ولا نقتل، قتلا؛ فيسرّ بذلك الأعداء؛ كقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 85] وفي القتل فتنة.

8. قوله عزّ وجل: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ يحتمل وجهين:

أ. أحدهما: ما ذكرنا: أنهم لم يخلقوا لمتاع الدنيا، ولكن إنما خلقوا لمتاع الآخرة.

ب. الثاني: أن متاع الدنيا قليل من متاع الآخرة، كقوله سبحانه وتعالى: ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [التوبة: 38]، وكقوله تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ﴾ [الشعراء: 205]، وقوله عزّ وجل: ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ لأن متاع الآخرة دائم غير منقطع، ومتاع الدنيا زائل منقطع.

9. قوله عزّ وجل: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾

أ. قيل: لما استشهد من استشهد يوم أحد، قال المنافقون: لو كان إخواننا عندنا ما ماتوا وما قتلوا؛ قال الله ـ تبارك وتعالى ـ: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾

ب. ويحتمل: أن يكون جوابا لما سبق من القول قولهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ يقول: من كتب عليه الموت ينزل به لا محالة، قاتل أو لم يقاتل؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ﴾ [آل عمران: 154] الآية.

ج. ويحتمل: أن يكون قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾: إذا كان الموت نازلا بكم لا محالة فالقتل أنفع لكم؛ إذ تستوجبون بالقتل الثواب الجزيل، ولا يكون ذلك لكم إذا متم حتف أنفكم‏.

10. ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، قال الفراء: المشيّد والمشيد واحد، غير أن المشيّد ـ بالتشديد ـ فيما يكثر الفعل، والمشيد فيما لا يكثر الفعل، وقيل: المشيّد: هو المجصّص‏، والشيد: هو الجصّ‏، وقال بعضهم: ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ [أي‏]: حصينة، وقيل: قصور محصنة طوال‏.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/262.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في البروج في قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ثلاثة أقاويل:

أ. أحدها: أنها القصور، وهو قول مجاهد، وابن جريج.

ب. الثاني: أنها قصور في السماء بأعيانها تسمى بهذا الاسم، وهو قول السدي، والربيع.

ج. الثالث: أنها البيوت التي في الحصون وهو قول بعض البصريين.

2. أصل البروج الظهور، ومنه تبرج المرأة إذا أظهرت نفسها.

3. في المشيّدة ثلاثة أقاويل:

أ. أحدها: المجصصة، والشيد الجص، وهذا قول بعض البصريين.

ب. الثاني: أن المشيّد المطول في الارتفاع، يقال شاد الرجل بناءه وأشاده إذا رفعه، ومنه أشدت بذكر الرجل إذا رفعت منه، وهذا قول الزجاج.

ج. الثالث: أن المشيّد، بالتشديد: المطوّل، وبالتخفيف: المجصّص.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/508.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ معناه ألزمتنا وأوجبت علينا، ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾ معناه هلا أخرتنا ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو إلى أن نموت بآجالنا فأعلمهم الله تعالى أن متاع الدنيا قليل، وأن الآخرة خير لأهل التقي وأعلمهم أن آجالهم لا تخطئهم‏ ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي لا يبخسون هذا القدر، وكيف ما زاد عليه.

2. الفتيل: ما تفتله بيدك من الوسخ ثم تلقيه في قول ابن عباس، وقيل: هو ما في شق النواة، لأنه كالخيط المفتول في شق النواة.

3. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أعلمهم الله تعالى في هذه الآية أن الآجال لا تخطئهم، ولا تنفعهم الخشية من القتل ولو كانوا في بروج مشيدة، وأينما كانوا من المواضع أدركهم الموت بمعنى أصابهم، (وأينما) كتبت موصولة.

4. في قوله: ﴿إِنَّ مَا تُوعَدُونَ﴾ مفصولة، لأن الأولى زائدة، الثاني: بمعنى الذي ففصلت هذه كما تفصل الأسماء، ووصلت تلك كما توصل الحروف.

5. قيل في معنى البروج ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: قال مجاهد، وابن جريج: هي القصور.

ب. الثاني: قال السدي، والربيع: هي قصور في السماء بأعيانها.

ج. وقال الجبائي: هي البيوت التي تكون فوق الحصون.

6. أصل البروج الظهور، يقال تبرجت المرأة: إذا أظهرت محاسنها، والبرج ـ في العين ـ اتساعها لظهورها بالاتساع.

7. المشيدة: المزينة بالجص، وهو الشيد، قال الجبائي: معناه المجصصة، وقال الزجاج، وغيره: معناه المطولة في ارتفاع، وقال قوم: المشدد، والمخفف سواء إلا من جهة تكثير الفعل، وقال آخرون: المشيدة بالتشديد ـ المطولة، والمشيدة بالتخفيف ـ المطلية بالجص والنورة، والشيد رفع البناء، تقول شاد بناءه يشيده شيداً: إذا رفعه، والشيد: الجص، لأنه مما يرفع به البناء، ويجوز أشاد الرجل بناءه، فأما بالذكر فتقول أشاد بذكره لا غير: إذا رفع منه.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/263.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. الفتيل من قولهم: فتلت الحبل وغيره، ويقال لما يفتل بين الأصبعين فتيل، ويُقال: فلان يفتل في ذِرْوَةِ فلان، أي يدور من وراء خديعته.

ب. البروج: جمع برج، وأصله الظهور، تبرجت المرأة إذا أظهرت محاسنها، والبَرَجُ في العين: اتساعها لظهورها بالاتساع.

ج. الشَّيْدُ: رفع البناء يقال: شَادَ بناه، يَشِيدُهُ شيدًا إذا رفعه، والشيد: الحصن؛ لأنه مما يرفع به البناء، ويجوز أشاد الرجل بناه، فأما في الذِّكْر فيقول: أشدت بذكره لا غير، إذا رفعت منه.

2. ﴿وَقَالُوا﴾ يعني هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يخشون القتال ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ أي لم فرضت الجهاد علينا ركونًا منهم إلى الدنيا وحرصًا على البقاء ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾ أي هلا أخرتنا ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ مدة قريبة، يعني الموت، وأراد هلا تركتنا فنموت بآجالنا ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾:

أ. قيل: منافع الدنيا وما يستمتع بها.

ب. وقيل: عيشكم الذي تتمتعون بها أيها القاعدون عن الجهاد قليل لا يبقى ولا بد من الفناء.

3. ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ﴾ يعني نعمه وثوابه خير ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ معاصيه ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ يعني لا يظلم الله أحدًا شيئًا، وفتيلا:

أ. قيل: ما تفتله بين أصابعك ثم ترميه احتقارًا عن ابن عباس.

ب. وقيل: ما في شق النواة عن أبي علي؛ وذلك لأنه يكون في شق النواة كالخيط المفتول.

4. قيل في سبب نزول الآية الكريمة: نزلت في المنافقين لما قالوا يوم أحد: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا.

5. اختلف في علاقة الآية الكريمة بما قبلها:.

أ. قيل: إن الآية تتصل بما قبلها، وهو قوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾ أي لا ينفعكم التأخير وترك القتال إذا كان الموت لا بد واقع بكم.

ب. وقيل: يتصل بقوله: ﴿قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيدًا﴾ فأُقتل، فرد الله عليهم، وقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ ولا ينفعكم الحذر والهرب.

ج. وقيل: بل يتصل بقوله: ﴿فَقَاتِلْ﴾ ومن يقتل أو يغلب وحث على القتال عقيب ذلك بقوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ لئلا تجبنوا وتعلموا أن الموت يدرككم لا محالة، وإذا كان لا بد منه، فالقتل في سبيل الله خير على كل حال، وروي عن الحسين ما يوافق هذا المعنى، فقال:

çوإن تَكُنِ الأبدانُ لِلموتَ أُنشئتْ... قَتْلُ امرئٍ في الله بالسيفِ أَجملُé

د. وقيل: يتصل بقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾؛ لأن الموت نازل بكم لا محالة فيكون قليلاً.

6. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ يعني قل لهم يا محمد أينما تكونوا ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾:

أ. قيل: من مشارق الأرض ومغاربها.

ب. وقيل: في السماء والأَرض.

7. ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ يعني ينزل بكم ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾:

أ. قيل: قصور عن مجاهد وقتادة وابن جريج.

ب. وقيل: قصور في السماء بأعيانها عن السدي والربيع.

ج. وقيل: هي البيوت التي تكون في الحصون عن أبي علي.

د. وقيل: بروج السماء.

هـ. وقيل: الحصون والقلاع عن ابن عباس.

8. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾:

أ. قيل: محصنة عن قتادة.

ب. وقيل: مجصصة عن عكرمة وأبي علي، وهي المزينة المبنية بالشيد، وهو الجص.

ج. وقيل: مزينة عن أبي عبيدة.

د. وقيل: مطولة عن الزجاج والقتبي.

9. تدل الآيات الكريمة على الحث على الجهاد، وأنه لا ينبغي أن يتخلف خشية الموت؛ فإن الموت نازل بهم لا محالة.

10. قرأ ابن كثير وأبو جعفر والكسائي ﴿يُظْلَمُونَ﴾ بالياء على أنه يرجع إلى المذكورين في الآية، وقرأ الباقون بالتاء على وجه الخطاب.

11. مسائل لغوية ونحوية:

أ. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ جزم بـ ﴿أَيْنَمَا﴾ وعلامة الجزم ذهاب النون، فلم يقل: تكونون، و﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ جواب المجازاة، وتدغم الكاف في الكاف فتصير كافًا مشددة أحدهما كاف الأصل، والثاني كاف الخطاب.

ب. كانت ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ موصولة و﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ﴾ مفصولة، لأن الأولى صلة والثانية اسم بمعنى الذي، فيفصل كما تفصل الأسماء، وتوصل الأولى كما توصل الحروف؛ لأن الأصل انفصال الاسم عن الاسم، واتصال الحرف بالحرف ما لم يعرض عارض يوجب الفصل ومَالِ هَؤُلَاءِ): كثرت في الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة، بـ ﴿مَا﴾، وأنهما حرف واحد ففصلوا اللام مما خفضت في بعضه، ووصلوها في بعضه، والاتصال القراءة، ولا يجوز الوقف على اللام؛ لأنها لام خافضة.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/708

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. البروج: جمع برج، وأصله من الظهور، يقال: تبرجت المرأة إذا أظهرت محاسنها، والبرج: اتساع في العين لظهور العين بالاتساع.

ب. المشيدة: المزينة بالشيد، وهو الجص، والشيد: رفع البناء، يقال شاد بناءه يشيده: إذا رفعه، وإنما قيل للجص: شيد، لأنه مما يرتفع به البناء، ويجوز أشاد الرجل بناءه: إذا رفعه، فأما في الذكر، فإنه أشاد بذكره لا غير.

2. قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ يحتمل وجوها:

أ. قال الحسن: لم يقولوا ذلك كراهية لأمر الله، ولكن لدخول الخوف عليهم بذلك، على ما يكون من طبع البشر.

ب. ويحتمل أن يكونوا قالوا ذلك استفهاما لا إنكارا، وقال: إنما قالوا ذلك لأنهم ركنوا إلى الدنيا، وآثروا نعيمها.

ج. وعلى الأقوال كلها فلو لم يقولوا ذلك لكان خيرا لهم.

3. ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾: أي هلا أخرتنا ﴿إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهو إلى أن نموت بآجالنا، ثم أعلم الله تعالى أن الدنيا بما فيها من وجوه المنافع قليل، فقال ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهؤلاء ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾: أي ما يستمتع به من منافع الدنيا ﴿قَلِيلٍ﴾ لا يبقى ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: ولا تبخسون هذا القدر، فكيف ما زاد عليه، والفتيل:

أ. قيل: ما تفتله بيدك من الوسخ، ثم تلقيه، عن ابن عباس.

ب. وقيل: ما في شق النواة، لأنه كالخيط المفتول.

4. ثم خاطبهم تعالى فقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾: أينما كنتم من المواضع والأماكن ينزل بكم الموت، ويلحقكم ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، فيها خمسة أقوال:

أ. قيل: يعني بالبروج: القصور، عن مجاهد، وقتادة، وابن جريج.

ب. وقيل: قصور في السماء بأعيانها، عن السدي، والربيع.

ج. وقيل: المراد به بروج السماء.

د. وقيل: البيوت التي فوق الحصون، عن الجبائي.

هـ. وقيل: الحصون والقلاع، عن ابن عباس.

5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾:

أ. قيل: المجصصة، عن عكرمة.

ب. وقيل: المزينة، عن أبي عبيدة.

ج. وقيل: المطولة في ارتفاع، عن الزجاج، وغيره.

6. قراءات ووجوه:

أ. قرأ (لا يظلمون) بالياء مكي كوفي، غير عاصم، والباقون بالتاء.. من قرأ بالياء فلما تقدم من ذكر الغيبة، من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ﴾ ومن قرأ بالتاء فلانه ضم إليهم في الخطاب المسلمين، فغلب الخطاب على الغيبة.

ب. روي في الشواذ أن طلحة بن سليمان قرأ (يدرككم الموت) برفع الكاف.. وهذه القراءة ضعيفة على أن لها وجها وهو أن يكون على حذف الفاء، فكأنه قال: فيدرككم الموت، ومثله بيت الكتاب:

çمن يفعل الحسنات الله يشكرها... والشر بالشر عند الله مثلانé

أي: فالله يشكرها.

7. مسائل لغوية ونحوية:

أ. ﴿لَوْلَا﴾: معناه التحضيض، ولا تدخل إلا على الفعل.

ب. أين: من الظروف التي يجازى بها بتضمنها معنى أن ولا يلزمه ما تقول أين تكن أكن، وأينما تكن أكن، وهي تستغرق الأمكنة كما أن متى تستغرق الأزمنة، وكتبت ﴿أَيْنَمَا﴾ هنا موصولة وفي قوله (أين ما كنتم توعدون) مفصولة، لان ما هاهنا مزيدة، وهنالك بمعنى الذي، فوصلت هذه كما توصل الحروف، وفصلت تيك، كما تفصل الأسماء، و(ما لهؤلاء) كثرت في الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة بها وأنهما حرف واحد، ففصلوا اللام مما بعده في بعض المواضع، ووصلوها في بعضها، ولا يجوز الوقف على (اللام) لأنها اللام الجارة.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/119.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. (لولا) بمعنى (هلا)، قال الفراء: إذا لم تر بعدها اسما فهي استفهام بمعنى هلا، وإذا رأيت بعدها اسما مرفوعا، فهي خبر التي جوابها اللام، تقول: لولا عبد الله لضربتك، وقال ابن قتيبة: إذا رأيتها بغير جواب، فهي بمعنى (هلّا)، تقول: لولا فعلت كذا، ومثلها (لوما)، فإذا رأيت لـ (لولا) جوابا، فليست بمعنى (هلّا)، إنما هي التي تكون لأمر يقع بوقوع غيره، كقوله تعالى: ﴿فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾، قلت: فأما (لولا) التي لها جواب فكثيرة في الكلام، وأنشدوا في ذلك:

çلو لا الحياء وأنّ رأسي قد عثا...فيه المشيب لزرت أمّ القاسم‏é

وأمّا التي بمعنى (هلا) فأنشدوا منها:

çتعدّون عقر النّيب أفضل مجدكم‏...بني ضوطرى لولا الكميّ المقنّعاé

أراد: فهلّا تعدون الكميّ، والكميّ: الدّاخل في السّلاح.

2. في الأجل القريب قولان:

أ. أحدهما: أنه الموت، فكأنهم قالوا: هلّا تركتنا نموت موتا، وعافيتنا من القتل، هذا قول السّدّيّ، ومقاتل.

ب. الثاني: أنه إمهال زمان، فكأنهم قالوا: هلّا أخّرت فرض الجهاد عنّا قليلا حتى نكثر ونقوى، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ في آخرين.

3. ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ أي: مدّة الحياة فيها قليلة، ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قرأ ابن كثير، وابن عامر، وحمزة، والكسائيّ: ولا يظلمون بالياء، وقرأ نافع، وأبو عمرو، وعاصم: بالتاء، وقد سبق ذكر المتاع والفتيل.

4. سبب نزول قوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أن المنافقين قالوا في حقّ شهداء أحد: لو كانوا عندنا ما ماتوا، وما قتلوا، فنزلت هذه الآية، هذا قول ابن عباس‏، ومقاتل.

5. البروج: الحصون، قاله ابن عباس وابن قتيبة، وفي (المشيّدة) خمسة أقوال‏:

أ. أحدها: أنّها الحصينة، قاله ابن عباس، وقتادة.

ب. الثاني: المطوّلة، قاله أبو مالك، ومقاتل، وابن قتيبة.

ج. الثالث: المجصّصة، قاله‏ هلال بن خبّاب، واليزيديّ.

د. الرابع: أنها المبنيّة بالشّيد، وهو الجصّ، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ.

هـ. الخامس: أنها بروج في السّماء، قاله الرّبيع بن أنس، والثّوريّ، وقال السّدّيّ: هي قصور بيض في السّماء مبنيّة.

__________

(1) زاد المسير: 1/435.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ هؤلاء القائلين:

أ. إن كانوا مؤمنين فهم إنما قالوا ذلك لا اعتراضا على الله، لكن جزعا من الموت وحبا للحياة.

ب. وإن كانوا منافقين فمعلوم أنهم كانوا منكرين لكون الرب تعالى كاتبا للقتال عليهم، فقالوا ذلك على معنى أنه تعالى كتب القتال عليهم في زعم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وفي دعواه.

2. ثم قالوا: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ وهذا كالعلة لكراهتهم لا يجاب القتال عليهم، أي هلا تركتنا حتى نموت بآجالنا، ثم إنه تعالى أجاب عن شبهتهم فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ وإنما قلنا: إن الآخرة خير لوجوه:

أ. الأول: ان نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة.

ب. الثاني: ان نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة.

ج. الثالث: أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات.

د. الرابع: أن نعم الدنيا مشكوكة فان أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني، ونعم الآخرة يقينية.

3. كل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ وهذا هو المراد من‏ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)

4. ثم قال تعالى: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ قال المعتزلة ـ ومن وافقهم ـ: الآية تدل على أنهم يستحقون على طاعتهم الثواب، وإلا لما تحقق نفي الظلم، وتدل على أنه تعالى يصح منه الظلم وإن كنا نقطع بأنه لا يفعل، وإلا لما يصح التمدح به.

5. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي لا ينقصون من ثواب أعمالهم مثل فتيل النواة وهو ما تفتله بيدك ثم تلقيه احتقارا، وقد مضى الكلام فيه.

6. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ المقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، فقال تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة، فإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك، ونظير هذه الآية قوله: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16]

7. البروج في كلام العرب هي القصور والحصون، وأصلها في اللغة من الظهور، يقال: تبرجت المرأة، إذا أظهرت محاسنها، والمشيدة المرتفعة، وقرئ‏ ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ قال الزمخشري: من شاد القصر إذا رفعه أو طلاه بالشيد وهو الجص، وقرأ نعيم بن ميسرة بكسر الياء وصفا لها بفعل فاعلها مجازا، كما قالوا: قصيدة شاعرة، وإنما الشاعر قائلها.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/145.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1): ‌‌

1. ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ ابتداء وخبر، وكذا ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي المعاصي، وقد مضى القول في هذا في (البقرة) ومتاع الدنيا منفعتها والاستمتاع بلذاتها وسماه قليلا لأنه لا بقاء له، وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: (مثلي ومثل الدنيا كراكب قال قيلولة تحت شجرة ثم راح وتركها)

2. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ شرط ومجازاة، و﴿مَا﴾ زائدة وهذا الخطاب عام وإن كان المراد المنافقين أو ضعفة المؤمنين الذين قالوا: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي إلى أن نموت بآجالنا، وهو أشبه بالمنافقين كما ذكرنا، لقولهم لما أصيب أهل أحد، قالوا: ﴿لَوْ كَانُوا عِنْدَنَا مَا مَاتُوا وَمَا قُتِلُوا﴾ فرد الله عليهم ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ قاله ابن عباس في رواية أبي صالح عنه.

3. واحد البروج برج، وهو البناء المرتفع والقصر العظيم، قال طرفة يصف ناقة:

çكأنها برج رومي تكففها...بان بشيد وآجر وأحجارé

4. قرأ طلحة بن سليمان ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ برفع الكاف على إضمار الفاء، وهو قليل لم يأت إلا في الشعر نحو قوله: (من يفعل الحسنات الله يشكرها) أراد فالله يشكرها.

5. اختلف العلماء وأهل التأويل في المراد بهذه البروج، فقال الأكثر وهو الأصح: إنه أراد البروج في الحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، فمثل الله لهم بها، وقال قتادة: في قصور محصنة، وقاله ابن جريج والجمهور، ومنه قول عامر ابن الطفيل للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: هل لك في حصن حصين ومنعة؟ وقال مجاهد: البروج القصور، ابن عباس: البروج الحصون والآطام والقلاع.

6. معنى ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ مطولة، قاله الزجاج والقتبي، عكرمة: المزينة بالشيد وهو الجص، قال قتادة: محصنة، والمشيد والمشيد سواء، ومنه ﴿وَقَصْرٍ مَشِيدٍ﴾ والتشديد للتكثير، وقيل: المشيد المطول، والمشيد المطلي بالشيد، يقال: شاد البنيان وأشاد بذكره، وقال السدي: المراد بالبروج بروج في السماء الدنيا مبنية، وحكى هذا القول مكي عن مالك وأنه قال: ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ و﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾، وحكاه ابن العربي أيضا عن ابن القاسم عن مالك، وحكى النقاش عن ابن عباس أنه قال: ﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ معناه في قصور من حديد، قال ابن عطية: وهذا لا يعطيه ظاهر اللفظ.

7. هذه الآية ترد على القدرية في الآجال، لقوله تعالى: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ فعرفهم بذلك أن الآجال متى انقضت فلا بد من مفارقة الروح الجسد، كان ذلك بقتل أو موت أو غير ذلك مما أجرى الله العادة بزهوقها به، وقالت المعتزلة: إن المقتول لو لم يقتله القاتل لعاش، وقد تقدم الرد عليهم في (آل عمران) ويأتي، فوافقوا بقولهم هذا الكفار والمنافقين.

8. اتخاذ البلاد وبنائها ليمتنع بها في حفظ الأموال والنفوس، وهي سنة الله في عباده، وفي ذلك أدل دليل على رد قول من يقول: التوكل ترك الأسباب، فإن اتخاذ البلاد من أكبر الأسباب وأعظمها وقد أمرنا بها، واتخذها الأنبياء وحفروا حولها الخنادق عدة وزيادة في التمنع، وقد قيل للأحنف: ما حكمة السور؟ فقال: ليردع السفيه حتى يأتي الحكيم فيحميه.

9. إذا تنزلنا على قول مالك والسدي في أنها بروج السماء، فبروج الفلك اثنا عشر برجا مشيدة من الرفع، وهي الكواكب العظام، وقيل للكواكب بروج لظهورها، من برج يبرج إذا ظهر وارتفع، ومنه قوله: ﴿وَلَا تَبَرَّجْنَ تَبَرُّجَ الْجَاهِلِيَّةِ الْأُولَى﴾، وخلقها الله تعالى منازل للشمس والقمر وقدره فيها، ورتب الأزمنة عليها، وجعلها جنوبية وشمالية دليلا على المصالح وعلمنا على القبلة، وطريقا إلى تحصيل آناء الليل وآناء النهار لمعرفة أوقات التهجد غير ذلك من أحوال المعاش.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/282.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

﴿وَقَالُوا﴾ عطف على ما يدل عليه قوله: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ أي: فلما كتب عليهم القتال فاجأ فريق منهم خشية الناس‏.

1. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾ أي: هلا أخرتنا، يريدون المهلة إلى وقت آخر قريب من الوقت الذي فرض عليهم فيه القتال، فأمره الله سبحانه بأن يجيب عليهم فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ سريع الفناء لا يدوم لصاحبه، وثواب الآخرة خير لكم من المتاع القليل‏ ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ منكم، ورغب في الثواب الدائم.

2. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي: شيئا حقيرا يسيرا، وقد تقدّم تفسير الفتيل قريبا، وإذا كنتم توفرون أجوركم ولا تنقصون شيئا منها، فكيف ترغبون عن ذلك وتشغلون بمتاع الدنيا مع قلته وانقطاعه؟

3. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ كلام مبتدأ، وفيه حثّ لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن، وخامره من الخشية، فإن الموت إذا كان كائنا لا محالة، والبروج: جمع برج: وهو البناء المرتفع، والمشيدة: المرفعة، من شاد القصر: إذا رفعه وطلاه بالشيد وهو الجصّ، وجواب (لولا) محذوف لدلالة ما قبله عليه، وقد اختلف في هذه البروج ما هي؟ فقيل: الحصون التي في الأرض، وقيل: هي القصور، قال الزجاج والقتبي: ومعنى مشيدة: مطوّلة؛ وقيل: معناه: مطلية بالشيد وهو الجص؛ وقيل: المراد بالبروج: بروج في سماء الدنيا مبنية، حكاه مكّي عن مالك، وقال: ألا ترى إلى قوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ ﴿جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ ﴿وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ وقيل: إن المراد بالبروج المشيدة هنا: قصور من حديد.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/565.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَقَالُواْ﴾ في قلوبهم، أو مع ألسنتهم جزعا من الموت، لا ردَّة أو عصيانا، فلم يوبَّخوا، أو قالوه سؤالاً عن الحكمة: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ الآن؟ ﴿لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ غير بعيد قبل موتنا، قيل: لم يعطف قوله: ﴿لَوْلَا﴾ إلخ لئلَّا يتبادر أنَّهم قالوا مجموع الكلامين، بعطف الثاني على الأوَّل، مع أنَّهم قالوا أحدهما تارة وآخر تارة، قلت: بل يتبادر ذلك بالعطف.

2. ﴿قُلْ﴾ ترغيبًا في القتال وثوابه، وعن الدُّنيا، ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ تمتُّعها أو ما يُتمتَّع به فيها ﴿قَلِيلٌ﴾ كمِّـيَّةً وزمانًا ناقص بالنسبة إلى متاع الآخرة ﴿وَالآخِرَةُ﴾ متاعها ﴿خَيْرٌ لِّمَنِ اِتَّقَىٰ﴾ موجبات النار، وهي دائمة كثيرة الخير لا كدر فيها، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (والله ما الدُّنيا في الآخرة إِلَّا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليمِّ فلينظر بم يرجع)، ويقال: (الدُّنيا جنَّة الكافر وسجن المؤمن)

3. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ أي: يُوفَّر فيها الثواب لكم، ولا تُظلمون بنقص من ثوابكم، ولا من آجالكم، ولا بزيادة في سيِّئاتكم ﴿فَتِيلاً﴾ مقدار ما يكون في شقِّ النواة، أو ما يفتل بين الإصبعين ثمَّ يلقى لحقارته، فلا ترغبوا عن ثواب الأعمال، ولا تحجموا عن القتال إذ لا يقرِّب أجلا عن وقته.

4. ﴿اَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ﴾ في حضر أو سفر ﴿وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ حصون، وأصل البرج: البناء فوق القصر على طرفه أو وسطه، وهو من البَرج بمعنى الظهور، والظهور يوجد في الكلِّ، فالمراد: بروج السماء الكوكبيَّة، أو قصور في السماء الدُّنيا، أو البيوت التي فوق القصور.

5. ﴿مُّشَيَّدَةٍ﴾ مقوَّاة بالجير، أو مرفوعة مطوَّلة، فلا تخشوا الموت في القتال فإنَّ الموت لأَجَلِه، فلا يؤخِّره ترك القتال، ومَن قَدَّرَ الله تعالى له الموت بقتال لم يجد إِلَّا أن يحضره، ويموت في وقت موته وموضعه، ومَن قدَّره الله عليه في غيره لم يجد أن يموت في القتال، ولا أن يموت في غير وقت موته ومكانه، عن مجاهد: كان فيمن قبلكم امرأة لها أجير، فولدت جارية، فقالت لأجيرها: اقتبس لنا نارًا، فخرج فوجد بالباب رجلاً، فقال له الرجل: ما ولدت هذه المرأة؟ قال: جارية، قال: أمَا إنَّ هذه الجارية لا تموت حتَّى تزني بمائة، ويتزوَّجها أجيرها، ويكون موتها بالعنكبوت، فقال الأجير: في نفسه أنا لا أريد هذه، بعد أن تفجر بمائة، لأقتلنَّها، فأخذ شفرة فدخل فشقَّ بطن الصبيَّة، فخرج على عقبه، وركب البحر، وخيط بطن الصبيَّة، فبرئت وشبَّت، فكانت تزني فأتت ساحلا من سواحل البحر فأقامت عليه تزني، ولبث الرجل ما شاء الله، ثمَّ قدم ذلك الساحل وله مال كثير، فقال لامرأة من أهل الساحل: اطلبي لي امرأة من القرية أتزوَّجها، فقالت: هاهنا امرأة من أجمل النساء ولكنَّها تفجر، فقال: ائتيني بها، فأتتها، فقالت: قد تركتُ الفجور وإن أراد تزوَّجته، فتزوَّجها الرجل، فوقعت منه موقعًا حسنًا، فبينما هو يومًا عندها إذ أخبرها بأمره، فقالت: أنا تلك الجارية، فأرته الشقَّ الذي في بطنها، فقالت: قد كنت أفجر فما أدري بمائة أو أقلَّ أو أكثر، قال: فإِنَّ الرجل قال لي: يكون موتها بعنكبوت، فبنى لها برجًا بالصحراء فشيَّده، فبينما هي يومًا في ذلك البرج إذا عنكبوت في السقف، فقالت: هذا يقتلني، لا يقتله غيري، فحرَّكته فسقط، فأتته فوضعت إبهام رجلها عليه فشدخته، وساح سمه بين ظفرها ولحم الإصبع فاسودَّت رجلها فماتت، وعلى ذلك نزلت الآية، وهي: ﴿اَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ﴾

6. الجملة من كلام الله تعالى ، أي: استئنافًا، أو من القول السابق، أي: تَسلَّطَ عليه (قُلْ) من قوله تعالى: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ إلخ، أو من القول السابق، أو هي جواب لقولهم: ﴿لَوْلَآ أَخَّرْتَنَآ﴾، وقولُه: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ إلخ جواب لقولهم: ﴿لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/228.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ولم يعهد هذا عن المؤمنين، بل المحفوظ مبادرتهم للجهاد، كما روى ابن إسحاق في (السيرة) أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم استشار الناس في غزوة بدر، فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر بن الخطاب فقال وأحسن، ثم قام المقداد بن عمرو فقال: يا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم! امض لما أراك الله، فنحن معك، والله! لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى: ﴿فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: 24]، ولكن اذهب أنت وربك فقاتلا، إنا معكما مقاتلون، فوالذي بعثك بالحق! لو سرت بنا إلى برك الغماد لجالدنا معك من دونه حتى تبلغه، ثم قال سعد بن معاذ: امض، يا رسول الله! لما أردت، فنحن معك، فوالذي بعثك بالحق! لو استعرضت بنا هذا البحر فخضته لخضناه معك، ما تخلف منا رجل واحد، وما نكره أن تلقى بنا عدونا غدا، إنا لصبر في الحرب صدق في اللقاء، ومنها أنه تعالى ذكر بعد ذلك قوله: ﴿إِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هذِهِ مِنْ عِنْدِكَ‏﴾ [النساء: 78]، ولا شك أن هذا من كلام المنافقين، ثم صرح تعالى في آخر الكلام عليهم بقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ﴾، فزال اللبس وبرح الخفاء.

2. ما أشبه هذه الآيات بقوله تعالى في سورة محمد: ﴿وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلَا نُزِّلَتْ سُورَةٌ﴾، أي: تأمرنا بالجهاد، ﴿فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللَّهُ أَضْغَانَهُمْ﴾ [محمد: 20 ـ 29] ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ أي الجهاد في سبيلك‏ ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي: هلا عافيتنا وتركتنا حتى نموت بآجالنا.

3. ﴿قُلْ﴾ أي: تزهيدا لهم فيما يؤملونه بالقعود من المتاع الفاني، وترغيبا فيما ينالونه بالجهاد من النعيم الباقي‏ ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا﴾ أي ما يتمتع وينتفع به في الدنيا ﴿قَلِيلٍ﴾ سريع التقضي، وشيك الانصرام، وإن أخرتم إلى ذلك الأجل‏ ﴿وَالْآخِرَةُ﴾ أي: ثوابها الذي من جملته الثواب المنوط بالجهاد ﴿خَيْرُ﴾ أي: لكم من ذلك المتاع الفاني، لكثرته وعدم انقطاعه، وصفائه عن الكدورات، وإنما قيل‏ ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ حثّا لهم على اتقاء العصيان والإخلال بموجب التكليف.

4. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ عطف على مقدر، ينسحب عليه الكلام، أي: تجزون فيها ولا تنقصون أدنى شيء من أجور أعمالكم، التي من جملتها مسعاكم في شأن القتال، فلا ترغبوا عنه، (والفتيل) ما في شق النواة من الخيط، يضرب به المثل في القلة والحقارة، وقرئ (يظلمون) بالياء، إعادة للضمير إلى ظاهر (من)، أفاده أبو السعود، روى ابن أبي حاتم قال قرأ الحسن: قل متاع الدنيا قليل، قال رحم الله عبدا صحبها على حسب ذلك، وما الدنيا كلها، أولها وآخرها، إلا كرجل نام نومة فرأى في منامه بعض ما يحب ثم انتبه، وقال ابن معين: كان أبو مصهر ينشد:

çولا خير في الدنيا لمن لم يكن له‏...من الله في دار المقام نصيب‏

فإن تعجب الدنيا رجالا فإنها...متاع قليل والزوال قريب‏é

5. ثم بين تعالى أنه لا ينفعهم الفرار من الموت، لأنه لا خلاص لهم منه، بقوله: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ أي: في أي مكان تكونوا عند الأجل‏ ﴿يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ أي: الذي لأجله تكرهون القتال، زعما منكم أنه من مظانه، وتحبون القعود عنه، على زعم أنه منجاة منه، أي: وإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقبا للسعادة الأبدية، كان أولى من أن لا يكون كذلك.

6. نظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذًا لَا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [الأحزاب: 16]، ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ أي حصون‏ ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ أي: مرفوعة مستحكمة، لا يصل إليها القاتل الإنسانيّ، لكنها لا تمنع القاتل الإلهيّ، كما قال زهير بن أبي سلمى:

çومن هاب أسباب المنايا ينلنه‏...ولو رام أسباب السماء بسلّم‏é

وقد ذكر ابن جرير وابن أبي حاتم هاهنا حكاية مطولة عن مجاهد، والشاهد منها هنا؛ أنها كانت أخبرت بأنها تموت بالعنكبوت، فاتخذ لها زوجها قصرا منيعا شاهقا ليحرزها من ذلك، فبينما هم يوما فإذا العنكبوت في السقف، فأراها إياها فقالت: أهذه التي تحذرها عليّ؟ والله! لا يقتلها إلا أنا، فأنزلوها من السقف، فعمدت إليها فوطئتها بإبهام رجلها فقتلتها، فطار من سمّها شيء فوقع بين ظفرها ولحمها، واسودت رجلها، فكان في ذلك أجلها، فماتت.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/228.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي هلا أخرتنا إلى أن نموت حتف أنوفنا بأجلنا القريب، هكذا فسره ابن جريج، وقال غيره المراد بالأجل القريب الزمن الذي يقوون فيه ويستعدون للقتال بمثل ما عند أعدائهم، ويحتمل أن لا يكونوا قصدوا أجلا معينا معلوما، وإنما ذكروا ذلك لمحض الهرب والتفضي من القتال كما تقول لمن يرهقك عسرا في أمر: أمهلني قليلا، أنظرني إلى أجل قريب.

2. وقد أمر الله نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يرد عليهم بقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ أي إن علة استنكارهم للقتال وطلبكم الإنظار فيه إنما هي خشية الموت والرغبة في متاع الدنيا ولذاتها وكل ما يتمتع به في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى متاع الآخرة لأنه محدود وفان.

3. ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ لأن متاعها كثير وباق لا نفاد له ولا زوال، وإنما يناله من اتقى الأسباب التي تدنس النفس بالشرك وبالأخلاق الذميمة كالجبن والقعود عن نصر الحق على الباطل، والخير على الشر، وإذا كانت الآخرة خيرا للمتقين، فهي شر ووبال على المجرمين، فحاسبوا أنفسكم، واعلموا أنكم مجزيون هنالك على أعمالكم.

4. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي ولا تنقصون من الجزاء الذي تستحقونه بأثر أعمالكم في أنفسكم مقدار فتيل، وهو ما يكون في شق نواة التمرة مثل الخيط أو ما يفتل بالأصابع من الوسخ على الجلد أو من الخيوط، يضرب هذا مثلا في القلة والحقارة، وقيل لا تنقصون أدنى شيء من آجالكم، قرأ ابن كثير وحمزة والكسائي) يظلمون) على الغيبة لتقدمها الباقون) تظلمون) بالخطاب.

5. ثم جاء بما يذهب بأعذارهم، وينفخ روح الشجاعة والإقدام في المستعدين منهم، فقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، أي أن الموت حتم لا مفر منه ولا مهرب فهو لا بد أن يدرككم في أي مكان كنتم ولو تحصنتم منه في البروج المشيدة، وهي القصور العالية التي يسكنها الملوك والأمراء فيعز الارتقاء إليها بدون إذنهم، أو الحصون المنيعة التي تعتصم فيها حامية الجند، شيد البناء يشيده علاه وأحكم بناءه، وأصله أن يبنيه بالشيد وهو بالكسر كل ما يطلي به الحائط كالجص والبلاط، يقال شاد البناء إذا جصصه، قال في اللسان: وكل ما أحكم من البناء فقد شيد وتشييد البناء إحكامه ورفعه، أي لأن في التفعيل معنى من المبالغة والكثرة في الشيء، وأجاز الراغب أن يكون المراد بالبروج بروج النجم ويكون استعمال لفظ المشيدة فيها على سبيل الاستعارة وتكون الإشارة بالمعنى إلى نحو ما قال زهير:

çومن هاب أسباب المنايا ينلنه...ولو نال أسباب السماء بسلمé

6. وإذا كان الموت لا مفر منه ولا عاصم، وكان المرء يخوض معامع القتال فيصاب ولا يموت، ويخاطر بنفسه فيها أحيانا فلا يصاب بجرح ولا يقتل، وقد يموت المعتصم في البروج والحصون اغتضارا، وإذا كان الإقدام على القتال هو أقوى أسباب النجاة من القتل لأن الجبناء يغرون أعداءهم بأنفسهم بعدم دفاعهم عنها، وإذا كان الاستعداد للقتال والإقدام فيه لأجل الدفاع عن الحق وحماية الحقيقة ومنع الباطل أن يسود والشر أن يفشو موجبا لمرضاة الله ولسعادة الآخرة، فما هو عذركم أيها القاعدون المبطئون؟

çوطعم الموت في أمر حقير...كطعم الموت في أمر عظيمé

فلماذا تختارون لأنفسكم الحقير على العظيم، وهذا ليس من شأن العقلاء والمؤمنين؟.

7. كان من مرض قلوب هؤلاء أن كرهوا القتال وجبنوا عنه وخافوا الناس وتمنوا بذلك طول البقاء، فكان هذا صدعا في دينهم وعقولهم قامت به عليهم الحجة.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/265.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بين الله تعالى شدة هلعهم من القتال فقال حكاية عنهم: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ أي وقالوا ربنا لماذا كتبت علينا القتال في هذا الوقت؟ هلا أخرتنا حينا من الدهر نموت حتف أنوفنا موتا طبيعيا، وربما لا يكونون قد قصدوا وقتا معينا بل قصدوا من ذلك الهرب والتفصى عن القتال كما تقول لمن يرهقك عسرا في أمره: أمهلنى قليلا، أنظرنى إلى أجل.

2. وقد أمر الله رسوله أن يردّ عليهم شبهتهم فقال: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ أي إن طلبكم للإنظار إنما هو خشية الموت والرغبة في متاع الدنيا ولذاتها، مع أن كل ما يتمتع به في الدنيا فهو قليل بالنسبة إلى متاع الآخرة، لأنه محدود فان، ومتاع الآخرة كثير باق ولا يناله إلا من اتقى الله وابتعد عن الأسباب التي تدنس النفس بالشرك والأخلاق الذميمة، فحاسبوا أنفسكم واعلموا أنكم ستجزون بأعمالكم إن خيرا فخير وإن شرا فشر.

3. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ أي ولا تنقصون من الجزاء على أعمالكم مقدار فتيل ـ والفتيل ما يكون في شق نواة التمر مثل الخيط، وبه يضرب المثل في القلة والحقارة ـ.

4. ثم رغبهم في القتال وبين لهم أن الموت مصير كل شيء فقال: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ أي إن الموت أمر محتم لا مهرب منه، فهو لا بد أن يدرككم في أي مكان ولو تحصنتم في شواهق القصور التي يسكنها ذوو الثراء والنعمة أو في القلاع والحصون التي تقطنها حامية الجند، وإذا كان الموت لا مفر منه، وكان المرء قد يقتحم غمار الوغى، ولا يصاب بالأذى، وقد يموت‏ المعتصم في البروج والحصون وهو في غضارة العيش فلا عذر لكم أيها المثبطون المبطئون ولما ذا تختارون لأنفسكم الحقير على العظيم؟ ولما ذا لا تدافعون عن الحق وتمنعون الشر أن يفشو حتى تستحقوا مرضاة الله وسعادة الآخرة؟ ولما ذا تكرهون القتال وتجبنون وتخافون الناس وتتمنون البقاء، أليس هذا بضعف في الدين وركّة في العقل وخور في العزيمة تؤاخذون بها وتقوم عليكم بها الحجة.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/96.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. أيا ما كانت حكمة الله من وراء هذه الخطة، فقد كان هناك المتحمسون يبدون لهفتهم على اللحظة التي يؤذن لهم فيها بالقتال: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾

2. وكان وجود هذه الطائفة في الصف المسلم ينشئ فيه حالة من الخلخلة وينشئ فيه حالة من عدم التناسق بين هذه الطائفة الجزوع الهلوع، وبين الرجال المؤمنين، ذوي القلوب الثابتة المطمئنة؛ المستقبلة لتكاليف الجهاد ـ على كل ما فيها من مشقة ـ بالطمأنينة والثقة والعزم والحماسة أيضا، ولكن في موضعها المناسب، فالحماسة في تنفيذ الأمر حين يصدر هي الحماسة الحقيقية، أما الحماسة قبل الأمر، فقد تكون مجرد اندفاع وتهور؛ يتبخر عند مواجهة الخطر! وكان القرآن يعالج هذه الحالة بمنهجه الرباني: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾

3. إنهم يخشون الموت، ويريدون الحياة، ويتمنون في حسرة مسكينة! لو كان الله قد أمهلهم بعض الوقت؛ ومد لهم ـ شيئا ـ في المتاع بالحياة! والقرآن يعالج هذه المشاعر في منابتها؛ ويجلو غبش التصور لحقيقة الموت والأجل، ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ متاع الدنيا كله، والدنيا كلها، فما بال أيام، أو أسابيع، أو شهور، أو سنين؟ ما قيمة هذا الإمهال لأجل قصير، إذا كان متاع الحياة الدنيا بطولها في جملته قليلا!؟ ما الذي يملكون تحقيقه من المتاع في أيام، أو أسابيع، أو شهور، أو سنين، ومتاع الدنيا كله والدنيا بطولها قليل!؟

4. ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾، فالدنيا ـ أولا ـ ليست نهاية المطاف ولا نهاية الرحلة.. إنها مرحلة.. ووراءها الآخرة والمتاع فيها هو المتاع ـ فضلا على أن المتاع فيها طويل كثير ـ فهي‏ ﴿خَيْرُ﴾.. ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾.. وتذكر التقوى هنا والخشية والخوف في موضعها، التقوى لله، فهو الذي يتقى، وهو الذي يخشى، وليس الناس.. الناس الذين سبق أن قال إنهم يخشونهم كخشية الله ـ أو أشد خشية! ـ والذي يتقي الله لا يتقي الناس، والذي يعمر قلبه الخوف من الله لا يخاف أحدا، فما ذا يملك له إذا كان الله لا يريد؟

5. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾، فلا غبن ولا ضير ولا نجس؛ إذا فاتهم شيء من متاع الدنيا، فهناك الآخرة، وهناك الجزاء الأوفى؛ الذي لا يبقى معه ظلم ولا نجس في الحساب الختامي للدنيا والآخرة جميعا!

6. لكن بعض الناس قد تهفو نفسه ـ مع هذا كله ـ إلى أيام تطول به في هذه الأرض! حتى وهو يؤمن بالآخرة، وهو ينتظر جزاءها الخير.. وبخاصة حين يكون في المرحلة الإيمانية التي كانت فيها هذه الطائفة! هنا تجي‏ء اللمسة الأخرى، اللمسة التي تصحح التصور عن حقيقة الموت والحياة، والأجل والقدر؛ وعلاقة هذا كله بتكليف القتال، الذي جزعوا له هذا الجزع، وخشوا الناس فيه هذه الخشية! ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، فالموت حتم في موعده المقدر، ولا علاقة له بالحرب والسلم، ولا علاقة له بحصانة المكان الذي يحتمي به الفرد أو قلة حصانته، ولا يؤخره أن يؤخر عنهم تكليف القتال إذن؛ ولا هذا التكليف والتعرض للناس في الجهاد يعجله عن موعده.

7. هذا أمر وذاك أمر؛ ولا علاقة بينهما.. إنما العلاقة هناك بين الموت والأجل، بين الموعد الذي قدره الله وحلول ذلك الموعد.. وليست هنالك علاقة أخرى.. ولا معنى إذن لتمني تأجيل القتال، ولا معنى إذن لخشية الناس في قتال أو في غير قتال! وبهذه اللمسة الثانية يعالج المنهج القرآني كل ما يهجس في الخاطر عن هذا الأمر؛ وكل ما ينشئه التصور المضطرب من خوف ومن ذعر.

8. إنه ليس معنى هذا ألا يأخذ الإنسان حذره وحيطته وكل ما يدخل في طوقه من استعداد وأهبة ووقاية، فقد سبق أن أمرهم الله بأخذ الحذر، وفي مواضع أخرى أمرهم بالاحتياط في صلاة الخوف، وفي سور أخرى أمرهم باستكمال العدة والأهبة.. ولكن هذا كله شيء، وتعليق الموت والأجل به شيء آخر.. إن أخذ الحذر واستكمال العدة أمر يجب أن يطاع، وله حكمته الظاهرة والخفية، ووراءه تدبير الله.. وإن التصور الصحيح لحقيقة العلاقة بين الموت والأجل المضروبـ رغم كل استعداد واحتياط ـ أمر آخر يجب أن يطاع؛ وله حكمته الظاهرة والخفية، ووراءه تدبير الله، توازن واعتدال، وإلمام بجميع الأطراف، وتناسق بين جميع الأطراف، هذا هو الإسلام، وهذا هو منهج التربية الإسلامي، للأفراد والجماعات.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/716.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هؤلاء الذين يفزعون من الموت، ويخشون التعرض له في مواقف الجهاد في سبيل الله ماذا يعصمهم من الموت؟ وإلى أين تمضى بهم الحياة؟ أليس الموت هو خاتمة المطاف لكل حيّ وإن طال أجله وامتدّ عمره؟ إذن فالموت الذي يهرب منهم هؤلاء الجبناء هو ملاقيهم يوما، أينما كانوا.

2. ولو كانوا في بروج مشيدة.. فهم إن لم يموتوا بضربة سيف أو طعنة رمح في ميدان القتال، ماتوا حتف أنوفهم وهم في بيوتهم وبين أهليهم.. فإن فرّوا من الموت، فإنما يفرّون إلى الموت!

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/840.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قولهم: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ إنّما هو قولهم في نفوسهم على معنى عدم الاهتداء لحكمة تعليل الأمر بالقتال وظنّهم أنّ ذلك بلوى.

