سورة آل عمران
ننبّه في مقدمة هذه السورة، كما في كل سورة إلى أنّنا قسّمنا السورة إلى مقاطع بحسب معناها، من غير مراعاة لطول المقطع أو قصره، وأنا لم نذكر ما يرتبط بتعريف السورة وفضلها ومواضيعها ونحو ذلك، لأنّا تحدثنا عنه في الكتاب الثاني من هذه السلسلة، وهو (المفسّرون والوحدة الموضوعية للقرآن)، ومثل ذلك حذفنا الإشارات واللطائف والمباحث التي لا علاقة لها مباشرة بالتفسير التحليلي، لأنّا أفردناها بالحديث في سائر كتب السلسلة.
وننبه إلى أننا نذكر ما ذكره المفسّرون بحسب التسلسل التاريخي ابتداء من الصحابة، فما بعدهم، ولم نذكر الأحاديث المرفوعة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ضمن الأحاديث التفسيرية، لصلتها في العادة بمواضيع القرآن الكريم، وقد ذكرناها في سلسلة (سنة بلا مذاهب)، بالإضافة إلى أن المفسّرين في العادة يذكرونها، ويذكرون مواقفهم منها(1).
__________
(1) كرّرنا هذه التنبيهات في كل سورة لأن هناك من لا يطلع على التنبيه الوارد في أول سورة.
1. الله والكتاب والهداية
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈1⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: 1 ـ 4]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
الشعبي:
روي عن الشعبي (ت 103 هـ) أنّه قال: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ هدى من الضلالة(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٨٨.
مجاهد:
روي عن مجاهد (ت 104 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿الْقَيُّومِ﴾ القائم على كل شيء(1).
2. روي أنّه قال: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما قبله من كتاب، أو رسول(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/١٧٨.
(2) ابن جرير: ٥/١٨٠.
البصري:
روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿الْقَيُّومِ﴾ الذي لا زوال له(1).
2. روي أنّه قال: يعني: القائم على كل نفس بما كسبت، حتى يجزيها بعملها(2).
3. روي أنّه قال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من البينات التي أنزلت على نوح، وإبراهيم، وهود، والأنبياء، وأنزل على داوود الزبور(3).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٨٦.
(2) تفسير يحيى بن سلام: أنّه قال: ١/٢٨١.
(3) ابن أبي حاتم: ٢/٥٨٧.
القاسم:
روي عن القاسم بن عبد الرحمن (ت 112 هـ) أنّه قال: إن اسم الله الأعظم في ثلاث سور من القرآن: في سورة البقرة، وآل عمران، وطه، قال الشيخ: التمستها، فوجدت في البقرة [٢٥٥] آية الكرسي: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفاتحة آل عمران: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وفي طه [١١١]: ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾(1).
__________
(1) الفريابي في فضائل القرآن: ص١٥٨.
الباقر:
روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) أنّه قال: من قال في دبر صلاة الفريضة قبل أن يثني رجليه: أستغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، ذو الجلال والإكرام وأتوب إليه (ثلاث مرات) غفر الله عز وجل له ذنوبه ولو كانت مثل زبد البحر(1).
__________
(1) الكافي: 2/521.
ابن الزبير:
روي عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت 115 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي: ليس معه غيره شريك في أمره(1).
2. روي أنّه قال: ﴿الْحَيُّ﴾ الذي لا يموت، وقد مات عيسى وصلب في قول الأحبار الذين حاجوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من نصارى أهل نجران(2).
3. روي أنّه قال: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾، أي: بالصدق فيما اختلفوا فيه(3).
4. روي أنّه قال: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾، التوراة على موسى، والإنجيل على عيسى، كما أنزل الكتب على من كان قبله(4).
5. روي أنّه قال: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾: أي: الفصل بين الحق والباطل فيما اختلف فيه الأحزاب من أمر عيسى وغيره(5).
6. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾، أي: أن الله منتقم ممن كفر بآياته، بعد علمه بها ومعرفته بما جاء منه فيها(6).
__________
(1) سيرة ابن هشام: ١/٥٧٣.
(2) ابن جرير: ٥/١٧٦.
(3) ابن جرير: ٥/١٨٠.
(4) ابن جرير: ٥/١٨١.
(5) ابن جرير: ٥/١٨٢.
(6) ابن جرير: ٥/١٨٤.
قتادة:
روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿الْحَيُّ﴾ الذي لا يموت(1).
2. روي أنّه قال: ﴿الْقَيُّومِ﴾ القيم على الخلق بأعمالهم، وأرزاقهم، وآجالهم(2).
3. روي أنّه قال: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآن(3).
4. روي أنّه قال: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتب التي قد خلت قبله(3).
5. روي أنّه قال: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾، هما كتابان أنزلهما الله، فيهما بيان من الله، وعصمة لمن أخذ به، وصدق به، وعمل بما فيه(3).
6. روي أنّه قال: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ هو القرآن، فرق به بين الحق والباطل، فأحل فيه حلاله، وحرم فيه حرامه، وشرع فيه شرائعه، وحدّ فيه حدوده، وفرض فيه فرائضه، وبين فيه بيانه، وأمر بطاعته، ونهى عن معصيته(4).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٨٦.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٩٢.
(3) ابن جرير: ٥/١٨١.
(4) ابن جرير: ٥/١٨٣.
زيد:
روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) أنّه قال: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فالحيّ: الباقي، والقيّوم: الدائم الذي لا يزول.(1).
__________
(1) تفسير الإمام زيد، ص 107.
السّدّيّ:
روي عن إسماعيل السّدّيّ (ت 127 هـ) أنّه قال: في الآية تقديم وتأخير، تقديرها: وأنزل التوراة والإنجيل والفرقان هدى للناس(1).
__________
(1) تفسير البغوي: ٢/٦.
الربيع:
روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿الْقَيُّومِ﴾: قيّم على كل شيء يكلؤه، ويحفظه، ويرزقه(1).
2. روي أنّه قال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ عزيز في نقمته، حكيم في أمره(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/١٧٨.
(2) ابن جرير: ٥/١٨٨.
الصادق:
روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي عن سفيان الثوري أنّه قال: قلت للإمام الصادق: ما معنى قول الله عز وجل: ﴿أَلَمْ﴾؟ فقال: أما الم في أول البقرة فمعناه: أنا الله الملك، وأما في أول آل عمران فمعناه: أنا الله المجيد(1).
2. روي أنّه قال في الدعاء لحفظ القرآن: تقول: أسألك باسمك الذي دعاك به عبادك الذين استجبت لهم، وأنبياؤك فغفرت لهم ورحمتهم، وأسألك بكل اسم أنزلته في كتبك، وباسمك الذي استقر به عرشك، وباسمك الواحد الأحد الفرد الوتر المتعال، الذي يملأ الأركان كلها، الطاهر الطهر، المبارك المقدس، الحي القيوم، نور السماوات والأرض، الرحمن الرحيم، الكبير المتعال، وكتابك المنزل بالحق، وكلماتك التامات، ونورك التام، وبعظمتك وأركانك(2).
3. روي أنّه سئل عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾، فقال: الفرقان: هو كل أمر محكم، والكتاب: هو جملة القرآن، الذي يصدقه من كان قبله من الأنبياء(3).
4. روي أنّه سئل عن القرآن والفرقان، أهما شيئان، أو شيء واحد؟ فقال: القرآن: جملة الكتاب، والفرقان: المحكم الواجب العمل به(4).
5. روي أنّه سئل عن القرآن والفرقان، فقال: القرآن: جملة الكتاب وأخبار ما يكون، والفرقان: المحكم الذي يعمل به وكل محكم فهو فرقان(5).
__________
(1) معاني الأخبار: 22/1.
(2) الكافي: 2/576.
(3) تفسير القمّي: 1/96.
(4) الكافي: 1/461.
(5) تفسير العيّاشي: 1/9.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ هذا القرآن، ثم قال ﴿التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ﴾ هما: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ القرآن بعد التوراة والإنجيل، والفرقان يعني به: المخرج في الدين من الشبهة والضلالة، فيه بيان كل شيء يكون إلى يوم القيامة، نظيرها في الأنبياء: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾، يعني: المخرج من الشبهات، وفي البقرة: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ﴾(2).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٢.
(2) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٣.
ابن إسحاق:
روي عن محمد بن إسحاق (ت 151 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ففتح السورة بتبرئته نفسه مما قالوا، وتوحيده إياها بالخلق والأمر لا شريك له فيه، ورد عليهم ما ابتدعوا من الكفر وجعلوا معه من الأنداد، واحتجاجا عليهم بقولهم في صاحبهم ليعرفوا بذلك ضلالتهم؛ فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، أي: ليس معه غيره شريك في أمره(1).
2. روي أنّه قال: ﴿الْقَيُّومِ﴾ القائم على مكانته الذي لا يزول، وعيسى لحم ودم، وقد قضي عليه بالموت، زال عن مكانه الذي يحدث به(1).
3. روي أنّه قال: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ بالفصل في الذي ادعوا من الباطل(2).
4. روي أنّه قال: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾: إن الله منتقم ممن كفر بآياته بعد علمه بها، ومعرفته بما جاء منه فيها(3).
5. روي أنّه قال: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾: عزيز ذو بطش ممن أراد(4).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٨٦.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٥٨٧.
(3) ابن المنذر: ١/١٢٤.
(4) ابن أبي حاتم: ٢/٥٨٩.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي:
1. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الم اللَّهُ﴾:
أ. قال بعضهم: تفسيره ما وصل به من قوله: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 1 ـ 2] هو تفسير الم، و﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وتفسير ﴿المص كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: 1 ـ 2]، وجميع ما وصل به الحروف المقطعة فهو تفسيرها، ولله أن يسمي نفسه بما شاء: سمى نفسه مجيدا؛ كقوله: ﴿ذُوالْعَرْشِ الْمَجِيدُ﴾ [البروج: 15]، وسمّى القرآن مجيدا؛ كقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ﴾ [البروج: 21]
ب. وقال بعضهم: الحروف المقطعة هي مفتاح السورة.
ج. وقال آخرون: إن كل حرف منها اسم من أسماء الله تعالى.
د. ومنهم من يقول بأنها من المتشابه التي لا يوقف عليها.
هـ. ومنهم من يقول: هو على التشبيب؛ إذ من عادة العرب ذلك، وقد مضى الكلام فيه في قوله: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾ [البقرة: 1 ـ 2] بما يكفي.
2. ﴿الْحَيُّ﴾هو الحيّ بذاته، وكل حيّ سواه حيّ بحياة هي غيره، فإذا كان هو حيّا بذاته لم يوصف بالتغاير والزوال، ولما كان كل حيّ سواه حيّا بغيره احتمل التغاير والزوال؛ وكأن الحياة عبارة يوصف بها من عظم شأنه، وشرف أمره عند الخلق، ألا ترى أن الله ـ تعالى ـ وصف الأرض بالحياة عند نباتها؛ لما يعظم قدرها ويشرف منزلتها عند الخلق عند النبات!؟ وكذلك سمى المؤمن حيّا؛ لعلوّ قدره عند الناس، والكافر ميتا؛ لدون منزلته عند الناس؛ فكذلك الله ـ سبحانه ـ سمى نفسه حيّا؛ لعظمته وجلاله وكبريائه؛ وعلى هذا يخرج قوله في الشهداء؛ حيث قال: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ﴾ [البقرة: 154]، أي: مكرمون معظمون مشرفون عند ربّهم.
3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الْقَيُّومِ﴾:
أ. قال بعضهم: هو القائم على كل نفس بما كسبت.
ب. وقال آخرون: القيوم: الحافظ.
ج. وفي حرف ابن مسعود: (هو الحيّ القيام) وكله يرجع إلى واحد: القائم.
4. ﴿الْقَيُّومِ﴾ والقيام، يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: يحفظه حتى لا يغيب عنه من أمره شيء، وروي عن ابن عباس أنّه قال: إنّ اسم الله الأعظم هو: الحيّ القيّوم)
5. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ ظاهر، ﴿بِالْحَقِّ﴾ قيل فيه بوجوه:
أ. يحتمل بالحق، أي: دعاء الخلق إلى الحق.
ب. ويحتمل بالحق، أي: هو الحق نفسه حجة مجعولة، وآية معجزة، أيس العرب عن أن يعارضوه أو يأتوا بمثله، وتحقق عند كلّ أنه من عند الله، إلا من أعرض عنه، وكابر وعاند.
ج. وقيل: بالحق، أي: بالصّدق والعدل.
د. وقيل: بالحق الذي لله عليهم، وما يكون لبعضهم على بعض]
6. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: موافقا لما قبله من الكتب السماوية، وهي غير مختلفة ولا متفاوتة، وفيه دلالة نبوة سيدنا محمد صلّى الله عليه وآله وسلم؛ لأنه أخبر أنه موافق لتلك الكتب غير مخالف لها، ولو كان على خلاف ذلك لتكلفوا إظهار موضع الخلاف؛ فإذا لم يفعلوا ذلك دل أنهم عرفوا أنه من الله، وأن محمدا رسوله، لكنهم كابروا وعاندوا.
7. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ من بعد، وقال بعضهم: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي: بيانا لهم، وحجّة لمن اهتدى، وحجة على من عمي؛ إذ لا يحتمل أن يكون له هدى، وعليه حجة فيه الهلاك؛ إنما يكون حجة له وهدى إذا اهتدى، وعليه إن ترك الاهتداء؛ فبان أنه يخالف ما يقوله المعتزلة، ومن وافقهم.
8. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ قد ذكرنا فيما تقدم أنه إنما سمّي فرقانا؛ لوجهين:
أ. أحدهما: لما فرق آياته وفرق إنزاله.
ب. الثاني: لما يفرّق بين الحق والباطل، وبين الحرام والحلال، وبين ما يتقى ويؤتى؛ فعلى هذا كل كتاب مبيّن فيه الحلال والحرام، وبيّن ما يتقى ويؤتى.
9. الإنجيل سمي إنجيلا؛ لما يجلي، وهو الإظهار في اللّغة، وقيل: سمّى التوراة توراة من أوريت الزند؛ وهو كذلك .
10. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾:
أ. قيل: بحجج الله.
ب. وقيل: كفروا بآيات الله، أي: بالله؛ لأنهم إذا كفروا بآياته كفروا به، وكذلك الكفر بدينه كفر به، والبراءة من دينه براءة منه، والبراءة من رسوله براءة منه.
11. قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ يحتمل وجوها:
أ. قيل: ذو انتقام لأوليائه من أعدائه.
ب. وقيل: ذو انتقام: ذو انتصار على الأعداء.
ج. وقيل: ذو بطش شديد.
الديلمي:
ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي قبله من كتاب ورسول وإنما قيل لما قبله بين يديه لأنه ظاهر له كظهوره لما بين يديه أي يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض.
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/133.
الماوردي:
ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكرنا تفسير ذلك من قبل:
أ. فإن قيل: ﴿أَلَم﴾ اسم من أسماء الله تعالى كان قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ نعتا للمسمى به، وتفسيره أن ﴿أَلَم﴾ هو الله لا إله إلا هو.
ب. وإن قيل: إنه قسم كان واقعا على أنه سبحانه لا إله إلا هو الحي القيوم، إثباتا لكونه إلها ونفيا أن يكون غيره إلها.
ج. وإن قيل بما سواهما من التأويلات كان ما بعده مبتدأ موصوفا، وأن الله هو الذي لا إله إلا هو الحي القيوم.
2. نزلت هذه الآية إلى نيف وثمانين آية من السورة في وفد نجران من النصارى لما جاؤوا يحاجّون النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وكانوا أربعة عشر رجلا من أشرافهم.
3. في قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ فيه وجهان:
أ. أحدهما: بالعدل مما استحقه عليك من أثقال النبوة.
ب. الثاني: بالعدل فيما اختصك به من شرف الرسالة.
4. إن قيل بأن معنى قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي بالصدق ففيه وجهان:
أ. أحدهما: بالصدق فيما تضمنه من أخبار القرون الخالية والأمم السالفة.
ب. الثاني: بالصدق فيما تضمنه من الوعد بالثواب على طاعته، والوعيد بالعقاب على معصيته.
5. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي لما قبله من كتاب ورسول، وإنما قيل لما قبله ﴿بَيْنِ يَدَيْهِ﴾ لأنه ظاهر له كظهور ما بين يديه، وفي قوله: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ قولان:
أ. أحدهما: معناه مخبرا بما بين يديه إخبار صدق دل على إعجازه.
ب. الثاني: معناه أنه يخبر بصدق الأنبياء فيما أتوا به على خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض.
6. في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: بدلائله وحججه.
ب. الثاني: بآيات القرآن، قال ابن عباس يريد وفد نجران حين قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لمحاجّته.
7. ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ يعني عذاب جهنم.
8. في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: في امتناعه.
ب. الثاني: في قدرته.
9. في قوله تعالى: ﴿ذُوانْتِقامٍ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: ذو سطوة.
ب. الثاني: ذو اقتضاء.
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/368.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. قرأ أبو جعفر والأعشى والبرجمي (ألم) بسكون الميم (الله) بقطع الهمزة وقرأ عمر بن الخطاب (الحي القيام) وهي لغة أهل الحجاز، ويقولون في الصّواغ صيّاغ. الباقون (قيوم) وإنما فتحت الميم من (ألم الله) لأحد أمرين:أحدهما: استثقالًا للكسر بعد الياء الساكنة، فصرف إلى الفتح، لأنه أخف كما فعلوا في (كيف) (وأين)، وقال الزجاج، والفراء: ألقي عليها حركة الهمزة وهي الفتحة من قولك: الله، وقال المبرد: هذا لا يجوز لأنها ألف وصل تسقط في الدرج، فلا يجوز ذلك كما لا يجوز في (إن الكافرون) الفتح على الفاء حركة الهمزة. قال الفراء: والفرق بين ذلك وبين الهجاء أنه لما كان ينوي به الوقف قوي بما بعده الاستئناف، فكانت الهمزة في حكم الثبات كما كانت في انصاف البيوت. نحو قول الشاعر:
çولا يبادر في الشتاء وليدتي...القدر تنزلها بغير جعالé
وأجاز الأخفش الكسر، وخالفه الزجاج، وقال: لا يجوز لأن قبل الهمزة ياء ساكنة قبلها كسرة، فلم يجز غير الفتح، كما لا يجوز في كيف، ويمكن الفرق بينهما بأن كيف موصولة وهذا مفصول جاز أن ينوي به الوقف، وقد بينا معنى (الله) وهو أنه الذي تحق له العبادة.
2. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ معناه لا تحق العبادة لسواه، وإنما كان كذلك لأنه الذي يقدر على أصول النعم التي يستحق بها العبادة، ولأن نعمة كل منعم فرع على نعمه، فصار لا تحق العبادة لسواه.
3. ﴿الْحَيُّ﴾: هو الذي لا يستحيل لما هو عليه من الصفة كونه عالماً قادراً، قال الرماني: والعالم: مدرك لمعلومه والمدرك: هو المتبين للشيء على ما هو به من أي وجه صح تبيينه، فالرأي مدرك وكذلك العالم إلا أنه قد كثرت صفة الإدراك على ما طريقه الاحساس من العباد، وهذا القول منه يدل على أنه كان يذهب مذهب البغداديين في أن وصف القديم بأنه مدرك يرجع إلى كونه عالماً من أن يكون له صفة زائدة، وهذا بخلاف مذهب شيخه أبي علي، والبصريين.
4. في قوله تعالى: ﴿الْقَيُّومِ﴾ قولان:
أ. أحدهما: القائم بتدبير عباده في ما يضرهم وينفعهم، وهو قول مجاهد، والربيع، والزجاج، بدلالة قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ و﴿قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾
ب. الثاني: حكي عن محمد بن جعفر بن الزبير، واختاره الجبائي أنه الدائم.
5. أصل الوصف بـ ﴿الْقَيُّومِ﴾ الاستقامة، فعلى قول مجاهد يكون لاستقامة التدبير، وعلى القول الآخر لاستقامة الصفة بالوجود من حيث لا يجوز عليه التغيير بوجه من الوجوه كما يجوز على ما يحول ويتبدل، وتقول هذا معنى قائم في النفس أي موجود على الاستقامة دون الاضطراب.
6. أصل (قيوم) قيووم على وزن فيعول فقلبت الواو الأولى ياءً، لأن ما قبلها ياء ساكنة، وأدغمت نحو سيد وميت، ولا يجوز أن يكون وزنه فعولًا لأنه لو كان كذلك لكان قووما، فوصف الله تعالى بالحي القيوم يتضمن أنه يستحق العبادة من حيث أن هذه الصفة دلت على أنه القادر على ما يستحق به العبادة دون غيره، لأن صفة قيوم صفة مبالغة لا تجوز إلا لله على المعنيين معاً من معنى الموجود أو القائم على] عموم الخلق بالتدبير.
7. في قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: بالصدق في أخباره وجميع دلالاته التي تقوم مقام الخبر في تعلقها بمدلولها على ما هو به، ففي جميع ذلك معنى التصديق.
ب. الثاني: بالحق أي بما توجبه الحكمة من الانزال كما أتى بما يوجبه الحكم من الإرسال وهو حق من الوجهين.
8. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ نصب على الحال ومعناه لما قبله من كتاب أو رسول في قول مجاهد وقتادة والربيع وجميع المفسرين، وإنما قيل لما قبله لما بين يديه، لأنه ظاهر له كظهوره لما بين يديه.
9. في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا﴾ هاهنا قولان:
أ. أحدهما: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ وذلك لموافقته ما تقدم الخبر به وفيه آية تدل على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من حيث لا يكون ذلك إلا من عند علام الغيوب.
ب. الثاني: مصدقاً أنه يخبر بصدق الأنبياء في ما أتوا به خلاف من يؤمن ببعض، ويكفر ببعض.
10. التوراة مأخوذة من وريت بك زنادي إذا ظهر به الخبر كما يتقدح بالزناد النار فالأصل الظهور، فهي تورية لظهور الحق، وقيل في وريها أقوال:
أ. أحدها: قال البصريون تورية فوعلة فقلبت (الواو) الأولى (تاءً) لئلا يجتمع واوان في أول الكلمة نحو حوقلة ودوخلة.
ب. الثاني: قال الكوفيون: تفعلة على وزن تثقلة وتثقلة، وهو قليل جداً لا يكاد يعرف تفعلة في الكلام..
ج. الثالث: قال بعضهم هو تفعلة إلا أنه صرف إلى الفتح استثقالا للكسر في المعتل وهو بناء يكثر نحو توفية وتوقية وتوصية، وما أشبه ذلك. قال الزجاج: وهذا رديء لأنه يجيء منه في توفية توفاة وهذا لا يجوز، والإنجيل مأخوذ من النجل، وهو الأصل وقال الزجاج وزنه أفعيل من النجل بإجماع أهل اللغة فسمي انجيلا لأنه أصل من أصول العلم.
11. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ أي من قبل إنزال الكتاب فلما قطعه عن الاضافة نبأه على الضم.
12. ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي بياناً ودلالة لهم، وفي ذلك دلالة على أن الله تعالى هدى الكافر إلى الايمان، كما هدى المؤمن بقوله ﴿لِلنَّاسِ﴾، بخلاف ما تقوله المجبرة: إن الله ما هدى الكافر، وموضع ﴿هُدًى﴾ نصب على الحال من الكتاب.
13. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾:
أ. قيل: يعني به القرآن، وإنما كرر ذلك لما اختلفت دلالات صفاته وإن كانت لموصوف واحد لأن لكل صفة منها فائدة غير الأخرى لأن الفرقان هو الذي يفرق به بين الحق والباطل فيما يحتاج إليه من أمور الدين في الحجج، والأحكام، وذلك كله في القرآن.
ب. وقيل: أراد بالفرقان النصر ووصفه بالكتاب يفيد ان من شأنه أن يكتب، وقد بينا لذلك نظائر في الشعر وغيره في ما تقدم.
14. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ قرن بالوعيد لما بين الله الحجج الدالة على توحيده، وصفاته: أعقب ذلك بوعيد من يخالف في ذلك ويجحده ليتكامل به التكليف.
﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ معناه أنه قادر لا يتمكن أحد من منعه من عذاب من يريد عذابه لأنه ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ وإنما كان منيعاً لأنه قادر لنفسه لا يعجزه شيء، وأصل الاعزاز الامتناع، ومنه أرض عزاز ممتنعة السكون لصعوبتها، ومنه قولهم من عز، بز: أي من غلب سلب لأن الغالب يمتنع من الضيم، والنقمة، العقوبة: نقم ينقم نقماً ونقمة ويقال نقمت، ونقمت عليه أي أردت له عقوبة، وانتقم منه انتقاماً أي عاقبه عقاباً وأصل الباب: العقوبة، ومنه النعمة خلاف النقمة.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/389.
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الحي: هو الذي على صفة معها يصح أن يدرك المدركات، والإدراك: إحساس الشيء على ما هو به.
ب. القيوم فَيْعُول من القيام، وأصله (قيووم) إلا أن الواو الأولى قلبت ياء، لأن ما قبلها ياء ساكنة نحو: سيد وميت، ولا يجوز أن يكون على فَعُّول؛ لأنه لو كان كذلك لكان قَوُّومًا.
ج. التوراة أخذت من (وريت بك زنادي) إذا ظهر به الخبر، كما ينقدح النار بالزناد، والأصل الظهور فهو تورية لظهور الحق بها، وقيل: هو من التورية، وهو كتمان السر، والتعريض بغيره، ومنه كان رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلم إذا أراد سفرًا وَرَّى بغيره، سمي بذلك؛ لأن التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح، والأول أصح، وفي زنة توراة ثلاثة أقوال:
• تفعلة كقولهم: تثقلة، وهو قليل جدًّا لا يكاد يعرف تفعلة) في الكلام، وهو قول الكوفيين.
• الثاني: قال بعضهم: هو تفعلة إلا أنه يصرف إلى الفتح استثقالاً للكسر في المعتل، وهو بناء يكثر نحو توفية وتوصية وتوقية، قال الزجاج: وهذا رديء؛ لأنه يجب منه في توفية توفاة، وهذا لا يجوز.
• الثالث: قال البصريون: وزنه فوعلة قلبت الواو الأولى تاء، لأنه لا يجتمع واوان في أول الكلمة نحو: تولج في وولج، وفوعلة كثير في الكلام كحوقلة، ودوخلة.
د. الإنجيل إفعيل من النجل، وهو الأصل، سمي بذلك لأنه الأصل في العلوم، وقيل: أصله الخروج، سمي بذلك؛ لأنه تعالى أخرج به الحق، وقيل: هو من النجل الذي هو سعة العين، ومنه: طعنة نجلاء سمي بذلك؛ لأنه سعة ونور وضياء أخرجه لهم.
هـ. النقمة: العقوبة، والنقمة خلاف النعمة.
و. الفرقان: الفرق بين الحق والباطل.
2. مما روي في سبب نزول أوائل السورة إلى نيف وثمانين آية أنها نزلت في وفد نجران من النصارى لما جاؤوا يحاجوُّن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، عن الربيع وابن إسحاق، وكانوا ستين راكبًا فيهم أربعة عشر من أشرافهم، وثلاثة يؤول إليهم أمرهم: العاقب أمير القوم وصاحب مشورتهم، واسمه عبد المسيح، والسيد بمالهم وصاحب رحلهم، واسمه: الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم وصاحب مدارسهم، فقدموا على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، ودخلوا المسجد حين صلى العصر، وقد جاءت صلاتهم، فصلوا في المسجد إلى المشرق، فدعاهم إلى الإسلام، وسألوه عن المسيح، وخاصموه فيه، وهم في النصرانية على دين الملك مع اختلاف من أمرهم يقولون: هو اللَّه، أو ابن اللَّه، أو ثالث ثلاثة، فحجهم رسول اللَّه فسكتوا، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآيات.
3. ﴿أَلَم﴾ بَيَّنَّا الاختلاف فيه:
أ. وأن منهم من قال: اسم السورة، عن الحسن وأبي علي.
ب. ومنهم من قال: إشارة إلى أن القرآن من هذه الحروف، وهم يتكلمون بها وعجزوا عن الإتيان بمثلها، ليعلم أنه معجز، وأنه كلام وب العزة، عن أبي مسلم.
ج. ومنهم من قال: إنه إشارة إلى حدث القرآن حيث كان مؤلفا من هذه الحروف، عن ابن الزبير.
د. ومنهم من قال: إن كل حرف منها ابتداء اسم ـ الم ـ أنا الله العليم، عن ابن عباس.
هـ. وقيل: الألف اللَّه، واللام جبريل، والميم محمد؛ يعني جاء بهذا القرآن جبريل من عند اللَّه إلى محمد صلّى الله عليه وآله وسلم.
و. وقيل: علامة لانقضاء سورة وافتتاح أخرى.
ز. وقيل: سر لا يعلم معناه، وهذا لا يصح لأنه يكون لغوًا، ولأن الصحابة تكلموا في معناه، وكذلك العلماء بعدهم.
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿اللَّهُ﴾:
أ. قيل: الذي تحق له العبادة.
ب. وقيل: مفزع الخلق.
ج. وقيل: تحير العقول في كنه عظمته.
5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾:
أ. قيل: القائم بتدبير عباده، عن مجاهد والربيع والأصم، ودليله قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾
ب. وقيل: الدائم الوجود، عن أبي علي.
6. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابِ﴾ يعني القرآن سمي به لأنه يكتب، ﴿بِالْحَقِّ﴾:
أ. قيل: بالصدق في أخباره وجميع دلائله.
ب. وقيل: بالحق بما توجبه الحكمة في الإنزال، كما أرسل ما توجبه الحكمة من الإرسال.
ج. وقيل: الحق ليس باللعب، والفصل ليس بالهزل، عن أبي مسلم.
7. اختلف في قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾:
أ. قيل: لما قبله من كتاب ورسول، عن قتادة ومجاهد وأكثر العلماء.
ب. وقيل: إنما سمي ما مضى بين يديه لظهوره كظهور ما بين يديه.
8. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقًا﴾:
أ. قيل: لموافقته ما تقدم الخبر به، وفيه أنه ينبئ عن صحة أمر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من حيث لا يكون ذلك إلا من عند علام الغيوب.
ب. وقيل: ﴿مُصَدِّقًا﴾ أي يخبر بصدق الأنبياء وما أتوا به خلاف من يؤمن ببعض ويكفر ببعض.
ج. وقيل: مصدقًا لهم في التوحيد والعدل وأصول الدين يعني جاء موافقًا لهم في ذلك، وإنما اختلفت الشرائع.
9. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ قيل: أنزل القرآن نجومًا والتوراة على موسى دفعة واحدة، والإنجيل على عيسى دفعة واحدة، وكذلك قال في القرآن ﴿نَزَّلَ﴾، وفي التوراة والإنجيل ﴿أَنْزَلَ﴾
10. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْل﴾:
أ. قيل: أي من قبلك يا محمد.
ب. وقيل: من قبل القرآن.
11. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾:
أ. قيل: يعني الكتبُ الثلاثةُ دلالة وبيانٌ.
ب. وقيل: فيه تقديم وتأخير تقديره: وأنزل التوراة والإنجيل والقرآن هدى للناس، عن السدي.
12. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾:
أ. قيل: القرآن.. فعلى هذا القول:
• قيل: إنما كرر ذكره تشريفًا وتعظيمًا.
• وقيل: إذا اختلفت دلالات الصفات لم يكن تكريرا لأن لكل صفة فائدة، فالأول يفيد أنه يكتب، والثاني: أنه يفرق بين الحق والباطل.
ب. وقيل: الأدلة الفاصلة بين الحق والباطل، عن أبي مسلم.
ج. وقيل: الفصل بين الحق والباطل في أحكام الشرائع.
د. وقيل: الحجة القاطعة لمحمد ومن حاجه بأمر عيسى.
13. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾:
أ. قيل: بالقرآن من أصناف الكفار، عن أبي مسلم.
ب. وقيل: بالكتب الثلاثة.
ج. وقيل: هم النصارى جحدوا ما أنزل اللَّه من الآيات في حديث عيسى.
14. ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ وصفه بالشدة لدوامه، ونفي الراحة عنه ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي قادر لا يعجزه شيء، عزيز لا يضره كفر مَنْ عصاه ﴿ذُوانْتِقَامٍ﴾ أي ذو قدرة على الانتقام من الكفار، لا يتهيأ لأحد منعه.
15. تدل الآيات الكريمة على:
أ. أن الكتاب يفهم بنفسه لولا ذلك لما صح وصفه بأنه الحق وبأنه الفرقان.
ب. أنه منزل فتدل على حدثه.
ج. أنه كلامه، وأنه معجز، وحجة في الأحكام.
د. يدل قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ على بطلان الجبر؛ لأنه إنما يكون منزلاً بالحق إذا ثبت أنه لا يفعل القبيح ولا يضل، ولو جاز ذلك عليه لجاز أن ينزل ما يضل عن الدين.
هـ. أن هذه الكتب هدى للناس أي دلالة، فيهتدى به، فدل أن غرضه بإنزاله الاهتداء به خلاف ما يقولونه أن غرضه أن يضل به قوم.
و. يدل قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أن الكفر فعلهم لذلك أضافه إليهم، وألحق بهم الوعيد.
16. قراءات ووجوه:
أ. قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿أَلَم﴾ مقطوعًا بسكون الميم، ونصب ألف ﴿اللَّهُ﴾، وقرأ الباقون موصولاً بفتح الميم، وعن أبي جعفر المدني ألف لام ميم مفصولاً، وكذلك جميع الحروف المفتتح بها السور:
• فأما من نصب الميم ففيه قولان: الأول: أنه التقاء الساكنين، واستثقل الكسر بعد الياء الساكنة، فصرف إلى الفتح، لأنه أخف نحو: كيف وأين عند البصريين، وقال الفراء والزجاج: لأن حروف الهجاء أصلها على الوقف، فلما تلقاها ألف الوصل، وأدرجت الألف نقلت حركتها وهي الفتحة إلى الميم، وأنكر هذا الوجه أبو العباس المبرد.
• فأما من قطع فله وجهان: أحدهما: نية الوقف، ثم قطع الهمزة للابتداء، والثاني: أن يكون أجراه على لغة من يقطع ألف الوصل. ومن فصل وقطع فللتفخيم والتعظيم، ومتى قيل: أليس متى التقى الساكنان يحرك إلى الكسرة كقولهم: اضرُبِ الرجل؟، قلنا: ذاك في الفعل خاصة، فأما في الحروف فقد تحرك بالفتح والكسر والضم، فالفتح كقولهم: مِنَ الرجل، والكسر قدِ التقينا، وعنِ الرجل، والضم حيث أتت.
ب. قراءة العامة ﴿نَزَّلَ﴾ بالتشديد، و﴿الْكِتَابِ﴾ نصب أي أنزل اللَّه، وعن إبراهيم بن أبي عبلة ﴿نَزَّلَ﴾ بالتخفيف ﴿الْكِتَابِ﴾ بالرفع، أسند الفعل إلى الكتاب، وقراءة العامة ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ بكسر الهمزة، وعن الحسن بفتحها، وهما لغتان.
17. مسائل نحوية:
أ. رفع ﴿اللَّهُ﴾ لأنه ابتداء، وخبره فيما بعده، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ نعْتٌ له، وقيل: رفع على الغاية.
ب. ﴿مُصَدِّقًا﴾: نصب على الحال.
ج. ﴿بَيْنِ﴾: نصب على الظرف.
د. ﴿هُدًى﴾ محله نصب على الحال.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/163.
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. التصوير: فعل الشيء على صورة لم يكن عليها من صاره يصوره صورًا إذا أماله، سميت الصورة لأنها مائلة إلى بينة بالشبه لها.
ب. الرحم: موضع الولد، وأصله من الرحمة، وسمي بذلك؛ لأنه مما يتراحم ويتعاطف به.
2. لما ابتدأ السورة بالتوحيد عقبه بذكر الدلائل والصفات، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾:
أ. قيل: لأنه عالم لذاته يعلم السر والعلانية، وفيه تحذير عن مخالفته سرًا وجهرًا ووعيد بالمجازاة على ما عملوا.
ب. وقيل: لا يخفى عليه ما يقولونه في أمر عيسى.
3. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾ أي يخلق صوركم في رحم الأمهات ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من ذكر وأنثى وأبيض وأسود قصير أو طويل تام أو ناقص.
4. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لما ذكر الدلالة عقبه بذكر المدلول، وهو أنه لا إله غيره، وهو ﴿الْعَزِيزِ﴾ يعني القادر الذي لا يمتنع عليه شيء فاحذروا مخالفته.
5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الْحَكِيمُ﴾:
أ. قيل: العليم بأفعالكم وما تستحقون عليها.
ب. وقيل: الحكيم يفعل ما توجبه الحكمة.
6. تدل الآيات الكريمة على:
أ. بطلان مذهب النصارى في المسيح؛ لأنه مصور في الرحم مربوب، فلا يصلح أن يكون إلها، فكأن النبي احتج على النصارى بهذا في جملة ما احتج عليهم بأنه كان يشبه الإنسان، وكان مُصَوَّرًا في الرجم، ويطعم، ويشرب، ويمشي، ويموت، ويأتي عليه الفناء، وأن أمه حملته، ووضعته، ويتغذى، ويتعالى ربنا عن ذلك.
ب. أنه تعالى يصور خلاف ما قاله بعضهم، أنه يبعث ملكًا يصوره، وذلك من عجيب دلائله تعالى على قدرته وصفاته بحيث خلقنا من ماء مهين، وركب ما يتكامل به أمرنا من الحواس والجوارح.
ج. على إثباته تعالى بأنه واحد، وأنه قادر عالم، وإذا ثبت ذلك ثبت أنه حي مدرك للمدركات.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/168.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ قيل له (إنجيل) لأن به يستخرج علم الحلال والحرام، كما قيل توراة وهي فوعلة من وري الزند: إذا قدح، وأصله ووراة، فأبدلت الواو التي هي الفاء تاء، كما قالوا: التجاه والتخمة والتكلان والتراث، من الوجه والوخامة والوكل والوراثة، فهي من ورى الزند: إذا ظهرت ناره، وذاك من نجل ينجل إذا استخرج لما في الكتابين من معرفة الحلال والحرام، وكما قيل لكتاب نبينا صلّى الله عليه وآله وسلم الفرقان، لأنه فرق بين الحق والباطل، فالمعاني كما ترى معتنقة، وكلها الإظهار والإبراز، والفرق بين الأشياء، وقال علي بن عيسى: النجل الأصل، فكأن الإنجيل أصل من أصول العلم، وقال غيره: النجل الفرع، ومنه قيل للولد نجل، فكأن الإنجيل فرع على التوراة يستخرج منها، وقال ابن فضال: هو من النجل وهو من السعة، يقال: عين نجلاء، وطعنة نجلاء، وكأنه قد وسع عليهم في الإنجيل ما ضيق على أهل التوراة، وكل محتمل.
2. قال الكلبي، ومحمد بن إسحاق، والربيع بن أنس: نزلت أوائل السورة إلى نيف وثمانين آية في وفد نجران، وكانوا ستين راكبا، قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وفيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وفي الأربعة عشر ثلاثة نفر يؤول إليهم أمرهم: العاقب أمير القوم، وصاحب مشورتهم الذي لا يصدرون إلا عن رأيه، واسمه عبد المسيح، والسيد ثمالهم، وصاحب رحلهم، واسمه الأيهم، وأبو حارثة بن علقمة أسقفهم وحبرهم وإمامهم، وصاحب مدارسهم، وكان قد شرف فيهم، ودرس كتبهم، وكانت ملوك الروم قد شرفوه ومولوه، وبنوا له الكنائس، لعلمه واجتهاده، فقدموا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم المدينة، ودخلوا مسجده حين صلى العصر، عليهم ثياب الحبرات، جبب وأردية في جمال رجال بلحرث بن كعب، يقول بعض من رآهم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: ما رأينا وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم فأقبلوا يضربون بالناقوس، وقاموا فصلوا في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فقالت الصحابة: يا رسول الله! هذا في مسجدك؟ فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: دعوهم فصلوا إلى المشرق، فتكلم السيد والعاقب إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، فقال لهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: أسلما، قالا: قد أسلمنا قبلك، قال: كذبتما يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير، قالا: إن لم يكن ولد الله، فمن أبوه؟ وخاصموه جميعا في عيسى، فقال لهما النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شئ ويحفظه ويرزقه؟ قالوا: بلى، قال: فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا: لا، قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شئ في الأرض، ولا في السماء؟ قالوا: بلى، قال: فهل يعلم عيسى من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا، قال: فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، وربنا لا يأكل، ولا يشرب، ولا يحدث، قالوا: بلى، قال: ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم ويشرب ويحدث؟ قالوا: بلى، قال: فكيف يكون هذا كما زعمتم؟فسكتوا، فأنزل الله فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية.
3. إن الله تعالى لما ختم سورة البقرة بذكر التوحيد والايمان، افتتح هذه السورة بالتوحيد والإيمان أيضا فقال ﴿أَلَم﴾ وقد ذكرنا الاختلاف فيه، وفي معناه، وفي محله في أول سورة البقرة.
4. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ذكرنا ما فيه في تفسير آية الكرسي، وروي عن ابن عباس أنه قال: الحي القيوم اسم الله الأعظم، وهو الذي دعا به آصف بن برخيا صاحب سليمان عليه السلام في حمل عرش بلقيس من سبا إلى سليمان، قبل أن يرتد إليه طرفه ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابِ﴾ يعني القرآن.
5. في قوله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قولان:
أ. أحدهما: بالصدق في اخباره.
ب. الثاني: بالحق أي: بما توجبه الحكمة من الإرسال وهو حق من الوجهين.
6. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: لما قبله من كتاب ورسول، عن مجاهد وقتادة والربيع وجميع المفسرين، وإنما قيل ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما قبله، لأنه ظاهر له كظهور الذي بين يديه.
7. في معنى ﴿مُصَدِّقًا﴾ ههنا قولان:
أ. أحدهما: إن معناه مصدقا لما بين يديه، وذلك لموافقته لما تقدم الخبر به، وفيه دلالة على صحة نبوته صلّى الله عليه وآله وسلم من حيث لا يكون ذلك كذلك إلا وهو عند الله علام الغيوب.
ب. الثاني: إن معناه أن يخبر بصدق الأنبياء، وبما أتوا به من الكتب، ولا يكون مصدقا للبعض، ومكذبا للبعض.
8. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ على موسى ﴿وَالْإِنْجِيلِ﴾ على عيسى.
9. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿مِنْ قَبْلِ﴾:
أ. قيل: أي: من قبل إنزال القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ مفعول له أي: دلالة وبيانا.
ب. وقيل: يعني به الكتب الثلاثة أي: ليهتدي أهل كل كتاب بكتابه، وأهل كل زمان بما أنزل في زمانه.
ج. وقيل: إن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ حال من الكتاب أي: هاديا للناس.
10. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾:
أ. قيل: يعني به القرآن، وإنما كرر ذلك لما اختلفت دلالات صفاته، وإن كانت لموصوف واحد، لأن كل صفة فيها فائدة غير فائدة الأخرى، فإن الفرقان هو الذي يفرق بين الحق والباطل فيما يحتاج إليه من أمور الدين في الحج وغيره من الأحكام، وذلك كله في القرآن، ووصفه بالكتاب يفيد أن من شأنه أن يكتب.
ب. وروى عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله عليه السلام أنه قال: الفرقان هو كل آية محكمة في الكتاب، وهو الذي يصدق فيه من كان قبله من الأنبياء.
ج. وقيل: المراد بالفرقان الأدلة الفاصلة بين الحق والباطل، عن أبي مسلم.
د. وقيل: المراد به الحجة القاطعة لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم على من حاجه في أمر عيسى.
هـ. وقيل: المراد به النصر.
11. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بحججه ودلالاته ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ لما بين حججه الدالة على توحيده، وصدق أنبيائه، عقب ذلك بوعيد من خالف فيه، وجحده، ليتكامل به التكليف.
12. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ أي: قادر لا يتمكن أحد أن يمنعه من عذاب من يريد عذابه، وأصل العزة: الامتناع، ومنه أرض عزازاي: منيعة السلوك لصعوبتها، ومنه يقال من عزيز أي: من غلب سلب، لأن الغالب ممتنع عن الضيم، فالله تعالى عزيز أي: ممتنع من حيث إنه قادر لنفسه لا يعجزه شئ.
13. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي: ذو قدرة على الانتقام من الكفار، لا يتهيأ لأحد منعه، والانتقام: مجازاة المسئ على إساءته.
14. قراءات ووجوه:
أ. قرأ أبو جعفر والأعشى والبرجمي عن أبي بكر عن عاصم ﴿الم اللَّهُ﴾ بسكون الميم وقطع همزة الله، وقرأ الباقون موصولا، وبفتح الميم.. قال أبو علي: اتفاق الجميع على اسقاط الألف الموصولة في اسم الله تعالى، دل على أن الميم ساكنة، كما أن سائر حروف التهجي مبنية على الوقف، فلما التقت الميم الساكنة، ولام التعريف، حركت الميم بالفتح للساكن الثالث الذي هو لام التعريف، والدليل على أن التحريك للساكن الثالث، وهو مذهب سيبويه أن حروف التهجي يجتمع فيها الساكنان، نحو: حاميم عين سين قاف، وذلك أنها مبنية على الوقف، كما أن أسماء العدد كذلك، فحركت الميم للساكن الثالث بالفتح، كما حركت النون في قوله ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بالفتح لالتقاء الساكنين، وأما من قطع الألف فكأنه قدر الوقف على الميم، واستأنف فقطع الهمزة لابتدائه بها.
ب. روي في الشواذ عن عمر بن الخطاب وابن مسعود وإبراهيم النخعي والأعمش وعن زيد بن علي بن الحسين، وعن جعفر بن محمد الصادق، وعن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: (الحي القيام).. قال ابن جني إنه صفة على فيعال من قام يقوم، ومثله من الصفة الغيداق، وأصله من القيوام، التقت الواو والياء، وسبقت الأولى بالسكون، فقلبت الواو ياء، وأدغم فيها الياء، وقراءة الجماعة ﴿الْقَيُّومِ﴾: فيعول من هذا أيضا.
ج. روي عن الحسن ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ بفتح الهمزة.. وهو مثال غير معروف النظير في كلامهم، لأنه ليس في كلامهم أفعيل بفتح الهمزة، ولو كان أعجميا لكان فيه ضرب من الحجاج، لكنه عندهم عربي، وهو أفعيل من نجل ينجل: إذا أثار واستخرج، ومنه نجل الرجل لولده، لأنه استخرجهم من صلبه، ومن بطن امرأته، قال الأعشى:
çأنجب أزمان والداه به... إذ نجلاه فنعم ما نجلاé
أي: أنجب والداه أزمان إذ نجلاه، ففصل بين المضاف الذي هو أزمان، وبين المضاف إليه الذي هو إذ كقولهم: حينئذ ويومئذ، بالفاعل.
15. مسائل نحوية:
أ. ﴿مُصَدِّقًا﴾: نصب على الحال.
ب. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ أي: من قبل إنزال الكتاب، فلما قطعه عن الإضافة، بناه على الضم.
ج. موضع ﴿هُدًى﴾ نصب على الحال من التوراة والإنجيل أي: هاديين، ويجوز أن يكون خبر مبتدأ محذوف تقديره: هما هدى.
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/694.
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي: (1).
1. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني: القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ يعني: العدل، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من الكتاب، وقيل: إنما قال في القرآن: ﴿نَزَّلَ﴾ بالتشديد، وفي التوراة والإنجيل: أنزل، لأن كل واحد منهما أنزل في مرة واحدة، وأنزل القرآن في مرات كثيرة.
2. التوراة: ذكر ابن قتيبة عن الفراء أنه يجعلها من: وري الزند يري: إذا خرجت ناره، وأوريتُه، يريد أنها ضياء. قال ابن قتيبة: وفيه لغة أخرى: ورى يري، ويقال: وريت بك زنادي.
3. الإنجيل، من نجلت الشيء: إذا أخرجته، وولد الرجل: نجله، كأنه هو استخرجه، يقال: قبح الله ناجليه، أي: والديه، وقيل للماء يظهر من البئر: نجل، يقال: قد استنجل الوادي: إذا ظهر نزوزه. وإنجيل: إفعيل من ذلك، كأن الله أظهر به عافياً من الحق دارساً. قال شيخنا أبو منصور اللغوي: والإنجيل: أعجمي معرب، قال: وقال بعضهم: إن كان عربياً، فاشتقاقه من النجل، وهو ظهور الماء على وجه الارض، واتساعه، ونجلت الشيء: إذا استخرجته وأظهرته، فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم، وقيل: هو إفعيل من النجل وهو الأصل: فالإنجيل أصل لعلوم وحكم.
4. في الفرقان هاهنا قولان:
أ. أحدهما: أنه القرآن، قاله قتادة، والجمهور، قال أبو عبيدة: سمي القرآن فرقاناً، لأنه فرق بين الحق والباطل، والمؤمن والكافر.
ب. الثاني: أنه الفصل بين الحق والباطل في أمر عيسى حين اختلفوا فيه.
5. قاله أبو سليمان الدّمشقيّ. وقال السّدّيّ: في الآية تقديم وتأخير، تقديره: وأنزل التوراة، والإنجيل، والفرقان، فيه هدى للناس.
__________
(1) زاد المسير: 1/257.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿الم اللَّهُ﴾ بسكون الميم، ونصب همزة: ألله، والباقون موصولا بفتح الميم، أما قراءة عاصم فلها ووجهان الأول: نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء والثاني: أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل، فمن فصل وأظهر الهمزة فللتفخيم والتعظيم، وأما من نصب الميم ففيه قولان:
أ. الأول: وهو قول الفراء واختيار كثير من البصريين أن أسماء الحروف موقوفة الأواخر، يقول: ألف، لام، ميم، كما تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، وعلى هذا التقدير وجب الابتداء بقوله: ألله، فإذا ابتدأنا به نثبت الهمزة متحركة، إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف، ثم ألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها، فإن قيل: إن كان التقدير فصل إحدى الكلمتين عن الأخرى امتنع إسقاط الهمزة، وإن كان التقدير هو الوصل امتنع بقاء الهمزة مع حركتها، وإذا امتنع بقاؤها امتنعت حركتها، وامتنع إلقاء حركتها، على الميم، قلنا: لم لا يجوز أن يكون ساقطا بصورته باقيا بمعناه فأبقيت حركتها لتدل على بقائها في المعنى هذا تمام تقرير قول الفراء.
ب. الثاني: قول سيبويه، وهو أن السبب في حركة الميم التقاء الساكنين، وهذا القول رده كثير من الناس، وفيه دقة ولطف، والكلام في تلخيصه طويل، وفيه بحثان أحدهما: سبب أصل الحركة والثاني: كون تلك الحركة فتحة(2).
2. في سبب نزول أول هذه السورة قولان:
أ. الأول: وهو قول مقاتل بن سليمان: أن بعض أول هذه السورة في اليهود.
ب. الثاني: من ابتداء السورة إلى آية المباهلة في النصارى، وهو قول محمد بن إسحاق، قال: قدم على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وفد نجران ستون راكبا فيهم أربعة عشر رجلا من أشرافهم، وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم: أميرهم، واسمه عبد المسيح، والثاني: مشيرهم وذو رأيهم، وكانوا يقولون له: السيد، واسمه الأيهم، والثالث: حبرهم وأسقفهم وصاحب مدارسهم، يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل، وملوك الروم كانوا شرفوه ومولوه وأكرموه لما بلغهم عنه من علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من بحران ركب أبو حارثة بغلته، وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة، فبينا بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت، فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، فقال أبو حارثة: بل تعست أمك، فقال: ولم يا أخي؟ فقال: إنه والله النبي الذي كنا ننتظره، فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا، قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالا كثيرة وأكرمونا، فلو آمنا بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم لأخذوا منا كل هذه الأشياء، فوقع ذلك في قلب أخيه كرز، وكان يضمره إلى أن أسلم فكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة: الأمير، والسيد والحبر، مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم على اختلاف من أديانهم، فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة يقولون: هو ابن الله، وتارة يقولون: ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم: هو الله، بأنه كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويبرئ الأسقام، ويخبر بالغيوب، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم: إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون على ثالث ثلاثة بقول الله تعالى: فعلنا وجعلنا، ولو كان واحدا لقال فعلت فقال لهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: أسلموا، فقالوا: قد أسلمنا، فقال صلّى الله عليه وآله وسلم: كذبتم كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولدا، وتعبدون الصليب، وتأكلون الخنزير، قالوا: فمن أبوه؟ فسكت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، فأنزل الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها، ثم أخذ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يناظر معهم، فقال: ألستم تعلمون أن الله حي لا يموت، وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى، قال ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟ قالوا بلى، قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه، فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟ قالوا: لا، قال ألستم تعلمون إن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئا من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا، قال فإن ربنا صور عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث وتعلمون أن عيسى حملته امرأة كحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب، ويحدث الحدث قالوا: بلى فقال صلّى الله عليه وآله وسلم: فكيف يكون كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا، ثم قالوا: يا محمد ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: فحسبنا فأنزل الله تعالى: فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه [آل عمران: 7] الآية، ثم إن الله تعالى أمر محمدا صلّى الله عليه وآله وسلم بملاعنتهم(3)، وهذه الرواية دالة على أن المناظرة في تقرير الدين وإزالة الشبهات حرفة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وأن مذهب الحشوية في إنكار البحث والنظر باطل قطعا.
3. مطلع هذه السورة له نظم لطيف عجيب، وذلك لأن أولئك النصارى الذين نازعوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في معرفة الإله، أو في النبوة:
أ. فإن كان النزاع في معرفة الإله وهو أنكم تثبتون له ولدا وأن محمدا لا يثبت له ولدا فالحق معه بالدلائل العقلية القطعية، فإنه قد ثبت بالبرهان أنه حي قيوم، والحي القيوم يستحيل عقلا أن يكون له ولد.. ذلك:
• لأنه واجب الوجود لذاته، وكل ما سواه فإنه ممكن لذاته محدث حصل تكوينه وتخليقه وإيجاده على ما بينا كل ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ وإذا كان الكل محدثا مخلوقا امتنع كون شيء منها ولدا له وإلها، كما قال: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا﴾ [مريم: 93]
• وأيضا لما ثبت أن الإله يجب أن يكون حيا قيوما، وثبت أن عيسى ما كان حيا قيوما لأنه ولد، وكان يأكل ويشرب ويحدث، والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه، فثبت أنه ما كان حيا قيوما، وذلك يقتضي القطع والجزم بأنه ما كان إلها، فهذه الكلمة وهي قوله ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ جامعة لجميع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى في التثليث.
ب. وإن كان النزاع في النبوة، فهذا أيضا باطل، لأن بالطريق الذي عرفتم أن الله تعالى أنزل التوراة والإنجيل على موسى وعيسى فهو بعينه قائم في محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، وما ذاك إلا بالمعجزة وهو حاصل هاهنا، فكيف يمكن منازعته في صحة النبوة؟.. وقد ذكره الله تعالى هاهنا في غاية الحسن ونهاية الجودة، وذلك لأنه قال: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: 3] وهذا يجري مجرى الدعوى، ثم إنه تعالى أقام الدلالة على صحة هذه الدعوى، فقال: وافقتمونا أيها اليهود والنصارى على أنه تعالى أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، فإنما عرفتم أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيان، لأنه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قول المحق وقول المبطل والمعجز لما حصل به الفرق بين الدعوى الصادقة والدعوى الكاذبة كان فرقا لا محالة، ثم إن الفرقان الذي هو المعجز كما حصل في كون التوراة والإنجيل نازلين من عند الله، فكذلك حصل في كون القرآن نازلا من عند الله وإذا كان الطريق مشتركا، فإما أن يكون الواجب تكذيب الكل على ما هو قول البراهمة، أو تصديق الكل على ما هو قول المسلمين، وأما قبول البعض ورد البعض فذلك جهل وتقليد، ثم إنه تعالى لما ذكر ما هو العمدة في معرفة الإله على ما جاء به محمد ، وما هو العمدة في إثبات نبوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم أردفه بالتهديد والوعيد فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ [آل عمران: 4] فقد ظهر أنه لا يمكن أن يكون كلام أقرب إلى الضبط، وإلى حسن الترتيب وجودة التأليف من هذا الكلام، والحمد لله على ما هدى هذا.. فهذا هو وجه النظم وهو مضبوط حسن جدا.
4. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هو رد على النصارى لأنهم كانوا يقولون بعبادة عيسى عليه السلام فبين الله تعالى أن أحدا لا يستحق العبادة سواه، ثم أتبع ذلك بما يجري مجرى الدلالة عليه فقال: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ فأما الحي فهو الفعال الدراك وأما القيوم فهو القائم بذاته، والقائم بتدبير الخلق والمصالح لما يحتاجون إليه في معاشهم، من الليل والنهار، والحر والبرد، والرياح والأمطار، والنعم التي لا يقدر عليها سواه، ولا يحصيها غيره، كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ [إبراهيم: 34]
5. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ الكتاب هاهنا هو القرآن، وقد ذكرنا في أول سورة البقرة اشتقاقه، وإنما خص القرآن بالتنزيل، والتوراة والإنجيل بالإنزال، لأن التنزيل للتكثير، والله تعالى نزل القرآن نجما نجما، فكان معنى التكثير حاصلًا فيه، وأما التوراة والإنجيل فإنه تعالى أنزلهما دفعة واحدة، فلهذا خصهما بالإنزال، ولقائل أن يقول: هذا يشكل بقوله تعالى: ﴿الْحَمْدُ لله الَّذِي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ﴾ [الكهف: 1] وبقوله: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: 105]
6. وصف الله تعالى القرآن المنزّل بوصفين:
أ. الأول: قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ قال أبو مسلم: إنه يحتمل وجوهاً:
• أحدها: أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم السالفة.
• ثانيها: أن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال، ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل.
• ثالثها: أنه حق بمعنى أنه قول فصل، وليس بالهزل.
• رابعها: قال الأصم: المعنى أنه تعالى أنزله بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، وشكر النعمة، وإظهار الخضوع، وما يجب لبعضهم على بعض من العدل والإنصاف في المعاملات.
• خامسها: أنزله بالحق لا بالمعاني الفاسدة المتناقضة، كما قال ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا﴾ وقال: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]
ب. الثاني: كونه ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ والمعنى أنه مصدق لكتب الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، ولما أخبروا به عن الله عزّ وجلّ، وفي ذلك وجهان:
• الأول: أنه تعالى دلّ بذلك على صحة القرآن، لأنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقاً لسائر الكتب، لأنه كان أمياً لم يختلط بأحد من العلماء، ولا تتلمذ لأحد، ولا قرأ على أحد شيئاً، والمفتري إذا كان هكذا امتنع أن يسلم عن الكذب والتحريف، فلما لم يكن كذلك ثبت أنه إنما عرف هذه القصص بوحي الله تعالى.
• الثاني: قال أبو مسلم: المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبياً قط إلا بالدعاء إلى توحيده، والإيمان به، وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان، فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك، بقي في الآية سؤالان:
7. سمى الله تعالى ما مضى بأنه بين يديه، لأن تلك الأخبار لغاية ظهورها.
8. سؤال وإشكال: كيف يكون مصدقاً لما تقدمه من الكتب، مع أن القرآن ناسخ لأكثر تلك الأحكام؟ والجواب: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول، ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثه، وأنها تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، فكان القرآن مصدقاً لها، وأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها، لأن دلائل المباحث الإلهية لا تختلف في ذلك، فهو مصدق لها في الأخبار الواردة في التوراة والإنجيل.
9. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ قال الزمخشري: التوراة والإنجيل اسمان أعجميان، والاشتغال باشتقاقهما غير مفيد، وقرأ الحسن والإنجيل بفتح الهمزة، وهو دليل على العجمية، لأن أفعيل بفتح الهمزة معدوم في أوزان العرب، وهذا القول هو الحق الذي لا محيد عنه، ومع ذلك فننقل كلام الأدباء فيه.
10. في لفظ ﴿التَّوْرَاةَ﴾ أبحاث ثلاثة:
أ. الأول: في اشتقاقه، قال الفرّاء التوراة معناها الضياء والنور، من قول العرب ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار، قال الله تعالى: ﴿فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا﴾ [العاديات: 2] ويقولون: وريت بك زنادي، ومعناه: ظهر بك الخير لي، فالتوراة سميت بهذا الاسم لظهور الحق بها، ويدل على هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً﴾ [الأنبياء: 48]
ب. الثاني: لهم في وزنه ثلاثة أقوال:
• الأول: قال الفرّاء: أصل التوراة تورية تفعلة بفتح التاء، وسكون الواو، وفتح الراء والياء، إلا أنه صارت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها.
• الثاني: قال الفرّاء: ويجوز أن تكون تفعلة على وزن توفية وتوصية، فيكون أصلها تورية، إلا أن الراء نقلت من الكسر إلى الفتح على لغة طيء فإنهم يقولون في جارية: جاراة، وفي ناصية: ناصاة، قال الشاعر:
çفما الدنيا بباقية لحي...وما حي على الدنيا بباقé
• الثالث: وهو قول الخليل والبصريين: إن أصلها: وورية، فوعلة، ثم قلبت الواو الأولى تاء، وهذا القلب كثير في كلامهم، نحو: تجاه، وتراث، وتخمة، وتكلان، ثم قلبت الياء ألفاً لتحركها وانفتاح ما قبلها، فصارت توراة وكتبت بالياء على أصل الكلمة، ثم طعنوا في قول الفرّاء، أما الأول: فقالوا: هذا البناء نادر، وأما فوعلة فكثير، نحو: صومعة، وحوصلة، ودوسرة والحمل على الأكثر أولى، وأما الثاني: فلأنه لا يتم إلا بحمل اللفظ على لغة طيء والقرآن ما نزل بها ألبتة.
ج. الثالث: في التوراة قراءتان: الإمالة والتفخيم: من فخم فلأن الراء حرف يمنع الإمالة لما فيه من التكرير.
11. في لفظ ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ أقوال:
أ. الأول: قال الزجاج: إنه افعيل من النجل، وهو الأصل، يقال: لعن الله ناجليه، أي والديه، فسمي ذلك الكتاب بهذا الاسم، لأن الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين و.
ب. الثاني: قال قوم: الإنجيل مأخوذ من قول العرب: نجلت الشيء إذا استخرجته وأظهرته ويقال للماء الذي يخرج من البئر: نجل، ويقال: قد استنجل الوادي، إذا خرج الماء من النز فسمي الإنجيل إنجيلًا لأنه تعالى أظهر الحق بواسطته و.
ج. الثالث: قال أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع، فسمي ذلك الكتاب بالإنجيل لأن القوم تنازعوا فيه و.
د. الرابع: أنه من النجل الذي هو سعة العين، ومنه طعنة نجلاء، سمي بذلك لأنه سعة ونور وضياء أخرجه لهم.
12. أمر هؤلاء الأدباء عجيب كأنهم أوجبوا في كل لفظ أن يكون مأخوذاً من شيء آخر، ولو كان كذلك لزم إما التسلسل وإما الدور، ولما كانا باطلين وجب الاعتراف بأنه لا بد من ألفاظ موضوعة وضعاًأولا حتى يجعل سائر الألفاظ مشتقة منها، وإذا كان الأمر كذلك فلم لا يجوز في هذا اللفظ الذي جعلوه مشتقاً من ذلك الآخر أن يكون الأصل هو هذا، والفرع هو ذاك الآخر ومن الذي أخبرهم بأن هذا فرع وذاك أصل، وربما كان هذا الذي يجعلونه فرعاً ومشتقاً في غاية الشهرة، وذاك الذي يجعلونه أصلًا في غاية الخفاء، وأيضاً فلو كانت التوراة إنما سميت توراة لظهورها، والإنجيل إنما سمي إنجيلًا لكونه أصلًا وجب في كل ما ظهر أن يسمى بالتوراة فوجب تسمية كل الحوادث بالتوراة، ووجب في كل ما كان أصلًا لشيء آخر أن يسمى بالإنجيل، والطين أصل الكوز، فوجب أن يكون الطين إنجيلا والذهب أصل الخاتم والغزل أصل الثوب فوجب تسمية هذه الأشياء بالإنجيل، ومعلوم أنه ليس كذلك، ثم انهم عند إيراد هذه الإلزامات عليهم لا بدّ وأن يتمسكوا بالوضع، ويقولوا: العرب خصصوا هذين اللفظين بهذين الشيئين على سبيل الوضع، وإذا كان لا يتم المقصود في آخر الأمر إلا بالرجوع إلى وضع اللغة، فلم لا نتمسك به في أول الأمر ونريح أنفسنا من الخوض في هذه الكلمات، وأيضاً فالتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية، فكيف يليق بالعاقل أن يشتغل بتطبيقها على أوزان لغة العرب، فظهر أن الأولى بالعاقل أن لا يلتفت إلى هذه المباحث.
13. ﴿مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ بيّن الله تعالى أنه أنزل التوراة والإنجيل قبل أن أنزل القرآن، ثم بيّن أنه إنما أنزلهما هدى للناس، قال الكعبي: هذه الآية دالة على بطلان قول من يزعم أن القرآن عمى على الكافرين وليس بهدى لهم، ويدل على معنى قوله ﴿وَهُوَعَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت: 44] أن عند نزوله اختاروا العمى على وجه المجاز، كقول نوح عليه السلام ﴿فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعَائِي إِلَّا فِرَارًا﴾ [نوح: 6] لما فروا عنده.
14. في قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ احتمالان.
أ. الأول: أن يكون ذلك عائداً إلى التوراة والإنجيل فقط، وعلى هذا التقدير يكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى والوصفان متقاربان.
ب. الثاني: وهو قول الأكثرين: أنه تعالى وصف الكتب الثلاثة بأنها هدى، فهذا الوصف عائد إلى كل ما تقدم وغير مخصوص بالتوراة والإنجيل والله أعلم بمراده.
15. سؤال وإشكال: إنه وصف القرآن في أول سورة البقرة بأنه هدىً للمتقين، فلم لم يصفه هاهنا به؟ والجواب: فيه لطيفة، وذلك لأنا ذكرنا في سورة البقرة أنه إنما قال ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] لأنهم هم المنتفعون به، فصار من الوجه هدىً لهم لا لغيرهم، أما هاهنا فالمناظرة كانت مع النصارى، وهم لا يهتدون بالقرآن فلا جرم لم يقل هاهنا في القرآن أنه هدىً بل قال إنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه، وأما التوراة والإنجيل فهم يعتقدون في صحتهما ويدعون بأنا إنما نتقول في ديننا عليهما فلا جرم وصفهما الله تعالى لأجل هذا التأويل بأنهما هدىً، فهذا ما خطر بالبال.
16. في قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ أقوال:
أ. الأول: أن المراد هو الزبور، كما قال ﴿وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا﴾ [النساء: 163].. وهو بعيد، لأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام، بل ليس فيه إلا المواعظ، ووصف التوراة والإنجيل مع اشتمالهما على الدلائل، وبيان الأحكام بالفرقان أولى من وصف الزبور بذلك.
ب. الثاني: أن المراد هو القرآن، وإنما أعاده تعظيماً لشأنه ومدحاً بكونه فارقاً بين الحق والباطل أو يقال: إنه تعالى أعاد ذكره ليبين أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل ليجعله فرقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل، وعلى هذا التقدير فلا تكرار.. وهو بعيد، من حيث إن قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ عطف على ما قبله، والمعطوف مغاير للمعطوف عليه والقرآن مذكور قبل هذا فهذا يقتضي أن يكون هذا الفرقان مغايراً للقرآن.
ج. الثالث: وهو قول الأكثرين: أن المراد أنه تعالى كما جعل الكتب الثلاثة هدى ودلالة، فقد جعلها فارقة بين الحلال والحرام وسائر الشرائع، فصار هذا الكلام دالًا على أن الله تعالى بيّن بهذه الكتب ما يلزم عقلًا وسمعاً.. وهو بعيد، لأن كون هذه الكتب فارقة بين الحق والباطل صفة لهذه الكتب وعطف الصفة على الموصوف وإن كان قد ورد في بعض الأشعار النادرة إلا أنه ضعيف بعيد عن وجه الفصاحة اللائقة بكلام الله تعالى.
د. المختار في تفسير هذه الآية وجه رابع، وهو أن المراد من هذا الفرقان المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب، وذلك لأنهم لما أتوا بهذه الكتب وادعوا أنها كتب نازلة عليهم من عند الله تعالى افتقروا في إثبات هذه الدعوى إلى دليل حتى يحصل الفرق بين دعواهم وبين دعوى الكذابين، فلما أظهر الله تعالى على وفق دعواهم تلك المعجزات حصلت المفارقة بين دعوى الصادق وبين دعوى الكاذب، فالمعجزة هي الفرقان، فلما ذكر الله تعالى أنه أنزل الكتاب بالحق، وأنه أنزل التوراة والإنجيل من قبل ذلك، بين أنه تعالى أنزل معها ما هو الفرقان الحق، وهو المعجز القاهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة، فهذا هو ما عندي في تفسير هذه الآية، وهب أن أحداً من المفسرين ما ذكره إلا أن حمل كلام الله تعالى عليه يفيد قوة المعنى، وجزالة اللفظ، واستقامة الترتيب والنظم، والوجوه التي ذكروها تنافي كل ذلك، فكان ما ذكرناه أولى والله أعلم بمراده.
17. لما قرر الله تعالى في هذه الألفاظ القليلة جميع ما يتعلق بمعرفة الإله، وجميع ما يتعلق بتقرير النبوّة أتبع ذلك بالوعيد زجراً للمعرضين عن هذه الدلائل الباهرة فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقامٍ﴾، وبعض المفسرين خصص ذلك بالنصارى، فقصر اللفظ العام على سبب نزوله، والمحققون من المفسرين قالوا: خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ، فهو يتناول كل من أعرض عن دلائل الله تعالى.
18. ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقامٍ﴾، والعزيز الغالب الذي لا يغلب والانتقام العقوبة، يقال انتقم منه انتقاماً أي عاقبه، وقال الليث يقال: لم أرض عنه حتى نقمت منه وانتقمت إذا كافأه عقوب بما صنع، والعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو الانتقام إشارة إلى كونه فاعلًا للعقاب، فالأول: صفة الذات، والثاني: صفة الفعل.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/127.
(2) ذكر هنا مبحثا لغويا مفصلا في هذا، محله في كتب اللغة
(3) سنذكر ما ورد في ذلك في محله
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿الم اللَّهُ﴾ بقطع ألف الوصل، على تقدير الوقف على ﴿أَلَم﴾ كما يقدرون الوقف على أسماء الأعداد في نحو واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة، وهم واصلون، قال الأخفش سعيد: ويجوز ﴿الم اللَّهُ﴾ بكسر الميم لالتقاء الساكنين، قال الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله، قال النحاس: القراءة الأولى قراءة العامة، وقد تكلم فيها النحويون القدماء، فمذهب سيبويه أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين، واختاروا لها الفتح لئلا يجمع بين كسرة وياء وكسرة قبلها، وقال الكسائي: حروف التهجي إذا لقيتها ألف وصل فحذفت ألف الوصل حركتها بحركة الألف فقلت: الم الله، والم اذكر، والم اقتربت، وقال الفراء: الأصل ﴿الم اللَّهُ﴾ كما قرأ الرؤاسي فألقيت حركة الهمزة على الميم، وقرأ عمر بن الخطاب الحي القيام)، وقال خارجة: في مصحف عبد الله (الحي القيم)، وقد تقدم ما للعلماء من آراء في الحروف التي في أوائل السور في أول البقرة.
2. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي بالصدق، وقيل: بالحجة الغالبة، والقرآن نزل نجوما: شيئا بعد شي، فلذلك قال: ﴿نَزَّلَ﴾ والتنزيل مرة بعد مرة، والتوراة والإنجيل نزلا دفعة واحدة فلذلك قال ﴿أَنْزَلَ﴾
3. الباء في قول ﴿بِالْحَقِّ﴾ في موضع الحال من الكتاب، والباء متعلقة بمحذوف التقدير آتيا بالحق ولا تتعلق بـ ﴿نَزَّلَ﴾، لأنه قد تعدى إلى مفعولين أحدهما بحرف جر، ولا يتعدى إلى ثالث.
4. ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال مؤكدة غير منتقلة، لأنه لا يمكن أن يكون غير مصدق، أي غير موافق، هذا قول الجمهور، وقدر فيه بعضهم الانتقال، على معنى أنه مصدق لنفسه ومصدق لغيره، ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ يعني من الكتب المنزلة.
5. اختلف في اشتقاق التوراة ومعناها:
أ. قيل: معناها الضياء والنور، مشتقة من ورى الزند ووري لغتان إذا خرجت ناره، وأصلها تورية على وزن تفعلة، التاء زائدة وتحركت الياء وقبلها فتحة فقلبت ألفا ويجوز أن تكون تفعلة فتنقل الراء من الكسر إلى الفتح كما قالوا في جارية: جاراة، وفي ناصية ناصاة، كلاهما عن الفراء، وقال الخليل: أصلها فوعلة، فالأصل وورية، قلبت الواو الأولى تاء كما قلبت في تولج، والأصل وولج فوعل من ولجت، وقلبت الياء ألفا لحركتها وانفتاح ما قبلها، وبناء فوعلة أكثر من تفعلة.
ب. وقيل: التوراة مأخوذة من التورية، وهي التعريض بالشيء والكتمان لغيره، فكأن أكثر التوراة معاريض وتلويحات من غير تصريح وإيضاح، هذا قول المؤرج، والجمهور على القول الأول لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ وَضِيَاءً وَذِكْرًا لِلْمُتَّقِينَ﴾ يعني التوراة.
6. اختلف في اشتقاق الإنجيل ومعناه:
أ. قيل: الإنجيل إفعيل من النجل وهو الأصل، ويجمع على أناجيل وتوراة على توار، فالإنجيل أصل لعلوم وحكم، ويقال: لعن الله ناجليه، يعني والديه، إذ كانا أصله.
ب. وقيل: هو من نجلت الشيء إذا استخرجته، فالإنجيل مستخرج به علوم وحكم، ومنه سمي الولد والنسل نجلا لخروجه، كما قال: (إلى معشر لم يورث اللؤم جدهم،، أصاغرهم وكل فحل لهم نجل)، والنجل الماء الذي يخرج من النز، واستنجلت الأرض، وبها نجال إذا خرج منها الماء، فسمي الإنجيل به، لأن الله تعالى أخرج به دارسا من الحق عافيا.
ج. وقيل: هو من النجل في العين (بالتحريك) وهو سعتها، وطعنة نجلاء، أي واسعة، قال: ربما ضربة بسيف صقيل،، بين بصرى وطعنة نجلاءفسمي الإنجيل بذلك، لأنه أصل أخرجه لهم ووسعه عليهم ونورا وضياء.
د. وقيل: التناجل التنازع، وسمي إنجيلا لتنازع الناس فيه.
هـ. وحكى شمر عن بعضهم: الإنجيل كل كتاب مكتوب وافر السطور.
و. وقيل: نحل عمل وصنع، قال: وأنجل في ذاك الصنيع كما نجل أي اعمل واصنع.
ز. وقيل: التوراة والإنجيل من اللغة السريانية، وقيل: الإنجيل بالسريانية إنكليون، حكاه الثعلبي.
7. قال الجوهري: الإنجيل كتاب عيسى عليه السلام يذكر ويؤنث، فمن أنث أراد الصحيفة، ومن ذكر أراد الكتاب، قال غيره: وقد يسمى القرآن إنجيلا أيضا، كما روي في قصة مناجاة موسى عليه السلام أنه قال: (يا رب أرى في الألواح أقواما أناجيلهم في صدورهم فاجعلهم أمتي)، فقال الله تعالى له: (تلك أمة أحمد)، وإنما أراد بالأناجيل القرآن.
8. قرأ الحسن: ﴿وَالْإِنْجِيلِ﴾ بفتح الهمزة، والباقون بالكسر مثل الإكليل، لغتان، ويحتمل [إن سمع] أن يكون مما عربته العرب من الأسماء الأعجمية، ولا مثال له في كلامها.
9. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ يعني القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ قال ابن فورك: التقدير هدى للناس المتقين، دليله في البقرة ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ فرد هذا العام إلى ذلك الخاص، و﴿هُدًى﴾ في موضع نصب على الحال، و﴿الْفُرْقَانَ﴾ القرآن، وقد تقدم.
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/2.
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. قرأ الحسن، وعمرو بن عبيد، وعاصم بن أبي النجود، وأبو جعفر الرواسي: ﴿الم اللَّهُ﴾ بقطع ألف الوصل على تقدير الوقف على ﴿أَلَم﴾ كما يقدرون الوقف على أسماء الأعداد نحو واحد اثنان ثلاثة أربعة مع وصلهم. قال الأخفش: ويجوز ﴿الم اللَّهُ﴾ بكسر الهمزة لالتقاء الساكنين. قال الزجاج: هذا خطأ، ولا تقوله العرب لثقله، وقد ذكر سيبويه في الكتاب: أن فواتح السور التي لم تكن موازنة لمفرد طريق التلفظ بها الحكاية فقط ساكنة الأعجاز على الوقف، سواء جعلت أسماء أو مسرودة على نمط التعديد وإن لزمها التقاء الساكنين لما أنه مغتفر في باب الوقف، فحق هذه الفاتحة أن يوقف عليها، ثم يبدأ بما بعدها، كما فعله الحسن ومن معه في قراءتهم المحكية سابقا، وأما فتح الميم على القراءة المشهورة، فوجهه: ما روي عن سيبويه: أن الميم فتحت لالتقاء الساكنين، وقال الكسائي: حروف التهجي إذا لقيتها ألف وصل، فحذفت الألف وحركت الميم بحركة الألف، وكذا قال الفراء، وهذه الفواتح إن جعلت مسرودة على نمط التعديد، فلا محل لها من الإعراب، وإن جعلت أسماء للسورة فمحلها إما الرفع على أنها أخبار لمبتدآت مقدرة قبلها، أو النصب على تقدير أفعال يقتضيها المقام كاذكر، أو اقرأ، أو نحوهما، وقد تقدم في أوائل سورة البقرة ما يغني عن الإعادة.
2. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ مبتدأ وخبر، والجملة مستأنفة، أي: هو المستحق للعبودية، و﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾: خبران آخران للاسم الشريف، أو خبران لمبتدأ محذوف، أي: هو الحي القيوم، وقيل: إنهما صفتان للمبتدأ الأول، أو بدلان منه، أو من الخبر، وقد تقدّم تفسير الحيّ والقيوم، وقرأ جماعة من الصحابة: القيام؛ عمر، وأبي بن كعب، وابن مسعود.
3. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي: القرآن، وقدم الظرف على المفعول به للاعتناء بالمنزل عليه صلّى الله عليه وآله وسلم، وهي: إما جملة مستأنفة، أو خبر آخر للمبتدأ الأوّل، ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي: بالصدق، وقيل: بالحجة الغالبة البالغة، وهو في محل نصب على الحال، ﴿مُصَدِّقًا﴾ حال آخر من الكتاب مؤكدة، لأنه لا يكون إلّا مصدقا، فلا تكون الحال منتقلة أصلا، وبهذا قال الجمهور، وجوّز بعضهم الانتقال على معنى أنه مصدق لنفسه ولغيره، ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي: من الكتب المنزلة، وهو متعلق بقوله: مصدقا، واللام للتقوية.
4. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ هذه الجملة في حكم البيان لقوله: لما بين يديه، وإنما قال هنا أنزل وفيما تقدّم نزّل: لأن القرآن نزل منجما، والكتابان نزلا دفعة واحدة، ولم يذكر في الكتابين من أنزلا عليه، وذكر فيما تقدّم: أن الكتاب نزل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لأن القصد هنا ليس إلّا إلى ذكر الكتابين لا ذكر من نزلا عليه، ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ أي: أنزل التوراة والإنجيل من قبل تنزيل الكتاب.
5. ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ إما: حال من الكتابين، أو علة للإنزال، والمراد بالناس: أهل الكتابين، أو ما هو أعمّ، لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من الشرائع. قال ابن فورك: هدى للناس المتقين، كما قال في البقرة هدى للمتقين.
6. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ أي: الفارق بين الحق والباطل وهو القرآن، وكرر ذكره تشريفا له مع ما يشتمل عليه هذا الذكر الآخر من الوصف له بأنه يفرق بين الحق والباطل، وذكر التنزيل أولا والإنزال ثانيا لكونه جامعا بين الوصفين، فإنه أنزل إلى سماء الدنيا جملة، ثم نزل منها إلى النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم مفرّقا منجما على حسب الحوادث كما سبق، وقيل: أراد بالفرقان جميع الكتب المنزلة من الله تعالى على رسله؛ وقيل: أراد الزبور لاشتماله على المواعظ الحسنة.
7. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بما يصدق عليه أنه آية من الكتب المنزلة وغيرها، أو بما في الكتب المنزلة المذكورة، على وضع آيات الله موضع الضمير العائد إليها، وفيه بيان الأمر الذي استحقوا به الكفر ﴿لَهُمْ﴾ بسبب هذا الكفر ﴿عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي: عظيم ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ لا يغالبه مغالب ﴿ذُوانْتِقامٍ﴾ عظيم، والنقمة: السطوة، يقال انتقم منه: إذا عاقبه بسبب ذنب قد تقدّم منه.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/358.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي القرآن، عبر عنه باسم الجنس إيذانا بكمال تفوقه على بقية الأفراد في حيازة كمالات الجنس، كأنه هو الحقيق بأن يطلق عليه اسم الكتاب دون ما عداه، كما يلوح به التصريح باسمي التوراة والإنجيل ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي الصدق الذي لا ريب فيه ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي من الكتب المنزلة قبله، قال المهايميّ: أي معرّفا صدق الكتب السالفة، وقال أبو مسلم: المراد منه أنه تعالى لم يبعث نبيّا قط إلا بالدعاء إلى توحيده والإيمان به، وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان، وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان. فالقرآن مصدق لتلك الكتب في كل ذلك، ﴿وأَنْزَلَ التَّوْراةَ والْإِنْجِيلَ﴾ تعيين لما بين يديه وتبيين لرفعة محله، تأكيدا لما قبله، وتمهيدا لما بعده، إذ بذلك يترقى شأن ما يصدقه رفعة ونباهة، ويزداد في القلوب قبولا ومهابة، ويتفاحش حال من كفر بهما في الشناعة، واستتباع ما سيذكر من العذاب الشديد والانتقام. قاله أبو السعود.
2. التوراة اسم عبرانيّ معناه (الشريعة)، والإنجيل لفظة يونانية معناها (البشرى) أي الخبر الحسن، هذا هو الصواب كما نص عليه علماء الكتابين في مصنفاتهم، وقد حاول بعض الأدباء تطبيقهما على أوزان لغة العرب واشتقاقهما منها، وهو خبط بغير ضبط.
3. ﴿مِنْ قَبْلُ﴾ متعلق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، أي أنزلهما من قبل تنزيل الكتاب، والتصريح به مع ظهور الأمر، للمبالغة في البيان هُدىً لِلنَّاسِ أي لقوم موسى وعيسى. أو ما هو أعم. لأن هذه الأمة متعبدة بما لم ينسخ من الشرائع وأَنْزَلَ الْفُرْقانَ وهو الكتب السماوية التي ذكرها، لأن كلها فرقان يفرق بين الحق والباطل، أو هو القرآن، وإنما كرر ذكره بما هو نعت له، ومدح له، من كونه فارقا بين الحق والباطل، بعد ما ذكره باسم الجنس، تعظيما لشأنه، وإظهارا لفضله، قال الرازيّ: أو يقال إنه تعالى أعاد ذكره ليبيّن أنه أنزله بعد التوراة والإنجيل، ليجعله فرقا بين ما اختلف فيه اليهود والنصارى من الحق والباطل، وعلى هذا التقدير فلا تكرار، ثم استظهر حمل الفرقان على المعجزات التي قرنها الله تعالى بإنزال هذه الكتب الفارقة بين دعواهم ودعوى الكذابين، قال فالفرقان هو المعجز القاهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين سائر الكتب المختلفة.
4. يجوز أن يكون المراد بالفرقان (الميزان) المشار إليه في قوله تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ والْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25]، والميزان هو العدل في الأمور كلها؛ واللفظ مما يشمل ذلك كله لتلاقيها في المعنى.
5. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ﴾ أي جحدوا بها لَهُمْ بسبب كفرهم بها عَذابٌ شَدِيدٌ وهذا الوعيد. جيء به إثر ما تقدم حملا على الإذعان، وزجرا عن العصيان ﴿واللهُ عَزِيزٌ﴾ لا يغالب يفعل ما يشاء ﴿ذُو انْتِقامٍ﴾ أي معاقبة، يقال: انتقم الله منه: عاقبه، والنقمة: المكافأة بالعقوبة.
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/255.
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الـم﴾ الآيات الثلاث نزلت في وفد النصارى من العرب من أهل نجران ستِّين راكبا، فيهم أربعة عشر من أشرافهم، ثلاثة منهم أكابرهم، أحدهم أميرهم، وثانيهم وزيرهم، وثالثهم حبرهم، قال أحد الثلاثة: عيسى هو الله لأنَّه كان يحيي الموتى، وقال الآخر: هو ابن الله إذ لم يكن له أب، وقال الثالث: إنَّه ثالث ثلاثة، لقوله: فعلنا وقلنا، ولو كان واحدا لقال: فعلت وقلت؛ فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (ألستم تعلمون أنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموت، وأنَّ عيسى يموت)؟ قالوا: بلى، وكرَّر عليهم أدلَّة كثيرة وهم يقولون: بلى، قال: (فكيف يكون عيسى كما زعمتم)؟ فسكتوا وأبوا إِلَّا الجحود، فنزل ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ألـم﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ﴾، تقريرا لِمَا احتجَّ به النبيء صلّى الله عليه وآله وسلّم ، تسعون آية أو نيِّف وثمانون، على الخلاف في نحو البسملة، و﴿ألـم﴾ آية، أو هما مع ما بعدهما آية، وشهر الخلاف في أوائل السور، وبدا لي وجه حسن إن شاء الله، وهو أنَّها تنبيه بذكر أسماء الحروف في تلك الأحيان، كأنَّه قيل: أَحضِرْ قلبَك لنزول حروف تتلوها وتبلِّغها.
2. ﴿اللهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ قال أبو أُمامة: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : (اسم الله الأعظم في ثلاث سور: البقرة وآل عمران وطه) يعني قوله: ﴿الْحَيُّ الْقيُّومُ﴾، لا مجموع: ﴿اللهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، لانفراد الحيِّ القيُّوم عن قوله: ﴿اللهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ في (طه).
3. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ﴾ يا محمَّد، ﴿الْكِتَابَ﴾ القرآن كلَّه، بإنزاله كلِّه إلى السماء الدنيا في السابع والعشرين، أو الرابع والعشرين من رمضان، أو نعتبر أنَّ بعض الكتاب كتاب، كما تقول للورقة الواحدة فصاعدا: (كتاب)، لأنَّها مكتوبة، وكما تقول لبعض القرآن قرآن؛ لأنَّ هذا البعض مقروء؛ أو نعتبر أنَّ نزول بعضه ـ وهو متتابع وَلَا بُدَّ، ولو فصل نُزُولٌ له كلُّه ـ كحبل قُبض على طرف منه أو معظم منه، وما قيل: إنَّ التنزيل مختصٌّ بالتدريج ولذا لم يذكر في حقِّ القرآن الإنزال معارَض بقوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْءَانُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32]، وقوله: ﴿وَالَّذِينَ يُومِنُونَ بِمَآ أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَآ أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ﴾ [البقرة: 4]، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 4]، ولعلَّ مراد القائل: إنَّ ذلك غالب، ﴿بِالْحَقِّ﴾ بالعدل المتوسِّط بين الإفراط والتفريط والحجج المثبتة أنَّه من الله تعالى ، والصدق.
4. ﴿مُصَدِّقًا﴾ أي: الكتاب، ﴿لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ ما وجد من كتب الله كلِّها؛ أو مصدِّقا اللهَ لِما بين يدي الكتاب، والأوَّل أولى لاتِّحاد مرجع الضميرين فيه، ﴿وَأَنزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ على موسى جملة مكتوبة في ليلة السادس من رمضان، واللَّفظ مِن وَريَ الزندُ إذا قدح نارا، فإنَّها ضياء إلى الهدى، أو من التَّورِيَة بمعنى التعريض، لكثرة التلويح فيها، وزنه: (فَوْعِلَة)، فالتاء الأولى: عن واو، والواو بعدها زائدة عند الخليل وسيبويه، وقال الفرَّاء: (تَفْعِلَة)، فالتاء زائدة والواو أصل، واعتُرض أنَّ هذا الوزن شاذٌّ، الجواب أنَّه كالمصدر، أو أصله مصدر كالتجربة، وأصله(تَورِيَة) أبدلت الكسرة فتحة والياء ألفا، وقال بعض الكوفيِّين: (تَفعَلَة) بفتح العين.
5. ﴿وَالاِنجِيلَ﴾ على عيسى جملة مكتوبا في ليلة الثامن عشر من رمضان، والزبور في ليلة اثني عشر، والإنجيل من النجل وهو التوسعة؛ لأنَّ فيه التوسعة لأشياء ضيِّقَ عليها في التوراة، و(العين النجلاء): الواسعة، أو من النجل بمعنى الظهور، لظهوره من اللَّوح المحفوظ، أو لاستخراجه منه، أو من التناجل وهو التنازع لكثرة النزاع فيه، و(ال) فيهما دليل على عربيَّتهما، ألا ترى أنَّه لا يقال في الأعلام العجميَّة الموسى والعيسى والنوح ونحو ذلك؟ وكذا العربيَّة إِلَّا لِلَمح الأصل بلا قياس، و(ال) فيهما لِلَّمح، ولا يعترض بالإسكندريَّة بـ (ال)، لأنَّه بياء النَّسب العربيَّة، وكلُّ منسوب يعامل كصفة، فصحَّت (ال)، وقولك الإسكندر بلا نسب مع (ال) خطأ كخطإ من قال: البغداد في بغداد، فقولهم: الأندلس والصين والهند تحريف متبوع، فالنبيء صلّى الله عليه وآله وسلّم قال: (اُطلبوا العلم ولو بصين) بدون (ال) وزاد الراوي (ال)، والعربي لا يزيده، فتوراة (تَفعَلة) بفتح العين شاذٌّ قياسا وورودا، فصيح استعمالا، قلبت الياء ألفا لتحرُّكها بعد فتح؛ أو (تَفعِلة) بكسر العين فلا شذوذ، ولكن قلب الكسر فتحا فالياء ألفا، وقراءة بعض بفتح الهمزة (أَنجيل) شاذَّة، لا توجب أنَّه عجميٌّ، بل لفظ شاذٌّ لم يسمع إِلَّا في هذا، بخلاف الكسر فوارد كـ (إِحليل) و(إِكليل)؛ واستدلَّ بعض بقراءة الفتح على أنَّه عجميٌّ.
6. ﴿مِن قَبْلُ﴾ من قبل تنزيل القرآن، أو من قبلك، ومعلوم أنَّه قبلُ ولكن ذكر مبالغة في البيان، أو ذكر تلويحا بأنَّه أنزلهما قبلُ إرهاصا، كما قال: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾ من الجهالة، ولو غير بني إسرائيل؛ لأنَّ فيهما التوحيد والإنكار على من يجعل المخلوق خالقا، أو يصف الله بالولادة، وفيهما التبشير بالنبيء صلّى الله عليه وآله وسلّم .
7. ﴿وَأَنزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ سائر الكتب المفرِّقة بين الحقِّ والباطل، فهو تعميم بعد تخصيص، أو القرآن، فيكون ذُكِر أوَّلاً باعتبار تنزيله منجَّما كما قال: ﴿نَزَّلَ﴾ بالتشديد، وذكره الآن باعتبار إنزاله جملة إلى السماء الدنيا، أو باعتبار وصفه، وهو الفرق بين الحقِّ والباطل، أو بعض الآيات منه وهي التي فيها الفرق، أو الزبور، لأنَّه ولو لم يكن إِلَّا وعظا ـ كما جاء به أثرٌ ـ لكنَّ الوعظ أيضًا فارق، أو المعجزات لأنَّها فارقة بين من يدَّعي النبوءة محقًّا ومن يدَّعيها مبطلا.
8. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من اليهود والنصارى وغيرهم، أو المراد من نزلت فيهم الآيات، ﴿بِئَايَاتِ اللهِ﴾ القرآن أو غيره والمعجزات، ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بالقتل ونحوه ونار الآخرة لكفرهم، ﴿وَاللهُ عَزِيزٌ ذُو انتِقَامٍ﴾ عظيم لا يمنع من مراده، ولا يطاق انتقامه، والانتقام: الإضرار جزاءً، سواء كان حقًّا كما هنا، أم باطلا كما في قوله تعالى: ﴿وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمُ إِلَّآ أَنْ يُّومِنُوا بِاللهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾ [البروج: 8]، فإنَّهم أضرُّوهم جزاء لإيمانهم إذ حسبوا الإيمان سوءًا، أو هو تأكيد للمدح بطريق الذمِّ، ولم يقل: (منتقم) مع أنَّه مختصر للفاصلة؛ ولأنَّه إنَّما يقال: صاحب سيف، لمن يكثر القتل، لا لمن معه سيف مطلقًا.
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/195.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿أَلَم﴾ هو اسم السورة على المختار ـ كما تقدم في أول سورة البقرة ـ ويقال: قرأت ﴿أَلَم﴾ البقرة و﴿أَلَم﴾ آل عمران و﴿أَلَم﴾ السجدة، ويقرأ بأسماء الحروف لا بمسمياتها، وتذكر ساكنة كما تذكر أسماء العدد، فتقول: ألف لام ميم، كما تقدم: واحد اثنان ثلاثة، وتمد اللام والميم، وإذا وصلت به لفظ الجلالة جاز لك في الميم المد والقصر باتفاق القراء، والجمهور يصلون فيفتحون الميم ويطرحون الهمزة من لفظ الجلالة للتخفيف، وقرأ أبو جعفر والأعشى والبرجمي عن أبي بكر عن عاصم بسكون الميم وقطع الهمزة.
2. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ تقرير لحقيقة التوحيد الذي هو أعظم قواعد الدين، وتقدم تفسيره في أول آية الكرسي بالإسهاب.
3. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي أوحى إليك هذا القرآن المكتوب بالتدريج متصفا بالحق متلبسا به، وإنما عبر عن الوحي بالتنزيل وبالإنزال كما في آيات أخرى للإشعار بعلو مرتبة الموحي على الموحى إليه، ويصح التعبير بالإنزال عن كل عطاء منه تعالى، كما قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ﴾ وأما التدريج فقد استفيد من صيغة التنزيل، وكذلك كان، فقد نزل القرآن نجوما متفرقة بحسب الأحوال والوقائع.
4. معنى تنزيله بالحق أن فيه ما يحقق أنه من عند الله تعالى، فلا يحتاج إلى دليل من غيره على حقيته، أو معناه: أن كل ما جاء به من العقائد والأخبار والأحكام والحكم حق، وقد يوصف الحكم بكونه حقا في نفسه إذا كانت المصلحة والفائدة تتحقق به، وفي أشهر التفاسير: أن المراد بالحق العدل أو الصدق في الأخبار، أو الحجج الدالة على كونه من عند الله، وما قلناه أعم وأوضح مصدقا لما بين يديه أي مبينا صدق ما تقدمه من الكتب المنزلة على الأنبياء، أي كونها وحيا من الله تعالى، وذلك أن أثبت الوحي وذكر أنه تعالى أرسل رسلا أوحى إليهم، فهذا تصديق إجمالي لأصل الوحي لا يتضمن تصديق ما عند الأمم التي تنتمي إلى أولئك الأنبياء من الكتب بأعيانها ومسائلها، ومثاله تصديقنا لنبينا صلّى الله عليه وآله وسلم في جميع ما أخبر به فهو لا يستلزم تصديق كل ما في كتب الحديث المروية عنه، بل ما ثبت منها عندنا فقط.
5. التوراة: كلمة عبرانية معناها المراد الشريعة أو الناموس، وهي تطلق عند أهل الكتاب على خمسة أسفار يقولون إن موسى كتبها، وهي سفر التكوين وفيه الكلام عن بدء الخليقة وأخبار بعض الأنبياء، وسفر الخروج، وسفر اللاويين أو الأخبار، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع ويقال التثنية فقط، ويطلق النصارى لفظ التوراة على جميع الكتب التي يسمونها العهد العتيق، وهي كتب الأنبياء وتاريخ قضاة بني إسرائيل وملوكهم قبل المسيح ومنها ما لا يعرفون كاتبه، وقد يطلقونه عليها وعلى العهد الجديد معا، وهو المعبر عنه بالإنجيل وسيأتي تفسيره.
6. التوراة في عرف القرآن هي ما أنزله الله تعالى من الوحي على موسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ ليبلغه قومه لعلهم يهتدون به، وقد بين تعالى أن قومه لم يحفظوه كله إذ قال في سورة المائدة: ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ كما أخبر عنهم في آيات أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه، وذلك فيما حفظوه واعتقدوه، وهذه الأسفار الخمسة التي في أيديهم تنطق بما يؤيد ذلك، ومنه ما في سفر التثنية من أن موسى كتب التوراة وأخذ العهد على بني إسرائيل بحفظها والعمل بها، ففي الفصل (الإصحاح) الحادي والثلاثين منه ما نصه: (فعندما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلا خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم ليكون هناك شاهدا عليكم لأني أنا عارف تمردكم ورقابكم الصلبة، هو ذا وأنا بعد حي معكم اليوم قد صرتم تقاومون الرب فكم بالحرى بعد موتي اجمعوا إلي كل شيوخ أسباطكم وعرفاءكم لأنطق في مسامعهم بهذه الكلمات وأشهد عليهم السماء والأرض لأني عارف أنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق الذي أوصيتكم به ويصيبكم الشر في آخر الأيام؛ لأنكم تعملون الشر أمام الرب حتى تغيظوه بأعمال أيديكم فنطق موسى في مسامع كل جماعة إسرائيل بكلمات هذا النشيد إلى تمامه) ـ وهاهنا ذكر النشيد في الفصل الثاني والثلاثين ثم قال أي الكاتب لسفر التثنية ـ (فأتى موسى ونطق بجميع كلمات هذا النشيد في مسامع الشعب هو ويشوع بن نون ولما فرغ موسى من مخاطبة جميع إسرائيل بكل هذه الكلمات قال لهم وجهوا قلوبكم إلى جميع الكلمات التي أنا أشهد عليكم بها اليوم لكي توصوا بها أولادكم ليحرصوا أن يعملوا بجميع كلمات هذه التوراة؛ لأنها ليست أمرا باطلا عليكم بل هي حياتكم، وبهذا الأمر تطيلون الأيام على الأرض التي أنتم عابرون الأردن إليها لتمتلكوها)، ومنه خبر موت موسى وكونه لم يقم في بني إسرائيل نبي مثله بعد، أي إلى وقت الكتابة، فهذان الخبران عن كتابة موسى للتوراة وعن موته معدودان من التوراة، وما هما في الحقيقة من الشريعة المنزلة على موسى التي كتبها ووضعها بجانب التابوت، بل كتبا كغيرهما بعده وقد ظهر تأويل علم موسى في بني إسرائيل فإنهم فسدوا وزاغوا بعده كما قال، وأضاعوا التوراة التي كتبها ثم كتبوا غيرها، ولا ندري عن أي شيء أخذوا ما كتبوه على أنه فقد أيضا، وفي الفصل الرابع والثلاثين من أخبار الأيام الثاني أن حلقيا الكاهن وجد سفر شريعة الرب وسلمه إلى شافان الكاتب فجاء به شافان إلى الملك) قال صاحب دائرة المعارف العربية: إنهم ادعوا أن هذا السفر الذي وجده حلقيا هو الذي كتبه موسى ولا دليل لهم على ذلك، على أنهم أضاعوه أيضا ثم إن عزرا الكاهن الذي هيأ قلبه لطلب شريعة الرب والعمل بها وليعلم إسرائيل فريضة وقضاء) قد كتب لهم الشريعة بأمر أرتحشستا ملك فارس الذي أذن لهم (أي لبني إسرائيل) بالعودة إلى أورشليم، وقد أمر هذا الملك بأن تقاوم شريعتهم وشريعته كما في سفر عزرا (راجع الفصل السابع منه) فجميع أسفار التوراة التي عند أهل الكتاب قد كتبت بعد السبي كما كتب غيرها من أسفار العهد العتيق، ويدل على ذلك كثرة الألفاظ البابلية فيها.
7. اعترف علماء اللاهوت من النصارى بفقد توراة موسى التي هي أصل دينهم وأساسه، قال صاحب كتاب (خلاصة الأدلة السنية على صدق أصول الديانة المسيحية): والأمر مستحيل أن تبقى نسخة موسى الأصلية في الوجود إلى الآن ولا نعلم ماذا كان من أمرها والمرجح أنها فقدت مع التابوت لما خرب بختنصر الهيكل، وربما كان ذلك سبب حديث كان جاريا بين اليهود على أن الكتب المقدسة فقدت وأن عزرا الكاتب الذي كان نبيا جمع النسخ المتفرقة من الكتب المقدسة وأصلح غلطها وبذلك عادت إلى منزلتها الأصلية)
8. نعلم أنهم يجيبون من يسأل: من أين جمع عزرا تلك الكتب بعد فقدها وإنما يجمع الموجود، وعلى أي شيء اعتمد في إصلاح غلطها؟ قائلين: إنه كتب ما كتب بالإلهام فكان صوابا، ولكن هذا الإلهام مما لا سبيل إلى إقامة البرهان عليه ولا هو مما يحتاج فيه إلى جمع ما في أيدي الناس الذين لا ثقة بنقلهم، ولو كتب عزرا بالإلهام الصحيح لكتب شريعة موسى مجردة من الأخبار التاريخية، ومنها ذكر كتابته لها ووضعها في جانب التابوت وذكر موته وعدم مجيء مثله، وقد بين بعض علماء أوربا أن أسفار التوراة كتبت بأساليب مختلفة لا يمكن أن تكون كتابة واحد.
9. ليس من غرضنا أن نطيل في ذلك وإنما نقول: إن التوراة التي يشهد لها القرآن هي ما أوحاه الله إلى موسى ليبلغه قومه بالقول والكتاب، وأما التوراة التي عند القوم فهي كتب تاريخية مشتملة على كثير من تلك الشريعة المنزلة؛ لأن القرآن يقول في اليهود: إنهم ﴿أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ﴾، كما يقول: إنهم ﴿نسوا حظا مما ذكروا به﴾، ولأنه يستحيل أن تنسى تلك الأمة بعد فقد كتاب شريعتها جميع أحكامها، فما كتبه عزرا وغيره مشتمل على ما حفظ منها إلى عهده وعلى غيره من الأخبار، وهذا كاف للاحتجاج على بني إسرائيل بإقامة التوراة وللشهادة بأن فيها حكم الله كما في سورة المائدة؛ وبهذا يجمع بين الآيات الواردة في التوراة وبين المعقول والمعروف في تاريخ القوم.
10. لفظ ﴿الْإِنْجِيلَ﴾ يوناني الأصل، ومعناه البشارة، قيل: والتعليم الجديد وهو يطلق عند النصارى على أربعة كتب تعرف بالأناجيل الأربعة، وعلى ما يسمونه العهد الجديد وهو هذه الكتب الأربعة مع كتاب أعمال الرسل (أي الحواريين) ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب ورؤيا يوحنا، أي على المجموع فلا يطلق على شيء مما عدا الكتب الأربعة بالانفراد، والأناجيل الأربعة عبارة عن كتب وجيزة في سيرة المسيح عليه السلام وشيء من تاريخه وتعليمه، ولهذا سميت أناجيل وليس لهذه الكتب سند متصل عند أهلها، وهم مختلفون في تاريخ كتابتها على أقوال كثيرة، ففي السنة التي كتب فيها الإنجيل الأول تسعة أقوال وفي كل واحد من الثلاثة عدة أقوال أيضا؛ على أنهم يقولون: إنها كتبت في النصف الثاني من القرن الأول للمسيح، لكن أحد الأقوال في الإنجيل الأول أنه كتب سنة 37 ومنها أنه كتب سنة 64 ومن الأقوال في الرابع أنه كتب في 98 للميلاد ومنهم من أنكر أنه من تصنيف يوحنا وأن خلافهم في سائر كتب العهد الجديد لأقوى وأشد.
11. الإنجيل في عرف القرآن هو ما أوحاه الله إلى رسوله عيسى ابن مريم ـ عليه الصلاة والسلام ـ من البشارة بالنبي الذي يتمم الشريعة والحكم والأحكام، وهو ما يدل عليه اللفظ، وقد أخبرنا ـ سبحانه ـ وتعالى في أن النصارى نسوا حظا مما ذكروا به كاليهود، وهم أجدر بذلك، فإن التوراة كتبت في زمن نزولها، وكان الألوف من الناس يعملون بها، ثم فقدت، والكثير من أحكامها محفوظ معروف، ولا ثقة بقول بعض علماء الإفرنج: إن الكتابة لم تكن معروفة في زمن موسى عليه السلام، وأما كتب النصارى فلم تعرف وتشهر إلا في القرن الرابع للمسيح؛ لأن أتباع المسيح كانوا مضطهدين بين اليهود والرومان، فلما أمنوا باعتناق الملك قسطنطين النصرانية سياسة ظهرت كتبهم ومنها تواريخ المسيح المشتملة على بعض كلامه الذي هو إنجيله، وكانت كثيرة فتحكم فيها الرؤساء حتى اتفقوا على هذه الأربعة.
12. من فهم ما قلناه في الفرق بين عرف القرآن وعرف القوم في مفهوم التوراة والإنجيل يتبين له أن ما جاء في القرآن هو الممحص للحقيقة التي أضاعها القوم، وهي ما يفهم من لفظ التوراة والإنجيل، ويصح أن يعد هذا التمحيص من آيات كون القرآن موحى به من الله، ولولا ذلك لما أمكن ذلك الأمي الذي لم يقرأ هذه الأسفار والأناجيل المعروفة ولا تواريخ أهلها أن يعرف أنهم نسوا حظا مما أوحي إليهم وأوتوا نصيبا منه فقط، بل كان يجاريهم على ما هم عليه ويقول: الأناجيل لا الإنجيل، ثم إن من فهم هذا لا تروج عنده شبهات القسيسين الذين يوهمون عوام المسلمين أن ما في أيديهم من التوراة والأناجيل هي التي شهد بصدقها القرآن.
13. قال محمد عبده في تفسير هذه الجملة: المتبادر من كلمة ﴿أَنْزَلَ﴾ أن التوراة نزلت على موسى مرة واحدة وإن كانت مرتبة في الأسفار المنسوبة إليه فإنها مع ترتيبها مكررة، والقرآن لا يعرف هذه الأسفار ولم ينص عليها، وكذلك الإنجيل نزل مرة واحدة وليس هو هذه الكتب التي يسمونها الأناجيل؛ لأنه لو أرادها لما أفرد الإنجيل دائما، مع أنها كانت متعددة عند النصارى حينئذ، وحاول بعض المفسرين بيان اشتقاق التوراة والإنجيل من أصل عربي وما هما بعربيين، ومعنى التوراة ـ وهي عبرية ـ الشريعة، ومعنى الإنجيل ـ وهي يونانية ـ البشارة، وإنما المسيح مبشر بالنبي الخاتم الذي يكمل الشريعة للبشر، وأما كونهما هدى للناس فهو ظاهر.
14. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ الفرقان: مصدر كالغفران وهو هنا ما يفرق ويفصل به بين الحق والباطل:
أ. قال بعضهم: المراد به القرآن وهو مردود بقوله في أول الآية: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾
ب. وقال غيرهم: هو كل ما يفرق به بين الحق والباطل في كل أمر كالدلائل والبراهين واختاره ابن جرير.
ج. وقيل: هو خاص ببيان الحق في أمر عيسى عليه السلام كما جاء في هذه السورة.
د. وقال محمد عبده: إن الفرقان هو العقل الذي به تكون التفرقة بين الحق والباطل، وإنزاله من قبيل إنزال الحديد؛ لأن كل ما كان عن الحضرة العلية الإلهية يسمى إعطاؤه إنزالا، وما قاله قريب مما اختاره ابن جرير من التفسير المأثور؛ فإن العقل هو آلة التفرقة، ويؤيد ذلك قوله تعالى في سورة الشورى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ وقد فسروا الميزان بالعدل، فالله تعالى قرن بالكتاب أمرين: أحدهما الفرقان: وهو ما نعرف به الحق في العقائد فنفرقه من الباطل، وثانيهما الميزان: وهو ما نعرف به الحقوق في الأحكام فنعدل بين الناس فيها، وكل من العقل والعدل من الأمور الثابتة في نفسها، فكل ما قام عليه البرهان العقلي في العقائد وغيرها فهو حق منزل من الله، وكل ما قام به العدل فهو حكم منزل من الله وإن لم ينص عليه في الكتاب؛ فإنه تعالى هو المنزل، أي المعطي للعقل والعدل أو الفرقان والميزان كما أنه ـ سبحانه ـ هو المنزل، أي المعطي للكتاب، ولسنا نستغني بشيء من مواهبه المنزلة عن آخر، وما زال علماء الكلام وأهل التوحيد يعدون البراهين العقلية هي الأصل في معرفة العقائد الدينية، ويجب على علماء الأحكام وأهل الفقه أن يحذوا حذوهم في العدل، فيعلموا أنه يمكن أن يعرف ويطلب لذاته وأن النصوص الواردة في بعض الأحكام مبينة له وهادية إليه، وأكثر الأحكام القضائية في الإسلام اجتهادية، فيجب أن يكون أساسها تحري العدل، والغزالي يفسر الميزان بالعقل الذي يؤلف الحجج ويميز بين الحق والباطل والعدل والجور وغير ذلك، وفي حديث جابر عند البيهقي قوام المرء العقل ولا دين لمن لا عقل له ومن حديثه عند أبي الشيخ في الثواب وابن النجار دين المرء عقله، ومن لا عقل له لا دين له.
15. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ التي أنزلها لهداية عباده وإرشادهم إلى طرق السعادة في المعاش والمعاد ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ بما يلقي الكفر في عقولهم من الخرافات والأباطيل التي تطفئ نورها، وما يجرهم إليه من المعاصي والمفاسد التي تدسي نفوسهم وتدنسها حتى تكون ظلمة عقولهم وفساد نفوسهم منشأ عذابهم الشديد في تلك الدار الآخرة التي تغلب فيها الحياة الروحية العقلية على الحياة البدنية المادية، فلا يكون لهم شاغل ولا مسل من المادة عما فاتهم من النعيم وما أصابهم من الجحيم.
16. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ فهو بعزته ينفذ سننه فينتقم ممن خالفها بسلطانه الذي لا يعارض، والانتقام من النقمة وهي السطوة والسلطة، ويستعمل أهل هذا العصر الانتقام بمعنى التشفي بالعقوبة، وهو بهذا المعنى محال على الله تعالى.
__________
(1) تفسير المنار: 3/127
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. (الم) تقدم أن قلنا في السورة قبلها إن الرأي الذي عليه المعوّل أن الحروف المقطعة التي وقعت في أوائل السور هي حروف للتنبيه كألا، ويا، مما جاء في أوائل الكلام لتنبيه المخاطب إلى ما يلقى بعدها من حديث يستدعى العناية بفهمه، وتقرأ بأسمائها ساكنة كما تقرأ أسماء العدد فيقال: (ألف. لام. ميم) كما يقال: (واحد. اثنان ثلاثة) وتمد اللام والميم، وإذا وصل به لفظ الجلالة جاز في الميم المد والقصر، وفتحها وطرح الهمزة من (الله) للتخفيف.
2. ﴿نَزَّلَ﴾ يفيد التدريج والقرآن نزل كذلك في نيف وعشرين سنة بحسب الحوادث كما تقدم، وعبر عن الوحى مرة بالتنزيل، وأخرى بالإنزال للإشارة إلى أن منزلة الموحى أعلى من الموحى إليه.
3. التوراة: كلمة عبرية معناها الشريعة، ويريد بها اليهود خمسة أسفار يقولون إن موسى كتبها، وهى: سفر التكوين، وسفر الخروج، وسفر اللاويين، وسفر العدد، وسفر تثنية الاشتراع، ويريد بها النصارى جميع الكتب التي تسمى العهد العتيق، وهى كتب الأنبياء وتاريخ قضاة بنى إسرائيل وملوكهم قبل المسيح، وقد يطلقونه عليها وعلى العهد الجديد معا وهو المعبر عنه بالإنجيل، ويريد بها القرآن ما أنزل على موسى ليبلغه قومه.
4. الإنجيل كلمة يونانية معناها التعليم الجديد أو البشارة، وتطلق عند النصارى على أربعة كتب تسمى بالأناجيل الأربعة وهى كتب مختصرة في سيرة المسيح عليه السلام وشيء من تاريخه وتعاليمه، وليس لها سند متصل عند أهلها وهم مختلفون في تاريخ كتابتها على أقوال كثيرة، وكتب العهد الجديد تطلق على هذه الكتب الأربعة مع كتاب أعمال الرسل (الحواريين) ورسائل بولس وبطرس ويوحنا ويعقوب ورؤيا يوحنا، والإنجيل في عرف القرآن هو ما أوحاه الله إلى رسوله عيسى عليه السلام ومنه البشارة بالنبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم وأنه هو الذي يتمم الشريعة والأحكام، والفرقان هو العقل الذي يفرق بين الحق والباطل، وكل ما كان عن حضرة القدس يسمى إعطاؤه إنزالا ألا ترى إلى قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾
5. روى ابن جرير وابن إسحاق وابن المنذر أن هذه الآيات وما بعدها إلى نحو ثمانين آية نزلت في نصارى نجران إذ وفدوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وكانوا نحو ستين راكبا، وخاصموه في عيسى بن مريم وقالوا له من أبوه؟ وقالوا على الله تعالى الكذب والبهتان، فقال لهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا وهو يشبه أباه؟ قالوا بلى، قال ألستم تعلمون أن ربنا حيّ لا يموت، وأن عيسى يأتى عليه الفناء؟ قالوا بلى، قال ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ قالوا بلى، قال فهل يملك عيسى من ذلك شيئا؟ قالوا لا، قال ألستم تعلمون أن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، وأن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث؟ قالوا بلى، قال ألستم تعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة، ثم وضعته كما تضع المرأة ولدها، ثم غذّى كما يغذى الصبى، ثم كان يأكل الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا بلى، قال فكيف يكون هذا كما زعمتم فعرفوا ثم أبوا إلا جحودا، فأنزل الله ﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إلى آخر تلك الآيات.
6. وجه الرد عليهم فيها ـ أنه تعالى بدأ بذكر التوحيد لينفى عقيدة التثليث بادئ ذي بدء، ثم وصفه بما يؤكد ذلك من كونه حيّا قيوما: أي قامت به السموات والأرض وهى قد وجدت قبل عيسى فكيف تقوم به قبل وجوده، ثم ذكر أنه تعالى نزل الكتاب وأنزل التوراة ليبين أنه قد أنزل الوحى وشرع الشرائع قبل وجوده كما أنزل عليه الإنجيل وأنزل على من بعده، فليس هو المنزل للكتب على الأنبياء وإنما هو نبيّ مثلهم، ثم أعقب ذلك ببيان أنه هو الذي وهب العقل للبشر ليفرقوا به بين الحق والباطل، وعيسى لم يكن واهبا للعقول، ثم قال إنه لا يخفى عليه شيء ليردّ على استدلالهم على ألوهية عيسى بإخباره عن بعض المغيبات، فإن الإله لا يخفى عليه شيء مطلقا سواء أكان في هذا العالم أم غيره من العوالم السماوية وعيسى لم يكن كذلك، ثم أبان أن الإله هو الذي يصور في الأرحام ليرد على ولادة عيسى من غير أب، إذ الولادة من غير أب ليست دليلا على الألوهية، فالمخلوق عبد كيفما خلق، وإنما الإله هو الخالق الذي يصور في الأرحام كيف يشاء، وعيسى لم يصور أحدا في رحم أمه، ثم صرح بعد هذا بكلمة التوحيد وبوصفه تعالى بالعزة والحكمة، ثم انتقل بعد ذلك إلى وصف الكتاب وجعله قسمين، محكم العبارة محفوظ من الاحتمال والاشتباه، وهو الأصل الذي دعي الناس إلى تدبر معانيه والعمل به، وإليه يرجع في فهم المتشابه، ومتشابه وهو ما يدل اللفظ فيه على شيء والعقل على خلافه فتشابهت الدلالة ولم يمكن الترجيح كالاستواء على العرش وكون عيسى روح الله وكلمته، ثم بين أن الناس في هذا انقسموا فرقتين: فرقة زائغة يرجعون في تأويله إلى أهوائهم وتقاليدهم لا إلى الأصل المحكم الذي بنى عليه الاعتقاد، وفرقة يقولون آمنا به ونفوّض علمه إلى ربنا، وقد دعوه ألا يضلّهم بعد الهداية، ويرزقهم الثبات على معرفة الحقيقة والاستقامة على الطريقة.
7. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ أي إنه أوحى إليك هذا القرآن بالتدريج متصفا بالحق الذي لا شبهة فيه ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أي مبينا صدق ما تقدمه من الكتب المنزلة على الأنبياء السالفين، فإنه أثبت الوحى وذكر أنه أرسل رسلا أوحى إليهم، وهذا تصديق جملي لأصل الوحى إليهم، لا تصديق تفصيلي لتلك الكتب التي عند الأمم التي تنمى إلى أولئك الأنبياء بمسائلها جميعا، ألا ترى أن تصديقنا لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم في جميع ما أخبر به، لا يلزم منه التصديق بكل ما في كتب الحديث المروية عنه، بل ما ثبت منها صحته فقط.
8. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾ أي وأنزل التوراة على موسى هدى للناس، وقد أخبر الكتاب الكريم أن قومه لم يحفظوها إذ قال ﴿وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ كما أخبر عنهم أنهم حرفوا الكلم عن مواضعه فيما حفظوه واعتقدوه، والأسفار التي بين أيديهم تؤيد ذلك، ففي سفر التثنية (فعند ما كمل موسى كتابة كلمات هذه التوراة في كتاب إلى تمامها ـ أمر موسى اللاويين حاملي تابوت عهد الرب قائلا: خذوا كتاب التوراة هذا وضعوه بجانب تابوت عهد الرب إلهكم، ليكون هناك شاهدا عليكم، لأنى عارف أنكم بعد موتي تفسدون وتزيغون عن الطريق الذي أوصيتكم به، ويصيبكم الشر في آخر الأيام، لأنكم تعملون الشر أمام الرب حتى تغيظوه بأعمال أيديكم ـ إلى أن قال لهم: وجّهوا قلوبكم إلى جميع الكلمات التي أنا أشهد عليكم بها اليوم، لكى توصوا بها أولادكم ليحرصوا أن يعملوا بجميع كلمات هذه التوراة لأنها ليست أمرا باطلا عليكم بل هي حياتكم، وبهذا الأمر تطيلون الأيام على الأرض التي أنتم عابرون الأردن إليها لتمتلكوها)، وكذلك خبر موت موسى وكونه لم يقم في بنى إسرائيل نبيّ مثله بعد، (فهذان الخبران عن كتابة موسى للتوراة وعن موته معدودان عندهم من التوراة وليسا من الشريعة المنزلة على موسى التي كتبها ووضعها بجانب التابوت، بل كتبا كغيرهما بعده)
9. إذا فالتوراة التي عندهم كتب تاريخية مشتملة على كثير من تلك الشريعة المنزلة، والقرآن يثبت ذلك، وأيضا ففقد كتاب الشريعة لأمة لا يجعلها تنسى جميع أحكام هذه الشريعة، فما كتبه عزرا وغيره مشتمل على ما حفظ منها إلى عهده، وعلى غيره من الأخبار، وهذا كاف في الاحتجاج على بنى إسرائيل بإقامة التوراة، والشهادة بأن فيها حكم الله كما جاء في سورة المائدة، وأسفارها كلها كتبت بعد السّبى يرشد إلى ذلك كثرة الألفاظ البابلية التي جاءت فيها، وقد اعترف علماء النصارى بفقد توراة موسى التي هي أصل دينهم، فقد جاء في كتاب خلاصة الأدلة السنية على صدق أصول الديانة المسيحية (والأمر مستحيل أن تبقى نسخة موسى الأصلية في الوجود إلى الآن؛ ولا نعلم ماذا كان أمرها، والمرجح أنها فقدت مع التابوت لما خرّب بختنصّر الهيكل، وربما كان ذلك سبب حديث كان جاريا بين اليهود على أن الكتب المقدسة فقدت، وأن عزرا الكاتب الذي كان نبيا جمع النسخ المتفرقة من الكتب المقدسة وأصلح غلطها، وبذلك عادت إلى منزلتها الأصلية، ولكن من أين جمع عزرا تلك الكتب بعد فقدها؟ وعلى أي شيء اعتمد في إصلاح غلطها؟ فإن قالوا إنه بالإلهام؛ فإنا نقول إن هذا مما يحتاج فيه إلى جمع ما في أيدي الناس الذين لا ثقة بنقلهم، على أن علماء أوربا قالوا إن أسفار التوراة كتبت بأساليب مختلفة لا يمكن أن تكون كتابة رجل واحد، وأنزل الله الإنجيل على عيسى، وأنبأ سبحانه بأن النصارى نسوا حظا مما ذكروا به كاليهود بل هم أولى بذلك، فإن التوراة كتبت زمن نزولها، وكان ألوف الناس يقرؤونها ويعملون بما فيها من شرائع وأحكام ثم فقدت، ولكن الكثير من أحكامها كان محفوظا معروفا عندهم، أما كتب النصارى فلم تعرف ولم تشتهر إلا في القرن الرابع للمسيح، لأن أتباعه كانوا مضطهدين بين اليهود والرومان، حتى اعتنق قسطنطين النصرانية فظهرت كتبهم، ومنها تواريخ المسيح المشتملة على بعض كلامه الذي هو إنجيله، وكانت كثيرة فتحكم فيها الرؤساء حتى اتفقوا على أنها أربعة.
10. خلاصة ذلك ـ إن الله أنزل التوراة والإنجيل لهداية من أنزلا عليهم إلى الحق ومن جملة ذلك الإيمان بمحمد صلوات الله عليه واتباعه حين يبعث، فقد اشتملتا على البشارة به والحث على طاعته ـ ونسخ أحكامها بالكتاب الذي أنزل عليه.
11. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ أي وأنزل العقل الذي يفرق بين الحق والباطل، وجاء في آية أخرى ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ والميزان هو العدل، فالله سبحانه قرن بالكتاب أمرين الفرقان الذي نفرق به الحق في العقائد ونميزه عن الباطل، والميزان وهو ما نعرف به الحقوق في الأحكام ونعدل بين الناس، وقصارى ذلك ـ إن ما يقوم عليه البرهان العقلي من عقائد وغيرها فهو حق منزّل من عند الله وما قام به العدل فهو حكم منزّل من عند الله وإن لم ينص عليه في الكتاب فالله هو المنزل والمعطى للعقل والعدل ـ الفرقان والميزان ـ كما أنه سبحانه هو المنزّل للكتاب، ولا غنى لأحدهما عن الآخر.
12. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ أي إن الذين كفروا بآيات الله الناطقة بتوحيده وتنزيهه عما لا يليق بشأنه الجليل، فكذبوا بالقرآن أولا ثم بسائر الكتب تبعا لذلك ـ لهم عذاب شديد بما يلقى الكفر في عقولهم من الخرافات والأباطيل التي تدنس نفوسهم ـ وتكون سبب عقابهم في الدار الآخرة التي تغلب فيها الحياة الروحية على الحياة الجسدية المادية.
13. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي إن الله بعزته ينفذ سنته، وينتقم ممن خالفها بسلطانه الذي لا يعارض.
__________
(1) تفسير المراغي: 3/92.
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. إذا أخذنا بالروايات التي تقول: إن الآيات الأولى من هذه السورة إلى بضع وثمانين آية منها قد نزلت في مناسبة قدوم الوفد من نصارى نجران اليمن، ومناظرته للرسول صلّى الله عليه وآله وسلم في أمر عيسى عليه السلام، فإن هذا الدرس بجملته يكون داخلا في اطار هذه المناسبة.. لولا أن هذه الروايات توقت مجيء ذلك الوفد بالسنة التاسعة للهجرة، وهي السنة المعروفة في السيرة باسم (عام الوفود) حيث كان الإسلام قد انتهى إلى درجة من القوة والشهرة في الجزيرة العربية كلها ـ وفيما وراءها كذلك ـ جعل الوفود من شتى بقاع الجزيرة تفد على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم تخطب وده، أو تعرض التعاهد معه، أو تستجلي حقيقة أمره.
2. كما أشرنا فيما تقدم نحس أن الموضوع الذي تعالجه هذه الآيات، وطريقة علاجها له، كلاهما يرجح أن هذه الآيات نزلت مبكرة في السنوات الأولى للهجرة.. ومن ثم فنحن أميل إلى اعتبار ما ورد في هذه السورة من حجاج وجدل مع أهل الكتاب، ونفي للشبهات التي تضمنتها معتقداتهم المنحرفة، أو التي تعمدوا نثرها حول صحة رسالة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وحقيقة عقيدة التوحيد الإسلامية، وكذلك ما اقتضاه كيد أهل الكتاب من تحذير للجماعة المسلمة وتثبيت.. نحن أميل إلى اعتبار هذا كله غير مقيد بحادث وفد نجران في السنة التاسعة؛ وأنه كانت هناك مناسبات أخرى مبكرة هي التي نزل فيها هذا القرآن من هذه السورة.
3. من ثم سنمضي في استعراض هذه النصوص بوصفها مواجهة لأهل الكتاب غير مقيد بهذا الحادث الخاص المتأخر في التاريخ، على أن هذه النصوص ـ كما قلنا في التمهيد للسورة (2) ـ تكشف عن الصراع الأصيل الدائم بين الجماعة المسلمة وعقيدتها، وبين أهل الكتاب والمشركين وعقائدهم.. هذا الصراع الذي لم يفتر منذ ظهور الإسلام ـ وبخاصة منذ مقدمه إلى المدينة وقيام دولته فيها ـ والذي اشترك فيه المشركون واليهود اشتراكا عنيفا يسجله القرآن تسجيلا رائعا دقيقا، ولا عجب أن يشاركهم بعض رجال الكنيسة في أطراف الجزيرة العربية في صورة من الصور.. وليس بعيدا عن الواقع أن يفد أفراد منهم أو جماعات لمناظرة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ومجادلته في المواضع التي يظهر فيها الاختلاف بين عقائدهم المنحرفة والعقيدة الجديدة القائمة على التوحيد الخالص الناصع ـ وبخاصة فيما يتعلق بصفة عيسى عليه السلام.
4. في هذا الدرس منذ ابتدائه تحديد لمفرق الطريق بين عقيدة التوحيد الخالصة الناصعة والشبهات والانحرافات، وتهديد لمن يكفر بالفرقان وآيات الله فيه، واعتبارهم كفارا ولو كانوا من أهل الكتاب! وبيان لحال المؤمنين مع ربهم وموقفهم مما ينزل على رسله، وهو بيان يحدد الموقف ويحسمه: فللإيمان علاماته التي لا تخطئ وللكفر علاماته التي لا شبهة فيها كذلك! ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾
5. ﴿أَلَم﴾.. هذه الأحرف المقطعة: ألف. لام. ميم. نختار في تفسيرها ـ على سبيل الترجيح لا الجزم ـ ما اخترنا في مثلها في أول سورة البقرة أنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف؛ وهي في متناول المخاطبين به من العرب، ولكنه ـ مع هذا ـ هو ذلك الكتاب المعجز، الذي لا يملكون أن يصوغوا من تلك الحروف مثله.. وهذا الوجه الذي اخترناه في تفسير هذه الأحرف في أوائل السور ـ على سبيل الترجيح لا الجزم ـ يتمشى معنا بيسر في إدراك مناسبات هذه الإشارة في شتى السور. ففي سورة البقرة كانت الإشارة تتضمن التحدي الذي ورد في السورة بعد ذلك: ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾.. فأما هنا في سورة (آل عمران) فتبدو مناسبة أخرى لهذه الإشارة.. هي أن هذا الكتاب منزل من الله الذي لا إله إلا هو، وهو مؤلف من أحرف وكلمات شأنه في هذا شأن ما سبقه من الكتب السماوية التي يعترف بها أهل الكتاب.
6. هكذا تبدأ السورة في مواجهة أهل الكتاب المنكرين لرسالة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وهم بحكم معرفتهم بالنبوات والرسالات والكتب المنزلة والوحي من الله، كانوا أولى الناس بأن يكونوا أول المصدقين المسلمين، لو أن الأمر أمر اقتناع بحجة ودليل!
7. هكذا تبدأ السورة في مواجهتهم بهذا الشوط القاطع، الفاصل في أكبر الشبهات التي تحيك في صدورهم، أو التي يتعمدون نثرها في صدور المسلمين تعمدا، والكاشف لمداخل هذه الشبهات في القلوب ومساربها، والمحدد لموقف المؤمنين الحقيقيين من آيات الله وموقف أهل الزيغ والانحراف! والمصور لحال المؤمنين من ربهم والتجائهم إليه، وتضرعهم له، ومعرفتهم بصفاته تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.. وهذا التوحيد الخالص الناصع هو مفرق الطريق بين عقيدة المسلم وسائر العقائد، سواء منها عقائد الملحدين والمشركين، وعقائد أهل الكتاب المنحرفين: يهودا أو نصارى. على اختلاف مللهم ونحلهم جميعا. كما أنه هو مفرق الطريق بين حياة المسلم وحياة سائر أهل العقائد في الأرض. فالعقيدة هنا تحدد منهج الحياة ونظامها تحديدا كاملا دقيقا.
8. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.. فلا شريك له في الألوهية.. ﴿الْحَيُّ﴾.. الذي يتصف بحقيقة الحياة الذاتية المطلقة من كل قيد فلا شبيه له في صفته.. ﴿الْقَيُّومِ﴾.. الذي به تقوم كل حياة وبه يقوم كل وجود؛ والذي يقوم كذلك على كل حياة وعلى كل وجود. فلا قيام لحياة في هذا الكون ولا وجود إلا به سبحانه، وهذا مفرق الطريق في التصور والاعتقاد، ومفرق الطريق في الحياة والسلوك، مفرق الطريق في التصور والاعتقاد. بين تفرد الله ـ سبحانه ـ بصفة الألوهية وذلك الركام من التصورات الجاهلية: سواء في ذلك تصورات المشركين ـ وقتها في الجزيرة ـ وتصورات اليهود والنصارى ـ وبخاصة تصورات النصارى.
9. حكى القرآن عن اليهود أنهم كانوا يقولون: عزيز ابن الله. كما أن الانحراف الذي سجله ما يعتبره اليهود اليوم (الكتاب المقدس) يتضمن شيئا كهذا. كما جاء في سفر التكوين: الإصحاح السادس.
10. فأما انحرافات التصورات المسيحية فقد حكى القرآن منها قولهم: إن الله ثالث ثلاثة، وقولهم: إن الله هو المسيح بن مريم، واتخاذهم المسيح وأمه إلهين من دون الله، واتخاذهم أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله:
أ. وقد جاء في كتاب (الدعوة إلى الإسلام) تأليف أرنولد. شيء عن هذه التصورات، حيث قال: (ولقد أفلح جستنيان قبل الفتح الإسلامي بمائة عام في أن يكسب الإمبراطورية الرومانية مظهرا من مظاهر الوحدة، ولكن سرعان ما تصدعت بعد موته، وأصبحت في حاجة ماسة إلى شعور قومي مشترك، يربط بين الولايات وحاضرة الدولة. أما هرقل فقد بذل جهودا لم تصادف نجاحا كاملا في إعادة ربط الشام بالحكومة المركزية، ولكن ما اتخذه من وسائل عامة في سبيل التوفيق قد أدى لسوء الحظ إلى زيادة الانقسام بدلا من القضاء عليه، ولم يكن ثمة ما يقوم مقام الشعور بالقومية سوى العواطف الدينية. فحاول بتفسيره العقيدة تفسيرا يستعين به على تهدئة النفوس أن يقف ما يمكن أن يشجر بعد ذلك بين الطوائف المتناحرة من خصومات؛ وأن يوحد بين الخارجين على الدين وبين الكنيسة الأرثوذكسية، وبينهم وبين الحكومة المركزية.. وكان مجمع خلقيدونية قد أعلن في سنة 451 ميلادية أن المسيح ينبغي أن يعترف بأنه يتمثل في طبيعتين لا اختلاط بينهما، ولا تغير، ولا تجزؤ، ولا انفصال، ولا يمكن أن ينتفي خلافهما بسبب اتحادهما. بل الأحرى أن تحتفظ كل طبيعة منهما بخصائصها؛ وتجتمع في أقنوم واحد، وجسد واحد. لا كما لو كانت متجزئة أو منفصلة في أقنومين. بل متجمعة في أقنوم واحد هو ذلك الابن والله والكلمة.. وقد رفض اليعاقبة هذا المجمع، وكانوا لا يعترفون في المسيح إلا بطبيعة واحدة، وقالوا: إنه مركب الأقانيم. له كل الصفات الإلهية والبشرية.. ولكن المادة التي تحمل هذه الصفات لم تعد ثنائية. بل أصبحت وحدة مركبة الأقانيم.. وكان الجدل قد احتدم قرابة قرنين من الزمان بين طائفة الأرثوذكس وبين اليعاقبة الذين ازدهروا بوجه خاص في مصر والشام والبلاد الخارجة عن نطاق الإمبراطورية البيزنطية. في الوقت الذي سعى فيه هرقل في إصلاح ذات البين عن طريق المذهب القائل بأن للمسيح مشيئة واحدة. ففي الوقت الذي الوقت الذي نجد فيه هذا المذهب يعترف بوجود الطبيعتين، إذا به يتمسك بوحدة الأقنوم في حياة المسيح البشرية، وذلك بإنكاره وجود نوعين من الحياة في أقنوم واحد.. فالمسيح الواحد، الذي هو ابن الله، يحقق الجانب الإنساني والجانب الإلهي بقوة إلهية إنسانية واحدة، ومعنى هذا أنه لا يوجد سوى إرادة واحدة في الكلمة المتجسدة.. لكن هرقل قد لقي المصير الذي انتهى إليه كثيرون جدا ممن كانوا يأملون أن يقيموا دعائم السلام. ذلك بأن الجدل لم يحتدم مرة أخرى كأعنف ما يكون فحسب، بل إن هرقل نفسه قد وصم بالإلحاد، وجر على نفسه سخط الطائفتين على السواء)
ب. كذلك يقول باحث مسيحي آخر هو (كانون تايلور) عن الحالة بين نصارى الشرق عند البعثة المحمدية: (وكان الناس في الواقع مشركين يعبدون زمرة من الشهداء والقديسين والملائكة)
11. أما انحرافات عقائد المشركين فقد حكى القرآن عنها: عبادتهم للجن والملائكة والشمس والقمر والأصنام، وكان أقل عقائدهم انحرافا عقيدة من يقولون عن هذه الآلهة: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾!
12. أمام هذا الركام من التصورات الفاسدة والمنحرفة التي أشرنا إليها هذه الإشارات الخاطفة جاء الإسلام في هذه السورة ـ ليعلنها ناصعة واضحة صريحة حاسمة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، فكانت مفرق الطريق في التصور والاعتقاد.. كذلك كانت مفرق الطريق في الحياة والسلوك..
13. إن الذي يمتلئ شعوره بوجود الله الواحد الذي لا إله إلا هو. الحي الواحد الذي لا حي غيره. القيوم الواحد الذي به تقوم كل حياة أخرى وكل وجود، كما أنه هو الذي يقوم على كل حي وكل موجود.. إن الذي يمتلئ شعوره بوجود الله الواحد الذي هذه صفته، لا بد أن يختلف منهج حياته ونظامها من الأساس عن الذي تغيم في حسه تلك التصورات التائهة المهوشة. فلا يجد في ضميره أثرا لحقيقة الألوهية الفاعلة المتصرفة في حياته! إنه مع التوحيد الواضح الخالص لا مكان لعبودية إلا لله، ولا مكان للاستمداد والتلقي إلا من الله. لا في شريعة أو نظام، ولا في أدب أو خلق، ولا في اقتصاد أو اجتماع، ولا مكان كذلك للتوجه لغير الله في شأن من شئون الحياة، وما بعد الحياة.. أما في تلك التصورات الزائغة المنحرفة المهزوزة الغامضة فلا متجه ولا قرار، ولا حدود لحرام أو حلال، ولا لخطإ أو صواب: في شرع أو نظام، في أدب أو خلق، وفي معاملة أو سلوك.. فكلها.. كلها.. إنما تتحدد وتتضح عندما تتحدد الجهة التي منها التلقي، وإليها التوجه، ولها الطاعة والعبودية والاستسلام.
14. ومن ثم كانت هذه المواجهة بذلك الحسم في مفرق الطريق: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.. ومن ثم كان التميز والتفرد لطبيعة الحياة الإسلامية ـ لا لطبيعة الاعتقاد وحده ـ فالحياة الإسلامية بكل مقوماتها إنما تنبثق انبثاقا من حقيقة هذا التصور الإسلامي عن التوحيد الخالص الجازم. التوحيد الذي لا يستقيم عقيدة في الضمير ما لم تتبعه آثاره العملية في الحياة. من تلقي الشريعة والتوحيد من الله في كل شأن من شئون الحياة، والتوجه كذلك إلى الله في كل نشاط وكل اتجاه.
15. عقب هذا الإيضاح الحاسم في مفرق الطريق، بإعلان الوحدانية المطلقة لذات الله وصفاته، يجيء الحديث عن وحدانية الجهة التي تتنزل منها الأديان والكتب والرسالات. أي التي يتنزل منها المنهج الذي يصرف حياة البشر في جميع الأجيال: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ـ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ـ وأَنْزَلَ التَّوْراةَ والْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ ـ هُدىً لِلنَّاسِ ـ وأَنْزَلَ الْفُرْقانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾
16. تتضمن هذه الآية في شطرها الأول ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ ـ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ ـ وأَنْزَلَ التَّوْراةَ والْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ ـ هُدىً لِلنَّاسِ ـ وأَنْزَلَ الْفُرْقانَ﴾ جملة حقائق أساسية في التصور الاعتقادي، وفي الرد كذلك على أهل الكتاب وغيرهم من المنكرين لرسالة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم وصحة ما جاء به من عند الله:
أ. فهي تقرر وحدة الجهة التي تتنزل منها الكتب على الرسل. فالله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم، هو الذي نزل هذا القرآن ـ عليك ـ كما أنه أنزل التوراة على موسى والإنجيل على عيسى من قبل، وإذن فلا اختلاط ولا امتزاج بين الألوهية والعبودية. إنما هناك إله واحد ينزل الكتب على المختارين من عباده، وهناك عبيد يتلقون، وهم عبيد لله ولو كانوا أنبياء مرسلين.
ب. وهي تقرر وحدة الدين ووحدة الحق الذي تتضمنه الكتب المنزلة من عند الله. فهذا الكتاب نزله ـ عليك ـ ﴿بِالْحَقِّ﴾.. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾.. من التوراة والإنجيل.. وكلها تستهدف غاية واحدة: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾.. وهذا الكتاب الجديد (فرقان) بين الحق الذي تضمنته الكتب المنزلة، والانحرافات والشبهات التي لحقت بها بفعل الأهواء والتيارات الفكرية والسياسية (التي رأينا نموذجا منها فيما نقلناه عن الكاتب المسيحي سيرت.وأرنولد في كتاب (الدعوة إلى الإسلام)
ج. وهي تقرر ـ ضمنا ـ أنه لا وجه لتكذيب أهل الكتاب للرسالة الجديدة. فهي سائرة على نمط الرسالات قبلها، وكتابها نزل بالحق كالكتب المنزلة، ونزل على رسول من البشر كما نزلت الكتب على رسل من البشر، وهو مصدق لما بين يديه من كتب الله، يضم جناحيه على (الحق) الذي تضم جوانحها عليه، وقد نزله من يملك تنزيل الكتب.. فهو منزل من الجهة التي لها (الحق) في وضع منهاج الحياة للبشر، وبناء تصوراتهم الاعتقادية، وشرائعهم وأخلاقهم وآدابهم في الكتاب الذي ينزله على رسوله.
17. ثم تتضمن الآية في شطرها الثاني ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ﴾ التهديد الرعيب للذين كفروا بآيات الله، وتلوح لهم بعزة الله وقوته وشدة عذابه وانتقامه.. والذين كفروا بآيات الله هم الذين كذبوا بهذا الدين الواحد بإطلاقه.. وأهل الكتاب الذين انحرفوا عن كتاب الله الصحيح المنزل إليهم من قبل، فقادهم هذا الانحراف إلى التكذيب بالكتاب الجديد ـ وهو فرقان واضح مبين ـ هم أول المعنيين هنا بصفة الكفر، وهم أول من يتوجه إليهم التهديد الرعيب بعذاب الله الشديد وانتقامه الأكيد.
__________
(1) في ظلال القرآن: 1/362.
(2) نقلناه إلى محله من السلسلة، وهو المرتبط بالوحدة الموضوعية في القرآن الكريم
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿أَلَم﴾ ذكرنا في أول سورة البقرة ما يقال عن المراد من الحروف التي بدئت بها بعض السور في القرآن الكريم.
2. جملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ صفة لله، و﴿الْحَيُّ﴾ صفة ثانية، و﴿الْقَيُّومِ﴾ صفة ثالثة، فالله سبحانه وتعالى الموصوف بالتفرّد بالألوهية، السرمدية الأبدية، التي لم يسبقها ولا يلحقها عدم، وبالقيومية المبسوط سلطانها على كل شيء، القائم أمرها على كل شيء ـ هذا الإله هو الذي نزل الكتاب على محمد صلّى الله عليه وآله وسلم فمن هذا المقام الكريم الذي لا يطاول ولا يسامى كان منزّل هذا الكتاب الكريم، الذي يقول فيه المشركون والمنافقون ـ زورا وبهتانا ـ إنه من معطيات محمد، تلقاه من أصحاب العلم من أهل الكتاب، ولقنه من مدارسة الدارسين.. كما حكى القرآن الكريم ذلك عنهم في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾، وقوله سبحانه: ﴿وَقَالُوا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾
3. وقد جاء هذا القرآن بالحقّ الذي لا مرية فيه، لأنه من ربّ العالمين، جاء مصدقا لما سبقه من الكتب السماوية، لأنها جميعها من مصدر واحد، جاءت من الحق بالحق كما يقول سبحانه: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾، والله سبحانه الذي أنزل القرآن بالحق، هو الذي أنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس، وأنزل الفرقان أي القرآن كذلك هدى للناس، فالذين يكفرون بآيات الله التي أنزلها الله على رسله، وأودعها كتبه، لهم عذاب شديد، أعده الله لهم يوم القيامة، ولن يعصمهم من الله عاصم ـ ولن تغنى عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئا.
4. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ عزّ سلطانه، وقد اعتز هؤلاء السفهاء بسفههم، فتطاولوا على حماه، وكفروا بآياته، واستخفوا بها. ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ يأخذ بنقمته من استخف بعزته!
5. في قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إشارة إلى أن القرآن الكريم نزل منجما أي مفرقا، يدل على هذا شاهد التاريخ، كما يدل عليه هذا اللفظ (نزّل) الذي يفيد الحركة والتفرق، بخلاف (أنزل) الذي يدل على الثبوت والوحدة.
6. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لم تذكر الكتب التي بين يدى القرآن، وإن كان المراد بها التوراة والإنجيل، وذلك الإطلاق إنما ليشمل جميع الكتب والصحف المنزلة على الأنبياء جميعا. ما بقي منها وما لم يبق، وما ذكر وما لم يذكر، لأنها جميعها من مورد الحق، يصدّق بعضها بعضا.. وإذا نظرنا إلى الكتب المنزلة، حسب واقعها التاريخىّ نجد أن القرآن الكريم هو الذي بين يدى الكتب السماوية، وليست هي التي بين يديه، لأنه جاء إلى هذا الوجود تاليا لها، لا سابقا عليها، لكن الكتب السماوية ليست أحداثا حادثة، وإنما هي وقائع في علم الله، موجودة من الأزل، شأنها شأن جميع ما في علم الله، وظهورها وانكشافها لنا يجيء موقوتا بإرادة الله مقدورا بحكمته.. ففي سير الأحداث من سجل الغيب وظهورها على مسرح حياتنا، نجد أن الكتب السماوية جميعها تقدمت القرآن الكريم، واحدا واحدا، والسابق منها بين يدى اللاحق، وبهذا التقدير تقع جميعها بين يدى القرآن! وليس الأمر كذلك في حركة التاريخ، حيث تطوى الأحداث التي تجدّ، فكل حدث جديد في هذه الحركة يمشى على آثار الحدث الذي مضى، ويخلّفه وراءه.. وحركة الزمن ليست على تلك الصورة، إنها حركة واحدة، أشبه بحركة القطار.. والأحداث محمولة على جزئيات هذا الامتداد الزمنى، كما يحمل الأشخاص والأشياء في عربات القطار، والمتقدم منها يظل دائما متقدما بين يدى المتأخر!
7. ننظر إلى القرآن الكريم في هذا الوضع فنجده وقد أخذ مكانه من الكتب السماوية، كمصدر إشعاع لها، ومركز انطلاق لكلمات الله منها، يرسل كل حين شعاعات من نور الله، إلى عباد، الله على يد رسل الله، ويقدمها بين يديه، وكأنها تمهد له الطريق، وتهيئ له الأفق الذي يستقبله، حين يطلع على الناس بشعلته المقدسة، ويملأ الوجود بنوره القدسىّ.. وعلى ضوء هذا التصوّر يمكن أن نفهم قول الله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِنًا عَلَيْهِ﴾، فهذه الهيمنة إنما تكون لقوة هي مصدر لتلك القوى النابعة منها، المستندة إليها، فيكون لها بهذا الوضع مكان الرقابة عليها، والضبط لخط سيرها..
8. من الهيمنة التي للقرآن على الكتب السماوية التي بين يديه أنه هو المصدّق لها، الشاهد الذي ترى في أضوائه وفى أحكامه، وأخباره وآدابه ـ آيات صدقها، وأنها من مورد هذا الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، إذ ليس بعد شهادة القرآن شهادة، ولا وراء الحق الذي يقوله حق، وإنه سيظل قائما هكذا إلى يوم القيامة، معجزة تتحدى الناس جميعا، أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور مثله، أو بسورة من مثله.. ﴿وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ومن كان هذا شأنه، وذلك إعجازه فله أن يقول، وعلى الناس أن يسمعوا، وله أن يحكم، وعلى الناس أن ينزلوا على حكمه، طوعا أو كرها..
9. قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ بعد قوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، وذلك لاختلاف المقامين، فالله سبحانه هو الذي أنزل الفرقان، ونسبة هذا الخبر إلى الله سبحانه وتعالى هنا هي نسبة مجردة، لا يراد بها غير إثبات الحكم الذي تضمنه الخبر، وهو أنه تعالى هو الذي أنزل القرآن.. أما الخبر في قوله تعالى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ فليس مرادا به مجرد النسبة إلى الله تعالى، بل وبيان الصورة التي نزل عليها الكتاب الكريم، وأنه نزل على النبي مفرقا ولم ينزل جملة واحدة.
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/394.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿أَلَم﴾ لما كان أول أغراض هذه السورة، الذي نزلت فيه، هو قضية مجادلة نصارى نجران حين وفدوا إلى المدينة، وبيان فضل الإسلام على النصرانيّة، لا جرم افتتحت بحروف التهجّي، المرموز بها إلى تحدّي المكذّبين بهذا الكتاب، وكان الحظّ الأوفر من التكذيب بالقرآن للمشركين منهم، ثم للنصارى من العرب؛ لأنّ اليهود الذين سكنوا بلاد العرب فتكلّموا بلسانهم لم يكونوا معدودين من أهل اللسان، ويندر فيهم البلغاء بالعربية مثل السّموأل، وهذا وما بعده إلى قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا﴾ [آل عمران: 33] تمهيد لما نزلت السورة بسببه وبراعة استهلال لذلك.
2. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ ابتدئ الكلام بمسند إليه خبره فعليّ: لإفادة تقوية الخبر اهتماما به، وجيء بالاسم العلم: لتربية المهابة عند سماعه، ثم أردف بجملة ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، جملة معترضة أو حالية، ردّا على المشركين، وعلى النصارى خاصة، وأتبع بالوصفين ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ لنفي اللبس عن مسمّى هذا الاسم، والإيماء إلى وجه انفراده بالإلهية، وأنّ غيره لا يستأهلها؛ لأنّه غير حيّ أو غير قيّوم، فالأصنام لا حياة لها، وعيسى في اعتقاد النصارى قد أميت، فما هو الآن بقيّوم ولا هو في حال حياته بقيّوم على تدبير العالم، وكيف وقد أوذي في الله، وكذّب، واختفى من أعدائه، وقد مضى القول في معنى ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ في تفسير آية الكرسي.
3. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ خبر عن اسم الجلالة، والخبر هنا مستعمل في الامتنان، أو هو تعريض ونكاية بأهل الكتاب الذين أنكروا ذلك، وجيء بالمسند فعلا لإفادة تقوية الخبر، أو للدلالة ـ مع ذلك ـ على الاختصاص: أي الله لا غيره نزّل عليك الكتاب إبطالا لقول المشركين: إنّ القرآن من كلام الشيطان، أو من طرائق الكهانة، أو يعلّمه بشر.
4. التضعيف في ﴿نَزَّلَ﴾ للتعدية فهو يساوي الهمز في أنزل، وإنّما التضعيف يؤذن بقوة الفعل في كيفيته أو كمّيته، في الفعل المتعدّي بغير التضعيف، من أجل أنّهم قد أتوا ببعض الأفعال المتعدّية، للدلالة على ذلك، كقولهم: فسر وفسّر، وفرق وفرّق، وكسر وكسّر، كما أتوا بأفعال قاصرة بصيغة المضاعفة، دون تعدية للدلالة على قوة الفعل، كما قالوا: مات وموّت وصاح وصيّح. فأما إذا صار التضعيف للتعدية فلا أوقن بأنّه يدلّ على تقوية الفعل، إلّا أن يقال: إنّ العدول عن التعدية بالهمز، إلى التعدية بالتضعيف، لقصد ما عهد في التضعيف من تقوية معنى الفعل، فيكون قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أهمّ من قوله: ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ﴾ للدلالة على عظم شأن نزول القرآن.
5. وقع في (الكشاف)، هنا وفي مواضع متعدّدة، أن قال إن نزّل يدل على التنجيم، وإنّ أنزل يدل على أنّ الكتابين أنزلا جملة واحدة وهذا لا علاقة له بمعنى التقوية المدّعى للفعل المضاعف، إلّا أن يعني أنّ نزّل مستعمل في لازم التكثير، وهو التوزيع ورده أبو حيان بقوله تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32] فجمع بين التضعيف وقوله: ﴿جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ وأزيد أنّ التوراة والإنجيل نزلا مفرّقين كشأن كلّ ما ينزل على الرسل في مدة الرسالة، وهو الحق: إذ لا يعرف أنّ كتابا نزل على رسول دفعة واحدة.
6. الكتاب: القرآن، والباء في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ للملابسة، ومعنى ملابسته للحق اشتماله عليه في جميع ما يشتمل عليه من المعاني قال تعالى: ﴿وَبِالْحَقِّ أَنْزَلْنَاهُ وَبِالْحَقِّ نَزَلَ﴾ [الإسراء: 105]، ومعنى ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ أنّه مصدق للكتب السابقة له، وجعل السابق بين يديه: لأنّه يجيء قبله، فكأنّه يمشي أمامه.
7. التوراة اسم للكتاب المنزّل على موسى عليه السلام، وهو اسم عبراني أصله طورا بمعنى الهدي، والظاهر أنّه اسم للألواح التي فيها الكلمات العشر التي نزلت على موسى عليه السلام في جبل الطور؛ لأنّها أصل الشريعة التي جاءت في كتب موسى، فأطق ذلك الاسم على جميع كتب موسى، واليهود يقولون (سفر طورا) فلمّا دخل هذا الاسم إلى العربية أدخلوا عليه لام التعريف التي تدخل على الأوصاف والنكرات لتصير أعلاما بالغلبة: مثل العقبة، ومن أهل اللغة والتفسير من حاولوا توجيها لاشتقاقه اشتقاقا عربيا، فقالوا: إنّ مشتق من الوري وهو الوقد، بوزن تفعلة أو فوعلة، وربّما أقدمهم على ذلك أمران: أحدهما دخول التعريف عليه، وهو لا يدخل على الأسماء العجمية، وأجيب بأن لا مانع من دخولها على المعرّب كما قالوا: الاسكندرية، وهذا جواب غير صحيح؛ لأنّ الإسكندرية وزن عربي؛ إذ هو نسب إلى إسكندر، فالوجه في الجواب أنّه إنّما ألزم التعريف لأنّه معرّب عن اسم بمعنى الوصف اسم علم فلمّا عربوه ألزموه اللام لذلك، الثاني أنّها كتبت في المصحف بالياء، وهذا لم يذكروه في توجيه كونه عربيا، وسبب كتابته كذلك الإشارة إلى لغة إمالته.
8. الإنجيل اسم للوحي الذي أوحي به إلى عيسى عليه السلام فجمعه أصحابه، وهو اسم معرّب قيل من الرومية وأصله (إثانجيليوم) أي الخبر الطيّب، فمدلوله مدلول اسم الجنس، ولذلك أدخلوا عليه كلمة التعريف في اللغة الرومية، فلمّا عرّبه العرب أدخلوا عليه حرف التعريف، وذكر القرطبي عن الثعلبي أنّ الإنجيل في السريانية ـ وهي الآرامية ـ (أنكليون) ولعلّ الثعلبي اشتبه عليه الرومية بالسريانية، لأنّ هذه الكلمة ليست سريانية وإنّما لما نطق بها نصارى العراق ظنّها سريانية، أو لعلّ في العبارة تحريفا وصوابها اليونانية وهو في اليونانية (أووانيليون) أي اللفظ الفصيح، وقد حاول بعض أهل اللغة والتفسير جعله مشتقا من النجل وهو الماء الذي يخرج من الأرض، وذلك تعسّف أيضا، وهمزة الإنجيل مكسورة في الأشهر ليجري على وزن الأسماء العربية؛ لأنّ افعيلا موجود بقلة مثل إبزيم، وربّما نطق به بفتح الهمزة، وذلك لا نظير له في العربية.
9. ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ يتعلّق بـ ﴿أَنْزَلَ﴾، والأحسن أن يكون حالا أولى من التوراة والإنجيل، و﴿هُدًى﴾ حال ثانية، والمضاف إليه قبل محذوف منويّ معنى، كما اقتضاه بناء قبل على الضم، والتقدير من قبل هذا الزمان، وهو زمان نزول القرآن.
10. تقديم ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ على ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ للاهتمام به، وأما ذكر هذا القيد فلكي لا يتوهّم أنّ هدى التوراة والإنجيل مستمرّ بعد نزول القرآن، وفيه إشارة إلى أنّها كالمقدّمات لنزول القرآن، الذي هو تمام مراد الله من البشر ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] فالهدى الذي سبقه غير تام.
11. ﴿لِلنَّاسِ﴾ تعريفه إمّا للعهد: وهم الناس الذي خوطبوا بالكتابين، وإمّا للاستغراق العرفي: فإنّهما وإن خوطب بهما ناس معروفون، فإنّ ما اشتملا عليه يهتدي به كلّ من أراد أن يهتدي، وقد تهوّد وتنصّر كثير ممّن لم تشملهم دعوة موسى وعيسى عليهما السلام، ولا يدخل في العموم الناس الذين دعاهم محمد صلّى الله عليه وآله وسلم: لأنّ القرآن أبطل أحكام الكتابين، وأما كون شرع من قبلنا شرعا لنا عند معظم أهل الأصول، فذلك فيما حكاه عنهم القرآن لا ما يوجد في الكتابين، فلا يستقيم اعتبار الاستغراق بهذا الاعتبار بل بما ذكرناه.
12. الفرقان في الأصل مصدر فرق كالشكران والكفران والبهتان، ثم أطلق على ما يفرق به بين الحق والباطل قال تعالى: ﴿وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ﴾ [الأنفال: 41] وهو يوم بدر، وسمّي به القرآن قال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ﴾ [الفرقان: 1] والمراد بالفرقان هنا القرآن؛ لأنّه يفرق بين الحق والباطل، وفي وصفه بذلك تفضيل لهداه على هدى التوراة والإنجيل؛ لأنّ التفرقة بين الحق والباطل أعظم أحوال الهدي، لما فيها من البرهان، وإزالة الشبهة.
13. إعادة قوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ بعد قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ للاهتمام، وليوصل الكلام به في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 4] الآية أي بآياته في القرآن.
14. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقامٍ﴾، استئناف بياني ممهّد إليه بقوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ لأنّ نفس السامع تتطلّع إلى معرفة عاقبة الذين أنكروا هذا التنزيل، وشمل قوله: ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ المشركين واليهود والنصارى في مرتبة واحدة، لأنّ جميعهم اشتركوا في الكفر بالقرآن، وهو المراد بآيات الله ـ هنا ـ لأنّه الكتاب الوحيد الذي يصح أن يوصف بأنّه آية من آيات الله؛ لأنّه معجزة، وعبّر عنهم بالموصول إيجازا؛ لأنّ الصلة تجمعهم، والإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو قوله: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾
15. عطف قوله: ﴿واللهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقامٍ﴾ على قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ لأنّه من تكملة هذا الاستئناف: لمجيئه مجيء التبيين لشدّة عذابهم؛ إذ هو عذاب عزيز منتقم كقوله: ﴿فَأَخَذْنَاهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ﴾ [القمر: 42]، والعزيز تقدم عند قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾
16. الانتقام: العقاب على الاعتداء بغضب، ولذلك قيل للكاره: ناقم، وجيء في هذا الوصف بكلمة (ذو) الدالة على الملك للإشارة إلى أنّه انتقام عن اختيار لإقامة مصالح العباد وليس هو تعالى مندفعا للانتقام بدافع الطبع أو الحنق.
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/9.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿أَلَم﴾ هذا الاسم القرآني الذي سمى به القرآن هذه ال سورة، وهذه حروف تقرأ في القرآن الكريم بأسمائها، وهى ألف لام ميم، والمعنى الذي تدل عليه هذه الحروف غير معلوم على وجه اليقين كما أسلفنا في سورة البقرة والله أعلم بمراده منها، ولا يستطيع عالم يعتمد على الحقائق العلمية أن يقرر المراد من هذه الحروف، والمعنى المحرر لها، وأقصى ما ذكره العلماء لها حكم يدل عليها ذكرها، ومن أحسن ذلك أن يقال: إن هذه الحروف تشير إلى أن القرآن الكريم من جنس ما يتكلم به العرب، وأنه مكون من الحروف التي يتكون منها كلامكم، ومع ذلك تعجزون عن أن تأتوا بمثل سورة منه؛ فهي إشارة إلى العجز مع الطمع في أن يحاولوا، ولن يأتوا بسورة من مثله، ومن أحسن ما يقال أيضا أن النبيّ الأمي كان ينطق بهذه الحروف التي كان لا يعرفها إلا من يقرأ ويكتب، فاشتمال القرآن عليها مع أميته عليه السلام دليل على أنه من عند الله، ومن ذلك أيضا ما قيل من أن هذه الحروف الصوتية التي اشتملت عليها بعض أوائل السور إذا أنطق بها الناطق مع ما فيها من مد طويل أو قصير، استرعى ذلك الأسماع فاتجهت إليه، وإن لم يرد السامعون، ويروى في ذلك أن المشركين من فرط تأثير القرآن قد تفاهموا على ألا يسمعوا لهذا القرآن: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾ [فصلت]. فكانوا إذا قرعت آذانهم هذه الحروف بمدها، التفتوا مرغمين، ثم هجمت على قلوبهم من بعد ذلك الآيات البينة المحكمة، تعالت كلماته سبحانه.
2. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ هذه الجملة السامية تبين أصل التوحيد، وتقرر معناه، فابتدئت بلفظ الجلالة الذي يدل على كمال الألوهية، وانفراده ـ سبحانه ـ بحق العبودية، إذ إنه الإله وحده الذي أنشأ الخلق ورباه ونماه، ولا مالك لهذا الوجود ومن فيه وما فيه سواه، ولفظ (الله) علم على الذات العلية المتصفة بكل كمال والمنزهة عن كل نقص، والتي لا تشابه الحوادث، ولا يشبهها شيء من الحوادث: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى]
3. ثم صرح سبحانه وتعالى بما تضمنه لفظ الجلالة وهو الانفراد بالألوهية وحق العبودية فقال سبحانه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي لا معبود بحق إلا هو، أو لا إله في الحقيقة والواقع إلا هو، وكل ما يدعى له الألوهية من شخص أو وثن فهو ليس إلا أسماء سمّاهم بها المشركون الضالون، وليس من حقيقة الألوهية في شيء ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ﴾ [النجم]
4. ثم بين سبحانه الأوصاف التي تبين استحقاقه وحده لحق العبودية، فقال سبحانه: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي الدائم الحياة الذي لا يفنى، ويفنى ما سواه، ولا يستمد حي حياته إلا بإرادته سبحانه، وهو القائم بنفسه، والقائم على كل شيء، والمدبر لكل شيء. فهذا معنى القيوم.
5. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ (الكتاب) هو القرآن الكريم، وإن أكثر السور التي تبتدئ بتلك الحروف تقترن فيها الحروف بالتنويه بذكر القرآن، وإعلاء شأنه، مما جعل المفسرين يعتبرون تلك الحروف أسماء للسور، سماها القرآن بها، وفواصل محكمة بين سورة وأخرى من سور القرآن الكريم، وقد أشرنا إلى ذلك من قبل.
6. عبر ـ سبحانه وتعالى ـ عن نزول القرآن الكريم بـ ﴿نَزَّلَ﴾ للإشارة إلى أن النزول كان تدريجيا، ولم يكن دفعة واحدة، إذ إن التنزيل يدل على التدرج في النزول، وكذلك كان القرآن الكريم؛ فقد نزل منجما ينزل في الوقائع، أو الأسئلة ليكون السبب الذي اقترن بنزوله معينا على فهمه وإدراك بعض مغازيه، وقد ذكر تنزيل القرآن مقترنا بأمرين متصلا بهما:
أ. أولهما: أنه حق في ذاته، ومبين للحق مشتمل عليه، وداع إليه، فقال الله تعالى: ﴿بِالْحَقِّ﴾ أي مصاحبا له مقترنا به ملازما له، فهو حق لأنه نزل من عند رب العالمين، واشتمل على الحق، فكل ما فيه من قصص وأخبار وشرائع وأحكام وعقائد حق لا شك فيه، وهو يدعو إلى الحق والعدل، فهو الحق الملازم للحق، الناصر للحق.
ب. الثاني: أنه مصدق لما بين يديه؛ أي الشرائع الإلهية التي سبقته؛ ولذا قال سبحانه: ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ فهو في لبه ومعناه مبين لكل الشرائع مصدق لصدقها؛ وهذا يدل على أن الشرائع الإلهية واحدة في لبها ومعناها وأصولها؛ ولذا قال سبحانه: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى]. فالإسلام هو لب الأديان وغايتها؛ ولذا قال سبحانه: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران]
7. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ هذا تصريح ببعض ما تضمنته الجملة السامية السابقة؛ إذ قد تضمنت الجملة السابقة أن القرآن يصدق الثابت النازل من عند الله في الشرائع السابقة، وهى تتضمن أنها كانت هداية للناس؛ وهذه الجملة تصرح بأن التوراة أنزلت هي والإنجيل من عند الله هداية للذين أنزلت لهم، وفى هذه الجملة إشارة إلى معنى آخر، وهو أن لكل أمة كتابا وهداية خاصة، وإن كانت في معناها مشتقة من الهدى الإلهي العام، حتى إذا كانت دعوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم كانت هي الهدى العام الخالد إلى يوم القيامة.
8. ﴿التَّوْرَاةَ﴾ اسم للكتاب الذي اشتمل على شريعة موسى عليه السلام، ونزل عليه من رب العالمين، وليست هي التوراة التي يتلوها اليهود اليوم؛ لأن هذه التي تسمى بهذا الاسم الآن تشمل ما نزل في عهد موسى، وتشمل ما جاء بعد ذلك في عهد النبيين الذين بعثوا في بنى إسرائيل كداود وسليمان وغيرهما، وفوق ذلك فإن القرآن الكريم أشار في عدة مواضع إلى أن أهل الكتاب نسوا حظا مما ذكروا به، وحرفوا الكلم عن مواضعه، وغيروا وبدلوا، ثم كانت التخريبات التي حلت بأورشليم في عهد بختنصّر أولا، ثم في عهد الرومان ثانيا سببا في أنهم نسوا حظا مما ذكّروا به، فليست التوراة المذكورة في القرآن هي التوراة الشائعة الآن.
9. ﴿وَالْإِنْجِيلِ﴾ كلمة يونانية معناها البشارة، والإنجيل هو الكتاب الذي نزل على عيسى، وليس هو هذه الأناجيل التي يقرؤها المسيحيون اليوم، فإن هذه مؤلفات ألفت بعد السيد المسيح عيسى عليه السلام؛ نسبت إلى بعض الحواريين من أصحابه؛ ولقد كان للمسيح عليه السلام إنجيل غير هذه الأناجيل، وهو الذي ذكره القرآن الكريم على أنه هداية للناس، ولقد قرر الأحرار من النصارى ذلك؛ فقد قال أكهارن من مؤلفى تاريخ النصرانية: (إنه كان في ابتداء المسيحية رسالة مختصرة يجوز أن يقال إنها هي الإنجيل الأصلي والغالب أن هذا الإنجيل كان للمريدين الذين لم يسمعوا أقوال المسيح بآذانهم ولم يروا أحواله بأعينهم، وكان هذا الإنجيل بمنزلة القلب، وما كانت الأحوال المسيحية مكتوبة فيه على الترتيب)، وقد ذكرت ذلك الإنجيل الأناجيل المنسوبة لبعض الحواريين وهى المعروفة الآن؛ فقد جاء في إنجيل متى ما نصه: (وكان يسوع يطوف كل الجليل، يعلّم في مجامعهم، ويكرر ببشارة الملكوت، ويشفى كل مرض وكل ضعف في الشعب) وبشارة الملكوت هي ترجمة دقيقة لكلمة إنجيل، فإن كلمة إنجيل يونانية كما نوهنا، فقد كانت إذن بشارة أي إنجيل غير هذه الأناجيل، وهو المذكور في القرآن، وإن لم يعلم الآن.
10. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾: ﴿الْفُرْقَانَ﴾ هنا هو: القرآن، وكرر ذكره بعد أن ذكرت التوراة والإنجيل؛ للإشارة إلى الاتصال الكامل بين شرائع الله تعالى، وأنه تتميم لما سبقه، وأنه كمال هذه الشرائع كلها، وأن رسالة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم هي آخر لبنة في صرح الشرائع الإلهية، وبنزولها كمل دين الله، وكرر ذكره أيضا لوصفه بالفرقان، فهو أتى بمعنى جديد لا يغنى عنه ذكر الكتاب أولا، ووصف القرآن الكريم بالفرقان؛ لأنه فارق بين الحق والباطل، ومبين للصادق من الكتب السابقة، ولأنه فارق بين عهدين في الرسائل الإلهية؛ فقد كانت رسالات الرسل من قبل لأمم خاصة، ومن بعد كانت الرسالة المحمدية للناس كافة، فمن قبله كانت الرسالات لعلاج أحوال عارضة وقتية؛ أما رسالة القرآن فعلاج لأدواء الإنسانية، وتقرير الصالح لها مهما تختلف الأمصار، وتتباعد الأقطار، ولأنه ميزان الحقائق إلى يوم القيامة؛ ولذلك قال تعالى: ﴿اللَّهُ الَّذِي أَنْزَلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَالْمِيزَانَ﴾ [الشورى]
11. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآياتِ اللهِ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ واللهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقامٍ﴾ ذكر سبحانه عقاب الذين يكفرون بآيات الله، أي معجزاته الباهرة، وآياته المتلوة القاهرة، بعد أن ذكر كتب الديانات الثلاث: اليهودية، والنصرانية، والإسلام؛ للإشارة إلى أن الذين يكفرون بمحمد إنما يكفرون بشرائع الله المنزلة كلها؛ لأن شريعته كمالها، وبها تمامها وختامها؛ وللإشارة إلى أن اليهود والنصارى الذين لا يتبعون محمدا، إنما يكفرون بحقيقة النصرانية نفسها، واليهودية ذاتها إذ يكفرون بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم؛ فليست رسالة محمد إلا الخطوة الأخيرة في الشرائع الإلهية، وهى الكمال، وقد بشرت به الكتب السابقة كلها، فالكفر به كفر بها، والإسلام سيمر بالشرع الإلهي إلى أقصى غايته؛ ولو كان موسى حيا ما وسعه إلا الإيمان بما جاء به محمد كما أشار بذلك النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، ومن أجل هذا كان الذين يكفرون بمحمد لهم عذاب شديد، وخصوصا إذا كانوا من اليهود والنصارى؛ لأنهم حينئذ يكفرون بكل آيات الله تعالى.
12. ثم وصف سبحانه ذاته الكريمة بما يفيد أنه غالب، وأنه لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء، فقال: ﴿واللهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقامٍ﴾ أي أنه سبحانه بعزته غالب على كل شيء، مسيطر على كل شيء، ليس فوقه أحد، وهو القاهر فوق عباده، وهو ذو انتقام؛ أي أنه سبحانه له انتقام شديد لا يدرك كنهه؛ ولذلك نكّر الانتقام، والانتقام إنزال النقمة والشدة في مقابل ما يرتكبه الشخص؛ فإن كان من عادل حكيم كان عقوبة عادلة، وجزاء وفاقا؛ وكذلك يكون عقاب الله تعالى؛ فانتقام الله ليس تشفيا وشفاء غيظ كما هو الشأن من البشر، بل انتقام الله عقوبة عادلة، وقصاص رادع، وعبر بـ ﴿ذُو انْتِقَامٍ﴾ أي صاحب انتقام؛ للإشارة إلى أن هذا الانتقام في قدرته سبحانه وسلطانه ينزله أنى شاء، ومتى شاء بمقتضى حكمته وإرادته وقدرته، وعلمه الذي يحيط بكل شيء.
__________
(1) زهرة التفاسير: 2/1099.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾. المراد بالكتاب القرآن، وهو مصدق للكتب المنزلة على الأنبياء السابقين، وبديهة ان تصديق ما انزل على الأنبياء لا يستلزم تصديق الكتب التي ينسبها اليهم بعض الطوائف.. وها نحن المسلمين نؤمن بقول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، ومع ذلك لا نؤمن بكل ما في كتب الحديث المروية عنه، أما من يؤمن بالكتب المنزلة على الأنبياء السابقين فعليه أن يؤمن حتما بالقرآن، وإلا ناقض نفسه بنفسه، لأن القرآن مصدق لتلك الكتب، فتكذيبه تكذيب لها بالذات.
2. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾، ووصف التوراة والإنجيل بالهدى يستلزم انهما قد انزلا بالحق، كما ان وصف القرآن بأنه نزل بالحق يستلزم أن يكون هدى للناس.. إذن، فكل واحد من الكتب الثلاثة حق وهدى، والمراد بالهدى هنا بيان الله سبحانه للحلال والحرام على لسان أنبيائه، وهذا البيان يفيد العلم بأحكام الله، أما العمل بها فيحتاج إلى هدى من نوع آخر زائدا على البيان، ولا أجد لفظا أعبّر عنه سوى التوفيق، وهو المشار اليه بقوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾
3. يطلق القرآن لفظ التوراة على ما أنزله الله تعالى من الوحي على موسى عليه السلام، ويطلق لفظ الإنجيل على الوحي الذي أنزله على عيسى عليه السلام، ولكن القرآن قد بيّن وسجّل ان التوراة والإنجيل اللذين يعترف بهما هما غير التوراة والإنجيل الموجودين الآن عند اليهود والنصارى، قال تعالى في سورة النساء: ﴿مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ﴾، وقال في سورة المائدة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾، وقال: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ﴾، والمبشرون المسيحيون أعرف الناس بهذه الحقيقة، ومع ذلك يدلسون ويوهمون العوام بأن القرآن يعترف بالتوراة والإنجيل اللذين لعبت بهما يد التحريف.. ان القرآن بكامله هو كلام واحد، وجملة واحدة، لا يجوز الايمان ببعضه، والكفر ببعضه الآخر.
4. التوراة كلمة عبرانية، ومعناها الشريعة، وتطلق عند أهل الكتاب على خمسة أسفار: الأول سفر التكوين، وفيه الكلام عن بدء الخليقة، وأخبار الأنبياء، الثاني سفر الخروج، وفيه تاريخ بني إسرائيل وقصة موسى، الثالث سفر التثنية، وفيه أحكام الشريعة اليهودية، الرابع سفر اللاويين، واللاويون هم نسل لاوي أحد أبناء يعقوب، وفيه العبادات والمحرمات من الطيور والحيوانات، الخامس سفر العدد، وفيه احصاء لقبائل بني إسرائيل وجيوشهم، وهذه الأسفار الخمسة هي من مجموعة أسفار تبلغ تسعة وثلاثين سفرا، ويطلق النصارى عليها اسم العهد القديم.
5. الإنجيل كلمة يونانية الأصل، ومعناها البشارة، والأناجيل عند المسيحيين أربعة: الأول إنجيل متى، ويرجع تاريخ تأليفه إلى حوالي سنة 60 بعد الميلاد، وقد ألف باللهجة الآرامية. الثاني إنجيل مرقص، وألفه باللغة اليونانية حوالي سنة 63 أو 65، الثالث إنجيل لوقا، ألفه باللغة اليونانية بتاريخ إنجيل مرقص، الرابع إنجيل يوحنا، ألفه باللغة اليونانية حوالي سنة 90 بعد الميلاد.
6. استقر رأي المسيحيين في أوائل القرن الخامس الميلادي على اعتماد سبعة وعشرين سفرا من أسفارهم، وقالوا: انها موحى بها لأصحابها من الرب، ولكن بمعانيها لا بألفاظها، وأطلقوا عليها اسم العهد الجديد، للمقابلة بينها، وبين ما اعتمد من أسفار اليهود المقدسة التي أطلقوا عليها اسم العهد القديم، فالقديم يرجع إلى عهد موسى، والجديد إل عهد عيسى، ومعنى العهد الميثاق.
7. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾. الفرقان مصدر فرق، وهو ما يفرق بين الحق والباطل، وقد اختلفوا في المراد منه: هل هو العقل، أو الزبور، أو القرآن، أو كل دلالة فاصلة بين الحق والباطل، واختار الشيخ محمد عبده العقل، وصاحب مجمع البيان القرآن، ولفظ الآية يحتمل المعنيين.
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/7.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. غرض السورة دعوة المؤمنين إلى توحيد الكلمة في الدين، والصبر والثبات في حماية حماه بتنبيههم بما هم عليه من دقة الموقف لمواجهتهم أعداء كاليهود والنصارى والمشركين وقد جمعوا جمعهم وعزموا عزمهم على إطفاء نور الله تعالى بأيديهم وبأفواههم، ويشبه أن تكون هذه السورة نازلة دفعة واحدة فإن آياتها وهي مائتا آية ـ ظاهرة الاتساق والانتظام من أولها إلى آخرها، متناسبة آياتها، مرتبطة أغراضها، ولذلك كان مما يترجح في النظر أن تكون السورة إنما نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وقد استقر له الأمر بعض الاستقرار ولما يتم استقراره، فإن فيها ذكر غزوة أحد، وفيها ذكر المباهلة مع نصارى نجران وذكرا من أمر اليهود، وحثا على المشركين، ودعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة، وجميع ذلك يؤيد أن السورة نزلت أيام كان المسلمون مبتلين بالدفاع عن حمى الدين بعامة قواهم وجميع أركانهم، فمن جانب كانوا يقاومون الفشل والفتور اللذين يدبان في داخل جماعتهم بفتنة اليهود والنصارى، ويحاجونهم ويجاوبونهم، ومن جانب كانوا يقاتلون المشركين، ويعيشون في حال الحرب وانسلاب الأمن، فقد كان الإسلام في هذه الأيام قد انتشر صيته فثارت الدنيا عليه من اليهود والنصارى ومشركي العرب، ووراء ذلك الروم والعجم وغيرهم.
2. الله سبحانه يذكر المؤمنين في هذه السورة من حقائق دينه الذي هداهم به ما يطيب به نفوسهم، ويزول به رين الشبهات والوساوس الشيطانية وتسويلات أهل الكتاب عن قلوبهم، ويبين لهم: أن الله سبحانه لم يغفل عن تدبير ملكه، ولم يعجزه خلقه، وإنما اختار دينه وهدى جمعا من عباده إليه على طريقة العادة الجارية، والسنة الدائمة، وهي سنة العلل والأسباب، فالمؤمن والكافر جاريان على سنة الأسباب، فيوم للكافر ويوم للمؤمن، فالدار دار الامتحان، واليوم يوم العمل، والجزاء غدا.
3. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، قد مر الكلام فيه في تفسير آية الكرسي، وتحصل من هناك أن المراد به بيان قيامه تعالى أتم القيام على أمر الإيجاد والتدبير، فنظام الموجودات بأعيانها وآثارها تحت قيمومة الله لا مجرد قيمومة التأثير كالقيمومة في الأسباب الطبيعية الفاقدة للشعور بل قيمومة حياة تستلزم العلم والقدرة، فالعلم الإلهي نافذ فيها لا يخفى عليه شيء منها والقدرة مهيمنة عليها لا يقع منها إلا ما شاء وقوعه وأذن فيه، ولذلك عقبه بقوله بعد آيتين: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾
4. لما كانت هذه الآيات الست في أول السورة على طريق براعة الاستهلال مشتملة على إجمال ما تحتويه السورة من التفصيل ـ وقد مر ذكر غرض السورة ـ كانت هذه الآية بمنزلة تصدير الكلام بالبيان الكلي الذي يستنتج به الغرض، كما أن الآيتين الأخيرتين أعني قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ﴾ (إلخ) بمنزلة التعليل بعد البيان، وعلى هذا فالكلام التي يتم به أمر براعة الاستهلال هما الآيتان المتوسطتان أعني قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ﴾ وعلى هذا فيعود المعنى إلى أنه يجب على المؤمنين أن يتذكروا أن الله الذي آمنوا به واحد في ألوهيته قائم على الخلق والتدبير قيام حياة، لا يغلب في ملكه ولا يكون إلا ما شاء وأذن فيه فإنهم إذا تذكروا ذلك علموا أنه هو المنزل للكتاب الهادي إلى الحق، والفرقان المميز بين الحق والباطل، وأنه إنما جرى في ذلك على ما أجري عليه عالم الأسباب، وظرف الاختيار، فمن آمن فله أجره، ومن كفر فإن الله سيجزيه لأنه عزيز ذو انتقام، وذلك أنه الله الذي لا إله غيره حتى يحكم في هذه الجهات، ولا يخفى عليه أمرهم، ولا يخرج عن إرادته ومشيئته فعالهم وكفرهم.
5. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ مر أن التنزيل يدل على التدريج كما أن الإنزال يدل على الدفعة، وربما ينقض ذلك بقول: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾، وبقوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً﴾، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً﴾، ولذلك ذكر بعض المفسرين: أن الأولى أن يقال: إن معنى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: أنزله إنزالا بعد إنزال دفعا للنقض، والجواب: أن المراد بالتدريج في النزول ليس هو تخلل زمان معتد به بين نزول كل جزء من أجزاء الشيء وبين جزئه الآخر بل الأشياء المركبة التي توجد بوجود أجزائها لوجودها نسبة إلى مجموع الأجزاء وبذلك يصير الشيء أمرا واحدا غير منقسم، والتعبير عنه من هذه الجهة بالنزول كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ وهو الغيث، ونسبته من حيث وجوده بوجود أجزائه واحدا بعد واحد سواء تخلل بينهما زمان معتد به أو لم يتخلل وهو التدريج، والتعبير عنه بالتنزيل كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾، ومن هنا يظهر: أن الآيات المذكورة للنقض غير ناقضة ـ فإن المراد بقوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ الآية: أن ينزل عليه القرآن آية بعد آية في زمان متصل واحد من غير تخلل زمان معتد به كما كان عليه الأمر في نزول القرآن في الشئون والحوادث والأوقات المختلفة، وبذلك يظهر الجواب عن بقية الآيات المذكورة، وأما ما ذكره البعض المزبور فهو على أنه استحسان غير جائز في اللغة البتة، لا يدفع شيئا من النقض بالآيات المذكورة، بل هي بحالها وهو ظاهر.
6. جرى كلامه تعالى أن يعبر عن إفاضة الكتاب على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بالتنزيل والنزول، والنزول يستلزم مقاما أو مكانا عاليا رفيعا يخرج منه الشيء نوعا من الخروج ويقصد مقاما أو مكانا آخر أسفل فيستقر فيه، وقد وصف نفسه تعالت ذاته بالعلو ورفعة الدرجات وقد وصف كتابه أنه من عنده، قال تعالى: ﴿إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ﴾، فصح بذلك استعمال لفظ النزول في مورد استقرار الوحي في قلب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وقد ذكروا أن الحق هو الخبر من حيث إن بحذائه خارجا ثابتا كما أن الصدق هو الخبر من حيث إنه مطابق للخارج، وعلى هذا فإطلاق الحق على الأعيان الخارجية والأمور الواقعية كما يطلق على الله سبحانه: أنه حق، وعلى الحقائق الخارجية أنها حقة إنما هو من جهة أن كلا منها حق من جهة الخبر عنها، وكيف كان فالمراد بالحق في الآية: الأمر الثابت الذي لا يقبل البطلان.
7. الظاهر أن الباء في قوله: ﴿بِالْحَقِّ﴾ للمصاحبة والمعنى: نزل عليك الكتاب تنزيلا يصاحب الحق ولا يفارقه، فيوجب مصاحبة الحق أن لا يطرأ عليه ولا يخالطه باطل فهو في أمن من جهة ظهور الباطل عليه، ففي قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ استعارة بالكناية، وقد قيل في معنى الباء وجوه أخر لا يخلو عن سقم.
8. التصديق من الصدق يقال صدقت مقالا كذا أي قررته على الصدق واعترفت بكونه صدقا وصدقت فلانا أي اعترفت بصدقه فيما يخبر به.
9. المراد مما بين يديه التوراة والإنجيل كما قال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى﴾ إلى أن قال: ﴿وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدًى﴾ إلى أن قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ الآية، والكلام لا يخلو عن دلالة على أن ما بأيدي اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل لا يخلو عن بعض ما أنزله الله على موسى وعيسى عليه السلام، وإن كانا لا يخلوان عن السقط والتحريف، فإن الدائر بينهم في عصر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم هو التوراة الموجودة اليوم والأناجيل الأربعة المشهورة، فالقرآن يصدق التوراة والإنجيل الموجودين، لكن في الجملة لا بالجملة لمكان الآيات الناطقة بالتحريف والسقط فيهما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ إلى أن قال ﴿وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ إلى أن قال ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ﴾ الآية.
10. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾، التوراة كلمة عبرانية بمعنى الشريعة، والإنجيل لفظ يوناني، وقيل فارسي الأصل معناه البشارة، وسيجيء استيفاء البحث عن الكتابين في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ﴾ الآيات.
11. مما أصر عليه القرآن تسمية كتاب عيسى عليه السلام بالإنجيل بصيغة الإفراد والقول بأنه نازل من عند الله سبحانه مع أن الأناجيل كثيرة، والمعروفة منها أعني الأناجيل الأربعة كانت موجودة قبل نزول القرآن وفي عهده، وهي التي ينسب تأليفها إلى لوقا ومرقس ومتى ويوحنا، ولا يخلو ما ذكرناه من إفراد الاسم والتوصيف بالنزول عن دلالة على التحريف والإسقاط، وكيف كان لا يخلو ذكر التوراة والإنجيل في هذه الآية وفي أول السورة من التعريض لليهود والنصارى على ما سيذكره من أمرهم وقصص تولد عيسى ونبوته ورفعه.
12. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾، الفرقان ما يفرق به بين الحق والباطل على ما في الصحاح، واللفظ بمادته يدل على الأعم من ذلك، وهو كل ما يفرق به بين شيء وشيء، قال تعالى: ﴿يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ﴾، وقال تعالى: ﴿يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا﴾، وإذا كان الفرق المطلوب عند الله فيما يرجع إلى معنى الهداية هو الفرق بين الحق والباطل في العقائد والمعارف وبين وظيفة العبد وما ليس بوظيفة له بالنسبة إلى الأعمال الصادرة عنه في الحياة الدنيا انطبق معناه على مطلق المعارف الأصلية والفرعية التي أنزلها الله تعالى على أنبيائه بالوحي، أعم من الكتاب وغيره، قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى وَهَارُونَ الْفُرْقَانَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ﴾، وقال تعالى ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾، وقد عبر تعالى عن هذا المعنى بالميزان في قوله: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾، وهو في وزان قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. فالميزان كالفرقان هو الدين الذي يحكم بين الناس بالعدل مع ما ينضم إليه من المعارف ووظائف العبودية.
13. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾، قيل: المراد بالفرقان القرآن، وقيل: الدلالة الفاصلة بين الحق والباطل، وقيل: الحجة القاطعة لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم على من حاجه في أمر عيسى، وقيل النصر، وقيل: العقل، والوجه ما قدمناه.
14. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿ذُوانْتِقامٍ﴾، الانتقام على ما قيل مجازاة المسيء على إساءته، وليس من لازم المعنى أن يكون للتشفي، فإن ذلك من لوازم الانتقامات التي بيننا حيث إن إساءة المسيء يوجب منقصة وضررا في جانبنا فنتدارك ذلك بالمجازاة الشديدة التي توجب تشفي قلوبنا، وأما هو تعالى فأعز ساحة من أن ينتفع أو يتضرر بشيء من أعمال عباده لكنه وعد ـ وله الوعد الحق ـ أن سيقضي بين عباده بالحق إن خيرا فخيرا وإن شرا فشرا، قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَقْضِي بِالْحَقِّ﴾، وقال تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أساؤوا بِما عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى﴾، كيف وهو عزيز على الإطلاق منيع الجانب من أن ينتهك محارمه، وقد قيل إن الأصل في معنى العزة الامتناع.
15. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾، من حيث إطلاق العذاب وعدم تقييده بالآخرة أو يوم القيامة ربما تضمن الوعيد بالعذاب في الدنيا كما في الآخرة، وهذا من الحقائق القرآنية التي ربما قصر الباحثون في استيفاء البحث عنه وليس ذلك إلا لكوننا لا نعد شيئا عذابا إلا إذا اشتمل على شيء من الآلام الجسمانية، أو نقص أو فساد في النعم المادية كذهاب الأموال وموت الأعزة ونقاهة الأبدان، مع أن الذي يعطيه القرآن بتعليمه أمر وراء ذلك.
16. القرآن يعد معيشة الناسي لربه ضنكا وإن اتسعت في أعيننا كل الاتساع، قال تعالى: ﴿وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا﴾، ويعد الأموال والأولاد عذابا وإن كنا نعدها نعمة هنيئة قال تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾، وحقيقة الأمر كما مر إجمال بيانه في تفسير قوله تعالى: ﴿وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ﴾:
أ. أن سرور الإنسان وغمه وفرحه وحزنه ورغبته ورهبته وتعذبه وتنعمه كل ذلك يدور مدار ما يراه سعادة أو شقاوة، هذا أولا.
ب. وأن النعمة والعذاب وما يقاربهما من الأمور تختلف باختلاف ما تنسب إليه فللروح سعادة وشقاوة وللجسم سعادة وشقاوة وكذا للحيوان منهما شيء وللإنسان منهما شيء وهكذا، وهذا ثانيا.
ج. والإنسان المادي الدنيوي الذي لم يتخلق بأخلاق الله تعالى، ولم يتأدب بأدبه يرى السعادة المادية هي السعادة ولا يعبأ بسعادة الروح وهي السعادة المعنوية، فيتولع في اقتناء المال والبنين والجاه وبسط السلطة والقدرة، وهو وإن كان يريد من قبل نفس هذا الذي ناله لكنه ما كان يريد إلا الخالص من التنعم واللذة على ما صورته له خياله وإذا ناله رأى الواحد من اللذة محفوفا بالألوف من الألم، فما دام لم ينل ما يريده كان أمنية وحسرة وإذا ناله وجده غير ما كان يريده لما يرى فيه من النواقص ويجد معه من الآلام وخذلان الأسباب التي ركن إليها ولم يتعلق قلبه بأمر فوقها فيه طمأنينة القلب والسلوة عن كل فائتة فكان أيضا حسرة فلا يزال فيما وجده متألما به معرضا عنه طالبا لما هو خير منه لعله يشفي غليل صدره وفيما لم يجده متقلبا بين الآلام والحسرات، فهذا حاله فيما وجده، وذاك حاله فيما فقده.. أما القرآن فإنه يرى أن الإنسان أمر مؤلف من روح خالد وبدن مادي متحول متغير، وهو على هذا الحال حتى يرجع إلى ربه فيتم له الخلود من غير زوال، فما كان فيه سعادة الروح محضا كالعلم ونحو ذلك فهو من سعادته، وما كان فيه سعادة جسمه وروحه معا كالمال والبنين إذا لم تكن شاغلة عن ذكر الله، وموجبة للإخلاد إلى الأرض فهو أيضا من سعادته ونعمت السعادة، وكذا ما كان فيه شقاء الجسم ونقص لما يتعلق بالبدن وسعادة الروح الخالد كالقتل في سبيل الله وذهاب المال واليسار لله تعالى فهو أيضا من سعادته بمنزلة التحمل لمر الدواء ساعة لحيازة الصحة دهرا، وأما ما فيه سعادة الجسم وشقاء الروح فهو شقاء للإنسان وعذاب له.
17. القرآن يسمى سعادة الجسم فقط متاعا قليلا لا ينبغي أن يعبأ به قال تعالى: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، وكذا ما فيه شقاء الجسم والروح معا يعده القرآن عذابا كما يعدونه عذابا لكن وجه النظر مختلف، فإنه عذاب عنده لما فيه من شقاء الروح وعذاب عندهم لما فيه من شقاء الجسم، وذلك كأنواع العذاب النازلة على الأمم السالفة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعَادٍ إِرَمَ ذَاتِ الْعِمَادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُهَا فِي الْبِلَادِ وَثَمُودَ الَّذِينَ جَابُوا الصَّخْرَ بِالْوَادِ وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾
18. السعادة والشقاوة لذوي الشعور يتقومان بالشعور والإدراك فإنا لا نعد الأمر اللذيذ الذي نلناه ولم نحس به سعادة لأنفسنا كما لا نعد الأمر المؤلم غير المشعور به شقاء، ومن هنا يظهر أن هذا التعليم القرآني الذي يسلك في السعادة والشقاوة غير مسلك المادة، والإنسان المولع بالمادة لا بد من أن يستتبع نوع تربية يرى بها الإنسان السعادة الحقيقية التي يشخصها القرآن سعادة والشقاوة الحقيقية شقاوة، وهو كذلك، فإنه يلقن على أهله: أن لا يتعلق قلوبهم بغير الله، ويروا أن ربهم هو المالك الذي يملك كل شيء فلا يستقل شيء إلا به، ولا يقصد شيء إلا له، وهذا الإنسان لا يرى لنفسه في الدنيا إلا السعادة بين ما كان فيه سعادة روحه وجسمه، وما كان فيه سعادة روحه محضا، وأما ما دون ذلك فإنه يراه عذابا ونكالا، وأما الإنسان المتعلق بهوى النفس ومادة الدنيا فإنه وإن كان ربما يرى ما اقتناه من زينة الدنيا سعادة لنفسه وخيرا ولذة فإنه سوف يطلع على خبطه في مشيه، وانقلبت سعادته المظنونة بعينها شقاوة عليه قال تعالى: ﴿فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا وَيَلْعَبُوا حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، وقال تعالى: ﴿فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾، على أنهم لا يصفو لهم عيش إلا وهو منغص بما يربو عليه من الغم والهم.
19. من هنا يظهر: أن الإدراك والفكر الموجود في أهل الله وخاصة القرآن غيرهما في غيرهم مع كونهم جميعا من نوع واحد هو الإنسان، وبين الفريقين وسائط من أهل الإيمان ممن لم يستكمل التعليم والتربية الإلهيين.
20. هذا ما يتحصل من كلامه تعالى في معنى العذاب وكلامه تعالى مع ذلك لا يستنكف عن تسمية الشقاء الجسماني عذابا لكن نهايته أنه عذاب في مرحلة الجسم دون الروح، قال تعالى حكاية عن أيوب عليه السلام: ﴿أَنِّي مَسَّنِيَ الشَّيْطَانُ بِنُصْبٍ وَعَذَابٍ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَنْجَيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُقَتِّلُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ﴾، فسمى ما يصنعون بهم بلاء وامتحانا من الله وعذابا في نفسه لا منه سبحانه.
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/6.
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الم﴾ سبق الكلام في الحروف التي تكون في أوائل السور، كما سبق تفسير (البسملة)
2. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ هذا المطلع الكريم يناسب ما يأتي في هذه السورة من الرد على النصارى في شأن عيسى عليه السلام والدعوة إلى الإسلام الذي هو إخلاص العبادة لله، والإله هو المعبود بحق فلا معبود بحق إلا الله، وكل ما سواه عبد مربوب.
3. ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ الحي الذي لا يموت وما يعبد المشركون أموات غير أحياء، أو جائز عليهم الموت، وقد قال الله تعالى في عيسى: ﴿إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ﴾ وهذه الوفاة إحدى الموتتين، والله هو ﴿الْقَيُّومِ﴾ بشؤون السماوات والأرض ومن فيهما بتدبير أمور المعاش وغيرها، وشئون الآخرة.
4. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابِ﴾ القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ فكله حق لأنه كلام أصدق القائلين وأحكم الحاكمين ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ لما قبله من كتب الله يحكم بصدقها وما فيه موافق لما فيها من الإخبار عن الله وعن توحيده وعن اليوم الآخر وغير ذلك.
5. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ﴾ فهما من كتب الله، فالقرآن مصدق بهما ومصدق لما فيهما فلا عذر لأهلهما من تصديق القرآن الذي ثبت بالبرهان القاطع أنه من الله كما مر في أوائل (سورة البقرة) ﴿مِنْ قَبْلِ﴾ أي أنزلهما من قبل في زمان سابق ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ ليس فيهما شيء من أباطيل أهل الكتابين من الشرك والأماني وغيرها وإنما هما هدى بما يدلان عليه من التوحيد والإنذار لأعداء الله والتبشير لأولياء الله وغير ذلك.
6. ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ الفرقان بين الحق والباطل، فتمّت حجته على من أشرك ومن عصى ومن كفر بآيات الله؛ لأنه لم يبق لهم عذر بعد الفرقان الذي أنزله الله بين الحق والباطل: ﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾ [الأنفال:42] و﴿الْفُرْقَانَ﴾ إما عبارة عن كل ما جعل الله لعباده من الفرقان بين الحق والباطل من القرآن والكتب السابقة وغير ذلك من المعجزات وهو الأقرب هنا لتقدم ذكر القرآن، وإما عبارة عن القرآن كقوله تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان:1] وعطفه على ما مر؛ لأجل وصفه بأنه (فرقان) أي يفرق بين الحق والباطل، كما قال الشاعر:
çهو الملك القرم وابن الهمام.. وليث الكتيبة في المزدحمé
7. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَاللهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقَامٍ﴾ لما كانت الآيات سبيل العبادة التي خلق لها الإنس والجن، وسبيل سعادة البشرية في الدنيا والآخرة، وإخراجهم من الظلمات إلى النور، كان التكذيب بها من أكبر الجرائم؛ لأنه معارضة لحكمة الله ورحمته لخلقه، ومعاونة للشيطان، ودفع للمصالح، ومحافظة على الفساد والجهل، فاستحقوا العذاب الشديد، وجاء فيهم هذا الوعيد لأن الله ﴿عَزِيزٌ﴾ ومن عزته: أن لا يهمل أعداءه يفسدون ويحاربون دينه ويصدون عن سبيله ويضلون عباده، دون أن يجزيهم بما يستحقون من العذاب الأليم، فلا بد من تعذيبهم لأن الله ﴿عَزِيزٌ﴾ ولا بد من تعذيبهم لأن الله ﴿ذُوانْتِقَامٍ﴾ أي ذو مكافأة للمجرمين بالعقوبات على جرائمهم، فليس لأحد أن يغتر بحلمه وإمهاله ورحمته، فإن كل جزائه في الآخرة وفق حكمته، وكما هو رحيم فهو ﴿عَزِيزٌ ذُوانْتِقَامٍ﴾ ولو كانت الحكمة في الآخرة أن لا يعامل إلا بالرحمة ما عذب أحداً؛ لأنه غني عن تعذيبهم، ولكن اقتضته عزته وحكمته فلا بد لهم منه ونعوذ بالله.
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/419.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ذكر بعض الآثار المتعلقة بسبب النزول، والتي سبق ذكرها، وعلق عليها بقوله: يرى صاحب تفسير الميزان أن ما تضمنته الروايتان من نزول أول السورة، (كأنه اجتهاد منهم)، لأنه استظهر (أن تكون هذه السورة نازلة دفعة واحدة، فإن آياتها ـ وهي مائتا آية ـ ظاهرة الاتساق والانتظام من أولها إلى آخرها، متناسبة آياتها، مرتبطة أغراضها، ولذلك كان مما يترجح في النظر أن تكون السورة إنما نزلت على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وقد استقر له الأمر بعض الاستقرار ولما يتم استقراره، فإن فيها ذكر غزوة أحد، وفيها ذكر المباهلة مع نصارى نجران، وذكرا من أمر اليهود، وحثّا على المشركين، ودعوة إلى الصبر والمصابرة والمرابطة، وجميع ذلك يؤيد أن السورة نزلت أيام كان المسلمون مبتلين بالدفاع عن حمى الدين بعامّة قواهم وجميع أركانهم، فمن جانب كانوا يقاومون الفشل والفتور اللذين يدبّان في داخل جماعتهم بفتنة اليهود والنصارى ويحاجونهم ويحاربونهم، ومن جانب كانوا يقاتلون المشركين ويعيشون في حال الحرب وانسلاب الأمن، فقد كان الإسلام في هذه الأيام قد انتشر صيته، فثارت الدنيا عليه من اليهود والنصارى ومشركي العرب، ووراء ذلك الروم والعجم وغيرهم)
2. نلاحظ على ما ذكره المفسر الجليل، أن دراسة أغراض السورة وموضوعاتها المتنوعة، توحي بأن هناك أكثر من قضية كانت تواجه المسلمين في تلك المرحلة مما يؤدي إلى أن تتعدد حالات النزول لمعالجة كل قضية في وقتها، لأن الطريقة التي درج عليها الوحي كانت جارية على تربية المسلمين بالوحي، من خلال المشاكل الحيّة على صعيد الواقع، والتحديات الصارخة في ساحة الصراع مع الآخرين، لتنزل الآيات في ظروف المشكلة لتعالج قضاياها، ولتنطلق في مواقع التحدي لتردّ الهجمات الموجهة للإسلام والمسلمين، الأمر الذي لا يتناسب مع نزولها دفعة واحدة، ولا نجد في الاتساق والانتظام دليلا على الدفعية في النزول، لإمكان تحقق ذلك حتى مع التدرّج فيها، بحيث تتكامل الآيات في تنظيم السورة بعد ذلك، والله العالم.
3. ونلاحظ في الروايتين اختلافهما في تصوير موقف النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من بعض الأسئلة الموجهة إليه كالسؤال عن أب عيسى، ففي الرواية الأولى أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم صمت، وفي الرواية الثانية أنه تابع الحديث معهم من حيث إرادته نفي الولدية لله عنه، فلم يصمت أمامهم، بل تابع الحجة على نفي عقيدتهم لأن ذلك هو المقصود، أما إثبات حقيقة عيسى، فإن ذلك يأتي بعد إبطال ما ذكروه، وهي أنه ولد ـ بقدرة الله ـ من أم دون أب، وإذا صحت الروايتان، فإنهما تدلان على أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كان يدخل في الحوار الفكري مع الآخرين ليقيم الحجة عليهم بذلك، وهذا ما يجب على الدعاة إلى الله أن يتحركوا فيه دائما في ساحات الصراع الفكري مع الآخرين، فلا يبتعدوا عن خط المواجهة الفكرية بالحوار الموضوعي القوي ولا ينعزلوا عن ساحات التحدي، لأن الله يريد للعلماء أن يدخلوا المعركة من أوسع أبوابها ليلاحقوا كل التيارات المضادة للإسلام بالحجة البالغة لأن ذلك هو سبيل القوة للحق.
4. في بداية هذه السورة، يعيش الإنسان الشعور العميق بالحضور المهيمن لله على كل شيء، فهو الحيّ القائم على الحياة في كل حركاتها وسكناتها وحاضرها ومستقبلها، لا يغيب عنه شيء منها، لأنه مفتقر إليه في وجوده حدوثا وبقاء، ولا يهرب منه شيء، لأنه يحيط به من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله، وهو الله الذي تمثّلت رحمته وربوبيته التي يربي بها عبده، في إنزال الكتاب الحق على عبده ورسوله محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، من أجل أن يظل الحق هو خط الحياة في فكرها وأسلوبها وخطواتها العمليّة، وأن ينطلق الإنسان من خلاله ليصوغ نفسه على صورته.
5. ولم تكن هذه الرسالة التي أنزلها الله على عبده منفصلة عن حركة الرسالات وتواريخها، فلم تأت لتبطل صدقها ورساليّتها، بل جاءت لتصدّقها، لأنها الحقّ الذي أوحى به الله إلى رسله السابقين، ولتكمّلها في ما اقتضت سنة الله في الحياة تغييره وتبديله إلى شريعة أخرى تتناسب ومصلحة الإنسان المتجددة المتطوّرة آنذاك، ولم يترك الله القضية في طور الإبهام، فأوضحها بإعطاء هذه الكتب اسمها الذي نزلت به، فقد أنزل الله التوراة على موسى والإنجيل على عيسى، من قبل محمد، ليكونا هدى للناس في ما يشتملان عليه من مفاهيم وتشريعات، ولا يمنع الحكم بصدقها، أن تكون هناك بعض التحريفات التي طرأت عليهما في بعض الحقائق الدينية كالبشارة بنبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم في ما حدثنا القرآن عنه، وأنزل الفرقان، وهو القرآن الذي يفرق بين الحق والباطل، وهكذا كانت حركة الهدى في الكتب السماوية متلاحقة الخطى في كل جيل ومع كل رسول، ليظل النور مشرقا في قلب الإنسان في كل زمان ومكان.
6. وإذا كان الله قد أنزل هذه الكتب بالحق والصدق والهدى، فلا بد للناس من الإيمان بما فيها والسير على هداها، لأنها الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، فكيف يمكن أن يجحدها الجاحدون، ويكفر بها الكافرون.. إنه العناد والتمرد من دون أساس، مما يجعل الكافرين مستحقين للعذاب الشديد على ما كفروا وجحدوا..
7. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ لا ينال أحد من عزته بمعصية أو بغيرها، ﴿ذُوانْتِقامٍ﴾، لا بمعنى الحالة النفسية التي يعيشها البشر أمام عصيان الآخرين، بل بمعنى العذاب الذي يكون مظهرا للانتقام، فإنه سبحانه أعلى من أن يضعف أمام حالات الضعف، تعالى وتقدس عن كل صفات المخلوقين.. فلا بد للعباد من أن يراقبوه ويخضعوا له، فهو الذي يعلم سرّهم وعلانيتهم ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهو الذي يصوركم في الأرحام فيخلق لكم السمع والأبصار والأفئدة وأنتم في بطون أمهاتكم، ويجعل لكل واحد منكم لونه وخصائص شخصيته، فكيف تنكرونه وتعصونه وتشركون به ما ليس لكم به علم، وهو العزيز الحكيم الذي قدّر كل شيء على أساس الحكمة التي تضع كل شيء في موضعه، وتقوده إلى هداه.
8. في هذه البداية التي تختصر للإنسان رحلة الرسالات في الكتب التي أنزلها الله على عباده، وتثير في ذاته التصور الشامل لقدرة الله وعظمته ونعمته، وتقوده إلى مواجهة المسؤولية تحت طائلة العذاب الشديد.. في هذه البداية، نجد الجوّ النفسي الذي تتنوّع فيه المشاعر لتوجّه الإنسان إلى السورة التي تشتمل على حكايات الرسل وتفاصيل ما أنزل إليهم، وحركة الإنسان في طريق الهدى والضلال، وحركة العقيدة وما واجهها من صراع ضد المتمردين والكافرين والضالين.
9. ﴿أَلَم﴾ من الحروف المقطعة التي ورد الحديث عنها في أوائل سورة البقرة. ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الواحد الأحد المتفرد بالألوهية والربوبية المهيمن على كل شيء لأنه الخالق لكل شيء، فلا إله غيره ولا ربّ سواه، ﴿الْحَيُّ﴾ في العمق العميق للحياة التي هي سرّ ذاته، فلم تحصل له من أية قوة أخرى ولا تتبدل إلى موت، بخلاف حياة الأحياء كلها المستمدة من إرادته، فتتحرك من خلال مشيئته وتموت إذا أراد لها الموت ﴿الْقَيُّومِ﴾ القائم على كل شيء بالحفظ والتدبير والرعاية، فله الأمر كله في الوجود كله في كل شيء من شؤونه، فهو القيّم على النظام الكوني في جميع مفرداته من حيث إنه الذي خلقه ودبّره ونظمه وأعطاه سرّ التجدد والبقاء من خلال علمه الذي يفيض على الأشياء بكل أسرارها ومن خلال قدرته التي تمنح الوجود كل إرادتها في معنى الحكمة والتدبير.
10. ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ وهو القرآن ﴿بِالْحَقِّ﴾ لأنه وحيك الذي يمثل الحقيقة بأصفى معانيها، وأعمق أسرارها، وصدق مضمونها، وامتداد إيحاءاتها، ولأن الله هو الحق وما يدعون من دونه هو الباطل، فلا يصدر عنه إلا الحق الذي يهدي إليه من يشاء من عباده لينفتحوا عليه وليهتدوا إليه وليتحركوا إلى الحياة في مسئولياتهم من خلاله، لتقوم حركة الإنسان في علاقاته ومعاملاته وكل أوضاعه وشؤونه على أساس الحق، كما قامت السماوات والأرض، لأن الله خلقها به.
11. قيل في توجيه التعبير بكلمة نزّل، بدلا من أنزل، لأن التنزيل يدلّ على التدريج، فأريد التنبيه على طريقة القرآن في النزول، وذكر صاحب الميزان ـ الذي أورد هذه الملاحظة من النكتة التعبيرية، أنه (ربما ينقض ذلك بقوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ [الفرقان: 32]، وبقوله تعالى: ﴿أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً﴾ [المائدة: 112]، وقوله تعالى: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ﴾ [الأنعام: 37] وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِنَّ اللَّهَ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يُنَزِّلَ﴾ [الأنعام: 37]، ولذلك ذكر بعض المفسرين أن الأولى أن يقال: إن معنى ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾: أنزله إنزالا بعد إنزال، دفعا للنقض، والجواب: أن المراد بالتدريج في النزول ليس هو تخلّل زمان معتدّ به بين نزول كل جزء من أجزاء الشيء وبين جزئه الآخر، بل الأشياء المركبة التي توجد بوجود أجزائها لوجودها نسبة إلى مجموع الأجزاء، وبذلك يصير الشيء أمرا واحدا غير منقسم، والتعبير عنه من هذه الجهة بالنزول كقوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً﴾ [الرعد: 17]، وهو الغيث، ونسبته من حيث وجوده بوجود أجزائه واحدا بعد واحد، سواء تخلل بينهما زمان معتدّ به أو لم يتخلل وهو التدريج والتعبير عنه بالتنزيل كقوله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ﴾ [الشورى: 28]، ومن هنا يظهر أن الآيات المذكورة للنقض غير ناقضة، فإن المراد بقوله: ﴿لَوْلَا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً﴾ الآية، أن ينزّل عليه القرآن آية بعد آية في زمان متصل واحد من غير تخلل زمان معتدّ به، كما كان عليه الأمر في نزول القرآن في الشؤون والحوادث والأوقات المختلفة، وبذلك يظهر الجواب عن بقية الآيات المذكورة)، وخلاصة الجواب، أن الشيء المركّب من أجزاء متعددة، قد يلاحظ من حيث وحدته، باعتبار تكامل الأجزاء في تكوين الوحدة، فيعبّر بالإنزال، فإن الدفعية تلاحظ من حيث مجموع الشيء في مقابل مجموع شيء آخر، وقد تلاحظ من حيث تتابع الأجزاء، فيكون هناك تدرّج من حيث لحوق بعضها بالبعض الآخر، حتى لو لم يكن هناك زمان متخلل بينهما، وبهذا صح التعبير بالتنزيل في كلامهم في الاعتراض على عدم تنزيل القرآن جملة واحدة، لأن الملحوظ فيها جانب الوحدة في القرآن، لا جانب التعدد في الأجزاء.
12. نلاحظ على ذلك، أن القضية ـ في هذا الجواب ـ تعني اختلاف التعبير من جهة اختلاف اللحاظ، مع وحدة المضمون، فلا يكون هناك فرق حقيقي في النتيجة بين الإنزال والتنزيل، لأن ذلك قد يلاحظ في كل مركّب حتى في التوراة والإنجيل، وربما كان اختلاف التعبير ناشئا من باب تنويع اللفظ الذي يتفق معناه ويختلف مبناه من ناحية تجديد الأسلوب.
13. ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ﴾ من التوراة والإنجيل بقرينة قوله تعالى: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ﴾ [المائدة: 48]، في إشارة بكلمة (الكتاب) إلى التوراة والإنجيل اللذين سبقت الإشارة إليهما في أوّل الآية، فقد جاء القرآن مقرّرا للمفاهيم العقيدية والأخلاقية والشرعية التي جاء بها الكتابان المنزلان من الله، للتدليل على أن الرسالات ترتكز على قاعدة واحدة من العناوين الكبيرة المتصلة بالحركة العامة للإنسان والحياة، ليكون الاختلاف بينها في الخصوصيات الطارئة التي قد تتدخل في نسخ حكم أو تغيير مفهوم أو نحو ذلك مما له علاقة بامتداد الزمن في متغيراته، فلا مجال للحديث عن نفي أصالة القرآن من حيث اشتماله على بعض ما في التوراة والإنجيل، ليستدل بذلك ـ كما يتحدث البعض ـ على أنّ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قد أخذ هذه الآية من هذا الكتاب وتلك الآية من ذلك الكتاب، وقد لاحظنا أن القرآن قد صرّح عن وجود بعض الأحكام في التوراة، كما في القصاص، وهذا ما يجعل من الإسلام رسالة جامعة للرسالات مع بعض الاختلاف في الحاجات الطارئة التي تفرض إحداث اجتهاد جديد أو تبديل مفهوم قديم.
14. ربما نستفيد من الحديث عن القرآن بأنه مصدّق الذي بين يديه، أن هذا الحديث موجه إلى اليهود والنصارى الذين يحتفظون بالتوراة والإنجيل ليقارنوا بين القرآن وبين الكتابين، ليجدوا صدق هذه الدعوة، فإذا عرفنا أن الكتاب الذي بأيدينا من التوراة والإنجيل هو الكتاب الذي كان بأيديهم في زمن الدعوة، فإننا نخرج من ذلك بنتيجة واضحة، وهي أن الإنجيل أو التوراة لم يحرّفا بالدرجة التي لا يبقى فيها مفهوم صحيح من مفاهيم الرسالة أو آية سالمة من التحريف من آياتهما، بل إنهما يتضمنان الكثير من النصوص الصحيحة والمفاهيم الحقّة التي تصلح أن تكون أساسا للمقارنة بينها وبين القرآن لمعرفة صدقه من خلال اشتماله على ما في التوراة والإنجيل، ليكون التحريف مختصا ببعض الجزئيات كالبشارة بالنبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم ونحو ذلك، ولولا ذلك، لما كان هناك مجال للاحتجاج بهما على صدق القرآن لاختلاف مفاهيمهما ـ بلحاظ التحريف ـ عن مفاهيم القرآن.
15. ﴿وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ﴾ إنزال القرآن ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾ الذين يريد الله لهم أن ينطلقوا في حياتهم في نور من الفكر الحق مما لا يملكون الوصول إليه بعقولهم لأنها تفقد الوسيلة إليه أو لأنها لا تستقيم ـ دائما ـ في إدراكه بالدقة والعمق، فكانت الرسالات وسائل الهدى التي تعرّفهم حقائق الغيب وأسرار العقيدة ودقائق التشريع، لتكون حياتهم صورة لما أراد الله لهم أن ينهجوه ويفهموه ويعتقدوه كما أراد لهم أن يعملوه، فلا يضيعوا في متاهات الضلال التي يتخبطون فيها في دروب الضياع ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ الذي يمثل القاعدة الفكرية التي تبين الفواصل بين الحق والباطل والخير والشرّ من خلال الخطوط العامة والخطوط التفصيلية، وذلك هو شأن الكتب الإلهية المنزلة على الرسل التي أنزلها الله ليعرف الناس الحق من الباطل وليأخذوا بهذا عن بيّنة ويبتعدوا عن ذاك عن بيّنة، من دون لبس واشتباه، وهذا هو الخط العملي للمؤمنين بالله، المنفتحين على رسالاته، العاملين في سبيله، السائرين على خطه، المجاهدين من أجل الحصول على رضوانه والفوز بجنته.
16. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالة على توحيده وعلى الحجج القائمة على صدق رسله واستقامة شرائعه وعلى اليوم الآخر ﴿لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾ في الدنيا والآخرة، فقد يعذبهم الله بأموالهم وأولادهم وأوضاعهم العامة والخاصة وعلاقاتهم بالناس والحياة، فيعيشون الحياة حزنا وألما وتعبا وكآبة ويأسا ومرضا يمنعهم من الأخذ بطيبات الحياة ـ وهي بين أيديهم ـ ومن الحصول على مواقعهم الكبرى ـ وهي في متناولهم ـ كما قال تعالى: ﴿وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ﴾ [التوبة: 85]، وهناك في الآخرة العذاب الأكبر في نار جهنم التي يصلاها الأشقى الذي لا يموت فيها ولا يحيى.
17. ﴿وَاللَّهُ عَزِيزٌ﴾ بقدرته على كل شيء والتي لا يمتنع منها شيء ولا يبلغ مداها شيء، ولا يغلبها شيء، ولذلك كانت العزة لله جميعا، فهو الذي يعطيها لمن يشاء من عباده ويمنعها من يشاء.
18. ﴿ذُوانْتِقامٍ﴾ من غير انفعال في الذات أو عقدة في القلب أو تشفّ، لاستحالة ذلك منه، لعلوّه عن كل الحوادث وعن كل صفات المخلوقين، إن هذا الإحساس السلبي ينطلق بنا من رد الفعل عن الضرر الواقع من المعتدي، ولكن انتقامه يتمثل ـ في الجانب العملي ـ في مجازاة المسيء بإساءته من خلال الحكمة في ذلك، لأن ساحته أعز وأعلى من أن ينتفع أو يتضرر بشيء من أعمال عباده.
__________
(1) من وحي القرآن: 5/203.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ذكر بعض الآثار المتعلقة بسبب النزول، والتي سبق ذكرها، ولم يعلّق عليها.
2. فيما يتعلّق بالحروف المقطّعة في القرآن، سبق الحديث عنها في بداية سورة البقرة، فلا موجب لتكرار ذلك، وما ينبغي عرضه هنا هو النظرية المثيرة التي تقدّم بها مؤخّرا عالم مصري نورد هنا خلاصة لها لأهميّتها، لا شكّ أنّ الحكم على صحتها أو بطلانها يستلزم بحوثا دقيقة يقع عبؤها على الأجيال القادمة، إنّما نوردها كنظرية لا غير، مجلة (آخر ساعة) المصرية المعروفة نشرت تقريرا عن تحقيقات عجيبة قام بها عالم مصري مسلم بخصوص تفسير بعض آيات القرآن المجيد بوساطة العقول الإلكترونية أثارت إعجاب الناس في مختلف أنحاء العالم، تلك التحقيقات التي أجراها الدكتور (رشاد خليفة) العالم الكيمياويّ المصري خلال ثلاث سنوات متواصلة، أثبتت أنّ هذا الكتاب السماويّ العظيم ليس من نتاج عقل بشري، وأنّ الإنسان غير قادر على الإتيان بمثله، أجرى الدكتور رشاد تحقيقاته في مدينة (سانت لويس) بمقاطعة (ميسوري) الأمريكية واستخدم في تحقيقاته العقول الإلكترونية لفترات طويلة(2)
﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، سبق أن شرحنا هذه الآية في سورة البقرة، والآية التي تليها تخاطب نبي الإسلام وتقول: إنّ الله تعالى قد أنزل عليك القرآن الذي فيه دلائل الحقّ والحقيقة، وهو يتطابق تماما مع ما جاء به الأنبياء والكتب السابقة (التوراة والإنجيل) التي بشّرت به وقد أنزلها الله تعالى أيضا لهداية البشر: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ﴾. ثمّ تضيف الآية ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾، وبعد إتمام الحجّة بنزول الآيات الكريمة من الله تعالى وشهادة الفطرة والعقل على صدق دعوة الأنبياء، فلا سبيل للمخالفين سوى العقوبة، ولذلك تقول الآية الكريمة بعد ذكر حقّانيّة الرسول الأكرم والقرآن المجيد: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ﴾
3. ومن أجل أن لا يتوهّم أحد أو يشك في قدرة الله تعالى على تنفيذ تهديداته تضيف الآية ﴿واللهُ عَزِيزٌ ذُوانْتِقامٍ﴾، (عزيز) في اللّغة بمعنى كلّ شيء صعب وغير قابل للنفوذ، ولذلك يقال للأرض الصعبة العبور (عزاز) وكذلك يطلق على كلّ أمر يصعب الحصول عليه لقلّته وندرته (عزيز) وكذلك تطلق هذه الكلمة على الشخص القويّ والمقتدر الذي يصعب التغلّب عليه أو يستحيل التغلّب عليه، وكلّما أطلقت كلمة (عزيز) على الله تعالى يراد بها هذا المعنى، أي أنّه لا أحد يقدر على التغلّب عليه، وأنّ كلّ المخلوقات خاضعة لمشيئته وإرادته.
4. في الجملة الآنفة الذكر ولكي يعرف الكفّار أنّ هذا التهديد جادّ تماما تذكّرهم الآية بأنّ الله عزيز، أي أنّه قاهر وما من أحد يستطيع أن يقف بوجه تنفيذ تهديداته وأنّه في الوقت الذي يكون فيه غفورا رحيما يكون شديد العقاب بالنسبة لمن لا يستحقّون هذه الرحمة.
5. كلمة (الانتقام) تستعمل غالبا في مفهومنا الحالي في لجوء شخص لا يستطيع أن يتسامح مع الآخرين ويغفر لهم أخطاءهم إلى عمل مقابل قد يكون عنيفا لا يأخذ حتّى مصلحته الخاصّة بنظر الاعتبار، وبديهيّ أنّ هذه الصفة مذمومة، إذ أنّ على الإنسان في كثير من الحالات أن يعفو ويغفر بدلا من الانتقام، ولكنّ (الانتقام) في اللّغة ليس بهذا المعنى بل يعني إنزال العقاب بالمجرم، ولا شكّ أنّ معاقبة المجرمين العصاة فضلا عن كونها من الأمور الحسنة فإنّه لا يجوز التهاون فيها وإهمالها لأنّ ذلك يجانب العدالة والحكمة.
6. أصل (الحقّ) المطابقة والموافقة، لذلك يقال لما يطابق الواقع (الحق). كما أنّ وصف الله بالحقّ ناشئ من كون ذاته القدسية أعظم واقع غير قابل للإنكار، وبعبارة أخرى (الحق) هو الموضوع الثابت المكين الذي لا باطل فيه، والباء في (الحق) في هذه الآية للمصاحبة، أي يا أيّها النبيّ لقد أنزل عليك الله القرآن مصحوبا بدلائل الحقّ.
7. (التوراة) لفظة عبرية تعني (الشريعة والقانون)، وأطلقت على الكتاب الذي أنزل الله على موسى بن عمران عليه السّلام، وقد تطلق أيضا على مجموعة كتب العهد القديم أو أسفاره الخمسة.. إنّ مجموعة كتب العهد القديم تتألّف من التوراة وعدد من الكتب الأخرى، والتوراة تتألّف من خمسة أقسام، كلّ قسم يسمّى (سفرا) وهي: (سفر التكوين) و(سفر الخروج) و(سفر لاوي) و(سفر الاعداد) و(سفر التثنية). هذه الأقسام من العهد القديم تشرح تكوين العالم والإنسان والمخلوقات وبعضا من سير الأنبياء السابقين وموسى بن عمران وبني إسرائيل والأحكام، أمّا الكتب الأخرى فهي ما كتبه المؤرّخون بعد موسى عليه السّلام في شرح أحوال الأنبياء والملوك والأقوام التي جاءت بعد موسى بن عمران عليه السّلام، وبديهيّ أنّ هذه الكتب عدا الأسفار الخمسة ـ ليست كتبا سماوية واليهود أنفسهم لا يدّعون ذلك، وحتّى (زبور) داوود الذي يطلقون عليه اسم (المزامير) هو شرح مناجاة داوود ومواعظه، أمّا أسفار التوراة الخمسة ففيها دلائل تشير إلى أنّها ليست من الكتب السماوية، بل هي كتب تاريخية دوّنت بعد موسى بن عمران عليه السّلام، إذ فيها بيان موت موسى عليه السّلام ومراسيم دفنه، وبعض الحوادث التي وقعت بعده، على الأخصّ الفصل الأخير من سفر التثنية الذي يثبت أنّ هذا الكتاب قد كتب بعد موت موسى عليه السّلام، يضاف إلى ذلك أنّ في هذه الكتب الكثير من الخرافات وهي تنسب أمورا فاضحة للأنبياء، وبعض الأقوال الصبيانية، ممّا يؤكدّ زيف هذه الكتب، والشواهد التاريخية تؤكّد أنّ التوراة الأصلية قد ضاعت، وأنّ أتباع موسى هم الذين كتبوا هذه الكتب بعده.
8. (الإنجيل) كلمة يونانية بمعنى (البشارة) أو (التعليم الجديد) وتطلق على الكتاب الذي نزل على عيسى بن مريم عليه السّلام، ومن الجدير بالتنويه أنّ القرآن كلّما أورد اسم كتاب عيسى عليه السّلام (الإنجيل) جاء به مفردا وعلى أنّه قد نزل من الله، وعليه فإنّ الأناجيل المتداولة بين أيدي المسيحيّين، وحتّى الأشهر منها، وهي الأناجيل الأربعة (لوقا، ومرقس، ومتّى، ويوحنا) ليست من الوحي الإلهي، وهذا ما لا ينكره المسيحيّون أنفسهم، إذ يقولون إنّ هذه الأناجيل قد كتبت بأيدي تلامذة السيّد المسيح عليه السّلام بعده بمدّة طويلة، ولكنّهم يزعمون أن أولئك التلامذة قد كتبوها بإلهام من الله، هنا يحسن بنا أن نتعرّف ـ ولو بإيجاز ـ على (العهد الجديد) والأناجيل وكتّابها، ذلك أن أهم كتاب ديني عند المسيحيّين والذي يعتمدونه على أنّه كتاب سماوي هو المجموعة التي يطلق عليها اسم (العهد الجديد)، (العهد الجديد) الذي يبلغ نحو ثلث (العهد القديم) يتألّف من 27 كتابا ورسالة تشمل موضوعات عامّة متناثرة ومختلفة، على النحو التالي:
أ. إنجيل متّى: وهو الإنجيل الذي كتبه (متّى) أحد حواريّي المسيح عليه السّلام الاثني عشر في سنة 38 ميلادية، وبعض يقول في سنة 50 أو 60 ميلادية.
ب. إنجيل مرقس: بحسب ما جاء في كتاب (القاموس المقدّس) صفحة 792، لم يكن مرقس من الحواريّين، ولكنّه كتب إنجيله بإشراف (بطرس). قتل مرقس سنة 68 م.
ج. إنجيل لوقا: كان (لوقا) رفيق سفر (بولس) الرسول. كان (بولس) على عهد المسيح يهوديا متعصّبا، ولكنه اعتنق المسيحية بعده. يقال إنّه توفي في سنة 70 م، وحسبما يقول مؤلّف (القاموس المقدّس) ص 772: (إنّ تاريخ كتابة إنجيل لوقا يعود إلى حوالي سنة 63 م)
د. إنجيل يوحنا: (يوحنا) كان من تلامذة المسيح عليه السّلام ومن أصحاب (بولس). يقول صاحب القاموس المذكور، اعتمادا على عدد من المحقّقين: إنّه ألف في أواخر القرن الأول الميلادي، ويتّضح من محتويات هذه الأناجيل، التي تشرح عموما حكاية صلب المسيح وما جرى بعد ذلك، أنّ جميع هذه الأناجيل قد كتبت بعد المسيح بسنوات وليست كتبا سماوية نزلت على المسيح عليه السّلام.
هـ. أعمال الرسل: (أعمال الحواريّين ودعاة الصدر الأوّل)
و. رسائل بولس الأربعة عشرة إلى جهات مختلفة.
ز. رسالة يعقوب: (الرسالة العشرون من الرسائل السبع والعشرين في العهد الجديد)
ح. رسالتا بطرس: (الرسالتا 21 و22 من العهد الجديد)
ط. رسائل يوحنا: (الرسائل 23 و24 و25 من العهد الجديد)
ي. رسالة يهودا: (الرسالة 26 من العهد الجديد)
ك. مكاشفة يوحنا: (القسم الأخير من العهد الجديد)
9. استنادا إلى المؤرّخين المسيحيّين وحسبما ورد في هذه الأناجيل والكتب والرسائل في العهد الجديد، فإنّ أيّا منها ليس كتابا سماويا، بل هي كتب كتبت بعد المسيح عليه السّلام، ونستنتج من ذلك أنّ الإنجيل الأصلي السماوي الذي نزل على المسيح عليه السّلام قد فقد وليس له وجود الآن. إنّما تلامذة المسيح أدرجوا بعضا منه في أناجيلهم ومزجوه ـ مع الأسف ـ بالخرافات.
10. القول بأنّ على المسلمين أن لا يشكّوا في صحّة الأناجيل والتوراة الموجودة ـ على اعتبار أنّ القرآن قد صدقّها وشهد لها ـ فإنّه قول مردود، وقد أجبنا عليه عند تفسير قوله تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ﴾
11. بعد ذكر التوراة والإنجيل، يشار إلى نزول القرآن، ولكنّه سمّي الفرقان، لأنّ لفظة (الفرقان) تستعمل في التفريق بين الحقّ والباطل وكلّ ما يميّز الحقّ عن الباطل يقال له (الفرقان)، ولذلك يسمّي القرآن حرب بدر (يوم الفرقان)، ففي ذلك اليوم انتصر فريق صغير مفتقر لكلّ أنواع المعدّات الحربيّة على جيش كبير مسلّح ومتفوّق تفوّقا كبيرا، وكذلك يطلق على معجزات موسى عليه السّلام العشر اسم (الفرقان) أيضا.
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/378.
(2) ذكر خلاصة مفصلة لأبحاث رشاد خليفة حول الإعجاز العددي لم نر حاجة لذكرها هنا، وقد علق عليها بقوله: نستنتج من هذا البحث أنّ حروف القرآن الكريم الذي نزل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم على مدى 23 سنة تنتظم في حساب دقيق، فكلّ حرف من حروف الهجاء له مع مجموع حروف كلّ سورة نسبة رياضية دقيقة بحيث إنّ الحفاظ على هذا التنظيم والحساب يتعذّر على البشر بدون العقول الإلكترونية، لا شكّ أنّ التحقيقات التي أجرها العالم المذكور ما زالت في بداية الطريق ولا تخلو من النقائص. فيجب أن تتظافر جهود الآخرين للتغلّب عليها
2. الله والعلم والتصوير
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈2⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 5 ـ 6]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
ابن مسعود:
روي عن عبد الله بن مسعود (ت 32 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ذكورا، وإناثا(1).
2. روي أنّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يؤتى بما في الأرحام، [فينظر فيها ثلاث ساعات؟] (2).
3. روي أنّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، قال وقعت النطفة في الأرحام طارت في الجسد أربعين يوما، ثم تكون علقة أربعين يوما، ثم تكون مضغة أربعين يوما، فإذا بلغ أن يخلق بعث الله ملكا يصورها، فيأتي الملك بتراب بين أصبعيه، فيخلط فيه المضغة، ثم يعجنه بها، ثم يصوره كما يؤمر، ثم يقول: أذكر أم أنثى؟ أشقي أم سعيد؟ وما رزقه؟ وما عمره؟ وما أثره؟ وما مصائبه؟ فيقول الله، ويكتب الملك، فإذا مات ذلك الجسد دفن حيث أخذ ذلك التراب(3).
__________
(1) ابن المنذر: ٢١٥.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٠.
(3) ابن جرير: ٥/١٨٦.
علي:
روي عن الإمام علي (ت 40 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: إذا انتبه أحدكم من نومه فليقل: (لا إله إلا الله الحليم الكريم، الحي القيوم، وهو على كل شيء قديرٌ، سبحان رب النبيين وإله المرسلين، وسبحان رب السماوات السبع وما فيهن، ورب الأرضين السبع وما فيهن، ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين)، فإذا جلس من نومه فليقل قبل أن يقوم: (حسبي الله، حسبي الرب من العباد، حسبي الذي هو حسبي منذ كنت، حسبي الله ونعم الوكيل(1).
2. روي أنّه قال: ـ في دعائه المعروف بدعاء كميل ـ: اللهم إني أسألك بعلمك الذي أحاط بكل شيء(2).
3. روي أنّه قال: في دعاء له: كل سر عندك علانية.. وكل غيب عندك شهادة(3).
4. روي أنّه قال: في وصف الله تعالى: خرق علمه باطن غيب السترات، وأحاط بغموض عقائد السريرات(4).
5. روي أنّه قال: في وصف الله تعالى: عالم السر من ضمائر المضمرين، ونجوى المتخافتين، وخواطر رجم الظنون، وعقد عزيمات اليقين، ومسارق إيماض الجفون، وما ضمنته أكنان القلوب، وغيابات الغيوب، وما أصغت لاستراقه مصائخ الأسماع، ومصائف الذر، ومشاتي الهوام، ورجع الحنين من المولهات، وهمس الأقدام، ومنفسح الثمرة من ولائج غلف الأكمام، ومنقمع الوحوش من غيران الجبال وأوديتها، ومختبا البعوض بين سوق الأشجار وألحيتها، ومغرز الأوراق من الأفنان، ومحط الأمشاج من مسارب الأصلاب، وناشئة الغيوم ومتلاحمها، ودرور قطر السحاب ومتراكمها، وما تسفي الأعاصير بذيولها، وتعفو الأمطار بسيولها، وعوم بنات الأرض في كثبان الرمال، ومستقر ذوات الأجنحة بذرى شناخيب الجبال، وتغريد ذوات المنطق في دياجير الأوكار، وما أوعبته الأصداف وحضنت عليه أمواج البحار، وما غشيته سدفة ليل أو ذر عليه شارق نهار، وما اعتقبت عليه أطباق الدياجير وسبحات النور، وأثر كل خطوة، وحس كل حركة، ورجع كل كلمة، وتحريك كل شفة، ومستقر كل نسمة، ومثقال كل ذرة، وهماهم كل نفس هامة، وما عليها من ثمر شجرة، أو ساقط ورقة، أو قرارة نطفة، أو نقاعة دم ومضغة، أو ناشئة خلق وسلالة، لم يلحقه في ذلك كلفة، ولا اعترضته في حفظ ما ابتدع من خلقه عارضة، ولا اعتورته في تنفيذ الأمور وتدابير المخلوقين ملالة ولا فترة، بل نفذهم علمه وأحصاهم عدده، ووسعهم عدله، وغمرهم فضله، مع تقصيرهم عن كنه ما هو أهله(5).
6. روي أنّه قال: في وصف الله تعالى: فسبحان من لا يخفى عليه سواد غسق داج، ولا ليل ساج، في بقاع الأرضين المتطأطئات، ولا في يفاع السفع المتجاورات، وما يتجلجل به الرعد في أفق السماء، وما تلاشت عنه بروق الغمام، وما تسقط من ورقة تزيلها عن مسقطها عواصف الأنواء وانهطال السماء! ويعلم مسقط القطرة ومقرها، ومسحب الذرة ومجرها، وما يكفي البعوضة من قوتها، وما تحمل الأنثى في بطنها(6).
7. روي أنّه قال: في وصف الله تعالى: لا يعزب عنه عدد قطر الماء، ولا نجوم السماء، ولا سوافي الريح في الهواء، ولا دبيب النمل على الصفا، ولا مقيل الذر في الليلة الظلماء، يعلم مساقط الأوراق وخفي طرف الأحداق(7).
8. روي أنّه قال: في وصف الله تعالى: لا يخفى عليه من عباده شخوص لحظة، ولا كرور لفظة، ولا ازدلاف ربوة، ولا انبساط خطوة في ليل داج ولا غسق ساج(8).
9. روي أنّه قال: في وصف الله تعالى: لم يعزب عنه خفيات غيوب الهواء، ولا غوامض مكنون ظلم الدجى، ولا ما في السماوات العلى إلى الأرضين السفلى(9).
__________
(1) الخصال: ص 625.
(2) مصباح المتهجد: ص 844.
(3) نهج البلاغة: الخطبة: 109.
(4) نهج البلاغة: الخطبة: 108.
(5) نهج البلاغة: الخطبة: 91.
(6) نهج البلاغة: الخطبة: 182.
(7) نهج البلاغة: الخطبة: 178.
(8) نهج البلاغة: الخطبة: 163.
(9) الكافي: 1/135.
أبو العالية:
روي عن أبي العالية الرّياحيّ (ت 93 هـ) أنّه قال: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز في نقمته إذا انتقم، الحكيم في أمره(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥١٩.
السجاد:
روي عن الإمام السجاد (ت 94 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: في بعض أدعيته: يا الله الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وكيف يخفى عليك يا إلهي ما أنت خلقته؟ وكيف لا تحصي ما أنت صنعته؟ أو كيف يغيب عنك ما أنت تدبره؟ أو كيف يستطيع أن يهرب منك من لا حياة له إلا برزقك؟ أو كيف ينجو منك من لا مذهب له في غير ملكك(1).
2. روي أنّه قال: في دعائه في صلاة الليل: اللهم وقد أشرف على خفايا الأعمال علمك، وانكشف كل مستور دون خبرك، ولا تنطوي عنك دقائق الأمور، ولا تعزب عنك غيبات السرائر(2).
3. روي أنّه قال: في دعائه يوم عرفة: الحمد لله رب العالمين، اللهم لك الحمد بديع السماوات والأرض.. صورت ما صورت من غير مثال، وابتدعت المبتدعات بلا احتذاء، أنت الذي قدرت كل شيء تقديرا، ويسرت كل شيء تيسيرا ودبرت ما دونك تدبيرا(3).
__________
(1) الصحيفة السجادية: ص 221 الدعاء: 52.
(2) الصحيفة السجادية: ص 130.
(3) الصحيفة السجادية: ص 185.
الباقر:
روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) أنّه قال في وصف الله تعالى: فإذا عرضت هذه الأعمال كلها على الله تعالى قال أنا عدل لا أجور... إني أنا الله لا إله إلا أنا، عالم السر وأخفى، وأنا المطلع على قلوب عبادي، لا أحيف ولا أظلم، ولا ألزم أحدا إلا ما عرفته منه قبل أن أخلقه(1).
__________
(1) علل الشرائع: ص 609.
ابن الزبير:
روي عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت 115 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ثم قال ـ يعني: الربـ عز وجل ـ إنزاها لنفسه، وتوحيدا لها مما جعلوا معه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز في نصرته ممن كفر به إذا شاء، والحكيم في عذره وحجته إلى عباده(1).
2. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: أي: قد علم ما يريدون، وما يكيدون، وما يضاهون بقولهم في عيسى، إذ جعلوه ربا وإلها، وعندهم من علمه غير ذلك؛ غرة بالله، وكفرا به(2).
3. روي أنّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: قد كان عيسى ممن صور في الأرحام، لا يدفعون ذلك ولا ينكرونه، كما صور غيره من بني آدم، فكيف يكون إلها وقد كان بذلك المنزل!؟(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/١٨٨.
(2) ابن جرير: ٥/١٨٢.
قتادة:
روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ قادر ـ والله ـ ربنا أن يصور عباده في الأرحام كيف يشاء؛ من ذكر أو أنثى، أو أسود أو أحمر، تام خلقه وغير تام(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/١٨٧.
الربيع:
روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ) أنّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾: أي: أنه صور عيسى في الرحم كيف شاء(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/١٨٦.
الصادق:
روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: أنّه قال: الحمد لله بارى خلق المخلوقين بعلمه، ومصور أجساد العباد بقدرته، ومخالف صور من خلق من خلقه، ونافخ الأرواح في خلقه بعلمه(1).
2. روي أنّه قال: في صفة الله تعالى: هو مجسم الأجسام ومصور الصور(2).
__________
(1) الإقبال: 2/123.
(2) الكافي: 1/106.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، يعني: شيء من أهل السماء، ولا من أهل الأرض، كل ذلك عنده(1).
2. روي أنّه قال: ﴿الْعَزِيزِ﴾ في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره(1).
3. روي أنّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ نزلت في عيسى ابن مريم عليه السلام، خلقه من غير أب، ذكرا وأنثى، سويا وغير سوي، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ في ملكه، ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أمره، نزلت هذه الآية في قولهم، وما قالوا من البهتان والزور لعيسى عليه السلام(1).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٣.
ابن إسحاق:
روي عن محمد بن إسحاق (ت 151 هـ) أنّه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾: لا يخفى عليه في الأرض ولا في السماء مما جاءوا يريدون، ويكيدون(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٠.
الكاظم:
روي عن الإمام الكاظم (ت 183 هـ) أنّه قال في معنى تسمية الله بالعليم: إنما سمي عليما؛ لأنه لا يجهل شيئا من الأشياء، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، علم ما يكون وما لا يكون، وما لو كان كيف يكون، ولم نصف عليما بمعنى غريزة يعلم بها، كما أن للخلق غريزة يعلمون بها، فهذا ما أراد من قوله: عليم، فعز من جل عن الصفات، ومن نزه نفسه عن أفعال خلقه فهذا هو المعنى، ولولا ذلك ما فصل بينه وبين خلقه فسبحانه وتقدست أسماؤه(1).
__________
(1) بحار الأنوار: 3/194 عن توحيد المفضل.
الرضا:
روي عن الإمام الرضا (ت 203 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه سئل عن سبب احتجاب الله تعالى: إن الحجاب على الخلق لكثرة ذنوبهم، فأما هو فلا يخفى عليه خافية في آناء الليل والنهار(1).
2. روي أنّه سئل عن قول الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾، فقال ـ: (السر) ما كتمته في نفسك، (وأخفى) ما خطر ببالك ثم أنسيته(2).
3. روي أنّه سئل عن قول الله عز وجل: ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الْأَعْيُنِ﴾، فقال: ألم تر إلى الرجل ينظر إلى الشيء وكأنه لا ينظر إليه؟ فذلك خائنة الأعين(3).
__________
(1) عيون أخبار الرضا: 1/132.
(2) معاني الأخبار: ص 143.
(3) معاني الأخبار: ص 147.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ يحتمل وجهين:
أ. يحتمل: هو وعيد؛ كأنه ـ والله أعلم ـ قال لا يخفى عليه ما في السموات، وما في الأرض من الأمور المستورة الخفية على الخلق؛ فكيف يخفى عليه أعمالكم وأفعالكم، التي هي ظاهرة عندكم!؟
ب. ويحتمل: إذا لم يخف عليه ما بطن، وخفي في الأصلاب والضمائر والأرحام؛ فكيف يخفى عليه أفعالكم وأقوالكم، وهي ظاهرة!؟ ألا ترى أنه قال ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾ إذ علم ما في الأرحام وصوّرها على ما شاء وكيف شاء، وهم ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ [الزمر: 6]
2. في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ دليل نقض قول من يقول بالقائف؛ لأنه جعل علم التصور في الأرحام لنفسه، لم يجعل لغيره، كيف عرف بالقائف تصوير الأوّل، حتى قال الله: إنه على صورته وعلى تصويره، وإنه من مائه، ثم اختلف في خلق الأشياء:
أ. قال بعضهم بخلق الفروع من الأصول، وهن أسباب للفروع.
ب. وقال آخرون: يكون بأسباب وبغير أسباب، فإن كان بعض الأشياء يكون بأسباب؛ من نحو الإنسان من النطفة، إلا أن النطفة تتلف؛ فتكون علقة، ثم مضغة؛ فدل أنه يخلق الخلق كيف شاء من شيء ولا من شيء، بسبب وبغير سبب، وهو القادر على ذلك.
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/303.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ لما ذكر الله تعالى الوعيد على الإخلال بمعرفته مع نصب الادلة على توحيده وصفاته اقتضى أن يذكر أنه لا يخفى عليه شيء في الأرض، ولا في السماء، فيكون في ذلك تحذير من الاغترار بالاستسرار بمعصيته، لأن المجازي لا تخفى عليه خافية، فجرى ذلك موصولا بذكر التوحيد في أول السورة، لأنه من الصفات الدالة على ما لا تحق إلا له.
2. سؤال وإشكال: لم قال: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ ولم يقل لا يخفى عليه شيء على وجه من الوجوه إذ كان أشد مبالغة؟ والجواب: ليعلمنا أن الغرض علم ما يستسر به في الأرض أو في السماء، ولأن الإفصاح بذكر ذلك أعظم في النفس وأهول في الصدر مع الدلالة على أنه عالم بكل شيء إلا أنه على وجه التصرف في العبارة عن وجوه الدلالة.
3. سؤال وإشكال: لم قال: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ ولم يقل عالم بكل شيء في الأرض والسماء؟ والجواب: لأن الوصف بأنه ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ يدل على أنه يعلمه من كل وجه يصح أن يعلم منه مع ما فيه من التصرف في العبارة، وإنما قلنا: لا يخفى عليه شيء من حيث كان عالماً لنفسه، والعالم للنفس يجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوماً، وما يصح أن يكون معلوماً لا نهاية له، فوجب أن يكون عالماً به وإنما يجوز أن يعلم الشيء من وجه دون وجه، ويخفى عليه شيء من وجه دون وجه من كان عالماً بعلم يستفيده: ـ العلم حالا بعد حال ـ. فأما من كان عالماً لنفسه، فلا يجوز أن يخفى عليه شيء بوجه من الوجوه.
4. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ التصوير: جعل الشيء على صورة لم يكن عليها، والصورة: هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف، والفرق بين الصورة والصيغة أن الصيغة: عبارة عما وضع في اللغة لتدل على أمر من الأمور، وليس كذلك الصورة، لأن دلالتها على جعل جاعل قياسية.
5. ﴿الْأَرْحَامِ﴾: جمع رحم وأصله: الرحمة، وذلك لأنها مما يتراحم به ويتعاطف يقولون: وصلتك رحم، وأصل الصورة: الميل يقولون صاره يصوره: إذا أماله، فهي صورة لأنها مائلة إلى بنية بالشبه لها.
6. ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ معناه كيف يريد والمشيئة هي الإرادة.
7. ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من ذكر أو أنثى أو أبيض أو أسود أو تام أو ناقص إلى غير ذلك ما تختلف به الصور، وفيه حجة على النصارى في ادعائهم إلهية المسيح وذلك أن الله تعالى صوره في الرحم كما شاء، فهو لذلك عبد مربوب.
8. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ معناه أنه تعالى لما ذكر ما يدل عليه من قوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ذكر الدليل والمدلول عليه وإنما ذكر ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تحذيراً بعد ذكر الدليل ليعلم أنه عزيز لا يتهيأ لأحد منعه من عقوبة من يريد عقابه حكيم في فعل العقاب وفي جميع أفعاله.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/393.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. التصوير: جعل الشئ على صورة لم يكن عليها، والصورة: هيئة يكون عليها الشئ في التأليف، وأصلها من صاره يصوره: إذا أماله، لأنها مائلة إلى هيئة بالشبه لها، والفرق بين الصورة والصيغة أن الصيغة عبارة عما وضع في اللغة، ليدل على أمر من الأمور، وليس كذلك الصورة، لأن دلالتها على جعل جاعل شيئا على بنية والأرحام: جمع رحم، وأصله الرحمة، وذلك لأنها مما يتراحم به ويتعاطف، يقولون: وصلتك رحم.
ب. المشيئة: هي الإرادة.
2. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ لما ذكر سبحانه الوعيد على الإخلال بمعرفته، مع نصب الأدلة على توحيده، وصدق أنبيائه، اقتضى أن يذكر أنه لا يخفى عليه شئ، فيكون في ذلك تحذير من الاغترار بالاستسرار بمعصيته، لأن المجازي لا تخفى عليه خافية.
3. سؤال وإشكال: لم قال: ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، ولم يقل: لا يخفى عليه شئ على وجه من الوجوه، فيكون أشد مبالغة؟ والجواب: لأن الغرض أن يعلمنا أنه يعلم ما يستسر به في الأرض أو في السماء، والإفصاح بذكر ذلك أعظم في النفس، وأهول في الصدر، مع الدلالة على أنه عالم بكل شئ.
4. سؤال وإشكال: لم لم يقل إنه عالم بكل شئ في الأرض والسماء؟ والجواب: لأن الوصف بأنه لا يخفى عليه شئ، يدل على أنه يعلمه من كل وجه يصح أن يعلم منه، مع ما فيه من التصرف في العبارة، وإنما لا يخفى عليه شئ لأنه عالم لنفسه، فيجب أن يعلم كل ما يصح أن يكون معلوما، وما يصح أن يكون معلوما لا نهاية له، فلا يجوز أن يخفى عليه شئ بوجه من الوجوه.
5. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ أي: يخلق صوركم ﴿فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ على أي صورة شاء، وعلى أي صفة شاء، من ذكر أو أنثى، أو صبيح أو دميم، أو طويل أو قصير، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ﴾ في سلطانه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله.
6. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ دلت الآية على وحدانية الله، وكمال قدرته، وتمام حكمته، حيث صور الولد في رحم الأم على هذه الصفة، وركب فيه من أنواع البدائع من غير آلة ولا كلفة، وقد تقرر في عقل كل عاقل ان العالم لو اجتمعوا على أن يخلقوا من الماء بعوضة، ويصوروا منه صورة في حال ما يشاهدونه ويصرفونه، لم يقدروا على ذلك، ولا وجدوا إليه سبيلا، فكيف يقدرون على الخلق في الأرحام؟ فتبارك الله أحسن الخالقين، وهذا الاستدلال مروي عن جعفر بن محمد عليه السلام.
7. ﴿كَيْفَ﴾: في موضع نصب على المصدر تقديره أي نوع يشاء، وجملة يشاء في موضع الحال من يصور أي: يصوركم في الأرحام أي: يخلق صوركم في الأرحام شائيا مريدا أي نوع أراده.
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/698.
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي: (1).
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، قال أبو سليمان الدمشقي: هذا تعريض بنصارى أهل نجران فيما كانوا ينطوون عليه من كيد النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، وذكر التصوير في الأرحام تنبيه على أمر عيسى عليه السلام.
__________
(1) زاد المسير: 1/257.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ هذا الكلام يحتمل وجهين:
أ. الأول: أنه تعالى لما ذكر أنه قيوم، والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق ومهماتهم، وكونه كذلك لا يتم إلا بمجموع أمرين:
• أحدهما: أن يكون عالماً بحاجاتهم على جميع وجوه الكمية والكيفية.. هو لا يتم إلا إذا كان عالماً بجميع المعلومات.. فقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ إشارة إلى كمال علمه المتعلق بجميع المعلومات، فحينئذ يكون عالماً لا محالة مقادير الحاجات ومراتب الضرورات، لا يشغله سؤال عن سؤال، ولا يشتبه الأمر عليه بسبب كثرة أسئلة السائلين.
• الثاني: أن يكون بحيث متى علم جهات حاجاتهم قدر على دفعها.. هو لا يتم إلا إذا كان قادراً على جميع الممكنات.. فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ إشارة إلى كونه تعالى قادراً على جميع الممكنات، وحينئذ يكون قادراً على تحصيل مصالح جميع الخلق ومنافعهم، وعند حصول هذين الأمرين يظهر كونه قائماً بالقسط قيوماً بجميع الممكنات والكائنات.
ب. الثاني: أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها، وذلك لأن النصارى ادعوا إلهية عيسى عليه السلام(2).
2. في قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ إشارة إلى كمال علمه سبحانه، والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالماً لا يجوز أن يكون هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالماً بجميع المعلومات، بل الطريق إليه ليس إلا الدليل العقلي، وذلك هو أن نقول: إن أفعال الله تعالى محكمة متقنة، والفعل المحكم المتقن يدل على كون فاعله عالماً، فلما كان دليل كونه تعالى عالماً هو ما ذكرنا، فحين ادعى كونه عالماً بكل المعلومات بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ أتبعه بالدليل العقلي الدال على ذلك، وهو أنه هو الذي صور في ظلمات الأرحام هذه البنية العجيبة، والتركيب الغريب، وركبه من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، فبعضها عظام، وبعضها غضاريف، وبعضها شرايين، وبعضها أوردة، وبعضها عضلات، ثم إنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن، والتأليف الأكمل، وذلك يدل على كمال قدرته حيث قدر أن يخلق من قطرة من النطفة هذه الأعضاء المختلفة في الطبائع والشكل واللون، ويدل على كونه عالماً من حيث إن الفعل المحكم لا يصدر إلا عن العالم، فكان قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ دالًا على كونه قادراً على كل الممكنات، ودالًا على صحة ما تقدم من قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، وإذا ثبت أنه تعالى عالم بجميع المعلومات، وقادر على كل الممكنات، ثبت أنه قيّوم المحدثات والممكنات، فظهر أن هذا كالتقرير لما ذكره تعالى أولًا من أنه هو الحي القيوم، ومن تأمل في هذه اللطائف علم أنه لا يعقل كلام أكثر فائدة، ولا أحسن ترتيباً، ولا أكثر تأثيراً في القلوب من هذه الكلمات.
3. النصارى ادعوا إلهية عيسى عليه السلام، وعولوا في ذلك على نوعين من الشبه:
أ. شبه مستخرجة من مقدمات مشاهدة: واعتمادهم في ذلك على أمرين: أحدهما: يتعلق بالعلم والثاني: يتعلق بالقدرة: (3)
• أما ما يتعلق بالعلم فهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب، وكان يقول لهذا: أنت أكلت في دارك كذا، ويقول لذاك: إنك صنعت في دارك كذا، فهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالعلم.
• أما المتعلق بالقدرة، فهو أن عيسى عليه السلام كان يحيي الموتى، ويبرئ الأكمه والأبرص، ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيراً بإذن الله، وهذا النوع من شبه النصارى يتعلق بالقدرة، وليس للنصارى شبه في المسألة سوى هذين النوعين.
ب. شبه مستخرجة من مقدمات إلزامية، وحاصلها يرجع إلى نوعين:
أ. الأول: أن النصارى يقولون: أيها المسلمون أنتم توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر، فوجب أن يكون ابناً له، فأجاب الله تعالى عنه أيضاً بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ لأن هذا التصوير لما كان منه فإن شاء صوره من نطفة الأب وإن شاء صوره ابتداء من غير الأب.
ب. الثاني: أن النصارى قالوا للرسول صلّى الله عليه وآله وسلم ألست تقول: إن عيسى روح الله وكلمته، فهذا يدل على أنه ابن الله، فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي، واللفظ محتمل للحقيقة والمجاز، فإذا ورد اللفظ بحيث يكون ظاهره مخالفاً للدليل العقلي كان من باب المتشابهات، فوجب رده إلى التأويل، وذلك هو المراد بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]
4. لما استدلّ الله تعالى على بطلان قولهم في إلهية عيسى وفي التثليث بقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [آل عمران: 2] يعني الإله يجب أن يكون حياً قيوماً، وعيسى ما كان حياً قيوماً، لزم القطع أنه ما كان إلهاً، فأتبعه بهذه الآية ليقرر فيها ما يكون جواباً عن هاتين الشبهتين:
أ. أما الشبهة الأولى: وهي المتعلقة بالعلم، وهي قولهم: إنه أخبر عن الغيوب فوجب أن يكون إلهاً، فأجاب الله تعالى عنه بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ وتقرير الجواب أنه لا يلزم من كونه عالماً ببعض المغيبات أن يكون إلهاً لاحتمال أنه إنما علم ذلك بوحي من الله إليه، وتعليم الله تعالى له ذلك، لكن عدم إحاطته ببعض المغيبات يدل دلالة قاطعة على أنه ليس بإله لأن الإله هو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء فإن الإله هو الذي يكون خالقاً، والخالق لا بد وأن يكون عالماً بمخلوقه، ومن المعلوم بالضرورة أن عيسى عليه السلام ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات، فكيف والنصارى يقولون: إنه أظهر الجزع من الموت فلو كان عالماً بالغيب كله، لعلم أن القوم يريدون أخذه وقتله، وأنه يتأذى بذلك ويتألم، فكان يفر منهم قبل وصولهم إليه، فلما لم يعلم هذا الغيب ظهر أنه ما كان عالماً بجميع المعلومات والمغيبات والإله هو الذي لا يخفى عليه شيء من المعلومات، فوجب القطع بأن عيسى عليه السلام ما كان إلهاً فثبت أن الاستدلال بمعرفة بعض الغيب لا يدل على حصول الإلهية، وأما الجهل ببعض الغيب يدل قطعاً على عدم الإلهية، فهذا هو الجواب عن النوع الأول من الشبه المتعلقة بالعلم.
ب. أما النوع الثاني: من الشبه، وهو الشبهة المتعلقة بالقدرة فأجاب الله تعالى عنها بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ والمعنى أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلهاً، لاحتمال أن الله تعالى أكرمه بذلك الإحياء إظهاراً لمعجزته وإكراماً له، أما العجز عن الإحياء والإماتة في بعض الصور يدل على عدم الإلهية، وذلك لأن الإله هو الذي يكون قادراً على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب، والتأليف الغريب ومعلوم أن عيسى عليه السلام ما كان قادراً على الإحياء والإماتة على هذا الوجه وكيف، ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه، فثبت أن حصول الإحياء والإماتة على وفق قوله في بعض الصور لا يدل على كونه إلهاً، أما عدم حصولهما على وفق مراده في سائر الصور يدل على أنه ما كان إلهاً، فظهر بما ذكر أن هذه الشبهة الثانية أيضاً ساقطة.
5. ظهر بما ذكرنا:
أ. أن قوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ إشارة إلى ما يدل على أن المسيح ليس بإله ولا ابن له.
ب. أن قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ جواب عن الشبهة المتعلقة بالعلم.
ج. قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ جواب عن تمسكهم بقدرته على الإحياء والإماتة، وعن تمسكهم بأنه ما كان له أب من البشر، فوجب أن يكون ابناً لله.
د. أما قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 7] فهو جواب عن تمسكهم بما ورد في القرآن أن عيسى روح الله وكلمته.
6. من أحاط علماً بما ذكرناه ولخصناه علم أن هذا الكلام على اختصاره أكثر تحصيلًا من كل ما ذكره المتكلمون في هذا الباب، وأنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة ولا سؤال ولا جواب إلا وقد اشتملت هذه الآية عليه، فالحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله، وأما كلام من قبلنا من المفسرين في تفسير هذه الآيات فلم نذكره لأنه لا حاجة إليه فمن أراد ذلك طالع الكتب.
7. ثم إنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد زجراً للنصارى عن قولهم بالتثليث، فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة والحكيم إشارة إلى كمال العلم، وهو تقرير لما تقدم من أن علم المسيح ببعض الغيوب، وقدرته على الإحياء والإماتة في بعض الصور لا يكفي في كونه إلهاً فإن الإله لا بد وأن يكون كامل القدرة وهو العزيز، وكامل العلم وهو الحكيم.
8. ﴿لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ المراد أنه لا يخفى عليه شيء، والفائدة في قوله تعالى: ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ مع أنه لو أطلق كان أبلغ هو إفهام العباد كمال علمه، وفهمهم هذا المعنى عند ذكر السموات والأرض أقوى، وذلك لأن الحس يرى عظمة السموات والأرض، فيعين العقل على معرفة عظمة علم الله عزّ وجلّ والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، ولذلك فإن المعاني الدقيقة إذا أريد إيضاحها ذكر لها مثال، فإن المثال يعين على الفهم.
9. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه وأصله من صاره يصوره إذا أماله، فهي صورة لأنها مائلة إلى شكل أبويه وتمام الكلام فيه ذكرناه في قوله تعالى: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 260]، وأما الأرحام فهي جمع رحم وأصلها من الرحمة، وذلك لأن الاشتراك في الرحم يوجب الرحمة والعطف، فلهذا سمي ذلك العضو رحماً.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/135.
(2) سيذكر تفاصيل الشبه والردود عليها
(3) الإجابة عن هذه الشبه في المسألة التالية لهذه المسألة
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ هذا خبر عن علمه تعالى بالأشياء على التفصيل، ومثله في القرآن كثير، فهو العالم بما كان وما يكون وما لا يكون، فكيف يكون عيسى إلها أو ابن إله وهو تخفى عليه الأشياء!
2. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ أخبر تعالى عن تصويره للبشر في أرحام الأمهات وأصل الرحم من الرحمة، لأنها مما يتراحم به، واشتقاق الصورة من صاره إلى كذا إذا أماله، فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة، وهذه الآية تعظيم لله تعالى، وفي ضمنها الرد على نصارى نجران، وأن عيسى من المصورين، وذلك مما لا ينكره عاقل، وأشار تعالى إلى شرح التصوير في سورة ﴿الْحَجِّ﴾ و﴿الْمُؤْمِنُونَ﴾، وكذلك شرحه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في حديث ابن مسعود.. وفيها الرد على الطبائعيين أيضا إذ يجعلونها فاعلة مستبدة، وقد مضى الرد عليهم في آية التوحيد وفي مسند ابن سنجر ـ واسمه محمد بن سنجر ـ حديث إن الله تعالى يخلق عظام الجنين وغضاريفه من مني الرجل وشحمه ولحمه من مني المرأة (2)، وفي هذا أدل دليل على أن الولد يكون من ماء الرجل والمرأة، وهو صريح في قول تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾
3. ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يعني من حسن وقبح وسواد وبياض وطول وقصر وسلامة وعاهة، إلى غير ذلك من الشقاء والسعادة، وذكر عن إبراهيم بن أدهم أن القراء اجتمعوا إليه ليسمعوا ما عنده من الأحاديث، فقال لهم: إني مشغول عنكم بأربعة أشياء، فلا أتفرغ لرواية الحديث، فقيل له: وما ذاك الشغل؟ قال: أحدها إني أتفكر في يوم الميثاق حيث قال: هؤلاء في الجنة ولا أبالي وهؤلاء في النار ولا أبالي، فلا أدري من أي الفريقين كنت في ذلك الوقت والثاني حيث صورت في الرحم فقال الملك الذي هو موكل على الأرحام: يا رب شقي هو أم سعيد، فلا أدري كيف كان الجواب في ذلك الوقت، والثالث حين يقبض ملك الموت روحي فيقول: يا رب مع الكفر أم مع الإيمان، فلا أدري كيف يخرج الجواب، والرابع حيث يقول: ﴿وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ﴾ فلا أدري في أي الفريقين أكون.
4. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي لا خالق ولا مصور سواه، وذلك دليل على وحدانيته، فكيف يكون عيسى إلها مصورا وهو مصور، ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي لا يغالب، ﴿الْحَكِيمُ﴾ ذو الحكمة أو المحكم، وهذا أخص بما ذكر من التصوير.
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/8.
(2) الأحاديث الواردة في هذا غير صحيحة، أو أن رواتها أدرجوا فيها ما يتناسب مع بيئتهم مما يخالف العلم والقرآن
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ هذه الجملة استئنافية لبيان سعة علمه وإحاطته بالمعلومات، وعبر عن معلوماته بما في الأرض والسماء مع كونها أوسع من ذلك: لقصور عباده عن العلم بما سواهما من أمكنة مخلوقاته وسائر معلوماته، ومن جملة ما لا يخفى عليه: إيمان من آمن من خلقه وكفر من كفر.
2. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أصل اشتقاق الصورة من: صاره إلى كذا، أي: أماله إليه، فالصورة مائلة إلى شبه وهيئة، وأصل الرحم من: الرحمة لأنه مما يتراحم به، وهذه الجملة مستأنفة، مشتملة على بيان إحاطة علمه، وأن من جملة معلوماته ما لا يدخل تحت الوجود، وهو: تصوير عباده في أرحام أمهاتهم من نطف آبائهم كيف يشاء، من حسن، وقبيح، وأسود، وأبيض، وطويل، وقصير، وكيف: معمول يشاء، والجملة: حالية.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/359.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللهَ لا يَخْفى عَلَيْهِ شَيء فِي الْأَرْضِ ولا فِي السَّماءِ﴾ أي هو مطلع على كفر من كفر وإيمان من آمن، وهو مجازيهم عليه.
2. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحامِ كَيْفَ يَشاءُ﴾ أي يخلقكم في الأرحام كما يشاء من ذكر وأنثى، وحسن وقبيح، وشقيّ وسعيد ﴿لا إِلهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/256.
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿اِنَّ اللهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الَارْضِ وَلَا فِي السَّمَآءِ﴾ المراد الجنس: السماوات والأرضون، ثمَّ المراد: التمثيل والكناية عن كلِّ شيء، أو التجوُّز بإطلاق اسم البعض على الكلِّ الذي هو العالم بأسره، بناء على عدم اشتراط التركيب في ذلك، فإنَّه لا يخفى عليه شيء في غيرهما أيضًا، وخصَّهما بالذكر لمشاهدة هذه الأرض وسمائها، أو السماء: ما علا، والأرض: ما تحت، فشمل العرش والكرسيَّ وغيرهما، أي: لا يقع الخفاء فيهما، وهو غير متَّصف بالحلول فيهما، أو لا يخفى عليه شيء ثابت في الأرض ولا في السماء، ولو كان عيسى إلهـًا لم يخف عليه شيء، وقومه معترفون بخفاء الأشياء عنه، والآية ردٌّ عليهم وعلى الحكماء في قولهم: لا يعلم الله الجزئيَّات إِلَّا بوجه كلِّيٍّ، وقدَّم الأرض ترقِّيًا من الأدنى للأعلى، وفي سائر المواضع أخِّرت، وعمل هنا بالترقِّى لأنَّها تربة النبيء صلّى الله عليه وآله وسلّم وتربته أشرف من العرش والكرسيِّ والسماوات، ولأنَّ المقصود ما اقترف فيها من المعاصي والطاعات، وليكون الكلام على طريق الاهتمام بشأن أهلها العصاة، وعلى طريق الترقِّي.
2. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُم﴾ التصوير: جعل الشيء على صورة لم يكن عليها، والصورة هيئة يكون عليها الشيء بالتأليف، ﴿فِي الَارْحَامِ كَيْفَ يَشَآءُ﴾ أي: على أيِّ حال شاء أن يصوِّركم، فالله حيٌّ إذ لا يفعل إِلَّا الحيُّ، ولا سيما أنَّه عالم بكلِّ شيء فلا بدَّ أن يكون حيًّا، والسياق إِنَّمَا هو للوعيد والتحذير من عقاب من هو مطَّلع عليهم، إذ هو الذي يصوِّر الصور المختلفة بالذكورة والأنوثة، والحسن والقبح، والسواد والبياض، والطول والقصر، والكبر والصغر وغير ذلك، وليس من التصوير السعادة والشقاوة، وبكونهم نطفا أو عَلَقًا أو نحو ذلك، ولو كان عيسى إلها لم يصوَّر في الأرحام، وينتقل من طور إلى طور، فهو من جملة من خلق الله، والمخلوق لا يكون خالقا، وكان عليه السلام يصوِّر صورة خفَّاش ويقول: (يا حيُّ يا قيُّوم أحيها) فيُحيَى.
3. وفي إثبات المشيئة ردٌّ على الفلاسفة القائلين بالطبع، وأيضا الطبع يحتاج إلى طابع، فيتسلسل أو يدور، وتصويره في الأرحام من جملة القيُّوميَّة، و(كَيْفَ) حال من ضمير (يُصَوِّرُ)؛ أو مفعول مطلق، أي: أيَّ تصوير.
4. ﴿لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فهو متقن لفعله؛ لأنَّ الغلبة تقتضي القدرة التامَّة، والجملة تأكيد لِمَا قبلها، ومبالغة في الردِّ على مثبت ألوهيَّة عيسى، إذ لا عزَّة له يستقلُّ بها ولا قدرة ولا علم تامَّين.
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/199.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ فهو ينزل لعباده من الكتب ويعطيهم من المواهب ما يعلم أن فيه صلاحهم إذا أقاموه، ويعلم حقيقة أمرهم في سرهم وجهرهم لا يخفى عليه أمر المؤمن الصادق وأمر الكافر والمنافق ولا حال من أسر الكفر واستبطن النفاق وأظهر الإيمان والصلاح، ومن أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وكأن هذا الاستئناف البياني دليل على ما قبله.
2. ثم استدل عليه باستئناف منه على سبيل الالتفات فقال: ﴿هو الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء الأرحام﴾: هو جمع رحم وهو مستودع الجنين من المرأة ومن عرف ما في تصوير الأجنة في الأرحام من الحكم والنظام علم أنه يستحيل أن يكون بالمصادفة والاتفاق، وأذعن بأن ذلك فعل عالم خبير بالدقائق، حكيم يستحيل عليه العبث عزيز لا يغلب على ما قضى به علمه وتعلقت به إرادته، واحد لا شريك له في إبداعه لا إله إلا هو العزيز الحكيم.
3. إذا فهمت معنى هذه الآيات في نفسها فاعلم أن المفسرين قالوا ـ كما أخرج ابن إسحاق وابن جرير وابن المنذر ـ إنها نزلت وما بعدها إلى نحو ثمانين آية في نصارى نجران، إذ وفدوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وكانوا ستين راكبا فذكروا عقائدهم واحتجوا على التثليث وألوهية المسيح بكونه خلق على غير السنة التي عرفت في توالد البشر، وبما جرى على يديه من الآيات وبالقرآن نفسه، فأنزل الله هذه الآيات، وقد ذكر ذلك محمد عبده ـ غير جازم به ـ وأشار إلى وجه الرد عليهم في تفسيرها ولم يزد على ذلك إلا ما ذكرناه عنه في تفسير التوراة والإنجيل والفرقان، أما ما قاله في توجيه الرد عليهم فهو:
أ. بدأ بذكر توحيد الله لينفي عقيدتهم من أول الأمر.
ب. ثم وصفه بما يؤكد هذا النفي كقوله: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ أي الذي قامت به السماوات والأرض، وهي قد وجدت قبل عيسى فكيف تقوم به قبل وجوده؟
ج. ثم قال: إن قال نزل الكتاب وأنزل التوراة لبيان أن الله تعالى قد أنزل الوحي وشرع الشريعة قبل وجود عيسى كما أنزل عليه وأنزل على من بعده فلم يكن هو المنزل للكتب على الأنبياء وإنما كان نبيا مثلهم.
د. وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ﴾ لبيان أنه هو الذي وهب العقل للبشر ليفرقوا به بين الحق والباطل، وعيسى لم يكن واهبا للعقول، وفيه تعريض بأن السائلين تجاوزوا حدود العقل.
هـ. وفي هذا وما قبله شيء آخر، وهو الإشعار بأن ما أنزله الله تعالى من الكتب والفرقان يدل على إثبات الوحدانية لله تعالى وتنزيهه عن الولد والحلول أو الاتحاد بأحد أو بشيء من الحوادث.
و. وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ﴾ رد لاستدلالهم على ألوهية عيسى بإخباره عن بعض المغيبات، فهو يثبت أن الإله لا يخفى عليه شيء مطلقا سواء كان في هذا العالم أو غيره من العوالم السماوية، وعيسى لم يكن كذلك.
ز. وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ إلخ رد لشبهتهم في ولادة عيسى من غير أب، أي الولادة من غير أب ليست دليلا على ألوهية، فالمخلوق عبد كيفما خلق، وإنما الإله هو الخالق الذي يصوركم في الأرحام كيف يشاء، وعيسى لم يصور أحدا في رحم أمه؛ ولذلك صرح بعد هذا بكلمة التوحيد، وبوصفه تعالى بالعزة والحكمة، ولا يخفى ما في ذكر الأرحام من التعريض بأن عيسى تكون وصور في الرحم كغيره من الناس.
__________
(1) تفسير المنار: 3/134.
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ فينزل لعباده من الكتب ما فيه صلاحهم إذا أقاموه، ويعلم سرهم وجهرهم فلا يخفى عليه حال الصادق في إيمانه، ولا حال الكافر، ولا حال من استبطن النفاق وأظهر الإيمان، ولا حال من أكره على الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، وفي التعبير بعدم خفاء شيء عليه ـ إشارة إلى أن علمه لا يوازن بعلوم المخلوقين بل هو الغاية في الوضوح وعدم الخفاء.
2. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ أي هو الذي يجعلكم على صور مختلفة متغايرة وأنتم في الأرحام من النّطف إلى العلق إلى المضغ، ومن ذكورة وأنوثة، ومن حسن وقبح إلى غير ذلك، وكل هذا على أتم ما يكون دقة ونظاما، ومستحيل أن يكون هذا قد جاء من قبيل الاتفاق والمصادفة، بل هو من صنع عليم خبير بالدقائق.
3. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فهو المنفرد بالإيجاد والتصوير، العزيز الذي لا يغلب على ما قضى به علمه وتعلقت به إرادته، الحكيم المنزّه عن العبث، فهو يوجد الأشياء على مقتضى الحكمة، ومن ثم خلقكم على هذا النمط البديع الذي لا يتصور ما هو أدق منه وأحكم كما قيل (ليس في الإمكان أبدع مما كان)
__________
(1) تفسير المراغي: 3/98.
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في صدد التهديد بالعذاب والانتقام يؤكد لهم علم الله الذي لا يند عنه شيء. فلا خفاء عليه ولا إفلات منه: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾.. وتوكيد العلم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء، وإثبات هذه الصفة لله ـ سبحانه ـ في هذا المقام.. هذا التوكيد يتفق أولا مع وحدانية الألوهية والقوامة التي افتتح بها السياق. كما يتفق مع التهديد الرعيب في الآية السابقة.. فلن يفلت ﴿شَيْءٍ﴾ من علم الله ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ بهذا الشمول والإطلاق، ولن يمكن إذن ستر النوايا عليه، ولا إخفاء الكيد عنه، ولن يمكن كذلك التفلت من الجزاء الدقيق، ولا التهرب من العلم اللطيف العميق.
2. في ظلال العلم اللطيف الشامل الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء يلمس المشاعر الإنسانية لمسة رفيقة عميقة، تتعلق بالنشأة الإنسانية. النشأة المجهولة في ظلام الغيب وظلام الأرحام، حيث لا علم للإنسان ولا قدرة ولا إدراك: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾... هكذا (يُصَوِّرُكُمْ).. يمنحكم الصورة التي يشاء؛ ويمنحكم الخصائص المميزة لهذه الصورة، وهو وحده الذي يتولى التصوير، بمحض إرادته، ومطلق مشيئته: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾.. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾..
3. ﴿الْعَزِيزِ﴾.. ذو القدرة والقوة على الصنع والتصوير (الْحَكِيمُ).. الذي يدبر الأمر بحكمته فيما يصور ويخلق بلا معقب ولا شريك.
4. في هذه اللمسة تجلية لشبهات النصارى في عيسى عليه السلام ونشأته ومولده. فالله هو الذي صور عيسى.. ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾.. لا أن عيسى هو الرب. أو هو الله. أو هو الابن. أو هو الأقنوم اللاهوتي الناسوتي. إلى آخر ما انتهت إليه التصورات المنحرفة الغامضة المجانبة لفكرة التوحيد الناصعة الواضحة اليسيرة التصور القريبة الإدراك!
__________
(1) في ظلال القرآن: 1/369.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. هنا استعراض لقدرة الله، وكشف لمظاهر هذه المقدرة، فيما أبدعت وصورت، من آيات مبثوثة في ملكوت السموات والأرض! فهذه القدرة محيطة بكل شيء، عالمة بكل شيء، وهو سبحانه خالق كل شيء، فما من شيء إلّا وهو من فيض صنعه وتدبيره، فكيف لا يعلم ما خلق؟ ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾
2. من شواهد قدرة الله، وسلطان علمه، تلك العملية التي تتخلق منها الكائنات الحية، والتي من بعض كائناتها الجنس البشرى! فهذا الإنسان، الذي يفور كيانه عظمة وكبرياء. حتى ليكاد يطاول الإله في عظمته وكبريائه ـ هذا الإنسان نشأ على يد القدرة، وتنقّل في أطوار الخلق، من عدم إلى وجود.. وفيما بين العدم والوجود قطع مراحل طويلة، وتقلب في صور شتى.. من نطفة، إلى علقة، إلى مضغة، إلى عظام عارية، إلى عظام يكسوها اللحم، إلى كائن له سمع وبصر وشم وذوق.. كل هذا وهو في عالم مطبق عليه.. ﴿فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ﴾ في بطن أمه، فإذا خرج من هذا العالم إلى عالم الناس.. تنقل في أطوار.. من الطفولة، إلى الصبا، إلى الشباب، إلى الاكتهال، والشيخوخة.. فأين أول الإنسان من آخره؟ وأين النطفة من الطفل؟ وأين الطفل من الشاب؟ ﴿أَوَلَا يَذْكُرُ الْإِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ يَكُ شَيْئًا﴾
3. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يشير إلى ما لله سبحانه من شأن، في تقدير خلقنا، وتحديد أرزاقنا، وأوضاعنا في الحياة، حيث اختلفت صور الناس، وتباينت حظوظهم، حسب إرادة الله وتقديره.. فكل إنسان منا هو عالم مستقل بدأته، دائر في الفلك المقدور له.
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/398.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ استئناف يتنزّل منزلة البيان لوصف الحي لأنّ عموم العلم يبيّن كمال الحياة، وجيء ب (شيء) هنا لأنّه من الأسماء العامة.
2. ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ قصد منه عموم أمكنة الأشياء، فالمراد من الأرض الكرة الأرضية: بما فيها من بحار، والمراد بالسماء جنس السموات: وهي العوالم المتباعدة عن الأرض، وابتدئ في الذكر بالأرض ليتسنّى التدرّج في العطف إلى الأبعد في الحكم؛ لأنّ أشياء الأرض يعلم كثيرا منها كثير من الناس، أما أشياء السماء فلا يعلم أحد بعضها فضلا عن علم جميعها.
3. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، استئناف ثان يبيّن شيئا من معنى القيّومية، فهو كبدل البعض من الكل، وخصّ من بين شئون القيّومية تصوير البشر لأنّه من أعجب مظاهر القدرة؛ ولأنّ فيه تعريضا بالرد على النصارى في اعتقادهم إلاهية عيسى من أجل أنّ الله صوّره بكيفية غير معتادة فبيّن لهم أنّ الكيفيات العارضة للموجودات كلّها من صنع الله وتصويره: سواء المعتاد، وغير المعتاد.
4. ﴿كَيْفَ﴾ هنا ليس فيها معنى الاستفهام، بل هي دالة على مجّد معنى الكيفية؛ أي الحالة، فهي هنا مستعملة في أصلها الموضوعة له في اللغة؛ إذ لا ريب في أنّ (كيف) مشتملة على حروف مادة الكيفية، والتكيّف، وهو الحالة والهيئة، وإن كان الأكثر في الاستعمال أن تكون اسم استفهام، وليست (كيف) فعلا؛ لأنّها لا دلالة فيها على الزمان، ولا حرفا لاشتمالها على مادة اشتقاق، وقد تجيء (كيف) اسم شرط إذا اتّصلت بها ما الزائدة وفي كلّ ذلك لا تفارقها الدلالة على الحالة، ولا يفارقها إيلاء الجملة الفعلية إياها إلّا ما شذّ من قولهم: كيف أنت. فإذا كانت استفهاما فالجملة بعدها هي المستفهم عنه فتكون معمولة للفعل الذي بعدها، ملتزما تقديمها عليه؛ لأنّ للاستفهام الصدارة، وإذا جرّدت عن الاستفهام كان موقعها من الإعراب على حسب ما يطلبه الكلام الواقعة هي فيه من العوامل كسائر الأسماء، وأمّا الجملة التي بعدها ـ حينئذ ـ فالأظهر أن تعتبر مضافا إليها اسم كيف ويعتبر كيف من الأسماء الملازمة للإضافة، وجرى في كلام بعض أهل العربية أنّ فتحة (كيف) فتحة بناء، والأظهر عندي أنّ فتحة كيف فتحة نصب لزمتها لأنّها دائما متّصلة بالفعل فهي معمولة له على الحالية أو نحوها، فلملازمة ذلك الفتح إياها أشبهت فتحة البناء.
5. كيف في قوله هنا: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ يعرب مفعولا مطلقا (ليصوّركم)، إذ التقدير: حال تصوير يشاؤها كما قاله ابن هشام في قوله تعالى: ﴿كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 6]، وجوّز صاحب (المغني) أن تكون شرطية، والجواب محذوف لدلالة قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ عليه وهو بعيد؛ لأنّها لا تأتي في الشرط إلّا مقترنة بما، وأما قول الناس: كيف شاء فعل فلحن، وكذلك جزم الفعل بعدها قد عدّ لحنا عند جمهور أئمّة العربية.
6. دلّ تعريف الجزأين على قصر صفة التصوير عليه تعالى وهو قصر حقيقي لأنّه كذلك في الواقع؛ إذ هو مكوّن أسباب ذلك التصوير وهذا إيماء إلى كشف شبة النصارى إذ توهّموا أن تخلّق عيسى بدون ماء أب دليل على أنّه غير بشر وأنّه إله وجهلوا أنّ التصوير في الأرحام وإن اختلفت كيفياته لا يخرج عن كونه خلقا لما كان معدوما فكيف يكون ذلك المخلوق المصوّر في الرحم إلها.
7. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، تذييل لتقرير الأحكام المتقدّمة، وتقدم معنى العزيز الحكيم في قوله تعالى:
8. ﴿فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ في افتتاح السورة بهذه الآيات براعة استهلال لنزولها في مجادلة نصارى نجران، ولذلك تكرّر في هذا الطالع قصر الإلهية على الله تعالى في قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وقوله: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ﴾ وقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/13.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ هذه الجملة السامية تفيد تمام إحاطة الله تعالى في علمه، فهو سبحانه وتعالى يتجلى له كل شيء، ولو كان خافيا عن الناس أو من شأنه الخفاء؛ ولذلك جاء التعبير عن العلم الكامل، ببيان نفى الخفاء عليه سبحانه؛ وذلك لأن العالم المحيط قد يخفى عليه شيء، لكن علم الله غير ذلك، فهو علم لا خفاء معه في شيء مطلقا؛ وإذا كان الله سبحانه وتعالى عليما بكل شيء لا يخفى عليه شيء فهو يعلم القلوب وما تخفيه، وما تكنه السرائر، وما تكنه الضمائر، فهو يعلم البواعث على الكفر، وأنها ليست نقصا في الدليل، ولكنها مآرب الدنيا، والعصبية الجنسية والمذهبية، فليس الذين ينكرون ما جاء به محمد مخلصين في إنكارهم، بل هي لجاجة العناد، وجحود المستيقن، وذكر سبحانه السماء والأرض للإشارة إلى أن علمه قد وسع كل شيء؛ وسع السموات والأرض، وليس الإنسان وما تحدثه به نفسه إلا شيئا صغيرا في هذا الملكوت العظيم، وذلك العالم بأرضه وسمائه، وأكد نفى الخفاء بتكرار (لا) في قوله تعالى: ﴿وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ فذكرها ثانيا تأكيد لأنه لا يخفى عليه شيء.
2. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ هذا بيان لسبب علم الله بعامة، وعلمه بالإنسان بخاصة؛ فإنه علم المكوّن المنشئ، الخالق المبدع، ومن ذا الذي لا يعلم ما أنشأه وكونه وأبدعه على غير مثال سبق!؟ ولذا قال تعالى: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك]، فهذه الآية الكريمة في مقام التعليل للآية السابقة؛ إذ الأولى بينت أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وهى تتضمن الإشارة إلى أن ما تخفيه السرائر من بواعث على الإيمان أو الكفر، والوفاق أو العناد، يعلمه سبحانه لأنه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
3. هذه الآية تفيد أن الله سبحانه وتعالى يعلم الإنسان لا بعد أن استوى وصار في أحسن تقويم، بل يعلمه وهو نطفة لفظت، ثم استقرت في الأرحام، ويعلمه كذلك علم المكوّن المنشئ المربى الذي يتولى بقدرته تصويره حتى يصير بشرا سويا.
4. التصوير: مأخوذ من مادة صار إلى كذا بمعنى تحول إليه، أو من صاره إلى كذا بمعنى أماله وحوله؛ فالتصوير معناه إذن تحويل شيء من حال إلى حال مغيّرا في شكله وهيئته بإمالته من مشابهة شيء إلى مشابهة شيء آخر؛ وكذلك صنع الله تعالى في النطفة؛ فإنه يحولها إلى علقة، ومن علقة إلى مضغة، ثم يجعل المضغة عظاما، وهكذا، وتحويل الله وتصويره ليس تغييرا في الشكل، بل هو تنمية، وتكوين، وتدرج في هذا التكوين يستمر من وقت إيداع النطفة في مستودعها، حتى يصير إنسانا في أحسن تقويم، بل يستمر التكوين حتى يبلغ أشده.
5. الأرحام: جمع رحم، وهو مستودع النطفة في المرأة الذي فيه يتربى وينمو، ويجرى تصوير الله له وتكوينه إياه، حتى يبرز في الوجود حيا يحس ويسمع، ثم يعلم ويتعلم؛ والله سبحانه وتعالى على كل شيء قدير.
6. قوله تعالى: ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ بيان لأمرين:
أ. أحدهما: أن هذا التكوين تبع لمشيئة الله وإرادته، فلم يكن وجوده كوجود المعلول من علته، وكالمسبب من سببه، إنما وجوده وتكوينه ونموه بإرادة الله تعالى ومشيئته، وهو فعال لما يريد.
ب. الثاني: بيان أن الله وحده هو الذي يجعله ذكرا أو أنثى، وجميلا أو دميما، وأبيض أو أسود، بل إنه سبحانه يكتبه وهو في رحم أمه شقيا أو سعيدا، مؤمنا أو كافرا، عالما أو جاهلا، تعالى الله سبحان في علمه علوا كبيرا.
7. ذكر بعض المفسرين أن هذه الآية الكريمة فيها رد على بعض النصارى الذين اعتبروا المسيح عيسى ابن مريم إلها؛ لأنه ولد من غير أب؛ فالله سبحانه وتعالى يبين في هذه الآية أنه هو الذي صوره وكونه في رحم أمه، كما يكوّن سائر الناس، وما كان الإله قابلا للنمو من الصغر إلى الكبر، ومن النطفة إلى العلقة، فالمضغة، فالعظام، وإذا كان رب البرية قد ألقى في رحم مريم ما هو من جنس النطفة البشرية من غير أب يودعها فإن التكوين الذي يسرى على البشر سرى عليه فكيف يكون إلها؟ ويزكى هذا أن الآيات من أول السورة إلى ثمانين آية كان سبب نزولها ـ فيما يروى في أسباب النزول ـ وفد نجران ومناقشة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، وسواء أصح ذلك سببا للنزول أم لم يصح فإن الآية فيها رد على من يدّعى ألوهية المسيح.
8. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في هذه الجملة السامية تقرير للوحدانية وانفراده سبحانه وتعالى بالألوهية وحق العبودية، بعد أن قدم ما هو دليل على هذه الوحدانية، وهو العلم الشامل لكل شيء الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وبعد أن أشار سبحانه إلى أنه المكون لكل شيء وخص الإنسان بالذكر؛ لأنه هو الذي يتمرد ويضل، وكل ما في الوجود مسخر له كما قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة]
9. ثم ختم سبحانه وتعالى بالعزة والحكمة، لبيان كمال سلطانه في ملكه الذي خلقه، وإثبات أنه لا سلطان لأحد معه حي يشترك في عبادته سبحانه وتعالى، وكيف يكون إله لا سلطان له! ولبيان أن الله سبحانه يدبر هذا الكون بواسع علمه وعظيم حكمته، إنه على كل شيء قدير، وهو نعم المولى ونعم النصير.
__________
(1) زهرة التفاسير: 2/1105.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ للرد على قول النصارى بأن عيسى كان يعلم الغيب.
2. ثم ذكر جل وعلا انه ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ ذكر سبحانه هذا ليبطل به قول النصارى بأن عيسى إله لأنه من غير أب، ووجه البطلان ان الإله لا يخلق ويوجد في الأرحام، وإنما الإله هو الخالق المصور للمخلوق في رحم أمه، فان شاء خلقه وصوره بواسطة الأب، وان شاء خلقه بغير هذه الواسطة حسبما تستدعيه حكمته القدسية.
3. خلاصة القول ان الإخبار ببعض المغيبات، وإحياء بعض الأموات، والولادة بلا أب لا يدل شيء منها على ان عيسى إله، لأن الإله هو الذي يعلم جميع المغيبات، لا بعضها، والذي لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، والذي يحيي جميع الأموات، دون استثناء، والذي يقدر على كل شيء، حتى على الخلق من غير أب، وإيجاد الشيء من لا شيء.. وبديهة ان عيسى لم يكن يعلم جميع المغيبات، ولا يقدر على إحياء جميع الأموات، ولم يخلق أحدا في رحم أمه بواسطة الأب أو بلا أب، بل العكس هو الصحيح فإنه هو الذي خلق في الرحم.
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/9.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ علل تعالى عذاب الذين كفروا بآياته بأنه عزيز ذو انتقام لكن لما كان هذا التعليل لا يخلو عن حاجة إلى ضميمة تنضم إليه ليتم المطلوب فإن العزيز ذا الانتقام يمكن أن يخفى عليه كفر بعض من كفر بنعمته فلا يبادر بالعذاب والانتقام، فعقب لذلك الكلام بقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ﴾، فبين أنه عزيز لا يخفى عليه شيء ظاهر على الحواس ولا غائب عنها، ومن الممكن أن يكون المراد مما في الأرض وما في السماء الأعمال الظاهرة القائمة بالجوارح والخفية الكامنة في القلوب على حد ما نبهنا عليه في قوله تعالى: ﴿لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية.
2. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، التصوير إلقاء الصورة على الشيء والصورة تعم ما له ظل كالتمثال وما لا ظل له، والأرحام جمع رحم وهو مستقر الجنين من الإناث، وهذه الآية في معنى الترقي بالنسبة إلى ما سبقها من الآيتين، فإن محصل الآيتين: أن الله تعالى يعذب الذين كفروا بآياته لأنه العزيز المنتقم العالم بالسر والعلانية فلا يغلب في أمره، بل هو الغالب، ومحصل هذه الآية أن الأمر أعظم من ذلك، ومن يكفر بآياته ويخالف عن أمره أذل وأوضع من أن يكفر باستقلال من نفسه واعتماد على قدرته من غير أن يأذن الله في ذلك فيغلب هو على أمره تعالى، ويبطل النظام الأحسن الذي نظم الله سبحانه عليه الخلقة فتظهر إرادته على إرادة ربه، بل الله سبحانه هو أذن له في ذلك، بمعنى أنه نظم الأمور نوع نظم يؤدي إلى وجود الاختيار في الإنسان، وهو الوصف الذي يمكنه به ركوب صراط الإيمان والطاعة أو التزام طريق الكفر والمعصية، ليتم بذلك أمر الفتنة والامتحان، فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر، وما يشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين، فما من كفر ولا إيمان ولا غيرهما إلا عن تقدير، وهو نظم الأشياء على نحو يتيسر لكل شيء ما يتوجه إليه من مقاصده التي سوف يستوفيها بعمله بتصويره بصورته الخاصة التي تمهد له السلوك إلى ما يسلك إليه. فالله سبحانه هو الغالب على أمره القاهر في إرادته المهيمن على خلقه، يظن الإنسان أنه يفعل ما يشاء ويتصرف فيما يريد، ويقطع بذلك النظم المتصل الذي نظمه الله في الكون فيسبق التقدير، وهذا بعينه من القدر.
3. هذا هو المراد بقوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾، أي ينظم أجزاء وجودكم في بدء الأمر على نحو يؤدي إلى ما يشاؤه في ختمه مشية إذن لا مشية حتم، وإنما خص الكلام بالتقدير الجاري في الإنسان ولم يذكر التقدير العام الجاري في العالم كله لينطبق على المورد، ولما مر أن في الآيات تعريضا للنصارى في قولهم في المسيح عليه السلام والآيات منتهية إلى ما هو الحق من أمره، فإن النصارى لا ينكرون كينونته عليه السلام في الرحم وأنه لم يكون نفسه.
4. التعميم بعد التخصيص في الخطاب أعني قوله: ﴿يُصَوِّرُكُمْ﴾ بعد قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ﴾، للدلالة على أن إيمان المؤمنين أيضا ككفر الكافرين غير خارج عن حكم القدر، فتطيب نفوسهم بالرحمة والموهبة الإلهية في حق أنفسهم، ويتسلوا بما سمعوه من أمر القدر ومن أمر الانتقام فيما يعظم عليهم من كفر الكافرين.
5. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، فيه عود إلى ما بدئ به الكلام في الآيات من التوحيد، وهو بمنزلة تلخيص الدليل للتأكيد، فإن هذه الأمور المذكورة أعني هداية الخلق بعد إيجادهم، وإنزال الكتاب والفرقان، وإتقان التدبير بتعذيب الكافرين أمور لا بد أن تستند إلى إله يدبرها وإذ لا إله إلا الله تعالى شأنه فهو الذي يهدي الناس وهو الذي ينزل الكتاب والفرقان، وهو يعذب الكافرين بآياته، وإنما يفعل ما يفعل من الهداية والإنزال والانتقام والتقدير بعزته وحكمته.
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/14.
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ لأنه لا يغيب عنه شيء، ولا يعزب عنه شيء، وهو علام الغيوب ﴿وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ﴾ [يس:79]
2. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾ (الرحم) موضع الولد الموجود في بطن أمه ﴿كَيْفَ يَشَاءُ﴾ من الصور؛ لعلمه بكل شيء، وقدرته على كل شيء، وهذه من أوضح الآيات دلالة على ذلك، فهناك تصوير العظام التي أصلها الماء المهين، وجعلها عظام إنسان برأسه وعنقه وسلسلة ظهره، وعظام أضلاعه وصدره ويديه، وحوض في أسفله يركب فيه رجليه، ثم توصيل العظام بالأعصاب، مع تواصلها في أصل صنعتها بتداخل أطرفها، ثم دماغ وقلب وكبد ورئتان وأمعاء وكلى إلى غير ذلك، ثم عروق يجري الدم فيها من القلب إلى نواحي البدن شبه المواصير، ثم نفخ الروح فيه وقد أعدّ له في بدنه الأعضاء والفم واللسان لأنه سيُلهم البيان، ومع ذلك ترى الوجوه مختلفة لا تتفق كما تتفق مصنوعات الورشة الواحدة، حتى الأخوة من الأم والأب، وهذه من أعظم الآيات مع كثرة الناس فسبحان الله وبحمده.
3. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لأنه المالك لما خلق وكلهم عباده، ولأنه هو الذي يرجى ويخشى وتنفع العابدين عبادته ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي لا ينال ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي لا يفعل خلاف ما يوافق الحكمة، فلا يتخذ ولداً لأنه غني ولا يتخذ شريكاً لأنه خلاف الحكمة وفي هذه الآيات مناسبة لما يأتي في شأن عيسى عليه السلام بعد إحدى عشرة آية.
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/421.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ فهو المطّلع على كل عباده في سرّهم وعلانيتهم، في كفرهم وإيمانهم، في طاعتهم ومعصيتهم، كما هو مطّلع على كل شيء في الكون في الأرض وفي السماء، فلا بد للناس من أن يراقبوه في كل ما يعملون، وفي ما يسرّون وما يعلنون، وأن يحسبوا حساب عذابه في ذلك كله.
2. ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ فهو الذي يبدع وجودكم بكل خصائصه ويمنحكم الصورة التي يشاؤها بحكمته، وأنتم أجنّة في بطون أمهاتكم، من ذكورية وأنوثية، وجمال وقبح، وطول أو قصر، أو ذكاء وبلادة، أو حدّة أو برودة، في صورة مادية أو معنوية.
3. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الخالق البارئ المبدع المصوّر، فلا يشاركه في خلقه أحد، ولا يساعده في إبداع الصورة غيره ﴿الْعَزِيزِ﴾ في سلطانه ﴿الْحَكِيمُ﴾ في أفعاله، فلا يصدر منه إلا ما كان في عمق الحكمة التي تضع الأمور في مواضعها وتبدع الأشياء بأسرارها.
4. وهكذا تنطلق الوحدانية الإلهية في وعي وجدان الإنسان لينفتح على الله وحده في كل أموره، وليراقبه في كل حركاته وسكناته، وليشكره على جميع نعمه في وجوده، فليست هناك نعمة إلا منه، فهو الأول والآخر في كل وجود الإنسان أولا وأخيرا.
__________
(1) من وحي القرآن: 5/215.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. هاتان الآيتان تكمّلان الآيات السابقة التي قرأنا فيها أنّ الله تعالى حيّ وقيّوم وهو مدبّر الكون بأجمعه وسيعاقب الكافرين المعاندين (حتّى لو لم يظهروا كفرهم وعنادهم) ومن البديهي أنّ هذه الإحاطة والقدرة لتدبير العالم بحاجة إلى علم غير محدود وقدرة مطلقة، ولهذا أشارت الآية الأولى إلى علم الله تعالى، وفي الآية الثانية إلى قدرته المطلقة.
2. في البداية تقول الآية الشريفة: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾، فكيف يمكن أن يختفي عن أنظاره شيء من الأشياء في حين أنّه حاضر وناظر في كلّ مكان، فلا يخلو منه مكان، وبما أنّ وجوده غير محدود، فلا يخلو منه مكان معين، ولهذا فهو أقرب إلينا من كلّ شيء حتّى من أنفسنا، وفي نفس الوقت الذي يتنزّه فيه الله تعالى عن المكان والمحل، فإنّه محيط بكل شيء، وهذه الإحاطة والحضور الإلهي بالنسبة لجميع المخلوقات بمعنى (العلم الحضوري) لا (العلم الحصولي)
3. ثمّ تبيّن الآية التالية واحدة من علم وقدرة الله تعالى الرائعة، بل هي في الحقيقة إحدى روائع عالم الخلقة ومظهر بارز لعلم الله وقدرته المطلقة حيث تقول الآية ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ ثمّ تضيف ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، إنّه لأمر عجيب ومحيّر حقّا أن يصوّر الله الإنسان وهو في رحم أمّه صورا جميلة ومتنوّعة في أشكالها ومواهبها وصفاتها وغرائزها.
4. هذه الآية تؤكّد أنّ المعبود الحقيقي ليس سوى الله القادر الحكيم الذي يستحقّ العبادة، فلما ذا إذن يختارون مخلوقات كالمسيح عليه السّلام ويعبدونها، ولعلّ هذه العبارة إشارة إلى سبب النزول المتقدّم في بداية السورة من أنّ المسيحيّين أنفسهم يوافقون على أنّ المسيح كان جنينا في بطن أمّه مريم، ثمّ تولّد منها، إذن فهو مخلوق وليس بخالق فكيف يكون معبودا!؟
5. إنّ عظمة مفهوم هذه الآية تجلّت اليوم أكثر من ذي قبل نتيجة للتقدّم الكبير في علم الأجنّة، فهذا الجنين يبدأ بخلية، لا شكل لها ولا هيكل ولا أعضاء ولا أجهزة، ولكنّها تتّخذ أشكالا مختلفة كلّ يوم وهي في الرحم، وكأنّ هناك فريقا من الرسّامين المهرة يحيطون بها ويشتغلون عليها ـ ليل نهار وبسرعة عجيبة ـ ليصنعوا من هذه الذرّة الصغيرة وفي وقت قصير إنسانا سويّا في الظاهر، وفي جوفه أجهزة دقيقة رقيقة متعقّدة ومحيّرة. لو أنّ فيلما صوّر مراحل تطوّر الجنين ـ وقد صوّر فعلا ـ وشاهده الإنسان يمرّ من أمام عينيه لأدرك بأجلى صورة عظمة الخلق وقدرة الخالق، والعجيب في الأمر أنّ كلّ هذا الرسم يتمّ على الماء الذي يضرب به المثل في عدم احتفاظه بما يرسم عليه.
6. من الجدير بالذكر أنّه عندما يتمّ اللقاح ويخلق الجنين للمرّة الأولى يسرع بالانقسام التصادي على هيئة ثمرة التوت التي تكون حبّاتها متلاصقة، ويطلق عليه اسم (مرولا)، وفي غضون هذا التقدّم تخلق (المشيمة) وتتكامل، وتتّصل من جهة قلب الأم بوساطة شريانين ووريد واحد، ومن الجهة الأخرى تتّصل بسرّة الجنين الذي يتغذّى على الدم القادم إلى المشيمة، وبالتدريج وعلى أثر التغذية والتطور واتجاه الخلايا نحو الخارج يتجوّف باطن (المولا)، وعندئذ يطلق عليه اسم (البلاستولا)، ولا تلبث هذه حتى يتكاثر عدد خلاياها، مؤلّفة كيسا ذا جدارين، ثمّ يحدث فيه انخفاض يقسم الجنين إلى قسمي الصدر والبطن، إلى هنا تكون جميع الخلايا متشابهة ولا اختلاف بينها في الظاهر، ولكن بعد هذه المرحلة يبدأ الجنين بالتصوّر، وتتشكّل أجزاؤه بأشكال مختلفة بحسب وظيفتها المستقبلية، وتتكون الأنسجة والأجهزة، وتقوم كلّ مجموعة من الخلايا ببناء أحد أجهزة الجسم وصياغته، كالجهاز العصبي وجهاز الدورة الدموية، وجهاز الهضم، وغيرها من الأجهزة، حتّى يصبح الجنين بعد هذه المراحل من التطوّر في مخبئه الخفي في رحم أمّه إنسانا كامل الصورة.
7. (أرحام) جمع (رحم) يعني في الأصل محل نموّ الجنين في بطن الأمّ، ثمّ أطلق على جميع الأقرباء الذين يشتركون في أمّ واحدة المتولّدون من أمّ واحدة، وبما أنّ حالة من المحبّة والعطف والحنان ترتبط بين هؤلاء الأفراد أطلقت هذه المفردة على كلّ عطف وحنان (رحمة)، ويرى البعض أنّ المفهوم من هذه الكلمة بالعكس، أي أنّ المفهوم الأصلي لها هو رقّة القلب والعطف والمحبّة، ولكن بما أنّ الأقرباء والأرحام يشتركون في هذه الصفة فيما بينهم أطلق على المكان الذي تولّدوا منه كلمة (رحم)
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/391.
3. القرآن والمحكم والمتشابه
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈3⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ [آل عمران: 7]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
معاذ:
روي عن معاذ بن جبل (ت 18 هـ) أنّه قال: القرآن منار كمنار الطريق، ولا يخفى على أحد، فما عرفتم منه فلا تسألوا عنه أحدا، وما شككتم فيه فكلوه إلى عالمه(1).
__________
(1) ابن أبي شيبة: ١٠/٤٨٩.
أبيّ:
روي عن أبيّ بن كعب (ت 22 هـ) أنّه قال: كتاب الله ما استبان منه فاعمل به، وما اشتبه عليك فآمن به، وكله إلى عالمه(1).
__________
(1) ابن أبي شيبة: ١٠/٤٨٩.
ابن مسعود:
روي عن عبد الله بن مسعود (ت 32 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: أنزل القرآن على خمسة أوجه: حرام، وحلال، ومحكم، ومتشابه، وأمثال؛ فأحل الحلال، وحرم الحرام، وآمن بالمتشابه، واعمل بالمحكم، واعتبر بالأمثال(1).
2. روي أنّه قال في قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ إلى قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: أما الآيات المحكمات فهن الناسخات التي يعمل بهن، وأما المتشابهات فهن المنسوخات(2).
__________
(1) ابن الضريس: ١٢٩.
(2) ابن جرير: ٥/١٩٤.
علي:
روي عن الإمام الباقر أن رجلا قال للإمام علي (ت 40 هـ): هل تصف ربنا نزداد له حبا وبه معرفة؟ فغضب وخطب الناس، فقال فيما قال: عليك ـ يا عبد الله ـ بما ذلك عليه القرآن من صفته، وتقدمك فيه الرسول من معرفته، فائتم به واستضىء بنور هدايته، فإنما هي نعمة وحكمة أوتيتها، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين، وما كلفك الشيطان عليه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، ولا في سنة الرسول والأئمة الهداة أثره، فكل علمه إلى الله، ولا تقدر عظمة الله على قدر عقلك فتكون من الهالكين، واعلم ـ يا عبد الله ـ أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم الله عن الاقتحام على السدد المضروبة دون الغيوب، وأقروا بجهل ما جهلوا تفسيره من الغيب المحجوب، فقالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ وقد مدح الله اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علما، وسمى تركهم التعمق فيما لم يكلفهم البحث عنه رسوخا(1).
__________
(1) تفسير العياشي: 1/163.
ابن عباس:
روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ من ههنا: ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ إلى آخر ثلاث آيات [الأنعام: ١٥١ ـ ١٥٣]، ومن ههنا: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ إلى ثلاث آيات بعدها [الإسراء: ٢٣ ـ ٢٥] (1).
2. روي أنّه قال: المتشابه: حروف التهجي في أوائل السور(2).
3. روي أنّه قال: ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن به، ويعمل به(1).
4. روي أنّه قال: ﴿مُحْكَمَاتٌ﴾: الناسخ الذي يدان به، ويعمل به(1).
5. روي أنّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: المحكمات: ناسخه، وحلاله، وحرامه، وحدوده، وفرائضه، وما يؤمن به، ويعمل به(1).
6. روي أنّه قال: ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾: منسوخه، ومقدمه، ومؤخره، وأمثاله، وأقسامه، وما يؤمن به ولا يعمل به(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/١٩٣.
(2) تفسير البغوي: ٢/٩.
ابن جبير:
روي عن سعيد بن جبير (ت 95 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، يعني: القرآن(1).
2. روي أنّه قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أصل الكتاب؛ لأنهن مكتوبات في جميع الكتب(2).
3. روي أنّه قال: المتشابهات: آيات في القرآن يتشابهن على الناس إذا قرأوهن، ومن أجل ذلك يضل من ضل، فكل فرقة يقرؤون آية من القرآن يزعمون أنها لهم، فمنها يتبع الحرورية من المتشابه قول الله: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ [المائدة: ٤٤]، ثم يقرؤون معها: ﴿ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ﴾ [الأنعام: ١]، فإذا رأوا الإمام يحكم بغير الحق قالوا: قد كفر، فمن كفر فقد عدل بربه، ومن عدل بربه فقد أشرك بربه، فهؤلاء الأئمة مشركون(3).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩١.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٣.
(3) ابن المنذر: ٢٢٨.
الضحاك:
روي عن الضحاك بن مزاحم (ت 102 هـ) أنّه قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، قال ما نسخ وترك يتلى(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/١٩٥.
مجاهد:
روي عن مجاهد (ت 104 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، يعني: ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك منه متشابه(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ يصدق بعضه بعضا(2).
3. روي أنّه قال: المحكمات: ما فيه الحلال والحرام، وما سوى ذلك منه متشابه يصدق بعضه بعضا، مثل قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: ٢٦]، ومثل قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [الأنعام: ١٢٥]، ومثل قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: ١٧] (3).
__________
(1) يحيى بن سلام كما في تفسير ابن أبي زمنين: ١/٢٧٥.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٣.
(3) ابن جرير: ٥/١٩٦.
البصري:
روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ الحلال، والحرام، و﴿الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أم القرآن(1).
__________
(1) ابن جرير: ١٣/٥٧١.
الباقر:
روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) أنّه قال: (إن أناسا تكلموا في القرآن بغير علم، وذلك أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ [آل عمران: 7] الآية، فالمنسوخات من المتشابهات، والمحكمات من الناسخات(1).
__________
(1) الكافي: 2/24.
ابن الزبير:
روي عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت 115 هـ) أنّه قال: المحكمات حجة الرب، وعصمة العباد، ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل، ولا يحرفن عن الحق(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/١٩٧.
قتادة:
روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ المحكم: ما يعمل به(1).
2. روي أنّه قال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: والمحكمات: الناسخ الذي يعمل به؛ ما أحل الله فيه حلاله، وحرم فيه حرامه، وأما المتشابهات: فالمنسوخ الذي لا يعمل به، ويؤمن به(2).
3. روي أنّه قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، أما المتشابهات: فالمنسوخ الذي لا يعمل به، ويؤمن به(3).
__________
(1) عبد الرزاق: ١/١١٥.
(2) ابن جرير: ٥/١٩٤.
(3) ابن المنذر: ١/١٢٠.
الربيع:
روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ): المحكمات: هي الآمرة، الزاجرة(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٣.
الصادق:
روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) أنّه سئل عن المحكم والمتشابه، فقال: المحكم ما يعمل به، والمتشابه ما اشتبه على جاهله(1).
__________
(1) تفسير العياشي: 1/162.
ابن حيان:
روي عن مقاتل بن حيان (ت 149 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: إنما قال ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ لأنه ليس من أهل دين إلا يرضى بهن(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، يعني فيما بلغنا: ﴿أَلَم﴾، و: ﴿المص﴾، و: ﴿المر﴾، و: ﴿الر﴾(2).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٣.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٤.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ثم قال سبحانه: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، يعمل بهن، وهن الآيات التي في الأنعام [١٥١ ـ ١٥٣] قوله سبحانه: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ إلى ثلاث آيات آخرهن: ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾(1).
2. روي أنّه قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، يعني: أصل الكتاب؛ لأنهن في اللوح المحفوظ مكتوبات، وهن محرمات على الأمم كلها في كتابهم، وإنما تسمين أم الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب التي أنزلها الله ـ تبارك وتعالى ـ على جميع الأنبياء، وليس من أهل دين إلا وهو يوصى بهن(1).
3. روي أنّه قال: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾: ﴿أَلَم﴾، ﴿المص﴾، ﴿المر﴾، ﴿الر﴾، شبه على اليهود كم تملك هذه الأمة من السنين، والمتشابهات هؤلاء الكلمات الأربع(2).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٣.
(2) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٤.
ابن إسحاق:
روي عن محمد بن إسحاق (ت 151 هـ) أنّه قال: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، فهن حجة الرب، وعصمة العباد، ودمغ الخصوم والباطل، ليس لهن تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٢.
ابن زيد:
روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ هن جماع الكتاب(1).
2. روي أنّه قال: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾ [هود: ١] وذكر حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في أربع وعشرين آية منها، وحديث نوح في أربع وعشرين آية منها، ثم قال ﴿تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ﴾ [هود: ٤٩]، ثم ذكر: ﴿وَإِلَى عَادٍ﴾ [هود: ٥٠] فقرأ حتى بلغ: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [هود: ٥٢]، ثم مضى، ثم ذكر صالحا وإبراهيم ولوطا وشعيبا، وفرغ من ذلك، وهذا يقين، ذلك يقين أحكمت آياته ثم فصلت، قال والمتشابه ذكر موسى في أمكنة كثيرة، وهو متشابه، وهو كله معنى واحد ومتشابه: ﴿فَاسْلُكْ فِيهَا﴾ [المؤمنون: ٢٧]، ﴿احْمِلْ فِيهَا﴾ [هود: ٤٠]، ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾ [القصص: ٣٢]، ﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾ [النمل: ١٢]، ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾ [طه: ٢٠]، ﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾ [الأعراف: ١٠٧، والشعراء: ٣٢]، قال ثم ذكر هودا في عشر آيات منها، وصالحا في ثماني آيات منها، وإبراهيم في ثماني آيات أخرى، ولوطا في ثماني آيات منها، وشعيبا في ثلاث عشرة آية، وموسى في أربع آيات، كل هذا يقضي بين الأنبياء وبين قومهم في هذه السورة، فانتهى ذلك إلى مائة آية من سورة هود، ثم قال ﴿ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْقُرَى نَقُصُّهُ عَلَيْكَ مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ﴾ [هود: ١٠٠]، وقال في المتشابه من القرآن: من يرد الله به البلاء والضلالة يقول: ما شأن هذا لا يكون هكذا!؟ وما شأن هذا لا يكون هكذا!؟(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٠١.
(2) ابن جرير: ٥/١٩٧.
الرسّي:
ذكر الإمام القاسم الرسّي (ت 246 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. سألت عن قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فالمحكمات كما قال الله: فهن أم الكتاب، والمحكم منه: فما صحت حجته في الألباب، والأم من علم كل شيء هو: البين من علمه غير الخفي، وأم أمهات العلوم كلها فأنور ما يكون من العلم عند أهلها، وكذلك الكتاب فمحكماته من غير شك أمهاته، التي لا يشتبه على عالمهن منهن علم، ولا يدخله في الإحاطة بهن شك ولا وهم، ولا يحتاج في البيان عنهن إلى إكثار ولا تطويل؛ بل تنزيل الله فيهن كاف من التأويل، كقوله سبحانه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى:11]، و﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾ [يونس:44]؛ فهذا وأشباهه من كتاب الله فهو المحكم، الذي ليس فيه ـ بمن الله ـ شبهة ولا وهم.
2. أما متشابه الآيات من الكتاب، فلا يكون أبدا إلا متشابها، كما جعله رب الأرباب، فليس يحيط غيره بعلمه، ولم يكلف أحدا العلم به، وإنما كلف العلم بأنه من عند ربه، كما قال سبحانه: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:7]، فجعل الإيمان به، والعلم بأنه من عنده فريضة عليهم في متشابه الكتاب، ولو كان عند غيره بالاستخراج معلوما ـ لما كان متشابها في نفسه ولا مكتوما، وأزال عنه اسم الإخفاء والتشابه، كما يوجد له من المخارج في العلم والتوجه، ولما قال الله: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ جملة وإرسالا؛ حتى يقال: ﴿مُتَشَابِهًا﴾ عند من كان به جاهلا.. وفي تشابه كتاب الله وإخفائه، وما أراد بذلك سبحانه من امتحان كل محجوج وابتلائه ـ أعلم العلم، وأحكم الحكم عند أهل العلم والحكمة، وأدل الدلائل على الله في الأشياء كلها من القدرة والعظمة.
__________
(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/141.
الهادي إلى الحق:
ذكر الإمام الهادي إلى الحق (ت 298 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ المحكمات ـ رحمك الله ـ هن الآيات اللواتي ظواهرهن كباطنهن، وتأويلهن كتنزيلهن، لا يحتملن معنين، ولا يقال فيهن بقولين، مثل قوله تبارك وتعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]..ومثل قوله: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص: 4] ومثل قوله: ﴿الْحَمْدُ لله الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيرًا﴾ ومثل سورة الحمد، ومثل قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة: 255] الآية كلها، وغير ذلك مما كان من الآيات المحكمات، اللواتي لا يدخلهن التأويلات، ولا يختلف فيهن القالات.
2. والأمهات هن: اللواتي ترد إليهن المتشابهات، وأم كل شيء فأصله، وأصله فمحكمه، الذي يرد إليه الفروع والإختلاف، ويقع بالرجوع إليه بعد التشاجر والإيتلاف.
3. والمتشابهات هن: ما حجب الله عن الخلق علمه من الآيات، اللواتي لا يعلم تأويلهن غير رب السموات، كما قال الله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ [آل عمران: 7] فأخبر أنه لا يعلم تأويله غيره، وأن الراسخين في العلم إليه يردونه، إذ لم يعلموه، وإذ حجب عنهم تأويله فلم يفهموه، مثل ﴿يس﴾، و﴿حم﴾، و﴿الر﴾، و﴿طسم﴾، و﴿كهيعص﴾، و﴿أَلَم﴾ و﴿الر﴾ و﴿المص﴾ و﴿ص﴾
4. ما كان من المتشابه مما يحتاج الخلق إلى فهمه، فقد أطلع الله العلماء الذين أمر بسؤالهم على علمه، وهو ما كان تأويله، مخالفا لتنزيله، مثل قوله سبحانه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22 ـ 23] ومثل قوله: ﴿وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ﴾ [الزمر: 67] ومثل قوله: ﴿تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: 78] ومثل ما ذكر الله من الضلال والإملاء، وغير ذلك مما ذكر تبارك وتعالى مما يتعلق تنزيله بتأويل يعرفه العالمون، وينسب فيه إلى الله شبه خلقه الجاهلون، فأبطلوا بذلك ما ذكر الله من الأمهات المحكمات، اللواتي جعلهن بالحق شاهدات، وعن ظاهر المتشابه ناطقات.
__________
(1) تفسير الإمام الهادي: 1/167.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾:
أ. قيل: المحكمات: هن النّاسخات المعمولات بهن، والمتشابهات: هن المنسوخات غير معمول بهن، وهو قول ابن عباس.
ب. وقيل: المحكمات: هن ثلاث آيات في آخر سورة الأنعام: قوله: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ﴾ [الأنعام: 151] إلى قوله: ﴿تَتَّقُونَ﴾ [الأنعام: 153]، وما ذكر في سورة (بنى إسرائيل) من قوله: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا﴾ [الإسراء: 23] إلى آخر هذه الآيات، سميت محكمة؛ لأن فيها توحيدا وإيمانا بالله وغيره من المتشابه.
ج. وقيل: المحكمات: هي التي يعرفها كل أحد إذا نظر فيها، وتأمّل فيها، والمتشابه: هو المبهم الذي يعرف عند البحث فيه والطلب.
د. وقيل: المحكمات: ما يوقف ويفهم مراده، والمتشابه: هو الذي لا يوقف عليه] البتة، بعد ما قضى حوائج الخلق من البيان في المحكم منه، ولكن يلزم الإيمان به، وهو من الله محنة على عباده، ولله أن يمتحن خلقه بما شاء من أنواع المحن؛ لأنها دار محنة، وغيرها لا يفهم مرادها.
هـ. ويحتمل أن يكون المحكمات: هن ما ظهر لكل أحد من أهل الإسلام؛ حتى لم يختلفوا فيها، والمتشابه: هو الذي اشتبه على الناس؛ لاختلاف الألسن فاختلفوا فيها، ولما يؤدي ظاهره إلى غير ما يؤدي باطنه؛ فتعلق بعضهم بالظاهر فقالوا به، وتعلق آخرون بالباطن؛ لما رأوا ظاهره جورا وظلما أو تشبيها، على اتفاقهم على نفي الجور والظلم عنه، ويجوز لمن يوقف على المتشابه بمعرفة المحكم.
و. وقيل: المحكم: هو الواضح المبين، فلو كان على ما قالوا لم يكن لاختلاف الناس فيه، وادعاء كل أنّ الذي هو عليه هو المحكم؛ لأنه لو كان ظاهرا مبيّنا لتمسّكوا به، ولم يقع بينهم اختلاف.
ز. وقيل: المحكم: ما في العقل بيانه، والمتشابه: ما لا يدرك في العقل؛ وإنما يعرف بمعونة السمع.
ح. وقيل: لا متشابه فيما فيه أحكام من أمر ونهي وحلال وحرام؛ وإنما ذلك فيما ليس بالناس حاجة إلى العلم به، نحو: الإنباء عن منتهى الملك، وعن عدد الملوك، وعن الإحاطة بحقيقة الموعود، ونحو ذلك، ولا قوة إلا بالله، لكن يمكن أن يكون سمي متشابها؛ بما تشابه على أولئك القوم حقيقة ما راموا من الوجه الذي طلبوا، وقد بيّنا الحق في أمر المتشابه، وما يجب في ذلك من القول، وبالله العصمة والنجاة.
2. في الآية الكريمة دليل ونقض على المعتزلة؛ لأنهم يقولون بالأصلح في الدين: أنه لا يفعل إلا ذلك، ثم لم يبين لهم المحكم من غير المحكم، ولو بين كان أصلح لهم في الدين؛ فدل أن الله ـ عزّ وجل ـ قد يجوز أن يفعل بهم ما ليس بأصلح لهم في الدين؛ امتحانا وابتلاء منه لهم، لكن لا يخرج من الحكمة، ثم ما قالوه في الأمر حق؛ لأنه لا يأمر إلا أن يفعل بهم ما لهم فيه الأصلح، وقد يفعل ما هو حكمة في حق المحنة وإن كان غير ذلك أصلح لهم في الدّين، بمعنى: أقرب وأدعى إليه.
3. قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يحتمل وجهين:
أ. يحتمل أم الكتاب، أي: أصل الكتاب.
ب. ويحتمل أم الكتاب، أي: المتقدم على غيرها؛ وعلى هذا يخرّج: ﴿أُمَّ الْقُرَى﴾ [الأنعام: 92 ـ الشورى: 7]، أعني: مكة؛ لأنها هي المتقدمة على غيرها من القرى، ويحتمل هي أصل القرى؛ كما سمى (فاتحة الكتاب): (أم القرآن)؛ لأنها أصل؛ أو لأنها هي المتقدمة على غيرها من السور.
ج. ويحتمل ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: مقصود الكتاب، يعني: المحكمات، والمتشابهات مما فيه شبه من غيره؛ فيتشابه؛ فهو متشابه؛ كقولهم: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 70]؛ وكذلك المشكل سمي مشكلا؛ لما يدخل فيه شكل من غيره فسمي مشكلا؛ فكذلك المتشابه يدخل فيه شبه غيره؛ فصار متشابها.
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/304.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾:
أ. قيل: ميل عن الحق.
ب. وقيل: الزيغ: هو الريب والشك.
2. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ ولو كان ثم اتباع لعذروا؛ إذ الاتباع للشيء اتباع ما فيه من المراد؛ وعلى هذا يقولون في قوله: ﴿يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾ [البقرة: 121]: أي يتبعونه حق اتباعه، وكذلك قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 3]، والمتشابه قد أنزل إلينا من ربنا؛ فيحمد متبعه في الحقيقة؛ فثبت أنه لم يكن ثم اتباع في الحقيقة، وأنه لو كان لعذروا، ولكنه كان ـ والله أعلم ـ اتباع الآراء في التأويل بالآراء الفاسدة؛ ألا ترى أنهم طلبوا بالتأويل منتهى ملك هذه الأمّة!؟ وفي الوقوف عليه وقوف على علم الساعة وسبب القيامة، وذلك علم لم يطلع الله الرسل على ذلك، فضلا أن يطلع عليه غيرهم.. ويحتمل أن يكون اتباعهم نظرهم فيما تقصر أفهامهم عن الإدراك في الوقوف عليه، ولو كان نظرهم في المحكم من ذلك، لكان لهم في ذلك بلاغ وكفاية فيما إليهم به حاجة، ولا قوة إلا بالله.
3. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ميل عن الحق، وذلك همتهم، أو كان ذلك اعتقادهم، فإن كان المراد من ذلك في الكفرة فهو الأوّل، وإن كان في أصحاب الهوى من الذين يدينون دين الإسلام ـ فهو الثاني؛ وكذلك نجد كل ذي مذهب في الدّين ـ ممّن اعتقد حقيقة الأمر في قوله: ﴿اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 3]، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ [الإسراء: 9] الآية، وقوله: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [النمل: 76] الآية ـ يتعلق بظاهر الآية؛ يدعي أنها محكمة بما عنده أنه الحق، بعد أن أجهد نفسه في طلب الحق، ويسوي غير ذلك عليه، فإن كان على ذلك فحقه التسليم لما عليه توارث الأمة ظاهرا؛ على ما روى عن نبي الله صلّى الله عليه وآله وسلم أنه أخبر عن تفرق الأمة، ثم أشار إلى التمسّك بما عليه هو وأصحابه(2)، فعلى ذلك أمر المتوارث؛ فيجب جعله محكما وبيانا لما اختلف عليه.
4. المبتدع في ابتغاء تأويله هو الذي يريد التلبيس على من لزم تلك الجملة، وكذلك لأهل جمل في الدّين مرفوع عليه، كذا التنازع وترك الاشتغال بتأويل ما اعترضه، لكان متبع المحكم عند الأمة مطيعا المتشابه، ولا قوة إلا بالله، وإن كان هو الأوّل فقد ذكر أن ذلك في استخراج منتهى ملك هذه الأمة، وأن نهايته الساعة، والعلم به لم يطلع عليه الرسل فضلا عمن دونهم، أو كان ذلك في أشياء تقصر عقول الضعفاء عن الإحاطة بذلك؛ يريدون بذلك التلبيس على العوام وأهل الغباوة؛ فأخبر ـ عزّ وجل ـ بما ذكر أنه لا يعلمه إلا الله كان ذلك فيما يعلمه غيره أو لا، فإن كان أطلعه فبالله علم، لا أن في العقول بلوغ ذلك، ومعنى الاتباع ما قد بين.
5. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: من القرآن بقول ما اشتبه حسابهم، ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾:
أ. قيل: الفتنة: الكفر.
ب. ويحتمل: المحنة، أي: يمتحنون أهل الإسلام.
6. ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ منتهى ما كتب الله ـ عزّ وجل ـ لهذه الأمّة من المدّة لهم والوقت، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي: وما يعلم منتهي تلك الأمة إلّا الله.
7. المتشابه: إن كان ما يوقف فيه فهو، وإن كان مما يعرفه أهل المعرفة، ويعلمه بالواضح ـ فهو هو، وأصل هذا: أن كل ذي مذهب في الإسلام يدعي على خصمه بما ذهب إليه من الحجاج بالآيات ـ الوقوع في المتشابه، ولنفسه ـ الوقوع في الواضح، وعنده أن ما ذهب إليه هو الحق؛ فلا فرق بين أن يدعي عليه ذهابه إلى غير الحق، أو تعديه إلى المتشابه وترك الواضح، فسبيل مثله الفحص والبحث عما ذهب إليه إن جاء بشيء يضطر العقل إلى قبوله سلم له ما جاء به، وإلا فخصمه منه في دعوى مثله: بالوقوع له في المتشابه بمحل دعواه.
8. اختلف في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾:
أ. قال قوم: موضع الوقف على قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ (يقولون)، بمعنى: قالوا، (آمنا به): بما عرفنا، وذلك جائز في اللغة؛ (يقول) بمعنى: (قال)
ب. وقال آخرون: موضع الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ ثم استأنف الكلام فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ المحكم والمتشابه وغيره.
9. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾:
أ. قيل: الراسخون: هم المتدارسون.
ب. وقيل: المتثابتون؛ رسخ، بمعنى: ثبت.
ج. وقيل: الراسخون: الناتجون.
د. يقال: رسخ في العلم: نتج فيه.
10. سؤال وإشكال: ما الحكمة في إنزال المتشابه؟ والجواب:
أ. إذا كان مما يعلم فهو يحتمل وجهين:
• يحتمل: ليعلم فضل العالم على غير العالم.
• ويحتمل: أن جعل عليهم طلب المراد فيه، والفحص عما أودع فيه.
ب. وإن كان مما لا يعلم يحتمل المحنة؛ امتحنهم في ذلك بالوقف فيه؛ إذ الدار دار محنة، ولله أن يمتحن عباده بجميع أنواع المحن.
11. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ما يتعظ إلا أولو الحجج والعقل.
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/310.
(2) المراد أصحابه الصادقين المنتجبين الذين أخبر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بثباتهم بعده كعمار وعلي وأبي ذر وغيرهم
العياني:
ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. معنى قول سيدنا عز وجل: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، أي هن أصول الكتاب، والأصول: هي الأمهات، والفروع المتفرعة هي الأولاد والبنات، فمن أحاط بالأصول لحقته وانقادت إليه الفروع.
2. الأصول المحكمة من الأمهات، مثل سورة التوحيد ومثل قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء﴾، وما أشبه ذلك مما لا يحتاج إلى تفسير.. وأما المتشابه: فمثل ما لا يليق بالله، ويكون لفظه مخالفاً للأصول، والواجب أن نعتقد الأصل ونتأول في الفرع.
__________
(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/ 256.
الديلمي:
ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ أي القرآن ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فأما المحكم فهو كلما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه والمتشابه ما أشبهت معانيه ويجوز أن يكون المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجهاً وإنما جعله الله سبحانه محكماً ومتشابهاً استدعاء للنظر من غير إنكار على الخبر.
2. أما قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ فمعناه أصل الكتاب أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود والأحكام.
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/133.
الماوردي:
ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن.
2. في قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ سبعة أقاويل:
أ. أحدها: أن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، قاله ابن عباس، وابن مسعود.
ب. الثاني: أن المحكم ما أحكم الله بيان حلاله وحرامه فلم تشتبه معانيه، قاله مجاهد.
ج. الثالث: أن المحكم ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه ما احتمل أوجها، قاله الشافعي ومحمد بن جعفر بن الزبير.
د. الرابع: أن المحكم الذي لم تكرر ألفاظه، والمتشابه الذي تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد.
هـ. الخامس: أن المحكم الفرائض والوعد والوعيد، والمتشابه القصص والأمثال.
و. السادس: أن المحكم ما عرف العلماء تأويله وفهموا معناه وتفسيره، والمتشابه ما لم يكن إلى علمه سبيل مما استأثر الله بعلمه، كقيام الساعة، وطلوع الشمس من مغربها، وخروج عيسى ونحوه، وهذا قول جابر بن عبد الله.
ز. السابع: أن المحكم ما قام بنفسه ولم يحتج إلى استدلال.
ح. ويحتمل ثامنا: أن المحكم ما كانت معاني أحكامه معقولة، والمتشابه ما كانت معاني أحكامه غير معقولة، كأعداد الصلوات، واختصاص الصيام بشهر رمضان دون شعبان.
3. إنما جعله الله تعالى محكما ومتشابها استدعاء للنظر من غير اتكال على الخبر، وقد روى معاذ بن جبل عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: القرآن على ثلاثة أجزاء: حلال فاتبعه، وحرام فاجتنبه، ومتشابه يشكل عليك فكله إلى عالمه)
4. في قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: أصل الكتاب.
ب. الثاني: معلوم الكتاب.
5. في قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ تأويلان:
أ. أحدهما: أنه أراد الآي التي فيها الفرائض والحدود، قاله يحيى بن يعمر.
ب. الثاني: أنه أراد فواتح السّور التي يستخرج منها القرآن، وهو قول أبي فاختة.
ج. ويحتمل ثالثا: أن يريد به أنه معقول المعاني لأنه يتفرع عنه ما شاركه في معناه، فيصير الأصل لفروعه كالأم لحدوثها عنه، فلذلك سماه أم الكتاب.
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/370.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يعني القرآن ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾:
أ. فالمحكم هو ما علم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن إليه ولا دلالة تدل على المراد به لوضوحه، نحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئًا﴾ وقوله: ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾ لأنه لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل.
ب. والمتشابه: ما لا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه، نحو قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ فإنه يفارق قوله: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ لأن إضلال السامري قبيح وإضلال الله بمعنى حكمه بأن العبد ضال ليس قبيح بل هو حسن.
2. اختلف أهل التأويل في المحكم، والمتشابه على خمسة أقوال:
أ. الأول: قال ابن عباس: المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ.
ب. الثاني: قال مجاهد: المحكم ما لا يشتبه معناه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه، نحو قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ ونحو قوله: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾
ج. الثالث: قال محمد بن جعفر بن الزبير، والجبائي: إن المحكم ما لا يحتمل إلا وجهاً واحداً، والمتشابه ما يحتمل وجهين فصاعداً.
د. الرابع: قال ابن زيد: إن المحكم: هو الذي لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه هو المتكرر الألفاظ.
هـ. الخامس: ما روي عن جابر أن المحكم: ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله. نحو قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾
3. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ معناه أصل الكتاب الذي يستدل به على المتشابه، وغيره من أمور الدين، وفي توحيد أم الكتاب قولان:
أ. أحدهما: أنه قدر تقدير الجواب على وجه الحكاية كأنه قيل: ما أم الكتاب؟ فقيل هن أم الكتاب كما يقال: من نظير زيد؟ فيقال: نحن نظيره.
ب. الثاني: أن يكون ذلك مثل قوله: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ بمعنى الجميع آية ولو أريد أن كل واحد منهما آية على التفصيل، لقيل آيتين.
4. سؤال وإشكال: لم أنزل في القرآن المتشابه؟ وهلا أنزله كله محكما؟ والجواب: للحث على النظر الذي يوجب العلم دون الاتكال على الخبر من غير نظر، وذلك أنه لو لم يعلم بالنظر أن جميع ما يأتي به الرسول حق يجوز أن يكون الخبر كذباً، وبطلت دلالة السمع، وفائدته، فلحاجة العباد إلى ذلك من الوجه الذي بيناه، أنزل الله متشابهاً، ولولا ذلك لما بان منزلة العلماء، وفضلهم على غيرهم، لأنه لو كان كله محكماً لكان من يتكلم باللغة العربية عالماً به، ولا كان يشتبه على أحد المراد به فيتساوى الناس في علم ذلك، على أن المصلحة معتبرة في انزال القرآن، فما أنزله متشابهاً لأن المصلحة اقتضت ذلك، وما أنزله محكما فلمثل ذلك.
5. المتشابه في القرآن يقع فيما اختلف الناس فيه من أمور الدين:
أ. من ذلك قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ فاحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على السرير واحتمل أن يكون بمعنى الاستيلاء نحو قول الشاعر:
çثم استوى بشر على العراق...من غير سيف ودم مهراقé
وأحد الوجهين لا يجوز عليه تعالى لقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ وقوله تعالى: ﴿لَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، والآخر يجوز عليه، فهذا من المحكم الذي يرد إليه المتشابه.
ب. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ فاحتمل ظاهره تكليف المشاق، واحتمل تكليف ما لا يطاق وأحدهما لا يجوز عليه تعالى، كما قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فرددنا إليه المتشابه.
ج. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ﴾ فرددناه إلى المحكم الذي هو قوله: ﴿وَيَقُولُونَ هُوَمِنْ عِنْدِ اللهِ وَما هُوَمِنْ عِنْدِ اللهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾
د. ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ متشابه، وبين المراد بالمحكم الذي هو قوله: ﴿وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِلْعَالَمِينَ﴾
هـ. ومن ذلك اعتراض الملحدين في باب النبوة بما يوهم المناقضة كقوله: ﴿قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ﴾ فقال اليومان والاربعة واليومان ثمانية ثم قال: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ﴾ فأوهموا أن ذلك مناقضة وليس الأمر على ما ظنوه لأن ذلك يجري مجرى قول القائل: سرنا من البصرة إلى بغداد في عشرة أيام وسرنا إلى الكوفة في خمسة عشر يوماً فالعشرة داخلة في الخمسة عشر ولا يضاف فيقال: عشرة، وخمسة عشر خمسة وعشرون يوماً كان فيها السير، فكذلك خلق الله الأرض في يومين وقضاهن سبع سماوات في يومين وتمم خلقهن في ستة أيام، وتقديره خلق الأرض في يومين من غير تتميم وجعل فيها رواسي وما تم به خلقها في أربعة أيام فيها اليومان الأولان كما يقال: جعل الدور في شهرين وفرغ منهن في أربعة أشهر، فيكون المحكم قد أبان عن معناه أنه على جهة خلق الأرض في يومين من غير تتميم، وليس على وجه التضاد على ما ظنوه.
6. سؤال وإشكال: كيف يكون المحكم حجة مع جواز تقييده بما في العقل؟ وفي ذلك إمكان كل مبطل أن يدعيه فتذهب فائدة الاحتجاج بالمحكم؟ والجواب: لا يجب ذلك من قبل أن التقييد بما في العقل إنما يجوز فيما كان رداً إلى تعارف من جهة العقول دون ما لا يتعارف في العقول بل يحتاج إلى مقدمات لا يتعارفها العقلاء من أهل اللغة، والمراعى في ذلك أن يكون هناك تعارف من جهة العقل تقتضيه الحكمة دون عادة أو تعارف شيء لأن الحجة في الأول دون الثاني، ومن جهة التباس ذلك دخل الغلط على كثير من الناس.
7. سؤال وإشكال: كيف عددتم من جملة المحكم قوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ مع الاشتباه فيه بدخول الكاف؟ والجواب: إنما قلنا انه محكم لأن مفهومه ليس مثله شيء على وجه من الوجوه دون أن يكون عند أحد من أهل التأويل ليس مثل مثله شيء فدخول الكاف وإن اشتبه على بعض الناس لم دخلت فلم يشتبه عليه المعنى الأول الذي من أجله كان محكماً، وقد حكينا فيما مضى عن المرتضى علي بن الحسين الموسوي أنه قال: الكاف ليست زائدة، وإنما نفى أن يكون لمثله مثل، فإذا ثبت ذلك علم أنه لا مثل له، لأنه لو كان له مثل لكان له أمثال، فكان يكون لمثله مثل، فإذا لم يكن له مثل مثل دل على أنه لا مثل له غير أن هذا تدقيق في المعنى، فتصير الآية على هذا متشابهة، لأن ذلك معلوم بالأدلة، وقد يكون الشيء محكماً من وجه ومتشابهاً من وجه كما يكون معلوماً من وجه، ومجهولًا من وجه، فتصح الحجة به من وجه المعلوم دون المجهول.
8. (أخر) لا ينصرف لأنه معدول عن الالف واللام وهو صفة، وقال الكسائي: لأنه صفة، قال المبرد: هذا غلط، وقال: (لُبد) صفة وكذلك (حُطم) وهما منصرفان قال الله تعالى: ﴿أَهْلَكْتُ مَالًا لُبَدًا﴾ وحكي عن أبي عبيدة أنه قال لم يصرفوا (أخر) لأن واحده لا ينصرف في معرفة ولا نكرة. قال المبرد: وهذا غلط، لأنه يلزم أن لا يصرف غضاباً وعطاشاً، لأن واحده غضبان وعطشان وهو لا ينصرف.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/395.
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الأم: أصل كل شيء، ومكة أم القرى، ويقال: لعلم الجيش. أم، وأصله أمهة؟ ولذلك يجمع أمهات، وقد يقال: أُمّات.
ب. المتشابه أخذ من الشبهة؛ لأن يشتبه به المراد، ويشبه بعضه بعضًا، والشبْه والشبَه في الشيئين، والمتشابهين والمتشابهات من الأمور المشكلات.
2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:
أ. عن ابن عباس أن رهطًا من اليهود، منهم حيي بن أخطب وكعب بن الأشرف أتوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وقالوا: بلغنا أنه أنزل عليك ﴿أَلَمْ﴾؟ فقال: ﴿نِعْمَ﴾، فقالوا: إن كان ذلك حقًّا فملك أمتك إحدى وسبعون سنة، فهل أنزل عليك غيرها؟ قال: نعم ـ المص)، قالوا: هذا أكثر إحدى وثلاثون ومائة سنة، فهل غيرها؟ قال: ﴿نِعْمَ﴾ ﴿المر﴾ قالوا: هذا أكثر هي مائتان وإحدى وثلاثون سنة، ولقد خلطت علينا، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.
ب. وقيل: نزلت في وفد نجران خاصموا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، فقالوا: ألست تزعم أن عيسى كلمة اللَّه وروح منه؟ قال: ﴿بَلَى﴾ قالوا: فحسبنا. فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.
ج. وقيل: نزلت في المنافقين، عن ابن جريج.
3. لما تقدم بيان إنزال القرآن عقبه ببيان كيفية إنزاله فقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ يا محمد، والكتاب: القرآنْ ﴿مِنْهُ﴾ من الكتاب ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾:
أ. قيل: المحكم ما أحكم المراد به، فيستغني عن البيان لوضوحه، والمتشابه ما يحتاج فيه إلى البيان لاشتباه المراد.
ب. وقيل: المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، عن ابن عباس وقتادة والضحاك والربيع والسدي.
ج. وقيل: المحكم ما لم تشتبه معانيه، والمتشابه ما اشتبهت معانيه، عن مجاهد.
د. وقيل: المحكم ما لا يحتمل إلا وجهًا واحدًا كقوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، والمتشابه ما يحتمل وجوهًا كالاستواء والوجه واليد ونحوه، عن مجاهد ومحمد بن جعفر وابن الزبير وأبي علي. وقيل: المحكم الذي لم يتكرر لفظه، والمتشابه هو المتكرر الألفاظ، عن ابن زيد.
هـ. وقيل: المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه ما لا يعلم تعيين تأويله، نحو ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ عن جابر بن عبد اللَّه.
و. وقيل: المحكم ما يعلم المراد منه من غير نظر، والمتشابه ما لا يعلم المراد به إلا بنظر عن الأصم.
ز. وقيل: القرآن وصف بأنه محكم كله من وجه؛ لأنه معجز ودال على الحق، ومتشابه من وجه حيث يشبه بعضه بعضًا في أنه معجز، ولا تناقض فيه، وبعضه محكم، وبعضه متشابه من الوجوه التي بينا.
5. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ يعني الآيات المحكمات أم الكتاب، قيل: أصل الكتاب الذي يرد إليه المتشابه، ووحد ﴿أُمُّ﴾ لوجهين:
أ. قيل: للحكاية على تقدير جواب كأنه قيل: ما أم الكتاب؟ فقيل: هن أم الكتاب، كما يقال: من نظير زيد؟ فيقال: نحن نظيره.
ب. وقيل: على جعلنا ابن مريم وأمه آية؛ يعني كلهم آية، تقديره: كل الآيات أم الكتاب.
6. ﴿وَأُخَرُ﴾ جمع أخرى، ولم يصرف لأنه معدول عن أواخر كعمر وقثم، عن الكسائي، وقيل: ترك صرفه لأنه نعت كجمع، وغلطه أبو العباس، وقال: إنه صفة ويصرف.
7. تدل الآية الكريمة على:
أ. أن في القرآن محكمًا ومتشابهًا، وأقرب الأقاويل ما ذكرناه أولاً، وهو الذي اختاره القاضي أن المحكم ما يدل على المراد بنفسه، والمتشابه ما يشتبه المراد به.
ب. أن المتشابه يرد إلى المحكم، ولطلب معناه منه.
ج. أن المحكم والمتشابه إنما يدخل في الأصول كالتوحيد والعدل؛ لأن ما يدخل من ذلك في الاجتهاديات لا يذم على اتباعه، فلم يبق إلا ما ذكرناه.
د. أن في جعل القرآن كذلك مصلحة، لذلك أنزله محكمًا ومتشابهًا، وقد قيل: الفائدة فيه الحث على النظر والمذاكرة، ولو كان جميعه محكمًا لكان طريقًا للاتكال على التقليد والعدول عن النظر.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/169.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. المحكم: مأخوذ من قولك: أحكمت الشئ: إذا ثقفته وأتقنته.
ب. أم الكتاب: أصله، ومكة: أم القرى، ويقال لعلم الجيش: أم، وأصله أمهة، ولذلك يجمع على أمهات، وقد يقال: أمات أيضا.
ج. المتشابه: الذي يشبه بعضه بعضا فيغمض، أخذ من الشبه، لأنه يشتبه به المراد.
2. لما تقدم بيان إنزال القران، عقبه ببيان كيفية إنزاله، فقال: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابِ﴾ أي: القرآن ﴿مِنْهُ﴾ أي: من الكتاب ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصل الكتاب ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾
3. في المحكم والمتشابه أقوال:
أ. أحدها: إن المحكم ما علم المراد بظاهره من غير قرينة تقترن إليه، ولا دلالة تدل على المراد به، لوضوحه، نحو قوله تعالى: ﴿إن الله لا يظلم الناس شيئا ولا يظلم مثقال ذرة﴾، ونحو ذلك، مما لا يحتاج في معرفة المراد به إلى دليل، والمتشابه: ما لا يعلم المراد بظاهره حتى يقترن به ما يدل على المراد منه لالتباسه نحو قوله: ﴿وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾ فإنه يفارق قوله: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾، لأن إضلال السامري قبيح، وإضلال الله تعالى حسن، وهذا معنى قول مجاهد: المحكم ما لم تشتبه معانيه، والمتشابه: ما اشتبهت معانيه، وإنما يقع الاشتباه في أمور الدين، كالتوحيد ونفي التشبيه والجور، ألا ترى أن قوله ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ يحتمل في اللغة أن يكون كاستواء الجالس على سريره، وأن يكون بمعنى القهر والاستيلاء، والوجه الأول لا يجوز عليه سبحانه.
ب. ثانيها: إن المحكم الناسخ، والمتشابه المنسوخ، عن ابن عباس.
ج. ثالثها: إن المحكم ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: ما يحتمل وجهين فصاعدا، عن محمد بن جعفر بن الزبير، وأبي علي الجبائي.
د. رابعها: إن المحكم ما لم تتكرر ألفاظه، والمتشابه: ما تتكرر ألفاظه كقصة موسى، وغير ذلك، عن ابن زيد.
هـ. خامسها: إن المحكم ما يعلم تعيين تأويله، والمتشابه: ما لا يعلم تعيين تأويله، كقيام الساعة، عن جابر بن عبد الله.
و. وقال القاضي الماوردي: قد وصف الله تعالى جميع القرآن بأنه محكم بقوله: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، ووصف جميعه أيضا بأنه متشابه بقوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ فمعنى الإحكام: الإتقان والمنع أي: هو ممنوع بإتقانه وإحكام معانيه، عن اعتراض خلل فيه، فالقرآن كله محكم من هذا الوجه، وقوله متشابها أي: يشبه بعضه في الحسن والصدق والثواب، والبعد عن الخلل والتناقض، فهو كله متشابه من هذا الوجه.
4. إنما وحد ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ ولم يقل هن أمهات الكتاب لوجهين:
أ. أحدهما: إنه على وجه الجواب، كأنه قيل: ما أم الكتاب؟ فقال: هن أم الكتاب كما يقال: من نظير زيد؟ فيقال: نحن نظيره.
ب. الثاني: إن الآيات بمجموعها أصل الكتاب وليست كل آية محكمة أم الكتاب، وأصله، لأنها جرت مجرى شئ واحد في البيان والحكمة، ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ﴾ آية، ولم يقل آيتين، لأن شأنهما واحد في أنها جاءت به من غير ذكر، فلم تكن الآية لها إلا به، ولا له إلا بها، ولو أراد أن كل واحد منهما آية على التفصيل، لقال آيتين.
5. مسائل نحوية:
أ. ﴿مِنْهُ آيَاتٌ﴾: جملة من مبتدأ وخبر في موضع النصب على الحال من ﴿أَنْزَلَ﴾ وتقديره، أنزل الكتاب محكما ومتشابها.
ب. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: جملة في موضع الرفع لكونها صفة لآيات.
ج. ﴿وَأُخَرُ﴾: عطف على ﴿آيَاتِ﴾، وهو صفة مبتدأ محذوف وتقديره: ومنه آيات أخر، ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾: صفة بعد صفة، ﴿وَأُخَرُ﴾: غير منصرف، قال سيبويه: إن أخر فارقت أخواتها والأصل الذي عليه بناء أخواتها، لأن أخر أصلها أن يكون صفة بالألف واللام، كما يقال الصغرى والصغر، فلما عدل عن مجرى الألف واللام، وأصل أفعل منك، وهي مما لا تكون إلا صفة، منعت الصرف، وقال الكسائي: إنما لم تصرف لأنه صفة، وهذا غلط، لأن قولهم مال لبد وحطم منصرفان مع كونهما صفة.
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/699.
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ المحكم: المتقن المبيّن. وفي المراد به هاهنا ثمانية أقوال:
أ. أحدها: أنه الناسخ، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، السّدّيّ في آخرين.
ب. الثاني: أنه الحلال والحرام، روي عن ابن عباس ومجاهد.
ج. الثالث: أنه ما علم العلماء تأويله، روي عن جابر بن عبد الله.
د. الرابع: أنه الذي لم ينسخ، قاله الضّحّاك.
هـ. الخامس: أنه ما لم تتكرر ألفاظه، قاله ابن زيد. السادس: أنه ما استقل بنفسه، ولم يحتج إلى بيان، ذكره القاضي أبو يعلى عن الإمام أحمد، وقال الشافعي، وابن الأنباري: هو ما لم يحتمل من التأويل إلا وجهاً واحداً.
ز. السابع: أنه جميع القرآن غير الحروف المقطعة.
ح. الثامن: أنه الأمر والنهي، والوعد والوعيد، والحلال والحرام، ذكر هذا والذي قبله القاضي أبو يعلى بن الفرّاء.
2. ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أصله. قاله ابن عباس، وابن جبير، فكأنه قال: هن أصل الكتاب اللواتي يعمل عليهن في الأحكام، ومجمع الحلال والحرام.
3. في المتشابه سبعة أقوال:
أ. أحدها: أنه المنسوخ، قاله ابن مسعود، وابن عباس، وقتادة، والسدي في آخرين.
ب. الثاني: أنه ما لم يكن للعلماء إلى معرفته سبيل، كقيام الساعة، روي عن جابر بن عبد الله.
ج. الثالث: أنه الحروف المقطعة، قاله ابن عباس.
د. الرابع: أنه ما اشتبهت معانيه، قاله مجاهد.
هـ. الخامس: أنه ما تكررت ألفاظه، قاله ابن زيد. السادس: أنه ما احتاج إلى بيان، ذكره القاضي أبو يعلى عن أحمد، وقال الشّافعيّ: ما احتمل من التأويل وجوهاً. وقال ابن الأنباري: المحكم ما لا يحتمل التأويلات، ولا يخفى على مميّز، والمتشابه: الذي تعتوره تأويلات.
ز. السابع: أنه القصص والأمثال، ذكره القاضي أبو يعلى.
4. سؤال وإشكال: ما فائدة إنزال المتشابه، والمراد بالقرآن البيان والهدى؟ والجواب: فيه أربعة أجوبة:
أ. أحدها: أنه لما كان كلام العرب على ضربين: أحدهما: الموجز الذي لا يخفى على سامعه، ولا يحتمل غير ظاهره. والثاني: المجاز، والكنايات، والإشارات، والتلويحات، وهذا الضرب الثاني هو المستحلى عند العرب، والبديع في كلامهم، أنزل الله تعالى القرآن على هذين الضربين، ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله، فكأنه قال: عارضوه بأي الضربين شئتم، ولو نزل كله محكماً واضحاً، لقالوا: هلا نزل بالضرب المستحسن عندنا؟ ومتى وقع الكلام إشارة أو كناية، أو تعريض أو تشبيه، كان أفصح وأغرب. قال امرؤ القيس:
çما ذرفت عيناك إلّا لتضربي... بسهميك في أعشار قلب مقتَّلé
فجعل النظر بمنزلة السهم على جهة التشبيه، فحلا هذا عند كل سامع ومنشد، وزاد في بلاغته، وقال امرؤ القيس أيضاً:
çرَمَتْني بَسَهْمٍ أَصَابَ الفُؤَادَ... غَدَاةَ الرَّحِيلِ فَلَمْ أنتصرé
وقال أيضاً:
çفقلت له لما تمطى بصُلبه... وأردف أعجازاً وناء بكلكلé
فجعل لليل صلباً وصدراً على جهة التشبيه، فحسن بذلك شعره. وقال غيره:
çمن كميت أجادها طابخاها... لم تمت كل موتها في القدورé
أراد بالطابخين: الليل والنهار على جهة التشبيه. وقال آخر:
çتبكي هاشماً في كل فجر... كما تبكي على الفنن الحمامé
وقال الآخر:
çعَجِبْتُ لها أَنَّى يَكُونُ غِناؤها... فَصيحاً ولم تفتح بمنطقها فماé
فجعل لها غناء وفماً على جهة الاستعارة.
ب. الثاني: أن الله تعالى أنزله مختبراً به عباده، ليقف المؤمن عنده، ويردّه إلى عالمه، فيعظم بذلك صوابه، ويرتاب به المنافق، فيداخله الزيغ، فيستحق بذلك العقوبة، كما ابتلاهم بنهر طالوت.
ج. الثالث: أن الله تعالى أراد أن يشغل أهل العلم بردّهم المتشابه إلى المحكم فيطول بذلك فكرهم، ويتصل بالبحث عنه اهتمامهم فيثابون على تعبهم، كما أثيبوا على سائر عباداتهم، ولو جعل القرآن كله محكماً لاستوى فيه العالم والجاهل، ولم يفضل العالم على غيره، ولماتت الخواطر، وإنما تقع الفكرة والحيلة مع الحاجة إلى الفهم، وقد قال الحكماء: عيب الغنى: أنه يورث البلادة، وفضل الفقر: أنه يبعث على الحيلة، لأنه إذا احتاج احتال.
د. الرابع: أن أهل كل صناعة يجعلون في علومهم معاني غامضة، ومسائل دقيقة ليحرجوا بها من يعلّمون، ويمرّونهم على انتزاع الجواب، لأنهم إذا قدروا على الغامض، كانوا على الواضح أقدر، فلما كان ذلك حسناً عند العلماء، جاز أن يكون ما أنزل الله تعالى من المتشابه على هذا النحو، وهذه الأجوبة معنى ما ذكره ابن قتيبة وابن الأنباري.
__________
(1) زاد المسير: 1/259.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ذكرنا في اتصال قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ بما قبله احتمالين.
أ. أحدهما: أن ذلك كالتقرير لكونه قيوماً.. ذلك أنه تعالى أراد أن يبين أنه قيوم وقائم بمصالح الخلق ومصالح الخلق قسمان: جسمانية وروحانية:
• أما الجسمانية فأشرفها تعديل البنية، وتسوية المزاج على أحسن الصور وأكمل الأشكال، وهو المراد بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ﴾ [آل عمران: 6]
• وأما الروحانية فأشرفها العلم الذي تصير الروح معه كالمرآة المجلوة التي تجلت صور جميع الموجودات فيها وهو المراد بقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾
ب. الثاني: أن ذلك الجواب عن شبه النصارى.. ذلك أن من جملة شبه النصارى تمسكهم بما جاء في القرآن من قوله تعالى في صفة عيسى عليه السلام: إنه روح الله وكلمته، فبيّن الله تعالى بهذه الآية أن القرآن مشتمل على محكم وعلى متشابه، والتمسك بالمتشابهات غير جائز فهذا ما يتعلق بكيفية النظم، وهو في غاية الحسن والاستقامة.
2. دل القرآن الكريم على أنه بكليته محكم، ودل على أنه بكليته متشابه، ودل على أن بعضه محكم، وبعضه متشابه:
أ. أما ما دل على أنه بكليته محكم، فهو قوله تعالى: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: 1] فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم، والمراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلاماً حقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين، والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله: محكم، فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم.
ب. وأما ما دل على أنه بكليته متشابه، فهو قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾ [الزمر: 23] والمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82] أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة.
ج. أما ما دل على أن بعضه محكم وبعضه متشابه، فهو هذه الآية التي نحن في تفسيرها.
3. المحكم: العرب تقول: حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت، ومنعت، والحاكم يمنع الظالم عن الظلم وحكمة اللجام التي هي تمنع الفرس عن الاضطراب، وفي حديث النخعي: احكم اليتيم كما تحكم ولدك أي امنعه عن الفساد، وقال جرير: أحكموا سفهاءكم، أي امنعوهم، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي.
4. المتشابه: هو أن يكون أحد الشيئين مشابهاً للآخر بحيث يعجز الذهن عن التمييز، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 70] وقال في وصف ثمار الجنة ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة: 25] أي متفق المنظر مختلف الطعوم، وقال الله تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة: 118] ومنه يقال: اشتبه علي الأمران إذا لم يفرق بينهما، ويقال لأصحاب المخاريق: أصحاب الشبه، وقال صلّى الله عليه وآله وسلم: (الحلال بيّن والحرام بيّن وبينهما أمور متشابهات) وفي رواية أخرى مشتبهات.
5. لما كان من شأن المتشابهين عجز الإنسان عن التمييز بينهما سمي كل ما لا يهتدي الإنسان إليه بالمتشابه، إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل سمي بذلك، لأنه أشكل، أي دخل في شكل غيره فأشبهه وشابهه، ثم يقال لكل ما غمض وإن لم يكن غموضه من هذه الجهة مشكل، ويحتمل أن يقال: إنه الذي لا يعرف أن الحق ثبوته أو عدمه، وكان الحكم بثبوته مساوياً للحكم بعدمه في العقل والذهن، ومشابها له، وغير متميز أحدهما عن الآخر بمزيد رجحان، فلا جرم سمي غير المعلوم بأنه متشابه.
6. أكثر العلماء من الوجوه في تفسير المحكم والمتشابه، ونحن نذكر الوجه الملخص الذي عليه أكثر المحققين، ثم نذكر عقيبه أقوال الناس فيه.
7. اللفظ الذي جعل موضوعاً لمعنى، فإما أن يكون محتملًا لغير ذلك المعنى، وإما أن لا يكون فإذا كان اللفظ موضوعاً لمعنى ولا يكون محتملًا لغيره فهذا هو النص، وأما إن كان محتملًا لغيره فلا يخلو إما أن يكون احتماله لأحدهما راجحاً على الآخر، وإما أن لا يكون كذلك، بل يكون احتماله لهما على السواء، فإن كان احتماله لأحدهما راجحا على الآخر سمي ذلك اللفظ بالنسبة إلى الراجح ظاهراً، وبالنسبة إلى المرجوح مؤولًا، وأما إن كان احتماله لهما على السوية كان اللفظ بالنسبة إليهما معاً مشتركاً، وبالنسبة إلى كل واحد منهما على التعيين مجملا، فقد خرج من التقسيم الذي ذكرناه أن اللفظ إما أن يكون نصاً، أو ظاهراً، أو مؤولًا، أو مشتركاً، أو مجملًا:
أ. أما النص والظاهر فيشتركان في حصول الترجيح، إلا أن النص راجح مانع من الغير، والظاهر راجح غير مانع من الغير، فهذا القدر المشترك هو المسمى بالمحكم.
ب. وأما المجمل والمؤول فهما مشتركان في أن دلالة اللفظ عليه غير راجحة، وإن لم يكن راجحاً لكنه غير مرجوح، والمؤول مع أنه غير راجح فهو مرجوح لا بحسب الدليل المنفرد، فهذا القدر المشترك هو المسمى المتشابه، لأن عدم الفهم حاصل في القسمين جميعاً وقد بينا أن ذلك يسمى متشابهاً:
• إما لأن الذي لا يعلم يكون النفي فيه مشابهاً للإثبات في الذهن.
• وإما لأجل أن الذي يحصل فيه التشابه يصير غير معلوم، فأطلق لفظ المتشابه على ما لا يعلم إطلاقاً لاسم السبب على المسبب، فهذا هو الكلام المحصل في المحكم والمتشابه.
8. اللفظ إذا كان بالنسبة إلى المفهومين على السوية، فههنا يتوقف الذهن، مثل: القرء، بالنسبة إلى الحيض والطهر، إنما المشكل بأن يكون اللفظ بأصل وضعه راجحاً في أحد المعنيين، ومرجوحاً في الآخر، ثم كان الراجح باطلًا، والمرجوح حقاً، ومثاله من القرآن قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾ [الإسراء: 16] فظاهر هذا الكلام أنهم يؤمرون بأن يفسقوا، ومحكمه قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾ [الأعراف: 28] رداً على الكفار فيما حكى عنهم، ﴿وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا﴾ [الأعراف: 28] وكذلك قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾ [التوبة: 67] وظاهر النسيان ما يكون ضداً للعلم، ومرجوحه الترك والآية المحكمة فيه قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾ [مريم: 64] وقوله تعالى: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾ [طه: 52]
9. كل واحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، وأن الآيات الموافقة لقول خصمه متشابهة:
أ. فالمعتزلي يقول قوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ﴾ [الكهف: 29] محكم، وقوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [التكوير: 29] متشابه.
ب. والسني يقلب الأمر في ذلك.
10. لا بد هاهنا من قانون يرجع إليه في هذا الباب وهو: أن اللفظ إذا كان محتملًا لمعنيين وكان بالنسبة إلى أحدهما راجحاً، وبالنسبة إلى الآخر مرجوحاً، فإن حملناه على الراجح ولم نحمله على المرجوح، فهذا هو المحكم وأما إن حملناه على المرجوح ولم نحمله على الراجح، فهذا هو المتشابه، وصرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لا بد فيه من دليل منفصل، وذلك الدليل المنفصل إما أن يكون لفظياً، وإما أن يكون عقلياً:
أما الأول: فإنما يتم إذا حصل بين ذينك الدليلين اللفظيين تعارض وإذا وقع التعارض بينهما فليس ترك ظاهر أحدهما رعاية لظاهر الآخر أولى من العكس، اللهم إلا أن يقال: إن أحدهما قاطع في دلالته والآخر غير قاطع فحينئذ يحصل الرجحان، أو يقال: كل واحد منهما وإن كان راجحاً إلا أن أحدهما يكون أرجح، وحينئذ يحصل الرجحان:
أ. أما الأول فباطل، لأن الدلائل اللفظية لا تكون قاطعة ألبتة، لأن كل دليل لفظي فإنه موقوف على نقل اللغات، ونقل وجوه النحو والتصريف، وموقوف على عدم الاشتراك وعدم المجاز، وعدم التخصيص، وعدم الإضمار، وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكان ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنوناً، فثبت أن شيئاً من الدلائل اللفظية لا يكون قاطعاً.
ب. وأما الثاني وهو أن يقال: أحد الدليلين أقوى من الدليل الثاني وإن كان أصل الاحتمال قائماً فيهما معاً، فهذا صحيح، ولكن على هذا التقدير يصير صرف الدليل اللفظي عن ظاهره إلى المعنى المرجوح ظنياً، ومثل هذا لا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، بل يجوز التعويل عليه في المسائل الفقهية.
11. ثبت بما ذكرناه أن صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح في المسائل القطعية لا يجوز إلا عند قيام الدليل القطعي العقلي على أن ما أشعر به ظاهر اللفظ محال، وقد علمنا في الجملة أن استعمال اللفظ في معناه المرجوح جائز عند تعذر حمله على ظاهره، فعند هذا يتعين التأويل، فظهر أنه لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بواسطة إقامة الدلالة العقلية القاطعة على أن معناه الراجح محال عقلا، ثم إذا أقامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذا اللفظ ما أشعر به ظاهره، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية والدلائل اللفظية على ما بينا ظنية لا سيما الدلائل المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر يكون في غاية الضعف، وكل هذا لا يفيد إلا الظن الضعيف، والتعويل على مثل هذه الدلائل في المسائل القطعية محال فلهذا التحقيق المتين مذهباً أن بعد إقامة الدلائل القطعية على أن حمل اللفظ على الظاهر محال لا يجوز الخوض في تعيين التأويل، فهذا منتهى ما حصلناه في هذا الباب، والله ولي الهداية والرشاد.
12. في معنى المحكم والمتشابه أقوال:
أ. الأول: ما نقل عن ابن عباس أنه قال المحكمات هي الثلاث آيات التي في سورة الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْا﴾ [الأنعام: 151] إلى آخر الآيات الثلاث، والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود، وهي أسماء حروف الهجاء المذكور في أوائل السور، وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه.. وتحقيق قوله هو أن التكاليف الواردة من الله تعالى تنقسم إلى قسمين منها ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع، وذلك كالأمر بطاعة الله تعالى، والاحتراز عن الظلم والكذب والجهل وقتل النفس بغير حق، ومنها ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصلوات ومقادير الزكوات وشرائط البيع والنكاح وغير ذلك، فالقسم الأول هو المسمى بالمحكم عند ابن عباس، لأن الآيات الثلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا القسم، وأما المتشابه فهو الذي سميناه بالمجمل، وهو ما يكون دلالة اللفظ بالنسبة إليه وإلى غيره على السوية، فإن دلالة هذه الألفاظ على جميع الوجوه التي تفسر هذه الألفاظ بها على السوية لا بدليل منفصل على ما لخصناه في أول سورة البقرة.
ب. الثاني: وهو أيضاً مروي عن ابن عباس أن المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ.
ج. الثالث: قال الأصم: المحكم هو الذي يكون دليله واضحاً لائحاً، مثل ما أخبر الله تعالى به من إنشاء الخلق في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ [المؤمنون: 14] وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ [الأنبياء: 30] وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: 22] والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا تراباً ولو تأملوا لصار المتشابه عندهم محكماً لأن من قدر على الإنشاء أو لا قدر على الإعادة ثانياً.. وكلام الأصم غير ملخص، فإنه إن عنى بقوله: المحكم ما يكون دلائله واضحة أن المحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة، والمتشابه ما لا يكون كذلك، وهو إما المجمل المتساوي، أو المؤول المرجوح، فهذا هو الذي ذكرناه أولًا، وإن عنى به أن المحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل، فيصير المحكم على قوله ما يعلم صحته بضرورة العقل، والمتشابه ما يعلم صحته بدليل العقل، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابها، لأن قوله تعالى: ﴿خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ أمر يحتاج في معرفة صحته إلى الدلائل العقلية، وإن أهل الطبيعة يقولون: السبب في ذلك الطبائع والفصول، أو تأثيرات الكواكب، وتركيبات العناصر وامتزاجاتها، فكما أن إثبات الحشر والنشر مفتقر إلى الدليل، فكذلك إسناد هذه الحوادث إلى الله تعالى مفتقر إلى الدليل، ولعلّ الأصم يقول: هذه الأشياء وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل، إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيه ظاهراً بحيث تكون مقدماته قليلة مرتبة مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادراً، ومنها ما يكون الدليل فيه خفياً كثير المقدمات غير مرتبة فالقسم الأول: هو المحكم، والثاني: هو المتشابه.
د. الرابع: أن كل ما أمكن تحصيل العلم به سواء كان ذلك بدليل جلي، أو بدليل خفي، فذاك هو المحكم، وكل ما لا سبيل إلى معرفته فذاك هو المتشابه، وذلك كالعلم بوقت قيام الساعة، والعلم بمقادير الثواب والعقاب في حق المكلفين، ونظيره قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا﴾ [الأعراف: 187] [النازعات: 42]
13. سؤال وإشكال: من الملحدة من طعن في القرآن لأجل اشتماله على المتشابهات، وقال: إنكم تقولون إن تكاليف الخلق مرتبطة بهذا القرآن إلى قيام الساعة، ثم إنا نراه بحيث يتمسك به كل صاحب مذهب على مذهبه، فالجبري يتمسك بآيات الجبر، كقوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا﴾ [الأنعام: 25]، والقدري يقول: بل هذا مذهب الكفار، بدليل أنه تعالى حكى ذلك عن الكفّار في معرض الذم لهم في قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ﴾ [فصلت: 5] وفي موضع آخر ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ [البقرة: 88]، وأيضاً مثبت الرؤية يتمسك بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22، 23]، والنافي يتمسك بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ [الأنعام: 103] ومثبت الجهة يتمسك بقوله تعالى: ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ﴾ [النحل: 50]، وبقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، والنافي يتمسك بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، ثم إن كل واحد يسمي الآيات الموافقة لمذهبه: محكمة، والآيات المخالفة لمذهبه متشابهة وربما آل الأمر في ترجيح بعضها على بعض إلى ترجيحات خفية، ووجوه ضعيفة، فكيف يليق بالحكيم أن يجعل الكتاب الذي هو المرجوع إليه في كل الدين إلى قيام الساعة هكذا، أليس أنه لو جعله ظاهراً جلياً نقيًّا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى حصول الغرض، والجواب: أن العلماء ذكروا في فوائد المتشابهات وجوهاً:
أ. الأول: أنه متى كانت المتشابهات موجودة، كان الوصول إلى الحق أصعب وأشق وزيادة المشقة توجب مزيد الثواب، قال الله تعالى: ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾ [آل عمران: 142]
ب. الثاني: لو كان القرآن محكماً بالكلية لما كان مطابقاً إلا لمذهب واحد، وكان تصريحه مبطلًا لكل ما سوى ذلك المذهب، وذلك مما ينفر أرباب المذاهب عن قبوله وعن النظر فيه، فالانتفاع به إنما حصل لما كان مشتملًا على المحكم وعلى المتشابه، فحينئذ يطمع صاحب كل مذهب أن يجد فيه ما يقوي مذهبه، ويؤثر مقالته، فحينئذ ينظر فيه جميع أرباب المذاهب، ويجتهد في التأمل فيه كل صاحب مذهب، فإذا بالغوا في ذلك صارت المحكمات مفسرة للمتشابهات، فبهذا الطريق يتخلص المبطل عن باطله ويصل إلى الحق.
ج. الثالث: أن القرآن إذا كان مشتملًا على المحكم والمتشابه افتقر الناظر فيه إلى الاستعانة بدليل العقل، وحينئذ يتخلص عن ظلمة التقليد، ويصل إلى ضياء الاستدلال والبينة، أما لو كان كله محكماً لم يفتقر إلى التمسك بالدلائل العقلية فحينئذ كان يبقى في الجهل والتقليد.
د. الرابع: لما كان القرآن مشتملًا على المحكم والمتشابه، افتقروا إلى تعلم طرق التأويلات وترجيح بعضها على بعض، وافتقر تعلم ذلك إلى تحصيل علوم كثيرة من علم اللغة والنحو وعلم أصول الفقه، ولو لم يكن الأمر كذلك ما كان يحتاج الإنسان إلى تحصيل هذه العلوم الكثيرة، فكان إيراد هذه المتشابهات لأجل هذه الفوائد الكثيرة.
هـ. الخامس: وهو السبب الأقوى في هذا الباب أن القرآن كتاب مشتمل على دعوة الخواص والعوام بالكلية، وطبائع العوام تنبو في أكثر الأمر عن إدراك الحقائق، فمن سمع من العوام في أول الأمر إثبات موجود ليس بجسم ولا بمتحيز ولا مشار إليه، ظن أن هذا عدم ونفي فوقع في التعطيل، فكان الأصلح أن يخاطبوا بألفاظ دالة على بعض ما يناسب ما يتوهمونه ويتخيلونه، ويكون ذلك مخلوطاً بما يدل على الحق الصريح، فالقسم الأول وهو الذي يخاطبون به في أول الأمر يكون من باب المتشابهات، والقسم الثاني وهو الذي يكشف لهم في آخر الأمر هو المحكمات، فهذا ما حضرنا في هذا الباب والله أعلم بمراده.
14. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ فالمراد به هو القرآن ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ وهي التي يكون مدلولاتها متأكدة إما بالدلائل العقلية القاطعة وذلك في المسائل القطعية، أو يكون مدلولاتها خالية عن معارضات أقوى منها.
15. سؤال وإشكال: ما معنى كون المحكم أمّاً للمتشابه،، كما قال تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؟ والجواب: الأم في حقيقة اللغة الأصل الذي منه يكون الشيء، فلما كانت المحكمات مفهومة بذواتها، والمتشابهات إنما تصير مفهومة بإعانة المحكمات، لا جرم صارت المحكمات كالأم للمتشابهات وقيل: أن ما ثبتت إلى أن يبعثها، فعبّر عن هذا المعنى بلفظ الأب من جهة أن الأب هو الذي حصل منه تكوين الإبن، ثم وقع في الترجمة ما أوهم الأبوة الواقعة من جهة الولادة، فكان قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ لله أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ﴾ [مريم: 35] محكماً لأن معناه متأكد بالدلائل العقلية القطعية، وكان قوله: عيسى روح الله وكلمته من المتشابهات التي يجب ردها إلى ذلك المحكم.
16. سؤال وإشكال: لم قال ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ ولم يقل: أمهات الكتاب؟ والجواب: أن مجموع المحكمات في تقدير شيء واحد، ومجموع المتشابهات في تقدير شيء آخر وأحدهما أم الآخر، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ [المؤمنون: 50]، ولم يقل آيتين، وإنما قال ذلك على معنى أن مجموعهما آية واحدة، فكذلك هاهنا.
17. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ عرفت حقيقة المتشابهات، قال الخليل وسيبويه: أن ﴿أُخَرُ﴾ فارقت أخواتها في حكم واحد، وذلك أن أخر جمع أخرى وأخرى تأنيث آخر وأخر على وزن أفعل وما كان على وزن أفعل فإنه يستعمل مع من أو بالألف واللام، فيقال: زيد أفضل من عمرو، وزيد الأفضل فالألف واللام معقبتان لمن في باب أفعل، فكان القياس أن يقال: زيد آخر من عمرو، أو يقال: زيد الآخر إلا أنهم حذفوا منه لفظ من لأن لفظه اقتضى معنى من فاسقطوها اكتفاء بدلالة اللفظ عليه والألف واللام معاقبتان لمن، فسقط الألف واللام أيضاً فلما جاز استعماله بغير الألف واللام صار أخر فأخر جمعه، فصارت هذه اللفظة معدولة عن حكم نظائرها في سقوط الألف واللام عن جمعها ووحدانها.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/138.
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. مما روي في تفسير هذه الآية الكريمة:
أ. خرج مسلم عن عائشة قالت: تلا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، قالت: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (إذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم)
ب. عن أبي غالب قال(2): كنت أمشي مع أبي أمامة وهو على حمار له، حتى إذا انتهى إلى درج مسجد دمشق فإذا رؤوس منصوبة، فقال: ما هذه الرؤوس؟ قيل: هذه رؤوس خوارج يجاء بهم من العراق فقال أبو أمامة: كلاب النار كلاب النار كلاب النار! شر قتلى تحت ظل السماء، طوبى لمن قتلهم وقتلوه ـ يقولها ثلاثا ـ ثم بكى، فقلت: ما يبكيك يا أبا أمامة؟ قال: رحمة لهم، إنهم كانوا من أهل الإسلام فخرجوا منه، ثم قرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ إلى آخر الآيات، ثم قرأ: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، فقلت: يا أبا أمامة، هم هؤلاء؟ قال نعم، قلت: أشيء تقوله برأيك أم شي سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم؟ فقال: إنى إذا لجرى إنى إذا لجرى! بل سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم غير مرة ولا مرتين ولا ثلاث ولا أربع ولا خمس ولا ست ولا سبع، ووضع أصبعيه في أذنيه، قال: وإلا فصمتا ـ قالها ثلاثا ـ ثم قال: سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول: تفرقت بنو إسرائيل على إحدى وسبعين فرقة واحدة في الجنة وسائرهم في النار ولتزيدن عليهم هذه الأمة واحدة واحدة في الجنة وسائرهم في النار)
2. اختلف العلماء في المحكمات والمتشابهات على أقوال عديدة:
أ. فقال جابر بن عبد الله، وهو مقتضى قول الشعبي وسفيان الثوري وغيرهما: المحكمات من آي القرآن ما عرف تأويله وفهم معناه وتفسيره والمتشابه ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل مما استأثر الله تعالى بعلمه دون خلقه، قال بعضهم: وذلك مثل وقت قيام الساعة، وخروج يأجوج ومأجوج والدجال وعيسى، ونحو الحروف المقطعة في أوائل السور، وهذا أحسن ما قيل في المتشابه، وقد قدمنا في أوائل سورة البقرة عن الربيع بن خيثم: إن الله تعالى أنزل هذا القرآن فاستأثر منه بعلم ما شاء، الحديث.
ب. وقال أبو عثمان: المحكم فاتحة الكتاب التي لا تجزئ الصلاة إلا بها.
ج. وقال محمد بن الفضل: سورة الإخلاص، لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط.
د. وقيل: القرآن كله محكم: لقوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، وقيل: كله متشابه، لقوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، وليس هذا من معنى الآية في شي، فإن قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ أي في النظم والرصف وأنه حق من عند الله، ومعنى كتابا متشابها، أي يشبه بعضه بعضا ويصدق بعضه بعضا، وليس المراد بقوله: ﴿آيات محكمات وأخر متشابهات﴾ هذا المعنى، وإنما المتشابه في هذه الآية من باب الاحتمال والاشتباه، من قوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ أي التبس علينا، أي يحتمل أنواعا، كثيرة من البقر، والمراد بالمحكم ما في مقابلة هذا، وهو ما لا التباس فيه ولا يحتمل إلا وجها واحدا.
هـ. وقيل: إن المتشابه ما يحتمل وجوها، ثم إذا ردت الوجوه إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما، فالمحكم أبدا أصل ترد إليه الفروع، والمتشابه هو الفرع.
و. وقال ابن عباس: المحكمات هو قوله في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ إلى ثلاث آيات، وقوله في بني إسرائيل: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾، قال ابن عطية: وهذا عندي مثال أعطاه في المحكمات.
ز. وقال ابن عباس أيضا: المحكمات ناسخه وحرامه وفرائضه وما يؤمن به ويعمل به، والمتشابهات المنسوخات ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يؤمن به ولا يعمل به.
ح. وقال ابن مسعود وغيره: المحكمات الناسخات، والمتشابهات المنسوخات وقاله قتادة والربيع والضحاك.
ط. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: المحكمات هي التي فيها حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعن عليه، والمتشابهات لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد، وقاله مجاهد وابن إسحاق، قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية.
ي. وقال النحاس: أحسن ما قيل في المحكمات، والمتشابهات أن المحكمات ما كان قائما بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره، نحو ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾، والمتشابهات نحو ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾ يرجع فيه إلى قوله جل وعلا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ وإلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾.. وما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية، وهو الجاري على وضع اللسان، وذلك أن المحكم اسم مفعول من أحكم، والإحكام الإتقان، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال.
ك. وقال ابن خويز منداد: للمشابه وجوه، والذي يتعلق به الحكم ما اختلف فيه العلماء أي الآيتين نسخت الأخرى، كقول علي وابن عباس في الحامل المتوفى عنها زوجها تعتد أقصى الأجلين، فكان عمر وزيد بن ثابت وابن مسعود وغيرهم يقولون وضع الحمل، ويقولون: سورة النساء القصرى نسخت أربعة أشهر وعشرا، وكان علي وابن عباس يقولان لم تنسخ، وكاختلافهم في الوصية للوارث هل نسخت أم لم تنسخ، وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن تقدم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه، كقوله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ يقتضي الجمع بين الأقارب من ملك اليمين، وقوله تعالى: ﴿وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ﴾ يمنع ذلك، ومنه أيضا تعارض الأخبار عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وتعارض الأقيسة، فذلك المتشابه، وليس من المتشابه أن تقرأ الآية بقراءتين ويكون الاسم محتملا أو مجملا يحتاج إلى تفسير لأن الواجب منه قدر ما يتناوله الاسم أو جميعه، والقراءتان كالآيتين يجب العمل بموجبهما جميعا، كما قرئ: ﴿وَامْسَحُوا بِرؤوسكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بالفتح والكسر، على ما يأتي بيانه في المائدة إن شاء الله تعالى.
3. روى البخاري عن سعيد بن جبير قال قال رجل لابن عباس: إني أجد في القرآن أشياء تختلف علي، قال: ما هو؟ قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال: ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾، وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾، وقال: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ فقد كتموا في هذه الآية، وفي النازعات ﴿أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا﴾، إلى قوله ﴿دَحَاهَا﴾ فذكر خلق السماء قبل خلق الأرض، ثم قال: ﴿أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ﴾.. إلى: ﴿طَائِعِينَ﴾، فذكر في هذا خلق الأرض قبل خلق السماء، وقال: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا﴾، ﴿وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا﴾ فكأنه كان ثم مضى، فقال ابن عباس: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ﴾ في النفخة الأولى، ثم ينفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الأرض إلا من شاء الله، فلا أنساب بينهم عند ذلك ولا يتساءلون، ثم في النفخة الآخرة أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، وأما قول: ﴿مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم، وقال المشركون: تعالوا نقول: لم نكن مشركين، فختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم، فعند ذلك عرف أن الله لا يكتم حديثا، وعنده يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين، وخلق الله الأرض في يومين، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبع سماوات في يومين، ثم دحا الأرض أي بسطها فأخرج منها الماء والمرعى، وخلق فيها الجبال والأشجار والآكام وما بينها في يومين آخرين، فذلك قوله: ﴿وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾، فخلقت الأرض وما فيها في أربعة أيام، وخلقت السماء في يومين، وقوله: ﴿وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ يعني نفسه ذلك، أي لم يزل ولا يزال كذلك، فإن الله لم يرد شيئا إلا أصاب به الذي أراد، ويحك! فلا يختلف عليك القرآن، فإن كلا من عند الله.
4. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾) لم تصرف ﴿أُخَرُ﴾ لأنها عدلت عن الألف واللام، لأن أصلها أن تكون صفة بالألف واللام كالكبر والصغر، فلما عدلت عن مجرى الألف واللام منعت الصرف، أبو عبيد: لم يصرفوها لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، وأنكر ذلك المبرد وقال: يجب على هذا ألا ينصرف غضاب وعطاش، الكسائي: لم تنصرف لأنها صفة، وأنكره المبرد أيضا وقال: إن لبدا وحطما صفتان وهما منصرفان، سيبويه: لا يجوز أن تكون أخر معدولة عن الألف واللام، لأنها لو كانت معدولة عن الألف واللام لكان معرفة، ألا ترى أن سحر معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة عن السحر، وأمس في قول من قال: ذهب أمس معدولا عن الأمس، فلو كان أخر معدولا أيضا عن الألف واللام لكان معرفة، وقد وصفه الله تعالى بالنكرة.
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/9.
(2) قد يكون الحديث صحيحا، لكن تفسيره هو الخاطئ، فالخوارج في حقيقتهم هم الذين خرجوا على الإمام العادل، لا على أئمة الجور
ابن حمزة:
ذكر الإمام عبد الله بن حمزة (ت 614 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. اعلم ـ أرشدك الله ـ: أنا لا نستغني عن مقدمة نذكر فيها المتشابه بحقيقته، والمحكم بحقيقته؛ لأن بجهل معنى المتشابه والمحكم ـ هلك كثير من الناس، فادعى في المحكم أنه متشابه، وفي المتشابه أنه محكم، كما فعل السائل ـ أرشده الله ـ، ونذكر أنه لا يجوز من الحكيم تعالى أن يخاطبنا بخطاب لا نتمكن من معرفة معناه، فإذا تقررت هذه المقدمة تكلمنا على ألفاظ المسألة إن شاء الله بما يشفي علة الطالب، ويطفئ أوار الراغب، وبه نستعين.
2. المتشابه قد رجع به إلى المماثلة، كما يقول أهل اللغة: (هذا شبه هذا)، أي: يماثله في بعض أوصافه أو كلها، كما حكى الله سبحانه نعيم الجنة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة:25]، يحتمل: في الصور، ويحتمل: في جلالة القدر، وقد يرجع إلى الالتباس الذي هو الاشتباه، كما حكى سبحانه عن بني إسرائيل في فزعهم إليه في كشف اللبس؛ لقوله: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة:70]، أي: يلتبس بعضها ببعض، ونقول: (هذا أمر مشتبه)، أي: ملتبس، كما قال أحد أهل العلم باللغة:
çفلا يخدعنك لموع السراب... ولا تأت أمرا إذا ما اشتبهé
أ. فعلى المعنى الأول: يحمل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر:23]، فوصف القرآن كله بالتشابه، والمراد بذلك عند أهل البيت وأتباعهم: أن بعضه يشبه بعضا في باب الحكمة، وجزالة الألفاظ، وصحة المباني.
ب. وعلى المعنى الآخر: يحمل قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ﴾؛ المتشابه بهذا المعنى: كل لفظ إذا أطلق سبق إلى فهم السامع منه معنيان، أو ثلاثة، أو أكثر، بعضها صحيح وبعضها فاسد؛ فيبقى متردد الفهم في تلك المعاني، فيقع الاشتباه عليه، حتى يميز بعضها من بعض بالبرهان العقلي والسمعي، فتكون تلك المعاني في أهل الدعاوي، ويكون المعنى العقلي والشرعي كالشاهدين العدلين، يقعان لأحد أهل الدعاوي، فيستحق المدعي، ويبطل كلام الآخرين، بعد أن يكونوا قبل الشاهدين على سواء.
3. أما المحكم فعلى وجهين أيضا:
أ. أحدهما: ما صح المراد به في باب الحكمة، وأحكمت ألفاظه، ورصفه من الخلل والغلط؛ لأن الحكم في الأصل هو: المنع، ومنه: أخذت (حكمة الدابة)؛ لأن يمنعها من العدو، فكذلك الحاكم، والحكمة تمنع صاحبها من التعدي، والمحكم: كالمانع، والممنوع من الإضلال في وجه من الوجوه أو في كل وجه؛ فعلى هذا الوجه يحمل القرآن كله على أنه محكم؛ لأن ألفاظه صحيحة، ورصفه بريء من الخلل والغلط، وعليه يحمل قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ﴾ [هود:1]، فوصف القرآن كله على هذا المعنى بأنه محكم.
ب. الثاني: أنه كل لفظ إذا أطلق سبق إلى فهم السامع معنى، أو معنيان، أو أكثر، تشهد بصحته دلالة العقل، وصريح السمع، يحكيه قوله تعالى: ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، فلم يصف بالإحكام على الوجه الأخير إلا البعض؛ لأنه قال تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، أي: أصله الذي يرجع إليه، ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾؛ فنوعه نوعين، فلولا حملنا له على هذه المعاني الصحيحة لكان ـ عز قائله وشرف ـ متناقضا؛ لأن الشيء لا يكون بصفتين متباينتين في حالة واحدة، ولا يسوغ ذلك عقل سليم.. قلنا: ولا يحسن أن يخاطبنا سبحانه بخطاب لا يفهم معناه، والدليل على ذلك: أنه تعالى حكيم، والحكيم لا يفعل القبيح؛ أما أنه حكيم: فلأنه عالم غني، ولا يقع القبيح والعبث إلا من الجاهل المحتاج، وقد صح علمه بوجود الأفعال من قبله محكمة، وغناه باستحالة الحاجة عليه؛ فإذا خاطبنا بخطاب لا يفهم ـ كان كمخاطبتنا للعربي بالزنجية، ولا ترجمان، فإن ذلك يكون عبثا؛ لأنه لا يخلو إما أن يريد منه معرفة ما تكلم به أو لا يريد، فإن لم يرد كان الخطاب عبثا، وإن أردنا كان الخطاب قبيحا؛ لأنا نكلفه علم ما لا سبيل له إلى علمه، وتكليف ما لا يعلم قبيح، يعلم قبحه كل عاقل.
4. إذا تقررت هذه الأصول ـ ثبت أنه لا يجوز أن يكون في كتاب الله سبحانه ما لا يفهم معناه، فإذا كلفنا معرفة معناه فلا بد من طريق إلى ذلك، وإلا قبح.. قلنا: (والطريق إلى معرفة معناه: العقل، والنقل، واللغة)، فاللغة العربية هي: لساننا وميداننا، والنقل هو: ما جاءنا عن حبيبنا صلّى الله عليه وآله وسلم، وعن سلفنا الصالح من ذريته سلام الله عليهم، والعقل هو: الذي يلزم به التكليف من قبله تعالى، وتقوم به الحجة على العبد، وهو: علوم من اجتمعت فيه فهو عاقل، ومن عدمها أو بعضها فهو ناقص العقل وذاهبه، وموضع تفصيلها: كتب علم الكلام، (وما به) آية من كتاب الله عز وجل، إلا ونحن نعلم معناها ولفظها، ووجه حكمة الله سبحانه في الخطاب بها، ومراد الله سبحانه منا فيها، وعينها وحقيقتها، ونحن الراسخون في العلم بما علمنا، وولاة الأمر بما حكم لنا، وورثة الكتاب عن أبينا وجدنا:
أ. فإذا قال لنا تعالى: ﴿يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾ [المائدة:64] علمنا بدلالة العقل: أن اليد التي هي الجارحة مستحيلة عليه؛ لأنه ليس بجسم؛ لأن الأجسام محدثة، وهو تعالى قديم؛ لأنه لو كان محدثا لاحتاج إلى محدث، وذلك محال، وقد ثبت أن اليد في اللغة تحمل على: الجارحة المخصوصة، وتحمل على: القدرة، وتحمل على: النعمة، يقول قائل أهل اللغة: (لفلان على بني فلان يد)، أي: قدرة، و(ما له عليهم يد)، (ما له عليهم قدرة)، و(له عليهم يد)، أي: نعمة، وشواهد ذلك ظاهرة؛ فلا وجه لذكرها، فيداه مبسوطتان، والحال: هذه نعمتاه في الدين والدنيا والآخرة، وفي الباطن والظاهر، وقدرته لنا قاهرة حكما وفعلا ووقوعا إن أراد سبحانه، فكيف يهمل ما في هذه الآية من الفوائد بالتعلق بقولها ـ راد!؟، أو كيف يحملها على القول الفاسد، والعقل والشرع منه ذائد، والمعنى الصحيح شاهد!؟ هل هذا إلا عدوان وإلحاد في القرآن؛ فهذا من المتشابه، وقد عرفت كيف بين الراسخون في العلم معناه، ولا علم لنا إلا ما علمنا الله.
ب. ومن المحكم بالمعنى الأخير: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ [الصمد:1]، الواحد الذي لا يتجزأ، كما يقال: جوهر واحد، والواحد: المختص بصفات الكمال أو بعضها، كما يقال: واحد زمانه، ووحيد عصره، ونسيج وحده، يريد: بذلك الانفراد، وكل معنى من هذه المعاني ثابت في الباري تعالى على أبلغ الوجوه، لا يجوز عليه التجزؤ والانقسام؛ لأن ذلك من صفات الأجسام، وهو تعالى ليس بجسم؛ لأن الأجسام محدثة، وهو تعالى قديم، وهو يختص من صفات الكمال بما لا يختص به سواه؛ لأن كل صفة في سواه جائزة، وصفة الكمال له واجبة سبحانه وتعالى، وكل كمال ينتقص إلا كماله، وكل جلال يتضع إلا جلاله، وهذه قضية دلالة العقل؛ ومحكم القرآن: قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى:11]، ولو لم يختص بالوحدانية من كل وجه لكان مثله أشياء كثيرة.
__________
(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/145.
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. الكتاب: هو القرآن، فاللام للعهد، وقدم الظرف وهو (عليك) لما يفيده من الاختصاص، وقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ الموافق لقواعد العربية أن يكون الظرف خبرا مقدّما، والأولى بالمعنى: أن يكون مبتدأ تقديره من الكتاب آيات بينات على نحو ما تقدم في قوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ﴾ وإنما كان أولى، لأن المقصود انقسام الكتاب إلى القسمين المذكورين، لا مجرّد الإخبار عنهما بأنهما من الكتاب، والجملة: حالية في محل نصب، أو مستأنفة لا محل لها.
2. اختلف العلماء في تفسير المحكمات والمتشابهات على أقوال:
أ. قيل: إن المحكم: ما عرف تأويله، وفهم معناه، وتفسيره، والمتشابه: ما لم يكن لأحد إلى علمه سبيل، ومن القائلين بهذا جابر بن عبد الله، والشعبي، وسفيان الثوري، قالوا: وذلك نحو الحروف المقطعة في أوائل السور.
ب. وقيل: المحكم: ما لا يحتمل إلّا وجها واحدا، والمتشابه: ما يحتمل وجوها، فإذا ردّت إلى وجه واحد وأبطل الباقي صار المتشابه محكما.
ج. وقيل: إن المحكم: ناسخه، وحرامه، وحلاله، وفرائضه، وما نؤمن به ونعمل عليه، والمتشابه: منسوخه، وأمثاله، وأقسامه، وما نؤمن به ولا نعمل به، روي هذا عن ابن عباس.
د. وقيل: المحكم: الذي ليس فيه تصريف ولا تحريف عما وضع له، والمتشابه: ما فيه تصريف، وتحريف، وتأويل، قاله مجاهد وابن إسحاق، قال ابن عطية: وهذا أحسن الأقوال.
هـ. وقيل: المحكم: ما كان قائما بنفسه لا يحتاج إلى أن يرجع فيه إلى غيره، والمتشابه: ما يرجع فيه إلى غيره، قال النحاس: وهذا أحسن ما قيل في المحكمات والمتشابهات، قال القرطبي: ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية وهو الجاري على وضع اللسان، ذلك أن المحكم اسم مفعول من أحكم، والإحكام، الإتقان، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردّد، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها، ومتى اختلّ أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال.
و. وقال ابن خويز منداد: للمتشابه وجوه، ما اختلف فيه العلماء اي الآيتين نسخت الأخرى؟ كما في الحامل المتوفى عنها زوجها، فإن من الصحابة من قال إن آية وضع الحمل نسخت آية الأربعة الأشهر والعشر، ومنهم من قال بالعكس، وكاختلافهم في الوصية للوارث، وكتعارض الآيتين أيهما أولى أن يقدّم إذا لم يعرف النسخ ولم توجد شرائطه، وكتعارض الأخبار، وتعارض الأقيسة، هذا معنى كلامه.
3. الأولى أن يقال: إن المحكم: هو الواضح المعنى الظاهر الدلالة، إما باعتبار نفسه أو باعتبار غيره؛ والمتشابه: ما لا يتضح معناه، أو لا تظهر دلالته لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره، وإذا عرفت هذا؛ عرفت أن هذا الاختلاف الذي قدّمناه ليس كما ينبغي، وذلك لأن أهل كل قوم عرفوا المحكم ببعض صفاته، وعرفوا المتشابه بما يقابلها، وبيان ذلك:
أ. أن أهل القول الأول جعلوا المحكم ما وجد إلى علمه سبيل، والمتشابه ما لا سبيل إلى علمه، ولا شك أن مفهوم المحكم والمتشابه أوسع دائرة مما ذكروه، فإن مجرد الخفاء، أو عدم الظهور، أو الاحتمال، أو التردّد يوجب التشابه.
ب. وأهل القول الثاني: خضوا المحكم بما ليس فيه احتمال، والمتشابه بما فيه احتمال، ولا شك أن هذا بعض أوصاف المحكم والمتشابه، لا كلها
ج. وهكذا أهل القول الثالث: فإنهم خصوا كل واحد من القسمين بتلك الأوصاف المعيّنة دون غيرها.
د. وأهل القول الرابع: خصوا كل واحد منهما ببعض الأوصاف التي ذكرها أهل القول الثالث، والأمر أوسع مما قالوه جميعا.
هـ. وأهل القول الخامس: خصوا المحكم بوصف عدم التصريف والتحريف، وجعلوا المتشابه مقابله، وأهملوا ما هو أهمّ من ذلك مما لا سبيل إلى علمه من دون تصريف وتحريف كفواتح السور المقطعة.
و. وأهل القول السادس: خصوا المحكم: بما يقوم بنفسه، والمتشابه: بما لا يقوم بها، وأن هذا هو بعض أوصافهما.
ز. وصاحب القول السابع وهو ابن خويز منداد، عمد إلى صورة الوفاق فجعلها محكما، وإلى صورة الخلاف والتعارض فجعلها متشابها، فأهمل ما هو أخص أوصاف كل واحد منهما من كونه باعتبار نفسه مفهوم المعنى أو غير مفهوم.
4. ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي: أصله الذي يعتمد عليه، ويردّ ما خالفه إليه، وهذه الجملة صفة لما قبلها.
5. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وصف لمحذوف مقدر، أي: وآيات أخر متشابهات وهي جمع أخرى، وإنما لم ينصرف لأنه عدل بها عن الآخر، لأن أصلها أن يكون كذلك، وقال أبو عبيد: لم ينصرف لأن واحدها لا ينصرف في معرفة ولا نكرة، وأنكر ذلك المبرّد، وقال الكسائي: لم تنصرف لأنها صفة، وأنكره أيضا المبرّد، وقال سيبويه: لا يجوز أن يكون أخر: معدولة عن الألف واللام، لأنها لو كانت معدولة عنها لكان معرفة، ألا ترى أن سحر معرفة في جميع الأقاويل لما كانت معدولة.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/361.
المتوكل على الله:
[المتوكل على الله] الإمام المتوكل على الله (ت 1295 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. المحكم هو: الجلي البين الذي يكون تأويله موافقا لتنزيله، وهو الأكثر والمعمول عليه والأحسن، وهو أصل الكتاب الذي يرجع إليه، والذي وقع الإجماع عليه، والمتشابه هو: ما كان غامضا، وكان تأويله بخلاف ظاهره، وكان مشكلا على من لا علم له، والمتشابه هو: ما كان يحتمل الوجوه، ولا يعرف المراد بظاهره.. والمحكم: ما لا يحتمل إلا وجها واحدا، ويعرف المراد بظاهره.
2. العلة في المتشابه: البلية والامتحان لأهل العقول السنية، وهو مردود إلى المحكم، قال الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران:7]، فبين الله تعالى: أن الكتاب منه المحكم والمتشابه، وأخبر أن المحكم هو الأصل المعمول عليه؛ لأن أم الشيء: أصله، ولذلك سميت والدة الإنسان [له] أما، وقد قال الله تعالى: ﴿لِتُنْذِرَ أُمَّ الْقُرَى وَمَنْ حَوْلَهَا﴾ [الأنعام:92]، يعني: مكة؛ لأنها أصل القرى؛ لأن جميع القرى تفرعت منها؛ ويؤيد ذلك قول الله تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا﴾ [آل عمران:96]، فصح أن المحكم أصل الكتاب، وأنه المعمول عليه.
__________
(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/144.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ واضحات الدلالة ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي أصله المعتمد عليه في الأحكام ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ وهي ما استأثر الله بعلمها لعدم اتضاح حقيقتها التي أخبر عنها، أو ما احتملت أوجها.
2. جعله كله محكما في قوله: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: 1]، بمعنى أنه ليس فيه عيب، وأنه كلام حق فصيح الألفاظ، صحيح المعاني، ومتشابها في قوله كِتاباً ﴿مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: 23]، بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الحسن، ويصدق بعضه بعضا.
3. للعلماء في المحكم والمتشابه أقوال كثيرة، ومباحث واسعة، وأبدع ما رأيته في تحرير هذا المقام مقالة سابغة الذيل لابن تيمية(2).
4. قال أبو عبد الله محمد بن المرتضى اليمانيّ في كتاب (إيثار الحق على الخلق) في بحث سبب الاختلاف الشديد بين الفرق ما نصه: وأما الأصل الثاني وهو السمعيّ فهو اختلافهم في أمرين:
أ. أحدهما: في معرفة المحكم والمتشابه أنفسهما والتمييز بينهما حتى يردّ المتشابه إلى المحكم.
ب. ثانيهما: اختلافهم هل يعلمون تأويل المتشابه، ثم اختلافهم في تأويله على تسليم أنهم قد عرفوا المتشابه(3).
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/257.
(2) ذكر مقالة له مطولة في أكثر من 10 صفحات، ثم علق عليها بقوله: (انتهى كلام الشيخ تقي الدين، وإنما سقته بطوله لما أن هذا البحث من المعارك المهمة التي قل من حررها ونهج فيها منهج الحق كالشيخ قدس سرّه، مع ما في خلال البحث من القواعد الجليلة في فن التفسير، فخذ ما أوتيت وكن من الشاكرين)، انظر غاية تلك المقالة وملخصها في تفسير أبي زهرة لهذا المقطع، والذي يليه
(3) ثم ذكر كلاما طويلا مفصلا له في هذا
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ القرآن، ﴿مِنْهُ ءَايَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ واضحات الدَّلالة ولو احتملت النسخ، وزاد الحنفيَّة أنَّه لا تحتمل النسخ مع الوضوح، فهنَّ أُحكِمنَ عن اللَّبس، أو عنه وعن النسخ، ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أصله المعتمد عليه، كلُّ واحدة أمُّ الكتاب، أو هنَّ كالآية الواحدة في التكامل والاجتماع، والأصل: ما يُردُّ إليه غيره، كقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الَابْصَارُ﴾ [الأنعام: 103]، يردُّ إليه قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبـِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 23] بتفسيره بمنتظرة.
2. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ لا يفهم معناها، ومعنى (متشابه): مشتبه، أي: منبهم غير متبيِّن، فلا يحتاج إلى ما يشاركه في الشبهة فلا إشكال، وذلك كأوائل السور مِمَّا لا يفهم البتَّة، أو يفهم بمزيد تأمل، أو ﴿مُتَشَابِهَاتٌ﴾ بمعنى: محتملات، كالقروء للحيض أو للأَطهار، أو مجاز وتلويحات، فكأنَّه قيل: عارضوه بما شئتم، بصريحه أو غير صريحه فلن تستطيعوه، أو المتشابه: ما لا تُعلَم علَّته كأعداد الصلوات، والمحكم ما عُقِلَتْ علَّته، والتشابه من صفات المعنى، وُصف بها اللَّفظ مجازا، من إسناد ما للمدلول للدَّالِّ، ويطلق المحكم أيضًا على معنى نفي العيب معنًى ولفظًا، والمتشابه على معنى تشابهها في الصدق والحسن، وكلُّ القرآن لا عيب فيه وصادق حسن.
3. روي أنَّ وفد نجران أتوا النبيء صلّى الله عليه وآله وسلّم فقالوا: ألست تزعم أنَّ عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال: (بلى)، قالوا: فحسبنا ذلك، فردَّ عليهم وبيَّن أنَّ الكتاب قسمان: قسم يفهمه الناس، وقسم لا يفهمه أمثالهم، كما لم يفهموا معنى كونه كلمةَ الله وروحا منه.
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/200.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ قال محمد عبده: وهذا رد لاستدلالهم ببعض آيات القرآن على تمييز عيسى على غيره من البشر؛ إذ ورد فيه أنه ﴿روح الله وكلمته﴾، فهو يقول: إن هذه الآيات من المتشابهات التي اشتبه عليكم معناها حتى حاولتم جعلها ناقضة للآيات المحكمة في توحيد الله وتنزيهه.
2. المحكمات من أحكم الشيء بمعنى: وثقه وأتقنه، والمعنى العام لهذه المادة المنع، فإن كل محكم يمنع بإحكامه تطرق الخلل إلى نفسه أو غيره، ومنه الحكم والحكمة وحكمة الفرس، قيل وهي أصل المادة.
3. المتشابه: يطلق في اللغة على ما له أفراد أو أجزاء يشبه بعضها بعضا، وعلى ما يشتبه من الأمر أي يلتبس، قال في الأساس: وتشابه الشيئان واشتبها، وشبهته به وشبهته إياه واشتبهت الأمور وتشابهت: التبست لإشباه بعضها بعضا، وفي القرآن المحكم والمتشابه، وشبه عليه الأمر: لبس عليه، وإياك والمشتبهات: الأمور المشكلات.
4. وصف الله تعالى القرآن بالإحكام على الإطلاق في أول سورة هود بقوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ وهو من إحكام النظم وإتقانه أو من الحكمة التي اشتملت آياته عليها، ووصف كله بالمتشابه في سورة الزمر ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ أي يشبه بعضه بعضا في هدايته وبلاغته وسلامته من التناقض والتفاوت والاختلاف ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ أما قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ فمفهومه أن ما جيئوا به من الثمرات أخيرا يشبه ما رزقوه من قبل وأنهم اشتبهوا به لهذا التشابه، وقالوا: (إن الأصل في ورود التشابه بمعنى المشكل الملتبس أن يكون الالتباس فيه بسبب شبهه لغيره، ثم أطلق على كل ملتبس مجازا وإن كان ظاهر الأساس أن المعنيين حقيقتان فيه)
5. لا شك أن القرآن يصح أن يوصف كله بالمحكم وبالمتشابه من حيث هو متقن ويشبه بعضه بعضا فيما ذكر، والتقسيم في هذه الآية مبني على استعمال كل من المحكم والمتشابه في معنى خاص؛ ولذلك اختلف فيه المفسرون على أقوال:
أ. أحدها: أن المحكمات هي قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآية، والآيتين اللتين بعدها، والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود، وهي أسماء حروف الهجاء المذكورة في أوائل السور؛ وذلك أنهم أولوها على حساب الجمل، فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة فاختلط الأمر عليهم واشتبه، وهذا القول مروي عن ابن عباس، وزعم الفخر الرازي أن المراد به: أن المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كالوصايا في تلك الآيات الثلاث، والمتشابه ما يسمى بالمجمل، أو هو ما تكون دلالة اللفظ بالنسبة إليه وإلى غيره على السوية إلا بدليل منفصل، وهذا رأي مستقل يجعل المعنى الخاص عاما وهو لا يفهم من هذه الرواية.
ب. ثانيها: أن المحكم هو الناسخ، والمتشابه هو المنسوخ وهو مروي عن ابن عباس أيضا وعن ابن مسعود وغيرهما.
ج. ثالثها: أن المحكم ما كان دليله واضحا لائحا، كدلائل الوحدانية والقدرة والحكمة، والمتشابه ما يحتاج في معرفته إلى التدبر والتأمل، عزاه الرازي إلى الأصم وبحث فيه.
د. رابعها: أن المحكم كل ما أمكن تحصيل العلم به بدليل جلي أو خفي، والمتشابه: ما لا سبيل إلى العلم به، كوقت قيام الساعة ومقادير الجزاء على الأعمال.. وهذه الأربعة ذكرها الرازي، وكأنه لم يطلع على غيرها، وفي تفسير ابن جرير وغيره أقوال أخرى مروية عن المفسرين منها ما يقرب من بعض ما ذكر فنوردها في سياق العدد.
هـ. خامسها: أن المحكمات: ما أحكم الله فيها بيان حلاله وحرامه، والمتشابه منها: ما أشبه بعضه بعضا في المعاني وإن اختلف ألفاظه، رواه ابن جرير عن مجاهد وعبارته عنده: محكمات ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو متشابه يصرف بعضه بعضا وهو مثل قوله: وما يضل به إلا الفاسقين ومثل قوله: كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون ومثل قوله: والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم وكأن مجاهدا يعني بالمتشابه: ما فيه إبهام أو عموم أو إطلاق، أو كل ما لم يكن حكما عمليا، فهو عنده خاص بالإنشاء دون الخبر.
و. سادسها: أن المحكم من آي الكتاب: ما لم يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا، والمتشابه: ما احتمل من التأويل أوجها، رواه ابن جرير عن محمد بن جعفر بن الزبير وعبارته عنده هكذا: آيات محكمات هن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وضعت عليه، وأخر متشابهة في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق اهـ، وعبارة ابن جرير في حكايته عنه تجعل المحكم بمعنى النص عند الأصوليين والمتشابه ما يقابله.
ز. سابعها: أن التقسيم خاص بالقصص، فالمحكم منها ما أحكم وفصل فيه خبر الأنبياء مع أممهم، والمتشابه: ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرير في السور، وأطال في التمثيل له.
ح. ثامنها: أن المتشابه: ما يحتاج إلى بيان وهو مروي عن الإمام أحمد والمحكم: ما يقابله.
ط. تاسعها: أن المتشابه: ما يؤمن به ولا يعمل به، ذكره ابن تيمية، والظاهر أنه جميع الأخبار، فالمحكم: هو قسم الإنشاء.
ي. عاشرها: أن المتشابه: آيات الصفات (أي صفات الله) خاصة ومثلها أحاديثها، ذكره ابن تيمية أيضا.
6. المتشابهات(2): التشابه إنما يكون بين شيئين فأكثر، وهو لا يفيد عدم فهم المعنى مطلقا كما قال المفسر الجلال ووصف التشابه في هذه الآية هو للآيات باعتبار معانيها، أي إنك إذا تأملت في هذه الآية تجد معاني متشابهة في فهمها من اللفظ لا يجد الذهن مرجحا لبعضها على بعض، وقالوا أيضا: إن المتشابه ما كان إثبات المعنى فيه للفظ الدال عليه ونفيه عنه متساويان، فقد تشابه فيه النفي والإثبات أو ما دل فيه اللفظ على شيء والعقل على خلافه فتشابهت الدلالة ولم يمكن الترجيح، كالاستواء على العرش وكون عيسى روح الله وكلمته، فهذا هو المتشابه الذي يقابله المحكم الذي لا ينفي العقل شيئا من ظاهر معناه.
7. كون المحكمات هن أم الكتاب فمعناه أنهن أصله وعماده أو معظمه، وهذا ظاهر لكنه لا ينطبق إلا على بعض الأقوال.. ومعنى ذلك أنها هي الأصل الذي دعي الناس إليه ويمكنهم أن يفهموها ويهتدوا بها، وعنها يتفرع غيرها وإليها يرجع، فإن اشتبه علينا شيء نرده إليها، وليس المراد بالرد أن نئوله بل أن نؤمن بأنه من عند الله وأنه لا ينافي الأصل المحكم الذي هو أم الكتاب وأساس الدين الذي أمرنا أن نأخذ به على ظاهره الذي لا يحتمل غيره إلا احتمالا مرجوحا، مثال هذه المتشابهات قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ وقوله: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ هذا رأي جمهور المفسرين، وذهب جمهور عظيم منهم إلى أنه لا متشابه في القرآن إلا أخبار الغيب، كصفة الآخرة وأحوالها من نعيم وعذاب.
__________
(1) تفسير المنار: 3/135.
(2) الكلام هنا وما بعده من المسائل لمحمد عبده
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي هو الذي أنزل عليك الكتاب منقسما إلى محكم العبارة، بعيد من الاحتمال والاشتباه، ومتشابه وهو ضربان: ما يدل اللفظ فيه على شيء والعقل على خلافه فتشابهت فيه الدلالة ولم يمكن الترجيح كالاستواء على العرش، ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة.
2. جاء وصف القرآن بالمحكم في قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ وهو إما بمعنى إحكام النظم وإتقانه، وإما بمعنى الحكمة التي اشتملت عليها آياته، ووصفه بالمتشابه في قوله: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ بمعنى أنه يشبه بعضه بعضا في الهداية والسلامة من التناقض والتفاوت والاختلاف كما قال ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ وقوله: ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ أي إن ما جيئوا به من الثمرات في الآخرة يشبه ما رزقوا به من قبل، فاشتبهوا فيه لهذا التشابه.
__________
(1) تفسير المراغي: 3/99.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. اختلف الأئمة المفسرون في هذه الآية، وتضاربت آراؤهم في مواضع كثيرة منها.. في الآيات المتشابهة.. ما هي وما مدلول التشابه هذا؟ ومن هم المقصودون بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾؟ وهل الوقف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾؟ أم يعطف عليه قوله سبحانه ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟ وهل الواو هنا للعطف أم للاستئناف؟ وفى الإجابة على أي سؤال من هذه الأسئلة، عشرات من الأجوبة التي يذهب كل منها مذهبا غير مذهب صاحبه! وندع كل هذا، وننظر في الآية الكريمة نظرا مباشرا، يصافح وجهها المشرق، ويتملّى بيانها المبين.
2. نقف قليلا عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ونطلب المعنى اللغوي لكلمة (التأويل)، وإذ ننظر في معاجم اللغة.. لا نجد فيها ما يشفى.. إذ لا تبعد كثيرا عن معنى التفسير، أو التخريج، وقد يراها بعضهم هي والتفسير سواء، فلا فرق عندهم بين التفسير والتأويل، والقرآن الكريم ـ وهو الحجة على اللغة، وليست اللغة حجة عليه ـ يفرق بين التأويل والتفسير، ويجعل لكل منهما مجالا لا يعمل فيه الآخر.
3. يستعمل القرآن الكريم (التأويل) للأمور الخفيّة الغامضة، التي يخفى ظاهرها ما ضمّ عليه باطنها، من أمور محجبة وراء هذا الظاهر.. وبين الظاهر غير المراد والباطن المراد بون شاسع، وبعد بعيد، لا يبلغه إلا بصر ذوى البصائر، ممن رضى الله عنهم، ورفعهم إلى هذا المقام الكريم، الذي يطلعون منه على ما وراء الحجب من علم الله:
أ. ذكر القرآن الكريم أن هذا المقام الكريم ـ مقام التأويل ـ كان ليوسف عليه السّلام، فقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ مَكَّنَّا لِيُوسُفَ فِي الْأَرْضِ وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، وقال سبحانه على لسان يوسف: ﴿رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ وقال سبحانه على لسانه أيضا: ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾، وقال تعالى على لسان صاحبي السجن ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال سبحانه على لسان يوسف: ﴿لَا يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِهِ إِلَّا نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيلِهِ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَلَّمَنِي رَبِّي﴾ وقال تعالى على لسان أصحاب فرعون: ﴿وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ﴾، وقال تعالى على لسان أحد صاحبي السجن، وهو الذي نجا: ﴿أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ﴾، وكما كان ليوسف هذا العلم الذي فضل الله عليه به، فكشف بهذا العلم ما وراء تلك الحجب من الأزمنة والأمكنة.. كان ذلك العلم أيضا للعبد الصالح صاحب موسى عليهما السلام ـ والذي يقول لله تعالى فيه: ﴿فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا﴾
ب. وفى صحبة موسى للعبد الصالح، رأى موسى العجب في أمور كان يأتيها العبد الصالح بين يديه، فتجرى في وضع مقلوب، كما يبدو ذلك في مستوى النظر الطبيعي للناس، بينما هي ـ في حقيقة أمرها ـ تسير في أعدل وجه وأحسنه! كما ظهر ذلك منها، حين كشف العبد الصالح لموسى، عما وراء هذا الظاهر غير المستقيم، أو بمعنى أوضح، حين كشف له عن حجاب الزمن، وأراه مسيرتها، والنهاية التي تنتهى إليها، وما تؤول إليه عاقبة أمرها، وفى هذا يقول العبد الصالح لموسى ـ بعد أن حجز موسى عن السير معه في هذا الطريق ـ في هذا يقول، كما قال القرآن على لسانه: ﴿هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ هذا ما ورد في القرآن الكريم من لفظ (التأويل) وهو في جميع موارده لم يستعمل إلا في الكشف عن أمور غامضة، متخفية وراء ستر، تحول بين الناظر إليها وبينها.. وهى ـ كما نرى في سورة يوسف ـ أحلام.. هي رموز إلى أشياء وأحداث، لم يستطع قراءتها وفك رموزها إلا يوسف عليه السلام.. أو هي كما نرى في مسيرة العبد الصالح مع موسى، أضغاث أحلام من أحلام اليقظة.. لا يكاد المرء يصحو، حتى ينكرها، وينفض أطيافها المحوّمة أمام عينيه.
4. فالتأويل على هذا هو فك طلاسم ورموز، يقف الناس جميعا أمامها حائرين، ويقول فيها كل إنسان يقول، وينظر كل ناظر إليها بنظر.. وهيهات أن يلتقى قول بقول، أو يقع نظر على نظر! فكل ما يقال فيها هو رجم بالغيب، إلا من علّمه الله تأويل الأحاديث!
5. آن لنا بعد هذا أن ننظر في الآية الكريمة، فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، يبيّن الأسلوب الذي جاءت عليه آيات القرآن:
أ. فمنه الآيات المحكمة، وهى التي تنطق بدلالتها نطقا واضحا محددا لا يقبل التخريج أو التأويل.. وهذه الآيات هي التي تحمل أحكام الشريعة.. من صلاة وصيام، وزكاة، وحج، كقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وقوله سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، وكذلك الآيات التي تتعلق بالإيمان بالله وملائكته، وكتبه، ورسله، واليوم الآخر، والجنة والنار.. لأن هذه أمور إن حملها نص غير واضح الدلالة محدد المفهوم ـ أوقع الناس في لبس وخلاف، وذهب كلّ فيها مذهبا، ففرقوا دين الله، وتفرقوا فيه، وهو الذي من شأنه أن يجمعهم عليه، وأن يجتمعوا هم على كلمة سواء فيه، فهذا المحكم من آيات الكتاب الكريم، يعطى دلالته، محددة واضحة، لأول نظرة فيه.
ب. وهناك آيات متشابهة، تحتمل وجوها من التأويل والتخريج.
6. بين الآيات المحكمة والآيات المتشابهة آيات ليست من هذه أو تلك، ليست محدّدة الدلالة، ولا مغلقة المفهوم.. بل يمكن ـ مع النظر السليم ـ أن ينكشف مدلولها، ويتحدد مفهومها، وذلك هو معظم القرآن، فيما جاء في الأخلاقيات وفى الأحكام الجزئية، ذلك أن القرآن الكريم لم يجئ على الأسلوب العلمي، الذي يصبّ قواعد العلم ومقرراته في قوالب لفظية جامدة، لا تنفتح إلا على حكم واحد لا شيء بعده، بل جاء القرآن على أسلوب أدبى رفيع، استولى على قمة الفن الأدبى، بلا منازع، وهذا الأسلوب مهما كان من الدّقة والإحكام لا يمكن أن ينضبط على القالب العلمي، ولا أن تحمل ألفاظه أحكاما صامتة ـ مغلقة ـ مثل ما تحمل ألفاظ الأسلوب العلمي، بل تجيء الأحكام في هذا الأسلوب مغلّقة في غلائف رقيقة مشعّة، تومئ إلى المعنى ولا تكشفه، وتتخافت به ولا تجهر! وهذا ما يجعل للقرآن الكريم حياة متجددة في العقول وفى القلوب، لا يمل مرتله الترتيل أبدا، إذ يجد لما يعاود ترتيله روحا في كل مرّة، ووجها جديدا في كل ترتيله.
7. المتشابه هو المغلق، الذي لا ينكشف للنظر، بل يتراءى لمعطيات الحدس والرجم بالغيب، أشبه بالأحلام وأضغاث الأحلام التي يتأولها المتأولون، ويقول فيها القائلون! وليس يعلم قولة الحق فيها إلا علّام الغيوب.. ذلك هو المتشابه، أما أين هو في القرآن.. فإنا إذا نظرنا في كتاب الله، فيما بين أوله وآخره نجد أن قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يلفتنا لفتا قويا إلى هذا المتشابه، وهو تلك الأحرف المتقطعة التي تبدأ بها بعض سور القرآن الكريم، مثل (الم، الر، المر، كهيعص، طس، طسم..) فهذه الأحرف هي التي يقف أمامها دارس القرآن حائرا، لا يدرى لها مفهوما، إلا أن يكون ذلك بضرب من الحدس والتخمين، ولهذا كثرت فيها تأويلات المتأولين، إلى أن جاوزت السبعين قولا فيها، بل ويمكن أن نزاد هذه الأقوال إلى مئات، بل وتتسع لألوف، دون أن يكون قول أحق فيها من قول، أو أولى بالقبول والتسليم.. إذ كل الأقوال هي اجتهاد شخصى، كالحدس عن شيء داخل صندوق مغلق، ولهذا كان أعدل قول فيها وأصدقه هو القول: (الله أعلم بمراده) فما يعلم تأويلها إلا الله! وقد عرفنا معنى التأويل، وأنه ـ كما جاء في القرآن ـ لا يكون إلا في مواجهة الأمور المغلقة، كالأحلام وأضغاث الأحلام!
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/399.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، استئناف ثالث بإخبار عن شأن من شئون الله تعالى، متعلّق بالغرض المسوق له الكلام: وهو تحقيق إنزاله القرآن والكتابين من قبله، فهذا الاستئناف مؤكّد لمضمون قوله: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: 3] وتمهيد لقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ لأنّ الآيات نزلت في مجادلة وفد نجران، وصدّرت بإبطال عقيدتهم في إلاهية المسيح: فالإشارة إلى أوصاف الإله الحقّة، توجّه الكلام هنا إلى إزالة شبهتهم في شأن زعمهم اعتراف نصوص القرآن بإلهية المسيح؛ إذ وصف فيها بأنّه روح الله؛ وأنّه يحيي الموتى وأنّه كلمة الله، وغير ذلك فنودي عليهم بأن ما تعلّقوا به تعلّق اشتباه وسوء بأويل.
2. في قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ قصر صفة إنزال القرآن على الله تعالى، لتكون الجملة، مع كونها تأكيدا وتمهيدا، إبطالا أيضا لقول المشركين: ﴿إِنَّمَا يُعَلِّمُهُ بَشَرٌ﴾ [النحل: 103] وقولهم: ﴿أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَهَا فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الفرقان: 5]، وكقوله: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: 210 ـ 212] ذلك أنّهم قالوا: هو قول كاهن، وقول شاعر، واعتقدوا أنّ أقوال الكهّان وأقوال الشعراء من إملاء الأرئياء (جمع رئي)
3. من بدائع البلاغة أن ذكر في القصر فعل أنزل، الذي هو مختصّ بالله تعالى ولو بدون صيغة القصر، إذ الإنزال يرادف الوحي ولا يكون إلّا من الله بخلاف ما لو قال هو الذي آتاك الكتاب، وضمير ﴿مِنْهُ﴾ عائد إلى القرآن، و(منه) خبر مقدم و﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ مبتدأ.
﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ الإحكام في الأصل المنع، قال جرير:
çأبني حنيفة أحكموا سفهاءكم...إنّي أخاف عليكم أن أغضباé
واستعمل الإحكام في الإتقان والتوثيق؛ لأنّ ذلك يمنع تطرّق ما يضادّ المقصود، ولذا سمّيت الحكمة حكمة، وهو حقيقة أو مجاز مشهور.
4. أطلق المحكم في هذه الآية على واضح الدلالة على سبيل الاستعارة لأنّ في وضوح الدلالة، منعا لتطرّق الاحتمالات الموجبة للتردّد في المراد، وأطلق التشابه هنا على خفاء الدلالة على المعنى، على طريقة الاستعارة لأنّ تطرّق الاحتمال في معاني الكلام يفضي إلى عدم تعيّن أحد الاحتمالات، وذلك مثل تشابه الذوات في عدم تمييز بعضها عن بعض.
5. ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ أمّ الشيء أصله وما ينضمّ إليه كثيره وتتفرّع عنه فروعه، ومنه سمّيت خريطة الرأس، الجامعة له: أمّ الرأس وهي الدماغ، وسمّيت الراية الأمّ لأنّ الجيش ينضوي إليها، وسمّيت المدينة العظيمة أمّ القرى، وأصل ذلك أنّ الأمّ حقيقة في الوالدة، وهي أصل للمولود وجامع للأولاد في الحضانة، فباعتبار هذين المعنيين، أطلق اسم الأمّ على ما ذكرنا، على وجه التشبيه البليغ، ثم شاع ذلك الإطلاق حتى ساوى الحقيقة، وتقدّم ذلك في تسمية الفاتحة أمّ القرآن.
6. الكتاب: القرآن لا محالة؛ لأنّه المتحدّث عنه بقوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ فليس قوله: ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ هنا بمثل قوله: ﴿وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]
7. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ المتشابهات المتماثلات، والتماثل يكون في صفات كثيرة فيبين بما يدل على وجه التماثل، وقد يترك بيانه إذا كان وجه التماثل ظاهرا، كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة: 70] ولم يذكر في هذه الآية جهة التشابه.
8. أشارت الآية: إلى أنّ الآيات القرآن صنفان: محكمات وأضدادها، التي سميت متشابهات، ثم بيّن أنّ المحكمات هي أمّ الكتاب، فعلمنا أنّ المتشابهات هي أضداد المحكمات، ثم أعقب ذلك بقوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ [آل عمران: 7] أي تأويله الذي لا قبل لأمثالهم به فعلمنا أنّ المتشابهات هي التي لم يتّضح المقصود من معانيها، فعلمنا أنّ صفة المحكمات، والمتشابهات، راجعة إلى ألفاظ الآيات.
9. وصف المحكمات بأنّها أمّ الكتاب فاحتمل أن يكون المراد من الأمّ الأصل، أو المرجع، وهما متقاربان: أي هنّ أصل القرآن أو مرجعه، وليس يناسب هذين المعنيين إلّا دلالة القرآن؛ إذ القرآن أنزل للإرشاد والهدي، فالمحكمات هي أصول الاعتقاد والتشريع والآداب والمواعظ، وكانت أصولا لذلك: باتّضاح دلالتها، بحيث تدل على معان لا تحتمل غيرها أو تحتمله احتمالا ضعيفا غير معتدّ به، وذلك كقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورة: 11] ـ ﴿لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ﴾ [الأنبياء: 23] ـ ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ﴾ [البقرة: 185] ـ ﴿وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ﴾ [البقرة: 205] ـ ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات: 40]، وباتّضاح معانيها بحيث تتناولها أفهام معظم المخاطبين بها وتتأهّل لفهمها فهي أصل القرآن المرجوع إليه في حمل معاني غيرها عليها للبيان أو التفريع.
10. المتشابهات مقابل المحكمات، هي التي دلّت على معان تشابهت في أن يكون كلّ منها هو المراد، ومعنى تشابهها: أنّها تشابهت في صحة القصد إليها، أي لم يكن بعضها أرجح من بعض، أو يكون معناها صادقا بصور كثيرة متناقضة أو غير مناسبة لأن تكون مرادا، فلا يتبيّن الغرض منها، فهذا وجه تفسير الآية فيما أرى.
11. اختلف علماء الإسلام في تعيين المقصود من المحكمات والمتشابهات على أقوال مرجعها إلى تعيين مقدار الوضوح والخفاء:
أ. فعن ابن عباس: أنّ المحكم ما لا تختلف فيه الشرائع كتوحيد الله تعالى، وتحريم الفواحش، وذلك ما تضمنته الآيات الثلاث من أواخر سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ والآيات من سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وأن المتشابه المجملات التي لم تبيّن كحروف أوائل السور.
ب. وعن ابن مسعود، وابن عباس أيضا: أنّ المحكم ما لم ينسخ والمتشابه المنسوخ وهذا بعيد عن أن يكون مرادا هنا لعدم مناسبته للوصفين ولا لبقية الآية.
ج. وعن الأصم: المحكم ما اتّضح دليله، والمتشابه ما يحتاج إلى التدبّر، وذلك كقوله تعالى: ﴿وَالَّذِي نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَنْشَرْنَا بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا كَذَلِكَ تُخْرَجُونَ﴾ [الزخرف: 11] فأولها محكم وآخرها متشابه.
د. وللجمهور مذهبان:
• أولهما أنّ المحكم ما اتّضحت دلالته، والمتشابه ما استأثر الله بعلمه، ونسب هذا القول لمالك، في رواية أشهب، من جامع العتبيّة، ونسبه الخفاجي إلى الحنفية وإليه مال الشاطبي في الموافقات.
• وثانيهما أنّ المحكم الواضح الدلالة، والمتشابه الخفيها، وإليه مال الفخر: فالنص والظاهر هنا المحكم، لاتّضاح دلالتهما، وإن كان أحدهما أي الظاهر يتطرّقه احتمال ضعيف، والمجمل والمؤوّل هما المتشابه، لاشتراكهما في خفاء الدلالة وإن كان أحدهما: أي المؤول دالا على معنى مرجوح، يقابله معنى راجح، والمجمل دالا على معنى مرجوع يقابله مرجوع آخر، ونسبت هذه الطريقة إلى الشافعية، قال الشاطبي: فالتشابه: حقيقي، وإضافي، فالحقيقي: ما لا سبيل إلى فهم معناه، وهو المراد من الآية، والإضافي: ما اشتبه معناه، لاحتياجه إلى مراعاة دليل آخر، فإذا تقصّى المجتهد أدلّة الشريعة وجد فيها ما يبيّن معناه، والتشابه بالمعنى الحقيقي قليل جدّا في الشريعة وبالمعنى الإضافي كثير.
12. دلت هذه الآية على أنّ من القرآن محكما ومتشابها، ودلت آيات أخر على أنّ القرآن كلّه محكم، قال تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود: 1] وقال: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ [يونس: 1] والمراد أنّه أحكم وأتقن في بلاغته، كما دلت آيات على أنّ القرآن كلّه متشابه، قال تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ [الزمر: 23] والمعنى أنّه تشابه في الحسن والبلاغة والحقيّة، وهو معنى: ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، فلا تعارض بين هذه الآيات: لاختلاف المراد بالإحكام والتشابه في مواضعها، بحسب ما تقتضيه المقامات.
13. سبب وقوع المتشابهات في القرآن:
أ. هو كونه دعوة، وموعظة، وتعليما، وتشريعا باقيا، ومعجزة، وخوطب به قوم لم يسبق لهم عهد بالتعليم والتشريع، فجاء على أسلوب مناسب لجمع هذه الأمور، بحسب حال المخاطبين الذين لم يعتادوا الأساليب التدريسية، أو الأمالي العلمية، وإنّما كانت هجّيراهم الخطابة والمقاولة، فأسلوب المواعظ والدعوة قريب من أسلوب الخطابة، وهو لذلك لا يأتي على أساليب الكتب المؤلّفة للعلم، أو القوانين الموضوعة للتشريع، فأودعت العلوم المقصود منه في تضاعيف الموعظة والدعوة، وكذلك أودع فيه التشريع، فلا تجد أحكام نوع من المعاملات، كالبيع، متّصلا بعضها ببعض، بل تلفيه موزّعا على حسب ما اقتضته مقامات الموعظة والدعوة، ليخفّ تلقّيه على السامعين، ويعتادوا علم ما لم يألفوه في أسلوب قد ألفوه فكانت متفرّقة يضمّ بعضها إلى بعض بالتدبّر.
ب. ثم إنّ إلقاء تلك الأحكام كان في زمان طويل، يزيد على عشرين سنة، ألقي إليهم فيها من الأحكام بمقدار ما دعت إليه حاجتهم، وتحمّلته مقدرتهم، على أنّ بعض تشريعه أصول لا تتغيّر، وبعضه فروع تختلف باختلاف أحوالهم، فلذلك تجد بعضها عاما، أو مطلقا، أو مجملا، وبعضها خاصا، أو مقيدا، أو مبيّنا، فإذا كان بعض المجتهدين يرى تخصيص عموم بعض عموماته بخصوص بعض الخصوصات مثلا، فلعلّ بعضا منهم لا يتمسّك إلّا بعمومه، حينئذ، كالذي يرى الخاص الوارد بعد العام ناسخا، فيحتاج إلى تعيين التاريخ.
ج. ثم إنّ العلوم التي تعرّض لها القرآن هي من العلوم العليا: وهي علوم فيما بعد الطبيعة، وعلوم مراتب النفوس، وعلوم النظام العمراني، والحكمة، وعلوم الحقوق، وفي ضيق اللغة الموضوعة عن الإيفاء بغايات المرادات في هاته العلوم، وقصور حالة استعداد أفهام عموم المخاطبين لها، ما أوجب تشابها في مدلولات الآيات الدالة عليها.
د. وإعجاز القرآن: منه إعجاز نظمي ومنه إعجاز علمي، وهو فنّ جليل من الإعجاز بيّنته في المقدمة العاشرة من مقدّمات هذا التفسير، فلمّا تعرض القرآن إلى بعض دلائل الأكوان وخصائصها، فيما تعرّض إليه، جاء به محكيا بعبارة تصلح لحكاية حالته على ما هو في نفس الأمر، وربّما كان إدراك كنه حالته في نفس الأمر مجهولا لأقوام، فيعدّون تلك الآي الدالة عليه من المتشابه فإذا جاء من بعدهم علموا أنّ ما عدّه الذين قبلهم متشابها ما هو إلّا محكم.
هـ. على أنّ من مقاصد القرآن أمرين آخرين:
• أحدهما كونه شريعة دائمة، وذلك يقتضي فتح أبواب عباراته لمختلف استنباط المستنبطين، حتى تؤخذ منه أحكام الأولين والآخرين.
• وثانيهما تعويد حملة هذه الشريعة، وعلماء هذه الأمة، بالتنقيب، والبحث، واستخراج المقاصد من عويصات الأدلة، حتى تكون طبقات علماء الأمة صالحة ـ في كلّ زمان ـ لفهم تشريع الشارع ومقصده من التشريع، فيكونوا قادرين على استنباط الأحكام التشريعية، ولو صيغ لهم التشريع في أسلوب سهل التناول لاعتادوا العكوف على ما بين أنظارهم في المطالعة الواحدة، من أجل هذا كانت صلوحية عباراته لاختلاف منازع المجتهدين، قائمة مقام تلاحق المؤلّفين في تدوين كتب العلوم، تبعا لاختلاف مراتب العصور.
14. إذا علمت هذا علمت أصل السبب في وجود ما يسمّى بالمتشابه في القرآن، وبقي أن نذكر لك مراتب التشابه وتفاوت أسبابها، وأنّها فيما انتهى إليه استقراؤنا الآن عشر مراتب:
أ. أولاها: معان قصد إيداعها في القرآن، وقصد إجمالها: إمّا لعدم قابلية البشر لفهمها، ولو في الجملة، إن قلنا بوجود المجمل، الذي استأثر الله بعلمه، على ما سيأتي، ونحن لا نختاره، وإمّا لعدم قابليتهم لكنه فهمها، فألقيت إليهم على وجه الجملة أو لعدم قابلية بعضهم في عصر، أو جهة، لفهمها بالكنة ومن هذا أحوال القيامة، وبعض شئون الربوبية كالإتيان في ظلل من الغمام، والرؤية، والكلام، ونحو ذلك.
ب. ثانيتها: معان قصد إشعار المسلمين بها، وتعيّن إجمالها، مع إمكان حملها على معان معلومة لكن بتأويلات: كحروف أوائل السور، ونحو ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 29]
ج. ثالثتها: معان عالية ضاقت عن إيفاء كنهها اللغة الموضوعة لأقصى ما هو متعارف أهلها، فعبّر عن تلك المعاني بأقصى ما يقرّب معانيها إلى الأفهام، وهذا مثل أكثر صفات الله نحو الرحمن، الرَؤُوف، المتكبّر، نور السموات والأرض.
د. رابعتها: معان قصرت عنها الأفهام في بعض أحوال العصور، وأودعت في القرآن ليكون وجودها معجزة قرآنيّة عند أهل العلم في عصور قد يضعف فيها إدراك الإعجاز النظمي، نحو قوله: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا﴾ [يس: 38] ﴿وَأَرْسَلْنَا الرِّيَاحَ لَوَاقِحَ﴾ [الحجر: 22] ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ﴾ [الزمر: 5] ﴿وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ﴾ [النمل: 88] ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: 20] ﴿زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ﴾ [النور: 35] ﴿وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ﴾ [هود: 7] ﴿ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: 11] وذكر سدّ يأجوج ومأجوج.
هـ. خامستها: مجازات وكنايات مستعملة في لغة العرب، إلّا أنّ ظاهرها أوهم معاني لا يليق الحمل عليها في جانب الله تعالى: لإشعارها بصفات تخالف كمال الإلهية، وتوقّف فريق في محملها تنزيها، نحو: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48] ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: 27]
و. سادستها: ألفاظ من لغات العرب لم تعرف لدى الذين نزل القرآن بينهم: قريش والأنصار مثل: ﴿وَفَاكِهَةً وَأَبًّا﴾ [عبس: 31] ومثل ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾ [النحل: 47] ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: 114] ﴿وَلَا طَعَامٌ إِلَّا مِنْ غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: 36]
ز. سابعتها: مصطلحات شرعية لم يكن للعرب علم بخصوصها، فما اشتهر منها بين المسلمين معناه، صار حقيقة عرفية: كالتيمّم، والزكاة، وما لم يشتهر بقي فيه إجمال: كالربا قال عمر: (نزلت آيات الربا في آخر ما أنزل فتوفّي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ولم يبيّنها) وقد تقدم في سورة البقرة.
ح. ثامنتها: أساليب عربية خفيت على أقوام فظنّوا الكلام بها متشابها، وهذا مثل زيادة الكاف في قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] ومثل المشاكلة في قوله: ﴿يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ﴾ [النساء: 142] فيعلم السامع أنّ إسناد خادع إلى ضمير الجلالة إسناد بمعنى مجازي اقتضته المشاكلة.
ط. تاسعتها: آيات جاءت على عادات العرب، ففهمها المخاطبون، وجاء من بعدهم فلم يفهموها، فظنّوها من المتشابه، مثل قوله: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ [البقرة: 158]، في (الموطأ) قال ابن الزبير: (قلت لعائشة ـ وكنت يومئذ حدثا لم أتفقّه ـ لا أرى بأسا على أحد ألّا يطوف بالصفا والمروة) فقالت له: (ليس كما قلت إنّما كان الأنصار يهلون لمناة الطاغية).. ومنه: ﴿عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ﴾ [البقرة: 187] ﴿لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إِذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا﴾ [المائدة: 93] الآية فإنّ المراد فيما شربوا من الخمر قبل تحريمها.
ي. عاشرتها: أفهام ضعيفة عدت كثيرا من المتشابه وما هو منه، وذلك أفهام الباطنية، وأفهام المشبّهة، كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ﴾ [القلم: 42]، وليس من المتشابه ما صرّح فيه بأنّا لا نصل إلى علمه كقوله: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَى تَخَوُّفٍ﴾، ﴿قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي﴾ [الإسراء: 85] ولا ما صرّح فيه بجهل وقته كقوله: ﴿لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً﴾ [الأعراف: 187]
15. ليس من المتشابه ما دلّ على معنى يعارض الحمل عليه دليل آخر، منفصل عنه؛ لأنّ ذلك يرجع إلى قاعدة الجمع بين الدليلين المتعارضين، أو ترجيح أحدهما على الآخر، مثل قوله تعالى خطابا لإبليس: ﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ﴾، مع ما في الآيات المقتضية ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلَا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ﴾ [الزمر: 7] إنه لا يحبّ الفساد.
16. علمتم من هذا أنّ ملاك التشابه هو عدم التواطؤ بين المعاني واللغة: إمّا لضيقها عن المعاني، وإمّا لضيق الأفهام عن استعمال اللغة في المعنى، وإمّا لتناسي بعض اللغة، فيتبيّن لك أنّ الإحكام والتشابه: صفتان للألفاظ، باعتبار فهم المعاني.
17. إنّما أخبر عن ضمير آيات محكمات، وهو ضمير جمع، باسم مفرد ليس دالا على أجزاء وهو ﴿أمّ﴾ لأنّ المراد أنّ صنف الآيات المحكمات يتنزّل من الكتاب منزلة أمّه أي أصله ومرجعه الذي يرجّع إليه في فهم الكتاب ومقاصده، والمعنى: هنّ كأمّ للكتاب، ويعلم منه أنّ كل آية من المحكمات أم للكتاب في ما تتضمّنه من المعنى، وهذا كقول النابغة يذكر بني أسد: (فهم درعي التي استلأمت فيها)، أي مجموعهم كالدرع لي، ويعلم منه أن كل أحد من بني أسد بمنزلة حلقة من حلق الدرع، ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا﴾ [الفرقان: 74]
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/15.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في الآيات السابقة ذكر سبحانه منزلة القرآن بين الكتب السماوية، وأنه فرقانها وميزانها، وذكر أنه سبحانه وتعالى العليم بكل شيء، الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهو العليم بخلقه، والعليم بما ينزل عليهم من آيات بينات، والعليم بمداركهم البشرية، وطاقاتهم العقلية، يطالبهم بما يدركون ويكلفهم ما يستطيعون؛ وفى هذه الآية يبين أقسام القرآن من حيث قوة إدراكهم له، وتطلعهم لفهمه، وتباين مقاصدهم في طلب حقيقته ومعناه، وغايته ومرماه، وفيها بيان أنه قسمان: قسم لا تدركه كل العقول، وقسم تدركه كل العقول المميزة، وأن ما يعلو على الإدراك، أصله ما أدركه كل الناس.
2. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ الضمير يعود إلى الذات العلية التي وصفت في الآيات السابقة، إذ قد وصف ذاته ـ جلت قدرته ـ بأنه الحى القائم على كل شيء، والذى به يقوم كل شيء، وبأنه منزل الكتب من السماء، وجاعل القرآن ميزانها، وأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، وأنه سبحانه الذي يعلم الإنسان منذ يكون نطفة في بطن أمه إلى أن يصير إنسانا مستويا كامل التكوين، وهو الذي يصوره ذلك التصوير، ويكونه ذلك التكوين، وهو العزيز الغالب المسيطر على كل شيء خلقه، ولا شيء في الوجود إلا كان خلقه، الذي يتصرف في هذا الكون بمقتضى حكمته وعلمه بكل شيء؛ فقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ﴾ الضمير يعود إلى المتصف بهذه الصفات، وقوله: ﴿الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ معناه أن هذا الكتاب العظيم الشأن الذي هو ميزان الكتب السابقة وفرقانها، أنزله الله العلى القدير المتصف بهذه الصفات عليك، وقد اختارك موضع رسالته، وأداء أمانته، و﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ﴾ [الأنعام] وهو أعلم بشأن الكتاب وما جاء فيه، وتلقى الناس له، ومقدار إدراكهم لما فيه، وقد شاء بحكمته الواسعة أن يجعله قسمين:
أ. أحدهما: يدركه كل الناس.
ب. الثاني: فوق مستوى عامة الناس.
3. ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي أن القرآن من حيث بيانه وإدراك الناس له: محكم، ومتشابه؛ ولقد وجدنا القرآن الكريم وصف بأنه كله محكم في مثل قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ [هود] أي أنها نزلت محكمة لا يأتيها الباطل من بين يديها ولا من خلفها؛ ووصفه الله سبحانه وتعالى بأنه متشابه؛ فقد قال تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [الزمر] ومعنى التشابه هنا هو أنه على شاكلة واحدة من حيث قوة تأثيره، وتآخى معانيه، وإحكام نسقه، وفصاحة ألفاظه، وقوة تأثيره بألفاظه ومعانيه؛ فهو في هذا متشابه، أي يشبه بعضه بعضا، وفى هذه الآية الكريمة وصف القرآن بأن منه آيات محكمات، وأخر متشابهات؛ فلا شك أن معنى محكم هنا غير معناها في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ ومتشابه غير معناها في قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾
4. يتضح ذلك من تفسير كلمة محكم ومتشابه في أصل معناها اللغوي وهذا ما جاء في كتب اللغة:
أ. العرب تقول: حاكمت وحكمت وأحكمت بمعنى رددت ومنعت، والحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام هي التي تمنع الفرس من الاضطراب، وروى إبراهيم النخعي أحكم اليتيم كما تحكم ولدك، أي امنعه عن الفساد، وقال ابن جرير الطبري: أحكموا سفهاءكم أي امنعوهم، وبناء محكم أي وثيق يمنع من تعرض له، وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي.
ب. وأما التشابه فهو أن يكون أحد الشيئين مشابها للآخر، بحيث يعجز الذهن عن التمييز؛ قال تعالى: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾ [البقرة] وقال في وصف ثمار الجنة ﴿وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهًا﴾ [البقرة] أي متفق المنظر مختلف الطعوم، وقال تعالى: ﴿تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ﴾ [البقرة]، ومنه يقال: اشتبه علىّ الأمران، إذا لم يفرق بينهما وقال صلّى الله عليه وآله وسلم: (الحلال بيّن، والحرام بيّن، وبينهما أمور متشابهات)، وفى رواية أخرى (مشتبهات)
5. على هذا الأساس اللغوي نقول: إن التشابه في القرآن أطلق على ما لا يمكن فهمه مطلقا، أو ما لا يمكن معرفة حقيقته على الوجه الأكمل، أو ما يدق ويختفى على العامة، ولا يستغلق على الخاصة، هذان هما الوجهان اللذان يحتملهما معنى التشابه:
أ. فإما أن نقول إنه ما لا يمكن معرفة حقيقته على الوجه الأكمل في هذه الدنيا.
ب. وإما أن نقول إنه ما يمكن معرفته، ولكن لبعض الخاصة الراسخين في العلم.
6. المحكم هو ما يقابل المتشابه، وهو الواضح البين للعامة والخاصة الذي لا تتفاوت في إدراكه الأنظار، وما يمكن معرفة حقيقته على الوجه الأكمل؛ وهو أم الكتاب؛ لأنه الأصل الذي يجب على كل مؤمن معرفته، والجزم بمعناه، والتصديق بمغزاه، فالآيات المحكمات أم الكتاب، أي أصله الذي يرجع إليه، ويحمل المتشابه عليه، ويخرج بتخريج لا يناقضه إن كان ممكن الإدراك على الوجه الكامل، فالآيات المحكمات هي الحكم الذي يفصل بين التأويل الزائغ، والتأويل الصادق، فما شهدت له، فهو الصادق الذي يتفق مع أصل التنزيل، وما يخالفه فهو الزيغ في الدين، والخروج عن جادته.
7. المتشابه ينتهي كما ذكرنا إلى أحد معنيين:
أ. إما أن نقول إنه الغيب الذي لا يستطيع الإنسان معرفته، كحقيقة الروح، وحقيقة الجن والملائكة، وما يكون يوم القيامة، وكيف يكون نعيم الجنة الحسى، وعذاب الجحيم المادي، وكيف ينشئ الله الخلق، وكيف يعيده، وكيف يتجلى سبحانه يوم الحساب، وهكذا مما غيبه الله تعالى علينا؛ لأن عقولنا مأسورة بالحس الذي نحسه، وبالمادة التي ندركها، وعلم الغيب قد أخفاه الله سبحانه عنا؛ لأنه يعلو عن مداركنا في هذه الدنيا، وعلينا أن نؤمن بما أخبرنا به القرآن الكريم، وما جاءت به السنة الصحيحة؛ فإن من صفات أهل الإيمان الإيمان بالغيب، إذ قال سبحانه في أوصافهم: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ [البقرة]، هذا هو الوجه الأول الذي يحتمله تفسير كلمة المتشابه.
ب. أما الوجه الثاني فمعنى المتشابه أنه الذي يدق معناه إلا على طائفة خاصة من أهل العلم، كبعض العبارات القرآنية الخاصة بالكون وتكوين السماء والأرض، وبعض ما ذكر في القرآن من أوصاف لله سبحانه وتعالى، ونحو ذلك من الحقائق التي لا يخوض فيها إلا أهل الذكر، وهى دقيقة في معناها.
8. هذان هما الوجهان اللذان تحتملهما الآية الكريمة، ويدخل في عمومهما كل الأقوال التي قيلت في هذا المقام، ونرى أن كلا الوجهين تحتملهما الآية، من غير ترجيح لأحدهما على الآخر، بل يصح لنا أن نقول: إن الوجهين معا مرادان، وسنختار ذلك، ونبين وجهه عندما نتكلم في تأويل المتشابه إن شاء الله تعالى.
__________
(1) زهرة التفاسير: 2/1108.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. تنقسم آيات القرآن بالنظر إل الوضوح والخفاء إلى نوعين: محكم ومتشابه.
2. المحكم هو الذي لا يحتاج إلى تفسير، ويدل على المعنى المقصود منه دلالة واضحة قطعية لا تحتمل تأويلا ولا تخصصا ولا نسخا، ولا تترك مجالا للذين في قلوبهم مرض أن يضللوا ويفتنوا بالتأويل والتحريف.. ومن أمثلة المحكم قوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾.. ﴿وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾.. ﴿لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ﴾.. ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾.. ﴿وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا﴾، وما إلى ذلك مما يستوي في فهمه العالم والجاهل.
3. المتشابه ضد المحكم، وهو على أنواع:
أ. منها: ما يعرف معناه على سبيل الإجمال دون التفصيل، مثل قوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾.. فان منتهى معرفتنا بالروح انها سر إلهي يحدث للإنسان بسببه الإدراك والشعور، أما معرفة هذا السر بكنهه وحقيقته فهو من أمر ربي لا يعرفه، حتى العلماء، وليس الشرط لصحة الخطاب بالشيء أن يعرفه المخاطب بالتفصيل، بل تكفي المعرفة الاجمالية.
ب. ومنها: أن يدل اللفظ على شيء يأباه العقل، مثل ثم استوى على العرش.. فلفظ العرش يدل على السرير، والعقل يرفض هذه الدلالة، لأن الله سبحانه فوق الزمان والمكان، فيتعين التأويل، وهو من اختصاص أهل العلم، إذ لا بد للتأويل من دليل صحيح يصرف اللفظ إل معنى صحيح، ولا يعرف هذين إلا أهل الاختصاص.
ج. ومنها: أن يتردد اللفظ بين معنيين أو أكثر، مثل قوله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾، حيث يطلق القرء على الطهر والحيض معا.
د. ومنها أن يكون اللفظ عاما يشمل بظاهره جميع المكلفين، ولكن المراد منه بعض أفراده، لا جميعها، مثل قوله تعالى: ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا﴾.. مع العلم بأن السارق لا يقطع إذا كان أبا لصاحب المال، ولا في سنة المجاعة، ولا إذا كان المسروق في غير حرز، أو كان دون ربع دينار.
هـ. ومنها: الحكم المنسوخ، كالصلاة إل بيت المقدس، حيث دل الدليل على ثبوت هذه القبلة واستمرار حكمها في بدء الدعوة، ثم جاء دليل الناسخ، وحوّلها إلى الكعبة.
4. ليس من شرط المتشابه ان لا ترجى معرفته إطلاقا، حتى للعلماء، وبشتى أنواعه.. كلا، فان جميع أنواع المتشابه ـ ما عدا النوع الأول: يمكن لعلماء الأصول العارفين بطرق التأويل، وأحكام الخاص والعام، والناسخ والمنسوخ، والترجيح بين المتعارضين ـ ان يستخرجوا الخاص من العام، ويميزوا بين الناسخ والمنسوخ، والراجح والمرجوح، والمعنى المعقول الذي أوّلت به الدلالة اللفظية بعد أن رفضها العقل.. وعلى هذا يكون المتشابه بالنسبة إلى العالم واضحا، ولكن بعد البحث والاستقصاء، وعملية الموازنة والمقارنة بين المتشابه، وبين ما يتصل به من القرائن والدلائل.. أجل، يبقى المتشابه على أشكاله بالنسبة إلى الجاهل الذي لا يجوز له أن يؤوّل، أو يأخذ بظاهر يقبل التخصيص أو النسخ.
5. خلاصة القول ان العلماء يعلمون معاني القرآن، وهو بلاغ مبين بالنسبة اليهم؛ إذ لا يجوز بحال أن ينزل الله كلاما لا معنى له، أو لا يفهمه أحد، حتى العلماء.. كيف؟ وقد أمر الله بتدبر القرآن، ولا يكون التدبر والتعقل إلا للمعقول.. والذي لا يفهم لا يمكن تدبره وتعقله.
6. سؤال وإشكال: ان الله قد وصف كتابه العزيز بأن آياته كلها محكمة، قال عز من قائل: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾.. وأيضا وصف كتابه بأن آياته كلها متشابهة، قال: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾.. وأيضا وصف كتابه بأن بعض آياته محكمة، وبعضها متشابهة، قال في الآية التي نحن بصددها: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.. فما هو طريق الجمع بين هذه الآيات؟، والجواب: ان المراد بقوله تعالى: ﴿أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ أنها أحكمت في النظم والإتقان، وانها جميعا فصيحة اللفظ، صحيحة المعنى، والمراد بقوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ ان بعضه يشبه بعضا في البلاغة والهداية، قال أمير المؤمنين: (القرآن ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض)، والمراد بقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ ان بعضها واضح المعنى لا يحتاج إلى تفسير، وبعضها غامض يحتاج فهمه إلى تفسير، والتفسير يحتاج إلى المعرفة والعلم بالصناعة، كما أشرنا.. فلا تهافت بين الآيات الثلاث بعد اختلاف الجهة، فهي أشبه بقول القائل: أحب السفر، ولا أحب السفر، ثم أوضح مراده بقوله: أحب السفر برا، ولا أحبه بحرا، قال بعض الصوفية مخاطبا ربه: (يا من أراه ولا يراني يا من يراني ولا أراه)، يريد أرى الله مفضلا عليّ، ولا يراني مطيعا له، ويراني عاصيا، ولا أراه معاقبا.
7. سؤال وإشكال: ما هو المراد من الأم في قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾؟ والجواب: بعد أن أوضح سبحانه ان في كتابه آيات متشابهات لا يعلمها إلا الله والراسخون في العلم قال ولكن الآيات التي وردت في أصول العقيدة، كالايمان بالله ونفي الشريك عنه، وكالايمان بنبوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم واليوم الآخر، ان هذه الآيات واضحة المعنى بيّنة القصد، لا التباس فيها ولا غموض، ولا مجال فيها للتأويل، أو التخصيص، أو النسخ، ويستوي في فهمها العالم والجاهل، وهي في نفس الوقت الأصل والأساس في كتاب الله، لأنها في العقيدة، وما عداها يتفرع عنها، ويرجع اليها، وعلى هذا فلا وجه، ولا مبرر لوفد نجران اليمن وغيره أن يطلب الآيات المتشابهة، مثل الآية التي وصفت عيسى بأنه روح الله، ويتجاهل تلك الآيات الواضحة التي نفت الربوبية عن عيسى، لا مبرر لمن يتجاهل المحكم، ويطلب المتشابه إلا مرض القلب، والقصد الفاسد.
8. سؤال وإشكال: لماذا قال هن أم الكتاب، ولم يقل أمهات الكتاب؟ والجواب: انه أفرد الأم لبيان ان الآيات المحكمات بمجموعها هي ام الكتاب وأصله، وليست كل آية بمفردها اما، ومثله قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ آيَةً﴾ ولم يقل آيتين، لأن كلا منهما جزء متمم للآية، فهي لا تكون آية إلا به، وهو لا يكون آية إلا بها.
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/10.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، عبر تعالى بالإنزال دون التنزيل لأن المقصود بيان بعض أوصاف مجموع الكتاب النازل وخواصه، وهو أنه مشتمل على آيات محكمة وأخر متشابهة ترجع إلى المحكمات وتبين بها، فالكتاب مأخوذ بهذا النظر أمرا واحدا من غير نظر إلى تعدد وتكثر فناسب استعمال الإنزال دون التنزيل.
2. ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، مادة حكم تفيد معنى كون الشيء بحيث يمنع ورود ما يفسده أو يبعضه أو يخل أمره عليه، ومنه الإحكام والتحكيم، والحكم بمعنى القضاء، والحكمة بمعنى المعرفة التامة والعلم الجازم النافع، والحكمة بفتح الحاء لزمام الفرس، ففي الجميع شيء من معنى المنع والإتقان، وربما قيل: إن المادة تدل على معنى المنع مع إصلاح.
3. المراد هاهنا من إحكام المحكمات إتقان هذه الآيات من حيث عدم وجود التشابه فيها كالمتشابهات، فإنه تعالى وإن وصف كتابه بإحكام الآيات في قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، لكن اشتمال الآية على ذكر التفصيل بعد الإحكام دليل على أن المراد بالإحكام حال من حالات الكتاب كان عليها قبل النزول وهي كونه واحدا لم يطرأ عليه التجزي والتبعض بعد بتكثر الآيات، فهو إتقانه قبل وجود التبعض، فهذا الإحكام وصف لتمام الكتاب، بخلاف وصف الإحكام والإتقان الذي لبعض آياته بالنسبة إلى بعض آخر من جهة امتناعها عن التشابه في المراد، وبعبارة أخرى لما كان قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ مشتملا على تقسيم آيات الكتاب إلى قسمي المحكم والمتشابه علمنا به أن المراد بالإحكام غير الإحكام الذي وصف به جميع الكتاب في قوله: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ الآية وكذا المراد بالتشابه فيه غير التشابه الذي وصف به جميع الكتاب في قوله: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾
4. وصف الله تعالى المحكمات بأنها أم الكتاب، والأم بحسب أصل معناه ما يرجع إليه الشيء، وليس إلا أن الآيات المتشابهة ترجع إليها فالبعض من الكتاب وهي المتشابهات ترجع إلى بعض آخر وهي المحكمات ومن هنا يظهر أن الإضافة في قوله ﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ ليست لامية كقولنا: أم الأطفال، بل هي بمعنى من، كقولنا نساء القوم وقدماء الفقهاء ونحو ذلك، فالكتاب يشتمل على آيات هي أم آيات أخر، وفي إفراد كلمة الأم من غير جمع دلالة على كون المحكمات غير مختلفة في أنفسها بل هي متفقة مؤتلفة.
5. قوبلت المحكمات في الآية بقوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، والتشابه توافق أشياء مختلفة واتحادها في بعض الأوصاف والكيفيات، وقد وصف الله سبحانه جميع القرآن بهذا الوصف حيث قال: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ الآية، والمراد به لا محالة كون آيات الكتاب ذات نسق واحد من حيث جزالة النظم، وإتقان الأسلوب، وبيان الحقائق والحكم، والهداية إلى صريح الحق كما تدل عليه القيود المأخوذة في الآية، فهذا التشابه وصف لجميع الكتاب، وأما التشابه المذكور في هذه الآية، أعني قوله: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فمقابلته لقوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وذكر اتباع الذين في قلوبهم زيغ لها ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل، كل ذلك يدل على أن المراد بالتشابه كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها بل يتردد بين معنى ومعنى حتى يرجع إلى محكمات الكتاب فتعين هي معناها وتبينها بيانا، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها:
أ. كما أن قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾، يشتبه المراد منه على السامع أول ما يسمعه، فإذا رجع إلى مثل قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، استقر الذهن على أن المراد به التسلط على الملك والإحاطة على الخلق دون التمكن والاعتماد على المكان المستلزم للتجسم المستحيل على الله سبحانه.
ب. وكذا قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، إذا أرجع إلى مثل قوله: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ وَهُوَيُدْرِكُ الْأَبْصارَ﴾، علم به أن المراد بالنظر غير النظر بالبصر الحسي، وكذا إذا عرضت الآية المنسوخة على الآية الناسخة تبين أن المراد بها حكم محدود بحد الحكم الناسخ وهكذا.
6. هذا ما يتحصل من معنى المحكم والمتشابه، ويتلقاه الفهم الساذج من مجموع قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، فإن الآية محكمة بلا شك ولو فرض جميع القرآن غيرها متشابها، ولو كانت هذه الآية متشابهة عادت جميع آيات القرآن متشابهة وفسد التقسيم الذي يدل عليه قوله: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ﴾.. وبطل العلاج الذي يدل عليه قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، ولم يصدق قوله: ﴿كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾، ولم يتم الاحتجاج الذي يشتمل عليه قوله: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن القرآن نور وهدى وتبيان وبيان ومبين وذكر ونحو ذلك.
7. على أن كل من يرعى نظره في آيات القرآن من أوله إلى آخره لا يشك في أن ليس بينها آية لها مدلول وهي لا تنطق بمعناها وتضل في مرادها، بل ما من آية إلا وفيها دلالة على المدلول: إما مدلول واحد لا يرتاب فيه العارف بالكلام، أو مداليل يلتبس بعضها ببعض، وهذه المعاني الملتبسة لا تخلو عن حق المراد بالضرورة وإلا بطلت الدلالة كما عرفت، وهذا المعنى الواحد الذي هو حق المراد لا محالة لا يكون أجنبيا عن الأصول المسلمة في القرآن كوجود الصانع وتوحيده وبعثة الأنبياء وتشريع الأحكام والمعاد ونحو ذلك، بل هو موافق لها وهي تستلزمه وتنتجه وتعين المراد الحق من بين المداليل المتعددة المحتملة، فالقرآن بعضه يبين بعضا، وبعضه أصل يرجع إليه البعض الآخر.
8. ثم إن هذا الناظر إذا عثر بعد هذه النظرة على قوله تعالى: ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، لم يشك في أن المراد بالمحكمات هي الآيات المتضمنة للأصول المسلمة من القرآن وبالمتشابهات الآيات التي تتعين وتتضع معانيها بتلك الأصول.
9. سؤال وإشكال: رجوع الفروع إلى الأصول مما لا ريب فيه فيما كان هناك أصول متعرقة وفروع متفرقة سواء فيه المعارف القرآنية وغيرها، لكن ذلك لا يستوجب حصول التشابه، فما وجه ذلك؟ والجواب: وجهه أحد أمرين، فإن المعارف التي يلقيها القرآن على قسمين:
أ. فمنها معارف عالية خارجة عن حكم الحس والمادة، والأفهام العادية لا تلبث دون أن تتردد فيها بين الحكم الجسماني الحسي وبين غيره كقوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، فيتبادر منها إلى الذهن المستأنس بالمحسوس من الأحكام معان هي من أوصاف الأجسام وخواصها، وتزول بالرجوع إلى الأصول التي تشتمل على نفي حكم المادة والجسم عن المورد، وهذا مما يطرد في جميع المعارف والأبحاث غير المادية والغائبة عن الحواس، ولا يختص بالقرآن الكريم بل يوجد في غيره من الكتب السماوية بما تشتمل عليه من المعارف العالية من غير تحريف، ويوجد أيضا في المباحث الإلهية من الفلسفة، وهو الذي يشير إليه القرآن بلسان آخر في قوله تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا﴾ الآية، وقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾
ب. ومنها ما يتعلق بالنواميس الاجتماعية والأحكام الفرعية، واشتمال هذا القسم من المعارف على الناسخ والمنسوخ بالنظر إلى تغير المصالح المقتضية للتشريعات ونحوها من جهة، ونزول القرآن نجوما من جهة أخرى يوجب ظهور التشابه في آياتها، ويرتفع التشابه بإرجاع المتشابه إلى المحكم، والمنسوخ إلى الناسخ.
10. هذا الذي أوردناه من الكلام في معنى المحكم والمتشابه(2) هو الذي يتحصل من تدبر كلامه سبحانه ويستفاد من المأثور عن أئمة أهل البيت عليه السلام، لكن القوم اختلفوا في المقام، وقد شاع الخلاف واشتد الانحراف بينهم، وينسحب ذيل النزاع والمشاجرة إلى الصدر الأول من مفسري الصحابة والتابعين، وقلما يوجد في ما نقل إلينا من كلامهم ما يقرب مما مر من البيان فضلا عن أن ينطبق عليه تمام الانطباق، والسبب العمدة في ذلك الخلط بين البحث عن المحكم والمتشابه وبين البحث عن معنى التأويل، فأوجب ذلك اختلالا عجيبا في عقد المسألة وكيفية البحث والنتيجة المأخوذة منه، ونحن نورد تفصيل القول في كل واحد من أطراف هذه الأبحاث وما قيل فيها وما هو المختار من الحق مع تمييز مورد البحث بما تيسر في ضمن فصول.
11. الإحكام والتشابه من الألفاظ المبينة المفاهيم في اللغة، وقد وصف بهما الكتاب كما في قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ﴾، ولم يتصف بهما إلا جملة الكتاب من جهة إتقانه في نظمه وبيانه ومن جهة تشابه نظمه وبيانه في البلوغ إلى غاية الإتقان والإحكام، لكن قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ الآية لما اشتمل على تقسيم نفس آيات الكتاب إلى المحكمات والمتشابهات علمنا أن المراد بالإحكام والتشابه هاهنا غير ما يتصف به تمام الكتاب، وكان من الحري البحث عن معناهما وتشخيص مصداقهما من الآيات، وفيه أقوال ربما تجاوزت العشرة:
أ. أحدها: أن المحكمات هو قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا﴾ إلى آخر الآيات الثلاث والمتشابهات هي التي تشابهت على اليهود، وهي الحروف المقطعة النازلة في أوائل عدة من السور القرآنية مثل الم والر وحم، وذلك أن اليهود أولوها على حساب الجمل، فطلبوا أن يستخرجوا منها مدة بقاء هذه الأمة وعمرها فاشتبه عليهم الأمر، نسب إلى ابن عباس من الصحابة، وفيه(3) أنه قول من غير دليل ولو سلم فلا دليل على انحصارهما، فيهما، على أن لازمه وجود قسم ثالث ليس بمحكم ولا متشابه مع أن ظاهر الآية يدفعه، لكن الحق أن النسبة في غير محلها، والذي نقل عن ابن عباس: أنه قال: إن الآيات الثلاث من المحكمات لا أن المحكمات هي الآيات الثلاث (4).
ب. ثانيها: عكس الأول وهو أن المحكمات هي الحروف المقطعة في فواتح السور والمتشابهات غيرها، نقل ذلك عن أبي فاختة حيث ذكر في قوله تعالى: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾: إنهن فواتح السور منها يستخرج القرآن: ﴿الم ذَلِكَ الْكِتَابُ﴾، منها استخرجت البقرة و﴿الم اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، منها استخرجت آل عمران وعن سعيد بن جبير مثله في معنى قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، قال: أصل الكتاب لأنهن مكتوبات في جميع الكتب.. وفيه: مضافا إلى أنه مبني على ما لا دليل عليه أصلا أعني تفسير الحروف المقطعة في فواتح السور بما عرفت أنه لا ينطبق على نفس الآية، فإن جميع القرآن غير فواتح السور يصير حينئذ من المتشابه، وقد ذم الله سبحانه اتباع المتشابه، وعده من زيغ القلب مع أنه تعالى مدح اتباع القرآن بل عده من أوجب الواجبات كقوله تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ﴾، وغيره من الآيات، ويدل ذلك على أنهما يذهبان في معنى فواتح السور إلى أن المراد بها ألفاظ الحروف بعناية أن الكتاب الذي نزل عليكم هو هذه الحروف المقطعة التي تتألف منها الكلمات والجمل، كما هو أحد المذاهب في معنى فواتح السور.
ج. ثالثها: أن المتشابه هو ما يسمى مجملا والمحكم هو المبين، وفيه: أن ما بين من أوصاف المحكم والمتشابه في الآية لا ينطبق على المجمل والمبين، بيان ذلك: أن إجمال اللفظ هو كونه بحيث يختلط ويندمج بعض جهات معناه ببعض فلا ينفصل الجهة المرادة عن غيرها، ويوجب ذلك تحير المخاطب أو السامع في تشخيص المراد وقد جرى دأب أهل اللسان في ظرف التفاهم أن لا يتبعوا ما هذا شأنه من الألفاظ بل يستريحون إلى لفظ آخر مبين يبين هذا المجمل فيصير بذلك مبينا فيتبع فهذا حال المجمل مع مبينه، فلو كان المحكم والمتشابه هما المجمل والمبين بعينهما كان المتبع هو المتشابه إذا رد إلى المحكم، دون نفس المحكم، وكان هذا الاتباع مما لا يجوزه قريحة التكلم والتفاهم فلم يقدم على مثله أهل اللسان سواء في ذلك أهل الزيغ منهم والراسخون في العلم ولم يكن اتباع المتشابه أمرا يلحقه الذم ويوجب زيغ القلب.
د. رابعها أن المتشابهات هي الآيات المنسوخة لأنها يؤمن بها ولا يعمل بها، والمحكمات هي الآيات الناسخة لأنها يؤمن بها، ويعمل بها ونسب إلى ابن عباس وابن مسعود وناس من الصحابة، ولذلك كان ابن عباس يحسب أنه يعلم تأويل القرآن، وفيه: أنه على تقدير صحته لا دليل فيه على انحصار المتشابهات في الآيات المنسوخة فإن الذي ذكره تعالى من خواص اتباع المتشابه من ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل جار في كثير من الآيات غير المنسوخة كآيات الصفات والأفعال، على أن لازم هذا القول وجود الواسطة بين المحكم والمتشابه، وفيما نقل عن ابن عباس ما يدل على أن مذهبه في المحكم والمتشابه أعم مما ينطبق على الناسخ والمنسوخ، وأنه إنما ذكرهما من باب المثال.
هـ. خامسها: أن المحكمات ما كان دليله واضحا لائحا كدلائل الوحدانية والقدرة والحكمة، والمتشابهات ما يحتاج في معرفته إلى تأمل وتدبر، وفيه: أنه إن كان المراد من كون الدليل واضحا لائحا أو محتاجا إلى التأمل والتدبر كون مضمون الآية ذا دليل عقلي قريب من البداهة أو بديهي وعدم كونه كذلك كان لازمه كون آيات الأحكام والفرائض ونحوها من المتشابه لفقدانها الدليل العقلي اللائح الواضح، وحينئذ يكون اتباعها مذموما مع أنها واجبة الاتباع، وإن كان المراد به كونه ذا دليل واضح لائح من نفس الكتاب وعدم كونه كذلك فجميع الآيات من هذه الجهة على وتيرة واحدة، وكيف لا؟ وهو كتاب متشابه مثاني، ونور، ومبين، ولازمه كون الجميع محكما وارتفاع المتشابه المقابل له من الكتاب وهو خلف الفرض وخلاف النص.