2. (والأجل القريب) مدّة متأخّرة ريثما يتمّ استعدادهم، مثل قوله: ﴿فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ﴾ [المنافقون: 10] وقيل: المراد من (الأجل) العمر.. بمعنى لولا أخّرتنا إلى أن تنقضي آجالنا دون قتال، فيصير تمنّيا لانتفاء فرض القتال، وهذا بعيد لعدم ملائمته لسياق الكلام، إذ ليس الموت في القتال غير الموت بالأجل، ولعدم ملاءمته لوصفه بقريب، لأنّ أجل المرء لا يعرف أقريب هو أم بعيد إلّا إذا أريد تقليل الحياة كلّها، وعلى كلا الوجهين فالقتال المشار إليه هنا هو أوّل قتال أمروا به، والآية ذكّرتهم بذلك في وقت نزولها حين التهيّؤ للأمر بفتح مكة، وقال السديّ: أريد بالفريق بعض من قبائل العرب دخلوا في الإسلام حديثا قبل أن يكون القتال من فرائضه وكانوا يتمنّون أن يقاتلوا فلما كتب عليهم القتال جبنوا لضعف إيمانهم، ويكون القتال الذين خافوه هو غزو مكة، وذلك أنّهم خشوا بأس المشركين.

3. قولهم: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ يحتمل أن يكون قولا في نفوسهم، ويحتمل أنّه مع ذلك قول بأفواههم، ويبدو هو المتعيّن إذا كان المراد بالفريق فريق المنافقين؛ فهم يقولون: ربّنا لم كتبت علينا القتال بألسنتهم علنا ليوقعوا الوهن في قلوب المستعدّين له‏ وهم لا يعتقدون أنّ الله كتب عليهم القتال، وقال ابن جرير عن مجاهد: نزلت في اليهود، وعليه تكون الآية مثالا ضربه الله للمسلمين الذين أوجب عليهم القتال، تحذيرا لهم في الوقوع في مثل ذلك، فيكون على طريقة قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا﴾ الآية في سورة البقرة.

4. الجواب بقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ جواب عن قولهم: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ سواء كان قولهم لسانيا وهو بيّن، أم كان نفسيا، ليعلموا أنّ الله أطلع رسوله على ما تضمره نفوسهم، أي أنّ التأخير لا يفيد والتعلّق بالتأخير لاستبقاء الحياة لا يوازي حظّ الآخرة، وبذلك يبطل ما أرادوا من الفتنة بقولهم: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾

5. موقع قوله: ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ موقع زيادة التوبيخ الذي اقتضاه قوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، أي ولا تنقصون شيئا من أعماركم المكتوبة، فلا وجه للخوف وطلب تأخير فرض القتال؛ وعلى تفسير الأجل في: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ بأجل العمر، وهو الوجه المستبعد، يكون معنى‏ ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ تغليطهم في اعتقادهم أنّ القتل يعجّل الأجل، فيقتضي أن يكون ذلك عقيدة للمؤمنين إن كانوا هم المخاطبين قبل رسوخ تفاصيل عقائد الإسلام فيهم، أو أنّ ذلك عقيدة المنافقين إن كانوا هم المخاطبين، وقيل معنى نفي الظلم هنا أنّهم لا يظلمون بنقص ثواب جهادهم، فيكون موقعه موقع التشجيع لإزالة الخوف، ويكون نصبه على النيابة عن المفعول المطلق، وقيل: معناه أنّهم لا يظلمون بنقص أقلّ زمن من آجالهم، ويجي‏ء على هذا التفسير أن يجعل‏ ﴿تُظْلَمُونَ﴾ بمعنى تنقصون، كقوله تعالى: ﴿وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئًا﴾ [الكهف: 33]، أي كلتا الجنتين من أكلها، ويكون‏ ﴿فَتِيلًا﴾ مفعولا به، أي لا تنقصون من أعماركم ساعة، فلا موجب للجبن.

6. جملة: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ﴾ يجوز أن تكون من تمام القول المحكي بقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، وإنّما لم تعطف على جملة: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ لاختلاف الغرضين، لأنّ جملة ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ وما عطف عليها تغليط لهم في طلب التأخير إلى أجل قريب، وجملة: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾.. مسوقة لإشعارهم بأنّ الجبن هو الذي جملهم على طلب التأخير إلى أمد قريب، لأنّهم توهّموا أنّ مواقع القتال تدني الموت من الناس، ويحتمل أن يكون القول قد تمّ، وأنّ جملة ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا﴾ توجّه إليهم بالخطاب من الله تعالى، أو توجّه لجميع الأمّة بالخطاب، فتكون على كلا الأمرين معترضة بين أجزاء الكلام، و(أينما) شرط يستغرق الأمكنة (ولو) في قوله: ﴿وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ﴾ وصلية ـ وقد تقدّم تفصيل معناها واستعمالها عند قوله: ـ في سورة آل عمران: ﴿فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلْءُ الْأَرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ افْتَدَى بِهِ﴾

7. البروج جمع برج، وهو البناء القويّ والحصن: والمشيّدة: المبنيّة بالشّيد، وهو الجصّ، وتطلق على المرفوعة العالية، لأنّهم إذا أطالوا البناء بنوه بالجصّ، فالوصف به مراد به المعنى الكنائي، وقد يطلق البروج على منازل كواكب السماء كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي جَعَلَ فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا﴾ [الفرقان: 61] وقوله: ﴿وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ﴾ [البروج: 1] وعن مالك أنّه قال البروج هنا بروج الكواكب، أي ولو بلغتم السماء، وعليه يكون وصف‏ ﴿مُشَيَّدَةٍ﴾ مجازا في الارتفاع، وهو بصير مجازا في الارتفاع، وهو بعيد.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/191.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ قد قالوا لفزعهم: ربنا الذي خلقنا ونمانا وربانا، لأى شيء كتبت علينا القتال وفرضته وألزمتنا به، وهو أمر مخوف مرهوب!؟ فمن فرط ذهولهم وجبنهم ينسون العزة والكرامة، وأنهما مطلبان لا ينالان إلا بالحرب والجهاد؛ وينسون إذلال الكافرين للمؤمنين، والفتنة في الدين، ويسألون عن أسباب القتال!، نعم إن القتال أمر تكرهه النفوس، ولكن إن كان دفعا للذل يصير واجبا، كما قال تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وهُوَكُرْهٌ لَكُمْ وعَسى‏ أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وهُوَخَيْرٌ لَكُمْ‏﴾ [البقرة]، فيصير القتال أمرا مستمرا لشرف الغاية التي تدعو إليه.

2. وإذا ذكر أولئك الضعفاء بالباعث على شرعية القتال لا يذهب فزعهم، بل يقولون وجلين هلعين: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، أي هلا أخرتنا في إجابة داعى القتال إلى زمن مؤجل قريب؟ فهم بعد أن يعود إليهم رشدهم يطلبون أن يؤخروا هم، لا أن تؤخر الفرضية!، لقد كان كلامهم الأول في شأن الفرضية، ولما أدركوا سوء قولهم، كان كلامهم عن مطالبتهم بتأخير ذهابهم إلى القتال، وذلك ما يدل عليه تعبير الله عنهم بقوله: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾، فهذا الفريق الضعيف الإيمان يريد أن يذهب المجاهدون الأبرار، ويقعدوا هم مع القاعدين! وقد قال في ذلك القرطبي (معاذ الله أن يصدر هذا القول من صحابى كريم، يعلم أن الآجال محدودة، والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين، سامعين طائعين، يريدون الوصول إلى الدار الآجلة خيرا من المقام في الدار العاجلة، على ما هو معروف من سيرتهم، اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون؛ فمنهم الكامل، ومنهم الناقص، وهو الذي تنفر نفسه عما يؤمر به، فيما تلحقه فيه المشقة، وتدركه الشدة)

3. ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ إن الحرص على الدنيا والتعلق بها، يدفع إلى الرغبة في البقاء على أية صورة كان البقاء، سواء أكان البقاء في عزة أم كان في ذلة، فمطامع المال ومتاع الدنيا تجعل النفس ترضى بالحياة بكل صورها، وقديما قال العرب: (أذل الحرص أعناق الرجال)، فكان لا بد لتربية روح الجهاد من تعريف المسلم بقيمة هذه الحياة، ووزنها بالنسبة لما بعدها، ولذلك أمر الله نبيه أن يقول لهؤلاء الذين كانت خشيتهم للناس كخشية الله أو أشد، واضطربوا عندما أمروا بالقتال: إن كل منافع الدنيا ولذاتها قليلة، مهما كبرت في نظركم، فكثيرها قليل إذا كانت في ذلة، ولا يبقى الانتفاع إذا تحكم فيكم الأعداء، وهى فانية لا تبقى، وكل ما يكون مآله الزوال ضئيل مهما تكاثر في العدد، وإذا وزن متاع الدنيا بمتاع الآخرة الباقى الخالد الدائم، فإنه لا يكون شيئا مذكورا! ولذا جاء قول النبيّ بأمر الله تعالى: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ والآخرة بما فيها من متاع دائم خير من الدنيا بكل حذافيرها؛ لأنه لا نزاع‏ فيها، ولا شر يتحكم ولا مغالبة، بل اطمئنان وهدوء، وسرور مستمر، لمن ينالون جنتها ويبعدهم الله تعالى عن جحيمها، وهى مع ذلك أكلها دائم، ونعيم مقيم، ورضوان من الله أكبر، وإن أعمال الخير في الدنيا، والجهاد في سبيل الحق، هي السبيل لنيل ما في الآخرة من خير وجنات تجرى من تحتها الأنهار، ومن عمل عملا صالحا نال جزاءه موفورا.

4. ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ الفتيل: هو الخيط الدقيق الذي يكون في شق نواة التمر، وهو يضرب مثلا للقلة والتفاهة، والمعنى: إنه إذا كانت الآخرة خيرا من الدنيا وأبقى من متاعها، فإن طريق الآخرة هو الجهاد في سبيل الله، والقيام بطاعته، وإنكم ستنالون الجزاء الأوفى، ولا ينقص من أحد منكم أي قدر من جزائه، ولو كان قدرا ضئيلا لا تأبهون له في دنياكم، فإذا كان حرصكم هو الذي جعلكم تخشون القتال، وترجئونه، فإنه يجب أن يكون حرصكم كبيرا على ما هو أغلى وأعظم، وما هو مؤكد لا احتمال فيه.

5. لقد كان حرصهم وخوفهم من القتال؛ لأنهم يريدون الحياة ويخافون الموت، فبين لهم سبحانه أن الموت آت لا محالة، وأنه لا حق بهم أينما يكونوا: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ البروج جمع برج، وهو يطلق على الحصن المنيع، ويطلق على القصر العالى الذي لا يصل إليه أحد، ويبنى للملوك والكبراء لكيلا تصل إليهم الرعايا، مشيدة: أحكم بناؤها، وارتفعت، أو بنيت بالشيد، وهو الملاط القوى الذي تربط به اللبنات بعضها ببعض، ولقد قال طرفة بن العبد:

çكأنها برج رومى تكنفها...بان بشيد وآجر وأحجارé

ومعنى النص: إن كنتم تريدون بقعودكم عن الجهاد وطلب إرجائه أن ترجئوا الموت أو تطيلوا الحياة، فقد أخطأتم، فإنه حيثما كنتم يدرككم الموت ولو كنتم في أقوى الحصون، وأمنعها، وأحكمها بناء.

6. في التعبير بكلمة ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ إشارة إلى أن الموت كأنه يطلب الإنسان ويتبعه حيثما كان، وفي أي وقت كان، فهو طالب لا بد أن يدرك ولا بد أن يصل؛ لأنه حقيقة محتومة فإن فررتم منه فإنه ملاقيكم، فلا تفروا منه واطلبوا الحق ولو أدى إليه، وما أحسن ما قاله زهير بن أبى سلمى:

çومن هاب أسباب المنايا ينلنه‏...وإن يرق أسباب السماء بسلم‏é

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1771.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾، طلبوا المزيد في آجالهم رغبة في متاع الحياة.. وان اتجاههم هذا الى الله بتضرع وأسى ينبئ عن ايمانهم به.. وبديهة ان عصيان أمر الله بالموت لا يدل على الإلحاد، كما ان اختيار الموت على حياة الذل لا يدل على الإيمان بالله، فلقد رأينا الكثير من الملحدين يؤثرون الموت أحرارا على الحياة مع الظالمين، كما رأينا الكثير من المسلمين يوقعون صكوك الاذلال والاستعباد على أنفسهم وقومهم.

2. ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾، المراد بقليل هنا عدم البقاء، وسرعة الزوال، وكل متاع الدنيا الى زوال، بالاضافة الى انه مشوب بالهموم والمكاره.

3. ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾، الآخرة نهاية المطاف، والقليل من نعيمها خير من نعم الدنيا مجتمعة، كما ان القليل من عذابها أعظم من عذاب الدنيا بكامله، والعاقل هو الذي يؤثر العظيم الدائم، وان كان مؤجلا على الحقير الزائل وان كان معجلا.

4. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾، سبق نظيرها عند تفسير الآية 145 من سورة آل عمران.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/384.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ ظاهره أنه عطف على قوله‏: ﴿إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ﴾ وخاصة بالنظر إلى تغيير السياق من الفعل المضارع‏ ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ إلى الماضي‏ ﴿قَالُوا﴾ فالقائل بهذا القول هم الذين كانوا يتوقعون للقتال، ويستصعبون الصبر فأمروا بكف أيديهم، ومن الجائز أن يكون قولهم‏ ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ محكيا عن لسان حالهم كما من الجائز أن يكونوا قائلين ذلك بلسانهم الظاهر فإن القرآن يستعمل من هذه العنايات كل نوع.

2. توصيف الأجل الذي هو أجل الموت حتف الأنف بالقريب ليس المراد به أن يسألوا التخلص عن القتل، والعيش زمانا يسيرا بل ذلك تلويح منهم بأنهم لو عاشوا من غير قتل حتى يموتوا حتف أنفهم لم يكن ذلك إلا عيشا يسيرا وأجلا قريبا فما لله سبحانه لا يرضى لهم أن يعيشوا هذه العيشة اليسيرة حتى يبتليهم بالقتل، ويعجل لهم الموت؟ وهذا الكلام صادر منهم لتعلق نفوسهم بهذه الحياة الدنيا التي هي في تعليم القرآن متاع قليل يتمتع به ثم ينقضي سريعا ويعفى أثره، ودونه الحياة الآخرة التي هي الحياة الباقية الحقيقية فهي خير، ولذلك أجيب عنهم بقوله‏: ﴿قُلْ﴾

3. ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ أمر للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يجيب هؤلاء الضعفاء بما يوضح لهم خطأ رأيهم في ترجيح العيش الدنيوي اليسير على كرامة الجهاد والقتل في سبيل الله تعالى، ومحصله أنهم ينبغي أن يكونوا متقين في إيمانهم، والحياة الدنيا هي متاع يتمتع به قليل إذا قيس إلى الآخرة، والآخرة خير لمن اتقى فينبغي لهم أن يختاروا الآخرة التي هي خير على متاع الدنيا القليل لأنهم مؤمنون وعلى صراط التقوى، ولا يبقى لهم إلا أن يخافوا أن يحيف الله عليهم ويظلمهم فيختاروا لذلك ما بأيديهم من المتاع على ما يوعدون من الخير، وليس لهم ذلك فإن الله لا يظلمهم فتيلا.

4. ظهر بهذا البيان أن قوله تعالى: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ من قبيل وضع الصفة موضع الموصوف للدلالة على سبب الحكم، ودعوى انطباقه على المورد، والتقدير ـ والله أعلم ـ: والآخرة خير لكم لأنكم ينبغي أن تكونوا لإيمانكم أهل تقوى، والتقوى سبب للفوز بخير الآخرة فقوله‏: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ كالكناية التي فيها تعريض.

5. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ البروج‏ جمع برج وهو البناء المعمول على الحصون، ويستحكم بنيانه ما قدر عليه لدفع العدو به وعنه، وأصل معناه الظهور، ومنه التبرج بالزينة ونحوها، والتشييد الرفع، وأصله من الشيد وهو الجص لأنه يحكم البناء ويرفعه ويزينه فالبروج المشيدة الأبنية المحكمة المرتفعة التي على الحصون يأوي إليها الإنسان من كل عدو قادم.

6. الكلام موضوع على التمثيل بذكر بعض ما يتقى به المكروه، وجعله مثلا لكل ركن شديد تتقى به المكاره، ومحصل المعنى: أن الموت أمر لا يفوتكم إدراكه، ولو لجأتم منه إلى أي ملجإ محكم متين فلا ينبغي لكم أن تتوهموا أنكم لو لم تشهدوا القتال ولم يكتب لكم كنتم في مأمن من الموت، وفاته إدراككم فإن أجل الله لآت.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏5/7.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَقَالُوا﴾ لما كتب عليهم القتال ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ﴾ جهلاً منهم بحكمة الله في القتال وعظم فائدته في الدنيا والآخرة وعدم مبالاةٍ بالدين والدفاع عنه، وهذا لأن معنى: ﴿لِمَ كَتَبْتَ﴾ لأيِّ سببٍ كتبت.

2. وقولهم: ﴿لَوْلَا أَخَّرْتَنَا﴾ طلب إمهالهم في الحياة إلى أن يموتوا بآجالهم وهي قريبة، فهم حريصون على الحياة مدة قليلة طلبوا أن يسقط عنهم القتال حرصاً عليها وتقريبهم للأجل، وتقليلهم للمدة في هذا الدعاء دليل على جهلهم بقدرة الله وسهولة تعميرهم في هذه الحياة، فطلبوه كما يطلب المخلوق الشيء القليل ليسهل عليه إعطاء المطلوب.

3. ﴿قُلْ﴾ يا محمد: ﴿مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ﴾ لا ينبغي أن تجعلوه أكبر همكم ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ لما فيها من النعيم المقيم والملك الكبير فهي التي ينبغي أن تحرصوا عليها ﴿وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ ولا تنقصون من أجر الجهاد والعمل للآخرة شيئاً، والفتيل يضرب به المثل في القلة كما مر، وهو خيط صغير يكون في بطن نواة التمر، وفائدة قوله: ﴿لِمَنِ اتَّقَى﴾ دفع توهمهم أن الآخرة خير لهم على الإطلاق لو قال والآخرة خير، فبين: أن الآخرة ﴿خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ فإن اتقوا فهي خير لهم، وإلا فلا.

4. ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ أي يلحقكم فهو طالب لكم لا تفوتونه، وفي (مفردات الراغب الأصبهاني): (البروج: القصور، الواحد برج)، وفي تفسير الإمام زيد بن علي عليهما السلام ل ـ (غريب القرآن): (﴿فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ معناه: في حصون واحدها برج، والمشيدة: المطوّلة، والمشيد: المزيّن)، والأنسب للسياق أن المشيدة هنا بمعنى: المطولة؛ لزيادة حصانتها بالطول، وقد يقال: إن طلاءها بالشيد الذي هو الجص زيادة في قوّتها، وحصانتها من حيث أن المشيد يصعب الطلوع فيه من خارجه، فيأمن ساكنُه طلوعَ العدو من ظهر البرج، وعلى هذا: فيحمل على المعنيين لعدم التنافي ولمناسبة كل منهما، وهذه الجملة من الآية تذكير بالموت، وأنه لا ينفع الفرار منه؛ لأنه لا بد منه، وإذا لم يكن الحياد منه إلا لتأخيره مدة قليلة فهي لا تساوي فوات فريضة الجهاد وثوابها والتعرض لعذاب الله بمعصية أمره بالجهاد.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/113.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. دفعهم هذا الخوف إلى موقف ضعف مدمّر، عبروا به عن ضعف إيمانهم، في ابتهالهم إلى الله، في لهجة توحي بالعتاب أكثر مما توحي بالخشوع: ﴿وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ إن القتال يدفعنا إلى أن نفقد حياتنا في المعركة، ولكننا نحب الحياة ونريدها أن تستمر إلى الأجل المحتوم الطبيعي الذي جعلته لكل إنسان يعيش ويموت حتف أنفه، ولكن الله يريد أن يوقظ في أعماقهم روح الإيمان ومعناه وامتداده، ويفلسف لهم قصة الموت والحياة في نفس المؤمن ووعيه.

2. ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ إن الإيمان يمثل انفتاح الإنسان على الله بكل كيانه، فيحب ما أحبه الله، ويكره ما كرهه الله، ويختار ما أراده الله، ويجعل الحياة كلها رحلة في طريق الله، وعلى هذا فإن المؤمن يختار الموت في سبيل الله إذا اختار الله له ذلك، ويحب الحياة من أجل الله إذا اختار الله له ذلك، ثم ما معنى الارتباط بالدنيا؟ هل هو لتحصيل المتع والشهوات الحسية؟ فما عند الله خير، وذلك لما أعدّه للمتقين جزاء على أعمالهم الصالحة التي يثيبهم الله عليها من دون أن ينقص منها شيئا، فإذا وازن المؤمنون بين المتاع القليل في الدنيا، وبين ألطاف الله في الآخرة، فسيجدون أن متاع الدنيا لا يمثل شيئا.

3. وينطلق القرآن بأسلوب آخر يناقش فيه هذا الخوف من الموت الذي يدفعهم إلى الامتناع عن القتال، فإن ذلك لا ينجيهم من الموت، ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ فقد يموت الإنسان وهو في برج مشيّد، وقد ينجو منه وهو في قلب المعركة، لأن الإنسان مرهون بأجله الذي لا يتقدم ولا يتأخر ولو مقدار لحظة، ثم يتحدث عن بعض ملامح النظرة التي ينظر فيها البعض من هؤلاء أو من غيرهم إلى الرسول.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/362.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. نستنتج من الآيات السابقة واللاحقة أنّ هاتين الآيتين تقصدان مجموعة من المنافقين تسللوا إلى صفوف المسلمين، وقد قرأنا في الآيات السابقة أن هؤلاء قد أبدوا الخوف والقلق من المشاركة في مسئولية الجهاد، وقد ظهر عليهم الضجر والاستياء حين نزول حكم الجهاد، فردّ عليهم القرآن الكريم وأنبّهم لموقفهم هذا بقوله: ﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى﴾ موضحا أن الحياة بكل زخارفها سرعان ما تزول، وإنّ ما يناله المؤمنون الذين يخشون الله‏ ولا يعصونه من الخير والثواب هو خير من كل ما في هذه الدنيا من خيرات.

2. في هذا المقطع القرآني ردّ آخر على أولئك المنافقين، حيث بيّن أن الموت آتيهم يوما لا محالة، حتى إذا تحصنوا في قلاع عالية ومنيعة بحسب ظنّهم، وما دام الموت يدرك الإنسان بهذه الصورة أليس من الخير له أن يموت على طريق مثمر وصحيح كالجهاد!؟

3. ممّا يلفت الانتباه أنّ القرآن الكريم يطلق في مواقع متعددة اسم (اليقين) على الموت، كما في الآية من سورة الحجر، والآية من سورة المدثر ـ ومعنى هذه العبارة القرآنية هو أن الإنسان مهما كانت عقيدته ـ يؤمن بوجود الموت إيمانا لا يخامره فيه شك مطلقا، ومهما أنكر المرء من حقائق لا يستطيع إنكار الموت الذي يشهده بأم عينه أو يسمع عنه كل يوم، والإنسان الذي يحب الحياة ويخال أن الموت هو الفناء الذي لا حياة بعده أبدا يخاف من ذكر الموت ويفر من مظاهره.

4. الآيتان الأخيرتان تؤكدان حقيقة عدم جدوى الفرار من الموت، فهو يدرك الإنسان يوما ما لا محالة، وهو حقيقة قطعية يقينية في عالم الوجود، وعبارة ﴿يُدْرِكْكُمُ﴾ الواردة في الآية الأولى تعني الملاحقة، واللاحق هو الموت الذي يدرك الإنسان، وتوحي بأنّ الفرار لا ينقذ الإنسان من هذا المصير الحتمي.

5. وتؤكد الحقيقة المذكورة الآية الثّامنة من سورة الجمعة إذ تقول: ﴿قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلَاقِيكُمْ﴾، إذن ليس من العقل والمنطق أن يدرك الإنسان هذه الحقيقة ويفر بعد ذلك من ميدان الجهاد، ويحرم نفسه أشرف ميتة وهي الشهادة في سبيل الله، فيموت على فراشه فلو عاش الإنسان بعد فراره من الجهاد أيّاما أو شهورا أو سنوات لتكرر ما فعل ولتكررت أمامه المشاهد الماضية، فهل من العقل أن يحرم الإنسان نفسه‏ لأجل هذه المتكررات من الثواب الأبدي الذي يناله المجاهد في سبيل الله!؟

6. وهنا أمر ثان يجب الانتباه له في الآية الأولى من هاتين الآيتين، وهو عبارة ﴿بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ﴾ التي تؤكد أنّ الموت لا تحول دونه القلاع والحصون المنيعة العالية، والسرّ في هذا الأمر هو أنّ الموت الطبيعي لا يداهم الإنسان من خارج وجوده ـ خلافا لما يتصورون ـ ولا يحتاج إلى اجتياز القلاع والحصون، بل يأتي من داخل وجود الإنسان حيث تقف أجهزة الإنسان عن العمل بعد نفاذ قدرتها المحدودة على البقاء.

7. نعم، الموت غير الطبيعي يأتي الإنسان طبعا من خارج وجوده، وبذلك قد تنفع القلاع والحصون في تأخير هذا النوع من الموت عنه، ولكن ماذا ستكون النهاية والنتيجة؟ هل بمقدور القلاع والحصون أن تحول دون وصول الموت الطبيعي الذي سيدرك الإنسان ـ دون شك ـ في يوم من الأيّام!؟

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/335.

73. المصائب والتقدير الإلهي

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈73⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء: 78]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾، الحسنة والسيئة من عند الله، أما الحسنة فأنعم بها عليك، وأما السيئة فابتلاك الله بها(1).

2. روي أنّه قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾، الحسنة والسيئة من عند الله(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٤٠.

(2) ابن أبي حاتم ٣/١٠٠٩.

أبو العالية:

روي عن أبي العالية الرّياحيّ (ت 93 هـ) أنّه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، هذه في السراء والضراء(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٨.

البصري:

روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: ثم ذكر المنافقين خاصة، فقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾: النصر، والغنيمة(1).

__________

(1) تفسير ابن أبي زمنين ١/٣٨٨.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾، نعمة(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، مصيبة(2).

__________

(1) ابن المنذر (٢٠٢١.

(2) ابن المنذر (٢٠٢٣.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾، الحسنة: الخصب؛ تنتج خيولهم، وأنعامهم، ومواشيهم، وتحسن حالهم، وتلد نساؤهم الغلمان، قالوا: هذه من عند الله(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾، والسيئة: الجدب، والضرر في أموالهم، وتشاءموا بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، قالوا: هذه من عندك، يقولون: بتركنا ديننا، واتباع محمد أصابنا هذا البلاء، فأنزل الله تعالى: ‌‌﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾(2).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/١٠٠٨.

(2) ابن أبي حاتم ٣/١٠٠٩.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ثم أخبر سبحانه عن المنافقين؛ عبد الله بن أبي وأصحابه، فقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ ببدر، يعني: نعمة، وهي الفتح والغنيمة، يقول: هذه الحسنة من عند الله(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني: بلية، وهي القتل والهزيمة يوم أحد ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يا محمد، أنت حملتنا على هذا، وفي سببك كان هذا(2).

3. روي أنّه قال: فقال عز وجل لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ يعني: الرخاء، والشدة ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٩٠.

(2) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٩١.

ابن زيد:

روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ﴾ من عند محمد، أساء التدبير، وأساء النظر، ما أحسن التدبير ولا النظر(1).

2. روي أنّه قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾، النصر، والهزيمة(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٣٩.

الكاظم:

روي عن الإمام الكاظم (ت 183 هـ) أنّه قال: قال الله تبارك وتعالى: يا ابن آدم بمشيئتي كنت أنت الذي تشاء وتقول، وبقوتي أديت إلي فريضتي، وبنعمتي قويت على معصيتي، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذاك أني أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، وذاك أني لا اسأل عما أفعل، وهم يسألون(1).

__________

(1) تفسير العيّاشي 1/258.

الرضا:

روي عن الإمام الرضا (ت 203 هـ) أنّه قال: قال الله تبارك وتعالى: وأنت أولى بسيئاتك مني، عملت المعاصي بقوتي التي جعلت فيك(1).

__________

(1) تفسير العيّاشي 1/259.

الهادي إلى الحق:

ذكر الإمام الهادي إلى الحق (ت 298 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ومما يحتجون به قول الله سبحانه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾، فصدق الله عز وجل في قوله، غير أنهم لم يفهموا التأويل؛ لأنه يقول سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 7]، وليسوا من أولئك.. وإنما أراد الله عز وجل أن ينقض على الكفار قولهم؛ لأنه إنما كان الكفار إذا أصابهم مما يحبون من جميع الخير، مثل: الخصب، وزكاء الزرع، وكثرة النسل؛ ابتداء لهم من الله بالإحسان والمن، وتوكيدا للحجة عليهم والإنعام ـ قالوا: ﴿هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، وإذا أخذهم الله بشيء من فعلهم، وخبث نياتهم، وعظيم جرمهم، وإكذابهم لمحمد صلى الله عليه وآله، ولما جاءهم به، وابتلاهم الله بنقص الخصب، وقلة المطر، والزرع، والنسل ـ قالوا: (شؤم محمد ومن معه)؛ فأخبر الله سبحانه: أن هذه الزيادة والنقصان في جميع ما ذكرنا ـ من الله، فقال: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾

2. ثم شرح ذلك مبينا للخير: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 78 ـ 79]، يقول: ثواب من الله سبحانه لكم على ما كان من الطاعة، وخزي وعقاب منه سبحانه لكم على ما كان من أنفسكم من المعصية، والعمل القبيح، وترك الائتمار لأمره، فيقول: ما أصابكم من الزيادة فيه والصلاح، فمن نعم الله عليكم، وتفضله وإحسانه إليكم، وما أصابكم من نقصان ذلك وفساده فمن قبيح أعمالكم، وسوء نياتكم، وإصراركم على المعاصي، وإنما دخل عليكم من أنفسكم ـ لما فعلتم ما فعلتم، حتى وجب الشنآن عليكم بذلك الفعل من الله سبحانه؛ وهذا تفسير ما جهلوا من ذلك.

__________

(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/240.

الناصر للحق:

ذكر الإمام الناصر للحق (ت 304 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قالت المجبرة القدرية: إن كل خير وشر من طاعات الله ومعاصيه، ويسر الدنيا وعسرها، وغير ذلك ـ فمن الله، وفعله وخلقه؛ ويتعالى الله عن ذلك علوا كبيرا، واحتجوا لذلك من قولهم: بقول الله سبحانه: ﴿أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾

2. والخير والشر: خيران وشران في كتاب الله، فخير من الله: فذلك حسنة منه، وهو: ما ينعم الله به على عباده، من: الصحة، والخصب، واليسر، والغنى، والنصر، والغنائم، والرخاء، وغير ذلك من صنوف نعمه عليه؛ وشر وهو سيئة، وذلك فيما يبتلى الله به عباده، من: المرض، والمصائب، والقحط، والفقر، والعسر، والجراح، وغير ذلك، وقتل الأحباب وموتهم.

3. ومن هذا الشر: ما يكون عقوبة على صغائر ذنوب المؤمنين؛ قال الله جل ذكره: ﴿ما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير﴾، فهذه المصائب تكون في الدنيا تمحيصا للمؤمنين، ومحقا للكافرين، وقال تقدس ذكره: ﴿وَلِيُمَحِّصَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ﴾، وقد سمى هذه السيئات في كتابه شرا، فقال: ﴿إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا﴾، وقال: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾، وقال سبحانه: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، فكان أهل النفاق والشك إذا أصابهم مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حسنة وخير، ونصر وغنيمة، وخصب ويسر ـ قالوا: (هذا من عند الله)، وإذا أصابهم سيئة ومصيبة، وجراح وشدة وقحط، وما أشبه ذلك ـ قالوا: (هذه من عند محمد وبشؤمه)، وتطيروا به، كما فعل فرعون بموسى، فأنزل الله جل ذكره فيهم: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، فقال الله جل ذكره لمن تطير بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾

4. ولعمري إن المجبرة لم تفقه عن الله حديثه.. وحسنات أخر، وسيئات من خير وشر، وهي: أعمال العباد التي لم يفعلها الله، ولا يجوز أن يقولوا لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ما عملنا من المعاصي فمن عندك)، والتي بين الله جل ذكره حالها، وفرق بينها وبين الحسنات والسيئات ـ التي ذكرتها أولا ـ في محكم كتابه، ونسبها الى عباده العاملين لها دونه، فقال: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾، وقال: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا﴾، وقال: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ في أشباه لذلك؛ والحمد لله رب العالمين، على حكمته وبيانه، ولطفه وجميل إحسانه، وصلى الله على محمد وآله وسلم.

__________

(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/241.

المرتضى:

ذكر الإمام المرتضى بن الهادي (ت 310 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. سألت عن قول الله سبحانه: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، فقلت: مرة ينسبه إلى نفسه، ومرة ينسبه إلى العبد؟.. وهذا تفهيم من الله عز وجل، وتبيين لمن كان مع محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ وذلك أنه كان بعضهم إذا أصابتهم حسنة وغنيمة ونصر ـ قالوا: هذا من الله عز وجل، وإذا أصابتهم محنة نسبوها إلى نبيهم صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهذا كلام من كلام بعضهم يوم أحد؛ وذلك أنهم لما اشتوروا في قتال المشركين أشار بعضهم بقتالهم في المدينة، وأشار بعضهم بالخروج إليهم، وقالوا: (يا رسول الله، نخشى أن يطمع العدو فينا إذا قاتلنا بين الأزقة وحول القرية، ويظنوا أنا قد دخلنا منهم، أو ضعفنا عن الخروج إليهم)، وأشاروا بالخروج؛ فلما لبس صلّى الله عليه وآله وسلّم درعه، وتقلد سيفه وخرج وسار ساعة، قال له بعض من كان معه: (يا رسول الله، لو رجعت إلى المدينة، فقاتلنا بين أزقتها فهو أنصر لنا)، فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (قد أبيتم ذلك، وما كان لنبي إذا لبس لامته أن يضعها حتى تنقضي الحرب)، فسار ومن كان معه من المؤمنين، حتى قاتل أهل الشرك والنفاق، فلما عبأ العسكر جعل الرماة على جبلين من ورائه، وأمرهم أن لا يبرحوا من الموضع؛ خوفا منه صلى الله عليه أن يقتحم العدو عليهم من خلفهم، ويأتوا من الطريق التي جعل فيها الرماة مقابلة لهم، فلما أن هزم المشركين، ووقع المسلمون في غنائمهم ـ خلا الرماة الموضع الذي كانوا فيه، واستغاروا في طلب الغنيمة، فاستدارت خيل المشركين ومن كان معهم، فدخلوا على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من ورائه، ومن حيث كانت الرماة، فقتل من المسلمين ما قد علمت، وامتحنوا بمحنة عظيمة، جنتها عليهم أنفسهم بما كان من مخالفتهم، فلما أن رجعوا إلى المدينة قال بعضهم: (هذا منك يا محمد، قد كنا أردناك على القتال في المدينة، فغلبت)، فأخبرهم سبحانه عز وجل أنه ما أصابهم من النعمة، والفتح في أول النهار فمن الله، وما أصابهم من سيئة فمن أنفسهم؛ إذ خلوا مواقفهم، وراحوا عن مواضعهم، وتركوا ما أمرهم به نبيهم صلّى الله عليه وآله وسلّم، حتى وجد العدو مدخلا عليهم، من بعد أن أراهم الله ما يحبون.

2. أما قوله سبحانه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ فإنما ذلك معنى سوى هذا؛ يخبر عز وجل عن الحسنة والنعمة منه عليهم، والسيئة التي تنزل بهم، هو: ما يكافئهم الله به من فعلهم، وما أوجب عليهم من الحد والعقوبة، وما جعل في ذلك من الأحكام الشديدة، وقد يخرج في هذا وجه آخر: بما يصيبهم من القتل والجراح، فإنما ذلك لفرض الله عليهم؛ إذ تعبدهم به، وأمرهم بالقيام فيه؛ فهذا وجه المسألة وتفسيرها، والله أعلم سبحانه وتعالى علوا كبيرا، وقد قال بعض المفسرين: إن معنى ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، قالوا في ذلك: إنه ما كان من مطر وخصب فهو من عند الله، وما كان من قحط وجدب فهو منك، فقال الله عز وجل: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾، وليس التفسير عندي كما فسروا، والقول الأول الذي قلنا به هو الصواب عندنا، والله الموفق لكل خير وسداد.

__________

(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/243.

ابن إبراهيم:

ذكر علي بن إبراهيم (ت 329 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. سؤال وإشكال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يعني الحسنات والسيئات، ثم قال في آخر الآية ما ﴿أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فكيف هذا وما معنى القولين؟ فالجواب في ذلك: أن معنى القولين جميعا عن الصادقين (عليهم السلام) أنهم قالوا: الحسنات في كتاب الله على وجهين، والسيئات على وجهين:

أ. فمن الحسنات التي ذكرها الله الصحة، والسلامة، والأمن، والسعة في الرزق، وقد سماها الله حسنات، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يعني بالسيئة ها هنا المرض، والخوف، والجوع، والشدة ﴿يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي يتشأموا به.

ب. والوجه الثاني من الحسنات يعني به أفعال العباد، وهو قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ ومثله كثير، وكذلك السيئات على وجهين، فمن السيئات: الخوف، والجوع، والشدة، وهو ما ذكرناه في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ وعقوبات الذنوب فقد سماها الله سيئات، والوجه الثاني من السيئات يعني بها أفعال العباد التي يعاقبون عليها، وهو قوله: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾

2. وقوله: ﴿ما أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يعني ما عملت من ذنوب فعوقبت عليها في الدنيا والآخرة فمن نفسك بأعمالك، لأن السارق يقطع، والزاني يجلد ويرجم، والقاتل يقتل، وقد سمى الله تعالى العلل، والخوف، والشدة، وعقوبات الذنوب كلها سيئات، فقال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ بأعمالك، وقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ يعني الصحة، والعافية، والسعة، والسيئات التي هي عقوبات الذنوب من عند الله.

__________

(1) تفسير القمّي 1/144.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ معلوم أنهم لم يريدوا بالحسنة والسيئة حسنة في الدين وسيئة في دينهم، ولكن إنما أرادوا بالحسنة والسيئة في الدنيا من المنافع والبلايا والشدائد؛ وذلك أنهم ما كانوا يحزنون الدنيا من الخصب والسعة، وحزنهم بما يصيبهم من الضيق والشدة، وكانوا يتطيرون برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهكذا كان دأب الكفرة من قبل، كانوا يتطيرون بالأنبياء والرسل عليهم السلام كقوله عزّ وجل إخبارا عن قوم موسى صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 131]، وكقوله تعالى: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللَّهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ﴾ [النمل: 47]، وقال الله عزّ وجل: ﴿إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 131]؛ فعلى ذلك قولهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾؛ تطيرا منهم برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فقال تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي: بتقديره كان وقضائه، فضلا؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النحل: 53] وجزاء؛ كقوله عزّ وجل: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30] أي: ما أصابهم إنما أصابهم بسوء صنيعهم برسل الله صلى الله عليهم وسلم وتكذيبهم إياهم؛ كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]

2. وقوله عزّ وجل: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي: لا يفقهون ما لهم وما عليهم.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/266.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ والمراد بالحسنة النصرة وبالسيئة الهزيمة ويحتمل أن تكون بمعنى الرخاء واليؤس والخصب والجدب قوله: ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي تسويد أمرك وبالشؤم الذي لحقنا منك على وجه التطير ومثله قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 131]

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/187.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. 2. في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ في القائلين ذلك قولان:

أ. أحدهما: أنهم المنافقون، وهو قول الحسن.

ب. الثاني: اليهود، وهو قول الزجاج.

3. في الحسنة والسيئة هاهنا ثلاثة تأويلات:

أ. أحدها: البؤس والرخاء.

ب. الثاني: الخصب والجدب، وهو قول ابن عباس، وقتادة.

ج. الثالث: النصر والهزيمة، وهو قول الحسن، وابن زيد.

4. 5. في قوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ تأويلان:

أ. أحدهما: أي بسوء تدبيرك، وهو قول ابن زيد.

ب. الثاني: يعنون بالشؤم الذي لحقنا منك على جهة التطيّر به، وهذا قول الزجاج، ومثله قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 131]

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/509.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾:

أ. حكاية عن المنافقين، وصفة لهم، في قول الحسن، وأبي علي وأبي القاسم.

ب. وقال الزجاج: قيل: هو في صفة اليهود، وبه قال الفراء، وذلك أن اليهود، لما قدم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم المدينة، فكانوا إذا زكت ثمارهم، واخصبوا، قالوا هذا من عند الله، فإذا أجدبوا، وخاست ثمارهم، قالوا هذا لشؤم محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم.

2. في معنى الحسنة، والسيئة هاهنا قولان:

أ. قال ابن عباس، وقتادة، وأبو العالية: هو السراء والضراء والبؤس، والرخاء، والنعمة والمصيبة، والخصب، والجدب.

ب. وقال الحسن، وابن زيد: هو النصر، والهزيمة.

3. في قوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ قولان:

أ. أحدهما: قال ابن زيد: معناه بسوء تدبيرك.

ب. الثاني: قال الجبائي، والبلخي، والزجاج، أي بشؤمك الذي لحقنا كما حكي عن قوم موسى‏ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ فأمر الله تعالى نبيه أن يقول: إن جميع ذلك من عند الله، ثم قال ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾

4. ﴿فَمَالِ﴾ قال الفراء: (مال) كثرت في الكلام حتى توهموا أن اللام متصلة بما، وانها حرف واحد، ففصلوا اللام بما خفضت في بعض المواضع، ووصلوها في بعض المواضع، والاتصال الوجه، والوقف على اللام، لا يجوز، لأنها لام الخفض.

5. المعنى أي شيء لهؤلاء القوم، لا يفقهون حديثاً، أي لا يفهمون معناه، تقول: فقه الرجل يفقه فقهاً والاسم الفقيه: وصار بعرف الاستعمال علماً على علم الفقهاء من علوم الدين، وفقه الرجل يفقه فقهاً: إذا صار فقيهاً، وأفقهته: أفهمته والتفقه: تعلم الفقه وتفاقه: إذا تعاطى ليرى انه فقيه، وليس هو كذلك، ومثله تعالم وقيل: معنى الحديث هاهنا القرآن.

6. ﴿لَا يَكَادُونَ﴾ معناه لا يقاربون فيه معنى الحديث الذي هو القرآن، لأنهم بعيدون منه باعراضهم عنه، وكفرهم به ولا يفهمون ان ما ذكرناه من السراء، والضراء، والشدة والرخاء على ما وصفناه.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/265.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الفقه: الفهم من قولك فقه فقهًا، والاسم منه الفقيه، ثم صار في العرف علمًا لعلم الفتيا من علوم الدين، والتفقه: تعلم الفقه، وتفاقه: تعاطى ليرى أنه فقيه وليس كذلك، والأسماء ثلاثة: لغوي، وعرفي، وشرعي، فاللغوي: ما وضع في اللغة لشيء فهو حقيقة فيه، ثم يستعمل فيما لم يوضع له فيكون مجازًا، والعرفي: ما تعورف استعماله في شيء حتى صار كالحقيقة فيه، والشرعي: ما نقل بالشرع عن اللغة إلى شيء، أو ابتداء وضعه كالصلاة والزكاة، فإذا ورد الاسم فالأولى حمله على الشرعي، ثم على العرفي، ثم على اللغة.

2. قيل في سبب نزول الآية الكريمة: نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنهم لما قدم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المدينة قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل، فأنزل الله تعالى هذه الآية والتي بعدها عن ابن عباس.

3. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ أي تنالهم:

أ. قيل: هم المنافقون يصيبهم ذلك عن الحسن وأبي علي وأبي القاسم.

ب. وقيل: هم اليهود عن الزجاج.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾:

أ. قيل: الحسنة والسيئة والسراء والضراء، والبؤس والرخاء، والنعمة والمصيبة، والخصب والجدب عن ابن عباس وقتادة وأبي العالية.

ب. وقيل: النصر والهزيمة عن الحسن وابن زيد، وجوز الوجهين الأصم وأبو مسلم.

5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾:

أ. قيل: بسوء تدبيرك عن ابن زيد.

ب. وقيل: بالشؤم الذي لحقنا بك قالوه على جهة التطير عن الزجاج وأبي علي وأبي القاسم والأصم وأبي مسلم كقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾

6. ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿كُلِّ﴾ يعني ما مضى ذكره من الموت والحياة والخصب والجدب ونحوها ﴿مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ لا يقدر عليه أحد سواه فهو خالقها وفاعلها ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ﴾ يعني ما شأن هَؤُلَاءِ المنافقين ﴿الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾:

أ. قيل: لا يكادون يعلمون حقيقة ما يخبرهم به من أنه من عند الله عن أبي علي.

ب. وقيل: قد أخبرتهم بأنهم هزموا وقتلوا وهزموا فلا يفقهون ذلك، ويقبلون بعلل السفهاء عن الأصم.

ج. وقيل: لا يفقهون كتاب الله وما يقص عليهم عن أبي مسلم.

د. وقيل: لا يقبلون ما يقال لهم.

7. تدل الآية الكريمة على أن الموت والحياة والخصب والجدب ونحو ذلك كله فعل الله تعالى، خلاف ما يقول المجوس: إن الحياة من الله والموت من الشيطان، وكذلك الخصب والجدب والليل والنهار ونحوها، ولا تعلق للمجبرة بهذه الآية في الطاعة والمعصية؛ لأنه لم يَجْرِ لهما ذكر، ولأن ابن عباس حكى في سبب نزوله ما يمنع حمله على ذلك، ولأن أحدًا لا يقول: إن المعصية من الرسول، وإنما قالوا في الجدب: فإنه بسوء تدبيره تطيرًا به على ما بينا.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/713

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الفقه: الفهم، يقال: فقه الرجل يفقه فقها، والاسم الفقيه، وصار بعرف الاستعمال علما على علم الفقهاء من علوم الدين، وفقه الرجل يفقه فقاهة: إذا صار فقيها، والتفقه: تعلم الفقه.

2. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ اختلف في من حكى عنهم هذه المقالة:

أ. فقيل: هم اليهود، قالوا: ما زلنا نعرف النقص في أثمارنا، ومزارعنا منذ قدم علينا هذا الرجل، عن الزجاج، والفراء، فعلى هذا يكون معناه: وإن أصابهم خصب ومطر، قالوا: هذا من عند الله، وإن أصابهم قحط وجدب، قالوا: هذا من شؤم محمد كما حكى عن قوم موسى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ ذكره البلخي، والجبائي، وهو المروي عن الحسن، وابن زيد.

ب. وقيل: هم المنافقون: عبد الله بن أبي، وأصحابه، الذين تخلفوا عن القتال يوم أحد، وقالوا للذين قتلوا في الجهاد: لو كانوا عندنا ما ماتوا، وما قتلوا، فعلى هذا يكون معناه: إن يصبهم ظفر وغنيمة، قالوا: هذا من عند الله، وإن يصبهم مكروه وهزيمة، قالوا: هذه من عندك يا محمد، بسوء تدبيرك، وهو المروي عن ابن عباس، وقتادة.

ج. وقيل: هو عام في اليهود والمنافقين، وهو الأصح.

د. وقيل: هو حكاية عمن سبق ذكره قبل الآية، وهم الذين يقولون ربنا لم كتبت علينا القتال، وتقديره: وإن تصب هؤلاء حسنة، يقولوا: هذه من عند الله ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾

3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾:

أ. قال ابن عباس، وقتادة: الحسنة والسيئة: السراء والضراء، والبؤس والرخاء، والنعم والمصيبة، والخصب والجدب.

ب. وقال الحسن، وابن زيد: هو القتل والهزيمة، والظفر والغنيمة.

4. ﴿قُلْ﴾ يا محمد ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾: أي جميع ما مضى ذكره من الموت والحياة، والخصب والجدب، من عند الله، وبقضائه وقدره، ولا يقدر أحد على رده ودفعه، ابتلى بذلك عباده ليعرضهم لثوابه بالشكر عند العطية، والصبر على البلية.

5. ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾: أي ما شأن هؤلاء المنافقين ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾:

أ. قيل: أي لا يقربون فقه معنى الحديث الذي هو القرآن، لأنهم يبعدون منه بإعراضهم عنه، وكفرهم به.