و. سادسها: أن المحكم كل ما أمكن تحصيل العلم به بدليل جلي أو خفي، والمتشابه ما لا سبيل إلى العلم به كوقت قيام الساعة ونحوه، وفيه: أن الإحكام والتشابه وصفان لآية الكتاب من حيث إنها آية أي دالة على معرفة من المعارف الإلهية، والذي تدل عليه آية من آيات الكتاب ليس بعادم للسبيل، ولا ممتنع الفهم إما بنفسه أو بضميمة غيره، وكيف يمكن أن يكون هناك أمر مراد من لفظ الآية ولا يمكن نيله من جهة اللفظ؟ مع أنه وصف كتابه بأنه هدى، وأنه نور، وأنه مبين، وأنه في معرض فهم الكافرين فضلا عن المؤمنين حيث قال ﴿تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، فما تعرضت له آية من آيات الكتاب ليس بممتنع الفهم، ولا الوقوف عليه مستحيل، وما لا سبيل إلى الوقوف عليه كوقت قيام الساعة وسائر ما في الغيب المكنون لم يتعرض لبيانه آية من الآيات بلفظها حتى تسمى متشابها، على أن في هذا القول خلطا بين معنى المتشابه وتأويل الآية كما مر.
ز. سابعها: أن المحكمات آيات الأحكام والمتشابهات غيرها مما يصرف بعضها بعضا، نسب هذا القول إلى مجاهد وغيره، وفيه: أن المراد بالصرف الذي ذكره إن كان مطلق ما يعين على تشخيص المراد باللفظ حتى يشمل مثل التخصيص بالمخصص، والتقييد بالمقيد وسائر القرائن المقامية كانت آيات الأحكام أيضا كغيرها متشابهات، وإن كان خصوص ما لا إبهام في دلالته على المراد ولا كثرة في محتملاته حتى يتعين المراد به بنفسه، ويتعين المراد بغيره بواسطته كان لازم كون ما سوى آيات الأحكام متشابهة أن لا يحصل العلم بشيء من معارف القرآن غير الأحكام لأن المفروض عدم وجود آية محكمة فيها ترجع إليها المتشابهات منها ويتبين بذلك معانيها.
ح. ثامنها: أن المحكم من الآيات ما لا يحتمل من التأويل إلا وجها واحدا والمتشابه ما احتمل من التأويل أوجها كثيرة ونسب إلى الشافعي، وكان المراد به أن المحكم ما لا ظهور له إلا في معنى واحد كالنص والظاهر القوي في ظهوره والمتشابه خلافه، وفيه: أنه لا يزيد على تبديل اللفظ باللفظ شيئا، فقد بدل لفظ المحكم بما ليس له إلا معنى واحد، والمتشابه بما يحتمل معاني كثيرة، على أنه أخذ التأويل بمعنى التفسير أي المعنى المراد باللفظ وقد عرفت أنه خطأ، ولو كان التأويل هو التفسير بعينه لم يكن لاختصاص علمه بالله، أو بالله وبالراسخين في العلم وجه فإن القرآن يفسر بعضه بعضا، والمؤمن والكافر والراسخون في العلم وأهل الزيغ في ذلك سواء.
ط. تاسعها: أن المحكم ما أحكم وفصل فيه خبر الأنبياء مع أممهم، والمتشابه ما اشتبهت ألفاظه من قصصهم بالتكرير في سور متعددة، ولازم هذا القول اختصاص التقسيم بآيات القصص، وفيه: أنه لا دليل على هذا التخصيص أصلا، على أن الذي ذكره تعالى من خواص المحكم والمتشابه وهو ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل في اتباع المتشابه دون المحكم لا ينطبق عليه، فإن هذه الخاصة توجد في غير آيات القصص كما توجد فيها، وتوجد في القصة الواحدة كقصة جعل الخلافة في الأرض كما توجد في القصص المتكررة.
ي. عاشرها: أن المتشابه ما يحتاج إلى بيان والمحكم خلافه، وهذا الوجه منسوب إلى الإمام أحمد، وفيه: أن آيات الأحكام محتاجة إلى بيان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم مع أنها من المحكمات قطعا لما تقدم بيانه مرارا، وكذا الآيات المنسوخة من المتشابه كما تقدم مع عدم احتياجها إلى بيان لكونها نظائر لسائر آيات الأحكام.
ك. الحادي عشر: أن المحكم ما يؤمن به ويعمل به والمتشابه ما يؤمن به ولا يعمل به، ونسب إلى ابن تيمية، ولعل المراد به: أن الأخبار متشابهات والإنشاءات محكمات كما استظهره بعضهم وإلا لم يكن قولا برأسه لصحة انطباقه على عدة من الأقوال المتقدمة، وفيه: أن لازمه كون غير آيات الأحكام متشابهات، ولازمه أن لا يمكن حصول العلم بشيء من المعارف الإلهية في غير الأحكام إذ لا يتحقق فيها عمل مع عدم وجود محكم فيها يرجع إليه ما تشابه منها، ومن جهة أخرى: الآيات المنسوخة إنشاءات وليست بمحكمات قطعا، والظاهر أن مراده من الإيمان والعمل بالمحكم والإيمان من غير عمل بالمتشابه ما يدل عليه لفظ الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾... ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، إلا أن الأمرين أعني الإيمان والعمل معا في المحكم والإيمان فقط في المتشابه لما كانا وظيفتين لكل من آمن بالكتاب كان عليه أن يشخص المحكم والمتشابه قبلا حتى يؤدي وظيفته، وعلى هذا فلا يكفي معرفة المحكم والمتشابه بهما في تشخيص مصداقهما وهو ظاهر.
ل. الثاني عشر: إن المتشابهات هي آيات الصفات خاصة أعم من صفات الله سبحانه كالعليم والقدير والحكيم والخبير وصفات أنبيائه كقوله تعالى في عيسى بن مريم عليه السلام: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، وما يشبه ذلك، نسب إلى ابن تيمية، وفيه: أنه مع تسليم كون آيات الصفات من المتشابهات لا دليل على انحصارها فيها، والذي يظهر من بعض كلامه المنقول على طوله أنه يأخذ المحكم والمتشابه بمعناهما اللغوي وهو ما أحكمت دلالته وما تشابهت احتمالاته والمعنيان نسبيان فربما اشتبهت دلالة آية على قوم كالعامة وعلمها آخرون بالبحث وهم العلماء، وهذا المعنى في آيات الصفات أظهر فإنها بحيث تشتبه مراداتها لغالب الناس لكون أفهامهم قاصرة عن الارتقاء إلى ما وراء الحس، فيحسبون ما أثبته الله تعالى لنفسه من العلم والقدرة والسمع والبصر والرضا والغضب واليد والعين وغير ذلك أمورا جسمانية أو معاني ليست بالحق، وتقوم بذلك الفتن، وتظهر البدع، وتنشأ المذاهب، فهذا معنى المحكم والمتشابه، وكلاهما مما يمكن أن يحصل به العلم، والذي لا يمكن نيله والعلم به هو تأويل المتشابهات بمعنى حقيقة المعاني التي تدل عليها أمثال آيات الصفات، فهب أنا علمنا معنى قوله: ﴿أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾، و﴿إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ ونحو ذلك لكنا لا ندري حقيقة علمه وقدرته وسائر صفاته وكيفية أفعاله الخاصة به، فهذا هو تأويل المتشابهات الذي لا يعلمها إلا الله تعالى.
م. الثالث عشر: أن المحكم ما للعقل إليه سبيل والمتشابه بخلافه، وفيه: أنه قول من غير دليل، والآيات القرآنية وإن انقسمت إلى ما للعقل إليه سبيل وما ليس للعقل إليه سبيل، لكن ذلك لا يوجب كون المراد بالمحكم والمتشابه في هذه الآية استيفاء هذا التقسيم، وشيء مما ذكر فيها من نعوت المحكم والمتشابه لا ينطبق عليه انطباقا صحيحا، على أنه منقوض بآيات الأحكام فإنها محكمة ولا سبيل للعقل إليها.
ن. الرابع عشر: أن المحكم ما أريد به ظاهره والمتشابه ما أريد به خلاف ظاهره، وهذا قول شائع عند المتأخرين من أرباب البحث، وعليه يبتني اصطلاحهم في التأويل: أنه المعنى المخالف لظاهر الكلام وكأنه أيضا مراد من قال إن المحكم ما تأويله تنزيله، والمتشابه ما لا يدرك إلا بالتأويل، وفيه: أنه اصطلاح محض لا ينطبق عليه ما في الآية من وصف المحكم والمتشابه فإن المتشابه إنما هو متشابه من حيث تشابه مراده ومدلوله، وليس المراد بالتأويل المعنى المراد من المتشابه حتى يكون المتشابه متميزا عن المحكم بأن له تأويلا، بل المراد بالتأويل في الآية أمر يعم جميع الآيات القرآنية من محكمها ومتشابهها كما مر بيانه، على أنه ليس في القرآن آية أريد فيها ما يخالف ظاهرها، وما يوهم ذلك من الآيات إنما أريد بها معان يعطيها لها آيات أخر محكمة، والقرآن يفسر بعضه بعضا، ومن المعلوم أن المعنى الذي تعطيه القرائن متصلة أو منفصلة للفظ ليس بخارج عن ظهوره وبالخصوص في كلام نص متكلمه على أن ديدنه أن يتكلم بما يتصل بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض ويرتفع كل اختلاف وتناف مترائى بالتدبر فيه، قال تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾
س. الخامس عشر: ما روي عن الأصم: أن المحكم ما أجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه وكان المراد بالإجماع والاختلاف كون مدلول الآية بحيث يختلف فيه الأنظار أو لا يختلف، وفيه: أن ذلك مستلزم لكون جميع الكتاب متشابها وينافيه التقسيم الذي في الآية إذ ما من آية من آي الكتاب إلا وفيه اختلاف ما: إما لفظا أو معنى أو في كونها ذات ظهور أو غيرها، حتى ذهب بعضهم إلى أن القرآن كله متشابه مستدلا بقوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، غفلة عن أن هذا الاستدلال منه يبتني على كون ما استدلّ به آية محكمة وهو يناقض قوله وذهب آخرون إلى أن ظاهر الكتاب ليس بحجة أي أنه لا ظاهر له.
ع. السادس عشر: أن المتشابه ما أشكل تفسيره لمشابهته غيره سواء كان الإشكال من جهة اللفظ أو من جهة المعنى، ذكره الراغب، قال في مفردات القرآن: والمتشابه من القرآن ما أشكل تفسيره لمشابهته بغيره، إما من حيث اللفظ، أو من حيث المعنى، فقال الفقهاء: المتشابه ما لا ينبئ ظاهره عن مراده، وحقيقة ذلك: أن الآيات عند اعتبار بعضها ببعض ثلاثة أضرب: محكم على الإطلاق، ومتشابه على الإطلاق، ومحكم من وجه متشابه من وجه، فالمتشابه في الجملة ثلاثة أضرب: متشابه من جهة اللفظ فقط، ومتشابه من جهة المعنى فقط، ومتشابه من جهتهما:
• والمتشابه من جهة اللفظ ضربان: أحدهما يرجع إلى الألفاظ المفردة، وذلك إما من جهة غرابته نحو الأب ويزفون، وإما من جهة مشاركة في اللفظ كاليد والعين.. والثاني يرجع إلى جملة الكلام المركب، وذلك ثلاثة أضرب: ضرب لاختصار الكلام نحو ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ وضرب لبسط الكلام نحو ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ لأنه لو قيل ليس مثله شيء كان أظهر للسامع، وضرب لنظم الكلام نحو ﴿أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجًا قَيِّمًا﴾ تقديره الكتاب قيما ولم يجعل له عوجا وقوله: ﴿وَلَوْلَا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُوا﴾،
• والمتشابه من جهة المعنى أوصاف الله تعالى وأوصاف يوم القيامة، فإن تلك الصفات لا تتصور لنا، إذ كان لا يحصل في نفوسنا صورة ما لم نحسه، أو لم يكن من جنس ما لم نحسه.
• والمتشابه من جهة المعنى واللفظ جميعا خمسة أضرب: الأول: من جهة الكمية كالعموم والخصوص نحو ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾.. الثاني: من جهة الكيفية كالوجوب والندب نحو ﴿فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ﴾.. والثالث من جهة الزمان كالناسخ والمنسوخ نحو ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾.. الرابع: من جهة المكان أو الأمور التي نزلت فيها نحو ﴿وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾، فإن من لا يعرف عادتهم في الجاهلية يتعذر عليه معرفة تفسير هذه الآية.. الخامس: من جهة الشروط التي بها يصح الفعل أو يفسد كشروط الصلاة والنكاح، وهذه الجملة إذا تصورت علم: أن كل ما ذكره المفسرون في تفسير المتشابه لا يخرج عن هذه التقاسيم نحو قول من قال المتشابه الم، وقول قتادة: المحكم الناسخ والمتشابه المنسوخ، وقول الأصم: المحكم ما أجمع على تأويله والمتشابه ما اختلف فيه.
• ثم جميع المتشابه على ثلاثة أضرب ضرب لا سبيل للوقوف عليه كوقت الساعة وخروج دابة الأرض وكيفية الدابة ونحو ذلك، وضرب للإنسان سبيل إلى معرفته كالألفاظ الغريبة والأحكام الغلقة وضرب متردد بين الأمرين، يجوز أن يختص بمعرفة حقيقته بعض الراسخين في العلم ويخفى على من دونهم، وهو الضرب المشار إليه بقوله صلّى الله عليه وآله وسلم في علي: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وقوله لابن عباس مثل ذلك.
انتهى كلام الراغب، وهو أعم الأقوال في معنى المتشابه جمع فيها بين عدة من الأقوال المتقدمة، وفيه:
• أولا: أن تعميمه المتشابه لموارد الشبهات اللفظية كغرابة اللفظ وإغلاق التركيب والعموم والخصوص ونحوها لا يساعد عليه ظاهر الآية، فإن الآية جعلت المحكمات مرجعا يرجع إليه المتشابهات، ومن المعلوم أن غرابة اللفظ وأمثالها لا تنحل عقدتها من جهة دلالة المحكمات، بل لها مرجع آخر ترجع إليه وتتضح به، وأيضا: الآية تصف المتشابهات بأنها من شأنها أن تتبع لابتغاء الفتنة، ومن المعلوم: أن اتباع العام من غير رجوع إلى مخصصه، والمطلق من غير رجوع إلى مقيده وأخذ اللفظ الغريب مع الإعراض عما يفسره في اللغة مخالف لطريقة أهل اللسان لا تجوزه قريحتهم فلا يكون بالطبع موجبا لإثارة الفتنة لعدم مساعدة اللسان عليه.
• وثانيا: أن تقسيمه المتشابه بما يمكن فهمه لعامة الناس وما لا يمكن فهمه لأحد وما يمكن فهمه لبعض دون بعض ظاهر في أنه يرى اختصاص التأويل بالمتشابه، وقد عرفت خلافه.
12. هذا هو المعروف من أقوالهم في معنى المحكم والمتشابه وتمييز مواردهما، وقد عرفت ما فيها، وعرفت أيضا أن الذي يظهر من الآية على ظهورها وسطوع نورها خلاف ذلك كله، وأن الذي تعطيه الآية في معنى المتشابه: أن تكون الآية مع حفظ كونها آية دالة على معنى مريب مردد لا من جهة اللفظ بحيث يعالجه الطرق المألوفة عند أهل اللسان كإرجاع العام والمطلق إلى المخصص والمقيد ونحو ذلك، بل من جهة كون معناها غير ملائم لمعنى آية أخرى محكمة لا ريب فيه تبين حال المتشابهة، ومن المعلوم أن معنى آية من الآيات لا يكون على هذا الوصف إلا مع كون ما يتبع من المعنى مألوفا مأنوسا عند الأفهام العامية تسرع الأذهان الساذجة إلى تصديقه أو يكون ما يرام من تأويل الآية أقرب إلى قبول هذه الأفهام الضعيفة الإدراك والتعقل، وأنت إذا تتبعت البدع والأهواء والمذاهب الفاسدة التي انحرف فيها الفرق الإسلامية عن الحق القويم بعد زمن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم سواء كان في المعارف أو في الأحكام وجدت أكثر مواردها من اتباع المتشابه، والتأويل في الآيات بما لا يرتضيه الله سبحانه:
أ. ففرقة تتمسك من القرآن بآيات للتجسيم، وأخرى للجبر، وأخرى للتفويض وأخرى لعثرة الأنبياء، وأخرى للتنزيه المحض بنفي الصفات، وأخرى للتشبيه الخالص وزيادة الصفات، إلى غير ذلك، كل ذلك للأخذ بالمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم الحاكم فيه.
ب. وطائفة ذكرت: أن الأحكام الدينية إنما شرعت لتكون طريقا إلى الوصول فلو كان هناك طريق أقرب منها كان سلوكه متعينا لمن ركبه فإنما المطلوب هو الوصول بأي طريق اتفق وتيسر، وأخرى قالت إن التكليف إنما هو لبلوغ الكمال، ولا معنى لبقائه بعد الكمال بتحقق الوصول فلا تكليف لكامل.
13. كانت الأحكام والفرائض والحدود وسائر السياسات الإسلامية قائمة ومقامة في عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لا يشذ منها شاذ ثم لم تزل بعد ارتحاله صلّى الله عليه وآله وسلم تنقص وتسقط حكما فحكما، يوما فيوما بيد الحكومات الإسلامية، ولم يبطل حكم أو حد إلا واعتذر المبطلون: أن الدين إنما شرع لصلاح الدنيا وإصلاح الناس، وما أحدثوه أصلح لحال الناس اليوم، حتى آل الأمر إلى ما يقال: إن الغرض الوحيد من شرائع الدين إصلاح الدنيا بإجرائها، والدنيا اليوم لا تقبل السياسة الدينية ولا تهضمها بل تستدعي وضع قوانين ترتضيها مدنية اليوم وإجراءها، وإلى ما يقال إن التلبس بالأعمال الدينية لتطهير القلوب وهدايتها إلى الفكرة والإرادة الصالحتين، والقلوب المتدربة بالتربية الاجتماعية، والنفوس الموقوفة على خدمة الخلق في غنى عن التطهر بأمثال الوضوء والغسل والصلوة والصوم.
14. إذا تأملت في هذه وأمثالها وهي لا تحصى كثرة وتدبرت في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ الآية، لم تشك في صحة ما ذكرناه، وقضيت بأن هذه الفتن والمحن التي غادرت الإسلام والمسلمين لم تستقر قرارها إلا من طريق اتباع المتشابه، وابتغاء تأويل القرآن.
15. هذا والله أعلم هو السبب في تشديد القرآن الكريم في هذا الباب، وإصراره البالغ على النهي عن اتباع المتشابه وابتغاء الفتنة والتأويل والإلحاد في آيات الله والقول فيها بغير علم واتباع خطوات الشيطان فإن من دأب القرآن أنه يبالغ في التشديد في موارد سينثلم من جهتها ركن من أركان الدين فتنهدم به بنيته كالتشديد الواقع في تولي الكفار، ومودة ذوي القربى، وقرار أزواج النبي، ومعاملة الربا، واتحاد الكلمة في الدين وغير ذلك.
16. لا يغسل رين الزيغ من القلوب ولا يسد طريق ابتغاء الفتنة اللذين منشؤهما الركون إلى الدنيا والإخلاد إلى الأرض واتباع الهوى إلا ذكر يوم الحساب كما قال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ﴾، ولذلك ترى الراسخين في العلم المتأبين تأويل القرآن بما لا يرتضيه ربهم يشيرون إلى ذلك في خاتمة مقالهم حيث يقولون: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾
17. اختلف في سبب كون الآيات المحكمة أم الكتاب:
أ. ذكر جماعة: أن كون الآيات المحكمة أم الكتاب كونها أصلا في الكتاب عليه تبتني قواعد الدين وأركانها فيؤمن بها، ويعمل بها وليس الدين إلا مجموعا من الاعتقاد والعمل، وأما الآيات المتشابهة فهي لتزلزل مرادها وتشابه مدلولها لا يعمل بها بل إنما يؤمن بها إيمانا، وأنت بالتأمل فيما تقدم من الأقوال تعلم أن هذا لازم بعض الأقوال المتقدمة، وهي التي ترى أن المتشابه إنما صار متشابها لاشتماله على تأويل يتعذر الوصول إليه وفهمه، أو أن المتشابه يمكن حصول العلم به ورفع تشابهه في الجملة أو بالجملة بالرجوع إلى عقل أو لغة أو طريقة عقلائية يستراح إليها في رفع الشبهات اللفظية.
ب. وقال آخرون: إن معنى أمومة المحكمات رجوع المتشابهات إليها، وكلامهم مختلف في تفسير هذا الرجوع فظاهر بعضهم: أن المراد بالرجوع هو قصر المتشابهات على الإيمان والاتباع العملي في مواردها للمحكم كالآية المنسوخة يؤمن بها ويرجع في موردها إلى العمل بالناسخة، وهذا القول لا يغاير القول الأول كثير مغايرة، وظاهر بعض آخر أن معناها كون المحكمات مبينة للمتشابهات، رافعة لتشابهها.
ج. والحق هو المعنى الثالث، فإن معنى الأمومة الذي تدل عليه قوله: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ الآية يتضمن عناية زائدة وهو أخص من معنى الأصل الذي فسرت به الأم في القول الأول، فإن في هذه اللفظة، أعني لفظة الأم عناية بالرجوع الذي فيه انتشاء واشتقاق وتبعض، فلا تخلو اللفظة عن الدلالة على كون المتشابهات ذات مداليل ترجع وتتفرع على المحكمات، ولازمه كون المحكمات مبينة للمتشابهات، على أن المتشابه إنما كان متشابها لتشابه مراده لا لكونه ذا تأويل، فإن التأويل كما مر يوجد للمحكم كما يوجد للمتشابه، والقرآن يفسر بعضه بعضا، فللمتشابه مفسر وليس إلا المحكم، مثال ذلك قوله تعالى: ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾، فإنه آية متشابهة، وبإرجاعها إلى قوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله تعالى ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾، يتبين: أن المراد بها نظرة ورؤية من غير سنخ رؤية البصر الحسي، وقد قال تعالى: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى﴾ إلى أن قال ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾، فأثبت للقلب رؤية تخصه، وليس هو الفكر فإن الكفر إنما يتعلق بالتصديق والمركب الذهني والرؤية إنما تتعلق بالمفرد العيني، فيتبين بذلك أنه توجه من القلب ليست بالحسية المادية ولا بالعقلية الذهنية، والأمر على هذه الوتيرة في سائر المتشابهات.
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/20.
(2) ذكر هذا بعد انتهاء تفسيره للمقاطع المرتبطة بالمحكم والمتشابه
(3) يقصد من الانتقادات الموجهة لهذا القول
(4) ذكر هنا بعض الآثار عن ابن عباس التي سبق ذكرها
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ لا تشابه فيها والقرآن الكريم تنزيل من حكيم، فهو كله على وفق الحكمة ليس فيه خلل، ولكن اقتضته حكمته تعالى أن يجعل منه محكماً هادياً لمن يهتدي، لا إشكال فيه ولا خفاء في معناه، ليكون دستوراً للأمة كلها، وأن يجعل منه متشابهاً للابتلاء والاختبار، فقال سبحانه في المحكمات: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ المرجَع الذي يهتدي به المهتدون ويؤمه طلاب الحق ويصيرون إليه، كما قال تعالى: ﴿فَأُمُّهُ هَاوِيَةٌ﴾ [القارعة:9]
2. وقال تعالى في المتشابه: ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ أي وآيات أخر متشابهات لنوع إبهام فيها، يحتاج المؤمن عندها إلى الإيمان بأنها من الله، وأن لها معنى صحيحاً خلاف ما يتوهم منها الجاهلون من الباطل، وقد ظهر من التفريع الذي يأتي أن المتشابه هو ما يتعلق به أهل الباطل بسبب خذلانهم وقصدهم للفساد، ووجود نوع من الابهام مكنهم أن يتعلقوا به، وعلى هذا: فهو شامل لما كان فيه اشتباه:
أ. إما لإجمال فيه مثل: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:30] قبل نزول البيان، ومثل: ﴿أَلَم﴾ ﴿حم﴾ ونحوها.
ب. وإما لاستبعاد فاسد صيره مشكلاً مثل: ﴿لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا﴾ الآية [الحج:73] فإن استبعاد الكفار وجهلهم صيره متشابهاً عندهم وفي حقهم.
ج. فأما ما خفي معناه وأمكن البحث عنه وصار واضحاً وإنما كان غامضاً لغفلة القارئ أو قلة معرفته باللغة، فهذا ليس من المتشابه.
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/422.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. دار جدل كثير حول المراد من كلمات (المحكم) و(المتشابه) و(التأويل) الواردة في الآية الأولى موضوع النظر والتأمل، كما تعددت وتنوعت الآراء حول معانيها، الأمر الذي أدخلها دائرة الإجمال، ونحن هنا نريد استيحاء الفكرة العامة للآية من خلال الجوّ الذي يحيط بها والسياق الذي تتحرك فيه.
2. نلاحظ في ما سبقها من آيات، أن الحديث انطلق في سياق اعتبار الكتاب الذي أنزل على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم هدى للناس كغيره من الكتب السابقة عليه، مما يجعله مبيّنا لكل المفاهيم الأساسية التي ذكرت في التوراة والإنجيل، لأنه مصدّق لهما في ذلك كله، ذلك هو طابعه العام في ما أريد به من تغيير المسار الإنساني على صورته، أما في الآيتين اللتين بعدها، فنلاحظ أن هناك دعاء ينبع من أعماق الروح التي تعيش الإحساس بالقلق على القلب أن يزيغ في ما يمكن أن يثأر أمامه من شبهات في المفاهيم التي يقرّرها الكتاب في ما يقرّره من حقائق العقيدة والحياة، ومن إشكال في بعض الكلمات التي قد تختلف دلالتها على المعنى الحقيقي، مما يوجب السير في طريق الضلالة بعد أن انطلقت الخطى في طريق الهدى.
3. إن الدعاء يبتهل إلى الله سبحانه أن يهب للإنسان الرحمة التي تمثل انفتاح الإنسان على الحق والفهم الواعي البعيد عن تعقيدات الذات عندما تحاول أن تنحرف به عن الاتجاه الطبيعي في وعي النصوص، لأنها قد تعمل على أن تحمّل اللفظ ما لا يتحمل من المعنى، وتضعه في جوّ غريب عن الجو الذي يتحرك فيه، فيختلف الفهم حسب اختلاف ذلك ويبتعد كثيرا عن معناه، وبذلك كان لا بد من رحمة الله التي تعطي الإنسان شعورا بالمسؤولية في مجال المعرفة، كما هي المسؤولية في مجال العمل، حيث تتفايض في القلب كل الأفكار الطيبة البسيطة التي تواجه الحقيقة ببساطتها من موقع العفوية لا من موقع التعقيد والأفكار المسبقة الناشئة من أوضاع وظروف بعيدة عن إطار اللفظ والمعنى.
4. نستلهم من خلال هذا السياق الذي يحيط بالآية، أنّ هناك خطّا أساسيّا يجب اتباعه في طريقة الاستهداء بالقرآن إلى المعرفة الحقّة، وهو خط المسؤولية الفكرية والروحية التي تواجه القرآن، كما لو لم يكن هناك فكر قبله، لتفهمه بعيدا عن ضوضاء الأفكار السابقة، وبهذا، نستطيع أن نضع الآية في هذا الجوّ.
5. فهي تتحدث عن أن الكتاب يشتمل على نموذجين من الآيات، الآيات المحكمة التي تمثل الوضوح في اللفظ والمعنى بحيث لا تدع مجالا للشك والاحتمال، والآيات المتشابهة التي تمثل نوعا من أنواع الغموض فيما يمكن أن تحمل عليه ألفاظها، لأنها تحتمل بعض المعاني الواردة على خلاف ما وضعت له لغة، مما يجعل القضيّة مترددة بين أكثر من مفهوم، وذلك قد يكون بملاحظة طبيعة اللفظ، أو بملاحظة طبيعة المعنى.
6. ثم تثير أمامنا قصة أولئك الذين في قلوبهم انحراف عن خط الهدى، فهم لا يقرؤون الكتاب ليتدبروه وليهتدوا به فيرجعوا متشابهه إلى محكمه، حيث يكون الإحكام هناك دليلا على تفسير التشابه هنا، بل يحاولون أن يقرؤوه قراءة الإنسان المعقّد تجاه الرسالة والرسول والناس الذين آمنوا بهما، فهم يعملون على إيجاد الارتباك في المفاهيم، بالانحراف بها عن مدلولها الحقيقي، لإفساح المجال لفتنة المسلمين عن دينهم باسم الدين، ولذلك كانوا يتبعون المتشابه، لا اتّباع العمل والهدى، بل اتباع الفرصة السانحة لتنفيذ المخطط الضال، لأنه هو الذي يمكنهم من الفتنة بما يفتحه أمامهم من مجالات التفسير الذي لا تسمح به الآيات المحكمة لما تشتمل عليه من الوضوح.
7. لعلّ ما تقدّم من ذكر أسباب النزول، بمناسبة الكلام على الآيات 1 ـ 6، يوضح الصورة، فقد نستوحي من القصة، أن هؤلاء كانوا يحاولون أن يختاروا من آيات القرآن، الآيات التي تتحدث عن عيسى بأنه روح الله، وبأنه كلمة الله التي ألقاها إلى مريم، ونحو ذلك، مما يمكن أن يترك لهم مجالا بأن يلبسوا الأمر على البسطاء في ما تعنيه هذه الكلمات من وجود جزء من الألوهية في ذاته أو ما أشبه هذا من التأويلات والتعليلات، وهذا هو شأن كل صاحب فكرة أو عقيدة، فإنه يحاول أن يجر الآخرين إليه من خلال الاستفادة من بعض الكلمات التي تسمح بالتفسير الفضفاض الذي يقف الإنسان معه عند حدّ معيّن واضح، لتضليلهم عن الحق، باسم آيات الحق.
8. وهذا هو الذي أوجب الاختلاف في المذاهب الإسلامية في الجبر والتفويض والتجسيم ورؤية الله وغيرها من المفاهيم التي وقعت مجالا للنزاع بين المسلمين، فحاول كل فريق أن يستفيد من بعض الآيات القرآنية التي قد تفسر على هذا النحو أو ذاك في ما يلائم اللفظ من تفسير، وهذا ما عبر عنه الإمام علي عليه السّلام في بعض كلامه: (لا تخاصمهم بالقرآن فإن القرآن حمّال ذو وجوه)
9. أمّا ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، هؤلاء الذين أعطاهم الله الرؤية الواضحة للأشياء، فإن شأنهم شأن العلماء الذين لا يصدرون حكما في موضوع إلا بعد التدبر والتأمل والبحث والتدقيق في جميع وجوهه، الأمر الذي يجعلهم يقارنون بين مفهوم وآخر، وبين نصّ هنا ونصّ هناك، مما قد يوحي بالتنافي والتنافر، فيحاولون الجمع بينهما من خلال اكتشاف الحقائق الأساسية الواضحة، وإرجاع كل الأمور والنصوص الأخرى إليها في عملية تفسير للفظ على الأسس الفنية للكلام، بحيث لا تبتعد عن القواعد العربية، ولا تنحرف عن المفهوم السائد في فهم المعنى من اللفظ، وبذلك لا يكون التأويل حملا للفظ على خلاف ظاهره بالطريقة التي تحوّل الكلام إلى ما يشبه الأدب الرمزي الذي لا يكون اللفظ فيه قالبا للمعنى، بل يكون التأويل إرجاعا للفظ إلى معناه، في ما يزعمه هؤلاء من تأويلات الباطل عندما يرجعونه إلى معانيه الباطلة، أو في ما توحي به الآيات الأخرى الواضحة الدلالة في ما تقرره من حقائق العقيدة والحياة وما يكتشفه ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ من معناه الذي علّمهم الله إياه، وبهذا يقترب من معنى التفسير الذي يضع اللفظ في موقعه من حيث دلالته على المعنى الذي لا يختلف مع المعنى الآخر الحقيقي.
10. ونستطيع من خلال ذلك أن نعرف عطف كلمة ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، على كلمة (الله)، خلافا لمن قال بأن الواو استئنافية واعتبار كلمة (الراسخون) بداية لجملة جديدة مفصولة عن الجملة الأولى، مع التزامه بأنّ حصر علم التأويل بالله لا يعني عدم مشاركة الراسخين له في ذلك من خلال تعليمهم إيّاه من عنده، تماما كما هو علم الغيب الذي اختص به الله سبحانه ولكنه أعطاه لمن ارتضى من رسول في ما خصّه به من علم.
11. إننا نعتقد أن ورود كلمة (الراسخين في العلم) بالإضافة إلى جوّ الآية، يوحي بما قلناه، وذلك لأن هذه الصفة لا دور لها إذا لم يكن للراسخين في العلم من دور إلا الإعلان بأن المحكم والمتشابه من عند الله تعالى، بل هو منطلق من خلال صفة الإيمان التي تعني التسليم بكل ما جاء به الله، أمّا إذا كانت معطوفة على كلمة الله بحيث تدلّ على أنهم يعلمون تأويل القرآن في ما تشابه من آياته، فإنها توحي بأن رسوخهم في العلم جعلهم يتدبرون القرآن فيفهمون التناسب بين آياته في ما تمثله من حقائق العقيدة والحياة، وبذلك لا يجدون في آية واحدة منها ما يبتعد عن المعنى الذي توحيه الأخرى، وبهذا يكون للإيمان بأنها ـ جميعا ـ من عند الله، معنى مناسب للتدقيق في معرفة طبيعة المعنى هنا وهناك.
12. إن هذا الإيمان، إذا لم يكن ممثلا لقناعة صاحبه، فلا يفرض ضرورة للجمع بين النصوص، فيمكن في حالة اختلاف المصدر، أن يكون المعنى هنا يختلف عن المعنى هناك، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن القرآن قد جاء هدى للناس، يفتح قلوبهم على المعرفة الحقّة التي يريدها الله للحياة، فلا بد من أن يكون ـ بطبيعته ـ هاديا للوصول إلى الحقيقة، بحيث يكون أساسا للحجة والبرهان على الحق من دون حاجة إلى وسائل غير عاديّة، وهذا مما لا يتناسب مع اختصاص العلم بالله ليكون حاله حال العلم بالغيب الذي لا يستطيع الإنسان أن يصل إليه إلا من قبل الله، فلا يملك أية وسيلة ذاتية إليه، وهذا لا يتناسب مع طبيعة القرآن ودوره في هداية الناس إلى التصور الصحيح في ما يريد الله لهم أن يؤمنوا به أو يرفضوه، وربما كان في الدعاء الذي يعيش في أعماق هؤلاء الراسخين في العلم، دلالة على ذلك، فإنه يوحي بالحالة النفسية التي يعيشها العالم الذي يعمل على اكتشاف حقيقة مقدّسة تتصل بوحي الله، فهو يشعر بحركة الفكر من خلال المسؤولية في جوّ مليء بالرهبة والخوف من الوقوع في الخطأ من حيث لا يريد، انطلاقا من حالة ذاتية لا شعورية تقوده إلى الخطأ من موقع الصواب، فهو ـ في هذه الحالة ـ يبتهل إلى الله أن يعصمه من حالات الزيغ والانحراف، بأن يلهمه الفهم الواعي المسؤول ويهب له الرحمة التي تفتح قلبه على الحق والخير وتجنبه الوقوع في قبضة الشر والباطل، ثم يتصاعد الشعور في نفسه أمام المشهد الرهيب الذي يجمع الله فيه الناس ليوم لا ريب فيه، فإن الله قد وعد عباده بذلك وهو لا يخلف الميعاد.
13. من خلال هذا العرض، نستطيع أن نقرر بأن:
أ. الإحكام في الآية كما هو في كل شيء، أن يكون هناك إتقان لا يسمح بأيّة ثغرة تسيء إلى تكامل الشيء وتوازنه، ومن الطبيعي أن إحكام كل شيء بحسبه، أما المصاديق فهي خاضعة للإحصاءات الدقيقة التي يكتشفها الفهم الواعي السليم.
ب. أما التشابه، فإنه يمثل وجود حالة في اللفظ أو في المعنى توحي بحالتين متماثلتين، بحيث لا يكون هناك خصائص واضحة توضح طبيعة الصورة، مما يثير في الجو إمكانية الالتباس والتردد بين الأمرين بالنحو الذي يسمح بالاستغلال لمن يريد ذلك لمرض في قلبه أو هوى في نفسه.
ج. أمّا التأويل، فإنه يعني إرجاع الشيء إلى مصدره وحقيقته، لكن لا على نحو التفسير الباطني الرمزي، بل على نحو التفسير الذي يتناسب فيه اللفظ والمعنى بالمقارنة مع نص آخر واضح الدلالة على المطلوب، وربما أطلق التأويل والباطن على استيحاء المعنى الذي نزلت الآية فيه إلى أجواء شاملة يمتد بها إلى كل ما يماثله في حركة المستقبل في حقائق الحياة، وبهذا كثرت الأحاديث عن هذا الموضوع بأسلوب أن القرآن يجري مجرى الشمس والقمر والليل والنهار.
14. ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ﴾ يا محمد ﴿الْكِتَابِ﴾ القرآن الذي أراده الله هدى للناس في انفتاح آياته على آفاق المعرفة وحقائق العقيدة ودقائق الأشياء، وفي تنوع أساليب دلالاتها على الفكرة من خلال خصائص اللغة العربية التي تتنوع دلالات ألفاظها على المعاني من حيث الوضوح والخفاء تبعا لحاجات التعبير التي تختلف فيها الحقيقة عن المجاز، وتتنوع فيها عناوين الاستعارة والكناية في الأساليب البلاغية التي تمنح الكلام رونقا وحلاوة وحركة فنيّة، قد تتعب الفكر في استجلاء المعنى، ولكنها تبتعد به عن متاهات الاحتمالات، لأنها ترتكز على الحقيقة الواضحة في إرجاعها إلى معانيها الأصلية في الحقائق القرآنية الواضحة.
15. ﴿مِنْهُ﴾، أي من الكتاب، ﴿آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾ واضحات الدلالة على المعاني، فلا مجال فيها لأيّ لبس في التفسير ولأيّ غموض في المعنى أو أيّ احتمال بعيد، ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ أي القاعدة التي ترجع إليها كل الآيات في معناها، باعتبارها تمثل الحقيقة الحاسمة التي لا ريب فيها ولا التباس يمكن لأصحاب القلوب الزائغة استغلالها لحرف الناس عن جادة الحق والصواب، فعند هذه الآيات الأصل تلتقي كل حقائق المعرفة، وإليها ترجع كل الاحتمالات.
16. ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ لا تملك من الوضوح في الدلالة على معناها ما تملكه الآيات المحكمات، فقد يتردد معناها بين نوعين من المعاني من حيث تبادر المعنى الحقيقي من اللفظ عند إطلاقه، فيخيّل للسامع أنه المراد منه، ومن حيث وجود بعض القرائن الموحية بالمعنى المجازي أو الكنائي، وذلك:
أ. كما في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، فإن كلمة الاستواء على العرش قد توحي بالجلوس عليه والاستقرار فوقه بالمعنى المادي بما يدل على التجسيم للذات الإلهية، تماما كبقية الأجسام التي يعرض عليها القيام والقعود، وقد يكون المراد به الاستواء المعنوي بمعنى السيطرة والهيمنة على الملك من حيث استعارته كلمة العرش للملك وكلمة الاستواء للسيطرة، فيدور الأمر بينهما، فنرجع إلى الآية المحكمة التي لا مجال فيها لأيّ تأويل ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11]، التي تنفي عن الله ـ بكل وضوح وصراحة ـ كل مماثل في الذات، فتنفي عنه مماثلته للمخلوقات في الجسد، فيتعين المعنى الثاني الذي يبدو واضحا محكما بلحاظ هذه الآية.
ب. وهكذا نلتقي بقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: 22 ـ 23]، فإنها توحي ـ في البداية ـ من خلال معنى الإبصار المنفتح على الله بشكل حسيّ تماما كما لو كان جسما يرى، لأن معنى اللفظ ـ بحسب الوضع ـ هو ذلك، ولكننا إذا قارناه بقوله تعالى: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾ [الأنعام: 103]، التي تدل دلالة واضحة على امتناع إدراك الأبصار له، كانت مفسرة لتلك الآية بأن المراد بالنظر إلى الله، النظر العقلي أو الروحي، لا الحسي، أو النظر إليه من خلال النظر إلى مواقع عظمته، فيرتفع اللبس وتتضح الصورة كأيّ لفظ تحيط به القرينة اللفظية أو العقلية على إرادة خلاف ظاهره، ليتخذ اللفظ لنفسه ظهورا ثانويا ينسبق معناه إلى الذهن، تماما كما هو المعنى الحقيقي.
ج. وهكذا نتمثل المسألة في الآية المنسوخة الظاهرة في امتداد الحكم إلى آخر الزمان كحكم حاسم شامل لكل امتدادات الزمن، فإذا جاءت الآية الناسخة، كانت دليلا على إرادة الحكم المحدود من تلك الآية، ولكن الله أخر تحديدها إلى زمن نزول الآية الأخرى، بحيث تؤدي المقارنة بينهما إلى وضوح الدلالة، فتتحول الآية المتشابهة في ذاتها إلى آية محكمة بلحاظ الآية المحكمة الأخرى.
17. في ضوء هذا، نعرف أن التشابه لا يعني المجمل الذي لا يملك أيّ ظهور للفظ في المعنى، كالألفاظ المشتركة وضعا، أو المحاطة بقرائن مجملة توجب إجمالها، بل المراد به اللفظ الظاهر في معنى معين في الظهور الأولي، الذي يراد به معنى آخر ببركة القرينة الواضحة التي تمنحه ظهورا ثانويا، بحيث لا يشك السامع أو القارئ في مدلوله الحقيقي بعد ذلك، تماما كما هي قرينة المجاز التي تلحق الكلام فتؤدي إلى ظهوره في المعنى المجازي الجديد.
18. على هذا الأساس، نفهم المراد من قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ﴾ [هود: 1]، فقد وصف الله القرآن كله بأنه الكتاب المحكم في جميع آياته، فيخيّل للقارئ أو السامع أن هذا مناف للآية المذكورة في عرضنا هذا، لأنها تقسم الكتاب إلى قسمين ﴿مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ فإن المراد من إحكام آيات القرآن كله، هو مجموع الآيات التي لا تختلف مداليلها، بل تتكامل عند ضمّ بعضها إلى بعض، فيكون بعضها مفسرا لبعضها الآخر وشارحا له ومبينا للمعنى الواقعي الذي أريد منه ما ورد على خلاف ظاهر اللفظ في معناه الموضوع له، مما يؤدي به إلى الوضوح في النتائج الحاسمة في نهاية المطاف، فيكون القرآن كله محكما بطريقة مباشرة في بعض آياته، وبطريقة غير مباشرة في البعض الآخر.
19. وبهذا يتبين معنى قوله تعالى ـ في وصف الكتاب في آية أخرى ـ بأنه (متشابه) وذلك قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ﴾ [الزمر: 23]، فإن المراد بالمتشابه هنا، هو الكتاب المنسّق في آياته الذي يشبه بعضه بعضا في تبيان الحقائق، وتركيز المعارف، ودقة المعاني، وتناسق الآيات، وبلاغة الأسلوب، بحيث يفسّر بعضه بعضا ويكمل بعضه بعضا.
20. لولا هذه الملاحظة المذكورة التي ترجع المتشابه إلى المحكم، وتجعل من المحكم قاعدة فكرية تفسيرية للمتشابه، لكان القرآن في بعض آياته مجملا غامضا لا مجال للاحتجاج به، أو للتدبر في آياته، فكيف يكون نورا وهدى وبيانا وتبيانا لكل شيء.
21. لعل الدراسة الواعية الدقيقة للقرآن في كل موضوعاته الفكرية والعقيدية والتشريعية، ومفاهيمه العامة المنفتحة على حقائق الكون والحياة والإنسان وعالم الغيب والشهادة، توحي للقارئ الباحث بأن آيات القرآن تتكامل في بناء الفكر الإسلامي، فإذا كانت هذه الآية توحي بمعنى في بادئ الأمر، فإن الآية الأخرى تفسرها لتلتقي به في معنى واحد، وإذا جاء الحكم الشرعي في بعضها عاما أو مطلقا، فإننا نلتقي في بعضها الآخر بما يخصصه أو يقيده، فلا يجد الإنسان فيه اختلافا بين أفكاره أو تنافرا بين آياته أو غموضا في معانية، بل هو الوضوح الذي يستمد طبيعته من طبيعة الألفاظ في معانيها الموضوعة، ومن عمق التدبر في أغوارها العميقة، ومن المقارنة الموضوعية بينها في عملية التكامل في حركة الأفكار في بنيتها الأساسية، وهذا هو الذي أراده الله من عباده في الأمر بالتدبر للقرآن في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ [النساء: 82]، فإن إدراك هذه الحقيقة، تفرض على الإنسان أن يدرس القرآن كله ـ في جميع آياته وموضوعاته ـ ليأخذ الفكرة الكاملة، وأن يتعمق في دراسته بعيدا عن القراءة السطحية، ليعرف كيف يجعل الآية هنا، مفسّرة للآية هناك، أو يأخذ من هذه الآية جانبا من المعنى ويأخذ من الأخرى جانبا آخر، وذلك من خلال الثقافة الواسعة العميقة في اللغة العربية التي تربي له ذوقه اللغوي، بحيث يفهم المعاني من الألفاظ من خلال أسرار اللغة في دقائقها وتنوعاتها، ومن خلال الذهنية المنفتحة على حقائق الكون والحياة والإنسان؛ الأمر الذي يملك معه فهم القرآن في الجانب اللغوي والفكري والعملي معا في كل آياته المحكمة والمتشابهة.
22. وهذا ما يحمي الإنسان من الانحراف في وعي الأسلوب القرآني في الفهم والتفسير، فيبتعد به عن الطريقة التي يتأوّل بها اللفظ الدال على معنى في غير الاتجاه الذي انطلق فيه، من غير دليل قرآني يوحي به أو يدل عليه، لأنه يريد أن يجعل القرآن حجة على ما يفكر به أو ينتمي إليه، فيستغلّ قابلية اللفظ له، فيحمله عليه، في الوقت الذي لا يستطيع القارئ الواعي أن يفهم منه ذلك بطريقة طبيعية.
__________
(1) من وحي القرآن: 5/216.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. تقدّم في الآيات السابقة الحديث عن نزول القرآن بعنوان أحد الدلائل الواضحة والمعجزات البيّنة لنبوّة الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم، ففي هذه الآية تذكر أحد مختصّات القرآن وكيفيّة بيان هذا الكتاب السماوي العظيم للمواضيع والمطالب فيقول في البداية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ﴾، أي آيات صريحة وواضحة والتي تعتبر الأساس والأصل لهذا الكتاب السماوي ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، ثمّ أنّ هناك آيات أخرى غامضة بسبب علوّ مفاهيمها وعمق معارفها أو لجهات أخرى ﴿وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾، هذه الآيات المتشابهة إنّما ذكرت لاختبار العلماء الحقيقيّين وتميزهم عن الأشخاص المعاندين اللجوجين الذين يطلبون الفتنة، فلذلك تضيف الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ فيفسّرون هذه الآيات المتشابه وفقا لأهوائهم كيما يضلّوا الناس ويسبّهوا عليهم ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، ثمّ تضيف الآية: أنّ هؤلاء أي الراسخون في العلم بسبب دركهم الصحيح لمعنى المحكمات والمتشابهات ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أجل ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾
2. (المحكم) من (الإحكام) وهو المنع، ولهذا يقال للمواضيع الثابتة القويّة (محكمة) أي أنّها تمنع عن نفسها عوامل الزوال، كما أنّ كلّ قول واضح وصريح لا يعتوره أيّ احتمال للخلاف يقال له (قول محكم)، وعليه فإنّ الآيات المحكمات هي الآيات ذات المفاهيم الواضحة التي لا مجال للجدل والخلاف بشأنها، كآية: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾ و﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ و﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ و﴿لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ﴾ وآلاف أخرى مثلها ممّا تتعلّق بالعقائد والأحكام والمواعظ والتواريخ، فهي كلّها من (المحكمات)، هذه الآيات المحكمات تسمّى في القرآن (أمّ الكتاب) أي هي الأصل والمرجع والمفسّرة والموضّحة للآيات الأخرى.
3. (المتشابه) هو ما تتشابه أجزاؤه المختلفة، ولذلك فالجمل والكلمات التي تكون معانيها معقّدة وتنطوي على احتمالات مختلفة، توصف بأنّها (متشابهة)، وهذا هو المقصود من وصف بعض آيات القرآن بأنها (متشابهات)، أي الآيات التي تبدو معانيها لأوّل وهلة معقّدة وذات احتمالات متعدّدة، ولكنّها تتّضح معانيها بعرضها على الآيات المحكمات.
4. على الرغم من أنّ المفسّرين أوردوا احتمالات متعدّدة في تفسير (المحكم) و(المتشابه)، ولكن الذي قلناه يناسب المعنى الأصلي لهذين المصطلحين كما يتّفق مع سبب نزول الآية، وكذلك مع الأحاديث الواردة في تفسير هذه الآية، ومع الآية نفسها، لأنّنا نقرأ بعد ذلك أن المغرضين يتّخذون من الآيات المتشابهات وسيلة لإثارة الفتنة، وهم بالطبع يبحثون لهذا الغرض عن الآيات التي لها تفسيرات متعدّدة، وهذا نفسه يدلّ على أن معنى (المتشابه) هو ما قلناه.
5. يمكن إدراج بعض الآيات التي تخصّ صفات الله والمعاد كنماذج من الآيات المتشابهات، مثل ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ بشأن قدرة الله، ﴿وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ بشأن علم الله، و﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ بشأن طريقة حساب الأعمال، فبديهيّ أنّ الله لا يد له (بمعنى العضو) ولا أذن (بالمعنى نفسه) ولا ميزان مثل موازيننا يزن بها الأعمال، هذه كنايات عن مفاهيم كلّية لقدرة الله وعلمه وميزانه.
6. لا بدّ من الإشارة إلى أنّ كلمتي (المحكم والمتشابه) قد وردتا في القرآن بمعنى آخر، ففي أوّل سورة هود نقرأ: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ فهنا أشير إلى أنّ جميع آيات القرآن محكمات، والقصد هو قوّة الترابط والتماسك بينها، وفي الآية 23 من سورة الزمر نقرأ: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ أي الكتاب الذي كلّ آياته متشابهات، وهي هنا بمعنى التماثل من حيث صحّتها وحقيقتها.
7. يتّضح ممّا قلنا بشأن المحكم والمتشابه أنّ الإنسان الواقعيّ الباحث عن الحقيقة لا بدّ له لفهم كلام الله أن يضع الآيات جنبا إلى جنب ثمّ يستخرج منها الحقيقة، فإذا لاحظ في ظاهر بعض الآيات إبهاما وتعقيدا، فعليه أن يرجع إلى آيات أخر لرفع ذلك الإبهام والتعقيد ليصل إلى كنهها.
8. تعتبر الآيات المحكمات في الواقع أشبه بالشارع الرئيسي، والمتشابهات أشبه بالشوارع الفرعية، لا شكّ أنّ المرء إذا تاه في شارع فرعي سعى للوصول إلى الشارع الرئيسي ليتبيّن طريقه الصحيح فيسلكه.
9. إنّ التعبير عن المحكمات بأم الكتاب يؤيّد هذه الحقيقة أيضا، إذ أنّ لفظة (أم) في اللغة تعني الأصل والأساس، وإطلاق الكلمة على (الأم) أي الوالدة لأنّها أصل الأسرة والعائلة والملجأ الذي يفزع إليه أبناؤها لحلّ مشاكلهم، وعلى هذا فالمحكمات هي الأساس والجذر والأم بالنسبة للآيات الأخرى.
10. سؤال وإشكال: إنّ القرآن جاء نورا لهداية عموم الناس، فما سبب احتوائه على آيات متشابهات فيها إبهام وتعقيد بحيث يستغلّها المفسدون لاثارة الفتنة؟ والجواب: هذا موضوع مهمّ جدير بالبحث والتدقيق، وعلى العموم يمكن أن تكون النقاط التالية هي السرّ في وجود المتشابهات في القرآن:
أ. أوّلا: إنّ الألفاظ والكلمات التي يستعملها الإنسان للحوار هي لرفع حاجته اليومية في التفاهم، ولكن ما إن نخرج عن نطاق حياتنا الماديّة وحدودها، كأن نتحدّث عن الخالق الذي لا يحدّه أيّ لون من الحدود، نجد بوضوح أنّ ألفاظنا تلك لا تستوعب هذه المعاني، فنضطر إلى استخدام ألفاظ أخرى وإن تكن قاصرة لا تفي بالغرض تماما من مختلف الجهات، وهذا القصور في الألفاظ هو منشأ الكثير من متشابهات القرآن، إنّ آيات مثل ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ أو ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ أو ﴿إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ التي سوف يأتي تفسيرها في موضعه، تعتبر من هذه النماذج، وهناك أيضا تعبيرات مثل (سميع) و(بصير)، ولكن بالرجوع إلى الآيات المحكمات يمكن تفسيرها بوضوح.
ب. ثانيا: كثير من الحقائق تختصّ بالعالم الآخر، أو بعالم ما وراء الطبيعة ممّا هو بعيد عن أفق تفكيرنا، وإنّنا ـ بحكم وجودنا ضمن حدود سجن الزمان والمكان، غير قادرين على إدراك كنهها العميق، قصور أفق تفكيرنا من جهة، وسمّوتلك المعاني من جهة أخرى، سبب آخر من أسباب التشابه في بعض الآيات، كالتي تتعلّق بيوم القيامة مثلا، وهذا أشبه بالذي يريد أن يشرح لجنين في بطن أمّه مسائل هذا العالم الذي لم يره بعد، فهو إذا لم يقل شيئا يكون مقصّرا، وإذا قال كان لا بدّ له أن يتحدّث بأسلوب يتناسب مع إدراكه.
ج. ثالثا: من أسرار وجود المتشابهات في القرآن إثارة الحركة في الأفكار والعقول وإيجاد نهضة فكرية بين الناس، وهذا أشبه بالمسائل الفكرية المعقّدة التي يعالجها العلماء لتقوية أفكارهم ولتعميق دقّتهم في المسائل.
د. رابعا: النقطة الأخرى التي ترد بشأن وجود المتشابهات في القرآن، وتؤيّدها أخبار أهل البيت عليهم السّلام، هي أنّ وجود هذه الآيات في القرآن يصعّد حاجة الناس إلى القادة الإلهيّين والنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم والأوصياء، فتكون سببا يدعو الناس إلى البحث عن هؤلاء واعتراف بقيادتهم عمليا والاستفادة من علومهم الأخرى أيضا، وهذا أشبه ببعض الكتب المدرسية التي أنيط فيها شرح بعض المواضيع إلى المدرّس نفسه، لكي لا تنقطع علاقة التلاميذ بأستاذهم، ولكي يستمرّوا ـ بسبب حاجتهم هذه ـ في التزوّد منه على مختلف الأصعدة، وهذا أيضا مصداق وصيّة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم حين قال: إنّي تارك فيكم الثقلين كتاب الله وأهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض)
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/395.
الخليلي:
ذكر أحمد الخليلي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. نزلت هذه الآية الكريمة ردا على نصارى نجران الذين ألقوا شبهة في حوارهم مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وهم يجادلون بالباطل ليدحضوا به الحق، وذلك عندما سألوه عن المسيح عليه السلام: ألا تقول انه كلمة من الله وروح منه؟ فلمّا أجابهم ببلى، قالوا: حسبنا، وكأنهم أرادوا أن يوهموا السامعين بأنهم ظفروا منه صلع بمرادهم من الإقرار بربوبية المسيح عليه السلام وبنوته لله تعالى، فأراد الله عز وجل بما أنزله هنا أن يبطل دعواهم ويسقط شبهتهم ببيان أنه لا دليل في ذلك قط على صحة كلاما يدَّعون؛ فالكتاب المنزل على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فيه المحكم والمتشابه، ويجب رد متشابهه إلى محكمه لإستبانة معنى الحق فيه، وليس ما جاء من وصف المسيح عليه السلام بأنه كلمة من الله وروح منه إلا من باب المتشابه الذي يجب أن يرد إلى مما استقر من دلالة الآيات المحكمات عليه كقوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، مع النصوص القاطعة بواحدانيته تعالى، وأنه لا شريك له في ملكه، مع تنزيهه عن الصاحبة والولد والمثل كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ﴾، وقوله: ﴿وَأَنَّهُ تَعَالَى جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا﴾، وقوله: ﴿لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُواً أَحَدٌ﴾، وقوله: ﴿مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ﴾، وقوله: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾، على أن هذه النصوص المحكمات لا لبس في دلالتها إذ لا تحتمل ألفاظها إلا ما تدل عليه من التنزيه، فلا يسوغ عقلاً ولا شرعاً أن تعطل ويؤخذ بالمتشابه الذي لا تعدو دلالته أن يكون فيها غموض، فتلتبس على من في قلبه مرض ويدرك الراسخون في العلم أنها لا تجانف دلالة المحكم بحال.
2. ابتدئت الآية الكريمة بما يفيد حصر إنزال الكتاب على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، حيث أكدت ما هو مستقر في أذهان الذين آمنوا أن منزله إنما هو الله سبحانه وتعالى، وذلك بقول: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، فإن تعريف المسند والمسند إليه من دلائل الحصر، على أن الإنزال نفسه لو كان لم يخبر عنه بما يدل على الحصر فإن الله تعالى لا ينزل الوحي غيره، ولم يقل هنا ـ سبحانه ـ آتاك الكتاب وإنما عبر بالإنزال من أجل الدلالة على أنه لا يختلف عما أوحاه الله إلى غيره من الأنبياء عليهم السلام، على أنه مما استقر في عقائد أتباع الأنبياء جميعاً أن ما أنزل عليهم إنما هو من عند عنده تعالى وحده، وفي التعبير بالإنزال من التنصيص على هذا المعنى ما لا يكون في غيره كالإيتاء.
3. قدم الجار والمجرور وهو قوله: ﴿عَلَيْكَ﴾، على ذكر المنزل وهو الكتاب لما يترتب على هذا التقديم من جليل الفوائد وهي:
• الدلالة على العناية به صلوات الله وسلامه عليه؛ فإن في هذا ما يكفي دليلاً على أنه عز وجل شمله برعايته ووسعه بلطفه إذ بوأه مبوأ التكريم، فما كان إنزاله لما أنزل عليه إلا تشريفاً وتكريما له صلوات الله وسلامه عليه.
• التشويق إلى معرفة المنزل: فإن في تقديم الجار والمجرور على الكتاب ـ مع كونه حرياً أن يُذكر أولاً لأنه المقصود بالذكر ـ ما لا يخفى من تشويق النفوس إلى معرفته، وفي ذلك تنويه بقدره.
• أنه ينبني عليه أن يلي ذكر الكتاب بيان انقسامه إلى محكم ومتشابه من غير أن يتخلل ذلك ذكره لغيره، و(أل) في ﴿الْكِتَابِ﴾ آل عمران7، للعهد، والمعهود هو الكتاب المنزل على نبينا محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، وهو القرآن الكريم الذي جاء بهذه الكيفية المخصوصة بحيث كان منه المحكم ومنه المتشابه.
4. شاع استعمال الإحكام بمعنى الإتقان، وقيل بأن أصل وضعه للمنع، والمعنيان متداخلان، فإن ما أقن منيع من تسرب الخلل إليه كما هو مشاهد فيما هو مادي؛ كالبنيان الذي يُتقن صنعه فتتراص لبناته وتتلاحم مواده إلى أن تكون كالشيء الواحد بحيث يتعذر أن ينفذ أي شيء من خلاله إلى ما بداخله، ومن شواهد كون الإحكام بمعنى المنع قول جرير: (فإن مراده امنعوا سفهاءكم من التهور)، ومنه الحُكم فإنه مانع من الظلم والتظالم إن كان عادلا، وكذلك الحكمة فإنها مانعة من الإنحراف والتهور، ومنه حَكمَةُ الفرس ـ وهي لجامه ـ فإنها تمنعه من الجري وتكبحه عن الجموح والإضطراب، وإحكام الكلام إتقانه، ويكون لفطياً ومعنوياً، فإحكامه لفظاً هو صونه عن كل ما يُعد خطأً في التعبير ـ سواء من حيث جمله أو مفرداته ـ ومن السوقي الذي لا يليق برفيع الكلام، وإحكامه معنى هو صونه عن كل ما يؤدي إلى التناقض أو إيهام ما لا يراد به.
5. التشابه هو تفاعل من الشبه، ويستعمل بمعنى الإلتباس؛ وذلك لأن الأشياء عندما يشتبه بعضها ببعض كثيراً ما تؤدي اشتباهها إلى التباسها في الإدراك، بحيث يتعذر التمييز بينها بأوصاف تحدد ما هية كل منهما، فلذلك أطلق التشابه على الإشكال بحيث لو كان لبس بين أمرين قيل: هما متشابهان ولو لم يكن منشأ هذا اللبس شبها بينهما، وذلك حقيقة عرفية أو أنه مجاز مشهور، وكذلك الإشكال فإن أصله كون الشيء كغيره في الشكل، ولكنه شاع إطلاقه على كل لبس، وإن لم يكن منشؤه تشاكلاً بين الأشياء.
6. عُهٍد في القرآن الكريم وحديث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم وكلام العرب إطلاق التشابه على الإلتباس، ومن شواهده في القرآن الكريم ما حكاه الله عن بني إسرائيل من قولهم: ﴿إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا﴾، ومن شواهده في السنة قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: (الحلال بين والحرام بين، وبينهما أمور متشابهات) فإن المراد بالتشابه في الموضعين الإلتباس.
7. لئن كانت هذه الآية الكريمة تفيد انقسام القرآن الكريم إلى قسمين: متشابه ومحكم بحسب ما يكون من وجوه الاختلاف في دلالته ـ كما سيأتي إن شاء الله ـ فإن من آياته ما يدل على أنه جميعاً مُحكم، وما يدل على أنه جميعاً مُتشابه، فقد دلَّ على إحكامه جميعاً قوله تعالى: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، وما تكرر من وصفه في آيات شتى بأنه كتاب حكيم وقرآن حكيم، فإن الحكيم فيها بمعنى المًحكم، ودل على تشابهه جميعاً قوله تعالى: ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾، وذلك لا ينافي انقسامه إلى مُحكم ومتشابه كما تُؤذن به هذه الآية الكريمة، فإن هذا الانقسام إنما هو باعتبار معنى غير المعنى الدال على إحكامه جميعاً وتشابهه جميعاً، فإن وصفه كله بالإحكام أنه في غاية الإتقان من حيث لفظه ومن حيث معناه، فقد أتقن الله عز وجل تركيب حروفه وكلماته، وأبدع تناسب سوره وآياته، ولذلك بهر العالمين ببلاغته وتساقطت همم بلغاء العرب عن محاولة مجاراته، فإن كلماته جميعاً رُصفت رصفاً لا يمكن أن تنتهي إلى مثله مَلكات البشر،فلذلك تلاحمت هذا التلاحم الذي أخذ بالألباب، إذ لو استبدلت كلمة منها بغيرها لنبت عن سائر الكلمات وتعذر هذا الذي نراه بينها من الإنسجام، ولم يكن ذلك في الكلمات وحدها بل هو أيضاً في الحروف التي تركبت منها، وذلك بالنظر إلى مخارجها وصفاتها وإيحاءاتها وهو ما لا يوجد في سائر الكلام، وليس هذا الإنسجام في ألفاظه وحدها بل فيها وفي معانيها، وذلك هو سر إعجازه وآيةُ ربانية مصدَرِه، فإن معانيه ـ مع طوله ونزوله في أحوال مختلفة ومواقف متبايتة وأزمنة متباعدة ـ ليس بينها نشاز ولا اضطراب، ولذلك نعى الله عز وجل على أولئك الذين تعاموا عن النظر إلى هذه الآية الكبرى حيث قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، فهذا هو الإحكام الذي شمل جميع آياته، أما تشابهه جميعاً الذي وصف الله تعالى به في آية الزمر فهو بمعنى أنه يشيه بعضه بعضاً في سلاسة إسلوبه، وحسن ترتيبه، وجزالة تركيبه، وجمال عباراته، وعمق معناه، وإشراق هدايته، وقوة تأثيره، بحيث يتعالى على نقد الناقدين، ويستعصي على حكم الحاكمين، فإن كل من نظر إليه بعين النقد ارتد إليه بصره خاسئا، وكل من أراد أن يحكم على جملة من جمله أو آية من آياته أنها أقل قدرا أو أحط شأنا من أخوتها نودي عليه ـ بجكم الفطرة السليمة ـ أنه أُبعِدَ في الحيرة والضلالة، فهو ـ القرآن ـ بهذا الاعتبار متشابه الآيات جميعها لفظاً ومعنى.
8. اختلف أهل العلم في تحديد المُحكم والمتشابه الذي تنقسم إليهما آيات القرآن:
أ. فقيل: المحكمات: الناسخات، وحُكِي عن قتادة والربيع والضحاك، قال ابن عطية: (وهذا عندي على جهة التمثيل أي يوجد الإحكام في هذا، والتشابه في هذا لا أنه وقف على هذا النوع من الآيات)
ب. وعن ابن عباس أن المُحكم من القرآن الكريم هو ثلاث آيات من سورة الأنعام، وهي قوله تعالى: ﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ الآيات.. وقوله تعالى في سورة الإسراء: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾، إلى آخر الأثر سبق ذكره.. قال ابن عطية: (وهذا عندي مثال أعطاه على المُحكمات)، وقال الفخر الرازي على إثر ما روي عن ابن عباس: (التكاليف الواردة من الله تعالى تنقسم إلى قسمين: منها ما لا يجوز أن يتغير بشرع وشرع، وذلك كالأمر بطاعة الله تعالى والاحتراز عن الظلم والكذب والجهل وقتل النفس بغير حق ومنها ما يختلف بشرع وشرع كأعداد الصلوات المروضة ومقادير الزكوات وشرائط البيع والنكاح وغير ذلك، فالقسم الأول هو المُسمى بالمُحكم عند ابن عباس؛ لأن الآيات الثلاث في سورة الأنعام مشتملة على هذا القسم)
ج. وروى ابن جرير بإسناده إلى محمد بن جعفر بن الزبير أنه قال في المُحكمات: (فيهن حجة الرب وعصمة العباد ودفع الخصوم والباطل، ليس لها تصريف ولا تحريف عما وُضعت له، وأُخر متشابهة في الصدق، لهن تصريف وتحريف وتأويل، ابتلى الله فيهن العباد كما ابتلاهم في الحلال والحرام، لا يصرفن إلى الباطل ولا يحرفن عن الحق).. قال ابن عطية: (وهذا أحسن الأقوال في هذه الآية)
د. وقال النحاس: (أحسن ما قيل في المُحكمات والمتشابهات، أن المحكمات ما كان قائماً بنفسه لا يحتاج أن يرجع فيه إلى غيره نحو: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، و﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾، والمتشابهات نحو: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾، ويرجع فيه إلى قوله جلا وعلا: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ﴾ وإلى قوله عز وجل: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ﴾)، قال القرطبي: (ما قاله النحاس يبين ما اختاره ابن عطية وهو الجاري على وضع اللسان، وذلك المُحكم اسم مفعول من أحكم، والإحكام:الإتقان، ولا شك في أن ما كان واضح المعنى لا إشكال فيه ولا تردد، إنما يكون كذلك لوضوح مفردات كلماته وإتقان تركيبها، ومتى اختل أحد الأمرين جاء التشابه والإشكال)
هـ. وروى عن ابن عباس: أن مُحكماته ناسخة وحلاله وحرامه وما يؤمن به ويعمل به، ومتشابهاته منسوخة ومقدمه ومؤخره وأمثاله وأقسامه وما يُؤمن به ولا يُعمل به.
و. وحُكي عن مُجاهد وعكرمة أن المحكمات ما فيه من الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو متشابه يصدق بعضه بعضا، وذلك مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، قال ابن عطية: (وهذه الأقوال وما ضارعها يضعفها أن أهل الزيغ لا تعلق لهم بنوع مما ذُكر دون سواه)، ومما يزيد هذا المروي عن مجاهد وعكرمة ضعفاً ووهنا، أنه بمقتضاه تكون آيات توحيد الله سبحانه وتعالى وتنزيهه عن الصاحبة والولد وعن الشبيه والمثيل، وآيات الإيمان بصفاته، والإيمان بملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر من قبيل المتشابه؛ لأنها ليست مما يدخل في التشريع فيصدق عليها أنه حلال أو حرام، وهو أمرٌ لا يكاد يتصوره ذو لب، فإن التشبث بهذه الآيات من شأن أهل الإستقامة لا من شأن أهل الزيغ، ومعانيها واضحة لا تشتبه على ذي عقل،فإن قيل: هي مما يدخل في الحلال والحرام بإعتبار أن الإيمان بمدلولهها واجب وتركها محرم فلذا تخرج بهذا عن قسم المحكمات، قلنا هي لا تختلف في ذلك عن مثل قوله تعالى: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، وقوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، فإن هاتين الآيتين إنما تدلان على شأن الله تعالى أخبر به من صفات نفسه، وما يتعلق بملائكته وكتبه ورسله واليوم الاخر.
ز. وحُكي عن أبي عثمان أن المُحكم الفاتحة، وعن محمد بن الفضل أنه سورة الإخلاص لأنه ليس فيها إلا التوحيد فقط ولا يرتاب في أنهما جميعاً ما أرادا إلا التمثيل، فإن مضمون الفاتحة من حمد الله ووصفه بالكمالات وإفراده بالعبادة والاستعانة إلاى غير ذلك تضمنته آيات أخرى من الكتاب، وكذلك ما في سورة الإخلاص من توحيده عز وجل عن الولد والوالد والكفؤ، كل ذلك جاءت به آيات أخرى، فلا يمكن أن يُفرّق بين النظير ونظيره فيقال بإحكام هذا وتشابه ذلك.
ح. وروى ابن جرير عن مجاهد أن المُحكمات هي التي فيها أحكام الحلال والحرام، وما سوى ذلك فهو متشابه يصرف بعضه بعضا، وهو مثل قوله: ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾، ومثل قوله: ﴿كَذَلِكَ يَجْعَلُ اللَّهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ﴾، ومثل قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾، قال صاحب المنار: (وكأن مجاهداً يعني بالمتشابه ما فيه إبهام أو عموم أو إطلاق، أو كل ما لم يكن حكماً عملياً، فهو عنده خاص بالإنشاء دون الخبر)، وفيما قاله نظر.. فإن إلحاق العموم والإطلاق بالمتشابه يؤدي إلى اعتبار معظم الأدلة الشرعية غير واضحة المعنى فإنهما وإن كان يَردهُما ـ التخصيص والتقييد ـ ليسا مما يكتنفه الغموض في دلالاته فإن كلاً منهما واضح المعنى، على أن المُطلق عنتد التحقيق من قسم الخاص والخاص قطعي الدلالة، فكيف يُعد متشابها!؟ وفي قوله: (أو كل ما لم يكن حكماً عملياً فهو عنده خاص بالإنشاء دون الخبر) تناقض واضح؛إذ أن الأدلة الدالة على الأحكام العملية هي من باب الإنشاء غالباً وإن كانت ألفاظها تصاغ أحياناً صيغة الخبر، وما مثَّل به مجاهد للمتشابه لا يعدو أن يكون من باب الأخبار، فإن الآيات المذكورات في كلامه ليس في أي واحدة منهن إنشاء.
ط. ورُويَ عن ابن زيد أن المُحكم ما أحكم فيه قصص الأنبياء والأمم وبُيِّن لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم وأمته، والمتشابه هو ما اشتبهت الألفاظ به من قصصهم عند التكرار في السور، بعضه باتفاق الألفاظ واختلاف المعاني وبعضه بعكس ذلك، نحو قوله: ﴿حَيَّةٌ تَسْعَى﴾، و﴿ثُعْبَانٌ مُبِينٌ﴾، ونحو: ﴿اسْلُكْ يَدَكَ﴾، و﴿وَأَدْخِلْ يَدَكَ﴾، لكن هذا بعيد عن كونه المراد في الآية الكريمة، فإن مثل هذا الاختلاف في العبارات مع إتحاد المعنى ليس هو مما تخفى دلالته حتى يشتبه على الأفهام، وإن كان متشابهاً ـ أي متماثلاً ـ في معناه، ذلك لأن المتشابه المراد في الآية الكريمة تزيغ به قلوب الذين استحكم في نفوسهم الضلال، وأي زيغ يترتب على تأويل نحو هذه الآيات؟ اللهم إلا أن يجحدها المرء أو يجحد شيئاً من مضامينها وهو ما يستوي فيه جميع القرآن، فلا معنى لعد بعضه متشابهاً دون بعض.
ي. وذكر ابن تيمية أن المتشابه آيات الصفات خاصة ومثلها أحاديثها، ومراده صفات الله، وهذا ليس على إطلاقه، فإن من آيات الصفات ما هو منه المُحكم الذي لا لبس في معناه كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ﴾، وآية الكرسي، وخواتم سورة الحشر، وسورة الإخلاص، فإن معانيها ظاهرة ودلالاتها قاطعة، ومن استمسك بها هُديَ إلى صراط مستقيم، وإنما جاءت آيات وأحاديث تتعلق بصفاته سبحانه وتعالى قد تحير فيها ألباب غير الراسخين في العلم لما فيها من التشابه، وذلك لإيهام ظواهر ألفاظها تشبيه الله تعالى بخلقه، وهو قطعاً غير المُراد بها لإنتفاء التشبيه عنه تعالى بالأدلة القاطعة من العقل والنقل، وقد وقفت طائفة من الناس عند ظواهر ألفاظها ولم تُوفَّق للغوص إلى أعماق معانيها فضلت بذلك ضلالاً مُبينا، وأولئك هم الذين أخبر الله عنهم أنهم في قلوبهم زيغ فلذلك يتبعون ما تشابه منه، وقد أدى بهم ذلك إلى أن يصفوا الله بصفات خلقه حسَّاً ومعنى، ومن بين أولئك ابن تيمية نفسه فإنه من الذين بالغوا في تشبيه الله بخلقه وتعاموا عن مُحكمات القرآن والسنة التي يجب أن تُرد إليها هذه المتشابهات حملاً على كلام الله ورسوله صلّى الله عليه وآله وسلم على الصحيح من معناهما، واتباعاً لسنن الكلام العربي في التعبير تارة بالحقيقة وتارة بالمجاز، كما سيأتي بيانه إن شاء الله.
ك. وقيل بأن المتشابه هو ما لا يعلمه إلا الله سبحانه وتعالى، كميقات قيام الساعة أي ميقات قيام النفخة الأولى، وكذك الثانية، وخروج الناس من قبورهم.
ل. وقال بعضهم بأن المُحكم ما كان معقول المعنى والمتشابه بخلافه، وعليه فالمُحكم هو التعبدات التي ظهرت حكمتها كالتعبد بالصلاة والصيام والحج من حيث عمومها، فإن كل واحدة من هذه العبادات سبب لرسوخه روح التقوي في نفس ممارسها إذ هي ظابطة لشهوة النفس ومقيدة لأهوائها ومطلقة لملكات الخير فيها، أما المتشابه فهو ما لم تظهر حكمته كاختلافغ الصلوات في عدد ركعاتها ومواقيتها وميقات الصيام والحج ونُصُب الزكاة.
م. وحكى الفخر الرازي عن الأصم أن المُحكم هو الذي يكون دليله واضحاً لائحًا، مثل ما أخبر الله تعالى من إنشاء الخلق في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾، وقوله: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾، وقوله: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾، والمتشابه ما يحتاج معرفته إلى التدبر والتأمل نحو الحكم بأنه تعالى يبعثهم بعد أن صاروا أتراباً، ولو تأملوا لصار المُتشابه عندهم مُحكما؛ لأن من قدر على الإنشاء أولا قدر على الإعادة ثانية، وقال الفخر على إثره: (واعلم أن كلام الأصم غير ملخص، فإنه إن عنى بقوله المُحكم ما يكون دلائله واضحة، أن المُحكم هو الذي يكون دلالة لفظه على معناه متعينة راجحة، والمتشابه ما لا يكون كذلك، وهو إما المُجمل بالتساوي أو الُمؤول المرجوح، فهذا الذي ذكرناه أولاً، وإن عنى به أن المُحكم هو الذي يعرف صحة معناه من غير دليل، فيصير المحكم على قوله تما لا يلم صحته بضرورة العقل، والمتشابه ما يُلم صحته بدليل النقل، وعلى هذا يصير جملة القرآن متشابها لأن قوله: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ المؤمنون14، أمر يحتاج إلى معرفة صحته إلى الدلائل العقلية، وأن أهل الطبيعة يقولون السبب في ذلك الطبائع والفصول أو تأثيرات الكواكب وتركيبات عناصرها وامتزاجها، فكما إن إثبات الحشر والنشر مُفتقر إلى الدليل، ولعلم الأصم يقول هذه الأشياء، وإن كانت كلها مفتقرة إلى الدليل إلا أنها تنقسم إلى ما يكون الدليل فيها ظاهراً بحيث تكون مٌقدماته قليلة مُرتبة مبني مبينة يؤمن الغلط معها إلا نادراً، ومنها ما يكون الدليل فيها خفياً كثير المُقدمات غير مُرتبة، فالقسم الأول هو المُحكم والقسم الثاني هو المتشابه)، وليس في هذا ما تطمئن النفس إلى إعتماده، فإن وضوح الدلالة في كلا القسمين المذكورين لا غبار عليه، وإن كان الثاني يحتاج إلى مزيد تأمل، وليس في إعتماد أي منهما ما يعدُّ زيغاً بل كله إيمان وهدى.
9. هذا، والذي يتبادر إلى الفهم أن المتشابه هو ما خفيت دلالته، والمُحكم ما وضحت دلالته، ولخفاء الدلالة سببان: إجمال في اللفظ أو إيهام تشبيه الله تبارك وتعالى بخلقه، أما المُجمل فيتوقف فهمه على ما يكون بياناً لإجماله، وقد يكون عقلياً ونقليًا:
أ. فالعقلي ما اتضح به المراد بنور العقل مما أجملته الآيات، وغالب ذلك في الآيات المتعلقة بالتوحيد والإيمان نحو قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ الأنبياء، فإن وضوح المراد من الفساد المُشار إليه إنما يكون ببصيرة العقل.
ب. والنقلي قد يكون نصًا قرآنيًا أو حديثا نبويا، وقد يكون إجماعًا من الأمة، إذ الإجماع لابد من أن يكون مستند إلى نص شرعي، وهذا النوع هو الغالب فيما اشتملت عليه مُجملات الكتاب من الأحكام الشرعية ويختلف في دلالته بإختلاف قوته متنا ودلالة، فما كان نصيا وكان متواترًا فبيانه قطعي، وما كان ظاهرًا آحاديا فبيانه ظني.
10. أما ما كان خفاء دلالته بسبب إيهام ظاهره لتشبيه الله تعالى بخلقه، فإنه يُعول في فهمه على الآيات المُحكمات القاضية بانتفاء التشبيه، ووجوب رد هذه المتشابهات إلى المُحكمات؛ يوحي به قول الله تعالى في المُحكمات: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، فإن المراد بكونها أمًا أنها الأصل الذي يُرد إليه ما عداه، وهذا القسم هو الذي يعد مزلقة الأقدام ومزلة الأفهام، فإن الذين في قلوبهم زيغ يتشبثون بالمتشابهات ويعرضون عن المحكمات، لذلك لا يبالون أن يصفوا الله تعالى بالنقائص كالنسيان والفرح والمشي والهرولة، وما يكون في الإنسان من جوارح كالوجه واليدين والرجلين والعينين والجنب والأصابع وغير ذلك، والتحيز في الأمكنة، والإنتقال من مكان إلى آخر اتباعًا للمتشابه نحو قوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، وقوله: ﴿بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ﴾، وقوله: ﴿تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا﴾، وقوله: ﴿فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾، وما ورد في الروايات مما يوهم أنه تعالى يعرض له الفرح ويمشي ويهرول وينزل إلى السماء الدنيا، إلى غير ذلك مما ستجده إن شاء الله في محله، مع أن الآيات المحكمات صريحة في إنتفاء ذلك كله عنه سبحانه وتعالى كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، وقوله: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، وقوله: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾
11. هذا، وقد احتدم الجدل بين الطوائف الكلامية في تعيين المتشابهات والمحكمات، فكل طائفة تجعل ما كان ظاهره موافقًا لهواها هو المحكم، وما كان بخلافه هو المتشابه:
أ. فنجد فيما يتعلق بخلق أفعال العباد يتشبث المعتزلة ومن نحا نحوهم كالشيعة الإمامية والشيعة الزيدية بالآيات الدالة على أن الله تعالى منح عباده القدرة على الاختيار بما يشاءون فعله وأن ضلالهم من تلقاء أنفسهم، مثل قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ﴾، ويعدونها من المُحكمات، وما دل على خلافها فهو المتشابه عندهم نحو قوله تعالى: ﴿وَمَا تَشَاؤُونَ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾، وقوله: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَهَدَى النَّاسَ﴾، وخصومهم في هذا ينحون خلاف هذا المنحى، فالمتشابه عند هؤلاء هو المُحكم عند هؤلاء، وكذا العكس.
ب. ومثل ذلك اختلاف طوائف الأمة في رؤية الله تعالى، وفي وعيد العصاة، فكل يرى المُحكم ما كان مؤيدًا له، وما كانت دلالته على خلافه فهو المتشابه.
12. الفيصل في هذا هو: التعويل على تنزيهه تعالى عن النقائص ومشابهة خلقه ووصف السوء، فلذلك كان قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ﴾، من قبيل المتشابه لاستحالة أن يأمر الله بالسوء، وإنما المراد بهذا أن يأمرهم عز وجل بطاعته ولكنهم يخرجون عن هذه الطاعة بالفسوق، وإنما يتبين المأمور به في الآية بالنظر إلى الآيات الأخرى كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ﴾، ويستحيل أن يأمر يكون آمرا لهم بما أتوه من الفسوق لقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ﴾، وبهذا يتبين المحكم والمتشابه في مثل هذا، على أن المتشابهات كثيرا ما تكون مقرونة عباراتها بما يستحيل معه أن يكون ظاهرها الموهم للتشبيه هو المراد، ولذلك لا يلبث الآخذون بالمتشابه أن يجدوا أنفسهم في أمر مريج من التناقض والاضطراب؛ فيرجعون إلى نقض ما أسسوه والوقوع فيما فروا منه.
13. هذا، وقد وُفق ابن كثير حيث قال في تفسيره:فيمن يتبعون المتشابه ابتغاء الفتنة أي الإضلال لأتباعهم، أنهم يحتجون على بدعتهم بالقرآن وهو حجة عليهم لا لهم كما لو احتج النصارى بأن القرآن نطق بأن عيسى روح الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه وتركوا الاحتجاج بقوله: ﴿إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ﴾، وبقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾، وغير ذلك من الآيات المُحكمة المُصرحة بأنه خلق من مخلوقات الله وعبد ورسول من رسل الله، غير أنه لم يحالفه التوفيق عندما جاء إلى تفسير المتشابهات نفسها ـ وهي التي يوهم ظاهرها تشبيه الله تعالى بخلقه ـ حيث أجراها على ظاهرها، وأبى أن يتبع المنهج السديد الذي أصله بنفسه هنا، ولذلك كان معدودا من المفسرين الذين ينزعون منزع أهل التشبيه والتجسيم، والعياذ بالله.
14. الأُخر: جمع أخرى، مؤنث آخر ـ بفتح الخاء ـ كأفضل وفضلى، وصيغته دالة على أن أصله للتفضيل، ويبدو منه أنه يوصف به المفضل على غيره في التأخر هكذا كان أصل وضعه، ثم أُطلق على كل مغاير لما بينه وبين ما غيره من البعد، ومراعاة هذا الأصل ربما كانت هي السبب في منع صرف هذا الجمع كما يمنع صرف مفرده، ولعلماء العربية في هذا أقوال متباينة لا يقتضي الحال إيرادها.
15. الحكمة في انقسام آيات الكتاب إلى محكم ومتشابه: أنزل الله كتابه هدى للناس فيه الرحمة والخير وهو منهاج الاستقامة ومهيع السلامة، ولا يخرج شيء منه في وضعه عن حكمة ربانية سواء أعلمها الناس أم لم يعلموها، فإن العزيز الحكيم تتعالى أفعاله عن العبث، وكل ما كان منه فهو لحكمة علمها تعالى، وقد أدرك أولو الألباب ببصائرهم أن في تنوع التنزيل إلى محكم ومتشابه حكمًا شتى، لذلك تسابقت ألبابهم في إستخراج هذه الحِكم وتسابقت عباراتهم من أجل إبرازها، ومع هذا كله فإن علينا أن نؤمن أنه تعالى مع تنزهه عن العبث وعدم خروج شيء من أمره عن الحكمة لا يسأل عما يفعل، فلا اعتراض لأحدٍ عليه، وإنما نستجلي من حكمه تعالى في كل أمر ما يسنح للذهن، وتطمئن إلى صحته النفس، وتتفاوت القرائح في هذا حسب ما آتاها الله من مواهبه اللدنية وأفاض عليها من فتوحاته الربانية، وإليكم بعض ما قيل في ذلك مشروحا بما فتح الله علينا من كريم فيضه:
أ. الرفق بالعباد: فقد أنزل الله كتابه لإخراجهم من الظلمات إلى النور وانتشالهم من دركات الضلال ليرتفع بهم إلى ذروة الهدى، فلو أنزله جميعًا متشابهًا لالتبست عليهم معانيه، وحاروا في مقاصده، وخارت عزائمهم عن سلوك نهجه والإستمساك بحبله، ولو كان كله مُحكَما لما احتاجوا إلى استفراغ وسعهم واستنفار قرائحهم من أجل الغوص إلى أعماقه لإستلهام معانيه وكشف واكتشاف أبعاده، وهم متعبدون بفهمه كما تُعبدوا بتطبيقه، أما وقد جاءهم متشابهًا ومُحكمًا فقد يسر علهم علمه والعمل به بردهم متشابهه إلى مُحكمه ودرء ما عسى أن يلتبس على الأفهام من أمره فيحرزوا بذلك الأجرين؛ أجر الاجنهاد في فهمه وأجر التكليف وفق هُداه في التطبيق والعمل، على أن نفس الإيمان بأنه جميعًا من عند الله وأنه مبرَّأ من التناقض ومسلم من التدافع والتعارض؛ مع ردَّ ما كَلَّ الفهم عن إدراكه إلى الله العليم الخبير هو منتهى الإذعان للحق، فإن الله سبحانه تعالى تعبد عباده بتعبدات شتى منها ما يدركون سره وحكمته، ومنها ما خفي عليهم ذلك منه، فالموفق منهم من أذعن لأمر الله ولم يتردد في الإستجابة لداعيه، والمخذول منه صد عن ذلك صدودا، وهكذا الشأن فيما أُنزل عليهم.
ب. عدم خروج القرآن عن إسلوب الكلام العربي في التعبير: فقد أنزله الله بلسان عربي مبين، واللسان العربي ـ كغيره من ألستة البشر ـ فيه الحقيقة والمجاز، والصريح والكناية، والواضح والخفي وإنما يُتوصل إلى فهم مجازاته واكتشاف ما خفي من عباراته بالقرائن اللفظية وغيرها، وقد يصورون المعاني العقلية بصور المشاهد الحسية؛لأن النفس للمحسوس آلف والذهن على اكتناهه أقدر، فلذلك كان اللسان العربي طافحًا بالكلمات الدالة في وضعها على المحسوسات لأجل الدلالة بها على المعاني المعقولة.. والقرآن مع كونه في المقام الأرفع بحيث تتعذر مجاراته وتستحيل معارضته هو لم يخرج عن هذا الإسلوب بحيث يُعبر فيه تارة بالحقيقة وأخرى بالمجاز، ويكون مرة واضحا، ومرة خفيا، فلم يُفت المدارك والألباب ويعي القرائح والأفكار إلا لأنه وحي أوحاه الله ليكون ذكرًا للعالمين وحجة على الناس أجمعين، فهو من حيث ظاهره وشكله كسائر الكلام العربي، ومن حيث سره وروحه لا يجاريه غيره بل لا يدانيه لما جعل الله تعالى فيه من نور يتلألأ في مبانيه وروح غيبية تفيض بها معانيه، وبهذا حارت ملكات بلغاء العرب في أمره وتجمدت قرائحهم عن محاولة مباراته والإتيان بحديث مثله.
ج. إرسال العقل لاستلهام مقاصده: إن أعظم ما مُيِّز به الإنسان العقيل، فلذلك كان مناط التكليف، وقد جعل الله فيما أنزل من القرآن تنويًا لبصيراه، ومن شأن العقل أن تتوسع آفاقه عند إعماله وتحريكه بخلاف ما إذا أُهمل وعُطِّل، فإن ذلك يؤدي إلى جموده وانغلاقه، ومن المعلوم أن استعمال العقل في استلهام المقاصد التنزيل بإمعان بصيرته في مُحكمه ومتشابهه من أسمى وجوه شكر من أنعم به، فإن شكر النعمة إنما يكون باستخدامها في مراضي من أنعم بها، وقد أنزل القرآن كتابه هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، وقد أحال ذوي الألباب في خطابه لهم لاستلهام أبعاد مراميه إلى ما منحهم من بصيرة العقل، فلذلك كثيرًا ما نجد يتكرر فيه: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، و﴿لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، و﴿لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ﴾، و﴿لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ﴾، و﴿لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ﴾، إلى غير ذلك مما يدل على شرف العقل وعظيم المنة به وعلى ضرورة استخدامه في درك مقاصد ما أنزل الله، ولئن كانت متشابهات القرآن لا يصل إلى أبعاد مراميها إلا الراسخون في العلم، فإن أولئك الراسخون لم يصلوا إلى ما وصلوا إليه إلا بإفساح المجال لعقولهم الوقادة حتى حلقت في أجواء المعرفة والعلم، فتمكنت بتوفيق الله عز وجل من ردِّ المتشابهات إلى المحكمات التي هي أم الكتاب، وتلاشى أمامها ما عسى أن يتراءى لذوي البصائر الكلية من تناقضات بينها، وذلك بخلاف شأن الذين في قلوبهم زيغ، فإنهم بإهمالهم طاقات العقل وإطفائهم جذوة البصيرة يظلون أُسارى ظواهر ألفاظ المتشابهات لذلك يستبد بهم الزيغ ويهيمون في متاهات الضلال، وبهذا التفاوت بين أولي الهداية والزيغ يتجلى تفاوت الناس في الإنتفاع بهدى ما أنزل الله، وقد أقتضت حكمته تعالى أن يتغابن الناس في الخير بقد تفاوتهم في التوفيق والخذلان، على أن فريق الهداية نفسه لا يكون على درجة واحدة في الفضل، فإن منهم من هو أحدّث ذهنًا وأنور بصيرة ووأسع أفقًا بما أفاض الله سبحانه على بصيرته من سيوب مواهبه اللدنية حتى وصل إلى حد أن تكون معاني كتاب الله عز وجل تتمثل أمام ناظريه كالمشاهد الحية،ومنهم من هو دون ذلك، ومهم من يستعصي عليه فهم أشياء منه لا يتعدى طوره وإنما يقف في حد ما أُمر به في قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾ الإسراء36،مع إيمانه المطلق بأنه حق من عند الله، فلا يجد إلا أن يقول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ آل عمران7، وبقدر هذا التفاوت في المدارك والأفهام واستيعاب معاني الوحي تتفاوت الأقدار، ويتميز الناس بعضهم على بعض، وتتجلى للناس آية الله الكبرى في اختلاف الناس حتى يُقاس منهم واحد بألف وألف بواحد.. ولو كان القرآن في دلالته طبقة واحدة لما كان هنالك تمايز بين الناس وتفضيل لبعضهم البعض في فهمه وإدراكه، وتفاوت في أجورهم بقدر تفاوتهم في خدمته بإظهاره مبهماته وتفصيل مُجملاته.
د. أن يكون لأهل كل عصر حظ في اكتشاف الجديد من أسراره وعجيب إعجازه: فقد نزل هذا القرآن لا ليكون خطابا للأمة إبان نزوله فحسب، بل ليكون ذكراً للعالمين في أعقاب الزمن إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، ولذلك يتجدد بيانه بتجدد أحوال الناس وإختلاف أطوار الحياة، فهو يخاطب أهل كل عصر بحسب ما أوتوه من أسرار العلم وانكشف لهم من حقائق الوجود وسنن الكون، وقد وصل هذا القرآن الإنسان في خطابه له بنظام الكون بإطلاعه على ما يزخر به من آيات صامتة هادية إلى الحق تجلت في آيات ناطقة من القرآن نفسه ليظهر لهذا الإنسان أن القرآن هو المرآة الصافية التي تنعكس عليها حقائق الوجود بما يبهر العقول ويحير الألباب، على أن هذا القرآن لم ينزل ليسرد دروساً في أحوال الكائنات ونظامها وفق المنهج العلمي المألوف لدى البشر، وإنما أنزل من أجل دعوة الناس إلى الحق، فلذلك يمزج عرض هذه الحقائق الكونية بالدعوة من أجل أن تصيب موضع الإقناع من العقل وتستولي على الأحاسيس والمشاعر، ولم يكن ذلك خارجا عن أسلوب الكلام العربي آنذاك؛ إذ العرب كانوا قد ألفوا الحوار في الخطاب ولم يكونوا آلفين للتأليف في فنون المعرفة وإنما كان الشعر ديوانًا لهم ومساجلات النظم والنثر ميدانًا لإستعراض ملكاتهم، لذلك لم يخصص القرآن سورًا معينة أو مساحات من سور لتبيان حقائق هذا الوجود بطريقة مرتبة كما هو شأن دراستها في المنهج العلمي، وإنما جيء بها لخدمة غرض الدعوة إلى الله تعالى، ولهذا هذه الدعوة غير مهملة في أي سياق فيه بل هي مصاحبة لنزول القرآن أي شيء فيه في أي مجال كان؛ ولذلك اقترنت أحكامه التشريعية بها، فعندما يتحدث في الصلاة أو الزكاة أو الحج أو بر الوالدين أو صلة الأرحام أو أحكام النكاح أو الطلاق أو البيوع والدين والرهن أو الجهاد أو الإنفاق، لا تأتي آيته مصبوبة في قالب بيان أحكام هذه الأشياء وحدها، وإنما تصاغ مقرونة بالدعوة، كما يظهر ذلك لكل متأمل، وكثيرًا ما تكون الأحكام المعروضة فيه متخللة بأحكام أخرى تتعلق بجوانب أخرى في التشريع، وهذا كله من أجل النهج بالإنسان في صراط الله المستقيم والوصول به إلى سلامة الدنيا وسعادة العقبى؛ لأن الله تعالى أراد به الرحمة للعباد، والناظر في القرآن يمتلكه العجب من هذا الأسلوب العجيب في عرض حقائقه وسلوكه هذا النهج في الدعوة إلى الله بحيث يجمع للإنسان في موقف واحد صنوفا من العلم، ويفتح له أبوابا من العبر، ويطوف به على آفاق من الحقائق على أن الإنسان وهو يتدرج في مدارج الحياة يظل في رحلة دائبة في آفاق العلم والمعرفة، لأنه في كل حين يكتشف الجديد من آيات الله في الأنفس وفي الآفاق، وعندما يصطحب القرآن في رحلته هذه يظل يرى سر الله يتجلى في هذا الاقتران والوئام بين آياته الناطفة في كتابه وآياته الصامتة في مخلوقاته، فينجذب انجذابا إلى هذه الآيات ويزداد تعلقا بالإيمان به على أن هذا الأمر ليس بالنظر إلى عمر الإنسان الفرد المحدود فحسب، بل هو يشمل وضع حالة الإنسان باعتباره جنسا منطويا على جميع أفراده تمتد حياته عبر قرون إلى أن يأتي أمر ربك،فإن سنة الله اقتضت أن تكون حياة الإنسان في تطور مطرد يقترن باكتشاف الغوامض من حقائق الوجود وسبر أغوار من مجاهيل هذا الكون، وقد شهدت الإنسانية في خلال قرن مضى الاكتشافات العلمية ما لم يدور بخلد إنسان قط، حتى عاد ما لم يصل من قبل إلى أن يعلق في حتى بالخيال والوهم حقيقة ناصعة لا يتمارى فيها اثنان، والقرآن مع هذا يتحدى كل مكابر ومعاند بما يظهر للناس من أسرار آياته التي أخذت تتجلى حقائقها من خلال ما اكتشف من حقائق الوجود تصديقًا لوعد الله الحق في قوله: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾، وبهذا تحول كثير مما كان يُعد من متشابه القرآن إلى غير متشابه بما اتضح من معانيه التي كانت غامضة قرونًا وقرونًا نحو قوله تعالى: ﴿يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ﴾، فإن معنى الآية الكريمة ظل بعيدًا عن مدارك الأفهام؛إذ لم يكن الناس يتصورون كروية الأرض، وأن الليل والنهار يتلاحقان بدورانهما المطرد على الكرة الأرضية، حيث إن كلاً منهما يلج في بطن الآخر، وإنما كانوا يتصورون أن الليل ينزل دفعة واحدة على الأرض كلها فيغشاها، ويرتفع كذلك عنها دفعة واحدة ليحل محله النهار؛ ولذلك شاع أن المراد بالآية ما ينقص من النهار ويزيد في الليل في الشتاء، ونحو ذلك قوله تعالى: ﴿يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا﴾، وقوله عز وجل: ﴿يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ عَلَى اللَّيْلِ﴾، فإن حقيقة معاني هذه الآيات لم تكتشف إلا بعد اكتشاف أنه لا يرتفع النهار عن الأرض كلها ولا الليل، وإنما يجلل أحددهما نصف الكرة الأرضية حينما يكون النصف الآخر مجللا بالآخر فيكون كلا منهما فوق غيره ككور العمامة، وإنما يظهر تشابه مثل هذه الآيات على من لم يطلع على مثل هذه الحقائق كما حُكيَ من جواب بعض أهل العلم عندما سُئل أين يكون النهار عندما يأتي الليل؟ وأين يكون الليل عندما يأتي النهار؟ فأجاب: يكونان في غامض علم الله الذي لم يُطلع عليه ملك مُقرَّب ولا نبي مُرسَل، ومثل ذلك قوله تعالى: ﴿وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ﴾، إذ لم تكن سنة التزاوج بين جميع الكائنات واضحة للناس إلى أن تم اكتشاف ذلك، وتشابه هذا كله بسبب غموض معناه، أما أحكامه الشرعية فقد جاء كثيرٌ منها مُجملاً مع بيانه إما بنصوص من القرآن نفسه أو بنصوص من السنة أو الإجماع، وفي إجمالها من الحكمة الإلهية ما لا يخفى على العباد، فإن هذه الأحكام اقتضى لطف الله بعباده أن لا يفرضها عليهم دفعة واحدة، بل نزلت تدريجا مع نجوم الوحي التي استمرت نحو عقدين من السنين لئلا تتوانى همم المُتعبدين بها عن حملها دفعة واحدة، وقد شاء الله أن لا تكون كلها نصية؛ إذ لو كانت كذلك لضاق الأمر على الناس ولم تكن هذه الرحابة في شريعة الإسلام، وإنما نص الشارع على ما لا يحتمل الخلاف لاقتضاء مصلحة العباد ذلك وبقى ما عداه يسوغ فيه النظر والتأمل لمن قدر على إجابة قدح الفكر حتى يتوصل إلى ترجيح ما يراه أقرب إلى الصواب، وهذا مما يستدعي اختلاف وجهات النظر وإرخاء العنان للعقل ليجول ببصيرته الوقادة بين أنحاء الأدلة لاستلهام الرشد واستبانة المقصد، فتتضاعف الأجور لأرباب الحجى على ما وُفِّقوا له من استنباط الأحكام من أعماق الأدلة بسديد الإجتهاد، وفي هذا شكر لنعمة العقل ولطف ورحمة بالعباد، فإن آراء المجتهدين قد تتفاوت لإعتبارات شتى نحو اختلافهم في تخصيص العام بخصوص سببه، أو ذكر حكمه لفرد من أفراد مدلولاته، وتقييد المطلق إذا اتفق مع الدليل المقيد في الحكم واختلف السبب أو العكس، ومثله القول في بيان المجملات بأنواع التفصيل التي اختلف فيها أهل العلم، فإن ذلاك كله من أسباب اختلاف المجتهدين الذي يجد فيه العاملون سعة من أمرهم فلا تضيق بهم السبل كما لو كان حكم القضية نصيا.
هـ. أن اللغات محدودة متناهية: لأنها بحسب ما توصل إليه المتواضعون عليها من المعلومات، فلو لم يكن لهم مجال في استخدام الألفاظ إلا في حقائق معانيها لوصل بهم الأمر إلى الحرج والضيق بسبب العجز عن التعبير عما وراء معلوماتهم تلك، ولكن الله تعالى جعل لهم في مجازات العبارات مخرجا من هذا الضيق، وقد خاطبهم بهذا الإسلوب الذي ألفوه في التعبير ليكون ذلك أساساً لهم في الخطاب من ناحية، وليتمكنوا من ناحية أخرى من حمل تلكم العبارات على النمعاني المستجدة التي لم تكن معهودة في أسلافهم إبان نزول الكتاب؛ لأن الله تعالى لم يجعله خطابا خاصاً لتلك الأمة وحدها، وإنما يشملها وأعقابها ما بقي من هذا الوجود الإنساني الذي يزخر بالمستجدات.
و. تباين الناس في الاعتقاد والتصورات بحسب تباينهم في فهم متشابه الكتاب: وبهذا يتميز المحق من المبطل تحقيقا لسنة الله في اختلاف عباده وانقسامهم إلى حزب هدى وحزب ضلال: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ﴾ إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ هود 118،119، وقد وضح هذا في تشبث النصارى بمتشابه التنزيل حتى احتجوا لدعواهم بنوة عيسى عليه السلام لله رب العالمين بما أنزل الله على نبيه صلّى الله عليه وآله وسلم فكان ذلك سببا في نزول الآية الكريمة، وهكذا شأن الذين يتبعون ما تشابه من هذه الأمة متصامِّين عن نداء المحكم بالحق والرشد.
ز. الإيمان بما أخبر الله به والتسليم والإذعان له مع الوقوف عن الخوض في تفصيلاته: فقد أخبر الله بكثير من الحقائق الوجود وأسرار الغيوب التي تعجز العقول عن تصورها؛ كقيام الساعة وما يصحبه من أهوال المعاد والثواب والعقاب، وما ينعم به المؤمنون في دار كرامته من المطاعم والمشارب والمساكن الطيبة والمناكح الحسنة والسرور الدائم، وهذه أمور يمكن للإنسان أن يتصورها مجملة،أما مقاديرها وسائر تفصيلاتها فمما لا يتسع له الأفق المعرفي للإنسان وهو لا يزال في هذه الدنيا المحدودة المتناهية، ولا يستوعبه خياله الناتج عن تفاعله مع طبيعة هذه الحياة الفانية، ولذلك قال الله تعالى: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ السجدة17، وجاء في الحديث: (قال الله تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر)
ح. تضمين الكلمات من الحقائق العالية والمعاني السامية ما يجلي قدرا ويعظم شأنا فوق ما هو مألوف للعباد من معاني تلكم الكلمات: وتلكم هي صفات الله تبارك وتعالى، فإن الله سبحانه وتعالى عرّف العباد بنفسه وأخبرهم بصفاته بكلمات لم تكن غريبة عليهم؛ إذ هي من اللغات التي يتداولونها في الوصف والبيان، ولكن شتان بين مضامينها المألوفة عندهم ومضامينها في كلام الله تعالى، فالله عرَّفهم بنفسه أنه السميع البصير، العليم الخبير، الحي القيوم، الغفور الرحيم، العزيز الحكيم، العلي العظيم، الواحد القهار، الواسع القدير، الأول والآخر، والظاهر والباطن، ولكل وصف من هذه الأوصاف معروف عند الناس ولكن أنى تقاس صفات الخالق على المخلوق؟ والمخلوق محدود في ذاته وصفاته، والخلق سبحانه منزه عن ذلك، فصفاته مطلقة لا حدود لها كذاته، ولهذا كان التباين بينه وبين خلقه في حقيقة الإتصاف بتلكم الأوصاف، فالمخلوق إن وصف بالعلم فعلمه ليس ذاتيا، ولذلك يتدرج في تحصيله إن كان كسبيا، ويأخذ في النمو والزيادة باجتهاده مع توفيق الله له، ولئن كان ضرورياً فإنه أيضًا حادث كحدوث الكسبي، وإنما الأصل فيه الجهل كما يُنبئ به قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا﴾،ومهما يكن مقدار علمه فإنه لا يعدو أن يكون قطرة في خضم جهله، وقد يتحول من العلم إلى الجهل لنسيان أو ضعف كما هو بيِّن في قوله تعالى: ﴿وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْ لَا يَعْلَمَ بَعْدَ عِلْمٍ شَيْئًا﴾، ومثل ذلك يقال في قدرته وسائر صفاته، هذا، ومن بين هذه الصفات ما يستحيل أن يكون وصف الله تعالى به على نحو ما هو معهود في خلقه كالرحمة، فإن رحمة المخلوق بالمخلوق هي انفعال نفسي يبعث على اللطف والإحسان، والله يجب تنزيهه عن ذلك لأنه: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهذا مما يدخل في المتشابه، وكذلك وصفه تعالى بالصبر والشكر فهو بعيد عن نحو ما هو مألوف في الإصطلاح البشري، لأن صبر المخلوق هو توطين النفس على إحتمال ما يشق عليها، والشكر هو إعتراف المُنعَم عليه بنعمة المُنعِم والقيام بما يجب عليه تجاهه، وكل من ذلك مستحيل على الله عز وجل، فإنه منزه عن كونه مشقوقا عليه أو أن تكون لأحد نعمة عليه، فإنه وحده باسط النعم وكل من عداه فهو منعم عليه، لذلك كان وصفه سبحانه بمثل هذا ما يدخل في باب التشابه ويجب رده إلى المحكم كقوله تعالى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وقوله: ﴿وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، وهذا هو الأصل في فهم جميع معاني صفاته تعالى، إذ يجب نفي التصور عند وصفه سبحانه بالسمع إن يكون سمعه كسمع مخلوقاته في الاضطرار إلى آلات السمع وإنتقال الأصوات إليها عبر الذبذبات الصوتية، وكذلك نفي مثل هذا التصور عندما يوصف بالصبر، فإن إبصاره إنعكاسا لصور الأجسام عبر الذبذبات الضوئية في العين الباصرة، وما يتبع ذلك من إنتقال هذه الصور إلى مركز الحس ـ الدماغ ـ بواسطة الأسلاك المخصصة لذلك، فإن الله منزه عن ذلك كله، وهو منزه عن الأبعاض والكيفية وكل ما هو معهود في خلقه، وإنما يجب القطع بأن إتصافه سبحانه بإي معنى من هذه المعاني هو اجل وأعظم مما يخطر بنفس العبد.
ط. التدرج في هداية الناس وإنقاذهم من الحيرة: فإن العقول البشريه قاصره عن إستيعاب الحقائق من أول وهله، وفلو قيل للناس من أول الأمر بأن إثبات الصانع الحكيم إثبات لحقيقة مخالفة لكل ما هو معهود عندهم من الحلول في الأمكنة والتبغض والإحاطه وغير ذلك من صفات الخلق لربما نفرت من ذلك طباعهم ونبت عنه أفهامهم، بحيث يتصورون أنه نفي مطلق فيقعون في الجحود، فلذلك خوطبوا وحسب ما هو مألوف عندهم مع تبيان المراد بذلك من خلال أنزله الله تبارك وتعالى من الآيات المحكمات، فإنهم بإستنارتهم ببصيرة العقل ورجوعهم إلى أم الكتاب تستبين لهم الحقيقة ويتجلى لهم ما كان غامضا على أفهامهم كما أفاد ذلك الفخر الرازي.
__________
(1) تفسير الخليلي: (4/3).
4. المتشابه والزائغون والراسخون
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈4⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [آل عمران: 7]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
أبو أيوب:
روي عن أبي أيوب الأنصاري (ت 50 هـ)، قال ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرة من النفاق، وليأتين عليه أحايين وما في جلده موضع إبرة من إيمان(1).
__________
(1) الحكيم الترمذي: ١/٢٧٤.
الربيع:
روي عن الربيع بن خثيم (ت 61 هـ) أنّه قال: قال النصارى لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: ألست تزعم أن عيسى كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى)، قالوا: فحسبنا، فأنزل الله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٠٥.
ابن عباس:
روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: يعني: أهل الشك، فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبسون؛ فلبس الله عليهم(1).
2. روي أنّه قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ هم أصحاب الخصومات والمراء في دين الله(2).
3. روي أنّه قال: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ فيحملون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويلبّسون؛ فلبّس الله عليهم(3).
4. روي أنّه قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، وقوله: ﴿وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ﴾ [الأنبياء: ٩٣]، وقوله: ﴿إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا﴾ [النساء: ١٤٠]، وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ﴾ [الأنعام: ١٥٣]، وقوله: ﴿أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾ [الشورى: ١٣]، ونحو هذا في القرآن: أمر الله المؤمنين بالجماعة، ونهاهم عن الاختلاف والفرقة في القرآن، وأخبرهم: إنما هلك من كان قبلكم بالمراء والخصومات في دين الله(4).
5. روي أنّه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ تأويله يوم القيامة لا يعلمه إلا الله(5).
6. روي أنّه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ تأويل القرآن(6).
7. روي أنّه قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ الراسخون الذين يقولون: آمنا به كل من عند ربنا(7).
8. روي أنّه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ جزاءه وثوابه يوم القيامة(8).
9. روي أنّه قال: كل القرآن أعلم تأويله إلا أربعا: ﴿غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦]، ﴿وَحَنَانًا﴾ [مريم: ١٣]، والأواه، ﴿وَالرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩] (9).
10. روي أنّه قال: إن القرآن ذو شجون وفنون، وظهور وبطون، لا تنقضي عجائبه، ولا تبلغ غايته، فمن أوغل فيه برفق نجا، ومن أوغل فيه بعنف غوى، أخبار وأمثال، وحرام وحلال، ومحكم ومتشابه، وظهر وبطن، فظهره التلاوة، وبطنه التأويل، فجالسوا به العلماء، وجانبوا به السفهاء، وإياكم وزلة العالم(10).
11. روي أنّه قال: التفسير على أربعة أوجه: وجه تعرفه العرب من كلامها، وتفسير لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله(11).
12. روي أنّه قال: تفسير القرآن على أربعة وجوه: تفسير يعلمه العلماء، وتفسير لا يعذر الناس بجهالته من حلال أو حرام، وتفسير تعرفه العرب بلغتها، وتفسير لا يعلم تأويله إلا الله، من ادعى علمه فهو كاذب(11).
13. روي أنّه قال: أنا ممن يعلم تأويله(12).
14. روي أنّه قال: إنما سمي: القلب؛ لأنه يتقلب(13).
15. روي أنّه قال: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾: يعني: ما نسخ، وما لم ينسخ(14).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٠٣.
(2) الهروي في ذمِّ الكلام وأهله: ٢/٦٣.
(3) ابن جرير: ٥/٢٠٤.
(4) ابن المنذر: ١/١٢٧.
(5) ابن جرير: ٥/٢١٥.
(6) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٨.
(7) ابن جرير: ٥/٢٢٤.
(8) ابن المنذر: ١/١٢٩.
(9) الثعلبي: ٣/١٤.
(10) الدرّ المنثور: ابن أبي حاتم.
(11) ابن جرير: ١/٧٠.
(12) ابن جرير: ٥/٢٢٠.
(13) ابن المنذر: ١/١٢٢.
(14) ابن أبي حاتم: ٢/٦٠٠.
ابن زيد:
روي عن جابر بن زيد (ت 93 هـ) أنّه قال: إنكم تصلون هذه الآية، وهي مقطوعة: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فانتهى علمهم إلى قولهم الذي قالوا(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢١٩ عن أبي نَهِيك فقط من طريق عبيد الله، وابن أبي حاتم: ٢/٥٩٩.
عروة:
روي عن عروة بن الزبير (ت 94 هـ) أنّه قال: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢١٨.
ابن عبد العزيز:
روي عن عمر بن عبد العزيز (ت 101 هـ) أنّه قال: انتهى علم الراسخين في العلم بتأويل القرآن إلى أن قالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢١٩.
الضحاك:
روي عن الضحاك بن مزاحم (ت 102 هـ) أنّه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ثوابه(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٨.
مجاهد:
روي عن مجاهد (ت 104 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ الباب الذي ضلوا منه، وهلكوا فيه ابتغاء تأويله(1).
2. روي أنّه قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الشبهات، بها أهلكوا(1).
3. روي أنّه قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعلمون تأويله، و﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٠٥.
(2) عبد بن حميد كما في الفتح للحافظ ابن حجر: ٨/٢١٠.
البصري:
روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الضلالة(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ تأويله القضاء به يوم القيامة(2).
__________
(1) الحربيُّ في غريب الحديث: ٣/٩٣١.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٧.
الباقر:
روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: نحن الراسخون في العلم، ونحن نعلم تأويله(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: (فرسول الله أفضل الراسخين في العلم، قد علمه الله عز وجل جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله، وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله، والذين لا يعلمون تأويله إذا قال العالم فيهم بعلم، فأجابهم الله بقوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ والقرآن خاص وعام، ومحكم ومتشابه، وناسخ ومنسوخ، فالراسخون في العلم يعلمونه(1).
3. روي أنّه قال: (إن القرآن زاجر وآمر، يأمر بالجنة ويزجر عن النار، وفيه محكم ومتشابه: فأما المحكم فيؤمن به ويعمل به ويعتبر به، وأما المتشابه فيؤمن به ولا يعمل به، وهو قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ آل محمد الراسخون في العلم(2).
4. روي أنّه قال: (إن القرآن محكم ومتشابه، فأما المحكم فنؤمن به ونعمل به وندين به، وأما المتشابه فنؤمن به ولا نعمل به، وهو قول الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ والراسخون في العلم هو آل محمد صلّى الله عليه وآله وسلم أجمعين(3).
__________
(1) الكافي: 1/166.
(2) تفسير القمي: 2/451.
(3) تفسير العياشي: 1/162.
ابن الزبير:
روي عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت 115 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، أي: ميل عن الهدى(1).
2. روي أنّه قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، أي: اللبس(2).
3. روي أنّه قال: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وذلك على ما ركبوا من الضلالة في قولهم: خلقنا، وقضينا(3).
4. روي أنّه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ الذي أراد ما أراد: ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، فكيف يختلف وهو قول واحد من رب واحد!؟ ثم ردوا تأويل المتشابه على ما عرفوا من تأويل المحكمة التي لا تأويل لأحد فيها إلا تأويل واحد، فاتسق بقولهم الكتاب، وصدق بعضه بعضا، فنفذت به الحجة، وظهر به العذر، وزاح به الباطل، ودمغ به الكفر(4).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٠٢.
(2) ابن جرير: ٥/٢١٣.
(3) ابن جرير: ٥/٢١٦.
(4) ابن جرير: ٥/٢٢٠.
قتادة:
روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ طلب القوم التأويل فأخطؤوا التأويل، وأصابوا الفتنة، فاتبعوا ما تشابه منه؛ فهلكوا من ذلك(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٠٨.
زيد:
روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ معناه جور،(1).
2. روي أنّه قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ معناه: الكفر.. و: ﴿ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ معناه تفسيره.. والابتغاء: الطّلب،(1).
__________
(1) تفسير الإمام زيد، ص 107.
السّدّيّ:
روي عن إسماعيل السّدّيّ (ت 127 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ إرادة الشرك(1).
2. روي أنّه قال: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، قال يتبعون المنسوخ والناسخ، فيقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا مكان هذه الآية، فتركت الأولى وعمل بهذه الأخرى؟ هلا كان العمل بهذه الآية قبل أن تجيء الأولى التي نسخت! وما باله يعد العذاب من عمل عملا يعذبه بالنار، وفي مكان آخر من عمله فإنه لم يوجب له النار؟(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢١٢.
(2) ابن جرير: ٥/٢٠٥.
الربيع:
روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ) أنّه قال: عمد الوفد الذين قدموا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من نصارى نجران، فخاصموا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، قالوا: ألست تزعم أنه كلمة الله، وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: فحسبنا، فأنزل الله ـ عز وجل ـ: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، ثم إن الله ـ جل ثناؤه ـ أنزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: ٥٩] (1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٠٥ مرسلًا.
عروة:
روي عن هشام بن عروة بن الزبير (ت 145 هـ) أنّه قال: كان أبي يقول في هذه الآية: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: إن الراسخين في العلم لا يعلمون تأويله، ولكنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾(1).
__________
(1) عبد الله بن وهب في الجامع: ١/٦٤.
ابن حيان:
روي عن مقاتل بن حيان (ت 149 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، يعني: حيي بن أخطب، وأصحابه من اليهود(1).
2. روي أنّه قال: ﴿ابتغاء تأويله﴾ ابتغاء ما يكون، وكم يكون(2).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٥.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٧.
ابن جريج:
روي عن ابن جريج (ت 150 هـ) أنّه قال: ﴿الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ المنافقون(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٠٤.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، يعني: ميل عن الهدى، وهو الشك، فهم اليهود(1).
2. روي أنّه قال: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾، يعني: ابتغاء الكفر(1).
3. روي أنّه قال: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، يعني: منتهى ما يكون، وكم يكون، يريد بذلك الملك(1).
4. روي أنّه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، كم يملكون من السنين، يعني: أمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، يملكون إلى يوم القيامة، إلا أياما يبتليهم الله ـ عز وجل ـ بالدجال(1).
5. روي أنّه قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، يعني: المتدارسون علم التوراة؛ فهم عبد الله بن سلام وأصحابه من مؤمني أهل التوراة(1).
6. روي أنّه قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فما يسمع إلا أولو الألباب، يعني: من كان له لب وعقل، يعني: ابن سلام وأصحابه، فيعلمون أن كل شيء من هذا وغيره من عند الله(1).
7. روي أنّه قال: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، يعني: قليله وكثيره من عند ربنا(1).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٤.
ابن إسحاق:
روي عن محمد بن إسحاق (ت 151 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿ابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ما تأولوا وزينوا من الضلالة؛ ليجيء لهم الذي في أيديهم من البدعة، ليكون لهم به حجة على من خالفهم للتصريف والتحريف الذي ابتلوا به؛ كميل الأهواء، وزيغ القلوب، والتنكيب عن الحق الذي أحدثوا من البدعة(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، أي: ما يعلم ما حرفوا وتأويله إلا الله الذي يعلم سرائر العباد وأعمالهم(2).
3. روي أنّه قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ لم تكن معرفتهم إياه أن يفقهوه على الشك، ولكنهم خلصت الأعمال منهم، ونفذ علمهم أن عرفوا الله بعدله؛ لم يكن ليختلف شيء مما جاء منه، فردوا المتشابه على المحكم، فقالوا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾(3).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٧.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٨.
(3) ابن أبي حاتم: ٢/٦٠٠.
نافع:
روي عن نافع بن يزيد (ت 168 هـ) أنّه قال: يقال ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾: المتواضعون المتذللون لله في مرضاته، فلا يتعاطون من فوقهم، ولا يحقرون من دونهم(1).
__________
(1) ابن المنذر: ١/١٣٣.
مالك:
روي عن مالك بن أنس (ت 179 هـ) أنّه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، وليس يعلمون تأويله(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢١٩.
ابن زيد:
روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) أنّه قال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ تحقيقه(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٥٩٨.
العياني:
ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. قال الله عز وجل مبعداً لهم من معرفة تأويل الكتاب، ومنبهاً لعباده ذوي الألباب، ودلالة لهم سبحانه إلى الرشد والصواب: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعني الأئمة، ثم قال عز وجل: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، والراسخ: هو المتمكن في بحبوحة الشيء الذي يدخل ولا يطيش، والعرب تقول: رسخت الحجر في الماء، إذا تمكنت، ووقعت في أسفل الماء ودخلت، فكذلك عقول هؤلاء تدخل في الأسباب إلى مستقرها، وترسخ حتى تستقر إلى نهايتها، فضرب الله الرسوخ مثلاً.
2. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ يعني أهل الشك والجهل والكفر.. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، والفتنة هاهنا هي الضلالة في تعسفهم للتأويل.
__________
(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/ 256.
الديلمي:
ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ميل عن الحق وشك ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ وذلك أن وفد نجران سألوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عن عيسى فقالوا: هل هو روح الله؟ قال: بلى، قالوا: هل هو كلمة الله؟ قال: بلى) فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ والفتنة في هذا المكان الشرك واللبس التي حاج بها وفد نجران رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم.
2. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ من علماء آل الرسول صلوات الله عليهم لأنهم العالمون العاملون.
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/133.
الماوردي:
ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ تأويلان:
أ. أحدهما: ميل عن الحق.
ب. الثاني: شك، قاله مجاهد.
2. في قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ثلاثة تأويلات:
أ. أحدها: أنه الأجل الذي أرادت اليهود أن تعرفه من الحروف المقطعة من حساب الجمّل في انقضاء مدة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.
ب. الثاني: أنه معرفة عواقب القرآن في العلم بورود النسخ قبل وقته.
ج. الثالث: أن ذلك نزل في وفد نجران لمّا حاجّوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في المسيح، فقالوا: أليس كلمة الله وروحه؟ قال: بلى)، فقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وهو قول الربيع.
3. في قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أربعة تأويلات:
أ. أحدها: الشرك، قاله السدي.
ب. الثاني: اللّبس، قاله مجاهد.
ج. الثالث: الشبهات التي حاجّ بها وفد نجران.
د. الرابع: إفساد ذات البين.
4. في قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: أنه التفسير.
ب. الثاني: أنه العاقبة المنتظرة.
5. في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ثلاثة أقاويل:
أ. أحدها: تأويل جميع المتشابه، لأن فيه ما يعلمه الناس، وفيه ما لا يعلمه إلا الله، قاله الحسن.
ب. الثاني: أن تأويله يوم القيامة لما فيه من الوعد والوعيد، كما قال الله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ [الأعراف: 53] يعني يوم القيامة، قاله ابن عباس.
ج. الثالث: تأويله وقت حلوله، قاله بعض المتأخرين.
6. في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: يعني الثابتين فيه، العاملين به.
ب. الثاني: يعني المستنبطين للعلم والعاملين.
7. وفيهم وجهان:
أ. أحدهما: أنهم داخلون في الاستثناء، وتقديره: أن الذي يعلم تأويله الله والراسخون في العلم جميعا، روى ابن أبي نجيح عن ابن عباس أنه قال أنا ممن يعلم تأويله.
ب. الثاني: أنهم خارجون من الاستثناء، ويكون معنى الكلام: ما يعلم تأويله إلا الله وحده، ثم استأنف فقال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾
8. قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ يحتمل وجهين:
أ. أحدهما: علم ذلك عند ربنا.
ب. الثاني: ما فصله من المحكم والمتشابه، فنزل من عند ربنا.
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/371.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ يعني ميل يقال: أزاغه الله إزاغة أي أماله إمالة قال تعالى ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ومنه قوله: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ والتزايغ التمايل في الأسنان، والمعنى إن الذين في قلوبهم ميل عن الحق اما بشك أو جهل فان كليهما زيغ.
2. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ومعناه يحتجون به في باطلهم ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ ومعناه طلباً للفتنة ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ والتأويل: التفسير وأصله المرجع، والمصير من قولهم: آل أمره إلى كذا يؤول أولا: إذا صار إليه، وأولته تأويلا إذا صيرته إليه، وقوله: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ قيل معناه أحسن جزاء، لأن أمر العباد يؤول إلى الجزاء، وأصل الباب: المصير.
3. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ يعني تفسيره ﴿إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعني الثابتون فيه تقول: رسخ الشيء رسوخاً إذا ثبت في موضعه، وأرسخته إرساخاً، كما أن الخبر يرسخ في الصحيفة، ورسخ الغدير إذا ذهب ماؤه، فنضب، لأنه ثبت وحده من غير ماء، وأصل الباب الثبوت.
4. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:
أ. قال الربيع: نزلت هذه الآية في وفد نجران، لما حاجّوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في المسيح، فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه؟ فقال بلى، فقالوا: حسبنا، فأنزل الله تعالى ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ ثم أنزل ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾
ب. وقال قتادة: بل كل من احتج بالمتشابه لباطله، داخل فيه، فمنهم الحرورية والسبابية، وغيرهم.
5. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ قال السدي: الفتنة هاهنا الشرك، وقال مجاهد: اللبس، وقيل الضلال عن الحق، وهو أعم فائدة، وأصل الفتنة: التخليص من قولهم فتنت الذهب بالنار: إذا أخلصته، فالذي يبتغي الفتنة، يبتغي التخليص إلى الضلال بما يورده من الأشياء.
6. في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ قولان:
أ. أحدهما: ما يعلم تأويل جميع المتشابه ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، لأن فيه ما يعلم الناس، وفيه ما لا يعلمه الناس من نحو تعيين الصغيرة عند من قال بها، ووقت الساعة، وما بيننا وبينها من المدة. هذا قول عائشة، والحسن، ومالك، واختاره الجبائي، وأكثر المتأولين، وعندهم أن الوقف على قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ ويكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ مستأنفاً والتأويل على قولهم: معناه المتأول، كما قال تعالى ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ يعني الموعود به.
ب. الثاني: ما قاله ابن عباس، ومجاهد، والربيع ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ يعلمونه قائلين آمنا، كما قال الشاعر:
çوالريح تبكي شجوة...والبرق يلمع في الغمامةé
يعني والبرق أيضاً يبكيه لامعاً في غمامة.
7. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ حذف المضاف من (كل) عند البصريين، لأنه اسم دال على المضاف كثير في الكلام فلا يجيزون ﴿إِنَّا كُلٌّ فِيهَا﴾ على الصفة ويجيزه الكوفيون، لأنه إنما حذف عندهم لدلالته على المضاف فقط اسماً كان أو صفة، وإنما بني قبل على الغاية، ولم يبن كل، وإن حذف من كل واحد منهما المضاف، لأن قبل ظرف يعرف، وينكر، ففرق بين ذلك بالبناء الذي يدل على تعريفه بالمضاف، والاعراب الذي يدل على تنكيره بالانفصال، وليس كذلك كل لأنه معرفة في الافراد دون نكرة فأما (ليس غير) فمشبه بحسب لما فيه من معنى الأمر.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/400.
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الزيغ: الميل، زاغ: مال، والتزاوغ: التمايل في الإنسان.
ب. التأويل: التفسير، وأصله المرجع والمصير، من قولهم: آل أمره إلى كذا إذا صار إليه، وأولته تأويلاً إذا صيرته إليه.
ج. الفتنة أصله التخليص، يقال: فتنت الذهب بالنار أي خلصته، ثم يسمى التكليف فتنة؛ لأنه به يتخلص، وسمي الضال إنه يبتغي الفتنة، لأنه يبتغي الخلوص إلى الضلال.
د. الراسخ في الشيء: الثابت فيه، رسخ رسوخًا إذا ثبت.
هـ. اللب: العقل، وسمي به؛ لأنه أفضل ما في الإنسان.
2. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾:
أ. قيل: اليهود وطلبوا علم هذه الأمة واستخراجه بحساب الجمل ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ميل عن الحق إلى الباطل، عن ابن عباس.
ب. وقيل: هم النصارى الَّذِينَ حاجوا في عيسى، عن الربيع.
ج. وقيل: هم المنافقون، عن ابن جريج.
د. وقيل: كل من احتج بالمتشابه لباطله كالحرورية والسبائية، عن قتادة.
هـ. وقيل: كل ضال ومبتدع.
3. ﴿زَيْغٌ﴾ أي ميل عن الحق إما بالجهل، وإما بالشك ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ يحتجون لباطلهم ﴿ابْتِغَاءَ﴾ طلب ﴿الْفِتْنَةَ﴾
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الْفِتْنَةَ﴾:
أ. قيل: الشرك، عن السدي والربيع وابن الزبير.
ب. وقيل: اللبس، عن مجاهد.
ج. وقيل: الضلال عن الحق.
د. وقيل: فساد ذات البين في الدين، عن الأصم.
5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾:
أ. قيل: أي طلب تأويله على خلاف الحق.
ب. وقيل: طلب علمه.
6. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ الثابتون في العلم الضابطون له المتفننون فيه.
7. اختلفوا في واو ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ على قولين:
أ. الأول: أنها واو العطف، يعني لا يعلم تأويله إلا اللَّه، فإنه يعلمه والراسخون في العلم يعلمونه، ومع ذلك ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، يعني يعلمون ويقولون: آمنا، فأضمر ﴿يَقُولُونَ﴾، وقيل: تقديره: والراسخون في العلم يعلمونه قائلين: آمنا به، عن ابن عباس ومجاهد والربيع ومحمد بن جعفر وابن الزبير وأبي مسلم، وقوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ يكون حالاً، ومحله نصب كقول الشاعر:
çالريح تبكي شجوها... والبرق يلمع في غمامهé
تبكي يعني: تلمع في غمامة شجوها، لولا ذلك لم يكن لذكره معنى، ويدل على صحة هذا أن الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، وعن ابن عباس أنه قال: أنا من الراسخين في العلم، وعن مجاهد نحوه، ولأن الغرض بالخطاب الإفهام.
ب. الثاني: أنها واو الاستئناف، وأن الكلام تم عند قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم ابتدأ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ﴾، فـ ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ ابتداء، وخبره في ﴿يَقُولُونَ﴾، عن عائشة والحسن ومالك والكسائي والفراء، وهو قول أبي علي، وعلى هذا المتشابه: وقت قيام الساعة و﴿أَلَمْ﴾، و﴿المص﴾، و﴿حم﴾، وتعيين الصغيرة، وخروج الدجال، ودابة الأرض، ويأجوج ومأجوج ونحوه.
8. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾:
أ. قيل: مؤمنو أهل الكتاب كعبد اللَّه بن سلام وغيره.
ب. وقيل: علماء الأمة الَّذِينَ هم المتيقنون، لا يدخلهم شك.
ج. وقيل: من وجد في علمه أربعة أشياء فهو راسخ: التقوى بينه وبين اللَّه، والتواضع بينه وبين الخلق، والزهد بينه وبين الدنيا، والمجاهدة بينه وبين نفسه.
د. وقيل: سماهم راسخين لقولهم ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ عن ابن عباس ومجاهد والسدي.
9. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، يعني هو الذي قاله، وأنزل المحكم والمتشابه، وقيل ﴿عِنْدَ﴾ صلة أي كل من ربنا ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ أي ما يتعظ بما في القرآن إِلَّا أُوْلُوا الألبَابِ) ذوو العقول.
10. تدل الآية الكريمة على:
أ. عظم محل العلماء؛ لأن المراد بالراسخين بالعلم الذابين عن الدين، والرَّاديِّن على الملحدين والمبتدعين، ومن قام بنصرة الدين، ومن نظر في أخبار العلماء علم أن هذه صفة مشايخ أهل العدل كواصل وعمرو والحسن وغيلان من أوائلهم، انتصبوا للذب عن الدين في أيام بني أمية ومروان مع تدين كثير منهم بالإلحاد، وخوف هَؤُلَاءِ العلماء على دمائهم، وكأبي الهذيل الذي رد على أصناف المخالفين من الدهرية والثنوية وأهل البدع حتى قال صالح بن عبد القدوس وهو رأس في الإلحاد: لولا أبو الهذيل لخطبنا بالثنوية على المنابر، وكشيخنا أبي علي وأبي هاشم وسائر مشايخنا البصريين والبغداديين، حيث بينوا وصنفوا.
ب. أن الحق يعرف بالتفكر؛ لذلك قال: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُوْلُوا الألْبَابِ)، فخصهم بالذكر لأنهم المكلفون.
11. مسائل نحوية:
أ. في حذف المضاف من ﴿كُل﴾ خلاف عند البصريين؛ لأنه اسم دال على المضاف وهو كثير في الكلام، ولا يجيزون (إنا كلا فيها) على الصفة، ويجيزه الكوفيون؛ لأنه إنما حذف عندهم لدلالته على المضاف فقط اسمًا كان أو صفة.
ب. ﴿ابْتِغَاءَ﴾ نصب على المصدر، وهو في موضع الحال تقديره: يبتغون ذلك ابتغاء.
ج. ﴿كُل﴾ رفع على الابتداء، تقديره: يقولون: كلّ من عند وبنا.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/172.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الزيغ: الميل، وأزاغه: أماله، والتزايغ: التمايل في الأسنان.
ب. الابتغاء: الطلب.
ج. الفتنة: أصلها الاختبار، من قولهم: فتنت الذهب بالنار أي: اختبرته، وقيل: معناه خلصته.
د. التأويل: التفسير، وأصله المرجع والمصير من قولهم: آل أمره إلى كذا يؤول أولا: إذا صار إليه، وأولته تأويلا: إذا صيرته إليه، قال الأعشى: على أنها كانت تأول حبها... تأول ربعي السقاب فأصحبا أي: كان حبها صغيرا فآل إلى العظم، كما آل السقب وهو الصغير من أولاد النوق إلى الكبر.
هـ. الراسخون: الثابتون، يقال: رسخ رسوخا: إذا ثبت في موضعه، وأرسخه غيره.
2. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي: ميل عن الحق، وإنما يحصل الزيغ بشك، أو جهل ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: يحتجون به على باطلهم.
3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾:
أ. قيل: أي: لطلب الضلال والإضلال، وإفساد الدين على الناس.
ب. وقيل: لطلب التلبيس على ضعفاء الخلق، عن مجاهد.
ج. وقيل: لطلب الشرف والمال كما سمى الله المال فتنة في مواضع من كتابه.
د. وقيل: المراد بالفتنة ها هنا الكفر، وهو المروي عن أبي عبد الله، وقول الربيع والسدي،
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾:
أ. قيل: لطلب تأويله على خلاف الحق.
ب. وقيل: لطلب مدة أكل محمد على حساب الجمل، وابتغاء معاقبته، ويدل على ذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ أي: عاقبة، وقول العرب: تأول الشئ: إذا انتهى.
ج. وقال الزجاج: معنى ابتغائهم تأويله أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله أن ذلك، لا يعلمه إلا الله، ويدل على ذلك قوله ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ﴾
5. اختلف في الذين عنوا بقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾:
أ. قيل: عني به وفد نجران، لما حاجوه في أمر عيسى، وسألوه، فقالوا: أليس هو كلمة الله وروحا منه؟ فقال: بلى، فقالوا: حسبنا، فأنزل الله ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ يعني أنهم قالوا إن الروح ما فيه بقاء البدن، فأجروه على ظاهره، والمسلمون يحملونه على أن بقاء البدن كان في وقته به، كما أن بقاء البدن بالروح، وقد قامت الدلالة على أن القديم تعالى ليس بذي أجزاء وأعضاء، وإنما يضاف الروح إليه تشريفا للروح، كما يضاف البيت إليه، ثم أنزل: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾، عن الربيع.
ب. وقيل: هم اليهود طلبوا علم أجل هذه الأمة، واستخراجه بحساب الجمل، عن الكلبي.
ج. وقيل: هم المنافقون عن ابن جريج.
د. وقيل: بل كل من احتج بالمتشابه لباطله، فالآية فيه عامة، كالحرورية والسبائية، عن قتادة.
6. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أي: الثابتون في العلم، الضابطون له، المتقنون فيه.
7. اختلف في نظمه وحكمه على قولين:
أ. أحدهما: إن الراسخون معطوف على الله بالواو، على معنى إن تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله، وإلا الراسخون في العلم، فإنهم يعلمونه و﴿يَقُولُونَ﴾ على هذا في موضع النصب على الحال، وتقديره قائلين ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ كقول ابن المفرغ الحميري:
çالريح تبكي شجوة... والبرق يلمع في غمامةé
أي: والبرق يبكي أيضا لامعا في غمامة، وهذا قول ابن عباس والربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، واختيار أبي مسلم، وهو المروي عن أبي جعفر عليه السلام فإنه قال: كان رسول الله أفضل الراسخين في العلم، قد علم جميع ما أنزل الله عليه من التأويل والتنزيل، وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلمه تأويله، وهو وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله، ومما يؤيد هذا القول إن الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير جميع آي القرآن، ولم نرهم توقفوا على شئ منه، ولم يفسروه بأن هذا متشابه لا يعلمه إلا الله، وكان ابن عباس يقول في هذه الآية: أنا من الراسخين في العلم.
ب. الثاني: إن الواو في قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ واو الاستئناف فعلى هذا القول، يكون تأويل المتشابه لا يعلمه إلا الله تعالى، والوقف عند قوله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ويبتدي ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ فيكون مبتدأ وخبرا، وهذا قول عائشة، وعروة بن الزبير، والحسن ومالك، واختيار الكسائي والفراء والجبائي وقالوا: إن الراسخين لا يعلمون تأويله، ولكنهم يؤمنون به، فالآية راجعة على هذا التأويل إلى العلم بمدة أجل هذه الأمة، ووقت قيام الساعة، وفناء الدنيا، ووقت طلوع الشمس من مغربها، ونزول عيسى وخروج الدجال، ونحو ذلك مما استأثر الله بعلمه، ويكون التأويل على هذا القول بمعنى المتأول كقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ يعني الموعود به.
8. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾: معناه المحكم والمتشابه جميعا من عند ربنا ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ أي: وما يتفكر في آيات الله، ولا يرد المتشابه إلى المحكم ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: ذوو العقول.
9. سؤال وإشكال: لم أنزل الله تعالى في القرآن المتشابه؟ وهلا جعله كله محكما؟ والجواب: إنه لو جعل جميعه محكما لاتكل الناس كلهم على الخبر، واستغنوا عن النظر، ولكان لا يتبين فضل العلماء على غيرهم، ولكان لا يحصل لهم ثواب النظر، وإتعاب الخواطر في استنباط المعاني.
10. مسائل نحوية:
11. ﴿ابْتِغَاءَ﴾: نصب لأنه مفعول له في الموضعين.
12. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ مبتدأ وخبر، وهو اسم دال على المضاف إليه كثير في الكلام، حذف المضاف إليه منه عند البصريين، ولا يجيزون إنا كلا فيها على الصفة، وأجازه الكوفيون، لأنه إنما حذف عندهم لدلالته عليه، اسما كان أو صفة، وإنما بني قبل على الغاية، ولم يبن كل، وإن حذف من كل واحد منهما المضاف إليه، لأن قبل ظرف يعرف وينكر، ففرق بين ذلك بالبناء الذي يدل على تعريفه بالمضاف إليه، والإعراب الذي يدل على تنكيره بالانفصال، وليس كذلك كل لأنه معرفة في الإفراد دون نكرة، فأما ليس غير فمشبه بحسب لما فيه من معنى الأمر.
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/701.
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ في الزيغ قولان:
أ. أحدهما: أنه الشك، قاله مجاهد، والسدي.
ب. الثاني: أنه الميل، قاله أبو مالك، وعن ابن عباس كالقولين، وقيل: هو الميل عن الهدى.
2. في هؤلاء القوم أربعة أقوال:
أ. أحدها: أنهم الخوارج، قاله الحسن.
ب. الثاني: المنافقون، قاله ابن جريج.
ج. الثالث: وفد نجران من النصارى، قاله الربيع.
د. الرابع: اليهود، طلبوا معرفة بقاء هذه الأمة من حساب الجُمّل، قاله ابن السائب.
3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾:
أ. قال ابن عباس: يُحيلون المحكم على المتشابه، والمتشابه على المحكم، ويُلبسون.
ب. وقال السدي يقولون: ما بال هذه الآية عمل بها كذا وكذا، ثم نسخت.
4. في المراد بالفتنة هاهنا، ثلاثة أقوال:
أ. أحدها: أنها الكفر، قاله السدي، والربيع، ومقاتل، وابن قتيبة.
ب. الثاني: الشبهات، قاله مجاهد.
ج. الثالث: إفساد ذات البين، قاله الزجاج.
5. في التأويل وجهان:
أ. أحدهما: أنه التفسير.
ب. الثاني: العاقبة المنتظرة.
6. الراسخ: الثابت، رسخ يرسخ رسوخاً، وهل يعلم الراسخون تأويله أم لا؟ فيه قولان:
أ. أحدهما: أنهم لا يعلمونه، وأنهم مستأنفون، وقد روى طاوس عن ابن عباس أنه قرأ (ويقول الراسخون في العلم آمنّا به)، وإلى هذا المعنى ذهب ابن مسعود، وأُبيُّ بن كعب، وابن عباس، وعروة، وقتادة، وعمر بن عبد العزيز، والفراء، وأبو عبيدة، وثعلب، وابن الأنباري، والجمهور، قال ابن الأنباري: في قراءة عبد الله (إن تأويله، إلّا عند الله) وفي قراءة أُبيّ، وابن عباس (ويقول الراسخون)، وقد أنزل الله تعالى في كتابه أشياء، استأثر بعلمها، وقوله تعالى: ﴿وَقُرُونًا بَيْنَ ذَلِكَ كَثِيرًا﴾، فأنزل تعالى المجمل، ليؤمن به المؤمن، فيسعد، ويكفر به الكافر، فيشقى.
ب. الثاني: أنهم يعلمون، فهم داخلون في الاستثناء. وقد روى مجاهد عن ابن عباس أنه قال: أنا ممن يعلم تأويله، وهذا قول مجاهد، والربيع، واختاره ابن قتيبة، وأبو سليمان الدمشقي، قال ابن الأنباري: الذي روى هذا القول عن مجاهد ابن أبي نجيح، ولا تصح روايته التفسير عن مجاهد.
__________
(1) زاد المسير: 1/260.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي (1):
1. ثم لما بيّن الله تعالى أن الكتاب ينقسم إلى قسمين منه محكم ومنه متشابه، بيّن أن أهل الزيغ لا يتمسكون إلا بالمتشابه، والزيغ الميل عن الحق، يقال: زاغ زيغاً: أي مال ميلًا واختلف في هؤلاء الذين أريدوا بقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾:
أ. فقال الربيع: هم وفد نجران لما حاجوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في المسيح فقالوا: أليس هو كلمة الله وروح منه قال بلى. فقالوا: حسبنا. فأنزل الله هذه الآية، ثم أنزل ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾ [آل عمران: 59]
ب. وقال الكلبي: هم اليهود طلبوا علم مدة بقاء هذه الأمة واستخراجه من الحروف المقطعة في أوائل السور.
ج. وقال قتادة والزجاج: هم الكفار الذين ينكرون البعث، لأنه قال في آخر الآية ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وما ذاك إلا وقت القيامة لأنه تعالى أخفاه عن كل الخلق حتى عن الملائكة والأنبياء عليهم الصلاة والسلام.
د. وقال المحققون: إن هذا يعم جميع المبطلين، وكل من احتج لباطله بالمتشابه، لأن اللفظ عام، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ ويدخل فيه كل ما فيه لبس واشتباه:
• ومن جملته ما وعد الله به الرسول من النصرة وما أوعد الكفار من النقمة ويقولون: ﴿ائْتِنَا بِعَذَابِ اللَّهِ﴾ [العنكبوت: 29]، ﴿لَا تَأْتِينَا السَّاعَةُ﴾ [سبأ: 3]، ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ [الحجر: 7] فموهوا الأمر على الضعفة.
• ويدخل في هذا الباب استدلال المشبهة بقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] فإنه لما ثبت بصريح العقل أن كل ما كان مختصاً بالحيز فإما أن يكون في الصغر كالجزء الذي لا يتجزأ وهو باطل بالاتفاق وإما أن يكون أكبر فيكون منقسماً مركباً وكل مركب فإنه ممكن ومحدث، فبهذا الدليل الظاهر يمتنع أن يكون الإله في مكان، فيكون قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ متشابهاً، فمن تمسك به كان متمسكاً بالمتشابهات.
• ومن جملة ذلك استدلال المعتزلة بالظواهر الدالة على تفويض الفعل بالكلية إلى العبد، فإنه لما ثبت بالبرهان العقلي أن صدور الفعل يتوقف على حصول الداعي، وثبت أن حصول ذلك الداعي من الله تعالى، وثبت متى كان الأمر كذلك كان حصول الفعل عند تلك الداعية واجباً، وعدمه عند عدم هذه الداعية واجباً، فحينئذ يبطل ذلك التفويض، وثبت أن الكل بقضاء الله تعالى وقدره ومشيئته، فيصير استدلال المعتزلة بتلك الظواهر وإن كثرت استدلالًا بالمتشابهات، فبيّن الله تعالى في كل هؤلاء الذين يعرضون عن الدلائل القاطعة ويقتصرون على الظواهر الموهمة أنهم يتمسكون بالمتشابهات لأجل أن في قلوبهم زيغاً عن الحق وطلباً لتقرير الباطل.
2. لا ترى طائفة في الدنيا إلا وتسمي الآيات المطابقة لمذهبهم محكمة، والآيات المطابقة لمذهب خصمهم متشابهة، ثم هو الأمر في ذلك:
أ. ألا ترى إلى الجبائي فإنه يقوله: المجبرة الذين يضيفون الظلم والكذب، وتكليف ما لا يطاق إلى الله تعالى هم المتمسكون بالمتشابهات.
ب. وقال أبو مسلم الأصفهاني: الزائغ الطالب للفتنة هو من يتعلق بآيات الضلال، ولا يتأوله على المحكم الذي بيّنه الله تعالى بقوله تعالى: ﴿وَأَضَلَّهُمُ السَّامِرِيُّ﴾ [طه: 85]، ﴿وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى﴾ [طه: 79]، ﴿وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة: 26]، وفسروا أيضاً قوله تعالى: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا﴾ [الإسراء: 16] على أنه تعالى أهلكهم وأراد فسقهم، وأن الله تعالى يطلب العلل على خلقه ليهلكهم مع أنه تعالى قال: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185]، و﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ﴾ [النساء: 26]، وتأولوا قوله تعالى: ﴿زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ فَهُمْ يَعْمَهُونَ﴾ [النمل: 4] على أنه تعالى زين لهم النعمة ونقضوا بذلك ما في القرآن كقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، ﴿وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ﴾ [القصص: 59]، وقال: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ [فصلت: 17]، وقال: ﴿فَمَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ﴾ [يونس: 108]، وقال: ﴿وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 7] فكيف يزين النعمة؟ فهذا ما قاله أبو مسلم.
ج. وليت شعري لم حكم على الآيات الموافقة لمذهبه بأنها محكمات، وعلى الآيات المخالفة لمذهبه بأنها متشابهات؟ ولم أوجب في تلك الآيات المطابقة لمذهبه إجرائها على الظاهر، وفي الآيات المخالفة لمذهبه صرفها عن الظاهر؟ ومعلوم أن ذلك لا يتم إلا بالرجوع إلى الدلائل العقلية الباهرة، فإذا دل على بطلان مذهب المعتزلة الأدلة العقلية، فإن مذهبهم لا يتم إلا إذا قلنا بأنه صدر عن أحد الفعلين دون الثاني من غير مرجح، وذلك تصريح بنفي الصانع، ولا يتم إلا إذا قلنا بأن صدور الفعل المحكم المتقن عن العبد لا يدل على علم فاعله به، فحينئذ يكون قد تخصص ذلك العدد بالوقوع دون الأزيد والأنقص لا لمخصص، وذلك نفي للصانع، ولزم منه أيضاً أن لا يدل صدور الفعل المحكم على كون الفاعل عالماً وحينئذ ينسد باب الاستدلال بأحكام أفعال الله تعالى على كون فاعلها عالماً، ولو أن أهل السموات والأرض اجتمعوا على هذه الدلائل لم يقدروا على دفعها، فإذا لاحت هذه الدلائل العقلية الباهرة فكيف يجوز لعاقل أن يسمي الآيات الدالة على القضاء والقدر بالمتشابه، فظهر بما ذكرناه أن القانون المستمر عند جمهور الناس أن كل آية توافق مذهبهم فهي المحكمة وكل آية تخالفهم فهي المتشابهة.
3. المحقق المنصف، فإنه يحمل الأمر في الآيات على أقسام ثلاثة:
أ. أحدها: ما يتأكد ظاهرها بالدلائل العقلية، فذاك هو المحكم حقاً.
ب. ثانيها: الذي قامت الدلائل القاطعة على امتناع ظواهرها، فذاك هو الذي يحكم فيه بأن مراد الله تعالى غير ظاهره.
ج. ثالثها: الذي لا يوجد مثل هذه الدلائل على طرفي ثبوته وانتفائه، فيكون من حقه التوقف فيه، ويكون ذلك متشابهاً بمعنى أن الأمر اشتبه فيه، ولم يتميز أحد الجانبين عن الآخر، إلا أن الظن الراجح حاصل في إجرائها على ظواهرها فهذا ما عندي في هذا الباب والله أعلم بمراده.
4. ثم لما الله تعالى بيّن أن الزائغين يتبعون المتشابه، بيّن أن لهم فيه غرضين:
أ. الأول: هو قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾
ب. الثاني: هو قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾
5. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ الفتنة في اللغة الاستهتار بالشيء والغلو فيه، يقال: فلان مفتون بطلب الدنيا، أي قد غلا في طلبها وتجاوز القدر، وذكر المفسرون في تفسير هذه الفتنة وجوهاً:
أ. أولها: قال الأصم: إنهم متى أوقعوا تلك المتشابهات في الدين، صار بعضهم مخالفا للبعض في الدين، وذلك يفضي إلى التقاتل والهرج والمرج فذاك هو الفتنة.
ب. ثانيها: أن التمسك بذلك المتشابه يقرر البدعة والباطل في قلبه فيصير مفتوناً بذلك الباطل عاكفاً عليه لا ينقطع عنه بحيلة البتة.
ج. ثالثها: أن الفتنة في الدين هو الضلال عنه ومعلوم أنه لا فتنة ولا فساد أعظم من الفتنة في الدين والفساد فيه.
6. ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ التأويل هو التفسير، وأصله في اللغة المرجع والمصير، من قولك آل الأمر إلى كذا إذا صار إليه، وأولته تأويلًا إذا صيرته إليه، هذا معنى التأويل في اللغة، ثم يسمى التفسير تأويلًا، قال تعالى: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 78] وقال تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ [النساء: 59] وذلك أنه إخبار عما يرجع إليه اللفظ من المعنى.. والمراد منه أنهم يطلبون التأويل الذي ليس في كتاب الله عليه دليل ولا بيان، مثل طلبهم أن الساعة متى تقوم؟ وأن مقادير الثواب والعقاب لكل مطيع وعاص كم تكون؟ قال القاضي: هؤلاء الزائغون قد ابتغوا المتشابه من وجهين:
أ. أحدهما: أن يحملوه على غير الحق: وهوالمراد من قوله تعالى: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾
ب. الثاني: أن يحكموا بحكم في الموضع الذي لا دليل فيه، وهو المراد من قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾
7. ثم بيّن تعالى ما يكون زيادة في ذم طريقة هؤلاء الزائغين، فقال: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ واختلف الناس في هذا الموضع:
أ. فمنهم من قال تم الكلام هاهنا، ثم الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ واو الابتداء، وعلى هذا القول: لا يعلم المتشابه إلا الله، وهذا قول ابن عباس وعائشة ومالك بن أنس والكسائي والفرّاء، ومن المعتزلة قول أبي على الجبائي وهو المختار عندنا.
ب. الثاني: أن الكلام إنما يتم عند قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وعلى هذا القول يكون العلم بالمتشابه حاصلًا عند الله تعالى، وعند الراسخين في العلم وهذا القول أيضاً مروي عن ابن عباس ومجاهد والربيع بن أنس وأكثر المتكلمين.
8. استدل القائلون بأنه تم الكلام هاهنا: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ثم الواو في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ واو الابتداء بوجوه من الحجج:
أ. الأولى: أن اللفظ إذا كان له معنى راجح، ثم دل دليل أقوى منه على أن ذلك الظاهر غير مراد، علمنا أن مراد الله تعالى بعض مجازات تلك الحقيقة، وفي المجازات كثرة، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية، والترجيحات اللغوية لا تفيد إلا الظن الضعيف، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية، كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز:
• مثاله قال الله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286] ثم قام الدليل القاطع على أن مثل هذا التكليف قد وجد على ما بينا في البراهين الخمسة في تفسير هذه الآية فعلمنا أن مراد الله تعالى ليس ما يدل عليه ظاهر هذه الآية، فلا بد من صرف اللفظ إلى بعض المجازات، وفي المجازات كثرة وترجيح بعضها على بعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية، وأنها لا تفيد إلا الظن الضعيف، وهذه المسألة ليست من المسائل الظنية، فوجب أن يكون القول فيها بالدلائل الظنية باطلًا.
• وأيضاً قال الله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] دلّ الدليل على أنه يمتنع أن يكون الإله في المكان، فعرفنا أنه ليس مراد الله تعالى من هذه الآية ما أشعر به ظاهرها، إلا أن في مجازات هذه اللفظة كثرة فصرف اللفظ إلى البعض دون البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية الظنية، والقول بالظن في ذات الله تعالى وصفاته غير جائز بإجماع المسلمين، وهذه حجة قاطعة في المسألة والقلب الخالي عن التعصب يميل إليه، والفطرة الأصلية تشهد بصحته وبالله التوفيق.
ب. الثانية: وهو أن ما قبل هذه الآية يدل على أن طلب تأويل المتشابه مذموم، حيث قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ولو كان طلب تأويل المتشابه جائزاً لما ذم الله تعالى ذلك.. سؤال وإشكال: لم لا يجوز أن يكون المراد منه طلب وقت قيام الساعة، كما في قوله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾ [الأعراف: 178] وأيضاً طلب مقادير الثواب والعقاب، وطلب ظهور الفتح والنصرة كما قالوا ﴿لَوْ مَا تَأْتِينَا بِالْمَلَائِكَةِ﴾ [الحجر: 7]، فالجواب: إنه تعالى لما قسم الكتاب إلى قسمين محكم ومتشابه، ودلّ العقل على صحة هذه القسمة من حيث إن حمل اللفظ على معناه الراجح هو المحكم، وحمله على معناه الذي ليس براجح هو المتشابه، ثم أنه تعالى ذم طريقة من طلب تأويل المتشابه كان تخصيص ذلك ببعض المتشابهات دون البعض تركا للظاهر، وأنه لا يجوز.
ج. الثالثة: أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به، وقال في أول سورة البقرة ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ فهؤلاء الراسخون لو كانوا عالمين بتأويل ذلك المتشابه على التفصيل لما كان لهم في الإيمان به مدح، لأن كل من عرف شيئاً على سبيل التفصيل فإنه لا بد وأن يؤمن به، إنما الراسخون في العلم هم الذين علموا بالدلائل القطعية أن الله تعالى عالم بالمعلومات التي لا نهاية لها، وعلموا أن القرآن كلام الله تعالى، وعلموا أنه لا يتكلم بالباطل والعبث، فإذا سمعوا آية ودلّت الدلائل القطعية على أنه لا يجوز أن يكون ظاهرها مراد الله تعالى، بل مراده منه غير ذلك الظاهر، ثم فوضوا تعيين ذلك المراد إلى علمه، وقطعوا بأن ذلك المعنى أي شيء كان فهو الحق والصواب، فهؤلاء هم الراسخون في العلم بالله حيث لم يزعزعهم قطعهم بترك الظاهر، ولا عدم علمهم بالمراد على التعيين عن الإيمان بالله والجزم بصحة القرآن.
د. الرابعة: لو كان قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ معطوفاً على قوله تعالى: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ لصار قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ ابتداء، وأنه بعيد عن ذوق الفصاحة، بل كان الأولى أن يقال: وهم يقولون آمنا به، أو يقال: ويقولون آمنا به.. سؤال وإشكال: في تصحيحه وجهان: الأول: أن قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾ كلام مبتدأ، والتقدير: هؤلاء العالمون بالتأويل يقولون آمنا به.. والثاني: أن يكون ﴿يَقُولُونَ﴾ حالا من الراسخين، والجواب:
• أما الأول فمدفوع، لأن تفسير كلام الله تعالى بما لا يحتاج معه إلى الإضمار أولى من تفسيره بما يحتاج معه إلى الاضمار.
• الثاني: أن ذا الحال هو الذي تقدم ذكره، وهاهنا قد تقدم ذكر الله تعالى وذكر الراسخين في العلم فوجب أن يجعل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حالا من الراسخين لا من الله تعالى، فيكون ذلك تركاً للظاهر، فثبت أن ذلك المذهب لا يتم إلا بالعدول عن الظاهر ومذهبنا لا يحتاج إليه، فكان هذا القول أولى.
هـ. الخامسة: قوله تعالى: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ يعني أنهم آمنوا بما عرفوه على التفصيل، وبما لم يعرفوا تفصيله وتأويله، فلو كانوا عالمين بالتفصيل في الكل لم يبق لهذا الكلام فائدة.
و. السادسة: نقل عن ابن عباس أنه قال تفسير القرآن على أربعة أوجه: تفسير لا يسع أحداً جهله، وتفسير تعرفه العرب بألسنتها، وتفسير تعلمه العلماء، وتفسير لا يعلمه إلا الله تعالى، وسئل مالك بن أنس عن الاستواء، فقال: الاستواء معلوم، والكيفية مجهولة، والإيمان به واجب، والسؤال عند بدعة.
9. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ الرسوخ في اللغة الثبوت في الشيء، والراسخ في العلم هو الذي عرف ذات الله وصفاته بالدلائل اليقينية القطعية، وعرف أن القرآن كلام الله تعالى بالدلائل اليقينية، فإذا رأى شيئاً متشابهاً، ودل القطعي على أن الظاهر ليس مراد الله تعالى، علم حينئذ قطعاً أن مراد الله شيء آخر سوى ما دلّ عليه ظاهره، وأن ذلك المراد حق، ولا يصير كون ظاهره مردوداً شبهة في الطعن في صحة القرآن.
10. ثم حكي الله تعالى عنهم أيضاً أنهم يقولون: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ والمعنى: أن كل واحد من المحكم والمتشابه من عند ربنا.
11. سؤال وإشكال: لو قال كل من ربنا كان صحيحاً، فما الفائدة في لفظ ﴿عِنْدَ﴾؟، والجواب: الإيمان بالمتشابه يحتاج فيه إلى مزيد التأكيد، فذكر كلمة ﴿عِنْدَ﴾ لمزيد التأكيد.
12. سؤال وإشكال: لم جاز حذف المضاف إليه من ﴿كُلِّ﴾؟، والجواب: لأن دلالة المضاف عليه قوية، فبعد الحذف الأمن من اللبس حاصل.
13. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ هذا ثناء من الله تعالى على الذين قالوا آمنا به، ومعناه: ما يتعظ بما في القرآن إلا ذوو العقول الكاملة، فصار هذا اللفظ كالدلالة على أنهم يستعملون عقولهم في فهم القرآن، فيعلمون الذي يطابق ظاهره دلائل العقول فيكون محكماً، وأما الذي يخالف ظاهره دلائل العقول فيكون متشابهاً، ثم يعلمون أن الكل كلام من لا يجوز في كلامه التناقض والباطل، فيعلمون أن ذلك المتشابه لا بد وأن يكون له معنى صحيح عند الله تعالى.
14. هذه الآية دالة على علو شأن المتكلمين الذين يبحثون عن الدلائل العقلية، ويتوسلون بها إلى معرفة ذات الله تعالى وصفاته وأفعاله، ولا يفسرون القرآن إلا بما يطابق دلائل العقول، وتوافق اللغة والإعراب، ذلك أن الشيء كلما كان أشرف كان ضده أخس، فكذلك مفسر القرآن متى كان موصوفاً بهذه الصفة كانت درجته هذه الدرجة العظمى التي عظم الله الثناء عليه، ومتى تكلم في القرآن من غير أن يكون متبحراً في علم الأصول، وفي علم اللغة والنحو كان في غاية البعد عن الله، ولهذا قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: (من فسر القرآن برأيه فليتبوأ مقعده من النار)
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/144.
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الذين رفع بالابتداء، والخبر ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، والزيغ الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، ويقال: زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران، وقال قتادة في تفسير قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾: إن لم يكونوا الحرورية وأنواع الخوارج فلا أدري من هم.
2. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ قال شيخنا أبو العباس: متبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويجمعوه طلبا للتشكيك في القرآن وإضلال العوام، كما فعلته الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلبا لاعتقاد ظواهر المتشابه، كما فعلته المجسمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية حتى اعتقدوا أن البارئ تعالى جسم مجسم وصورة مصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وأصبع، تعالى الله عن ذلك، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر فيه السؤال، فهذه أربعة أقسام:
أ. الأول: لا شك في كفرهم، وأن حكم الله فيهم القتل من غير استتابة.
ب. الثاني: الصحيح القول بتكفيرهم، إذ لا فرق بينهم وبين عباد الأصنام والصور، ويستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا كما يفعل بمن ارتد.
ج. الثالث: اختلفوا في جواز ذلك بناء على الخلاف في جواز تأويلها، وقد عرف، أن مذهب السلف ترك التعرض لتأويلها مع قطعهم باستحالة ظواهرها، فيقولون أمروها كما جاءت، وذهب بعضهم إلى إبداء تأويلاتها وحملها على ما يصح حمله في اللسان عليها من غير قطع بتعيين مجمل منها،.
د. الرابع: الحكم فيه الأدب البليغ، كما فعله عمر بصبيغ، وقال أبو بكر الأنباري: وقد كان الأئمة من السلف يعاقبون من يسأل عن تفسير الحروف المشكلات في القرآن، لأن السائل إن كان يبغي بسؤاله تخليد البدعة وإثارة الفتنة فهو حقيق بالنكير وأعظم التعزير، وإن لم يكن ذلك مقصده فقد استحق العتب بما اجترم من الذنب، إذ أوجد للمنافقين الملحدين في ذلك الوقت سبيلا إلى أن يقصدوا ضعفة المسلمين بالتشكيك والتضليل في تحريف القرآن عن مناهج التنزيل وحقائق التأويل، فمن ذلك ما حدثنا إسماعيل بن إسحاق القاضي عن سليمان بن يسار أن صبيغ بن عسل قدم المدينة فجعل يسأل عن متشابه القرآن وعن أشياء، فبلغ ذلك عمر فبعث إليه عمر فأحضره وقد أعد له عراجين من عراجين النخل، فلما حضر قال له عمر: من أنت؟ قال: أنا عبد الله صبيغ، فقال عمر: وأنا عبد الله عمر، ثم قام إليه فضرب رأسه بعرجون فشجه، ثم تابع ضربه حتى سال دمه على وجهه، فقال: حسبك يا أمير المؤمنين فقد والله ذهب ما كنت أجد في رأسي، وقد اختلفت الروايات في أدبه، وسيأتي ذكرها في الذاريات، ثم إن الله تعالى ألهمه التوبة وقذفها في قلبه فتاب وحسنت توبته(2).
3. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ طلب الشبهات واللبس على المؤمنين حتى يفسدوا ذات بينهم، ويردوا الناس إلى زيغهم، وقال أبو إسحاق الزجاج: (معنى ﴿ابتغاء تأويله﴾ أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله تعالى أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله، والدليل على ذلك قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ ـ أي يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب ـ ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ﴾ ـ أي تركوه ـ ﴿لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾، أي قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل، فالوقف على قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي لا يعلم أحد متى البعث إلا الله)
4. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ يقال: إن جماعة من اليهود منهم حيي بن أخطب دخلوا على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وقالوا: بلغنا أنه نزل عليك ﴿أَلَمْ﴾، فإن كنت صادقا في مقالتك فإن ملك أمتك يكون إحدى وسبعين سنة، لأن الألف في حساب الجمل واحد، واللام ثلاثون، والميم أربعون، فنزل ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، والتأويل يكون بمعنى التفسير، كقولك: تأويل هذه الكلمة على كذا، ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه، واشتقاقه من آل الأمر إلى كذا يؤول إليه، أي صار، وأولته تأويلا أي صيرته، وقد حده بعض الفقهاء فقالوا: هو إبداء احتمال في اللفظ مقصود بدليل خارج عنه، فالتفسير بيان اللفظ، كقوله ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي لا شك، وأصله من الفسر وهو البيان، يقال: فسرت الشيء (مخففا) أفسره (بالكسر) فسرا، والتأويل بيان المعنى، كقوله لا شك فيه عند المؤمنين، أو لأنه حق في نفسه فلا يقبل ذاته الشك وإنما الشك وصف الشاك، وكقول ابن عباس في الجد أبا، لأنه تأول قول الله تعالى: ﴿يَا بَنِي آدَمَ﴾
5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ هل هو ابتداء كلام مقطوع مما قبله، أو هو معطوف على ما قبله فتكون الواو للجمع:
أ. الذي عليه الأكثر أنه مقطوع مما قبله، وأن الكلام تم عند قوله ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ هذا قول ابن عمر وابن عباس وعائشة وعروة بن الزبير وعمر بن عبد العزيز وغيرهم، وهو مذهب الكسائي والأخفش والفراء وأبي عبيد وغيرهم، قال أبو نهيك الأسدي: إنكم تصلون هذه الآية وإنها مقطوعة، وما انتهى علم الراسخين إلا إلى قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وقال مثل هذا عمر بن عبد العزيز، وحكى الطبري نحوه عن يونس عن أشهب عن مالك بن أنس، و﴿يَقُولُونَ﴾ على هذا خبر ﴿الرَّاسِخُونَ﴾، قال الخطابي: (وقد جعل الله تعالى آيات كتابه الذي أمرنا بالإيمان به والتصديق بما فيه قسمين: محكما ومتشابها، فقال عز من قائل: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾.. إلى قوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فاعلم أن المتشابه من الكتاب قد استأثر الله بعلمه، فلا يعلم تأويله أحد غيره، ثم أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به، ولولا صحة الإيمان منهم لم يستحقوا الثناء عليه، ومذهب أكثر العلماء أن الوقف التام في هذه الآية إنما هو عند قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وأن ما بعده استئناف كلام آخر، وهو قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾، وروي ذلك عن ابن مسعود وأبي بن كعب وابن عباس وعائشة)
ب. قال الخطابي: (روي عن مجاهد أنه نسق ﴿الرَّاسِخُونَ﴾ على ما قبله وزعم أنهم يعلمونه، واحتج له بعض أهل اللغة فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين آمنا، وزعم أن موضع ﴿يَقُولُونَ﴾ نصب على الحال، وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه، لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا، ولا تذكر حالا إلا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعل فلا يكون حال، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال: عبد الله راكبا، بمعنى أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان ﴿يُصْلِحْ﴾ حالا له، كقول الشاعر أنشدنيه أبو عمر قال أنشدنا أبو العباس ثعلب:
أرسلت فيها قطما لكالكا.. يقصر يمشي ويطول باركا
أي يقصر ماشيا، فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده، وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه ثم يكون له في ذلك شريك، ألا ترى قوله تعالى: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾ وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه بعلمه لا يشركه فيه غيره، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ولو كانت الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ للنسق لم يكن لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فائدة)، ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره فقد روي عن ابن عباس أن الراسخين معطوف على اسم الله تعالى، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به، وقاله الربيع ومحمد بن جعفر بن الزبير والقاسم بن محمد وغيرهم، و﴿يَقُولُونَ﴾ على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخين، كما قال:
çالريح تبكي شجوها.. والبرق يلمع في الغمامهé
وهذا البيت يحتمل المعنيين، فيجوز أن يكون (والبرق) مبتدأ، والخبر (يلمع) على التأويل الأول، فيكون مقطوعا مما قبله، ويجوز أن يكون معطوفا على الريح، و(يلمع) في موضع الحال على التأويل الثاني أي لامعا، واحتج قائلو هذه المقالة أيضا بأن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ في العلم، فكيف يمدحهم وهم جهال! وقد قال ابن عباس: أنا ممن يعلم تأويله، وقرأ مجاهد هذه الآية وقال: أنا ممن يعلم تأويله، حكاه عنه إمام الحرمين أبو المعالي.. وقد رد بعض العلماء هذا القول إلى القول الأول فقال: وتقدير تمام الكلام ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ أن معناه وما يعلم تأويله إلا الله يعني تأويل المتشابهات، والراسخون في العلم يعلمون بعضه قائلين آمنا به كل من عند ربنا بما نصب من الدلائل في المحكم ومكن من رده إليه، فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض قالوا آمنا بالجميع كل من عند ربنا، وما لم يحط به علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا فإن قال قائل: قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس: لا أدري ما الأواه ولا ما غسلين، قيل له: هذا لا يلزم، لأن ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه، وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر، ورجح ابن فورك أن الراسخين يعلمون التأويل وأطنب في ذلك، وفي قوله صلّى الله عليه وآله وسلم لابن عباس: (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) ما يبين لك ذلك، أي علمه معاني كتابك، والوقف على هذا يكون عند قوله ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وهو الصحيح، فإن تسميتهم راسخين يقتضي أنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفى أي شي هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلا ما يعلم الجميع، لكن المتشابه يتنوع، فمنه ما لا يعلم البتة كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بغيبه، وهذا لا يتعاطى علمه أحد لا ابن عباس ولا غيره، فمن قال من العلماء الحداق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة ومناح في كلام العرب فيتأول ويعلم تأويله المستقيم، ويزال ما فيه مما عسى أن يتعلق من تأويل غير مستقيم، كقوله في عيسى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ إلى غير ذلك فلا يسمى أحد راسخا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرا بحسب ما قدر له، وأما من يقول: إن المتشابه هو المنسوخ فيستقيم على قوله إدخال الراسخين في علم التأويل، لكن تخصيصه المتشابهات بهذا النوع غير صحيح.
6. الرسوخ: الثبوت في الشيء، وكل ثابت راسخ، وأصله في الأجرام أن يرسخ الجبل والشجر في الأرض، قال الشاعر:
çلقد رسخت في الصدر مني مودة.. لليلى أبت آياتها أن تغيراé
ورسخ الإيمان في قلب فلان يرسخ رسوخا، وحكى بعضهم: رسخ الغدير: نضب ماؤه، حكاه ابن فارس فهو من الأضداد، ورسخ ورضخ ورصن ورسب كله ثبت فيه، وسئل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عن الراسخين في العلم فقال: (هو من برت يمينه وصدق لسانه واستقام قلبه)
7. سؤال وإشكال: كيف كان في القرآن متشابه والله يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فكيف لم يجعله كله واضحا؟ والجواب: الحكمة في ذلك ـ والله أعلم ـ أن يظهر فضل العلماء، لأنه لو كان كله واضحا لم يظهر فضل بعضهم على بعض، وهكذا يفعل من يصنف تصنيفا يجعل بعضه واضحا وبعضه مشكلا، ويترك للجثوة موضعا، لأن ما هان وجوده قل بهاؤه.
8. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فيه ضمير عائد على كتاب الله تعالى محكمه ومتشابهه، والتقدير: كله من عند ربنا، وحذف الضمير لدلالة ﴿كُلِّ﴾ عليه، إذ هي لفظة تقتضي الإضافة، ثم قال: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي ما يقول هذا ويؤمن ويقف حيث وقف ويدع اتباع المتشابه إلا ذو لب، وهو العقل، ولب كل شي خالصه، فلذلك قيل للعقل لب، و﴿أُولُو﴾ جمع ذو.
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/14.
(2) لا نرى شرعية هذه العقوبة، لأنه إن كان متهما، فالأمر يحتاج إلى محاكمة عادلة، تتبنى العقوبة المناسبة، أو إلى مجالس علمية تجيب عن شبهاته
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الزيغ: الميل، ومنه: زاغت الشمس، وزاغت الأبصار؛ ويقال: زاغ يزيغ زيغا، إذا ترك القصد، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وهذه الآية تعمّ كل طائفة من الطوائف الخارجة عن الحق، وسبب النزول نصارى نجران.
2. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي: يتعلقون بالمتشابه من الكتاب، فيشككون به على المؤمنين، ويجعلونه دليلا على ما هم فيه من البدعة المائلة عن الحق، كما تجده في كل طائفة من طوائف البدعة، فإنهم يتلاعبون بكتاب الله تلاعبا شديدا، ويوردون منه لتنفيق جهلهم ما ليس من الدلالة في شيء.
3. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي: طلبا منهم لفتنة الناس في دينهم والتلبيس عليهم وإفساد ذات بينهم.
4. ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي: طلبا لتأويله على الوجه الذي يريدونه ويوافق مذاهبهم الفاسدة، قال الزجاج: معنى ابتغائهم تأويله: أنهم طلبوا تأويل بعثهم وإحيائهم، فأعلم الله عزّ وجلّ أن تأويل ذلك ووقته لا يعلمه إلا الله، والدليل على ذلك قوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي: يوم يرون ما يوعدون من البعث والنشور والعذاب ﴿يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ﴾ أي: تركوه ﴿قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ أي: قد رأينا تأويل ما أنبأتنا به الرسل.
﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ التأويل يكون بمعنى التفسير، كقولهم: تأويل هذه الكلمة على كذا، أي: تفسيرها، ويكون بمعنى ما يؤول الأمر إليه، واشتقاقه من: آل الأمر وأبيّ بن كعب.
5. قال الخطابي: روي عن مجاهد أنه نسق الراسخين على ما قبله، وزعم أنهم يعلمونه، واحتج له بعض أهل اللغة، فقال: معناه والراسخون في العلم يعلمونه قائلين: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ وزعم أن موضع ﴿يَقُولُونَ﴾: نصب على الحال، وعامة أهل اللغة ينكرونه ويستبعدونه، لأن العرب لا تضمر الفعل والمفعول معا، ولا تذكر حالا إلّا مع ظهور الفعل، فإذا لم يظهر فعل لم يكن حالا، ولو جاز ذلك لجاز أن يقال عبد الله راكبا، يعني أقبل عبد الله راكبا، وإنما يجوز ذلك مع ذكر الفعل كقوله: عبد الله يتكلم يصلح بين الناس، فكان يصلح حالا كقول الشاعر: أنشدنيه أبو عمرو. قال أنشدنا أبو العباس ثعلب:
çأرسلت فيها رجلا لكالكا...يقصر يمشي ويطول باركاé
فكان قول عامة العلماء مع مساعدة مذاهب النحويين له أولى من قول مجاهد وحده، وأيضا فإنه لا يجوز أن ينفي الله سبحانه شيئا عن الخلق ويثبته لنفسه، فيكون له في ذلك شريك، ألا ترى قوله عزّ وجلّ: ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقوله: ﴿لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ﴾، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ فكان هذا كله مما استأثر الله سبحانه به لا يشركه فيه غيره، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ولو كانت الواو في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ للنسق لم يكن لقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فائدة.. انتهى.
6. قال القرطبي: ما حكاه الخطابي من أنه لم يقل بقول مجاهد غيره، فقد روي عن ابن عباس: أن الراسخين معطوف على اسم الله عزّ وجلّ، وأنهم داخلون في علم المتشابه، وأنهم مع علمهم به يقولون آمنا به، وقاله الربيع، ومحمد بن جعفر بن الزبير، والقاسم بن محمد، وغيرهم، و﴿يَقُولُونَ﴾ على هذا التأويل نصب على الحال من الراسخون.
7. لا يخفاك أن ما قاله الخطابي في وجه امتناع كون قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حالا: من أن العرب لا تذكر حالا إلّا مع ظهور الفعل، إلى آخر كلامه، لا يتم إلّا على فرض أنه لا فعل هنا، وليس الأمر كذلك، فالفعل مذكور، وهو قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ﴾ ولكنه جاء الحال من المعطوف، وهو قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ دون المعطوف عليه، وهو قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وذلك جائز في اللغة العربية، وقد جاء مثله في الكتاب العزيز، ومنه قوله تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَالَّذِينَ جاؤوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنا﴾ الآية، وكقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾ أي: وجاءت الملائكة صفا صفا، ولكن هاهنا مانع آخر من جعل ذلك حالا، وهو: أن تقييد علمهم بتأويله بحال كونهم قائلين آمنا به ليس بصحيح، فإن الراسخين في العلم على القول بصحة العطف على الاسم الشريف يعلمونه في كل حال من الأحوال لا في هذه الحالة الخاصة، فاقتضى هذا أن جعل قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حالا، غير صحيح، فتعين المصير إلى الاستئناف والجزم بأن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ، خبره: ﴿يَقُولُونَ﴾ ومن جملة ما استدلّ به القائلون بالعطف: أن الله سبحانه مدحهم بالرسوخ مدحهم بالرسوخ في العلم، فكيف يمدحهم وهم لا يعلمون ذلك؟ ويجاب عن هذا بأن تركهم لطلب علم ما لم يأذن الله به، ولا جعل لخلقه إلى علمه سبيلا هو من رسوخهم، لأنهم علموا أن ذلك مما استأثر الله بعلمه، وأن الذين يتبعونه هم الذين في قلوبهم زيغ، وناهيك بهذا من رسوخ، وأصل الرسوخ في لغة العرب: الثبوت في الشيء، وكل ثابت راسخ، وأصله في الأجرام: أن ترسخ الخيل، أو الشجر في الأرض.. فهؤلاء ثبتوا في امتثال ما جاءهم عن الله من ترك اتباع المتشابه، وإرجاع علمه إلى الله سبحانه.
8. من أهل العلم من توسط بين المقامين فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن شيئان:
أ. أحدهما: التأويل بمعنى: حقيقة الشيء وما يؤول أمره إليه، ومنه قوله: ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ﴾، وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾ أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد، فإن أريد بالتأويل هذا فالوقف على الجلالة، لأن حقائق الأمور وكنهها لا يعلمه إلّا الله عزّ وجلّ، ويكون قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ، و﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبره.
ب. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر وهو التفسير والبيان والتعبير عن الشيء كقوله: ﴿نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ﴾ أي: بتفسيره، فالوقف على: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ لأنهم يعلمون ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علما بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا فيكون: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حالا منهم.
9. رجح ابن فورك: أن الراسخين يعلمون تأويله، وأطنب في ذلك، وهكذا جماعة من محققي المفسرين رجحوا ذلك. قال القرطبي: قال شيخنا أبو العباس أحمد بن عمر: وهو الصحيح، فإن تسميتهم: راسخين، تقضي بأنهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أي شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلّا ما يعلم الجميع، لكن المتشابه يتنوع؛ فمنه ما لا يعلم ألبتة، كأمر الروح والساعة مما استأثر الله بعلمه، وهذا لا يتعاطى علمه أحد؛ فمن قال من العلماء الحذاق بأن الراسخين لا يعلمون علم المتشابه فإنما أراد هذا النوع، وأما ما يمكن حمله على وجوه في اللغة، فيتأول ويعلم تأويله المستقيم، ويزال ما فيه من تأويل غير مستقيم.
10. هذا الاضطراب الواقع في مقالات أهل العلم أعظم أسبابه اختلاف أقوالهم في تحقيق معنى المحكم والمتشابه، وقد قدّمنا لك ما هو الصواب في تحقيقهما، ونزيدك هاهنا إيضاحا وبيانا، فنقول:
أ. إن من جملة ما يصدق عليه تفسير المتشابه الذي قدّمناه فواتح السور، فإنها غير متضحة المعنى، ولا ظاهرة الدلالة، لا بالنسبة إلى أنفسها لأنه لا يدري من يعلم بلغة العرب، ويعرف عرف الشرع ما معنى الم، المر، حم، طس، طسم ونحوها، لأنه لا يجد بيانها في شيء من كلام العرب ولا من كلام الشرع، فهي غير متضحة المعنى، لا باعتبارها نفسها، ولا باعتبار أمر آخر يفسرها ويوضحها، ومثل ذلك الألفاظ المنقولة عن لغة العجم، والألفاظ الغريبة التي لا يوجد في لغة العرب ولا في عرف الشرع ما يوضحها، وهكذا ما استأثر الله بعلمه كالروح وما في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ﴾ إلى الآخر الآية، ونحو ذلك وهكذا ما كانت دلالته غير ظاهرة لا باعتبار نفسه ولا باعتبار غيره، كورود الشيء محتملا لأمرين احتمالا لا يترجح أحدهما على الآخر باعتبار ذلك في نفسه، وذلك كالألفاظ المشتركة مع عدم ورود ما يبين المراد من معنى ذلك المشترك من الأمور الخارجة، وكذلك ورود دليلين متعارضين تعارضا كليا بحيث لا يمكن ترجيح أحدهما على الآخر، لا باعتبار نفسه ولا باعتبار أمر آخر يرجحه.
ب. وأما ما كان واضح المعنى باعتبار نفسه، بأن يكون معروفا في لغة العرب، أو في عرف الشرع، أو باعتبار غيره، وذلك كالأمور المجملة التي ورد بيانها في موضع آخر من الكتاب العزيز، أو في السنة المطهرة، أو الأمور التي تعارضت دلالتها، ثم ورد ما يبين راجحها من مرجوحها في موضع آخر من الكتاب أو السنة، أو سائر المرجحات المعروفة عند أهل الأصول المقبولة، عند أهل الإنصاف، فلا شك ولا ريب أن هذه من المحكم لا من المتشابه ومن زعم أنها من المتشابه فقد اشتبه عليه الصواب، فاشدد يديك على هذا فإنك تنجو به من مضايق ومزالق وقعت للناس في هذا المقام، حتى صارت كل طائفة تسمي ما دل لما ذهب إليه: محكما وما دل على ما يذهب إليه من يخالفها: متشابها: سيما أهل علم الكلام، ومن أنكر هذا فعليه بمؤلفاتهم.
11. قد ورد في الكتاب العزيز:
أ. ما يدل على أنه جميعه محكم، ولكن لا بهذا المعنى الوارد في هذه الآية، بل بمعنى آخر، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ﴾ وقوله: ﴿تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ﴾ والمراد بالمحكم بهذا المعنى: أنه صحيح الألفاظ، قويم المعاني، فائق في البلاغة، والفصاحة على كل كلام.
ب. وورد أيضا ما يدل على أنه جميعه متشابه لكن لا بهذا المعنى الوارد في هذه الآية التي نحن بصدد تفسيرها، بل بمعنى آخر، ومنه قوله تعالى: ﴿كِتَابًا مُتَشَابِهًا﴾ والمراد بالتشابه بهذا المعنى: أنه يشبه بعضه بعضا في الصحة، والفصاحة، والحسن، والبلاغة.
12. ذكر أهل العلم لورود المتشابه في القرآن فوائد: منها: أنه يكون في الوصول إلى الحق مع وجودها فيه مزيد صعوبة ومشقة، وذلك يوجب مزيد الثواب للمستخرجين للحق وهم الأئمة المجتهدون، وقد ذكر الزمخشري والرازي وغيرهما وجوها هذا أحسنها، وبقيتها لا تستحق الذكر هاهنا.
13. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فيه ضمير مقدر عائد على قسمي المحكم والمتشابه، أي: كله، أو المحذوف غير ضمير، أي: كل واحد منهما، وهذا من تمام المقول المذكور قبله، وقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي: العقول الخالصة، وهم الراسخون في العلم، الواقفون عند متشابهه، العالمون بمحكمه، العاملون بما أرشدهم الله إليه في هذه الآية.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/363.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ أي ميل عن استقامة إلى كفر وأهواء وابتداع ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي طلب الإيقاع في الشبهات واللبس ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ وحده.
2. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أي الثابتون المتمكنون مبتدأ خبره ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ أي بالمتشابه على ما أراد الله تعالى ﴿كُلِّ﴾ من المحكم والمتشابه ﴿مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي العقول الخالصة من الركون إلى الأهواء الزائغة، وهو تذييل سيق منه تعالى مدحا للراسخين بجودة الذهن وحسن النظر.
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/257.
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلَوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ الميل إلى الباطل، والميل يصلح في الميل إلى الباطل وفي الميل إلى الحقِّ، فهو أعمُّ من الزيغ، وهم اليهود ونصارى نجران والمنافقون ومنكرو البعث ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ عملا بظاهره أو بتأويله بباطل.
2. ﴿ابْتِغَآءَ الْفِتْنَةِ﴾ طلبا لصرف الناس عن دين الحقِّ، كتفسير يد الله باليد الحقيقيَّة وهو شرك، وتفسيرها باليد بلا كيف وهو فسق، وكذا سائر أسماء الأعضاء والجهات في القرآن في حقِّ الله تعالى عنها، وكتفسير الاستواء بالتمكُّن حقيقة وهو إشراك، أو بلا كيف وهو فسق، وكزعم المشرك أنَّ العرش واحد قديم عليه تمكَّن، أو نوع قديم كذلك.
3. ﴿وَابْتِغَآءَ تَاوِيلِهِ﴾ طلبا لرجعه إلى معنى باطل، فإنَّ التأويل يطلق على التفسير الباطل كما يطلق على التفسير الصحيح، أو المراد: التأويل الصحيح في زعمهم، وفي تأويلهم تشكيك الناس، وابتغاء التأويل يوجب ابتغاء الفتنة بدون عكس؛ ولذا قدَّم ابتغاء الفتنة، وكانوا يظهرون التناقض بين معاني القرآن بمناقضة المحكم بالمتشابه، مثل أن يقولوا كيف يقول: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾ [الشورى: 11] مع قوله: ﴿عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5]، ويد الله وعينه وجنبه ونحو ذلك.
4. وصحَّ الجمع بين ابتغاء الفتنة وابتغاء التأويل لِمَا علمت من أنَّ ابتغاء التأويل يوجب ابتغاء الفتنة دون العكس، أو لأنَّ ابتغاء التأويل في زعمهم إظهارٌ للحقِّ وتجويد للفهم، بدون اعتبار أن يقتدي بهم غيرهم، أو أن لا يقتدوا بهم.
5. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ﴾ أي: تأويل المتشابه، ﴿إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ﴾ عطف على لفظ الجلالة، ﴿فِي الْعِلْمِ﴾ يعلم الله والمتمكِّنون في العلم معنى المتشابه، كما فسَّرنا الاستواء بالغلبة واليد بالقدرة والملك، وإن أريد بالمتشابه ما اختصَّ الله بعلمه وعلم وجه الشيء كمدَّة الدنيا أو سائر خلقه وعدد الزبانيَة التسعة عشر، فالمعنى: لا يعلم تأويله إِلَّا الله، وأنَّ الراسخين في العلم ﴿يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ﴾ بالمتشابه كما هو، بلا دخول في تفسيره، الجملة مستأنفة أو حال من (الرَّاسِخُونَ)، وإن جعلنا (الرَّاسِخُونَ) مبتدأ فالجملة هذه خبره.
6. ﴿كُلٌّ﴾ من المحكم والمتشابه، ﴿مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾ كناية عن كونهما حقًّا، فإنَّ كلَّ ما جاء من الله حقٌّ، روى أنس عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم : (إنَّ الرَّاسخين من صدق حديثه، وبرَّ يمينه، وعفَّ بطنه وفرجه)، والمراد أنَّ هذه علامتهم التي يتعيَّن أن يكونوا عليها.
7. قال وفد نجران لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : (إن لم يكن عيسى ولد الله فمن أبوه؟) فقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (ألستم تعلمون أنَّه لا يكون ولد إِلَّا ويشبه أباه)؟ قالوا: (بلى!) قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (ألستم تعلمون أنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموت وأنَّ عيسى عليه السلام يأتي عليه الفناء)؟ قالوا: (بلى!)، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (ألستم تعلمون أنَّ اللهَ لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء؟)، قالوا: (بلى!)، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (فهل يعلم عيسى من ذلك إِلَّا ما عُلِّم)؟ قالوا: (نعم) قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (ألستم تعلمون أنَّ ربَّنا صوَّر عيسى في الرحم كيف شاء، وأنَّ ربَّنا لا يأكل ولا يشرب ولا يُحدث)؟، قالوا: (بلى!) قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (ألستم تعلمون أنَّ عيسى عليه السلام حملته أمُّه كما تحمل المرأة، ووضعته كما تضع المرأة ولدها، ثمَّ غُذِّي كما يغذَّى الصبيُّ، ثمَّ كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويُحدث الحدث)؟ قالوا: (بلى!)، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم: (فكيف يكون هذا كما زعمتم)!؟ فسكتوا فأنزل الله تعالى فيهم صدر سورة آل عمران إلى بضع وثمانين.
8. وتقدَّم أنَّ ثلاثة من الوفد مقدَّمون عندهم وآل أمرهم إليهم، وهم (العاقب) أميرهم، و(السيِّد) صاحب رحلتهم، و(أبو حارثة بن علقمة) حبرهم وإمامهم؛ وروي أنَّهم دخلوا مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم حين صلَّى العصر، عليهم ثياب الحِبَرة، جُبَب وأردية، مَن رآهم من أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: ما رأينا وفدا مثلهم، وقد حانت صلاتهم، فقاموا يصلُّون في مسجد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فصلَّوا إلى المشرق، فكلَّم العاقب والسيِّد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : (أَسْلِمَا) فقالا قد أسلمنا قبلك، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدًا، وعبادتكما الصليب، وأكلكما الخنزير)، فقالا: (إن لم يكن ولدًا لله فمن أبوه؟) إلى آخر ما مرَّ، وفيه: (ألم تعلموا أنَّ ربَّنا قيُّوم كلِّ شيء وحافظه ورازقه) قالوا: (بلى!).
9. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ يتذكَّر في شأن المتشابه كغيره، ﴿إِلَّآ أُوْلُواْ الَالْبَابِ﴾ وهم الراسخون في العلم، مدحهم بشدَّة قوَّةٍ للنفس معدَّة لاكتساب الآراء لخلوِّها عن الأوهام الفاسدة، وهذا من كلام الله تعالى ، والرسوخ في العلم يكون بالتقوى والتواضع والزهد والمجاهدة، وهذا كلام من الله معترض بين قول الراسخين المتقدِّم وقولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/200.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ قال محمد عبده: معنى اتباعه ابتغاء الفتنة أنهم يتبعونه بالإنكار والتنفير استعانة بما في أنفس الناس من إنكار ما لم يصل إليه علمهم ولا يناله حسهم كالإحياء بعد الموت وشئون تلك الحياة الأخرى:
أ. وابتغاء الفتنة بالنسبة إلى الوجه الأول في معنى المتشابه: هو أن يتبع أهل الزيغ من المشركين والمجسمة مثل قوله تعالى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فيأخذونه على ظاهره من غير نظر إلى الأصل المحكم ليفتنوا الناس بدعوتهم إلى أهوائهم ويختلبوهم بشبهتهم فيقولون: إن الله روح والمسيح روح منه، فهو من جنسه وجنسه لا يتبعض فهو هو، فالتأويل هنا بمعنى الإرجاع، أي أنهم يرجعونه إلى أهوائهم وتقاليدهم لا إلى الأصل المحكم الذي بني عليه الاعتقاد.
ب. أما ابتغاء تأويله فهو أنهم يطبقونه على أحوال الناس في الدنيا فيحولون خبر الإحياء بعد الموت وأخبار الحساب والجنة والنار عن معانيها ويصرفونها إلى معان من أحوال الناس في الدنيا ليخرجوا الناس عن الدين بالمرة، والقرآن مملوء بالرد عليهم كقوله تعالى: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
2. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ قال بعض السلف إن قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ كلام مستأنف، وبعضهم: أنه معطوف على لفظ الجلالة.
3. استدل الذين قالوا بالوقف عند لفظ الجلالة وبكون ما بعده استئنافا بأدلة(2):
أ. منها أن الله تعالى ذم الدين يتبعون تأويله.
ب. ومنها قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فإن ظاهر الآية التسليم المحض لله تعالى، ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض، وهذا رأي كثير من الصحابة كأبي بن كعب وعائشة.
4. ذهب ابن عباس وجمهور من الصحابة إلى القول الثاني، كان ابن عباس يقول: (أنا من الراسخين في العلم أنا أعلم تأويله)، وقالوا في استدلال أولئك:
أ. إن الله تعالى إنما ذم الذين يبتغون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة، والراسخون في العلم ليسوا كذلك؛ فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا زلزال فيه ولا اضطراب، فهؤلاء يفيض الله تعالى عليهم فهم المتشابه بما يتفق مع المحكم..
ب. أما دلالة قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ على التسليم المحض فهو لا ينافي العلم، فإنهم إنما سلموا بالمتشابه في ظاهره أو بالنسبة إلى غيرهم لعلمهم باتفاقه مع المحكم فهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حق اليقين لا يضطربون ولا يتزعزعون بل يؤمنون بهذا وبذاك على حد سواء؛ لأن كلا منهما من عند الله ربنا، ولا غرو فالجاهل في اضطراب دائم والراسخ في ثبات لازم، ومن اطلع على ينبوع الحقيقة لا تشتبه عليه المجاري فهو يعرف الحق بذاته ويرجع كل قول إليه قائلا: آمنا به كل من عند ربنا.
5. هذا ما قاله محمد عبده في بيان التفسير المأثور في الآية ثم قال: بينا أن المتشابه ما استأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة أو ما خالف ظاهر لفظه المراد منه وورود المتشابه بالمعنى الأول في القرآن ضروري؛ لأن من أركان الدين ومقاصد الوحي الإخبار بأحوال الآخرة، فيجب الإيمان بما جاء به الرسول من ذلك على أنه من الغيب كما نؤمن بالملائكة والجن، ونقول: إنه لا يعلم تأويل ذلك أي حقيقة ما تئول إليه هذه الألفاظ إلا الله، والراسخون في العلم وغيرهم في هذا سواء، وإنما يعرف الراسخون ما يقع تحت حكم الحس والعقل فيقفون عند حدهم ولا يتطاولون إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل عن عالم الغيب؛ لأنهم يعلمون أنه لا مجال لحسهم ولا لعقلهم فيه وإنما سبيله التسليم فيقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فعلى هذا يكون الوقف على لفظ الجلالة لازما، وإنما خص الراسخين بما ذكر؛ لأنهم هم الذين يفرقون بين المرتبتين ما يجول فيه علمهم وما لا يجول فيه، ومن المحال أن يخلو الكتاب من هذا النوع فيكون كله محكما بالمعنى الذي يقابل المتشابه، ومن الشواهد على أن التأويل هنا بمعنى ما يئول إليه الشيء وينطبق عليه لا بمعنى ما يفسر به، قوله تعالى: ﴿يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ فتبين مما قررناه أن لا يقال على هذا: لماذا كان القرآن منه محكم ومنه متشابه؟ لأن المتشابه بهذا المعنى من مقاصد الدين فلا يلتمس له سبب؛ لأنه جاء على أصله.
6. وأما التفسير الثاني للمتشابه (2)، وهو كونه ليس قاصرا على أحوال الآخرة بل يتناول غيرها من صفات الله التي لا يجوز في العقل أخذها على ظاهرها وصفات الأنبياء التي من هذا القبيل نحو قوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فإن هذا مما يمنع الدليل العقلي السمعي من حمله على ظاهره، فهذا هو الذي يأتي الخلاف في علم الراسخين بتأويله ـ كما تقدم ـ فالذين قالوا بالنفي جعلوا حكمة تخصيص الراسخين بالتسليم والتفويض هي تمييزهم بين الأمرين وإعطاء كل حكمه كما تقدم آنفا وأما القائلون بالإثبات الذين يردون ما تشابه ظاهره من صفات الله أو أنبيائه إلى أم الكتاب الذي هو المحكم ويأخذون من مجموع المحكم ما يمكنهم من فهم المتشابه، فهؤلاء يقولون إنه ما خص الراسخين بهذا العلم إلا لبيان منع غيرهم من الخوض فيه، فهذا خاص بالراسخين لا يجوز تقليدهم فيه، وليس لغيرهم التهجم عليه، وهذا خاص بما لا يتعلق بعالم الغيب.
7. سؤال وإشكال: لم كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم؟ ولم لم يكن كله محكما يستوي في فهمه جميع الناس، وهو قد نزل هاديا والمتشابه يحول دون الهداية بما يوقع اللبس في العقائد، ويفتح باب الفتنة لأهل التأويل؟ والجواب: ذكر الرازي هذا السؤال مفصلا، وذكر للعلماء خمسة أجوبة عنه (3).. وهو ـ رحمه الله تعالى ـ لم يأت بشيء نير، ولم يحسن بيان ما قاله العلماء، وأسخف هذه الوجوه وأشدها تشوها الثاني ولا أدري كيف أجاز له عقله أن يقول: إن القرآن جاء بالمتشابهات ليستميل أهل المذاهب إلى النظر فيه وأن هذا طريق إلى الحق؟ أين كانت هذه المذاهب عند نزوله؟ ومن اهتدى من أهلها بهذه الطريقة؟ ويقرب من هذا ما قاله في بيان السبب الأقوى من دعوة العوام إلى المتشابه أولا! وهاك أيها القارئ ما قاله محمد عبده في بيان أجوبة العلماء وهي عنده ثلاثة:
أ. إن الله أنزل المتشابه ليمتحن قلوبنا في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولا واضحا لا شبهة فيه عند أحد من الأذكياء ولا من البلداء لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى والتسليم لرسله.
ب. جعل الله المتشابه في القرآن حافزا لعقل المؤمن إلى النظر كيلا يضعف فيموت فإن السهل الجلي جدا لا عمل للعقل فيه، والدين أعز شيء على الإنسان، فإذا لم يجد فيه مجالا للبحث يموت فيه، وإذا مات فيه لا يكون حيا بغيره، فالعقل شيء واحد إذا قوي في شيء قوي في كل شيء، وإذا ضعف ضعف في كل شيء ولذلك قال: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ ولم يقل: والراسخون في الدين؛ لأن العلم أعم وأشمل، فمن رحمته تعالى أن جعل في الدين مجالا لبحث العقل بما أودع فيه من المتشابه، فهو يبحث أولا في تمييز المتشابه من غيره وذلك يستلزم البحث في الأدلة الكونية والبراهين العقلية وطرق الخطاب ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدي إلى تأويله، وهذا الوجه لا يأتي إلا على قول من عطف والراسخون على لفظ الجلالة، وليكن كذلك.
ج. إن الأنبياء بعثوا إلى جميع الأصناف من عامة الناس وخاصتهم سواء كانت بعثتهم لأقوامهم خاصة كالأنبياء السالفين ـ عليهم السلام ـ أو لجميع البشر كنبينا صلّى الله عليه وآله وسلم، فإذا كانت الدعوة إلى الدين موجهة إلى العالم والجاهل والذكي والبليد والمرأة والخادم، وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه كل مخاطب عاميا كان أو خاصيا، ألا يكون في ذلك من المعاني العالية والحكم الدقيقة ما يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى، والوقوف عند حد المحكم، فيكون لكل نصيبه على قدر استعداده، مثال ذلك: إطلاق لفظ كلمة الله وروح من الله على عيسى، فالخاصة يفهمون من هذا ما لا يفهمه العامة؛ ولذلك فتن النصارى بمثل هذا التعبير إذ لم يقفوا عند حد المحكم وهو التنزيه واستحالة أن يكون لله جنس أو أم أو ولد، والمحكم عندنا في هذا قوله تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾.. وعندهم مثل قول المسيح في إنجيل يوحنا [7:] (وهذه هي الحياة الأبدية أن يعرفوك أنت الإله الحقيقي وحدك ويسوع المسيح الذي أرسلته)
8. من المتشابه ما يحتمل معاني متعددة وينطبق على حالات مختلفة لو أخذ منها أي معنى وحمل على أية حالة لصح، ويوجد هذا النوع في كلام جميع الأنبياء وهو على حد قوله تعالى: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾ ومنه إبهام القرآن لمواقيت الصلاة لحكمة، وقد بين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ذلك في بلاد العرب المعتدلة بالأوقات الخمسة للصلوات الخمس، وما كانت العرب تعلم أن في الدنيا بلادا لا يمكن تحديد هذه المواقيت فيها، كالبلاد التي تشرق فيها الشمس نحو ساعتين لا يزيد نهار أهلها على ذلك، أشار القرآن إلى مواقيت الصلاة بقوله: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ وَلَهُ الْحَمْدُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَعَشِيًّا وَحِينَ تُظْهِرُونَ﴾ [37، 18] وسبب هذا الإبهام أن القرآن دين عام لا خاص ببلاد العرب ونحوها، فوجب أن يسهل الاهتداء به حيثما بلغ، ومثل هذا الإجمال والإبهام في مواقيت الصلاة يجعل لعقول الراسخين في العلم وسيلة للمراوحة فيه واستخراج الأحكام منه في كل مكان بحسبه، فأينما ظهرت الحقيقة وجدت لها حكما في القرآن، وهذا النوع من المتشابه من أجل نعم الله تعالى ولا سبيل إلى الاعتراض على اشتمال الكتاب عليه.
9. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ قال محمد عبده: أي وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا أرباب القلوب النيرة والعقول الكبيرة، وإنما وصف الراسخون بذلك؛ لأنهم لم يكونوا راسخين إلا بالتعقل والتدبر لجميع الآيات المحكمة التي هي الأصول والقواعد، حتى إذا عرض المتشابه بعد ذلك يتسنى لهم أن يتذكروا تلك القواعد المحكمة، وينظروا ما يناسب المتشابه منها فيردونه إليه.. وهذا التخريج يصدق على أحد الوجهين السابقين، وأما على القول بأن المتشابه ما كان نبأ عن عالم الغيب فهم الذين يعلمون أن قياس الشاهد على الغائب قياس بالفارق.
10. ليس في كتب التفسير المتداولة ما يروي الغليل في هذه المسألة، وما ذكرناه آنفا صفوة ما قالوه، وخيره كلام محمد عبده، وقد رأينا أن نرجع بعد كتابته إلى كلام في المتشابه والتأويل لبن تيمية كنا قرأنا بعضه من قبل في تفسيره لسورة الإخلاص، فرجعنا إليه وقرأناه بإمعان، فإذا هو منتهى التحقيق والعرفان، والبيان الذي ليس وراءه بيان، أثبت فيه أنه ليس في القرآن كلام لا يفهم معناه، وأن المتشابه إضافي إذا اشتبه فيه الضعيف لا يشتبه فيه الراسخ، وأن التأويل الذي لا يعلمه إلا الله تعالى هو ما تئول إليه تلك الآيات في الواقع ككيفية صفات الله تعالى وكيفية عالم الغيب من الجنة والنار وما فيهما، فلا يعلم أحد غيره تعالى قدرته وتعلقها بالإيجاد والإعدام وكيفية استوائه على العرش، مع أن العرش مخلوق له وقائم بقدرته، ولا كيفية عذاب أهل النار ولا نعيم أهل الجنة كما قال تعالى في هؤلاء: ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾، فليست نار الآخرة كنار الدنيا وإنما هي شيء آخر، وليست ثمرات الجنة ولبنها وعسلها من جنس المعهود لنا في هذا العالم، وإنما هو شيء آخر يليق بذلك العالم ويناسبه.
11. ذكر محمد رشيد رضا هنا كلام ابن تيمية مفصلا، وغايته هي اعتبار كل ما ورد في القرآن الكريم من ذكر اليد والساق ونحوها محكمات واضحات، وأن معناها هو ظاهر ألفاظها، كما شرحنا ذلك بتفصيل في محال مختلفة، وسنتطرق له في المحل الخاص من السلسلة(4)، ثم علق عليه بقوله: اعلم أن ما تلقيناه في كتب العقائد التي تقرأ للمبتدئين من طلاب العلم في ديار مصر والشام كالجوهرة والسنوسية الصغرى وما كتب عليهما من شروح وحواش هو أن للمسلمين في الآيات والأحاديث المتشابهات في الصفات مذهبين: مذهب السلف وهو الإيمان بظاهرها مع تنزيه الله تعالى عما يوهمه ذلك الظاهر وتفويض الأمر فيه إلى الله تعالى، ومذهب الخلف وهو تأويل ما ورد من النصوص في ذلك بحمله على المجاز أو الكتابة ليتفق النقل مع العقل، وقالوا: إن مذهب السلف أسلم لجواز أن يكون ما حمل عليه اللفظ المتشابه غير مراد الله تعالى، ومذهب الخلف أعلم لأنه يفسر النصوص جميعها ويحمل بعضها على بعض، فلا يكون صاحبه مضطربا في شيء من دينه، وقالوا: إن الخلاف في التأويل والتفويض مبني على الخلاف في قوله تعالى: والراسخون في العلم هل هو معطوف على ما قبله أم الواو للاستئناف والراسخون مبتدأ خبره يقولون آمنا به إلخ هذا ملخص ما يلقن الطلاب في هذا العصر، كتبناه من غير مراجعة لهذه الكتب القاصرة التي اعتمد عليها بعض الدارسين فليراجعها من شاء في حاشية الجوهرة للباجوري عند قول المتن:
çوكل نص أوهم التشبيها... أوله أو فوض ورم تنزيهاé
وكنا نظن في أوائل الطلب أن مذهب السلف ضعيف وأنهم لم يأولوا كما أول الخلف لأنهم لم يبلغوا مبلغهم من العلم والفهم لا سيما الحنابلة كلهم أو بعضهم، ولما تغلغلنا في علم الكلام وظفرنا بعد النظر في الكتب التي هي منتهى فلسفة الأشاعرة في الكلام بالكتب التي تبين مذهب السلف حق البيان لا سيما كتب ابن تيمية علمنا علم اليقين أن مذهب السلف هو الحق الذي ليس وراءه غاية ولا مطلب وأن كل ما خالفه فهو ظنون وأوهام لا تغني من الحق شيئا.
12. ذهب بعض العلماء إلى مذهب بين المذهبين، ففرق بين النص المتشابه الذي إذا صرف عن ظاهره يتعين فيه معنى واحد من المجاز وبين ما يحتمل أكثر من معنى، فأوجب تأويل الأول دون الثاني، والمشهور أن الناس قسمان: مثبتون للصفات ونافون لها، وأكثر المحدثين وأهل الأثر مثبتون مفوضون، وأكثر المتكلمين نفاة مؤولون، قال السعد التفتازاني في مبحث الصفات المختلف فيها من شرح المقاصد: ومنها ما ورد به ظاهر الشرع وامتنع حملها على معانيها الحقيقية مثل الاستواء في قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ واليد في قوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ والوجه في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ والعين في قوله: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾، وتجري بأعيننا فعن الشيخ أن كلا منها صفة زائدة، وعن الجمهور وهو أحد قولي الشيخ أنها مجازات، فالاستواء مجاز عن الاستيلاء أو تمثيل وتصوير لعظمة الله تعالى، واليد مجاز عن القدرة، والوجه عن الوجود، والعين عن البصر.
13. قال أبو حامد الغزالي في بيان معنى محبة الله للعبد من الإحياء بعد كلام: (وقد ذكرنا أن محبة الله تعالى حقيقة وليست بمجاز؛ إذا المحبة في وضع اللسان عبارة عن ميل النفس إلى الشيء الموافق، والعشق عبارة عن الميل الغالب المفرط، وقد بينا أن الإحسان موافق للنفس، والجمال موافق أيضا، وأن الجمال والإحسان تارة يدرك بالبصر، وتارة يدرك بالبصيرة، والحب يتبع كل واحد منهما فلا يخص بالبصر، فأما حب الله للعبد فلا يمكن أن يكون بهذا المعنى أصلا، حتى إن اسم الوجود الذي هو أعم الأسماء اشتراكا لا يشمل الخالق والخلق على وجه واحد، بل كل ما سوى الله تعالى فوجوده مستفاد من وجود الله تعالى ـ، فالوجود التابع لا يكون مساويا للوجود المتبوع، وإنما الاستواء في إطلاق الاسم نظير اشتراك الفرس والشجر في اسم الجسم إذ معنى الجسمية وحقيقتها متشابه فيهما من غير استحقاق أحدهما لأن يكون فيه أصلا، فليست الجسمية لأحدهما مستفادة من الآخر، وليس كذلك اسم الوجود له ولخلقه، وهذا التباعد في سائر الأسامي أظهر كالعلم والإرادة والقدرة وغيرها، فكل ذلك لا يشبه فيه الخالق الخلق، وواضع اللغة إنما وضع هذه الأسامي أولا للخلق فإن الخلق أسبق إلى العقول والأفهام من الخالق، فكان استعمالها في حق الخالق بطريق الاستعارة والتجوز والنقل)، ثم فسر محبة الله للعبد بكلام طويل فيه مجال للبحث والنظر.
14. وقال في كتاب الشكر من الإحياء: (إن لله عز وجل في جلاله وكبريائه صفة عنها يصدر الخلق والاختراع، وتلك الصفة أعلى وأجل من أن تلمحها عين واضع اللغة حتى يعبر عنها بعبارة تدل على كنه جلالها وخصوص حقيقتها، فلم يكن لها في العالم عبارة لعلو شأنها وانحطاط رتبة واضعي اللغات عن أن يمتد فهمهم إلى مبادئ إشراقها، فانخفضت عن ذروتها أبصارهم كما تنخفض أبصار الخفافيش عن نور الشمس لا لغموض في نور الشمس ولكن لضعف في أبصار الخفافيش، فاضطر الذين فتحت أبصارهم لملاحظة جلالها إلى أن يستعيروا من حضيض عالم المتناطقين باللغات عبارة تفهم من مبادئ حقائقها شيئا ضعيفا جدا، فاستعاروا لها اسم القدرة فتجاسرنا بسبب استعارتهم على النطق فقلنا لله تعالى صفة هي القدرة عنها يصدر الخلق والاختراع.. ثم الخلق ينقسم في الوجود إلى أقسام وخصوص صفات، ومصدر انقسام هذه الأقسام واختصاصها بخصوص صفاتها صفة أخرى استعير لها بمثل الضرورة التي سبقت عبارة المشيئة) فهي توهم منها أمرا مجملا عند المتناطقين باللغات التي هي حروف وأصوات للمتفاهمين بها، وقصور لفظ المشيئة عن الدلالة على كنه تلك الصفة وحقيقتها كقصور لفظ القدرة.. ثم انقسمت الأفعال الصادرة من القدرة إلى ما ينساق إلى المنتهى الذي هو غاية حكمتها وإلى ما يقف دون الغاية، وكان لكل واحد نسبة إلى صفة المشيئة لرجوعها إلى الاختصاصات التي بها تتم القسمة والاختلافات، فاستعير لنسبة البالغ غايته عبارة المحبة، واستعير لنسبة الواقف دون غايته عبارة الكراهة، وقيل: إنهما داخلان في وصف المشيئة، ولكن لكل واحد خاصية أخرى في النسبة يوهم لفظ المحبة والكراهة منهما أمرا مجملا عند طالبي الفهم من الألفاظ واللغات)
15. ثم ذكر نحو ذلك في الرضا والغضب والكفر والشكر وبين أن المرضي عنه من كان في عمله متمما لحكمة الله تعالى في عباده؛ أي بالقيام بسنته الكونية والشرعية، وهو الشاكر لله أو الشكور، والمغضوب عليه ضده وهو الكافر أو الكفور، وليس في هذا البيان العجيب من منازع المتكلمين إلا جعل المحبة والكرامة والرضا والكراهة داخلة في وصف المشيئة على تردد في ذلك، والأشبه بمذهب السلف أن يقال إنها شئون خاصة لله تعالى ظهر أثرها في خلقه بما ذكر.
16. وقال في كتابه المقصد الأسنى في شرح أسماء الله الحسنى: (وكأنا إذا عرفنا أن الله تعالى حي قادر عالم فلم نعرف أولا إلا أنفسنا، ولم نعرفه إلا بأنفسنا إذ الأصم لا يتصور معنى قولنا إن الله سميع والأكمه لا يعرف معنى قولنا إنه بصير، وكذلك إذ قال القائل: كيف يكون الله تعالى عالما بالأشياء؟ فنقول له: كما تعلم أنت أشياء، فإذا قال كيف يكون قادرا؟ فنقول: كما تقدر أنت، فلا يمكنه أن يفهم شيئا إلا إذا كان فيه ما يناسبه، فيعلم أولا ما هو متصف به ثم يعلم غيره بالمناسبة إليه، فإذا كان لله وصف وخاصية ليس فينا ما يناسبه ويشاركه ولو في الاسم لم يتصور فهمه ألبتة فما عرف أحد إلا نفسه، ثم قايس بين صفات الله تعالى وبين صفات نفسه وتتعالى صفات الله تعالى وتتقدس عن أن تشبه صفاتنا)
17. حاصل ما تقدم أن جميع ما أطلق على الله تعالى من الأسماء والصفات هو مما أطلق قبل ذلك على الخلق؛ إذ لو وضع لصفات الله تعالى ألفاظ خاصة وخوطب بها الناس لما فهموا منها شيئا قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ﴾ وقد جاء الرسل ـ عليهم الصلاة والسلام ـ بما دل عليه العقل من تنزيهه تعالى عن صفات المخلوقين وكونه لا يماثل شيئا ولا يماثله شيء، فعلم أن جميع ما أطلقوه عليه من الألفاظ الدالة على الصفات كالقدرة والرحمة، وعلى الأفعال والحركات كالخلق والرزق والاستواء على العرش، وعلى الإضافة ككونه فوق عباده لا ينافي أصل التنزيه، بل يجب الإيمان بها وبما تدل عليه مع التنزيه فنقول: إن له قدرة ليست كقدرتنا ورحمة ليست كرحمتنا وخلقا ليس كخلقنا.. فإن الخلق في اللغة التقدير المعروف من الناس للأشياء وهو تعالى أحسن الخالقين، لا يخلق كخلقه أحد كما قال: ﴿أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشَابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ قُلِ اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ﴾، وليس استواؤه على عرشه كاستواء الملوك على عروشهم، كما أن عرشه ليس كعروشهم، ولا علوه على خلقه كعلو بعض الأجسام على بعض، كما أنه تعالى ليس جسما مماثلا لهم، والسلف والخلف أو الأثريون والمتكلمون كلهم متفقون على تنزيه الله تعالى عن مماثلة خلقه وعلى أن جميع ما جاء على ألسنة الرسل في وصفه تعالى والحكاية عنه خلق إلا أن المتكلمين يقولون: إن العقل دل على أن لهذا العالم خالقا عالما مريدا قادرا، فهذه الصفات ثابتة له عقلا، وعليها مدار إثبات الألوهية بالبرهان، لأن جميع الكائنات دالة عليها، فما يرد من الصفات السمعية يجب إرجاعه إليها ولا نعده صفة زائدة، والسلف الأثريون يقولون: لا نفرق بين صفات الله تعالى الذي أثبتها لنفسه في كتابه وعلى لسان رسوله، وإنما هذا خلاف في التنزيه وفي كون كل ما جاء عن الله في ذلك حق، ولولا أن المسلمين انقسموا إلى مذاهب عنى أهل كل مذهب منها بإثبات مذهبهم وتأييده وإبطال مخالفه وتفنيده لزال هذا الخلاف وعرف الأكثرون الحق صورة ومعنى حتى لا يشنع أشعري على حنبلي ولا أثري على نظري.
18. هذا ولا ننكر أن الأثريين من الحنابلة وغيرهم قد وقع لبعضهم ما يكاد يكون نصا في التجسيم، أو جعل كل ما ورد في صفات الله وأفعاله صفات لا تفهم وإنما تؤخذ بالتسليم، وإنما العبرة بما كتبه علماؤهم المحققون كابن تيمية وابن القيم(5)، وقد قال ابن تيمية: إن خطأ المتكلمين في نفي الصفات أكثر وخطأ الأثريين في الإثبات أكثر، أقول: ومن عجيب صنع بعضهم أنهم ذكروا السمع والبصر والكلام وعدوها من الصفات التي عليها مدار الإيمان بالألوهية على أنهم سموها صفات سمعية، ولم يذكروا الحكمة والرحمة والمحبة مع أن السمع ورد بها والدلائل العقلية عليها أظهر، إذ العقل يجيز أن يقال: إن صفة العلم الإلهي محيطة بالمسموعات والمبصرات، وبذلك يسمى سميعا بصيرا، ولا حاجة إلى القول بأن السمع والبصر صفتان زائدتان من صفات الألوهية، ولا يظهر مثل هذا القول في إدراج الحكمة والرحمة والمحبة ونحوها في صفتي الإرادة والقدرة (6).
__________
(1) تفسير المنار: 3/137
(2) الكلام هنا لمحمد عبده
(3) ذكر هنا كلام الرازي الذي سبق ذكره
(4) انظر غاية تلك المقالة وملخصها في تفسير أبي زهرة لهذا المقطع
(5) ذكرنا في كتاب شيخ الإسلام في قفص الاتهام أن ابن تيمية من كبار المجسمة وأئمتهم، وباعترافه
(6) ذكرنا هنا كلاما لابن تيمية في نفس المعاني السابقة، ثم نقل كلاما عن آخرين في هذا، منهم الغزالي في كتابه (إلجام العوام عن علم الكلام)، حيث نقل معظم ما فيه، وسنذكرها بتفصيل في محلها من السلسلة عند الحديث عن تنزيه الله تعالى
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ أي فأما الذين يميلون عن الحق ويتبعون أهواءهم الباطلة فينكرون المتشابه وينفّرون الناس منه ويستعينون على ذلك بما في غرائز الناس وطبائعهم من إنكار ما لم يصل إليه علمهم ولا يناله حسهم كالإحياء بعد الموت وجميع شئون العالم الأخروىّ، ويأخذونه على ظاهره بدون نظر إلى الأصل المحكم ليفتنوا الناس بدعوتهم إلى أهوائهم، فيقولون إن الله روح والمسيح روح منه، فهو من جنسه، وجنسه لا يتجزأ فهو هو، ومعنى ابتغاء تأويله ـ أنهم يرجعونه إلى أهوائهم وتقاليدهم، لا إلى الأصل المحكم الذي بنى عليه الاعتقاد، فيحولون خبر الإحياء بعد الموت وأخبار الحساب والجنة والنار عن معانيها ويصرفونها إلى معان من أحوال الناس في الدنيا ليخرجوا الناس من دينهم، والقرآن ملئ بالرد عليهم من نحو قوله: ﴿قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾
2. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ للعلماء في تفسير هذه الآية رأيان:
أ. رأى بعض السلف وهو الوقوف على لفظ الجلالة، وجعل قوله: والراسخون في العلم كلام مستأنف، وعلى هذا فالمتشابه لا يعلم تأويله إلا الله، واستدلوا على ذلك بأمور منها أن الله ذم الذين يتبعون تأويله، وأن قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ظاهر في التسليم المحض لله تعالى ومن عرف الشيء وفهمه لا يعبر عنه بما يدل على التسليم المحض، وهذا رأى كثير من الصحابة كأبىّ بن كعب وعائشة.
ب. يرى بعض آخرون الوقف على لفظ (العلم) ويجعل قوله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا﴾ كلام مستأنف، وعلى هذا فالمتشابه يعلمه الراسخون، وإلى ذلك ذهب ابن عباس وجمهرة من الصحابة، وكان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين في العلم، أنا أعلم تأويله، وردّوا على أدلة الأولين بأن الله تعالى إنما ذم الذين يبتغون التأويل بذهابهم فيه إلى ما يخالف المحكمات يبتغون بذلك الفتنة، والراسخون في العلم ليسوا كذلك فإنهم أهل اليقين الثابت الذي لا اضطراب فيه، فالله يفيض عليهم فهم المتشابه بما ينفق مع فهم المحكم، وبأن قولهم ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ لا ينافى العلم، فإنهم لرسوخهم في العلم ووقوفهم على حق اليقين لا يضطربون، بل يؤمنون بهذا وذاك لأن كلا منهما من عند الله وليس في هذا من عجب، فإن الجاهل في اضطراب دائم، والراسخ في العلم ثابت العقيدة لا تشتبه عليه المسالك.
3. وجود المتشابه الذي يستأثر الله بعلمه من أحوال الآخرة ـ ضروري لأن من مقاصد الدين الإخبار بأحوالها، فيجب الإيمان بما جاء به الرسول من ذلك، وهو من عالم الغيب نؤمن به كما نؤمن بالملائكة والجن، ولا يعلم تأويل ذلك: أي حقيقة ما تئول إليه هذه الألفاظ إلا الله، والراسخون في العلم وغيرهم في مثل هذا سواء، لأن الراسخين يعرفون ما يقع تحت حكم الحس والعقل، ولا يستشرفون بأنظارهم إلى معرفة حقيقة ما يخبر به الرسل من عالم الغيب، إذ هم يعلمون أنه لا مجال لحسهم ولا لعقلهم فيه، إنما سبيله التسليم، فيقولون آمنا به كل من عند ربنا، فالوقف في مثل هذا لازم على لفظ الجلالة (الله)
4. أما النوع الأول من المتشابه وهو الألفاظ التي لا يجوز في العقل أخذها على ظاهرها من صفاته تعالى وصفات أنبيائه كقوله تعالى: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ﴾ فمثل هذا يمنع الدليل العقلي والدليل النقلي حمله على ظاهره، ومثل هذا هو الذي يأتي فيه الخلاف في علم الراسخين بتأويله؛ فالذين نفوا عنهم علمهم به جعلوا حكمة تخصيص الراسخين بالتفويض والتسليم ـ هي تمييزهم بين الأمرين وإعطاء كلّ حكمه كما تقدم، والذين أثبتوا لهم علمه يردون ما تشابه ظاهره من صفات الله وأنبيائه إلى أم الكتاب وهو المحكم، ويأخذون منه ما يمكنهم من فهم المتشابه، وعلى هذا فتخصيص الراسخين بهذا العلم لبيان أن غيرهم يمتنع عليه الخوض فيه، ولا يجوز لهم التهجم عليه.
5. سؤال وإشكال: لم كان في القرآن متشابه لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم؟ ولم لم يكن كله محكما يتساوى في فهمه جميع الناس، وهو قد نزل هاديا والمتشابه يحول دون الهداية لوقوع اللبس في فهمه، وفتح باب الفتنة في تأويله لأهل التأويل؟ والجواب: أجاب العلماء عن هذا بأجوبة كثيرة منها:
أ. إن في إنزال المتشابه امتحانا لقلوبنا في التصديق به، إذ لو كان ما جاء في الكتاب معقولا واضحا لا شبهة فيه لأحد، لما كان في الإيمان به شيء من الخضوع لأمر الله والتسليم لرسله.
ب. إن في وجوده في القرآن حافزا لعقول المؤمنين إلى النظر فيه كيلا تضعف وتموت، إذ السهل الجلى لا عمل للعقل فيه، وإذا لم يجد العقل مجالا للبحث مات، والدين أعز شيء على الإنسان، فإذا ضعف عقله في فهمه ضعف في كل شيء، ومن ثم قال والراسخون في العلم، ولم يقل والراسخون في الدين لأن العلم أعم وأشمل، فمن رحمته أن جعل في الدين مجالا لبحث العقل بما أودع فيه من المتشابه، إذ بحثه يستلزم النظر في الأدلة الكونية، والبراهين العقلية، ووجوه الدلالة ليصل إلى فهمه ويهتدى إلى تأويله.
ج. إن الأنبياء بعثوا إلى الناس كافة وفيهم العالم والجاهل والذكي والبليد، وكان من المعاني الحكم الدقيقة التي لا يمكن التعبير عنها بعبارة تكشف عن حقيتها، فجعل فهم هذا من حظ الخاصة، وأمر العامة بتفويض الأمر فيه إلى الله، والوقوف عند فهم المحكم، ليكون لكلّ نصيبه على قدر استعداده، فإطلاق كلمة الله وروح من الله على عيسى يفهم منه الخاصة ما لا يفهمه العامة، ومن ثم فتن النصارى بمثل هذا التعبير إذ لم يقفوا عند حد المحكم وهو التنزيه واستحالة أن يكون لله أم أو ولد بمثل ما دل عليه قوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ﴾
6. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي وما يعقل ذلك ويفقه حكمته إلا ذوو البصائر المستنيرة، والعقول الراجحة التي امتازت بالتدبر والتفكر في جميع الآيات المحكمة التي هي الأصول، حتى إذا عرض لهم المتشابه بعد ذلك سهل عليهم أن يتذكروها ويردّوا المتشابه إليها، ويقولوا في المتشابه الذي هو نبأ عالم الغيب: إن قياس الغائب على الشاهد قياس مع الفارق لا ينبغي للعقلاء أن يعتبروه.
__________
(1) تفسير المراغي: 3/99.
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بعدئذ يكشف الذين في قلوبهم زيغ، الذين يتركون الحقائق القاطعة في آيات القرآن المحكمة، ويتبعون النصوص التي تحتمل التأويل، ليصوغوا حولها الشبهات؛ ويصور سمات المؤمنين حقا وإيمانهم الخالص وتسليمهم لله في كل ما يأتيهم من عنده بلا جدال.. وقد روى أن نصارى نجران قالوا للرسول صلّى الله عليه وآله وسلم ألست تقول عن المسيح: إنه كلمة الله وروحه؟ يريدون أن يتخذوا من هذا التعبير أداة لتثبيت معتقداتهم عن عيسى عليه السلام وأنه ليس من البشر، إنما هو روح الله ـ على ما يفهمون هم من هذا التعبير ـ بينما هم يتركون الآيات القاطعة المحكمة التي تقرر وحدانية الله المطلقة، وتنفي عنه الشريك والولد في كل صورة من الصور.. فنزلت فيهم هذه الآية، تكشف محاولتهم هذه في استغلال النصوص المجازية المصورة، وترك النصوص التجريدية القاطعة.
2. على أن نص الآية أعم من هذه المناسبة؛ فهي تصور موقف الناس على اختلافهم من هذا الكتاب الذي أنزله الله على نبيه صلّى الله عليه وآله وسلم متضمنا حقائق التصور الإيماني، ومنهاج الحياة الإسلامية؛ ومتضمنا كذلك أمورا غيبية لا سبيل للعقل البشري أن يدركها بوسائله الخاصة، ولا مجال له لأن يدرك منها أكثر مما تعطيه النصوص بذاتها، فأما الأصول الدقيقة للعقيدة والشريعة فهي مفهومة المدلولات قاطعة الدلالة، مدركة المقاصد ـ وهي أصل هذا الكتاب ـ وأما السمعيات والغيبيات ـ ومنها نشأة عيسى عليه السلام ومولده ـ فقد جاءت للوقوف عند مدلولاتها القريبة والتصديق بها لأنها صادرة من هذا المصدر (الحق) ويصعب إدراك ماهياتها وكيفياتها، لأنها بطبيعتها فوق وسائل الإدراك الإنساني المحدود.
3. وهنا يختلف الناس ـ حسب استقامة فطرتهم أو زيغها ـ في استقبال هذه الآيات وتلك:
أ. فأما الذين في قلوبهم زيغ وانحراف وضلال عن سواء الفطرة، فيتركون الأصول الواضحة الدقيقة التي تقوم عليها العقيدة والشريعة والمنهاج العملي للحياة، ويجرون وراء المتشابه الذي يعوّل في تصديقه على الإيمان بصدق مصدره، والتسليم بأنه هو الذي يعلم (الحق) كله، بينما الإدراك البشري نسبي محدود المجال. كما يعول فيه على استقامة الفطرة التي تدرك بالإلهام المباشر صدق هذا الكتاب كله، وأنه نزل بالحق لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه.. يجرون وراء المتشابه لأنهم يجدون فيه مجالا لإيقاع الفتنة بالتأويلات المزلزلة للعقيدة، والاختلافات التي تنشأ عن بلبلة الفكر، نتيجة إقحامه فيما لا مجال للفكر في تأويله.. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾..
ب. وأما الراسخون في العلم، الذين بلغ من علمهم أن يعرفوا مجال العقل وطبيعة التفكير البشري، وحدود المجال الذي يملك العمل فيه بوسائله الممنوحة له.. أما هؤلاء فيقولون في طمأنينة وثقة: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.. يدفعهم إلى هذه الطمأنينة، أنه من عند ربهم. فهو إذن حق وصدق، وما يقرره الله صادق بذاته، وليس من وظيفة العقل البشري ولا في طوقه أن يبحث عن أسبابه وعلله، كما أنه ليس في طوقه أن يدرك ماهيته وطبيعة العلل الكامنة وراءه.
4. الراسخون في العلم يطمئنون ابتداء إلى صدق ما يأتيهم من عند الله. يطمئنون إليه بفطرتهم الصادقة الواصلة.. ثم لا يجدون من عقولهم شكا فيه كذلك؛ لأنهم يدركون أن من العلم ألا يخوض العقل فيما لا مجال فيه للعلم، وفيما لا تؤهله وسائله وأدواته الإنسانية لعلمه.. وهذا تصوير صحيح للراسخين في العلم.. فما يتبجح وينكر إلا السطحيون الذين تخدعهم قشور العلم، فيتوهمون أنهم أدركوا كل شيء، وأن ما لم يدركوه لا وجود له؛ أو يفرضون إدراكهم على الحقائق، فلا يسمحون لها بالوجود إلا على الصورة التي أدركوها، ومن ثم يقابلون كلام الله المطلق بمقررات عقلية لهم! صاغتها عقولهم المحدودة! أما العلماء حقا فهم أكثر تواضعا، وأقرب إلى التسليم بعجز العقل البشري عن إدراك حقائق كثيرة تكبر طاقته وترتفع عليها. كما أنهم أصدق فطرة فما تلبث فطرتهم الصادقة أن تتصل بالحق وتطمئن إليه.
5. ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ﴾.. وكأنه ليس بين أولي الألباب وإدراك الحق إلا أن يتذكروا.. فإذا الحق المستقر في فطرتهم الموصولة بالله، ينبض ويبرز ويتقرر في الألباب.
__________
(1) في ظلال القرآن: 1/364.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، أي إن الذين في قلوبهم مرض، بما عشّش فيها من نفاق، وضلال، هؤلاء لا ينظرون في كتاب الله، ولا يقفون عند محكم آياته، لأنهم لا يؤمنون به، بل يجعلون همهم كله في صيد ما يمكن صيده من كتاب الله، من هذا المتشابه من كلماته، التي أشرنا إليها، والتي يمكن ألا يقال فيها أيّ شيء، كما يمكن أن يقال فيها كل شيء لأنها ـ كما قلنا ـ كتاب مغلق.. إذا سئل الإنسان عما فيه، فإن احترم عقله، قال: لا علم لي)، وإن سفه وحمق، قال وأكثر القول، وتحدث وأطال الأحاديث بما هو أكثر مما في الكتاب امتدادا وطولا، وربما كان الكتاب في علم الحساب، على حين يحسبه المتخرصون كتابا في الفقه، أو الحديث، أو الأدب، أو الموسيقى مثلا! وهؤلاء من مرضى القلوب، إنما وقفوا عند هذه المتشابهات، لأنها تفتح لهم أبوابا واسعة إلى أن يقولوا فيها ما يشاءون، وأن يحمّلوها من المعاني ما يريدون من مقولات، تفتن وتضلّ، دون أن يقف لهم أحد، أو يفنّد مقولاتهم مفنّد، فإذا واجههم أحد، أو حاجّهم محتاج سألوه رأيه فيها، وقوله عنها، وقد عرفنا أنها تتسع لكل رأى، وتتقبل كل قول، وليس فيها إلا قول واحد، علمه عند علام الغيوب، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾!.
2. لو كان هؤلاء الزائغون المنافقون يؤمنون بالقرآن، وبأنه من عند الله، لكان لهم أن يقولوا في المتشابه ما يقولون، مما يؤدى إليه نظرهم واجتهادهم، ولكان لهم من إيمانهم ما يعصمهم من أن يزلّوا ويضلّوا، ولكنهم ـ كما عرفنا ـ لا يمسكون من القرآن إلا بتلك الكلمات المتشابهة، التي رصدها الله ابتلاء وفتنة، تزداد بها قلوب المنافقين مرضا إلى مرض، ورجسا إلى رجس، أما المؤمنون فقد عافاهم الله من هذا البلاء، وعصمهم من تلك الفتنة، لأنهم يتقبلون هذا المتشابه كما يتقبلون المحكم وغير المتشابه من كتاب الله، ويقولون فيها جميعا: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾
3. قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، هو بيان لموقف المؤمنين من متشابه القرآن، إزاء موقف المنافقين منه، وهو أنهم ـ أي المؤمنون ـ يؤمنون بالمتشابه إيمانهم بالمحكم وبغير المتشابه، إيمان تسليم وامتثال، لأن كتاب الله ـ المتشابه، وغير المتشابه والمحكم ـ كله من عند الله، فليس في المتشابه ـ والأمر كذلك ـ ما ليس في كتاب الله، لأنه بعض كتاب الله، ولا يخرج البعض الكلّ، وإلّا كان غريبا عنه! فإذا كان لقائل أن يقول في هذا المتشابه فليقل ما يشاء، شريطة أمر واحد، وهو ألا يخرج في قول من أقواله عمّا في كتاب الله من أحكام ومقررات، ولهذا لم يكن ثمة حرج عند علماء التفسير أن يقولوا في هذه المتشابهات ما قالوه من مختلف الآراء، لأنهم يقولون ما يقولون، وهم مؤمنون بكتاب الله، كله، محكمه ومتشابهه.
في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ إشارة إلى أن الراسخين في العلم ـ وهم ما هم في العلم والحكمة والعقل ـ إذا كان موقفهم من هذا المتشابه موقف عجز وتسليم، فلا ينطقون إزاء هذا المتشابه ـ إذا نطقوا ـ إلّا كان قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ـ إذا كان هذا هو موقف الراسخين في العلم، فإن من السفاهة والحمق والجهل جميعا أن يقول غيرهم مما لا رسوخ له في العلم ـ غير هذا القول، وألّا يؤمن إيمان عجز وتسليم، كما آمن الراسخون في العلم إيمان عجز وتسليم، بهذا المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله.
4. على هذا، فإنا نرى أن الوقوف على لفظ الجلالة في قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ هو وقوف لازم، حتى يكون العلم بتأويل هذا المتشابه مقصورا على الله وحده، أما الراسخون في العلم فهم والجاهلون سواء في هذا المتشابه، لا يملكون إزاءه إلا التسليم بالعجز، وإلا أن يقولوا: (آمنّا به) على ما هو عليه، لأنه هو والمحكم على سواء.. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وهذا موقف يجب أن يتملّاه العقلاء، وينتفع به أولو الألباب، وذلك بقياس الغائب على الشاهد، والبعيد على القريب، وإحالة المتشابه على المحكم!
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/405.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ تفصيل لإجمال اقتضاه الكلام السابق؛ لأنّه لما قسّم الكتاب إلى محكم ومتشابه، وكان ذلك التقسيم باعتبار دلالة الألفاظ على المعاني، تشوّفت النفس إلى معرفة تلقّي الناس للمتشابه، أمّا المحكم فتلقّي الناس له على طريقة واحدة، فلا حاجة إلى تفصيل فيه، واقتصر في التفصيل على ذكر قسم من أقسامه: وهو حال الذين في قلوبهم زيغ كيف تلقّيهم للمتشابهات؛ لأنّ بيان هذا هو الأهمّ في الغرض المسوق له الكلام، وهو كشف شبهة الذين غرّتهم المتشابهات ولم يهتدوا إلى حقّ تأويلها، ويعرف حال قسيمهم وهم الذين لا زيغ في قلوبهم بطريق المقابلة ثم سيصرّح بإجمال حال المهتدين في تلقّي ومتشبهات القرآن.
2. القلوب محالّ الإدراك، وهي العقول، وتقدّم ذلك عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ﴾ في سورة البقرة [283]
3. الزيغ: الميل والانحراف عن المقصود: ﴿مَا زَاغَ الْبَصَرُ﴾ [النجم: 17] ويقال: زاغت الشمس، فالزيغ أخصّ من الميل؛ لأنّه ميل عن الصواب والمقصود.
4. الاتّباع هنا مجاز عن الملازمة والمعاودة، أي يعكفون على الخوض في المتشابه، يحصونه، شبهت تلك الملازمة بملازمة التابع متبوعه، وقد ذكر علة الاتّباع، وهو طلب الفتنة، وطلب أن يؤوّلوه، وليس طلب تأويله في ذاته بمذمّة، بدليل قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ كما سنبيّنه وإنّما محلّ الذم أنّهم يطلبون تأويلا ليسوا أهلا له فيؤوّلونه بما يوافق أهواءهم، وهذا ديدن الملاحدة وأهل الأهواء: الذين يتعمّدون حمل الناس على متابعتهم تكثيرا لسوادهم.
5. لما وصف الله تعالى أصحاب هذا المقصد بالزيغ في قلوبهم، علمنا أنّه ذمهم بذلك لهذا المقصد، ولا شك أنّ كل اشتغال بالمتشابه إذا كان مفضيا إلى هذا المقصد يناله شيء من هذا الذم، فالذين اتّبعوا المتشابه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله المنافقون، والزنادقة، والمشركون:
أ. مثال تأويل المشركين: قصة العاصي بن وائل ـ من المشركين ـ إذ جاءه خباب بن الأرت ـ من المسلمين ـ يتقاضاه أجرا، فقال العاصي ـ متهكّما به ـ (وإنّي لمبعوث بعد الموت ـ أي حسب اعتقادكم ـ فسوف أقضيك إذا رجعت إلى مال وولد) فالعاصي توهّم، أو أراد الإيهام، أنّ البعث بعد الموت رجوع إلى الدنيا، أو أراد أن يوهم دهماء المشركين ذلك ليكون أدعى إلى تكذيب الخبر بالبعث، بمشاهدة عدم رجوع أحد من الأموات، ولذلك كانوا يقولون: ﴿فَأْتُوا بِآبَائِنَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ [الدخان: 36]
ب. ومثال تأويل الزنادقة: ما حكاه محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي قال كنت بمكة حين كان الجنّابي ـ زعيم القرامطة ـ بمكة، وهم يقتلون الحجاج، ويقولون: أليس قد قال لكم محمد المكي ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ فأيّ أمن هنا؟ قال فقلت له: هذا خرج في صورة الخبر، والمراد به الأمر أي ومن دخله فأمّنوه، كقوله: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ﴾ [البقرة: 228]،
6. الذين شابهوهم في ذلك كلّ قوم يجعلون البحث في المتشابه ديدنهم، ويفضون بذلك إلى خلافات وتعصّبات، وكلّ من يتأوّل المتشابه على هواه، بغير دليل على تأويله مستند إلى دليل واستعمال عربي، وقد فهم أنّ المراد: التأويل بحسب الهوى، أو التأويل الملقي في الفتنة، بقرينة قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ الآية، كما فهم من قوله: ﴿فَيَتَّبِعُونَ﴾ أنّهم يهتمّون بذلك، ويستهترون به، وهذا ملاك التفرقة بين حال من يتيع المتشابه للإيقاع في الشك والإلحاد، وبين حال من يفسّر المتشابه ويؤوّله إذا دعاه داع إلى ذلك، وفي (البخاري) ـ عن سعيد بن جبير ـ أنّ رجلا قال لابن عباس: (إني أجد في القرآن أشياء تختلف عليّ) قال ما هو ـ قال: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ ـ وقال ـ ﴿وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ﴾ وقال: ﴿وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا﴾ وقال: ﴿قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ قال ابن عباس: (فلا أنساب بينهم في النفخة الأولى ثم النفخة الثانية أقبل بعضهم على بعض يتساءلون، فأما قوله: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 23] فإن الله يغفر لأهل الإخلاص ذنوبهم فيقول المشركون: تعالوا نقل: ما كنا مشركين، فيختم الله على أفواههم فتنطق جوارحهم بأعمالهم فعند ذلك لا يكتمون الله حديثا)، وأخرج البخاري، عن عائشة: قالت (تلا رسول الله هذه الآية إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [البقرة: 269] ـ قالت ـ قال رسول الله: فإذا رأيتم الذين يتبعون ما تشابه منه فأولئك الذين سماهم الله فاحذروهم)
7. يقصد من قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ التعريض بنصارى نجران، إذ ألزموا المسلمين بأنّ القرآن يشهد لكون الله ثالث ثلاثة بما يقع في القرآن من ضمير المتكلم ومعه غيره من نحو خلقنا وأمرنا وقضينا، وزعموا أنّ ذلك الضمير له وعيسى ومريم ولا شك أنّ هذا ـ إن صح عنهم ـ هو تمويه؛ إذ من المعروف أنّ في ذلك الضمير طريقتين مشهورتين إما إرادة التشريك أو إرادة التعظيم فما أرادوا من استدلالهم هذا إلا التمويه على عامة الناس.
8. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، جملة حال أي وهم لا قبل لهم بتأويله؛ إذ ليس تأويله لأمثالهم، كما قيل في المثل: (ليس بعشّك فادرجي)، ومن هنا أمسك السلف عن تأويل المتشابهات، غير الراجعة إلى التشريع، فقال أبو بكر: (أيّ أرض تقلّني وأيّ سماء تظلّني إن قلت في كتاب الله بما لا أعلم)، وجاء في زمن عمر رجل إلى المدينة من البصرة، يقال له صبيغ بن شريك أو ابن عسل التميمي فجعل يسأل الناس عن متشابه القرآن، وعن أشياء فأحضره عمر، وضربه ضربا موجعا، وكرّر ذلك أياما، فقال: (حسبك يا أمير المؤمنين فقد ذهب ما كنت أجد في رأسي) ثم أرجعه إلى البصرة وكتب إلى أبي موسى الأشعري أن يمنع الناس من مخالطته، ومن السلف من تأوّل عند عروض الشبهة لبعض الناس، كما فعل ابن عباس فيما ذكرناه آنفا.
9. قال ابن العربي في (العواصم من القواصم) ـ (من الكائدين للإسلام الباطنية والظاهرية)، أمّا الباطنية فقد جعلوا معظم القرآن متشابها، وتأوّلوه بحسب أهوائهم، وأمّا الظاهريون فقد أكثروا في متشابهه، واعتقدوا سبب التشابه واقعا، فالأوّلون دخلوا في قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، والأخيرون خرجوا من قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ أو وما يعلم تأويله إلا الله، فخالفوا الخلف والسلف، قال ابن العربي ـ (في العواصم) ـ (وأصل الظاهريين الخوارج الذين قالوا: لا حكم إلّا لله) يعني أنّهم أخذوا بظاهر قوله تعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لله﴾ ولم يتأولوه بما هو المراد من الحكم.
10. المراد بالراسخين في العلم: الذين تمكّنوا في علم الكتاب، ومعرفة محامله، وقام عندهم من الأدلة ما أرشدهم إلى مراد الله تعالى، بحيث لا تروج عليهم الشبه، والرسوخ في كلام العرب: الثبات والتمكن في المكان، يقال: رسخت القدم ترسخ رسوخا إذا ثبتت عند المشي ولم تتزلزل، واستعير الرسوخ لكمال العقل والعلم بحيث لا تضلّله الشبه، ولا تتطرقه الأخطاء غالبا، وشاعت هذه الاستعارة حتى صارت كالحقيقة، فالراسخون في العلم: الثابتون فيه العارفون بدقائقه، فهم يحسنون مواقع التأويل، ويعلمونه، ولذا فقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ معطوف على اسم الجلالة، وفي هذا العطف تشريف عظيم: كقوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ [آل عمران: 18] وإلى هذا التفسير مال ابن عباس، ومجاهد، والربيع بن سليمان، والقاسم بن محمد، والشافعية، وابن فورك، والشيخ أحمد القرطبي، وابن عطية، وعلى هذا فليس في القرآن آية استأثر الله بعلمها، ويؤيّد هذا أن الله أثبت للراسخين في العلم فضيلة، ووصفهم بالرسوخ، فآذن بأنّ لهم مزية في فهم المتشابه: لأنّ المحكم يستوي في علمه جميع من يفهم الكلام، ففي أيّ شيء رسوخهم، وحكى إمام الحرمين، عن ابن عباس: أنّه قال في هاته الآية: (أنا ممّن يعلم تأويله)
11. قيل: الوقف على قوله: ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾ وإنّ جملة ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مستأنفة، وهذا مروي عن جمهور السلف، وهو قول ابن عمر، وعائشة، وابن مسعود، وأبي، ورواه أشهب عن مالك في جامع العتبية، وقاله عروة بن الزبير، والكسائي، والأخفش والفرّاء، والحنفية، وإليه مال فخر الدين.
12. يؤيّد الأول وصفهم بالرسوخ في العلم؛ فإنّه دليل بيّن على أنّ الحكم الذي أثبت لهذا الفريق، هو حكم من معنى العلم والفهم في المعضلات، وهو تأويل المتشابه، على أنّ أصل العطف هو عطف المفردات دون عطف الجمل، فيكون الراسخون معطوفا على اسم الجلالة فيدخلون في أنّهم يعلمون تأويله، ولو كان الراسخون مبتدأ وجملة: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ خبرا، لكان حاصل هذا الخبر ممّا يستوي فيه سائر المسلمين الذين لا زيغ في قلوبهم، فلا يكون لتخصيص الراسخين فائدة، قال ابن عطية: (تسميتهم راسخين تقتضي أنّهم يعلمون أكثر من المحكم الذي يستوي في علمه جميع من يفهم كلام العرب، وفي أيّ شيء هو رسوخهم إذا لم يعلموا إلّا ما يعلمه الجميع وما الرسوخ إلّا المعرفة بتصاريف الكلام بقريحة معدة) وما ذكرناه وذكره ابن عطية لا يعد وأن يكون ترجيحا لأحد التفسيرين، وليس إبطالا لمقابله إذ قد يوصف بالرسوخ من يفرق بين ما يستقيم تأويله، وما لا مطمع في تأويله، وفي قوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ إشعار بأنّ الراسخين يعلمون تأويل المتشابه.
13. احتجّ أصحاب الرأي الثاني، وهو رأي الوقف على اسم الجلالة: بأنّ الظاهر أن يكون جملة ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ مستأنفة لتكون معادلا لجملة: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، والتقدير: وأمّا الراسخون في العلم، وأجاب التفتازاني بأنّ المعادل لا يلزم أن يكون مذكورا، بل قد يحذف لدلالة الكلام عليه، واحتجّوا أيضا بقوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ قال الفخر: لو كانوا عالمين بتأويله لم يكن لهذا الكلام فائدة؛ إذ الإيمان بما ظهر معناه أمر غير غريب وسنجيب عن هذا عند الكلام على هذه الجملة، وذكر الفخر حججا أخر غير مستقيمة.
14. لا يخفى أنّ أهل القول الأول لا يثبتون متشابها غير ما خفي المراد منه، وأنّ خفاء المراد متفاوت، وأنّ أهل القول الثاني يثبتون متشابها استأثر الله بعلمه، وهو أيضا متفاوت؛ لأنّ منه ما يقبل تأويلات قريبة، وهو ممّا ينبغي ألّا يعدّ من المتشابه في اصطلاحهم، لكنّ صنيعهم في الإمساك عن تأويل آيات كثيرة سهل تأويلها مثل ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48] دلّ على أنّهم يسدّون باب التأويل في المتشابه، قال ابن عطية: (إنّ تأويل ما يمكن تأويله لا يعلم تأويله ـ على الاستيفاء ـ إلّا الله تعالى فمن قال من العلماء الحذّاق: بأنّ الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه، فإنّما أراد هذا النوع، وخافوا أن يظنّ أحد أنّ الله وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال)
15. على الاختلاف في محمل العطف في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ انبنى اختلاف بين علماء الأمة في تأويل ما كان متشابها: من آيات القرآن، ومن صحاح الأخبار، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم:
أ. فكان رأي فريق منهم الإيمان بها، على إبهامها وإجمالها، وتفويض العلم بكنه المراد منها إلى الله تعالى، وهذه طريقة سلف علمائنا، قبل ظهور شكوك الملحدين أو المتعلّمين، وذلك في عصر الصحابة والتابعين وبعض عصر تابعيهم، ويعبّر عنها بطريقة السلف، ويقولون: طريقة السلف أسلم، أي أشدّ سلامة لهم من أن يتأوّلوا تأويلات لا يدرى مدى ما تفضي إليه من أمور لا تليق بجلال الله تعالى ولا تتّسق مع ما شرعه للناس من الشرائع، مع ما رأوا من اقتناع أهل عصرهم بطريقتهم، وانصرافهم عن التعمّق في طلب التأويل.
ب. وكان رأي جمهور من جاء بعد عصر السلف تأويلها بمعان من طرائق استعمال الكلام العربي البليغ من مجاز، واستعارة، وتمثيل، مع وجود الدّاعي إلى التأويل، وهو تعطّش العلماء الذين اعتادوا التفكر والنظر وفهم الجمع بين أدلّة القرآن والسنة، ويعبّر عن هذه الطريقة بطريقة الخلف، ويقولون: طريقة الخلف أعلم، أي أنسب بقواعد العلم وأقوى في تحصيل العلم القاطع لجدال الملحدين، والمقنع لمن يتطلّبون الحقائق من المتعلّمين، وقد يصفونها بأنّها أحكم أي أشدّ إحكاما؛ لأنّها تقنع أصحاب الأغراض كلّهم، وقد وقع هذان الوصفان في كلام المفسّرين وعلماء الأصول، ولم أقف على تعيين أوّل من صدرا عنه، وقد تعرّض ابن تيمية ـ في (العقيدة الحموية) ـ إلى ردّ هذين الوصفين ولم ينسبهما إلى قائل، والموصوف بأسلم وبأعلم الطريقة لا أهلها؛ فإنّ أهل الطريقتين من أئمة العلم، وممّن سلموا في دينهم من الفتن.
16. ليس في وصف هذه الطريقة، بأنّها أعلم أو أحكم، غضاضة من الطريقة الأولى؛ لأنّ العصور الذين درجوا على الطريقة الأولى، فيهم من لا تخفى عليهم محاملها بسبب ذوقهم العربي، وهديهم النبوي، وفيهم من لا يعير البحث عنها جانبا من همّته، مثل سائر العامة، فلا جرم كان طيّ البحث عن تفصيلها أسلم للعموم، وكان تفصيلها بعد ذلك أعلم لمن جاء بعدهم، بحيث لو لم يؤوّلوها به لأوسعوا، للمتطلعين إلى بيانها، مجالا للشك أو الإلحاد، أو ضيق الصدر في الاعتقاد.
17. من التأويل ما هو واضح بيّن، فصرف اللفظ المتشابه عن ظاهره إلى ذلك التأويل يعادل حمل اللفظ على أحد معنييه المشهورين لأجل كثرة استعمال اللفظ في المعنى غير الظاهر منه، فهذا القسم من التأويل حقيق بألّا يسمّى تأويلا وليس أحد محمليه بأقوى من الآخر إلّا أنّ أحدهما أسبق في الوضع من الآخر، والمحملان متساويان في الاستعمال وليس سبق إطلاق اللفظ على أحد المعنيين بمقتض ترجيح ذلك المعنى، فكم من إطلاق مجازي للفظ هو أسبق إلى الأفهام من إطلاقه الحقيقي، وليس قولهم في علم الأصول بأنّ الحقيقة أرجح من المجاز بمقبول على عمومه، وتسمية هذا النوع بالمتشابه ليست مرادة في الآية، وعدّه من المتشابه جمود.
18. ومن التأويل ما ظاهر معنى اللفظ فيه أشهر من معنى تأويله ولكنّ القرائن أو الأدلة أوجبت صرف اللفظ عن ظاهر معناه فهذا حقيق بأن يعدّ من المتشابه.
19. ثم إنّ تأويل اللفظ في مثله قد يتيسّر بمعنى مستقيم يغلب على الظن أنّه المراد إذا جرى حمل اللفظ على ما هو من مستعملاته في الكلام البليغ مثل الأيدي والأعين في قوله: ﴿بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: 47] وقوله: ﴿فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا﴾ [الطور: 48] فمن أخذوا من مثله أنّ لله أعينا لا يعرف كنهها، أو له يدا ليست كأيدينا، فقد زادوا في قوة الاشتباه، ومنه ما يعتبر تأويله احتمالا وتجويزا بأن يكون الصرف عن الظاهر متعيّنا وأمّا حمله على ما أوّلوه به فعلى وجه الاحتمال والمثال، وهذا مثل قوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه: 5] وقوله: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ﴾ [البقرة: 210] فمثل ذلك مقطوع بوجوب تأويله ولا يدعي أحد، أن ما أوّله به هو المراد منه ولكنّه وجه تابع لإمكان التأويل، وهذا النوع أشدّ مواقع التشابه والتأويل.
20. استبان لك من هذه التأويلات: أنّ نظم الآية جاء على أبلغ ما يعبّر به في مقام يسع طائفتين من علماء الإسلام في مختلف العصور.
21. ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ حال من (الراسخون) أي يعلمون تأويله في هذه الحالة والمعنى عليه: يحتمل أن يكون المراد من القول الكناية عن الاعتقاد؛ لأنّ شأن المعتقد أن يقول معتقده، أي يعلمون تأويله ولا يهجس في نفوسهم شك من جهة وقوع المتشابه حتى يقولوا: لماذا لم يجيء الكلام كلّه واضحا، ويتطرّقهم من ذلك إلى الرّيبة في كونه من عند الله، فلذلك يقولون: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، ويحتمل أنّ المراد يقولون لغيرهم: أي من لم يبلغ مرتبة الرسوخ من عامة المسلمين، الذين لا قبل لهم بإدراك تأويله، ليعلّموهم الوقوف عند حدود الإيمان، وعدم التطلّع إلى ما ليس في الإمكان، وهذا يقرب ممّا قاله أهل الأصول: إنّ المجتهد لا يلزمه بيان مدركه للعامي، إذا سأله عن مأخذ الحكم، إذا كان المدرك خفيا، وبهذا يحصل الجواب عن احتجاج الفخر بهذه الجملة لترجيح الوقف على اسم الجلالة، وعلى قول المتقدّمين يكون قوله: ﴿يَقُولُونَ﴾ خبرا، وقولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ آمنّا بكونه من عند الله، وإن لم نفهم معناه.
22. ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي كل من المحكم والمتشابه، وهو على الوجهين بيان لمعنى قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، فلذلك قطعت الجملة، أي كلّ من المحكم والمتشابه، منزل من الله، وزيدت كلمة (عند) للدلالة على أنّ من هنا للابتداء الحقيقي دون المجازي، أي هو منزل من وحي الله تعالى وكلامه، وليس كقوله: ﴿مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ﴾ [النساء: 197]
23. جملة ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ تذييل، ليس من كلام الراسخين، مسوق مساق الثناء عليهم في اهتدائهم إلى صحيح الفهم، والألباب: العقول، وتقدّم عند قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ﴾ في سورة البقرة [197]
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/22.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. وجود هذين القسمين في القرآن الكريم كان سببا في أن وجد الذين زاغوا وأضلهم الله على علم سبيلا لأن يفتنوا الناس عن دينهم ويضلوهم؛ وذلك بمحاولة تأويل المتشابه من غير أن يلاحظوا الموافقة بينه وبين الآيات المحكمات وهن أم الكتاب؛ ولذا قال سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ في هذه الآية الكريمة يبين سبحانه وتعالى أن الذين يتلقون هدى القرآن قسمان، كما أن آيات القرآن قسمان، ولكلام الله تعالى المثل الأعلى:
أ. فالقسم الأول يتلقى الهدى القرآني مستضيئا بنوره آخذا بهديه؛ ما يعرفه يهتدى به، وما لا يعرفه يؤمن به، ويفوض فيه الأمر إلى ربه، ويقول: ﴿قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [ص]
ب. والقسم الثاني زاغ، فأزاغه الله عن الحق، وقد ذكر الله ذلك القسم، ويفهم القسم الأول من قوله تعالى في حق الراسخين في العلم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾
2. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ والزيغ أصل معناه في اللغة: الميل عن الاستقامة، والتزايغ التمايل، ورجل زائغ: أي مائل عن الطريق المستقيم في طلب الحق، والمعنى على هذا: أن الذين في قلوبهم زيغ، أي ميل عن طلب الحق وعدم أخذ بالمنهج المستقيم، لا يتجهون إلى المحكم يطلبون منه حكم القرآن، بل يتبعون ما تشابه من القرآن؛ لأنه بغيتهم، ويجدون في الاشتباه ما يتفق مع اعوجاج نفوسهم، وعدم استقامة تفكيرهم، وما ينطوي عليه مقصدهم الباطل؛ فإن اعوجاج القلوب يجيء من تحكم الهوى فى النفس، وإذا تحكم الهوى وسيطرت الشهوات المختلفة كشهوة التسلط والغلب وحب السلطان، وشهوة المال، وشهوة النساء، وشهوة المفاسد؛ فإن القلوب تركس، وتفسد، وتعوج، فلا تطلب الحق لذات الحق، بل تطلب ما يحقق شهوة النفوس، وأولئك لأنهم لا يطلبون الحق يتبعون المتشابه يتقصّونه ويتعرفون مواضع الريب، ليثيروا الشبهات حول الحق، ويشككون الناس فيه؛ ولذا قال سبحانه: ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾
3. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي طلبا لفتنة الناس عن دينهم وخدعهم، وإثارة الريب في قلوبهم، بأوهام يثيرونها حول المتشابه الذي جاء في القرآن، مثل أن يقولوا: ما نعيم الجنة وما جحيمها؟ و﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾ [الرعد]، وكيف يخلق الله العالم؟ وهكذا يثيرون هذه الأوهام المشتقة من مألوف الحياة الفانية، ليشككوا في حقيقة الحياة الباقية، فابتغاء الفتنة مقصودهم الأول؛ ولذا ذكر أولا، ثم أعقبه سبحانه بابتغاء التأويل فقال: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾
4. ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ فهم قد ابتغوا التأويل بانبعاث من الهوى والرغبة في تضليل الناس وإثارة الشكوك حول حقائق الدين، فالرغبة في الفتنة هي المقصد الأول، والرغبة في التفسير أو معرفة المآل جاءت تابعة إذ لا تتحقق الفتنة إلا بها، والتأويل في أصل معناه اللغوي كما قال الأصفهاني في مفرداته (من الأول أي الرجوع إلى الأصل، أي رد الشيء إلى الغاية المقصودة منه علما أو فعلا) فهو معرفة الغاية، إما بمعرفة المراد المقصود؛ ولذلك أطلق التأويل على التفسير ومعرفة ما يخفى من الحقائق وإرادة غير الظاهر لقرينة تدل عليه؛ وإما بمعرفة المآل والنتيجة عملا، كما في قوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ [الأعراف]، والتأويل الذي يبتغيه الزائغون هو معرفة المآل في الدنيا، كأن يطلبوا إنزال العذاب الذي يهددون به، وكأن يطلبوا إحياء بعض الموتى، وقد يفسرون تفسيرات المقصود منها تشويه الحقائق وتضليل العقول، وقد قصدوا في الأمرين الضلال.
5. بيّن الله تعالى بعد ذلك أن معرفة المآل عند الله تعالى وحده، ومعرفة المعنى قد يدركها الراسخون، فقال سبحانه: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ في هذا النص الكريم قراءتان:
أ. إحداهما بالوقف عند لفظ الجلالة، والابتداء بقوله تعالى في استئناف للقول: ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ وهذه القراءة يستفاد منها أن معرفة التأويل والعلم به هي لله وحده، وعلى هذا يكون التأويل بمعنى معرفة مآل ما اشتمل عليه القرآن من أخبار اليوم الآخر وغيره من مغيبات عن الحس.
ب. والقراءة الثانية بالوصل من غير وقف، بعطف الراسخين في العلم على لفظ الجلالة؛ ومعنى هذا أن العلم بالتأويل عند الله، ويعرفه الراسخون في العلم من غير زيغ مع استقامة المنهاج، ووضوح الغاية، والتأويل هنا بمعنى التفسير وتعرّف المراد علما.
6. إذا كانت قراءات القرآن سنة متبعة وكل قراءة هي بذاتها قرآن متلو مبين، فمجموع القراءتين يشير إلى أن التأويل قسمان؛.
أ. أحدهما: علم بالمآل والغاية، وهذا لا يعلمه إلا الله، كما أشارت القراءة الأولى.
ب. الثاني: علم بالتفسير والمراد من الألفاظ، وهذا يعلمه الله، وقد يعرفه الراسخون في العلم، وهم في الحالين يقولون آمنا، أي صدقنا وأذعنّا، كل من عند ربنا، فهم مفوضون مؤمنون مذعنون في حال علمهم وجهلهم، مصدقون بأن المحكم والمتشابه من عند الله، فمعنى ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ أي كل واحد منهما يجب الإيمان به من غير تشكيك، وهذا هو الفرق بين الزيغ، واستقامة الفكر؛ فالمستقيم المفكر المؤمن يتقدم الإيمان على طلب التأويل، أما الآخر فيطلب التأويل ليلقى بالريب والشك.
7. إن هذا المنهاج المستقيم الذي يطالب به الإسلام هو منهاج أهل العقول الراجحة المستقيمة، وهم الثابتون في تفكيرهم وإيمانهم، الذين لا تعبث بإيمانهم الأهواء؛ لأنه إيمان عميق، وسماهم العلى الحكيم: (الراسخين) في العلم، من الرسوخ وهو الثبات والتمكن، فالراسخ في العلم المؤمن الثابت الإيمان المتحقق الذي لا تعرض له شبهة إلا أزالها بنور بصيرته؛ إذ الشبهة كالظلمة يبددها الضوء الساطع.
8. بين سبحانه أن أولئك هم الذين يتذكرون القرآن، ويتدبرون معانيه، ويدركون مراميه، وهم ذوو الألباب حقا وصدقا؛ ولذلك ختم الله سبحانه وتعالى الآية بقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي ما يدرك الحقائق الدينية ويعتبر بها، ويتذكر ما في القرآن من عبر ومواعظ وهداية إلا أصحاب العقول الراجحة التي لا تخضع للهوى والشهوة، وفى التعبير عن إدراك الحقائق الدينية والمعاني القرآنية وتفويض الأمور إلى الله تعالى فيما يعلم ويجهل بقوله: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ إشارة إلى أن المعاني الدينية في فطرة كل إنسان، ولكن يطمسها الهوى عند بعض الناس فلا يتذكرون، وتتكشف هذه الفطرة عند الذين لم تسيطر عليهم الأهواء فيتذكرون، والله أعلم بالأنفس.
9. هذه آية المحكم والمتشابه تكلمنا في معانيها التي تفهم من ألفاظها، ولكن بعض العلماء يتكلمون في موضوع هذه الآيات المتشابهة؛ وقبل أن نخوض في ذكر بعض ما قالوا نقرر أن الذي يستخلص من مصادر الشريعة ومواردها أن الآيات المتشابهة لا يمكن أن يكون موضوعها حكما تكليفيا من الأحكام التي كلف عامة المسلمين أن يقوموا بها، وإنه لا يمكن أن تكون آية من آيات الأحكام التكليفية قد انتقل النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم إلى الرفيق الأعلى من غير أن يبينها، ولا تشابه فيها بعد أن بينتها السنة النبوية؛ لأن الله تعالى يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ [النحل] ولا شكّ أنّ من أوّل بيان ما نزل إليهم بيان الأحكام التكليفية، ولو تصور أحد أن من آيات القرآن التي تشتمل على أحكام تكليفية لم يبينه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم لكان معنى ذلك أن الرسول الكريم لم يبلغ رسالة ربه، وهذا مستحيل، لذلك نقول جازمين: إنه ليس في آيات الأحكام آية متشابهة، وإن اشتبه فهمها على بعض العقول لأنه لم يطلع على موضوعه فليس ذلك لأنها متشابهة في ذاتها، بل لاشتباه عند من لا يعلم، واشتباه من لا يعلم لا يجعل آية في القرآن متشابهة.
10. أكثر العلماء يقولون إن آيات الصفات التي توهم التشبيه هي من المتشابه كقوله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح] وقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص] وقوله تعالى: ﴿الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى﴾ [طه] فقالوا: إن السلف يفوضون فيقولون آمنا به كل من عند ربنا، والخلف يؤولون، فيقولون: إن اليد هي القدرة، والاستواء الاستيلاء، والوجه هو الذات؛ وهكذا يعتبرون تلك الآيات من المتشابه.
11. وجد من العلماء من لم يعدوا آيات الصفات من المتشابه إنما المتشابه عند أكثرهم هو ما يكون خاصا بالغيب الذي لا نعلمه، ولم يعلمه لنا، كحقيقة الروح، وما يكون من نعيم اليوم الآخر، والعقاب والثواب فيه؛ من حيث إنه لا يعرف مآله إلا الله تعالى، وما أخبره الله تعالى إن هو إلا تقريب، ففي الجنة ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، وهؤلاء الذين نفوا أن آيات الصفات من المتشابه، لهم ثلاثة مناهج:
أ. الأول: منهاج ابن حزم؛ فهو يقول إن آيات الصفات لا تشابه فيها، فهي كلها أسماء للذات العلية؛ فاليد كناية عن الذات، والوجه كذلك، والاستواء فعل للذات العلية.. وهكذا، وقصر المتشابه على الحروف التي تبدأ بها السور، والأقسام التي يقسم بها الله تعالى.
ب. الثاني: منهاج للغزالى ذكره في بعض كتبه، وهو (إلجام العوام عن علم الكلام)، وقد ذكر فيه أن بعض هذه الألفاظ التي توهم التشبيه هي استعمال مجازى مشهور، وليس تأويلا؛ فإنه يقال: وضع الأمير يده على المدينة، فيفهم كل عربي أن معنى ذلك أنه استولى عليها وسيطر، ويكون من هذا القبيل: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾ [الفتح]، فعبارات الغزالي في هذا الكتاب تفيد أن هذه العبارات مجاز عربي مشهور لا يحتاج إلى تأويل، ولكن يجب بعد هذا الفهم الظاهر التفويض وأن نقول: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾
ج. الثالث: منهاج ابن تيمية، وهو يرى أن هذه الآيات ظاهرة في معانيها، فهو يقول: إن لله يدا ولكن ليست كأيدينا، ووجها ولكن ليس كوجوهنا وإن هذه معان حقيقية، ويقول إن ذلك هو مذهب السلف؛ وهو في هذا تابع لطائفة من الحنابلة ادّعوا أن ذلك منهاج الإمام أحمد، ولكن رد عليهم ابن الجوزى، وأنكر أن يكون ذلك مذهب أحمد فقال: (رأيت من أصحابنا من تكلم في الأصول بما لا يصلح، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فأثبتوا له سبحانه صورة ووجها زائدا على الذات؛ وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، ولا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني ثم يقول: (يا أصحابنا أنتم أصحاب نقل واتباع، وإمامكم الأكبر أحمد بن حنبل رحمه الله يقول وهو تحت السياط: كيف أقول ما لم يقل! ثم قلتم في الأحاديث تحمل على ظاهرها، فظاهر اليد الجارحة، ومن قال استوى بذاته المقدسة فقد أجراه سبحانه مجرى الحسيّات، وينبغي ألا يهمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل، فإنا به عرفنا الله تعالى، وحكمنا له بالقدم) ثم يقول (لا تدخلوا في مذهب هذا الرجل الصالح ما ليس فيه)
__________
(1) زهرة التفاسير: 2/1112.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ معنى الزيغ هنا الميل والانحراف عن الحق، وابتغاء الفتنة اشارة إلى أن أصحاب المقاصد الفاسدة يطلبون المتشابه ويؤلونه تأويلا باطلا ليفسدوا القلوب، ويفتنوا الناس عن دين الحق، ويستشهدوا بمثل قوله تعالى: ﴿فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا﴾ على أن المسيح عليه السلام من جنس الله، لأن كلا منهما روح، ويتجاهلون الآيات المحكمة الواضحة، مثل قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ﴾، وقوله: ﴿مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ﴾، وقوله: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾.. بالإضافة إلى أن الله سبحانه نفخ في آدم من روحه، حيث قال عز من قائل: ﴿فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي﴾، فينبغي أن يكون آدم على زعمهم إلها، والفرق تحكم.
2. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، قال بعض الناس: يجب الوقوف عند لفظ الجلالة، أما الراسخون في العلم فكلام مستأنف، والمعنى ان الله قد استأثر وحده بعلم المتشابه دون العلماء الراسخين في العلم، ويلاحظ على هذا القول بأن الله سبحانه حكيم لا يخاطب الناس بأشياء لا يفهمونها، ولا يريد أن يفهموها.. كما سبق بيانه.. والصحيح ان الراسخين في العلم معطوف على لفظ الجلالة، وان المعنى يعلم تأويل المتشابه الله والراسخون في العلم، قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: ذاك القرآن الصامت، وأنا القرآن الناطق، وكان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين في العلم، أنا أعلم تأويله.
3. تجمل الاشارة إلى أن العالم الحق هو الذي يحجم عن القول من غير علم، بل من الرسوخ في العلم الاحجام عن القول من غير علم، وفي الحديث: الوقوف عند الشبهات خير من الاقتحام في الهلكات.
4. سؤال وإشكال: لماذا جعل الله سبحانه بعض آيات القرآن محكمة يفهمها الجميع، وبعضها متشابهة لا يفهمها إلا الراسخون في العلم، ولم يجعلها واضحة بكاملها، يستوي في فهمها العالم والجاهل؟، والجواب: أجيب عن هذا السؤال بأجوبة عديدة، أرجحها ان دعوة القرآن موجهة إلى العالم والجاهل، والذكي والبليد، وان من المعاني ما هو معروف ومألوف للجميع، ولا تحتاج معرفته إلى علم ودراسة، فيكشف عنه بعبارة واضحة يفهمها كل مخاطب، ومنها ما هو عميق ودقيق لا يفهم إلا بعد الدرس والعلم، ولا يمكن فهمه من غير مؤهلات لذلك مهما كان التعبير، وهذه حقيقة يعرفها كل انسان.. فالواقع ـ إذن ـ هو الذي يحتم أن تكون بعض الآيات ظاهرة المعنى، دون بعض.. بالإضافة إل أن الحكمة تستدعي أحيانا الإبهام، كقوله تعالى، على لسان نبيه: ﴿وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ﴾
5. ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، هذا كلام مستأنف، والمعنى ان العالم المؤمن حقا يقول: ان كلا من المحكم والمتشابه وحي من الله.. ومن تجاهل المحكم، وتشبث بالمتشابه ابتغاء الدس والفتنة فهو فاسد القصد، مريض القلب.
6. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ الذين يدركون الحكمة من وجود المحكم والمتشابه في القرآن، ولا يتخذون من المتشابه وسيلة للتمويه والتضليل، شأن من يحاول الطعن في الإسلام.
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/14.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، الزيغ هو الميل عن الاستقامة، ويلزمه اضطراب القلب وقلقه بقرينة ما يقابله في ذيل الآية من قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، فإن الآية تصف حال الناس بالنسبة إلى تلقي القرآن بمحكمه ومتشابهه، وأن منهم من هو زائغ القلب ومائله ومضطربه فهو يتبع المتشابه ابتغاء للفتنة والتأويل، ومنهم من هو راسخ العلم مستقر القلب يأخذ بالمحكم ويؤمن بالمتشابه ولا يتبعه، ويسأل الله تعالى أن لا يزيغ قلبه بعد الهداية.
2. من هنا يظهر: أن المراد باتباع المتشابه اتباعه عملا لا إيمانا، وأن هذا الاتباع المذموم اتباع للمتشابه من غير إرجاعه إلى المحكم، إذ على هذا التقدير يصير الاتباع اتباعا للمحكم ولا ذم فيه، والمراد بابتغاء الفتنة طلب إضلال الناس، فإن الفتنة تقارب الإضلال في المعنى، يريدون باتباع المتشابه إضلال الناس في آيات الله سبحانه.
3. أمر آخر هو أعظم من ذلك، وهو الحصول والوقوف على تأويل القرآن ومآخذ أحكام الحلال والحرام حتى يستغنوا عن اتباع محكمات الدين فينتسخ بذلك دين الله من أصله، والتأويل من الأول وهو الرجوع فتأويل المتشابه هو المرجع الذي يرجع إليه، وتأويل القرآن هو المأخذ الذي يأخذ منه معارفه، وقد ذكر الله سبحانه لفظ التأويل في موارد من كلامه فقال سبحانه: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾، أي بالحق فيما أخبروا به وأنبئوا أن الله هو مولاهم الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن النبوة حق، وأن الدين حق، وأن الله يبعث من في القبور، وبالجملة كل ما يظهر حقيقته يوم القيامة من أنباء النبوة وأخبارها، ومن هنا ما قيل: إن التأويل في الآية هو الخارج الذي يطابقه الخبر الصادق كالأمور المشهودة يوم القيامة التي هي مطابقات (اسم مفعول) أخبار الأنبياء والرسل والكتب، ويرده: أن التأويل على هذا يختص بالآيات المخبرة عن الصفات وبعض الأفعال وعن ما سيقع يوم القيامة، وأما الآيات المتضمنة لتشريع الأحكام فإنها لاشتمالها على الإنشاء لا مطابق لها في الخارج عنها، وكذا ما دل منها على ما يحكم به صريح العقل كعدة من أحكام الأخلاق فإن تأويلها معها، وكذا ما دل على قصص الأنبياء والأمم الماضية فإن تأويلها على هذا المعنى يتقدمها من غير أن يتأخر إلى يوم القيامة مع أن ظاهر الآية يضيف التأويل إلى الكتاب كله لا إلى قسم خاص من آياته، ومثلها قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ هَذَا الْقُرْآنُ أَنْ يُفْتَرَى﴾ إلى أن قال: ﴿أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ إلى أن قال: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾، والآيات كما ترى تضيف التأويل إلى مجموع الكتاب، ولذلك ذكر بعضهم أن التأويل هو الأمر العيني الخارجي الذي يعتمد عليه الكلام، وهو في مورد الأخبار المخبر به الواقع في الخارج، إما سابقا كقصص الأنبياء والأمم الماضية، وإما لاحقا كما في الآيات المخبرة عن صفات الله وأسمائه ومواعيده وكل ما سيظهر يوم القيامة، وفي مورد الإنشاء كآيات الأحكام المصالح المتحققة في الخارج كما في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾، فإن تأويل إيفاء الكيل وإقامة الوزن هو المصلحة المترتبة عليهما في المجتمع وهو استقامة أمر الاجتماع الإنساني، وفيه:
أ. أولا: أن ظاهر هذه الآية: أن التأويل أمر خارجي وأثر عيني مترتب على فعلهم الخارجي الذي هو إيفاء الكيل وإقامة الوزن لا الأمر التشريعي الذي يتضمنه قوله: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا﴾ الآية، فالتأويل أمر خارجي هو مرجع ومآل لأمر خارجي آخر فتوصيف آيات الكتاب بكونها ذات تأويل من جهة حكايتها عن معان خارجية (كما في الإخبار) أو تعلقها بأفعال أو أمور خارجية (كما في الإنشاء) لها تأويل، فالوصف وصف بحال متعلق الشيء لا بحال نفس الشيء.
ب. ثانيا: أن التأويل وإن كان هو المرجع الذي يرجع ويئول إليه الشيء لكنه رجوع خاص لا كل رجوع، فإن المرؤوس يرجع إلى رئيسه وليس بتأويل له، والعدد يرجع إلى الواحد وليس بتأويل له، فلا محالة هو مرجع بنحو خاص لا مطلقا، يدل على ذلك:
• قوله تعالى في قصة موسى والخضر عليه السلام: ﴿سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، والذي نبأه لموسى صور وعناوين لما فعله عليه السلام في موارد ثلاث كان موسى عليه السلام قد غفل عن تلك الصور والعناوين، وتلقى بدلها صورا وعناوين أخرى أوجبت اعتراضه بها عليه، فالموارد الثلاث: هي قوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَنْ يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنْقَضَّ فَأَقَامَهُ﴾، والذي تلقاه موسى عليه السلام من صور هذه القضايا وعناوينها قوله: ﴿أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا﴾، وقوله: ﴿أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا﴾، وقوله: ﴿لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ﴾ ﴿أَجْرًا﴾، والذي نبأ به الخضر من التأويل قوله: ﴿أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدْتُ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَنْ يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا فَأَرَدْنَا أَنْ يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنْزٌ لَهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنْزَهُمَا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾، ثم أجاب عن جميع ما اعترض عليه موسى عليه السلام جملة بقوله: ﴿وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي﴾، فالذي أريد من التأويل في هذه الآيات كما ترى هو رجوع الشيء إلى صورته وعنوانه نظير رجوع الضرب إلى التأديب ورجوع الفصد إلى العلاج، لا نظير رجوع قولنا: جاء زيد إلى مجيء زيد في الخارج.
• ويقرب من ذلك ما ورد من لفظ التأويل في عدة مواضع من قصة يوسف عليه السلام كقوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾، فرجوع ما رآه من الرؤيا إلى سجود أبويه وإخوته له وإن كان رجوعا لكنه من قبيل رجوع المثال إلى الممثل، وكذا قوله تعالى: ﴿وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ يُوسُفُ أَيُّهَا الصِّدِّيقُ أَفْتِنَا﴾ إلى أن قال ﴿قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا فَمَا حَصَدْتُمْ فَذَرُوهُ فِي سُنْبُلِهِ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تَأْكُلُونَ ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ يَأْكُلْنَ مَا قَدَّمْتُمْ لَهُنَّ إِلَّا قَلِيلًا مِمَّا تُحْصِنُونَ﴾، وكذا قوله تعالى: ﴿وَدَخَلَ مَعَهُ السِّجْنَ فَتَيَانِ قَالَ أَحَدُهُمَا إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزًا تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ إلى أن قال ﴿يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ﴾، وكذا قوله تعالى: ﴿وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾، فقد استعمل التأويل في جميع هذه الموارد من قصة يوسف عليه السلام فيما يرجع إليه الرؤيا من الحوادث، وهو الذي كان يراه النائم فيما يناسبه من الصورة والمثال، فنسبة التأويل إلى ذي التأويل نسبة المعنى إلى صورته التي يظهر بها، والحقيقة المتمثلة إلى مثالها الذي تتمثل به، كما كان الأمر يجري هذا المجرى فيما أوردناه من الآيات في قصة موسى والخضر عليه السلام، وكذا في قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ الآية.
4. التدبر في آيات القيامة يعطي أن المراد هو ذلك أيضا في لفظة التأويل في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ الآية، وقوله تعالى (﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ﴾) الآية، فإن أمثال قوله تعالى: ﴿لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ﴾، تدل على أن مشاهدة وقوع ما أخبر به الكتاب وأنبأ به الأنبياء يوم القيامة من غير سنخ المشاهدة الحسية التي نعهدها في الدنيا كما أن نفس وقوعها والنظام الحاكم فيها غير ما نألفه في نشأتنا هذه، وسيجيء مزيد بيان له فرجوع أخبار الكتاب والنبوة إلى مضامينها الظاهرة يوم القيامة ليس من قبيل رجوع الإخبار عن الأمور المستقبلة إلى تحقق مضامينها في المستقبل.
5. تبين بما مر:
أ. أولا: أن كون الآية ذات تأويل ترجع إليه غير كونها متشابهة ترجع إلى آية محكمة.
ب. ثانيا: أن التأويل لا يختص بالآيات المتشابهة بل لجميع القرآن تأويل فللآية المحكمة تأويل كما أن للمتشابهة تأويلا.
ج. ثالثا: أن التأويل ليس من المفاهيم التي هي مداليل للألفاظ بل هو من الأمور الخارجية العينية، واتصاف الآيات بكونها ذات تأويل من قبيل الوصف بحال المتعلق، وأما إطلاق التأويل وإرادة المعنى المخالف لظاهر اللفظ، فاستعمال مولد نشأ بعد نزول القرآن لا دليل أصلا على كونه هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية، كما لا دليل على أكثر المعاني المذكورة للتأويل مما سننقله عن قريب.
6. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، ظاهر الكلام رجوع الضمير إلى ما تشابه، لقربه كما هو الظاهر أيضا في قوله: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾، وقد عرفت أن ذلك لا يستلزم كون التأويل مقصورا على الآيات المتشابهة، ومن الممكن أيضا رجوع الضمير إلى الكتاب كالضمير في قوله: ﴿مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾
7. ظاهر الحصر كون العلم بالتأويل مقصورا عليه سبحانه، وأما قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، فظاهر الكلام أن الواو للاستئناف بمعنى كونه طرفا للترديد الذي يدل عليه قوله في صدر الآية: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، والمعنى: أن الناس في الأخذ بالكتاب قسمان: فمنهم من يتبع ما تشابه منه ومنهم من يقول إذا تشابه عليه شيء منه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وإنما اختلفا لاختلافهم من جهة زيغ القلب ورسوخ العلم.
8. على أنه لو كان الواو للعطف وكان المراد بالعطف تشريك الراسخين في العلم بالتأويل كان منهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وهو أفضلهم وكيف يتصور أن ينزل القرآن على قلبه وهو لا يدري ما أريد به ومن دأب القرآن إذا ذكر الأمة أو وصف أمر جماعة وفيهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أن يفرده بالذكر أولا ويميزه بالشخص تشريفا له وتعظيما لأمره ثم يذكرهم جميعا كقوله تعالى: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا﴾، وقوله تعالى: ﴿لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ﴾، إلى غير ذلك، فلو كان المراد بقوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، أنهم عالمون بالتأويل ـ ورسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم منهم قطعا ـ كان حق الكلام كما عرفت أن يقال: وما يعلم تأويله إلا الله ورسوله والراسخون في العلم، هذا وإن أمكن أن يقال: إن قوله في صدر الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾.. يدل على كون النبي عالما بالكتاب فلا حاجة إلى ذكره ثانيا.
9. فالظاهر أن العلم بالتأويل مقصور في الآية عليه تعالى، ولا ينافي ذلك ورود الاستثناء عليه كما أن الآيات دالة على انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه كما في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾، ولا ينافيه أيضا كون المستثنى الراسخين في العلم بعينهم، إذ لا منافاة بين أن تدل هذه الآية على شأن من شئون الراسخين في العلم، وهو الوقوف عند الشبهة والإيمان والتسليم في مقابل الزائغين قلبا وبين أن تدل آيات أخر على أنهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته على ما سيجيء بيانه.
10. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، الرسوخ هو أشد الثبات، ووقوع الراسخين في العلم في مقابلة الذين في قلوبهم زيغ ثم توصيفهم بأنهم يقولون آمنا به كل من عند ربنا يدل على تمام تعريفهم، وهو أن لهم علما بالله وبآياته لا يدخله ريب وشك، فما حصل لهم من العلم بالمحكمات ثابت لا يتزلزل، وهم يؤمنون به ويتبعونه أي يعلمون به وإذا وردت عليهم آية متشابهة لم يوجب تشابهها اضطراب قلوبهم فيما عندهم من العلم الراسخ بل آمنوا بها وتوقفوا عن اتباعها عملا.
11. في قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ذكر الدليل والنتيجة معا فإن كون المحكم والمتشابه جميعا من عند الله تعالى يوجب الإيمان بالكل: محكمه ومتشابهه، ووضوح المراد في المحكم يوجب اتباعه عملا، والتوقف في المتشابه من غير رده لأنه من عند الله ولا يجوز اتباع ما ينافي المحكم من معانيه المتشابهة لسطوع البيان في المحكم فيجب أن يتبع من معانيه المحتملة ما يوافق معنى المحكم، وهذا بعينه إرجاع المتشابه إلى المحكم فقوله: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ بمنزلة الدليل على الأمرين جميعا، أعني: الإيمان والعمل في المحكم، والإيمان فقط في المتشابه والرجوع في العمل إلى المحكم.
12. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، التذكر هو الانتقال إلى دليل الشيء لاستنتاجه، ولما كان قولهم: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ كما مر استدلالا منهم وانتقالا لما يدل على فعلهم سماه الله تعالى تذكرا ومدحهم به، والألباب جمع لب وهو العقل الزكي الخالص من الشوائب، وقد مدحهم الله تعالى مدحا جميلا في موارد من كلامه، وعرفهم بأنهم أهل الإيمان بالله والإنابة إليه واتباع أحسن القول، ثم وصفهم بأنهم على ذكر من ربهم دائما فأعقب ذلك أنهم أهل التذكر أي الانتقال إلى المعارف الحقة بالدليل وأهل الحكمة والمعرفة، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوهَا وَأَنَابُوا إِلَى اللَّهِ لَهُمُ الْبُشْرَى فَبَشِّرْ عِبَادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَاهُمُ اللَّهُ وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، وهذا الذكر الدائم وما يتبعه من التذلل والخضوع هو الإنابة الموجبة لتذكرهم بآيات الله وانتقالهم إلى المعارف الحقة كما قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾، وقد قال: ﴿وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ﴾
13. اختلف في معنى التأويل في قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾:
أ. فسر قوم من المفسرين التأويل بالتفسير وهو المراد من الكلام وإذ كان المراد من بعض الآيات معلوما بالضرورة كان المراد بالتأويل على هذا من قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية هو المعنى المراد بالآية، المتشابهة، فلا طريق إلى العلم بالآيات المتشابه على هذا القول لغير الله سبحانه أو لغيره وغير الراسخين في العلم.
ب. وقالت طائفة أخرى: إن المراد بالتأويل: هو المعنى المخالف لظاهر اللفظ، وقد شاع هذا المعنى بحيث عاد اللفظ حقيقة ثانية فيه بعد ما كان بحسب اللفظ لمعنى مطلق الإرجاع أو المرجع، وكيف كان فهذا المعنى هو الشائع عند المتأخرين كما أن المعنى الأول هو الذي كان شائعا بين قدماء المفسرين سواء فيه من كان يقول: إن التأويل لا يعلمه إلا الله، ومن كان يقول إن الراسخين في العلم أيضا يعلمونه كما نقل عن ابن عباس أنه كان يقول: أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله.
ج. وذهب طائفة أخرى: إلى أن التأويل معنى من معاني الآية لا يعلمه إلا الله تعالى، أو لا يعلمه إلا الله والراسخون في العلم مع عدم كونه خلاف ظاهر اللفظ، فيرجع الأمر إلى أن للآية المتشابهة معاني متعددة بعضها تحت بعض، منها ما هو تحت اللفظ يناله جميع الأفهام، ومنها ما هو أبعد منه لا يناله إلا الله سبحانه أو هو تعالى والراسخون في العلم، وقد اختلفت أنظارهم في كيفية ارتباط هذه المعاني باللفظ فإن من المتيقن أنها من حيث كونها مرادة من اللفظ ليست في عرض واحد وإلا لزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد وهو غير جائز على ما بين في محله، فهي لا محالة معان مترتبة في الطول:
• فقيل: إنها لوازم معنى اللفظ إلا أنها لوازم مترتبة بحيث يكون للفظ معنى مطابقي وله لازم وللازمه لازم وهكذا.
• وقيل: إنها معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره، فإرادة المعنى المعهود المألوف إرادة لمعنى اللفظ وإرادة لباطنه بعين إرادته نفسه كما إنك إذا قلت: اسقني فلا تطلب بذاك إلا السقي وهو بعينه طلب للإرواء، وطلب لرفع الحاجة الوجودية، وطلب للكمال الوجودي وليس هناك أربعة أوامر ومطالب، بل الطلب الواحد المتعلق بالسقي متعلق بعينه بهذه الأمور التي بعضها في باطن بعض والسقي مرتبط بها ومعتمد عليها.
د. وهاهنا قول رابع: وهو أن التأويل ليس من قبيل المعاني المرادة باللفظ، بل هو الأمر العيني الذي يعتمد عليه الكلام، فإن كان الكلام حكما إنشائيا كالأمر والنهي فتأويله المصلحة التي توجب إنشاء الحكم وجعله وتشريعه، فتأويل قوله: ﴿أَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ مثلا هو الحالة النورانية الخارجية التي تقوم بنفس المصلي في الخارج فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وإن كان الكلام خبريا فإن كان إخبارا عن الحوادث الماضية كان تأويله نفس الحادثة الواقعة في ظرف الماضي كالآيات المشتملة على أخبار الأنبياء والأمم الماضية فتأويلها نفس القضايا الواقعة في الماضي، وإن كان إخبارا عن الحوادث والأمور الحالية والمستقبلة فهو على قسمين:
• فإما أن يكون المخبر به من الأمور التي تناله الحواس أو تدركه العقول كان أيضا تأويله ما هو في الخارج من القضية الواقعة كقوله تعالى: ﴿وَفِيكُمْ سَمَّاعُونَ لَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ﴾
• وإن كان من الأمور المستقبلة الغيبية التي لا تناله حواسنا الدنيوية ولا يدرك حقيقتها عقولنا كالأمور المربوطة بيوم القيامة ووقت الساعة وحشر الأموات والجمع والسؤال والحساب وتطاير الكتب، أو كان مما هو خارج من سنخ الزمان وإدراك العقول كحقيقة صفاته وأفعاله تعالى فتأويلها أيضا نفس حقائقها الخارجية.
والفرق بين هذا القسم أعني الآيات المبينة لحال صفات الله تعالى وأفعاله وما يلحق بها من أحوال يوم القيامة ونحوها وبين الأقسام الأخر أن الأقسام الأخر يمكن حصول العلم بتأويلها بخلاف هذا القسم، فإنه لا يعلم حقيقة تأويله إلا الله تعالى، نعم يمكن أن يناله الراسخون في العلم بتعليم الله تعالى بعض النيل على قدر ما تسعه عقولهم، وأما حقيقة الأمر الذي هو حق التأويل فهو مما استأثر الله سبحانه بعلمه.
14. هذا هو الذي يتحصل من مذاهبهم في معنى التأويل، وهي أربعة، وهاهنا أقوال أخر ذكروها هي في الحقيقة من شعب القول الأول وإن تحاشى القائلون بها عن قبوله:
أ. فمن جملتها أن التفسير أعم من التأويل وأكثر استعماله في الألفاظ ومفرداتها وأكثر استعمال التأويل في المعاني والجمل، وأكثر ما يستعمل التأويل في الكتب الإلهية، ويستعمل التفسير فيها وفي غيرها.
ب. ومن جملتها: أن التفسير بيان معنى اللفظ الذي لا يحتمل إلا وجها واحدا والتأويل تشخيص أحد محتملات اللفظ بالدليل استنباطا.
ج. ومن جملتها: أن التفسير بيان المعنى المقطوع من اللفظ والتأويل ترجيع أحد المحتملات من المعاني غير المقطوع بها، وهو قريب من سابقه.
د. ومن جملتها: أن التفسير بيان دليل المراد والتأويل بيان حقيقة المراد، مثاله: قوله تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ﴾ فتفسيره: أن المرصاد مفعال من قولهم: رصد يرصد إذا راقب، وتأويله التحذير عن التهاون بأمر الله والغفلة عنه.
هـ. ومن جملتها: أن التفسير بيان المعنى الظاهر من اللفظ والتأويل بيان المعنى المشكل.
و. ومن جملتها: أن التفسير يتعلق بالرواية والتأويل يتعلق بالدراية.
ز. ومن جملتها: أن التفسير يتعلق بالاتباع والسماع والتأويل يتعلق بالاستنباط والنظر.
15. هذه سبعة أقوال هي في الحقيقة من شعب القول الأول الذي نقلناه، يرد عليها ما يرد عليه وكيف كان فلا يصح الركون إلى شيء من هذه الأقوال الأربعة وما ينشعب منها:
أ. أما إجمالا: فلأنك قد عرفت: أن المراد بتأويل الآية ليس مفهوما من المفاهيم تدل عليه الآية سواء كان مخالفا لظاهرها أو موافقا، بل هو من قبيل الأمور الخارجية، ولا كل أمر خارجي حتى يكون المصداق الخارجي للخبر تأويلا له، بل أمر خارجي مخصوص نسبته إلى الكلام نسبة الممثل إلى المثل بفتحتين والباطن إلى الظاهر.
ب. وأما تفصيلا فهو في المسألة التالية.
16. لا يصح الركون إلى شيء من هذه الأقوال الأربعة لما يلي:
أ. يرد على القول الأول: أن أقل ما يلزمه أن يكون بعض الآيات القرآنية لا ينال تأويلها أي تفسيرها أي المراد من مداليلها اللفظية عامة الأفهام، وليس في القرآن آيات كذلك بل القرآن ناطق بأنه إنما أنزل قرآنا ليناله الأفهام، ولا مناص لصاحب هذا القول إلا أن يختار أن الآيات المتشابهة إنما هي فواتح السور من الحروف المقطعة حيث لا ينال معانيها عامة الأفهام، ويرد عليه: أنه لا دليل عليه، ومجرد كون التأويل مشتملا على معنى الرجوع وكون التفسير أيضا غير خال عن معنى الرجوع لا يوجب كون التأويل هو التفسير كما أن الأم مرجع لأولادها وليست بتأويل لهم، والرئيس مرجع للمرؤوس وليس بتأويل له، على أن ابتغاء الفتنة عد في الآية خاصة مستقلة للتشابه وهو يوجد في غير فواتح السور فإن أكثر الفتن المحدثة في الإسلام إنما حدثت باتباع علل الأحكام وآيات الصفات وغيرها.
ب. أما القول الثاني فيرد عليه: أن لازمه وجود آيات في القرآن أريد بها معان يخالفها ظاهرها الذي يوجب الفتنة في الدين بتنافيه مع المحكمات، ومرجعه إلى أن في القرآن اختلافا بين الآيات لا يرتفع إلا بصرف بعضها عن ظواهرها إلى معان لا يفهمها عامة الأفهام، وهذا يبطل الاحتجاج الذي في قوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، إذ لو كان ارتفاع اختلاف آية مع آية بأن يقال: إنه أريد بإحداهما أو بهما معا غير ما يدل عليه الظاهر بل معنى تأويلي باصطلاحهم لا يعلمه إلا الله سبحانه مثلا لم تنجح حجة الآية، فإن انتفاء الاختلاف بالتأويل باصطلاحهم في كل مجموع من الكلام ولو كان لغير الله أمر ممكن، ولا دلالة فيه على كونه غير كلام البشر، إذ من الواضح أن كل كلام حتى القطعي الكذب واللغو يمكن إرجاعه إلى الصدق والحق بالتأويل والصرف عن ظاهره، فلا يدل ارتفاع الاختلاف بهذا المعنى عن مجموع كلام على كونه كلام من يتعالى عن اختلاف الأحوال، وتناقض الآراء، والسهو والنسيان والخطاء والتكامل بمرور الزمان كما هو المعني بالاحتجاج في الآية، فالآية بلسان احتجاجها صريح في أن القرآن معرض لعامة الأفهام، ومسرح للبحث والتأمل والتدبر، وليس فيه آية أريد بها معنى يخالف ظاهر الكلام العربي ولا أن فيه أحجية وتعمية.
ج. أما القول الثالث فيرد عليه: أن اشتمال الآيات القرآنية على معان مترتبة بعضها فوق بعض وبعضها تحت بعض مما لا ينكره إلا من حرم نعمة التدبر، إلا أنها جميعا ـ وخاصة لو قلنا إنها لوازم المعنى ـ مداليل لفظية مختلفة من حيث الانفهام وذكاء السامع المتدبر وبلادته، وهذا لا يلائم قوله تعالى في وصف التأويل: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾، فإن المعارف العالية والمسائل الدقيقة لا يختلف فيها الأذهان من حيث التقوي وطهارة النفس بل من حيث الحدة وعدمها، وإن كانت التقوي وطهارة النفس معينين في فهم المعارف الطاهرة الإلهية لكن ذلك ليس على نحو الدوران والعلية كما هو ظاهر قوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾
د. أما القول الرابع فيرد عليه: أنه وإن أصاب في بعض كلامه لكنه أخطأ في بعضه الآخر فإنه وإن أصاب في القول بأن التأويل لا يختص بالمتشابه بل يوجد لجميع القرآن، وأن التأويل ليس من سنخ المدلول اللفظي بل هو أمر خارجي يبتني عليه الكلام لكنه أخطأ في عد كل أمر خارجي مرتبط بمضمون الكلام حتى مصاديق الأخبار الحاكية عن الحوادث الماضية والمستقبلة تأويلا للكلام، وفي حصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات وآيات القيامة، توضيحه: أن المراد حينئذ من التأويل في قوله تعالى: ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ الآية إما أن يكون تأويل القرآن برجوع ضميره إلى الكتاب فلا يستقيم قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية فإن كثيرا من تأويل القرآن وهو تأويلات القصص بل الأحكام أيضا وآيات الأخلاق مما يمكن أن يعلمه غيره تعالى وغير الراسخين في العلم من الناس حتى الزائغون قلبا على قوله فإن الحوادث التي تدل عليها آيات القصص يتساوى في إدراكها جميع الناس من غير أن يحرم عنه بعضهم، وكذا الحقائق الخلقية والمصالح التي يوجدها العمل بالأحكام من العبادات والمعاملات وسائر الأمور المشرعة، وإن كان المراد بالتأويل فيه تأويل المتشابه فقط استقام الحصر في قوله: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية، وأفاد أن غيره تعالى وغير الراسخين في العلم مثلا لا ينبغي لهم ابتغاء تأويل المتشابه، وهو يؤدي إلى الفتنة وإضلال الناس لكن لا وجه لحصر المتشابه الذي لا يعلم تأويله في آيات الصفات والقيامة فإن الفتنة والضلال كما يوجد في تأويلها يوجد في تأويل غيرها من آيات الأحكام والقصص وغيرهما كأن يقول القائل (وقد قيل) إن المراد من تشريع الأحكام إحياء الاجتماع الإنساني بإصلاح شأنه بما ينطبق على الصلاح، فلو فرض أن صلاح المجتمع في غير الحكم المشرع، أو أنه لا ينطبق على صلاح الوقت وجب اتباعه وإلغاء الحكم الديني المشرع، وكأن يقول القائل (وقد قيل) إن المراد من كرامات الأنبياء المنقولة في القرآن أمور عادية، وإنما نقل بألفاظ ظاهرها خلاف العادة لصلاح استمالة قلوب العامة لانجذاب نفوسهم وخضوع قلوبهم لما يتخيلونه خارقا للعادة قاهرا لقوانين الطبيعة، ويوجد في المذاهب المنشعبة المحدثة في الإسلام شيء كثير من هذه الأقاويل، وجميعها من التأويل في القرآن ابتغاء للفتنة بلا شك، فلا وجه لقصر المتشابه على آيات الصفات وآيات القيامة.
17. إذا عرفت ما مر علمت: أن الحق في تفسير التأويل أنه الحقيقة الواقعية التي تستند إليها البيانات القرآنية من حكم أو موعظة أو حكمة، وأنه موجود لجميع الآيات القرآنية: محكمها ومتشابهها، وأنه ليس من قبيل المفاهيم المدلول عليها بالألفاظ بل هي من الأمور العينية المتعالية من أن يحيط بها شبكات الألفاظ، وإنما قيدها الله سبحانه بقيد الألفاظ لتقريبها من أذهاننا بعض التقريب فهي كالأمثال تضرب ليقرب بها المقاصد وتوضح بحسب ما يناسب فهم السامع كما قال تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾ وفي القرآن تصريحات وتلويحات بهذا المعنى، على أنك قد عرفت فيما مر من البيان أن القرآن لم يستعمل لفظ التأويل في الموارد التي ـ استعملها وهي ستة عشر موردا على ما عدت ـ إلا في المعنى الذي ذكرناه.
18. سؤال وإشكال: هل يعلم تأويل القرآن غير الله سبحانه؟ والجواب: هذه المسألة أيضا من موارد الخلاف الشديد بين المفسرين، ومنشؤه الخلاف الواقع بينهم في تفسير قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ الآية، وأن الواو هل هو للعطف أو للاستئناف:
أ. فذهب بعض القدماء والشافعية ومعظم المفسرين من الشيعة إلى أن الواو للعطف وأن الراسخين في العلم يعلمون تأويل المتشابه من القرآن.
ب. وذهب معظم القدماء والحنفية من أهل السنة إلى أنه للاستئناف وأنه لا يعلم تأويل المتشابه إلا الله وهو مما استأثر الله سبحانه بعلمه.
19. استدلت الطائفة الأولى على مذهبها بوجوه كثيرة، وببعض الروايات، والطائفة الثانية بوجوه أخر وعدة من الروايات الواردة في أن تأويل المتشابهات مما استأثر الله سبحانه بعلمه وتمادت كل طائفة في مناقضة صاحبتها والمعارضة مع حججها.
20. الذي ينبغي أن يتنبه له الباحث في المقام أن المسألة لم تخل عن الخلط والاشتباه من أول ما دارت بينهم ووقعت موردا للبحث والتنقير، فاختلط رجوع المتشابه إلى المحكم، وبعبارة أخرى المعنى المراد من المتشابه بتأويل الآية كما ينبئ به ما عنونا به المسألة وقررنا عليه الخلاف وقول كل من الطرفين آنفا، ولذلك تركنا التعرض لنقل حجج الطرفين لعدم الجدوى في إثباتها أو نفيها بعد ابتنائها على الخلط وأما الروايات فإنها مخالفة لظاهر الكتاب:
أ. فإن الروايات المثبتة، أعني الدالة على أن الراسخين في العلم يعلمون التأويل فإنها أخذت التأويل مرادفا للمعنى المراد من لفظ المتشابه ولا تأويل في القرآن بهذا المعنى، كما روي من طرق أهل السنة: أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم دعا لابن عباس فقال: اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل، وما روي من قول ابن عباس: أنا من الراسخين في العلم وأنا أعلم تأويله، ومن قوله: إن المحكمات هي الآيات الناسخة ـ والمتشابهات هي المنسوخة، فإن لازم هذه الروايات على ما فهموه أن يكون معنى الآية المحكمة تأويلا للآية المتشابهة وهو الذي أشرنا إليه أن التأويل بهذا المعنى ليس موردا لنظر الآية.
ب. أما الروايات النافية أعني الدالة على أن غيره لا يعلم تأويل المتشابهات مثل ما روي: أن ابن عباس كان يقرأ: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ ـ ويقول الراسخون في العلم آمنا به وكذلك كان يقرأ أبي بن كعب، وما روي أن ابن مسعود كان يقرأ: وإن تأويله إلا عند الله والراسخون في العلم يقولون آمنا به، فهذه لا تصلح لإثبات شيء:
• أما أولا: فلأن هذه القراءات لا حجية فيها.
• وأما ثانيا: فلأن غاية دلالتها أن الآية لا تدل على علم الراسخين في العلم بالتأويل وعدم دلالة الآية عليه غير دلالتها على عدمه كما هو المدعى، فمن الممكن أن يدل عليه دليل آخر، ومثل ما في الدر المنثور، عن الطبراني عن أبي مالك الأشعري أنه سمع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا أخاف على أمتي إلا ثلاث خصال ـ أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المؤمن يبتغي تأويله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، وأن يكثر علمهم فيضيعونه ولا يبالون به)، وهذا الحديث على تقدير دلالته على النفي لا يدل إلا على نفيه عن مطلق المؤمن لا عن خصوص الراسخين في العلم ولا ينفع المستدل إلا الثاني، ومثل الروايات الدالة على وجوب اتباع المحكم والإيمان بالمتشابه، وعدم دلالتها على النفي مما لا يرتاب فيه، ومثل ما في تفسير الآلوسي، عن ابن جرير عن ابن عباس مرفوعا: أنزل القرآن على أربعة أحرف: حلال وحرام لا يعذر أحد بجهالته، وتفسير تفسره العلماء، ومتشابه لا يعلمه إلا الله، ومن ادعى علمه سوى الله تعالى فهو كاذب، والحديث مع كونه مرفوعا ومعارضا بما نقل عنه من دعوة الرسول له وادعائه العلم به لنفسه مخالف لظاهر القرآن: أن التأويل غير المعنى المراد بالمتشابه على ما عرفت فيما مر.
21. الذي ينبغي أن يقال: أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى، وأما هذه الآية فلا دلالة لها على ذلك:
أ. أما الجهة الثانية فلما مر في البيان السابق: أن الآية بقرينة صدرها وذيلها وما تتلوها من الآيات إنما هي في مقام بيان انقسام الكتاب إلى المحكم والمتشابه، وتفرق الناس في الأخذ بها فهم بين مائل إلى اتباع المتشابه لزيغ في قلبه وثابت على اتباع المحكم والإيمان بالمتشابه لرسوخ في علمه، فإنما القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمهم، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك إلا وجوه غير تامة تقدمت الإشارة، إليها فيبقى الحصر المدلول عليه بقوله تعالى: ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ من غير ناقض ينقضه من عطف واستثناء وغير ذلك، فالذي تدل عليه الآية هو انحصار العلم بالتأويل فيه تعالى واختصاصه به، لكنه لا ينافي دلالة دليل منفصل يدل على علم غيره تعالى به بإذنه كما في نظائره مثل العلم بالغيب قال تعالى ﴿قُلْ لَا يَعْلَمُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، وقال تعالى: ﴿إِنَّمَا الْغَيْبُ لله﴾، وقال تعالى: ﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ﴾، فدل جميع ذلك على الحصر ثم قال تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ﴾ ﴿رَسُولٌ﴾، فأثبت ذلك لبعض من هو غيره وهو من ارتضى من رسول، ولذلك نظائر في القرآن.
ب. وأما الجهة الأولى: وهي أن القرآن يدل على جواز العلم بتأويله لغيره تعالى في الجملة ـ فبيانه: أن الآيات كما عرفت تدل على أن تأويل الآية أمر خارجي نسبته إلى مدلول الآية نسبة الممثل إلى المثل، فهو وإن لم يكن مدلولا للآية بما لها من الدلالة لكنه محكي لها محفوظ فيها نوعا من الحكاية والحفظ، نظير قولك: (في الصيف ضيعت اللبن) لمن أراد أمرا قد فوت أسبابه من قبل، فإن المفهوم المدلول عليه بلفظ المثل وهو تضييع المرأة اللبن في الصيف لا ينطبق شيء منه على المورد، وهو مع ذلك ممثل لحال المخاطب حافظ له يصوره في الذهن بصورة مضمنة في الصورة التي يعطيها الكلام بمدلوله، كذلك أمر التأويل فالحقيقة الخارجية التي توجب تشريع حكم من الأحكام أو بيان معرفة من المعارف الإلهية أو وقوع حادثة هي مضمون قصة من القصص القرآنية وإن لم تكن أمرا يدل عليه بالمطابقة نفس الأمر والنهي أو البيان أو الواقعة الكذائية إلا أن الحكم أو البيان أو الحادثة لما كان كل منها ينتشي منها ويظهر بها فهو أثرها الحاكي لها بنحو من الحكاية والإشارة كما أن قول السيد لخادمه، اسقني ينتشي عن اقتضاء الطبيعة الإنسانية لكمالها، فإن هذه الحقيقة الخارجية هي التي تقتضي حفظ الوجود والبقاء، وهو يقتضي بدل ما يتحلل من البدن، وهو يقتضي الغذاء اللازم، وهو يقتضي الري، وهو يقتضي الأمر بالسقي مثلا، فتأويل قوله: اسقني هو ما عليه الطبيعة الخارجية الإنسانية من اقتضاء الكمال في وجوده وبقائه، ولو تبدلت هذه الحقيقة الخارجية إلى شيء آخر يباين الأول مثلا لتبدل الحكم الذي هو الأمر بالسقي إلى حكم آخر وكذا الفعل الذي يعرف فيفعل أو ينكر فيجتنب في واحد من المجتمعات الإنسانية على اختلافها الفاحش في الآداب والرسوم إنما يرتضع من ثدي الحسن والقبح الذي عندهم وهو يستند إلى مجموعة متحدة متفقة من علل زمانية ومكانية وسوابق عادات ورسوم مرتكزة في ذهن الفاعل بالوراثة ممن سبقه وتكرر المشاهدة ممن شاهده من أهل منطقته، فهذه العلة المؤتلفة الأجزاء هي تأويل فعله أو تركه من غير أن تكون عين فعله أو تركه لكنها محكية مضمنة محفوظة بالفعل أو الترك، ولو فرض تبدل المحيط الاجتماعي لتبدل ما أتي به من الفعل أو الترك.
22. فالأمر الذي له التأويل سواء كان حكما أو قصة أو حادثة يتغير بتغير التأويل لا محالة، ولذلك ترى أنه تعالى في قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ الآية، لما ذكر اتباع أهل الزيغ ما ليس بمراد من المتشابه ابتغاء للفتنة ذكر أنهم بذلك يبتغون تأويله الذي ليس بتأويل له وليس إلا لأن التأويل الذي يأخذون به لو كان هو التأويل الحقيقي لكان اتباعهم للمتشابه اتباعا حقا غير مذموم وتبدل الأمر الذي يدل عليه المحكم وهو المراد من المتشابه إلى المعنى غير المراد الذي فهموه من المتشابه واتبعوه.
23. فقد تبين: أن تأويل القرآن حقائق خارجية تستند إليه آيات القرآن في معارفها وشرائعها وسائر ما بينته بحيث لو فرض تغير شيء من تلك الحقائق انقلب ما في الآيات من المضامين، وإذا أجدت التدبر وجدت أن هذا ينطبق تمام الانطباق على قوله تعالى: ﴿وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، فإنه يدل على أن القرآن النازل كان عند الله أمرا أعلى وأحكم من أن يناله العقول أو يعرضه التقطع والتفصل لكنه تعالى عناية بعباده جعله كتابا مقررا وألبسه لباس العربية لعلهم يعقلون ما لا سبيل لهم إلى عقله ومعرفته ما دام في أم الكتاب، و﴿أُمِّ الْكِتَابِ﴾ هذا هو المدلول عليه بقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وبقوله: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾، ويدل على إجمال مضمون الآية أيضا قوله تعالى: ﴿كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، فالإحكام كونه عند الله بحيث لا ثلمة فيه ولا فصل، والتفصيل هو جعله فصلا فصلا وآية آية وتنزيله على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.
24. ويدل على هذه المرتبة الثانية التي تستند إلى الأولى قوله تعالى: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾، فقد كان القرآن غير مفروق الآيات ثم فرق ونزل تنزيلا وأوحي نجوما، وليس المراد بذلك أنه كان مجموع الآيات مرتب السور على حال الذي هو عليه الآن عندنا كتابا مؤلفا مجموعا بين الدفتين مثلا ثم فرق وأنزل على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نجوما ليقرأه على الناس على مكث كما يفرقه المعلم المقرئ منا قطعات ثم يعلمه ويقريه متعلمه كل يوم قطعة على حسب استعداد ذهنه، وذلك أن بين إنزال القرآن نجوما على النبي وبين إلقائه قطعة قطعة على المتعلم فرقا بينا وهو دخالة أسباب النزول في نزول الآية على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم ولا شيء من ذلك ولا ما يشبهه في تعلم المتعلم فالقطعات المختلفة الملقاة إلى المتعلم في أزمنة مختلفة يمكن أن تجمع وينضم بعضها إلى بعض في زمان واحد، ولا يمكن أن تجمع أمثال قوله تعالى: ﴿فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ﴾، وقوله تعالى: ﴿قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا﴾، وقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾، ونحو ذلك فيلغى سبب النزول وزمانها ثم يفرض نزولها في أول البعثة أو في آخر زمان حيوة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، فالمراد بالقرآن في قوله: ﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ﴾ غير القرآن بمعنى الآيات المؤلفة.