ب. وقيل: معناه لا يفقهون حديثا: أي لا يعلمون حقيقة ما يخبرهم به أنه من عند الله من السراء والضراء، على ما وصفناه.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/122.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي إن يصب المنافقين خصب قالوا: هذا من عند الله، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ أي جدب ومحل قالوا: هذا من عندك، أي أصابنا ذلك بشؤمك وشؤم أصحابك، وقيل: الحسنة السلامة والأمن، والسيئة الأمراض والخوف، وقيل: الحسنة الغنى، والسيئة الفقر، وقيل: الحسنة النعمة والفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة البلية والشدة والقتل يوم أحد، وقيل: الحسنة السراء، والسيئة الضراء، هذه أقوال المفسرين وعلماء التأويل ـ ابن عباس وغيره ـ في الآية، وأنها نزلت في اليهود والمنافقين، وذلك أنها لما قدم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم المدينة عليهم قالوا: ما زلنا نعرف النقص في ثمارنا ومزار عنا مذ قدم علينا هذا الرجل وأصحابه.

2. قال ابن عباس: ومعنى ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي بسوء تدبيرك، وقيل: ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ بشؤمك، كما ذكرنا، أي بشؤمك الذي لحقنا، قالوه على جهة التطير.

3. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ أي الشدة والرخاء والظفر والهزيمة من عند الله، أي بقضاء الله وقدره، ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ يعني المنافقين ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي ما شأنهم لا يفقهون أن كلا من عند الله.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/285.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ﴾ أي: اليهود، ولو لم يجر لهم ذكر، والدليل الحال؛ لأنَّ اليهود قالوا: نقصت ثمارنا، وغلت أسعارنا حين قدم محمَّد وأصحابه، فنزلت الآية، كما قال في أوائلهم: ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَـيِّـئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى﴾ إلخ [الأعراف: 131]، أو الضمير لليهود والمنافقين، ولو لم يجر لهم ذكر كذلك، إذ قحطوا حين قدم صلّى الله عليه وآله وسلّم المدينة، فالواضح أنَّها نزلت فيهم وفي اليهود معًا، إذ تشاءموا به في القحط حين قدم المدينة، وقيل: في ابن أُبَيِّ ومن معه من المنافقين، إذ قالوا لوقعة أحد: ﴿لَوْ كَانُواْ عِندَنَا مَا مَاتُواْ وَمَا قُتِلُواْ﴾ [آل عمران: 156]

2. ﴿حَسَنَةٌ﴾ نعمة، وأمَّا الحسنة بمعنى الطَّاعة فلا يقال فيها أصابتني، بل أصبتُها؛ لأنَّ الإنسان يأتيها هو ولا تأتيه هي، ﴿يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللهِ﴾، وهو كلام حقٍّ إلَّا أنَّهم أخطؤوا في قولهم الذي ذكره بقوله:

3. ﴿وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ بليَّة، كنقص الثمار وغلاء الأسعار، كما وقع عند هجرة النبيِّ صلّى الله عليه وآله وسلّم وأصحابه، وأمَّا السيِّئة بمعنى المعصية فيقال: أصبتها لا أصابتني؛ لأنَّ فاعلها هو يجيئها لا هي، ﴿يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ﴾

4. وتمَّ الردُّ عليهم عند قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾؛ لأنَّها من الله خَلْقًا لا منه صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولأنَّها ليست من شؤمه صلّى الله عليه وآله وسلّم إذ لا شؤم له حاشاه، بل هو واسطة للبلاء بشؤمهم، وذلك كلُّه ظاهر غاية الظهور؛ ولهذا قال الله تعالى بعد قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ﴾ من الحسنة والسيِّئة ﴿مِنْ عِندِ اللهِ﴾ خلقًا، والحسنة منه فضل، والسيِّئة بشؤم ذنوبهم ما نصُّه.

5. ﴿فَمَالِ هَؤُلَآءِ الْقَوْمِ﴾ اليهود والمنافقين! تعجيب، ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ قولاً يلقى إليهم، كأنَّهم بهائم، ما قربوا من أن يفهموا فضلاً عن أن يتَّصفوا بأنَّهم فاهمون، والإنسان إمَّا فاهم وإمَّا قريب من الفهم، ثمَّ فهم أو لم يفهم، وإمَّا بعيد من الفهم ثمَّ فهم أو لم يفهم، وهؤلاء بعدوا عن الفهم ولم يفهموا بعدُ، أو الحديث: ما نزل من القرآن، أو كلام جاء من عند الله مطلقًا، أو الحديث: صروف الدهر المنبئة بأنَّ الله تعالى هو خالقها، وليس المراد بالحسنة والسيِّئة فعل الطاعة والمعصية، فضلاً عن أن نستدلَّ بقوله: ﴿كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾ على أنَّ أفعالنا خلق من الله، ولو كانت خلقًا لدلائل لا خلقًا لفاعلها، والجملة حال من (هَؤُلَاءِ)

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/231.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ذكر الله تعالى شأنا آخر من شؤونهم يشبهه في الدلالة على مرض القلب والعقل فقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ الحسنة ما يحسن عند صاحبه كالرخاء والخصب والظفر والغنيمة، كانوا يضيفون الحسنة إلى الله تعالى لا بشعور التوحيد الخالص بل غرورا بأنفسهم، وزعما منهم أن الله أكرمهم بها عناية بهم، وهروبا من الإقرار بأن شيئا من ذلك أثر ما جاءهم به الرسول من الهداية، وما حاطهم به من التربية والرعاية، ولذلك كانوا ينسبون إليه السيئة وهو صلّى الله عليه وآله وسلّم بريء من أسبابها، دع إيجادها وإيقاعها، وذلك قولهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ والسيئة ما يسوء صاحبه كالشدة والبأساء والضراء والهزيمة والجرح والقتل، كان المنافقون والكفار من اليهود وغيرهم إذا أصاب الناس في المدينة سيئة بعد الهجرة يقولون هذا من شؤم محمد.

2. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ قل أيها الرسول إن كلا من الحسنة والسيئة من عند الله لوقوعها في ملكه على حسب سننه في نظام الأسباب والمسببات.

3. ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي فما بال هؤلاء القوم وماذا أصاب عقولهم حال كونها بمعزل عن الغوص في أعماق الحديث وفهم مقاصده وأسراره فهم لا يعقلون حقيقة حديث يلقونه ولا حقيقة حديث يلقى إليهم قط وإنما يأخذون بما يطفو من المعنى على ظاهر اللفظ بادي الرأي، والفقه معرفة مراد صاحب الحديث من قوله وحكمته فيه من العلة الباعثة عليه والغائبة له، وإذا كانوا قد فقدوا هذا الفقه وحرموه من كل حديث، فأجدر بهم أن يحرموه من حديث يبلغه الرسول عن وحي ربه في حقيقة التوحيد ونظام الاجتماع وسنن الله في الأسباب والمسببات، فهذه المعارف العالية لا تنال إلا بفضل الروية وذكاء العقل وطول التدبر، ومن نالها لا يقول بأن سيئة تقع بشؤم أحد، وإنما يسند كل شيء إلى السبب، أو إلى واضع الأسباب والسنن، ولكل مقام مقال.

4. وفيه أنه يجب على العاقل الرشيد أن يطلب فقه القول دون الظواهر الحرفية، فمن اعتاد الأخذ بما يطفو من هذه الظواهر دون ما رسب في أعماق الكلام وما تغلغل في أنحائه وأحنائه يبقى جاهلا غبيا طول عمره.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/267.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ﴾ اختلفوا فيهم على ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: أنهم المنافقون واليهود، قاله ابن عباس.

ب. الثاني: المنافقون، قاله الحسن.

ج. الثالث: اليهود، قاله ابن السّري.

2. في الحسنة والسّيئة قولان:

أ. أحدهما: أنّ الحسنة: الخصب، والمطر، والسّيئة: الجدب، والغلاء، رواه أبو صالح، عن ابن عباس.

ب. الثاني: أن الحسنة: الفتح والغنيمة، والسّيئة: الهزيمة والجراح، ونحو ذلك، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس.

3. في قوله تعالى: ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ قولان:

أ. أحدهما: بشؤمك، قال ابن عباس.

ب. الثاني: بسوء تدبيرك، قاله ابن زيد.

4. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ قال ابن عباس: الحسنة والسّيئة، أما الحسنة، فأنعم بها عليك، وأمّا السّيئة، فابتلاك بها، قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ وقف أبو عمرو، والكسائيّ على الألف من (فما) في قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ و﴿مَالِ هَذَا الْكِتَابِ﴾ و﴿مَالِ هَذَا الرَّسُولِ﴾ و﴿فَمَالِ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، والباقون وقفوا على اللام، فأمّا (الحديث)، فقيل: هو القرآن، فكأنه قال لا يفقهون القرآن، فيؤمنون به، ويعلمون أن الكلّ من عند الله.

__________

(1) زاد المسير: 1/436.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في علاقة الآية الكريمة بما قبلها وجهان:

أ. لما حكى الله تعالى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد خائفين من الموت غير راغبين في سعادة الآخرة حكى عنهم في هذه الآية خصلة أخرى قبيحة أقبح من الأولى.

ب. وفي النظم وجه آخر، وهو أن هؤلاء الخائفين من الموت المتثاقلين في الجهاد من عادتهم أنهم إذا جاهدوا وقاتلوا فان أصابوا واحدة وغنيمة قالوا: هذه من عند الله، وإن أصابهم مكروه قالوا: هذا من شؤم مصاحبة محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وهذا يدل على غاية حمقهم وجهلهم وشدة عنادهم.

2. ذكروا في الحسنة والسيئة وجوها:

أ. الأول: قال المفسرون: كانت المدينة مملوءة من النعم وقت مقدم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فلما ظهر عناد اليهود ونفاق المنافقين أمسك الله عنهم بعض الإمساك كما جرت عادته في جميع الأمم، قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ﴾ فعند هذا قال اليهود والمنافقون: ما رأينا أعظم شؤما من هذا الرجل، نقصت ثمارنا وغلت أسعارنا منذ قدم، فقوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يعني الخصب ورخص السعر وتتابع الأمطار قالوا: هذا من عند الله‏ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ جدب وغلاء سعر قالوا هذا من شؤم محمد، وهذا كقوله تعالى: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 131] وعن قوم صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: 47].. قال القاضي: هذا القول هو المعتبر لأن اضافة الخصب والغلاء إلى الله وكثرة النعم وقلتها إلى الله جائزة، أما إضافة النصر والهزيمة إلى الله فغير جائزة، لأن السيئة إذا كانت بمعنى الهزيمة والقتل لم يجز إضافتها إلى الله، وأقول: القول كما قال على مذهبه، أما على مذهبنا فالكل داخل في قضاء الله وقدره.

ب. الثاني: المراد من الحسنة النصر على الأعداء والغنيمة، ومن السيئة القتل والهزيمة.

3. السيئة تقع على البلية والمعصية، والحسنة على النعمة والطاعة قال تعالى: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الأعراف: 168] وقال: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114]، وقوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ يفيد العموم في كل الحسنات، وكذلك قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ يفيد العموم في كل السيئات، ثم قال بعد ذلك: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فهذا تصريح بأن جميع الحسنات والسيئات من الله، ولما ثبت بما ذكرناه أن الطاعات والمعاصي داخلتان تحت اسم الحسنة والسيئة كانت الآية دالة على أن جميع الطاعات والمعاصي من الله وهو المطلوب.

4. سؤال وإشكال: المراد هاهنا بالحسنة والسيئة ليس هو الطاعة والمعصية، ويدل عليه وجوه:

أ. الأول: اتفاق الكل‏ على أن هذه الآية نازلة في معنى الخصب والجدب فكانت مختصة بهما.

ب. الثاني: أن الحسنة التي يراد بها الخير والطاعة لا يقال فيها أصابتني، إنما يقال أصبتها، وليس في كلام العرب أصابت فلانا حسنة بمعنى عمل خيرا، أو أصابته سيئة بمعنى عمل معصية، فعلى هذا لو كان المراد ما ذكرتم لقال ان أصبتم حسنة.

ج. الثالث: لفظ الحسنة واقع بالاشتراك على الطاعة وعلى المنفعة، وهاهنا أجمع المفسرون على أن المنفعة مرادة، فيمتنع كون الطاعة مرادة، ضرورة أنه لا يجوز استعمال اللفظ المشترك في مفهوميه معا.

5. الجواب عما ذكروه:

أ. عن الأول: أنكم تسلمون أن خصوص السبب لا يقدح في عموم اللفظ.

ب. عن الثاني: أنه يصح أن يقال: أصابني توفيق من الله وعون من الله، وأصابه خذلان من الله، ويكون مراده من ذلك التوفيق والعون تلك الطاعة، ومن الخذلان تلك المعصية.

ج. عن الثالث: أن كل ما كان منتفعا به فهو حسنة، فان كان منتفعا به في الآخرة فهو الطاعة، وإن كان منتفعا به في الدنيا فهو السعادة الحاضرة، فاسم الحسنة بالنسبة إلى هذين القسمين متواطئ الاشتراك، فزال السؤال.

6. ظاهر الآية يدل على ما ذكرناه، ومما يدل على أن المراد ليس إلا ذاك ما ثبت في بدائه العقول أن كل موجود فهو إما واجب لذاته، وإما ممكن لذاته، والواجب لذاته واحد وهو الله سبحانه وتعالى، والممكن لذاته كل ما سواه، فالممكن لذاته إن استغنى عن المؤثر فسد الاستدلال بجواز العالم وحدوثه على وجود الصانع، وحينئذ يلزم نفي الصانع، وإن كان الممكن لذاته محتاجا إلى المؤثر، فإذا كان كل ما سوى الله ممكنا كان كل ما سوى الله مستندا إلى الله، وهذا الحكم لا يختلف بأن يكون ذلك الممكن ملكا أو جمادا أو فعلا للحيوان أو صفة للنبات، فان الحكم لا ستناد الممكن لذاته إلى الواجب لذاته لما بينا من كونه ممكنا كان الكل فيه على السوية، وهذا برهان أوضح وأبين من قرص الشمس على أن الحق ما ذكره تعالى، وهو قوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾

7. ثم قال تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ لما كان البرهان الدال على أن كل ما سوى الله مستندا إلى الله على الوجه الذي لخصناه في غاية الظهور والجلاء، قال تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ وهذا يجري مجرى التعجب من عدم وقوفهم على صحة هذا الكلام مع ظهوره، قال المعتزلة ـ ومن وافقهم ـ: بل هذه الآية دالة على صحة قولنا، لأنه لو كان حصول الفهم والمعرفة بتخليق الله تعالى لم يبق هذا التعجب معنى ألبتة، لأن السبب في عدم حصول هذه المعرفة هو أنه تعالى ما خلقها وما أوجدها، وذلك يبطل هذا التعجب، فحصول هذا التعجب يدل على أنه إنما تحصل بإيجاد العبد لا بإيجاد الله تعالى.. وهذا الكلام ليس إلا التمسك بطريقة المدح والذم، وقد ذكرنا أنها معارضة بالعلم.

قال المعتزلة ـ ومن وافقهم ـ: أجمع المفسرون على أن المراد من قوله: ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أنهم لا يفقهون هذه الآية المذكورة في هذا الموضع، وهذا يقتضي وصف القرآن بأنه حديث، والحديث فعيل بمعنى مفعول، فيلزم منه أن يكون القرآن محدثا، والجواب: مرادكم بالقرآن ليس إلا هذه العبارات، ونحن لا ننازع في كونها محدثة.

8. الفقه: الفهم، يقال أوتى فلانا فقها، ومنه‏ قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم لا بن عباس: (فقهه في التأويل) أي فهمه.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/146.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ هذا وما بعده مختص بالمنافقين، أي: إن تصبهم نعمة نسبوها إلى الله تعالى، وإن تصبهم بلية ونقمة نسبوها إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

2. فردّ الله ذلك عليهم بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ليس كما تزعمون، ثم نسبهم إلى الجهل وعدم الفهم فقال: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي: ما بالهم هكذا.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/565.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. لما حكى الله تعالى عن المنافقين كونهم متثاقلين عن الجهاد، خائفين من الموت، غير راغبين في سعادة الآخرة، أتبع ذلك بخلّة لهم أشنع، بقوله سبحانه‏ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ كخصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحوها ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي من قبله، لما علم فينا الخير ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ كقحط وجدب، وغلاء السعر، ونقص في الزروع والثمار، وموت أولاد ونتاج، ونحو ذلك‏ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ يعنون: من شؤمك، كما قال تعالى عن قوم فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 131]، وعن قوم صالح: ﴿قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ﴾ [النمل: 47]

2. قال أبو السعود: فأمر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن يرد زعمهم الباطل ويرشدهم إلى الحق ويلقمهم الحجر، ببيان إسناد الكل إليه تعالى على الإجمال، إذ لا يجترءون على معارضة أمر الله عز وجل حيث قيل‏ ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي كل واحدة من النعمة والبلية من جهة الله تعالى، خلقا وإيجادا، من غير أن يكون لي مدخل في وقوع شيء منها بوجه من الوجوه كما تزعمون، بل وقوع الأولى منه تعالى بالذات تفضلا، ووقوع الثانية بواسطة ذنوب من ابتلى بها عقوبة، كما سيأتي بيانه، فهذا الجواب المجمل في معنى ما قيل، ردّا على أسلافهم من قوله تعالى: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ﴾، أي إنما سبب خيرهم وشرهم، أو سبب إصابة السيئة التي هي ذنوبهم، عند الله تعالى لا عند غيره، حتى يسندوها إليه ويطيّروا به.

3. ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ﴾ يعني المنافقين‏ ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي قولا، والجملة اعتراضية مسوقة لتعييرهم بالجهل وتقبيح حالهم والتعجب من كمال غباوتهم، إذ لو فقهوا شيئا لعلموا مما يوعظون به، أن الله هو القابض الباسط، وأن النعمة منه تعالى بطريق التفضل والإحسان، والبلية بطريق العقوبة على ذنوب العباد.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/230.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ذكر سبحانه شأنا آخر من شؤونهم أشد دلالة على الحمق وضعف العقل ومرض القلب فقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي إن أصابهم رخاء ونعمة قالوا إن الله أكرمهم بها عناية بهم وليس لهداية الرسول أثر في ذلك، وإن أصابهم شدة وجهد قالوا هذا من شؤم محمد علينا، وهذه مقالة اليهود والمنافقين حين قدم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم المدينة وأصابهم القحط والجدب، وهذا زعم باطل منهم، فكل من النعمة والبلية من عند الله خلقا وإيجادا يقع في ملكه بحسب السنن التي وضعها والأسباب والمسببات التي أوجدها.

2. ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي ماذا أصاب هؤلاء القوم وما ذا دهاهم في عقولهم؟ فهم لا يعقلون حقيقة ما يلقونه من الحديث ولا ما يلقى إليهم، وإنما يأخذون بما يطفو من المعنى بادئ الرأي دون تمحيص ولا تحقيق، وإذا كانوا قد حرموا هذا الفقه من كل حديث، فما أحراهم أن يحرموه من حديث يبلغه الرسول عن ربه في الإخبار عن نظم الاجتماع وارتباط الأسباب بالمسببات، وعما أحاط الله به المصطفين الأخيار من وافر الفضل وخصهم به من جميل الرعاية، فتلك الحكم العالية لا تنال إلا بفضل الروية وطول الأناة والتدبير، ومن وصل إلى هذا القدر من الفهم لا يقول إن السيئة لا تقع بشؤم أحد، بل ينسب كل شيء إلى سببه.

3. في الآية إيماء إلى أن حصيف الرأي يجب أن يطلب فقه القول دون الأخذ بالجمل والظواهر، إذ من قنع بذلك بقي في عماية ويظل طوال دهره غرّا جاهلا بما يحيط به من نظم هذا العالم.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/97.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بهذا ربما ينتهي الحديث عن تلك الطائفة من المهاجرين، ويبدأ الحديث عن طائفة أخرى من الطوائف المنبثة في المجتمع الإسلامي، والتي يتألف منها الصف المسلم ومن سواها.. هذا وإن كان السياق لا انقطاع فيه، ولا فصل، ولا وقفة تنبئ بأن الحديث الآتي عن طائفة أخرى، وأن الحديث عن هذه الطائفة قد انتهى، لكننا نمضي مع الاعتبارات التي أسلفناها: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾

2. إن الذين يقولون هذا القول، وينسبون ما يصيبهم من الخير إلى الله، وما يصيبهم من الضر إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم يحتمل فيهم وجوه:

أ. الأول: أنهم يتطيرون بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيظنونه ـ حاشاه ـ شؤما عليهم، يأتيهم السوء من قبله، فإن أجدبت السنة، ولم تنسل الماشية، أو إذا أصيبوا في موقعة؛ تطيروا بالرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم فأما حين يصيبهم الخير فينسبون هذا إلى الله!

ب. الثاني: أنهم يريدون عامدين تجريح قيادة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم تخلصا من التكاليف التي يأمرهم بها، وقد يكون تكليف القتال منها ـ أو أخصها ـ فبدلا من أن يقولوا: إنهم ضعاف يخشون مواجهة القتال، يتخذون ذلك الطريق الملتوي الآخر! ويقولون: إن الخير يأتيهم من الله، وإن السوء لا يجيئهم إلا من قبل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ومن أوامره، وهم يعنون بالخير أو السوء النفع أو الضر القريب الظاهر!

ج. الثالث: هو سوء التصور فعلا لحقيقة ما يجري لهم وللناس في هذه الحياة، وعلاقته بمشيئة الله، وطبيعة أوامر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لهم؛ وحقيقة صلة الرسول بالله سبحانه وتعالى، وهذا الوجه إذا صح ـ ربما يكون قابلا لأن يوسم به ذلك الفريق من المهاجرين الذين كان سوء تصورهم لحقيقة الموت والأجل، يجعلهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، ويقولون: ﴿رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾.. غير أننا ما نزال نميل إلى اعتبار المتحدث عنهم هنا طائفة أخرى.. تجتمع فيها تلك الأوجه كلها أو بعضها، وهذا الوجه الثالث منها.

3. إن القضية التي تتناولها هذه الآيات، هي جانب من قضية كبيرة.. القضية المعروفة في تاريخ الجدل والفلسفة في العالم كله باسم (قضية القضاء والقدر) أو (الجبر والاختيار).. وقد وردت في أثناء حكاية ذلك الفريق من الناس؛ ثم في الرد عليهم، وتصحيح تصورهم، والقرآن يتناولها ببساطة واضحة لا تعقيد فيها ولا غموض، فلنعرضها كما وردت وكما رد عليها القرآن الكريم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾:

أ. إن الله هو الفاعل الأول، والفاعل الواحد، لكل ما يقع في الكون، وما يقع للناس، وما يقع من الناس، فالناس يملكون أن يتجهوا وأن يحاولوا، ولكن تحقق الفعل ـ أي فعل ـ لا يكون إلا بإرادة من الله وقدر، فنسبة إنشاء الحسنة أو إنشاء السيئة، وإيقاعها بهم، للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو بشر منهم مخلوق مثلهم ـ نسبة غير حقيقية؛ تدل على عدم فقههم لشيء ما في هذا الموضوع.

ب. إن الإنسان قد يتجه ويحاول تحقيق الخير؛ بالوسائل التي أرشد الله إلى أنها تحقق الخير، ولكن تحقق الخير فعلا ينم بإرادة الله وقدره، لأنه ليست هناك قدرة ـ غير قدرة الله ـ تنشئ الأشياء والأحداث وتحقق ما يقع في هذا الكون من وقائع، وإذن يكون تحقق الخير ـ بوسائله التي اتخذها الإنسان وباتجاه الإنسان وجهده ـ عملا من أعمال القدرة الإلهية.

ج. وإن الإنسان قد يتجه إلى تحقيق السوء، أو يفعل ما من شأنه إيقاع السوء، ولكن وقوع السوء فعلا، ووجوده أصلا، لا يتم إلا بقدرة الله وقدر الله، لأنه ليس هناك قدرة منشئة للأشياء والأحداث في هذا الكون غير قوة الله.

د. وفي الحالتين يكون وجود الحدث وتحققه من عند الله.. وهذا ما تقرره الآية الأولى.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/718.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ هو تنديد لهؤلاء الجبناء الفارّين من وجه الموت، وفضح لموقفهم المنحرف من الرسول، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.. وتلك قوله حق‏ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ وتلك رمية باطل وضلال، فما فيما جاءهم به الرسول ودعاهم إليه، إلّا الخير الخالص، لو أنهم استقاموا على الطريق الذي أقامهم عليه.

2. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ هو الردّ المفحم على تلك التهمة الظالمة التي توجّه بها هؤلاء السفهاء إلى النبىّ.. إنه لا يملك شيئا، الأمر كله بيد الله.. فما أصابهم من خير أو شرّ فذلك بقدر مقدور قدّره الله، وأجراه على عباده.. وما كان لأحد أن يغيّر أو يبدل شيئا مما قضى الله به!

3. ﴿فَما لِهؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً﴾ تسفيه لتلك العقول الضالة التي يعيش بها هؤلاء المنحرفون الضالون.. إنهم لا يكادون يفقهون حديثا.. ولو كان لهم شيء من فقه الحديث، لكان لهم فيما جاءهم به النبي من كلمات الله، تبصرة وهدى، ولكن أنّى للعمى أن يبصروا، وللصم أن يسمعوا؟ ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/841.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. يتعيّن على المختار ممّا روي في تعيين الفريق الذين ذكروا في قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ من أنّهم فريق من المؤمنين المهاجرين أن يكون ضمير الجمع في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ عائدا إلى المنافقين لأنّهم معلومون من المقام، ولسبق ذكرهم في قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ﴾ [النساء: 72] وتكون الجملة معطوفة عطف‏ قصّة على قصّة، فإنّ ما حكي في هذه الآية لا يليق إلّا بالمنافقين، ويكون الغرض انتقل من التحريض على القتال إلى وصف الذين لا يستجيبون إلى القتال لأنّهم لا يؤمنون بما يبلّغهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من وعد الله بنصر المؤمنين، وأمّا على رواية السدّي فيحتمل أنّ هؤلاء الذين دخلوا في الإسلام حديثا من قبائل العرب كانوا على شفا الشكّ فإذا حلّ بهم سوء أو بؤس تطيّروا بالإسلام فقالوا: هذه الحالة السوأى من شؤم الإسلام، وقد قيل: إنّ بعض الأعراب كان إذا أسلم وهاجر إلى المدينة فنمت أنعامه ورفهت حاله حمد الإسلام، وإذا أصابه مرض أو موتان في أنعامه تطيّر بالإسلام فارتدّ عنه، ومنه حديث الأعرابي الذي أصابته الحمّى في المدينة فاستقال من النبي بيعته وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في شأنه: (المدينة كالكير تنفي خبثها وينصع طيبها)

2. القول المراد في قوله: ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ـ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ هو قول نفسي، لأنّهم لم يكونوا يجترئون على أن يقولوا ذلك علنا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وهم يظهرون الإيمان به، أو هو قول يقولونه بين إخوانهم من المنافقين، يقولون: هذه من عند محمد، فيكون الإتيان بكاف الخطاب من قبيل حكاية كلامهم بحاصل معناه على حسب مقام الحاكي والمحكي له، وهو وجه مطروق في حكاية كلام الغائب عن المخاطب إذا حكى كلامه لذلك المخاطب، ومنه قوله تعالى حكاية عن عيسى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 117]، والمأمور به هو: أن اعبدوا الله ربك وربّهم، وورد أنّ قائل ذلك هم اليهود، فالضمير عائد على غير مذكور في الكلام السابق، لأنّ المعنيّ به معروفون في وقت نزول الآية، وقديما قيل لأسلافهم:‏ ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 131]

3. المراد بالحسنة والسّيئة هنا ما تعارفه العرب من قبل اصطلاح الشريعة أعني الكائنة الملائمة والكائنة المنافرة، كقولهم: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 131] وقوله: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً﴾ [البقرة: 201]، وتعلّق فعل الإصابة بهما دليل على ذلك، أمّا الحسنة والسّيئة بالاصطلاح الشرعي، أعني الفعل المثاب عليه والفعل المعاقب عليه، فلا محمل لهما هنا إذ لا يكونان إصابتين، ولا تعرف إصابتهما لأنّهما اعتباران شرعيان.

4. قيل: كان اليهود يقولون: (لمّا جاء محمد المدينة قلّت الثمار، وغلت الأسعار)، فجعلوا كون الرسول بالمدينة هو المؤثّر في حدوث السّيئات، وأنّه لولاه لكانت الحوادث كلّها جارية على ما يلائمهم، ولذلك جي‏ء في حكاية كلامهم بما يدلّ على أنّهم أرادوا هذا المعنى، وهو كلمة (عند) في الموضعين: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ـ ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾؛ إذ العندية هنا عندية التأثير التامّ بدليل التسوية في التعبير، فإذا كان ما جاء من عند الله معناه من تقديره وتأثير قدرته، فكذلك مساويه وهو ما جاء من عند الرسول، وفي (البخاري) عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾ كان الرجل يقدم المدينة فإن ولدت امرأته غلاما ونتجت خيله قال هذا دين صالح، وإن لم تلد امرأته ولم تنتج خيله قال هذا دين سوء، وهذا يقتضي أن فعل ذلك من مهاجرة العرب: يقولونه إذا أرادوا الارتداد وهم أهل جفاء وغلظة، فلعلّ فيهم من شافه الرسول بمثل قولهم: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾

5. ومعنى‏ ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ في اعتقادهم أنّه الذي ساقها إليهم وأتحفهم بها لما هو معتاده من الإكرام لهم، وخاصّة إذا كان قائل ذلك اليهود، ومعنى‏ ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي من شؤم قدومك، لأنّ الله لا يعاملهم إلّا بالكرامة، ولكنّه صار يتخوّلهم بالإساءة لقصد أذى المسلمين فتلحق الإساءة اليهود من جرّاء المسلمين على حدّ ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً﴾ [الأنفال: 25] الآية.

6. وقد علّمه الله أن يجيب بأنّ كلا من عند الله، لأنّه لا معنى لكون شيء من عند الله إلّا أنّه الذي قدّر ذلك وهيّأأسبابه، إذ لا يدفعهم إلى الحسنات مباشرة، وإن كان كذلك فكما أنّ الحسنة من عنده، فكذلك السيّئة بهذا المعنى بقطع النظر عمّا أراده بالإحسان والإساءة، والتفرقة بينهما من هذه الجهة لا تصدر إلّا عن عقل غير منضبط التفكير، لأنّهم جعلوا بعض الحوادث من الله وبعضها من غير الله فلذلك قال: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي يكادون أن لا يفقهوا حديثا، أي أن لا يفقهوا كلام من يكلّمهم، وهذا مدلول فعل (كاد) إذا وقع في سياق النفي، كما تقدّم في قوله: ﴿وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71]

7. الإصابة: حصول حال أو ذات، في ذات يقال: أصابه مرض، وأصابته نعمة، وأصابه سهم، وهي، مشقّة من اسم الصّوب الذي هو المطر، ولذلك كان ما يتصرّف من الإصابة مشعرا بحصول مفاجئ أو قاهر.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/193.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. إن هؤلاء الذين ضعفت نفوسهم قد يدفعهم اضطرابهم إلى أن تسيطر عليهم الأوهام، فمنهم من يقول كلاما يثير الظنون ويسكت عنه الباقون منهم فكأنهم قالوه، ولذا حكى ـ سبحانه ـ القول عن هذا الفريق فقال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي إن تصبهم حال حسنة تحسن عندهم، من رخاء أو خصب أو ظفر أو غنيمة أو سعة في الرزق، يقولوا: هذه الحال من عند الله تعالى، فإن كان النصر قالوا: من عند الله، وإن يصبهم أمر يسيئهم، كالهزيمة، قالوا: ذلك من محمد، كأنهم ينسبونه إلى سوء تدبيره صلّى الله عليه وآله وسلّم، أو يتشاءمون به، ويهبطون بذلك هبوطا شديدا! فالحسنة ما يحسن عندهم، والسيئة ما يسوؤهم.

2. وذلك التفكير الذين يفكرونه ناشئ من ضعفهم النفسي، وضعفهم الإيمانى، وسوء ظنهم بالنبى صلّى الله عليه وآله وسلّم، وذلك شأن أهل النفاق ومن يستمعون إليهم من ضعفاء أهل الإسلام.

3. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ أي إذا كنتم تنظرون إلى ما قدره الله تعالى في علمه المكنون، وما يوفق إليه عباده، وما يمدهم به من عون، فإن كل شيء من عند الله، فالشدة والرخاء من عند الله، والغنيمة والهزيمة بتقدير الله عند اتخاذ الأسباب، فلا ينصر الله متخاذلا، ولا يخذل من يريد ما عند الله، ويتجه إلى الجهاد مستعدا بقلبه وعدته وتنظيمه، وبهذا يرد عليهم ما توهموه، أو قالوه.

4. وقد بين سبحانه أن كلام هؤلاء كلام من لا يفقه الأمور على وجهها، ولا يدرك معانى الأقوال والأفعال، ولذا قال سبحانه: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ والمعنى: أن الأمر ثبت لهؤلاء الذين لم يدركوا الأمور حتى كادوا لا يدركون إدراكا حقيقيا أي حديث يتحدثون به، أو أي حديث يلقى إليهم، فلا يعلمون أن الله هو القابض الباسط القادر على كل شيء!، وإنهم لو فهموا ما يتلى عليهم من كتاب الله والحكمة لاهتدوا، وهذا الاستفهام توبيخ لهم وبيان لوصفهم الحقيقي وهو أنهم لا يكادون يفهمون معنى ما يسمعون وما يقولون! اللهم اهدنا إلى الطيب من القول، واهدنا إلى الصراط الحميد.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1774.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، كل ما يراه الإنسان حسنا يقال له حسنة، ويرادفها لفظ الخير الذي يرغب فيه الإنسان ويتمناه، وكل ما يراه سيئا يقال له سيئة، ويرادفها لفظ الشر الذي يبتعد عنه الإنسان ويأباه، وقد يكون الخير عاما كالخصب والرخاء الذي لا يختص بفرد أو فئة، وقد يكون خاصا كسعادة المرء ببيته وأسرته، وكذلك الشر يكون خاصا كشقاء المرء بزوجته وأولاده، ويكون عاما كالجدب والغلاء، والمراد بالحسنة في الآية خير الطبيعة الذي يعم الجميع، كالمطر ونحوه، وبالسيئة شرها العام الذي يشمل الجميع، كالقحط وما اليه، لأن المنافقين والمشركين كانوا ان أصابتهم نعمة كالمطر قالوا: ان الله أكرمنا بها، وان أصابهم نقمة كالقحط قالوا: هذا بسبب محمد، تماما كبني إسرائيل الذين أخبر الله عنهم بقوله: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى﴾

2. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، هذا رد على‏ من نسب الحسنة الى الله، والسيئة الى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنهما معا من الله، ذلك ان القحط والأمطار، والزلازل والمعادن، كل هذه وما اليها من لوازم الطبيعة وآثارها، والله سبحانه هو الذي خلق الطبيعة وأوجدها، اذن، ينسب خير الطبيعة وشرها اليها مباشرة، والى الله سبحانه بواسطة إيجاده للطبيعة.. فهو جلت عظمته سبب الأسباب.

3. سؤال وإشكال: لماذا لم يخلق الله الطبيعة من غير شر، بحيث تكون خيرا خالصا من كل شائبة، ويريح بهذا عباده من الويلات والمتاعب؟ والجواب:

أ. طرح هذا السؤال أو الإشكال منذ آلاف السنين، وحلّه (زرادشت)(2) بوجود إلهين: إله للخير، وهو (موزد) وإله للشر، وهو (اهريمن)

ب. وقال آخرون: ان الله خلق هذه الطبيعة بما فيها ولها من خير وشر، ولكنه في الوقت نفسه خلق عقولا تكيّف هذه الطبيعة الى خير الإنسان وصالحه، ومنها هذه المخترعات التي قربت البعيد، وسهلت العسير، وأنشأت السدود لصد الفيضان، وتنبأت بالعواصف قبل وقوعها، الى ما لا يحصى كثرة.

ج. وقال عابد زاهد: ان الشر لا بد منه لعقوبة العصاة والمذنبين.. وهذا الجواب يكذبه العيان والقرآن، فان الطبيعة لا ترحم مؤمنا ولا ضعيفا، والزلازل لا تميز بين الطيب والخبيث، قال تعالى: ﴿وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً﴾

د. ومنهم من قال الله يعلم، ونحن لا نعلم شيئا، وقال الأشاعرة، هذا السؤال مردود شكلا وأساسا، لأن أفعاله تعالى لا تعلل بالأغراض والغايات: ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾

هـ. وجاء في كتاب الأسفار للعظيم الشهير بالملا صدرا ما يتلخص بأنه من المحال ذاتا إيجاد كون لا شر فيه، فان الكون الطبيعي من حيث هو، وبموجب وضعه وتكوينه يلزمه حتما ان يكون فيه خير وشر، وقوة وضعف، وحنان وعنف، وإلا استحال وجوده من الأساس، كما يستحيل على أمهر المتخصصين في فن البناء ان يبني من حبة الرمل حصنا منيعا، ذلك ان الطبيعة يستحيل أن توجد وتتكون إلا من عناصر متضادة متباينة، وهذه العناصر في حركة دائمة بين جذب‏ ودفع، وتفاعل مستمر، ومن هذا التفاعل تتولد الظواهر الطبيعية، كالزوابع والعواصف، والحر والبرد، والمطر والصحو، وما إلى ذلك من آثار الطبيعة خيرها وشرها، وعلى هذا يدور الأمر بين اثنين لا ثالث لهما: أما ان لا يوجد الكون من رأس، واما أن يوجد بخيره وشره، وهذا هو معنى القول المشهور: (ليس بالإمكان أبدع مما كان)، كما انه يتفق تماما مع قول علماء الطبيعة: ان في كل جزء من أجزائها قوة موجبة، وأخرى سالبة.

و. وبهذا يتبين معنا ان قول القائل: لماذا لم يخلق الله الطبيعة من غير شر، ان هذا أشبه بقول من قال لماذا لم يخلق الله نارا، لا حرارة فيها، وثلجا، لا برودة فيه، وعقلا لا ادراك له، وحياة لا حراك فيها، وموتا، لا جمود فيه.. ان هذا السؤال تعبير ثان عن هذيان المحموم، وقوله: لماذا لا يكون الشيء غير نفسه.. وبهذا ندرك السر البليغ العميق في قوله تعالى: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾

4. الخلاصة انه لا تأثير لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلّم، ولا لغيره في شيء من خير الطبيعة وشرها، وقد اشتهر عن الرسول الأعظم انه قال حينما انكسفت الشمس عند موت ولده ابراهيم: الشمس والقمر آيتان من آيات الله يجريان بأمره مطيعين له، لا ينكسفان لموت أحد، ولا لحياته.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/385.

(2) كما ينسب إليه.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إلى آخر الآية، جملتان أخريان من هفواتهم حكاهما الله تعالى عنهم، وأمر نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يجيبهم عنهما ببيان حقيقة الأمر فيما يصيب الإنسان من حسنة وسيئة، واتصال السياق يقضي بكون الضعفاء المتقدم ذكرهم من المؤمنين هم القائلون ذلك قالوا ذلك بلسان حالهم أو مقالهم، ولا بدع في ذلك فإن موسى عليه السلام أيضا جوبه بمثل هذا المقال‏ كما حكى الله سبحانه ذلك بقوله‏: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾، وهو مأثور عن سائر الأمم في خصوص أنبيائهم، وهذه الأمة في معاملتهم نبيهم لا يقصرون عن سائر الأمم، وقد قال تعالى‏: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾: وهم مع ذلك أشبه الأمم ببني إسرائيل، وقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (إنهم لا يدخلون جحر ضب إلا دخلتموه)، وقد تقدم نقل الروايات في ذلك من طرق الفريقين.

2. وقد تمحل في الآيات أكثر المفسرين بجعلها نازلة في خصوص اليهود أو المنافقين أو الجميع من اليهود والمنافقين، وأنت ترى أن السياق يدفعه.

3. وكيف كان فالآية تشهد بسياقها على أن المراد بالحسنة والسيئة ما يمكن أن يسند إلى الله سبحانه، وقد أسندوا قسما منه إلى الله تعالى وهو الحسنة، وقسما إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو السيئة فهذه الحسنات والسيئات هي الحوادث التي كانت تستقبلهم بعد ما أتاهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأخذ في ترفيع مباني الدين ونشر دعوته وصيته بالجهاد، فهي الفتح والظفر والغنيمة فيما غلبوا فيه من الحروب والمغازي، والقتل والجرح والبلوى في غير ذلك، وإسنادهم السيئات إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في معنى التطير به أو نسبة ضعف الرأي ورداءة التدبير إليه.

4. فأمر تعالى نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم بأن يجيبهم بقوله‏: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فإنها حوادث ونوازل ينظمها ناظم النظام الكوني، وهو الله وحده لا شريك له إذ الأشياء إنما تنقاد في وجودها وبقائها وجميع ما يستقبلها من الحوادث له تعالى لا غير، على ما يعطيه تعليم القرآن.

5. ثم استفهم استفهام متعجب من جمود فهمهم وخمود فطنتهم من فقه هذه الحقيقة وفهمها فقال: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾

6. في تفسير العياشي، عن صفوان بن يحيى عن أبي الحسن عليه السلام قال قال الله تعالى: يا ابن آدم، بمشيتي كنت أنت الذي تشاء وتقول، وبقوتي أديت إلي فريضتي، وبنعمتي قويت على معصيتي، ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وذاك أني أولى بحسناتك منك، وأنت أولى بسيئاتك مني، وذاك أني لا أسأل عما أفعل، وهم يسألون.. ووفي الكافي، بإسناده عن عبد الرحمن بن الحجاج قال ذكر عند أبي عبد الله عليه السلام البلاء وما يخص الله به المؤمن، فقال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من أشد الناس بلاء في الدنيا؟ فقال: (النبيون ثم الأمثل فالأمثل، ويبتلى المؤمن بعد على قدر إيمانه وحسن أعماله، فمن صح إيمانه وحسن عمله اشتد بلاؤه، ومن سخف إيمانه وضعف عمله قل بلاؤه)، ومن الروايات المشهورة قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر)، وفيه، أيضا بعدة طرق عنهما عليه السلام: (أن الله عز وجل إذا أحب عبدا غثه بالبلاء غثا)

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏5/8.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ هذا نوع آخر من كلام هؤلاء الذين قيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ يدل على فسادهم وإفسادهم واستعدادهم للنفاق، فإذا نالوا نعمة ولو كانت بسبب من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم لم يعترفوا له بالتسبيب للخير، بل قالوا: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ واقتصروا على ذلك، وإن نالتهم مصيبة قالوا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ ولولاك ما أصابتنا، وذلك على طريقتين:

أ. إحداهما: ما كان بسبب وجود النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وعداوة الكفار له مثل مؤنة حفر الخندق، وهول يوم الأحزاب، وهذا يدل على فسادهم، وأنهم لا يريدون الدفاع عن الدين، ولا عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم.

ب. الثانية: التشاؤم كما كان من قوم فرعون، وحكاه الله تعالى عنهم في قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ [الأعراف: 131] وهذا كثير في الأولين والآخرين يتشاءمون بأهل الحق تنفيراً عنهم.

2. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فالفتح، والنصر، والغنائم، والأرزاق.. ونحو ذلك، كلها من الله تعالى نعمة لعباده واختبار، والمصائب تنزل من الله اختباراً وتمحيصاً للمؤمنين وتمريناً لهم على تحمل الشدائد، وغير ذلك من الفوائد، وعقوبةً للعصاة المتمردين.

3. ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ فلا يرجعون عن جهالاتهم، ولا يهتدون بما بلغهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم من هدى الله ولا يحسنون إسلامهم ولا يؤمنون إيماناً صحيحاً صادقاً بعد ما جاءتهم البينات.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/115.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إذا واجهوا الحسنة في ما يحصلون عليه من راحة ورزق وأمن ومتع ورغبات، فإنهم ينسبون ذلك إلى الله، أما إذا واجهتهم السيئة، ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ﴾ في ما يلاقون من مرض أو بلاء أو فتنة أو مشكلة صغيرة أو كبيرة ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾، فإنهم ينسبونها إلى الرسول من باب التطيّر والتشاؤم؛ كما حدثنا الله عن بعض هذه النماذج في قوله تعالى: ﴿قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ ولَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ‏﴾ [يس: 18 ـ 19]

2. لكن الله يرد عليهم هذه النظرة ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ إنّ كل الأحداث التي تطرأ على حياة الإنسان، ترجع إلى الأسباب الطبيعية التي أودعها الله في الكون، سواء منها الأسباب الكونية، أو الأسباب العادية في حياة الإنسان النفسية والاجتماعية والجسدية، وبذلك يرجع الأمر كله إلى الله وذلك ما يسمى بالسيئة أو الحسنة، من دون أن يلغي ذلك إرادة الإنسان واختياره، لأن ذلك من قبيل الأسباب العادية، ولذلك فإن من الممكن أن ينسب العمل إليه بالذات بواسطة مباشرته له، ولكن هؤلاء القوم‏ ﴿لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، لأنهم لا يعرفون طبيعة الأشياء، من خلال ما أودعه الله فيها من سننه الكونية والاجتماعية.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/363.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. يشير القرآن في هاتين الآيتين إلى وهم آخر من أوهام المنافقين، حين يوضح أن هؤلاء إذا أحرزوا نصرا أو غنموا خيرا قالوا: إنّ الله هو الذي أنعم عليهم بذلك، وزعموا أنّهم أهل لهذه النعمة: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، أمّا إذا مني هؤلاء بهزيمة أو لحقهم أذى في ميدان القتال، ألقوا اللوم على النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وافتروا عليه بقولهم إنّ ما نالهم من سوء هو من عنده، متهمين خططه‏ العسكرية بالضعف، من ذلك ما حدث في غزوة أحد، تقول الآية: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾

2. ويحتمل بعض المفسّرين أن تكون هذه الآية قد نزلت بشأن اليهود، ويرون أنّ المقصود بالحسنة والسيئة ـ هنا ـ هو ما كان يحدث من وقائع سارة وضارة، حيث كان اليهود حين بعثة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ينسبون كلّ حدث سار ونافع إلى الله، ويعزون حدوث الوقائع الضّارة إلى وجود النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بين ظهرانيهم، بينما اتصال الآية بالآيات السابقة والتالية ـ التي يدور الحديث فيها عن المنافقين ـ يدل على أنّ المقصود في هذه الآية الأخيرة هم المنافقون.

3. ومهما يكن من أمر، فإنّ القرآن الكريم يردّ على هؤلاء مؤكدا إنّ الإنسان المسلم الموحد الذي يؤمن صادقا بالله ويعبده ولا يعبد سواه، إنّما يعتقد بأنّ كل الوقائع والأحداث والانتصارات والهزائم هي بيد الله العليم الحكيم، فالله هو الذي يهب الإنسان ما يستحقه ويعطيه بحسب قيمته الوجودية، وفي هذا المجال تقول الآية: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾

4. والآية ـ هذه ـ تحمل في آخرها تقريعا وتأنيبا للمنافقين الذين لا يتفكرون ولا يمعنون في حقائق الحياة المختلفة، حيث تقول: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/337.

74. مصدر النعيم والبلاء

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈74⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 79]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ أما الحسنة فأنعم بها عليك، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وأما السيئة فابتلاك الله بها(1).

2. روي أنّه قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ﴾ ما فتح الله عليه يوم بدر، وما أصاب من الغنيمة والفتح، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ ما أصابه يوم أحد، أن شج في وجهه، وكسرت رباعيته(2).

3. روي أنّه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، هذا يوم أحد، يقول: ما كانت من نكبة فبذنبك، وأنا قدرت ذلك عليك(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/١٠١٠.

(2) ابن جرير ٧/٢٤٠.

أبو العالية:

روي عن أبي العالية الرّياحيّ (ت 93 هـ) أنّه قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، هذه في الحسنات، والسيئات(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٤٢.

باذام:

روي عن أبي صالح باذام (ت 111 هـ) أنّه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، بذنبك، وأنا قدرتها عليك(1).

__________

(1) سعيد ين منصور (٦٦٢.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال:، ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، كان الحسن يقول: ما أصابك من نعمة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، يقول: بذنبك(1).

2. روي أنّه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، عقوبة بذنبك، يا ابن آدم، قال وذكر لنا: أن نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يقول: (لا يصيب رجلا خدش عود، ولا عثرة قدم، ولا اختلاج عرق إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٤٢.

(2) ابن جرير ٧/٢٤١.