25. بالجملة فالمحصل من الآيات الشريفة أن وراء ما نقرؤه ونعقله من القرآن أمرا هو من القرآن بمنزلة الروح من الجسد والمتمثل من المثال ـ وهو الذي يسميه تعالى بالكتاب الحكيم ـ وهو الذي تعتمد وتتكي عليه معارف القرآن المنزل ومضامينه، وليس من سنخ الألفاظ المفرقة المقطعة ولا المعاني المدلول عليها بها، وهذا بعينه هو التأويل المذكور في الآيات المشتملة عليه لانطباق أوصافه ونعوته عليه، وبذلك يظهر حقيقة معنى التأويل، ويظهر سبب امتناع التأويل عن أن تمسه الأفهام العادية والنفوس غير المطهرة.
26. ثم إنه تعالى قال ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، ولا شبهة في ظهور الآيات في أن المطهرين من عباد الله هم يمسون القرآن الكريم الذي في الكتاب المكنون والمحفوظ من التغير، ومن التغير تصرف الأذهان بالورود عليه والصدور منه وليس هذا المس إلا نيل الفهم والعلم، ومن المعلوم أيضا: أن الكتاب المكنون هذا هو أم الكتاب المدلول عليه بقوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، وهو المذكور في قوله: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، وهؤلاء قوم نزلت الطهارة في قلوبهم، وليس ينزلها إلا الله سبحانه، فإنه تعالى لم يذكرها إلا كذلك أي منسوبة إلى نفسه كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، وما في القرآن شيء من الطهارة المعنوية إلا منسوبة إلى الله أو بإذنه، وليست الطهارة إلا زوال الرجس من القلب، وليس القلب من الإنسان إلا ما يدرك به ويريد به، فطهارة القلب طهارة نفس الإنسان في اعتقادها وإرادتها وزوال الرجس عن هاتين الجهتين، ويرجع إلى ثبات القلب فيما اعتقده من المعارف الحقة من غير ميلان إلى الشك ونوسان بين الحق والباطل، وثباته على لوازم ما علمه من الحق من غير تمايل إلى اتباع الهوى ونقض ميثاق العلم وهذا هو الرسوخ في العلم فإن الله سبحانه ما وصف الراسخين في العلم إلا بأنهم مهديون ثابتون على ما علموا غير زائغة قلوبهم إلى ابتغاء الفتنة، فقد ظهر أن هؤلاء المطهرين راسخون في العلم، هذا.
27. لكن ينبغي أن لا تشتبه النتيجة التي ينتجها هذا البيان، فإن المقدار الثابت بذلك أن المطهرين يعلمون التأويل، ولازم تطهيرهم أن يكونوا راسخين في علومهم، لما أن تطهير قلوبهم منسوب إلى الله وهو تعالى سبب غير مغلوب، لا أن الراسخين في العلم يعلمونه بما أنهم راسخون في العلم أي إن الرسوخ في العلم سبب للعلم، بالتأويل فإن الآية لا تثبت ذلك، بل ربما لاح من سياقها جهلهم بالتأويل حيث قال تعالى: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ الآية، وقد وصف الله تعالى رجالا من أهل الكتاب برسوخ العلم ومدحهم بذلك، وشكرهم على الإيمان والعمل الصالح في قوله: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ الآية، ولم يثبت مع ذلك كونهم عالمين بتأويل الكتاب، وكذلك إن الآية أعني قوله تعالى: ﴿لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾ لم تثبت للمطهرين إلا مس الكتاب في الجملة، وأما أنهم يعلمون كل التأويل ولا يجهلون شيئا منه ولا في وقت فهي ساكتة عن ذلك، ولو ثبت لثبت بدليل منفصل.
28. سؤال وإشكال: من الاعتراضات التي أوردت على القرآن الكريم الاعتراض باشتماله على المتشابهات وهو أنكم تدعون أن تكاليف الخلق إلى يوم القيامة فيه، وأنه قول فصل يميز بين الحق والباطل، ثم إنا نراه يتمسك به كل صاحب مذهب من المذاهب المختلفة بين المسلمين لإثبات مذهبه، وليس ذلك إلا لوقوع التشابه في آياته، أفليس أنه لو جعله جليا نقيا عن هذه المتشابهات كان أقرب إلى الغرض المطلوب، وأقطع لمادة الخلاف والزيغ؟، والجواب (2): أجيب عنه بوجوه من الجواب بعضها ظاهر السخافة كالجواب بأن وجود المتشابهات يوجب صعوبة تحصيل الحق ومشقة البحث وذلك موجب لمزيد الأجر والثواب! وكالجواب بأنه لو لم يشتمل إلا على صريح القول في مذهب لنفر ذلك سائر أرباب المذاهب فلم ينظروا فيه، لكنه لوجود التشابه فيه أطمعهم في النظر فيه وكان في ذلك رجاء أن يظفروا بالحق فيؤمنوا به! وكالجواب بأن اشتماله على المتشابه أوجب الاستعانة بدلالة العقل، وفي ذلك خروج عن ظلمة التقليد ودخول في ضوء النظر والاجتهاد! وكالجواب بأن اشتماله على المتشابه أوجب البحث عن طرق التأويلات المختلفة، وفي ذلك فائدة التضلع بالفنون المختلفة كعلم اللغة والصرف والنحو وأصول الفقه!، فهذه أجوبة سخيفة ظاهرة السخافة بأدنى نظر والذي يستحق الإيراد والبحث من الأجوبة وجوه ثلاثة:
أ. الأول: أن اشتمال القرآن الكريم على المتشابهات لتمحيص القلوب في التصديق به، فإنه لو كان كل ما ورد في الكتاب معقولا واضحا لا شبهة فيه عند أحد لما كان في الإيمان شيء من معنى الخضوع لأمر الله تعالى والتسليم لرسله، وفيه(3): أن الخضوع هو نوع انفعال وتأثر من الضعيف في مقابل القوي، والإنسان إنما يخضع لما يدرك عظمته أو لما لا يدركه لعظمته وبهورة الإدراك كقدرة الله غير المتناهية وعظمته غير المتناهية وسائر صفاته التي إذا واجهها العقل رجع القهقرى لعجزه عن الإحاطة بها، وأما الأمور التي لا ينالها العقل لكنه يغتر ويغادر باعتقاد أنه يدركها فما معنى خضوعه لها؟ كالآيات المتشابهة التي يتشابه أمرها على العقل فيحسب أنه يعقلها وهو لا يعقل.
ب. الثاني: أن اشتماله على المتشابه إنما هو لبعث العقل على البحث والتنقير، لئلا يموت بإهماله بإلقاء الواضحات التي لا يعمل فيها عامل الفكر، فإن العقل أعز القوى الإنسانية التي يجب تربيتها بتربية الإنسان، وفيه: أن الله تعالى أمر الناس بإعمال العقل والفكر في الآيات الآفاقية والأنفسية إجمالا في موارد من كلامه، وتفصيلا في موارد أخرى كخلق السماوات والأرض والجبال والشجر والدواب والإنسان واختلاف ألسنته وألوانه، وندب إلى التعقل والتفكر والسير في الأرض والنظر في أحوال الماضين، وحرض على العقل والفكر، ومدح العلم بأبلغ المدح وفي ذلك غنى عن البحث في أمور ليس إلا مزالق للأقدام ومصارع للأفهام.
ج. الثالث: أن الأنبياء بعثوا إلى الناس وفيهم العامة والخاصة، والذكي والبليد والعالم والجاهل، وكان من المعاني ما لا يمكن التعبير عنه بعبارة تكشف عن حقيقته وتشرح كنهه بحيث يفهمه الجميع على السواء، فالحري في أمثال هذه المعاني أن تلقى بحيث يفهمه الخاصة ولو بطريق الكناية والتعريض ويؤمر العامة فيها بالتسليم وتفويض الأمر إلى الله تعالى، وفيه: أن الكتاب كما يشتمل على المتشابهات كذلك يشتمل على المحكمات التي تبين المتشابهات بالرجوع إليها، ولازم ذلك أن لا تتضمن المتشابهات أزيد مما يكشف عنها المحكمات، وعند ذلك يبقى السؤال (وهو أنه ما فائدة وجود المتشابهات في الكتاب ولا حاجة إليها مع وجود المحكمات؟) على حاله، ومنشأ الاشتباه أن المجيب أخذ المعاني نوعين متباينين: معان يفهمها جميع المخاطبين من العامة والخاصة وهي مداليل المحكمات، ومعان سنخها بحيث لا يتلقاها إلا الخاصة من المعارف العالية والحكم الدقيقة، فصار بذلك المتشابهات لا ترجع معانيها إلى المحكمات، وقد مر أن ذلك مخالف لمنطوق الآيات الدالة على أن القرآن يفسر بعضه بعضا وغير ذلك.
29. الذي ينبغي أن يقال: أن وجود المتشابه في القرآن ضروري ناش عن وجود التأويل الموجب لتفسير بعضه بعضا بالمعنى الذي أوضحناه للتأويل فيما مر، ويتضح ذلك بعض الاتضاح بإجادة التدبر في جهات البيان القرآني والتعليم الإلهي والأمور التي بنيت عليها معارفه والغرض الأقصى من ذلك وهي أمور:
أ. منها: أن الله سبحانه ذكر أن لكتابه تأويلا هو الذي تدور مداره المعارف القرآنية والأحكام والقوانين وسائر ما يتضمنه التعليم الإلهي، وأن هذا التأويل الذي تستقبله وتتوجه إليه جميع هذه البيانات أمر يقصر عن نيله الأفهام وتسقط دون الارتقاء إليه العقول إلا نفوس طهرهم الله وأزال عنهم الرجس، فإن لهم خاصة أن يمسوه، وهذا غاية ما يريده تعالى من الإنسان المجيب لدعوته في ناحية العلم أن يهتدي إلى علم كتابه الذي هو تبيان كل شيء، ومفتاحه التطهير الإلهي، وقد قال تعالى: ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾، فجعل الغاية لتشريع الدين هي التطهير الإلهي، وهذا الكمال الإنساني كسائر الكمالات المندوب إليها لا يظفر بكمالها إلا أفراد خاصة، وإن كانت الدعوة متعلقه بالجميع متوجهة إلى الكل، فتربية الناس بالتربية الدينية إنما تثمر كمال التطهير في أفراد خاصة وبعض التطهير في آخرين، ويختلف ذلك باختلاف درجات الناس، كما أن الإسلام يدعو إلى حق التقوي في العمل، قال تعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، ولكن لا يحصل كماله إلا في أفراد وفيمن دونهم دون ذلك على طريق الأمثل فالأمثل، كل ذلك لاختلاف الناس في طبائعهم وأفهامهم، وهكذا جميع الكمالات الاجتماعية من حيث التربية والدعوة، يدعو داعي الاجتماع إلى الدرجة القصوى من كل كمال كالعلم والصنعة والثروة والراحة وغيرها لكن لا ينالها إلا البعض، ومن دونه ما دونها على اختلاف مراتب الاستعدادات، وبالحقيقة أمثال هذه الغايات ينالها المجتمع من غير تخلف دون كل فرد منه.
ب. ومنها: أن القرآن قطع بأن الطريق الوحيد إلى إيصال الإنسان إلى هذه الغاية الشريفة تعريف نفس الإنسان لنفسه بتربيته في ناحيتي العلم والعمل: أما في ناحية العلم فبتعليمه الحقائق المربوطة به من المبدإ والمعاد وما بينهما من حقائق العالم حتى يعرف نفسه بما ترتبطه به من الواقعيات معرفة حقيقية وأما في ناحية العمل فبتحميل قوانين اجتماعية عليه بحيث تصلح شأن حيوته الاجتماعية، ولا تشغله عن التخلص إلى عالم العلم والعرفان، ثم بتحميل تكاليف عبادية يوجب العمل بها والمزاولة عليها توجه نفسه، وخلوص قلبه إلى المبدإ والمعاد، وإشرافه على عالم المعنى والطهارة، والتجنب عن قذارة الماديات وثقلها.
30. إذا أحسنت التدبر في قوله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، وضممته إلى ما سمعت إجماله في قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ الآية، وإلى قوله تعالى: ﴿عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾، وما يشابهه من الآيات اتضح لك الغرض الإلهي في تشريع الدين وهداية الإنسان إليه، والسبيل الذي سلكه لذلك فافهم، يتفرع على هذا البيان نتيجة مهمة: هي أن القوانين الاجتماعية في الإسلام مقدمة للتكاليف العبادية مقصودة لأجلها، والتكاليف العبادية مقدمة للمعرفة بالله وبآياته، فأدنى الإخلال أو التحريف أو التغيير في الأحكام الاجتماعية من الإسلام يوجب فساد العبودية وفساد العبودية يؤدي إلى اختلال أمر المعرفة، وهذه النتيجة ـ على أنها واضحة التفرع على البيان ـ تؤيدها التجربة أيضا:
أ. فإنك إذا تأملت جريان الأمر في طروق الفساد في شئون الدين الإسلامي بين هذه الأمة وأمعنت النظر فيه: من أين شرع وفي أين ختم وجدت أن الفتنة ابتدأت من الاجتماعيات ثم توسطت في العباديات ثم انتهت إلى رفض المعارف، وقد ذكرناك فيما مر: أن الفتنة شرعت باتباع المتشابهات وابتغاء تأويلها، ولم يزل الأمر على ذلك حتى اليوم.
ب. ومنها: أن الهداية الدينية إنما بنيت على نفي التقليد عن الناس وركوز العلم بينهم ما أستطيع، فإن ذلك هو الموافق لغايتها التي هي المعرفة، وكيف لا؟ ولا يوجد بين كتب الوحي كتاب، ولا بين الأديان دين يعظمان من أمر العلم ويحرضان عليه بمثل ما جاء به القرآن والإسلام، وهذا المعنى هو الموجب لأن يبين الكتاب للإنسان حقائق المعارف أولا، وارتباط ما شرعه له من الأحكام العملية بتلك الحقائق ثانيا، وبعبارة أخرى أن يفهمه أنه موجود مخلوق لله تعالى خلقه بيده ووسط في خلقه وبقائه ملائكته وسائر خلقه من سماء وأرض ونبات وحيوان ومكان وزمان وما عداها، وأنه سائر إلى معاده وميعاده سيرا اضطراريا، وكادح إلى ربه كدحا فملاقيه ثم يجزى جزاء ما عمله، أيما إلى جنة، أيما إلى نار فهذه طائفة من المعارف، ثم يفهمه أن الأعمال التي تؤديه إلى سعادة الجنة ما هي، وما تؤديه إلى شقوة النار ما هي؟ أي يبين له الأحكام العبادية والقوانين الاجتماعية، وهذه طائفة أخرى.
ج. ثم يبين له: أن هذه الأحكام والقوانين مؤدية إلى السعادة أي يفهمه: أن هذه الطائفة الثانية مرتبطة بالطائفة الأولى، وأن تشريعها وجعلها للإنسان إنما هو لمراعاة سعادته لاشتمالها على خير الإنسان في الدنيا والآخرة، وهذه طائفة ثالثة.. وظاهر عندك أن الطائفة الثانية بمنزلة المقدمة، والطائفة الأولى بمنزلة النتيجة، والطائفة الثالثة بمنزلة الرابط الذي يربط الثانية ب الأولى، ودلالة الآيات على كل واحدة من هذه الطوائف المذكورة واضحة ولا حاجة إلى إيرادها.
31. ومنها: أنه لما كانت عامة الناس لا يتجاوز فهمهم المحسوس ولا يرقى عقلهم إلى ما فوق عالم المادة والطبيعة، وكان من ارتقى فهمه منهم بالارتياضات العلمية إلى الورود في إدراك المعاني وكليات القواعد والقوانين يختلف أمره باختلاف الوسائل التي يسرت له الورود في عالم المعاني والكليات كان ذلك موجبا لاختلاف الناس في فهم المعاني الخارجة عن الحس والمحسوس اختلافا شديدا ذا عرض عريض على مراتب مختلفة، وهذا أمر لا ينكره أحد، ولا يمكن إلقاء معنى من المعاني إلى إنسان إلا من طريق معلوماته الذهنية التي تهيأت عنده في خلال حيوته وعيشته، فإن كان مأنوسا بالحس فمن طريق المحسوسات على قدر ما رقى إليه من مدارج الحس كما يمثل لذة النكاح للصبي بحلاوة الحلواء، وإن كان نائلا للمعاني الكلية فبما نال، وعلى قدر ما نال وهذا ينال المعاني من البيان الحسي والعقلي معا بخلاف المأنوس بالحس، ثم إن الهداية الدينية لا تختص بطائفة دون طائفة من الناس بل تعم جميع الطوائف وتشمل عامة الطبقات وهو ظاهر، وهذا المعنى أعني اختلاف الأفهام وعموم أمر الهداية مع ما عرفت من وجود التأويل للقرآن هو الموجب أن يساق البيانات مساق الأمثال، وهو أن يتخذ ما يعرفه الإنسان ويعهده ذهنه من المعاني فيبين به ما لا يعرفه لمناسبة ما بينهما نظير توزين المتاع بالمثاقيل ولا مسانخة بينهما في شكل أو صورة أو حجم أو نوع إلا ما بينهما من المناسبة وزنا.
32. الآيات القرآنية المذكورة سابقا كقوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾، وما يشابهه من الآيات وإن بينت هذا الأمر بطريق الإشارة والكناية، لكن القرآن لم يكتف بذلك دون أن بينه بما ضربه مثلا في أمر الحق والباطل فقال تعالى: ﴿أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَالَتْ أَوْدِيَةٌ بِقَدَرِهَا فَاحْتَمَلَ السَّيْلُ زَبَدًا رَابِيًا وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ فِي النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةٍ أَوْ مَتَاعٍ زَبَدٌ مِثْلُهُ كَذَلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْحَقَّ وَالْبَاطِلَ فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَلِكَ﴾ ﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ﴾، فبين أن حكم المثل جار في أفعاله تعالى كما هو جار في أقواله، ففعله تعالى كقوله الحق إنما قصد منهما الحق الذي يحويانه ويصاحب كلا منهما أمور غير مقصودة ولا نافعة يعلوهما ويربوهما لكنها ستزول وتبطل، ويبقى بالحق الذي ينفع الناس، وإنما يزول ويزهق بحق آخر هو مثله، وهذا كالآية المتشابهة تتضمن من المعنى حقا مقصودا، ويصاحبه ويعلو عليه بالاستباق إلى الذهن معنى آخر باطل غير مقصود، لكنه سيزول بحق آخر يظهر الحق الأول على الباطل الذي كان يعلوه، ليحق الحق بكلماته ويبطل الباطل ولو كره المجرمون، والكلام في انطباق هذا المثل على أفعاله الخارجية المتقررة في عالم الكون كالكلام في أقواله عز من قائل.
33. بالجملة: المتحصل من الآية الشريفة: أن المعارف الحقة الإلهية كالماء الذي أنزله الله تعالى من السماء هي في نفسها ماء فحسب، من غير تقييد بكمية ولا كيفية، ثم إنها كالسيل السائل في الأودية تتقدر بأقدار مختلفة من حيث السعة والضيق، وهذه الأقدار أمور ثابتة كل في محله كالحال في أصول المعارف والأحكام التشريعية، ومصالح الأحكام التي ذكرنا فيما مر أنها روابط تربط الأحكام بالمعارف الحقة، وهذا حكمها في نفسها مع قطع النظر عن البيان اللفظي، وهي في مسيرها ربما صحبت ما هو كالزبد يظهر ظهورا ثم يسرع في الزوال وذلك كالأحكام المنسوخة التي تنسخه النواسخ من الآيات، فإن المنسوخ مقتضى ظاهر طباعه أن يدوم لكن الحكم الناسخ يبطل دوامه ويضع مكانه حكما آخر، هذا بالنظر إلى نفس هذه المعارف مع قطع النظر عن ورودها في وادي البيان اللفظي، وأما المعارف الحقة من حيث كونها واردة في ظرف اللفظ والدلالة فإنها بورودها أودية الدلالات اللفظية تتقدر بأقدارها، تتشكل بأشكال المرادات الكلامية بعد إطلاقها، وهذه أقوال ثابتة من حيث مراد المتكلم بكلامه إلا أنها مع ذلك أمثال يمثل بها أصل المعنى المطلق غير المتقدر، ثم إنها بمرورها في الأذهان المختلفة تحمل معاني غير مقصودة كالزبد في السيل، لأن الأذهان من جهة ما تخزنه من المرتكزات والمألوفات تتصرف في المعاني الملقاة إليها، وجل هذا التصرف إنما هو في المعاني غير المألوفة كالمعارف الأصلية، ومصالح الأحكام وملاكاتها كما مر، وأما الأحكام والقوانين فلا تصرف فيها مع قطع النظر عن ملاكاتها فإنها مألوفة، ومن هنا يظهر أن المتشابهات إنما هي الآيات من حيث اشتمالها على الملاكات والمعارف، دون متن الأحكام والقوانين الدينية.
34. ومنها: أنه تحصل من البيان السابق أن البيانات اللفظية القرآنية أمثال للمعارف الحقة الإلهية لأن البيان نزل في هذه الآيات إلى سطح الأفهام العامة التي لا تدرك إلا الحسيات ولا تنال المعاني الكلية إلا في قالب الجسمانيات، ولما استلزم ذلك في إلقاء المعاني الكلية المجردة عن عوارض الأجسام والجسمانيات أحد محذورين: فإن الأفهام في تلقيها المعارف المرادة منها إن جمدت في مرتبة الحس والمحسوس انقلبت الأمثال بالنسبة إليها حقائق ممثلة، وفيه بطلان الحقائق وفوت المرادات والمقاصد وإن لم تجمد وانتقلت إلى المعاني المجردة بتجريد الأمثال عن الخصوصيات غير الدخيلة لم يؤمن من الزيادة والنقيصة، نظير ذلك أنا لو ألقي إلينا المثل السائر: عند الصباح يحمد القوم السري، أو تمثل لنا بقول صخر:
çأهم بأمر الحزم لا أستطيعه...وقد حيل بين العير والنزوانé
فإنا من جهة سبق عهد الذهن بالقصة أو الأمر الممثل له نجرد المثل عن الخصوصيات المكتنفة بالكلام كالصباح والقوم والسري، ونفهم من ذلك أن المراد: أن حسن تأثير عمل وتحسين فعله إنما يظهر إذا فرغ منه وبدا أثره، وأما هو ما دام الإنسان مشتغلا به محسا تعب فعله فلا يقدر قدره، ويظهر ذلك تجريد ما تمثل به من الشعر، وأما إذا لم نعهد الممثل وجمدنا على الشعر أو المثل خفي عنا الممثل وعاد المثل خبرا من الأخبار، ولو لم نجمد وانتقلنا إجمالا إلى أنه مثل لم يمكنا تشخيص المقدار الذي يجب طرحه بالتجريد وما يجب حفظه للفهم وهو ظاهر، ولا مخلص عن هذين المحذورين إلا بتفريق المعاني الممثل لها إلى أمثال مختلفة، وتقليبها في قوالب متنوعة حتى يفسر بعضها بعضا، ويوضح بعضها أمر بعض، فيعلم بالتدافع الذي بينها:
أ. أولا: أن البيانات أمثال ولها في ما وراءها حقائق ممثلة، وليست مقاصدها ومراداتها مقصورة على اللفظ المأخوذ من مرتبة الحس والمحسوس.
ب. وثانيا: بعد العلم بأنها أمثال: يعلم بذلك المقدار الذي يجب طرحه من الخصوصيات المكتنفة بالكلام، وما يجب حفظه منها للحصول على المرام، وإنما يحصل ذلك بأن هذا يتضمن نفي بعض الخصوصيات الموجودة في ذلك، وذاك نفي بعض ما في هذا، وإيضاح المقاصد المبهمة والمطالب الدقيقة بإيراد القصص المتعددة والأمثال والأمثلة الكثيرة المتنوعة أمر دائر في جميع الألسنة واللغات من غير اختصاص بقوم دون قوم، ولغة دون لغة، وليس ذلك إلا لأن الإنسان يشعر بقريحة البيان مساس حاجته إلى نفي الخصوصيات الموهمة لخلاف المراد في القصة الواحدة أو المثل الواحد بالخصوصيات النافية الموجودة في قصة أخرى مناسبة أو مثل آخر مناسب.
35. تبين أن من الواجب أن يشتمل القرآن الكريم على الآيات المتشابهة، وأن يرفع التشابه الواقع في آية بالأحكام الواقع في آية أخرى، واندفع بذلك الإشكال باشتمال القرآن على المتشابهات لكونها مخلة لغرض الهداية والبيان.
36. ظهر من جميع ما تقدم من الأبحاث على طولها أمور عشرة(4):
أ. الأول: أن الآيات القرآنية تنقسم إلى قسمين: محكم ومتشابه، وذلك من جهة اشتمال الآية وحدها على مدلول متشابه وعدم اشتمالها.
ب. الثاني: أن لجميع القرآن محكمه ومتشابهه تأويلا، وأن التأويل ليس من قبيل المفاهيم اللفظية بل من الأمور الخارجية نسبته إلى المعارف والمقاصد المبينة نسبة الممثل إلى المثال، وأن جميع المعارف القرآنية أمثال مضروبة للتأويل الذي عند الله.
ج. الثالث: أن التأويل يمكن أن يعلمه المطهرون وهم راسخون في العلم.
د. الرابع: أن البيانات القرآنية أمثال مضروبة لمعارفها ومقاصدها، وهذا المعنى غير ما ذكرناه في الأمر الثاني من كون معارفه أمثالا وقد أوضحناه فيما مر.
هـ. الخامس: أن من الواجب أن يشتمل القرآن على المتشابهات، كما أن من الواجب أن يشتمل على المحكمات.
و. السادس: أن المحكمات أم الكتاب إليها ترجع المتشابهات رجوع بيان.
ز. السابع: أن الإحكام والتشابه وصفان يقبلان الإضافة والاختلاف بالجهات بمعنى أن آية ما يمكن أن تكون محكمة من جهة، متشابهة من جهة أخرى فتكون محكمة بالإضافة إلى آية ومتشابهة بالإضافة إلى أخرى، ولا مصداق للمتشابه على الإطلاق في القرآن، ولا مانع من وجود محكم على الإطلاق.
ح. الثامن: أن من الواجب أن يفسر بعض القرآن بعضا.
ط. التاسع: أن للقرآن مراتب مختلفة من المعنى، مترتبة طولا من غير أن تكون الجميع في عرض واحد فيلزم استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، أو مثل عموم المجاز، ولا هي من قبيل اللوازم المتعددة لملزوم واحد، بل هي معان مطابقية يدل على كل واحد منها اللفظ بالمطابقة بحسب مراتب الأفهام.
ي. العاشر: أن للقرآن اتساعا من حيث انطباقه على المصاديق وبيان حالها فالآية منه لا يختص بمورد نزولها بل يجري في كل مورد يتحد مع مورد النزول ملاكا كالأمثال التي لا تختص بمواردها الأول، بل تتعداها إلى ما يناسبها، وهذا المعنى هو المسمى بجري القرآن، وقد مر بعض الكلام فيه في أوائل الكتاب.
37. هذه الآيات الكريمة توضح أن للقرآن مراتب مختلفة من المعنى، مترتبة طولا من غير أن تكون الجميع في عرض واحد:
أ. قال الله تبارك وتعالى: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ﴾، فأنبأ أن للتقوى الذي هو الانتهاء عما نهى الله عنه والايتمار بما أمر الله به مرتبة هي حق التقوي، ويعلم بذلك أن هناك من التقوي ما هو دون هذه المرتبة الحقة، فللتقوى الذي هو بوجه العمل الصالح مراتب ودرجات بعضها فوق بعض.
ب. وقال أيضا: ﴿أَفَمَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَ اللَّهِ كَمَنْ بَاءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ هُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، فبين أن العمل مطلقا سواء كان صالحا أو طالحا درجات ومراتب، والدليل على أن المراد بها درجات العمل قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، ونظير الآية قوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾، والآيات في هذا المعنى كثيرة، وفيها ما يدل على أن درجات الجنة ودركات النار بحسب مراتب الأعمال ودرجاتها، ومن المعلوم أن العمل من أي نوع كان هو من رشحات العلم يترشح من اعتقاد قلبي يناسبه، وقد استدلّ تعالى على كفر اليهود وعلى فساد ضمير المشركين وعلى نفاق المنافقين من المسلمين وعلى إيمان عدة من الأنبياء والمؤمنين بأعمالهم وأفعالهم في آيات كثيرة جدا يطول ذكرها، فالعمل كيف كان يلازم ما يناسبه من العلم ويدل عليه، وبالعكس يستلزم كل نوع من العمل ما يناسبه من العلم ويحصله ويركزه في النفس كما قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾، وقال أيضا: ﴿ثُمَّ كانَ عاقِبَةَ الَّذِينَ أساؤوا السُّواى أَنْ كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ وَكانُوا بِها يستهزئون﴾، وقال: ﴿فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ﴾، والآيات في هذا المعنى أيضا كثيرة تدل الجميع على أن العمل صالحا كان أو طالحا يولد من أقسام المعارف والجهالات (وهي العلوم المخالفة للحق ما يناسبه.
ج. وقال تعالى ـ وهو كالكلمة الجامعة في العمل الصالح والعلم النافع ـ: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾، فبين أن شأن الكلم الطيب وهو الاعتقاد الحق أن يصعد إلى الله تعالى ويقرب صاحبه منه، وشأن العمل الصالح أن يرفع هذا العلم والاعتقاد، ومن المعلوم أن ارتفاع العلم في صعوده إنما هو بخلوصه من الشك والريب وكمال توجه النفس إليه وعدم تقسيم القلب فيه وفي غيره (وهو مطلق الشرك) فكلما كمل خلوصه من الشك والخطوات اشتد صعوده وارتفاعه، ولفظ الآية لا يخلو عن دلالة على ذلك فإنها عبرت في الكلم الطيب بالصعود ووصف العمل بالرفع، والصعود يقابل النزول كما أن الرفع يقابل الوضع، وهما أعني الصعود والارتفاع وصفان يتصف بهما المتحرك من السفل إلى العلو بنسبته إلى الجانبين فهو صاعد بالنظر إلى قصده العلو واقترابه منه، ومرتفع من جهة انفصاله من السفل وابتعاده منه، فالعمل يبعد الإنسان ويفصله من الدنيا والإخلاد إلى الأرض بصرف نفسه عن التعلق بزخارفها الشاغلة والتشتت والتفرق بهذه المعلومات الفانية غير الباقية وكلما زاد الرفع والارتفاع زاد صعود الكلم الطيب، وخلصت المعرفة عن شوائب الأوهام وقذارات الشكوك، ومن المعلوم أيضا كما مر: أن العمل الصالح ذو مراتب ودرجات، فلكل درجة من العمل الصالح رفع الكلم الطيب وتوليد العلوم والمعارف الحقة الإلهية على ما يناسب حالها، والكلام في العمل الطالح ووضعه الإنسان نظير الكلام في العمل الصالح ورفعه وقد مر بعض الكلام في ذلك في تفسير قوله تعالى: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، فظهر أن للناس بحسب مراتب قربهم وبعدهم منه تعالى مراتب مختلفة من العمل والعلم، ولازمه أن يكون ما يتلقاه أهل واحدة من المراتب والدرجات غير ما يتلقاه أهل المرتبة والدرجة الأخرى التي فوق هذه أو تحتها، فقد تبين أن للقرآن معاني مختلفة مترتبة.
د. وقد ذكر الله سبحانه أصنافا من عباده وخص كل صنف بنوع من العلم والمعرفة لا يوجد في الصنف الآخر كالمخلصين وخص بهم العلم بأوصاف ربهم حق العلم، قال تعالى: ﴿سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ إِلَّا عِبَادَ اللَّهِ الْمُخْلَصِينَ﴾، وخص بهم أشياء أخر من المعرفة والعلم سيجيء بيانها إن شاء الله تعالى، وكالموقنين وخص بهم مشاهدة ملكوت السماوات والأرض قال تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾، وكالمنيبين وخص بهم التذكر، قال تعالى: ﴿وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَنْ يُنِيبُ﴾، وكالعالمين وخص بهم عقل أمثال القرآن، قال تعالى: ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ﴾، وكأنهم أولو الألباب والمتدبرون لقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، ولقوله تعالى: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾، فإن مؤدى الآيات الثلاث يرجع إلى معنى واحد وهو العلم بمتشابه القرآن ورده إلى محكمه، وكالمطهرين خصهم الله بعلم تأويل الكتاب قال تعالى: ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ﴾، وكالأولياء وهم أهل الوله والمحبة لله وخص بهم أنهم لا يلتفتون إلى شيء إلا الله سبحانه ولذلك لا يخافون شيئا ولا يحزنون لشيء، قال تعالى: ﴿أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾، وكالمقربين والمجتبين والصديقين والصالحين والمؤمنين ولكل منهم خواص من العلم والإدراك يختصون بها، سنبحث عنها في المحال المناسبة لها، ونظير هذه المقامات الحسنة مقامات سوء في مقابلها، ولها خواص رديئة في باب العلم والمعرفة، ولها أصحاب كالكافرين والمنافقين والفاسقين والظالمين وغيرهم، ولهم أنصباء من سوء الفهم ورداءة الإدراك لآيات الله ومعارفه الحقة، طوينا ذكرها إيثارا للاختصار، وسنتعرض لها في خلال أبحاث هذا الكتاب إن شاء الله.
38. ذكر هنا بعض الأحاديث والآثار التي سبق ذكرها، وعلق عليها بما يتوافق مع ما ذكره سابقا.
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/24.
(2) سنذكر هنا ما ورد من الإجابات، ونذكر قوله في المسائل التالية من غير تنظيم ولا ترتيب لصعوبة ذلك، ولذلك قسّمنا المسائل بحسب ما تحويه من طروحات، وهي عميقة جدا، وتحتاج إلى تدبر وتأمل كبيرين
(3) يقصد الانتقادات الموجهة له
(4) ذكر هنا نتائج ما سبق من الأبحاث، وهي مهمة جدا، وتوضح ما سبق ذكره
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ ميل عن الحق وهم الكفار والمجرمون كلهم الذين ذكرهم في (سورة البقرة) في قوله تعالى: ﴿يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ الآية [آية:26 ـ 27]
2. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ أي يتعلقون به ويجعلونه دليلاً لهم على باطلهم، ولجعلهم إياه دليلاً اعتبر تعلقهم به اتباعاً له؛ لأنهم جعلوه إمامهم قائداً لهم إلى باطلهم.
3. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ أي طلب الفتنة أي للجدال به للصدّ عن الحق ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ ابتغاء منهم لتأويله أي لتأويلهم إياه، فهو إضافة المصدر إلى مفعوله؛ لأنهم يدّعون أنه يؤول إلى سبب باطل أو معنى فاسد:
أ. ألا ترى أنهم تعلقوا بقوله تعالى: ﴿عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ﴾ [المدثر:30] للجدال في القرآن فقالوا: أما لرب محمد أعوان إلا تسعة عشر! فقال تعالى: ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ الآية [المدثر:31]
ب. وتعلق ابن المُقَفَّع لإبطال القرآن والكفر به بالحروف المذكورة في أول السور، فردَّ عليه الإمام القاسم عليه السلام في كتاب (الردّ على ابن المقفَّع): (أوَ لا ترى أن الكفار قالوا: أما يستحي رب محمد أن يمثل بالبعوض كأنهم أرادوا ذكر الذباب، فقال الله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ﴾ [البقرة:26]
ج. وتعلق ابن المقفع بقوله تعالى: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [البقرة:255] فقال لعنه الله: إن ربهم على كرسيه، وقال ابن المقفّع: ثم زعموا أن الله خلق الأشياء كلها بيده من شيء موجود، وزعم أن اليد لا يمكن قبضها وبسطها إلا بعد وجود)، فأقول: صدق الله العظيم.
4. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾ أي التأويل الصحيح للمتشابه وما يؤول إليه على الحق والصواب، وهذا لا يمنع التأويل الذي يوافق المحكم بضرب من الترجيح لكونه المعنى لا القطع بأنه المعنى كله؛ فالعلم لله الذي هو فوق كل ذي علم، أما المخلوقون فعلمهم محدود ومن الجائز عليهم أن لا يحيطوا بمعنى المتشابه وبما يؤول إليه معناه، وإن علموا أو ظنوا بعض ذلك، والمراد بما يؤول ما يتفرع عنه وتفاصيل مفهومه الحقيقي، كالعلم بخزنة جهنم على التفصيل وغير ذلك، فلم يعْرَ عن الفائدة ولم يجب أن يعلموا تأويله كله.
5. ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ إنه الحق أي الكتاب ﴿كُلِّ﴾ من المحكم والمتشابه ﴿مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ نزل، وفي خطبة رواها الإمام أبو طالب عليه السلام في (الأمالي) في [ص:156] في (باب الخطب والمواعظ عن أمير المؤمنين علي عليه السلام): (وما كلفك الشيطان علمه مما ليس عليك في الكتاب فرضه، وفي سنة رسول الله، ولا عن الأئمة أثره، فكِلْ علمه إلى الله سبحانه، فإن ذلك منتهى حق الله عليك، اعلم أيها السائل أن الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن الاقتحام على السُّدَد المضروبة دون الغيوب الإقرارُ بجملة ما جهلوا تفسيره من تفسير الغيب المحجوب فقالوا: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فحمد الله سبحانه اعترافهم بالعجز عن تناول ما لم يحيطوا به علماً، وسمى تركهم التَّعَمُّق فيما لم يكلفهم البحث عن كنهه رسوخاً)، قال الشرفي في (المصابيح): (قال الحسين بن القاسم عليهما السلام: والراسخ: هو المتمكن في بحبوحة الشيء الذي يدخل ولا يطيش، والعرب تقول: رسخت الحجر في الماء إذا تمكنت ووقعت في أسفل الماء ودخلت)، فالمعنى: الثابتون المتمكنون في العلم، الذين لا تزلهم الشبه ولا تطيشهم عن مكانهم من العلم، لأنهم ثابتون فيه متمكنون، وذلك لأنهم علي يقين وهدى من ربهم، وهذا عام للمتقين الموقنين ليس خاصاً ببحار العلم، كما قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾ [البقرة:26] وقال تعالى في (سورة المدثر): ﴿وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا﴾ الآية [آية:31]
6. على هذا فكأنه قيل: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ للشك والتشكيك فيه، وأما الراسخون في العلم فيقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فالآية هذه كقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَعَلَيْهِمْ عَمًى﴾ [فصلت:44]
7. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ بما في القرآن من التذكير وبسائر آيات الله وتذكيره وينتبه من الغفلة والجهل والعمى ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ جمع لُبّ، والمراد به هنا: العقل الذي يستعمله صاحبه لمعرفة الحق، فجعل قلبه كالثمرة التي فيها لُبُّها وجعل قلب الزائغ كالثمرة الفارغة من اللب، قال تعالى: ﴿وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا﴾ [القصص:10] وقال تعالى: ﴿وَأَفْئِدَتُهُمْ هَوَاءٌ﴾ [إبراهيم:43] فجعل القلب فارغاً لما فيه من الحَيرة وذهاب التعقل، فكذلك قلوب أهل الزَّيغ لا ينفع فيها التذكير؛ لأنها تأباه وتكرهه وتعرض عنه كما قال تعالى حاكياً: ﴿أَنُلْزِمُكُمُوهَا وَأَنْتُمْ لَهَا كَارِهُونَ﴾ [هود:28]
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/423.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ وميل عن خط التوازن في الفكر والاستقامة في الخط، من هؤلاء الذين يعيشون الارتباك الفكري والقلق الروحي والضياع العملي، فلا يلجؤون إلى ركن وثيق من الحجة القاطعة الواضحة، ولا ينطلقون من فكر عميق واسع، ومن خط مستقيم واضح، فهم لا يتحركون من موقع إيمانهم بالحقيقة الواقعية التي تناديهم في إيحاءاتها الفكرية الإنسانية للبحث عنها والسعي إليها، بل يتحركون من خلال تلبية حاجاتهم، وتحريك أطماعهم وتوجيه طموحاتهم نحو الأهداف الخبيثة، فيبحثون عن أيّ مبرر للحصول على ما يريدون، بعيدا عن الشروط الأخلاقية لذلك، لأن المهمّ لديهم أن يقدّموا بين أيديهم أيّة حجة في الصورة الظاهرة حتى لو كانت غير مقنعة، لأن قناعة الآخرين ليست الهدف لهم، بل الهدف الأساس هو تضليلهم وتوجيههم نحو الانحراف عن الخط المستقيم، من أجل إرباك الواقع الإنساني وإبعاده عن الانسجام مع رسالات الأنبياء وحركات المخلصين، ولهذا، فإنهم يحاولون أن يلعبوا على الألفاظ ويتحركوا بأساليب الدسّ والتشويه والتهويل ضد الرسل والرسالات، فيلجئون ـ في تبرير مواقفهم وأوضاعهم ـ إلى المتشابهات التي يمكن أن تثير الجدل بين الناس لقابليتها للتفسير والتأويل.
2. ﴿فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ للإيحاء بأنهم يرتكزون على القرآن في ما يطلقونه من أفكار وما يخططون له من برامج، وما يثيرونه من قضايا في الساحة الإنسانية العامة، لإخفاء نياتهم الخبيثة ضد الإسلام والمسلمين.
3. ﴿ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ﴾ التي يحركونها في الجانب الفكري لفتنة المؤمنين عن دينهم الحق لينحرفوا عن خطه المستقيم، مما قد يؤدي إلى الفتنة الاجتماعية بينهم إذا اختلفوا في فهمهم للإسلام من خلال ذلك فيتفرقون شيعا وأحزابا ومذاهب وطوائف في خط العصبية التي تثير الانفعال، وتغذي الأحقاد، وتقود إلى القتال.
4. ﴿وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ وإرجاعه إلى المصادر التي يرتكزون عليها في أفكارهم ومعارفهم في استغلال للغموض البدوي في الآيات المتشابهة:
أ. كما فعل اليهود في محاولاتهم الدخول على النص القرآني بإثارة التفاصيل في ما أجمله القرآن وتوجيه التفسير، في ما يحتاج منه إلى التفسير، نحو العقائد التي يعتقدونها، وقد تركت هذه المداخلات اليهودية الكثير من الإرباكات في التصور الإسلامي للقرآن ممن لم يملكوا المعرفة الواسعة لاكتشاف مواقع الخلل الفكري فيها، وقد جاء في الحديث عن الإمام الباقر عليه السّلام ما مضمونه: أن نفرا من اليهود ومعهم حييّ بن أخطب وأخوه، جاؤوا إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم واحتجوا بالحروف المقطعة (الم) وقالوا: بموجب حساب الحروف الأبجدية، فإن الألف في الحساب الأبجدي تساوي الواحد، واللام تساوي والميم تساوي، وبهذه، فإن فترة بقاء أمتك لا تزيد على إحدى وسبعين سنة، فقال لهم رسول الله ـ على أساس الحديث ـ ما معناه: لماذا حسبتم الم وحدها؟ ألم تروا أن في القرآن المص والر ونظائرها من الحروف المقطعة، فإذا كانت هذه الحروف المقطعة تدل على مدة بقاء أمتي، فلما ذا لا تحسبونها كلها؟ وعندئذ نزلت هذه الآية، فإذا صحت هذه الرواية، فإننا نستفيد منها أن هؤلاء يحاولون النفاذ من بعض المواقع القابلة للتأويل إلى إيجاد بعض الأجواء النفسية اليائسة ليعيش النبي والمسلمون معه الإحباط في نظرتهم إلى مستقبل الدين وامتداده في الزمن، كما أنهم يحاولون في مواقع أخرى، أن يفرضوا مفاهيمهم وأقاصيصهم وشرائعهم على الذهنية الإسلامية من خلال محاولتهم إرجاع بعض الآيات القرآنية إلى المصادر التي يؤمنون بها ويرتكزون في عقائدهم الدينية عليها.
ب. وهذا ما نلاحظه في المحاولات التي حاول فيها نصارى نجران ـ حسب الرواية السابقة ـ الاستفادة من (كلمة الله وروحه) الواردة في القرآن في الحديث عن السيد المسيح، للاحتجاج على بعض عقائدهم في (التثليث) و(ألوهية المسيح) من دون ملاحظة للآيات الأخرى المصرحة بنفي الألوهية والتثليث معا واعتبار الاعتقاد بهما كفرا مرفوضا في الإيمان الإسلامي.
ج. وهذا ما يحاوله البعض من علماء النصارى من اعتبار الإسلام بدعة نصرانية، وتأويل النصوص القرآنية لمصلحة العقيدة النصرانية للإيحاء بأن محمدا صلّى الله عليه وآله وسلم كان نصرانيا مبتدعا يستوحي الإنجيل في قرآنه بطريقة معينة لا تبتعد عن العقيدة النصرانية الأمّ، وذلك بالتلاعب على الألفاظ بتفسيرها بطريقة معينة أو تحويرها لشكل معين.
د. وهذا ما نلاحظه في المداخلات التي يقوم بها العلمانيون المسلمون الذين يحاولون إخضاع القرآن للكثير من أفكارهم العلمانية وللخطوط الفكرية الغربية الحديثة بما يبرر الكثير من التشريعات والمفاهيم والخطوط الفكرية والعملية.
5. وتبقى أمامنا مسألة حيوية مهمّة في هذا النص القرآني في كلمة (التأويل)، فقد وردت في هذه الفقرة بطريقة سلبية من خلال ما يحاوله الذين في قلوبهم زيغ من تأويل المتشابه لمصلحة أفكارهم المضادة للإسلام، كما وردت بطريقة إيجابية في الفقرة التالية ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾، مما يوحي بأن لهذه الآيات تأويلا يكشف حقائقها الغامضة، كما وردت هذه الكلمة في قصة موسى عليه السّلام مع صاحبه الذي يقال إنه (الخضر) في حديثه معه حول ما استغربه موسى عليه السّلام واحتج عليه من أفعال صاحبه في السفينة التي خرقها، والغلام الذي قتله والجدار الذي أقامه من دون أن يأخذ عليه عوضا، فقد قال له ـ تفسيرا لذلك ـ ﴿قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 78]، وقال له ـ بعد فراغه من حديثه معه ـ ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾ [الكهف: 82]، وقد وردت في قصة يوسف عليه السّلام مع أبيه يعقوب ﴿يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا﴾ [يوسف: 100]، وهي إشارة إلى رؤياه في بداية القصة، وذلك قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ يُوسُفُ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَبًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ رَأَيْتُهُمْ لِي سَاجِدِينَ﴾ [يوسف: 4]، وهكذا نلاحظ حديثه مع صاحبي السجن عندما طلبا منه تأويل رؤياهما، وحديث الملك ـ عزيز مصر ـ عن تأويل رؤياه، وتذكر الذي نجا من السجن ليوسف ومجيئه ليطلب منه تأويل رؤيا الملك التي فتحت له ـ من خلال تأويله ـ الباب إلى حكم مصر، وقد تكررت الآيات في الحديث عن هذا العلم ـ تأويل الأحلام ـ الذي أطلق عليه تأويل الأحاديث، مما وهبه الله ليوسف في قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 6]، وقوله تعالى: ﴿وَلِنُعَلِّمَهُ مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 21]، وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ﴾ [يوسف: 101]، وقد وردت الكلمة في الحديث عن يوم القيامة في قوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: 39] وقوله تعالى: ﴿هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 53]
6. سؤال وإشكال: ما هو المراد من كلمة (التأويل)؟ هل هناك معنى خفيّ باطنيّ يختفي في داخلها ليكون الاتجاه في تفسيرها بالحديث عن المعنى الذي قد يعبر عنه في بعض الأحاديث المأثورة ب (بطن القرآن) و(بطونه) من خلال ما قد يتحدث عنه من وجود أكثر من معنى للكلمة يمثل أكثر من بطن، مما قد يتيح الفرصة لكثير من الاحتمالات والمعاني أن تأخذ موقعها في الكلمة القرآنية من خلال ذلك، إمّا من خلال أنها لوازم معنى اللفظ بشكل تراتبي بحيث يكون للّفظ معنى مطابقي وله لازم وللازمه لازم وهكذا، وإما من خلال أنها معان مترتبة بعضها على بعض ترتب الباطن على ظاهره، فإرادة المعنى المعهود المألوف إرادة لمعنى اللفظ وإرادة لباطنه بعين إرادته لنفسه، كما أنك إذا قلت اسقني، فلا تطلب بذلك إلا السقي، وهو بعينه طلب الإدراك، وطلب لرفع الحاجة الوجودية، وطلب للكمال الوجودي، وليست هناك أربعة مطالب وأوامر، بل الطلب الواحد المتعلق بالسقي متعلق بعينه بهذه الأمور التي بعضها في باطن بعض، والجواب: الظاهر أن كل هذه النصوص القرآنية ترجع بالكلمة إلى معناها اللغوي الأصيل وهو (الرجوع)، لأنها مأخوذة من (الأول)، أي الرجوع إلى الأصل، وذلك بإرجاع الكلمات والأحداث والأشياء إلى أصولها التي انطلقت منها في الواقع مما يتمثل في الحاضر أو في المستقبل:
أ. فقد يتكلم الإنسان بكلمة تنطوي ـ في مضمونها ـ على أسرار وخفايا معينة في خلفياتها وأهدافها، فيكون الحديث عن ذلك كله تأويلا من خلال إعادة المعنى إلى نصابه في الوجدان أو في حركة الواقع، ولذلك فإنه يصح السؤال لمن قد يستنكر الكلمة ما هو تأويل كلامك، في التعبير عما يمكن أن يختزنه من خلفيات وأسرار خفية في النفس أو في الواقع.
ب. وقد يقوم الإنسان بعمل معين كما في تجربة صاحب موسى معه، فيحتاج إلى تبريره وتفسيره من خلال السرّ الذي يكمن في خلفياته، أو يرى رؤيا لا يعرف مغزاها أو نتائجها، فيكون التعبير التفسيري حديثا عما ينتظر صاحبها من أحداث مستقبلية تتصل بحياته أو حياة الآخرين أو يكون الواقع المستقبلي في تجسيده للصورة الرؤيوية تأويلا لذلك.
ج. وهكذا يتحدث القرآن عن أحداث يوم القيامة التي بلّغها الرسل للناس فأنكروها ليرى الناس تأويلها من خلال الواقع الذي يطابقها ويوحي بها، وهو الأصل الواقعي الذي انطلق الإخبار منه في مستقبل أمرهم عندما يقفون في ساحة القيامة ليعرفوا صدق الرسل في ما أخبروا به أو بلغوه من الحديث عن الله واليوم الآخر وعن كل تفاصيل العقيدة، وهكذا نجد تأويل كل شيء بحسبه مما يمتلك الآخذون به والمتحدثون عنه معرفته تبعا لما يعلمونه من أصول الأشياء ومصادرها، فقد يختزن المستقبل بعضها مما لا يملك معرفته إلا الله، أو ممن عرفهم الله سرّها إلهاما أو وحيا أو من خلال ما عرّفهم من علامات الأحداث وأسبابها وخلفياتها أو مما أمكنهم الاطلاع عليه بوسائلهم الخاصة، ومنه الثقافة العملية الممتدة في عمق الأمور وخلفيات القضايا وأسرار النفس الإنسانية.
7. في ضوء ذلك، يكون المقصود من تأويل هؤلاء الذين في قلوبهم مرض، هو إرجاع الأمور إلى غير حقيقتها، وتحويلها عن مصادرها الحقيقية في النفس وفي الواقع، وتحريف النص عن مساره الطبيعي في الإنسان والحياة.
8. بما ذكرناه من تفسير التأويل، يتضح صحة ما أشرنا إليه سابقا من أن (الواو) في قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ للعطف ـ كما هو الأصل فيها ـ لا للاستئناف كما ذهب إليه جماعة من الصحابة كأبيّ بن كعب وعائشة وابن عمر، حيث كان رأيهم الوقوف على لفظ الجلالة، وأما ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فكلام مستأنف، يقولون: آمنّا به، لأنه تعالى وصفهم بالتسليم المطلق لله تعالى، والعارف بالشيء لا يعبر عنه بالتسليم المطلق أو المحض، وقد جاء في رواية ابن مردويه عن عبد الله بن عمرو بن العاص عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: إن القرآن لم ينزل ليكذب بعضه بعضا، ولكن نزل يصدق بعضه بعضا، فما عرفتم به فاعملوا به وما تشابه عليكم فآمنوا به) مما قد يوحي بأن المتشابه مما لا يفهمه الناس، فقد استأثر الله بعلمه.
9. وافقهم في هذا الرأي صاحب تفسير الميزان، الذي يرى أن المعنى ـ في الآية ـ: (أن الناس في الأخذ بالكتاب قسمان: فمنهم من يتبع ما تشابه منه ومنهم من يقول إذا تشابه عليه شيء منه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وإنما اختلفا لاختلافهم، من جهة زيغ القلب ورسوخ العلم)، لكننا نلاحظ على كلامه، بالإضافة إلى ما قدمناه في صدر تفسير الآية، أن الإشكال على حديثه عن سياق الآية جاء على تقسيم الناس من الكتاب إلى جماعة تتبع المتشابه لاستغلاله في غير الحق، من خلال زيغ قلوبهم وانحرافهم عن خط الاستقامة، وجماعة ثابتة على اتّباع المحكم والإتيان بالمتشابه لرسوخ في علمهم، ويستفاد من الآية ـ كما ذكرنا ذلك ـ أن القصد الأول في ذكر الراسخين في العلم بيان حالهم وطريقتهم في الأخذ بالقرآن ومدحهم فيه قبال ما ذكر من حال الزائغين وطريقتهم وذمهم، والزائد على هذا القدر خارج عن القصد الأول، ولا دليل على تشريكهم في العلم بالتأويل مع ذلك، ولكنه لا يمانع من أن الراسخين في العلم قد يعلمون معنى المتشابه على طريقة الاستثناء من القاعدة، فإن (العلم بالتأويل مقصور في الآية عليه تعالى، ولا ينافي ذلك ورود الاستثناء عليه، كما أن الآيات دالة على انحصار علم الغيب عليه تعالى مع ورود الاستثناء عليه، كما في قوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ﴾ [الجن: 26 ـ 27]، ولا ينافيه أيضا كون المستثنى (الراسخون في العلم) بعينهم، إذ لا منافاة بين أن تدلّ هذه الآية على شأن من شؤون الراسخين في العلم، وهو الوقوف عند الشبهة والتسليم في مقابل الزائغين قلبا، وبين أن تدل آيات أخر على أنهم أو بعضا منهم عالمون بحقيقة القرآن وتأويل آياته)
10. خلاصة الإشكال، أن السياق ـ في هذه الآية ـ يتحرك في دائرة الحديث عن الكتاب وانقسام الناس حوله، ـ كما ذكر ـ ولكن الظاهر أنها ـ في مقام بيان الموقف منه ـ تؤكد أن هناك من لا يؤمن بالكتاب ويحاول إضلال الناس البسطاء باستغلال المتشابه من أجل فتنتهم عن دينهم وتأويله لمصلحة عقائدهم الباطلة من دون أن يملكوا علم ذلك، لأنهم لم ينفتحوا عليه انفتاح المؤمن على كتابه المقدس ليتدبروا آياته ويرجعوا بها إلى معانيها في الواقع من خلال مصادر العلم لديهم، ومنها وحي الله وإلهامه في تفسير آياته، فهم لا يجدون أية ضرورة أو أيّ حافز لذلك، ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ فإنهم انطلقوا في إيمانهم من خلال معرفتهم بالله وبكتابه، ولذلك فإنهم يواجهون المتشابه من موقع إيمانهم بأن الكتاب من عند الله، في محكمه ومتشابهه، فلا تختلف آياته، ولا تتنافر معانيه، مما يجعل بعضه يفسر البعض الآخر، ولذلك فإنهم يستخدمون علمهم من أجل أن يؤكدوا إيمانهم وإيمان الناس به، فيعلنونه في موقع حاسم لا مجال للشك فيه، ليقولوا آمنا به كلّ من عند ربنا الذي جعل المحكم، الذي (هو أم الكتاب) ومصدره ومرجعه، دليلا على المتشابه، وجعلهما معا نورا وهدى للناس، فليست مسألة تسليم إيمانيّ مجرّد، بل هو تسليم عقليّ واع في الإيمان، ولذلك ضمّ المحكم إلى المتشابه، مع أن الإيمان، به كان منطلقا من حالة وعي لا من حالة تسليم أعمى، مما يؤكد هذا الوجه، الذي نرتأيه ويذهب إليه جمهرة من الصحابة كابن عباس وبعض القدماء والشافعية ومعظم المفسرين من الشيعة.
11. إن اعتبار التأويل في الآية مختصّا بالله، لا يتناسب مع تفسير العلّامة الطباطبائي للمتشابه بأنه (كون الآية بحيث لا يتعين مرادها لفهم السامع بمجرد استماعها بل يتردد بين معنى ومعنى حتى يرجع محكمات الكتاب، فتعين هي معناها وتبينها بيانا، فتصير الآية المتشابهة عند ذلك محكمة بواسطة الآية المحكمة، والآية المحكمة محكمة بنفسها)، فإذا كان المتشابه ـ في القرآن كله ـ محكما واضحا ببركة المحكم، فكيف يكون مما اختص الله بعلمه، كعلم الغيب، فإن الغيب مما استأثر الله بعلمه فلا طريق إليه إلا من خلاله، أما المتشابه، فيمكن للراسخين في العلم أن يعرفوه من خلال ردّه إلى المحكم الذي يملكون علمه.
12. ذكر الطبرسي صاحب مجمع البيان تأييدا للقول بالعطف: أن الصحابة والتابعين أجمعوا على تفسير آي القرآن ولم نرهم توقفوا على شيء منه ولم يفسروه بأن قالوا هذا متشابه لا يعلمه إلّا الله، وقد ذكر صاحب الميزان، أن كون الآية ذات تأويل ترجع إليه غير كونها متشابهة ترجع إلى آية محكمة، ولكن يلاحظ على ذلك، أنّ ذكر التأويل السلبي لدى الذين في قلوبهم مرض، إلى جانب الحديث عن المتشابه، واستغلالهم التشابه الذي قد يحتمل معنى آخر، بالإضافة إلى ذكر المحكمات اللاتي هن أمّ الكتاب باعتبارها القاعدة التي يرجع إليها كل ما في الكتاب حتى المتشابه، إن هذا يوحي بأن تأويل الآية يتصل بإرجاعها إلى معناها الحقيقي الذي قد يتمثل بالمقارنة بينها وبين الآيات المحكمة التي تصرف اللفظ عن ظاهره الأوّلي ليتخذ لنفسه ظهورا ثانويا في معناه المجازي الوارد على سبيل الاستعارة، وهذا ما يظهر من الروايات الواردة في أسباب النزول، من محاولة النصارى تأويل الآيات النازلة في عيسى لمصلحة عقائدهم، أو محاولة المجسمة حمل الآيات الظاهرة، بدوا، في التجسيم، على ما يعتقدونه، بعيدا عن المقارنة بالآيات الأخرى.
13. خلاصة الملاحظة، أن التأويل الحق الذي يعلمه الله والراسخون في العلم، هو في سياق التأويل الذي حاول الذين في قلوبهم مرض الاستفادة منه لمصلحة عقائدهم، من حيث حمل اللفظ عليه، أما علاقة ذلك بالواقع، فمن جهة أن الواقع يدل على صدق الآية في معناها عندما يكون الحديث عن قضايا خفية أو مستقبلية.
14. ذكر العلامة الطباطبائي، أن التأويل لا يختص بالآيات المتشابهة بل لجميع القرآن تأويل، فللآية المحكمة تأويل، كما أنّ للمتشابهة تأويلا، واستدل على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ﴾ [الأعراف: 52 ـ 53]، أي بالحق في ما أخبروا به وأنبئوا أن الله مولاهم الحق، وأن ما يدعون من دونه هو الباطل، وأن النبوّة حق، وأن الدين حق، وأن الله يبعث من في القبور، وبالجملة، كل ما يظهر حقيقته يوم القيامة من أنباء النبوة وأخبارها، وقوله تعالى: ﴿بَلْ كَذَّبُوا بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ [يونس: 39]، والآيات كما ترى تضيف التأويل إلى مجموع الكتاب، لكن الظاهر أن الآيتين لا دلالة فيهما على (التأويل) في الكتاب:
أ. لأن الآية الأولى تدل ـ في ظاهرها ـ على علاقة المضمون بالواقع المستقبلي، باعتبار أنهم أنكروه من حيث هو أمر غيبي لا مجال للإحساس به بشكل مباشر لغموضه في وجدانهم الذي يرتبط بالحسّ في قناعاته، ولا يحاول أن ينفتح على الجانب العقلي في إثبات الحقائق، وهكذا كان التأويل هنا يعني إيضاح المسألة من خلال الواقع الحسّي الذي يتمثل لهم يوم القيامة، فيفرض نفسه عليهم، فهي خاصة بالأمر الغيبي الذي تحدث عنه الكتاب، لا بكل الكتاب.
ب. أما الآية الثانية، فهي قد توحي بما ينتظرهم من الجزاء الذي توعدهم الله به على تكذيبهم، أو بالقيامة التي يقفون فيها ليواجهوا حساب مسئولياتهم، وربما كان قوله تعالى: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ﴾ موحيا بذلك.
15. إن هناك فرقا بين فكرة غامضة في الوجدان تنتظر الحس ليفسرها في الوعي الحسيّ وبين آية تنتظر الوضوح لتحديد المعنى الذي يراد منها بلحاظ مقارنتها بآية أخرى، ولعل الثاني هو الذي يراد من التأويل في الآية بالنسبة إلى المتشابه الذي قد ينطلق المنافقون لاستغلال غموضه البدوي، ولكن الله الذي أنزل الكتاب هو الذي يعلمه كما يعلمه الراسخون، وقد روي عن أبي جعفر (الباقر) عليه السّلام أنه قال: كان رسول الله أفضل الراسخين في العلم قد علم جميع ما أنزل الله عليه من التأويل والتنزيل وما كان الله لينزل عليه شيئا لم يعلّمه تأويله وهو وأوصياؤه من بعده يعلمونه كله، والظاهر أن الإمام الباقر عليه السّلام كان في مقام تطبيق الآية على الرسول والأئمة عليهم السّلام، وكان ابن عباس يقول: أنا من الراسخين في العلم، في إشارة لانطباق الآية عليه.
16. ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ والمراد بهم الذين يملكون رسوخا في العلم بالمستوى الذي يستطيعون بها أن يفهموا كتاب الله ودينه وشريعته وحقائق الحياة الدالة على وجوده وتوحيده وحركة الحكمة في تجربتهم العملية في الحياة، وقد ورد هذا التعبير في آية أخرى وهي قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾ [النساء: 162]
17. إذا كانت بعض الأحاديث قد تحدث عن النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم والأئمة عليهم السّلام، فإن ذلك وارد على سبيل أنهم أفضل المصاديق، لأن علم النبيّ مستمدّ من وحي الله وإلهامه، كما أن علمهم مستمدّ من علم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، وقد جاء في حديث النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم: (أنا مدينة العلم وعليّ بابها)، وفي حديث الإمام علي عليه السّلام قال: علمني ألف باب من العلم، فتح لي كل باب ألف باب)، وقال الإمام جعفر الصادق عليه السّلام في ما روي عنه ما مضمونه: (حديثي حديث أبي وحديث أبي حديث جدي وحديث جدي حديث الحسين، وحديث الحسين حديث الحسن، وحديث الحسن حديث أمير المؤمنين وحديث أمير المؤمنين حديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وحديث رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قول الله عز وجل)، وهؤلاء هم الصفوة العليا من الراسخين في العلم وممن أخذوا من العلم بقدر واسع.
18. ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ﴾ أي بالقرآن محكمه ومتشابهه ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ فقد أنزل الله هذا القرآن ليكون هدى للناس في عقائدهم وأعمالهم ومواقفهم، فإذا كان هناك بعض المغموض والتردد بين المعاني، فإن المحكم في كتاب الله يرده إليه ويوضح معناه حتى لا يبقى فيه أي التباس لتتوحد الآيات كلها في المعنى القرآني الذي يجسّد في مضمونه الحقيقة الإسلامية الأصيلة.
19. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ في حركة الفكر التي تفتح آفاق الإنسان على الله في مواقع ربوبيته، وتوحي له بحقيقة عبوديته، له وتذكره بما ينتظره في الآخرة من ثواب وعقاب في خط المسؤولية التي يتمثل الإنسان نتائجها الإيجابية والسلبية في الموقف بين يدي الله.
20. ﴿إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ أي أصحاب العقول الذين يعيشون مسئولية العقل في التفكير بكل ما يتصل بالإنسان في مصيره في الدنيا والآخرة ومسئولياته تجاه الحياة والإنسان، فيتحركون من خلال منطقه الذي يواجه الأمر من موقع الحسابات الدقيقة التي تقارن بين الأشياء، وتربط النتائج بمقدماتها، والمسببات بأسبابها، وينفتح بالإنسان على ما يحقق له الربح والسعادة ويبعده عن الخسارة والشقاء، ولهذا فإنهم لا يسقطون تحت تأثير الغفلة، لأنها الحالة التي تبتعد عن واقع الوعي ويعيش الإنسان معها حالة عمى في القلب وغيبوبة في الإحساس، بحيث ينسى كل الأمور الحيوية المتصلة بمصيره، بينما يؤكد العقل لهؤلاء العقلاء القوة التي تزيل كل غشاوة عن الوعي وتبعد كل ضباب عن الرؤية، فينطلقون في وضوح الرؤية التي تجعلهم يذكرون الله قياما وقعودا ويخافون عقابه ويرجون ثوابه، ويتطلعون إلى هداه، وينتظرون رحمته.
__________
(1) من وحي القرآن: 5/229.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. الكلام كثير بشأن معنى (التأويل)، والأقرب إلى الحقيقة هو أنّ (التأويل) من (الأول) أي الرجوع إلى الأصل، وهو إيصال العمل أو الكلام إلى الهدف النهائي المراد منه، فإذا أقدم أحد على عمل ولم يكن هدفه من هذا العلم واضحا، ثمّ يتوضّح ذلك في النهاية، فهذا هو التأويل، كالذي نقرأه في حكاية موسى عليه السّلام مع الحكيم الذي كان يقوم بأعمال غامضة الأهداف (مثل تحطيم السفينة) فكان هذا مدعاة لانزعاج موسى، ولكن عندما شرح له الحكيم في نهاية المطاف وعند الفراق أهداف تلك الأعمال، وأنّه قصد إلى تخليص السفينة من الوقوع في يد سلطان غاصب وظالم، ختم شرحه بقوله: ﴿ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِعْ عَلَيْهِ صَبْرًا﴾، كذلك إذا رأى الإنسان رؤيا لا تتّضح له نتيجتها، ثمّ تبيّن له تعبيرها بمراجعة شخص أو مشاهدة واقعة، فذلك هو تأويل الرؤيا، مثل يوسف عليه السّلام الذي قال حين تحقّقت رؤياه الشهيرة عمليا، أو بعبارة أخرى حين وصلت مرحلتها النهائية ﴿هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ﴾، وهكذا إذا صدر عن الإنسان كلام فيه مفاهيم وأسرار خاصّة تشكّل الهدف النهائي لذلك الكلام، فذلك هو التأويل.
2. هذا هو معنى التأويل في الآية، أي أنّ في القرآن آيات ذات أسرار ومعان عميقة غير أنّ ذوي الأفكار المنحرفة والمقاصد الفاسدة يضعون من عندهم تفسيرا لا أساس له من الصحّة ويستندون إليه لخداع أنفسهم أو غيرهم.
3. وعليه، فإنّ المقصود من ﴿ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ﴾ هو أنّ هؤلاء يريدون أن يؤولوا الآيات بصورة تخالف حقيقتها، أي ابتغاء تأويله على خلاف الحقّ.
4. وكما قرأنا في سبب نزول هذه الآية أنّ بعض اليهود أوّلوا تلك الحروف المقطّعة في القرآن تأويلا لا يتّفق مع الحقيقة، فقالوا إنّها تحدّد عمر الإسلام، وهكذا المسيحيّون أساؤوا تأويل (روح منه) ليثبتوا ألوهيّة المسيح عليه السّلام، هذه كلّها من قبيل (التأويل بخلاف الحقّ)، وإرجاعها إلى مقاصد بعيدة عن الحقيقة.
5. ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ هذا التعبير القرآني ورد في موضعين، هذا أحدهما هنا والآخر في سورة النساء، إذ يقول: ﴿لَكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ﴾، وبحسب المعنى اللغوي لهذه الكلمة، فإنّها تعني الذين لهم قدم ثابتة في العلم والمعرفة، وطبيعي أن يكون معنى الكلمة واسعا يضمّ جميع العلماء والمفكّرين، إلّا أن بين هؤلاء أفرادا متميّزين لهم مكانتهم الخاصّة، ويأتون على رأس مصاديق الراسخين في العلم وتنصرف إليهم الأذهان عند استعمال هذه الكلمة قبل غيرهم، وهذا هو الذي تقول به بعض الأحاديث التي تفسّر الراسخين في العلم بأنّهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم وأئمّة الهدى عليهم السّلام، فقد سبق أن قلنا إنّ لكلمات القرآن ومفاهيمه معاني واسعة، ومن مصاديقها البارزة الشخصيّات النموذجية السامية التي تذكر أحيانا وحدها في تفسير تلك الكلمات والمفاهيم، عن بريد بن معاوية قال قلت لأبي جعفر (الباقر) عليه السّلام: قول الله ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ قال: يعني تأويل القرآن كلّه، إلّا الله والراسخون في العلم، فرسول الله أفضل الراسخين، وقد علّمه جميع ما أنزل عليه من التنزيل والتأويل، وما كان الله منزلا عليه شيئا لم يعلّمه تأويله وأوصياؤه من بعده يعلمونه كلّه)، وهناك أحاديث كثيرة أخرى في أصول الكافي وسائر كتب الحديث بهذا الشأن، جمعها صاحبا تفسير (نور الثقلين) وتفسير (البرهان) في ذيل هذه الآية.
6. كما قلنا فإنّ تفسير الراسخين بالعلم بأنّهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم وأئمّة الهدى عليهم السّلام لا يتعارض مع المفهوم الواسع الذي يشمله هذا التعبير، فقد نقل عن ابن عبّاس أنّه قال: (أنا أيضا من الراسخين في العلم) إلّا أنّ كلّ امرئ يتعرّف على أسرار تأويل آيات القرآن بقدر سعته العلمية، فالذين يصدرون في علمهم عن علم الله اللامتناهي لا شكّ أعلم بأسرار تأويل القرآن، والآخرون يعلمون جزءا من تلك الأسرار.
7. ثمّة نقاش هامّ يدور بين المفسّرين والعلماء حول ما إذا كانت عبارة ﴿الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ بداية جملة مستقلّة، أم أنّها معطوفة على ﴿إِلَّا اللَّهُ﴾، وبعبارة أخرى: هل أنّ معنى الآية وأنّه ﴿ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾؟ أم أنّه ﴿ما يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللهُ والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا﴾؟ إنّ لكلّ فريق من مؤيّدي هذين الاتجاهين أدلّته وبراهينه وشواهده، أمّا القرائن الموجودة في الآية والأحاديث المشهورة المنسجمة معها فتقول إنّ ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ معطوفة على (الله)، وذلك:
أ. أوّلا: يستبعد كثيرا أن تكون في القرآن آيات لا يعلم أسرارها إلّا الله وحده، ألم تنزل هذه الآيات لهداية البشر وتربيتهم؟ فكيف يمكن أن لا يعلم بمعانيها وتأويلها حتّى النبيّ الذي نزلت عليه؟ هذا أشبه بمن يؤلّف كتابا لا يفهم معاني بعض أجزائه سواه!
ب. وثانيا: كما يقول المرحوم الطبرسي في (مجمع البيان): لم يسبق أن رأينا بين علماء الإسلام والمفسّرين من يمتنع عن تفسير آية بحجّة أنّها من الآيات التي لا يعرف معناها سوى الله، بل كانوا جميعا يجدّون ويجتهدون لكشف أسرار القرآن ومعانيه.
ج. وثالثا: إذا كان القصد هو أنّ الراسخين في العلم يسلّمون لما لا يعرفونه، لكان الأولى أن يقال: والراسخون في الإيمان يقولون آمنّا به، لأنّ الرسوخ في العلم يتناسب مع العلم بتأويل القرآن، ولا يتناسب مع عدم العلم به والتسليم له.
د. ورابعا: أنّ الأحاديث الكثيرة التي تفسّر هذه الآية تؤكّد كلّها أنّ الراسخين في العلم يعلمون تأويله، وعليه فيجب أن تكون معطوفة على (الله)، الشيء الوحيد الباقي هو إنّ خطبة (الأشباح) للإمام علي عليه السّلام في نهج البلاغة يستفاد منها أنّ الراسخين في العلم لا يعلمون تأويل الآيات ويعترفون بعجزهم: (واعلم أنّ الراسخين في العلم هم الذين أغناهم عن اقتحام السدد المضروبة دون الغيوب، الإقرار بجملة ما جهلوا تفسيره من الغيب الحجوب)، لكن فضلا عن كون هذه العبارة تناقض بعض الأحاديث المنقولة عنه عليه السّلام التي قال فيها: إنّ الراسخين في العلم معطوفة على (الله) وإنّهم عالمون بتأويل القرآن، فإنّها لا تنسجم أيضا مع الأدلّة التي سبق ذكرها، وعليه فيلزم تفسير هذه الجملة من خطبه (الأشباح) بما يتّفق والأساتيد الأخرى التي بين أيدينا.
8. من كلّ ما مرّ قوله تفسيرا لهذه الآية نستنتج:
أ. أنّ آيات القرآن قسمان: قسم معانيها واضحة جدّا بحيث لا يمكن إنكارها ولا إساءة تأويلها وتفسيرها، وهذه هي الآيات (المحكمات)، وقسم آخر مواضيعها رفيعة المستوى، أو أنّها تدور حول عوالم بعيدة عن متناول أيدينا، كعلم الغيب، وعالم يوم القيامة، وصفات الله، بحيث إنّ معرفة معانيها النهائية وإدراك كنه أسرارها يستلزم مستوى عاليا من العلم، وهذه هي الآيات (المتشابهات)
ب. المنحرفون والشواذ من الناس يسعون لاستخدام إبهام هذه الآيات لتفسيرها بحسب أهوائهم وبخلاف الحقّ، لكي يثيروا الفتنة بين الناس ويضلّوهم عن الطريق المستقيم، بيد أنّ الله والراسخين في العلم يعرفون أسرار هذه الآيات ويشرحونها للناس، فهم بعلمهم الواسع يفهمون المتشابهات كما يفهمون المحكمات، ولذلك فإنّهم يسلّمون بها قائلين إنّها جميعا من عند الله: ﴿يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وعلى هذا يكون الرسوخ في العلم سببا في أن يزداد الإنسان معرفة بأسرار القرآن، ولا شكّ أنّ الذين رسخوا في العلم أكثر من غيرهم ـ كالنبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم وأئمّة الهدى ـ يعلمون جميع أسرار القرآن، بينما الآخرون يعلمون منها كلّ بقدر سعة علمه، وهذه الحقيقة هي التي تدفع الناس، وحتّى العلماء منهم، للبحث عن المعلّمين الإلهيّين ليتعلّموا منهم أسرار القرآن.
9. ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، تشير هذه الجملة في ختام الآية إلى أنّ هذه الحقائق يعرفها المفكّرون وحدهم، فهم الذين يدركون لماذا ينبغي أن يكون في القرآن (محكمات) و(متشابهات)، وهم الذين يعلمون أنّه يجب وضع المتشابهات إلى جانب المحكمات لكشفها، لذلك فقد نقل عن الإمام علي بن موسى الرضا عليه السّلام أنّه قال: من ردّ متشابه القرآن إلى محكمه هدي إلى صراط مستقيم)
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/401.
الخليلي:
ذكر أحمد الخليلي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ثم إنه سبحانه بين انقسام الناس في المحكم والمتشابه بالنص على من اتبع المتشابه حيث قال: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، ومفهوم ذلك أن الذين هداهم الله إنما يأخذون بالمحكم ويردون المتشابه إليه لأنهم علموا أن المحكم هو: ﴿هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ﴾، فيجب الإستمساك به ويحمل المتشابه على ما لا يخالفه حملا للكلام على أحسن وجوهه ومراعاة لما يقتضيه من الدلالة على القصد تارة بالحقيقة وأخرى بالمجاز.
2. الزيغ هو الميل، ومنه زاغت الشمس، وزاغت الأبصار، يقال: زاغ يزيغ زيغا إذا ترك القصد وقد شاع إستعماله في الميل عن الصواب، ومنه قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، قال القرطبي: وهذه الآية تعم كل طائفة من كافر وزنديق وجاهل وصاحب بدعة، وإن كانت الإشارة بها في ذلك الوقت إلى نصارى نجران)، ثم بين أحوال المتبعين للمتشابه، فحكى عن شيخه أبي العباس قوله: (مُتَّبعو المتشابه لا يخلو أن يتبعوه ويُجملوه طلبًا للتشكيك في القرآن كما فعله الزنادقة والقرامطة الطاعنون في القرآن، أو طلبًا لإعتقاد ظواهر المتشابه كما فعلته المُجسِّمة الذين جمعوا ما في الكتاب والسنة مما ظاهره الجسمية، حتى اعتقدوا أن الباري تبارك وتعالى جسم مجسم وصورة مُصورة ذات وجه وعين ويد وجنب ورجل وإصبع تعالى الله عن ذلك، أو يتبعوه على جهة إبداء تأويلاتها وإيضاح معانيها، أو كما فعل صبيغ حين أكثر على عمر السؤال، فهذه أربعة أقسام)(2)
3. لا ارتياب في ضلال وكفر كل من أثار شبهة حول القرآن وطعن فيه، إذ لا فرق بين أولئك وبين قول من قال: ﴿مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ﴾، وعليه فكل من تتبع متشابهاته لأجل القدح فيه وإثارة الريبة في قلوب ضعفاء الأمة هو في عداد الكفار المشركين، ولا صلة له بالأمة قط، فلا تجوز مناكحته ولا موارثته، ولا يدفن في مقابر المسلمين، ويطبق عليه حد الإرتداد وهو القتل ولكن بعد إستتابته على الراجح، وأما المُجسمة فهم أيضًا ضالون مضلون إذ لا فرق بينهم ـ من حيث المنهج ـ وبين النصارى الذين استدلوا لضلالهم بما أخبر الله عز وجل به في المسيح عليه السلام أنه كلمة الله وروح منه، فإن هؤلاء أيضًا تعلقوا بنحو قول الله تعالى: ﴿يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ﴾، وقوله: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾، وقوله: ﴿يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللهِ﴾، وقوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾، إلى غيرها من الآيات المتشابهات في إثبات مُعتقدهم الباطل أن الله جسم مُبعض ذو أعضاء، وأنه ينتقل من مكان إلى آخر، بل بالغوا في وصفه تعالى بصفات خلقه حتى عزوا إليه النسيان وغيره من صفات النقص متمسكين بقوله تعالى: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ﴾، ومعرضين عن قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا﴾، وقوله فيما حكاه عن موسى صلّى الله عليه وآله وسلم: ﴿لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى﴾، وإما اختلفت الأمة في خروجهم بما قالوه من ملة الإسلام والحكم عليهم بأحكام أهل الشرك وعبدة الأوثان؛ بحيث تحرم مناكحتهم وموارثتهم والصلاة على موتاهم ودفنهم في مقابر المسلمين، فذهب كثيرٌ من أهل العلم إلى الحكم عليهم بذلك، وهو الذي عوَّل عليه شيخ القرطبي أبو العباس فيما تقدم نقله عنه، غير أن جمهور أصحابنا(3) ـ لما عرفوا به من الاحتياط من الدين ـ راعوا أن أولئك متأولون في ضلالهم، فهم ليسوا كمن قصد نبذ القرآن ومصادمة نصوصه، لذلك لم يُخرجوهم من الملة، وإنما قصارى ما حكموا عليهم به أنهم أهل زيغ وضلال فهم كفار نعمة لا كفار شرك، وهذا الذي عوَّل عليه الإمام أبو سفيان محبوب بن الرحيل من علمائنا في أواخر القرن الثاني وأوائل الثالث الهجريين ـ فيما كتبه إلى أهل عمان وأهل حضرموت في المسائل التي وقع الخلاف فيها بينه وبين هارون اليماني ـ، وسُئِل المحقق الخليلي عن تشريك هؤلاء المُشبهة فأجاب بقوله: (إياك ثم إياك أن تعجل بالحكم على أهل القبلة بالإشراك من قبل معرفة بأصوله فإنه موضع الإهلاك والهلاك)
4. هذا، وأما الفريق الثالث فإنه لم يحد عن الحق إذ لم يحمل هذه الآيات الكريمة إلا على محاملها التي يقتضيها اللسان العربي وتوحي بها دلائل القرآن نفسه؛ إذ القرآن الكريم أوحاه الله بلسان عربي مبين، وفي هذا اللسان الحقيقة والمجاز، وليس تأويل تلكم الآيات المتشابهات بما يتفق مع أمهاتها المحكمات وما تحتمله اللغة وتقتضيه دلائل العقل والنقل خروجًا عن هذا النهج السليم،ولا يسلم أن السلف كانوا على غير ذلك، وكيف وقد رُويَ عنهم تأويل كثير من المتشابهات، وعلى رأس السلف الصالح جميعًا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ونفسه علمنا التأويل للمتشابه فيما يحكيه عن الله عز وجل كما في صحيح مسلم من طريق أبي هريرة مرفوعًا: أن رسول الله صلي الله عليه وسلم قال: (إن الله عز وجل يقول يوم القيامة: يا ابن آدم مرضت فلم تعدني! قال يا رب كيف أعودك وأنت رب العالمين!؟ قال: أما علمت أن عبدى فلاناً مرض فلم تعده أما علمت أنك لو عدته لوجدتني عنده؟ يا بن آدم استطعمتك فلم تطعمني! قال: يا رب وكيف أطعمك وأنت رب العالمين!؟ قال: أما علمت أنك لو أطعمته لوجدت ذلك عندي؟يا بن آدم استسقيتك فلم تسقني؟ قال يا رب كيف أسقيك وأنت رب العالمين!؟ قال استسقاك عبدي فلان فلم تسقه أما إنك لو سقيته وجدت ذلك عندي)، فأنتم ترون كيف جاء هذا الحديث الشريف بتعليم التأويل للمتشابه على لسان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم حاكيًا له عن الله عز وجل، فإن الله تعالى في خطابه لعبده أسند إلى نفسه ما حل بعبده من المرض وما كان منه من الإستطعام والإستسقاء، وهو تعالى منزه عن عُرضة للمرض أو لأي عارض يتنزل بالخلق، كما أنه منزه عن استطعام أحد أحد أو استسقائه لغناه عن الطعام والشراب، وإستغنائه بذاته عن جميع مخلوقاته، ولكن إنما كان إسناد ذلك كله إلى نفسه بسبب ما لعبده من مكان عنده، وما للإحسان إلى عباده من قدر عظيم يحظى به المحسن عندما ينقلب إلى ربه، وسيأتي إن شاء الله بيان أن كثيرًا من الآيات والأحاديث المتشابهة أوَّلها السلف بما يتفق مع تنزيهه تعالى عن الشبه بخلقه، وإنما سكتوا عن أشياء لعدم الحاجة إلى تأويل معناها في زمانهم، فإن السواد الأعظم منهم كانوا عربًا أقحاحًا عارفين بمضامين الكلام العربي ومدركين لقرائنه التي يخرج بها عن حقيقته إلى مجازه، فلذلك لم يكونوا بحاجة إلى أن ينصوا على تأويل كل متشابه.
5. وهذا لا ينافي أن الواجب فيمن أشكل عليه تأويل شيء أن يقف عنه ويكل علمه إلى الله تعالى لحرمة التقول على الله بغير علم فقد قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ﴾، وقال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾
6. المراد بإتباعهم المتشابه أخذهم به في الاستدلال وإعراضهم عن المُحكم كما كان من نصارى نجران ومثله صنيع المُشبهة، ويشمل ذلك تتبع ما تشابه من الآي لأجل إثارة الشكوك في نفوس الضعفاء، وتأويل أي شيء من القرآن بما لا يتفق مع مراد الله تعالى كتأويل القرامطة ـ أخزاهم الله تعالى ـ عندما دخلوا مكة قوله تعالى في الحرم: ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾، على معنى الخبر لا التشريع، فكانوا يقولون: وأيُ أمن هنا؟ ابتغاء فتنة المؤمنين وصدهم عن الحق، وهكذا ما يصدر من أهل الكفر والأهواء من صرف معاني القرآن الكريم عن مراد الله تعالى، وقد ذُُمَّ تأويلهم لزيغه عن النهج السوي، وقصد السوء من ورائه، وهذا لا يشمل كل تأويل المُتشابه، فلا يندرج فيه التأويل المبني على أُسس ثابتة من منهج القرآن ولغته التي خُوطب بها الناس، فإن هذا هو تأويل الراسخين في العلم.
7. اختلف السلف والخلف قرّاء ومفسرون هل الراسخون في العلم معطوف اسم لفظ الجلالة أو أنه مُستأنف؟
أ. فالذين ذهبوا إلى العطف قالوا أنهم ـ الراسخون في العلم ـ على علم بتأويل المُتشابهات، فإن الله تعالى آتاهم من الفهم والإدراك ما أهلهم لأن يكونوا عالمين بمعانيها، وقد شرَّفهم الله تعالى فعطفهم على نفسه كما فعل في قوله: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ﴾، إذ عطف الملائكة وأولي العلم على نفسه في الشهادة لنفسه بالوحدانية.
ب. والقائلون بخلاف ذلك ذهبوا إلى أن الله وحده هو العليم بمعاني هذه المُتشابهات، وأولئك الراسخون ـ لرسوخ أقدامهم في المعرفة ـ قد أدركوا عظم هذا الأمر فما كان منهم إلا الإعلان بإيمانهم بكل ما أنزل الله سبحانه وتعالى في مُحكم ومتشابه أنه منه، وهذا لأنهم بما نوَّر الله به بصائرهم وألهمهم من العلم أدركوا عظم شأن الكتاب العزيز وأنه لا يمكن أن يُحيط بما اشتمل عليه من العلوم إلا الله تعالى وحده.
8. لكل واحد من الفريقين استدلال لما ذهبوا إليه:
أ. فالقائلون بالعطف استدلوا بأن هؤلاء الراسخين في العلم لو لم يكونوا على معرفة بمعاني المُتشابهات لكانوا متساويين في ذلك مع غيرهم، وفي أي شيء رسوخهم إن لم يكونوا يعلمون إلا ما يعلم الجميع؟ وما الرسوخ إلا المعرفة بتصاريف الكلام وموارد الأحكام ومواقع المواعظ، وذلك كله بقريحة مُعدَّة، فالمعنى: وما يعلم تأويله على الاستيفاء إلا الله والقوم الذين يعلمون منه ما يمكن أن يُعلم، يقولون في جميعه: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، على أنه لا يلزم أن يكون أولئك الراسخون قد أحاطوا بعلم المتشابه،فإذا علموا تأويل بعضه ولم يعلموا البعض، قالوا آمنا بالجميع ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، وما لم يحط به من علمنا من الخفايا مما في شرعه الصالح فعلمه عند ربنا، فإن قال قائل: قد أشكل على الراسخين بعض تفسيره حتى قال ابن عباس: لا أدري ما الأواه، ولا ما الغسلين، قيل له: هذا لا يلزم؛ لأن ابن عباس قد علم بعد ذلك ففسر ما وقف عليه، وجواب أقطع من هذا وهو أنه سبحانه لم يقل وكل راسخ فيجب هذا، فإذا لم يعلمه أحد علمه الآخر، وأيد هؤلاء ما ذهبوا إليه بقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في ابن عباس: اللهم فقهه في الدين، وعلمه التأويل)
ب. واستدل القائلون بعدم العطف وأن المتشابه يعلمه الله وحده بالعديد من الأدلة:
أ. منها أن صرف الألفاظ إلى غير معانيها المتبادرة لا يتأتى إلا بحملها على المجاز، وفي المجازات كثرة، وترجيح البعض على البعض لا يكون إلا بالترجيحات اللغوية، وهي لا تفيد إلا الظن الضعيف، فإذا كانت المسألة قطعية يقينية كان القول فيها بالدلائل الظنية الضعيفة غير جائز.
ب. ومنها أن الله ذم الذين يبتغون تأويله، والمذموم عند الله غير جائز، ولا يُحمل الذم على تأويل المُتشابهات دون بعض لأنه ترك للظاهر.
ج. ومنها أن الله مدح الراسخين في العلم بأنهم يقولون آمنا به، وهو يتفق مع قوله: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ﴾، وهذا المدح يُؤذن بأنهم لم يكونوا عارفين بتفصيل ذلك، فإن كل من عرف شيئًا على سبيل التفصيل لابد لم من الإيمان به.. وهذا غير مُسلَّم فإن كثيرًا من الكُفار المعاندين يجحدون ما استيقنته أنفسهم كما قال تعالى في معرفة فرعون وآله بالآيات التي جاء بها موسى عليه السلام: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا﴾، وقال في معرفة اليهود بالنبي: ﴿يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ﴾
د. واستدلوا أيضًا بأنه لو كان الراسخون في العلم معطوفًا على اسم الجلالة لَلَزِم منه أن يكون الله تعالى قائلاً معهم: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾؛ لأن الحال بعد المعطوف والمعطوف عليه شامل لهما، ولا يخفى على أحد استحالة أن يكون الله قائلا ً ذلك، وتعقب الشوكاني هذا الإستدلال بأنه غير لازم، فإن مجيء حال للمعطوف دون المعطوف عليه جائز في اللغة العربية، وقد جاء مثله في الكتاب العزيز منه قوله تعالى: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا﴾، أي وجاءت الملائكة صفًا صفًا غير أنه قال بعد هذا: ولكن ها هنا مانع آخر وهو تقييد علمهم بتأويله بحال كونهم قائلين آمنا به، فإن الراسخين في العلم على القول بصحة العطف على الاسم الشريف يعلمونه في كل حال من الأحوال لا في هذه الحالة الخاصة، فاقتضى هذا أن جعل قولله يقولون آمنا به جالا ً غير صحيح، فتعين المصير إلى الإستئناف والجزم بأن قوله تعالى: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ﴾ مبتدأ خبره يقولون.. ويدرأ هذا المانع بأمرين:
• أولهما: أن يُحمل القول هنا على معنى الاعتقاد؛ فإنهم لا يمدحون بهذا القول وحده، وإنما يُمدحون بإتصافهم بمضمونه وهو إعتقادهم الإيمان به، وأن كلا من عند الله، ونحو هذا قوله تعالى: ﴿قُلْ لَنْ يُصِيبَنَا إِلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَنَا﴾، فإن المطلوب منه لا مجرد القول ذلك بل إعتقاده في قرارة نفسه وقول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم للذي نصحه: (قل آمنت ثم استقم)، وإنما من شأن الإنسان أن يُعبر عما في قرارة نفسه من الإعتقاد، ويمدح ويذم على اعتقاد الحق أو الباطل ولو لم يصحبه قول، ولكن كثيرًا ما يعبَّر عنه بالقول كما في الحديث القدسي الذي أخرجه الإمام الربيع: (أصبح من عبادي مؤمن وكافر؛ فأما من قال مُطرنا بفضل الله وبرحمته، فذلك مؤمن بي وكافر بالكواكب، وأما من قال مُطرنا بنَوءِ كذا وكذا، فذلك كافرٌ بي مؤمن بالكواكب)، فإنه من المعلوم أن اعتقاد ذلك كافٍ في جعل المُعتقد مؤمنًا بالله أو بالكواكب ولو لم يصحبه قول.
• ثانيهما: حمل قوله تعالى: ﴿يَقُولُونَ﴾، على أنه استئناف بياني جاء جوابًا لسؤال مُقدّر، كأنه قيل: ما هو شأن الراسخين في العلم وقد علموا معاني هذه المتشابهات؟ فأُجيب بذلك.
9. هذا وكون القرآن الكريم كله هدى كما وصفه الله بقوله: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وقوله: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، وقوله: ﴿هُدًى وَرَحْمَةً لِلْمُحْسِنِينَ﴾، وقوله: ﴿هُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾، مؤذن بأنه جميعًا مفهوم للناس؛ إذ لا يمكن أن يهتدوا إلا بما كان مفهومًا عندهم، على أن المشركين الذين واجهوا القرآن بالتكذيب والصد كانوا يحرصون على وجود أي شبهة فيه يمكنهم من خلالها أن ينفذوا إلى ما يطمحون إليه من الطعن فيه، فسكوتهم عن الاعتراض عليه من هذه الناحية مؤذن بأنهم كانوا ـ لمعرفتهم ببيانه ـ على فهم مقاصده، وإلا لأثاروا الدنيا استنكارًا لعباراته المستعصية على الأفهام.
10. مع هذا كله فإنني لا أرى الخلاف بين الطائفتين واسع الشُّقة في هذا، فإن لكل واحد من القولين وجهًا وجيهًا في الحق، فهناك أمور تضمنتها آيات القرآن، يجب علينا أن نؤمن بها، ولكن لا تمكن معرفتنا بها تفصيلا ً وإنما نقف فيها عند حدود الإجمال؛ لأن تفاصيلها من أسرار الله في خلقه كميقات الساعة وعظم هولها ومقادير ثوابه لأوليائه وعقابه لأعدائه، فهذا كله مما يدخل في المتشابه الذي لا يعلم تأويله إلا الله، وبجانبها أشياء أخرى تضمنتها آيات أخرى من الكتاب العزيز وهي معدودة في المتشابهات قطعًا ولكن بإمكان اللبيب المُوفق أن يصل إلى معانيها وذلك بإتقانه اللسان العربي الذي نزل به القرآن الكريم، واستمساكه بمحكماته التي ترجع إليها تلكم المتشابهات، ويندرج في هذا القسم ما أوهم ظاهره معنى لا يجوز على الله تعالى، وقد نحا هذا المنحى في تقريب هذين الرأيين بعضها من بعض ابن عطية، حيث قال:) وهذه المسألة إذا تُأمِّلت قرب الخلاف فيها من الإتفاق، وذلك أن الله تعالى قسّم آيُ الكتاب قسمين مُحكمًا ومُتشابهًا، فالمُحكم هو المتضح المعنى لكل من يفهم كلام العرب، لا يحتاج فيه إلى نظر ولا يتعلق به شيء يلبس ويستوي في علمه الراسخ وغيره، والمتشابه يتنوع فمنه ما لا يُعلم البتة كأمر الروح وآماد المغيبات التي قد أعلم الله بوقوعها إلى سائر ذلك، فيُتأول ويعلم تأويله المُستقيم، ويزاد ما فيه مما عسى أن يتعلق فيه من تأويل غير مستقيم كقوله في عيسى: ﴿وَرُوحٌ مِنْهُ﴾، إلى غير ذلك، ولا يُسمى أحد راسخًا إلا بأن يعلم من هذا النوع كثيرًا بحسب ما قدر له، وإلا فمن لا يعلم سوى المحكم فليس يسمى راسخًا.
__________
(1) تفسير الخليلي: (4/34).
(2) تتمة ما ذكره ذكرناه عند ذكر ما ذكره القرطبي في تفسير هذا المقطع
(3) يقصد الإباضية
5. الراسخون في العلم والتسليم والدعاء
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈5⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 8 ـ 9]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
ابن عباس:
روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) أنّه قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ميعاد من قال لا إله إلا الله(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦٠٢.
الضحاك:
روي عن الضحاك بن مزاحم (ت 102 هـ) أنّه قال: ﴿رَحْمَةً﴾: تجاوزا ومغفرة(1).
__________
(1) تفسير البغوي: ٢/١١.
البصري:
روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: هذا دعاء أمر الله المؤمنين أن يدعو به(1).
__________
(1) يحيى بن سلام كما في تفسير ابن أبي زمنين: ١/٢٧٦.
ابن الزبير:
روي عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت 115 هـ) أنّه قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾، أي: لا تمل قلوبنا، وإن ملنا بأحداثنا(1).
__________
(1) الأحداث جمع حَدَث وهو الفعل. يسألون الله أن يثبّت قلوبهم بالإيمان وإن مالت أفعالهم إلى بعض المعصية. تفسير الطبري بتحقيق أحمد شاكر: ٦/٢١٢.
زيد:
روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) أنّه قال: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ معناه من عندك،(1).
__________
(1) تفسير الإمام زيد، ص 107.
الصادق:
روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) أنّه قال: أكثروا من أن تقولوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ولا تأمنوا الزيغ(1).
__________
(1) الكافي: 1/14.
ابن حيان:
روي عن مقاتل بن حيان (ت 149 هـ) أنّه قال: دعا عبد الله بن سلام وأصحابه ربهم، فقالوا: ﴿ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذا هديتنا﴾ كما أزغت قلوب اليهود بعد إذ هديتهم، ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾(1).
__________
(1) الترمذي: ٣٥٢٢.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: قال ابن سلام وأصحابه: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾: لا تمل قلوبنا، يعني: لا تحول قلوبنا عن الهدى بعدما هديتنا، كما أزغت اليهود عن الهدى(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ يعني: من عندك ﴿رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ للرحمة(1).
3. روي أنّه قال: ثم قال ابن سلام وأصحابه: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ يعني: ليوم القيامة، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ في البعث بأنك تجمع الناس في الآخرة(1).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٤.
ابن إسحاق:
روي عن محمد بن إسحاق (ت 151 هـ) أنّه قال: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾: أي: بعد ما بصرتنا من الهدى فيما جاء به أهل البدعة والضلالة(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦٠٢.
الكاظم:
روي عن هشام بن الحكم، قال: قال لي الإمام الكاظم (ت 183 هـ)، وذكر الحديث إلى أن قال: يا هشام، إن الله حكى عن قوم صالحين: أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ حين علموا أن القلوب تزيغ وتعود إلى عماها ورداها، إنه لم يخف الله من لم يعقل عن الله، ومن لم يعقل عن الله لم يعقد قلبه على معرفة ثابتة ينظرها ويجد حقيقتها في قلبه، ولا يكون أحد كذلك إلا من كان قوله لفعله مصدقا، وسره لعلانيته موافقا، لأن الله تعالى اسمه لم يدل على الباطن الخفي من العقل إلا بظاهر منه وناطق عنه(1).
__________
(1) تفسير القمّي: 1/97.
ابن وهب:
روي عن عبد الله بن وهب (ت 197 هـ) أنّه قال: إذا خاف الوسوسة [يعني: المأموم] فليقرأ فيما يسر فيه الإمام، فليقرأ ما فيه من القرآن دعاء: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية أو نحوه(1).
__________
(1) جامع ابن وهب: ١/٦٧.
الهادي إلى الحق:
ذكر الإمام الهادي إلى الحق (ت 298 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. سؤال وإشكال: سئل عن قول الله سبحانه فيما حكي عن المؤمنين من عبيده القائلين: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ [آل عمران: 8] فقيل: كيف يزيغ قلب من هداه الله، وكيف جاز لهم أن يظنوه بالله سبحانه؟، والجواب: هذا دعاء منهم بالتثبيت لهم، بالمعونة والتوفيق والتسديد والإرشاد، يقولون: ربنا زدنا هداً إلى هدانا، ومعونة إلى قوتنا، ولا تتركنا من رحمتك فنهلك، وتزيغ قلوبنا بعد ما نحن عليه من اجتهادنا، في طاعتك، وإتباعنا لمرضاتك، لا أنهم يتوهمون على ربهم، أو يظنون بخالقهم ظلما لهم، أو إزاغة عن رشدهم، أو إدخالا لهم في تقصير إن كان منهم.
__________
(1) تفسير الإمام الهادي: 1/165.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وجهان على المعتزلة، ومن وافقهم:
أ. أحدهما: أنه أضاف الزيغ إلى نفسه، وهو حرف مذموم عند الخلق، إذا قيل: فلان أزاغ فلانا عن الحق، فإذا أضاف الله ـ عزّ وجل ـ إلى نفسه حرف الزيغ، دل أن فيه معنى سوى ظاهره؛ حتى جاز إضافته إليه، وهو أن خلق منهم فعل الزيغ، وكذلك هذا في الضلال، وأضاف ـ أيضا ـ الهداية إلى نفسه بقوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ فلو كان الهدى: البيان؛ على ما يقوله المعتزلة، لجاز أن يضاف ذلك إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم؛ إذ هو يملك البيان؛ لأنه بعث مبينا معلما، فإذا لم يجز ذلك دلّ أن فيه معنى سوى البيان وهو التوفيق والعصمة؛ حتى جاز إضافته إليه، ولا يجوز إلى غيره.
ب. الثاني: أنهم سألوا العصمة عن الزيغ والضلال، فلو كان عليه أن يفعل، وأن يبذل لهم العصمة، لم يكن للسؤال عن ذلك معنى؛ فدل أنه تفضل منه ببذل ذلك لهم.
2. في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وجهان:
أ. أحدهما: أنه لو لم يكن له إلا الأصلح في الدِّين؛ فتركه جور، فالقول بـ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ لا يخلو من أن يكون الإزاغة أصلح له، وهو يدعو بأن يجور أو لا يكون أصلح، فهو يدعو بأنه لا يجور، ومُحَالٌ الدعاء على خوف الجور؛ ومن خاف جور الخالق فهو غير عارف به.
ب. والثاني: أن الداعي ـ فيما جبل عليه الخلق ـ يدعو على أمر أنه لو أجابه لكان لا يزيغ قلبه، وكذلك سؤال العصمة والهداية؛ ولهذا يؤمر به ـ أيضًا ـ ولو كان معه زيغ، لكان الأفضل في الأمر بين الدعاء بالإزاغة، وأن ﴿لَا تُزِغْ﴾؛ إذ الخوف مع الأمرين قائم.
3. في ذلك أيضًا وجهان آخران:
أ. أحدهما: أن الإزاغة إذا أضيفت إلى أحد، خرجت مخرج الشتم له والتعيير؛ فثبت أن فيما أضيفت إلى اللَّه تبارك وتعالى معنى ليس فيما أضيفت إلى أحد آخر غيره، وهو أن الإزاغة من كل أحد فعل هو زيغ بنفسه فيه ذم، ومن اللَّه ليست بذم؛ فيكون فيه أن خلق فعل الزيغ ليس بزيغ، وإن كان فعله زيغا، وفيه أن خلق الشيء ليس هو ذلك، والشيء ذاته يكون من الله ما يوصف بالإزاغة، ويصير لديه الآخر زائغا، ولا شيء يوجد يكون كذلك سوى خلق فعل الإزاغة من العبد.
ب. الثاني: قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ ولو لم يكن من الله في الهداية سوى البيان، لكان يصح ذلك لكل كافر، ويجوز الإضافة إلى الرسل؛ فإذ لم يصح ذلك ولم يجز، ثبت أن ثم فضلا، وهو خلق فعل الهداية، والتوفيق الذي معه الاهتداء لا محالة، وبالله [التوفيق و] المعونة.
4. قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ يحتمل وجوها:
أ. يحتمل الهدى والإسلام؛ إذ به يستفاد.
ب. ويحتمل الجنة.
ج. ويحتمل أنهم سألوه كل رحمة.
د. قال أبو بكر الأصم: الرحمة: السعة في الدنيا، والثواب في الآخرة.
5. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هو ـ على قول المعتزلة، ومن وافقهم ـ ليس بوهاب؛ لأن الوهاب هو المفضل الذي يهب ويبذل ما ليس عليه، وهو ـ على قولهم ـ عليه أن يعطي الخلق كل ما هو أصلح لهم في الدين؛ فالآية تكذبهم، وترد عليهم قولهم الوخش في الله، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، ويحتمل: هب لنا ما يستوجب به الرحمة، وهو عمل الخير؛ كقوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [الأعراف: 56]
6. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ إقرار بالإيمان والبعث بعد الموت.
7. قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ في هذا خاصّة يحتمل وجهين:
أ. يراد به القيامة والبعث.
ب. ويحتمل: لا يخلف الميعاد في كل شيء، ممّا يصيب الخلق: من الخير والشر، والفرح والحزن والأسف، يقولون: إنه كان بوعده ووعيده، وإنه كان مكتوبا عليهم ولهم، وإنه لا يكون على خلاف ما كان مكتوبا عليهم؛ ليصبروا على الشدائد والمصائب، فلا يجزعوا عليها، ولا يحزنوا، وليشكروا على الآلاء والنعماء ولا يفرحوا عليها، وهو كقوله: ﴿لِكَيْلَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ﴾ [الحديد: 23]
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/314.
العياني:
ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. معنى ما ذكر عز وجل من دعاء المؤمنين ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾، فمعنى ذلك: ربنا لا تتركنا من توفيقك فنزيغ عن طاعتك، ولكن ثبت قلوبنا بقوتك ورحمتك، حتى لا نزيغ أبداً عن إرادتك وطاعتك.
__________
(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/ 256.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هذه حكاية عن الراسخين في العلم الذين ذكرهم في الآية الاولى، القائلين ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ القائلين ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾
2. في معنى قوله تعالى: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ قولان:
أ. أحدهما: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ عن الحق بمنع اللطف الذي يستحق معه أن تنسب قلوبنا إلى الزيغ.
ب. الثاني: قال أبو علي معناه لا تزغ قلوبنا عن الثواب بعد أن دعوتنا إليه ودللتنا عليه.
3. لا يجوز أن يكون المراد ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ عن الايمان، لأنه تعالى كما لا يأمر بالكفر كذلك لا يزيغ عن الايمان.
4. سؤال وإشكال: هلا جاز على هذا أن يقولوا: ربنا لا تظلمنا، ولا تجر علينا؟ والجواب: لأن في تجر علينا تسخط السائل لاستعماله ممن جرت عادته بالجور، وليس كذلك ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ على معنى سؤال اللطف، وان كان لا يجوز في حكمته تعالى منع اللطف،كما لا يجوز فعل الجور وذلك بمنزلة سؤال الملائكة في قولهم: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ رَبَّنَا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ﴾ والله لا يجوز عليه خلف الوعد، كما لا يجوز عليه فعل الجور يبين ذلك قوله: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، ومعناه فلما مالوا عن الحق نسب الله قلوبهم إلى الزيغ، لما كانت عليه، وإنما أضاف الزيغ إلى القلب، وإن كان المراد به الجملة لأن القلب أشرف الأعضاء، وهو محل السرور، والغم فلذلك خص بالذكر.
5. ﴿وَهَبْ لَنَا﴾ الهبة مصدر وهبه يهبه هبة، فهو واهب، والشيء موهوب وتواهب الناس بينهم تواهباً واستوهبه استيهاباً، وأصل الباب الهبة، وهي تمليك الشيء من غير مثامنة، والهبة والنحلة والصلة نظائر.
6. ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ من عندك وفي لدن خمس لغات: لدن، ولدن ـ بضم اللام والدال ـ ولدن ـ بفتح اللام وتسكين الدال، وكسر النون ـ ولد ـ بحذف النون ـ.
7. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ للجزاء ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ في وعد ولا وعيد ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾
8. سؤال وإشكال: هل في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ متصل بالدعاء على جهة الحكاية أو استئناف؟ والجواب: عنه جوابان:
أ. أحدهما: أنه متصل بالدعاء، لأن حمل الكلام على الاتصال إذا صح المعنى أولى من حمله على الانفصال، لأن الاتصال أقرب إلى التشاكل، وأبعد من التنافر.
ب. الثاني: أنه على الاستئناف لأنه لو كان على الاتصال لقال انك لا تخلف الميعاد، فاختار أبو علي الجبائي هذا الوجه.
ج. أجاز الزجاج الأمرين، وقد يجوز حمل الكلام تارة على المخاطبة وتارة على الغيبة تصرفاً في الكلام، كما قال: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ والآية دالة على أنه لا يخلف وعده، ولا وعيده، ولا ينافي ذلك ما يجوزه من العفو عن فساق أهل الملة، لأن ما يجوز العفو عنه إذا عفا كشف ذلك عندنا أنه ما عناه بالخطاب، وإنما الممنوع منه أن يعينه بالخطاب وبأنه لا يعفو عنه ثم يعفو، فيكون ذلك خلفاً في الوعيد وذلك لا يجوز عليه تعالى.
9. الميعاد، والوعد إذا أطلقا تناولا الخير، والشر. يبين ذلك قوله تعالى: ﴿وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾، ولا يجوز أن يقال وعد بالخير فأما وعد بالشر، فيجوز.
10. اللام في قوله: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ معناه في يوم وإنما جاز ذلك لما دخل الكلام من معنى اللام وتقديره جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه، فلما حذف لفظ الجزاء دخلت على ما يليه فأغنيت عن في لأن حروف الاضافة متآخية، لما يجمعها من معنى الاضافة، وقد كان يجوز فتح أن في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ﴾ على تقدير ﴿جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لـ ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ولم يقرأ به.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/402.
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. في ﴿لَدُنْ﴾ خمس لغات: لَدُن كما في القرآن بفتح اللام ورفع الدال، ولُدُن برفعهما، ولَدَن بنصبهما، ولَدْنِ بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون، ولَد بحذف النون.
ب. الهبة والعطية والصلة نظائر، وهب يَهب هبة، وهي عقد تبرع صحته القبض، وإذا ألحق به العوض صار انتهاؤها معاوضة، وإن كان ابتداؤها تبرعًا.
ج. الميعاد والوعد واحد كالميقات والوقت.
2. لما حكى الله تعالى عن الراسخين في العلم إيمانهم بالمحكم والمتشابه، ورأوا أهل الزيغ استعاذوا بِاللَّهِ عن حالهم فقال تعالى حاكيًا عنهم: ﴿رَبِّنَا﴾ يعني يقولون: ربنا يعني سيدنا وخالقنا.
3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾:
أ. قيل: بمنع اللطف الذي معه تستقيم القلوب، فإذا لم يفعل ذلك ومال القلب جاز أن ينسب إليه.
ب. وقيل: لا تنسبها إلى الزيغ كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ يعني نسبها إلى الزيغ لما كانت عليه.
ج. وقيل: المراد بزيغ القلوب ما يضاد التطهير الذي يفعله تعالى بقلوب المؤمنين، ويكون ذلك بالطبع فيصح منهم توجيه المسألة إليه وهذا توسع، لأن علامة الشيء إنما يسمى باسمه توسعًا، قال القاضي: والأقرب الأول لأن قوله: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ لا يليق إلا بمسألة اللطف.
د. وقيل: لا تشدد علينا التكليف، ولا تتعبدنا بما يكون سببًا لخطئنا، فتزيغ قلوبنا بعد الهداية، وذلك نحو التكليف بالخروج من الديار، وقتل الأنفس، وبسط الدنيا على الكفار ونحوه، وأضافوا الزيغ إليه لوجهين: أحدهما: أنه المتولي للنعم التي يفتنون عندها. والثاني: أن ذلك يكون عند تكليفه.
هـ. وقيل: احرسنا من الشياطين ومن شرور أنفسنا حتى لا تزيغ، عن أبي مسلم.
و. وقيل: لا تزغ قلوبنا عن كمال العقل بالجنون، عن الأصم.
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾:
أ. قيل: وفقتنا بألطافك حتى اهتدينا.
ب. وقيل: دللتنا على الحق.
ج. وقيل: سببنا الى الهدى.
5. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي أعطنا من عندك ﴿رَحْمَةً﴾ أي نعمة:
أ. قيل: تسديدًا وتوفيقًا في الهدى والإيمان.
ب. وقيل: نعم الدنيا.
ج. وقيل: نعم الدين والدنيا.
6. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ المعطي.
7. ثم حكى إيمانهم بالمعاد فقال تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَاء النَّاسِ لِيَوْمٍ﴾:
أ. قيل: لجزاء يوم.
ب. وقيل: اللام بمعنى.
8. ﴿فِي﴾ أي: في يوم، وهو يوم القيامة ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا شك فيه ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ يعني لا يخلف وعده.
9. اختلف في علاقة الآية الكريمة بما قبلها:
أ. قيل: هذه الآية متصلة بما قبلها وحكاية عن الراسخين إلا أنه مرة يخاطب، ومرة يذكر على وجه الحكاية.
ب. وقيل: بل هو كلام مستأنف؛ ولذلك قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ﴾، عن أبي علي.
ج. وأجاز الزجاج الوجهين.
10. تدل الآيات الكريمة على:
أ. وجوب الانقطاع إلى اللَّه تعالى في مسألة الدين والدنيا.
ب. إثبات المعاد؛ لأن الجمع يكون عنده.
ج. أن الخلف لا يجوز عليه تعالى في وعده ووعيده.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/174.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الهبة: تمليك الشئ من غير مثامنة، والهبة والنحلة والصلة نظائر.
ب. في لدن خمس لغات: لدن، ولدن بضم اللام والدال، ولدن بفتح اللام والدال، ولدن بفتح اللام وسكون الدال وكسر النون، ولد بحذف النون.
ج. الميعاد: بمعنى الوعد، كما أن الميقات: بمعنى الوقت.
2. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ هذه حكاية عن قولي الراسخين في العلم الذين ذكرهم الله في الآية الأولى، وذكر في تأويله وجوه:
أ. أحدها: إن معناه لا تمنعنا لطفك الذي معه تستقيم القلوب، فتميل قلوبنا عن الإيمان، بعد إذ وفقتنا بألطافك، حتى هديتنا إليك، وهذا دعاء بالتثبيت على الهداية، والإمداد بالألطاف والتوفيقات، ويجري مجرى قولهم: اللهم لا تسلط علينا من لا يرحمنا، والمعنى لا تخل بيننا وبين من لا يرحمنا، فيسلط علينا، فكأنهم قالوا: لا تخل بيننا وبين نفوسنا بمنعك التوفيق والالطاف عنا، فنزيغ ونضل، وإنما يمنع ذلك بسبب ما يكتسبه العبد من المعصية، ويفرط فيه من التوبة، كما قال ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾
ب. ثانيها: إن معناه لا تكلفنا من الشدائد ما يصعب علينا فعله وتركه، فتزيغ قلوبنا بعد الهداية، ونظيره ﴿فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ تَوَلَّوْا﴾ فأضافوا ما يقع من زيغ القلوب إليه سبحانه، لأن ذلك يكون عند تشديده تعالى المحنة عليهم، كما قال سبحانه ﴿فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾، و(لم يزدهم دعائي إلا فرارا)
ج. ثالثها: ما قاله أبو علي الجبائي: إن المراد: لا تزغ قلوبنا عن ثوابك ورحمتك، وهو ما ذكره الله من الشرح والسعة بقوله ﴿يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ﴾ وذكر أن ضد هذا الشرح هو الضيق والحرج اللذان يفعلان بالكفار عقوبة، ومن ذلك التطهير الذي يفعله في قلوب المؤمنين، ويمنعه الكافرين، كما قال تعالى ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ﴾ ومن ذلك: كتابته الإيمان في قلوب المؤمنين، كما قال ﴿أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ﴾، وضد هذه الكتابة هي سمات الكفر التي في قلوب الكافرين، فكأنهم سألوا الله أن لا يزيغ قلوبهم عن هذا الثواب إلى ضده من العقاب.
د. رابعها: إن الآية محمولة على الدعاء بأن لا يزيغ القلوب عن اليقين والإيمان، ولا يقتضي ذلك أنه تعالى سئل عما لولا المسألة لجاز أن يفعله، لأنه غير ممتنع أن يدعوه على سبيل الانقطاع إليه، والافتقار إلى ما عنده، بأن يفعل ما نعلم أن يفعله، وبأن لا يفعل ما نعلم أنه واجب أن لا يفعله، إذا تعلق بذلك ضرب من المصلحة، كما قال سبحانه: (قل رب إحكم بالحق)، وقال ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ﴾ وقال حاكيا عن إبراهيم ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾
3. سؤال وإشكال: هلا جاز على هذا أن يقول: ربنا لا تظلمنا ولا تجر علينا؟ والجواب: إنما لم يجز ذلك، لأن فيه تسخطا من السائل، وإنما يستعمل ذلك فيمن جرت عادته بالجور والظلم، وليس كذلك ما نحن فيه.
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾:
أ. قيل: أي: من عندك لطفا نتوصل به إلى الثبات على الإيمان، إذ لا نتوصل إلى الثبات على الإيمان، إلا بلطفك، كما لا يتوصل إلى ابتدائه إلا بذلك.
ب. وقيل: نعمة.
5. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ المعطي للنعمة الذي شأنه الهبة والعطية ﴿رَبِّنَا﴾ أي: ويقولون يا سيدنا وخالقنا ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾ للجزاء ﴿لِيَوْمٍ﴾ أي: في يوم ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: ليس فيه موضع ريب وشك لوضوحه، وهذا يتضمن إقرارهم بالبعث ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي: لا يخلف الوعد.
6. اختلف في علاقة الآية الكريمة بما قبلها:
أ. قيل: هو متصل بما قبله من دعاء الراسخين في العلم، وإن خالف آخر الكلام أوله في الخطاب والغيبة، فيكون مثل قوله ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾، وتقديره: فاغفر لنا إنك لا تخلف ما وعدته.
ب. وقيل: إنه على الاستئناف، وهو اختيار الجبائي، فيكون إخبارا عن الله تعالى.
7. اللام في قوله ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾: معناه في يوم، وإنما جاز ذلك لما دخل الكلام من اللام، فإن تقديره جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه، فلما حذف لفظ الجزاء، دخلت على ما يليه، فأغنت عن في لأن حروف الإضافة متواخية لما يجمعها من معنى الإضافة، وقد كان يجوز فتح أن في قوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ﴾ على تقدير: جامع الناس ليوم لا ريب فيه لأن الله لا يخلف الميعاد، ولم يقرأ به.
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/703.
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي يقولون: ربنا لا تُمل قلوبنا عن الهدى بعد إذ هديتنا. قال أبو عبد الرحمن السلمي، وابن يعمر، والجحدري ﴿لَا تُزِغْ﴾ بفتح التاء ﴿قُلُوبِنَا﴾ برفع الباء، ولدنك: بمعنى عندك. والوهاب: الذي يجود بالعطاء من غير استثابة، والمخلوقون لا يملكون أن يهبوا شفاءً لسقيم، ولا ولداً لعقيم، والله تعالى قادر على أن يهب جميع الأشياء.
__________
(1) زاد المسير: 1/260.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. كما حكى الله تعالى عن الراسخين أنهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾ حكى عنهم أنهم يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا﴾ وحذف (يقولون) لدلالة الأول عليه، وكما في قوله تعالى: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا﴾ [آل عمران: 191]
2. هذه الآية اختلف أهل السنة، ومن وافقهم، والمعتزلة، ومن وافقهم في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا﴾:
أ. أما كلام أهل السنة، ومن وافقهم فظاهر، وذلك لأن القلب صالح لأن يميل إلى الإيمان، وصالح لأن يميل إلى الكفر، ويمتنع أن يميل إلى أحد الجانبين إلا عند حدوث داعية وإرادة يحدثها الله تعالى، فإن كانت تلك الداعية داعية الكفر، فهي الخذلان، والإزاغة، والصد، والختم، والطبع، والرين، والقسوة، والوقر، والكنان، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن، وإن كانت تلك الداعية داعية الإيمان فهي: التوفيق، والرشاد، والهداية، والتسديد، والتثبيت، والعصمة، وغيرها من الألفاظ الواردة في القرآن، وكان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول: (قلب المؤمن بين إصبعين من أصابع الرحمن)، والمراد من هذين الإصبعين الداعيتان، فكما أن الشيء الذي يكون بين إصبعي الإنسان يتقلب كما يقلبه الإنسان بواسطة ذينك الإصبعين، فكذلك القلب لكونه بين الداعيتين يتقلب كما يقلبه الحق بواسطة تينك الداعيتين، ومن أنصف ولم يتعسف، وجرب نفسه وجد هذا المعنى كالشيء المحسوس، ولو جوّز حدوث إحدى الداعيتين من غير محدث ومؤثر لزمه نفي الصانع وكان صلّى الله عليه وآله وسلم يقول: (يا مقلب القلوب والأبصار ثبت قلبي على دينك)، ومعناه ما ذكرنا فلما آمن الراسخون في العلم بكل ما أنزل الله تعالى من المحكمات والمتشابهات تضرعوا إليه سبحانه وتعالى في أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل بعد أن جعلها مائلة إلى الحق، فهذا كلام برهاني متأكد بتحقيق قرآني، ومما يؤكد ما ذكرناه أن الله تعالى مدح هؤلاء المؤمنين بأنهم لا يتبعون المتشابهات، بل يؤمنون بها على سبيل الإجمال، وترك الخوض فيها فيبعد منهم في مثل هذا الوقت أن يتكلموا بالمتشابه فلا بد وأن يكونوا قد تكلموا بهذا الدعاء لاعتقادهم أن من المحكمات، ثم إن الله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم والثناء عليهم بسبب أنهم قالوا ذلك، وهذا يدل على أن هذه الآية من أقوى المحكمات، وهذا كلام متين.
ب. وأما المعتزلة، ومن وافقهم، فقد قالوا: لما دلّت الدلائل على أن الزيغ لا يجوز أن يكون بفعل الله تعالى، وجب صرف هذه الآية إلى التأويل، فأما دلائلهم فقد ذكرناها في تفسير قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]، ومما احتجوا به في هذا الموضع خاصة قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5] وهو صريح في أن ابتداء الزيغ منهم، وأما تأويلاتهم في هذه الآية فمن وجوه:
أ. الأول: وهو الذي قاله الجبائي واختاره القاضي: أن المراد بقوله تعالى: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ يعني لا تمنعها الألطاف التي معها يستمر قلبهم على صفة الإيمان، وذلك لأنه تعالى لما منعهم ألطافه عند استحقاقهم منع ذلك جاز أن يقال: أزاغهم ويدل على هذا قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]
ب. الثاني: قال الأصم: لا تبلنا ببلوى تزيغ عندها قلوبنا فهو كقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 66] وقال: ﴿لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ﴾ [الزخرف: 33] والمعنى لا تكلفنا من العبادات ما لا نأمن معه الزيغ، وقد يقول القائل: لا تحملني على إيذائك أي لا تفعل ما أصير عنده مؤذياً لك.
ج. الثالث: قال الكعبي ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي لا تسمنا باسم الزائغ، كما يقال: فلان يكفر فلاناً إذا سماه كافراً.
د. الرابع: قال الجبائي: أي لا تزغ قلوبنا عن جنتك وثوابك بعد إذ هديتنا؛ وهذا قريب من الوجه الأول إلا أن يحمل على شيء آخر، وهو أنه تعالى إذا علم أنه مؤمن في الحال، وعلم أنه لو بقي إلى السنة الثانية لكفر، فقوله تعالى: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ محمول على أن يميته قبل أن يصير كافراً، وذلك لأن إبقاءه حياً إلى السنة الثانية يجري مجرى ما إذا أزاغه عن طريق الجنة.
هـ. الخامس: قال الأصم ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ عن كمال العقل بالجنون بعد إذ هديتنا بنور العقل.
و. السادس: قال أبو مسلم: احرسنا من الشيطان ومن شرور أنفسنا حتى لا نزيغ.
3. أجاب أهل السنة، ومن وافقهم على هذه الوجوه بأنها بأسرها ضعيفة، كما يلي:
أ. الأول: لأن من مذهبم أن كل ما صحّ في قدرة الله تعالى أن يفعل في حقهم لطفاً وجب عليه ذلك وجوباً لو تركه لبطلت إلهيته، ولصار جاهلًا ومحتاجاً والشيء الذي يكون كذلك فأي حاجة إلى الدعاء في طلبه بل هذا القول يستمر على قول بشر بن المعتمر وأصحابه الذين لا يوجبون على الله فعل جميع الألطاف.
ب. الثاني: ضعيف، لأن التشديد في التكليف إن علم الله تعالى له أثراً في حمل المكلف على القبيح قبح من الله تعالى، وإن علم الله تعالى أنه لا أثر له ألبتة في حمل المكلف على فعل القبيح كان وجوده كعدمه فيما يرجع إلى كون العبد مطيعا وعاصياً، فلا فائدة في صرف الدعاء إليه.
ج. الثالث: هو أن التسمية بالزيغ والكفر دائر مع الكفر وجوداً وعدماً والكفر والزيغ باختيار العبد، فلا فائدة في قوله لا تسمنا باسم الزيغ والكفر.
د. الرابع: هو أنه لو كان علمه تعالى بأنه يكفر في السنة الثانية، يوجب عليه أن يميته لكان علمه بأن لا يؤمن قط ويكفر طول عمره يوجب عليه لا يخلقه.
هـ. الخامس: حمله على إبقاء العقل فضعيف، لأن هذا متعلق بما قال قبل هذه الآية ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾ [آل عمران: 7]
و. السادس: وهو أن الحراسة من الشيطان ومن شرور النفس إن كان مقدوراً وجب فعله، فلا فائدة في الدعاء وإن لم يكن مقدوراً تعذر فعله فلا فائدة في الدعاء، فظهر بما ذكرنا سقوط هذه الوجوه، وأن الحق ما ذهبنا إليه.
4. سؤال وإشكال: على ذلك القول كيف الكلام في تفسير قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف: 5]، والجواب: لا يبعد أن يقال إن الله تعالى يزيغهم ابتداء فعند ذلك يزيغون، ثم يترتب على هذا الزيغ إزاغة أخرى سوى الأولى من الله تعالى وكل ذلك لا منافاة فيه، أما قوله تعالى: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ أي بعد أن جعلتنا مهتدين، وهذا أيضاً صريح في أن حصول الهداية في القلب بتخليق الله تعالى.
5. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تطهير القلب عما لا ينبغي مقدم على تنويره مما ينبغي، فهؤلاء المؤمنون سألوا ربهم أولًا أن لا يجعل قلوبهم مائلة إلى الباطل والعقائد الفاسدة، ثم إنهم ابتغوا ذلك بأن طلبوا من ربهم أن ينور قلوبهم بأنوار المعرفة، وجوارحهم وأعضائهم بزينة الطاعة.
6. إنما قال: ﴿رَحْمَةً﴾ ليكون ذلك شاملًا لجميع أنواع الرحمة:
أ. فأولها: أن يحصل في القلب نور الإيمان والتوحيد والمعرفة..
ب. ثانيها: أن يحصل في الجوارح والأعضاء نور الطاعة والعبودية والخدمة..
ج. ثالثها: أن يحصل في الدنيا سهولة أسباب المعيشة من الأمن والصحة والكفاية.
د. رابعها: أن يحصل عند الموت سهولة سكرات الموت.
هـ. خامسها: أن يحصل في القبر سهولة السؤال، وسهولة ظلمة القبر.
و. سادسها: أن يحصل في القيامة سهولة العقاب والخطاب وغفران السيئات وترجيح الحسنات.. فقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ يتناول جميع هذه الأقسام.
7. لما ثبت بالبراهين الباهرة القاهرة أنه لا رحيم إلا هو، ولا كريم إلا هو، لا جرم أكد ذلك بقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ تنبيهاً للعقل والقلب والروح على أن المقصود لا يحصل إلا منه سبحانه، ولما كان هذا المطلوب في غاية العظمة بالنسبة إلى العبد لا جرم ذكرها على سبيل التنكير، كأنه يقول: أطلب رحمة وأية رحمة، أطلب رحمة من لدنك، وتليق بك، وذلك يوجب غاية العظمة.
8. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ كأن العبد يقول: إلهي هذا الذي طلبته منك في هذا الدعاء عظيم بالنسبة إلي، لكنه حقير بالنسبة إلى كمال كرمك، وغاية جودك ورحمتك، فأنت الوهاب الذي من هبتك حصلت حقائق الأشياء وذواتها وماهياتها ووجوداتها فكل ما سواك فمن جودك وإحسانك وكرمك، يا دائم المعروف، يا قديم الإحسان، لا تخيب رجاء هذا المسكين، ولا ترد دعاءه، واجعله بفضلك أهلًا لرحمتك يا أرحم الراحمين وأكرم الأكرمين.
9. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ هذا الدعاء من بقية كلام الراسخين في العلم، وذلك لأنهم لما طلبوا من الله تعالى أن يصونهم عن الزيغ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا فإنها منقضية منقرضة، وإنما الغرض الأعظم منه ما يتعلق بالآخرة فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفاً وكلامك لا يكون كذباً، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبد الآباد، ومن أعطيته التوفيق والهداية والرحمة وجعلته من المؤمنين، بقي هناك في السعادة والكرامة أبد الآباد، فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء ما يتعلق بالآخرة.
10. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ تقديره: جامع الناس للجزاء في يوم لا ريب فيه، فحذف لكون المراد ظاهراً.
11. اختلفوا في كلام المؤمنين:
أ. قيل: تم عند قوله تعالى: ﴿لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾، فأما قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ فهو كلام الله عزّ وجلّ، كأن القوم لما قالوا ﴿إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ صدقهم الله تعالى في ذلك وأيد كلامهم بقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ كما قال حكاية عن المؤمنين في آخر هذه السورة ﴿رَبَّنَا وَآتِنَا مَا وَعَدْتَنَا عَلَى رُسُلِكَ وَلَا تُخْزِنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 194]
ب. ومن الناس من قال: لا يبعد ورود هذا على طريقة العدول في الكلام من الغيبة إلى الحضور، ومثله في كتاب الله تعالى كثير، قال تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ﴾ [يونس: 22]
12. سؤال وإشكال: لم قالوا في هذه الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وقالوا في تلك الآية ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾؟ والجواب: الفرق أن هذه الآية في مقام الهيبة، يعني أن الإلهية تقتضي الحشر والنشر لينتصف المظلومين من الظالمين، فكان ذكره باسمه الأعظم أولى في هذا المقام، أما قوله في آخر السورة ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 194] فذاك المقام مقام طلب العبد من ربه أن ينعم عليه بفضله، وأن يتجاوز عن سيئاته فلم يكن المقام مقام الهيبة، فلا جرم قال ﴿إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾
13. سؤال وإشكال: احتج الجبائي بهذه الآية على القطع بوعيد الفساق، قال: وذلك لأن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد، بدليل قوله تعالى: ﴿أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: 44] والوعد والموعد والميعاد واحد، وقد أخبر في هذه الآية أنه لا يخلف الميعاد فكان هذا دليلًا على أنه لا يخلف في الوعيد، والجواب: لا نسلم أنه تعالى يوعد الفساق مطلقاً، بل ذلك الوعيد عندنا مشروط بشرط عدم العفو، كما أنه بالاتفاق مشروط بشرط عدم التوبة، فكما أنكم أثبتم ذلك الشرط بدليل منفصل، فكذا نحن أثبتنا شرط عدم العفو بدليل منفصل، سلمنا أنه يوعدهم، ولكن لا نسلم أن الوعيد داخل تحت لفظ الوعد، أما قوله تعالى: ﴿فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾، فلم لا يجوز أن يكون ذلك كما في قوله تعالى: ﴿فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [آل عمران: 21]، وقوله: ﴿ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ﴾ [الدخان: 49] وأيضاً لم لا يجوز أن يكون المراد منه أنهم كانوا يتوقعون من أوثانهم أنها تشفع لهم عند الله، فكان المراد من الوعد تلك المنافع.
14. ذكر الواحدي في البسيط طريقة أخرى، فقال: لم لا يجوز أن يحمل هذا على ميعاد الأولياء، دون وعيد الأعداء، لأن خلف الوعيد كرم عند العرب، قال والدليل عليه أنهم يمدحون بذلك، قال الشاعر:
çإذا وعد السراء أنجز وعده...وإن أوعد الضراء فالعفو مانعهé
وروى المناظرة التي دارت بين أبي عمرو بن العلاء، وبين عمرو بن عبيد، قال أبو عمرو بن العلاء لعمرو بن عبيد: ما تقول في أصحاب الكبائر؟ قال: أقول إن الله وعد وعداً، وأوعد إيعاداً، فهو منجز إيعاده، كما هو منجز وعده، فقال أبو عمرو بن العلاء: إنك رجل أعجم، لا أقول أعجم اللسان ولكن أعجم القلب، إن العرب تعد الرجوع عن الوعد لؤما وعن الإيعاد كرما وأنشد:
çوإني وإن أوعدته أو وعدته...لمكذب إيعادي ومنجز موعديé
فقال له عمرو بن عبيد: يا أبا عمرو فهل يسمى الله مكذب نفسه؟ فقال: لا، فقال عمرو بن عبيد: فقد سقطت حجتك، قالوا: فانقطع أبو عمرو بن العلاء.
15. كان لأبي عمرو بن العلاء أن يجيب عن هذا السؤال فيقول: إنك قست الوعيد على الوعد وأنا إنما ذكرت هذا لبيان الفرق بين البابين، وذلك لأن الوعد حق عليه والوعيد حق له، ومن أسقط حق نفسه فقد أتى بالجود والكرم، ومن أسقط حق غيره فذلك هو اللؤم، فظهر الفرق بين الوعد والوعيد، وبطل قياسك، وإنما ذكرت هذا الشعر لإيضاح هذا الفرق، فأما قولك: لو لم يفعل لصار كاذباً ومكذباً نفسه، فجوابه: أن هذا إنما يلزم لو كان الوعيد ثابتاً جزماً من غير شرط، وعندي جميع الوعيدات مشروطة بعدم العفو، فلا يلزم من تركه دخول الكذب في كلام الله تعالى، فهذا ما يتعلق بهذه الحكاية.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/149.
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. اختلف في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾:
أ. قيل: في الكلام حذف تقديره يقولون، وهذا حكاية عن الراسخين، ويجوز أن يكون المعنى قل يا محمد، ويقال: إزاغة القلب فساد وميل عن الدين، أفكانوا يخافون وقد هدوا أن ينقلهم الله إلى الفساد؟ فالجواب أن يكونوا سألوا إذ هداهم الله ألا يبتليهم بما يثقل عليهم من الأعمال فيعجزوا عنه، نحو ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ﴾، قال ابن كيسان: سألوا ألا يزيغوا فيزيغ الله قلوبهم، نحو ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ أي ثبتنا على هدايتك إذ هديتنا وألا نزيغ فنستحق أن تزيغ قلوبنا.
ب. وقيل: هو منقطع مما قبل، وذلك أنه تعالى لما ذكر أهل الزيغ عقب ذلك بأن علم عباده الدعاء إليه في ألا يكونوا من الطائفة الذميمة التي ذكرت وهى واهل الزيغ، وفي الموطأ عن أبي عبد الله الصنابحي أنه قال: قدمت المدينة في خلافة أبي بكر فصليت وراءه المغرب، فقرأ في الركعتين الأوليين بأم القرآن وسورة من قصار المفصل، ثم قام في الثالثة، فدنوت منه حتى إن ثيابي لتكاد تمس ثيابه، فسمعته يقرأ بأم القرآن وهذه الآية ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ الآية، قال العلماء: قراءته بهذه الآية ضرب من القنوت والدعاء لما كان فيه من أمر أهل الردة، والقنوت جائز في المغرب عند جماعة من أهل العلم، وفي كل صلاة أيضا إذا دهم المسلمين أمر عظيم يفزعهم ويخافون منه على أنفسهم، وروى الترمذي من حديث شهر بن حوشب قال: قلت لأم سلمة: يا أم المؤمنين، ما كان أكثر دعاء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إذا كان عندك؟ قالت: كان أكثر دعائه (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، فقلت: يا رسول الله، ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك! قال: يا أم سلمة إنه ليس آدمي إلا وقلبه بين أصبعين من أصابع الله فمن شاء أقام ومن شاء أزاغ)، فتلا معاذ ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾، قال: حديث حسن.
2. هذه الآية حجة على المعتزلة، ومن وافقهم في قولهم: إن الله لا يضل العباد، ولو لم تكن الإزاغة من قبله لما جاز أن يدعى في دفع ما لا يجوز عليه فعله، وقرأ أبو واقد الجراح ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ بإسناد الفعل إلى القلوب، وهذه رغبة إلى الله تعالى، ومعنى الآية على القراءتين ألا يكون منك خلق الزيغ فيها فتزيغ.
3. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي من عندك ومن قبلك تفضلا لا عن سبب منا ولا عمل، وفي هذا استسلام وتطارح، وفي ﴿لَدُنْ﴾ أربع لغات: لدن بفتح اللام وضم الدال وجزم النون، وهي أفصحها، وبفتح اللام وضم الدال وحذف النون، وبضم اللام وجزم الدال وفتح النون، وبفتح اللام وسكون الدال وفتح النون.
4. لعل جهال المتصوفة وزنادقة الباطنية يتشبثون بهذه الآية وأمثالها فيقولون: العلم ما وهبه الله ابتداء من غير كسب، والنظر في الكتب والأوراق حجاب، وهذا مردود على ما يأتي بيانه في هذا الموضع، ومعنى الآية: هب لنا نعيما صادرا عن الرحمة، لأن الرحمة راجعة إلى صفة الذات فلا يتصور فيها الهبة، يقال: وهب يهب والأصل، يوهب بكسر الهاء، ومن قال: الأصل يوهب بفتح الهاء فقد أخطأ لأنه لو كان كما قال لم تحذف الواو كما لم تحذف في يوجل، وإنما حذفت الواو لوقوعها بين ياء وكسرة ثم فتح بعد حذفها لأن فيه حرفا من حروف الحلق.
5. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي باعثهم ومحييهم بعد تفرقهم، وفي هذا إقرار بالبعث ليوم القيامة، قال الزجاج: هذا هو التأويل الذي علمه الراسخون وأقروا به، وخالف الذين اتبعوا ما تشابه عليهم من أمر البعث حتى أنكروه، والريب الشك، وقد تقدمت محامله في البقرة، والميعاد مفعال من الوعد.
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/20.
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ﴾، من تمام ما يقوله الراسخون، أي: يقولون: آمنا به كل من عند ربنا، ويقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ قال ابن كيسان: سألوا ألا يزيغوا فتزيغ قلوبهم، نحو قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ كأنهم لما سمعوا قوله سبحانه: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾ قالوا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ باتباع المتشابه.
2. ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ إلى الحق، بما أذنت لنا من العمل بالآيات المحكمات، والظرف: وهو قوله: ﴿بَعْدِ﴾ منتصب بقوله: ﴿لَا تُزِغْ﴾.
3. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ أي: كائنة من عندك، ومن: لابتداء الغاية ولدن: بفتح اللام وضم الدال وسكون النون؛ وفيه لغات أخر، هذه أفصحها، وهو ظرف مكان، وقد يضاف إلى الزمان، وتنكير: رحمة، للتعظيم، أي: رحمة عظيمة واسعة.
4. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ تعليل للسؤال، أو لإعطاء المسؤول، ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ﴾ أي: باعثهم ومحييهم بعد تفرّقهم ﴿لِيَوْمٍ﴾ هو يوم القيامة، أي: لحساب يوم، أو لجزاء يوم، على تقدير حذف المضاف، وإقامة المضاف إليه مقامه، ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ أي: في وقوعه، ووقوع ما فيه من الحساب والجزاء، وقد تقدم تفسير الريب، وجملة قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ للتعليل لمضمون ما قبلها، أي: أن الوفاء بالوعد شأن الإله سبحانه وخلفه يخالف الألوهية، كما أنها تنافيه، وتباينه.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/366.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ من مقال الراسخين، أي لا تمل قلوبنا عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلها كالذين في قلوبهم زيغ، الذين يتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تثبت بها قلوبنا ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ كثير النعم والإفضال، جزيل العطايا والنوال، وفيه دلالة على أن الهدى والضلال من قبله تعالى، وعن عائشة قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كثيرا ما يدعو: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك، قلت: يا رسول الله! ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! فقال: ليس من قلب إلّا وهو بين إصبعين من أصابع الرحمن، إذا شاء أن يقيمه أقامه، وإذا شاء أن يزيغه أزاغه ـ وهو في الصحيح والسنن.
2. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وهذا من تتمة كلام الراسخين في العلم، وذلك لأنهم لما طلبوا من الله تعالى أن يصونهم عن الزيغ، وأن يخصهم بالهداية والرحمة، فكأنهم قالوا: ليس الغرض من هذا السؤال ما يتعلق بمصالح الدنيا، فإنها منقضية منقرضة، وإنما الغرض الأعظم منه، ما يتعلق بالأخرة، فإنها القصد والمآل، فإنا نعلم أنك يا إلهنا جامع الناس للجزاء في يوم القيامة، ونعلم أن وعدك لا يكون خلفا، فمن زاغ قلبه بقي هناك في العذاب أبدا، ومن منحته الرحمة والهداية بقي هناك في السعادة والكرامة أبدا، فالغرض الأعظم من ذلك الدعاء، ما يتعلق بالآخرة ـ أفاده الرازيّ(2).
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/287.
(2) ذكر كلاما طويلا للرازي سبق ذكره
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ عن الحقِّ في المتشابه ولا في غيره كما أزغت قلوب هؤلاء، ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ إليه، وقيل: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ من كلام غير الراسخين علَّمهم الله أن يقولوه، قالت عائشة: كان صلّى الله عليه وآله وسلّم كثيرا ما يدعو بهذا الدعاء: (يا مقلِّب القلوب، ثبِّت قلبي على دينك)، فقلت: يا رسول الله، ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء! فقال: (ليس من قلبٍ إِلَّا وهو بين أصبعين من أصابع الرحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه)، رواه البخاري ومسلم والترمذي، و(أصابع الرحمن) من متشابه الحديث، والمراد عدم التخلُّص عنه بوجه.
2. ﴿وَاللهُ مِنْ وَّرَآئِهِم مُّحِيطٌ﴾ [البروج: 20]، وهذا ظاهر في أنَّ القلب يكون أوَّلاً على الإسلام حتَّى يزاغ بكسب العبد، كأنَّه قيل: فإن شاء أبقاه على الحقِّ، وذكر الرحمن لأنَّ ذلك أعظم رحمة، وتسند الإزاغة إلى الله جلَّ وعلَا كما يسند إليه الإضلال ومعناهما الخذلان وهو ترك الألطاف، كان أبو هريرة يقول: (يا ربِّ لا أزنينَّ، يا ربِّ لا أسرقنَّ، يا ربِّ لا أكفرنَّ)، وذلك دعاء منه، فقيل له: أَوَتخاف ذلك؟ قال: (آمنت بمحرِّف القلوب) ثلاثا، أخرجه ابن سعد، وقال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (إِنَّمَا الإيمان بمنزلة القميص، مرَّة تقمصه، ومرَّة تنزعه)، رواه الحاكم، قال أبو الدرداء: كان عبد الله بن رواحة إذا لقيني قال: (اجلس يا عويمر فلنؤمننَّ ساعة، فنجلس فنذكر الله تعالى على ما يشاء)، ثمَّ قال: (يا عويمر هذا مجلس الإيمان، إنَّ مَثَل الإيمان ومَثَلَك كمثل قميصك بَيْنَا أنت قد نزعته إذ لبسته، وبينا أنت قد لبسته إذ نزعته، يا عويمر لَلْقلبُ أسرع تقلُّبا من القِدْرِ إن استجمعت غليانا)، رواه الحكيم الترمذي، وقال أبو أيُّوب الأنصاريُّ: (ليأتين على الرجل أحايين وما في جلده موضع إبرة من النفاق، وليأتين عليه أحايين وما في جلده موضع إبرة من إيمان)، قلت: هذا يُتصوَّر لذي الإيمان الكامل ومن دونه، وذو الإيمان الكامل خائف راج غير آمن مكر الله سبحانه.
3. ﴿وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ﴾ عندك، ﴿رَحْمَةً﴾ إنعاما بالتثبيت على الحقِّ من المتشابه وغيره، أو بالجنَّة أو بالمغفرة، أو نعمة: هي نفس الحقِّ وما ذكر، ﴿اِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ لكلِّ مطلوب أردت إعطاءَه، إمَّا بنفسه، أو ما هو مثله أو خير منه، أو بدفع ضرٍّ، أو ثواب في الآخرة، قال الطبرانيُّ في معجمه الكبير ـ والمعجم ما وضع على حروف المعجم أ ب ت ث ـ عن أبي مالك الأشعريِّ أنَّه سمع النبيء صلّى الله عليه وآله وسلّم يقول: (لا أخاف على أمَّتي إِلَّا ثلاث خلال: أن يكثر المال فيتحاسدوا فيقتتلوا، وأن يفتح لهم الكتاب فيأخذه المرء يبتغي تأويله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَاوِيلَهُ إِلَّا اللهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ ءَامَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُولُواْ الَالْبَابِ﴾، وأن يزداد علمهم فيضيِّعوه ولا يسألوا عنه)، والآية دليل على أنَّه لا واجب على الله لأنَّ الفعل الذي يجب على الفاعل لا يسمَّى هبة، وقدَّم (لَنَا) للتشويق إلى ما يذكر بعده قبل أن يذكر.
4. ﴿رَبَّنَآ إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ﴾ في يوم أو عند يوم، وحَذَفَ العلَّةَ، أي: للحساب؛ أو يقدَّر لحساب يوم، وذلك أنَّ التعليل للفعل دون الذات، فلا يحسن كون ذات اليوم علَّة للجمع؛ أو (اللَّام) بمعنى (إلى)، أي: جامع الناس في قبورهم إلى يوم، وهذا أولى، لأنَّ من الناس من لا يحاسب؛ وفي غير هذا الوجه اعتبر من يحاسب، لأنَّه المعتبر للخائفين من الله تعالى ، ﴿لَّا رَيْبَ فِيهِ﴾ في وقوعه والجزاء فيه، لا يستحقُّ الريب ولو كثر المرتابون في ذاته، وهم من أنكر البعث من المشركين، والمرتابون في صفته وهم النصارى القائلون بالبعث، وبأنَّ المبعوث الأرواح دون الأجساد، وهم مشركون، وذلك مساوٍ لإنكار ذاته، أو لا ريب فيه لأنَّ الريب فيه كَلَا ريب لصحَّة الحجج عليه وكثرتها وقوَّتها.
5. ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ (مفعال) من الوعد المطلق في الخير والشرِّ، قلبت ياء للكسر قبلها، وخلف الوعد نقص مناف للكمال الذي هو مقتضى الألوهيَّة، ولن يخلف الله وعده فلا بدَّ من ذلك اليوم، وللتأكيد وضع لفظ الجلالة ظاهرا مع أنَّ الموضع موضع (إِنَّكَ)، سواء قلنا باشتقاقه وتغلُّب الاسميَّة وملاحظة معنى الاشتقاق أم لا.
6. وخُلْفُ الوعد خيرا أو شرًّا نقصٌ؛ لأنَّه إمَّا عن كذب أو ظهور أمر يستحقُّ الخلف لأجله قد خفي قبل، أو حدوث أمر كذلك، والله منزَّه عن الكذبِ وجهلِ الحال والعاقبة، وخلف الوعيد ولو كان مدحا للمخلوق لكن ناسبه، لأنَّه تبدو له البدوات، كرقَّة القلب بعد غلظته، وخوف انقلاب الغلبة إلى الذلَّة، وكلٌّ حجَّةٌ للأشعريَّة، ككون ترك حقِّ النفس مِمَّا يمدح به تبطل عند كلِّ عاقل في هذا.
7. و(وَعَدَ) في الخير والشرِّ، و(أَوْعَدَ) في الشرِّ، لا كما قيل: (وعَد) في الخير فقط لكثرته في القرآن على العموم، فلا نحتاج إلى تأويله بالتهكُّم أو به وبالمشاكلة في الشرِّ، مثل قوله تعالى: ﴿قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدتُّم مَّا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا﴾ [الأعراف: 44].
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/204.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. لما كان المتشابه مزلة الأقدام ومدرجة الزائغين إلى الفتنة وصل الراسخون الإقرار بالإيمان به بالدعاء بالحفظ من الزيغ بعد الهداية، فإنهم لرسوخهم في العلم يعرفون ضعف البشر وكونهم عرضة للتقلب والنسيان والذهول، ويعرفون أن قدرة الله فوق كل شيء، وعلمه لا يحاط به، وهو المحيط بكل شيء، فيخافون أن يستزلوا فيقعوا في الخطأ والخطأ في هذا المقام قرين الخطر، وليس للإنسان بعد بذل جهده في إحكام العلم في مسائل الاعتقاد وإحكام العمل بحسن الاهتداء إلا اللجأ إلى الله تعالى بأن يحفظه من الزيغ العارض، ويهبه الثبات على معرفة الحقيقة، والاستقامة على الطريقة، فالرحمة في هذا المقام هي الثبات والاستقامة واختاره محمد عبده، أقول: ولا تلتفت في معنى الآية إلى مجادلة الأشعرية للمعتزلة في إسناد الإزاغة إلى الله تعالى، فإنه تعالى يسند إليه كل شيء في مقام تقرير الإيمان به، وذلك لا ينافي اختيار العبد في زيغه، فقد قال تعالى في سورة الصف: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ ولكل مقام مقال.
2. من مباحث الألفاظ في الآية أن قوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ معناه: من عندك فإن ﴿لَدُنْ﴾ تستعمل بمعنى ﴿عِنْدَ﴾ وإن لم تكن مرادفة لها ـ بل هي أخص وأقرب مكانا ـ ولا لـ ﴿لَدَى﴾، فقد فرقوا بينهما بخمسة أمور، ولا تستعمل ﴿لَدُنْ﴾ إلا في الشيء الحاضر، فهي أدل على الاختصاص، فهذه الرحمة المطلوبة منه في هذا المقام هي العناية الإلهية والتوفيق الذي لا يناله العبد بكسبه، ولا يصل إليه بسعيه، ويؤيد ذلك التعبير بالهبة ووصفه تعالى بالوهاب، فإن الهبة عطاء بلا مقابل.
3. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ جمع الناس وحشرهم واحد، وجمعهم لذلك اليوم للجزاء فيه وهو يوم القيامة، وكونه ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ معناه: أننا موقنون به لا شك فيه؛ لأنك أخبرت به ووعدت وأوعدت بالجزاء فيه، وليس معناه كمعنى ذلك الكتاب لا ريب فيه، أي أنه ليس من شأنه أن يرتاب فيه؛ فإن الكلام هناك عن الكتاب في نفسه، والكلام هنا حكاية عن المؤمنين الراسخين في العلم؛ ولذلك علل نفي الريب بنفي إخلاف الميعاد، وجيء به على طريق الالتفات عن الخطاب إلى الغيبة للإشعار بهذا التعليل، هذا على قول الجمهور: أن الجملة كالدعاء من كلام الراسخين في العلم، وجوزوا أن تكون من كلامه تعالى لتقرير قولهم ودعائهم وهو خلاف المتبادر.
4. قال محمد عبده: إن مناسبة هذا الدعاء للإيمان بالمتشابه ظاهرة على القول بأن المتشابه هو الإخبار عن الآخرة، أي أنهم كما يؤمنون بمضمونه والمراد منه وما يئول إليه، وأما على القول بأنه لا يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم فوجهه أنهم يذكرون يوم الجمع؛ ليستشعروا أنفسهم الخوف من تسرب الزيغ الذي يبسلهم في ذلك اليوم، فهذا الخوف هو مبعث الحذر والتوقي من الزيغ، أعاذنا الله منه بمنه وكرمه.
__________
(1) تفسير المنار: 3/189
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ثم ذكر الله تعالى ما يدعون به ليهبهم الثبات على فهم المتشابه فقال: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ أي إن أولئك الراسخين في العلم مع اعترافهم بالإيمان بالمتشابه يطلبون إلى الله أن يحفظهم من الزيغ بعد الهداية، ويهبهم الثبات على معرفة الحقيقة والاستقامة على الطريقة فهم يعرفون ضعف البشر، وكونهم عرضة للتقلب والنسيان والذهول، فيخافون أن يقعوا في الخطأ، والخطأ قرين الخطر، وقد روي عن عائشة قالت: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كثيرا ما يدعو (يا مقلّب القلوب ثبت قلبي على دينك) قلت: يا رسول الله ما أكثر ما تدعو بهذا الدعاء فقال: (ليس من قلب إلا وهو بين إصبعين من أصابع الرّحمن، إن شاء أن يقيمه أقامه، وإن شاء أن يزيغه أزاغه)
2. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي ربنا إنك تجمع الناس للجزاء في يوم لا شك فيه وإنا موقنون به، لأنك أخبرت به وقولك الحق، ووعدت وأوعدت بالجزاء فيه، وأنت لا تخلف وعدك.
3. جاؤوا بهذا الدعاء بعد الإيمان بالمتشابه، ليستشعروا أنفسهم الخوف من تسرّب الزيغ الذي يسلبهم الرحمة في ذلك اليوم، وهذا الخوف هو مبعث الحذر والتوقي منه.
__________
(1) تفسير المراغي: 3/103.
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. عندئذ تنطلق ألسنتهم وقلوبهم في دعاء خاشع وفي ابتهال منيب: أن يثبتهم على الحق، وألا يزيغ قلوبهم بعد الهدى، وأن يسبغ عليهم رحمته وفضله.. ويتذكرون يوم الجمع الذي لا ريب فيه، والميعاد الذي لا خلف له: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾
2. هذا هو حال الراسخين في العلم مع ربهم؛ وهو الحال اللائق بالإيمان؛ المنبثق من الطمأنينة لقول الله ووعده؛ والثقة بكلمته وعهده؛ والمعرفة برحمته وفضله؛ والإشفاق مع هذا من قضائه المحكم وقدره المغيب؛ والتقوى والحساسية واليقظة التي يفرضها الإيمان على قلوب أهله، فلا تغفل ولا تغتر ولا تنسى في ليل أو نهار..
3. القلب المؤمن يدرك قيمة الاهتداء بعد الضلال، قيمة الرؤية الواضحة بعد الغبش، قيمة الاستقامة على الدرب بعد الحيرة، قيمة الطمأنينة للحق بعد الأرجحة، قيمة التحرر من العبودية للعبيد بالعبودية لله وحده، قيمة الاهتمامات الرفيعة الكبيرة بعد اللهو بالاهتمامات الصغيرة الحقيرة.. ويدرك أن الله منحه بالإيمان كل هذا الزاد.. ومن ثم يشفق من العودة إلى الضلال، كما يشفق السائر في الدرب المستقيم المنير أن يعود إلى التخبط في المنعرجات المظلمة، وكما يشفق من ذاق نداوة الظلال أن يعود إلى الهجير القائظ والشواظ! وفي بشاشة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق جفاف الإلحاد وشقاوته المريرة، وفي طمأنينة الإيمان حلاوة لا يدركها إلا من ذاق شقوة الشرود والضلال! ومن ثم يتجه المؤمنون إلى ربهم بذلك الدعاء الخاشع: (رَبَّنا لا تُزِغْ قُلُوبَنا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنا)..