زيد:

روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) أنّه قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾: ما أصابك من نعمة فمن الله وما أصابك من سيئة يقول بذنبك.. ثمّ قال كلّ من عند الله النّعم والمصيبات(1).

__________

(1) تفسير الإمام زيد، ص 122.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) أنّه قال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، أما من نفسك، فيقول: من ذنبك(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٤١.

ابن جريج:

روي عن ابن جريج (ت 150 هـ) أنّه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ قول آخر: الجدب، والمطر؛ السيئة، والحسنة ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ عقوبة بذنبك(1).

__________

(1) ابن المنذر ٢/٨٠١.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) أنّه قال: فقال الله عز وجل لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ يعني: الفتح والغنيمة يوم بدر ﴿فَمَنَّ اللهُ﴾ كان، ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ يعني: البلاء من العدو، والشدة من العيش يوم أحد ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ يعني: فبذنبك، يعني: ترك المركز، وفي مصحف عبد الله بن مسعود، وأبي بن كعب: (فبذنبك، وأنا كتبتها عليك(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٩١.

ابن زيد:

روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) أنّه قال: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، بذنبك، كما قال لأهل أحد: ﴿أو لما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم﴾ [آل عمران: ١٦٥] بذنوبكم(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٤٣.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وروي‏ في حرف ابن مسعود قال: (وأنا قدرتها عليك):

أ. يحتمل: أن يكون قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ يرجع إلى ما ذكرت من السعة والعافية ونحوها ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ من البلاء من قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]

ب. ويحتمل: أن تكون الآية الأولى في أمر الدنيا، والأخرى في أمر الدين؛ إذ اختلفت الإضافة في هذه واتفقت في الأولى:

إذ الأولى على ما عليه أمر المحنة من قوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ [الأنبياء: 35]، وقوله عزّ وجل: ﴿وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ﴾ [الأعراف: 168]، وقوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ [الملك: 2]، جعل الله تعالى بمختلف أحوال للعباد لا منفع لهم في ذلك، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ﴾ الآية [الأنعام: 17]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [الرعد: 26]

والثانية: في حق الأفعال، فيضاف إلى الله ما صلح منها؛ شكرا وحمدا بما أنعم الله عليه، وذلك قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ﴾ [النساء: 83]، وقوله: ﴿وما أَصابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ‏ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ‏﴾، ﴿صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾ [الفاتحة: 7]، وقوله: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ﴾ الآية [الحجرات: 17]، وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ [البقرة: 257]، وقوله: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ﴾ الآية [الحجرات: 7]، وغير ذلك؛ فيضاف إليه بما منه في ذلك من الفضل والنعمة؛ شكرا، والثاني في زله وضلاله لا تجوز الإضافة إليه لما شبه الاعتذار، ولا عذر لأحد في ذلك، ويقبح في الإضافة، وذلك نحو القول بأنه: رب‏؛ فيكون على ما يصيبه من جزاء حسنة أو سيئة، وإذ لم يجعل لله في حسنه فضلا لم يحتمل الإضافة إليه مع ما قد بينا من إضافات أعمال الخير إليه، ودفع الشر لما ليس في فعله من الله إفضال عليه به‏ إنعام، وكان في فعل الخير ذلك، لا بالأمر والنهي؛ إذ هما يستويان في كل واحد.

2. ثم أوضح ذلك خبر عبد الله، فطعنه قوم لمخالفة المصحف المعروف، قلنا: ليس بذي خلاف، إنما هو بيان المطلق، وقد يقبل خبر الآحاد في مثله، وقيل: خبر عبد الله من خبر الآحاد، ولعله ليس قبل مصحفه كلمة تروى عنه العامة لا تحتمل التبديل، وأما خبره عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ إذ لا يجوز اختراع القراءة مرفوع، وخبر الفرد فيه يقبل، فيما لا خلاف فيه، وإن كان فيه تأويل الظاهر.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/266.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ هذا الخطاب لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم والمراد به غيره والحسنة والسيئة في هذا الموضع على وجهين:

أ. أحدهما: أن الحسنة النعمة في الدين والدنيا.

ب. ويحتمل أن تكون الحسنة ما أصابه يوم بدر والسيئة ما أصابه يوم أحد من شج وجهه وكسر رباعيته فمن نفسك.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/187.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. اختلف في المراد بهذا الخطابـ ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ على ثلاثة أقاويل:

أ. أحدها: أن الخطاب متوجه إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وهو المراد به.

ب. الثاني: أنه متوجه إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والمراد به غيره، وهو قول الزجاج.

ج. الثالث: أنه متوجه إلى الإنسان، وتقديره: ما أصابك أيها الإنسان من حسنة فمن الله، وهذا قول قتادة.

2. في الحسنة والسيئة هاهنا ثلاثة أقاويل:

أ. أحدها: أن الحسنة النعمة في الدين والدنيا، والسيئة المصيبة في الدين والدنيا، وهذا قول بعض البصريين.

ب. الثاني: أن الحسنة ما أصابه يوم بدر، والسيئة ما أصابه يوم أحد من شج رأسه وكسر رباعيته، وهو قول ابن عباس، والحسن.

الثالث: أن الحسنة الطاعة، والسيئة المعصية، وهذا قول أبي العالية.

3. في قوله تعالى: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ قولان:

أ. أحدهما: يعني فبذنبك.

ب. الثاني: فبفعلك.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/509.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. اختلف في الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾:

أ. قال الزجاج: هذا خطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والمراد به الامة، كما قال‏ ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾ فان المراد به الامة.

ب. وقال قوم: المخاطب به الإنسان، كأنه قال ما أصابك أيها الإنسان ـ في قول قتادة، والجبائي ـ

2. قيل في معنى الحسنة والسيئة هاهنا قولان:

أ. أحدهما: قال ابن عباس، والحسن: الحسنة ما أصابه يوم بدر من الظفر، والغنيمة، والسيئة ما أصابه يوم أحد من كسر رباعيته صلّى الله عليه وآله وسلّم، والهزيمة، وقال الجبائي: معناهما النعمة، والمصيبة، ويدخل في النعمة نعمة الدنيا، والدين، وفي المصيبة مصائب الدنيا، والدين إلا ان أحدهما من عمل العبد للطاعة، وما جر إليه ذلك العمل، والآخر: من عمل العبد للمعصية وما جر إليه عمله لها، وهذا يوافق الاول الذي حكيناه عمن تقدم.

ب. الثاني: ان الحسنة، والسيئة: الطاعة، والمعصية ـ ذكره أبو العالية، وأبو القاسم ـ ويكون المعنى ان الحسنة التي هي الطاعة باقدار الله، وترغيبه فيها، ولطفه لها، والسيئة بخذلانه على وجه العقوبة له على المعاصي المقدمة، وسماه سيئة كما قال: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ والتقدير ما أصابك من ثواب حسنة فمن الله، لأنه الذي عرضك للثواب، وأعانك عليها، وما أصابك من عقاب سيئة فمن نفسك، لأنه تعالى نهاك عنها، وزجرك عن فعلها، فلما ارتكبتها كنت الجاني على نفسك، وإنما احتاج إلى التقدير، لأن ما أصابك ليس هو ما أصبته.

ج. ويجوز أن يكون المراد بالسيئة ما يصيبهم في دار الدنيا من المصائب، لأنه لا يجوز أن يكون ذلك عقابا أو بعض ما يستحقونه، وقوله: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ معناه فبذنبك في قول الحسن، وقتادة، والسدي، وابن جريج، والضحاك، قال البلخي: مصيبة هي كفارة ذنب صغير، أو عقوبة ذنب كبير، ويحتمل أن يكون المراد أو تأديب وقع لأجل تفريط.

3. سؤال وإشكال: كيف عاب قول المنافقين في الآية الاولى، لما قالوا إذا أصابتهم حسنة انها من عند الله، وإذا أصابتهم سيئة، قالوا هذه من عندك، وقد اثبت مثله في هذه الآية؟ والجواب: عنه جوابان:

أ. أحدهما: ان ذلك على وجه الحكاية، والتقدير يقولون: ما أصابك من حسنة، فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، ويكون (يقولون) محذوفا، لدلالة سياق الكلام عليه.

ب. الثاني: ان معناهما مختلف، فالأول عند أكثر أهل العلم ان المراد به النعمة، والمصيبة من الله تعالى، وفي الآية الثانية المراد به الطاعة، والمعصية، فلما اختلف معناهما، لم يتناقضا، ويكون وجه ذكر هذه الآية عقيب الاولى ألا يظن ظان ان الطاعات والمعاصي من فعل الله، لما قال في الآية الاولى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾

4. في الآية دلالة على فساد مذهب المجبرة، لأنه تعالى قال: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فأضاف المعصية إلى العبد ونفاها عن نفسه تعالى، ولو كانت من خلقه، لكانت منه على أوكد الوجوه، ولا ينافي ذلك قوله في الآية الاولى‏ ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ لأنا بينا وجه التأويل فيه.

5. قال الرماني: وفي الآية دلالة على أنه تعالى، لا يفعل الألم إلا على وجه اللطف، أو العقاب دون العوض فقط، لأن المصائب إذا كانت كلها من قبل ذنب العبد، فهي اما عقوبة، واما من قبل تأديب المصلحة.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/266.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. روي أنها لما نزلت هذه الآية قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (لا يصيب رجلاً خدش عود ولا عثرة قدم ولا اختلاج عرق إلا بذنب وما يعفو الله أكثر)

2. اختلف في علاقة الآية الكريمة بما قبلها:

أ. قيل: الآية تتصل بما قبلها لما قالوا إذا أصابهم حسنة: هذه من عند الله، وإن أصابتهم سيئة: هو من عندك رد الله عليهم ذلك، وقال: ما أصابك من حسنة فبفضل من الله ورحمته، وما أصابك من سيئة فمن نفسك أي من ذنبك وشؤمك خلاف ما قالوا، ثم عطف عليه، وبين أن من تلك الحسنات أن أرسلناك إليهم، ومن السيئة خلافك، ومن الحسنة طاعتك التي هي طاعة الله.

ب. وقيل: لما بين أن النعم من الله تعالى، وما أصابك من سيئة فبذنوبهم قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ أي بهذا أرسلناك ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ أن الأمر كذلك ومن أطاعك في هذا فقد أطاع الله.

ج. وقيل: إنه يتصل بقوله: ﴿يَخْشَوْنَ النَّاسَ﴾ وما حكى عنهم عندما تنالهم المصيبة، ثم اتصل الجواب إلى هاهنا عن أبي مسلم.

د. وقيل: اتصاله أن ما أصابهم من شؤم ذنوبهم وأنت رسول وطاعتك طاعة الله، لا يُتطير بك بل الخير كله فيك.

هـ. وقيل: إنه يتصل بما قبله تقديره: أولا يفقهون حديثًا حيث قالوا لك يا محمد: ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، وليس كذلك لا، بل أرسلناك رسولاً طاعتك طاعة الله، قيل: هذا لا يصح؛ لأنه على محذوف لا دليل عليه.

3. اختلف في الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾:

أ. قيل: الخطاب للنبي والمراد غيره كقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾ عن أبي القاسم والزجاج.

ب. وقيل: تقديره: ما أصابك أيها الإنسان أو أيها السامع في معنى قول قتادة وأبي علي.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾:

أ. قيل: ﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾ من نِعَمِ الدين والدنيا ﴿فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ المعاصي ما ينالهم بسببها فمن نفسك عن أبي علي.

ب. وقيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر من الغنيمة، والسيئة ما أصابه يوم أحد من الهزيمة عن ابن عباس والأصم وأبي مسلم، يعني لما جدوا في القتال يوم بدر وأطاعوا الله لحقهم النصر، ولما خالفوا يوم أحد خلى بينهم فهزموا.

ج. وقيل: الحسنة: الطاعة، والسيئة المعصية عن أبي العالية وأبي القاسم كما قال تعالى: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾

د. وقيل: الحسنة: الرخاء والنعمة، والسيئة: القحط والمرض والمكاره؛ لأن عند المعصية قد يكون لطفًا أو عقوبة.

5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾:

أ. قيل: بتدبيرك عن الحسن وقتادة والسدي وابن جريج والضحاك، وفسره أبو القاسم فقال: مصيبة هي كفارة ذنب صغير، أو عقوبة معصية كبيرة، أو تأديب وقع لأجل تفريط.

ب. وقيل: من نفسك أي من فعلك.

6. سؤال وإشكال: أليس عندكم الطاعة والمعصية فعل العبد فما معنى الفرق بينهما؟ والجواب: إن حمل على النعم فالأمر ظاهر، وإن حمل على الطاعة فيجوز أن يضاف إليه؛ لأنه أمر به، وهدى إليه، ومكن منه، وزين ولطف، ووعد وأوعد على تركه، فمن هذا المعنى جاز أن يضاف إليه، فأما المعاصي فلم يحصل وجه فيه لأجله يصح أن يضاف إليه.

7. سؤال وإشكال: إنه أثبت في هذه الآية ما نفى في الآية الأولى، والجواب: ليس كذلك؛ لأن هناك المراد ما يفعله تعالى من النعم والمحن، والسعة والضيق، والمرض والصحة، والجدب والرخص، وكل ذلك فعله تعالى، والمراد بالآية هاهنا الطاعة والمعصية، فالطاعة فعل العبد، لكن تضاف إلى الله تعالى للمعاني التي ذكرناها، والمعصية تضاف إلى العبد.

8. تدل الآية الكريمة على:

أ. أن المعاصي من العبد؛ لأن السيئة ظاهرها الفعل القبيح، فلا معنى لحمله على المجاز.

ب. بطلان مذهب الجبر في المخلوق؛ إذ لو كانت المعصية خلقًا له كالطاعة لوجب إضافتهما إليه، ولما كان للفرق معنى؛ لأن عندهم الجميع خلق له.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/714

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. معنى ﴿مِن﴾ في قوله ﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾، و﴿مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ التبيين، ولو قال: إن أصابك من حسنة كانت من زائدة، لا معنى لها.

2. اختلف في الخطاب في قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾:

أ. قيل: هذا خطاب للنبي، والمراد به الأمة، عن الزجاج.

ب. وقيل: خطاب للإنسان أي ما أصابك أيها الانسان، عن قتادة، والجبائي.

3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾

أ. قال الجبائي: عنى بقوله: ﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾: من نعمة في الدين والدنيا، فإنها من الله ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾: أي من المعاصي ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾

ب. وقيل: عنى بالحسنة: ما أصابهم يوم بدر من الغنيمة، وبالسيئة ما أصابهم يوم أحد من الهزيمة، عن ابن عباس.

ج. قال أبو مسلم: معناه لما جدوا في القتال يوم بدر، وأطاعوا الله، آتاهم النصر، ولما خالفوا يوم أحد، خلى بينهم، فهزموا.

د. وقيل: الحسنة: الطاعة، والسيئة: المعصية، عن أبي العالية.

هـ. قال أبو القسم: وهذا كقوله: ﴿وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا﴾ وقيل: الحسنة: النعمة، والرخاء.

و. قيل: السيئة: القحط، والمرض، والبلاء، والمكاره، واللأواء، والشدائد، التي تصيبهم في الدنيا بسبب المعاصي التي يفعلونها، وربما يكون لطفا، وربما يكون على سبيل العقوبة، وإنما سماها ﴿سَيِّئَةٌ﴾ مجازا، لان الطبع ينفر عنها، وإن كانت أفعالا حسنة غير قبيحة، فيكون المعنى على هذا: ما أصابك من الصحة، والسلامة، وسعة الرزق، وجميع نعم الدين، والدنيا فمن الله، وما أصابك من المحن، والشدائد، والآلام، والمصائب، فبسبب ما تكسبه من الذنوب، كما قال: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾:

أ. قيل: معناه: فبذنبك، عن الحسن، وجماعة من المفسرين.

ب. وفسره أبو القسم البلخي فقال: ما أصاب المكلف من مصيبة، فهي كفارة ذنب صغير، أو عقوبة ذنب كبير، أو تأديب وقع لأجل تفريط، وقد قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: (ما من خدش بعود، ولا اختلاج عرق، ولا عثرة قدم، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر)

ج. وقيل: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: من فعلك.

5. قال علي بن عيسى: في الآية دلالة على أن الله لا يفعل الألم إلا على وجه اللطف، أو العقاب، دون مجرد العوض، لان المصائب إذا كانت كلها من قبل ذنب العبد، فهي إما أن تكون عقوبة، وإما أن تكون من قبل تأديب للمصلحة.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/122.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في المخاطب بقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: أنه عامّ، فتقديره: ما أصابك أيّها الإنسان، قاله قتادة.

ب. الثاني: أنه خطاب للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، والمراد به غيره، ذكره الماورديّ.

ج. وقال ابن الأنباريّ: ما أصابك الله من حسنة، وما أصابك الله به من سيّئة، فالفعلان يرجعان إلى الله عزّ وجلّ.

2. في (الحسنة) و(السّيئة) ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: أن الحسنة: ما فتح عليه يوم بدر، والسّيئة: ما أصابه يوم أحد، رواه ابن أبي طلحة، عن ابن عباس،

ب. الثاني: الحسنة: الطّاعة، والسّيئة: المعصية، قاله أبو العالية،

ج. الثالث: الحسنة: النّعمة، والسّيئة: البليّة، قاله ابن قتيبة، وعن أبي العالية نحوه، وهو أصحّ، لأنّ الآية عامّة.

3. روى كرداب، عن يعقوب: (ما أصابك من حسنة فمن الله) بتشديد النون ورفعها ونصب الميم وخفض اسم الله، (وما أصابك من سيئة فمن نفسك) بنصب الميم ورفع السين، وقرأ ابن عباس: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك)، وقرأ ابن مسعود: (وأنا عددتها عليك)

4. قوله تعالى: ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي: فبذنبك، قاله الحسن، وقتادة، والجماعة، وذكر فيه ابن الأنباريّ وجها آخر، فقال: المعنى: أفمن نفسك، فأضمرت ألف الاستفهام كما أضمرت في قوله‏ ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ﴾ أي: أو تلك نعمة.

__________

(1) زاد المسير: 1/436.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قال أبو علي الجبائي: قد ثبت أن لفظ السيئة تارة يقع على البلية والمحنة، وتارة يقع على الذنب والمعصية، ثم إنه تعالى أضاف السيئة إلى نفسه في الآية الأولى بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء: 78] وأضافها في هذه الآية إلى العبد بقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فلا بد من التوفيق بين هاتين الآيتين وإزالة التناقض عنهما، ولما كانت السيئة بمعنى البلاء والشدة مضافة إلى الله وجب أن تكون السيئة بمعنى المعصية مضافة إلى العبد حتى يزول التناقض بين هاتين الآيتين المتجاورتين، وقد حمل المخالفون أنفسهم على تغيير الآية وقرؤوا: (فمن تعسك) فغيروا القرآن، سؤال وإشكال: لما ذا فصل تعالى بين الحسنة والسيئة في هذه الآية فأضاف الحسنة التي هي الطاعة إلى نفسه دون السيئة وكلاهما فعل العبد عندكم؟ والجواب: لأن الحسنة وإن كانت من فعل العبد فإنما وصل إليها بتسهيله تعالى وألطافه فصحت الاضافة إليه، وأما السيئة التي هي من فعل العبد فهي غير مضافة إلى الله تعالى لا بأنه تعالى فعلها ولا بأنه أرادها، ولا بأنه أمر بها، ولا بأنه رغب فيها، فلا جرم انقطعت إضافة هذه السيئة من جميع الوجوه إلى الله تعالى، هذا منتهى كلام الرجل في هذا الموضع.

2. هذه الآية دالة على أن الايمان حصل بتخليق الله تعالى، والقوم لا يقولون به فصاروا محجوجين بالآية:

أ. وإنما قلنا: إن الآية دالة على ذلك لأن الايمان حسنة، وكل حسنة فمن الله.

ب. إنما قلنا: إن الايمان حسنة، لأن الحسنة هي الغبطة الخالية عن جميع جهات القبح، ولا شك أن الايمان كذلك، فوجب أن يكون حسنة لأنهم اتفقوا على أن قوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللَّهِ﴾ [فصلت: 33] المراد به كلمة الشهادة، وقيل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ [النحل: 90] قيل: هو لا إله إلا الله، فثبت أن الإيمان حسنة، وإنما قلنا إن كل حسنة من الله لقوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ وقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ يفيد العموم في جميع الحسنات، ثم حكم على كلها بأنها من الله، فيلزم من هاتين المقدمتين، أعني أن الإيمان حسنة، وكل حسنة من الله، القطع بأن الإيمان من الله.

3. سؤال وإشكال: لم لا يجوز أن يكون المراد من كون الايمان من الله هو أن الله أقدره عليه وهداه إلى معرفة حسنة، وإلى معرفة قبح ضده الذي هو الكفر؟ والجواب: جميع الشرائع مشتركة بالنسبة إلى الايمان والكفر عندكم، ثم إن العبد باختيار نفسه أوجد الايمان، ولا مدخل لقدرة الله وإعانته في نفس الايمان، فكان الايمان منقطعا عن الله في كل الوجوه، فكان هذا مناقضا لقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ فثبت بدلالة هذه الآية أن الايمان من الله، والخصوم لا يقولون به، فصاروا محجوجين في هذه المسألة.

4. ثم إذا أردنا أن نبين أن الكفر أيضا من الله، قلنا فيه وجوه:

أ. الأول: أن كل من قال الايمان من الله قال الكفر من الله، فالقول بأن أحدهما من الله دون الآخر مخالف لا جماع الأمة.

ب. الثاني: أن العبد لو قدر على تحصيل الكفر فالقدرة الصالحة لا يجاد الكفر إما أن تكون صالحة لإيجاد الايمان أو لا تكون، فان كانت صالحة لا يجاد الايمان فحينئذ يعود القول في أن إيمان العبد منه، وإن لم تكن صالحة لا يجاد الايمان فحينئذ يكون القادر على الشيء غير قادر على ضده، وذلك عندهم محال، ولأن على هذا التقدير تكون القدرة موجبة للمقدور، وذلك يمنع من كونه قادرا عليه، فثبت أنه لما لم يكن الايمان منه وجب أن لا يكون الكفر منه.

ج. الثالث: أنه لما لم يكن العبد موجدا للايمان فبأن لا يكون موجدا للكفر أولى، وذلك لأن المستقل بإيجاد الشيء هو الذي يمكنه تحصيل مراده، ولا نرى في الدنيا عاقلا إلا ويريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الايمان والمعرفة والحق، وإن أحدا من العقلاء لا يريد أن يكون الحاصل في قلبه هو الجهل والضلال والاعتقاد الخطأ، فإذا كان العبد موجدا لأفعال نفسه وهو لا يقصد إلا تحصيل العلم الحق المطابق، وجب أن لا يحصل في قلبه إلا الحق، فإذا كان الايمان الذي هو مقصوده ومطلوبه ومراده لم يقطع بإيجاده، فبأن يكون الجهل الذي ما أراده وما قصد تحصيله وكان في غاية النفرة عنه والفرار منه غير واقع بإيجاده وتكوينه كان ذلك أولى، والحاصل أن الشبهة في أن الايمان واقع بقدرة العبد أشد من الشبهة في وقوع الكفر بقدرته، فلما بين تعالى في الايمان أنه من الله ترك ذكر الكفر للوجه الذي ذكرناه، فهذا جملة الكلام في بيان دلالة هذه الآية على مذهب إمامنا.

5. ما احتج الجبائي به على مذهبه من قوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، فالجواب عنه من وجهين:

أ. الأول: أنه تعالى قال حكاية عن ابراهيم عليه السلام: ﴿وَإِذا مَرِضْتُ فَهُوَيَشْفِينِ‏﴾ [الشعراء: 80] أضاف المرض إلى نفسه والشفاء إلى الله، فلم يقدح ذلك في كونه تعالى خالقا للمرض والشفاء، بل إنما فصل بينهما رعاية الأدب، فكذا هاهنا، فإنه يقال: يا مدبر السماوات والأرض، ولا يقال يا مدبر القمل والصئبان والخنافس، فكذا هاهنا،

ب. الثاني: أكثر المفسرين قالوا في تفسير قول ابراهيم: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ أنه ذكر هذا استفهاما على سبيل الإنكار، كأنه قال: أهذا ربي، فكذا هاهنا، كأنه قيل: الايمان الذي وقع على وفق قصده قد بينا أنه ليس واقعا منه، بل من الله، فهذا الكفر ما قصده وما أراده وما رضي به ألبتة، أفيدخل في العقل أن يقال: إنه وقع به؟ فانا بينا أن الحسنة في هذه الآية يدخل فيها الايمان، والسيئة يدخل فيها الكفر، أما قراءة من قرأ (فمن تعسك) فنقول: إن صح أنه قرأ بهذه الآية واحد من الصحابة والتابعين فلا طعن فيه، وإن لم يصح ذلك فالمراد أن من حمل الآية على أنها وردت على سبيل الاستفهام على وجه الإنكار ذكر في تفسير الاستفهام على سبيل الإنكار هذا الكلام، لأنه لما أضاف السيئة إليهم في معرض الاستفهام على سبيل الإنكار كان المراد أنها غير مضافة إليهم، فذكر هذا القائل قوله: (فمن تعسك) لا على اعتقاد أنه من القرآن، بل لأجل أنه يجري مجرى التفسير لقولنا: إنه استفهام على سبيل الإنكار، ومما يدل دلالة ظاهرة على أن المراد من هذه الآيات إسناد جميع الأمور إلى الله تعالى.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/148.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي ما أصابك يا محمد من خصب ورخاء وصحة وسلامة فبفضل الله عليك وإحسانه إليك، وما أصابك من جدب وشدة فبذنب أتيته عوقبت عليه، والخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والمراد أمته، أي ما أصابكم يا معشر الناس من خصب واتساع زرق فمن تفضل الله عليكم، وما أصابكم من جدب وضيق رزق فمن أنفسكم، أي من أجل ذنوبكم وقع ذلك بكم، قاله الحسن والسدي وغيرهما، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ﴾

2. قيل: الخطاب للإنسان والمراد به الجنس، كما قال تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ﴾ أي إن الناس لفي خسر، ألا تراه استثنى منهم فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا﴾ ولا يستثنى إلا من جملة أو جماعة، وعلى هذا التأويل يكون قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ استئنافا.

3. وقيل: في الكلام حذف تقديره يقولون، وعليه يكون الكلام متصلا، والمعنى فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا حتى يقولوا ما أصابك من حسنة فمن الله، وفيل: إن ألف الاستفهام مضمرة، والمعنى أفمن نفسك؟ ومثله قوله وتعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ والمعنى أو تلك نعمة؟ وكذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أي أهذا ربي؟ قال أبو خراش الهذلي:

çرموني وقالوا يا خويلد لم ترع...فقلت وأنكرت الوجوه هم همé

أراد ﴿أَهُمْ﴾ فأضمر ألف الاستفهام وهو كثير وسيأتي.

4. ﴿مَا﴾: قال الأخفش ﴿مَا﴾ بمعنى الذي، وقيل: هو شرط، قال النحاس: والصواب قول الأخفش، لأنه نزل في شي بعينه من الجدب، وليس هذا من المعاصي في شي ولو كان منها لكان وما أصبت من سيئة، وروى عبد الوهاب ابن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس وأبي وابن مسعود: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك وأنا كتبتها عليك) فهذه قراءة على التفسير، وقد أثبتها بعض أهل الزيغ من القرآن، والحديث بذلك عن ابن مسعود وأبي منقطع، لأن مجاهدا لم ير عبد الله ولا أبيا، وعلى قول من قال: الحسنة الفتح والغنيمة يوم بدر، والسيئة ما أصابهم يوم أحد، أنهم عوقبوا عند خلاف الرماة الذين أمرهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يحموا ظهره ولا يبرحوا من مكانهم، فرأوا الهزيمة على قريش والمسلمون يغنمون أموالهم فتركوا مصافهم، فنظر خالد بن الوليد وكان مع الكفار يومئذ ظهر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قد انكشف من الرما فأخذ سرية [من الخيل] ودار حتى صار خلف المسلمين وحمل عليهم، ولم يكن خلف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم من الرماة إلا صاحب الراية، حفظ وصية رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فوقف حتى استشهد مكانه، على ما تقدم في آل عمران بيانه، فأنزل الله تعالى نظير هذه الآية وهو قوله تعالى: ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ يعني يوم أحد ﴿قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا﴾ يعني يوم بدر ﴿قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾

5. لا يجوز أن تكون الحسنة ها هنا الطاعة والسيئة المعصية كما قالت القدرية، إذ لو كان كذلك لكان ما أصبت كما قدمنا، إذ هو بمعنى الفعل عندهم والكسب عندنا، وإنما تكون الحسنة الطاعة والسيئة المعصية في نحو قوله: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا﴾ وأما في هذه الآية فهي كما تقدم شرحنا له من الخصب والجدب والرخاء والشدة على نحو ما جاء في آية الْأَعْرَافِ وهي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ﴾، ﴿بِالسِّنِينَ﴾ بالجدب سنة بعد سنة، حبس المطر عنهم فنقصت ثمارهم وغلت أسعارهم، ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ﴾ أي يتشاءمون بهم ويقولون هذا من أجل اتباعنا لك وطاعتنا إياك، فرد الله عليهم بقوله: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾يعني أن طائر البركة وطائر الشؤم من الخير والشر والنفع والضر من الله تعالى لا صنع فيه لمخلوق، فكذلك قوله تعالى فيما أخبر عنهم أنهم يضيفونه للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حيث قال: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ كما قال: ﴿أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ﴾ وكما قال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ﴾ أي بقضاء الله وقدره وعلمه، وآيات الكتاب يشهد بعضها لبعض، قال علماؤنا: ومن كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يشك في أن كل شي بقضاء الله وقدره وإرادته ومشيئته، كما قال تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَادَ اللهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾

6. تجاذب بعض جهال أهل السنة هذه الآية واحتج بها، كما تجاذبها القدرية واحتجوا بها، ووجه احتجاجهم بها أن القدرية يقولون: إن الحسنة ها هنا الطاعة، والسيئة المعصية، قالوا: وقد نسب المعصية في قوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ إلى الإنسان دون الله تعالى، فهذا وجه تعلقهم بها، ووجه تعلق الآخرين منها قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ﴾ قالوا: فقد أضاف الحسنة والسيئة إلى نفسه دون خلقه.

7. وهذه الآية إنما يتعلق بها الجهال من الفريقين جميعا، لأنهم بنوا ذلك على أن السيئة هي المعصية، وليست كذلك لما بيناه، والله أعلم، والقدرية إن قالوا ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي من طاعة ﴿فَمن اللهُ﴾ فليس هذا اعتقادهم، لأن اعتقادهم الذي بنوا عليه مذهبهم أن الحسنة فعل المحسن والسيئة فعل المسيء، وأيضا فلو كان لهم فيها حجة لكان يقول: ما أصبت من حسنة وما أصبت من سيئة، لأنه الفاعل للحسنة والسيئة جميعا، فلا يضاف إليه إلا بفعله لهما لا بفعل غيره، نص على هذه المقالة الإمام أبو الحسن شبيب بن إبراهيم بن محمد بن حيدرة في كتابه المسمى بحز الغلاصم في إفحام المخاصم.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/285.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ هذا الخطاب إما لكل من يصلح له من الناس، أو لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم تعريضا لأمته، أي: ما أصابك من خصب ورخاء وصحة وسلامة فمن الله، بفضله ورحمته، وما أصابك من جهد وبلاء وشدّة فمن نفسك، بذنب أتيته فعوقبت عليه.

2. وقيل: إن هذا من كلام الذين لا يفقهون حديثا، أي: فيقولون ما أصابك من حسنة فمن الله، وقيل: إن ألف الاستفهام مضمرة، أي: أفمن نفسك؟ ومثله قوله تعالى: ﴿وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ﴾ والمعنى: أو تلك نعمة؟ ومثله قوله: ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ أي: أهذا ربي، ومنه قول أبي خراش الهذلي:

çرموني وقالوا يا خويلد لم ترع‏...فقلت وأنكرت الوجوه هم هم‏é

أي: أهم أهم؟ وهذا خلاف الظاهر، وقد ورد في الكتاب العزيز ما يفيد مفاد هذه الآية، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾، وقوله: ﴿أَولَمَّا أَصابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْها قُلْتُمْ أَنَّى هذا قُلْ هُوَمِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ‏﴾

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/565.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَآ أَصَابَكَ﴾ أيُّها الإنسان على الإطلاق، أو يا محمَّد لفظًا والمراد آحاد الأمَّة معنى، أو المراد هو صلّى الله عليه وآله وسلّم ، لا لبيان حاله بل لتصوير حال الكفرة ﴿مِنْ حَسَنَةٍ﴾ نعمة ﴿فَمِنَ اللهِ﴾ فضلاً وخلقًا، إذا كان الإنسان لا يفي بشكر طاعة صدرت منه فكيف يفي بشكر تفضُّل؟ قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : (لا أحد يدخل الجنَّة إلَّا برحمة الله تعالى) قيل: (ولا أنت؟) قال: (ولا أنا إلَّا أن يتغمَّدني الله برحمته)

2. ﴿وَمَآ أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ﴾ بليَّة ﴿فَمِن نَّفْسِكَ﴾ تسبُّبًا لها بمعصيتك، وانتقم الله منك بها، ومن الله خلقًا، كما قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللهِ﴾، قالت عائشة  : (ما من مسلم يصيبه وَصَبٌ ـ أي: مرض ـ ولا نَصَب ـ أي: تعب ـ حتَّى الشوكة يُشاكُها، وحتَّى انقطاع شسع نعله، إلَّا بذنب، وما يعفو الله أكثر)، ومعنى الشوكة إصابة الشوك له لا نفس النبات؛ لأنَّها قالت: (يشاكها) لا يشاك بها، ولعطف المعنى وهو (انقطاع)، والشسع: سير النعل، ﴿وَمَآ أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةِم بِمَا كَسَبَتَ اَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: 30]، وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم : (لا يصيب عبدًا نكبة فما فوقها أو ما دونها إلَّا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر)، وعن ابن عبَّاس: (ما كان من نكبة فبذنبك، وأنا قدَّرت ذلك عليك)

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/233.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ أي: نعمة ﴿فَمَنَّ اللَّهُ﴾ أي: فمن نعمته وتفضله ابتداء ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ﴾ أي: بلية ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أي من شؤمها بسبب اقترافها المعاصي الموجبة لها، وإن كانت من حيث الإيجاد منتسبة إليه تعالى، نازلة من عنده عقوبة، كقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30]

2. روى ابن عساكر عن البراء عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (ما من عثرة ولا اختلاج عرق ولا خدش عود إلا بما قدمت أيديكم، وما يغفر الله أكثر)، وروى الترمذيّ‏ عن أبي موسى الأشعريّ عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (لا يصيب عبدا نكتة فما فوقها أو دونها، إلا بذنب، وما يعفو الله عنه أكثر)، وقرأ: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾

3. الخطاب في‏ ﴿أَصَابَكَ﴾ عام لكل من يقف عليه، لا للنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، كقوله: (إذا أنت أكرمت الكريم ملكته‏)، ويدخل فيه المذكورون دخولا أوليّا، وجوّز أن يكون الخطاب له صلّى الله عليه وآله وسلّم، كما قبله وما بعده، لكن لا لبيان حاله صلّى الله عليه وآله وسلّم، بل لبيان حال الكفرة بطريق التصوير، ولعل ذلك لإظهار كمال السخط والغضب عليهم، والإشعار بأنهم لفرط جهلهم وبلادتهم بمعزل من استحقاق الخطاب، لا سيما بمثل هذه الحكمة الأنيقة، قرره أبو السعود.

4. قال بعض المفسرين: وثمرة الآية ردّ التطيّر والتشاؤم.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/231.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن بين الله تعالى حقيقة الأمر في السيئات والحسنات بالنسبة إلى موضوعها وسنن الاجتماع فيها وأنها كلها تضاف بهذا الاعتبار إلى الله عز وجل أراد أن يبين حقيقة الأمر فيها من وجه آخر فقال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، قيل إن الخطاب هنا لكل من يتوجه إليه من المكلفين، وقيل للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والمراد به كل من أرسل إليهم، والمعنى مهما يصبك من حسنة فهي من محض فضل الله الذي سخر لك المنافع التي تحسن عندك لا باستحقاق سبق لك عنده وإلا فبماذا استحققت أن يسخر لك الهواء النقي الذي يطهر دمك ويحفظ حياتك، والماء العذب الذي يمد حياتك وحياة كل الأحياء التي تنتفع بها، وهذه الأزواج الكثيرة من نبات الأرض وحيواناتها، وغير ذلك من مواد الغذاء، وأسباب الراحة والهناء، ومهما يصبك من سيئة فمن نفسك فإنك أوتيت قدرة على العمل واختيارا في تقدير الباعث الفطري عليه من درء المضار وجلب المنافع فصرت تعمل باجتهادك في ترجيح بعض الأسباب والمقاصد على بعض فتخطئ فتقع فيما يسوءك، فلا أنت تسير على سنن الفطرة وتتحرى جادتها، ولا أنت تحيط علما بالسنن والأسباب وضبط الهوى والإرادة في اختيار الحسن منها، وإنما ترجح بعضها على بعض في حين دون حين بالهوى أو قبل المعرفة التامة بالنافع والضار منها فتقع فيما يسوءك ولولا ذلك لما علمت السيئات، وتفصيل القول أن هنا حقيقتين متفقتين:

أ. إحداهما: إن كل شيء من عند الله بمعنى أنه خالق الأشياء التي هي مواد المنافع والمضار، وأنه واضع النظام والسنن لأسباب الوصول إلى هذه الأشياء بسعي الإنسان، وكل شيء حسن بهذا الاعتبار، لأنه مظهر الإبداع والنظام.

ب. الثانية: إن الإنسان لا يقع في شيء يسوءه إلا بتقصير منه في استبانة الأسباب وتعرف السنن، فالسوء معنى يعرض للأشياء بتصرف الإنسان وباعتبار أنها تسوءه وليس ذاتيا لها ولذلك يسند إلى الإنسان، مثال ذلك المرض فهو من الأمور التي تسوء الإنسان وهو إنما يصيبه بتقصيره في السير على سنة الفطرة في الغذاء والعمل فيجيء من تخمة قادته إليها الشهوة، أو من إفراط في التعب أو في الراحة، أو من عدم اتقاء أسباب الضرر كتعريض نفسه للبرد القارس أو الحر الشديد، وقس على ذلك غيره من أسباب الأمراض التي ترجع كلها إلى الجهل بالأسباب وسوء الاختيار في الترجيح، والأمراض الموروثة من جناية الإنسان على الإنسان فهي من نفسه أيضا لا من أصل الفطرة والطبيعة التي هي من محض خلق الله دون اختيار الإنسان لنفسه، فوالداه يجنيان عليه قبل وجوده بتعريض أنفسهما للمرض الذي ينتقل إلى نسلهما بالوراثة كما يجنيان عليه بعده بتعريضه هو للمرض في صغره بعدم وقايته من أسبابه، في الوقت الذي يكون اختيارهما له قائما مقام اختياره لنفسه.. وأضرب لهم مثلا خاصا غزوة أحد أصابت المسلمين فيها سيئة كان سببها تقصيرهم في الوقوف عند أسباب الفوز والظفر بعصيان قائد عسكرهم ورسولهم صلّى الله عليه وآله وسلّم وترك الرماة منهم موقعهم الذي أقامهم فيه للنضال وكان ذلك لخطأ في الاجتهاد سببه الطمع في الغنيمة كما تقدم في تفسير سورة آل عمران.

2. سؤال وإشكال: إن جميع الأشياء حسنها وسيئها تسند إلى الله عز وجل ويقال إنها من عنده بمعنى أنه هو الخالق لموادها والواضع لسنن الأسباب والمسببات فيها، ويسند إلى الإنسان منها كل ما له فيه كسب وعمل اختياري سواء كان من الحسنات أو السيئات، وقد مضى بهذا عرف الناس وأيدته نصوص الكتاب والسنة بمثل قوله تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾ [الأنعام: 16] فلماذا جعل هنا إصابة الحسنة من فضل الله تعالى مطلقا وإصابة السيئة من نفس الإنسان مطلقا؟ والجواب: إن ما ذكر في السؤال حق وما في الآية حق ولكل مقام مقال، والمقام الذي سيقت الآية له هو بيان أمرين:

أ. أحدهما: نفي الشؤم والتطير وإبطالها ليعلم الناس أن ما يصيبهم من السيئات لا يصيبهم بشؤم أحد يكون فيهم، وكانوا يتشاءمون ويتطيرون في الجاهلية ولا يزال التطير والتشاؤم فاشيا في الجاهلين من جميع الشعوب وهو من الخرافات التي يردها العقل وقد أبطلها دين الفطرة، قال تعالى في آل فرعون: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الأنفال: 130] فقد جعل التطير من الجهل وفقد العلم بالحقائق.

ب. ثانيهما: أنه ينبغي لمن أصابته سيئة أن يبحث عن سببها من نفسه ولا يكتفي بعدم إسنادها إلى شؤم غيره من ليس له فيها عمل ولا كسب لأن السيئة تصيب الإنسان بما تقدم شرحه آنفا من تقصيره وخروجه بجهله أو هواه عن سنة الله في التماس المنفعة من أبوابها، واتقاء المضار باتقاء أسبابها، لأن الأصل في نظام الفطرة البشرية هو ما يجده الإنسان في نفسه من ترجيح الخير لها على الشر، والنفع على الضر، وكون كل قوة من قواه نافعة له إذا أحسن استعمالها، وليس في أصل الفطرة سيئة قط، وإنما الإنسان يقع في الضرر غالبا بسوء الاستعمال وطلب ما لا تقتضيه الفطرة لولا جنايته عليها باجتهاده، كالإفراط في اللذات والتعب تنفر منه الفطرة فيحتال الإنسان عليها ويحملها ما لا تحمله بطبعها لولا ظلمه لها كاستعمال الأدوية لإثارة شهوة الطعام والوقاع وعدم وقوفه فيهما عند حد الداعية الطبيعة كأن لا يأكل إلا إذا جاع من نفسه، ولا يملأ بطنه من الطعام بما يحمله على ذلك من الأدوية المقوية والتوابل المحرضة، فمصائب الإنسان من ظلمه وكسبه.

3. لب هذه الحقيقة الثانية التي علمنا الله إياها وربانا بها هو أن سننه تعالى في فطرة الإنسان، كسننه في فطرة سائر الحيوان والنبات، ﴿مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ﴾ [الملك: 3] كلها مصادر للحسنات، ليس فيها شيء سيء بطبعه، ولكن الإنسان فضل على غيره بما أوتي من الاستعداد للعلم، ومن الإرادة والاختيار في العمل، فإذا أحكم العلم وأحسن الاختيار مهتديا بسنن الفطرة وأحكام الشريعة وهي كلها من عند الله ومن محض فضله ورحمته كان مغمورا في الحسنات والخيرات، وإذا قصر في العلم وأساء الاختيار في استعمال قواه وأعضائه في غير ما يقتضيه نظام الفطرة وحاجة الطبيعة وقع في الأمور التي تسوؤه، فيجب عليه أن يرجع على نفسه بالمحاسبة والمعاتبة كلما أصابته سيئة، ليعتبر بها ويزداد علما وكمالا، فهذه الآية أصل من أصول علم الاجتماع وعلم النفس فيها شفاء للناس من أوهام الوثنية، وتثبيت في مقام الإنسانية.

4. تقدم القول: بأن هذه الآيات كلها من قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ﴾ إلى هنا نزلت في اليهود، والقول بأن الذي نزل فيهم هو قوله: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ﴾ وما بعده إلى هنا، كان يقول هذا يهود المدينة بعد أن هاجر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إليها، وقيل إنها نزلت في المنافقين وهو يؤيد كون السياق فيهم، وفي مرضى القلوب الذين على مقربة منهم، لا في ضعفاء الإيمان خاصة كما اختار محمد عبده، وله مقال في تفسير هاتين الآيتين وكان قد سئل عنهما فأجاب ونشرنا جوابه في المجلد الثالث من المنار (ص157)، ويحسن أن نضعه ههنا فهو موضعه وهو(2):

أ. كان بعض القوم بطرا جاهلا إذا أصابه خير ونعمة يقول إن الله تعالى قد أكرمه بما أعطاه من ذلك وأصدره من لدنه وساقه إليه من خزائن فضله عناية منه به لعلو منزلته وإذا وصل إليه شر وهو المراد من السيئة يزعم أن منبع هذا الشر هو النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأن شؤم وجوده هو ينبوع هذه السيئات والشرور، فهؤلاء الجاهلون الذين كانوا يرون الخير والشر والحسنة والسيئة يتناوبانهم قبل ظهور النبي وبعده كانوا يفرقون بينهما في السبب الأول لكل منهما فينسبون الخير أو الحسنة إلى الله تعالى على أنه مصدرها الأول ومعطيها الحقيقي يشيرون بذلك إلى أنه لا يد للنبي وينسبون الشر أو السيئة إلى النبي على أنه مصدرها الأول ومنبعها الحقيقي كذلك وأن شؤمه هو الذي رماهم بها وهذا هو معنى ﴿مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أو (من عندك) أي من لدنه ومن خزائن عطائه ومن لدنك ومن رزاياك التي ترمي بها الناس.

ب. فرد الله عليهم هذه المزاعم بقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أي أن السبب الأول وواضع أسباب الخير والشر المنعم بالنعم والرامي بالنقم إنما هو الله وحده وليس ليمن ولا لشؤم مدخل في ذلك فهو بيان للفاعل الأول الذي يرد إليه الفعل فيما لا تتناوله قدرة البشر ولا يقع عليه كسبهم وهو الذي كان يعنيه أولئك المشاقون عندما يقولون الحسنة من الله والسيئة من محمد في أنه لا دخل لاختيارهم في الأولى ولا في الثانية وأن الأولى من عناية الله بهم الثانية من شؤم محمد، عليهم فجاءت الآية ترميهم بالجهل فيما زعموا، ولو عقلوا لعلموا أن ليس لأحد فيما وراء الأسباب المعروفة فعل، الخير والشر في ذلك سواء.

ج. هذا فيما يتعلق بمن بيده الأمر الأعلى في الخير والشر والنعم والنقم، أما ما يتعلق بسنة الله في طريق كسب الخير والتوقي من الشر والتمسك بأسباب ذلك فالأمر على خلاف ما يزعمون كذلك، فإن الله سبحانه وتعالى قد وهبنا من العقل والقوى ما يكفينا في توفير أسباب سعادتنا والبعد عن مساقط الشقاء، فإذا نحن استعملنا تلك المواهب فيما وهبت لأجله وصرفنا حواسنا وعقولنا في الوجوه التي ننال منها الخير، وذلك إنما يكون بتصحيح الفكر وإخضاع جميع قوانا لأحكامه وفهم شرائع الله حق الفهم والتزام ما حدده فيها، فلا ريب في أننا ننال الخير والسعادة، ونبعد عن الشقاء والتعاسة، وهذه النعم إنما يكون مصدرها تلك المواهب الإلهية فهي من الله تعالى فما أصابك من حسنة فمن الله لأن قواك التي كسبت بها الخير واستغزرت بها الحسنات بل واستعمالك لتلك القوى إنما هو من الله لأنك لم تأت بشيء سوى استعمال ما وهب الله فاتصال الحسنة بالله ظاهر، ولا يفصلها عنه فاصل ولا ظاهر ولا باطن.

د. وأما إذا أسأنا التصرف في أعمالنا، وفرطنا في النظر في شؤوننا، وأهملنا العقل وانصرفنا عن سر ما أودع الله في شرائعه، وغفلنا عن فهمه، فاتبعنا الهوى في أفعالنا، وجلبنا بذلك الشر على أنفسنا، كان ما أصابنا من ذلك صادرا عن سوء اختيارنا، وإن كان الله تعالى هو الذي يسوقه إلينا جزاء على ما فرطنا، ولا يجوز لنا أن ننسب ذلك إلى شؤم أحد أو تصرفه، ونسبة الشر والسيئات إلينا في هذه الحالة ظاهرة الصحة فأما المواهب الإلهية بطبيعتها فهي متصلة بالخير والحسنات وإنما يبطل أثرها إهمالها، أو سوء استعمالها، وعن كلا الأمرين يساق الشر إلى أهله وهما من كسب المهملين وسيء الاستعمال فحق أن ينسب إليهم ما أصيبوا به وهم الكاسبون لسببه فقد حالوا بكسبهم بين القوى التي غرزها الله فيهم لتؤدي إلى الخير والسعادة وبين ما حقها أن تؤدي إليه من ذلك وبعدوا بها عن حكمة الله فيها وصاروا بها إلى ضد ما خلقت لأجله، فكل ما يحدث بسبب هذا الكسب الجديد فأجدر به أن لا ينسب إلا إلى كاسبه.

هـ. وحاصل الكلام في المقامين أنه إذا نظر إلى السبب الأول الذي يعطي ويمنع ويمنح ويسلب وينعم وينتقم فذلك هو الله وحده ولا يجوز أن يقال أن سواه يقدر على ذلك ومن زعم غير هذا فهو لا يكاد يفقه كلاما لأن نسبة الخير إلى الله ونسبة الشر إلى شخص من الأشخاص بهذا المعنى مما لا يكاد يعقل فإن الذي يأتي بالخير ويقدر على سوقه هو الذي يأتي بالشر ويقدر عليه فالتفريق ضرب من الخبل في العقل.

و. وإذا نظرنا إلى الأسباب المسنونة التي دعا الله الخلق إلى استعمالها ليكونوا سعداء ولا يكونوا أشقياء فمن أصابته نعمة بحسن استعماله لما وهب الله فذلك من فضل الله لأنه أحسن استعمال الآلات التي من الله عليه بها فعليه أن يحمد الله ويشكره على ما آتاه، ومن فرط أو أفرط في استعمال شيء من ذلك فلا يلومن إلا نفسه فهو الذي أساء إليها بسوء استعماله ما لديه من المواهب وليس بسائغ له أن ينسب شيئا من ذلك إلى النبي ولا إلى غيره فإن النبي أو سواه لم يغلبه على اختياره ولم يقهره على إتيان ما كان سببا في الانتقام منه.

ز. فلو عقل هؤلاء القوم لحمدوا الله وحمدوك (يا محمد) على ما ينالون من خير فإن الله هو مانحهم ما وصلوا به إلى الخير وأنت داعيهم لالتزام شرائع الله وفي التزامها سعادتهم، ثم إذا أصابهم شر كان عليهم أن يرجعوا باللائمة على أنفسهم لتقصيرهم في أعمالهم أو خروجهم عن حدود الله فعند ذلك يعلمون أن الله قد انتقم منهم للتقصير أو العصيان فيؤدبون أنفسهم ليخرجوا من نقمته إلى نعمته لأن الكل من عنده وإنما ينعم على من أحسن الاختيار ويسلب نعمته عمن أساءه.

ح. وقد تضافرت الآثار على أن طاعة الله من أسباب النعم، وإن عصيانه من مجالب النقم، وطاعة الله إنما تكون باتباع سننه، وصرف ما وهب من الوسائل فيما وهب لأجله.

ط. ولهذا النوع من التعبير نظائر في عرف التخاطب فإنك لو كنت فقيرا وأعطاك والدك مثلا رأس مال فاشتغلت بتنميته والاستفادة منه مع حسن في التصرف وقصد في الإنفاق وصرت بذلك غنيا فإنه يحق لك أن تقول إن غناك إنما كان من ذلك الذي أعطاك رأس المال وأعدّك به للغنى، أما لو أسأت التصرف فيه وأخذت تنفق منه فيما لا يرضاه واطلع على ذلك منك فاسترد ما بقي منه وحرمك نعمة التمتع به فلا ريب أن يقال أن سبب ذلك إنما هو نفسك وسوء اختيارها مع أن المعطي والمسترد في الحالين واحد وهو والدك غير أن الأمر ينسب إلى مصدره الأول إذا انتهى على حسب ما يريد وينسب إلى السبب القريب إذا جاء على غير ما يحب لأن تحويل الوسائل عن الطريق التي كان ينبغي أن تجري فيها إلى مقاصدها إنما ينسب إلى من حولها وعدل بها عما كان يجب أن تسير إليه.

ي. وهناك للآية معنى أدق، ويشعر به ذو وجدان أرق، مما يجده الغافلون من سائر الخلق، وهو أن ما وجدت من فرح ومسرة وما تمتعت به من لذة حسية أو عقلية فهو الخير الذي ساقه الله إليك واختاره لك وما خلقت إلا لتكون سعيدا بما وهبك، أما ما تجده من حزن وكدر فهو من نفسك، ولو نفذت بصيرتك إلى سر الحكمة فيما سيق إليك لفرحت بالمحزن فرحك بالسار وإنما أنت بقصر نظرك تحب أن تختار ما لم يختره لك العليم بك المدبر لشأنك ولو نظرت إلى العالم نظرة من يعرفه حق المعرفة وأخذته كما هو وعلى ما هو عليه لكانت المصائب لديك منزلة التوابل الحريفة يضيفها طاهيك على ما يهيئ لك من طعام لتزيد حسن طعم وتشحذ منك الاشتهاء لاستيفاء اللذة، واستحسنت بذلك كل ما اختاره الله لك ولا يمنعك ذلك من التزام حدوده والتعرض لنعمه، والتحول عن مصاب نقمة، فإن اللذة التي تجدها في النقمة إنما هي لذة التأديب، ومتاع التعليم والتهذيب، وهو متاع تجتني فائدته، ولا تلتزم طريقته، فكما يسر طالب الأدب أن يتحمل المشقة في تحصيله وأن يلتذ بما يلاقيه من تعب فيه، يسره كذلك أن يرتقي فوق المقام إلى مستوى يجد نفسه فيه متمتعا بما حصل، بالغا ما أمل، وفي هذا كفاية لمن يريد أن يكتفي.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/268.

(2) تقسيم الفروع هنا ليس منهجيا، وإنما من باب التبسيط فقط

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ هذا خطاب لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم، والمقصود منه من أرسل إليهم، أي إن كل حسنة تصيبك أيها المؤمن فهي من فضل الله وجوده، فهو الذي سخر لك المنافع التي تتمتع بها وتحسن لديك، فقد سخر لك الهواء الذي يحفظ الحياة، والماء العذب الذي يمد كل الأحياء، وأزواج النبات والحيوان وغيرهما من موادّ الغذاء وأنعم عليك بوسائل الراحة والهناء، وكل سيئة تصيبك فهي من نفسك فإنك بما أوتيت من قدرة على العمل، واختيار في درء المفاسد وجلب المنافع، وترجيح لبعض المقاصد على بعض، قد تخطئ في معرفة ما يسوء وما ينفع، لأنك لا تضبط إرادتك وهواك، ولا تحيط علما بالسنن والأسباب، فأنت ترجح بعضا على بعض إما بالهوى أو قبل أن تحيط خبرا بمعرفة النافع والضار فتقع فيما يسوء.

2. الخلاصة ـ إن هاهنا شيئين لا بد من معرفتهما:

أ. إن كل شيء من عند الله على معنى أنه خالق الأشياء وواضع النظم والسنن للوصول إلى هذه الأشياء بسعى الإنسان وكسبه، وكل شيء حسن بهذا الاعتبار لأنه مظهر الإبداع والنظام.

ب. إن الإنسان لا يقع فيما يسوءه إلا بتقصير منه في معرفة السنن والأسباب، فالسوء إنما ينسب إلى الأشياء بتصرف الإنسان باعتبار أنها تسوءه وليس بذاتىّ لها، ومن ثم ينسب ذلك إلى الإنسان، فالمرض مثلا يسوءه، وهو إنما يكون بتقصيره في السير على نهج الفطرة في التغذية، فقد يكون من تخمة قادته إليها شهوته أو من إفراط في تعب أو راحة أو من تعرض للبرد القارس أو للحر الشديد أو نحو أولئك من لأسباب التي ترجع كلها إلى سوء الاختيار، كما أن الأمراض الموروثة هي من جناية الإنسان على الإنسان فهي من نفسه أيضا، لا من أصل الفطرة والطبيعة التي هي محض خلق الله دون اختيار الإنسان لنفسه، فالوالدان قد يجنيان على المرء بتعريض أنفسهما للمرض الذي ينتقل إلى نسلهما بالوراثة، كما يجنيان عليه في صغره بعدم وقايته من أسبابه حين يكون اختيارهما له تاما قائما مقام اختياره لنفسه.

3. أحيانا تسند الأشياء جميعها إلى الله ويقال إنها من عنده بمعنى أنه هو الخالق لها والواضع لسنن الأسباب والمسببات فيها، ويسند إلى الإنسان منها كل ما له فيه كسب وعمل اختياري سواء كان من الحسنات والسيئات، وقد مضى بهذا كلام الناس وأيدته نصوص الكتاب والسنة كقوله تعالى‏ ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وبهذا الاعتبار يقال إصابة الحسنة من فضل الله تعالى مطلقا، وإصابة السيئة من نفس الإنسان مطلقا، ولكل من الإطلاقين مقام يقال فيه، والمقام الذي سيقت له الآية في بيان نفى الشؤم والتطير وإبطالهما، ليعلم الناس أن ما يصيبهم من السيئات لا يكون بشؤم أحد، وكانوا يتشاءمون ويتطيرون في الجاهلية، وقد أبطل ذلك الإسلام لكنه لا يزال فاشيا إلى الآن.

4. ينبغى للإنسان حينما تصيبه سيئة أن يبحث عن سببها من نفسه، لأنها إنما تصيبه لجهله بالسنن التي وضعها الله من التماس المنافع من أسبابها، واتقاء المضار بالبعد عن أسبابها، بترجيحه فعل ما ينفع على فعل ما يضر، وقد تضافرت الآثار على أن طاعة الله من أسباب النعم، وأن عصيانه مما يجلب النقم وطاعته إنما تكون باتباع سنته وصرف ما وهب من الوسائل فيما وهب لأجله، وهذه الآية أصل من أصول الاجتماع وعلم النفس، وفيها شفاء للناس من خرافات الوثنية، وارتفاع وتكريم للنفس الإنسانية.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/98.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ هذه الآية الكريمة تقرر حقيقة أخرى، ليست داخلة ولا متداخلة مع مجال الحقيقة الأولى.. إنها في واد آخر.. والنظرة فيها من زاوية أخرى: إن الله ـ سبحانه ـ قد سن منهجا، وشرع طريقا، ودل على الخير، وحذر من الشر.. فحين يتبع الإنسان هذا المنهج، ويسير في هذا الطريق، ويحاول الخير، ويحذر الشر.. فإن الله يعينه على الهدى كما قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾.. ويظفر الإنسان بالحسنة.. ولا يهم أن تكون من الظواهر التي يحسبها الناس من الخارج كسبا.. إنما هي الحسنة فعلا في ميزان الله تعالى.. وتكون من عند الله، لأن الله هو الذي‏ سن المنهج وشرع الطريق ودل على الخير وحذر من الشر.

2. وحين لا يتبع الإنسان منهج الله الذي سنه، ولا يسلك طريقة الذي شرعه، ولا يحاول الخير الذي دله عليه، ولا يحذر الشر الذي حذره منه.. حينئذ تصيبه السيئة، السيئة الحقيقية، سواء في الدنيا أو في الآخرة أو فيهما معا.. ويكون هذا من عند نفسه، لأنه هو الذي لم يتبع منهج الله وطريقه، وهذا معنى غير المعنى الأول، ومجال غير المجال الأول.. كما هو واضح فيما نحسب، ولا يغير هذا من الحقيقة الأولى شيئا، وهي أن تحقق الحسنة، وتحقق السيئة ووقوعهما لا يتم إلا بقدرة الله وقدره، لأنه المنشئ لكل ما ينشأ، المحدث لكل ما يحدث، الخالق لكل ما يكون.. أيا كانت ملابسة إرادة الناس وعملهم في هذا الذي يحدث، وهذا الذي يكون‏.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/719.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ هو استكمال للصورة التي يتحدّد بها موقف الإنسان من الكسب، ومدى مسئوليته فيما يعمل من خير أو شر، ومن حسن أو قبيح، فقد بيّن الله في قوله سبحانه: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ أن كل شيء يقع في هذا الوجود هو بتقديره، وعن علمه، وبإرادته.. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾

2. وهذا ـ على إطلاقه يعنى أن الإنسان لا كسب له، وإنما هو وما يقع منه من أعمال، ليس إلا مظهرا لإرادة الله، وإعلانا لما قضت به مشيئته! وهذا يعنى أيضا أن الإنسان غير مسئول عن غيّه أو رشاده، وكفره، أو إيمانه، إذ لا إرادة له، مع تلك الإرادة الإلهية الغالبة، ولا مشيئة مع تلك المشيئة العلوية القاهرة! ولكن واقع الإنسان ينبئ عن أنه ذو إرادة، وذو مشيئة، وأنه يريد، ويشاء.. وأنه يقف بين طريقي الخير والشر، فيريد هذا الطريق أو ذاك، حسب تقديره، ويرتضى الكفر أو الإيمان، حسب مشيئته.. ليس هناك قوة ظاهرة تحمله على أي الأمرين، وإنما ذلك إلى إرادته ومشيئته، وإذن فهناك معادلتان يراد التوفيق بينهما: معادلة تقول: الخير والشر جميعا من عند الله.. ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾.. والمعادلة الأخرى تقول: الخير من عند الله، والشر من عمل الإنسان.. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾

3. والحق أنه مع النظر والتأمل نجد أنه ليس هناك معادلتان، بل هما معادلة واحدة، وأن قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ هي نفس ما تضمنه قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وأنه إذا كان الله تعالى قد أضاف الخير إلى نفسه، وأضاف الشرّ إلى الإنسان، فما ذلك إلا إعمالا لإرادة الإنسان، وإيقاظا لوجوده، وإلا فإن الأمر كله لله، وليس للإنسان منه شيء، وأن على الإنسان في مواجهته للحياة، أن يستقلّ بإرادته، وألا يضيفها إلى الله.. فإن حصّل بتلك الإرادة خيرا حمد الله عليه، وشكر له أن وفقه وهداه، وإن حصّل شرّا نظر إلى نفسه، فألقى باللائمة عليها، وصحح موقفه الذي أورده موارد الشر.. وذلك على الأقل ـ وإن لم يزحزح الإنسان عما أراد الله لهـ يجعل الشرّ أمرا بغيضا حتى عند أهله الذين ساقهم قدرهم إليه.. وذلك أضعف الإيمان في مواجهة الشرّ.

4. وبهذا يستقيم للإنسانية في مجموعها رأى في الخير وفي الشر، فتحتفى بالخير وترضى عنه، وتبغض الشر وتنفر منه.. وبهذا يتوازن ميزان الحياة.. فيكون فيها الخير والشر، والأخيار والأشرار.. الأمر الذي لا تكون الحياة حياة إلا بهما، ولا يكون الناس ناسا إلّا معهما جميعا! وإذا استقام في الإنسانية أن الخير طيّب محبوب، وأن الشرّ خبيث مكره، فإنه مطلوب من الإنسان ـ كل إنسان ـ أن يسعى جاهدا إلى تحصيل الخير والاستزادة منه، وأن ينفر جاهدا من الشرّ والتخفف منه.. وألا يستولى عليه في حاليه هذين أي شعور بأنه مهما جدّ وجهد فلن يبلغ من جدّه واجتهاده إلا ما قدّره الله له... وكتبه عليه.. فذلك ـ وإن يكن الحقّ كلّ الحق ـ أمر غير مكشوف له، وأن عليه أن يعمل للخير، وأن يجدّ في تحصيله، وأن يدع المصير الذي هو صائر إليه، لتقدير الله وحكمه.. ﴿أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ﴾

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/842.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد أن أمر الله رسوله بما يجيب به هؤلاء الضالّين علّمه حقيقة التفصيل في إصابة الحسنة والسيئة من جهة تمحّض النسبة إلى الله تعالى أو اختلاطها بالانتساب إلى العبد، فقال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، ووجّه الخطاب للرسول لأنّه المبلّغ عن الله، ولأنّ هذا الجواب لإبطال ما نسبه الضالّون إليه من كونه مصدر السيّئات التي تصيبهم.

2. أعلم أنّ للحوادث كلّها مؤثّرا، وسببا مقارنا، وأدلّة تنبئ عنها وعن عواقبها، فهذه ثلاثة أشياء لا تخلو عنها الحوادث كلّها، سواء كانت غير اختيارية، أم اختيارية كأفعال العباد، فالله قدّر المنافع والمضارّ بعلمه وقدره وخلق مؤثّراتها وأسبابها، فهذا الجزء لله وحده لقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾

3. والله أقام بالألطاف الموجودات، فأوجدها ويسّر لها أسباب البقاء والانتفاع بما أودع فيها من العقول والإلهامات، وحفّها كلّها في سائر أحوالها بألطاف كثيرة، لولاها لما بقيت الأنواع، وساق إليها أصول الملاءمة، ودفع عنها أسباب الآلام في الغالب، فالله لطيف بعباده، فهذا الجزء لله وحده لقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ والله نصب الأدلّة للناس على المنافع والمضارّ التي تكتسب بمختلف الأدلّة الضرورية، والعقلية، والعادية، والشرعية، وعلّم طرائق الوصول إليها، وطرائق الحيدة عنها، وأرشد إلى موانع التأثير لمن شاء أن يمانعها، وبعث الرسل وشرع الشرائع فعلّمنا بذلك كلّه أحوال الأشياء ومنافعها ومضارّها، وعواقب ذلك الظاهرة والخفيّة، في الدنيا والآخرة، فأكمل المنّة، وأقام الحجّة، وقطع المعذرة، فهدى بذلك وحذّر إذ خلق العقول ووسائل المعارف، ونمّاها بالتفكيرات والإلهامات، وخلق البواعث على التعليم والتعلّم، فهذا الجزء أيضا لله وحده، وأمّا الأسباب المقارنة للحوادث الحسنة والسيّئة والجانية لجناها حين تصيب الإنسان من الاهتداء إلى وسائل مصادفة المنافع، والجهل بتلك الوسائل، والإغضاء عن موانع الوقوع فيها في الخير والشرّ، فذلك بمقدار ما يحصّله الإنسان من وسائل الرشاد، وباختياره الصالح لاجتناء الخير، ومقدارا ضدّ ذلك: من غلبة الجهل، أو غلبة الهوى، ومن الارتماء في المهالك بدون تبصّر، وذلك جزء صغير في جانب الأجزاء التي قدّمناها، وهذا الجزء جعل الله للإنسان حظّا فيه، ملّكه إيّاه، فإذا جاءت الحسنة أحدا فإنّ مجيئها إيّاه بخلق الله تعالى لا محالة ممّا لا صنعة للعبد فيه، أو بما أرشد الله به العبد حتّى علم طريق اجتناء الحسنة، أي الشيء الملائم وخلق له استعداده لاختيار الصالح فيما له فيه اختيار من الأفعال النافعة حسبما أرشده الله تعالى، فكانت المنّة فيها لله وحده، إذ لولا لطفه وإرشاده وهديه، لكان الإنسان في حيرة، فصحّ أنّ الحسنة من الله، لأنّ أعظم الأسباب أو كلّها منه.

4. أمّا السيّئة فإنّها وإن كانت تأتي بتأثير الله تعالى، ولكن إصابة معظمها الإنسان يأتي من جهله، أو تفريطه، أو سوء نظره في العواقب، أو تغليب هواه على رشده، وهنالك‏ سيّئات الإنسان من غير تسبّبه مثل ما أصاب الأمم من خسف وأوبئة، وذلك نادر بالنسبة لأكثر السيّئات، على أنّ بعضا منه كان جزاء على سوء فعل، فلا جرم كان الحظّ الأعظم في إصابة السيّئة الإنسان لتسبّبه مباشرة أو بواسطة، فصحّ أن يسند تسبّبها إليه، لأنّ الجزء الذي هو لله وحده منها هو الأقلّ، وقد فسّر هذا المعنى ما ورد في (الصحيح)، ففي حديث الترمذي‏ (لا يصيب عبدا نكبة فما فوقها أو ما دونها إلّا بذنب وما يعفو الله أكثر)

5. شملت الحسنة والسيّئة ما كان من الأعيان، كالمطر والصواعق، والثمرة والجراد، وما كان من الأعراض كالصحّة، وهبوب الصّبا، والربح في التجارة، وأضدادها كالمرض، والسّموم المهلكة، والخسارة، وفي هذا النوع كان سبب نزول هذه الآية، ويلحق بذلك ما هو من أفعال العباد كالطاعات النافعة للطائع وغيره، والمعاصي الضارّة به وبالناس، وفي هذا الأمر جاء قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي وَإِنِ اهْتَدَيْتُ فَبِمَا يُوحِي إِلَيَّ رَبِّي﴾ [سبأ: 50] وهو على نحو هذه الآية وإن لم تكن نازلة فيه.

6. لكون هذه القضية دقيقة الفهم نبّه الله على قلّة فهمهم للمعاني الخفيّة بقوله: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، فقوله: ﴿لَا يَكَادُونَ﴾ يجوز أن يكون جاريا على نظائره من اعتبار القلب، أي يكادون لا يفقهون، كما تقدّم عند قوله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ [البقرة: 71] فيكون فيه استبقاء عليهم في المذمّة، ويجوز أن يكون على أصل وضع التركيب، أي لا يقاربون فهم الحديث الذي لا يعقله إلّا الفطناء، فيكون أشدّ في المذمّة، والفقه فهم ما يحتاج إلى إعمال فكر، قال الراغب: (هو التوصّل إلى علم غائب بعلم شاهد، وهو أخص من العلم)، وعرفه غيره بأنّه (إدراك الأشياء الخفيّة)

7. والخطاب في قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ خطاب للرسول، وهذا هو الأليق بتناسق الضمائر، ثم يعلم أن غيره مثله في ذلك.

8. وقد شاع الاستدلال بهذه الآية على أنّ أفعال العباد مخلوقة لله تعالى على طريقة الشيخ أبي الحسن الأشعري لقوله: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾، كما شاع استدلال المعتزلة بها على أنّ الله لا يخلق المعصية والشرّ لقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، وقال أبو الحسن شبيب بن حيدرة المالكي في كتاب (حزّ الغلاصم): إنّ الاحتجاج بها في كلا الأمرين جهل لابتنائه على توهّم أنّ الحسنة والسيّئة هي الطاعة والمعصية، وليستا كذلك، وأنا أقول: إنّ أهل السنّة ما استدلّوا بها إلّا قولا بموجب استدلال المعتزلة بها على التفرقة بين اكتساب الخير والشّرّ على أنّ عموم معنى الحسنة والسيئة ـ كما بيّنته آنفا ـ يجعل الآية صالحة للاستدلال، وهو استدلال تقريبي لأنّ أصول الدين لا يستدلّ فيها بالظواهر كالعموم.

9. وجي‏ء في حكاية قولهم: ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ـ ﴿يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ بكلمة (عند) للدلالة على قوّة نسبة الحسنة إلى الله ونسبة السيّئة للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أي قالوا ما يفيد جزمهم بذلك الانتساب، ولمّا أمر الله رسوله أن يجيبهم قال: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ مشاكلة لقولهم، وإعرابا عن التقدير الأزلي عند الله.

10. أمّا قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فلم يؤت فيه بكلمة (عند)، إيماء إلى أنّ ابتداء مجيء الحسنة من الله ومجيء السيّئة من نفس المخاطب، ابتداء المتسبّب لسبب الفعل، وليس ابتداء المؤثّر في الأثر.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/195.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذه الآيات تتميم للمعاني التي اشتملت عليها الآيات السابقة، فإن هؤلاء المنافقين وضعاف الإيمان، كانوا يحملون النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم تبعة الهزيمة إن كانت!، وإن كان ما يحسن في نظرهم قالوا: هذا بفضل الله، ونسوا أن كل شيء بتقدير الله سبحانه وتعالى وتوفيقه، فقد قدر النصر والفوز، كما قدر الضرر والأذى، وكل من عند الله سبحانه وتعالى، وقد حسب أولئك المنافقون والضعفاء أن البعد عن‏ القتال ينجيهم من الموت، فبين الله سبحانه أنه لا نجاة من الموت، وأنه حيثما كان الشخص فالموت مدركه ولا حقه.

2. وفي هذه الآيات يبين سبحانه أن ما يصيبك من أمر يحسن عندك، فإنه بفضل الله تعالى؛ إذ وفقك إلى سببه، وجعل السبب منتهيا بالنتيجة وما أصابك من أمر يسوؤك فبسببك وعمل منك، وأن الرسول لا يحمل أوزاركم، وأن طاعته واجبة في المنشط والمكر، وأن الذين يظهرون الطاعة بألسنتهم أمامه، ويبيتون العصيان من ورائه، الله بهم عليم، ولذا قال سبحانه: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ في هذا النص الكريم تخريجان:

أ. أحدهما: أن هذا من كلام الله تعالى، والخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهو من بعد ذلك خطاب لكل مكلف مطالب بالعمل بالشرع الشريف، والمراد بالحسنة ما يكون فيه ما يسر وما يحسن في نظر الإنسان، والسيئة ما يسوء في نظر الإنسان، والمعنى على هذا التخريج: ما أصابكم من أمور حسنة فبتوفيق الله تعالى لكم، وجعل النتائج مترتبة على أعمالكم التي اتخذتم فيها الأسباب، ولم تتقاصروا عن الاتجاه فيها إلى أسباب الظفر، وما يصيبكم مما يسوؤكم وينزل بكم من غم، فلتجنبكم الأسباب الموصلة إلى الغاية، ومخالفتكم أوامر الله ورؤسائكم، كما كان الشأن في أحد، فما كان الأمر الذي ساء إلا من المحاربين الذين أمروا فخالفوا، وما كان النصر في بدر إلا من الله، وإطاعتهم الأوامر، والتوفيق بين النص الكريم، وقوله من قبل: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ [النساء]، هو أن النص الأول كان موضوعه الكلام في تقدير الله، فهم إن انتصر المؤمنون لا ينسبون للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أي فضل، بل يجردونه من الفضل، ويقولون هو من عند الله! وما قصدوا التفويض والإيمان بالقدر، بل قصدوا الغض من مقام النبوة! وإن كان ما يسوء نسبوه إلى النبيّ إيذاء وتمردا، فالله قال لهم: كل ذلك بتقدير الله وإرادته، أما هذا النص: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾، فموضوعه اتخاذ الأسباب، ومعناه أن من أخذ الأسباب وتوكل على الله، فالله تعالى يعطيه النتائج، ومن لا يتخذ الأسباب أو يخالف المنهاج السليم الموصل إلى الثمرة، أو لا يتوكل على الله تعالى ولا يفوض إليه، فإنه سيناله ما يسوؤه، وبسبب منه؛ فالأول لبيان القدر، والثاني لبيان العمل.

ب. الثاني: أن يكون: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، من حكاية قول المنافقين والضعفاء في إيمانهم؛ لأن آخر الآية السابقة: ﴿فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾ [النساء]، ثم ذكر سبحانه حديثهم الذي لم يفقهوه، وهو قولهم: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ إلخ، ويكون الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فهم يقولون له: ليس لك من فضل في النصر الذي تناله، فإن ما أصابك من ظفر فمن الله، وما أصابك من هزيمة فمن نفسك! وقد ذكر هذا التخريج القرطبي وقال: (والمعنى: فمال هؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، حتى يقولوا: ما أصابك الله من حسنة فمن الله!)، ويكون ذلك الكلام على هذا التخريج ترديدا لقولهم: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾، ويكون في الأول الحديث عن أنفسهم، وفي الثاني الحديث عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، ففي الأول معنى التطير والتشاؤم، وفي الثاني تجريد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم من كل فضل!

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1775.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. سؤال وإشكال: ان الله سبحانه أصاف في الآية الأولى كلا من الحسنة والسيئة الى نفسه، حيث قال ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ وفي هذه الآية ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أضاف الحسنة اليه، والسيئة الى العبد، فما هو وجه الجمع؟ والجواب: قدمنا ان المراد بالحسنة في الآية الأولى خير الطبيعة، وبالسيئة شرها، وانهما من ظواهر الطبيعة، وهي من صنع الله، فصحت نسبتهما اليه تعالى بهذا الاعتبار، أما المراد بالحسنة في الآية الثانية فهو نجاح المرء في هذه الحياة دينا ودنيا، والمراد بالسيئة فشله وخذلانه فيهما، وقد نسب الله سبحانه هذا النجاح المعبر عنه بالحسنة، نسبه الى نفسه بالنظر الى انه تعالى قد زوّد الإنسان بالصحة والإدراك، وأمره بالعمل من أجل سعادته في الدارين، فإن امتثل وعمل وبلغ‏ النجاح نسب نجاحه الى الله، لأنه هو الذي أقدره عليه، وزوده بأدواته، وبهذا اللحاظ قال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾

2. وأيضا يجوز أن ينسب النجاح الى الإنسان، لأنه آثر الجد والعمل على الإهمال والكسل.. ولا دلالة في الآية على ان الإنسان لا تأثير له إطلاقا في نجاحه، أما إذا أهمل وتكاسل، ولم يصل الى شيء بسبب إهماله وتكاسله فلا ينسب فشله وحرمانه الا اليه، لأنه هو الذي بلغ بنفسه هذا المبلغ بسوء ما اختار لها من الإهمال، وبهذا الاعتبار قال سبحانه: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، ولا يجوز أن ينسب الفشل الى الله بحال، لأنه جل وعلا قد أمر الإنسان بالعمل، وحثه عليه بعد أن زوده بجميع الأدوات والمؤهلات.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/387.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ لما ذكر أنهم لا يكادون يفقهون حديثا ثم أراد بيان حقيقة الأمر، صرف الخطاب عنهم لسقوط فهمهم، ووجه وجه الكلام إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وبين حقيقة ما يصيبه من حسنة أو سيئة لذاك الشأن، وليس للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في نفسه خصوصية في هذه الحقيقة التي هي من الأحكام الوجودية الدائرة بين جميع الموجودات، ولا أقل بين جميع الأفراد من الإنسان‏ من مؤمن أو كافر، أو صالح أو طالح، ونبي أو من دونه.

2. فالحسنات‏ وهي الأمور التي يستحسنها الإنسان بالطبع كالعافية والنعمة والأمن والرفاهية كل ذلك من الله سبحانه، والسيئات‏ وهي الأمور التي تسوء الإنسان كالمرض والذلة والمسكنة والفتنة كل ذلك يعود إلى الإنسان لا إليه سبحانه فالآية قريبة مضمونا من قوله تعالى:‏ ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ ولا ينافي ذلك رجوع جميع الحسنات والسيئات بنظر كلي آخر إليه تعالى كما سيجي‏ء بيانه.

3. كلام في استناد الحسنات والسيئات إليه تعالى(2):

أ. يشبه أن يكون الإنسان أول ما تنبه على معنى الحسن تنبه عليه من مشاهدة الجمال في أبناء نوعه الذي هو اعتدال الخلقة، وتناسب نسب الأعضاء وخاصة في الوجه ثم‏ في سائر الأمور المحسوسة من الطبيعيات ويرجع بالآخرة إلى موافقة الشيء لما يقصد من نوعه طبعا، فحسن وجه الإنسان كون كل من العين والحاجب والأذن والأنف والفم وغيرها على حال أو صفة ينبغي أن يركب في نفسه عليها، وكذا نسبة بعضها إلى بعض، وحينئذ تنجذب النفس ويميل الطبع إليه، ويسمى كون الشيء على خلاف هذا الوصف بالسوء والمساءة والقبح على اختلاف الاعتبارات الملحوظة فالمساءة معنى عدمي كما أن الحسن معنى وجودي.

ب. ثم عمم ذلك إلى الأفعال والمعاني الاعتبارية والعناوين المقصودة في ظرف الاجتماع من حيث ملاءمتها لغرض الاجتماع وهو سعادة الحياة الإنسانية أو التمتع من الحياة، وعدم ملاءمتها فالعدل حسن، والإحسان إلى مستحقه حسن، والتعليم والتربية والنصح وما أشبه ذلك في مواردها حسنات، والظلم والعدوان وما أشبه ذلك سيئات قبيحة لملاءمة القبيل الأول لسعادة الإنسان أو لتمتعه التام في ظرف اجتماعه وعدم ملاءمة القبيل الثاني لذلك، وهذا القسم من الحسن وما يقابله تابع للفعل الذي يتصف به من حيث ملاءمته لغرض الاجتماع فمن الأفعال ما حسنه دائمي ثابت إذا كان ملاءمته لغاية الاجتماع وغرضه كذلك كالعدل، ومنها ما قبحه كذلك كالظلم.

ج. ومن الأفعال ما يختلف حاله بحسب الأحوال والأوقات والأمكنة أو المجتمعات فالضحك والدعابة حسن عند الخلان لا عند الأعاظم، وفي محافل السرور دون المأتم، ودون المساجد والمعابد، والزنا وشرب الخمر حسن عند الغربيين دون المسلمين.

د. ولا تصغ إلى قول من يقول: إن الحسن والقبح مختلفان متغيران مطلقا من غير ثبات ولا دوام ولا كلية، ويستدل على ذلك في مثل العدل والظلم بأن ما هو عدل عند أمة بإجراء أمور من مقررات اجتماعية غير ما هو عدل عند أمة أخرى بإنفاذ مقررات أخرى اجتماعية فلا يستقر معنى العدل على شيء معين فالجلد للزاني عدل في الإسلام وليس كذلك عند الغربيين، وهكذا، وذلك أن هؤلاء قد اختلط عليهم الأمر، واشتبه المفهوم عندهم بالمصداق، ولا كلام لنا مع من هذا مبلغ فهمه.

هـ. والإنسان على حسب تحول العوامل المؤثرة في الاجتماعات يرضى بتغيير جميع أحكامه الاجتماعية دفعة أو تدريجا ولا يرضى قط بأن يسلب عنه وصف العدل، ويسمى ظالما، ولا بأن يجد ظلما لظالم إلا مع الاعتذار عنه، وللكلام ذيل طويل يخرجنا الاشتغال به عن ما هو أهم منه.

و. ثم عمم معنى الحسن والقبح لسائر الحوادث الخارجية التي تستقبل الإنسان مدى حياته على حسب تأثير مختلف العوامل وهي الحوادث الفردية أو الاجتماعية التي منها ما يوافق آمال الإنسان، ويلائم سعادته في حياته الفردية أو الاجتماعية من عافية أو صحة أو رخاء، وتسمى حسنات، ومنها ما ينافي ذلك كالبلايا والمحن من فقر أو مرض أو ذلة أو إسارة ونحو ذلك، وتسمى سيئات.

ز. فقد ظهر مما تقدم أن الحسنة والسيئة يتصف بهما الأمور أو الأفعال من جهة إضافتها إلى كمال نوع أو سعادة فرد أو غير ذلك فالحسن والقبح وصفان إضافيان، وإن كانت الإضافة في بعض الموارد ثابتة لازمة، وفي بعضها متغيرة كبذل المال الذي هو حسن بالنسبة إلى مستحقه وسيئ بالنسبة إلى غير المستحق، وأن الحسن أمر ثبوتي دائما والمساءة والقبح معنى عدمي وهو فقدان الأمر صفة الملاءمة والموافقة المذكورة، وإلا فمتن الشيء أو الفعل مع قطع النظر عن الموافقة وعدم الموافقة المذكورين واحد من غير تفاوت فيه أصلا.

ح. فالزلزلة والسيل الهادم إذا حلا ساحة قوم كانا نعمتين حسنتين لأعدائهم وهما نازلتان سيئتان عليهم أنفسهم، وكل بلاء عام في نظر الدين سراء إذا نزل بالكفار المفسدين في الأرض أو الفجار العتاة، وهو بعينه ضراء إذا نزل بالأمة المؤمنة الصالحة، وأكل الطعام حسن مباح إذا كان من مال آكله مثلا، وهو بعينه سيئة محرمة إذا كان من مال الغير من غير رضا منه لفقدانه امتثال النهي الوارد عن أكل مال الغير بغير رضاه، أو امتثال الأمر الوارد بالاقتصار على ما أحل الله، والمباشرة بين الرجل والمرأة حسنة مباحة إذا كان عن ازدواج مثلا، وسيئة محرمة إذا كان سفاحا من غير نكاح لفقدانه موافقة التكليف الإلهي فالحسنات عناوين وجودية في الأمور والأفعال، والسيئات عناوين عدمية فيهما، ومتن الشيء المتصف بالحسن والسوء واحد.

ط. والذي يراه القرآن الشريف أن كل ما يقع عليه اسم الشيء ما خلا الله ـ عز اسمه ـ مخلوق لله قال تعالى‏ ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾: وقال تعالى: ﴿وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا﴾: والآيتان تثبتان الخلقة في كل شيء، ثم قال تعالى: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾: فأثبت الحسن لكل مخلوق، وهو حسن لازم للخلقة غير منفك عنها يدور مدارها.

ي. فكل شيء له حظ من الحسن على قدر حظه من الخلقة والوجود، والتأمل في معنى الحسن (على ما تقدم) يوضح ذلك مزيد إيضاح فإن‏ الحسن‏ موافقة الشيء وملاءمته للغرض المطلوب والغاية المقصودة منه، وأجزاء الوجود وأبعاض هذا النظام الكوني متلائمة متوافقة، وحاشا رب العالمين أن يخلق ما تتنافى أجزاؤه، ويبطل بعضه بعضا فيخل بالغرض المطلوب، أو يعجزه تعالى أو يبطل ما أراده من هذا النظام العجيب الذي يبهت العقل ويحير الفكرة، وقد قال تعالى‏ ﴿هُوَاللهُ الْواحِدُ الْقَهَّارُ﴾ وقال تعالى: ﴿وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ﴾، وقال تعالى‏ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيمًا قَدِيرًا﴾ فهو تعالى لا يقهره شيء ولا يعجزه شيء في ما يريده من خلقه ويشاؤه في عباده.

ك. فكل نعمة حسنة في الوجود منسوبة إليه تعالى، وكذلك كل نازلة سيئة إلا أنها في نفسها أي بحسب أصل النسبة الدائرة بين موجودات المخلوقة منسوبة إليه تعالى وإن كانت بحسب نسبة أخرى سيئة، وهذا هو الذي يفيده قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا﴾، وقوله‏: ﴿فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ إلى غير ذلك من الآيات.

ل. وأما جهة السيئة فالقرآن الكريم يسندها في الإنسان إلى نفس الإنسان بقوله تعالى في هذه السورة: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ الآية وقوله تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾: وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، وقوله تعالى ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾: وغيرها من الآيات.

م. وتوضيح ذلك أن الآيات السابقة كما عرفت تجعل هذه النوازل السيئة كالحسنات أمورا حسنة في خلقتها فلا يبقى لكونها سيئة إلا أنها لا تلائم طباع بعض الأشياء التي تتضرر بها فيرجع الأمر بالآخرة إلى أن الله لم يجد لهذه الأشياء المبتلاة المتضررة بما تطلبه وتشتاق إليه بحسب طباعها، فإمساك الجود هذا هو الذي يعد بلية سيئة بالنسبة إلى هذه الأشياء المتضررة كما يوضحه كل الإيضاح قوله تعالى: ﴿ما يَفْتَحِ اللهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلا مُمْسِكَ لَها وَما يُمْسِكْ فَلا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَالْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، ثم بين تعالى أن إمساك الجود عما أمسك عنه أو الزيادة والنقيصة في إفاضة رحمته إنما يتبع أو يوافق مقدار ما يسعه ظرفه، وما يمكنه أن يستوفيه من ذلك، قال تعالى فيما ضربه من المثل: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾، وقال: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ﴾: فهو تعالى إنما يعطي على قدر ما يستحقه الشيء وعلى ما يعلم من حاله، قال ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَاللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ومن المعلوم أن النعمة والنقمة والبلاء والرخاء بالنسبة إلى كل شيء ما يناسب خصوص حاله كما يبينه قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَمُوَلِّيها﴾، فإنما يولي كل شيء ويطلب وجهته الخاصة به وغايته التي تناسب حاله.

ن. ومن هنا يمكنك أن تحدس أن السراء والضراء والنعمة والبلاء بالنسبة إلى هذا الإنسان الذي يعيش في ظرف الاختيار في تعليم القرآن أمور مرتبطة باختياره فإنه واقع في صراط ينتهي به بحسن السلوك وعدمه إلى سعادته وشقائه كل ذلك من سنخ ما لاختياره فيه مدخل.

س. والقرآن الكريم يصدق هذا الحدس، قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾، فلما في أنفسهم من النيات الطاهرة والأعمال الصالحة دخل في النعمة التي خصوا بها فإذا غيروا غير الله بإمساك رحمته وقال: ﴿وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ﴾ فلأعمالهم تأثير في ما ينزل بهم من النوازل ويصيبهم من المصائب، والله يعفو عن كثير منها، وقال تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ الآية.

ع. وإياك أن تظن أن الله سبحانه حين أوحى هذه الآية إلى نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم نسي الحقيقة الباهرة التي أبانها بقوله: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، وقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ﴾، فعد كل شيء مخلوقا لنفسه حسنا في نفسه وقد قال ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، وقال: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ فمعنى قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ الآية، أن ما أصابك من حسنة ـ وكل ما أصابك حسنة ـ فمن الله، وما أصابك من سيئة فهي سيئة بالنسبة إليك حيث لا يلائم ما تقصده وتشتهيه وإن كانت في نفسها حسنة فإنما جرتها إليك نفسك باختيارها السيئ، واستدعتها كذلك من الله فالله أجل من أن يبدأك بشر أو ضر.

ف. والآية كما تقدم وإن كانت خصت النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بالخطاب لكن المعنى عام للجميع، وبعبارة أخرى هذه الآية كالآيتين الأخريين ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا﴾ الآية ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ﴾ الآية متكفلة للخطاب الاجتماعي كتكفلها للخطاب الفردي، فإن للمجتمع الإنساني كينونة إنسانية وإرادة واختيارا غير ما للفرد من ذلك، فالمجتمع ذو كينونة يستهلك فيها الماضون والغابرون من أفراده، ويؤاخذ متأخروهم بسيئات المتقدمين، والأموات بسيئات الأحياء، والفرد غير المقدم بذنب المقترفين للذنوب وهكذا، وليس يصح ذلك في الفرد بحسب حكمه في نفسه أبدا، وقد تقدم شطر من هذا الكلام في بحث أحكام الأعمال في الجزء الثاني من هذا الكتاب.

ص. فهذا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أصيب في غزوة أحد في وجهه وثناياه، وأصيب المسلمون بما أصيبوا، وهو صلّى الله عليه وآله وسلّم نبي معصوم إن أسند ما أصيب به إلى مجتمعة وقد خالفوا أمر الله ورسوله كان ذلك مصيبة سيئة أصابته بما كسبت أيدي مجتمعة وهو فيهم، وإن أسند إلى شخصه الشريف كان ذلك محنة إلهية أصابته في سبيل الله، وفي طريق دعوته الطاهرة إلى الله على بصيرة فإنما هي نعمة رافعة للدرجات، وكذا كل ما أصاب قوما من السيئات إنما تستند إلى أعمالهم على ما يراه القرآن ولا يرى إلا الحق، وأما ما أصابهم من الحسنات فمن الله سبحانه.

ق. نعم هاهنا آيات أخر ربما نسبت إليهم الحسنات بعض النسبة كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾، وقوله: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُمْ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُمْ مِنَ الصَّالِحِينَ﴾: والآيات في هذا المعنى كثيرة جدا، إلا إن الله سبحانه يذكر في كلامه أن شيئا من خلقه لا يقدر على شيء مما يقصده من الغاية، ولا يهتدي إلى خير إلا بإقدار الله وهدايته قال تعالى: ﴿الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَدًا﴾، ويتبين بهاتين الآيتين وما تقدم معنى آخر لكون الحسنات لله عز اسمه، وهو أن الإنسان لا يملك حسنة إلا بتمليك من الله وإيصال منه فالحسنات كلها لله والسيئات للإنسان، وبه يظهر معنى قوله تعالى (﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ الآية.

ر. فلله سبحانه الحسنات بما أن كل حسن مخلوق له، والخلق والحسن لا ينفكان، وله الحسنات بما أنها خيرات، وبيده الخير لا يملكه غيره إلا بتمليكه، ولا ينسب إليه شيء من السيئات فإن السيئة من حيث إنها سيئة غير مخلوقة وشأنه الخلق، وإنما السيئة فقدان الإنسان مثلا رحمة من لدنه تعالى أمسك عنها بما قدمته أيدي الناس، وأما الحسنة والسيئة بمعنى الطاعة والمعصية فقد تقدم الكلام في نسبتهما إلى الله سبحانه في الكلام على قوله تعالى‏ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾ في الجزء الأول من هذا الكتاب.

ش. وأنت لو راجعت التفاسير في هذا المقام، وجدت من شتات القول ومختلف الآراء والأهواء وأقسام الإشكالات ما يبهتك، وأرجو أن يكون فيما ذكرناه كفاية للمتدبر في كلامه تعالى، وعليك في هذا البحث بتفكيك جهات البحث بعضها عن بعض، وتفهم ما يتعارفه القرآن من معنى الحسنة والسيئة، والنعمة والنقمة، والفرق بين شخصية المجتمع والفرد حتى يتضح لك مغزى الكلام.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏5/9.

(2) تقسيم الفروع هنا ليس منهجيا، وإنما من باب التبسيط فقط، انظر: الميزان في تفسير القرآن: ‏5/11.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ من نعمة وخير ﴿فَمَنَّ اللَّهُ﴾ تفضل ﴿وَمَا أَصَابَكَ﴾ من مصيبة ﴿فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ أنت سببت له، وهذا معنى نسبته إلى العبد أنه بسبب العبد مع أنه من الله، فلا تعارض، وقد قال في مصيبة (أُحُدٍ): ﴿أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَمِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ﴾ [آل عمران: 165] وقال تعالى: ﴿وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوعَنْ كَثِيرٍ﴾ [الشورى: 30] ولا يجب في التسبيب كله أن يكون معصية متعمدة، بل يمكن أن يكون خطأ ويكون سبباً للمصيبة، وليست عقوبة كأكل بعض الطعام الذي يضر بغير تعمد.

2. نعم قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ﴾ الظاهر: أنه خطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ومن فائدة ذلك: أن يعرف الجاهلون الذين قال تعالى فيهم: ﴿وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ أن يعرفوا أن ما أصابهم فبما كسبت أيديهم؛ لأنهم أولى لعصيانهم تعمداً بخلاف الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/116.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. إذا كانت هذه الآية ترجع الأمور كلها إلى الله، باعتبار أنه مصدر كل شيء، فإن الآية الأخيرة تنسب الحسنة إلى الله، والسيئة إلى الإنسان وذلك قوله تعالى: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾، ولعل القضية ترجع إلى اختلاف الحيثية؛ فقد كانت الآية الأولى واردة في مورد الرد على الذين يتطيرون بالرسول، فينسبون التأثيرات السيئة إليه، فكان المناسب أن تعالج الفكرة على أساس أن العباد لا يملكون التأثير في مجريات الأمور، لأن الله هو مصدر كل شيء، فلا يملك أحد تبديل أيّ شيء وتغييره إلا بإذنه.

2. أما الآية الثانية، فقد وردت في مورد الحديث عن تأثير أفعال العباد في حدوث كثير من المشاكل والأزمات والآلام، باعتبار علاقة المقدمات بالنتائج، وذلك لما أودعه الله من قانون السببية في الكون؛ وبذلك أمكن نسبة السيئة إلى الإنسان، وهي التعبير عن مظاهر المشاكل والآلام في حياة الإنسان، أما الحسنة، فإنها إذا كانت تصدر من الإنسان بشكل مباشر، فإن نسبتها إلى الله أكثر، باعتبار ما أعدّه الله من مقدمات، وما وجّه إليه من أعمال، حتى أن إرادة الإنسان الخيّرة قد تحركت بفعل التوجيه الإلهي، بينما الأمر في السيئة على العكس، لأن التوجيه كان متعلقا برفض السير في هذا الاتجاه، وقد تحدث القرآن في أكثر من آية عن هذا الموضوع، كما في قوله تعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾ [الروم: 41]، فلم يبق هناك أي تناف بين مفاد الآيتين، من خلال اختلاف طبيعة الجهة التي تدعو إلى اختلاف النسبة؛ والله العالم.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/364.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في هذه الآية الكريمة يصرّح القرآن بأنّ كل ما يصيب الإنسان من خيرات وفوائد وكل ما يواجهه الكائن البشري من سرور وانتصار هو من عند الله، وإن ما يحصل للإنسان من سوء وضرر وهزيمة أو خسارة فهو بسبب الإنسان نفسه تقول الآية: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ وتردّ الآية في آخرها على أولئك الذين كانوا يرون وجود النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم سببا لوقوع الحوادث المؤسفة فيما بينهم فتقول: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾،

2. سؤال وإشكال: السّؤال المهم الذي يتبادر إلى الذهن حين قراءة هاتين الآيتين الأخيرتين هو: لماذا نسب الخير والشر في الآية الأولى كلّه لله؟ ولما ذا حصرت الآية التالية الخير ـ وحده ـ لله، ونسبت الشرّ إلى الإنسان؟ والجواب: حين نمعن النظر في الآيتين تواجهنا عدّة أمور، يمكن لكل منها أن يكون هو الجواب على هذا السؤال.