4. وينادون رحمة الله التي أدركتهم مرة بالهدى بعد الضلال، ووهبتهم هذا العطاء الذي لا يعدله عطاء: (وَهَبْ لَنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً. إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ).. وهم بوحي إيمانهم يعرفون أنهم لا يقدرون على شيء إلا بفضل الله ورحمته، وأنهم لا يملكون قلوبهم فهي في يد الله.. فيتجهون إليه بالدعاء أن يمدهم بالعون والنجاة.. ومتى استشعر القلب المؤمن وقع المشيئة على هذا النحو لم يكن أمامه إلا أن يلتصق بركن الله في حرارة، وأن يتشبث بحماه في إصرار، وأن يتجه إليه يناشده رحمته وفضله، لاستبقاء الكنز الذي وهبه، والعطاء الذي أولاه!
__________
(1) في ظلال القرآن: 1/371.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
مما يقضى به العقل، وينزل على حكمه العقلاء، أن تكون الأحداث والمواقف دروسا نافعة، وعبرا مثمرة، يجتنى من ثمرها الخير، ويدفع بها البلاء، وقد كان في الموقف الذي وقفه أهل الزيغ والضلال والنفاق، من المكر بآيات الله، ما أركسهم في الفتنة، وأغرقهم في الضلال، حيث طرحوا كتاب الله وراء ظهورهم، وتعلقوا بالمتشابه من آياته، ليفتنوا الناس ويضلوهم، بما يتأولون لهم من مقولات عمياء.. فزادهم الله عمى إلى عمى، وضلالا إلى ضلال، وإذ يرى المؤمنون هذا الموقف الذي اتخذه الزائغون، فتقطعت بهم الأسباب، التي كانت تصلهم بالإيمان، والتي كان جديرا بهم ـ لو عقلوا ـ أن يستعصموا بها، وأن يحكموا فتلها، بتوجيه قلوبهم إلى الله، وإخلاص نياتهم للإيمان به ـ إذ رأى المؤمنون هذا فزعوا إلى الله وضرعوا بين يديه، ألّا يصير أمرهم إلى ما صار إليه أمر هؤلاء السفهاء الحمقى، الذين غلبت عليهم شقوتهم.. فضلوا سواء السبيل.. فبين يدى الله يضرع المؤمنون بهذا النداء الذي ساقه الله إليهم، ليكون سفينة النجاة لهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾
1. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ من تمام الإيمان بالله، وجلاء القلوب من الشرك والزيغ، الإيمان بالبعث والجزاء، فبهذا الإيمان تقوى صلة المؤمن بربه، وتشتدّ مراقبته له، وحرصه على مرضاته، لينجو من شر هذا اليوم ﴿يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ ويفوز بمرضاته ورضوانه.. وإنه لو لم يكن هناك بعث، ولا حساب، ولا جزاء، لكان الإيمان بالله مجرد تصور عقلي، لا يكاد يؤثر في سلوك الإنسان، أو يمسك زمام هواه! وإذ يذكر المؤمن هذا اليوم ـ يوم البعث والجزاء ـ ويستحضر أهواله، وما يلقى فيه العصاة من عذاب يخشع لله ويخضع، ويفكر أكثر من مرة، قبل أن يركب منكرا، أو يواقع معصية.. ولو استحضر المؤمن هذا اليوم، وتمثله في خاطره، وأشهده كل موقف تراوده فيه نفسه على منكر، ويؤامره فيه هواه على معصية ـ لكان له من ذلك قوة تعينه على الخلاص من دوافع شهواته، ونزوات أهوائه، ولهذا كان مما فضل الله به على المؤمنين، أن جعل ذكر هذا اليوم عبادة يتعبدون بها فيما يتلون من كلماته.. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾.. وبهذا تظل أنظارهم شاخصة إلى هذا اليوم، يرجون رحمة الله، ويخشون عذابه، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا﴾
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/407.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ دعاء علّمه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، تعليما للأمة: لأنّ الموقع المحكي موقع عبرة ومثار لهواجس الخوف من سوء المصير إلى حال الذين في قلوبهم زيغ فما هم إلّا من عقلاء البشر، لا تفاوت بينهم وبين الرّاسخين في الإنسانية، ولا في سلامة العقول والمشاعر، فما كان ضلالهم إلّا عن حرمانهم التوفيق، واللطف، ووسائل الاهتداء.
2. علم من تعقيب قوله: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 7] الآيات بقوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أنّ من جملة ما قصد بوصف الكتاب بأنّ منه محكما ومنه متشابها، إيقاظ الأمة إلى ذلك لتكون على بصيرة في تدبّر كتابها: تحذيرا لها من الوقوع في الضلال، الذي أوقع الأمم في كثير منه وجود المتشابهات في كتبها، وتحذيرا للمسلمين من اتّباع البوارق الباطلة.
3. زيغ القلب يتسبّب عن عوارض تعرض للعقل: من خلل في ذاته، أو دواع من الخلطة أو الشهوة، أو ضعف الإرادة، تحول بالنفس عن الفضائل المتحلّية بها إلى رذائل كانت تهجس بالنفس فتذودها النفس عنها بما استقرّ في النفس من تعاليم الخير المسمّاة بالهدى، ولا يدري المؤمن، ولا العاقل، ولا الحكيم، ولا المهذّب: أيّة ساعة تحلّ فيها به أسباب الشقاء، وكذلك لا يدري الشقي، ولا المنهمك، الأفن: أيّة ساعة تحفّ فيها به أسباب الإقلاع عمّا هو متلبّس به من تغيّر خلق، أو خلق، أو تبدل خليط، قال تعالى: ﴿وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ﴾ [الأنعام: 110] ولذا كان دأب القرآن قرن الثناء بالتحذير، والبشارة بالإنذار.
4. ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ تحقيق للدعوة على سبيل التلطّف؛ إذ أسندوا الهدي إلى الله تعالى، فكان ذلك كرما منه، ولا يرجع الكريم في عطيته، وقد استعاذ النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من السلب بعد العطاء.
5. (إذ) اسم للزمن الماضي متصرّف، وهي هنا متصرّفة تصرّفا قليلا؛ لأنّها لمّا أضيف إليها الظرف، كانت في معنى الظروف، ولما كانت غير منصوبة كانت فيها شائبة تصرّف، كما هي في يومئذ وحينئذ، أي بعد زمن هدايتك إيانا.
6. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ طلبوا أثر الدوام على الهدى وهو الرحمة، في الدنيا والآخرة، ومنع دواعي الزيغ والشر، وجعلت الرحمة من عند الله لأنّ تيسير أسبابها، وتكوين مهيّئاتها، بتقدير الله؛ إذ لو شاء لكان الإنسان معرّضا لنزول المصائب والشرور في كلّ لمحة؛ فإنّه محفوف بموجودات كثيرة، حيّة وغير حيّة، هو تلقاءها في غاية الضعف، لولا لطف الله به بإيقاظ عقله لاتّقاء الحوادث، وبإرشاده لاجتناب أفعال الشرور المهلكة، وبإلهامه إلى ما فيه نفعه، وبجعل تلك القوى الغالبة له قوى عمياء لا تهتدي سبيلا إلى قصده، ولا تصادفه إلّا على سبيل الندور ولهذا قال تعالى: ﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ﴾ [الشورى: 19] ومن أجلى مظاهر اللطف أحوال الاضطرار والالتجاء وقد كنت قلت كلمة (اللّطف عند الاضطرار)
7. القصر في قوله: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ للمبالغة، لأجل كمال الصفة فيه تعالى؛ لأنّ هبات الناس بالنسبة لما أفاض الله من الخيرات شيء لا يعبأ به، وفي هذه الجملة تأكيد بإنّ، وبالجملة الاسمية، وبطريق القصر.
8. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ استحضروا عند طلب الرحمة أحوج ما يكونون إليها، وهو يوم تكون الرحمة سببا للفوز الأبدي، فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءهم على سبيل الإيجاز، كأنّهم قالوا: وهب لنا من لدنك رحمة، وخاصّة يوم تجمّع الناس كقول إبراهيم: ﴿رَبَّنَا اغْفِرْ لِي وَلِوَالِدَيَّ وَلِلْمُؤْمِنِينَ يَوْمَ يَقُومُ الْحِسَابُ﴾ [إبراهيم: 41] على ما في تذكّر يوم الجمع من المناسبة بعد ذكر أحوال الغواة والمهتدين، والعلماء الراسخين.
9. معنى ﴿لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ لا ريب فيه جديرا بالوقوع، فالمراد نفي الريب في وقوعه، ونفوه على طريقه نفي الجنس لعدم الاعتداد بارتياب المرتابين، هذا إذا جعلت (فيه) خبرا، ولك أن تجعله صفة لريب وتجعل الخبر محذوفا على طريقة لا النافية للجنس، فيكون التقدير: عندنا، أو لنا.
10. جملة ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ تعليل لنفي الريب أي لأنّ الله وعد بجمع الناس له، فلا يخلف ذلك، والمعنى: إنّ الله لا يخلف خبره، والميعاد هنا اسم مكان.
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/30.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ هذه ضراعة يجب على كل مؤمن أن يتضرع بها إلى ربه:
أ. وقد قال بعض العلماء إنها من مقول الراسخين في العلم، فهم يقولون: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ ويقولون أيضا: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ وكأنهم إذ يعلنون الإيمان والإذعان يضرعون إلى الله تعالى أن يحفظه ويبقيه بإبعادهم عن الزيغ والاضطراب في العقيدة.
ب. وقال بعض المفسرين: إن هذا كلام جديد، وهو تعليم من الله تعالى للمؤمنين ليدعوا بهذا الدعاء.
2. المعنى على الحالين: ربنا أي يا خالقنا والعليم بنفوسنا والقيوم على أمورنا ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾: لا تبتلينا بابتلاء واختبار تزيغ معه قلوبنا، وتضطرب معه نفوسنا، فتكون الإزاغة عن الطريق المستقيم والمنهاج الحق، والزيغ يبتدئ دائما بسيطرة الأهواء على النفوس، فتضطرب فتحيد، فيكتب الزيغ فتزيغ؛ وهذا كقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف] وروت أم سلمة أن أكثر دعاء الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم: (يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك)، فقالت له: يا رسول الله ما أكثر دعاءك يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك؟ فقال: (يا أم سلمة، إنه ليس آدمي إلا وقلبه معلق بين إصبعين من أصابع الله، فمن شاء أقام، ومن شاء أزاغ)
3. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هذا بقية الدعاء والضراعة التي تجرى على ألسنة الراسخين في العلم، وهى من تعليم الله سبحانه وتعالى، وهذا الدعاء يتضمن طلب الرحمة، وقد تضمن الأول طلب تثبيت الإيمان، وهو أول أبواب الرحمة، والأصل لكل رحمة؛ فبعد أن علمنا الضراعة بأن لا تميل قلوبنا، وجّهنا لطلب الأثر كذلك وهو الرحمة، ورحمة الله تفضّل وإنعام على العبد؛ لأنه وما يملك ملك لله تعالى يتصرف فيه كما يتصرف المالك في ملكه، وليس لأحد عند رب العالمين حساب، والرحمة المطلوبة كلمة شاملة جامعة، فتجمع النصر في الدنيا والقرار والاطمئنان فيها، والنعيم في الآخرة.
4. التعبير بقوله تعالى: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾ أي من عندك، ولدن لا تستعمل بمعنى عند إلا إذا كانت العندية في موضع خطير جليل عال، والمعنى على هذا أن الرحمة فيض من فيوض الله ينزل على عباده كما ينزل المطر من مرتفع السماء إلى الأرض.
5. ختمت الآية الكريمة بما يدل على أن هبة الرحمة شأن من شئون العلى القدير، ووصف من أوصافه، فقال سبحانه على ألسنة الضارعين المبتهلين: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ في هذا تأكيد رحمة الله تعالى بعدة مؤكدات: منها (إنّ) التي للتوكيد، ومنها تأكيد الضمير بقوله (أنت) ومنها القصر، أي لا يهب أحد سواك، وذلك بتعريف الطرفين؛ ومنها التعبير بصيغة المبالغة، وهى: الوهاب؛ وإنه سبحانه قد انفرد بالرحمة وهبة الرحمة لمن يشاء، وإن رحمته وسعت كل شيء.
6. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ هذه هي الضراعة الثانية التي اقترنت بآية المحكم والمتشابه في القرآن، والكلام فيها كالكلام في الآية السابقة، من حيث كون هذا الدعاء من مقول الراسخين في العلم، أو تعليم من الله للراسخين في العلم من المؤمنين، وكلاهما ينتهي إلى أن هذه الضراعة إن صدرت عن القلب تكون مانعة له من الزيغ؛ فإن الإيمان باليوم الآخر لبّ الإيمان، وهو يربى الإذعان، وفيه كل معانى التفويض، وبه يستعين المؤمن على محاربة داعى الهوى والشهوة.
7. قوله تعالى على لسان المؤمن الراسخ في العلم: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ تنبيه إلى أنه في هذا اليوم يتبين الحق، ويواجه المحق والمبطل، ويعلن الذين يزيغون والذين يذعنون، ويتبين زيغ الزائغ وجزاؤه، وثمرات الإيمان وجزاؤه، وفى هذا تنبيه أيضا إلى أن اليوم الآخر لا ينبغي أن يكون محلّ ريب؛ لأن الذي أخبر به هو الذي خلق الخلق، فهو الذي بدأهم، وهو الذي يعيدهم؛ ولأنه سبحانه ما خلق الخلق عبثا، وما ترك الأمر للباطل والمبطلين يرتعون في الأرض ويفسدون، بل جعل للحق سلطانا، وجعل له العلو، فإن لم يكن في الحال، فإنه سيكون لا محالة في المآل، والله على كل شيء قدير.
8. الأساس في العلم باليوم الآخر هو إخبار الله تعالى الذي لا يحتمل إخلافا؛ ولذلك قال سبحانه بعد ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ أي إن اليوم الآخر الذي لا ينبغي لمؤمن أن يرتاب فيه هو وعد الله الذي وعد به المتقين، ونذيره الذي أنذر به الجاحدين الضالين، والله سبحانه وتعالى لا يخلف الميعاد.
9. في هذه الجملة السامية ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ إشارة إلى الجزاء الأخروي وما فيه من جزاء بعد الحساب، فهي تتضمن تبشيرا للمؤمنين، وإنذارا للعاصين الكافرين، جعلنا الله من المتقين المهتدين، الذين لا يزيغون في فهم دينه، وتفهم قرآنه؛ والمذعنين للحق الطالبين له.
__________
(1) زهرة التفاسير: 2/1118.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾، دعاء يدعو به كل عالم مخلص خشية أن يقع في الخطأ، ويقصر في البحث عن الصواب.
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/15.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ هذا من آثار رسوخهم في العلم فإنهم لما علموا بمقام ربهم، وعقلوا عن الله سبحانه أيقنوا أن الملك لله وحده وأنهم لا يملكون لأنفسهم شيئا فمن الجائز أن يزيغ قلوبهم بعد رسوخ العلم فالتجئوا إلى ربهم، وسألوه أن لا يزيغ قلوبهم بعد إذ هداهم، وأن يهب لهم من لدنه رحمة تبقي لهم هذه النعمة ويعينهم على السير في صراط الهداية والسلوك في مراتب القرب.
2. أما سؤال أن يهبهم رحمة بعد سؤال أن لا يزيغ قلوبهم فلأن عدم إزاغة القلب لا يستلزم بقاء الرسوخ في العلم، فمن الجائز أن لا يزاغ قلوبهم وينتزع عنها العلم فتبقى سدى مهملة لا سعداء بالعلم ولا أشقياء بالإزاغة بل في حال الجهل والاستضعاف، وهم في حاجة مبرمة إلى ما هم عليه من العلم، ومع ذلك لا تقف حاجتهم في ما هم عليه من الموقف بل هم سائروا طريق يحتاجون فيه إلى أنواع من الرحمة لا يعلمها ولا يحصيها إلا الله سبحانه، وهم مستشعرون بحاجتهم هذه والدليل عليه قولهم بعد: ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾:
أ. فقولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾، استعاذة من نزول الزيغ إلى قلوبهم وإزاحته العلم الراسخ الذي فيها.
ب. وقولهم: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ استمطار لسحاب الرحمة حتى تدوم بها حياة قلوبهم وتنكير الرحمة، وتوصيفها بكونها من لدنه إظهار منهم الجهل بشأن هذه الرحمة، وأنها كيف ينبغي أن تكون غير أنهم يعلمون أنه لولا رحمة من ربهم ولولا كونها من لدنه لم يتم لهم أمر.
3. في الاستعاذة من الزيغ إلى الله محضا واستيهاب الرحمة من لدنه محضا دلالة على أنهم يرون تمام الملك لله محضا من غير توجه إلى أمر الأسباب.
4. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾، هذا منهم بمنزلة التعليل لسؤال الرحمة، وذلك لعلمهم بأن إقامة نظام الخلقة ودعوة الدين وكدح الإنسان في مسير وجوده كل ذلك مقدمة لجمعهم إلى يوم القيامة الذي لا يغني فيه ولا ينصر أحد إلا بالرحمة كما قال تعالى: ﴿إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَنْ مَوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنْصَرُونَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ اللَّهُ﴾، ولذلك سألوا رحمة من ربهم وفوضوا تعيينها وتشخيصها إليه لينفعهم في أمرهم.
5. وصفوا هذا اليوم بأنه لا ريب فيه ليتجه بذلك كمال اهتمامهم بالسؤال والدعاء، وعللوا هذا التوصيف أيضا بقولهم: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ لأن شأنهم الرسوخ في العلم، ولا يرسخ العلم بشيء ولا يستقر تصديق إلا مع العلم بعلته المنتجة، وعلة عدم ارتيابهم في تحقق هذا اليوم هو ميعاد الله سبحانه به فذكروه.
6. نظير هذا الوجه جار في تعليلهم قولهم: ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ بقولهم: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ فكونه تعالى وهابا يعلل به سؤالهم الرحمة، وإتيانهم بلفظة أنت وتعريف الخبر باللام المفيد للحصر يعلل به قولهم: ﴿مِنْ لَدُنْكَ﴾، الدال على الاختصاص، وكذا يجري مثل الوجه في قولهم: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾، حيث عقبوه بما يجري مجرى العلة بالنسبة إليه، وهو قولهم: ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾، وقد مر آنفا أن قولهم: ﴿آمَنَّا بِهِ﴾، من حيث تعقيبه بقولهم: ﴿كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾، من هذا القبيل أيضا، فهؤلاء رجال آمنوا بربهم وثبتوا عليه فهداهم الله سبحانه، وكمل عقولهم فلا يقولون إلا عن علم ولا يفعلون إلا عن علم فسماهم الله تعالى راسخين في العلم، وكنى عنهم بأولى الألباب.
7. إذا تدبرت ما عرف الله به أولي الألباب وجدته منطبقا على ما ذكره من شأنهم في هذه الآيات، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَنْ يَعْبُدُوها وَأَنابُوا إِلَى اللهِ لَهُمُ الْبُشْرى فَبَشِّرْ عِبادِ الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ أُولئِكَ الَّذِينَ هَداهُمُ اللهُ وَأُولئِكَ هُمْ أُولُوا الْأَلْبابِ﴾، فوصفهم بالإيمان واتباع أحسن القول، والإنابة إلى الله سبحانه، وقد وصف بهذه الأوصاف الراسخين في العلم في هذه الآيات.
8. الالتفات من الخطاب إلى الغيبة في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ لأن هذا الميعاد لا يختص بهم بل يعمهم وغيرهم فكان الأولى تبديل قولهم: ﴿رَبِّنَا﴾، إلى لفظة الجلالة لأن حكم الألوهية عام شامل لكل شيء.
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/30.
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ هذا حكاية عن الراسخين، وقوله تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ﴾ جملة معترضة بين كلامهم، أو من كلامهم، والزيغ قد يكون عقوبة، قال تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ [الصف:5] ونسبته إلى الله تعالى كنسبة الختم إليه وقد مر معناه، والمراد طلب العصمة والألطاف عن أسباب الزيغ:
أ. قال الشرفي في (المصابيح): (قال الإمام الهادي عليه السلام: إن قال قائل: كيف يُزيغ قلب من هداه؟ وكيف جاز لهم أن يظنوه بالله؟ قيل لهم: هذا دعاء منهم بالتثبيت لهم بالمعونة، والتوفيق والتسديد والإرشاد يقولون: ربنا زدنا هدى إلى هدانا، ومعونة إلى قوتنا، ولا تتركنا من رحمتك فنهلك وتزيغَ قلوبنا بعد ما نحن عليه من اجتهادنا في طاعتك واتباعنا لمرضاتك، لا أنهم يتوهمون على ربهم ويظنون بخالقهم ظلماً لهم وإزاغة عن رشدهم)
ب. وقال الشرفي في (المصابيح): (قال الإمام الناصر للحق الحسن بن علي الأطروش عليه السلام: يريدون بذلك لا تثقّل علينا المِحَنَ وتشدد علينا البلوى فنؤثر أهواءنا فتزيغ قلوبنا من محنتك فندع عند ذلك طاعتك، وإذا كان ذلك منهم فإنما أُتوا من قِبَلِ أنفسهم، فجازَ في اللغة أن ينسب ذلك إلى الله ـ جلَّ ذكره ـ لما كان من محنته وبلواه، يراد بذلك أنها لما اشتدت عليهم مِحَنُهُ أغواهم)، يشير عليه السلام إلى مثل ما وقع على أصحاب السبت بسبب فسقهم الماضي، ولعله المراد في قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ [النور:63] أي اختبار يكون منهم عنده زيغ قلوبهم، فالدعاء أن لا يزيغ قلوبهم لخوفهم من الزيغ بسبب ما قد يقع منهم من الزلات ليوفقهم الله للتوبة وترك الإصرار إن وقع منهم ذلك، وأن يثبتهم على طاعته حتى لا تقع منهم معصية تسبب الزيغ فالدعاء شامل للمعنيين.
2. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تنويراً للقلوب وزيادة في الألباب وحباً لما يرضيك وكراهة لما يسخطك وزهداً في الدنيا وانتباهاً من الغفلة، فالمراد بالرحمة ما هو سبب للبعد من الزيغ والمصير إلى رحمة الله في الآخرة.
3. ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ ﴿الْوَهَّابُ﴾ اسم مبالغة لأنه الواهب لكل خير كثير فمنه الهبات التي لا نحصيها عدداً، فأنت المرجو لكل خير المدعو لكل حاجة، قال الشرفي في (المصابيح): (قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: تدل على وجوب الالتجاء إلى الله والاستجارة به من الضلال وطلب الهداية)
4. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ وهذه من الحكاية عن الراسخين في العلم تفيد إيمانهم بالقيامة وما فيها، وبأنه لا ريب فيها لوضوح آياتها، ولكون وعد الله بها لا يتخلف، لأن الله لا يخلف الميعاد، لأنه سبحانه يعلم ما سيكون فلو أخلف الوعد لكان الوعد كذباً أخبر به عن الموعود به وهو يعلم تخلفه، وهو سبحانه غني حميد كريم لا يصدر عنه شيء من النقايص والعيوب، وهذا من الراسخين أعني التصديق بوعد الله خلاف ما يكون من أهل الزيغ من الجدال في آيات الله ليجحدوا ما يفيده المحكم من الوعيد أو من الوعد والوعيد أو نحو ذلك من فوائد القرآن التي يكذب بها أهل الزيغ.
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/426.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ أي عقولنا ﴿بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا﴾ وعرفتنا الإيمان بك وبرسلك، لا تدخلنا في التجربة الصعبة التي تهتز فيها أفكارنا، وتضطرب منها مشاعرنا، وتنحرف بها خطواتنا في داخل أنفسنا، وفي خارجها، مما قد يدخل فيه الغرور إلى ذواتنا، فلا نتوازن في النظر إلى الواقع بمنطق الوضوح في الرؤية الذي يعرف فيه الإنسان حجم فكره، وطبيعة موقعه، وخصوصية ذاته، فإن الغرور الفكري والعلمي والذاتي، قد يدخل الإنسان إلى متاهات الأفكار والوسائل والأهداف مما لا يلتقي بالحق ولا يقف عند قاعدة الصواب، لأن الإنسان المغرور في علمه لا يتطلع غالبا إلى وجهة نظر الآخرين في الموضوع الذي يعالجه ولا يصر على نفسه ليدقق في الاحتمالات التي تخطر على ذهنه، فيميل عن الحق من دون أن يشعر، ويبتعد عن الاستقامة من دون أن يلتفت إلى ذلك، وقد يخضع الإنسان لتأثيرات الضلال في نفسه من خلال عناصر الإغراء والإغواء أو التخويف والترهيب، التي تضغط على نفسه وفكره وروحه، فتؤثر على موقفه وقراره، فيبتعد عن الحق، ويضلّ عن طريق الهدى، وقد تضغط عليه الظروف الموضوعية المرتبطة بالواقع من حوله لتغير له نظرته إلى الأمور بما قد تثيره في نفسه من المبرّرات المتنوعة التي قد تفتح له بابا على الانحراف بحجة أن التغيير في الموقف يخضع للتغيير في المعطيات والمصالح والمفاسد الطارئة بفعل المتغيرات الاجتماعية والسياسية.
2. وهكذا تتنوع أسباب الزيغ التي تدفع الإنسان إلى الضلال، وفي ضوء ذلك، فإن الطلب إلى الله في أن لا يزيغ قلوبنا عن خط الهداية بعد التزامنا به، لا يعني أن الله يفعل ذلك بعباده بشكل مباشر فيجعل المهتدي ضالا، بل يعني أن يبعد عنا الظروف التي قد تقودنا إلى ذلك، ولا يكلفنا التكاليف التي تضعف إرادتنا عن الحركة، وذلك من خلال لطفه بعباده ورحمته لهم، فإن الله ـ بحكمته ولطفه ورحمته ـ لا يبتلي عباده بالبلاء الذي لا يتحملونه ليسقطوا أمامه، فهو الذي يشجعهم على السير في خط الهدى، لأنه مع المحسنين الذين أحسنوا الإيمان والعمل الصالح، فيهيّئ لهم سبل الثبات على الهدى، حتى أن البلاء قد يكون حركة في التجربة الهادية التي تقوى بها إرادتهم، وتنفتح بها قراراتهم على الآفاق الواسعة للحق، ولذلك فإنهم يبتهلون إليه ويدعونه: أعطنا يا رب من لطفك ما يسهل لنا سبيل الوصول إلى سعادتنا في القرب منك.
3. ﴿وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً﴾ تكفل لنا بها خير الدنيا والآخرة، ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ الذي تتوالى فيوضاته وهباته على عباده في أمورهم الخاصة والعامة في الدنيا والآخرة، فيثبّتهم على إيمانهم الذي يقودهم إلى العمل الصالح لينتهي بهم إلى جنة الرضوان.
4. ﴿رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ﴾ حيث يقفون فيه بين يديك ليواجهوا حسابات أعمالهم في الدنيا، ليحصلوا على نتائجها السلبية أو الإيجابية في الآخرة، لتجادل كل نفس عن نفسها، فلا تظلم نفس شيئا من أعمالها ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة: 7 ـ 8]، وهذا هو الذي لا بد للإنسان المؤمن من أن يعيشه في وعيه ووجدانه ـ دائما ـ ليتذكر المستقبل الأخروي من أجل أن يتوازن لديه الحاضر الدنيوي، فلا تؤثر عليه وسائل الزيع، ولا تضغط عليه عناصر الانحراف، ولا تستلبه نوازع الهوى في حركة النفس الأمارة بالسوء، فذلك هو الذي يمثل القوة التي تثبته عند مزالّ الأقدام، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ فأنت ـ يا الله ـ الصادق في وعدك، تباركت وتعاليت يا رب العالمين.
__________
(1) من وحي القرآن: 5/243.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بالنظر لاحتمال أن تكون الآيات المتشابهات وأسرارها موضع زلل الناس، فإنّ الراسخين في العلم المؤمنين يلجؤون إلى ربّهم إضافة إلى استعمال رأسمالهم العلمي في إدراك حقيقة الآيات، وهذا ما تبيّنه هاتان الآيتان على لسان الراسخين في العلم، وتقولان إنّ الراسخين في العلم والمفكّرين من ذوي البصيرة لا يفتؤون يراقبون أرواحهم وقلوبهم لئلّا ينحرفوا نحو الطرق الملتوية، فيطلبون لذلك العون من الله، فالغرور العلمي يخرج بعض العلماء عن مسيرهم إلى متاهات الضلال، لأنّهم يلتفتون إلى عظمة الخلق والخالق وتفاهة ما عندهم من علم، فيحرمون من هداية الله، أمّا العلماء المؤمنون فيقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾
2. ليس أشدّ تأثيرا في السيطرة على الميول والأفكار من الاعتقاد بيوم القيامة والمعاد، إنّ الراسخين في العلم يصحّحون أفكارهم عن طريق الاعتقاد بالمبدأ والمعاد، ويحولون دون التأثّر بالميول والأحاسيس المتطرّفة التي تؤدّي إلى الزلل، ونتيجة لذلك يستقيمون على الصراط المستقيم بأفكار سليمة ودون عائق، نعم هؤلاء هم القادرون على الاستفادة من آيات الله كلّ الاستفادة.
3. في الحقيقة تشير الآية الأولى إلى إيمان هؤلاء الكامل (بالمبدأ)، وتشير الآية الثانية إلى إيمانهم الراسخ (بالمعاد)
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/407.
6. عواقب الكفر ومصير الكفرة
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈6⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ [آل عمران: 10 ـ 11]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
الخراساني:
روي عن عطاء الخراساني (ت 60 هـ) أنّه قال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ كسنة آل فرعون(1).
__________
(1) تفسير البغوي: ٢/١٢.
ابن عباس:
روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ كصنيع آل فرعون(1).
2. روي أنّه قال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ كفعل(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٣٦.
(2) الدرّ المنثور: ابن المنذر، وأبي الشيخ.
مجاهد:
روي عن مجاهد (ت 104 هـ) أنّه قال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ كفعل آل فرعون، كشأن آل فرعون(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٣٦.
البصري:
روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: هذا مثل ضربه الله لمشركي العرب؛ يقول: كفروا، وصنعوا كصنيع آل فرعون والذين من قبلهم من الكفار(1).
__________
(1) يحيى بن سلام كما في تفسير ابن أبي زمنين: ١/٢٧٨.
زيد:
روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ معناه من عند الله شيئا،(1).
2. روي أنّه قال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي كشأنهم وعادتهم،(1).
__________
(1) تفسير الإمام زيد، ص 107.
السّدّيّ:
روي عن إسماعيل السّدّيّ (ت 127 هـ) أنّه قال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ذكر الذين كفروا، فقال: تكذيبهم كمثل تكذيب الذين من قبلهم في الجحود والتكذيب(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٣٦.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يعني: اليهود خاصة: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ يعني: لا: ﴿أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ يعني: اليهود(1).
2. روي أنّه قال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يعني: كأشباه آل فرعون في التكذيب، ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من الأمم الخالية قبل آل فرعون، والأمم الخالية قبل آل فرعون: قوم نوح، وعاد، وثمود، وقوم إبراهيم، وقوم لوط، وقوم شعيب، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ يعني: بأنهم كذبوا أيضا بالعذاب في الدنيا بأنه غير نازل بهم، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ يعني: في الدنيا، فعاقبهم الله، ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ يعني: إذا عاقب(1).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٥.
ابن زيد:
روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) أنّه قال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ كأعمالهم، كفعلهم، كتكذيبهم حين كذبوا الرسل، وقرأ قول الله: ﴿مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ﴾ [غافر: ٣١]، أن يصيبكم مثل الذي أصابهم عليه من عذاب الله، قال الدأب: العمل(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٣٦.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وذلك أنهم كانوا يستنصرون بأولادهم وأموالهم في الدنيا، ويستعينون بهما على غيرهم؛ فظنوا أنهم يستنصرون بهم في الآخرة، ويدفعون بهم عن أنفسهم العذاب؛ وهو كقولهم: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ: 35]؛ فأخبرهم الله عزّ وجل أن أموالكم وأولادكم لا تغني عنكم من عذاب الله شيئا.
2. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ أي: حطب النار؛ فهو أن الإنسان إذا وقع في النار في هذه الدنيا لا يحترق احتراق الحطب؛ ولكنه يذوب ويسيل منه الصّديد، فقال الله ـ عزّ وجل ـ: إنهم يحترقون في النار في الآخرة احتراق الحطب، لا احتراق الإنسان في الدنيا؛ لأنها أشدّ بطشا، وأسرع أخذا، وأطول احتراقا؛ وعلى هذا يخرج قوله: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ ليس كعذاب الدنيا أنه على الانقضاء والنفاد؛ ولكن على الدوام فيها والخلود أبد الآبدين؛ فنعوذ بالله منها.
3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾:
أ. قيل: كأشباه آل فرعون.
ب. وقيل: كعمل آل فرعون وكصنيعهم، وكله واحد.
4. يحتمل قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ بعد هذا وجهين:
أ. يحتمل: صنيع هؤلاء وعملهم ـ كصنيع آل فرعون ومن كان قبلهم بموسى، في التكذيب والتعنت.
ب. ويحتمل بصنيع هؤلاء بما يلحقهم من العذاب بالتكذيب والتعنت؛ فألحق أولئك من العذاب بتكذيب الرسل، وتعنتهم عليهم.
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/318.
العياني:
قال الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ): معنى قوله عزوجل في الكافرين: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، أي حطب النار(1).
__________
(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/ 256.
الديلمي:
ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي كعادة آل فرعون في التكذيب بما أنزل الله تعالى وعدولهم عن الحق.
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/133.
الماوردي:
ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي:
1. في قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فيه وجهان:
أ. أحدهما: أن الدأب: العادة، (أي) كعادة آل فرعون والذين من قبلهم.. وفيما أشار إليه من عادتهم وجهان:
• أحدهما: كعادتهم في التكذيب بالحق.
• الثاني: كعادتهم من عقابهم على ذنوبهم.
ب. الثاني: أن الدأب هنا الاجتهاد، مأخوذ من قولهم: دأبت في الأمر، إذا اجتهدت فيه.. واحتمل ما أشار إليه من اجتهادهم وجهين:
• أحدهما: كاجتهادهم في نصرة الكفر على الإيمان.
• الثاني: كاجتهادهم في الجحود والبهتان.
2. فيمن أشار إليهم أنهم كدأب آل فرعون قولان:
أ. أحدهما: أنهم مشركو قريش يوم بدر، كانوا في انتقام الله منهم لرسله والمؤمنين، كآل فرعون في انتقامه منهم لموسى وبني إسرائيل، فيكون هذا على القول الأول تذكيرا للرسول والمؤمنين بنعمة سبقت، لأن هذه الآية نزلت بعد بدر استدعاء لشكرهم عليها.
ب. الثاني: وعدا بنعمة مستقبلة لأنها نزلت قبل قتل يهود بني قينقاع، فحقق وعده وجعله معجزا لرسوله.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. سؤال وإشكال: كيف تتصل هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ بما قبلها؟ والجواب: اتصال الوعيد بالدعاء، للخلاص منه خوفاً من استحقاق المتوعد به.
2. الفرق بين قوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ مِنَ اللهِ﴾ وبين لن تغنيهم عن الله شيئاً، أن لن تغنيهم عن الله لا يدل على الوعيد كما يدل ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ مِنَ اللهِ﴾ لأن تقديره من عذاب الله، ومعنى من هاهنا يحتمل أمرين:
أ. قال أبو عبيدة معناها: عند.
ب. وقال المبرد: من هاهنا على أصلها، لابتداء الغاية، وتقديره ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ غناء ابتداء الشيء الذي خلقه، ولا يكون الغناء إلا منه، فمن هذه تقع على ما هو أول الغناء وآخره.
3. الوقود: الحطب، والوقود اللهب، وهو إيقاد النار.
4. الغنى ضد الحاجة، وبمعنى ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ مِنَ اللهِ﴾ أنه إن يكون شيء تبقى الحاجة إلى الله تعالى بل الحاجة باقية على كل حال.
5. الدأب: العادة، يقال دأب يدأب دأباً ودئاباً إذا اعتاد الشيء وتمرن عليه، قال امرؤ القيس:
çكدأبك من أم الحويرث قبلها...وجارتها أم الرباب بمأسلé
أي كعادتك من أم الحويرث.
6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾:
أ. قيل: كعادتهم في التكذيب بالحق.
ب. وقيل: في الكفر.
ج. وقيل: في قبح الفعل.
د. وقيل: في تكذيب الرسل.
هـ. وكل ذلك متقارب في المعنى.
و. وقال قوم: معناه كدأب آل فرعون في عقاب الله إياهم على ما سلف من ذنوبهم، ومعاصيهم.
7. الكاف في قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ متصلة بمحذوف، وتقديره عادتهم كدأب آل فرعون، وموضع الكاف رفع لأنها في موضع خبر الابتداء، ولا يجوز أن يعمل فيها كفروا، لأن صلة الذي قد انقطعت بالخبر، وهو ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ ولا أولادهم ولكن يجوز نصبه بـ ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾، لأن فيه معنى الفعل على تقدير تتقد النار بأجسادهم كما تتقد بأجسام آل فرعون فهذا تقديره في المعنى.
8. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بمعنى عاقبهم الله بذنوبهم وسمى المعاقبة مؤاخذة لأنها أخذ بالذنب والأخذ بالذنب عقوبة والذنب والجرم واحد تقول أذنب يذنب اذناباً فهو مذنب والذنب التلو للشيء ذنبه يذنبه ذنباً إذا تلا والذنوب التلو لأنها تالية للحبل في الجذب والذنوب النصيب لأنه كالدلو في الانعام قال الشاعر:
çلنا ذنوب ولكم ذنوب...فان أبيتم فلنا قليبé
والذنوب: الفرس الوافر شعر الذنب، وأصل الباب: التلو، فالذنب الجرم لما يتلوه من استحقاق الذم كما قيل العقاب، لأنه يستحق عقيب الذنب.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/404.
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي: (1)
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الدأب: العادة، دأب يدأب دأبًا إذا اعتاد دأَبًا ودأْبًا بسكون الهمزة وفتحها.
ب. والذنوب: جمع ذنب، وهي الجرم، أذنبت ذنبًا.
2. ثم بين حال الَّذِينَ في قلوبهم زيغ فقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ التي لا تنفعهم ولا تكفي عنهم ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾:
أ. قيل: من بمعنى عند، عن أبي عبيدة.
ب. وقيل: هي لابتداء الغاية تقديره: لن تغني عنهم ابتداء وانتهاء.
ج. وقيل: من عذاب اللَّه.
3. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ أي حطب النار.
4. ثم بَيَّنَ تعالى أن حال هَؤُلَاءِ الكفار الَّذِينَ تقدم ذكرهم في كفرهم ونزول العذاب بهم كحال آل فرعون فقال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قيل: تقديره واتصاله بما قبله حال هَؤُلَاءِ في أنهم لا يغني عنهم مالهم لما كفروا، وحل العقاب بهم كدأب آل فرعون حين كذبوا، وحل بهم العقاب.
5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿دَأْبِ﴾:
أ. قيل: كعادة آل فرعون، عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك والسدي، يعني كفر هَؤُلَاءِ ككفر آل فرعون أو تكذيبهم.
ب. وقيل: كعادة اللَّه في آل فرعون بإنزال العذاب بما سلف من إجرامهم.
ج. وقيل ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي كسنة آل فرعون، عن الربيع والكسائي وأبي عبيدة.
د. وقيل: كأمر آل فرعون وشأنهم عن الأخفش.
هـ. وقيل: كأشباه آل فرعون، عن مقاتل.
و. وقيل: كحال آل فرعون، عن قطرب.
ز. وقيل: كاجتهاد آل فرعون في كفرهم، عن الأصم والزجاج.
ح. وقيل: هو أصل الحذف يقال: دأبت في الأمر اجتهدت، ثم نقل إلى الشأن والعادة.
6. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ كفار الأمم الماضية ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ أي عاقبهم، وإنما قيل في المعاقبة مؤاخذة؛ لأنها أخذ بالذنب عقوبة ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي بإجرامهم ومعاصيهم ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن يعاقبه فاحذروا عقابه.
7. قيل: في الآية تقديم وتأخير: قل للذين كفروا ستغلَبون وتحشرون إلى جهنم كدأب آل فرعون، والأول الوجه؛ لأنه لا وجه للتقديم والتأخير إذا صح المعنى دونه.
8. تدل الآيات الكريمة على:
أ. وجوب الانقطاع إلى اللَّه تعالى في مسألة الدين والدنيا، قال القاضي: والأولى في الرحمة نعمة الدنيا، لأنه يكون متفضلاً بها.
ب. في ﴿لَا تُزِغْ﴾ الألطاف فتكون مسألتهم جامعة لخير الدارين.
ج. إثبات المعاد؛ لأن الجمع يكون عنده.
د. أن الخلف لا يجوز عليه تعالى في وعده ووعيده.
هـ. لا حجة لمخالفينا في قوله: ﴿لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا﴾ على أنه يزيغ القلوب عن الحق؛ لأن ذلك لا يجوز عليه تعالى لقبحه، ولو ثبت ذلك لم تدل على أنه يفعله، كقوله: ﴿وَلَا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ﴾
و. أن العقاب مستحق على الذنب؛ لذلك قال: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾
ز. أنه لا يعاقب من غير ذنب.
ح. أن الذنب فعلهم لذلك أضافه إليهم.
ط. أن سنة اللَّه في جزاء العصيان في الأمم سواء، وكل ذلك يدل على العدل وفساد الجبر.
9. مسائل نحوية:
أ. الكاف في قوله: ﴿كَدَأْبِ﴾ كاف التشبيه، ويتصل بمحذوف تقديره: وأنهم في الكفر كدأب آل فرعون، أو حالهم في العذاب كحال آل فرعون، وموضع الكاف رفع؛ لأنه في خبر ابتداء محذوف.
ب. نصب ﴿فِرْعَوْنَ﴾ لأنه لا ينصرف؛ لأنه اسم أعجمي معرفة.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/178.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الوقود الحطب والوقود إيقاد النار.
ب. الدأب: العادة يقال: دأب يدأب دأبا: إذا اعتاد الشئ وتمرن عليه، والدأب: الاجتهاد، يقال: دأب في كذا دأبا ودؤوبا: إذا اجتهد فيه وبالغ، ونقل من هذا إلى العادة، لأنه بالغ فيه حتى صار عادة له، قال زهير:
çلأرتحلن بالفجر، ثم لأدئبن... إلى الليل، إلا أن يعرجني طفلé
ج. الذنب والجرم واحد، يقال: أذنب فهو مذنب، والذنب: تلو الشئ، يقال ذنبه يذنبه: إذا تلاه، والذنوب: الدلو لأنها تالية للحبل في الجذب، والذنوب: النصيب، لأنه كالدلو في الانعام، والذنوب: الفرس الوافر شعر الذنب، وأصل الباب التلو، فالذنب: الجرم لما يتلوه من استحقاق الذم، كما أن العقاب سمي بذلك لأنه يستحق عقيب الذنب.
2. ثم بين تعالى حال الذين في قلوبهم زيغ، فقال ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بآيات الله ورسله ﴿لَنْ تُغْنِيَ﴾ أي: لن تدفع ﴿عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾:
أ. قال أبو عبيدة: من هنا بمعنى عند.
ب. وقال المبرد: وهي على أصلها لابتداء الغاية وتقديره: لن تغني عنهم غنا ابتداء وانتهاء.
ج. وقيل: معناه من عذاب الله شيئا.
3. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ أي: حطب النار تتقد النار بأجسامهم، كما قال في موضع آخر ﴿حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾
4. عادة هؤلاء الكفار في التكذيب بك، وبما أنزل إليك ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾:
أ. أي: كعادة آل فرعون في التكذيب برسولهم، وما أنزل إليه، عن ابن عباس وعكرمة ومجاهد والضحاك والسدي.
ب. وقيل: معناه اجتهاد هؤلاء الكفار في قهرك، وإبطال أمرك، كاجتهاد آل فرعون في قهر موسى، عن الأصم والزجاج.
ج. وقيل: كعادة الله في آل فرعون في إنزال العذاب بهم، بما سلف من إجرامهم.
د. وقيل: كسنة آل فرعون، عن الربيع والكسائي وأبي عبيدة.
هـ. وقيل: كأمر آل فرعون وشأنهم، عن الأخفش.
و. وقيل: كحال آل فرعون، عن قطرب.
5. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ يعني كفار الأمم الماضية ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: عاقبهم الله بذنوبهم، وسمى المعاقبة مؤاخذة، لأنها أخذ بالذنب، فالأخذ بالذنب عقوبة ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ لمن يعاقبه.
6. مسائل نحوية:
أ. الكاف: في قوله ﴿كَدَأْبِ﴾: متعلق بمحذوف وتقديره عادتهم كعادة آل فرعون، فيكون الكاف في موضع رفع بأنها خبر مبتدأ، ولا يجوز أن يعمل فيها ﴿كَفَرُوا﴾ لأن صلة ﴿الَّذِينَ﴾ قد انقطعت بالخبر، ولكن جاز أن يكون في موضع نصب بوقود النار لأن فيه معنى الفعل على تقدير تتقد النار بأجسامهم، كما تتقد بأجسام آل فرعون.
ب. ﴿كَذَّبُوا﴾: جملة في موضع الحال، والعامل فيه المعنى في (دأب آل فرعون)، وقد: مقدرة معه.
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/705.
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ أي: لن تدفع، لأن المال يدفع عن صاحبه في الدنيا، وكذلك الأولاد، فأما في الآخرة، فلا ينفع الكافر ماله، ولا ولده، ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي: من عذابه.
2. في الدّأب في قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ قولان:
أ. أحدهما: أنه العادة، فمعناه: كعادة آل فرعون، يريد: كفر اليهود، ككفر من قبلهم، قاله ابن قتيبة، وقال ابن الأنباريّ: و(الكاف) في (كدأب) متعلقة بفعل مضمر، كأنه قال كفرت اليهود ككفر آل فرعون.
ب. الثاني: أنه الاجتهاد، فمعناه: أن دأب هؤلاء وهو اجتهادهم في كفرهم، وتظاهرهم على النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم كتظاهر آل فرعون على موسى عليه السلام، قاله الزّجّاج.
__________
(1) زاد المسير: 1/262.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
لما حكى الله تعالى عن المؤمنين دعاءهم وتضرعهم، حكى كيفية حال الكافرين وشديد عقابهم، فهذا هو وجه النظم في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾
1. في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ قولان:
أ. الأول: المراد بهم وفد نجران، وذلك لأنا روينا في بعض قصتهم أن أبا حارثة بن علقمة قال لأخيه: إني لأعلم أنه رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم حقاً ولكنني إن أظهرت ذلك أخذ ملوك الروم مني ما أعطوني من المال والجاه، فالله تعالى بيّن أن أموالهم وأولادهم لا تدفع عنهم عذاب الله في الدنيا والآخرة.
ب. الثاني: أن اللفظ عام، وخصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ.
2. كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به، ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة:
أ. أما الأول: فهو المراد بقوله تعالى: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ وذلك لأن المرء عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى المال والولد، فهما أقرب الأمور التي يفزع المرء إليها في دفع الخطوب فبيّن الله تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا لأن أقرب الطرق إلى دفع المضار إذا لم يتأت في ذلك اليوم، فما عداه بالتعذر أولى، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88، 89]، وقوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَابًا﴾ [الكهف: 46]، وقوله تعالى: ﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾ [مريم: 80]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ [الأنعام: 94]
ب. الثاني: من أسباب كمال العذاب، فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة، وإليه الإشارة بقوله تعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ وهذا هو النهاية في شرح العذاب فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس، والوقود بفتح الواو الحطب الذي توقد به النار، وبالضم هو مصدر وقدت النار وقوداً كقوله: وردت وروداً.
3. في قوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ قولان:
أ. أحدهما: التقدير: لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله فحذف المضاف لدلالة الكلام عليه.
ب. الثاني: قال أبو عبيدة (من) بمعنى عند، والمعنى لن تغني عند الله شيئاً.
4. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ يقال: دأبت الشيء أدأب دأبا ودؤبا إذا أجهدت في الشيء وتعبت فيه، قال الله تعالى: ﴿سَبْعَ سِنِينَ دَأَبًا﴾ [يوسف: 47] أي بجد واجتهاد ودوام، ويقال: سار فلان يوماً دائباً، إذا أجهد في السير يومه كله، هذا معناه في اللغة، ثم صار الدأب عبارة عن الشأن والأمر والعادة، يقال: هذا دأب فلان أي عادته، وقال بعضهم: الدؤب والدأب الدوام.
5. في كيفية التشبيه وجوه في قوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾:
أ. الأول: أن يفسر الدأب بالاجتهاد، كما هو معناه في أصل اللغة، وهذا قول الأصم والزجاج، ووجه التشبيه أن دأب الكفار، أي جدهم واجتهادهم في تكذيبهم بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم وكفرهم بدينه كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام، ثم إنا أهلكنا أولئك بذنوبهم، فكذا نهلك هؤلاء.
ب. الثاني: أن يفسر الدأب بالشأن والصنع، وفيه وجوه:
• الأول: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي شأن هؤلاء وصنعهم في تكذيب محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، كشأن آل فرعون في التكذيب بموسى، ولا فرق بين هذا الوجه وبين ما قبله إلا أنا حملنا اللفظ في الوجه الأول على الاجتهاد، وفي هذا الوجه على الصنع والعادة.
• الثاني: أن تقدير الآية: أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً، ويجعلهم الله وقود النار كعادته وصنعه في آل فرعون، فإنهم لما كذبوا رسولهم أخذهم بذنوبهم، والمصدر تارة يضاف إلى الفاعل، وتارة إلى المفعول، والمراد هاهنا، كدأب الله في آل فرعون، فإنهم لما كذبوا برسولهم أخذهم بذنوبهم، ونظيره قوله تعالى: ﴿يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ﴾ [البقرة: 165] أي كحبهم الله وقال: ﴿سُنَّةَ مَنْ قَدْ أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ مِنْ رُسُلِنَا﴾ [الإسراء: 77] والمعنى: سنتي فيمن أرسلنا قبلك.
• الثالث: قال القفال: يحتمل أن تكون الآية جامعة للعادة المضافة إلى الله تعالى، والعادة المضافة إلى الكفار، كأنه قيل: إن عادة هؤلاء الكفار ومذهبهم في إيذاء محمد صلّى الله عليه وآله وسلم كعادة من قبلهم في إيذاء رسلهم، وعادتنا أيضاً في إهلاك هؤلاء، كعادتنا في إهلاك أولئك الكفار المتقدمين، والمقصود على جميع التقديرات نصر النبي صلّى الله عليه وآله وسلم على إيذاء الكفرة وبشارته بأن الله سينتقم منهم.
ج. الثالث: أن الدأب هو هو اللبث والدوام وطول البقاء في الشيء، وتقدير الآية، وأولئك هم وقود النار كدأب آل فرعون، أي دؤبهم في النار كدؤب آل فرعون.
د. الرابع: أن الدأب هو الاجتهاد، كما ذكرناه، ومن لوازم ذلك التعب والمشقة ليكون المعنى ومشقتهم وتعبهم من العذاب كمشقة آل فرعون بالعذاب وتعبهم به، فإنه تعالى بيّن أن عذابهم حصل في غاية القرب، وهو قوله تعالى: ﴿أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا نَارًا﴾ [نوح: 25] وفي غاية الشدة أيضاً وهو قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46]
هـ. الخامس: أن المشبه هو أن أموالهم وأولادهم لا تنفعهم في إزالة العذاب، فكان التشبيه بآل فرعون حاصلًا في هذين الوجهين، والمعنى: أنكم قد عرفتم ما حل بآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين بالرسل من العذاب المعجل الذي عنده لم ينفعهم مال ولا ولد، بل صاروا مضطرين إلى ما نزل بهم فكذلك حالكم أيها الكفار المكذبون بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم في أنه ينزل بكم مثل ما نزل بالقوم تقدم أو تأخر ولا تغني عنكم الأموال والأولاد.
و. السادس: يحتمل أن يكون وجه التشبيه أنه كما نزل بمن تقدم العذاب المعجل بالاستئصال فكذلك ينزل بكم أيها الكفار بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم وذلك من القتل والسبي وسلب الأموال ويكون قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ [آل عمران: 12] كالدلالة على ذلك فكأنه تعالى بيّن أنه كما نزل بالقوم العذاب المعجل، ثم يصيرون إلى دوام العذاب، فسينزل بمن كذب بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم أمران: أحدهما: المحن المعجلة وهي القتل والسبي والإذلال، ثم يكون بعده المصير إلى العذاب الأليم الدائم، وهذان الوجهان الأخيران ذكرهما القاضي.
6. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ من مكذبي الرسل، ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ المراد بالآيات المعجزات ومتى كذبوا بها فقد كذبوا لا محالة بالأنبياء، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ وإنما استعمل فيه الأخذ لأن من ينزل به العقاب يصير كالمأخوذ المأسور الذي لا يقدر على التخلص، ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وهو ظاهر.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/153.
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ معناه بين، أي لن تدفع عنهم أموالهم ولا أولادهم من عذاب الله شيئا، وقرأ السلمي (لن يغني) بالياء لتقدم الفعل ودخول الحائل بين الاسم والفعل، وقرأ الحسن ﴿يُغْنِي﴾ بالياء وسكون الياء الآخرة للتخفيف، كقول الشاعر:
çكفى باليأس من أسماء كافي.. وليس لسقمها إذ طال شافيé
وكان حقه أن يقول كافيا، فأرسل الياء، وأنشد الفراء في مثله:
çكان أيديهن بالقاع الفرق.. أيدي جوار يتعاطين الورقé
2. ﴿مِنَ﴾ في قوله ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ بمعنى عند، قاله أبو عبيدة، ﴿أولئك هم وقود النار﴾ والوقود اسم للحطب، وقد تقدم في البقرة، وقرأ الحسن ومجاهد وطلحة بن مصرف ﴿وَقُودُ﴾ بضم الواو على حذف مضاف تقديره حطب وقود النار، ويجوز في العربية إذا ضم الواو أن تقول أقود مثل أقتت، والوقود بضم الواو المصدر، وقدت النار تقد إذا اشتعلت، وخرج ابن المبارك من حديث العباس بن عبد المطلب قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (يظهر هذا الدين حتى يجاوز البحار وحتى تخاض البحار بالخيل في سبيل الله تعالى، ثم يأتي أقوام يقرؤون القرآن فإذا قرؤوه قالوا من أقرأ منا من أعلم منا؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: هل ترون في أولئكم من خير؟) قالوا لا، قال: (أولئك منكم وأولئك من هذه الأمة وأولئك هم وقود النار)
3. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الدأب العادة والشأن، ودأب الرجل في عمله يدأب دأبا ودءوبا إذا جد واجتهد، وأدأبته أنا، وأدأب بعيره إذا جهده في السير، والدائبان الليل والنهار، قال أبو حاتم: وسمعت يعقوب يذكر ﴿كَدَأْبِ﴾ بفتح الهمزة، وقال لي وأنا غليم: على أي شي يجوز ﴿كَدَأْبِ﴾؟ فقلت له: أظنه من دئب يدأب دأبا، فقبل ذلك مني وتعجب من جودة تقديري على صغري، ولا أدري أيقال أم لا، قال النحاس: وهذا القول خطأ، لا يقال: البتة دئب، وإنما يقال: دأب يدأب دءوبا ودأبا، هكذا حكى النحويون، منهم الفراء حكاه في كتاب المصادر، كما قال امرؤ القيس:
çكدأبك من أم الحويرث قبلها.. وجارتها أم الرباب بمأسلé
فأما الدأب فإنه يجوز، كما يقال: شعر وشعر ونهر ونهر، لأن فيه حرفا من حروف الحلق.
4. اختلفوا في الكاف، فقيل: هي في موضع رفع تقديره دأبهم كدأب آل فرعون، أي صنيع الكفار معك كصنيع آل فرعون مع موسى، وزعم الفراء أن المعنى: كفرت العرب ككفر آل فرعون، قال النحاس: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصلة، وقيل: هي متعلقة بـ ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾، أي أخذهم أخذا كما أخذا آل فرعون، وقيل: هي متعلقة بقوله ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ أي لم تغن عنهم كما لم تغن الأموال والأولاد عن آل فرعون، وهذا جواب لمن تخلف عن الجهاد وقال: شغلتنا أموالنا وأهلونا، ويصح أن يعمل فيه فعل مقدر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الاحتراق، ويؤيد هذا المعنى ﴿وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، والقول الأول أرجح، واختاره غير واحد من العلماء، قال ابن عرفة: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ أي كعادة آل فرعون، يقول: اعتاد هؤلاء الكفرة الإلحاد والإعنات للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم كما اعتاد آل فرعون من إعنات الأنبياء، وقال معناه الأزهري، فأما قوله في سورة الأنفال ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ فالمعنى جوزي هؤلاء بالقتل والأسر كما جوزي آل فرعون بالغرق والهلاك.
5. ﴿بِآيَاتِنَا﴾ يحتمل أن يريد الآيات المتلوة، ويحتمل أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية، ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/22.
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. المراد بالذين كفروا: جنس الكفرة، وقيل: وفد نجران، وقيل: قريظة؛ وقيل: النضير؛ وقيل: مشركو العرب، وقرأ السلمي: لن يغني بالتحتية، وقرأ الحسن: بسكون الياء الآخرة تخفيفا.
2. ﴿مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ أي: من عذابه شيئا من الإغناء؛ وقيل: إن كلمة: من، بمعنى عند، أي: لا تغني عند الله شيئا، قاله أبو عبيد؛ وقيل: هي بمعنى بدل، والمعنى: بدل رحمة الله، وهو بعيد.
3. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ الوقود: اسم للحطب وقد تقدم الكلام عليه في سورة البقرة، أي: هم حطب جهنم الذي تسعر به، وهم: مبتدأ، ووقود: خبره، والجملة: خبر أولئك، أو هم: ضمير فصل، وعلى التقديرين: فالجملة مستأنفة، مقرّرة لقوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ الآية، وقرأ الحسن، ومجاهد، وطلحة بن مصرف وقود بضم الواو وهو مصدر، وكذلك الوقود بفتح الواو في قراءة الجمهور يحتمل أن يكون اسما للحطب كما تقدم، فلا يحتاج إلى تقدير، ويحتمل أن يكون مصدرا، لأنه من المصادر التي تأتي على وزن الفعول فتحتاج إلى تقدير: أي هم أهل وقود النار.
4. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ الدأب: الاجتهاد، يقال: دأب الرجل في عمله، يدأب، دأبا، ودؤوبا: إذا جدّ واجتهد، والدائبان: الليل والنهار، والدأب: العادة والشأن، ومنه قول امرئ القيس:
çكدأبك من أمّ الحويرث قبلها...وجارتها أمّ الرّباب بمأسلé
والمراد هنا: كعادة آل فرعون وشأنهم وحالهم.
5. اختلفوا في الكاف، فقيل: هي في موضع رفع، تقديره: دأبهم كدأب آل فرعون مع موسى، وقال الفراء: إن المعنى: كفرت العرب ككفر آل فرعون، قال النحاس: لا يجوز أن تكون الكاف متعلقة بكفروا، لأن كفروا داخلة في الصلة؛ وقيل: هي متعلقة بأخذهم الله، أي: أخذهم أخذة كما أخذ آل فرعون؛ وقيل: هي متعلقة بلن تغني، أي: لم تغن عنهم غناء، كما لم تغن عن آل فرعون، وقيل: إن العامل فعل مقدر من لفظ الوقود، ويكون التشبيه في نفس الإحراق، قالوا: ويؤيده قوله تعالى: ﴿النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا﴾، ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾، والقول الأوّل: هو الذي قاله جمهور المحققين، ومنهم الأزهري.
6. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي: من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة، أي: وكدأب الذين من قبلهم، ق﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ يحتمل: أن يريد الآيات المتلوّة، ويحتمل: أن يريد الآيات المنصوبة للدلالة على الوحدانية، ويصح إرادة الجميع، والجملة: بيان تفسير لدأبهم، ويجوز أن تكون في محل نصب على الحال من آل فرعون والذين من قبلهم، على إضمار قد، أي: دأب هؤلاء كدأب أولئك قد كذبوا إلخ، وقوله: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي: بسائر ذنوبهم التي من جملتها تكذيبهم.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/369.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ التي يبذلونها في جلب المنافع ودفع المضار ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ الذي بهم يتناصرون في الأمور المهمة ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي من عذابه تعالى ﴿شَيْئًا﴾ من الإغناء، أي لن تدفع عنهم شيئا من عذابه، يقال: ما أغنى فلان شيئا، أي لم ينفع في مهم، ولم يكف مؤنة، ورجل مغن أي مجزئ كاف ـ قاله الأزهريّ، ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾ [الشعراء: 88 ـ 89]
2. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ بفتح الواو أي حطبها، وقرئ بالضم بمعنى أهل وقودها، وأكثر اللغويين على أن الضم للمصدر أي التوقد، والفتح للحطب، وقال الزجّاج: المصدر مضموم، ويجوز فيه الفتح، وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ﴾ [الأنبياء: 98]
3. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ خبر مبتدأ محذوف، أي دأب هؤلاء في الكفر كدأب آل فرعون، والدأب (بالسكون، ويحرّك) مصدر دأب في العمل إذا كدح فيه، فوضع موضع ما عليه الإنسان من شأنه وحاله، مجازا، يقال: هذا دأبك أي شأنك وعملك، قال الأزهريّ: عن الزجّاج في هذه الآية: أي كأمر آل فرعون، كذا قال أهل اللغة، قال الأزهري: والقول عندي فيه أن دأبهم هنا اجتهادهم في كفرهم وتظاهرهم على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، كتظاهر آل فرعون على موسى صلّى الله عليه وآله وسلم؛ يقال: دأبت أدأب دأبا ودؤوبا إذا اجتهدت في الشيء ـ انتهى ـ قال أبو البقاء: وفي ذلك تخويف لهم لعلمهم بما حل بآل فرعون.
4. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي من قبل آل فرعون من الأمم الكافرة، فالموصول في محل جر عطف على ما قبله ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ بيان وتفسير لدأبهم الذي فعلوا على طريقة الاستئناف المبنيّ على السؤال المقدر ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي عاقبهم وأهلكهم بسببها، ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي الأخذ بالذنب، فيه تهويل للمؤاخذة وزيادة تخويف للكفرة.
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/289.
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ كوفد نجران ويهود قريظة والنضير ومشركي العرب وغيرهم، ﴿لَن تُغْنِيَ﴾ لن تدفع، ﴿عَنْهُمُ أمْوَالُهُمْ﴾ وقد أعدُّوها لدفع النوائب وجرِّ المصالح.
2. ﴿وَلَآ أَوْلَادُهُم﴾ وهم يتفاخرون بها ويتناصرون في الأمور المهمَّة، وقدَّم الأموال لأنَّها أوَّل ما يفزع إليه عند الخطوب، ويقوَّت بها الأولاد، ﴿مِنَ اللهِ﴾ من عذاب الله ﴿شَيْئًا﴾ مفعول (تُغْنِي)، بمعنى تدفع، وإن قلنا (تُغْنِي) بمعنى تنفع فـ (شيئًا) بمعنى نفعا، مفعول مطلق؛ أو المعنى: لم تكن بدلا من طاعة الله ورحمته، كقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : (لا ينفع ذا الجدِّ منك الجدُّ)، أي: لم تغنهم عن الطاعة والرحمة، بل يتحسَّرون باشتغالهم عن الطاعة والرحمة بها، وهذا مِمَّا يتصدَّى لنفيه فَنُفِيَ بالآية، و(مِنْ) بدليَّة، كأنَّه قيل: بدل عذاب الله، أو تبعيضيَّة، أي: بعض عذاب الله تعالى ، كما رأيت.
3. ﴿وَأُوْلَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ نار الآخرة، كالحطب الذي توقد به نار الدنيا، والحصر حقيقيٌّ إن أريد عموم الكفرة، وادِّعائيٌّ إن أريد وفد نجران أو مشركو العرب، أو قريظة والنضير، أو الفرق الأربع، لكن قوله: ﴿كَدَأْبِ ءَالِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ﴾ يقتضي عموم كفرة هذه الأمَّة، فالقصر ادِّعائيٌّ، أو قصر إضافيٌّ باعتبار قول اليهود: نكون فيها ثمَّ يخلفنا المؤمنون فيها، فقال الله جلَّ وعلا: أنتم وقودها دون المؤمنين، والمعنى: دأب هؤلاء الكفرة، أي: عادتهم كدأب آل فرعون والذين من قبلهم في التكذيب؛ والهاء لآل فرعون، وذلك خبر لمحذوف كما رأيت، أو لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئًا كعادة آل فرعون ومن قبلهم، في أن لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم، أو أولئك وقود النار كعادة آل فرعون ومَن قبلهم في أنَّهم وقودها، والعادة ولو نسبت إليهم لكنَّ الله خلقها لهم، حتَّى كأنَّهم اعتادوها في الوقود وعدم الإغناء، وأمَّا في التكذيب فظاهر، أو الدأب بمعنى الشأن، وأصله: إتعاب النفس في العمل، وقيل: الهاء للذين كفروا والمراد بـ (الَّذِينَ) هم معاصروه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، أو (الَّذِينَ) مبتدأ، أي: إنَّ الذين كفروا قبلهم، وعليه فخبره قوله: ﴿كَذَّبُواْ بِئَايَاتِنَا﴾ أي: النازلة في الكتب والمعجزات والآيات العقليَّة، وعلى غيره تكون الجملة تفسيرا لدأبهم مستأنفة أو حالا.
4. ﴿فَأَخَذهُمُ اللهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ وهي التكذيب وما يترتَّب عليه من الصغائر والكبائر، أو ذنوبهم ما سوى التكذيب، فالتكذيب من باب أولى، وصحَّت سببيَّة الفاء مع هذا الوجه؛ لأنَّ ذنوبهم ناشئة عن التكذيب، ﴿وَاللهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ فأَخْذُ الله إيَّاهم شديد، فاحذروا يا كفرة الأمَّة.
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/207.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
يقال إن هذه الآية ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ وما قبلها في تقرير التوحيد سواء كان ردا على نصارى نجران أو كان كلاما مستقلا؛ فإن التوحيد(2) لما كان أهم ركن للإسلام كان مما تعرف البلاغة أن يبدأ بتقرير الحق في نفسه، ثم يؤتى ببيان حال أهل المناكرة والجحود ومناشئ اغترارهم بالباطل، وأسباب استغنائهم عن ذلك الحق أو اشتغالهم عنه، وأهمها الأموال والأولاد فهي تنبئهم هنا بأنها لا تغني عنهم في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه؛ إذ يجمع الله فيه الناس ويحاسبهم بما عملوا، بل ولا في أيام الدنيا، لأن أهل الحق لا بد أن يغلبوهم على أمرهم، وما أحوج الكافرين إلى هذا التذكير، إن الجحود إنما يقع من الناس للغرور بأنفسهم وتوهمهم الاستغناء عن الحق؛ فإن صاحب القوة والجاه إذا وعظ بالدين عند هضم حق من الحقوق لا يؤثر فيه الوعظ، ولكنه إذا رأى أن الحق له واحتاج إلى الاحتجاج عليه بالدين، فإنه ينقلب واعظا بعد أن كان جاحدا، فهم لظلمة بصيرتهم وغرورهم بما أوتوا من مال وولد وجاه يتبعون الهوى في الدين في كل حال.
1. فُسر ﴿تُغْنِيَ﴾ بـ (تدفع)، وهو خلاف ما عليه جمهور المفسرين، وإنما ﴿تُغْنِيَ﴾ هنا كـ (يغني) في قوله عز وجل: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ ولا أراك تقول: إن معناها لن يدفع من الحق شيئا وإنما معنى ﴿مِن﴾ هنا البدلية، أي أن أموالهم وأولادهم لن تكون بدلا لهم من الله تعالى تغنيهم عنه؛ فإنهم إذا تمادوا على باطلهم يغلبون على أمرهم في الدنيا ويعذبون في الآخرة ـ كما سيأتي في الآية التي تلي ما بعد هذه ـ بل توعدهم في هذه أيضا بقوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ الوقود ـ بالفتح ـ كصبور: ما توقد به النار من حطب ونحوه، أي إنهم سبب وجود نار الآخرة، كما أن الوقود سبب وجود النار في الدنيا، أو أنهم مما توقد به، ولا نبحث عن كيفية ذلك؛ فإنه من أمور الغيب التي تؤخذ بالتسليم.
2. ثم ذكر تعالى مثلا لهؤلاء الكافرين الذين استغنوا بما أوتوا في الدنيا عن الحق فعارضوه وناهضوه حتى ظفر بهم فقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ بأن أهلكهم ونصر موسى على آل فرعون ومن قبله من الرسل على أممهم المكذبين؛ ذلك بأنهم كانوا بكفرهم يفسدون في الأرض ولا يصلحون، فما أخذوا إلا بذنوبهم، وما نصر الرسل ومن آمن معهم إلا بصلاحهم؛ فالله تعالى لا يحابي ولا يظلم ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ على مستحقه؛ إذ مضت سنته بأن يكون العقاب أثرا طبيعيا للذنوب والسيئات وأشدها الكفر وما تفرع عنه، فليعتبر المخذولون إن كانوا يعقلون.
__________
(1) تفسير المنار: 3/232.
(2) الكلام في هذه المسألة وما بعدها لمحمد عبده
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بعد أن بين سبحانه الدين الحق وقرر التوحيد، وذكر الكتب الناطقة به، وألمع إلى شأن القرآن الكريم وإيمان العلماء الراسخين به ـ شرع يذكر حال أهل الكفر والجحود، ويبين أسباب اغترارهم بالباطل واستغنائهم عن الحق أو اشتغالهم عنه، ومن أهم ذلك الأموال والأولاد، وأرشد إلى أنها لا تغنى عنهم شيئا في ذلك اليوم الذي يجمع الله فيه الناس ليحاسبهم على ما عملوا، والكافرون في أشد الحاجة إلى مثل هذه العظة، لأن الجحود إنما يقع لغرور الناس بأنفسهم وأموالهم، فيتوهمون الاستغناء عن الحق، ويتبعون الهوى.
2. ضرب الله مثلا لهؤلاء الكافرين الذين استغنوا بما أوتوا في الدنيا عن الحق، فعارضوه وناصبوا أهله العداء حتى ظفروا بهم مثل آل فرعون ومن قبله ممن كذبوا الرسل؛ فقد أهلكهم الله ونصر موسى على آل فرعون، ونصر الرسل ومن آمن معهم على أممهم لصلاحهم وإصلاحهم، فالله لا يحابى ولا يظلم وهو شديد العقاب.
3. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ أي إن الذين جحدوا ما قد عرفوه من نبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم سواء كانوا من بنى إسرائيل أم من كفار العرب لن تنجيهم أموالهم التي يبذلونها في جلب المنافع ودفع المضار، ولا أولادهم الذين يتناصرون بهم في مهامّ أمورهم ويعوّلون عليهم في الخطوب النازلة من عذاب الله شيئا، وقد كانوا يقولون نحن أكثر أموالا وأولادا وما نحن بمعذبين، فردّ الله عليهم بقوله: ﴿وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا﴾ وسيكونون يوم القيامة حطبا لجهنم التي تسعر بهم.
4. ثم ضرب لهم مثلا لينبههم إلى ما حلّ بمن قبلهم من الأمم التي كانت أقوى منهم جندا وأكثر عددا لعلهم يتعظون فقال: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ أي إن صنيع هؤلاء في تكذيبهم بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم وكفرهم بشريعته، كدأب آل فرعون مع موسى عليه السلام، ودأب من قبلهم من الأمم، كذبوا بآياتنا فأخذهم الله بذنوبهم، فأهلكهم ونصر الرسل ومن آمن معهم، ولم يجدوا من بأس الله محيصا ولا مهربا، إذ عقابه أثر طبيعي لاجتراح الذنوب وارتكاب الموبقات.
__________
(1) تفسير المراغي: 3/104.
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بعد هذا البيان يتجه إلى تقرير مصير الذين كفروا، وسنة الله التي لا تتخلف في أخذهم بذنوبهم، وإلى تهديد الذين يكفرون من أهل الكتاب، ويقفون لهذا الدين، ويلقن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم أن ينذرهم، ويذكرهم ما رأوه بأعينهم في غزوة بدر من نصر القلة المؤمنة على حشود الكافرين.
2. هذه الآيات واردة في صدد خطاب بني إسرائيل، وتهديدهم بمصير الكفار قبلهم وبعدهم، وفيها لفتة لطيفة عميقة وتوكيد العلم المطلق الذي لا يخفى عليه شيء، وإثبات هذه الصفة لله ـ سبحانه ـ في هذا المقام.. هذا التوكيد يتفق أولا مع وحدانية الألوهية والقوامة التي افتتح بها السياق، كما يتفق مع التهديد الرعيب في الآية السابقة.. فلن يفلت (شيء) من علم الله ﴿فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ﴾ بهذا الشمول والإطلاق، ولن يمكن إذن ستر النوايا عليه، ولا إخفاء الكيد عنه، ولن يمكن كذلك التفلت من الجزاء الدقيق، ولا التهرب من العلم اللطيف العميق.
3. كما أن هذا الدرس يحمل تهديدا، لا خفاء في أنه يتضمن تعريضا باليهود، وذلك في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾.. فحين يذكر قتل الأنبياء يتجه الذهن مباشرة إلى اليهود! وكذلك النهي الوارد في قوله تعالى: ﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ الآية، فالغالب أن المقصود به هم اليهود، وإن كان من الجائز أن يشمل المشركين أيضا، فحتى هذا التاريخ كان بعض المسلمين لا يزالون يوالون أقاربهم من المشركين كما يوالون اليهود، فنهوا عن ذلك كله، وحذروا هذا التحذير العنيف.
4. سواء كان الأولياء من اليهود أو من المشركين، فكلهم سماهم ﴿الْكَافِرِينَ﴾، وظاهر أن قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ الآية، تتضمن الإشارة إلى أحداث غزوة بدر، وأن الخطاب فيها موجه إلى اليهود، وقد وردت في هذا رواية عن ابن عباس.. كذلك يبدو من التلقين الموجه للرسول صلّى الله عليه وآله وسلم في آية: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾.. أنه وإن كان هذا التلقين في صدد مناقشة حاضرة، إلا أنه تلقين عام شامل، ليواجه به النبي صلّى الله عليه وآله وسلم كل المخالفين له في العقيدة.. وظاهر من قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم حتى ذلك الحين لم يكن مأمورا بقتال أهل الكتاب، ولا بأخذ الجزية منهم، مما يرجح ما ذهبنا إليه من نزول هذه الآيات في وقت مبكر.
5. وهكذا نرى من طبيعة النصوص أنها مواجهة عامة غير مقيدة بمناسبة واحدة، هي مناسبة وفد نجران، وقد تكون هذه إحدى المناسبات التي نزلت هذه النصوص لمواجهتها، وهي المناسبات الكثيرة المكررة في الصراع بين الإسلام وخصومه المتعددين في الجزيرة.. وبخاصة اليهود في المدينة.
6. بعد هذا البيان يتجه إلى تقرير مصير الذين كفروا، وسنة الله التي لا تتخلف في أخذهم بذنوبهم، وإلى تهديد الذين يكفرون من أهل الكتاب، ويقفون لهذا الدين، ويلقن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم أن ينذرهم، ويذكرهم ما رأوه بأعينهم في غزوة بدر من نصر القلة المؤمنة على حشود الكافرين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾.. إن هذه الآيات واردة في صدد خطاب بني إسرائيل، وتهديدهم بمصير الكفار قبلهم وبعدهم، وفيها لفتة لطيفة عميقة الدلالة كذلك.. فهو يذكرهم فيها بمصير آل فرعون.. وكان الله سبحانه قد أهلك آل فرعون وأنجى بني إسرائيل، ولكن هذا لا يمنحهم حقا خاصا إذا هم ضلوا وكفروا، ولا يعصمهم أن يوصموا بالكفر إذا هم انحرفوا، وأن ينالوا جزاء الكافرين في الدنيا والآخرة كما نال آل فرعون الذين أنجاهم الله منهم! كذلك يذكرهم مصارع قريش في بدر ـ وهم كفار ـ ليقول لهم: إن سنة الله لا تتخلف، وإنه لا يعصمهم عاصم من أن يحق عليهم ما حق على قريش، فالعلة هي الكفر، وليس لأحد على الله دالة، ولا له شفاعة إلا بالإيمان الصحيح!
7. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ والأموال والأولاد مظنة حماية ووقاية؛ ولكنهما لا يغنيان شيئا في ذلك اليوم الذي لا ريب فيه، لأنه لا إخلاف لميعاد الله، وهم فيه: ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾.. بهذا التعبير الذي يسلبهم كل خصائص (الإنسان) ومميزاته، ويصورهم في صورة الحطب والخشب وسائر ﴿وَقُودُ النَّارِ﴾
8. لا بل إن الأموال والأولاد، ومعهما الجاه والسلطان، لا تغني شيئا في الدنيا: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وهو مثل مضى في التاريخ مكرورا، وقصة الله في هذا الكتاب تفصيلا: وهو يمثل سنة الله في المكذبين بآياته، يجريها حيث يشاء، فلا أمان إذن ولا ضمان لمكذب بآيات الله.
__________
(1) في ظلال القرآن: 1/364.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. هذا عرض لبعض ما يقع في يوم البعث، وما يلقى فيه الذين كفروا بالله وباليوم الآخر من نكال وبلاء، حيث يدعّون إلى نار جهنّم دعّا، فلا يغنى عنهم في ردّ هذا البلاء ما كان لهم من مال وبنين، ومن أهل وصديق، فلقد أفردوا من كل شيء، وصفرت أيديهم من كل شيء، ومنادى الحق يناديهم ﴿لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّنْ نَجْعَلَ لَكُمْ مَوْعِدًا﴾.. وفي هذا ما يفتح أنظار الغافلين عن هذا اليوم، إلى ما فيه من أهوال ونكال، لأهل الزيغ والضلال، فيحذرون هذا المصير المشئوم.
2. ضرب الله سبحانه وتعالى للكافرين مثلا بآل فرعون ـ وهم جماعة الفراعين ـ الذين استكثروا من الدنيا، وبلغوا من السلطان والقوة ما بلغوا، حيث استطالوا بما في أيديهم من سلطان وقوة، وقال قائلهم للناس ما حكاه القرآن عنه: ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى﴾، هكذا يغرى السلطان ويغوى، إلّا من عصم الله، وقد كان فرعون مثلا بارزا للكفران بنعمة الله، والاغترار بما مكّن الله له في الأرض، فقال تعالى: ﴿وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصادِ﴾
3. ﴿وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ أي الذين سبقوا هؤلاء الفراعين في الضلال والعتوّ، إذ ليس هؤلاء الفراعين هم أول من حادّ الله وكفر به، فالكفر قديم في الناس، لا يسلم منه جيل من أجيالهم ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾
4. هؤلاء الكفرة جميعا ـ قريبهم وبعيدهم، سابقهم ولاحقهم ـ لن يفلتوا من قبضة الله، ولن ينجوا من عذابه.. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إذ انقطع عملهم من الدنيا، وصاروا إلى الله بما اقترفوا من أوزار، يحملونها على كواهلهم إلى يوم الجزاء، حيث ينزل بهم العذاب الأليم بما حملوا من كفر غليظ! وفي هذه المثل، وتلك النذر، عبرة لهؤلاء الكفار الذين أعنتوا رسول الله، واستطالوا بقوتهم على ضعاف المسلمين بمكة، وسلطوا عليهم ألوانا من العذاب والنّكال.. فلينظروا إلى ما نزل بمن كانوا أشدّ منهم قوة وأكثر بأسا، وأوسع سلطانا.. كيف أخذهم الله، فلم يغن عنهم ما كسبوا من الله شيئا.
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/409.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ استئناف كلام ناشئ عن حكاية ما دعا به المؤمنون: من دوام الهداية، وسؤال الرحمة، وانتظار الفوز يوم القيامة، بذكر حال الكافرين في ذلك اليوم، على عادة القرآن في إرداف البشارة بالنذارة، وتعقيب دعاء المؤمنين، بذكر حال المشركين، إيماء إلى أنّ دعوتهم استجيبت.
2. المراد بالذين كفروا: المشركون، وهذا وصف غالب عليهم في اصطلاح القرآن وقيل: الذين كفروا بنبوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم أريد هنا قريظة والنضير وأهل نجران؛ ويرجّح هذا بأنّهم ذكّروا بحال فرعون دون حال عاد وثمود فإنّ اليهود والنصارى أعلق بأخبار فرعون، كما أنّ العرب أعلق بأخبار عاد وثمود، وأنّ الردّ على النصارى من أهمّ أغراض هذه السورة، ويجوز أن يكون المراد جميع الكافرين: من المشركين، وأهل الكتابين، ويكون التذكير بفرعون لأنّ وعيد اليهود في هذه الآية أهم.
3. معنى ﴿تُغْنِيَ﴾ تجزي وتكفي وتدفع، وهو فعل قاصر يتعدّى إلى المفعول بعن نحو: ﴿ما أغني ماليه﴾، ولدلالة هذا الفعل على الإجزاء والدفع، كان مؤذنا بأنّ هنالك شيئا يدفع ضرّه، وتكفى كلفته، فلذلك قد يذكرون مع هذا الفعل متعلّقا ثانيا ويعدّون الفعل إليه بحرف (من) كما في هذه الآية، فتكون (من) للبدل والعوض على ما ذهب إليه في (الكشاف)، وجعل ابن عطية (من) للابتداء.
4. ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ أي من أمر يضاف إلى الله؛ لأنّ تعليق هذا الفعل، تعليقا ثانيا، باسم ذات لا يقصد منه إلّا أخصّ حال اشتهرت به، أو في الغرض المسوق له الكلام فيقدّر معنى اسم مضاف إلى اسم الجلالة، والتقدير هنا من رحمة الله، أو من طاعته، إذا كانت (من) للبدل وكذا قدّره في (الكشاف)، ونظيره بقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [النجم: 28]، وعلى جعل (من) للابتداء كما قال ابن عطية تقدّر من غضب الله، أو من عذابه، أي غناء مبتدئا من ذلك: على حدّ قولهم: نجّاه من كذا أي فصله منه، ولا يلزم أن تكون (من) مع هذا الفعل، إذا عدّي بعن، مماثلة لمن الواقعة بعد هذا الفعل الذي يعدّ بعن، لإمكان اختلاف معنى التعلّق باختلاف مساق الكلام، والغالب أن يأتوا بعد فعل أغنى بلفظ (شيء) مع ذكر المتعلّقين كما في الآية، وبدون ذكر متعلّقين، كما في قول أبي سفيان، يوم أسلم: (لقد علمت أن لو كان معه إله غيره لقد أغنى عنّي شيئا)
5. انتصب قوله: ﴿شَيْئًا﴾ على النيابة عن المفعول المطلق أي شيئا من الغناء، وتنكيره للتحقير أي غناء ضعيفا، بله الغناء المهم، ولا يجوز أن يكون مفعولا به لعدم استقامة معنى الفعل في التعدي، وقد ظهر بهذا كيفية تصرّف هذا الفعل التصرّف العجيب في كلامهم، وانفتح لك ما انغلق من عبارة الكشّاف، وما دونها، في معنى هذا التركيب، وقد مرّ الكلام على وقوع لفظ شيء عند قوله: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ﴾ [البقرة: 155]
6. إنّما خصّ الأموال والأولاد من بين أعلاق الذين كفروا؛ لأنّ الغناء يكون بالفداء بالمال، كدفع الديات والغرامات، ويكون بالنصر والقتال، وأولى من يدافع عن الرجل، من عشيرته، أبناؤه، وعن القبيلة أبناؤها، قال قيس بن الخطيم:
çثأرت عديّا والخطيم ولم أضع...ولاية أشياخ جعلت إزاءهاé
والأموال المكاسب التي تقتات وتدّخر ويتعاوض بها، وهي جمع مال، وغلب اسم المال في كلام جلّ العرب على الإبل قال زهير: (صحيحات مال طالعات بمخرم)، وغلب في كلام أهل الزرع والحرث على الجنّات والحوائط وفي الحديث (كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا وكان أحبّ أمواله إليه بئر حاء، ويطلق المال غالبا على الدراهم والدنانير كما في قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم للعباس: (أين المال الذي عند أم الفضل)
7. الظاهر أنّ هذا وعيد بعذاب الدنيا؛ لأنّه شبّه بأنّه ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ ـ إلى قوله ـ ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ وشأن المشبّه به أن يكون معلوما؛ ولأنّه عطف عليه عذاب الآخرة في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾
8. جيء بالإشارة في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ لاستحضارهم كأنّهم بحيث يشار إليهم، وللتنبيه على أنّهم أحرياء بما سيأتي من الخبر وهو قوله: ﴿هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، وعطفت هذه الجملة، ولم تفصل، لأنّ المراد من التي قبلها لا وعيد في الدنيا وهذه في وعيد الآخرة بقرينة قوله، في الآية التي بعد هذه: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ [آل عمران: 12]، والوقود بفتح الواو ما يوقد به كالوضوء، وقد تقدّم نظيره في قوله: ﴿الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾ في سورة البقرة.
9. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾ موقع كاف التشبيه موقع خبر لمبتدإ محذوف يدل عليه المشبّه به، والتقدير: دأبهم في ذلك كدأب آل فرعون، أي عادتهم وشأنهم كشأن آل فرعون، والدأب: أصله الكدح في العمل وتكريره، وكأنّ أصل فعله متعدّ، ولذلك جاء مصدره على فعل، ثم أطلق على العادة لأنّها تأتي من كثرة العمل، فصار حقيقة شائعة قال النابغة: (كدأبك في قوم أراك اصطنعتهم)، أي عادتك، ثم استعمل بمعنى الشّأن كقول امرئ القيس: (كدأبك من أم الحويرث قبلها)، وهو المراد هنا، في قوله: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾، والمعنى: شأنهم في ذلك كشأن آل فرعون؛ إذ ليس في ذلك عادة متكرّرة، وقد ضرب الله لهم هذا المثل عبرة وموعظة؛ لأنّهم إذا استقروا الأمم التي أصابها العذاب، وجدوا جميعهم قد تماثلوا في الكفر: بالله، وبرسله، وبآياته، وكفى بهذا الاستقراء موعظة لأمثال مشركي العرب، وقد تعيّن أن يكون المشبّه به هو وعيد الاستئصال والعذاب في الدنيا؛ إذ الأصل أنّ حال المشبّه، أظهر من حال المشبّه به عند السامع، وعليه فالأخذ في قوله: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ هو أخذ الانتقام في الدنيا كقوله: ﴿أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا﴾ [الأنعام: 44، 45]
10. أريد بآل فرعون فرعون وآله؛ لأنّ الآل يطلق على أشدّ الناس اختصاصا بالمضاف إليه، والاختصاص هنا اختصاص في المتابعة والتواطؤ على الكفر، كقوله: ﴿أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ﴾ [غافر: 46] فلذكر الآل هنا من الخصوصية ما ليس لذكر القوم؛ إذ قوم الرجل قد يخالفون، فلا يدل الحكم المتعلّق بهم على أنّه مساو لهم في الحكم، قال تعالى: ﴿أَلَا بُعْدًا لِعَادٍ قَوْمِ هُودٍ﴾ [هود: 60] في كثير من الآيات نظائرها، وقال: ﴿أَنِ ائْتِ الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ قَوْمَ فِرْعَوْنَ﴾ [الشعراء: 10، 11]
11. ﴿كَذَّبُوا﴾ بيان لدأبهم، استئناف بياني، وتخصيص آل فرعون بالذكر ـ من بين بقية الأمم ـ لأنّ هلكهم معلوم عند أهل الكتاب، بخلاف هلك عاد وثمود فهو عند العرب أشهر؛ ولأنّ تحدّي موسى إياهم كان بآيات عظيمة فما أغنتهم شيئا تجاه ضلالهم؛ ولأنّهم كانوا أقرب الأمم عهدا بزمان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم فهو كقول شعيب: ﴿وَمَا قَوْمُ لُوطٍ مِنْكُمْ بِبَعِيدٍ﴾ [هود: 89] وكقول الله تعالى للمشركين: ﴿وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُقِيمٍ﴾ [الحجر: 76] وقوله: ﴿وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ﴾ [الحجر: 79] وقوله: ﴿وَإِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَبِاللَّيْلِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ [الصافات: 137، 138]
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/32.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ كان السبب في كفر من كفر، وزيغ من يزيغ، هو اغترارهم في هذه الحياة الدنيا بكثرة المال، وعزة النفر، وقوة العصبية، مما جعلهم يبغون على الناس، ويبغون على أنفسهم، فتطمس مسالك النور إلى قلوبهم؛ وإنه لا شيء يدلّى بالنفس فتعمى عن الإدراك أكثر من الغرور؛ ولذلك ذكر سبحانه وتعالى أن هذه الأموال وأولئك الأولاد وإن كانوا العصبة أولى القوة لن تغنى عنهم شيئا، وقد أكد القول سبحانه في موضعين في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وبهذا يؤكد سبحانه وقوع الكفر منهم، ويؤكد النفي سبحانه في قوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ إذ نفى بـ (لن)؛ فالخبران مؤكدان: الإثبات والنفي فكفرهم وعدم نفع أعراض الدنيا مؤكدان، وكأن مجرى القول هكذا: غرتهم أماني الدنيا بالأموال والأولاد فكفروا كفرا مؤكدا مع أنه من المؤكد أنها لن تنفعهم بأي نفع، ولن يكون فيها ما يغنى عن رحمة الله التي حرموها بسبب كفرهم المؤكد.
2. ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ﴾ قال بعض المفسرين: إن معناها لن تدفع عنهم من عذاب الله شيئا، فتغنى معناها تدفع، والدفع المنفى هو منع العذاب، ولكن كلمة تغنى لا تدل على معنى الدفع إلا على سبيل المجاز، الذي يرشح له ويقويه قوله تعالى: ﴿مِنَ اللَّهِ﴾ و(من) هنا بمعنى البدلية، والمعنى يكون على هذا: لا تكون الأموال والأولاد مغنية أي غناء ونافعة أي نفع بدل رحمة الله تعالى وقدرته وإرادته ونفعه لعباده؛ فالغاية أن الأولاد والأموال لا تجلب رحمة بدل رحمة الله تعالى ونفعه لعباده شيئا من الغناء أو النفع.
3. قوله في نفى نفع الأولاد بعد نفى نفع الأموال: ﴿وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ إشارة إلى أن قوة النفع بمقتضى الفطرة والعادات الجارية في الأولاد أكثر؛ ولذا أكد النفي فيه بعد تأكيده أولا بتكرار (لا) كأن نفى نفع الأموال أسهل قبولا من نفى نفع الأولاد، ولذا زاده توكيدا بعد توكيد؛ وإن أولئك الكافرين إذا كانوا قد حرموا نفع الأولاد والأموال، ولم يستبدلوا برحمة الله شيئا، فلهم مع ذلك عذاب شديد؛ ولذا قال سبحانه بعد ذلك: ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، والإشارة في قوله: ﴿وَأُولَئِكَ﴾ إلى أولئك الكافرين الذين غرهم غرور الأموال والأولاد فضلوا لفرط اعتزازهم بسلطان المال والعصبية، وفي الإشارة إليهم وهم موصوفون بالكفر المؤكد الذي لا سبيل إلى الشك فيه ولا الريب بيان أن السبب في العقاب الذي ينزله الله بهم هو هذا الكفر الذي دفع إليه الغرور والاعتزاز بغير الله وبغير الحق، والجملة السامية ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ دالة على عقابهم الشديد يوم القيامة، وقد أكد الخبر بثلاثة مؤكدات:
أ. أولها: الإشارة إلى البعيد بـ ﴿أُولَئِكَ﴾ الدالة على غلوهم في الكفر، وإيغالهم فيه، وكلما قوى السبب قوى المسبب، وكلما اشتدت الجريمة اشتد العقاب، فهي مثلة للجزاء.
ب. ثانيها: ذكر ضمير الفصل (هم)، فهو يؤكد؛ إذ فيه تكرار لذكر الموضوع الذي يرد عليه الحكم، وكل تكرار فيه تأكيد فوق ما يدل عليه من الاختصاص.
ج. ثالثها: التعبير عن العقوبة النارية التي تنزل بهم، بأنهم يكونون وقود النار؛ فإن الوقود هو الحطب الذي تحرق به النار، وأصله من وقدت النار تقد إذا اشتعلت، والمصدر الوقود، وبالفتح ما يكون به الاتقاد والاشتعال، والمعنى على هذا أن الكافرين يكونون وقود النار؛ أي أن النار يشتد اشتعالها فيهم حتى كأنهم هم مادتها التي بها تتقد وتشتعل، وقرئ ﴿وَقُودُ﴾، وهذا يكون فيه مبالغة في شدة احتراقهم، أي أنهم يحترقون بالنار ويسجرون فيها حتى كأنهم الاشتعال لا مادة الاشتعال، ولا من يكوى بهذا الاشتعال.
4. إن هذا العقاب هو الذي ينتظر الكفار جميعا، وإن حال منكري الإسلام في الإنكار والجحود والغرور بالمال والولد، والعزة بالنفر والعصبية، كحال من سبقوهم، ولذا ينزل بهم ما نزل بأولئك؛ ولهذا قال سبحانه وتعالت آياته: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الدأب: العادة والشأن، وأصله من دأب الرجل في عمل يدأب دأبا ودءوبا إذا جد فيه واجتهد، ثم أطلق الدّأب على العادة والشأن؛ لأن من يدأب في عمل ويستمر عليه أمدا طويلا يصير شأنا له، وحالا من أحواله، وعادة من عاداته؛ فهو من باب إطلاق اسم السبب وإرادة المسبب، وآل فرعون، وهم نصراؤه وأهل حوزته ومعاضدوه، قد استمرؤوا الطغيان وألفوه حتى صار الكفر دأبا وعادة وشأنا من شئونهم.
5. شبه الله سبحانه وتعالى حال الكافرين الذين كفروا بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم وما جاء به، بحال آل فرعون والذين سبقوا فرعون من الطغاة العتاة القساة المغرورين، وقد كان وجه الشبه في أمرين:
أ. أولهما: أن الغرور هو الذي دفع إلى الجحود واللجاجة فيه والإصرار عليه، حتى إنهم ليردون الدليل تلو الدليل، وما تزيدهم الآيات إلا كفورا، وما تزيدهم الموعظة إلا عتوا في الأرض وفسادا.
ب. ثانيهما: في الجزاء.
6. سؤال وإشكال: لم ذكر آل فرعون، ولم يذكر فرعون؟ والجواب: ذكر آل فرعون يتضمن ذكر فرعون؛ لأنه إذا كان العناد في التابع فهو في المتبوع أشد؛ وفوق ذلك فإن آل فرعون وحاشيته ونصراءه هم السبب في طغيانه، وهم الذين سهلوا له سبيل الطغيان وضنوا بالموعظة في إبّانها، وهم الذين حرضوه على الاستمرار في الشر والإيغال فيه، فهم اتبعوه أولا، ثم حرضوه على الطغيان ثانيا بمبالغتهم في مرضاته، واستحسان ما يفعل.
7. سؤال وإشكال: لماذا نص على قوم فرعون من بين الذين سبقوهم بالكفر والجحود ومعاندة النبيين؟ والجواب: اختصاص فرعون وآله بالذكر، لأن فرعون كان أقوى الطغاة وأشدهم، وكان أكثرهم مالا، وأعزهم نفرا، وأكثرهم غرورا؛ أليس هو القائل: ﴿أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهَذِهِ الْأَنْهَارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي﴾ [الزخرف] أليس هو الذي ذهب به فرط غروره إلى أن يقول في حماقة ظاهرة: ﴿يَا هَامَانُ ابْنِ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَاوَاتِ فَأَطَّلِعَ إِلَى إِلَهِ مُوسَى﴾ [غافر] ولقد كان مستكبرا يصم آذانه عن سماع الحق حتى لقد قال سبحانه فيه: ﴿واسْتَكْبَرَ هُوَوجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [القصص]
8. بين سبحانه وتعالى نتيجة الغرور في آل فرعون والذين من قبلهم، وهو التكذيب بآيات الله، وقد ترتب على التكذيب نزول العقاب الشديد؛ سنة الله في الذين كفروا ولجوا ولم يثوبوا إلى رشدهم، وينيبوا إلى ربهم، فقال سبحانه: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ هذا هو الدأب والعادة، وهو الغرور المردي، وهذه نتائجه التي تجمع بين المغرورين دائما، وهو التكذيب بآيات الله تعالى، وفي هذه الجملة السامية يقرر الله سبحانه ثلاث حقائق ثابتة؛ اثنتان منها تتعلقان بالكافرين المغرورين، وهما: التكذيب بآيات الله تعالى، والعقاب الذي يأخذهم سبحانه وتعالى به؛ والثالثة بيان شأن من شئون الله تعالى جلت قدرته، وهو أنه سبحانه وتعالى شديد العقاب، كما أنه سبحانه غفور رحيم، وأنه المنتقم الجبار، كما أنه اللطيف الخبير:
أ. فأما الحقيقة الأولى فقد قال سبحانه فيها ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ أي كذّبوا بالآيات والأدلة التي تثبت رسالات الرسل، وتثبت وحدانية الله تعالى، وأضاف سبحانه الآيات إليه جلت قدرته، للإشارة إلى عظم دلالتها وقوة إثباتها، وأنها آيات الخالق لتعريف خلقه، وأدلة الواحد الأحد لإثبات وحدانيته، ومع ذلك لجوا واستمروا في غيهم يعمهون.
ب. والحقيقة الثانية: قال سبحانه وتعالى فيها: ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ أي أنه سبحانه وتعالى يعاقبهم على هذه الذنوب بما يساويها، وبما يقابلها، وعبر عن العقاب بهذا التعبير؛ لأنه يفيد أمورا ثلاثة:
• أولها: أن الأخذ يفيد الوقوع التام في سلطان الله تعالى، فهو سبحانه أخذهم كما يؤخذ الأسير، لا يستطيع من أمره فكاكا.
• ثانيها: أن التعبير بالباء يفيد أمرين: المصاحبة والمقابلة؛ فهم قد أخذوا مصاحبين ومتلبسين بذنوبهم لم يقلعوا، ولم يتوبوا، بل استمروا على حالهم ملابسين لها ومقترنة بهم، كما تدل على أن العقاب مقابل للذنوب، فهو بدل ببدل، وكما أنهم قدموا الذنب، فليتسلموا العقاب.
• ثالثها: أن هذا التعبير فيه إشارة إلى عدل الله سبحانه وتعالى الكامل؛ فالذنب هو الذي ولد العقاب، وهو يماثله تمام المماثلة، وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون.
ج. والحقيقة الثالثة: قال سبحانه وتعالى فيها: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وفي ذكر هذا الوصف للذات العلية إشارة إلى شدة العقاب لشدة الجريمة، وإشارة إلى أن العدالة الإلهية تقتضى شدة العقاب؛ لأنه لا يستوى الذين يحسنون والذين يسيئون، ولا يستوى الأخيار والأشرار؛ فإن المساواة هي الظلم في هذه الحال.
9. في هذا الوصف للذات العلية تعليم للناس بأن كل فعل يجب أن يكون له جزاؤه ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾ [الزلزلة]، وهذا النص الكريم فوق ذلك يربى المهابة في النفس، ويجعل كل مؤمن يغلّب الخوف على الرجاء، فإن الخوف يجعل العابد يستشعر الطاعة دائما ولا يدل بالعبادة، وتغليب الرجاء يمكن للنفس الأمارة بالسوء أن تسيطر، ويجعل العابد يدل بعبادته.
__________
(1) زهرة التفاسير: 2/1120.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، من يتتبع آي الذكر الحكيم، وحديثه عن الأثرياء وأرباب المال يرى انه قد وصفهم بأقبح الأوصاف والرذائل، منها الطغيان، كما جاء في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ ومنها الغرور والجحود: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهُوَظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً﴾، ومنها الطمع وطلب المزيد: ﴿وَجَعَلْتُ لَهُ مَالًا مَمْدُودًا﴾ ـ إلى قوله ـ ﴿ثُمَّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ﴾، ومنها التوهم الباطل بأن الأموال تصونهم من عذاب الله وعقابه: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾
2. دفع الله سبحانه هذا التوهم بأن الأموال والأولاد لا يغنيان صاحبهما شيئا، بل ان الأموال تجعل صاحبها غدا وقودا للنار، تماما كالحطب والخشب، وقد يظن أهل الباطل ان لهم من أموالهم وأولادهم حماية ووقاية في هذه الحياة، حتى إذا وقفوا مع أهل الحق وجها لوجه في ساحة القتال والجهاد استبان لهم عجزهم وضعفهم، لأن الله يؤيد الصادقين بنصره، ويذل من هو مسرف كذاب.
3. ما عرف التاريخ أسوأ وأفدح وأعظم من أرباب المال والثروات المكدسة في هذا العصر.. انهم يثيرون الفتن والحروب ويدبرون المكائد والمصائد ضد كل حركة تحررية في أي طرف من أطراف العالم.. فيبثون كتائب العملاء، ووحدات الأساطيل، وجواسيس المخابرات في كل بقعة من بقاع الأرض، ليحوّلوا العالم بكامله إلى شركة مساهمة يملكها أصحاب الملايين.. انهم لا يؤمنون بالله، ولا بالإنسانية، ولا بشيء إلا بالأسهم، تدفع الشعوب أرباحها من خبزها ودمائها ومستقبلها، ويستغلون دولهم لاشاعة الرعب والتخويف والضغط الاقتصادي والسياسي على الضعفاء، ويعملون بكل سبيل لتجزئة البلد الواحد، وتفتيت الوحدة الوطنية، ليخضع الجميع لاستثماراتهم واحتكاراتهم.. ومن أجل هذا حرّم الإسلام الاحتكار، والثراء غير المشروع، واستخدام القوة والضغط على الضعفاء، وهدد الذين يكنزون الأموال ولا ينفقونها في سبيل الله، ووصفهم بالطغاة العتاة.
4. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، أي ان كثرة المال والولد ليست سببا للفوز والنجاة، فكثيرا ما تغلّب الفقراء على الأغنياء، والقلة على الكثرة، والتاريخ مملوء بالشواهد على هذه الحقيقة.. فلقد كان لفرعون وقومه الجاه والسلطان، والمال والعدة والعدد، ومع ذلك خذلهم الله، ونصر موسى وقومه، ولا مال لهم ولا عدة ولا عدد، كما نصر من قبل نوحا على قومه، وابراهيم على النمرود، وهودا على عاد، وصالحا على ثمود.. فالكثرة والثروة ـ اذن ـ ليستا بضمان ولا أمان، وعليه فالذين كذبوا محمدا صلّى الله عليه وآله وسلم معرّضون لنفس المصير.
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/16.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. تقدم: أن المسلمين عند نزول السورة كانوا مبتلين في داخل جماعتهم بالمنافقين وآخرين سماعين لهم ولما يلقيه إليهم أعداء الإسلام من النزاعات والوساوس لتقليب الأمور عليهم وإفساد دعوتهم، ومبتلين في خارج جمعهم بثوران الدنيا عليهم وانتهاض المشركين واليهود والنصارى لإبطال دعوتهم وإخماد نارهم وإطفاء نورهم بأي وسيلة أمكنت من لسان أو يد، وأن غرض السورة دعوتهم إلى توحيد الكلمة وإلى الصبر والثبات ليصلح بذلك أمرهم وينقطع ما نشأ من الفساد في داخل جوهم، وما يطرأ ويهجم عليهم منه من خارجه.
2. كانت الآيات السابقة ـ أعني قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ ـ تعريضا للمنافقين والزائقين قلبا ودعوة للمسلمين إلى التثبت فيما فهموه من معارف الدين، والتسليم والإيمان فيما اشتبه لهم ولم يفتهموه من كنهه وحقيقته بالتنبيه على أن شر ما يفسد أمر الدين ويجر المسلمين إلى الفتنة واختلال نظام السعادة هو اتباع المتشابهات وابتغاء التأويل فيتحول بذلك الهداية الدينية إلى الغي والضلال ويتبدل به الاجتماع افتراقا، والشمل شتاتا.
3. وقع التعرض في هذه الآيات لحال الكفار والمشركين وأنهم سيغلبون وليسوا بمعجزين لله سبحانه ولا ناجحين في عتوهم بالتنبيه على أن الذي أوجب ضلالهم والالتباس عليهم هو ما زين لهم من مشتهيات الدنيا فزعموا بما رزقوا من مالها وولدها أن ذلك مغن لهم من الله سبحانه شيئا وقد أخطئوا في زعمهم فالله سبحانه هو الغالب في أمره، ولو كان المال والأولاد وما أشبهها مغنية من الله شيئا لأغنت آل فرعون ومن قبلهم من الأمم الظالمة أولي الشوكة والقدرة لكنها لم تغن عنهم شيئا وأخذهم الله بذنوبهم فكذلك هؤلاء سيغلبون ويؤخذون فمن الواجب على المؤمنين أن يتقوا الله في هذه المشتهيات حتى ينالوا بذلك سعادة الدنيا وثواب الآخرة ورضوان ربهم سبحانه، فالآيات كما تعطيه مضامينها متعرضة لحال الكفار كما أن الآيات التالية لهذه الآيات متعرضة لحال أهل الكتاب من اليهود والنصارى على ما سيأتي.
4. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، أغنى عنه ماله من فلان أي أعطاه الغنى ورفع حاجته فلا حاجة به إليه، والإنسان في بادي تكونه وشعوره يرى نفسه محتاجة إلى الخارج منه، وهذا أول علمه الفطري إلى احتياجه إلى الصانع المدبر ثم إنه لما توسط في الأسباب وأحس بحوائجه بدأ بإحساس الحاجة إلى كماله البدني النباتي وهو الغذاء والولد، ثم عرفت له نفسه سائر الكمالات الحيوانية، وهي التي يزينوا له الخيال من زخارف الدنيا من زينة الملبس والمسكن والمنكح وغير ذلك، وعندئذ يتبدل طلب الغذاء إلى طلب المال الذي يظنه مفتاحا لحل جميع مشكلات الحياة لأن العادة الغالبة تجري على ذلك فيظن أن سعادة حيوته في المال والولد بعد ما كان يظن أن ضامن سعادته هو الغذاء والولد، ثم انكباب نفسه على مشتهياته، وقصر همه على الأسباب يوجب أن يقف قلبه عند الأسباب، ويعطي لها الاستقلال، وحينئذ ينسى ربه، ويتشبث بذيل المال والولد، وفي هذا الجهل هلاكه فإنه يستر به آيات ربه ويكفر بها، وقد التبس عليه الأمر فإن ربه هو الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا يستغني عنه شيء بحال ولا يغني عنه شيء بحال.
5. بهذا البيان يظهر وجه تقديم الأموال على الأولاد في الآية فإن الركون إلى المال ـ وقد عرفت أن الأصل فيه الغذاء ـ أقدم عند الإنسان من الركون إلى الأولاد وأعرف منه وإن كان حب الولد ربما غلب عند الإنسان على حب المال.
6. في الآية إيجاز شبيه دفع الدخل، والتقدير: إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا وزعموا أن أموالهم وأولادهم تغنيهم من الله، وقد أخطئوا فلا غنى من الله سبحانه في وقت ولا في شيء، على ما تدل عليه الآية التالية.
7. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾، الوقود بفتح الواو ما توقد به النار وتشتعل، والآية جارية مجرى قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ﴾، وقوله: ﴿إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ﴾، وقد مر بعض الكلام في معنى ذلك في سورة البقرة.
8. الإتيان بالجملة الاسمية، والابتداء باسم الإشارة، وكونه دالا على البعد وتوسيط ضمير الفصل، وإضافة الوقود إلى النار دون أن يقال وقود، كل ذلك يؤكد ظهور الكلام في الحصر، ولازمه كون المكذبين من الكفار هم الأصل في عذاب النار وإيقاد جهنم، وأن غيرهم إنما يحترقون بنارهم، ويتأيد بذلك ما سيأتي بيانه في قوله تعالى: ﴿لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ﴾ الآية.
9. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ إلى آخر الآية: الدأب على ما ذكروه هو السير المستمر قال تعالى: ﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَائِبَيْنِ﴾، ومنه تسمية العادة دأبا لأنه سير مستمر، وهذا المعنى هو المراد في الآية، وقوله: ﴿كَدَأْبِ﴾، متعلق بمقدر يدل عليه قوله في الآية السابقة: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾، ويفسر الدأب قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ وهو في موضع الحال، وتقدير الكلام كما مرت إليه الإشارة: إن الذين كفروا كذبوا بآياتنا واستمروا عليها دائبين فزعموا أن في أموالهم وأولادهم غنى لهم من الله كدأب آل فرعون ومن قبلهم وقد كذبوا بآياتنا.
10. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾، ظاهر الباء أنها تفيد السببية، يقال: أخذته بذنبه أي بسبب ذنبه لكن مقتضى المحاذاة التي بين الآيتين، وقياسه حال هؤلاء الذين كفروا في دأبهم على آل فرعون والذين من قبلهم في دأبهم أن يكون البناء للآلة، فإنه ذكر في الذين كفروا أنهم وقود النار تشتعل عليهم أنفسهم ويعذبون بها فكذلك آل فرعون ومن قبلهم إنما أخذوا بذنوبهم وكان العذاب الذي حل بساحتهم هو عين الذنوب التي أذنبوها، وكان مكرهم هو الحائق بهم، وظلمهم عائدا إليهم، قال تعالى: ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾:، وقال تعالى: ﴿وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ﴾
11. من هنا يتبين معنى كونه شديد العقاب، فإن عقابه تعالى لا يقصد الإنسان ولا يتوجه إليه من جهة دون جهة، وفي محل دون محل، وعلى شرط دون شرط كما أن عقاب غيره كذلك فإن الشر الذي يوجهه إلى الإنسان مثله مثلا إنما يتوجه إليه من بعض الجهات دون بعض كفوق وتحت، وفي بعض الأماكن دون بعض فيدفع بالفرار والتوقي والالتجاء مثلا وهذا بخلاف عقابه تعالى فإنه يأخذ الإنسان بعمله وذنبه وهو مع الإنسان في باطنه وظاهره من غير أن ينفك عنه، ويجعل الإنسان وقودا لنار أحاط به سرداقها، ولا ينفعه فرار ولا قرار، ولا يوجد منه مناص ولا خلاص، فهو شديد العقاب.
12. في قوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾، التفات من الغيبة إلى الحضور أولا ثم من الحضور إلى الغيبة ثانيا، أما قوله: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾ ففيه تنشيط لذهن السامع وتقريب للخبر إلى الصدق فإنه بمنزلة أن يقول القائل: إن فلانا بذي فحاش سيئ المحاضرة وقد ابتليت به فيجب الاجتناب عن معاشرته، فجملة وقد ابتليت به تصحيح للخبر وإثبات لصدقه بإرجاعه إلى الدراية ونحو من الشهادة، فالمعنى أن آل فرعون كانوا دائبين على دأب هؤلاء الذين كفروا في الكفر وتكذيب الآيات، ولا ريب في هذا الخبر فإنا كنا حاضرين شاهدين وقد كذبوا بآياتنا نحن فأخذناهم.
13. ﴿فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ﴾ هو رجوع بعد استيفاء المقصود إلى الأصل في الكلام وهو أسلوب الغيبة، وفيه مع ذلك إرجاع الحكم إلى مقام الألوهية القائمة بجميع شئون العالم والمهيمنة على كل ما دق وجل، ولذلك كرر لفظ الجلالة ثانيا في قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، ولم يقل وهو شديد العقاب للدلالة على أن كفرهم وتكذيبهم هذا منازعة ومحاربة مع من له جلال الألوهية ويهون عليه أخذ المذنب بذنبه، وهو شديد العقاب لأنه الله جل اسمه.
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/88.
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أيَّ كفر؛ لأنهم كذبوا بآيات الله التي تهدي إلى التوحيد والإيمان بالكتاب والرسول والملائكة والنبيين واليوم الآخر ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ لن تكفى وتدفع عنهم من الله شيئاً من عذابه، فالأموال لن تقبل منهم فدية تفديهم من العذاب، والأولاد يفصل بينهم وبين والديهم يوم القيامة: ﴿فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾ [المؤمنون:101]،﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ﴾ [الممتحنة:3]، ﴿يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ﴾ [عبس:34 ـ 37]، أي يشغله ويدفعه عن أهله فلا يمكن أن يفدي الولد أباه بنفسه أو يفتدي به أبوه، فالغناء بمعنى الكفاية والدفع، قال ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا نَصِيبًا مِنَ النَّارِ﴾ [غافر:47] أي تكفوننا نصيباً من النار فتدفعوه عنا، والمراد بالكفاية هنا ما في قوله تعالى: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ [الأحزاب:25]، ﴿إِنَّا كَفَيْنَاكَ الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ [الحجر:95]، ﴿فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة:137]، ومن هذا الباب قوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾ [يونس:36] أي أن الجاهلين يدافعون الحق بظنهم والظن لا يدفع الحق وذلك لأنهم يتبعون الظن دفعاً للحق الذي هو القرآن الدال على بطلان ما هم عليه من الشرك ونحوه: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا﴾ [لقمان:21]، ومنه قوله تعالى: ﴿وَكَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَرْضَى﴾ [النجم:26] أي لا تدفع شفاعتهم شيئاً، وقوله تعالى في سورة الجاثية: ﴿وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّهُمْ لَنْ يُغْنُوا عَنْكَ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ [الجاثية:18 ـ 19] أي لن يكفوك ويدفعوا عنك من الله شيئاً، أي فإن اتبعت أهواءهم فلن يكفوك العذاب من الله ويدفعوه عنك، وفي سورة إبراهيم: ﴿فَقَالَ الضُّعَفَاءُ لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا كُنَّا لَكُمْ تَبَعًا فَهَلْ أَنْتُمْ مُغْنُونَ عَنَّا مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [إبراهيم:21] أي فهل تكفوننا شيئاً من عذاب الله تدفعوه عنا، وقد بسطت في هذا دفعاً للغلط.
1. ﴿وَأُولَئِكَ﴾ الكفار ﴿هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ أي هم حطب نار جهنم، والمراد به هؤلاء الكفار في وقت محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، ولذلك قال تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ في تفسير الإمام زيد بن علي عليه السلام لقوله تعالى: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ﴾: (معناه: كشأنهم وعادتهم)، واستعمال الدأب بمعنى العادة ظاهر في قول امرئ القيس:
çكدأبك من أمّ الحُوَيْرِثِ قبلها.. وجارتها أمّ الرباب بمأسلé
ومثل تفسير الإمام زيد بن علي عليهما السلام في (القاموس) وفسره في (لسان العرب): بالعادة والملازمة.
2. الحاصل: أنه لا إشكال في استعمال الدأب بمعنى العادة، والراجح: أن المراد هنا بيان سنة الله في الذين خلوا، وهي أنه يأخذهم بذنوبهم ليعتبر بهم الباقون ويعلموا أن الله تعالى يعاقب المجرمين، فلا يكذبوا بتعذيبهم في الآخرة، قال تعالى: ﴿أَلَمْ نُهْلِكِ الْأَوَّلِينَ ثُمَّ نُتْبِعُهُمُ الْآخِرِينَ كَذَلِكَ نَفْعَلُ بِالْمُجْرِمِينَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ [المرسلات:16 ـ 19]، وقال تعالى: ﴿فَهَلْ يَنْظُرُونَ إِلاَّ سُنَّةَ الأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَبْدِيلاً وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّةِ اللهِ تَحْوِيلاً﴾ [فاطر:43]، نعم.. وقوله تعالى: ﴿كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ﴾ قال تعالى: ﴿بِذُنُوبِهِمْ﴾ ليعم التكذيب وكل ذنوبهم في أنه سبب للأخذ والعقاب الشديد، وقوله: ﴿وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ كما يدل على شدة عقاب الأولين فهو إنذار صادق للآخِرين، نعوذ بالله من عذابه.
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/428.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. جاء في تفسير الدر المنثور، أخرج ابن إسحاق وابن جرير والبيهقي في الدلائل عن ابن عباس: (أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لما أصاب ما أصاب من بدر ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد لا يغرّنّك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا ولا يعرفون القتال، إنك والله لو ما قاتلتنا لعرفت أنّا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ إلى قوله: لِأُولِي الْأَبْصارِ، وقد لاحظ صاحب تفسير الميزان على هذه الرواية، أن سياق الآيات لا يلائم نزولها في حق اليهود كل الملاءمة، وأن الأنسب بسياقها أن تكون نازلة بعد غزوة أحد، وقد نلاحظ، على هذه الرواية، أن المألوف في خطاب الله لليهود هو النداء لهم بصفة أنهم (أهل الكتاب) لا بصفة (الذين كفروا)، مع نقطة أخرى، وهي أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لا يستعمل مثل هذا الأسلوب في حديثه معهم، لا سيّما أن المرحلة كانت مرحلة العهد والميثاق مع اليهود في المدينة، مما يجعل مثل هذا الحديث نقضا للعهد أو إيحاء بمثل ذلك، في الوقت الذي لا مصلحة للمسلمين أن يدخلوا في حرب جديدة يبتدءونها بهذا الشكل من الإثارة، كما أن اليهود آنذاك لا يتحدثون مع النبي بهذه الطريقة الفجّة وجها لوجه، لا سيما بعد أن عاد منتصرا من معركته في بدر.
2. لا مانع من أن تكون الآية وما بعدها واردة في سياق الجدال مع المشركين بعد غزوة أحد التي انتصروا فيها بعض الشيء، أو في مناسبة أخرى مماثلة بحيث كانت مثارا للشماتة بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلم وبالمسلمين، استضعافا لهم، فكانت هذه الآيات منطلقا لتذكيرهم بأن القوة المادية قد تضغط بعض الشيء على الموقف في بعض المراحل، ولكنها لا تمثل القاعدة في مسألة النصر، لأن موقف المسلمين في بدر التي لم يكن لهم فيها أية قوة مادية، وانتصارهم على المشركين الذين كانوا يملكون السلاح الأقوى والجماعة الأكثر والاستعداد الأكبر، يدل على أن الإيمان مع بعض القوة المادية قد يؤدي إلى الانتصار للمؤمنين في المستقبل، كما في الماضي، وهكذا ظهر صدق النبوءة القرآنية في هزيمة المشركين وغيرهم بعد ذلك حتى فتح الله على نبيه مكة، بعد أن هزم المشركين واليهود في معركة الأحزاب وبني قريظة والنضير وقينقاع، وجاء نصر الله والفتح.
3. ربما كانت هذه الآيات واردة في نطاق الخطة التربوية للمسلمين الذين كانوا واقعين تحت ضغط الحالة النفسية الصعبة في ما يرونه من مظاهر القوّة المادية لدى الكافرين، الأمر الذي قد يوحي لهم بمشاعر الضعف، كما يوحي للكافرين بمشاعر القوّة والكبرياء والاستعلاء.. فأراد الله أن يكشف الواقع الذي يختفي خلف مظاهر القوّة، وهو واقع الضعف في طاقاتهم، فهم لا يملكون قوّة تدفع عنهم العذاب، كما أن هذه المظاهر لا تستطيع لهم شيئا، فهي خاوية لا تحوي قيمة نافعة، ليعرف المؤمنون من خلال ذلك أن القوّة لهم بإيمانهم الذي يملأ حياتهم بالقوّة من خلال الله، فيواجهوا الكافرين بهذه الروح من خلال هذا الموقع، وهكذا يريد الله لهم أن يفكروا ويتعمقوا ليرتبطوا بالأشياء من خلال نتائجها وعواقبها، لا من خلال ظواهرها وأشكالها، ليحفظوا نظرتهم للواقع من السطحية، ويصونوا خطواتهم وأفكارهم من الاهتزاز.
4. ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ فما هي قيمة هذه القوّة التي يحاولون أن يستندوا إليها، إنها مجرد عرض زائل قد يتفاخرون به أمام أمثالهم من الناس، وقد يرتكزون عليه في مجالات الصراع الإنساني، حيث يستعين كل إنسان بماله وولده في مواجهة خصومه، ولكن ماذا يمثّل كل هذا أمام الله الذي خلقهم وخلق أولادهم وأموالهم؟ إنه لا شيء، فكيف يكفرون ويستكبرون ويسخرون من عباد الله المؤمنين!؟
5. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ إنها صورة مليئة بالسخرية بهؤلاء الذين يتظاهرون بالعظمة والكبرياء، إن كل هذه المظاهر ستتحول إلى حطب، كأيّة خشبة، كأيّ شيء توقد به النار، فما قيمة هذا الحطب؟ إنه سيتحول إلى رماد تذروه الريح في يوم عاصف، فينتهي إلى لا شيء.
6. ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ وهذه صورة حيّة من صور التاريخ التي يحفظها هؤلاء الكافرون، في ما يحفظونه من تاريخ عظماء الكفر والكبرياء والضلال، ليكون ذلك لهم مصدر زهو وخيلاء، ولكن الله يريد أن يربط تصورهم لبدايات الأشياء بنهاياتها، فيحدثهم عن مسيرة آل فرعون ومن سبقهم من الطغاة الكافرين بالله المكذبين بآياته، كيف كانوا، وكيف أخذهم الله بذنوبهم فلم يغن عنهم ملكهم شيئا وذاقوا أشد العقاب، فهل يتعظ اللاحقون بالسابقين؟
__________
(1) من وحي القرآن: 5/246.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بعد بيان مواقف الكفّار والمنافقين والمؤمنين من الآيات (المحكمات) و(المتشابهات) في الآيات السابقة، تقول هذه الآية: إذا كان الكفّار المعاندون يحسبون أنّهم بثرواتهم وأبنائهم قادرون على الدفاع عن أنفسهم في الآخرة فهم على خطأ كبير، فهذه الوسائل قد يكون لها تأثيرها المؤقت في هذه الدنيا، ولكنّها عند الله لن يكون لها أيّ تأثير، لا في هذه الدنيا ولا في الآخرة، لذلك ينبغي ألّا يغترّ الإنسان بهذه الأمور فتحمله على ارتكاب الإثم، وإلّا فإنّه يصلى نارا سيكون هو حطبها.
2. ﴿وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ﴾ يفيد هذا التعبير أنّ نار الجحيم مستعرة بوجود المذنبين، وهؤلاء المذنبون هم الذين يديمون أوارها ولهيبها، نعم ثمّة آيات تقول إنّ الحجارة أيضا تكون وقود نار جهنم بالإضافة إلى المذنبين، ولكن ـ كما قلنا في تفسير الآية 24 من سورة البقرة ـ يمكن أن تكون هذه الحجارة هي الأصنام التي كانوا ينحتونها من الحجر، وعليه فإنّ نار جهنّم تستعر بأعمال المذنبين وبمعبوداتهم الباطلة.
3. ثمّ تشير الآية إلى نموذج من الأمم السالفة التي كانت قد أوتيت الثروة الإنسانية والمادية الكثيرة، ولم تستطيع هذه الثروة أن تكون مانع من هلاكهم: ﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾، (الدأب) إدامة السير، والعادة المستمرّة دائما على حالة واحدة، فهذه الآية تشبّه حال الكفّار المعاصرين لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بما كان آل فرعون قد اعتادوا عليه ـ وكذلك الأقوام السابقة ـ من تكذيب آيات الله، فأخذهم الله بذنبهم وأنزل بهم عقابه الصارم في هذه الدنيا.
4. هذا في الواقع إنذار للكافرين المعاندين على عهد رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لكي يعتبروا بمصير الفراعنة والأقوام السالفة، ويصحّحوا أعمالهم.
5. صحيح أنّ الله (أرحم الراحمين) ولكنه في المواضع ومن أجل تربية عبيده (شديد العقاب) أيضا، ولا ينبغي أن يغترّ العبيد برحمة مولاهم الواسعة أبدا.
6. يستفاد أيضا من (الدأب) أنّ هذه الاتّجاه الخطأ ـ أي العناد إزاء الحقيقة وتكذيب آيات الله ـ أصبح عادة ثابتة فيهم، ولهذا يهدّدهم بعذاب شديد، وذلك لأنّه ما دام الإثم لم يصبح عادة ونهجا في الحياة فإنّ الرجوع عنه ميسور وعقابه خفيف، ولكنّه إذا نفذ إلى داخل أعماق الإنسان فالرجوع عنه متعذّر، والعقاب عليه شديد، فخير للكافرين أن ينتهزوا الفرصة قبل فوات الأوان ويرجعوا عن طريق الضلال.
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/409.
7. آيات الله ونصر المؤمنين
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈7⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آل عمران: 12ـ 13]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
ابن مسعود:
روي عن عبد الله بن مسعود (ت 32 هـ) أنّه قال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ الآية، هذا يوم بدر، نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا، وذلك قول الله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: ٤٤] (1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٤٥.
علي:
روي عن الإمام علي (ت 40 هـ) أنّه قال: سار رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إلى بدر، فسبقنا المشركين إليها، فوجدنا فيها رجلين؛ منهم رجل من قريش، ومولى لعقبة بن أبي معيط، فأما القرشي فانفلت، وأما مولى عقبة فأخذناه، فجعلنا نقول: كم القوم؟ فيقول: هم ـ والله ـ كثير شديد بأسهم، فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، فقال له: (كم القوم؟)، فقال: هم ـ والله ـ كثير شديد بأسهم، فجهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلم على أن يخبرهم كم هم، فأبى، ثم إن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم سأله: (كم ينحرون من الجزر؟)، قال عشرة كل يوم، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (القوم ألف(1).
__________
(1) أحمد: ٢/٢٥٩.
ابن عباس:
روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قال أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ببدر، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ فئة قريش الكفار(1).
2. روي أنّ نافع بن الأزرق سأله عن قوله: ﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، قال يقوي بنصره من يشاء، قال وهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت قول حسان بن ثابت(2):
çبرجال لستمو أمثالهم... أيدوا جبريل نصرا فنزل؟é
3. روي أنّه قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، يعني: فأيد الله المؤمنين بنصره، كان هذا في التخفيف على المؤمنين(3).
4. روي أنّه قال: إن يهود أهل المدينة قالوا لما هزم الله المشركين يوم بدر: هذا ـ والله ـ النبي الأمي الذي بشرنا به موسى، ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وأنه لا تُرد له راية، وأرادوا تصديقه واتباعه، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا، حتى ننظر إلى وقعة له أخرى، فلما كان يوم أحد، ونكب أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم؛ شكوا، وقالوا: لا والله، ما هو به، وغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا، وكان بينهم وبين رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عهد إلى مدة، فنقضوا ذلك العهد، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أهل مكة؛ أبي سفيان وأصحابه، فوافقوهم، وأجمعوا أمرهم، وقالوا: لتكونن كلمتنا واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة؛ فأنزل الله تعالى فيهم هذه الآية(4).
5. روي أنّه قال: لما أصاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة؛ جمع اليهود في سوق بني قينقاع، وقال: (يا معشر يهود، أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا)، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا ولا يعرفون القتال، إنك ـ والله ـ لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾(5).
6. روي أنّه قال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ أنزلت في التخفيف يوم بدر على المؤمنين؛ كانوا يومئذ ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وكان المشركون مثليهم ستة وعشرين وستمائة، فأيد الله المؤمنين، فكان هذا في التخفيف على المؤمنين(3).
__________
(1) سيرة ابن هشام: ٢/٤٧.
(2) الطستي في مسائله كما في الإتقان: ٢/٧٣.
(3) ابن جرير: ٥/٢٤٦.
(4) أورده الواحديُّ في أسباب النزول: ص٩٨.
(5) أبو داوود: ٤/٦١٦.
عروة:
روي عن عروة بن الزبير (ت 94 هـ) أنّه قال: بعث النبي صلّى الله عليه وآله وسلم نفرا من أصحابه إلى ماء بدر يلتمسون الخبر له عليه، فأصابوا راوية من قريش، فيها أسلم غلام بني الحجاج، وعريض أبو يسار غلام بني العاص، فأتوا بهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، فقال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لهما: (كم القوم؟)، قالا: كثير، قال: ما عدتهم؟)، قالا: لا ندري، قال: كم ينحرون كل يوم؟)، قالا: يوما تسعا، ويوما عشرا، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: القوم ما بين التسعمائة إلى الألف(1).
__________
(1) سيرة ابن هشام: ١/٦١٦.
مجاهد:
روي عن مجاهد (ت 104 هـ) أنّه قال: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ محمد صلّى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ مشركي قريش يوم بدر(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٤٢.
عكرمة:
روي عن عكرمة (ت 105 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: قال فنحاص اليهودي في يوم بدر: لا يغرن محمدا أن غلب قريشا وقتلهم؛ إن قريشا لا تحسن القتال، فنزلت هذه الآية: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾(1).
2. روي أنّه قال: في أهل بدر نزلت: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: ٧]، وفيهم نزلت: ﴿سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ﴾ [القمر: ٤٥] الآية، وفيهم نزلت: ﴿حَتَّى إِذَا أَخَذْنَا مُتْرَفِيهِمْ بِالْعَذَابِ﴾ [المؤمنون: ٦٤]، وفيهم نزلت: ﴿لِيَقْطَعَ طَرَفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ [آل عمران: ١٢٧]، وفيهم نزلت: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾ [آل عمران: ١٢٨]، وفيهم نزلت: ﴿ألم تر إلى الذين بدلوا نعمة الله كفرا﴾ [إبراهيم: ٢٨]، وفيهم نزلت: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ﴾ [الأنعام: ٤٧]، وفيهم نزلت: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٤٠.
(2) عبد الرزاق: ٥/٣٦١.
قتادة:
روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ عبرة وتفكر(1).
2. روي أنّه قال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ذلكم يوم بدر، ألف المشركون أو قاربوا، وكان أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا(2).
3. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لقد كان لهم في هؤلاء عبرة وتفكر، أيدهم الله، ونصرهم على عدوهم(3).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٤١.
(2) ابن جرير: ٥/٢٤٨.
(3) عبد بن حميد كما في قطعة من تفسيره: ص٢٣.
زيد:
روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ معناه ظاهرات،(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ معناه يقوّي وينصر،(1).
3. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ معناه معرفة لأولي العقول،(1).
__________
(1) تفسير الإمام زيد، ص 107.
الربيع:
روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ) أنّه قال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ قد كان لكم في هؤلاء عبرة ومتفكر(1).
__________
(1) ابن جرير: ٢/٢٤٢.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ﴾ يعني: بنصره ﴿مَنْ يَشَاءُ﴾؛ فينصره الله تعالى؛ القليل على الكثير، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ يعني: يقوي في نصرهم، نصر المؤمنين وهم قليل، وهزيمة الكفار وهم كثير، ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ يعني: الناظرين في أمر الله تعالى وطاعته، لعبرة وتفكرا لأولي الأبصار حين أظهر الله تعالى القليل على الكثير(1).
2. روي أنّه قال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من أهل مكة يوم بدر، ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة، ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يقول: بئسما مهدوا لأنفسهم، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم للكفار يوم بدر: إن الله غالبكم، وسوف يحشركم إلى جهنم)، فقال أبو جهل: يا ابن أبي كبشة، هل هذا إلا مثل ما كنت تحدثنا به!؟(2).
3. روي أنّه قال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾، وذلك أن بني قينقاع من اليهود أتوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعد قتال بدر يوعدونه القتال كما قتل كفار مكة يوم بدر؛ فأنزل الله ـ عز وجل ـ: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾(2).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٦.
(2) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٥.
المرتضى:
ذكر الإمام المرتضى بن الهادي (ت 310 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ هما الفئتان اللتان التقتا يوم بدر، كان المشركون فيما يقارب الألف، إلا أمرا يسيرا، وكان المسلمون في ثلاثمائة وثلاثة عشر، فنصرهم الله على المشركين، وأظهرهم عليهم، ومنحهم أكتافهم؛ وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه في هذه الجماعة اليسيرة يطمع بالعير التي فيها أبو سفيان، وبلغ ذلك قريشا، فخرجوا في لقاء العير، فالتقوا حيث ذكر الله عز وجل، حين يقول: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾، فكان نصر الله لنبيه وللمؤمنين على جمائع الكافرين يومئذ ـ من أكبر الدلالات والآيات في النصر والعون لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم، وكان ذلك مما يشهد له بالنبوة، واللطف من الله، والكفاية لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلم.
__________
(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/149.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ هذا في قوم قد علم الله ـ عزّ وجل ـ أنهم لا يؤمنون أبدا.
1. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾:
أ. الفئة القليلة هي فئة أهل الإسلام، في غلبة فئة كثيرة، وهي فئة المشركين؛ حيث غلبت فئة المسلمين ـ وهم قليل ـ فئة المشركين ـ وهم كثير ـ يوم بدر.
ب. وقد يكون لأهل الكفر إذا كانوا قليلا ما روي أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أخذ كفا من تراب، فرماه على وجوههم، وقال: (شاهت الوجوه)؛ فامتلأت أعينهم من ذلك وعموا؛ حتى انهزموا؛ فصار آية.
ج. الثالث: ما قيل: إن أبا جهل قام فدعا فقال: (أيّنا أحقّ دينا، وأوصل رحما؛ فانصره، واجعل الغلبة والهزيمة على الآخر)، فاستجيبت؛ فكانت الغلبة والهزيمة عليهم؛ فكان آية.
د. الرابع: ما أعان الملائكة المسلمين، وبعثهم الله ـ عزّ وجل ـ مددا لنصرة المؤمنين على الكافرين يوم بدر؛ فذلك آية.
هـ. ووجه آخر: ما ذكرنا أن أصحاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم كانوا خرجوا شبه العير بغير سلاح، غير مستعدين للقتال على علم منهم بذلك، وأولئك خرجوا مستعدين لذلك، فكان ما ذكر.
2. في ذكر القليل في الأعين من الجانبين آية عظيمة؛ إذ هي حسّية، والحواس تؤدي عن المحسوسات حقائقها، فجعلها الله بحيث لا تؤدي؛ لما قال ﴿لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: 42]؛ فيحتمل أن يكون المراد مما ذكر من الآية في أمر الفئتين ـ هذا.
3. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وفي بعض القراءات: (ترونهم) بالتاء: يرى المؤمنون أولئك مثلي أنفسهم لا أكثر، وهم كانوا ثلاثة أمثالهم، على ما روي في القصة؛ وهذا لما جعل الحق عليهم قيام الواحد من المسلمين بالاثنين منهم، مع ضعفهم؛ لجهدهم في العبادات، وبلوغهم الغاية من احتمال الشدائد والمشقات.
4. أخبر ـ عزّ وجل ـ بمعرفتهم أمر أهل الحرب، وشدة رغبتهم في تعلمهم ما يحتاجون في الحرب والقتال؛ ولهذا قالوا: إن الله ـ عزّ وجل ـ علم المؤمنين جميع ما يحتاجون في الحرب من الآداب وغيرها في الكتاب؛ كقوله: ﴿إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا﴾ [الأنفال: 45]: أمرهم بالتثبت، ثم قال ﴿فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15]، وقال: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا﴾ [الأنفال: 46]: فجعل التنازع الواقع بينهم ـ على خلاف بعضهم بعضا ـ سبب الهزيمة؛ ففيه أمر بالاجتماع، وجعل التدبير واحدا، والطاعة لإمامهم.
5. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ إنما كان عبرة؛ لما ذكرنا من خروج المؤمنين بقلة عددهم، وضعف أبدانهم، بلا استعداد للحرب والقتال، إنما هو خروج شبه العير، وخروج أولئك بالعدة مع قوة أبدانهم، وكثرة عددهم، وطمع المدد لهم، ولم يكن للمسلمين ذلك؛ ففي مثل غلبة المؤمنين الكافرين، والظفر بهم، والنصر لهم عليهم، على الوصف الذي وصفناهم ـ عبرة، وآية لأولى الأبصار والعبر.
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/319.
الديلمي:
ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ وسبب نزول هذه الآية أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بشر أصحابه بالظفر على قريش قبل بدر بسنة فحقق الله قوله وصدق رسوله وأنجز وعده بقتل من قتل منهم وقيل نزلت في يهود بني قينقاع لما هلكت قريش يوم بدر فدعاهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام وحذرهم مثل ما نزل بقريش فأبوا وقالوا: لسنا مثل قريش العماة الذين لا يعرفون الناس فأنزل الله فيهم ذلك.
2. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ ءَايَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ يعني من كان مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم من أهل الإسلام ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ يعني مشركي قريش كان المشركون تسعمائة وخمسون رجلاً وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلاً لقد كان لكم في هؤلاء عبرة ومتفكر أيدهم الله ونصرهم على عدوهم ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ ومعنى الكلام أن الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله أراهم الله مشركي قريش يوم بدر مثلي عدد أنفسهم فقلل الله عدد المشركين وكثر عدد المسلمين تقوية لقلوبهم، ويحتمل أن تكون الفئة الكافرة التي أراها الله المسلمين مثلي عددهم تكثيراً لهم وتضعيفاً لقلوب الكافرين، والآية في الفئتين تقليل الكثير في أعين المسلمين وتكثير القليل في أعين الكافرين، وما تقدم من الوعد بالغلبة.
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/133.
الماوردي:
ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. اختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ الآية، على ثلاثة أقوال:
أ. أحدها: أنها نزلت في قريش قبل بدر بسنة، فحقق الله قوله، وصدق رسوله، وأنجز وعده بمن قتل منهم يوم بدر، قاله ابن عباس، والضحاك.
ب. الثاني: أنها نزلت في بني قينقاع لمّا هلكت قريش يوم بدر، فدعاهم النبي صلّى الله عليه وآله وسلم إلى الإسلام، وحذرهم مثل ما نزل بقريش، فأبوا وقالوا: لسنا كقريش الأغمار الذين لا يعرفون الناس، فأنزل الله فيهم هذه الآية، قاله قتادة، وابن إسحاق.
ج. الثالث: أنها نزلت في عامة الكفار.
2. في الغلبة هنا قولان:
أ. أحدهما: بالقهر والاستيلاء، إن قيل إنها خاصة.
ب. الثاني: بظهور الحجة، إن قيل إنها عامة.
3. في قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ قولان:
أ. أحدهما: بئس ما مهدوا لأنفسهم، قاله مجاهد.
ب. الثاني: معناه بئس القرار، قاله الحسن.
4. في بئس وجهان:
أ. أحدهما: أنه مأخوذ من البأس، وهو الشدة.
ب. الثاني: أنه مأخوذ من البأساء وهو الشر.
5. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ يعني المؤمنين من أهل بدر، ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ يعني مشركي قريش.
6. في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وفي مثليهم قولان:
أ. أحدهما: أنهم مثلان زائدان على العدد المتحقّق، فيصير العدد ثلاثة أمثال، قاله الفراء.
ب. الثاني: هو المزيد في الرؤية، قاله الزجاج.
7. اختلفوا في المخاطب بهذه الرؤية ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ على قولين:
أ. أحدهما: أنها الفئة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله، بأن أراهم الله مشركي قريش يوم بدر مثلي عدد أنفسهم، لأن عدة المسلمين كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر رجلا، وعدة المشركين في رواية عليّ وابن مسعود ألف، وفي رواية عروة، وقتادة، والربيع ما بين تسعمائة إلى ألف، فقلّلهم الله في أعينهم تقوية لنفوسهم، قاله ابن مسعود، والحسن.
ب. الثاني: أن الفئة التي أراها الله ذلك هي الفئة الكافرة، أراهم الله المسلمين مثلي عددهم مكثرا لهم، لتضعف به قلوبهم، والآية في الفئتين هي تقليل الكثير في أعين المسلمين، وتكثير القليل في أعين المشركين، وما تقدم من الوعد بالغلبة، فتحقق، قتلا، وأسرا، وسبيا.
8. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ يعني من أهل طاعته، وفي التأييد وجهان:
أ. أحدهما: أنه المعونة.
ب. الثاني: القوة.
9. في قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: أن في نصرة الله لرسوله يوم بدر مع قلة أصحابه عبرة لذوي البصائر والعقول.
ب. الثاني: أن فيما أبصره المشركون من كثرة المسلمين مع قلتهم عبرة لذوي الأعين والبصائر.
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/374.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. قرأ أهل الكوفة إلا عاصماً سيغلبون، ويحشرون بالياء، فيهما: الباقون بالتاء، من اختار التاء، فلقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ﴾ فأجري جميعه على الخطاب، ومن اختار الياء، فللتصرف في الكلام والانتقال من خطاب المواجه إلى الخبر بلفظ الغائب، وقيل: إن الخطاب لليهود، والاخبار عن عبدة الأوثان لأن اليهود أظهروا، الشماتة بما كان من المشركين يوم أحد، فقيل لهم سيغلبون يعني المشركين، وعلى هذا لا يجوز إلا بالياء، وقيل التاء في عموم الفريقين، ومثله قال زيد المال ماله، وقال المال مالي، وقل له سنخرج وسيخرج، وكل ذلك جائز حسن.
2. قال ابن عباس، وقتادة وابن إسحاق: إن هذه الآية ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ نزلت لما هلكت قريش يوم بدر، فجمع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم اليهود بسوق قينقاع فدعاهم إلى الإسلام وحذرهم مثل ما نزل بقريش من الانتقام، فقالوا: لسنا كقريش الاغمار الذين لا يعرفون القتال، لئن حاربتنا لتعرفن البأس.
3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
أ. قال مجاهد: بئس ما مهدوا لأنفسهم.
ب. وقال الحسن: معناه بئس القرار.
ج. وقيل: بئس الفراش الممهد لهم.
د. وقال البلخي: لا يجوز الوعد، والوعيد بغير شرط، لأن فيه بأساً من الايمان أو الكفر وذلك بمنزلة الصد عنه، وتأول الآية على حذف الشرط، فكأنه قال: وبئس المهاد لمن مات على كفره غير تائب منه، وقال الرماني: وهذا لا يصح من قبل أن السورة قد دلت على معنى الوعد من غير شرط يوجب الشك، فلو كان في قطع الوعيد بأس بمنزلة الصد عن الايمان لكان في قطع الوعد بأمان ما يوجب الاتكال عليه دون ما يلزم من الاجتهاد، والذي يخرجه من ذلك أن العقاب من أجل الكفر كما أن الثواب من أجل الايمان، وهذا ليس بشيء، لأن للبلخي أن يشرط الوعد بالثواب بانتفاء ما يبطله من الكبائر، كما أنه شرط الوعيد بالعقاب بانتفاء ما يزيله من التوبة، فقد سوى بين الأمرين.
هـ. وقال البلخي والجبائي: قوله: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ مجاز كما قيل للمرض: شر، وإن كان خيراً من جهة أنه حكمة، وصواب، فقيل لجهنم ﴿بِئْسَ الْمِهادُ﴾ لعظيم الآلام، لأن أصل نعم وبئس: الحمد، والذم إلا أنه كثر استعماله في المنافع، والمضار حتى سقط عن اسم مجاز، وإن كان مغيراً عن أصله.
4. في الآية دلالة على صحة نبوة النبي صلّى الله عليه وآله وسلم لأنها تضمنت الخبر عما يكون من غلبة المؤمنين للمشركين، وكان الأمر على ما قال ولا يكون ذلك على الاتفاق، وكما أنه بين أخباراً كثيرة من الاستقبال، فكان كما قال فكما أن كل واحد منهما كان معجزاً، لأنه من علام الغيوب اختص به الرسول ليبينه من سائر الناس كذلك هذه الآية.
5. قرأ أهل المدينة، وأبان عن عاصم، وابن شاهي عن حفص (ترونهم) بالتاء الباقون بالياء، من قرأ بالياء، فلأن الخطاب لليهود والخبر عن غيرهم ممن حضر بدراً، ومن قرأ بالتاء وجه الخطاب إلى الجميع.
6. الآية: العلامة، والدلالة على صدق النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.
والفئة الفرقة من فأوت رأسه بالسيف إذا فلقته، وقال ابن عباس: هاهنا هم المؤمنون من أهل بدر ومشركو قريش، وبه قال الحسن، ومجاهد، وقوله: (فئة) يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب: الرفع على الاستئناف بتقدير منهم فئة كذا، وأخرى كذا، ويجوز الجر على البدل، ويجوز النصب على الحال كقول كثير:
çوكنت كذي رجلين رجل صحيحة...ورجل رمى فيها الزمان فشلتé
أنشد بالرفع والجر وقال ابن مفرغ:
çوكنت كذي رجلين رجل صحيحة...ورجل رماها صائب الحدثان
فأما التي صحت فأزد شنوءة...وأما التي شلت فأزد عمانé
وقال آخر:
çإذا مت كان الناس نصفين شامت...وآخر متن بالذي كنت أصنعé
ولا يجوز أن تقول مررت بثلاثة صريع وجريح بالجر، لأنه لم يستوف العدة ولكن يجوز بالرفع على تقدير منهم صريع ومنهم جريح، فان قلت: مررت بثلاثة صريع، وجريح، وسليم، جاز فيه الرفع والجر، فان زدت فيه اقتتلوا جاز فيه الأوجه الثلاثة، ولم يقرأ إلا بالرفع.
7. اختلف في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾:
أ. قال ابن مسعود، والحسن: الفئة: المسلمة هي التي كانت ترى الكافرة مثليهم.
ب. وقال السدي: رأى المشركون المسلمين مثل عددهم، لأنهم كانوا ثلاثمائة وبضعة عشر فرأوهم أضعاف ذلك، وهذا يحتمل على قراءة من قرأ بالياء، فأما من قرأ بالتاء، فلا يحتمل ذلك إلا أن يكون الخطاب لليهود الذين ما حضروا وهم المعنيون بقوله: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ وهم يهود بني قنيقاع فكأنه قيل لهم ترون المشركين مثلي المسلمين مع أن الله ظفرهم بهم، فلا تغتروا بكثرتكم، واختار البلخي هذا الوجه.
8. اختلفوا في عدة المشركين يوم بدر:
أ. روي عن علي عليه السلام وابن مسعود أنهم كانوا الفاً.
ب. وقال عروة بن الزبير، وقتادة، والربيع كانوا بين تسعمائة إلى الالف وأما عدة المسلمين، فثلاثمائة وبضعة عشر في قول قتادة، والربيع، وأكثر المفسرين، وهو المروي عن أبي جعفر وأبي عبد الله عليه السلام.
9. قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ يحتمل وجوهاً:
أ. أحدها: ما روي عن ابن مسعود، وغيره من أهل العلم أن الله قلل المشركين يوم بدر في أعين المسلمين لتقوى قلوبهم فرأوهم مثلي عدتهم.
ب. وقال الفراء: يحتمل ثلاثة أمثالهم كما يقول القائل إلى الف واحتاج إلى مثليه أي مضافاً إليه لا بمعنى بدلا منه، فكذلك ترونهم مثليهم مضافاً إليهم فذلك ثلاثة أمثالهم، وأنكر هذا الوجه الزجاج، لمخالفته لظاهر الكلام، وما جاء في الآية الأخرى في الانفال من تقليل الاعداد.. وقال البلخي إنما قال مثليهم وهم كانوا ثلاثة أمثالهم لأنه أقام الحجة عليهم بأنهم وإن كانوا ثلاثة أمثالهم فلم يخرجوا من أن يكونوا مثليهم، والمعتمد ما قلناه أولا.
10. سؤال وإشكال: كيف يصح تقليل الاعداد مع حصول الرؤية وارتفاع الموانع، وهل هذا إلا ما تقوله المجبرة من أنه يجوز أن يكون بحضرتنا أشياء تدرك بعضها دون بعض بحسب ما يفعل فينا من الإدراك وهذا عندنا سفسطة تقليل في المشاهدات؟ والجواب: يحتمل أن يكون التقليل في أعين المؤمنين بأن يظنونهم قليلي العدد، لأنهم أدركوا بعضهم دون بعض، لأن العلم بما يدركه الإنسان جملة غير العلم بما يدركه مفصلا، ولهذا: إذا رأينا جيشاً كبيراً أو جمعاً عظيما ندرك جميعهم، ونتبين أطرافهم ومع هذا نشك في أعدادهم حتى يقع الخلف بين الناس في حزر عددهم، فعلى هذا يكون تأويل الآية، وقد ذكر الفراء عن ابن عباس أنه قال رأى المسلمون المشركين مثليهم في الحزر بستمائة وكان المشركون سبعمائة وخمسين، فأما قوله في الأنفال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ فلا ينافي هذا لأن هذه آية للمسلمين أخبرهم بها وتلك آية لأهل الكفر حجة عليهم، على أنك تقول في الكلام إني لأرى كثيركم قليلا أي تهونون علي لأني أرى الثلاثة اثنين ذكره الفراء، وهو جيد.
11. الوجه في هذا التقليل:
أ. الوجه في تقليل الكفار في أعين المؤمنين أن يكون أقوى لقلوب المؤمنين، فلا يفزعوا، ولا يفشلوا، ويتجرؤوا على قتالهم.
ب. والوجه في تقليل المؤمنين في أعين الكفار إذا رأوهم قليلين استهانوا بهم واستحقروهم فلم يأخذوا أهبتهم ولم يستعدوا كل الاستعداد فيظفر بهم المؤمنون، وهو جيد أيضاً.
12. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ فالأيد القوة ومنه قوله: ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ وتقول: ادته أئيده أيداً، كقولك بعته أبيعه بيعاً بمعنى قويته، وأيدته أؤيده تأييداً، والنصر: المعونة على الاعداء، وهو على وجهين: نصر بالغلبة، ونصر بالحجة، ولو هزم قوم من المؤمنين، لجاز أن يقال: هم المنصورون بالحجة ومحمودو العاقبة، وان سر عدوهم بظفر العاجل.
13. الآية التي ذكرها الله تعالى كانت في الفئتين من وجهين:
أ. أحدهما: غلبة القليل العدد في نفسه للكثير في ذلك بخلاف ما تجري به العادة بما أمدهم الله به من الملائكة وقوّى به نفوسهم من تقليل العدة.
ب. الثاني: بالوعد المتقدم بالغلبة لإحدى الطائفتين لا محالة.
14. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ معناه لأولي العقول، كما يقال له بصر بالأمور، وليس المراد بالأبصار الحواس التي يشترك فيها سائر الحيوان، والعبرة الآية تقول: اعتبرت بالشيء عبرة واعتباراً والعبور: النفوذ عبرت النهر أعبره عبوراً: إذا قطعته، والمعبرة: السفينة التي يعبر فيها، والعبارة الكلام، يعبر بالمعنى إلى المخاطب، فالعبارة تفسير الرؤيا، والتعبير وزن الدنانير، وغيرها، والعبرة: الدمعة من العين، وأصل الباب العبور النفوذ.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/406.
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الغلبة: القهر.
ب. الحشر: الجمع مع سوق، ومنه يقال للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم: الحاشر لحشر الناس على قدميه كأنه يقدمهم وهم خلفه، ويحتمل أنه آخر الأنبياء، فيحشر الناس في زمانه وملته.
ج. جهنم: اسم من أسماء النار، وقيل: أخذ من الجهنام، وهي البئر البعيدة القعر.
د. المهد معروف، والمهاد: الفراش الممهد، ومهدت الأمر: هيأته.
هـ. الآية: الحجة والعلامة.
و. الفئة: الفرقة أخذ من قولهم فأوت رأسه بالسيف إذا فلقته، والأيد: القوة، يقال: إِدْتُهُ أَئِيدُهُ أيدًا، كقولهم: بعته أبيعه بيعًا يعني قويته، وفي التنزيل ﴿دَاوُودَ ذَا الْأَيْدِ﴾ أي ذا القوة.
ز. العبرة: الآية؛ لأنها يعتبر بها من منزل الجهل إلى منزل العلم، والعبور: النفور من أجد الجانبين إلى الآخر، ومنه المعبر المستقيم.
2. اختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
أ. قيل: لما هلكت قريش يوم بدر جمع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم اليهود بسوق بني قينقاع، فدعاهم إلى الإسلام، وحذرهم مثل ما نزل بقريش من الانتقام فأبوا، وقالوا: لسنا كقريش الأغمار الَّذِينَ لا يعرفون القتال، لو حاربتنا لتعرفن الناس، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية، عن ابن عباس وقتادة وابن إسحاق.
ب. وقيل: نزلت في مشركي مكة ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يوم بدر، عن مقاتل.
ج. وقيل: بل نزلت في اليهود لما قتل الكفار يوم بدر وهزموا قالت اليهود: إنه نبي، فلما نال أصحابه يوم أحد ما نال شكوا ونقضوا العهد، وخرج كعب بن الأشرف إلى مكة وجمع الناس للأحزاب، فلما رجع إلى المدينة أنزل اللَّه تعالى هذه الآية، عن أبي صالح عن ابن عباس.
3. لما تقدم ذكر ما لحق الأمم الماضية من العذاب بتكذيبهم الرسل حذر هَؤُلَاءِ أن يحل بهم في الدارين ما حل بأولئك فقال تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ من مشركي مكة:
أ. عن مقاتل وابن عباس وقتادة ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أي ستهزمون في الدنيا ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ تجمعون في الآخرة ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾
ب. وقيل: سيغلب منهم من حارب ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾، من مات.
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
أ. قيل: بئسما مهدوا لأنفسهم، عن مجاهد.
ب. وقيل: بئس القرار، عن الحسن.
ج. وقيل: بئس الفراش الممهد لهم.
5. اختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾
أ. قيل: نزلت الآية في قصة بدر، وكان عدد المشركين ألفًا، عن علي وابن مسعود.
ب. وقيل: ما بين تسعمائة إلى ألف، عن عروة بن الزبير وقتادة والربيع، فأما عدد المسلمين فثلاثمائة وبضعة عشر.
ج. وقيل: ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدد أصحاب طالوت منهم: سبعة وسبعون من المهاجرين، والباقي من الأنصار، وصاحب راية رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين: علي بن أبي طالب، وصاحب راية الأنصار: سعد بن عبادة، وكان في الجيش سبعون بعيرًا، وفرسان، فرس للمقداد، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، وستة أدرع، وثمانية سيوف، وكان رأس المشركين: عتبة بن ربيعة، وهو أول مشهد شهده رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلم، وكان سبب الوقعة عير أبي سفيان قدم من الشام، فخرج رسول اللَّه صلّى الله عليه وآله وسلم من المدينة، وبعث أبو سفيان إلى مكة يعلمهم ذلك، فخرجوا والتقوا ببدر، وشهد الوقعة الملائكةُ وحاربوا، ولم يحاربوا في غيرها، وشهدها مؤمنو الجن، وشهد في عسكر الكفار إبليس والشياطين على ما نطق به القرآن.
6. لما وعد اللَّه تعالى المؤمنين الظفر والغلبة بين ما فعل يوم بدر، ققال تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾:
أ. قيل: الخطاب للمشركين واليهود.
ب. وقيل: للناس جميعًا ممن حضر الوقعة.
ج. وقيل: لليهود الَّذِينَ نقضوا العهد.