أ. لو أجرينا تحليلا على عناصر تكوين الشر لرأينا أنّ لها اتجاهين: أحدهما إيجابي والآخر سلبي، والاتجاه الأخير هو الذي يجسد شكل الشر أو السيئة ويبرزه على صورة (خسارة نسبية) فالإنسان الذي يقدم على قتل نظيره بسلاح ناري أو سلاح بارد يكون قد ارتكب بالطبع عملا شريرا وسيئا، فما هي إذن عوامل حدوث هذا العمل الشرير؟ إنّها تتكون من: أوّلا: قدرة الإنسان وعقله وقدرة السلاح والقدرة على الرمي والتهديف الصحيحين واختيار المكان والزمان المناسبين، وهذه تشكل عناصر الاتجاه الإيجابي للقضية، لأنّ كل عنصر منها يستطيع في حدّ ذاته أن يستخدم كعامل لفعل حسن إذا استغل الاستغلال الحكيم، أمّا الاتجاه السلبي فهو في استغلال كل من هذه العناصر في غير محله، فبدلا من أن يستخدم السلاح لدرء خطر حيوان مفترس أو للتصدي لقاتل ومجرم خطير، يستخدم في قتل إنسان بريء فيجسد بذلك فعل الشر، وإلّا فإنّ قدرة الإنسان وعقله وقدرته على الرمي والتهديف، وأصل السلاح وكل هذه العناصر، يمكن أن يستفاد منها في مجال الخير، وحين تنسب الآية الأولى الخير والشرّ كلّه لله، فإن ذلك معناه أنّ مصادر القوّة جميعها بيد الله العليم القدير حتى تلك القوّة التي يساء استخدامها، ومن هذا المنطلق تنسب الخير والشرّ لله، لأنّه هو واهب القوى، والآية الثّانية: تنسب (السيئات) إلى الناس انطلاقا من مفهوم (الجوانب السلبية) للقضية ومن الإساءة في استخدام المواهب الإلهية، تماما مثل والد وهب ابنه مالا ليبني به دارا جديدة، لكن هذا الولد بدلا من أن يستخدم هذا المال في بناء البيت المطلوب، اشترى مخدرات ضارة أو صرفه في مجالات الفساد والفحشاء، لا شك أنّ الوالد هو مصدر هذا المال، لكن أحدا لا ينسب تصرف الابن لوالده، لأنه أعطاه للولد لغرض خيري حسن، لكن الولد أساء استغلال المال، فهو فاعل الشرّ، وليس لوالده دخل في فعلته هذه.

ب. ويمكن القول ـ أيضا ـ بأنّ الآية الكريمة إنّما تشير إلى موضوع (الأمر بين الأمرين)، وهذه قضية بحثت في مسألة الجبر والتفويض، وخلاصة القول فيها أنّ جميع وقائع العالم خيرا كانت أم شرّا ـ هي من جانب واحد تتصل بالله سبحانه القدير لأنّه هو الذي وهب الإنسان القدرة والقوّة وحرية الانتخاب والإختيار، وعلى هذا الأساس فإنّ كل ما يختاره الإنسان ويفعله بإرادته وحريته لا يخرج عن إرادة الله، لكن هذا الفعل ينسب للإنسان لأنّه صادر عن وجوده، وإرادته هي التي تحدد اتجاه الفعل، ومن هنا فإنّنا مسئولون عن أعمالنا، واستناد أعمالنا إلى الله ـ بالشكل الذي أوضحناه ـ لا يسلب عنّا المسؤولية ولا يؤدي إلى الإعتقاد بالجبر، وعلى هذا الأساس حين تنسب (الحسنات) و(السيئات) إلى الله سبحانه وتعالى، فلفاعلية الله في كل شيء، وحين تنسب السيئة إلى الإنسان فلإرادته وحريته في الإختيار، وحصيلة هذا البحث إنّ الآيتين معا تثبتان قضية الأمر (الأمر بين الأمرين)

ج. هناك تفسير ثالث للآيتين ورد فيما أثر عن أهل البيت عليهم السّلام، وهو أنّ‏ المقصود من عبارة السّيئات جزاء الأعمال السيئة وعقوبة المعاصي التي ينزلها الله بالعاصين، ولما كانت العقوبة هي نتيجة لأفعال العاصين من العباد، لذلك تنسب أحيانا إلى العباد أنفسهم وأحيانا أخرى إلى الله، وكلا النسبتين صحيحتان، إذ يمكن القول في قضية إنّ القاضي هو الذي قطع يد السارق، كما يجوز أن يقال إنّ السارق هو السبب في قطع يده لارتكابه السرقة.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/338.

75. الرسول والطاعة

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈75⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ [النساء: 79 ـ 80]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

الربيع:

روي عن الربيع بن خثيم (ت 61 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: حرف وأيما حرف: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾، فوض إليه فلا يأمر إلا بخير(1).

2. روي أنّه قال: كان يتحاكم إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في الجاهلية قبل الإسلام، واختص في الإسلام.. وحرف وحرف ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾(2).

__________

(1) ابن المنذر (٢٠٣٥.

(2) عبد الله بن أحمد في زوائد الزهد..

ابن عمر:

روي عن ابن عمر (ت 74 هـ) أنّه قال: كنا عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم في نفر من أصحابه، فقال: يا هؤلاء، ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن الله أنزل في كتابه أنه من أطاعني فقد أطاع الله؟، قالوا: بلى، نشهد أنه من أطاعك فقد أطاع الله، وإن من طاعته طاعتك، قال: فإن من طاعة الله أن تطيعوني، وإن من طاعتي أن تطيعوا أئمتكم، وإن صلوا قعودا فصلوا قعودا أجمعين(1).

__________

(1) أحمد ٩/٤٩٠.

الباقر:

روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) أنّه قال: ذروة الأمر وسنامه ومفاتحه، وباب الأشياء، ورضا الرحمن، الطاعة للإمام بعد معرفته، إن الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أما لو أن رجلا قام ليله، وصام نهاره، وتصدق بجميع ماله، وحج جميع دهره، ولم يعرف ولي الله فيواليه، وتكون جميع أعماله بدلالته إليه، ما كان له على الله عز وجل حق في ثوابه، ولا كان من أهل الإيمان ـ ثم قال ـ أولئك المحسن منهم، يدخله الله الجنة بفضل رحمته(1).

__________

(1) الكافي 2/16.

زيد:

روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) أنّه قال: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ معناه محاسب(1).

__________

(1) تفسير الإمام زيد، ص 122.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) أنّه قال: إن الله أدب نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم على محبته، فقال: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ ثم فوض إليه الأمر فقال: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا﴾ وقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ وإن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فوض إلى علي عليه السلام وأئتمنه فسلمتم وجحد الناس، فو الله لنحبكم أن تقولوا إذا قلنا، وأن تصمتوا إذا صمتنا، ونحن فيمابينكم وبين الله، والله ما جعل لأحد من خير في خلاف أمرنا(1).

__________

(1) تفسير العيّاشي 1/259.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾، يعني: فلا شاهد أفضل من الله بأنك رسوله(1).

2. روي أنّه قال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾، وذلك: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال في المدينة: (من أحبني فقد أحب الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله)، فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى هذا الرجل وما يقول! لقد قارب الشرك، وهو ينهى ألا يعبد إلا الله، فما حمله على الذي قال إلا أن نتخذه حنانا ـ يعنون: ربا ـ كما اتخذت النصارى عيسى ابن مريم حنانا!؟ فأنزل الله عز وجل تصديقا لقول نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾(1).

3. روي أنّه قال: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أعرض عن طاعتهما ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ يعني: رقيبا(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٩١.

ابن زيد:

روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) أنه سئل عن قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، قال هذا أول ما بعثه، قال: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: ٤٨]، ثم جاء بعد هذا يأمره بجهادهم والغلظة عليهم حتى يسلموا(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٤٦.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله عزّ وجل: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾، قيل في حرف حفصة: (وأرسلناك إلى الناس رسولا)

2. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ يحتمل وجوها:

أ. يحتمل: مبينا.

ب. ويحتمل: حجة.

ج. ويحتمل: أن يكون جعل علم الأنبياء والرسل عليهم السلام وتبليغهم الخبر إليهم شهادته وكفي به شهيدا على ما أضاف بيعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إليه، ونصر أوليائه إليه، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ آيَةً أَنْ يَعْلَمَهُ عُلَمَاءُ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: 197]

د. ويحتمل: شهيدا مبينا، أو حكما مبينا، فمعناه: فيبين لهم بالمعاينة ما كان بينه بالدلالة والآيات، وحكما فاصلا بين المحق والمبطل؛ فيخرج الوجهان جميعا مخرج الإعراض عن المحاجة بما ظهر من العناد والمكابرة، وتفويض الأمر إلى الله وإخبار عن الفراغ مما كان عليه فيهم من حق البلاغ، ولا قوة إلا بالله.

3. وقوله عزّ وجل: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾:

أ. لأن الله تعالى أمر بطاعة الرسول، فإذا أطاع رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقد أطاع الله تعالى لأنه اتبع أمره؛ ألا ترى أنه قال عزّ وجل: و﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾ [النساء: 59] وحتى جعل طاعة الرسول من شرط الإيمان بقوله عزّ وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾ الآية [النساء: 65]

ب. الثاني: أن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم إنما يأمر بطاعة الله، فإن أطاع رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم وائتمر بأمره فقد أطاع الله عز وجل لأنه هو الآمر بطاعة الله، وبالله التوفيق.

ج. وقيل: لأن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يأمر بأمر الله تعالى لذلك كانت طاعته طاعة الله، وذكر في بعض الأخبار أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال في المدينة: (من أحبّني فقد أحبّ الله تعالى ومن أطاعني فقد أطاع الله) فعيره المنافقون في ذلك فأنزل الله تعالى تصديقا لقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، وروي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (من أطاع الله فقد ذكر وإن قلّت صلاته وصيامه وتلاوته القرآن، ومن عصاه فقد نسى الله تعالى وإن كثر صيامه وصلاته وتلاوته القرآن)، فطاعة الله تعالى إنما تكون في اتباع أمره، وانتهاء مناهيه، وكذلك حبه إنما يكون في اتباع أمره‏ ونواهيه؛ كقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ﴾ [آل‏ عمران: 31]، وقوله أيضا: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ ظاهر مكشوف، حقيقته أنه يطيعه لطاعة الله؛ إذ الأمر يطيعه على أنه يدعوه إلى طاعته، وطاعته إجابته له بما يطيع الله به، وحكمته أنه لم يجعل مسلك الطاعة عبادة وإن كانت هي لله عبادة، ولا تجوز عبادة الرسول؛ فصير الله تعالى طاعته عبادة لله تعالى فأعلم: أن الطاعة قد تكون غير مستحقة لاسم العبادة؛ إذ قد يسمى لا من ذلك الوجه، ولذلك جاز القول بمطاع في الخلق، ولا يجوز بمعبود.. وأيضا: فيه شهادة له بالعصمة في كل ما دعا إليه وأمر به، وإلزام للخلق بالشهادة له بالصدق في ذلك والقيام به، أكد بقوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ﴾ [النور: 63]، وبقوله عزّ وجل: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ الآيتين جميعا [النساء: 65]، وذلك الإباء على لزوم طاعته أخوف مخالفة العذاب الأليم، وأزال عن الواجد في نفسه من قضائه الحرج الإيمان، ثم ليست طاعته في فعله خاصة، أو قول ما يقوله، ولكنّها بوجهين:

أ. أحدهما: اعتقاد كل فعل وقول على ما عليه عنده من خصوص، أو عموم، أو إلزام، أو آداب، أو إباحة، أو ترغيب.

ب. الثاني: في الوفاء بالذي منه المراد فيه من أن يفعل كفعله أو يتقي ذلك، أو يستعمله في حق الإباحة، أو ما أراد من محله فيه، يعرف موقع كل من ذلك بالأدلة، ولا قوة إلا بالله.

4. قول من يقول: لا يلزم طاعته في فعله أو يلزم، كلام بهذا الإطلاق لا معنى له.

5. قوله عزّ وجل: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ يحتمل وجهين:

أ. في أعمالهم وأفعالهم، فإنما عليهم ما عملوا وعليكم ما عملتم، ما تسأل أنت عن أعمالهم، ولا يسألون عما فعلتم.

ب. ويحتمل قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ يطلع على سرائرهم، إنما عليك أن تعاملهم على الظاهر.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/268.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ وإنما كانت طاعة الرسول طاعة الله عز وجل لأنها موافقة لإرادة الله تعالى.

2. ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ يعني حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع منهم.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/187.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ وإنما كانت طاعة لله لأنها موافقة لأمر الله تعالى.

2. في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تأويلان:

أ. أحدهما: يعني حافظا لهم من المعاصي حتى لا تقع منهم.

ب. الثاني: حافظا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها فتخاف ألّا تقوم بها، فإن الله تعالى هو المجازي عليها.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/510.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. وجه اتصال هذه الآية بما قبلها انه لما ذكر الحسنة التي هي نعمة من الله، بين أن منها إرسال نبي الله ثم بين أن منها طاعة الرسول التي هي طاعة الله، فهو في ذكر نعم الله مجملة، ومفصلة، وفيها تسليمة للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في تولي الناس عنه وعن الحق الذي جاء به، ومع تضمنها تعظيم شأنه بكون طاعته طاعة الله.

2. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ معناه من الحسنة ارسالك يا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم ومن السيئة خلافك يا محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم وكفى بالله شهيداً لك وعليك، والمعنى وكفى الله، وقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ﴾ معنى (من) هنا للتبيين ولو قال إن أصابك من حسنة كانت زائدة لا معنى لها.

3. ﴿وَرَسُولًا﴾ نصب بارسلناك، وإنما ذكره تأكيداً لأن أرسلناك دل على أنه رسول، ﴿وشهيداً﴾ نصب على التمييز، لأنك إذا قلت كفى الله ولم تبين في أي شيء الكفاية كنت مبهماً، وقوله: ﴿وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ دخلت الفاء في الجواب لأن معنى (ما) من وادخل من على السيئة، لأن ما نفي و(من) يحسن ان تزاد في النفي مثل ما جاءني من أحد.

4. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ بين الله تعالى بهذه الآية أن طاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم طاعة الله، وإنما كان كذلك، لأن طاعة الرسول بأمر الله، فهي طاعة الله على الحقيقة، وبإرادته وان كانت أيضاً طاعة للنبي من حيث وافقت ارادته المستدعية للفعل، فأما الامر الواحد، فلا يكون من آمرين كما لا يكون فعل واحد من فاعلين.

5. ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أي اعرض ولم يطع‏ ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ وقيل في معناه ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: قال ابن زيد: حافظاً لهم من التولي حتى يسلموا.

ب. الثاني: حافظاً لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها، لأن الله تعالى هو المجاري عليها.

ج. الثالث: قال أبو علي: حافظاً لهم من المعاصي حتى لا تقع، قال ابن زيد: هذا أول ما بعث، كما قيل له: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ ثم أمر فيما بعد بالجهاد.

6. وجه جواب الجزاء في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ من المعاصي حتى لا تقع ـ في قول أبي علي ـ وعلى القول الآخر لأنك لم ترسل عليهم حفيظاً لاعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف أن لا تقوم بها، وفي الآية دلالة على ان الرسول لا يأمر بالخطإ، لأن الله تعالى جعل طاعته طاعة نفسه، والله لا يأمر بالخطإ بلا خلاف.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/267.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الحفيظ: الحافظ إلا أن في فَعِيلٍ مبالغة كما في عليم وقدير، تقول: حفظت الشيء حفظا، ومنه التحفظ: قلة الغفلة.

2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. عن ابن عباس أن المنافقين أظهروا التصديق، وقالوا: أمرك طاعة، وأضمروا الخلاف، فأنزل الله تعالى هذه الآية.

ب. وقيل: إن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يقول: (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن أحبني فقد أحب الله)، فقال بعض المنافقين: ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربًا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾

3. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمد ﴿لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾:

أ. قيل: عليك البلاغ فقط.

ب. وقيل: مبينًا لهم.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾:

أ. قيل: حسبك الله شاهدًا على أن النعم من الله وفضله، وأن المعاصي من العبد.

ب. وقيل: حسبك الله شاهدًا أنك قد أبلغت.

ج. وقيل: حسبك الله شاهدًا أنك رسوله عن أبي مسلم.

د. وقيل: حسبك به شاهدًا على مَنْ آمن بك، أو رد عليك.

هـ. وقيل: شاهدًا فيما لك وعليك.

5. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ في أوامره ﴿فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾؛ لأنه لا يأمر بشيء إلا بأمر الله تعالى، وينطق بوحيه، فطاعته طاعة الله فاستمعوا له وأطيعوا ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أعرض عن أمره وإجابته، وفيه حذف أي: فأعرض عنهم ولا بأس عليك.

6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾:

أ. قيل: حافظًا من المعاصي حتى لا تقع عن أبي علي.

ب. وقيل: حافظًا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها؛ لأنه تعالى هو المجازي بها.

ج. وقيل: حافظا لهم من الثواب حتى يسلموا عن ابن زيد.

د. وقيل: محاسبًا عن القتبي.

7. تدل الآيات الكريمة على:

أ. أنه رسول إلى الكافة؛ لأنه عم قوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ وقد علم ذلك من دينه ضرورة.

ب. أن طاعة الرسول واجبة ومخالفته محرمة، فيدل أن الرسول معصوم؛ ليكون جميع ما يأمر به طاعة.

ج. يدل قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ على أنه لا يؤخذ بشيء من أعمالهم، وقد قال بعضهم: إن هذا كان في ابتداء الإسلام، ثم أمر بالجهاد، ونسخ بآية السيف عن ابن زيد وجماعة، ومن قال: ليس فيهِ، وقد بينا ما قيل فيه.

8. وجه جواب الجزاء بقوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ فيه قولان:

أ. الأول: أن فيه اختصارًا تقديره: فمن تولى فليس عليك بأس؛ لأنك لم تُرْسَلْ حفيظًا عليهم من المعاصي كي لا تقع، في معنى قول أبي علي.

ب. وقيل: إنك لم ترسل عليهم حفيظًا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها فيخاف ألَّا تقوم بها.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/714

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ معناه: ومن الحسنة إرسالك يا محمد، ومن السيئة خلافك يا محمد ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ لك وعليك.

2. قيل في معنى اتصاله بما قبلها: إن ما أصابهم فبشؤم ذنوبهم، وإنما أنت رسول، طاعتك طاعة الله، ومعصيتك معصية الله، لا يطير بك، بل الخير كله فيك.

3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾:

أ. قيل: أي كفى الله، ومعناه: حسبك الله شاهدا لك على رسالتك.

ب. وقيل، معناه: كفى بالله شهيدا على عباده بما يعملون من خير وشر، فعلى هذا يكون متضمنا للترغيب في الخير، والتحذير عن الشر.

4. ثم رغب تعالى في طاعة الرسول فقال: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾: بين أن طاعته طاعة الله، وإنما كانت كذلك لأنها وإن كانت طاعة للنبي من حيث وافقت إرادته المستدعية للفعل، فإنها طاعة الله أيضا على الحقيقة، إذ كانت بأمره وإرادته، فأما الامر الواحد، فلا يكون على الحقيقة من أمرين، كما أن الفعل الواحد لا يكون من فاعلين.

5. ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أي: ومن أعرض، ولم يطع ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾:

أ. قيل: أي حافظا لهم من التولي، حتى يسلموا، عن ابن زيد، قال: فكان هذا أول ما بعث، كما قال في موضع آخر: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ ثم أمر فيما بعد بالجهاد.

ب. وقيل: معناه ما أرسلناك حافظا لأعمالهم التي يقع الجزاء عليها، فتخاف أن لا تقوم بها، لأنا نحن نجازيهم عليها.

ج. وقيل: حافظا لهم من المعاصي حتى لا تقع، عن الجبائي.

6. في هذه الآية تسلية للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم في تولي الناس عنه، مع ما فيه من تعظيم شأنه، بكون طاعته طاعة الله، ثم بين أن المنافقين أظهروا طاعته، وأضمروا خلافه.

7. مسائل لغوية ونحوية:

أ. رسولا: منصوب بـ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ وإنما ذكره تأكيدا لان أرسلناك دل على أنه رسول.

ب. ﴿شَهِيدًا﴾: نصب على التمييز.

ج. جواب الجزاء في قوله: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ تقديره: ومن تولى فليس عليك بأس، لأنك لم ترسل حفيظا عليهم.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/121.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ قال الزجّاج: ذكر الرسول مؤكّد لقوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾، والباء في (بالله) مؤكّدة، والمعنى: وكفى بالله شهيدا، و(شهيدا): منصوب على التّمييز، لأنك إذا قلت: كفى بالله، ولم تبيّن في أيّ شيء الكفاية كنت مبهما.

2. في المراد بشهادة الله هاهنا ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: شهيدا لك بأنّك رسوله، قاله مقاتل،

ب. الثاني: على مقالتهم، قاله ابن السّائب،

ج. الثالث: لك بالبلاغ، وعليهم بالتّكذيب والنّفاق، قاله أبو سليمان الدّمشقيّ.

3. سؤال وإشكال: كيف عاب الله هؤلاء حين قالوا: إن الحسنة من عند الله، والسّيئة من عند النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم، وردّ عليهم بقوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ ثم عاد فقال: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ فهل قال القوم إلا هكذا؟ والجواب: عنه جوابان:

أ. أحدهما: أنهم أضافوا السّيئة إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم تشاؤما به، فردّ عليهم، فقال: كلّ بتقدير الله، ثم قال ما أصابك من حسنة، فمن الله، أي: من فضله، وما أصابك من سيئة، فبذنبك، وإن كان الكلّ من الله تقديرا،

ب. الثاني: أن جماعة من أرباب المعاني قالوا: في الكلام محذوف مقدّر، تقديره: فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثا، يقولون: ما أصابك من حسنة فمن الله، وما أصابك من سيئة فمن نفسك، فيكون هذا من قولهم، والمحذوف المقدّر في القرآن كثير، ومنه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا﴾ أي: يقولان: ربّنا، ومثله‏ ﴿أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ﴾ أي: فحلق، ففدية، ومثله‏ ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَكَفَرْتُمْ﴾ أي: فيقال لهم، ومثله‏ ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ﴾ أي: يقولون سلام، ومثله‏ ﴿أَوْ كُلِّمَ بِهِ الْمَوْتَى بَلْ لِلَّهِ الْأَمْرُ﴾ أراد: لكان هذا القرآن، ومثله‏ ﴿ولولا فَضْلُ اللهِ عَلَيْكُمْ ورَحْمَتُهُ وأَنَّ اللهَ رَؤُوف رَحِيمٌ‏﴾ أراد: لعذّبكم، ومثله‏ ﴿رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا﴾ أي: يقولون، وقال النّمر بن تولب:

çفإنّ المنيّة من يخشها...فسوف تصادفه أينماé

أراد: أينما ذهب، وقال غيره:

çفأقسم لو شيء أتانا رسوله‏...سواك ولكن لم نجد لك مدفعاé

أراد: لرددناه.

__________

(1) زاد المسير: 1/436.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ يعني ليس لك إلا الرسالة والتبليغ، وقد فعلت ذلك وما قصرت‏ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على جدك وعدم تقصيرك في أداء الرسالة وتبليغ الوحي، فأما حصول الهداية فليس إليك بل إلى الله، ونظيره قوله تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: 128] وقوله: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56] فهذا جملة ما خطر بالبال في هذه الآية، والله أعلم بأسرار كلامه.

2. ثم إنه تعالى أكد هذا الذي قلناه فقال تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ والمعنى أن من أطاع الرسول لكونه رسولا مبلغا إلى الخلق أحكام الله فهو في الحقيقة ما أطاع إلا الله، وذلك في الحقيقة لا يكون إلا بتوفيق الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا، فان من أعماه الله عن الرشد وأضله عن الطريق، فان أحدا من الخلق لا يقدر على إرشاده.

3. من أنار الله قلبه بنور الهداية قطع بأن الأمر كما ذكرنا، فإنك ترى الدليل الواحد تعرضه على شخصين في مجلس واحد، ثم إن أحدهما يزداد إيمانا على إيمان عند سماعه، والآخر يزداد كفرا على كفر عند سماعه، ولو أن المحب لذلك الكلام أراد أن يخرج عن قلبه حب ذلك الكلام واعتقاد صحته لم يقدر عليه، ولو أن المبغض له أراد أن يخرج عن قلبه بغض ذلك الكلام واعتقاد فساده لم يقدر، ثم بعد أيام ربما انقلب المحب مبغضا والمبغض محبا، فمن تأمل للبرهان القاطع الذي ذكرناه في أنه لا بد من إسناد جميع الممكنات إلى واجب الوجود، ثم اعتبر من نفسه الاستقراء الذي ذكرناه، ثم لم يقطع بأن الكل بقضاء الله وقدره، فليجعل واقعته من أدل الدلائل على أنه لا تحصل الهداية إلا بخلق الله من جهة أن مع العلم بمثل هذا الدليل، ومع العلم بمثل هذا الاستقراء لما لم يحصل في قلبه هذا الاعتقاد، عرف أنه ليس ذلك إلا بأن الله صده عنه ومنعه منه.

4. قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ من أقوى الدلائل على أنه معصوم في جميع الأوامر والنواهي وفي كل ما يبلغه عن الله، لأنه لو أخطأ في شيء منها لم تكن طاعته طاعة الله وأيضا وجب أن يكون معصوما في جميع أفعاله، لأنه تعالى أمر بمتابعته في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ [الأعراف: 158] والمتابعة عبارة عن الإتيان بمثل فعل الغير لأجل أنه فعل ذلك الغير، فكان الآتي بمثل ذلك الفعل مطيعا لله في قوله: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾ فثبت أن الانقياد له في جميع أقواله وفي جميع أفعاله، إلا ما خصه الدليل، طاعة لله وانقياد لحكم الله.

5. قال الشافعي في كتاب الرسالة في باب فرض الطاعة للرسول: ان قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ يدل على أن كل تكليف كلف الله به عباده في باب الوضوء والصلاة والزكاة والصوم والحج وسائر الأبواب في القرآن، ولم يكن ذلك التكليف مبينا في القرآن، فحينئذ لا سبيل لنا إلى القيام بتلك التكاليف إلا ببيان الرسول، وإذا كان الأمر كذلك لزم القول بأن طاعة الرسول عين طاعة الله، هذا معنى كلام الشافعي.

6. قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ يدل على أنه لا طاعة إلا لله ألبتة، وذلك لأن طاعة الرسول لكونه رسولا فيما هو فيه رسول لا تكون إلا طاعة الله، فكانت الآية دالة على أنه لا طاعة لأحد إلا لله، قال مقاتل في هذه الآية: ان النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يقول: (من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله)، فقال المنافقون: لقد قارب هذا الرجل الشرك وهو ان ينهى أن نعبد غير الله، ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية.

7. بينا كيفية دلالة الآية على أنه لا طاعة ألبتة للرسول، وإنما الطاعة لله، أما قوله: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ففيه قولان:

أ. أحدهما: أن المراد من التولي هو التولي بالقلب، يعني يا محمد حكمك على الظواهر، أما البواطن فلا تتعرض لها.

ب. الثاني: أن المراد به التولي بالظاهر.

8. ثم هاهنا ففي قوله تعالى: ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ قولان:

أ. الأول: معناه فلا ينبغي أن تغتم بسبب ذلك التولي وأن تحزن، فما أرسلناك لتحفظ الناس عن المعاصي، والسبب في ذلك أنه صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يشتد حزنه بسبب كفرهم وإعراضهم، فالله تعالى ذكر هذا الكلام تسلية له صلّى الله عليه وآله وسلّم عن ذلك الحزن،

ب. الثاني: أن المعنى فما أرسلناك لتشتغل بزجرهم عن ذلك التولي وهو كقوله: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ [البقرة: 256] ثم نسخ هذا بعده بآية الجهاد.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/149.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ مصدر مؤكد، ويجوز أن يكون المعنى ذا رسالة ﴿وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا﴾ نصب على البيان والباء زائدة، أي كفى الله شهيدا على صدق رسالة نبيه وأنه صادق.

2. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللهَ﴾ أعلم الله تعالى أن طاعة رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم طاعة له، وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أنه قال: (من أطاعني فقد أطاع الله ومن يعصني فقد عصى الله ومن يطع الأمير فقد أطاعني ومن يعص الأمير فقد عصاني) في رواية: (ومن أطاع أميري، ومن عصى أميري)

3. ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أي أعرض، ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي حافظا ورقيبا لأعمالهم، إنما عليك البلاغ، وقال القتبي: محاسبا، فنسخ الله هذا بآية السيف وأمره بقتال من خالف الله ورسوله.

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/288.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ فيه: أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذا من النداء بشرف رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم وعلوّ شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره، ولا يبلغ مداه، ووجهه: أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه.

2. ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ أي: أعرض‏ ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي: حافظا لأعمالهم، إنما عليك البلاغ، وقد نسخ هذا بآية السيف‏.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/566.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ يا محمَّد ﴿لِلنَّاسِ﴾ كلِّهم، أي: إلى الناس، أو اللام على ظاهرها، لأنَّه صلّى الله عليه وآله وسلّم نافع لهم ﴿رَسُولاً﴾ حال مؤكِّدة، أو مصدر مؤكِّد بمعنى إرسالاً، أو وصفٌ بمعنى المصدر، وإن عُلِّق بـ (رَسُولاً) فالتقديم للحصر، أي: رسولاً إلى كلِّ الناس العرب والعجم لا إلى العرب خاصَّة، ﴿وَكَفَىٰ بِاللهِ شَهِيدًا﴾ على رسالتك بنصب المعجزات لك عليهم، وبإنزال النصِّ على رسالتك وعلى صدقك، وتكذيب الناس لك.

2. ﴿مَنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ فَقَدَ اَطَاعَ اللهَ﴾ لأنَّه يقول عن الله تعالى ، وما يقول باجتهاد على فرض أنَّه يجتهد، فإِنَّ الله أباحه له، فطاعته فيه طاعة لله، ﴿وَمَن تَوَلَّىٰ﴾ عن طاعته، كما يناسب الظاهر وهو لفظ الرسول، فإنَّ الظاهر من قبيل الغَيْبة، أو مَن تولَّى عن طاعتك على طريق الالتفات، ويدلُّ له التعليل النائب عن الجواب، والتقدير: فلا يهمَّـنَّك أمرُه، أو تعاقب بذنبه، وقيل: المراد جنس الرُّسل، فيدخل صلّى الله عليه وآله وسلّم بالأولى، ويردُّه أو يضعفه تخصيصه بالخطاب في قوله تعالى: ﴿فَمَا﴾ أي: لأنَّا ما ﴿أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ضامنًا لصلاحهم، بل أرسلناك مبلِّغًا ونذيرًا، وإلينا جزاؤهم، ومعنى الآية مِمَّا يصحُّ قبل نزول القتال وبعده، فلا حاجة إلى دعوى نسخها بآية القتال.

3. سبب النزول: قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (من أحبَّني فقد أحبَّ الله، ومن أطاعني فقد أطاع الله)، فقال المنافقون: قارف الشرك وهو ينهى عنه، أراد أن نتَّخذه ربًّا كما اتَّخذت النصارى عيسى ربًّا، فنزلت الآية ﴿مَنْ يُّطِعِ الرَّسُولَ﴾ تصديقًا له وتكذيبًا لهم.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/233.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ بيان لجلالة منصبه صلّى الله عليه وآله وسلّم ومكانته عند الله عز وجل، بعد بيان بطلان زعمهم الفاسد في حقه صلّى الله عليه وآله وسلّم، بناء على جهلهم بشأنه الجليل، وتعريف (الناس) للاستغراق، أفاده أبو السعود، أي: فمن أين يتصور لك الشؤم وقد أرسلت داعيا العموم إلى الخيرات؟ فأنت منشأ كل خير ورحمة.

2. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أي: على رسالتك وصدقك، بإظهار المعجزات على يديك، أي: وإذا ثبتت رسالتك، فاليمن في طاعتك، والشؤم في مخالفتك.

3. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ لأنه صلّى الله عليه وآله وسلّم مبلغ لأمره ونهيه، مرجع الطاعة وعدمها هو الله سبحانه وتعالى‏ ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ عن طاعته‏ ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي كفيلا تحفظ عليهم أعمالهم وتحاسبهم عليها وتعاقبهم بحسبها، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: 40]

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/231.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هذه الآيات متصلة بما قبلها مسايرة لها فقد تقدم أن من أصول هذه الشريعة طاعة الله وطاعة الرسول وقد أمر بهما معا أمر عاما وبين جزاء المطيع وأحوال الناس في هذه الطاعة بحسب قوة الإيمان وضعفه والصدق فيه والنفاق، ثم أمر بالقتال، وبين مراتب الناس في الامتثال، وبعد هذا ذكر المؤمنين بأمر الطاعة وكونها لله تعالى بالذات، ولغيره بالتبع، وبين ضربا من ضروب مراوغة أولئك الضعفاء أو المنافقين فيها.

2. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ وما على الرسول إلا البلاغ المبين وأما الحسنات والسيئات فهي من الله عز وجل خلقا لموادها وأسبابها وتقديرا لتلك الأسباب بجعلها على قدر المسببات، ومنها أن للإنسان عملا في هذه الأسباب فإن أحسن وأصاب كانت له الحسنة بفضل الله في ذلك وإن أخطأ وأساء كانت له السيئة بخروجه عن تلك السنن وتقصيره في تلك الأسباب، وليس للرسول دخل فيما يصيب الناس من الحسنات والسيئات لأنه أرسل للتبليغ والهداية لا للتصرف في نظام الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها ﴿وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللَّهِ تَبْدِيلًا﴾ [الفتح: 23]، و﴿لن تجد لسنة الله تحويلا﴾ [فاطر: 43] فزعم أولئك الجاهلين أن السيئة تصيبهم من عنده أو بسببه، وما تخيلوا من شؤمه، لا حجة عليه من العقل، وهو مخالف لما بين من وظيفة الرسول في النقل، على أن هدايته جامعة لأسباب النعم فهي من يمنه لا من خلقه.

3. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على صحة رسالتك للناس كافة بتأييدك وآياته، وتصديقك فيما أنذرت به المعرضين، وبشرت به المؤمنين، أو شهيدا بأنك لم ترسل إلا كافة للناس بشيرا ونذيرا، لا مسيطرا عليهم، ولا جبارا لهم، ولا مغيرا لنظام الاجتماع فيهم، وقيل إن المراد بالشهادة هنا الشهادة على أولئك الذين قالوا تلك الأقوال المنكرة.

4. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ أي أن الرسول هو رسول الله فما يأمر به من حيث هو رسول فهو من الله وهو العبادات والفضائل والأعمال العامة والخاصة التي تحفظ بها الحقوق وتدرأ المفاسد وتحفظ المصالح، فمن أطاعه في ذلك لأنه مبلغ له عن الله عز وجل فقد أطاع الله بذلك، لأن الله تعالى لا يأمر الناس وينهاهم إلا بواسطة رسل منهم يفهمون عنهم ما يوحيه الله إليهم ليبلغوه عنه، وأما ما يقوله الرسول من عند نفسه وما يأمر به مما يستحسنه باجتهاده ورأيه من الأمور الدنيوية والعادات كمسألة تأبير النخل وما يسميه العلماء أمر الإرشاد فطاعته فيه ليست من الفرائض التي فرضها الله تعالى لأنه ليس دينا ولا شرحا عنه تعالى، وإنما تكون من كمال الأدب وقدوة الحب، مثاله أمر نبينا صلّى الله عليه وآله وسلّم بكيل الطعام كالقمح وغيره من الحبوب أي عند اتخاذه وعند إرادة طبخه وهو من التقدير والتدبير في البيوت وأكثر المسلمين يتركونه إلا من يتبع طرق المدنية الحديثة في الاقتصاد وتدبير المنزل، ومن هذا الباب ما لا يظهر له مثل هذه الفائدة وإنما كان الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم يذكره بطريق الاستحسان لمناسبة تتعلق بالمخاطبين كالأمر بأكل الزيت والادهان به والأمر بأكل البلح بالتمر، فهو ما كان يقول مثل هذا باسم الرسالة والتبليغ عن الله عز وجل، وكان الصحابة إذا شكوا في الأمر هل هو عن الله تعالى أو من رأي الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم واجتهاده وكان لهم رأي آخر سألوه فإن أجابهم بأنه من الله أطاعوا بغير تردد وإن قال أنه من رأيه ذكروا رأيهم وربما رجع صلّى الله عليه وآله وسلّم عن رأيه إلى رأيهم كما فعل في بدر وأحد.

5. فالآية تدل على أن الله تعالى هو الذي يطاع لذاته لأنه رب الناس وإلههم وملكهم وهم عبيده المغمورون بنعمه، وأن رسله إنما تجب طاعتهم فيما يبلغونه عنه من حيث إنهم رسله لا لذاتهم، ومثال ذلك الحاكم تجب طاعته في تنفيذ شريعة المملكة وقوانينها وهو ما يعبرون عنه بالأوامر الرسمية ولا تجب فيما عدا ذلك، قال الرازي: (قال مقاتل في هذه الآية أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يقول من أحبني فقد أحب الله ومن أطاعني فقد أطاع الله، فقال المنافقون قد قارب هذا الرجل الشرك وهو أنه نهى أن نعبد غير الله ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية، واعلم أنا بينا كيفية دلالة هذه الآية على أنه لا طاعة البتة للرسول وإنما الطاعة لله)، ووجه قول مقاتل هو أن المؤمن الموحد لا يكون مستعبدا خاضعا إلا لخالقه وحده دون جميع خلقه، فالخروج عن ذلك شرك، والشرك نوعان أحدهما أن ترى لبعض المخلوقات سلطة غيبية وراء الأسباب العادية العامة فترجو نفعه وتخاف ضره وتدعوه وتذل له، سواء شعرت في توجه قلبك إليه بأنه ينفعك بذاته أو بتأثيره في إرادة الله تعالى، بحيث يفعل لأجله ما لم يكن يفعله لولاه بمحض فضله ورحمته، وهذا هو الشرك في الألوهية، وثانيهما أن ترى لبعض المخلوقين حق التشريع والتحليل والتحريم لذاته، وهذا هو الشرك في الربوبية، ولذلك قال المنافقون: يريد أن نتخذه ربا، وقد فسر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم اتخاذ أهل الكتاب أحبارهم ورهبانهم أربابا بطاعتهم فيما يحللون ويحرمون، وقد رد الله تعالى شبهة المنافقين وأغلوطتهم وبين أن الرسول إنما يطاع فيما هو مرسل فيه ومأمور بتبليغه عن ربه.

6. ويؤخذ من هذا أن المؤمن الموحد يكون أعز الناس نفسا، وأعظمهم كرامة، وأنه لا يقبل أن يستبد فيه حاكم ولا أن يستعبده سلطان ظالم، وما قوي الاستبداد في المسلمين إلا بضعف التوحيد فيهم، فالتوحيد هو منتهى ما تصل إليه النفوس البشرية من الارتقاء والكمال، فصاحب التوحيد الخالص يعلم علم اليقين أن كل شيء في هذه الأرض وفي تلك السماوات العلى هو خاضع ومقهور للنواميس والسنن العامة التي قام بها النظام العام وأن تفاوتها في الصفات والخواص لا يقتضي أن يرفع الأقوى في صفة ما على الأضعف رفع الإله على المألوه والرب على المربوب، فحجر الصوان الصلب القوي ليس إلها ولا ربا لحجر الكذان الضعيف، ولا حجر المغناطيس إلها يعظم تعظيما دينيا لما فيه من المزية، والشمس ذات النور والحرارة ليست إلها ولا ربا للسيارات التابعة لها ولا لغيرهن، بل هي مسخرة مثلهن للسنن العامة في نظام الكون، كذلك القوي في جسمه أو عقله ليس إلها للضعيف يدعوه هذا ويذل له ويستخذي أمامه، وواسع العلم ليس ربا لقليل العلم يشرع له ويحلل ويحرم وما على الآخر إلا الطاعة، وكذلك من ظهر منه أمر خارق للعادة المألوفة لا يجب رفعه على غيره والخضوع له تعبدا سواء كان ذلك بعلم انفرد به أو حيلة وهو السحر أو باتفاق أو بقوة روحية ومنه ما يسمونه كرامة، وغايته أنه امتاز على بعض الناس كامتياز القوي على الضعيف والذكي على البليد وهو لا يكون بذلك ربا ولا إلها، ولا خارجا عن سنن الكون بل كل عبيد مسخرون لسنن الله تعالى ويستفيدون منها بقدر علمهم وطاقتهم واجتهادهم، ويكلفون طاعة الله تعالى وحده بحسب ما تصل إليه أفهامهم في شرع لا يجب على أحد منهم أن يعمل باعتقاد غيره ولا برأيه.

7. نعم إنهم يتعاونون في الأعمال وفي العلوم، فقوي البدن يكون أكثر نفعا للآخرين بقوته البدنية وهو عبد مثلهم لا يقدسونه ولا يرفعون مرتبته عن البشرية التي يشاركهم فيها، وقوي العقل يكون أكثر نفعا برأيه وتدبيره ولا يرتفع بذلك على غيره ارتفاعا قدسيا، ومن كان أكثر تحصيلا للعلم يفيض من علمه على الطلاب وليس على أحد منهم أن يعمل برأيه ولا بفهمه إلا إذا ظهر له أنه الحق وصار علما له واعتقادا، وعند ذلك يكون عاملا باعتقاد نفسه الذي حصله بمساعدة أستاذه لا باعتقاد أستاذه ولا برؤيته، وإذا كان الموحد لا يطيع أمر الرسول لذاته بل لأنه مبلغ عمن أرسله فكيف يجوز له أن يطيع أمر من دونه لذاته ويعمل به من غير أن يثبت عنده أنه أمر من الله تعالى؟

8. هذا هو مقام التوحيد الأعلى الذي جاء به الرسل وهو مناط السعادة في الدارين وليس لقبا من ألقاب الشرف أو لفظا من الألفاظ التي توضع للفصل بين جماعات الناس، على سبيل العرف والاصطلاح، فالتوحيد والإيمان والإسلام لها في هذا الزمان إطلاق عرفي اصطلاحي فيطلق اللفظ منها على أناس لا يفهمون شيئا من معانيها الشرعية ولا تصدق عليهم مدلولاتها، ولا تنطبق عليهم آياتها، ولم ينالوا ما بينه الكتاب العزيز من ثمراتها، ككون المؤمنين الموحدين، هم المنصورين الغالبين، والأئمة الوارثين.

9. سؤال وإشكال: إنك أثبت في تفسير ﴿أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ﴾ أن طاعة الرسول فيما يأمر به باجتهاده واجبة، وذكرت في المسألة الثانية عشرة من المسائل التي جعلتها ذيلا لتفسير الآية موضحا لها أن مراتب الطاعة ثلاث: الأولى ما يبلغه الرسول عن ربه، الثانية ما يأمر به ويحكم فيه باجتهاده، الثالثة ما يستنبطه جماعة أولي الأمر مما تحتاج إليه الأمة، وقد أثبت وجوب طاعة الرسول في اجتهاده في مواضع أخرى من أصرحها وأوضحها ما ذكرته في تفسير ﴿تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [النساء: 13]، أفلا ينافي ذلك كون الطاعة لله تعالى وحده وكون هذا مما يدخل في مفهوم التوحيد؟ والجواب:

أ. لا منافاة بين الأمرين فاجتهاد الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم هو بيان للوحي الذي بلغه عن الله تعالى، وقد أذن الله له بهذا البيان فقال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل: 44] وهذا الإذن ضروري لا غنى عنه ونظيره اجتهاد القضاة والحكام في تفسير القوانين فطاعتهم فيما يحكمون فيه باجتهادهم في هذه القوانين إنما هو طاعة للقانون لا لشخص الحاكم بجعله شارعا يطاع لذاته، ومن العلماء من يرى أن كل ما أمر به الرسول وما حكم به فهو وحي وأن الوحي ليس محصورا في القرآن بل القرآن هو الوحي الذي نزل على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بهذا النظم المعجز للتحدي به وثبت بالتواتر القطعي وأمرنا بالتعبد به، وهناك وحي ليس له خصائص القرآن كلها وهو ما كان يلقيه الروح الأمين في روعه صلّى الله عليه وآله وسلّم ويعبر عنه بعبارة من عند نفسه ليست معجزة يتحدى بها ولا يتعبد بتلاوتها ولكن يطاع الرسول فيها لأنه ما جاء بها من عند نفسه بل من عند مرسله، ويستدلون على هذا بما جاء في أول سورة النجم ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: 4،3] وغيرهم يجعل هذا النص في القرآن خاصة.

ب. وأما طاعة أولي الأمر فهي لا تنافي التوحيد أيضا ولا تقتضي ذل المؤمن الموحد بخضوعه لمثله من البشر وجعله شارعا يطاع لذاته، لأن أولي الأمر إنما يطاعون فيما تعهد إليهم الأمة وضعه من الأحكام السياسية والمدنية التي مست حاجتها إليها لثقتها بهم لا تقديسا لذواتهم، وما يضعونه بشروطه التي بيناها في تفسير تلك الآية ينسب إلى الأمة لأنهم وضعوه بالنيابة عنها فلا يشعر أحد متبعيه بأنه صار مستعبدا مستذلا لأحد أولئك النواب عنه لما ذكرناه ولأن رأي كل واحد منهم وقد وضعوا ما وضعوه بالمشاورة يكون مدغما في آراء الآخرين، والسلطة في ذلك في مجموعها لا لأولئك الأفراد الذين وكلت إليهم ذلك، على أن الرجل يكل إلى آخر أن ينوب عنه في الأمر أو يوكله فيه فيقوم بذلك ولا يرى العاهد أو الموكل أنه صار مستذلا له ولا يرى الناس ذلك أيضا بل قد يرون عكسه، فالمؤمن لا يذل ويستخذي لأحد من خلق الله لذاته بل لله وحده، والعزة لله ولرسوله وللمؤمنين، كما أثبت الكتاب المبين.

10. ومن هذا البيان تفهم قوله تعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي ومن تولى وأعرض عن طاعتك التي هي طاعة لله فليس من شؤون رسالتك أن تكرهه عليها لأننا أرسلناك مبشرا ونذيرا، وداعيا إلى الله بإذنه وسراجا منيرا، لا حفيظا عليهم أي لا مسيطرا ورقيبا تحفظ على الناس أعمالهم فتكرههم على فعل الخير ولا جبارا تجبرهم عليه بل الإيمان والطاعة من الأمور الاختيارية التي تتبع الاقتناع.

11. ذكرت في هذا المقام ما حققه الفيلسوف العربي الاجتماعي عبد الرحمن بن خلدون في بعض فصول الفصل الثاني من الكتاب الأول من مقدمته في كون معاناة أهل الحضر للأحكام مفسدة لبأسهم ذاهبة بمنعتهم، وكون الذين يؤخذون بأحكام القهر والسلطة وبأحكام التأديب والتعليم ينقص بأسهم ويغلب عليهم الجبن والضعف، وكون الدين الإسلامي وازعا اختياريا لا يفسد البأس، ولا يذلل النفس، قال بعد مقدمة في ذلك ما نصه: (ولهذا نجد المتوحشين من العرب أهل البدو أشد بأسا ممن تأخذهم الأحكام، ونجد أيضا الذين يعانون الأحكام وملكتها من لدن مرباهم في التأديب والتعليم في الصنائع والعلوم والديانات ينقص ذلك من بأسهم كثيرا ولا يكادون يدفعون عن أنفسهم عادية بوجه من الوجوه، وهذا شأن طلبة العلم المنحلين للقراءة والأخذ عن المشايخ والأئمة الممارسين للتعليم والتأديب في مجالس الوقار والهيبة فيهم هذه الأحوال وذهابها بالمنعة والبأس، ولا تستنكر ذلك بما وقع في الصحابة من أخذهم بأحكام الدين والشريعة ولم ينقص ذلك من بأسهم، بل كانوا أشد الناس بأسا لأن الشارع صلوات الله عليه لما أخذ المسلمون عنه دينهم كان وازعهم فيه من أنفسهم لما تلي عليهم من الترغيب والترهيب ولم يكن بتعلم صناعي ولا تأديب تعليمي إنما هي أحكام الدين وآدابه المتلقاة نقلا يأخذون أنفسهم بها بما رسخ فيهم من عقائد الإيمان والتصديق فلم تزل سورة بأسهم مستحكمة كما كانت ولم تخدشها أظفار التأديب والحكم، قال عمر: (من لم يؤدبه الشرع لا أدبه الله) حرصا على أن يكون الوازع لكل أحد من نفسه، ويقينا بأن الشارع أعلم بمصالح العباد، ولما تناقص الدين في الناس وأخذوا بالأحكام الوازعة ثم صار الشرع علما وصناعة يؤخذ بالتعليم والتأديب ورجع الناس إلى الحضارة وخلق الانقياد إلى الأحكام نقصت بذلك سَوْرَةُ البأس فيهم، فقد تبين أن الأحكام السلطانية والتعليمية مما تؤثر في أهل الحواضر في ضعف نفوسهم وخضد الشوكة منهم بمعاناتهم في وليدهم وكهولهم والبدو بمعزل عن هذه المنزلة لبعدهم عن أحكام السلطان والتعليم والآداب، ولهذا قال محمد بن أبي زيد في كتابه في أحكام المعلمين والمتعلمين إنه لا ينبغي للمؤدب أن يضرب أحدا من الصبيان في التعليم فوق ثلاثة أسواط، نقله عن شريح القاضي)

12. يظن من نُشِّئَ على التقليد وحيل بينه وبين الاستقلال أن ما قاله هذا الحكيم خطأ لأنه مخالف لما عليه الجماهير في أمم العلم والمدنية ذات البأس والقوة من الاعتماد على تأديب المدارس وسيطرتها في تكوين نابتة الأمة الذين تعتز بهم ويعلو شأنها.. مهلا أيها المقلد الغر، إن كثيرا من الناظرين تصور لهم أذهانهم بدلائلها النظرية أمرا ثم لا يظهر لهم خطؤهم فيه إلا بعد التجارب الطويلة، ومن الأمور الاجتماعية التي تختلف فيها أهواء الرؤساء ما لا يظهر الصواب فيه بعد التجارب إلا للأفراد من الحكماء المستقلين، ومنه المسألة التي نبحث فيها.

13. وضع رؤساء النصرانية قوانين لتربية القسيسين والرهبان تربية شديدة يؤخذون فيها بالنظام والطاعة العمياء ليكونوا جندا روحيا لرؤسائهم يتحركون بإرادتهم لا بإرادة أنفسهم ويتوجهون حيثما يوجهونهم، وينفذون كل ما به يأمرونهم، فاستولى أولئك الرؤساء بهذا النظام على أبناء دينهم من الملوك إلى الصعاليك وسخروهم لإرادتهم قرونا كثيرة، وفعل الملوك مثل ذلك في سلطتهم الجسدية فاستعبدوا الناس من جهة أخرى وكانوا سبب ضعف أممهم وانحطاطها إلى أن حرروا أنفسهم، ثم زلزلت الانقلابات الاجتماعية السلطتين وأضعفتها بما استفاد الأوربيون من العلم واستقلال العقل والإرادة من المسلمين بحروبهم الصليبية وبما بثه فيهم تلاميذ ابن رشد وغيره من حكماء المسلمين، فضعفت السلطتان ونازعتهما قوة العلم فنزعت منهما ما نزعت، فلما رأى الفريقان أنه لا قبل لهما بالعلم ولا قدرة لهما على إطفاء نوره توجهت همتهما إلى الاستعانة به على تقرير سلطانهما بقدر الإمكان فكانت المدارس عونا للأديار وللثكنات في إضعاف إرادة أفراد الأمة وإفساد بأسهم والتصرف في حريتهم، وهذا كان في بعض الشعوب أقوى منه في بعض، كما بين ذلك الحكماء الذين فطنوا له بعد، ولذلك كانت قوة المدنية الإفرنجية الحاضرة بالحرية والاستقلال الشخصي وهم متفاوتون فيه، وينشدون مرتبة الكمال منه، وضعفنا بفقد ذلك بعد أن كنا نحن السابقين إليه.

14. الإنكليز أعرق الشعوب الأوربية في الحرية الشخصية واستقلال الإرادة على تثبتهم في تقاليدهم وبطئهم في التحول عن الأمر يكونون عليه، ولحريتهم واستقلالهم كانوا أكثر استفادة من الإصلاح الديني الذي زلزل سلطة البابوية من بعض البلاد وثل عرشها من بعض، وحكومة هذا الشعب هي الحكومة الفذة التي جعلت خدمة الجندية اختيارية وأقامت التربية في المدارس على قواعد من الحرية الشخصية والاستقلال وكرامة النفس لم يقمها أحد مثلها، ولذلك استولت على زهاء خمس البشر الأذلاء بضعف الاستقلال وفقد الحرية على كون جندها أقل من جند غيرها من الدول الكبرى.

15. وقد فطن لذلك بعض علماء جيرانها الفرنسيس وأهابوا بقومهم لأجل اتباعها فيه وكتبوا في ذلك مصنفات كثيرة ترجم بعضها بالعربية واشتهر ككتاب (سر تقدم الإنكليز السكسونيين) وكتاب (التربية الاستقلالية) المسمى في الأصل (إميل القرن التاسع عشر)، بين صاحب الكتاب الأول في الفصل الأول من الباب الأول أن التعليم في المدارس الفرنسية لا يربي رجالا وإنما يصنع آلات تستعملها الحكومة في تنفيذ سياستها كما تشاء، قال في نظام مدارسهم: (ومما لا شك فيه أن هذا النظام ملائم لذلك الغرض كما ينبغي أي أنه يهيئ الطلبة إلى الوظائف الملكية والعسكرية، وبيانه أن الموظف الحقيقي هو الذي يجب عليه أن يتنازل عن إرادته ولهذا وجب أن يتربى على الطاعة ليسهل عليه تنفيذ أمر رؤسائه من غير مناقشة ولا نظر فيها، لأن المطلوب منه أن يكون آلة في يد غيره، والمدارس الداخلية من أعظم البواعث على هذه التربية لأن المدرسة نظمت على نسق ثكنة عسكرية يقوم الطلبة فيها من نومهم على صوت البوق أو رنة الجرس، وينتقلون مصطفين بالنظام من عمل إلى آخر، ورياضتهم تشبه الاستعراض العسكري فهم لا يخرجون من الدرس إلا في رحبات داخل البناء عالية الأسوار ويتمشون فيها جماعات جماعات كأنهم لا يلعبون) إلى أن قال: (ومن الواضح أن هذا النظام يضعف في الشاب قوة العمل الاختياري ويوهن الهمة والإقدام، كما أن من شأنه أيضا إزالة ما قد يوجد بين الطلبة من تفاوت الأنساب لأن الدائرة التي تدور على الجميع واحدة فتجعلهم في الحقيقة آلات معدة للعمل الذي يقصد منها، ومما يزيد في سهولة انقيادهم وحسن طاعتهم كون النظام الذي تربوا عليه لا يؤدي إلى تربية الفكر والتعقل بل الطالب يتناول مسرعا كثيرا من الموارد سواء أحكم تعلمها أم لا ولا تشغل من ملكاته إلا الذاكرة، فكما أنه يتلقى التعليم من دون نظر فيه تراه ينحني من غير تردد أمام الأوامر التي تصدر له من رؤسائه في المصالح التي يوظف فيها)، وذكر أن أول من التفت إلى جعل المدارس الفرنسية هكذا هو نابليون الأول ليتمكن بها من جعل السلطة كلها بيده يتصرف فيها كما يشاء، وناهيكم بولوع ذلك الرجل بالانفراد بالسلطة، وذكر في الفصل الثاني أن المدارس الألمانية لا تربي رجالا لأنها كالمدارس الفرنسية بل هم قلدوا ألمانيا في نظام مدارسها كما قلدوها في النظام العسكري، وذكر شكوى عاهل هذه الدولة من المدارس وتصريحه في خطاب له بأنها لم تؤد إلى الغاية المطلوبة منها، وأطال في انتقاد نظام هذه المدارس، ثم بين في الفصل الثالث أن الإنكليز يربون أولادهم تربية استقلالية فيشب الواحد منهم مستقلا بنفسه في أمور معيشته وعامة أموره لا متكلا على عشيرته وقومه ولا على حكومته، وحث قومه على هذه التربية وأطال في وصفها.

16. وقال صاحب كتاب (التربية الاستقلالية): (قهر الطفل على الامتثال وإلزامه إطاعة الأوامر يستلزم حتما إخماد وجدان التكليف في نفسه خصوصا إذا طال أمد ذلك القهر فإنه إذا كان غيره يتكلف الحلول محله في الإرادة والحكم المطلق على الخير والشر والإنصاف والجور لم تبق له حاجة في الرجوع إلى وجدانه واستفتاء قلبه) ثم قال: (الطاعة الصادرة عن حرية واختيار ترفع طبع الطفل والإذعان الناشئ عن القهر يحطه، فللأم ومعلم المدرسة كلمة يقولانها عن الطفل العنيد القاسي وهي قولهما: (سأذلـله) والحقيقة أن الناشئين على طريقتنا الفرنسية في التربية مذللون دائما، نعم قد يقال أن في اتباعها مصلحة للأحداث وللمجتمع الإنساني ولكن سائس الخيل له أيضا أن يقول للحصان الذي يروضه: لا تجزع فإني أعمل هذا بك لمصلحتك، على أن إطلاق الترويض على الحصان أصح من إطلاقه على الإنسان لأن هذا الحيوان لا يخسر بترويضه باللجام والمهماز إلا حدته الوحشية، وأما الإنسان فإنك إذا أخذته بالقهر وسسته بالإرغام تذهب بحب الكرامة من نفسه، وتبخس قيمته في نظره)، وله كلام كثير في هذا انتقد به التعليم الديني والسياسي وجعله بمنزلة القوالب التي تصب فيها المواد لتكون آلات بشكل مخصوص.

17. فهذه إشارة من كلام علماء الإفرنج المستقلين إلى تصديق ما قاله عالمنا في التربية والتعليم من بضعة قرون، نعم إن الضعف الذي كان يصيب الأمم المنغمسة في الحضارة قد عالجه المتأخرون بما أوتوا من العلم بخواص الأشياء كالبارود والديناميت والبخار والكهرباء وبعمل الآلات الحربية التي تدك المعاقل وتدمر الحصون وتقتل في الدقيقة الواحدة ألوفا من الناس، وبالنظام العسكري الجديد فصار الغلب لأمم العلم والحضارة، على أهل البدو الذين لا علم لهم ولا صناعة، ثم إنهم طفقوا يعالجون ما تحدثه الحضارة من الضعف في الأجسام والإرادات والعزائم بالتربية الاستقلالية والرياضات البدنية، ولذلك استولوا على من حرموا هذه المزايا من أهل البدو والحضر، وكادوا يسخرون لخدمتهم سائر البشر، وما ذاك إلا لأنهم صاروا باستقلال الفكر والإرادة أقرب إلى التوحيد وأبعد عن الاستعباد للمخلوقات من الأحياء والأموات، فليعتبر بذلك الذين يفخرون بالتوحيد وهم يستغيثون أهل القبور لدفع الأذى عنهم وجلب الخير لهم، ويدعون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا، وهو لم يجعل الرسول المبلغ عنه حفيظا عليهم ولا مسيطرا ولا وكيلا ولا جبارا، وإنما أرسله معلما هاديا، كما تقدم آنفا، بل جعل الوازع الديني من النفس لا من الخارج فما أرقى هذا الدين وما أسمى هديه، وما أضل من التمسه من غير كتابه الحكيم، وسنة نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/272.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ والرسول ليس عليه إلا البلاغ، وليس له دخل فيما يصيب الناس من الحسنات والسيئات، لأنه لم يرسل إلا للتبليغ والهداية، لا للتصرف في نظم الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها، فما زعمه أولئك الجاهلون من أن السيئة تصيبهم بشؤمه، محض خرافة لا مستند لها من عقل أو نقل ومخالف لما بينه الله تعالى من وظيفة الرسل.

2. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ أنك أرسلت للناس كافة بشيرا ونذيرا لا مسيطرا ولا جبارا ولا مغيّرا لنظم الكون وتحويل سنن الاجتماع أو تبديلها ﴿فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا﴾

3. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ بعد أن أمر سبحانه فيما تقدم بطاعة الله وطاعة الرسول وبين جزاء المطيع وأحوال الناس في هذه الطاعة بحسب قوة الإيمان وضعفه، ثم أمر بالقتال وبين مراتب الناس في الامتثال له، أعاد هنا الأمر بالطاعة وبين أنها أولا وبالذات لله، ولغيره بالتبع، وبين ضروب مراوغة الضعفاء والمنافقين.

4. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ أي إن من أطاع الرسول فقد أطاع الله لأنه الآمر والناهي في الحقيقة، والرسول إنما هو مبلّغ للأمر والنهى فليست الطاعة له‏ بالذات وإنما هي لمن بلغ عنه، إذ قد جرت سنته سبحانه ألا يأمر الناس ولا ينهاهم إلا بواسطة رسل منهم يفهمون عنهم ما يوحيه إليهم ليبلغوه عنه، أما ما يقوله الرسول من تلقاء نفسه وما يأمر به مما يستحسنه باجتهاده ورأيه من أمور المعيشة كتأبير النخل (تلقيحه بطلع الذكر) ونحوه مما يسميه العلماء أمر إرشاد، فطاعته فيه ليست من الفرائض التي فرضها الله، لأنه ليس دينا ولا شرعا عنه تعالى، فقد أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بكيل الطعام كالقمح وغيره من الحبوب عند طحنه وعند عجنه وهو من التدبير والاقتصاد في البيوت، وأكثر المسلمين أهملوه إلا من تعوّد منهم التدبير وحسن التقدير في المنازل، وكذلك أمر بأكل الزيت والادّهان به، وقد كان الصحابة إذا شكّوا في الأمر أمن عند الله هو أم من رأى الرسول واجتهاده؟ وكان لهم في ذلك رأى آخر سألوه، فإن أجابهم بأنه من الله أطاعوه بلا تردّد، وإن قال إنه من رأيه ذكروا رأيهم، وربما رجع النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم عن رأيه إلى رأيهم كما فعل في بدر وأحد، روى مقاتل أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم كان يقول‏ (من أحبنى فقد أحب الله ومن أطاعنى فقد أطاع الله، فقال المنافقون: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل؟ لقد قارف الشرك، قد نهى أن نعبد غير الله ويريد أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى عيسى، فأنزل الله هذه الآية)، فالمؤمن حقا لا يكون خاضعا إلا لخالقه وحده دون أحد من خلقه، والخروج عن ذلك شرك، وهو نوعان:

أ. أن ترى لبعض المخلوقات سلطة غيبية وراء الأسباب العادية، ومن ثم ترجو نفعها وتخاف ضرها وتدعوها وتذل لها، وذلك هو الشرك في الألوهية.

ب. أن ترى لبعض المخلوقين حق التشريع والتحليل والتحريم، كما فسر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم قوله تعالى‏ ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ بطاعتهم فيما يحللون ويحرمون، وذلك هو الشرك في الربوبية، ذاك أن المؤمن يحب أن يكون أعز الناس نفسا وأعظمهم كرامة، فلا يرضى أن يستعبده سلطان ظالم ولا حاكم مستعبد، إذ هو يعلم علم اليقين أن الكل عبيد مسخرون لله تعالى يخضعون لأمره، وأن ذلك منتهى سعادتهم في الدارين.

5. ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أي ومن أعرض عن طاعتك التي هي طاعة الله فليس لك أن تكرهه عليها، لأنك ما أرسلت إلا مبشرا ونذيرا ولم ترسل مسيطرا أو رقيبا تحفظ على الناس أفعالهم وأقوالهم، فالإيمان والطاعة إنما يكونان بالاختيار بعد الإقناع والاختبار.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/99.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ثم يبين الله تعالى لهم حدود وظيفة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وعمله وموقف الناس منه، وموقفه من الناس، ويرد الأمر كله إلى الله في النهاية: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾

2. إن وظيفة الرسول هي أداء الرسالة، لا إحداث الخير ولا إحداث السوء، فهذا من أمر الله ـ كما سلف ـ والله شهيد على أنه أرسل النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لأداء هذه الوظيفة ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾

3. وأمر الناس مع الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم أن من أطاعه فقد أطاع الله، فلا تفرقة بين الله ورسوله، ولا بين قول الله وقول رسوله.. ومن تولى معرضا مكذبا فأمره إلى الله من ناحية حسابه وجزائه، ولم يرسل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ليجبره على الهدى، ويكرهه على الدين، وليس موكلا بحفظه من العصيان والضلال، فهذا ليس داخلا في وظيفة الرسول؛ ولا داخلا في قدرة الرسول.

4. بهذا البيان يصحح تصورهم عن حقيقة ما يقع لهم.. فكله لا ينشأ ولا يتحقق إلا بإرادة الله وقدره، وما يصيبهم من حسنة أو سيئة ـ بأي معنى من معاني الحسنة أو السيئة، سواء حسب ما يرونه هم في الظاهر، أو ما هو في حقيقة الأمر والواقع ـ فهو من عند الله، لأنه لا ينشئ شيئا ولا يحدثه ولا يخلقه ويوجده إلا الله.. وما يصيبهم من حسنة حقيقية ـ في ميزان الله ـ فهو من عند الله، لأنه بسبب منهجه وهدايته، وما يصيبهم من سيئة حقيقية ـ في ميزان الله ـ فهو من عند أنفسهم، لأنه بسبب تنكبهم عن منهج الله والإعراض عن هدايته.

5. والرسول وظيفته الأولى والأخيرة أنه رسول، لا ينشئ ولا يحدث ولا يخلق، ولا يشارك الله تعالى في خاصية الألوهية هذه: وهي الخلق والإنشاء والإحداث، وهو يبلغ ما جاء به من عند الله، فطاعته فيما يأمر به إذن هي طاعة لله، وليس هناك طريق آخر لطاعة الله غير طاعة الرسول، والرسول ليس مكلفا أن يحدث الهدى للمعرضين المتولين، ولا أن يحفظهم من الإعراض والتولي، بعد البلاغ والبيان.

6. حقائق ـ هكذا ـ واضحة مريحة، بينة صريحة؛ تبني التصور، وتريح الشعور؛ وتمضي شوطا مع تعليم الله لهذه الجماعة، وإعدادها لدورها الكبير الخطير.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/720.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ تحديد لمهمة الرسول، وأنه‏ ليس مسئولا عن ضلال الضالّين، وعناد المعاندين، إن عليه إلا البلاغ.

2. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ يشهد بما كان من الرسول من تبليغ رسالة ربه، فمن قبلها، فقد نجا وسعد، ومن أعرض عنها، فقد هلك وشقى.

3. إن دعوة الرسول ليست لحسابه، وإنما هي لله، فمن أطاع الرسول فقد أطاع الله، ومن تولى، فما على الرسول شيء من تولّيه، وإنما حسابه على الله!

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/843.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ عطف على قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ للردّ على قولهم: السيئة من عند محمد، أي أنك بعثت مبلّغا شريعة وهاديا، ولست مؤثرا في الحوادث ولا تدل مقارنة الحوادث المؤلمة على عدم صدق الرسالة، فمعنى‏ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾ بعثناك كقوله‏ ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ﴾ [الحجر: 22] ونحوه، و﴿لِلنَّاسِ﴾ متعلق بـ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾، وقوله‏ ﴿رَسُولًا﴾ حال من‏ ﴿أَرْسَلْنَاكَ﴾

2. المراد بالرسول هنا معناه الشرعي المعروف عند أهل الأديان: وهو النبي المبلّغ عن الله تعالى، فهو لفظ لقيي دالّ على هذا المعنى، وليس المراد به اسم المفعول بالمعنى اللغوي ولهذا حسن مجيئه حالا مقيّدة لـ (أرسلناك)، لاختلاف المعنيين، أي بعثناك مبلّغا لا مؤثّرا في الحوادث، ولا أمارة على وقوع الحوادث السيّئة، وبهذا يزول إشكال مجيء هذه الحال غير مفيدة إلّا التأكيد، حتّى احتاجوا إلى جعل المجرور متعلّقا بـ ﴿رَسُولًا﴾، وأنّه قدّم عليه دلالة على الحصر باعتبار العموم المستفاد من التعريف، كما في (الكشّاف)، أي لجميع الناس لا لبعضهم، وهو تكلّف لا داعي إليه، وليس المقام هذا الحصر.

3. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ هذا كالتكملة لقوله: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ [النساء: 79] باعتبار ما تضمّنه من ردّ اعتقادهم أنّ الرسول مصدر السيّئات التي تصيبهم، ثم من قوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ﴾ [النساء: 79] إلخ، المؤذن بأنّ بين الخالق وبين المخلوق فرقا في التأثير وأنّ الرسالة معنّى آخر فاحترس بقوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ عن توهّم السامعين التفرقة بين الله ورسوله في أمور التشريع، فأثبت أنّ الرسول في تبليغه إنّما يبلّغ عن الله، فأمره أمر الله، ونهيه نهي الله، وطاعته طاعة الله، وقد دلّ على ذلك كلّه قوله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ لاشتمالها على إثبات كونه رسولا واستلزامها أنّه يأمر وينهى، وأنّ ذلك تبليغ لمراد الله تعالى، فمن كان على بيّنة من ذلك أو كان في غفلة فقد بيّن الله له اختلاف مقامات الرسول، ومن تولّى أو أعرض واستمرّ على المكابرة.

4. ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، أي حارسا لهم ومسئولا عن إعراضهم، وهذا تعريض بهم وتهديد لهم بأن صرفه عن الاشتغال بهم، فيعلم أنّ الله سيتولّى عقابهم، والتولّي حقيقته الانصراف والإدبار، وقد تقدّم في قوله تعالى: ﴿وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا﴾ [البقرة: 205] وفي قوله: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ في سورة البقرة، واستعمل هنا مجازا في العصيان وعدم الإصغاء إلى الدعوة.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/197.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ وإنا أيها النبيّ قد شرفناك برسالتنا، فأرسلناك رسولا فقط، لا تتكفل بالأرزاق، ولا تهب النصر، ولا تمسك مقاليد الكون، ولست تملك من أمر نفسك شيئا، إنما أنت مكلف بالتبليغ فقط، فإن بلغت فما عليك شيء، وإن اتخذت الأسباب في الحروب للظفر، وتوكلت على الله، فإن الله مانحك النصر، ومعطيك الغلب، وإن خالف من معك ما سننت لهم من منهاج للظفر، فإن الهزيمة واقعة بهم، ولست مسئولا عما يصيبهم‏ القدر به من أمر يسرهم، ولا أمر يسوؤهم.

2. في قوله تعالى: ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ يذكر سبحانه كلمة ﴿رَسُولًا﴾ تأكيدا لوصف النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلّم بالرسالة، ولبيان أن عمل الرسول ليس هو التحكم في القدر، إنما عمله التبليغ فقط، فإذا بلغ فما عليه من شيء، وإذا كانوا قد اتهموك وقالوا ما قالوا، فكفاك شهادة الله لك بأنك بلغت وجاهدت، وأن ما يرمونك به باطل، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، وإن تصرف أولئك المنافقين والضعفاء فيه إخلال بواجب الطاعة، وإن الرسالة التي حمل عبئها محمد صلّى الله عليه وآله وسلّم توجب عليهم طاعته من غير تمرد، بل مع الإذعان والخضوع لما يطلبه باسم الله، وأن يعلموا أن طاعته فيها طاعة الله، فإن تمردوا عليه أو تشاءموا به، فليعلموا أن ذلك تمرد على الله.

3. ولذا قال سبحانه: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ إن هؤلاء كانوا ينتقصون فضل النبيّ بنسبة الظفر إلى الله والهزيمة إلى النبيّ وقد بين الله تعالى أنه رسوله، فإن تنقصتموه فإنما تتنقصون من أرسله، وإن تمردتم عليه فإنما تتمردون على من أرسله: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾، فيما يأمر به، وينهى عنه، وفي دعوته إلى الجهاد، فإنما يطيع الله تعالى؛ لأنه إنما يتكلم عن الله تعالى: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى﴾ [النجم‏] ولقد روى أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (من أحبنى فقد أحب الله، ومن أطاعنى فقد أطاع الله)، فقال الذين يشككون في الإسلام من المنافقين: ألا تسمعون إلى ما يقول هذا الرجل، لقد قارف الشرك، وهو ينهى أن يعبد غير الله! ما يريد هذا الرجل إلا أن نتخذه ربا كما اتخذت النصارى، فنزلت هذه الآية: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ وعندى أن الآية لا تحتاج إلى سبب نزول في بيانها لأنها واضحة بينة، يشهد لمعناها سابقها ولا حقها، وإن الحديث في ذاته صحيح المعنى، وروى مسلم مثله عن أبى هريرة، وهو قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: (من‏ أطاعنى فقد أطاع الله، ومن يعصنى فقد عصى الله، ومن يطع أميرى فقد أطاعنى، ومن يعص أميرى فقد عصانى)، ومن نال فضل طاعة الله ورسوله، فقد نال حظ الدنيا والآخرة، ومن أعرض عن ذلك فعليه تبعة عمله.

4. والرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم قد أدى واجبه في التبليغ، ولذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ومن عصى أمرك ولم يطعك، وأعرض عن الحق الذي أمرك الله تعالى بتبليغه، فإنه وحده الذي يتحمل تبعة إعراضه عن دين الله، ولا تبعة عليك، إنما عليك التبليغ فقط، وعلى الله تعالى حسابهم يوم الحساب، فلا تكلف نفسك ما لست مكلفة، فما أرسلك الله تعالى إلا مبشرا ونذيرا، وليس عليك أن تحمل الناس على الإيمان، ثم ما أنت مكلف بالمحافظة عليهم ومراقبتهم وتتبعهم حتى يكونوا مهتدين: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص‏]، وما أنت بمهيمن عليهم حتى تحاسبهم على الإيمان، إنما الحساب عند الله.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1777.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾، سبق تفسيره في الآية 59 من هذه السورة.

2. ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾، ان وظيفة الرسول تحددها كلمة الرسول نفسها، كما تحدد كلمة الشمس معناها، أما الحساب والعقاب فإلى الله، لا الى الرسول: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ﴾ ـ 26 الغاشية)، وتكلمنا عن هذا الموضوع مفصلا عند تفسير الآية 270 من سورة البقرة.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/388.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ أي لا سمة لك من عندنا إلا أنك رسول وظيفتك البلاغ، وشأنك الرسالة لا شأن لك سواها وليس لك من الأمر شيء حتى تؤثر في ميمنة أو مشأمة، أو تجر إلى الناس السيئات، وتدفع عنهم الحسنات، وفيه رد تعريضي لقول أولئك المتطيرين في السيئات‏ ﴿هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ﴾ تشؤما به صلّى الله عليه وآله وسلّم ثم أيد ذلك بقوله‏: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾

2. قوله تعالى: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ استئناف فيه تأكيد وتثبيت لقوله في الآية السابقة ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ وبمنزلة التعليل لحكمه أي ما أنت إلا رسولا منا من يطعك بما أنت رسول فقد أطاع الله، ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظا.

3. ومن هنا يظهر أن قوله‏ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ من قبيل وضع الصفة موضع الموصوف للإشعار بعلة الحكم نظير ما تقدم في قوله (﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾ وعلى هذا فالسياق جار على استقامته من غير التفات من الخطاب في قوله‏ ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ﴾ إلى الغيبة في قوله‏ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ﴾ ثم إلى الخطاب في قوله‏ ﴿فَمَا أَرْسَلْنَاكَ﴾

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏5/10.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا﴾ كسائر رسلنا مبشرين ومنذرين، فعلى هؤلاء المتشائمين أن يكون همهم معرفة ما أرسلت به من عند الله وإتباعك لا التشاغل عن ذلك بالأغراض الدنيوية وجعلها أكبر همهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ على الرسول والمرسل إليهم والمتبع للرسول والمخالف له.

2. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾؛ لأن الله أمر الناس بطاعته لأنه مبلغ عن الله وما ينطق عن الهوى ﴿وَمَنْ تَوَلَّى﴾ عن طاعة الرسول وعصاه فأمره إلى الله، فهو الذي يجازيه، وليس على الرسول أن يحفظه عن العصيان الذي هو سبب هلاكه.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/116.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾ ربما كانت هذه الفقرة تأكيدا للفكرة التي ترفض علاقة الرسول بالأحداث التي تحدث للناس من بلايا وآلام، لأن مهمته تحدد بإبلاغ الرسالة للناس، من دون أن تترك في حياة الناس أيّ شيء في أمورهم الحياتية من ناحية تكوينية؛ والله العالم.

2. ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ لما كان الرسول لا ينطلق من شخصه، في ما يأمر به الناس أو ينهاهم عنه، بل من خلال صفته كرسول يبلغ عن الله‏ ما يريد من الناس أن يفعلوه ويتركوه، كانت إطاعته إطاعة الله، ومعصيته معصية لله، وتلك هي مهمته ودوره في حياة الناس.

3. ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾ أما حساب الناس على أعمالهم، فليس الرسول مسئولا عنه، بل هو على الله، لأن الله لم يكلفه، في خط الدعوة إليه والتبليغ لشريعته، بالسيطرة بالقوة عليهم والهيمنة على أوضاعهم؛ فإذا أعرض الناس عن طاعة الرسول، فإنهم يتحملون مسئوليتهم أمام الله.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/365.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ توضح الآية الكريمة موضع النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم من الناس وحسناتهم وسيئاتهم وتؤكد أوّلا بأن إطاعة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هي في الحقيقة طاعة لله و﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ﴾ أي لا انفصال بين طاعة الله وطاعة الرّسول، وذلك لأن النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يخطو أية خطوة خلافا لإرادة الله.. كل ما يصدر منه من فعل وقول وتقرير إنّما يطابق إرادة الله سبحانه وتعالى ومشيئته.

1. ثمّ تبيّن أنّ النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ليس مسئولا عن الذين يتجاهلون ويخالفون أوامره، كما أنه ليس مكلّفا بإرغام هؤلاء على ترك العصيان، بل إن مسئولية النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هي الدعوة للرسالة الإلهية التي بعث بها، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الضالين والغافلين تقول الآية: ﴿وَمَنْ تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا﴾

2. تجدر الإشارة هنا إلى أن كلمة (حفيظ) صفة مشبهة باسم الفاعل، وتدل على ثبات واستمرار الصفة في الموصوف، بخلاف اسم الفاعل (حافظ)، فعبارة (حفيظ) تعني الذي يراقب ويحافظ بصورة دائمة مستمرة، ويستدل من الآية على أن واجب النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم هو قيادة الناس وهدايتهم وإرشادهم، ودعوتهم إلى اتّباع الحقّ واجتناب الباطل، ومكافحة الفساد، وحين يصر البعض على اتّباع طريق الباطل والانحراف عن جادة الحقّ، فلا النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مسئول عن هذه الانحرافات، ولا المطلوب منه أن يراقب هؤلاء المنحرفين في كل صغيرة وكبيرة، كما ليس المطلوب منه صلّى الله عليه وآله وسلّم أن يستخدم القوة لإرغام المنحرفين على العدول عن انحرافهم، ولا يمكنه بالوسائل العادية القيام بمثل هذه الأعمال.

3. وعلى هذا الأساس، فإنّ الآية قد تكون ـ أيضا ـ إشارة إلى غزوات كغزوة أحد حيث كان النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم مكلّفا ـ فقط ـ بتجنيد الإمكانيات المتوفرة من الناحية العسكرية في إعداد خطة للدفاع عن المسلمين حيال هجمات الأعداء، وبديهي أن تكون إطاعة الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم في هذا الأمر إطاعة لله، ولو افترضنا أنّ أفرادا عصوا الرّسول في هذا المجال وأدى عصيانهم إلى تراجع المسلمين، فالعاصون ـ وحدهم ـ هم المسؤولون عن ذلك، وليس الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم.

4. والأمر المهم الآخر في هذه الآية هو أنّها واحدة من أكثر آيات القرآن دلالة على حجّيّة السنّة النّبوية الشّريفة، فهي حكم بوجوب الإذعان للأحاديث الصحيحة المروية عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم، واستنادا إلى هذه الآية لا يجوز لأحد القول بقبول القرآن وحده وعدم قبول أحاديث وسنّة النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، لأنّ الآية صريحة بأن إطاعة أقوال النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم وأحاديثه المروية عنه بطرق صحيحة، هي بمثابة إطاعة الله.

5. ومن المنطلق نفسه تثبت حقيقة أخرى، هي ضرورة إطاعة أئمة أهل بيت النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وهي ما أكد عليها حديث (الثقلين) الوارد في المصادر الإسلامية السنية والشيعية، وفيه بيّن النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ـ صراحة ـ حجية أحاديث أئمة أهل‏ البيت عليهم السّلام، ومنه نستنتج أنّ إطاعة أوامرهم هي إطاعة للرسول وبالنتيجة إطاعة لله تعالى، ولما كانت أحاديث أئمة أهل البيت عليهم السّلام بمثابة أحاديث النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فلا يستطيع أحد أن يقول: إنّي أقبل القرآن وأرفض أحاديث أهل البيت عليهم السّلام، فذلك نقض للآية وللآيات المشابهة، ولذلك نقرأ في الأحاديث التي أوردها صاحب تفسير البرهان في تفسير هذه الآية ما يؤكّد هذه الحقيقة: إنّ الله وهب نبيّه حقّ الأمر والنهي في الآية المذكورة، والنّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بدوره وهب هذا الحق لعلي بن أبي طالب عليه السّلام وسائر الأئمّة عليهم السّلام من بعده، والناس ملزمون بإطاعة أوامر هذه النخبة الطاهرة عليهم السّلام، لأن أوامر ونواهي النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والأئمّة من أهل بيته الكرام هي أوامر ونواهي الله، وطاعتهم طاعة لله، وهم لا يأتون بشيء من عند أنفسهم وكل ما جاؤوا به للمسلمين هو من عند الله.

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/342.

76. الطاعة قول وعمل

نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈76⌉ من سورة النساء، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ [النساء: 81]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.

ابن عباس:

روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ الآية، هم أناس كانوا يقولون عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: آمنا بالله ورسوله، ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، فإذا برزوا من عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ يقول: خالفوهم إلى غير ما قالوا عنده، فعابهم الله، فقال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ يقول: يغيرون ما قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).

2. روي أنّه قال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، يغيرون ما قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾: يغيرون(1).

3. روي أنّه قال: ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾، يعني: ما يسرون من النفاق(2).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٤٩.

(2) تفسير الثعلبي ٣/٣٤٩.

الضحاك:

روي عن الضحاك بن مزاحم (ت 102 هـ) أنّه قال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾، هم أهل النفاق(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٤٩.

مجاهد:

روي عن مجاهد (ت 104 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: الطائفة: رجل(1).

2. روي أنّه قال: الطائفة: رجل إلى ألف رجل(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/١٠١٣.

قتادة:

روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، يغيرون ما عهدوا إلى نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلّم(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٤٨.

زيد:

روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ معناه قدّروا ذلك ليلا(1).

2. روي أنّه قال: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ﴾ معناه يقولون(2).

__________

(1) تفسير الإمام زيد، ص 122.

(2) تفسير الإمام زيد، ص 123.

السدي:

روي عن إسماعيل السدي الكوفي (ت 127 هـ) أنّه قال: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ هؤلاء المنافقون الذين يقولون إذا حضروا النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فأمرهم بأمر قالوا: طاعة، فإذا خرجوا غيرت طائفة منهم ما يقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ يقول: ما يقولون(1).

__________

(1) ابن جرير ٧/٢٤٨.

الصادق:

روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) أنّه قال: إن الله عز وجل عير أقواما بالإذاعة في قوله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾ فإياكم والإذاعة(1).

__________

(1) الكافي 2/274.

مقاتل:

روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:

1. روي أنّه قال: ثم أخبر عن المنافقين، فقال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم حين أمرهم بالجهاد، وذلك أنهم دخلوا على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فقالوا: مرنا بما شئت، فأمرك طاعة، فإذا خرجوا من عنده خالفوا، وقالوا غير الذي قال لهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم؛ فأنزل الله عز وجل: ‌‌﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾(1).

2. روي أنّه قال: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ يعني: خرجوا من عندك، يا محمد؛ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ يقول: ألفت طائفة ﴿مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ يعني: الحفظة، فيكتبون ما يقولون من الكذب(1).

3. روي أنّه قال: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ يعني: الجلاس بن سويد، وعمرو بن زيد، فلا تعاتبهم، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ يعني: وثق بالله عز وجل، ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ يعني: وكفى به منيعا، فلا أحد أمنع من الله عز وجل، ويقال: ﴿وَكِيلًا﴾ يعني: شهيدا لما يكتمون(1).

__________

(1) تفسير مقاتل ابن سليمان ١/٣٩٢.

ابن إسحاق:

روي عن محمد بن إسحاق (ت 151 هـ) أنّه قال: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾، أي: ارض به من العباد(1).

__________

(1) ابن أبي حاتم ٣/١٠١٣.

الكاظم:

روي عن الإمام الكاظم (ت 183 هـ) أنّه قال: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ يعني فلانا وفلانا وأبا عبيدة بن الجراح ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ قوله تعالى: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ﴾(1).

__________

(1) الكافي 8/334.

المرتضى:

ذكر الإمام المرتضى بن الهادي (ت 310 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ﴾ هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه صلى الله عليه بفعل أهل النفاق، والشك والارتياب؛ كانوا إذا دخلوا على النبي صلى الله عليه، وسمعوا الحكمة وما أنزل الله من الموعظة، ثم خرجوا من عنده ـ باتوا في ليلتهم، يبيتون تحريف كلامه، والكذب في قولهم عليه، مدبرون لصد الحكمة التي يسمعون، متبعون لغير ما به يوعظون.

2. وقد قيل: إن معنى ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، أي: بيتوا غير ما أعطوك من أنفسهم، وليس ذلك كذلك، ولا القول فيه إلا ما قلنا به أولا.

__________

(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/246.

الماتريدي:

ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ قيل: إن المنافقين قد أظهروا التصديق لله تعالى ولرسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإذا دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم قالوا: يا رسول الله، أمرك طاعة، فمرنا بما شئت نفعله، فإذا أمرهم بأمر ونهاهم عنه خالفوا أمره، وغيروا ما أمرهم به ونهاهم عنه؛ فأنزل الله تعالى على رسوله صلّى الله عليه وآله وسلّم: ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ تَوَلَّى﴾ إلى قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾

1. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ﴾:

أ. قيل: غير ما أمرهم به‏.

ب. وقيل: ﴿بَيَّتَ﴾ ألف.

ج. وقيل: ﴿بَيَّتَ﴾ أي: قدروا بالليل القول وألفوا، وكل كلام وقول مقدر بالليل مؤلف فيه، يقال: بيّت.. فهذا معنى قوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ وإلا ظاهر هذا ليس على ما قاله أهل التفسير.

2. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾:

أ. أي: الله تعالى يأمر بإثبات ما يبيتون من القول الكذب والمغير من القول؛ ليلزمهم الحجة؛ لأنهم كانوا يسرون ذلك ويضمرونه لا يظهرون إظهارا ليجزيهم جزاء ذلك.

ب. ويحتمل: أعرض عنهم، ولا تتكلف إظهار سرهم، ولا تطلع عليه، إنما ذلك إلَيَّ؛ لأطلعكم على ما يسرون؛ ليعلموا أنك إنما عرفت ذلك باللَّه ففيه دلالة إثبات الرسالة، فتوكل على اللَّه، وثق به، ولا تخافهم، فإن اللَّه تعالى يدفع عنك شرهم وكيدهم.

ج. ويحتمل: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في جزائه؛ فإن اللَّه هو يتولى جزاء تكذيبهم إياك.

3. ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ فيما ذكرنا، أي: كفى به مانعًا، فلا أحد أمنع منه، وقيل: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾، مما يبيتون وحافظًا، وقَالَ بَعْضُهُمْ: لا يكون التبييت إلا بالليل، يؤلفون الشيء ويقدرونه بالليل.

__________

(1) تأويلات أهل السنة: ‏3/272.

العياني:

ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. معنى قوله عز وجل: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾، يريد عز وجل أنهم ينافقونك إذا حضروا بين يديك فإذا خرجوا من عندك بدلوا قولاً غير الذي قلت لهم ليشنعوا بذلك عليك..

2. وقيل: التبييت: هاهنا هو التبديل، قال الشاعر:

çبَيَّتَّ قولي عند المليك... قاتلك الله عبداً كفوراé

أي بدلت قولي عند الملك..

3. وقيل: معنى التبييت: هو ما كان في الليل، مأخوذ من المبيت عند الليل، قال الشاعر:

çأتوني فلم أرض ما بيتوا... وكانوا أتوني بشيء نكرé

__________

(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/246.

الديلمي:

ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني المنافقين يقولون أمرنا طاعة، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ والتبييت كل عمل دبر ليلاً قال الشاعر:

çأتوني فلم أرض ما بيتوا... وكانوا أتوني بأمر نكرé

2. في تسمية العمل بالليل بياتاً قولان:

أ. أحدهما: لأن الليل وقت للمبيت.

ب. الثاني: لأنه وقت الرجوع إلى البيوت.

3. في المراد بقوله: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾:

أ. أي أنها عبرت غير ما أضمرت من الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه،

ب. والثاني معناه قدرت غير الذي تقول على وجه التكذيب.

4. ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ قيل يكتبه بعلمه وينزل عليك في الكتاب.

__________

(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/187.

الماوردي:

ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ يعني المنافقين، أي أمرنا طاعة، ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ والتبييت كل عمل دبّر ليلا، قال عبيد بن همام:

çأتوني فلم أرض ما بيّتوا...وكانوا أتوني بأمر نكر

لأنكح أيّمهم منذرا...وهل ينكح العبد حرّ لحر؟é

2. في تسمية العمل بالليل بياتا قولان:

أ. أحدهما: لأن الليل وقت المبيت.

ب. الثاني: لأنه وقت البيوت.

3. في المراد بقوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قولان:

أ. أحدهما: أنها غيّرت ما أضمرت من الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه، وهذا قول ابن عباس، وقتادة، والسدي.

ب. الثاني: معناه فدبّرت‏ عليه غير الذي تقول على جهة التكذيب، وهذا قول الحسن.

4. في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ قولان:

أ. أحدهما: يكتبه في اللوح المحفوظ ليجازيهم عليه.

ب. والثاني: يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب، وهذا قول الزجاج.

__________

(1) تفسير الماوردي: ‏1/510.

الطوسي:

ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قرأ أبو عمر بإدغام التاء في الطاء، وبه قرأ حمزة: والباقون بالإظهار والفتح، وفرق الكسائي بين بيت طائفة فأظهر في الفعل وادغم في الاسم إذا قال بيتت طائفة، قال المبرد، والزجاج: لا وجه لذلك، بل هما سواء، وإنما حسن ادغام التاء في الطاء، لقرب مخرجهما، ولم يجز إدغام الطاء في التاء، لما فيها من الاطباق، وكذلك يجوز إدغام الباء في الميم في‏ ﴿يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ ولا يجوز ادغام الميم في الباء نحو ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ لأنه يخل باذهاب الغنة في ذلك، ولا يخل‏ بها في الأول.

2. يحتمل رفع طاعة وجهين:

أحدهما: أمرنا طاعة.

الثاني: منا طاعة، قال الزجاج: الاول أحسن، لأنه أجمع.

3. يجوز طاعة (نصباً) على معنى نطيع طاعة، ولم يقرأ به.

4. القائلون لهذا القول، قيل فيه قولان:

أ. أحدهما قال الحسن، والسدي، والضحاك: هم المنافقون.

ب. الثاني: انهم الذين حكى عنهم انهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية.

5. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ يعني خرجوا من عندك بيت طائفة منهم يعني دبر جماعة منهم ليلا، قال المبرد: التبييت كل شيء دبر ليلا، وقال الجبائي معناه دبروه في بيوتهم وهذا بعيد لا وجه له في اللغة، قال الرماني: وفيه معنى الإخفاء في النفس، وكذلك لا يوصف تعالى به، قال عبيدة بن همام:

çأتوني فلم أرض ما بيتوا...وكانوا أتوني بشيء نُكر

لأنكح أيمهم منذراً...وهل يُنكح العبد حر الحر!؟é

6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾:

أ. قيل: أي غير ما تقول بأن أضمروا الخلاف فيما أمرتهم به أو نهيتهم عنه هذا قول ابن عباس، وقتادة والسدي.

ب. وقال الحسن: قدرت طائفة منهم‏] غير الذي تقول على جهة التكذيب.

7. في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ قولان:

أ. الأول: نكتبه في اللوح المحفوظ ليجازوا به.

ب. الثاني: قال الزجاج: يكتب بان ينزله اليك في الكتاب.

ومعنى بيت أضمر، وأصله إحكام الامر ليلا من البيات.

8. ثم أمر الله نبيه‏ صلّى الله عليه وآله وسلّم بالاعراض عنهم، وألا تسميهم بأعيانهم إبقاء عليهم، وبستر أمورهم إلى أن يستقر أمر الإسلام، وأمره بان يتوكل عليه‏ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يعني حفيظاً، لما يجب تفويضه إليه من التدبير، وأصل الوكيل القائم بما فوض إليه من التدبير.

__________

(1) تفسير الطوسي: ‏3/269.

الجشمي:

ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. شرح مختصر للكلمات:

أ. التبييت: كل شيء دُبِّرَ ليلاً، يقال: بيَّت الرجل الأمر إذا دبره ليلاً، قال تعالى: ﴿يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ والبَيُّوت: الماء يبيت ليلاً، والبيوت: الأمر الذي يبيت عليه صاحبه مغتمًا به، والبيات والتبييت أن تأتي العدو ليلاً، وبات يفعل إذا فعله ليلاً، كما يقال: ظل بالنهار، قال علي بن عيسى: وعندي أن فيه معنى الإخفاء في النفس، ولذلك لا يوصف به الله تعالى، قال الشاعر:

çأَتَوْني فَلَمْ أَرْضَ مَا بَيَّتُوا... وَكَانُوا أَتَوْنِي بأمْرٍ نُكْرِé

ب. برز فلان فهو بارز، والبَرَاز المتسع من الأمر، وامرأة برزة جليلة تبرز وتجلس للناس، وقال الخليل: رجل برز ظاهر عفيف وأصله من الظهور.

2. اختلف في علاقة الآية الكريمة بما قبلها:.

أ. قيل: الآية تتصل بما قبلها بأن أمروا بطاعة الرسول فقالوا: منا طاعة، وأضمروا الخلاف.

ب. وقيل: بل يتصل بقوله: ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ﴾ قالوا أمرك طاعة، وأضمر بعضهم الخلاف.

ج. وقيل: لما بين أن ما نالوا من الظفر فبالطاعة، وما نالهم من المصيبة فبعصيانهم قالوا: منا الطاعة.

3. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:

أ. قيل: نزلت الآية في المنافقين عن الحسن والسدي والضحاك.

ب. وقيل: في الَّذِينَ حكى عنهم أنهم يخشون الناس كخشية الله.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ﴾:

أ. قيل: المنافقون.

ب. وقيل: المسلمون.

5. ﴿طَاعَةٌ﴾ أي منا طاعة لأمرك ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ خرجوا وغابوا عنك ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾:

أ. قيل: غيروا وبدلوا ما يقول بأن أضمروا الخلاف عليك فيما أمرتهم به ونهيتهم عنه عن ابن عباس وقتادة والسدي، ويكون التبييت بمعنى التغيير والتبديل.

ب. وقيل: قَدَّرَ طائفة، عن السدي، تقول على جهة التكذيب عن الحسن، والتبييت بمعنى التقدير.

ج. وقيل: دبروا ليلاً غير ما أعطوك نهارًا عن أبي عبيدة والقتبي.

د. وقيل: زور ومَوَّهَ.

6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ﴾:

أ. قيل: ما يكتبه في اللوح المحفوظ فيجازون به.

ب. وقيل: يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب عن الزجاج.

ج. وقيل: يكتب الحفظة بأمره ليجازوا عليه.

7. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾:

أ. قيل: عن مكافأتهم فلا تعاقبهم.

ب. وقيل: كان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بآية السيف.

ج. وقيل: لم ينسخ، ولكن ذلك في المنافقين.

د. وقيل: أعرض عنهم إعراض مستخف لا تبال بهم عن أبي مسلم.

8. ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ أي فوض أمرك إليه وثق به ﴿وَكَفَى بِاللهِ وَكِيلًا﴾ أي حسبك به فيما يأمرك ناصرًا دافعًا عنك، وأصل الوكيل القائم بما فوض إليه من الأمور، وقيل: حفيظًا لما يفوضه إليه من التدبير.

9. قرأ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ بإدغام التاء في الطاء أبوعمرو وحمزة، والباقون بالإظهار والفتح، والإظهار أجود؛ لأنها متحركة والطاء في كلمة أخرى، وكأنَّ الكسائي يفرق بين الفعل والاسم، فأظهر في الفعل وأدغم في الاسم، وقال أبو العباس والزجاج: هما سواء، وكأنَّ الكسائي يفر من ثقل الضمة إلى الإدغام، ولا يجب في الفتحة مثل ذلك، وإن كان جائزًا.

10. مسائل لغوية ونحوية:

أ. جاز إدغام الباء في الميم في قوله: ﴿يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ ولم يجز إدغام الميم في الباء في ﴿لَا أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ﴾ لأنه لم يخلّ بإذهاب الغنة، ولم يجز في الثاني للإخلال بإذهابها.

ب. رفع ﴿طَاعَةٌ﴾ على تقدير محذوف، وقيل: أَمْرُنَا طاعة، وقيل: منا طاعة، قال الزجاج: الأول أحسن؛ لأنه أجمع، ويجوز النصب على نطيع طاعة، وإنما ذكر الكناية بلفظ التذكير وإن رجع إلى الطائفة؛ لأنه راعى المعنى، وهم الرجال منهم.

11. تدل الآية الكريمة على:

أ. نفاق القوم، وأنهم يقولون بحضرته خلاف ما يبيتون إذا غابوا عنه.

ب. أن أعمال الخلق مكتوبة، وأن الملائكة تكتبها بأمر الله، وفيه فوائد:

منها: أنه يكون لطفًا.

ومنها: ما يحصل عند الغرض من السرور للمؤمن والخزي للكافر.

ومنها: ما يعلم أهل الحشو أنه لا ظلم على أحد.

ج. أن علم الله تعالى بنفاقهم لا يمنع إجراء أحكام الإسلام عليهم، فتدل على أنه تعالى لا يجازي على علمه في أحكام الدنيا بما يظهر للناس، وأما ما يعتقده ويفعله ولا يطلع عليه أحد فإنه يجازيه به يوم القيامة، وتدل على وجوب الانقطاع إليه تعالى عند المهمات.

د. أن الطاعة بالقول لا تكفي ما لم ينضم إليها طاعة القلب، وتدل على أن قوله حجة.

__________

(1) التهذيب في التفسير: 2/718

الطَبرِسي:

ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. التبييت: قال المبرد: التبييت: كل شئ دبر ليلا، قال عبيدة بن هشام:

çأتوني فلم أرض ما بيتوا... وكانوا أتوني لأمر نكر والبيوتé

الأمر يبيت عليه صاحبه مهتما به، والبيات والتبييت: أن يأتي العدو ليلا، فأصل التبيت: إحكام الامر ليلا، وأصل الوكيل: القائم بما فوض إليه التدبير.

2. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾:

أ. قيل: يعني به المنافقين، عن الحسن، والسدي، والضحاك.

ب. وقيل: المراد به المسلمون الذين حكى عنهم أنهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، يقولون أمرك طاعة، كأنهم قالوا: قابلنا أمرك بالطاعة.

3. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾: أي خرجوا ﴿مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾: أي قدر جماعة منهم ليلا ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾:

أ. قيل: أي غير ما تقولون على جهة التكذيب، عن الحسن، وقتادة.

ب. وقيل: معناه غيروا بالليل، وبدلوا ما قالوه، بأن أضمروا الخلاف عليك، فيما أمرتهم به، ونهيتهم عنه، عن ابن عباس، وقتادة، والسدي.

ج. وقيل: دبروا ليلا غير ما أعطوك نهارا، عن أبي عبيدة، والقتيبي.

4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾:

أ. قيل: في اللوح المحفوظ، ليجازيهم به.

ب. وقيل: يكتبه بأن ينزله إليك في الكتاب، عن الزجاج.

5. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أمر الله نبيه بالإعراض عنهم، وأن لا يسميهم بأعيانهم إبقاء عليهم، وسترا لأمورهم إلى أن يستقر أمر الاسلام ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾: أي فوض أمرك إليه، وثق به ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾: أي حفيظا لما تفوضه إليه من التدبير.

6. قرأ أبو عمرو بادغام التاء في الطاء من (بيت طائفة)، وبه قرأ حمزة، والباقون بالإظهار.. إنما حسن إدغام التاء في الطاء، للتقارب الذي بينهما، بأنهما من حيز واحد، ولم يحسن إدغام الطاء في التاء، لان الطاء تزيد على التاء بالإطباق، فحسن إدغام الأنقص صوتا من الحروف، في الأزيد صوتا، بحسب قبح إدغام الأزيد في الأنقص، ومن بين ولم يدغم فلانفصال الحرفين، واختلاف المخرجين.

7. ﴿طَاعَةٌ﴾: مبتدأ، أي: عندنا طاعة، أو خبر مبتدأ محذوف أي: أمرنا طاعة ولو نصبت على تطيع طاعة، جاز.

__________

(1) تفسير الطبرسي: ‏3/124.

ابن الجوزي:

ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ نزل في المنافقين، كانوا يؤمنون عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم ليأمنوا، فإذا خرجوا، خالفوا، هذا قول ابن عباس.

2. ﴿طَاعَةٌ﴾ قال الفرّاء: والرّفع في (طاعة) على معنى: أمرك طاعة.

3. ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ قرأ أبو عمرو، وحمزة: بيّت، بسكون (التاء) وإدغامها في (الطاء)، ونصب الباقون (التاء)، قال أبو عليّ: التاء والطاء والدال من حيز واحد، فحسن الإدغام، ومن بيّن، فلانفصال الحرفين، واختلاف المخرجين، قال ابن قتيبة: والمعنى (فإذا برزوا من عندك) أي خرجوا، (بيّت طائفة منهم غير الذي تقول)، أي‏ قالوا، وقدّروا ليلا غير ما أعطوك نهارا، قال الشاعر:

çأتوني فلم أرض ما بيّتوا...وكانوا أتوني بشيء نكرé

والعرب تقول: هذا أمر قد قدّر بليل، [وفرغ منه بليل، ومنه قول الحارث بن حلزة:

çأجمعوا أمرهم عشاء فلما...أصبحوا أصبحت لهم ضوضاءé

وقال بعضهم: بيّت، بمعنى: بدّل، وأنشد:

çوبيّت قولي عند المليك‏...قاتلك الله عبدا كفوراé

4. في قوله تعالى: ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قولان:

أ. أحدهما: غير الذي تقول الطّائفة عندك، وهو قول ابن عباس، وابن قتيبة،

ب. الثاني: غير الذي تقول أنت يا محمّد، وهو قول قتادة، والسّدّيّ.

5. في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ ثلاثة أقوال:

أ. أحدها: يكتبه في الأعمال التي تثبّتها الملائكة، قاله مقاتل في آخرين.

ب. الثاني: ينزله إليك في كتابه.

ج. الثالث: يحفظه عليهم ليجازوا به، ذكر القولين الزجّاج.

6. قال ابن عباس: فأعرض عنهم: فلا تعاقبهم، وثق بالله عز وجل، وكفى بالله ثقة لك، قال: ثم نسخ هذا الإعراض، وأمر بقتالهم.

7. سؤال وإشكال: ما الحكمة في أنه ابتدأ بذكرهم جملة، ثم قال ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾، والكلّ منافقون؟ والجواب: من وجهين، ذكرهما أهل التفسير:

أ. أحدهما: أنه أخبر عمّن سهر ليله، ودبّر أمره منهم دون غيره منهم.

ب. الثاني: أنه ذكر من علم أنه يبقى على نفاقه دون من علم أنّه يرجع.

__________

(1) زاد المسير: 1/438.

القرطبي:

ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي أمرنا طاعة، ويجوز ﴿طَاعَةٌ﴾ بالنصب، أي نطيع طاعة، وهي قراءة نصر بن عاصم والحسن والجحدري، وهذا في المنافقين في قول أكثر المفسرين، أي يقولون إذا كانوا عندك: أمرنا طاعة، أو نطيع طاعة، وقولهم هذا ليس بنافع، لأن من لم يعتقد الطاعة ليس بمطيع حقيقة، لأن الله تعالى لم يحقق طاعتهم بما أظهروه، فلو كانت الطاعة بلا اعتقاد حقيقة لحكم بها لهم، فثبت أن الطاعة بالاعتقاد مع وجودها.

2. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ أي خرجوا ﴿مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ فذكر الطائفة لأنها في معنى رجال، وأدغم الكوفيون التاء في الطاء، لأنهما من مخرج واحد، واستقبح ذلك الكسائي في الفعل وهو عند البصريين غير قبيح.

3. معنى ﴿بَيّت﴾ زور وموه، وقيل: غير وبدل وحرف، أي بدلوا قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم فيما عهده إليهم وأمرهم به، والتبييت التبديل، ومنه قول الشاعر:

çأتوني فلم أرض ما بيتو...وكانوا أتوني بأمر نكر

لأنكح أيمهم منذرا...وهل ينكح العبد حر لحرé

وقال آخر:

çبيت قولي عبد الملي...ك قاتله الله عبدا كفوراé

وبيت الرجل الامر إذا دبره ليلا، قال الله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾، والعرب تقول: أمر بيت بليل إذا أحكم، وإنما خص الليل بذلك لأنه وقت يتفرغ فيه، قال الشاعر:

çأجمعوا أمرهم بليل فلما...أصبحوا أصبحت لهم ضوضاءé

ومن هذا بيت الصيام، والبيوت: الماء يبيت ليلا، والبيوت: الأمر يبيت عليه صاحبه مهتما به، قال الهذلي:

çوأجعل فقرتها عدة...إذا خفت بيوت أمر عضالé

والتبييت والبيات أن يأتي العدو ليلا، وبات يفعل كذا إذا فعله ليلا، كما يقال: ظل بالنهار، وبئت الشيء قدر.

4. سؤال وإشكال: ما وجه الحكمة في ابتدائه بذكر جملتهم ثم قال: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾؟ والجواب:

أ. قيل: إنما عبر عن حال من علم أنه بقي على كفره ونفاقه، وصفح عمن علم أنه سيرجع عن ذلك.

ب. وقيل: إنما عبر عن حال من شهد وحار في أمره، وأما من سمع وسكت فلم يذكره.

5. ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه، وقال الزجاج: المعنى ينزله عليك في الكتاب.

6. في هذه الآية دليل على أن مجرد القول لا يفيد شيئا كما ذكرنا، فإنهم قالوا: طاعة، ولفظوا بها ولم يحقق الله طاعتهم ولا حكم لهم بصحتها، لأنهم لم يعتقدوها، فثبت أنه لا يكون المطيع مطيعا إلا باعتقادها مع وجودها.

7. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي لا تخبر بأسمائهم، عن الضحاك، يعني المنافقين، وقيل: لا تعاقبهم، ثم أمره بالتوكل عليه والثقة به في النصر على عدوه، ويقال: إن هذا منسوخ بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾

__________

(1) تفسير القرطبي: ‏5/289.

الشوكاني:

ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ بالرفع، على أنها خبر مبتدأ محذوف، أي: أمرنا طاعة، أو شأننا طاعة، وقرأ الحسن، والجحدري، ونصر بن عاصم بالنصب على المصدر: أي: نطيع طاعة، وهذه في المنافقين في قول أكثر المفسرين، أي: يقولون إذا كانوا عندك طاعة.

2. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: خرجوا من عندك‏ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي: زوّرت طائفة من هؤلاء القائلين غير الذي تقول لهم أنت وتأمرهم به، أو: غير الذي تقول لك هي من الطاعة لك؛ وقيل: معناه: غيروا وبدّلوا وحرّفوا قولك فيما عهدت إليهم، والتبييت: التبديل، ومنه قول الشاعر:

çأتوني فلم أرض ما بيّتوا...وكانوا أتوني بأمر نكرé

يقال: بيت الرجل الأمر: إذا دبره ليلا، ومنه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ واللهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ‏﴾ أي: يثبته في صحائف أعمالهم ليجازيهم عليه، وقال الزجاج: المعنى: ينزله عليك في الكتاب.

3. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي: دعهم وشأنهم، حتى يمكن الانتقام منهم؛ وقيل: معناه: لا تخبر بأسمائهم؛ وقيل: معناه: لا تعاقبهم، ثم أمره بالتوكل عليه، والثقة به في النصر على عدوه، قيل: وهذا منسوخ بآية السيف.

__________

(1) تفسير الشوكاني: ‏1/566.

أَطَّفِّيش:

ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المنافقون عندك، وقيل: المؤمنون الذين يخشون الناس كخشية الله ﴿طَاعَةٌ﴾ أَمْرُنا طاعة، أو حقُّك طاعة، أو منَّا طاعة، أو علينا، ﴿فَإِذَا بَرَزُواْ﴾ ظهروا بالخروج ﴿مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ﴾ هي رؤساؤهم ﴿مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ هي من الطَّاعة لك، أو غير الذي تقول أنت يا محمَّد لهم، من أمر الدين، أي: دبَّرته ليلاً وقت البيات ليصفوا رأيهم ويجتمع، أو في بيت بناء، أو سوَّوْه كما يُسوَّى البناءُ بيتًا، أو بَيْت نَظْم يقال: بيَّت شعرا، أي: دبَّره، وهم حين كانوا عندك على غير الذي تقول قبل البروز أيضًا، لكن بعد البروز جدَّدوا له وثوقًا لمخالفة ظاهره له حين كانوا عندك، أو جدَّدوا أمرًا آخر مقوِّيًا له، ﴿وَاللهُ يَكْتُبُ﴾ في صحفهم أو فيما يوحي إليك ﴿مَا يُبَيِّتُونَ﴾ ليجازيهم به، وليخبرك به.

2. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تشغل بالك بهم، ولا تضق، ولا تفضحهم بل اصفح عنهم، ولا تعاتبهم، ليستقيم أمر الإسلام، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ﴾ في الأمور كلِّها ومنها أمرهم، وهو من أعظمها ﴿وَكَفَىٰ بِاللهِ وَكِيلاً﴾ يكفيك شأنهم وشأن غيرهم.

__________

(1) تيسير التفسير، أطفيش: 3/234.

القاسمي:

ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ﴾ أي: المنافقون، إذا أمرتهم بشيء، وهم عندك‏ ﴿طَاعَةٌ﴾ بالرفع، أي: أمرنا وشأننا طاعة، ويجوز النصب بمعنى: أطعناك طاعة، كما يقول المنقاد: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة، قال سيبويه: سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال له: كيف أصبحت؟ فيقول: حمد الله وثناء عليه، كأنه قال أمري وشأني حمد الله وثناء عليه، ولو نصب (حمد الله) كان على الفعل، والرفع يدل على ثبات الطاعة واستقرارها.

2. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا﴾ أي خرجوا ﴿مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي: من مجلسك‏ ﴿بَيَّتَ﴾ أي: دبّر ليلا ﴿طَائِفَةٌ مِنْهُمْ﴾ أي من القائلين المذكورين وهم رؤساؤهم‏ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ أي: خلاف ما قالت لك، من القبول وضمان الطاعة، لأنهم مصرون على الرد والعصيان، وإنما يظهرون ما يظهرون على وجه النفاق.

3. ﴿بَيَّتَ﴾: في (القاموس وشرحه): (وبيّت الأمر: عمله أو دبره ليلا، وقال الزجاج: كل ما فكر فيه، أو خيض بليل، فقد بيّت، ويقال: بيّت بليل ودبّر بليل بمعنى واحد، وفي الحديث: أنه كان صلّى الله عليه وآله وسلّم لا يبيّت مالا ولا يقيله‏، أي: إذا جاءه مال لا يمسكه إلى الليل ولا إلى القائلة، بل يعجل قسمته)، ونقل الرازيّ عن الزجاج أيضا: أن كل أمر تفكر فيه وتأمل في مصالحه ومفاسده كثيرا، يقال فيه مبيّت، وفي اشتقاقه وجهان:

أ. الأول: من البيتوتة لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل، فهناك تكون الخواطر أخلى، والشواغل أقل، فلما كان الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت، والغالب أنه يستقصي الأفكار في الليل، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيّتا.

ب. الثاني: اشتقاقه من أبيات الشعر، لأن الشاعر يدبرها ويسويها، قال الأخفش: العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه، فسمّوا المتفكّر فيه، المستقصى، مبيّتا، تشبيها له ببيت الشعر، من حيث إنه يسوى ويدبر.

4. تذكير الفعل، لأن تأنيث (طائفة) غير حقيقيّ، ولأنها في معنى الفوج والفريق، وإسناده إلى طائفة منهم، لبيان أنهم المتصدون له بالذات، والباقون أتباع لهم في ذلك، لا لأن الباقين ثابتون على الطاعة.

5. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي: يثبته في صحائف أعمالهم بما يأمر به حفظته الكاتبين الموكلين بالعباد فيجازيهم عليه، قال ابن كثير: (والمعنى في هذا التهديد، أنه تعالى يخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرّونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلا من مخالفة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وعصيانه، وإن‏ كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك)، وجوّز أن يكون المعنى: والله يكتبه في جملة ما يوحي إليك في كتابه، فيطلعك على أسرارهم، فلا يحسبوا أن إبطانهم يغني عنهم، فالقصد لتهديدهم على الأول، وتحذيرهم من النفاق لأن الله يظهره، على الثاني، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أي تجاف عنهم ولا تعاقبهم‏ ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي ثق بالله في شأنهم، فإن الله يكفيك شرهم وينتقم منهم‏ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ كفيلا بالنصرة والدولة لك عليهم.

__________

(1) تفسير القاسمي: ‏3/232.

رضا:

ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ أي يقول المسلمون كافة أو أولئك الذين ذكروا في الآيات الأخيرة، قال ابن جرير يعني الفريق الذي أخبر الله عنهم أنهم لما كتب عليهم القتال خشوا الناس كخشية الله أو أشد خشية يقولون للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم إذا أمرهم بأمر: أمرك طاعة، لك منا طاعة فيما تأمرنا به وتنهانا عنه اه، وقال غيره التقدير: (أمرنا طاعة) أي شأننا معك الطاعة لك، والأقرب ما قاله ابن جرير، ومعنى أمرك طاعة أنه مطاع فجعل المصدر في مكان اسم المفعول للمبالغة، فهو يدل بإيجازه على أنهم كانوا في حضرة الرسول يدعون كمال الطاعة ويظهرون منتهى الانقياد.

2. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي فإذا خرجوا من عندك، وكلمة برز من مادة البراز بفتح الباء وهو الفضاء من الأرض أي خرجوا من المكان يكونون معك فيه إلى البراز منصرفين إلى بيوتهم.

3. ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ دبرت في أنفسها ليلا غير الذي تقول لها وتظهر الطاعة لك فيه نهارا، أو بيتت غير الذي تقوله هي لك وتؤكده من طاعتك، والتبييت ما يدبر في الليل من رأي ونية وعزم على عمل، ومنه قصد العدو ليلا للإيقاع به، ومنه تبييت نية الصيام أي القصد إليه ليلا، واشتقاقه من البيتوتة فإن وقتها هو الوقت الذي يجتمع فيه الفكر ويصفو فيه الذهن، وقيل إنه مشتق من أبيات الشعر، أي روزوا ورتبوا في سرائرهم غير ما تأمرهم به كما يروزون الأبيات من الشعر، أي يعزمون على المخالفة مع التفكر في كيفيتها واتقاء غوائلها كما يرتبون أبيات الشعر ويزنونها، قال محمد عبده: ليس هذا خاصا بالمنافقين بل يكون من ضعفاء الإيمان ومرضى القلوب وهذا الرأي هو الموافق لما قاله في الآيات السابقة، وروى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال: هم ناس يقولون عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم وإذا برزوا من عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده فعاتبهم الله.

4. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي يبينه لك في كتابه ويفضحهم به بمثل هذه الآية أو يكتبه في صحائف أعمالهم ويجازيهم عليه ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أيها الرسول ولا تبال بما يبيتون ولا تؤاخذهم بما أسروا ولم يظهروا، أو المراد لا تقبل عليهم بالبشاشة كما تقبل على الصادقين ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في شأنهم أي اتخذه وكيلا تكل إليه جزاءهم وتفوض إليه أمرهم ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يحيط علمه بالأعمال ظاهرها وباطنها، وبما يستحق العاملون من الجزاء عليها، ويقدر على إيقاع هذا الجزاء لا يعجزه منه شيء، وإنما عليك البلاغ، وعليه الحساب والجزاء، وهذا يؤيد ما تقدم بيانه في تفسيرنا للآية التي قبل هذه الآية.

5. وقد زعم بعض المفسرين أن الأمر بالإعراض عن المنافقين هنا منسوخ بقوله تعالى: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: 73] ورده الفخر الرازي، وقالوا مثله في الآية السابقة، وقال محمد عبده إنهم لا يكادون يتركون آية من آيات العفو والصفح والحلم ومكارم الأخلاق في معاملة المخالفين إلا ويزعمون نسخه، وأنكر ذلك أشد الإنكار، وليس عندي شيء عنه في تفسير هذه الآيات غير هذا وما تقدم قريبا من قوله بأن الآية ليست في المنافقين خاصة.

6. من مباحث اللفظ اتفاق القراء على تذكير (بيت) قالوا لم يقل (بيتت) بتاء التأنيت لأن تأنيث (طائفة) غير حقيقي ولأنها بمعنى الفريق والفوج، وهذا التعليل كاف في بيان الجواز لا في بيان الاختيار والأصل أن يؤنث ضمير المؤنث ولو كان تأنيثه لفظيا ووجه الاختيار الذي أراه هو أن تكرار التاء قبل الطاء القريبة منها في المخرج لا يخلوا من ثقل على اللسان ولذلك تحذف إحدى التاءين من مثل تتصدى وتتكلم فيقال تصدى وتكلم.

__________

(1) تفسير المنار: ‏5/286.

الرَّازي:

ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ أي ويقولون إذا أمرتهم بشيء ﴿طَاعَةٌ﴾ بالرفع، أي أمرنا وشأننا طاعة، ويجوز النصب بمعنى أطعناك طاعة، وهذا كما إذا قال الرجل المطيع المنقاد: سمعا وطاعة، وسمع وطاعة، قال سيبويه: سمعنا بعض العرب الموثوق بهم يقال لهم كيف أصبحت؟ فيقول: حمدا لله وثناء عليه، كأنه قال أمرى وشأني حمدا لله.. واعلم أن النصب يدل على مجرد الفعل، وأما الرفع فإنه يدل على ثبات الطاعة واستقرارها.

2. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ أي خرجوا من عندك‏ ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ قال الزجاج: كل أمر تفكروا فيه كثيرا وتأملوا في مصالحه ومفاسده كثيرا قيل هذا أمر مبيت، قال تعالى: ﴿إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108] وفي اشتقاقه وجهان:

أ. الأول: اشتقاقه من البيتوتة، لأن أصلح الأوقات للفكر أن يجلس الإنسان في بيته بالليل، فهناك تكون الخواطر أخلى والشواغل أقل، فلما كان الغالب أن الإنسان وقت الليل يكون في البيت، والغالب له أنه إنما يستقصي في الأفكار في الليل، لا جرم سمي الفكر المستقصى مبيتا،

ب. الثاني: اشتقاقه من بيت الشعر قال الأخفش: العرب إذا أرادوا قرض الشعر بالغوا في التفكر فيه فسموا المتفكر فيه المستقصى مبيتا، تشبيها له ببيت الشعر من حيث إنه يسوى ويدبر.

3. خص الله تعالى طائفة من جملة المنافقين بالتبييت، وفي هذا التخصيص وجهان:

أ. أحدهما: أنه تعالى ذكر من علم أنه يبقى على كفره ونفاقه، فأما من علم أنه يرجع عن ذلك فإنه لم يذكرهم.

ب. الثاني: أن هذه الطائفة كانوا قد أسهروا ليلهم في التبييت، وغيرهم سمعوا وسكتوا ولم يبيتوا، فلا جرم لم يذكروا.

4. قرأ أبو عمرو وحمزة ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ بإدغام التاء في الطاء، والباقون بالإظهار أما من أدغم‏ فله فيه وجهان:

أ. الأول: قال الفراء: جزموا لكثرة الحركات، فلما سكنت التاء أدغمت في الطاء.

ب. الثاني: أن الطاء والدال والتاء من حيز واحد، فالتقارب الذي بينها يجريها مجرى الأمثال في الإدغام، ومما يحسن هذا الإدغام أن الطاء تزيد على التاء بالاطباق، فحسن إدغام الأنقص صوتا في الأزيد صوتا، أما من لم يدغم فعلته أنهما حرفان من مخرجين في كلمتين متفاصلتين، فوجب إبقاء كل واحد منهما بحاله.

قال: ﴿بَيَّتَ﴾ بالتذكير ولم يقل: بيتت بالتأنيث، لأن تأنيث الطائفة غير حقيقي، ولأنها في معنى الفريق والفوج، قال الزمخشري: ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ أي زورت وزينت خلاف ما قلت وما أمرت به، أو خلاف ما قالت وما ضمنت من الطاعة، لأنهم أبطنوا الرد لا القبول والعصيان لا الطاعة.

5. ثم قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ ذكر الزجاج فيه وجهين:

أ. أحدهما: أن معناه ينزل إليك في كتابه.

ب. الثاني: يكتب ذلك في صحائف أعمالهم ليجازوا به.

6. ثم قال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ والمعنى لا تهتك سترهم ولا تفضحهم ولا تذكرهم بأسمائهم، وإنما أمر الله بستر أمر المنافقين إلى أن يستقيم أمر الإسلام، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ في شأنهم، فان الله يكفيك شرهم وينتقم منهم‏ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لمن توكل عليه، قال المفسرون: كان الأمر بالإعراض عن المنافقين في ابتداء الإسلام، ثم نسخ ذلك بقوله: ﴿جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ [التوبة: 73، التحريم: 9] وهذا الكلام فيه نظر، لأن الأمر بالصفح مطلق فلا يفيد إلا المرة الواحدة، فورود الأمر بعد ذلك بالجهاد لا يكون ناسخا له.

__________

(1) تفسير الفخر الرازي: 10/151.

المراغي:

ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ أي ويقول ذلك الفريق الذين أخبر الله عنهم أنهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، إذا أمرهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم بأمر: أمرك طاعة ـ أي أمرك مطاع، إظهارا لكمال الانقياد والخضوع.

2. ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ البراز ـ بفتح الباء ـ الأرض الفضاء، والتبييت ما يدبر في الليل من رأى ونية وعزم على عمل، ومنه تبييت العدو للإيقاع به ليلا، أي إذا خرجوا من المكان الذي يكونون معك فيه إلى البراز وهم منصرفون إلى بيوتهم، دبر جماعة منهم ليلا غير الذي قالوا لك وأظهروه من الطاعة نهارا، روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال هم ناس يقولون عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم: آمنا بالله ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم، وإذا برزوا من عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده فعاتبهم الله على ذلك.

3. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ أي يبينه لك في كتابه ويفضحهم بمثل هذه الآيات، وفي هذا من التهديد الشيء الكثير، ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ ولا تهتمّ بما يبيتون ولا تؤاخذهم بما أسروا ولم يعلنوا، ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ أي فوّض الأمر إليه، وثق به في جميع أمورك، فإن الله يكفيك شرهم وينتقم لك منهم، ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لمن توكل عليه، فهو قادر على إيقاع الجزاء بهم، وعليم بمقدار ما يستحقون منه، لا يعجزه منه شيء.

__________

(1) تفسير المراغى: 5/102.

سيّد:

ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بعد ذلك يحكي السياق عن حال طائفة أخرى ـ في الصف المسلم ـ أم لعلها هي طائفة المنافقين يذكر عنها فعلا جديدا، وفصلا جديدا! ومع الحكاية التنفير من الفعلة؛ ومع التنفير التعليم والتوجيه والتنظيم.. كل ذلك في آيات قليلة، وعبارات معدودة: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾

2. إن هذا الفريق من الناس إذا كان عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يسمع منه القرآن وما فيه من التكاليف.. قالوا: (طاعة).. قالوها هكذا جامعة شاملة، طاعة مطلقة، لا اعتراض ولا استفهام ولا استيضاح ولا استثناء! ولكن ما إن يخرجوا من عند رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حتى تبيت طائفة منهم غير الذي تقول؛ وتروح في ما بينها تتآمر على عدم التنفيذ؛ وعلى اتخاذ خطة للتخلص من التكليف.

3. أم لعل النص يصور حال الجماعة المسلمة كلها؛ ويستثني منها هذه الطائفة ذات الشأن الخاص، والتصرف الخاص.. ويكون المعنى أن المسلمين يقولون: طاعة، بجملتهم، ولكن طائفة منهم ـ وهي هذه الطائفة المنافقة ـ إذا خرجت بيت أفرادها غير ما قالوا.. وهي صورة ترسم تلك الخلخلة بعينها في الصف المسلم، فإن هؤلاء مندسون فيه على كل حال، وتصرفهم على هذا النحو يؤذي الصف ويخلخله؛ والجماعة المسلمة تخوض المعركة في كل ميادينها وبكل قوتها!

4. والله ـ سبحانه ـ يطمئن النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والمخلصين في الصف، يطمئنهم بأن عينه على هذه الطائفة التي تبيت وتمكر، وشعور المسلمين بأن عين الله على المبيتين الماكرين يثبت قلوبهم، ويسكب فيها الطمأنينة إلى أن هذه الطائفة لن تضرهم شيئا بتآمرها وتبييتها، ثم هي تهديد ووعيد للمتآمرين المبيتين؛ فلن يذهبوا مفلحين، ولن يذهبوا ناجين: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾، وكانت الخطة التي وجه الله إليها نبيه صلّى الله عليه وآله وسلّم في معاملة المنافقين، هي أخذهم بظاهرهم ـ لا بحقيقة نواياهم ـ والإعراض والتغاضي عما يبدر منهم.. وهي خطة فتلتهم في النهاية، وأضعفتهم، وجعلت بقاياهم تتوارى ضعفا وخجلا.

5. وهنا طرف من هذه الخطة: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾، ومع هذا التوجيه بالإغضاء عنهم، التطمين بكلاءة الله وحفظه مما يبيتون: ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، نعم.. وكفى بالله وكيلا، لا يضار من كان وكيله؛ ولا يناله تآمر ولا تبييت ولا مكيدة، وكأنما كان الذي يدفع هذه الطائفة إلى أن تقول في حضرة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم مع القائلين: (طاعة) فإذا خرجت بيتت غير الذي تقول.. كأنما كان هذا بسبب شكهم في مصدر ما يأمرهم به الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم وظنهم أن هذا القرآن من عنده!

6. وحين يوجد مثل هذا الشك لحظة يتوارى سلطان الأمر والتكليف جملة، فهذا السلطان مستمد كله من الاعتقاد الجازم الكامل، بأن هذا كلام الله، وبأنه صلّى الله عليه وآله وسلّم لا ينطق عن الهوى.. ومن ثم كان هذا التوكيد الشديد الجازم المكرر على هذه الحقيقة.

__________

(1) في ظلال القرآن: ‏2/721.

الخطيب:

ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. هؤلاء الذين يقفون هذا الموقف المتخاذل، من التكاليف التي تقتضيهم بذلا وتضحية، هم منافقون قولا، كما هم منافقون عملا.. ذلك أنهم إذا كانوا يظهرون في وقت النفير للجهاد، أنهم ماضون مع المجاهدين، وأنهم يهيئون أنفسهم للجهاد ويعدّون العدة له، ثم ينكشف الأمر عن أنهم كانوا يدافعون الأيام بالتسويف والمماطلة، حتى تنتهى المعركة، ويعود المجاهدون! ـ فإذا كان ذلك شأنهم في العمل، فكذلك كان أمرهم في القول.. إذا سمعوا دعوة إلى الجهاد قالوا: (طاعة)، وأظهروا للرسول الاستجابة والامتثال، لما يدعوا إليه.. فإذا زايلوا مجلس الرسول، وخلوا إلى أنفسهم ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ وأنكروا على أنفسهم هذا القول الذي قالوه من قبل، وأقاموا أمرهم على خلافه.. فلا استجابة ولا طاعة.. ولكن عصيان ومخالفة.

2. في قوله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ ازدراء لهؤلاء القوم، وتحقير لهم، وذلك بالحديث عنهم بضمير الغائب، لأنهم ليسوا أهلا لأن يشرفوا بخطاب ربّ العالمين.. ثم كان الحديث عنهم بالضمير المبهم، دون ذكرهم والكشف عن ذواتهم، امتهانا لهم، واستخفافا بشأنهم، حتى لكأنهم أهون من أن يتعرف عليهم، وأضأل من أن تظهر لهم ذاتية مميزة لهم.

3. في قوله تعالى: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ إشارة أخرى إلى ضمور ذواتهم، وضئولة شأنهم.. وأنهم في مجلس الرسول، وبين أهل هذا المجلس، شخوص ضامرة، وشخصيات باهتة، يندسون بين الناس، في حذر، وفي خفية، حتى لا تأخذهم العيون، ولا تفضح مستورهم النظرات.. هكذا شأن المنافقين، يعيشون دائما وراء ستار من الحذر، والتلصص، ولا يغشون المجالس إلّا في حرص شديد على ألا تأخذهم العيون، ولا ترتفع إليهم الأبصار.

4. في التعبير بقوله تعالى: ﴿بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ تصوير معجز لحال هؤلاء المنافقين، الذين كانوا في مجلس الرسول أشباحا لا تكاد ترى، حتى إذا خرجوا من مجلس الرسول، تطاولت أعناقهم، وشمخت أنوفهم، وانتفضت أجسامهم، فإذا هم أشبه بالطواويس خيلاء وإعجابا! يستعرضون الناس، ويعرضون على أنظارهم هذا الوجه الجديد منهم، وكأنهم بذلك يستوفون‏ حظهم من بروز الشخصية، ذلك الحظ الذي فاتهم، وهم يلبسون الوجه الآخر، وجه الضمور والانزواء، الذي يعيشون به أكثر مما يعيشون.

5. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ تهديد لجماعة المنافقين، ووعيد لهم بالحساب العسير والعذاب الأليم، إذ سجل الله عليهم كل ما عملوا من سوء، وهو سبحانه الذي سيتولى حسابهم، ومجازاتهم.

__________

(1) التفسير القرآني للقرآن: ‏3/844.

ابن عاشور:

ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. بيّن الله تعالى أنّهم لضعف نفوسهم لا يعرضون جهرا بل يظهرون الطاعة، فإذا أمرهم الرسول أو نهاهم يقولون له‏ ﴿طَاعَةٌ﴾ أي: أمرنا طاعة، وهي كلمة يدلّون بها على الامتثال، وربما يقال: سمع وطاعة، وهو مصدر مرفوع على أنّه خبر لمبتدإ محذوف، أي أمرنا أو شأننا طاعة، كما في قوله: ﴿فَصَبْرٌ جَمِيلٌ﴾ [يوسف: 18]، وليس هو نائبا عن المفعول المطلق الآتي بدلا من الفعل الذي يعدل عن نصبه إلى الرفع للدلالة على الثبات مثل (قال سلام)، إذ ليس المقصود هنا إحداث الطاعة وإنّما المقصود أنّنا سنطيع ولا يكون منّا عصيان.

2. معنى‏ ﴿بَرَزُوا﴾ خرجوا، وأصل معنى البروز الظهور، وشاع إطلاقه على الخروج مجازا مرسلا، و﴿بَيَّتَ﴾ هنا بمعنى قدّر أمرا في السّرّ وأضمره، لأنّ أصل البيات هو فعل شيء في الليل، والعرب تستعير ذلك إلى معنى الإسرار، لأنّ الليل أكتم للسرّ، ولذلك يقولون: هذا أمر قضي بليل، أي لم يطّلع عليه أحد، وقال الحارث بن حلّزة:

çأجمعوا أمرهم بليل فلمّا...أصبحوا أصبحت لهم ضوضاءé

وقال أبو سفيان: هذا أمر قضى بليل، وقال تعالى: ﴿لَنُبَيِّتَنَّهُ وَأَهْلَهُ﴾ [النمل: 49] أي: لنقتلنّهم ليلا، وقال: ﴿وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ﴾ [النساء: 108]

3. تاء المضارعة في‏ ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ للمؤنث الغائب، وهو الطائفة ويجوز أن يراد خطاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، أي غير الذي تقول لهم أنت، فيجيبون عنه بقولهم: طاعة، ومعنى‏ ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ التهديد بإعلامهم أنّه لن يفلتهم من عقابه، فلا يغرّنهم تأخّر العذاب مدّة، وقد دلّ بصيغة المضارع في قوله: ﴿يَكْتُبُ﴾ على تجدّد ذلك، وأنّه لا يضاع منه شيء.

4. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ أمر بعدم الاكتراث بهم، وأنّهم لا يخشى خلافهم، وأنّه يتوكّل على الله‏ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ أي متوكّلا عليه، ولا يتوكّل على طاعة هؤلاء ولا يحزنه خلافهم.

__________

(1) التحرير والتنوير: 4/199.

أبو زهرة:

ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. إن هؤلاء المنافقين يظهرون الطاعة، ويبطنون المخالفة، ولذا قال سبحانه: ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ إنما يقول المسلمون جميعا: أمرنا معك طاعة وخضوع لما تطلب، فليس لنا إلا أن نطيعك، ولا يجوز أن نخالفك؛ لأن طاعتك هي طاعة الله، فأنت فينا المطاع دائما، وقد قصرنا أحوالنا على طاعتك.

2. هذا قول المسلمين عامة، ولكن المؤمنين يقولون ويذعنون ظاهرا وباطنا، وسرا وإعلانا، والمنافقون يقولون ذلك بظاهر من القول، وهم ينوون المخالفة ويصرون عليها ولا يتركونها، وهم الذين يقول الله تعالى فيهم: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾، أي فإذا خرجوا من عندك بارزين ظاهرين غير مستخفين، أخذوا يتدبرون فيما بينهم الأمر الذي يكون مخالفا للطاعة!

3. التعبير عن الخروج بالبروز للإشارة إلى تفاوت ما بين أحوالهم! وتضارب مظهرهم مع خبيئتهم، ويقول الزمخشري في المعنى اللغوي للتبييت: (والتبييت إما من البيتوتة؛ لأنه قضاء الأمر وتدبيره بالليل، ويقال: (هذا أمر بيت بليل)، وإما من أبيات الشعر؛ لأن الشاعر يدبرها، ويسويها)، وعندى أن هذا المعنى غريب، ولكن الأولى هو الأول مضافا إليه معنى التزوير والتحسين، لأن (بيت) تتضمن معنى التزوير والتمويه، والمعنى على أي حال أن هذه الطائفة، بعد خروجها من عندك، تدبر أمر مخالفتك، وتحسن هذه المخالفة وتزينها لنفسها في خفاء، والله يعلم ما يسرون وما يعلنون، ولذا قال: ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ والله سبحانه وتعالى يعلم ما يبيتون، فلم يكن خافيا قبل أن يقع، ولم يزدد به علما بعد الوقوع، فهو يعلم ما كان وما يكون إلى يوم الدين، وفي هذه الجملة تهديد لهم وتطمين للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، فإن الله تعالى يبين أن تبييتهم وإخفاء نياتهم لا يخفى على الله، بل إن علمه به علم ما يكتب وما يسجل عليهم، ليكون مرئيا لهم في صحائف أعمالهم يوم القيامة، وليعلم نبيه بتدبيرهم السيئ ونيتهم، ليتقى شرهم، ويحفظه من أذاهم، فإنه هو ناصره وكافله، وإذا كان الله تعالى يكتب عليهم ما يخفونه، فليس للنبي أن يأبه لهم والله حافظه وكالئه، ولذلك أمره بألا يلتفت إليهم، ولا يأخذه هم في شأنهم، وليعتمد على الله، وليكل إليه أموره، ولا يكل أموره إلى غيره، وإنه إن توكل على الله حق التوكل، حفظه، وكفاه شرهم.

4. ولذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾، والمعنى: يكفيك أن الله تعالى هو الموكل بأمرك، وهو حافظك وكالئك وحاميك، ومن كان الله تعالى وكيله والموكل بأموره، فلن يضيع أبدا.. اللهم هيئ للمسلمين أسباب العزة، ووفقهم للعمل الصالح، واجعلهم يكلون مآل أمورهم إليك، إنك نعم المولى ونعم النصير.

__________

(1) زهرة التفاسير: ‏4/1779.

مُغْنِيَّة:

ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ ـ الطائفة التي أظهرت الطاعة ـ ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾، ظاهر الآية ان المسلمين بجملتهم أظهروا طاعة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ولكنهم لم يكونوا جميعا مخلصين فيما أظهروا، بل منهم فئة منافقة تخادع الرسول، وتبيت خلاف ما تبديه له من الطاعة.. وهذه الآية رد مفحم لمن ادعى ان جميع الصحابة عدول، وان مجرد الصحبة للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم تعصم صاحبها من كل شبهة.

2. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾، الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والمعنى ان الحكمة تستدعي ان لا تهتك ستر المنافقين، وتذكرهم بأسمائهم، وأيضا لا تطمئن اليهم، وتقبل عليهم إقبالك على المؤمنين المخلصين.. والأيام كفيلة بإظهارهم على حقيقتهم، ومثل هذه الآية الآية 63 من السورة نفسها، وتقدمت هي وتفسيرها.

__________

(1) التفسير الكاشف: 2/389.

الطباطبائي:

ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. الآيات لا تأبى عن الاتصال بما قبلها فكأنها من تتمة القول في ملامة الضعفاء من المسلمين وفائدتها وعظهم بما يتبصرون به لو تدبروا واستبصروا.

2. ﴿طَاعَةٌ﴾ مرفوع على الخبرية على ما قيل والتقدير أمرنا طاعة أي نطيعك طاعة والبروز الظهور والخروج والتبييت‏ من البيتوتة ومعناه إحكام الأمر وتدبيره ليلا والضمير في‏ ﴿تَقُولَ﴾ راجع إلى‏ ﴿طَائِفَةٌ﴾ أو إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، والمعنى والله أعلم ويقول هؤلاء مجيبين لك فيما تدعوهم إليه من الجهاد أمرنا طاعة فإذا أخرجوا من عندك دبروا ليلا أمرا غير ما أجابوك به وقالوا لك أو غير ما قلته أنت لهم وهو كناية عن عقدهم النية على مخالفة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم.

3. ثم أمر الله رسوله بالإعراض عنهم والتوكل في الأمر والعزيمة فقال‏ ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ ولا دليل في الآية يدل على كون المحكي عنهم هم المنافقين كما ذكره بعضهم بل الأمر بالنظر إلى اتصال السياق على خلاف ذلك.

__________

(1) الميزان في تفسير القرآن: ‏5/19.

الحوثي:

ذكر بدر الدّين الحوثي(ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾ هم الذين قيل لهم: ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ﴾ يقولون: شأننا طاعة للرسول ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ ﴿بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ﴾ ذهبوا من عندك وصاروا في فضاء من الناس ﴿بَيَّتَ طَائِفَةٌ﴾ أي قالت في الليل قولاً قدرته لنفعها وسلامتها فيما تظن قولاً ﴿غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ لك أي خلاف الطاعة، فهي تبيت المعصية، ولعله تزيين النفاق والتآمر بينهم أن ينافقوا.

2. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ يحفظ ﴿مَا يُبَيِّتُونَ﴾ لا ينساه فيجزيهم به يوم القيامة، أو يكتب يأمر الحفظة أن يكتبوه ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ لا تعاقبهم ولا توبخهم ﴿وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ اتخذه وكيلاً تكل إليه أمورك، واعتمد على نصره وحمايته وكفايته ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾ لأنه عالم بحالك وكل شأن من شؤونك لا يغيب عنه شيء ولا يغفل عنك لحظة، ومع ذلك هو قادر على نصرك وحمايتك وكفايتك، وهو مع ذلك برّ رحيم لطيف لما يشاء.

__________

(1) التيسير في التفسير: 2/117.

فضل الله:

ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. حدثنا الله عن بعض النماذج التي تظهر الاستعداد للطاعة ما دامت في حضرة الرسول، ولكنها لم تكن مخلصة في ذلك، ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾ فإذا خرجت من عنده واجتمعت بعناصر السوء التي توافقها في الرأي من المنافقين، دبّرت خطط المعصية ومخالفة الرسول في ما يقوله.

2. ﴿وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ﴾ ولم يلتفتوا وهم يخفون خططهم آمنين من اطلاع أحد عليهم، أن الله يكتب كل ما يبيتونه للمسلمين من الخطط الشريرة فيعرفها لرسوله الذي يواجه خططهم بالحكمة والتدبير الدقيق، وقد كانت المصلحة الإسلامية تفرض على النبي صلّى الله عليه وآله وسلّم أن لا يفضحهم ويكشف أمرهم.

3. ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ لأن المرحلة قد لا تسمح بالدخول معهم في عملية صراع داخلي قد يسيء إلى توازن المجتمع، في الوقت الذي يخوض فيه المسلمون الحرب والصراع ضد المشركين واليهود؛ ولذلك كان الأمر الإلهي بالإعراض عنهم، مع إعداد الخطط الكفيلة لتحذير المسلمين منهم ومتابعة المسيرة من دون خوف ووجل، والتوكل على الله من أجل الشعور الداخلي بالثقة من كل الطوارئ المفاجئة التي لم تدخل في الحسبان، وإذا توكل الإنسان على الله، فإنه يكفيه من كل شيء ولا يحوجه إلى غيره‏ ﴿وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾

4. قد نستوحي من هذه الآية، كيف يمكن أن يمارس العاملون للإسلام دعوتهم إلى الله وجهادهم في سبيله بمرونة وحكمة، فلا يصطدمون بالفئات‏ القلقة التي قد تتواجد في داخل الساحة الإسلامية، إذا كانت الظروف الموضوعية لا تسمح بالأمر بسبب التعقيدات الصعبة الناشئة عن ذلك، مما قد يدخل الدعوة الإسلامية في معارك جانبية قد تترك أثرها السلبي على المسيرة الإسلامية الطويلة؛ ولكن ليس معنى ذلك إهمال الموقف كليّا والاستهانة بهذه العناصر، بل المفروض الوعي والحذر وتطويق كل تحركاتهم ومواجهتهم بأسلوب هادئ بعيد عن كل ألوان الإثارة المتعبة، حتى إذا تبدلت الظروف، أمكن لنا حل مشاكلهم معهم بالطريقة القوية الحاسمة.

__________

(1) من وحي القرآن: ‏7/367.

الشيرازي:

ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):

1. في هذه الآية الكريمة إشارة إلى وضع نفر من المنافقين أو المتذبذبين من ضعاف الإيمان، الذين يتظاهرون حين يحضرون

عند النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم والمسلمين بأنّهم مع الجماعة، ويظهرون الطاعة للرسول صلّى الله عليه وآله وسلّم ليدفعوا بذلك الضرر عن أنفسهم وليحموا مصالحهم الخاصّة، بدعوى الإخلاص والطاعة للنبي صلّى الله عليه وآله وسلّم‏ ﴿وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ﴾

2. وبعد أن ينصرف الناس من عند النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم ويختلي هؤلاء بأنفسهم يتجاهلون عهودهم في إطاعة النّبي ويتآمرون في ندواتهم الخاصّة ـ السرية الليلية ـ على أقوال النّبي: ﴿فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ﴾

3. نعرف من هذه الآية أنّ المنافقين في زمن الرّسول صلّى الله عليه وآله وسلّم كانوا لا يألون جهدا في التآمر على النّبي صلّى الله عليه وآله وسلّم، وكانوا يخططون في اجتماعاتهم السرّية للوقوف‏ بوجه الدعوة، ولكن الله يأمر نبيّه بأن لا يلتفت إلى مكائد هؤلاء، وأن لا يخافهم ولا يخشى خططهم وأن يتجنب الاعتماد عليهم في مشاريعه، بل يتوكل على الله الذي هو خير ناصر ومعين: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ وكَفى‏ بِاللهِ وَكِيلًا﴾

__________

(1) تفسير الأمثل: ‏3/344.