7. ﴿آيَةً﴾ حجة وعلامة ومعجزة على صدق محمد صلّى الله عليه وآله وسلم ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ في فرقتين ﴿الْتَقَتَا﴾ اجتمعتا ببدر: المسلمون والكافرون ﴿فِئَةٍ﴾ فرقة ﴿تُقَاتِلُ﴾ تحارب ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في دينه وطاعته، وهم الرسول وأصحابه ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ أي وفرقة أخرى كافرة، وهم المشركون من أهل مكة.
8. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾:
أ. قيل: الرؤية للمسلمين دون الكافرين، عن ابن مسعود والحسن وجماعة، ثم اختلفوا:
• قيل: رأى المسلمون المشركين مثليهم في العدد، ثم ظهر القليل على العدد الكثير بإذن اللَّه، وتلك الآية أنه تعالى قللهم في أعينهم حين رأوهم مثلي عددهم تقوية لقلوبهم، عن ابن مسعود وجماعة.
• وقال الفراء: يحتمل ثلاثة أمثالهم كما تقول: لي ألف وأحتاج إلى مثليه، أي مضافًا إليه لا بمعنى بدلاً منه، فكذلك ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ مضافًا إليهم فذلك ثلاثة أمثالهم، وأنكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام وما جاء في الآية من تقليل الأعداد.
ب. وقيل: الرؤية للمشركين يعني يرى المشركون المسلمين مثليهم، فإنه تعالى قبل القتال قلل المسلمين في أعينهم ليجترئوا عليهم ولا ينصرفوا، فلما أخذوا في القتال كثرهم في أعينهم ليجتنبوا، وقلل المشركين في أعين المسلمين ليجترئوا عليهم، وتصديق ذلك قوله تعالى: ﴿يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ﴾ الآية.
ج. وقيل: أيدهم بالملائكة حين رآهم المشركون مثليهم.
9. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي في رؤية العين ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي يقوي بنصرته من يشاء من المؤمنين، ونصرته لهم من وجهين: بالحجة والغلبة.
10. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الذي ذكرت ﴿لَعِبْرَةً﴾ لحجة وآية، والآية من وجوه:
أ. أحدها: غلبة القليل للكثير.
ب. ثانيها: تأييدهم بالملائكة.
ج. ثالثها: تقليلهم في أعينهم.
د. رابعها: تقوية قلوبهم.
هـ. خامسها: ما وعدهم من إحدى الطائفتين فكان كما أخبر.
11. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾:
أ. قيل: لأولي العقول، ومنه يقال له: بصر به إذا علم.
ب. وقيل: لمن أبصر الجمعين.
12. سؤال وإشكال: كيف يقلل في أعينهم؟، والجواب: بأحد وجهين: إما بإمداد الملائكة أو بضرب من الحجاب المانع من الرؤية، ولا يمتنع أن يغير صورة الملائكة حتى رآهم المشركون كما نزل جبريل بصورة دحية الكلبي، ويحتمل أن يقال: ﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ﴾ يدل على أن الرؤية للمشركين؛ لأنه نَصَر المؤمنين بالملائكة.
13. تدل الآيات الكريمة على:
أ. معجزة لنبينا صلّى الله عليه وآله وسلم لأنه إخبار بما يجري مجرى الغيب، فكان الأمر كما تقدم به الخبر، فعلم أنه إنما علم ذلك من جهة الوحي.
ب. قهر يلحق الكفار، ولا يصح حمله على العموم، فيحمل على قوم مخصوصين من كفار قريش وأهل بدر.
ج. أن الكفار يحشرون إلى جهنم، ولا بد فيه من شرط، وهو أن يموتوا مُصِرِّين على الكفر.
د. معجزات نبينا صلّى الله عليه وآله وسلم من الوجوه التي ذكرنا؛ لأن الإمداد بالملائكة والتقليل في الأعين وتقوية القلوب مما لا يقدر عليه غيره تعالى، وكان فيه نقض للعادة.
14. قراءات ووجوه:
أ. قرأ حمزة والكسائي سيغلبون ويحشرون) بالياء والباقون بالتاء، فمن اختار الياء فلأجل قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ فجرى جميعًا على الخطاب، وأما التاء فللتصرف في الكلام، وقيل: إن الخطاب لليهود، والإخبار عن عبدة الأوثان؛ لأن اليهود أظهروا، السر، وربما كان من المشركين يوم أحد، وقيل: الياء على عموم الفريقين.
ب. قرأ أبو جعفر ونافع ويعقوب وأبان عن عاصم ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء، والباقون بالياء؛ لأن الإخبار عن أهل بدر والخطاب لليهود، فأما التاء فللجميع، والقراءة الظاهرة ﴿فِئَةٍ﴾ بالرفع على معنى منهما فئة أو إحداهما، وفئة عن الزهري بالخفض على البدل من فئتين، وعن بعضهم نصبًا على المدح، والقراء على ﴿تُقَاتِلُ﴾ والتاء كناية عن الفئة، وعن مجاهد بالياء رده على القوم، والقراء على ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ كناية عن مذكور، وعن السلمي ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء وضمها على ما لم يسم فاعله.
15. مسائل نحوية:
أ. ﴿فِئَةٍ﴾ رفعت على الاستئناف والابتداء، وهذا كقولك: مررت بالقوم، بعضُهُمْ قائمٌ، وبعضُهُمْ جالسٌ، وقيل: تقديره: منهم فئة كذا، وأخرى كذا، ويجوز الجر على البدل، والنصب على الحال والمدح، ولا يجوز القراءة إلا بالرفع لإجماع القراء.
ب. قال: ﴿كَانَ﴾، ولم يقل كانت، والفئة مؤنثة: لأنه رده إلى البيان، أي قد كان لكم بيان هذا آية، فذهب إلى المعنى وترك اللفظ، وقال الفراء: ذَكَّرَهُ لأنه فرق بينهما بالصفة، فلما حالت الصفة بين الفعل والاسم المؤنث ذُكِّر الفعل ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ ولم يقل ﴿تَرَوْنَهَا﴾؛ لأن الفئة في معنى قوم، يرجع إلى المعنى، وَرْأيَ) نصب على المصدر، وقيل: بنزع حرف الصفة أي في نظر العين.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/178
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي (1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. قد ذكرنا معنى الفئة عند قوله ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً﴾ والالتقاء والتلاقي والاجتماع واحد.
ب. الأيد: القوة، ومنه قوله تعالى (وداود ذا الأيد) يقال: إدته أئيده أيدا أي: قويته وأيدته أؤيده تأييدا بمعناه.
ج. العبرة: الآية، يقال: اعتبرت بالشئ اعتبارا وعبرة، والعبور: النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر، وسميت الآية عبرة، لأنه يعبر عنها من منزل العلم إلى منزل الجهل، والمعتبر بالشئ: تارك جهله، وواصل إلى علمه بما رأى، والعبارة: الكلام يعبر بالمعنى إلى المخاطب، والعبارة: تفسير الرؤيا، والتعبير: وزن الدراهم وغيرها، والعبرة: الدمعة، وأصل الباب: النفوذ.
د. الحشر: الجمع مع سوق، ومنه يقال للنبي: الحاشر، لأنه يحشر الناس على قدميه، كأنه يقدمهم، وهم خلفه، لأنه آخر الأنبياء، فيحشر الناس في زمانه وملته.
هـ. جهنم: اسم من أسماء النار، وقيل: أخذ من الجهنام وهي البئر البعيدة القعر.
و. المهاد: القرار، وهي الموضع الذي يتمهد فيه أي: ينام فيه مثل الفراش.
2. اختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾:
أ. روى محمد بن إسحاق بن يسار عن رجاله قال: لما أصاب رسول الله قريشا ببدر، وقدم المدينة، جمع اليهود في سوق قينقاع فقال: يا معشر اليهود! إحذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، وقد عرفتم أني نبي مرسل، تجدون ذلك في كتابكم! فقالوا: يا محمد! لا يغرنك أنك لقيت قوما أغمارا، لا علم لهم بالحرب، فأصبت منهم فرصة، إنا والله لو قاتلناك لعرفت أنا نحن الناس، فأنزل الله هذه الآية، وروي أيضا عن عكرمة، وسعيد بن جبير، عن ابن عباس، ورواه أصحابنا أيضا.
ب. وقيل: نزلت في مشركي مكة: ستغلبون يوم بدر، عن مقاتل.
ج. وقيل: بل نزلت في اليهود، لما قتل الكفار ببدر وهزموا قالت اليهود: إنه النبي الأمي الذي بشرنا به موسى، ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وأنه لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا إلى وقعة أخرى، فلما كان يوم أحد، ونكب أصحاب رسول الله، شكوا وقالوا: لا والله ما هو به، فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدة لم تنقض، فنقضوا ذلك العهد قبل أجله، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكة في ستين راكبا، فوافقوهم وأجمعوا أمرهم على رسول الله، لتكونن كلمتنا واحدة، ثم رجعوا إلى المدينة، فأنزل الله فيهم هذه الآية، عن الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس.
3. قيل في سبب نزول قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أنها نزلت في قصة بدر، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، على عدة أصحاب طالوت الذين جاوزوا معه النهر، سبعة وسبعون رجلا من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون رجلا من الأنصار، وكان صاحب لواء رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم والمهاجرين، علي بن أبي طالب عليه السلام، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكانت الإبل في جيش رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم سبعين بعيرا، والخيل فرسين فرس للمقداد بن أسود، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، وكان معهم من السلاح ستة أدرع، وثمانية سيوف، وجميع من استشهد يومئذ أربعة عشر رجلا من المهاجرين، وثمانية من الأنصار، واختلف في عدة المشركين فروي عن علي عليه السلام وابن مسعود أنهم كانوا ألفا، وعن قتادة وعروة بن الزبير والربيع: كانوا بين تسعمائة إلى ألف، وكانت خيلهم مائة فرس، ورأسهم عتبة بن ربيعة بن عبد شمس، وكان حرب بدر أول مشهد شهده رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وكان سبب ذلك عير أبي سفيان.
4. لما تقدم ذكر ما أصاب القرون الخالية بالتكذيب للرسل من العذاب، حذر هؤلاء من أن يحل بهم ما حل بأولئك، فقال تعالى ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ إما مشركي مكة، أو اليهود على ما تقدم ذكره ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أي: ستهزمون وتصيرون مغلوبين في الدنيا ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أي: تجمعون ﴿إِلَى جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة، وقد فعل الله ذلك، فاليهود غلبوا بوضع الجزية عليهم، والمشركون غلبوا بالسيف.
5. إذا قرئ ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بالياء فقد يمكن أن يكون المغلوبون المحشورون من غير المخاطبين، وأنهم قوم آخرون، ويمكن أن يكونوا إياهم، قال الفراء: يقال قل لعبد الله إنه قائم، وإنك قائم، وإذا قرئ بالتاء فلا يجوز أن يظن هذا، فلا يكونون غير المخاطبين.
6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
أ. قيل: أي: بئس ما مهد لكم، وبئس ما مهدتم لأنفسكم، عن ابن عباس.
ب. وقيل: معناه بئس القرار، عن الحسن.
ج. وقيل: بئس الفراش الممهد لهم.
7. في الآية دلالة على صحة نبوة نبينا صلّى الله عليه وآله وسلم، لأن مخبره قد خرج على وفق خبره، فدل ذلك على صدقه، ولا يكون ذلك على وجه الاتفاق، لأنه بين أخبارا كثيرة من الاستقبال، فخرج الجميع كما قال، فكما أن كل واحد منها كان معجزا، إذ الله لا يطلع على غيبه إلا من ارتضى من رسول، كذلك هذه الآية، وإذا ثبت صدقه على أحد الخبرين، وهو أنهم سيغلبون، ثبت صدقه في الخبر الآخر، وهو أنهم يحشرون إلى جهنم.
8. ثم لما وعد سبحانه الظفر لأهل الإيمان، بين ما فعله يوم بدر بأهل الكفر والطغيان، فقال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾:
أ. قيل: الخطاب لليهود الذين نقضوا العهد أي: كان لكم أيها اليهود دلالة ظاهرة.
ب. وقيل: الخطاب للناس جميعا ممن حضر الوقعة.
ج. وقيل: للمشركين واليهود.
9. آية أي: حجة وعلامة ومعجزة دالة على صدق الخطاب.
10. من اختار الياء: فللتصرف في الكلام، والانتقال من خطاب المواجهة إلى الخبر بلفظ الغائب، ويؤيده قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾، ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا﴾ وقيل: إن الخطاب لليهود، والضمير في ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ للمشركين، لأن اليهود أظهروا السرور بما كان من المشركين يوم أحد فعلى هذا لا يكون إلا بالياء، لأن المشركين غيب.
11. ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ أي: فرقتين اجتمعتا ببدر من المسلمين والكافرين ﴿فِئَةٍ﴾ فرقة ﴿تُقَاتِلُ﴾ تحارب ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في دينه وطاعته، وهم الرسول وأصحابه ﴿وَأُخْرَى﴾ اي: فرقة أخرى ﴿كَافِرَةٌ﴾ وهم المشركون من أهل مكة.
12. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ أي: ضعفهم ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي: في ظاهر العين، واختلف في معناه:
أ. فقيل: معناه يرى المسلمون المشركين مثلي عدد أنفسهم، قللهم الله في أعينهم حتى رأوهم ستمائة وستة وعشرين رجلا، تقوية لقلوبهم، وذلك أن المسلمين قد قيل لهم: ﴿فإن يكن منكم مئة صابرة يغلبوا مائتين﴾ فأراهم الله عددهم حسب ما حد لهم من العدد الذي يلزمهم أن يقدموا عليهم، ولا يحجموا عنهم، وقد كانوا ثلاثة أمثالهم ثم ظهر العدد القليل على العدد الكثير، عن ابن مسعود، وجماعة من العلماء.
ب. وقيل: إن الرؤية للمشركين، يعني: يرى المشركون المسلمين ضعفي ما هم عليه، فإن الله تعالى قبل القتال قلل المسلمين في أعينهم ليجترئوا عليهم، ولا ينصرفوا، فلما أخذوا في القتال، كثرهم في أعينهم ليجبنوا، وقلل المشركين في أعين المسلمين ليجترئوا عليهم، وتصديق ذلك قوله تعالى: ﴿وإذ يريكموهم إذا التقيتم في أعينكم قليلا ويقللكم في أعينهم﴾ الآية، وذلك أحسن أسباب النصر للمؤمنين، والخذلان للكافرين، وهذا قول السدي، وإنما يتأتى هذا القول على قراءة من قرأ بالياء، فأما قول من قرأ بالتاء فلا يحتمله إلا قول الأول على أن يكون الخطاب لليهود الذين لم يحضروا، وهم المعنيون بقوله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ وهم يهود بني قينقاع فكأنه قال: (ترون أيها اليهود المشركين مثلي المسلمين مع أن الله أظهرهم عليهم فلا تغتروا بكثرتكم)، واختار البلخي هذا الوجه.
ج. أو يكون الخطاب للمسلمين الذي حضروا الوقعة أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين.
د. وقال الفراء: يحتمل قوله ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ يعني ثلاثة أمثالهم، لأنك إذا قلت عندي ألف، وأحتاج إلى مثلها، فأنت تحتاج إلى ألفين، لأنك تريد أحتاج إلى مثلها مضافا إليها، لا بمعنى بدلا منها، فكأنك قلت: أحتاج إلى مثليها، وإذا قلت: أحتاج إلى مثليها، فأنت تحتاج إلى ثلاثة آلاف، فكذلك في الآية المعنى ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ مضافا إليهم، فذلك ثلاثة أمثالهم، قال: والمعجز فيه إنما كان من جهة غلبة القليل الكثير، وأنكر هذا الوجه الزجاج لمخالفته لظاهر الكلام، وما جاء في آية الأنفال من تقليل الأعداد.
13. سؤال وإشكال: كيف يصح تقليل الأعداد مع حصول الرؤية وارتفاع الموانع؟ وهل هذا إلا قول من جوز أن يكون عنده أجسام لا يدركها أو يدرك بعضها دون بعض؟ والجواب: يحتمل أن يكون التقليل في أعين المؤمنين بأن يظنوهم قليلي العدد، لا أنهم أدركوا بعضا دون بعض، لأن العلم بما يدركه الانسان جملة، غير العلم بما يدركه مفصلا، ولأنا قد ندرك جمعا عظيما بأسرهم، ونشك في أعدادهم حتى يقع الخلاف في حرز عددهم، فعلى هذا يكون الوجه تأويل تقليل الأعداد.
14. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ النصر منه سبحانه على الأعداء يكون على ضربين: نصر بالغلبة، ونصر بالحجة، فالنصر بالغلبة إنما كان بغلبة العدد القليل للعدد الكثير، على خلاف مجرى العادة، وبما أمدهم الله به من الملائكة، وقوى به نفوسهم من تقليل العدة، والنصر بالحجة، وهو وعده المتقدم بالغلبة لإحدى الطائفتين لا محالة، وهذا ما لا يعلمه إلا علام الغيوب.
15. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في ظهور المسلمين مع قلتهم، على المشركين مع كثرتهم، وتقليل المشركين في أعين المسلمين، وتكثير المسلمين في أعين المشركين ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي: لذوي العقول، كما يقال لفلان: بصير بالأمور، ولا يراد به الإبصار بالحواس الذي يشترك فيه سائر الحيوان.
16. قراءات ووجوه:
أ. قرأ أهل الكوفة غير عاصم: (سيغلبون ويحشرون) بالياء فيهما، والباقون بالتاء.. من اختار التاء فلقوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ فأجرى الجميع على مثليكم وإن كان قد جاء ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾
ب. قرأ أهل المدينة والبصرة، عن أبي عمرو ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء، والباقون بالياء، وروي في الشواذ، عن ابن عباس ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ بضم الياء.. ورأيت هنا هي المتعدية إلى مفعول واحد، ويدل على ذلك تقييده برأي العين، وإذا كان كذلك كان انتصاب ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ على الحال، لا على أنه مفعول ثان، وأما مثل فقد يفرد في موضع التثنية والجمع، فمن الإفراد في التثنية قوله: (وساقيين مثل زبل وجعل)، ومن إفراده على الجمع قوله ﴿إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ﴾ ومن جمعه قوله ﴿ثُمَّ لَا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾، ومن قرأ ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾: فللخطاب الذي قبله وهو قوله: (قد كان لكم آية ترونهم مثليهم)، فالضمير في ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ للمسلمين، والضمير المنصوب للمشركين أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلي المسلمين، فأما قراءة ابن عباس ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ فوجهه ما قاله ابن جني: إن أريت وأرى أقوى في اليقين من رأيت، تقول: أرى أن سيكون كذا أي: هذا غالب ظني، وأرى أن سيكون كذا أي: أعلمه، وأتحققه، قال أبو علي: من قرأ يرونهم بالياء، فلأن بعد الخطاب غيبة، وهو قوله ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ﴾ أي: ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثليهم، ومما يؤكد الياء قوله مثليهم ولو كان على التاء لكان
çلا تنه عن خلق، وتأتي مثله... عار عليك إذا فعلت عظيمé
أي: لا تجمع بينهما.
17. مسائل نحوية:
أ. ﴿فِئَةٍ﴾ تحتمل ثلاثة أوجه من الإعراب: الرفع على الاستئناف بتقدير منهم فئة كذا، وأخرى كذا.. والجر على البدل، والنصب على الحال، كقول كثير:
çوكنت كذي رجلين: رجل صحيحة... ورجل رمى فيها الزمان، فشلتé
أنشد بالرفع والجر، وقال ابن مفرغ:
çوكنت كذي رجلين: رجل صحيحة... ورجل رماها صائب الحدثان
فأما التي صخت فأزد شنوءة... وأما التي شلت فأزد عمانé
وقال آخر:
çإذا مت كان الناس صنفين: شامت... وآخر مئن بالذي كنت أصنعé
ولا يجوز أن يقول مررت بثلاثة صريع وجريح بالجر، لأنه لم يستوف العدة، ويجوز بالرفع على تقدير منهم صريع، ومنهم جريح، فإن قلت: مررت بثلاثة صريع وجريح وسليم جاز الرفع والجر، فإن زدت فيه اقتتلوا، جاز الأوجه الثلاثة، والقراءة بالرفع لا غير.
ب. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يجوز أن يكون مصدرا ليرى، والعين: في موضع الرفع بأنه الفاعل، ويجوز أن يكون ظرفا للمكان كما يقول: ترونهم أمامكم.
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/706.
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ قرأ ابن كثير، وعاصم، وأبو عمرو، وابن عامر ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ بالتاء و﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ بالياء، وقرأ نافع ثلاثتهنّ بالتاء! وقرأهنّ حمزة، والكسائيّ بالياء.
2. في سبب نزول قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ ثلاثة أقوال:
أ. أحدها: أن يهود المدينة لما رأوا وقعة بدر، همّوا بالإسلام، وقالوا: هذا هو النبيّ الذي نجده في كتابنا، لا تردّ له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتى تنظروا له وقعة أخرى، فلما كانت أحد، شكّوا، وقالوا: ما هو به، ونقضوا عهدا كان بينهم وبين النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أهل مكة، فقالوا: تكون كلمتنا واحدة، فنزلت هذه الآية، رواه أبو صالح، عن ابن عباس.
ب. الثاني: أنها نزلت في قريش قبل وقعة بدر، فحقّق الله وعده يوم بدر، روي عن ابن عباس، والضّحّاك.
ج. الثالث: أن أبا سفيان في جماعة ن قريش، جمعوا لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بعد وقعة بدر، فنزلت هذه الآية، قاله ابن السّائب.
3. في المخاطبين بقوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ ثلاثة أقوال:
أ. أحدها: أنهم المؤمنون، روي عن ابن مسعود، والحسن.
ب. الثاني: الكفار، فيكون معطوفا على الذي قبله، وهو يخرج على قول ابن عباس الذي ذكرناه آنفا.
ج. الثالث: أنهم اليهود، ذكره الفرّاء، وابن الأنباريّ، وابن جرير.
4. سؤال وإشكال: لم قال ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ ولم يقل قد كانت لكم؟ والجواب: من وجهين:
أ. أحدهما: أنّ ما ليس بمؤنث حقيقي، يجوز تذكيره.
ب. الثاني: أنه ردّ المعنى إلى البيان، فمعناه: قد كان لكم بيان فذهب إلى المعنى، وترك اللفظ، وأنشدوا:
çإنّ امرأ غرّه منكنّ واحدة...بعدي وبعدك في الدّنيا لمغرورé
5. المراد بالفئتين: النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم وأصحابه، ومشركو قريش يوم بدر، قاله قتادة والجماعة.
6. في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ قولان:
أ. أحدهما: يرونهم ثلاثة أمثالهم قاله الفرّاء، واحتجّ بأنك إذا قلت: عندي ألف دينار، وأحتاج إلى مثليه، فإنك تحتاج إلى ثلاثة آلاف.
ب. الثاني: أن معناه يرونهم ومثلهم، قال الزّجّاج: وهو الصحيح.
7. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي: في رأي العين، قال ابن جرير: جاء هذا على مصدر رأيته، يقال: رأيته رأيا، ورؤية، واختلفوا في الفئة الرّائية على ثلاثة أقوال: هي التي ذكرناها في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾:
أ. فإن قلنا: إن الفئة الرّائية المسلمون، فوجهه أنّ المشركين كانوا يضعفون على عدد المسلمين، فرأوهم على ما هم عليه، ثم نصرهم الله، وكذلك إن قلنا: إنهم اليهود.
ب. وإن قلنا: إنهم المشركون، فتكثير المسلمين في أعينهم من أسباب النصر.
8. قرأ نافع: (ترونهم) بالتاء، قال ابن الأنباريّ: ذهب إلى أن الخطاب لليهود، قال الفرّاء: ويجوز لمن قرأ (يرونهم) بالياء أن يجعل الفعل لليهود، وإن كان قد خاطبهم في قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ لأنّ العرب ترجع من الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى الخطاب.
9. سؤال وإشكال: كيف يقال: إن المشركين استكثروا المسلمين، وإنّ المسلمين استكثروا المشركين، وقد بيّن قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ أنّ الفئتين تساوتا في استقلال إحداهما للأخرى؟ والجواب: أنهم استكثروهم في حال، واستقلّوهم في حال:
أ. فإن قلنا: إن الفئة الرّائية المسلمون، فإنّهم رأوا عدد المشركين عند بداية القتال على ما هم عليه، ثم قلّل الله المشركين في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فنصرهم الله بذلك السبب، قال ابن مسعود: نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم، فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا، وقال في رواية أخرى: لقد قلّلوا في أعيننا حتى قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال أراهم مائة، فأسرنا منهم رجلا فقلت: كم كنتم؟ قال ألفا.
ب. وإن قلنا: إنّ الفئة الرّائية المشركون فإنهم استقلّوا المسلمين في حال، فاجترؤوا عليهم، واستكثروهم في حال، فكان ذلك سبب خذلانهم، وقد نقل أن المشركين لما أسروا يومئذ، قالوا للمسلمين: كم كنتم؟ قالوا: كنا ثلاثمائة وثلاثة عشر، قالوا: ما كنّا نراكم إلا تضعفون علينا.
10. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾، أي: يقوّي، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ في الإشارة قولان:
أ. أحدهما: أنها ترجع إلى النّصر.
ب. الثاني: إلى رؤية الجيش مثليهم.
11. العبرة: الدلالة الموصلة إلى اليقين، المؤدّية إلى العلم، وهي من العبور، كأنه طريق يعبر به ويتوصّل به المراد، وقيل: العبرة: الآية التي يعبر منها من منزلة الجهل إلى العلم، والأبصار: العقول والبصائر.
__________
(1) زاد المسير: 1/263.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. قرأ حمزة والكسائي (سيغلبون ويحشرون) بالياء فيهما، والباقون بالتاء المنقطة من فوق فيهما:
أ. فمن قرأ بالياء المنقطة من تحت، فالمعنى: بلغهم أنهم سيغلبون، ويدل على صحة الياء قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ﴾ [الجاثية: 14] ﴿وقُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا﴾ [النور: 30] ولم يقل غضوا.
ب. ومن قرأ بالتاء فللمخاطبة، ويدل على حسن التاء قوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ﴾ [آل عمران: 81] والفرق بين القراءتين من حيث المعنى أن القراءة بالتاء أمر بأن يخبرهم بما سيجري عليهم من الغلبة والحشر إلى جهنم، والقراءة بالياء أمر بأن يحكي لهم.
ذكروا في سبب نزول هذه الآية وجوهاً:
أ. الأول: لما غزا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قريشاً يوم بدر وقدم المدينة، جمع يهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً، فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال، لو قاتلتنا لعرفت، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ب. الثاني: أن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر، قالوا: والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة، ونعته وأنه لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا فلما كان يوم أحد ونكب أصحابه قالوا: ليس هذا هو ذاك، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا، فأنزل الله تعالى هذه الآية.
ج. الثالث: أن هذا الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم.
احتج من قال بتكليف ما لا يطاق بهذه الآية، فقال: إن الله تعالى أخبر عن تلك الفرقة من الكفار أنهم يحشرون إلى جهنم، فلو آمنوا وأطاعوا لا نقلب هذا الخبر كذباً وذلك محال، ومستلزم المحال محال، فكان الإيمان والطاعة محالًا منهم، وقد أمروا به، فقد أمروا بالمحال وبما لا يطاق، وتمام تقريره قد تقدم في تفسير قوله تعالى: ﴿سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ﴾ [البقرة: 6]
2. ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ إخبار عن أمر يحصل في المستقبل، وقد وقع مخبره على موافقته، فكان هذا إخباراً عن الغيب وهو معجز، ونظيره قوله تعالى: ﴿غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ﴾ [الروم: 2، 3] الآية، ونظيره في حق عيسى عليه السلام: ﴿وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ﴾ [آل عمران: 49]
3. دلّت الآية على حصول البعث في القيامة، وحصول الحشر والنشر، وأن مرد الكافرين إلى النار.
4. ثم قال: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ وذلك لأنه تعالى لما ذكر حشرهم إلى جهنم وصفه فقال: ﴿بِئْسَ الْمِهادُ﴾ والمهاد: الموضع الذي يتمهد فيه وينام عليه كالفراش، قال الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ فَرَشْنَاهَا فَنِعْمَ الْمَاهِدُونَ﴾ [الذاريات: 48] فلما ذكر الله تعالى مصير الكافرين إلى جهنم أخبر عنها بالشر لأن بئس مأخوذ من البأساء هو الشر والشدة، قال الله تعالى: ﴿وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ﴾ [الأعراف: 165] أي شديد وجهنم معروفة أعاذنا الله منها بفضله.
5. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ لم يقل: قد كانت لكم آية، بل قال ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ وفيه وجهان:
أ. الأول: أنه محمول على المعنى، والمراد: قد كان لكم إتيان هذا آية.
ب. الثاني: قال الفرّاء: إنما ذكر للفصل الواقع بينهما، وهو قوله لَكُمْ.
6. وجه النظم أنا ذكرنا أن الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ نزلت في اليهود، وأن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لما دعاهم إلى الإسلام أظهروا التمرد وقالوا: ألسنا أمثال قريش في الضعف وقلة المعرفة بالقتال بل معنا من الشوكة والمعرفة بالقتال ما يغلب كل من ينازعنا فالله تعالى قال لهم إنكم وإن كنتم أقوياء وأرباب العدة والعدة فإنكم ستغلبون ثم ذكر الله تعالى ما يجري الدلالة على صحة ذلك الحكم، فقال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ﴾ يعني واقعة بدر كانت كالدلالة على ذلك لأن الكثرة والعدة كانت من جانب الكفار والقلة وعدم السلاح من جانب المسلمين ثم إن الله تعالى قهر الكفار وجعل المسلمين مظفرين منصورين وذلك يدل على أن تلك الغلبة كانت بتأييد الله ونصره، ومن كان كذلك فإنه يكون غالباً لجميع الخصوم، سواء كانوا أقوياء أو لم يكونوا كذلك فهذا ما يجري مجرى الدلالة على أنه عليه السلام يهزم هؤلاء اليهود ويقهرهم وإن كانوا أرباب السلاح والقوة، فصارت هذه الآية كالدلالة على صحة قوله قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ الآية، فهذا هو الكلام في وجه النظم.
7. (الفئة) الجماعة، وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين: رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وأصحابه يوم بدر ومشركو مكة روي أن المشركين يوم بدر كانوا تسعمائة وخمسين رجلًا، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، وقادوا مائة فرس، وكانت معهم من الإبل سبعمائة بعير، وأهل الخيل كلهم كانوا دارعين وهم مائة نفر، وكان في الرجال دروع سوى ذلك، وكان المسلمون ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلًا بين كل أربعة منهم بعير، ومعهم من الدروع ستة، ومن الخيل فرسان، ولا شك أن في غلبة المسلمين للكفار على هذه الصفة آية بينة ومعجزة قاهرة.
8. في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوه:
أ. الأول: أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور، منها: قل العدد، ومنها: أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا، ومنها قلة السلاح والفرس، ومنها أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني منها: كثرة العدد، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب، ومنها كثرة سلاحهم وخيلهم، ومنها أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة، والمقاتلة في الأزمنة الماضية، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة، ولما كان ذلك خارجاً عن العادة كان معجزاً.
ب. الثاني: أنه صلّى الله عليه وآله وسلم كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ﴾ [الأنفال: 7] يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخباراً عن الغيب، فكان معجزاً.
ج. الثالث: ما ذكره تعالى بعد هذه الآية، وهو قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ والأصح في تفسير هذه الآية أن الرائين هم المشركون والمرئيين هم المؤمنون، والمعنى أن المشركين كانوا يرون المؤمنين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين، أو مثلي عدد المسلمين وهو ستمائة، وذلك معجز.
د. الرابع: قال الحسن: إن الله تعالى أمد رسوله صلّى الله عليه وآله وسلم في تلك الغزوة بخمسة آلاف من الملائكة لأنه قال: ﴿فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِّي مُمِدُّكُمْ بِأَلْفٍ﴾ [الأنفال: 9] وقال: ﴿بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ﴾ [آل عمران: 125] والألف مع الأربعة آلاف: خمسة آلاف من الملائكة وكان سيماهم هو أنه كان على أذناب خيولهم ونواصيها صوف أبيض، وهو المراد بقوله: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾
9. سؤال وإشكال: تجويز رؤية ما ليس بموجود يفضى إلى السفسطة، والجواب: نحمل الرؤية على الظن والحسبان، وذلك لأن من اشتد خوفه قد يظن في الجمع القليل أنهم في غاية الكثرة، وإما أن نقول إن الله تعالى أنزل الملائكة حتى صار عسكر المسلمين كثيرين والجواب الأول أقرب، لأن الكلام مقتصر على الفئتين ولم يدخل فيهما قصة الملائكة.
10. ثم قال الله تعالى: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ القراءة المشهورة فِئَةٌ بالرفع، وكذا قوله ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وقرئ فئة فقاتل وأخرى كافرة بالجر على البدل من فئتين، وقرئ بالنصب إما على الاختصاص، أو على الحال من الضمير في التقتا، قال الواحدي: والرفع هو الوجه لأن المعنى إحداهما تقاتل في سبيل الله فهو رفع على استئناف الكلام.
11. المراد بالفئة التي تقاتل في سبيل الله هم المسلمون، لأنهم قاتلوا لنصرة دين الله، وقوله: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ المراد بها كفار قريش.
12. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ قرأ نافع وأبان عن عاصم ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء المنقطة من فوق، والباقون بالياء فمن قرأ بالتاء فلأن ما قبله خطاب لليهود، والمعنى ترون أيها اليهود المسلمين مثلي ما كانوا، أو مثلي الفئة الكافرة، أو تكون الآية خطاباً مع مشركي قريش والمعنى: ترون يا مشركي قريش المسلمون مثلي فئتكم الكافرة، ومن قرأ بالياء فللمغالبة التي جاءت بعد الخطاب، وهو قوله ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ فقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ يعود إلى الإخبار عن إحدى الفئتين.
13. تقدم في هذه الآية ذكر الفئة الكافرة وذكر الفئة المسلمة فقوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ يحتمل أن يكون الراؤن هم الفئة الكافرة، والمرئيون هم الفئة المسلمة، ويحتمل أن يكون بالعكس من ذلك فهذان احتمالان، وأيضاً فقوله: ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ يحتمل أن يكون المراد مثلي الرائين وأن يكون المراد مثلي المرئين فإذن هذه الآية تحتمل وجوهاً أربعة:
أ. الأول: أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين.
ب. الثاني: أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيّفاً وعشرين، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم، سؤال وإشكال: هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: 44] والجواب: أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين، فقللوا أولًا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا مغلوبين، ثم إن تقليلهم في أول الأمر، وتكثيرهم في آخر الأمر، أبلغ في القدرة وإظهار الآية.
ج. الثالث: أن الرائين هم المسلمون، والمرئيين هم المشركون، فالمسلمون رأوا المشركين مثلي المسلمين ستمائة وأزيد، والسبب فيه أن الله تعالى أمر المسلم الواحد بمقاومة الكافرين قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ [الأنفال: 66] سؤال وإشكال: كيف يرونهم مثليهم رأي العين، وكانوا ثلاثة أمثالهم؟، والجواب: أن الله تعالى إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم، وذلك لأنه تعالى قال ﴿فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ﴾ فأظهر ذلك العدد من المشركين للمؤمنين تقوية لقلوبهم، وإزالة للخوف عن صدورهم.
د. الرابع: أن الرائين هم المسلمون، وأنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين فهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد، لأن هذا يوجب نصرة المشركين بإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين، والآية تنافي ذلك، وفي الآية احتمال خامس، وهو أنا أول الآية قد بينا أن الخطاب مع اليهود، فيكون المراد ترون أيها اليهود المشركين مثلي المؤمنين في القوة والشوكة.
14. الاحتمال الأول والثاني يقتضي أن المعدوم صار مرئياً، والاحتمال الثالث يقتضي أن ما وجد وحضر لم يصر مرئياً:
أ. الأول: هو محال عقلًا، لأن المعدوم لا يرى، فلا جرم وجب حمل الرؤية على الظن القوي، وأما.
ب. الثاني: هو جائز عند أهل السنة، ومن وافقهم، لأن عندنا مع حصول الشرائط وصحة الحاسد يكون الإدراك جائزاً لا واجباً، وكان ذلك الزمان زمان ظهور المعجزات وخوارق العادات، فلم يبعد أن يقال: إنه حصل ذلك المعجز، وأما المعتزلة، ومن وافقهم فعندهم الإدراك واجب الحصول عند اجتماع الشرائط وسلامة الحاسد، فلهذا المعنى اعتذر القاضي عن هذا الموضع من وجوه:
• أحدها: أن عند الاشتغال بالمحاربة والمقاتلة قد لا يتفرغ الإنسان لأن يدير حدقته حول العسكر وينظر إليهم على سبيل التأمل التام، فلا جرم يرى البعض دون البعض.
• ثانيها: لعلّه يحدث عند المحاربة من الغبار ما يصير مانعاً عن إدراك البعض.
• ثالثها: يجوز أن يقال: إنه تعالى خلق في الهواء ما صار مانعاً عن إدراك ثلث العسكر، وكل ذلك محتمل.
15. اللفظ وإن احتمل أن يكون الراؤن هم المشركون، وأن يكون هم المسلمون فأي الاحتمالين أظهر فقيل: إن كون المشرك رائياً أولى، ويدل عليه وجوه:
أ. الأول: أن تعلق الفعل بالفاعل أشد من تعلقه بالمفعول، فجعل أقرب المذكورين السابقين فاعلًا، وأبعدهما مفعولًا أولى من العكس، وأقرب المذكورين هو قوله تعالى: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾
ب. الثاني: أن مقدمة الآية وهو قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ خطاب مع الكفار فقراءة نافع بالتاء يكون خطاباً مع أولئك الكفار والمعنى ترون يا مشركي قريش المسلمين مثليهم، فهذه القراءة لا تساعد إلا على كون الرائي مشركاً.
ج. الثالث: أن الله تعالى جعل هذه الحالة آية الكفار، حيث قال ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ فوجب أن تكون هذه الحالة مما يشاهدها الكافر حتى تكون حجة عليه، أما لو كانت هذه الحالة حاصلة للمؤمن لم يصح جعلها حجة الكافر والله أعلم.
16. احتج من قال الراؤن هم المسلمون، وذلك لأن الرائين لو كانوا هم المشركين لزم رؤية ما ليس بموجود وهو محال، ولو كان الراؤن هم المؤمنون لزم أن لا يرى ما هو موجود وهذا ليس بمحال، وكان ذلك أولى.
17. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يقال: رأيته رأياً ورؤية، ورأيت في المنام رؤيا حسنة، فالرؤية مختص بالمنام، ويقول: هو مني مرأى العين حيث يقع عليه بصري، فقوله تعالى: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يجوز أن ينتصب على المصدر، ويجوز أن يكون ظرفا للمكان، كما تقول: ترونهم أمامكم، ومثله: هو مني مناط العنق ومزجر الكلب.
18. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ نصر الله المسلمين على وجهين: نصر بالغلبة كنصر يوم بدر، ونصر بالحجة، فلهذا المعنى لو قدرنا أنه هزم قوم من المؤمنين لجاز أن يقال: هم المنصورون لأنهم هم المنصورون بالحجة، وبالعاقبة الحميدة، والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح.
19. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً﴾ والعبرة الاعتبار وهي الآية التي يعبر بها من منزلة الجهل إلى العلم وأصله من العبور وهو النفوذ من أحد الجانبين إلى الآخر، ومنه العبارة وهي كلام الذي يعبر بالمعنى إلى المخاطب، وعبارة الرؤيا من ذلك، لأنها تعبير لها، وقوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي لأولي العقول، كما يقال: لفلان بصر بهذا الأمر، أي علم ومعرفة.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/155.
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يعني اليهود، قال محمد بن إسحاق: لما أصاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قريشا ببدر وقدم المدينة جمع اليهود فقال: يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش يوم بدر قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم فقد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم وعهد الله إليكم، فقالوا: يا محمد، لا يغرنك أنك قتلت أقواما أغمارا لا علم لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة! والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، فأنزل الله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ﴾ بالتاء يعني اليهود: أي تهزمون ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ في الآخرة، فهذه رواية عكرمة وسعيد بن جبير عن ابن عباس، وفي رواية أبي صالح عنه أن اليهود لما فرحوا بما أصاب المسلمين يوم أحد نزلت، فالمعنى على هذا ﴿سَيَغْلِبُونَ﴾ بالياء، يعني قريشا، و(يحشرون) بالياء فيهما، وهي قراءة نافع.
2. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يعني جهنم، هذا ظاهر الآية، وقال مجاهد: المعنى بئس ما مهدوا لأنفسهم، فكأن المعنى: بئس فعلهم الذي أداهم إلى جهنم.
3. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي علامة، وقال ﴿كَانَ﴾ ولم يقل ﴿كَانَتْ﴾ لأن ﴿آيَةً﴾ تأنيثها غير حقيقي، وقيل: ردها إلى البيان، أي قد كان لكم بيان، فذهب إلى المعنى وترك اللفظ، كقول امرئ القيس: (برهرهة رودة رخصة كخرعوبة البانة المنفطر)، ولم يقل المنفطرة، لأنه ذهب إلى القضيب، وقال الفراء: ذكره لأنه فرق بينهما بالصفة، فلما حالت الصفة بين الاسم والفعل ذكر الفعل، وقد مضى هذا المعنى في البقرة في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ﴾
4. ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ يعني المسلمين والمشركين يوم بدر ﴿فِئَةٍ﴾ قرأ الجمهور ﴿فِئَةٍ﴾ بالرفع، بمعنى إحداهما فئة، وقرأ الحسن ومجاهد ﴿فِئَةٍ﴾ بالخفض ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ على البدل، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما، قال أحمد بن يحيى: ويجوز النصب على الحال، أي التقتا مختلفتين مؤمنة وكافرة، قال الزجاج: النصب بمعنى أعني، وسميت الجماعة من الناس فئة لأنها يفاء إليها، أي يرجع إليها في وقت الشدة، وقال الزجاج: الفئة الفرقة، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف ـ ويقال: فأيته ـ إذا فلقته.
5. لا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بدر، واختلف من المخاطب بها، فقيل: يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة، وبكل احتمال منها قد قال قوم.
6. فائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدموا على مثليهم وأمثالهم كما قد وقع، قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ قال أبو علي: الرؤية في هذه الآية رؤية عين، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد، قال مكي والمهدوي: يدل عليه ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾
7. قرأ نافع ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء والباقون بالياء،﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ نصب على الحال من الهاء والميم في ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾، والجمهور من الناس على أن الفاعل بترون هم المؤمنون، والضمير المتصل هو للكفار، وأنكر أبو عمرو أن يقرأ ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء، قال: ولو كان كذلك لكان مثليكم، قال النحاس وذا لا يلزم، ولكن يجوز أن يكون مثلي أصحابكم، قال مكي: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء جرى على الخطاب في ﴿لَكُمْ﴾ فيحسن أن يكون الخطاب للمسلمين، والهاء والميم للمشركين، وقد كان يلزم من قرأ بالتاء أن يقرأ مثليكم بالكاف، وذلك لا يجوز لمخالفة الخط، ولكن جرى الكلام على الخروج من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى: ﴿حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ﴾ فخاطب ثم قال: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ﴾ فرجع إلى الغيبة.
8. فالهاء والميم في ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ يحتمل أن يكون للمشركين، أي ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد، وهو بعيد في المعنى، لأن الله تعالى لم يكثر المشركين في أعين المسلمين بل أعلمنا أنه قللهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى ترون أيها المؤمنون المشركين مثليكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم ويقع التجاسر، وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، وقلل المسلمين في أعين المشركين ليجترءوا عليهم فينفذ حكم الله فيهم، ويحتمل أن يكون الضمير في ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ للمسلمين، أي ترون أيها المسلمون المسلمين مثلي ما أنتم عليه من العدد، أي ترون أنفسكم مثلي عددكم، فعل الله ذلك بهم لتقوى أنفسهم على لقاء المشركين، والتأويل الأول أولى، يدل عليه قوله تعالى: ﴿إِذْ يُرِيكَهُمُ اللَّهُ فِي مَنَامِكَ قَلِيلًا﴾ وقوله: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ وروي عن ابن مسعود أنه قال: قلت لرجل إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أظنهم مائة فلما أخذنا الأسارى أخبرونا أنهم كانوا ألفا، وحكى الطبري عن قوم أنهم قالوا: بل كثر الله عدد المؤمنين في عيون الكافرين حتى كانوا عندهم ضعفين، وضعف الطبري هذا القول، قال ابن عطية: وكذلك هو مردود من جهات، بل قلل الله المشركين في أعين المؤمنين كما تقدم، وعلى هذا التأويل كان يكون ﴿تَرَوْنَ﴾ للكافرين، أي ترون أيها الكافرون المؤمنين مثليهم، ويحتمل مثليكم، على ما تقدم، وزعم الفراء أن المعنى ترونهم مثليهم ثلاثة أمثالهم، وهو بعيد غير معروف في اللغة، قال الزجاج: وهذا باب الغلط، فيه غلط في جميع المقاييس، لأنا إنما نعقل مثل الشيء مساويا له، ونعقل مثله ما يساويه مرتين، قال ابن كيسان: وقد بين الفراء قوله بأن قال: كما تقول وعندك عبد: أحتاج إلى مثله، فأنت محتاج إليه وإلى مثله، وتقول: أحتاج إلى مثليه، فأنت محتاج إلى ثلاثة، والمعنى على خلاف ما قال، واللغة، والذي أوقع الفراء في هذا أن المشركين كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين يوم بدر، فتوهم أنه لا يجوز أن يكونوا يرونهم إلا على عدتهم، وهذا بعيد وليس المعنى عليه، وإنما أراهم الله على غير عدتهم لجهتين: إحداهما أنه رأى الصلاح في ذلك، لأن المؤمنين تقوى قلوبهم بذلك، والأخرى أنه آية للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم، وسيأتي ذكر وقعة بدر إن شاء الله تعالى.
9. أما قراءة الياء فقال ابن كيسان: الهاء والميم في ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ عائدة على ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ والهاء والميم في ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ عائدة على ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وهذا من الإضمار الذي يدل عليه سياق الكلام، وهو قوله: ﴿يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾، فدل ذلك على أن الكافرين كانوا مثلي المسلمين في رأي العين وثلاثة أمثالهم في العدد، قال: والرؤية هنا لليهود، وقال مكي: الرؤية للفئة المقاتلة في سبيل الله، والمرئية الفئة الكافرة، أي ترى الفئة المقاتلة في سبيل الله الفئة الكافرة مثلي الفئة المؤمنة، وقد كانت الفئة الكافرة ثلاثة أمثال المؤمنة فقللهم الله في أعينهم على ما تقدم، والخطاب في ﴿لَكُمْ﴾ لليهود، وقرأ ابن عباس وطلحة ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بضم التاء، والسلمي بالتاء المضمومة على ما لم يسم فاعله.
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/25.
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ قيل: هم اليهود؛ وقيل: هم مشركو مكة، ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ قرئ: بالفوقية، والتحتية، وكذلك: ﴿تُحْشَرُونَ﴾، وقد صدق الله وعده بقتل بني قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على سائر اليهود.
2. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ يحتمل: أن يكون من تمام القول الذي أمر الله سبحانه نبيه صلّى الله عليه وآله وسلم أن يقوله لهم، ويحتمل: أن تكون الجملة مستأنفة تهويلا وتفظيعا.
3. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ أي: علامة عظيمة دالة على صدق ما أقول لكم، وهذه الجملة: جواب قسم محذوف، وهي من تمام القول المأمور به لتقرير مضمون ما قبله، ولم يقل: كانت، لأن التأنيث غير حقيقي، وقال الفراء: إنه ذكر الفعل لأجل الفصل بينه وبين الاسم بقوله: ﴿لَكُمْ﴾، والمراد بالفئتين: المسلمون، والمشركون لما التقوا يوم بدر.
4. ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ قراءة الجمهور: برفع فئة، وقرأ الحسن، ومجاهد: (فئة) و(كافرة) بالخفض، فالرفع على الخبرية لمبتدأ محذوف، أي: إحداهما فئة، وقوله: ﴿تُقَاتِلُ﴾ في محل رفع على الصفة، والجرّ على البدل من قوله: ﴿فِئَتَيْنِ﴾، وقوله: ﴿وَأُخْرَى﴾ أي: وفئة أخرى كافرة، وقرأ ابن أبي عبلة بالنصب فيهما، قال ثعلب: هو على الحال، أي: التقتا مختلفتين، مؤمنة وكافرة، وقال الزجاج: النصب بتقدير أعني؛ وسميت الجماعة من الناس: فئة، لأنه يفاء إليها؛ أي: يرجع في وقت الشدة، وقال الزجاج: الفئة: الفرقة، مأخوذة من فأوت رأسه بالسيف، إذا قطعته، ولا خلاف أن المراد بالفئتين هما المقتتلتان في يوم بدر، وإنما وقع الخلاف في المخاطب بهذا الخطاب؛ فقيل: المخاطب بها المؤمنون؛ وقيل: اليهود، وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت نفوسهم وتشجيعها، وفائدته إذا كان مع اليهود عكس الفائدة المقصودة بخطاب المسلمين.
5. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ قال أبو علي الفارسي: الرؤية في هذه الآية رؤية العين، ولذلك تعدت إلى مفعول واحد، ويدل عليه قوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ والمراد: أنه يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين، أو مثلي عدد المسلمين، وهذا على قراءة الجمهور: بالياء التحتية، وقرأ نافع: بالفوقية، وقوله: ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ منتصب على الحال، وقد ذهب الجمهور إلى أن فاعل ترون هم: المؤمنون، والمفعول هم: الكفار، والضمير في مثليهم يحتمل أن يكون للمشركين، أي: ترون أيها المسلمون المشركين مثلي ما هم عليه من العدد، وفيه بعد أن يكثر الله المشركين في أعين المؤمنين، وقد أخبرنا: أنه قللهم في أعين المؤمنين، فيكون المعنى: ترون أيها المسلمون المشركين مثليكم في العدد وقد كانوا ثلاثة أمثالهم، فقلل الله المشركين في أعين المسلمين فأراهم إياهم مثلي عدتهم لتقوى أنفسهم، وقد كانوا أعلموا أن المائة منهم تغلب المائتين من الكفار، ويحتمل أن يكون الضمير في مثليهم للمسلمين، أي: ترون أيها المسلمون أنفسكم مثلي ما أنتم عليه من العدد لتقوى بذلك أنفسكم، وقد قال من ذهب إلى التفسير الأوّل: أعني: أن فاعل الرؤية المشركون، وأنهم رأوا المسلمين مثلي عددهم؛ أنه لا يناقض هذا ما في سورة الأنفال من قوله تعالى: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ بل قللوا أوّلا في أعينهم ليلاقوهم ويجترئوا عليهم، فلمّا لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا.
6. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ مصدر مؤكد لقوله: ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ أي: رؤية ظاهرة مكشوفة، لا لبس فيها ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي: يقوّي من يشاء أن يقويه، ومن جملة ذلك تأييد أهل بدر بتلك الرؤية، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي: في رؤية القليل كثيرا ﴿لَعِبْرَةً﴾ فعلة من العبور، كالجلسة من الجلوس، والمراد الاتعاظ، والتنكير للتعظيم، أي: عبرة عظيمة، وموعظة جسيمة.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/369.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ بهذا الدين وهم اليهود (للزاوية الآتية) أو نصارى نجران، لأن السورة نزلت لإحقاق الحق معهم، أو أعمّ ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ أي في الدنيا ﴿وَتُحْشَرُونَ﴾ أي يوم القيامة ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ الفراش، أي فكفركم ككفر آل فرعون بموسى، وقد فعل بقريش لكفرهم ما رأيتم، فسيفعل بكم ما فعل بهم، وهو أنكم تغلبون كما غلبوا، وقد صدق الله وعده بقتل قريظة، وإجلاء بني النضير، وفتح خيبر، وضرب الجزية على من عداهم، وهو من أوضح شواهد النبوة، وقد روى أبو داوود في سننه والبيهقيّ في الدلائل من طريق ابن إسحاق، عن ابن عباس أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لما أصاب من أهل بدر ما أصاب، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود في سوق بني قينقاع وقال: يا معشر يهود! أسلموا قبل أن يصيبكم الله بما أصاب قريشا، فقالوا: يا محمد! لا يغرنك من نفسك أن قتلت نفرا من قريش كانوا أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أنا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا، فأنزل الله ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾
2. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ أيها الكافرون المتقدم ذكرهم ﴿آيَةً﴾ عبرة ودلالة على أنكم ستغلبون، وعلى أن الله معزّ دينه، وناصر رسوله، ومعل أمره ﴿فِي فِئَتَيْنِ﴾ أي فرقتين ﴿الْتَقَتَا﴾ يوم بدر للقتال ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي طاعته، وهم النبيّ وأصحابه وكانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، معهم فرسان وست أدرع وثمانية سيوف وأكثرهم رجالة ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ وهم مشركو قريش وكانوا قريبا من ألف ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ أي يرى المشركون المسلمين مثلي عدد المشركين قريبا من ألفين، أراهم الله إياهم، مع قلتهم، أضعافهم ليهابوهم، ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مددا لهم من الله تعالى، كما أمدهم بالملائكة.
3. سؤال وإشكال: هذا مناقض لقوله في سورة الأنفال: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ [الأنفال: 44]، والجواب: يحتمل وجهين:
أ. قللوا أولا في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم، فلما لاقوهم كثروا في أعينهم حتى غلبوا، فكان التقليل والتكثير في حالين مختلفين، ونظيره في المحمول على اختلاف الأحوال قوله تعالى: ﴿فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾ [الرحمن: 39]، وقوله تعالى: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾ [الصافات: 24]، وتقليلهم تارة وتكثيرهم أخرى في أعينهم، أبلغ في القدرة وإظهار الآية ـ كذا في الكشاف ـ
ب. أو يجاب بأنهم كثروا أولا في أعينهم ليحصل لهم الرعب والخوف والجزع والهلع، ثم لما حصل التصافّ والتقى الفريقان قلل الله هؤلاء في أعين هؤلاء ليقدم كل منهما على الآخر ليقضي الله أمرا كان مفعولا.
4. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يعني رؤية ظاهرة مكشوفة لا لبس فيها، معاينة كسائر المعاينات ـ كذا في الكشاف ـ ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ﴾ أي يقوّي ﴿بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ أي التكثير والتقليل، وغلبة القليل، مع عدم العدة، على الكثير الشاكي السلاح ﴿لَعِبْرَةً﴾ أي لاعتبارا وآية وموعظة ﴿لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لذوي العقول والبصائر.
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/290.
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ﴾ من أهل مكَّة وأشياعهم ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يوم بدر، ﴿وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ يوم القيامة من الموقف، أو من موتكم إلى جهنَّم؛ لأنَّ القبر أوَّل أمور الآخرة، وأرواحهم تعذَّب بالنار؛ أو فيها من حين ماتوا، أو تُجمَعون في جهنَّم، على أنَّ (إِلَى) بمعنى (في)، وهنا تمَّ القول أو مع قوله: ﴿وبِيسَ الْمِهَادُ﴾ جهنَّم أعدُّوها لأنفسهم، كما يعدُّ الفراش، أو بيس المهاد ما قدَّموه من العمل الموجوب لها، والآية قبل بدر، وقيل: الذين كفروا اليهود، والآية بعد بدر؛ لَمَّا رجع من بدر جمع اليهود في سوق بني قينقاع فحذَّرهم أن ينزل بهم ما نزل بقريش من القتل، وأمرهم بالإسلام، وأبوا وقالوا: (لا يغرَّنك أن قَتَلتَ نفرا من قريش أغمارا لا يعرفون القتال، لئن قاتلتنا لتعلمُنَّ أنَّما نحن الناس)، وقد قتل من بني قريظة في يوم واحد ستَّمائة، جمعهم في سوق بني قينقاع، وأمر السيَّاف بضرب أعناقهم ورماهم بحفيرة ودفنهم، وضرب الجزية على أهل خيبر بعد فتحها وعلى غيرهم، والأسر كان لبعض قريظة وأهل خيبر، وأجلى بني النضير، والأوَّل أولى؛ لأنَّ الغالب في القرآن ذكر النصارى واليهود بأهل الكتاب لا بالكفَّار، وروي ضعيفا أنَّه لَمَّا كان يوم بدر اهتمَّ اليهود بالإسلام وقالوا: إنَّه الذي بشَّر به موسى، فقال بعض: لا تعجلوا حتَّى يكون قتال آخر، وَلَمَّا كان أُحد شكُّوا ونقضوا عهدا كان بينهم وبينه صلّى الله عليه وآله وسلّم ، فانطلق كعب بن الأشرف في ستِّين راكبا إلى أهل مكَّة فكانت الأحزاب.
2. ﴿قَدْ كَانَ لَكُم﴾ أيُّها الكفَّار مطلقًا، أو يهود المدينة القائلين: (لا يغرَّنك أن قتلت نفرا..) إلخ، وذلك مستأنف، أو من القول المذكور في الآية، أو يا أيُّها المؤمنون، فيكون مستأنفا، لكن لم يتقدَّم ذكرهم، ﴿ءَايَةٌ﴾ عبرة أو دلالة على صدق ما قلت لكم: ستغلبون، أفلا تعتبرون فتؤمنوا!؟ وثباتٌ للمؤمنين على الإيمان وزيادة؛ لأنَّ ذلك معجزة.
3. ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ يوم بدر للقتال، ﴿فِئَةٌ﴾ مؤمنة ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللهِ﴾ لم يقل: فئة مؤمنة كما قال: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ رمزا لهم بما يليق بالمقام؛ ولأنَّ إخلاص القتال في الله ما هو إِلَّا نتيجة الإيمان، وهم النبيء وأصحابه، سبعة وسبعون من المهاجرين رايَتُهم مع عليٍّ، ومائتان وستَّة وثلاثون من الأنصار رايتهم مع سعد بن عبادة، استشهد من المهاجرين ستَّة ومن الأنصار ثمانية، ومعهم فرس للمقداد بن عمرو، وفرس لمرثد بن أبي مرثد، وسبعون بعيرا يتعاقبون عليها، وسبعة أدرع وثمانية أسيف، وبسطت ذلك في (هميان الزاد) وأشدُّ البسط في شرحي على (نونيَّة المديح)، وسمِّيت الجماعة فئة لأنَّه يُفاء إليها عند الشدَّة، أي: يُرجَع.
4. ﴿وَأُخْرَىٰ كَافِرَةٌ﴾ بالله تقاتل في سبيل الشيطان، رئيسهم عتبة بن ربيعة، وفيهم أبو جهل، ولم يذكرهم بالقتال لضعف قتالهم للذلِّ، وأنَّه كَلَا قِتالَ في عدم النفع، ﴿تَرَوْنَهُم﴾ الخطاب للمسلمين الذين لم يحضروا بدرا، والهاء للمشركين الحاضرين.
5. ﴿مِّثْلَيْهِمْ﴾ الهاء للمسلمين الحاضرين بدرا، والرؤية علميَّة شبِّهت برؤية البصر كما قال: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي: ترونكم مثليكم، أي: ترون أنفسكم مثليكم، فضمير الرفع للمسلمين الحاضرين أيضًا، أو الهـَاءَانِ للمسلمين الحاضرين على طريق الالتفات إلى الغيبة، والأصل: مثليكم، وهو جائز ولو في جملة واحدة، أو ترونكم أيُّها المشركون، أي: ترون أنفسكم، فاغتاب في موضع الخطاب، أي: مثلي المسلمين، والرؤية في الوجهين بصريَّة، والخطاب للمشركين الحاضرين ولم يقاتلوا، أو لليهود، أو لهم ولسائر المشركين الذين لم يحضروا، فالرؤية علميَّة؛ وقد قيل: حضر اليهود ولم يقاتلوا، فالرؤية بصريَّة.
6. وقد مرَّ أنَّ المسلمين ثلاثمائة وثلاثة عشر، فالمشركون ستُّمائة وستَّة وعشرون، وعن الفرَّاء: مثليهم معهم فهم ثلاثمائة وثلاثة عشر ثلاث مرَّات، ومع رؤية المسلمين أنفسهم، أو المشركين واليهود أنَّ المسلمين نصف المشركين، كان المسلمون غالبين، فاعتبروا أيُّها المشركون واليهود وآمِنوا، ويا أيُّها المؤمنون وازدادوا إيمانا، وشُهِرَ أنَّ المشركين نحو ألف، فنقول: ازداد المشركون بعد الرؤية، أو أراهم الله إيَّاهم في عدد أكثر مِمَّا هم عليه وأقلَّ مِمَّا المشركين عليه في نفس الأمر؛ أو أراد بالمثلين مطلق الكثرة، وقد قلَّل الله الكفَّار في أعين المسلمين كأنَّهم مائة أو سبعون مع أنَّهم ألف أو أكثر، أو تسعمائة وخمسون معهم مائة فرس وسبعمائة بعير، وسلاح ودروع لا تحصى لئلَّا يجبنوا، وعن سعيد بن أوس: أَسر المشركون مسلما فسألوه: كم أنتم؟ فقال: ثلاثمائة وبضعة عشر، قالوا: ما نراكم إِلَّا تضعفون علينا، وأرادوا ألفا وتسعمائة، وهو المراد من مثليهم، كذا قيل، وعن ابن مسعود: رأيناهم يضعفون علينا، ثمَّ رأيناهم ما زادوا علينا رجلا واحدا، ثمَّ قلت لرجل إلى جنبي: تراهم سبعين؟ قال: مائة، وقلنا لأسير: كَم أنتم؟ قال: ألف، وقلَّل الله تعالى المسلمين في أعين الكفَّار ليُقدِمُوا ويلتحمَ القتال، وَلَمَّا التحم أراهم أنَّ المشركين مثلاهم وزادهم الله قوَّة فقاوموهم، وهم كالثلث من المشركين، وقد كلِّفوا أن يقاوم مسلم عشرة رجال من الكفَّار، ثمَّ خفِّف إلى واحد لاثنين ووعدهم ﴿فَإِن تَكُن مِّنكُم مِّائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَّكُن مِّنكُمُ ألْفٌ يَغْلِبُوا أَلْفَيْنِ بِإِذْنِ اللهِ﴾ [الأنفال: 66].
7. ﴿وَاللهُ يُوَيِّدُ﴾ يقوِّي ﴿بِنَصْرِهِ مَنْ يَّشَآءُ﴾ نصْرَه، كما أيَّد أهل بدر وغلبوا أضعافهم، وينصر من يشاء ولو بدون أسباب عادية، ﴿إِنَّ فِي ذَالِكَ﴾ أي: فيما ذكر من رؤية القليل كثيرا، وغلبة قليلي السلاح وضعيفه لكثيره وقويِّه، المعلومة من قوله: ﴿يُوَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَّشَآءُ﴾، و(رَأْيَ الْعَيْنِ) مفعول مطلق، والرؤية الأولى: بصريَّة أيضًا، فـ (مِثْلَيْ) حال، أو عِلْميَّة فـ (رَأْيَ الْعَيْنِ) مفعول مطلق تشبيهيٌّ، أي: كرأي العين، و(مِثْلَيْ) مفعول ثان.
8. ﴿لَعِبْرَةً﴾ عظة، من العبور، وهو النفوذ من جانب لآخر، إذ ينتقل عن الجهل إلى العلم بالعظة، تعبيرا بالمحسوس عن المعقول، ﴿لأُِوْلِي الَابْصَارِ﴾ القوَّات القلبيَّة الموصلة إلى اتِّباع الحقِّ، الشبيهة بأبصار الوجوه الموصلة إلى المصالح، أفلا تعتبرون فتؤمنوا؟ أو أبصار الوجه، أي: لَعِبرةً لمن شاهدهم.
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/209.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ هذا الكلام تأكيد لمضمون ما قبله، أي قل يا محمد لهؤلاء المغرورين بحولهم وقوتهم المعتزين بأموالهم وأولادهم: إنكم ستغلبون في الدنيا وتعذبون في الآخرة، قال محمد عبده: كان الكافرون يعتزون بأموالهم وأولادهم فتوعدهم الله تعالى وبين لهم أن الأمر ليس بالكثرة والثروة، وإنما هو بيده سبحانه وتعالى.
2. يشير إلى مثل قوله تعالى: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ وكانوا يرون أن كثرة أموالهم وأولادهم تنفعهم في الآخرة ـ إن كان هناك آخرة ـ كما تنفعهم في الدنيا، وأنه تعالى يعطيهم في الآخرة كما أعطاهم في الدنيا، كما حكاه عنهم في قوله: ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا أَطَّلَعَ الْغَيْبَ أَمِ اتَّخَذَ عِنْدَ الرَّحْمَنِ عَهْدًا﴾، وكقوله في صاحب الجنة، أي البستان: ﴿وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ قَالَ مَا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا﴾ [15، 36]، وقد رد القرآن شبهتهم ودعواهم في غير ما موضع.
3. أما غرورهم بأموالهم وأولادهم في الدنيا وحسبانهم أنهم يكونون بها غالبين أعزاء دائما، فذلك معهود وشبهته ظاهرة، وأما زعمهم أنهم يكونون كذلك في الآخرة، فهو منتهى الطغيان الذي بينه الله تعالى في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾، وقد أنفذ الله وعيده الأول في أولئك الكافرين فغلبوا في الدنيا.
4. قيل: إن الخطاب لليهود وقد غلبهم المسلمون فقتلوا بني قريظة الخائنين، وأجلوا بني النضير المنافقين، وفتحوا خيبر، وقيل: هو للمشركين، وقد غلبهم المؤمنون يوم بدر، وأتم الله نعمته بغلبهم يوم الفتح، ولم تغن عن الفريقين أموالهم ولا أولادهم، وسينفذ وعيده بهم في الآخرة فيحشرون إلى جهنم.
5. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ ما مهدوا لأنفسهم، أو بئس المهاد جهنم، المهاد: الفراش، يقال: مهد الرجل المهاد إذا بسطه، ويقال: مهد الأمر، إذا هيأه وأعده، وجعل بعضهم جملة وبئس المهاد محكية بالقول، أي ويقال لهم: بئس المهاد.
6. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، يقول تعالى: قل يا محمد للمغرورين بأموالهم وأولادهم وبأعوانهم وأنصارهم: لا تغرنكم كثرة العدد ولا بما يأتي به المال من العدد، ولا تحسبوا أن هذا هو السبب الذي يفضي إلى النصر والغلب، فإن في الاعتبار ببعض حوادث الزمان أوضح آية على بطلان هذا الحسبان، فذكر الفئتين، أي الطائفتين اللتين التقتا في القتال هو من قبيل المثال، والجمهور على أن الآية هي ما كان في وقعة بدر، وقال محمد عبده: لا يبعد أن تكون الآية تشير إلى وقعة بدر، ويحتمل أن تكون إشارة إلى وقائع أخرى قبل الإسلام، ويرجح هذا إذا كان الخطاب لليهود؛ فإن في كتبهم مثل هذه العبرة كقصة طالوت وجالوت التي تقدمت في سورة البقرة، أو قصة جدعون على ما عندهم من التحريف، ويرجح الأول إذا كان الخطاب لمشركي العرب.
7. ثبت أن نزول الآية كان بعد وقعة بدر، وقد كانت الفئة الكافرة في بدر ثلاثة أضعاف المسلمة، ويصح أن يكونوا مع ذلك رأوهم مثليهم فقط؛ لأن الله قللهم في أعينهم كما ورد في سورة الأنفال، وهذا التصحيح مبني على القول بأن الرائين هم الفئة التي تقاتل في سبيل الله وهي المؤمنة، وأن المرئيين هم الفئة الكافرة وعليه الجمهور، وقيل: إن الرائين والمرئيين هم المقاتلون في سبيل الله فالمعنى أنهم يرون أنفسهم مثلي ما هم عليه عددا، وقيل: إن الرائين هم الكافرون والمرئيين هم المؤمنون، أي أن الكافرين يرون المؤمنين ـ على قلتهم ـ مثليهم في العدد لما وقع في قلوبهم من الرعب والخوف، وقد حاول من قال بهذا تطبيقه على قوله تعالى في خطاب أهل بدر: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، فقال: إن المؤمنين قللوا في أعين المشركين أولا فتجرءوا عليهم، فلما التقوا كثرهم الله في أعينهم، ولا يخفى ما فيه من التكلف، كل هذا على قراءة الجمهور، وأما على قراءة نافع، فالمعنى: ترونهم أيها المخاطبون مثليهم، وهي لا تنافي قراءة الجمهور وإنما تفيد معنى آخر، وهو أن المخاطبين كانوا يرون الكافرين مثلي المؤمنين، فإذا كان الخطاب لمشركي مكة فهو ظاهر؛ لأنه كان منهم من رأى ذلك وعلم به الآخرون، وإذا كان لليهود فاليهود كانوا مشرفين أيضا بكل عناية على ما جرى ببدر وغير بدر من القتال بين المسلمين والمشركين؛ على أن الكلام ليس نصا في وقعة بدر، واليهود قد شهدوا مثل ذلك في الماضي، وقد علم أن القرآن يسند إلى الحاضرين من الأمة عمل الغابرين لإفادة معنى الوحدة والتكافل، وظهور أثر الأوائل في الأواخر، ورأوا مثله في زمن الخطاب في حربهم للمسلمين.
8. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ مصدر مؤكد ليرونهم، وهو ظاهر إذا كانت الرؤية بصرية، وأما إذا كانت علمية اعتقادية ـ كما ذهب إليه بعضهم ـ فالمعنى على التشبيه، أي تعلمون أنهم مثلهم علما مثل العلم برؤية العين والله يؤيد بنصره من يشاء من الفئتين.
9. جملة القول: أن الآية ترشد إلى الاعتبار بمثل الواقعة المشار إليها التي غلبت فيها فئة قليلة فئة كثيرة بإذن الله؛ ولذلك قال: إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار أي لأصحاب الأبصار الصحيحة التي استعملت فيما خلقت لأجله من التأمل في الأمور بقصد الاستفادة منها لا لمن وصفوا بقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ وقال بعض المفسرين: إن الأبصار هنا بمعنى البصائر والعقول من باب المجاز، وقال بعضهم يعني بأولي الأبصار من أبصروا بأعينهم قتال الفئتين، وما ذكرته أظهر.
10. وجه العبرة(2) أن هناك قوة فوق جميع القوى قد تؤيد الفئة القليلة فتغلب الكثيرة بإذن الله، وقد ورد في القرآن ما يمكن أن نفهم به سنته تعالى في مثل هذا التأييد؛ لأن القرآن يفسر بعضه بعضا ويجب أخذه بجملته، بل هذه الآية نفسها تهدي إلى السر في هذا النصر، فإنه قال: فئة تقاتل في سبيل الله ومتى كان القتال في سبيل الله ـ أي سبيل حماية الحق والدفاع عن الدين وأهله ـ فإن النفس تتوجه إليه بكل ما فيها من قوة وشعور ووجدان، وما يمكنها من تدبير واستعداد مع الثقة بأن وراء قوتها معونة الله وتأييده، ومما يوضح ذلك قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ﴾، وهذا مما نزل في واقعة بدر التي قيل إن الآية التي نفسرها نزلت فيها وإن كان عاما في حكمه مطلقا في عبارته أمر الله تعالى المؤمنين بالثبات وبكثرة ذكره الذي يشد عزائمهم وينهض هممهم، وبالطاعة له تعالى ولرسوله، وكان هو القائد في تلك الواقعة ـ وطاعة القائد ركن من أركان الظفر ـ ونهاهم عن التنازع وأنذرهم عاقبته وهي الفشل وذهاب القوة، وحذرهم أن يكونوا كأولئك المشركين من أهل مكة؛ إذ خرجوا لقتال المسلمين لعلة البطر والطغيان ومراءاة الناس بقوتهم وعزهم، وهم يصدون عن سبيل الله، فبهذه الأوامر والنواهي تعرف سنة الله في نصر الفئة القليلة على الكثيرة، وقال تعالى في هذه السورة أيضا: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ﴾
11. أورد محمد عبده الآية الأولى من الآيات التي ذكرناها آنفا وهذه الآية فقط ثم قال: ولا شك أن المؤمنين قد امتثلوا أمر الله تعالى في كل ما أوصاهم به بقدر طاقتهم فاجتمع لهم الاستعداد والاعتقاد، فكان المؤمن يقاتل ثابتا واثقا والكافر متزلزلا مائقا ونصروا الله فنصرهم وفاء بوعده في قوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وقوله: ﴿وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ فالمؤمن من يشهد له بإيمانه القرآن وإيتاؤه ما وعد الله المؤمنين، لا من يدعي الإيمان بلسانه وأخلاقه وأعماله وحرمانه مما وعد الله المؤمنين تكذب دعواه، وغزوات الرسول وأصحابه شارحة لما ورد من الآيات في ذلك، وناهيك بغزوة أحد، فإنهم لما خالفوا ما أمروا به نزل بهم ما نزل، وهذا أكبر عبرة لمن بعدهم لو كانوا يعتبرون بالقرآن، ولكنهم أعرضوا عنه ونبذوه وراء ظهورهم واشتروا به ثمنا قليلا فبئس ما اختاروا لأنفسهم، ولو عادوا إليه واتحدوا فيه واعتصموا بحبله لفازوا بالعز الدائم والسعادة الكبرى والسيادة العليا في الدنيا والآخرة.
__________
(1) تفسير المنار: 3/234.
(2) الكلام هنا لمحمد عبده
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
ثم تهددهم وتوعدهم بالعقاب في الدنيا قبل الآخرة فقال: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ المراد بالكافرين هنا اليهود لما روى عن ابن عباس(2).. أي قل لأولئك اليهود إنكم ستغلبون في الدنيا وسينفذ فيكم وعيدي، وتساقون في الآخرة إلى جهنم سوقا، وبئس المهاد ما مهدتموه لأنفسكم، وقد صدق الله وعده فقتل المسلمون بنى قريظة الخائنين، وأجلوا بنى النّضير المنافقين، وفتحوا خيبر وضربوا الجزية على من عداهم.
1. ثم حذرهم الله تعالى وأنذرهم بألا يغتروا بكثرة العدد والعدد فلهم مما يشاهدون عبرة فقال: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أي قل لأولئك اليهود الذين غرتهم أموالهم واعتروا بأولادهم وأنصارهم: لا تغرنكم كثرة العدد، ولا المال والولد، فليس هذا سبيل النصر والغلب، فالحوادث التي تجرى في الكون أعظم دليل على تفنيد ما تدّعون، انظروا إلى الفئتين اللتين التقتا يوم بدر، فئة قليلة من المؤمنين تقاتل في سبيل الله كتب لها الفوز والغلب على الفئة الكثيرة من المشركين، وفي هذا عبرة أيّما عبرة لذوى البصائر السليمة التي استعملت العقول فيما خلقت لأجله من التأمل في الأمور والاستفادة منها، لا لمثل من نعتهم الله بقوله: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾
2. وجه العبرة في هذا أن هناك قوة فوق جميع القوى قد تؤيد الفئة القليلة فتغلب الفئة الكثيرة بإذنه تعالى، وقوله تعالى: ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ ترشد إلى السر في هذا الفوز، لأنه متى كان القتال في هذا السبيل أي لحماية الحق والدفاع عن الدين وأهله، فإن النفس تقبل عليه بكل ما أوتيت من قوة، وما أمكنها من تدبير واستعداد، علما منها بأن وراء قوتها معونة الله وتأييده، يرشد إلى هذا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فها أنت ذا ترى أن الله أمر المؤمنين بالثبات وبكثرة ذكره لشدّ العزائم والنهوض بالهمم، وبالطاعة لرسوله، وكان هو القائد في تلك الواقعة ـ واقعة بدر ـ وطاعة القائد من أهم أسباب الظفر والنجاح في ميدان القتال.
3. امتثل المؤمنون ما أوصاهم به ربهم بقدر طاقتهم، فوجد لديهم الاستعداد والعزيمة الصادقة، فقاتلوا ثابتين واثقين بنصر الله، فنصرهم وفاء بوعده ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ وغزوات الرسول وأصحابه تفسر ما ورد في هذه الآيات، ولما خالفوا ما أمروا به غزوة أحد نزل بهم ما نزل، وفي هذا أكبر عبرة لمن تذكر واعتبر.
4. روى أرباب السير أن جيش المسلمين كان ثلاثمائة وثلاثة وعشرين رجلا، سبعة وسبعون منهم من المهاجرين، ومائتان وستة وثلاثون من الأنصار، وصاحب راية المهاجرين على بن أبي طالب، وصاحب راية الأنصار سعد بن عبادة، وكان في العسكر تسعون بعيرا وفرسان أحدهما للمقداد بن عمرو، والآخر لمرثد بن أبي مرثد، وكان معهم ست دروع وثمانية سيوف، وجميع من قتل منهم يومئذ أربعة عشر رجلا ستة من المهاجرين وثمانية من الأنصار، وأن جيش المشركين كان تسعمائة وخمسين مقاتلا، رأسهم عقبة بن ربيعة، وفيهم أبو سفيان وأبو جهل، وكان في معسكرهم من الخيل مائة فرس وسبعمائة بعير، ومن الأسلحة ما لا يحصى عدّا.
5. معنى قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أن المشركين رأوا المسلمين مثلى عدد المشركين أي قريبا من ألفين ـ وكانوا نحو ثلاثمائة ـ أراهم الله إياهم مع قلتهم أضعافهم ليهابوهم ويجبنوا عن قتالهم، وكان ذلك مددا لهم من الله كما أمدهم الله بالملائكة، بعد ما قللهم في أعينهم حتى اجترؤوا عليهم وتوجهوا إليهم كما جاء في خطاب أهل بدر ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، ومعنى قوله ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ أنها رؤية مكشوفة لا لبس معها ولا خفاء كسائر المرئيات والمشاهدات.
6. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ أي والله يقوّى بمعونته من يشاء كما أيد أهل بدر بتكثيرهم في عين العدو، ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي إن في هذا النصر مع قلة عددهم وكثرة عدوهم عظة لمن عقل وتدبر فعرف الحق وثلج قلبه ببرد اليقين.
__________
(1) تفسير المراغي: 3/106.
(2) إلى آخر الأثر سبق ذكره
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. إذن فالذين كفروا وكذبوا بدعوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم وآيات الكتاب الذي نزله عليه بالحق، معرضون لهذا المصير في الدنيا والآخرة سواء.. ومن ثم يلقن الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم أن ينذرهم هذا المصير في الدارين، وأن يضرب لهم المثل بيوم بدر القريب، فلعلهم نسوا مثل فرعون والذين من قبله في التكذيب والأخذ الشديد: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾
2. قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يحتمل تفسيرين:
أ. فإما أن يكون ضمير (يرون) راجعا إلى الكفار، وضمير (هم) راجعا إلى المسلمين، ويكون المعنى أن الكفار على كثرتهم كانوا يرون المسلمين القليلين ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾.. وكان هذا من تدبير الله حيث خيل للمشركين أن المسلمين كثرة وهم قلة، فتزلزلت قلوبهم وأقدامهم.
ب. وإما أن يكون العكس، ويكون المعنى أن المسلمين كانوا يرون المشركين ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ هم ـ في حين أن المشركين كانوا ثلاثة أمثالهم ـ ومع هذا ثبتوا وانتصروا.
3. المهم هو رجع النصر إلى تأييد الله وتدبيره.. وفي هذا تخذيل للذين كفروا وتهديد، كما أن فيه تثبيتا للذين آمنوا وتهوينا من شأن أعدائهم فلا يرهبونهم.. وكان الموقف يقتضي هذا وذاك.. وكان القرآن يعمل هنا وهناك.
4. ما يزال القرآن يعمل بحقيقته الكبيرة، وبما يتضمنه من مثل هذه الحقيقة.. إن وعد الله بهزيمة الذين يكفرون ويكذبون وينحرفون عن منهج الله، قائم في كل لحظة، ووعد الله بنصر الفئة المؤمنة ـ ولو قل عددها ـ قائم كذلك في كل لحظة، وتوقف النصر على تأييد الله الذي يعطيه من يشاء حقيقة قائمة لم تنسخ، وسنة ماضية لم تتوقف، وليس على الفئة المؤمنة إلا أن تطمئن إلى هذه الحقيقة؛ وتثق في ذلك الوعد؛ وتأخذ للأمر عدته التي في طوقها كاملة؛ وتصبر حتى يأذن الله؛ ولا تستعجل ولا تقنط إذا طال عليها الأمد المغيب في علم الله، المدبر بحكمته، المؤجل لموعده الذي يحقق هذه الحكمة.
5. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ لا بد من بصر ينظر وبصيرة تتدبر، لتبرز العبرة، وتعيها القلوب، وإلا فالعبرة تمر في كل لحظة في الليل والنهار!.
__________
(1) في ظلال القرآن: 1/373.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ في سكرة السلطان، يفقد كثير من الناس صوابهم، ويضل عنهم رشدهم، فتمرّ بهم العبر وهم عنها غافلون، وفيما ذكر الله سبحانه ـ مما أخذ به الطغاة والظلمة، ما فيه عبرة ومزدجر للطغاة والظلمة، من كفار مكة.. ولكنهم في سكرتهم يعمهون، وإنه لكى تنقطع أعذارهم ولا يكون لهم على الله حجة، فقد أمر الله نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم، أن يلقاهم صراحة بهذا النذير، وأن يقرع آذانهم بما ينتظرهم من مصير مشئوم، إن هم ظلّوا على ما هم عليه من عمى وضلال.. ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ فلا حظّ لهم في الدنيا ولا في الآخرة.
2. إذ لا يعصمهم سلطانهم، ولا تمنعهم كثرتهم وقوتهم، من أن يلقوا الهزيمة في هذه الدنيا على يد هؤلاء الذين استضعفوهم واستبدّوا بهم، وهذا من أنباء الغيب التي حملها القرآن عزاء وبشرى للمؤمنين، إذ تلقّوا هذا الوعد الصادق الذي لا يخلف أبدا، فهوّن عليهم البلاء الذي هم فيه، وربط على قلوبهم بالصبر، انتظارا ليوم النصر، وقد جاء تأويل هذا في تلك الخاتمة التي ختمت بها حياة الكفر والكافرين، يوم فتح مكة، يوم جاء نصر الله والفتح، ودخل الناس في دين الله أفواجا.
3. هذا ما كان ينتظر الكافرين في الدنيا، التي ظنوا أنهم يمسكون منها بالسبب القوىّ الذي لا ينقطع.. أما في الآخرة فالأمر أدهى وأمرّ.. حيث تنتظرهم جهنم بسعيرها المتسعر، وعذابها الأليم.. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
4. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ إن يكن ثمّه شكّ عند أحد فيما سيلحق هؤلاء الكافرين المغترّين بكثرتهم وقوتهم على أيدى هذه القلّة المستضعفة من المؤمنين ـ فالشاهد حاضر بين أيديهم، والآثار ماثلة لهم في أنفسهم، فهذا يوم بدر ـ وما زال غبار المعركة منعقدا في سمائه، وجثث قتلى المشركين وأشلاؤهم متناثرة على أرضه، وما زالت فلول الجيش المنهزم تحبو حبوا نحو مكة، مثخنة الجراح، متقطعة الأنفاس، موقرة بالخزي والعار ـ هذا يوم بدر يمثل لهؤلاء المشركين ما ينتظرهم في مستقبل الأيام، من خزى وهزيمة على أيدى المسلمين، وإن قلّ عددهم وعدتهم، فليس الأمر أمر عدد وعدة، وإنما هو أمر إيمان بالحق، وثبات عليه، واستشهاد في سبيله، ولقد رأى المشركون ذلك بأعينهم، إذ جاؤوا بعددهم وعدّتهم، والمسلمون بين أيديهم قلة في العدد والعدة ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾.. فانتصرت الفئة القليلة على الفئة الكثيرة: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ فليستيقن المؤمنون، ولينتظر المشركون، فإن ما وعد الله به واقع لا شك فيه.
5. هذا والظاهر أن هذه الآية وما قبلها كان نزولها عقب موقعة بدر، بل ربّما والمشركون في طريقهم بعد الهزيمة، لم يبلغوا مكة بعد، وفي هذا ما يضاعف من حسرتهم، ويملأ قلوبهم يأسا، من كل أمل يتعزّون به في مستقبل الأيام.. فأيامهم المقبلة أشد سوادا وأكثر شؤما من يومهم هذا الذي هم فيه.
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/411.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ استئناف ابتدائي، للانتقال من النذارة إلى التهديد، ومن ضرب المثل لهم بأحوال سلفهم في الكفر، إلى ضرب المثل لهم بسابق أحوالهم المؤذنة بأنّ أمرهم صائر إلى زوال، وأنّ أمر الإسلام ستندكّ له صمّ الجبال، وجيء في هذا التهديد بأطنب عبارة وأبلغها؛ لأنّ المقام مقام إطناب لمزيد الموعظة، والتذكير بوصف يوم كان عليهم، يعلمونه.
2. ﴿الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ يحتمل أنّ المراد بهم المذكورون في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ [آل عمران: 116] فيجيء فيه ما تقدّم والعدول عن ضمير (هم) إلى الاسم الظاهر لاستقلال هذه النذارة، والظاهر أنّ المراد بهم المشركون خاصّة، ولذلك أعيد الاسم الظاهر، ولم يؤت بالضمير بقرينة قوله بعده: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ وذلك ممّا شاهده المشركون يوم بدر، وقد قيل: أريد بالذين كفروا خصوص اليهود، وذكروا لذلك سببا رواه الواحدي، في أسباب النزول: أنّ يهود يثرب كانوا عاهدوا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم إلى مدّة فلمّا أصاب المسلمين يوم أحد ما أصابهم من النكبة، نقضوا العهد وانطلق كعب بن الأشرف في ستين راكبا إلى أبي سفيان بمكة وقالوا لهم: لتكوننّ كلمتنا واحدة، فلمّا رجعوا إلى المدينة أنزلت هذه الآية، روى محمد بن إسحاق: أنّ رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لما غلب قريشا ببدر، ورجع إلى المدينة، جمع اليهود وقال لهم: (يا معشر اليهود احذروا من الله مثل ما نزل بقريش وأسلموا فقد عرفتم، أنّي نبيء مرسل) فقالوا: (يا محمد لا يغرنّك أنّك لقيت قوما أغمارا لا معرفة لهم بالحرب فأصبت فيهم فرصة أما والله لو قاتلناك لعرفت أنّا نحن الناس) فأنزل الله هذه الآية، وعلى هاتين الروايتين فالغلب الذي أنذروا به هو فتح قريظة والنضير وخيبر، وأيضا فالتهديد والوعيد شامل للفريقين في جميع الأحوال.
3. عطف ﴿بِئْسَ الْمِهادُ﴾ على ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ عطف الإنشاء على الخبر.
4. قرأ الجمهور ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ ـ كلتيهما بتاء الخطاب ـ وقرأه حمزة، والكسائي، وخلف: بياء الغيبة، وهما وجهان فيما يحكى بالقول لمخاطب، والخطاب أكثر: كقوله تعالى: ﴿مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ﴾ [المائدة: 117] ولم يقل ربّك وربّهم، والخطاب في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ خطاب للذين كفروا، كما هو الظاهر؛ لأنّ المقام للمحاجّة، فأعقب الإنذار والوعيد بإقامة الحجّة، فيكون من جملة المقول، ويجوز أن يكون الخطاب للمسلمين، فيكون استئنافا ناشئا عن قوله ستغلبون؛ إذ لعلّ كثرة المخاطبين من المشركين، أو اليهود، أو كليهما، يثير تعجّب السامعين من غلبهم فذكرهم الله بما كان يوم بدر، والفئتان هما المسلمون والمشركون يوم بدر.
5. الالتقاء: اللقاء، وصيغة الافتعال فيه للمبالغة، واللقاء مصادفة الشخص شخصا في مكان واحد، ويطلق اللقاء على البروز للقتال كما في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ﴾ [الأنفال: 15] وسيأتي، والالتقاء يطلق كذلك كقول أنيف بن زبّان:
çفلمّا التقينا بيّن السيف بيننا...لسائلة عنّا حفيّ سؤالهاé
وهذه الآية تحتمل المعنيين.
6. ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾ تفصيل للفئتين، وهو مرفوع على أنّه صدر جملة للاستئناف في التفصيل والتقسيم، الوارد بعد الإجمال والجمع، والفئة: الجماعة من الناس؛ وقد تقدّم الكلام عليها في قوله تعالى: ﴿كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ في سورة البقرة [249]
7. الخطاب في: ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ كالخطاب في قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ﴾ والرؤية هنا بصرية لقوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾، والظاهر أنّ الكفار رأوا المسلمين يوم بدر عند اللقاء والتلاحم مثلي عددهم، فوقع الرعب في قلوبهم فانهزموا، فهذه الرؤية جعلت آية لمن رأوها وتحقّقوا بعد الهزيمة أنّهم كانوا واهمين فيما رأوه ليكون ذلك أشدّ حسرة لهم، وتكون هذه الرؤية غير الرؤية المذكورة في الأنفال بقوله: ﴿وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾ فإنّ تلك يناسب أن تكون وقعت قبل التلاحم، حتى يستخفّ المشركون بالمسلمين، فلا يأخذوا أهبتهم للقائهم، فلمّا لاقوهم رأوهم مثلي عددهم فدخلهم الرعب والهزيمة، وتحققوا قلّة المسلمين بعد انكشاف الملحمة فقد كانت إرادة القلّة وإرادة الكثرة سببي نصر للمسلمين بعجيب صنع الله تعالى، وجوّز أن يكون المسلمون رأوا المشركين مثلي عدد المؤمنين، وكان المشركون ثلاثة أمثالهم، فقلّلهم الله في أعين أنّهم ثلاثة أضعافهم لخافوا الهزيمة، وتكون هذه الإراءة هي الإراءة المذكورة في سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا﴾ ويكون ضمير الغيبة في قوله: (مقليهم) راجعا للمسلمين على طريقة الالتفات، وأصله ترونهم مثليكم على أنّه من المقول، وقرأ نافع وأبو جعفر ويعقوب: ترونهم ـ بتاء الخطاب ـ وقرأه الباقون بياء الغيبة: على أنّه حال من و﴿أُخْرى كافِرَةٌ﴾، أو من ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي مثلي عدد المرئيين، إن كان الراءون هم المشركين، أو مثلي عدد الرائين، إن كان الراءون هم المسلمين؛ لأنّ كليهما جرى ضميره على الغيبة وكلتا الرؤيتين قد وقعت يوم بدر، وكلّ فئة علمت رؤيتها وتحدّيت بهاته الآية، وعلى هذه القراءة يكون العدول عن التعبير بفئتكم وفئتهم إلى قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾، لقصد صلوحية ضمير الغيبة لكلتا الفئتين، فيفيد اللفظ آيتين على التوزيع، بطريقة التوجيه.
8. ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ مصدر مبيّن لنوع الرؤية: إذ كان (فعل رأى) يحتمل البصر والقلب، وإضافته إلى العين دليل على أنّه يستعمل مصدرا لرأى القلبية، كيف والرأي اسم للعقل، وتشاركها فيها رأي البصرية، بخلاف الرؤية فخاصّة بالبصرية.
9. جملة ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ تذييل؛ لأنّ تلك الرؤية كيفما فسّرت تأييد للمسلمين، قال تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال: 44]
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/35.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ اغتر المشركون بأموالهم وأولادهم وقوتهم في الأرض، فكفروا وعتوا عتوا كبيرا؛ فبين الله سبحانه وتعالى أنهم سيغلبون في هذه الدنيا، وأنهم في الآخرة سيحشرون إلى جهنم؛ ولذا أمر الله سبحانه وتعالى نبيه أن يقول فيهم هذه الحقيقة فقال سبحانه: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾
2. هذه الآية الكريمة إنذار للمشركين بأن الهزيمة ستلحقهم في الدنيا، وأن العذاب سيستقبلهم في الآخرة، وقد أمر الله سبحانه نبيه بأن يواجههم بهذا الخطاب، ولم يوجهه سبحانه وتعالى إليهم؛ لأن أولئك المغترين المفتخرين كانوا يدلّون بقوتهم على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، ويعتزون بها في مخاطبته صلّى الله عليه وآله وسلم، فكانوا يقولون له: ﴿نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ﴾ [سبأ]، وكانوا يأخذون من عزتهم في الدنيا دليلا على عزتهم في الآخرة، فكان حالهم كحال هذا العامل الذي حكى الله سبحانه عنه بقوله: ﴿ودَخَلَ جَنَّتَهُ وهُوَظالِمٌ لِنَفْسِهِ قالَ ما أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هذِهِ أَبَداً وما أَظُنُّ السَّاعَةَ قائِمَةً ولَئِنْ رُدِدْتُ إِلى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِنْها مُنْقَلَباً﴾ [الكهف] وهكذا الطبيعة الإنسانية إن استغنت طغت في حاضرها، وغرها الغرور في قابلها: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق]، وإذا كانوا يجابهون النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم بذلك فإنه يكون من المناسب أن يتولى هو الرد، وهو الذي جرّد من المال والولد، ولا ناصر له إلا الله سبحانه وتعالى.
3. إن ذلك الاغترار كان من المشركين واليهود الذين كانوا يجاورون النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم بالمدينة، وقد جابهوا النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم بذلك عندما دعاهم إلى الإسلام بعد واقعة بدر التي انتصر فيها المسلمون؛ فإنه يروى أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم جمعهم في سوق بنى قينقاع، وقال لهم: (يا معشر اليهود، احذروا مثل ما نزل بقريش، وأسلموا قبل أن ينزل بكم ما نزل بهم، فقد عرفتم أنى نبيّ مرسل)، فقالوا: لا يغرنك أنك لقيت أقواما أغمارا لا يعرفون القتال، إنك والله لو قاتلتنا لعرفت أننا نحن الناس، وأنك لم تلق مثلنا.
4. إذا كان الاغترار من الفريقين فإنه يصح أن نقول إن الخطاب للكفار جميعا الذين يغترون مثل هذا الغرور، وخصوصا أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم أمر بأن يخاطب بهذا الذين كفروا، سواء أكانوا من هؤلاء أم كانوا من أولئك، وإن الكفر بالحقائق الواضحة البينة التي تدركها العقول السليمة يكون سببه دائما اغترارا بأمر مادى مسيطر على النفس يجعل عليها غشاوة فلا يدرك العقل، ولا يؤمن القلب.
5. سؤال وإشكال: لماذا أدخل السين في قوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ ولم يقل تعالت كلماته: ستحشرون؟ والجواب: أن السين لتأكيد القول، والذى كان موضع شك عند هؤلاء هو كون النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم سيهزمهم في الدنيا، والحشر قد أكده سبحانه وتعالى في كثير من آي الكتاب، وفوق ذلك فإن السين مقدرة في تحشرون باعتبارها معطوفة على (ستغلبون) والعطف على نية تكرار العامل، ولقد أشار سبحانه إلى أن الحشر سيكون تجميعا للكفار يساقون بعده إلى نار جهنم، وجهنم هي الجزء العميق في النار؛ ولأنه بعد الحشر يكون السّوق إلى نار جهنم وتعدت كلمة يحشرون بـ (إلى)؛ إذ قد تضمنت مع معنى التجمع معنى السّوق والأخذ إلى نار جهنم.
6. أشار سبحانه إلى شدة العذاب بقوله تعالى: ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ أي أنها ليست مقاما محمودا بالنسبة لهم، بل هي مقام مذموم منهم يصح أن يقال فيه بالنسبة لهم (بئس المهاد) فجهنم ليست موضع ذم في ذاتها باعتبارها دار جزاء عادل، ولا يذم الجزاء العادل ولو كان قاسيا، ولكن هي موضع الذم ممن ينزل به لأنه سيتلقى قسوته، ومعنى المهاد: الفراش المبسوط السهل اللين المريح، فيقال: مهد الرجل الأمر بسطه وهيأه وأعده، وعلى هذا فالتعبير فيه نوع من التهكم بهم، إذ هي لا تكون أمرا ممهدا.
7. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ هذه الآية نزلت بعد غزوة بدر، فالفئتان المشار إليهما في الآية: المسلمون، والمشركون، والمسلمون الفئة التي تقاتل في سبيل الله، أي في سبيل إعلاء كلمته وطلبا لمرضاته، والأخرى الكافرة: المشركون، والمعنى على هذا أن الله سبحانه إذ ينذر الكافرين بأنهم سيغلبون في الدنيا، ينذرهم بما قامت عليه البينات، وظهرت به الأمارات؛ وذلك لأن لهم آية أي أمارة ودلالة تدل على صدق ما يوجهه النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم من أنهم سيغلبون، وتلك الآية الدالة على صدق ذلك التهديد والإنذار الشديد هي في حال الطائفتين اللتين التقتا في حرب قوية، إذ انتصرت الفئة التي تقاتل في سبيل الله وهى القلة، على الفئة الكافرة وهى الكثرة، ومع أن أولئك الذين يقاتلون في سبيل الله كانوا يعلمون أن أولئك أكثر عددا، وأكثر عدّة.
8. في قوله تعالى عن الفئة الكافرة: ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ إشارة إلى بعد ما بين الفريقين من حيث الغاية من القتال؛ ففيه إشارة إلى تقدم الأولى معنويا، وتأخر الثانية؛ ف الأولى تقاتل لا لعرض من أعراض الدنيا، ولا لغاية مادية مبتغاة، بل للحق، وفي سبيل الحق، ومرضاة للحق جل جلاله؛ والأخرى تكفر بكل هذه المعنويات فتقاتل في الباطل وللباطل ولنصرة المادة، ولأعراض الدنيا؛ وفرق ما بين الفئتين عظيم؛ فإن كانت الأولى فقيرة في المال قليلة في العدد، فهي قوية بالمقصد والغاية، والثانية على نقيض ذلك تماما، فهي كثيرة المال وكثيرة العدد، ولكنها فقيرة في الإيمان.
9. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ فيه بيان أن المؤمنين يرون المشركين ﴿مِثْلَيْهِمْ﴾ أي أكثر منهم مرتين، فالمثل معناه المساوى، والمثلان لأمر ضعفه، والمعنى على هذا أن المؤمنين الذين أعطاهم الله ذخيرة من الإيمان واليقين وطلب الحق يرون أعداءهم رأى العين لا بالوهم والخيال ضعفهم، ومع ذلك لم يجبنوا ولم يضعفوا، فالتعبير بقوله: ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ تأكيد الرؤية بأنها رؤية بصرية، لا رؤية تقديرية؛ فهم يعاينون معاينة لا لبس فيها ولا غموض أنهم ضعفهم، فالذين يعتزون بالكثرة عليهم أن يعرفوا أي الفريقين غلب، والذين يعتزون بالمادة عليهم أن يعرفوا لمن كانت النصرة: أهي للمادة أم للروح والإيمان؟
10. الذين رأوا خصومهم مثليهم هم المؤمنون، وهذا ترجيح ابن جرير الطبري وقد رجح الزمخشري أن الذين رأوا: هم المشركون، قد رأوا المؤمنين مثليهم، وإن الأول في نظرنا أولى؛ لأن المسلمين في غزوة بدر كانوا فعلا أقل عددا من المشركين، وأقل عدة، ولأن التعبير بقوله تعالى ﴿رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ يفيد أن رؤية هذه الكثرة كانت بصرية بالمعاينة، لا بالتقدير أو التخيل أو التوهم، ولا يمكن أن يتحقق ذلك في رؤية المشركين للمؤمنين؛ لأنه كان يكذب، ولذلك نختار أن الرؤية كانت رؤية المؤمنين للمشركين.
11. سؤال وإشكال: المشركون في بدر كانوا ثلاثة أمثال المؤمنين تقريبا ولم يكونوا ضعفهم، والجواب: أن العين لا تقدر تقديرا عدديا، ولكنها تقدر تقديرا تقريبيا؛ فثلاثة الأمثال قد ترى رأى العين مثلين، وقد يقال إن المراد بكلمة مثلين ليس التثنية إنما المراد مجرد التكرار وذلك استعمال عربي كما في قوله: ﴿ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ﴾ [الملك]، فالمراد تكرار النظر، لا التقدير بمرتين اثنتين؛ كذلك هنا المراد التكرار العددي لا مجرد مثلين اثنين، وإن ذلك شائع، فيقال مثلا: اقرأ هذا مرتين ولا تكتف بالنظرة الأولى، والمراد التكرار.
12. سؤال وإشكال: الله سبحانه قد قال في غزوة بدر: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾ [الأنفال]، والجواب: أجاب عنه ابن كثير في تفسيره المستمد من الأثر، بأنهم عندما أرادوا حسبانهم رأوهم ضعفهم أو يزيدون، فلما ألقى في قلوب الذين آمنوا البأس والقوة، والتقوا بهم استهانوا بهم؛ ولذا روى عن ابن مسعود أنه قال في غزوة بدر: (نظرنا إلى المشركين فرأيناهم يضعفون علينا، ثم نظرنا إليهم فما رأيناهم يزيدون علينا رجلا واحدا)، وتلك حكمة الله العلى الخبير؛ رأوهم يزيدون عليهم أضعافا، وذلك هو الحس الواقع، ولكن عند اللقاء صغروا في أعينهم ليكون النصر؛ لأن المقاتل إن استكثر قوة خصمه عند اللقاء ضعف أمامه فيكون الانهزام، وإن استهان مع الحرص كان النصر؛ ولذا سئل الإمام علي: كيف كنت تصرع من يبارزك؟ فقال: (كنت أكون وهو على نفسه)، أي أن عليا يقدم مستعليا بإيمانه على خصمه، وخصمه يحس بالخوف فتكون عليه قوتان ينتفع بهما على: قوة من نفسه، وقوة من نفس خصمه ولّدها الخوف.
13. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ اشتمل ذلك النص الكريم على حقيقة مقررة، ودعوة إلى التأمل والاستبصار لأولى الأبصار، ليمتنع الناس عن الاغترار بالقوة والاعتزاز بغير الله تعالى، أما الحقيقة فهي أن الله ينصر من يشاء، فهو الذي سينصر ويخذل، وأن من يعتمد على قوته وحده من غير اعتبار بما تجرى به المقادير يخذله الله، وإن شأن الذين يغترون بالقوة المادية دائما ويعتزون بها لا يعتمدون على الله تعالى، ولا يعملون حسابا للقدر الذي يجريه خالق الكون حسب مشيئته وتدبيره، وأنهم إذ ينسون هذا يأتيهم القدر من حيث لا يحتسبون، فينهزمون حيث يرتقبون النصر؛ وإذا كان النصر والخذلان بيد الله تعالى، فالله سبحانه ينصر من ينصره، ويخذل من يكفره، كما قال تعالى: ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد]، وكما قال تعالى: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ [الحج]
14. أما الدعوة إلى الاعتبار فقد ذكرها رب البرية بقوله: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ أي إن ذلك الذي رأوه وشاهدوه وهو أن الفئة القليلة المؤمنة التي تقاتل في سبيل الله، غلبت الفئة الكثيرة الكافرة التي تقاتل في سبيل الشيطان مع كثرتها وعدتها وأموالها فيه اعتبار بأن يجعلوا منه سبيلا لإدراك المستقبل؛ فإن العبرة معناها في اللغة وفي عرف القرآن والناس أن يؤخذ من الأمور الواقعة المحسوسة دليل على ما يمكن أن يأتي المستقبل غير المحسوس والمكشوف، فكان على هؤلاء أن يعرفوا من هذه الواقعة التي انتصر فيها الإيمان مع قلة أهله على الكفر مع كثرته، أن القوة المادية ليست كل شيء؛ وإن الذي يدرك ذلك هم أولو الأبصار، أي أصحاب المدارك الصحيحة التي تفهم الأمور على وجهها، فالمراد من الأبصار ليس البصر الحسى بل البصر المعنوي العقلي ولكن الذين طمست عليهم المادة لا يدركون الأمور على وجهها، كما قال تعالى: ﴿لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾ [الأعراف]
15. لكى تخرج النفس من ربقة المادة تذكر الله دائما، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد]
__________
(1) زهرة التفاسير: 3/1125.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾، جاء في مجمع البيان ان الله سبحانه لما نصر نبيّه ببدر قدم المدينة، وجمع اليهود، وقال لهم: احذروا من الله أن يصيبكم ما أصاب قريشا ببدر، وأسلموا.. فقالوا: لا يغرنك انك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب، ولو قاتلناك لعرفت أنّا نحن الناس، فأنزل الله سبحانه هذه الآية، وقد صدق الله وعده، فقتل المسلمون بني قريظة الخائنين، وأجلوا بني النضير المنافقين، وفتحوا خيبر، وضربوا الجزية على من عداهم من اليهود.
2. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، وعظ الله بهذه الآية اليهود والنصارى والمسلمين وأولي الأبصار أجمعين، وعظهم بوقعة بدر، حيث التقى حزب الرحمن، وهم محمد وأصحابه، مع حزب الشيطان، وهم أبو سفيان وأذنابه، ومكان العظة في هذه الواقعة ان حزب الشيطان كانوا أكثر من ألف مدججين بالسلاح الكافي الوافي، وكان حزب الرحمن بمقدار ثلثهم عددا، لا يملكون من العدة إلا فرسين، وسبعة أدرع، وثمانية سيوف، ومع ذلك كتب الله النصر للفئة القليلة على الفئة الكثيرة، وأرى الله المشركين ان المسلمين مثليهم مع قلة عددهم، وهذه الآية نظير قوله تعالى في سورة الأنفال: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وأمر الله سبحانه هو أن يتخاذل المشركون، ويهابوا المسلمين، وينصرهم الله على أعدائه.
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/19.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ إلى آخر الآية، الحشر هو إخراج الجماعة عن مقرهم بالإزعاج، ولا يستعمل في الواحد، قال تعالى: ﴿وَحَشَرْنَاهُمْ فَلَمْ نُغَادِرْ مِنْهُمْ أَحَدًا﴾، والمهاد هو الفراش.
2. ظاهر السياق أن المراد بالذين كفروا هم المشركون كما أنه ظاهر الآية السابقة: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ﴾ الآية دون اليهود، وهذا هو الأنسب لاتصال الآيتين حيث تذكر هذه الآية الغلبة عليهم وحشرهم إلى جهنم وقد أشارت الآية السابقة إلى تقويهم وتعززهم بالأموال والأولاد.
3. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾، ظاهر السياق أن يكون الخطاب للذين كفروا، والكلام من تتمة قول النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ﴾ الآية ومن الممكن أن يكون خطابا للمؤمنين بدعوتهم إلى الاعتبار والتفكر بما من الله عليهم يوم بدر حيث أيدهم بنصره تأييدا عجيبا بالتصرف في أبصار العيون، وعلى هذا يكون الكلام مشتملا على نوع من الالتفات بتوسعة خطاب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في قوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ﴾ بتوجيهه إليه وإلى من معه من المؤمنين، لكن السياق، كما عرفت، للأول أنسب.
4. الآية ـ بما تشتمل عليه من قصة التقاء الفئتين ونصرة تعالى للفئة المقاتلة في سبيل الله ـ وإن لم تتعرض بتشخيص القصة وتسمية الوقعة غير أنها قابلة الانطباق على وقعة بدر، والسورة نازلة بعدها بل وبعد أحد، على أن الآية ظاهرة في أن هذه القصة كانت معهودة عند المخاطبين بهذه الخصوصية وهم على ذكر منها حيث يقول: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ الآية ولم يقص تعالى قصة يذكر فيها التصرف في أبصار المقاتلين غير قصة بدر، والذي ذكره في قصة بدر في سورة الأنفال من قوله تعالى: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ﴾، وإن كان هو التقليل دون التكثير لكن لا يبعد أن يكون قد قلل فيها المؤمنين في أعين المشركين ليجترئوا عليهم ولا يتولوا عن المقارعة ثم كثرهم في أعينهم بعد التلاقي والاختلاط لينهزموا بذلك.
5. كيف كان فالمعتمد ما كان في ذكرهم من التكثير في العيون فعلى تقدير أن يكون الخطاب في الآية متوجها إلى المشركين لا تنطبق الآية على غير وقعة بدر، على أن قراءة ترونهم بالتاء أيضا تؤيد ما ذكرناه.
6. محصل معنى الآية: أنكم أيها المشركون لو كنتم من أولي الأبصار والبصائر لكفاكم في الاعتبار والدلالة على أن الغلبة للحق وأن الله يؤيد بنصره من يشاء ولا يغلب بمال ولا ولد ما رأيتموه يوم بدر فقد كان المؤمنون مقاتلين في سبيل الله سبحانه، وقد كانوا فئة قليلة مستذلين لا يبلغون ثلث الفئة الكافرة، ولا يقاسون بهم قوة، كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا ليس لهم إلا ستة أدرع وثمانية سيوف وفرسان، وكان جيش المشركين قريبا من ألف مقاتل لهم من العدة والقوة والخيل والجمال والهيئة ما لا يقدر بقدر، فنصر الله المؤمنين على قلتهم وذلتهم على أعدائه وكثرهم في أعينهم فكانوا يرونهم مثليهم رأي العين، وأيدهم الملائكة فلم ينفع المشركين ما كانوا يتعززون به من أموال وأولاد ولم يغنهم جمعهم ولا كثرتهم وقوتهم من الله شيئا.
7. ذكر الله سبحانه دأب آل فرعون والذين من قبلهم في تكذيب آيات الله وأخذهم بذنوبهم في سورة الأنفال عند ذكر القصة مرتين ما ذكره هاهنا بعينه، وفي موعظتهم بتذكير وقعة بدر إيماء إلى أن المراد بالغلبة في الآيات السابقة الغلبة بالقتل والإبادة ففي آياته تهديد بالقتال.
8. ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾، لم يقل وأخرى في سبيل الشيطان أو في سبيل الطاغوت ونحو ذلك لأن الكلام غير مسوق للمقايسة بين السبيلين بل لبيان أن لا غنى من الله تعالى وأن الغلبة له فالمقابلة بالحقيقة بين الإيمان بالله والجهاد في سبيله وبين الكفر به تعالى.
9. الظاهر من السياق أن الضميرين في قوله تعالى: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾ راجعان إلى قوله: ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ﴾، أي الفئة الكافرة يرون المؤمنين مثلي المؤمنين فهم يرونهم ستمائة وستة وعشرين ولقد كانوا ثلاثمائة وثلاثة عشر رجلا، وأما احتمال اختلاف الضميرين مرجعا بأن يكون المعنى: يرون المؤمنين مثلي عدد الكافرين فبعيد عن اللفظ، وهو ظاهر.
10. ربما احتمل أن يكون الضميران راجعين إلى الفئة الكافرة، ويكون المعنى: يرى الكافرون أنفسهم مضاعفة مثلي عددهم (يرون الألف ألفين) ولازمه تقليلهم المؤمنين في النسبة فكانوا يرونهم سدس أنفسهم عددا مع كونهم ثلثا لهم في النسبة وذلك ليطابق ما ذكره في هذه الآية قوله تعالى في قصة بدر: ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ﴾، فإن الآية تنافي الآية، وأجيب بأن ذلك يؤدي إلى اللبس غير اللائق بأبلغ الكلام بل كان من اللازم على هذا أن يقال: يرون أنفسهم مثليهم أو ما يؤدي ذلك، وأما التنافي بين الآيتين فإنما يتحقق مع اتحاد الموقف والمقام، ولا دليل على ذلك لإمكان أن يقلل الله سبحانه كلا من الطائفتين في عين صاحبتها في بدء التلاقي لتشد بذلك قلوبهم وتزيد جرأتهم حتى إذا نشبت المقارعة وحمي الوطيس رأى الكافرون المؤمنين مثلي عددهم فانهزموا بذلك وولوا الأدبار، وهذا نظير قوله تعالى في وصف يوم القيامة: ﴿لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَانٌّ﴾، مع قوله: ﴿وَقِفُوهُمْ إِنَّهُمْ مَسْئُولُونَ﴾، وليس إلا أن الموقف غير الموقف.
11. في شأن الضميرين أعني في قوله: ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ﴾، احتمالات أخر ذكروها غير أن الجميع تشترك في كونها خلاف ظاهر اللفظ، ولذلك تركنا ذكرها.
12. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، التأييد من الأيد وهو القوة، والمراد بالأبصار قيل: هو العيون الظاهرية لكون الآية مشتملة على التصرف في رؤية العيون، وقيل: هو البصائر لأن العبرة إنما تكون بالبصيرة القلبية دون البصر الظاهري، والأمر هين، فإن الله سبحانه في كلامه يعد من لا يعتبر بالعبر والمثلات أعمى، ويذكر أن العين يجب أن تبصر وتميز الحق من الباطل وفي ذلك دعوى أن الحق الذي يدعو إليه ظاهر متجسد محسوس يجب أن يبصره البصر الظاهر، وأن البصيرة والبصر في مورد المعارف الإلهية واحد (بنوع من الاستعارة) لنهاية ظهورها ووضوحها، والآيات في ذلك كثيرة جدا، ومن أحسنها دلالة على ما ذكرنا قوله تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾، أي إن الأبصار إنما هي في القلوب دون الرؤوس، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا﴾، والآية في مقام التعجيب، وقوله تعالى: ﴿وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً﴾، إلى غير ذلك من الآيات، فالمراد بالأبصار فيما نحن فيه هو العيون الظاهرية بدعوى أنها هي التي تعتبر وتفهم فهو من الاستعارة بالكناية، والنكتة فيه ظهور المعنى كأنه بالغ حد الحس، ويزيد في لطفه أن المورد يتضمن التصرف في رؤية العين الظاهرة.
13. ظاهر قوله تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ الآية أنه تتمة لكلامه تعالى الذي يخاطب به النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وليس تتمة لقول النبي المدلول عليه بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ الآية، والدليل عليه الكاف في قوله: ﴿ذَلِكَ﴾، فإنه خطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم، وفي هذا العدول إلى الخطاب الخاص بالنبي صلّى الله عليه وآله وسلم إيماء إلى قلة فهمهم وعمى قلوبهم أن يعتبروا بأمثال هذه العبر.
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/93.
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي الذين حولك من قريش وغيرهم من أهل الكتاب وغيرهم فهو عام لهم ﴿سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ سينصر الله دينه فتغلبون، فهو كقوله تعالى: ﴿جُنْدٌ مَا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِنَ الْأَحْزَابِ﴾ [ص:11]، وصدق الله فقد غلبوا كلهم والخسارة الكبرى أنهم يحشرون ﴿إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾
2. ﴿وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ سميت مهاداً، لأنها جزاء أعمالهم في الدنيا، وشأن العاقل أن يمهّد لنفسه مكاناً حسناً موافقاً للبدن والروح، كما فعل المؤمنون في تمهيدهم لأنفسهم الفرش المرفوعة ﴿عَلَى سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾ [الصافات:44]، وأصل المهاد: الفراش ونحوه الممهد لينام عليه مثلاً، فلما كانت لهم جهنم بدلاً من المهاد سميت مهاداً على طريق المشاكلة التقديرية، وفيه حسن بليغ؛ لأنها ضد المهاد وشر مكان.
3. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ يحتمل: الخطاب للذين كفروا ليؤكد لهم قوله تعالى: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ وهذا هو الراجح، ويحتمل: الخطاب للمؤمنين؛ لأن الأولى وعد لهم بالنصر، ويحتمل: الخطاب للفريقين، فهي آية للمؤمنين على النصر، كقوله تعالى في (سورة الحشر): ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آية:2] وذلك تشجيع لهم على الاستمرار في الجهاد.
4. ﴿فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ في جماعتين كل واحدة فئة، واللقاء هنا لقاء الفريقين للقتال، وكان هذا يوم بدر ﴿فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ في نصر دين الله والدفاع عنه، فقوله: ﴿فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ أي بسبب سبيل الله وفي شأن سبيله، فسبيل الله ينسب إليه القتال، فقال تعالى: ﴿تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ وينسب إليه الإنفاق، قال تعالى: ﴿وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [البقرة:195] وينسب إليه الهجرة، قال تعالى: ﴿وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [النور:22]، فالمعنى: القتال من أجل سبيل الله، وكذلك الهجرة والإنفاق لأن المراد نصر الدين بالإنفاق وبالهجرة، كما قال تعالى: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ﴾ إلى قوله تعالى: ﴿وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الحشر:8]
5. ﴿وَأُخْرَى كَافِرَةٌ﴾ أي وفئة أخرى كافرة تحارب دين الله.
6. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ قرئ ﴿تَرَوْنَهُمْ﴾ بالتاء المثناه من فوق، وقرئ ﴿يَرَوْنَهُمْ﴾ بالياء المثناه من تحت، والراءون: هم الكفار يرون المسلمين في حال المعركة مثليهم رأي العين لا رأي الظن والحسبان، وهذا نصر لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم ومن معه، وفي (قراءة نافع) استمرار على خطاب الكفار؛ لأنهم بأصنافهم راضون بحرب قريش لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، فصح أن تنسب الرؤية إلى جملتهم، والمراد الحاضرون للمعركة؛ هذا إذا كان قوله: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ﴾ خطاباً للكفار موجهاً إلى اليهود، فأما إن كان خطاباً للكفار غير مقصود به اليهود إلا بطريقة العموم، فنسبة الرؤية إلى الذين كفروا أظهر؛ لأن المقصود الحاضرون منهم.
7. أما رأيهم مثليهم:
فيحتمل: أنه بسبب اختلاط الملائكة بهم في صورة البشر، كما كان جبريل ﴿فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا﴾ [مريم:17] وهذا ممكن في قدرة الله أن يجعل الملائكة كذلك، ليكثر عدد المسلمين في أعين الكفار، قال الشرفي في (المصابيح): (قال المرتضى عليه السلام: الفئتان اللتان التقتا يوم بدر كان المشركون فيما يقارب الألف إلا أمراً يسيراً، وكان المسلمون في ثلثمائة وثلاثة عشر، فنصرهم الله على المشركين وأظهرهم عليهم ومنحهم أكتافهم، وإنما خرج رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في هذه الجماعة اليسيرة لطمع بالعير التي فيها أبو سفيان، وبلغ ذلك قريشاً فخرجوا في لقاء العير فالتقوا حيث ذكر الله تعالى حين يقول: ﴿إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى﴾ [الأنفال:42] فكان نصر الله لنبيه وللمؤمنين على جمائع الكافرين يومئذٍ من أكبر الدلالات والآيات في النصر والعون لمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم، وكان مما يشهد له بالنبوة واللطف من الله والكفاية لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلم)، ووجه الدلالة على أنهم سيغلبون: أن الله نصر نبيه ومن معه في بدر على قلة عددهم وعدّتهم على الكفار وهم جمع كبير أهل قوة وبأس شديد.
8. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ﴿يُؤَيِّدُ﴾ يقوّي من يشاء جرت بذلك عادته كما أيّد طالوت ومن معه ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ﴾ النصر ﴿لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ليعلموا أن الله ينصر نبيئه فيما يستقبل من الحروب، وكذلك ينصر أولياءه المجاهدين في سبيله في كل زمان ومكان، ونظير هذا قوله تعالى في (سورة الحشر): ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ [آية:2] و﴿الْأَبْصَارِ﴾ بمعنى البصائر، وفي (تفسير الإمام زيد بن علي عليهما السلام): (معناه: معرفة لأولي العقول)
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/430.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ إن الدائرة ستدور عليهم، فالمستقبل ينتظر عباد الله المؤمنين ليكون الحكم لله في دينه وشريعته، وستكون الغلبة لهم على الكافرين، فليراجع الكافرون حساباتهم على هذا الأساس، وليعلموا أن سنن الله في الحياة لا تتبدل ولا تتحوّل مهما كاد الكائدون وتمرّد المتمرّدون، وليرجعوا إلى صوابهم فيؤمنوا بالله وبكتبه ورسله، قبل أن يحشروا إلى جهنم، وبئس المهاد.
1. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾، إن على الإنسان الذي يسمع ويبصر ويعقل أن يأخذ العبرة من الواقع، فإن فيه دروسا كثيرة تستطيع أن تكشف له خطوات المستقبل من خلال الماضي والحاضر، والله يشير إلى معركة سابقة من معارك الإسلام التي انتصر فيها الإسلام على الشرك، قد تكون معركة (بدر) وقد تكون غيرها، فقد وقف المسلمون الذين يقاتلون في سبيل الله من أجل إعلاء كلمته والدفاع عن شريعته، ووقف الكافرون الذين يقاتلون في سبيل الشيطان ويرون المسلمين الذين هم قلة، ضعف عددهم.. وانتصر المسلمون بإيمانهم بالله وبما هيّأه الله لهم من أسباب النصر من دون تكافؤ في العدد أو في العدّة، مما يجعل القضية بعيدة عن المنطق العادي للمعارك ويوحي للمعتبرين بالعبرة التي يعلمون ـ من خلالها ـ كيف ينصر الله عباده المؤمنين عندما يأخذون بأسباب النصر ويتوكلون عليه في ما يريدونه من قوّة وانتصار.
__________
(1) من وحي القرآن: 5/250.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ بعد حرب بدر وانتصار المسلمين قال فريق من اليهود: إنّ النبيّ الأميّ الذي بشرنا به موسى، ونجده في كتابنا بنعته وصفته، وأنّه لا تردّ له راية، ثمّ قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا حتّى تنظروا إلى واقعة أخرى، فلمّا كان يوم احد، ونكبّ أصحاب رسول الله، شكّوا وقالوا: لا والله ما هو به، فغلب عليهم الشقاء فلم يسلموا، وقد كان بينهم وبين رسول الله عهد إلى مدّة لم تنقض، فنقضوا ذلك العهد قبل أجله، وانطلق كعب بن الأشرف إلى مكّة في ستين راكبا، فواقفوهم واجمعوا أمرهم على رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، لتكونن كلمتنا واحدة، ثمّ رجعوا إلى المدينة، عندئذ نزلت الآية المذكورة تقول لهم إنّ الحساب قريب وأنكم جميعا ستكونون عمّا قريب من المغلوبين.
2. مع ما تقدّم في سبب النزول يتضح أن الكفّار المغرورين بأموالهم وأولادهم، وعددهم وعدّتهم يتوقعون هزيمة الإسلام، ولكن القرآن الكريم يصرح في هذه الآية بأنهم سيغلبون، ويخاطب النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم بأن يخبرهم بذلك وأن عاقبتهم في الدنيا والآخرة ليست سوى الهزيمة والذلّ والعذاب الأليم: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ﴾ تنبّؤ صريح هناك أخبار غيبية كثيرة في القرآن الكريم تعتبر من أدلة عظيمته وإعجازه، والآية الكريمة واحدة من هذه الأخبار الغيبية.
3. في هذه الآية يبشّر الله نبيّه صلّى الله عليه وآله وسلم بالانتصار على جميع الأعداء، وينذر الكافرين بأنّهم فضلا عن اندحارهم في هذه الدنيا، فإنّ لهم في الآخرة شرّ مصير.
4. إذا لا حظنا سبب نزول الآية، وكونها نزلت بعد فشل المسلمين في أحد، وظهور ضعفهم الظاهري، وازدياد قوّة الأعداء باتّحادهم وتكاتفهم فإنّ هذا التنبّؤ الصريح وعلى الأخصّ عن المستقبل القريب: ﴿سَتُغْلَبُونَ﴾ يكون أمرا مثيرا للانتباه، ومن هنا يمكن اعتبار هذه الآية من آيات إعجاز القرآن، لوجود هذا التنبّؤ عن المستقبل فيه، في الوقت الذي لا تشير فيه الظواهر إلى احتمال انتصار المسلمين على الكفّار واليهود، ولم تمض فترة طويلة حتّى تحقّقت نبوءة الآية وهزم يهود المدينة (بنو قريضة، وبنو النضير)، وفي خيبر ـ أهم معقل من معاقلهم ـ اندحروا وتلاشت قواهم، كما هزم المشركون في فتح مكّة هزيمة نكراء.
5. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ نزلت بشأن حرب (بدر)، يقول المفسّرون إنّ عدد المسلمين يوم بدر كان 313 شخصا، منهم 77 من المهاجرين و236 من الأنصار، كان لواء المهاجرين بيد عليّ عليه السّلام، وكان سعد بن عبادة صاحب لواء الأنصار، وكانت عدّتهم لا تتجاوز 70 بعيرا، وفرسين، وستة دروع، وثمانية سيوف، خاضوا بها تلك الحرب الكبيرة، في وجه عدوّ يزيد عدده على الألف، مع الكثير من السلاح ومائة فرس، ومع ذلك فقد انتصر المسلمون بتقديم 22 شهيدا (14 من المهاجرين و8 من الأنصار)، في مقابل 70 قتيلا و70 أسيرا من الأعداء، وعادوا إلى المدينة تزيّنهم أكاليل النصر، وهذه الآية تحكي جانبا من معركة بدر.
6. تعقيبا على الآيات السابقة التي حذّر القرآن فيها الكافرين من الاغترار بالمال والأبناء والأتباع، جاءت هذه الآية شاهدا حيّا على هذا الأمر، فتدعوهم إلى الاعتبار بما جرى في معركة بدر التاريخية.
7. ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ كيف لا تكون لهم عبرة، وهم يرون أنّ جيشا صغيرا لا يملك شيئا من العدّة، سوى الإيمان الراسخ، ينتصر على جيش يفوقه أضعافا في العدد والعدّة، فلو كان المال والعدد ـ بغير إيمان ـ قادرين على شيء لظهر مفعولهما في معركة بدر، ولكن النتيجة كانت معكوسة.
8. ﴿يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ﴾ تقول الآية: إنّ الكفّار كانوا يرون جند المسلمين ضعف عددهم، أي أنّهم إذا كانوا 313 شخصا كان الكفّار يرونهم أكثر من 600 شخص، ليزيد من خوفهم، وكان هذا أحد أسباب هزيمة الكفّار.
9. وهذا ـ فضلا عن كونه إمدادا غيبيا من الله انتصر به المسلمون، لأنّ الله يمدّ عباده المجاهدين المؤمنين بمختلف السبل ـ كان أمرا طبيعيا من حيث جانبه الظاهري، وذلك لأنّ الضربات الشديدة التي أنزلها المسلمون ـ بقوة إيمانهم وتربيتهم الإسلامية ـ على الأعداء، أثارت فيهم الرعب والهلع فظنّوا أنّ هناك قوّة أخرى التحقت بالمسلمين، ولذلك ظنّوا أنّ المسلمين يحاربون بضعف قوّتهم الأولى ويسيطرون على ميدان الحرب سيطرة تامّة، مع أنهم قبل الدخول لم يكن يخطر لهم ذلك أبدا، بل كانوا يرون المسلمين أقلّ ممّا كانوا عليه، في الآية 44 من سورة الأنفال إشارة إلى ذلك أيضا ﴿وَإِذْ يُرِيكُمُوهُمْ إِذِ الْتَقَيْتُمْ فِي أَعْيُنِكُمْ قَلِيلًا وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا﴾
10. تذكّروا يوم لقائكم بهم في ميدان الحرب، فقد أظهرناكم في أعينهم قلّة لكي لا يتجنّبوا حربا ستؤدّي إلى هزيمتهم ـ كما أظهرناهم في أعينكم قلّة لكي لا تضعف معنوياتكم في حرب مصيرية ـ وما أن بدأ الحرب حتّى تبدّلت المشاهد، وظهر المسلمون في أعين الأعداء بأعداد مضاعفة، فكان هذا واحدا من أسباب هزيمتهم، وجاء في بعض الروايات أن أحد المسلمين قال قبل نشوب القتال في بدر قلت لرفيق لي: ألّا تظن أن عدد الكفّار سبعون نفرا؟ فقال: إني احسبهم مائة نفر، ولكن عندما انتصرنا في الحرب وأسرنا منهم عددا غفيرا سمعنا أن عددهم ألف نفر.
11. ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾ تشير الآية إلى حقيقة أنّ الله ينصر من يشاء، لقد سبق أن قلنا إنّ مشيئة الله وإرادته لا تكون بغير حساب، بل هي تكون بموجب حكمته وفي حدود لياقة الأفراد، أي أنّ الله يؤيّد الذين يستحقّون ذلك.
12. جدير بالذكر أنّ النصر الإلهي للمسلمين في الحادثة التاريخية كان ذا جانبين، فقد كان (نصرا عسكريا) و(نصرا منطقيا):
أ. فمن الناحية العسكرية: انتصر جيش صغير مفتقر إلى المعّدات الحربية على جيش يبلغ أضعافه عددا وإمكانات.
ب. ومن الناحية المنطقية: فإنّ الله كان قد أخبر المسلمين صراحة بهذا النصر قبل بدء الحرب.
13. ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ في ختام الآية يؤكّد سبحانه أنّ الذين وهبوا البصيرة بحيث يرون الحقائق كما هي، يعتبرون بهذا الانتصار الذي أحرزه أناس مؤمنون، ويدركون أنّ أساس هذا الانتصار هو الإيمان.. الإيمان وحده.
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/412.
8. المتاع الفاني والتزيين
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈8⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
علي:
روي عن الإمام علي (ت 40 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: (إنما الدنيا متاع أيام قلائل، ثم تزول كما يزول السراب، وتقشع كما ينقشع السحاب(1).
2. روي أنّه قال: (إنما الحياة الدنيا متاع؛ ومتاع الدنيا بطيء الاجتماع، قليل الانتفاع، سريع الانقطاع(2).
3. روي أنّه قال: (إن الدنيا عيشها قصير وخيرها يسير، وإقبالها خديعة وإدبارها فجيعة، ولذاتها فانية وتبعاتها باقية(3).
__________
(1) غرر الحكم: رقم: 3890.
(2) تنبيه الخواطر: 2 ص.
(3) غرر الحكم: رقم: 3670.
ابن عباس:
روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الراعية(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: يعني: معلمة(2).
3. روي أنّه قال: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾: الراعية، والمطهمة الحسان، ثم قرأ: ﴿شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾(3).
4. روي أنّه قال: القنطار: ألف ومائتا دينار، ومن الفضة ألف ومائتا مثقال(4).
5. روي أنّ نافع بن الأزرق قال له: أخبرني عن قوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾، قال أما قولنا أهل البيت فإنا نقول: القنطار: عشرة آلاف مثقال، وأما بنو حسل فإنهم يقولون: ملء مسك ثور ذهبا أو فضة، قال فهل تعرف العرب ذلك؟ قال نعم، أما سمعت عدي بن زيد وهو يقول(5).:
çوكانوا ملوك الروم تجبى إليهم... قناطيرها من بين قل وزائدé
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٦٢.
(2) ابن جرير: ٥/٢٦٤.
(3) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٠.
(4) ابن جرير: ٥/٢٥٦.
(5) مسائل نافع: ٢٧٥.
ابن عمرو:
روي عن بن العاص (ت 77 هـ)، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، قال: الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة(1).
__________
(1) مسلم: ٢/١٠٩٠.
المسيب:
روي عن سعيد بن المسيب (ت 93 هـ) أنّه قال: القنطار: ثمانون ألفا(1).
__________
(1) الدرّ المنثور: عبد بن حميد.
ابن جبير:
روي عن سعيد بن جبير (ت 95 هـ) أنّه قال: القنطار: هو مائة ألف، ومائة من، ومائة رطل، ومائة مثقال، ومائة درهم(1).
__________
(1) تفسير البغوي: ٢/١٥.
الضحاك:
روي عن الضحاك بن مزاحم (ت 102 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ المحصنة المحكمة(1).
2. روي أنّه قال: القنطار: ألف دينار، ومن الورق: اثنا عشر ألف درهم(2).
3. روي أنّه قال: ﴿القناطير﴾ من العرب من يقول: القنطار: ألف دينار، ومنهم من يقول: اثنا عشر ألفا(3).
__________
(1) تفسير البغوي: ٢/١٥.
(2) عبد بن حميد كما في قطعة من تفسيره: ص٢٣.
(3) ابن أبي حاتم: ٢/٦٠٩.
مجاهد:
روي عن مجاهد (ت 104 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ المصورة حسنا(1).
2. روي أنّه قال: القنطار: سبعون ألف دينار(2).
3. روي أنّه قال: ﴿القناطير المقنطرة﴾ فالقنطار سبعون ألفا(3).
__________
(1) أبو جعفر الرملي في جزئه: ص٧٢.. وفي ابن جرير: ٥/٢٦٣ عنه: المطهّمة حُسْنًا.
(2) الدرّ المنثور: عبد بن حميد.
(3) ابن أبي حاتم: ٢/٦٠٩.
البصري:
روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ من زيّنها؟ ما أحد أشد لها ذما من خالقها(1).
2. روي أنّه قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ زين لهم الشيطان(2).
3. روي أنّه قال: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ المسرحة في الرعي(3).
4. روي أنّه قال: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ تسوم المسلمون سيما، والمشركون سيماهم، وكان سيماهم الصوف، وقل ما التقت فئتان إلا تسوموا أخيالهم(4).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٥٤.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٦٠٧.
(3) ابن جرير: ٥/٢٦٢.
(4) ابن أبي حاتم: ٢/٦١١.
مكحول:
روي عن مكحول الدمشقي (ت 116 هـ) أنّه قال: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الغرة، والتحجيل(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١١.
زيد:
روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ واحدها قنطار.. فالقنطار: ألف ومائتا أوقية.. والقنطار مائة رطل.. والقنطار ألف دينار.. ومن الورق اثنا عشر ألفا مثل الديّة.. وقد قيل القنطار: ثمانون ألف دينار.. وقد قيل القنطار: سبعون ألف دينار،(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ معناه المعلّمة المسيمة.. ويقال: المطهّمة: الحسان.. والمطهّمة: التي كل شيء منها حسن على حده والمسوّمة: الرّاعية] والأنعام: جماعة النّعم وهي الإبل.. والحرث: الزّرع،(1).
3. روي أنّه قال: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ معناه قوامهم،(1).
4. روي أنّه قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ معناه المرجع،(1).
__________
(1) تفسير الإمام زيد، ص 107.
السّدّيّ:
روي عن إسماعيل السّدّيّ (ت 127 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾، يعني: المضروبة، حتى صارت دنانير أو دراهم(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ حسن المنقلب، وهي الجنة(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٦٠.
(2) ابن جرير: ٥/٢٦٧.
الربيع:
روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ) أنّه قال: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ المال الكثير، بعضه على بعض(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٥٩.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ يعني: الكفار: ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ وهي: الإبل، والبقر، والغنم، ﴿وَالْحَرْثِ﴾(1).
3. روي أنّه قال: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ يعني: المال الكثير: ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾، فأما الذهب: فهو ألف دينار ومائتا دينار، والفضة: ألف ومائتا مثقال(1).
4. روي أنّه قال: الذي ذكر في هذه الآية: ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾، يعني: حسن المرجع، وهي الجنة(1).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٦.
ابن زيد:
روي عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم (ت 182 هـ) أنّه قال: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ المعدة للجهاد(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٦٥.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ أي: الشهيات، ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ وما ذكر.. إلى آخره، قال الحسن: والله ما زيّنها إلا الشيطان؛ إذ لا أحد أذم لها ولأهلها من الله تعالى، وإليه يذهب المعتزلة، لكن الأصل في هذا وفي أمثاله: أن الله ـ عزّ وجل ـ زيّن هذه الأشياء، والتزيين من الله سبحانه وتعالى ـ يقع لوجهين، وكذلك الكراهة ـ أيضا ـ تقع لوجهين:
أ. تزين في الطباع، والطبع يرغب فيما يتلذذ ويشتهي، وإن لم يكن في نفسه حسنا.
ب. وتزين في العقل، فلا يتزين في العقل إلا فيما ثبت حسنه بنفسه، أو الأمر أو حمد العاقبة ونحو ذلك، ثم جعل العقل مانعا له، رادّا عما يرغب إليه الطبع ويميل؛ لأن الطبع أبدا يميل ويرغب] إلى ما هو ألذّ وأشهى وأخف عليه، وينفر عما يضره ويؤلمه، والعقل لا ينفر إلا عما هو القبيح في نفسه، ويرغب فيما هو الحسن في نفسه؛ وعلى ذلك يخرج قوله صلّى الله عليه وآله وسلم: (حفّت الجنّة بالمكاره، والنّار بالشّهوات): ليس على كراهة العقل، ولا على شهوة العقل؛ ولكن على كراهة الطبع وشهوته؛ وكذلك قوله: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ [البقرة: 216] ليس على كراهة الاختيار، ولكن كراهة الطبع؛ لأن كراهة العقل كراهة الاختيار، وكذلك رغبة العقول رغبة الاختيار، وفيها تجري الكلفة ـ أعني: على اختيار العقل، لا اختيار الطبع ـ بما يميل ويرغب في الألذّ، وينفر عن الضارّ؛ دليله قوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [النساء: 65] أخبر أنهم لا يؤمنون ما وجدوا في قضائه حرجا؛ فدلت الآية أن الخطاب والكلفة إنما يكون على اختيار العقل وكراهيته، لا على اختيار الطبع.
2. لذلك قلنا: إنه يجوز التزيين في الطبع من الله تعالى، وكذلك الكراهة في الطبع تكره: إن الشيطان هو الذي زينها: فإن عنوا أنه يزينها لهم، أي: يرغبهم ويدعوهم إليها، ويريهم زينتها ـ فنعم، وإن عنوا أنّه يزينها بحيث نفّسها لهم ـ فلا؛ لأن الله ـ تعالى ـ وصف الشيطان بالضعف، ونفي عنه هذه القدرة بقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 76]، فلو جعلنا له التزيين لهم على ما قالوا، لم يكن كيده على ما وصفه ـ عزّ وجلّ ـ بالضعف؛ ولكن كان قويّا، ولكنه يدعوهم إليها، ويرغبهم فيها، ويريهم المزين لهم، ثم دعاؤه إيّاهم، وحجّته في ذلك، وقوته من حيث ما لا يطلع عليه بقوله: ﴿إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَوقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ﴾ [الأعراف: 27]، فالعدو الّذى يرى هو من يعاديه، ولا يرى هو ـ كان يجب أن يكون أحذر منه، وأخوف ممن يرى، ووجه آخر: أن الشهوات التي أضاف التزيين ـ عزّ وجل ـ بترك ما زين لهم في الطباع؛ بما ركب لهم من العقول الوافرة؛ ليختاروا ما حسن في العقول وتزين، وعلى ذلك جرت الكلفة والخطاب، لا بما مالت إليه الطباع، ونفرت عنه العقول.
3. في الآية دلالة وجوب الحق في كل ما ذكر في الآية من المال، وكذلك الخيل، أمّا في النساء والبنين: فلما متّعوا بهم ـ أوجب عليهم النفقة كذلك، وقوله ـ عزّ وجل ـ ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ أوجب في النساء عليهم النفقة، وكذلك البنين، وأوجب في الذهب والفضّة حقا، ثم ذكر الخيل المسوّمة: إن كان المراد منه جعلها سائمة؛ لذلك قال أبو حنيفة: إنّ في الخيل صدقة.
4. اختلف في المسوّمة:
أ. قال بعضهم: هي المسيّبة الراعية.
ب. وقال آخرون: هي المعلمة، وعن ابن عباس: (المسوّمة الرّاعية)
ج. وقال غيرهم: المطهّمة، وهي المحسّنة.
5. ثم أخبر أن ما ذكر في الآية: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ وأمرهم بترك ذلك، وأخبر أن لهم عنده: ﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ إن هم تركوا مما امتحنوا به، ثم قال إن من اتقى في الدنيا له خير من ذلك بقوله: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾ إلى آخره.
6. اختلف فيقوله تعالى: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾:
أ. منهم من قال: ألف ومائتا أوقية.
ب. ومنهم من قال: اثنا عشر ألفا.
ج. ومنهم من يقول: سبعون ألف دينار.
د. ومنهم من يقول: هو بلسان الروميّة: ملء مسك ثور ذهبا أو فضة.
هـ. ومنهم من يقول: كل مائة قنطار من كل شيء، وهو اسم المال العظيم الكثير لا يدرى ما مقداره، وليس لنا إلى معرفة قدره حاجة ولا فائدة؛ إنما الحاجة إلى معرفة الرغبة فيما كثر من المال؛ إذ ليس قدر أحق بأن يحمل عليه الرغبة من الآخر.
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/322.
العياني:
ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. معنى قوله: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾، أي الخيل ذات الأعلام والغرر والتحاجيل والعلامات، والسومة: هي العلامة، قال الشاعر: (جرداء صافية الأديم مسومة)، وقد يكون المسوم: هو الذي يعجب السائمين حتى يكون مطلوباً نفيساً غالياً، قال الشاعر:
çوما طعم عنقود أحم زبيبهُ... غلا عند واليه فليس يسامé
أي فليس بمطمع فيه، ولا يُطلب للبيع
__________
(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/ 256.
الديلمي:
ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ أي حسن حب الشهوات من خلق الله عز وجل في الإنسان لأنها ضرورية لا يقدر على دفعها وذلك لأن الله سبحانه زين من حب الشهوات ما خلق وحسن بما جعله من الطباع من المنازعة كما قال ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف:7]، فأما ما قبح من الشهوات فلم يزين بل قد نهى عنها.
﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ والقنطار ألف أوقية ومائتا أوقية وقيل ملء مسك ثور ذهباً، والمقنطرة: ألمضاعفة وقيل هو المال الكثير ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ الحسنة، ويحتمل أن تكون المعلمة من السيما وهي العلامة ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم من الضأن والمعز ولا يقال النعم الجنس منها على الانفراد إلا الإبل ﴿وَالْحَرْثِ﴾ هو الزرع.
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/135.
الماوردي:
ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ معنى زين: أي حسّن حب الشهوات، والشهوة من خلق الله في الإنسان، لأنها ضرورة لا يقدر على دفعها.
2. في المزيّن لحب الشهوات ثلاثة أقاويل:
أ. أحدها: أنه الشيطان، لأنه لا أحد أشد ذمّا لها من الله تعالى الذي خلقها، قاله الحسن.
ب. الثاني: تأويل أن الله زين حب الشهوات لما جعله في الطبائع من المنازعة كما قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: 7]، قاله الزجاج.
ج. الثالث: أن الله زين من حبها ما حسن، وزين الشيطان من حبها ما قبح.
3. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ اختلفوا في مقدار القنطار على سبعة أقاويل:
أ. أحدها: أنه ألف ومائتا أوقية، وهو قول معاذ بن جبل، وأبي هريرة ورواه زر بن حبيش عن أبيّ بن كعب قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (القنطار ألف ومائتا أوقيّة)
ب. الثاني: أنه ألف ومائتا دينار، وهو قول الضحاك، والحسن، وقد رواه الحسن عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.
ج. الثالث: أنه اثنا عشر ألف درهم أو ألف دينار، وهو قول ابن عباس.
د. الرابع: أنه ثمانون ألفا من الدراهم، أو مائة رطل من الذهب، وهو قول سعيد بن المسيب، وقتادة.
هـ. الخامس: أنه سبعون ألفا، قاله ابن عمر، ومجاهد.
و. السادس: أنه ملء مسك ثور ذهبا، قاله أبو نضرة.
ز. السابع: أنه المال الكثير، وهو قول الربيع.
4. في قوله تعالى: ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ خمسة أقاويل:
أ. أحدها: أنها المضاعفة، وهو قول قتادة.
ب. الثاني: أنها الكاملة المجتمعة.
ج. الثالث: هي تسعة قناطير، قاله الفراء.
د. الرابع: هي المضروبة دراهم أو دنانير، وهو قول السدي.
هـ. الخامس: أنها المجعولة كذلك، كقولهم دراهم مدرهمة.
و. ويحتمل وجها سادسا: أن القناطير المذكورة مأخوذة من قنطرة الوادي، إما لأنها بتركها معدّة كالقناطر المعبورة، وإما لأنها معدة لوقت الحاجة، والقناطير مأخوذة من عقد الشيء وإحكامه كالقنطرة.
5. في قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ خمسة تأويلات:
أ. أحدها: أنها الراعية، قاله سعيد بن جبير، والربيع، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ أي ترعون.
ب. الثاني: أن المسومة الحسنة، قاله مجاهد، وعكرمة، والسدي.
ج. الثالث: أنها المعلّمة، قاله ابن عباس، وقتادة.
د. الرابع: أنها المعدة للجهاد، قاله ابن زيد.
هـ. الخامس: أنها من السيما مقصور وممدود، قاله الحسن، قال الشاعر:
çغلام رماه الله بالحسن يافعا...له سيمياء لا تشقّ على البصرé
6. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل، والبقر، والغنم من الضأن والمعز، ولا يقال النعم لجنس منها على الانفراد إلا للإبل خاصة.
7. قوله تعالى: ﴿وَالْحَرْثِ﴾ يحتمل وجهين:
أ. يحتمل: هو الزرع.
ب. ويحتمل: أن يريد أرض الحرث لأنها أصل، ويكون الحرث بمعنى المحروث.
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/376.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في المزين لحب الشهوات في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ثلاثة أقوال:
أ. قال الحسن: زينه الشيطان، لأنه لا أحد أشد ذماً لها من خالقها.
ب. الثاني: ما قاله الزجاج: انه زينه الله بما جعل في الطباع من المنازعة، كما قال تعالى ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾
ج. الثالث: ما قاله أبو علي أنه زين الله عز وجل ما يحسن منه، وزين الشيطان ما يقبح منه.
2. الشهوات: جمع شهوة وهي توقان النفس إلى الشيء يقال: اشتهى يشتهي شهوة، واشتهاء وشهاه تشهية، وتشهى تشهياً، والشهوة من فعل الله تعالى لا يقدر عليها أحد من البشر، وهي ضرورية فينا، لأنه لا يمكننا دفعها عن أنفسنا.
3. القناطير: جمع قنطار، واختلفوا في مقدار القنطار:
أ. فقال معاذ بن جبل، وابن عمر، وأبي بن كعب، وأبو هريرة: هو ألف ومأتا أوقية.
ب. وقال ابن عباس، والحسن، والضحاك: هو ألف ومأتا مثقال.
ج. وروي عن الحسن أيضاً أنه ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم.
د. وقال قتادة: ثمانون ألفاً من الدراهم أو مائة رطل.
هـ. وقال مجاهد، وعطا: سبعون ألف دينار.
و. وقال أبو نضر: هو مليء مسك ثور ذهباً، وبه قال الفراء: وهو المروي عن أبي جعفر.
ز. وقال الربيع وابن أنس: هو المال الكثير.
4. اختلف في معنى المقنطرة:
أ. قيل: المضاعفة ـ على قول قتادة.
ب. وقال قتادة والفراء: هي تسعة قناطير.
ج. وقيل: هي كقولك دراهم مدرهمة أي مجعولة كذلك.
د. وقال السدي: مضروبة دراهم أو دنانير.
5. القنطرة: البناء المعقود للعبور والقنطر الداهية، وأصل الباب القنطرة المعروفة، والقنطار لأنه مال عظيم كالقنطرة.
6. الذهب، والفضة معروفان، وتقول فضضته تفضيضاً، وفض الجمع يفضه فضاً إذا فرقه، ومنه قوله: ﴿لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ وفضضت الخاتم كسرته ولا يفضض الله فاك أي لا يكسره، وافتضضت الماء: إذا شربته، وأصل الباب التفرق.
7. الخيل: الافراس سميت خيلا، لاختيالها في مشيها، والاختيال: من التخيل، لأنه يتخيل به صاحبه في صورة من هو أعظم منه كبراً، والخيال كالظل، لأنه يتخيل به صورة الشيء تقول: خلت زيداً أخال خيلاناً إذا خشيته لأنه يتخيل إلى النفس أنه هو، والأخيل: الشقراق وهو طائر الغالب عليه الخضرة مشرب حمرة، لأنه يتخيل مرة أخضر ومرة أحمر، وأصل الباب التخيل: التشبه بالشيء، ومنه أخال عليه الأمر يخيل إذا اشتبه عليه، فهو مخيل.
8. في قوله تعالى: ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ أربعة أقوال:
أ. قال سعيد بن جبير وابن عباس والحسن والربيع: هي الراعية.. من قولهم: اسمت الماشية وسومتها إذا رعيتها، وسأمت، فهي سائمة إذا كانت راعية، ومنه تسيمون: أي ترعون.
ب. وقال مجاهد وعكرمة والسدي: هي الحسنة.. من السيما مقصور، ويقال فيه سيمياء أيضاً وهو الحسن، قال الشاعر:
çغلام رماه الله بالحسن يافعاً...له سيمياء لا يشق على البصرé
ج. وقال ابن عباس في رواية، وقتادة: المعلمة.. من السيماء التي هي العلامة كقوله تعالى: ﴿يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ﴾
د. وقال ابن زيد: هي المعدة للجهاد.. وهو راجع إلى العلامة لأنها معدة بالعلامة وأصل الباب العلامة.
9. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ هي الإبل، والبقر، والغنم من الضان والمعز ولا يقال لجنس منها على الانفراد نعم إلا الإبل خاصة لأنه غلب عليها في التفصيل والجملة، والحرث: الزرع.
10. ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ فالمتاع: ما يستنفع به مدة ثم يفنى، ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ فالمآب: المرجع من آب يؤوب أوباً وإياباً وأوبة، ومآباً إذا رجع وتأوب تأوباً: إذا ترجع وأوبه تأويباً: إذا رجعه، وأصل الباب الأوب الرجوع.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/411.
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الزين: نقيض الشين، زانه يزينه زينًا، وزينه تزيينًا.
ب. الشهوة: توقان النفس إلى الشيء، اشتهى يشتهي اشتهاءً، والشهوة عرض يحل القلب، وهو فعل اللَّه تعالى لا يقدر عليها غيره، وضدها النفار.
ج. القناطير أصله من القنطرة؛ وهو البناء المعقود للعبور، وقيل: أصله من الإحكام، قنطرت الشيء أحكمته، ثم يسمى المال الكثير قنطارًا؛ لأنه مال عظيم، والقنطرة الداهية، والمقنطرة المجعولة قنطارًا كقولهم: دراهم مدرهمة، أي مجعولة كذلك، ودنانير مُدَنَّرَة، ويؤكد ذلك توكيدًا، وواحد القناطير قنطار.
د. الخيل الأفراس لاختيالها في مشيها، أخذ من الاختيال؛ وهو جمع لا واحد له من لفظه، واحده فرس كالقوم والرهط والنساء.
هـ. السوم سوم الراعية، وهو رعيها سام يسوم سومًا، ومنه: في خمس من الإبل السائمة صدقة)، وهي الراعية، والسوم في المبايعة، والمسومة المرسلة وعليها ركبانها، وأصلها من العلامة، ومنه: السيما، فالراعية عليها علامة التخلية للمرعى.
و. المآب: المرجع، آب يؤوب أوبًا: إذا رجع.
2. قيل: كان أصحاب النبي صلّى الله عليه وآله وسلم في شدة وفقر، والكفار في غنى وسعة، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية تسلية لهم، وأن ما أعد لهم خير مما أعطى هَؤُلَاءِ.
3. ثم أخبر تعالى عن السبب الذي دعاهم إلى العدول عن الحق، وأن ذلك ركونهم إلى الدنيا فقال تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، واختلفوا:
أ. قيل: زينه الشيطان، عن الحسن.
ب. وقيل: لا أحد أشد ذمًّا لها من خالقها، وتزيين الشياطين بالوسوسة.
ج. وقيل: زينه اللَّه تعالى بما جعل في الطباع من الشهوة كقوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ عن الأصم والزجاج.
د. وقيل: المراد به المشتهى، فاللَّه تعالى زين ما يحسن منه، والشيطان زين ما يقبح منه، عن أبي علي، واختاره القاضي.
4. ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ ما يشتهى من زينة الدنيا، وهو إرادة نيل المشتهيات؛ ولذلك فصل المشتهيات من بعد ﴿النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ﴾
5. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمع قنطار، واختلفوا فيه:
أ. قيل: ألف ومائتا أوقية، عن معاذ وابن عمر وأبي هريرة وأبي بن كعب.
ب. وقيل: ألف ومائتا دينار، عن ابن عباس والحسن والضحاك.
ج. وقيل: ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، عن الحسن بخلاف.
د. وقيل: ثمانون ألفًا من الدراهم أو مائتا رطل، عن قتادة.
هـ. وقيل: أربعة آلاف مثقال، عن شريك.
و. وقيل: سبعون ألف دينار، عن مجاهد وعطاء.
ز. وقيل: ملء مسك ثور، عن أبي نضرة وأبي مسلم.
ح. وقيل: هو المال الكثير العظيم، عن الربيع وابن أنس والأصم، وهو الأصل في اللغة.
6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾:
أ. قيل: المضاعفة، عن قتادة.
ب. وقيل: تسعة قناطير، عن الفراء.
ج. وقيل: معناه مجعولة كذلك.
د. وقيل: مضروبة دراهم ودنانير، عن السدي.
هـ. وقيل: مجموعة منضدة بعضها على بعض، عن قتادة.
7. ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ قيل: سمي ذهبًا لأنه يذهب، وفضة لأنها تنفض، ﴿وَالْخَيْلَ﴾ يعني الأفراس.
8. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾:
أ. قيل: الراعية من السوم الذي هو الرعي، عن ابن عباس وسعيد بن جبير والحسن والربيع.
ب. وقيل: الحسنة من السما مقصورة، عن مجاهد وعكرمة والسدي.
ج. وقيل: المعلمة من السيما التي هي العلامة، عن ابن عباس وقتادة.
د. وقيل: المعدة للجهاد عن ابن زيد.
9. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ الإبل والبقر والغنم ﴿وَالْحَرْثِ﴾ والزرع ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي يستمتع بها في الدنيا ويزول ولا يبقى ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي حسن المرجع، وهو الثواب الدائم الذي لا يزول.
10. تدل الآية الكريمة على:
أ. التحذير من الركون إلى الدنيا وإيثار شهواتها.
ب. أنها لا تبقى، وأن الباقي الذي ينبغي للمرء أن يطلبه الدار الآخرة؛ لأنها تبقى ولا تبلى، وتتضمن ذم الكفار؛ حيث عدلوا عن الحق، وركنوا إلى الدنيا.
11. مسائل نحوية:
أ. الشهوات: جمع شهوة، وحرك الهاء في الجمع ليكون فرقًا بين جمع الاسم، وجمع النعت؛ لأن النعت لا يحرك كقولهم: ضخمة وضَخْمات، وعبلة وعَبلات، والاسم يحرك نحو: تمرة وتَمَرات، فإذا كان ثاني الاسم واوا أو ياء سكنوا استثقالاً لتحريك الواو أو الياء كبيضة وبَيْضات، وجوزة وجوزات.
ب. صرف قناطير إن كان فعاليل لا ينصرف؛ لأن فيها ألفًا ولامًا؛ فلذلك صرف.
ج. ﴿ذَلِكَ﴾ استئناف، والكلام تم عند قوله: ﴿الْحَرْثِ﴾، وتقدير ذلك هو متاع.
د. مآب مَفْعَل من آب، وأصله يؤوب، ألقيت حركة الواو علي الهمزة، وقلبت الواو ألفًا لانفتاحها، كما قالوا: معاد.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/183.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الشهوات: جمع شهوة، وهي توقان النفس إلى المشتهى، يقال: اشتهى يشتهي شهوة واشتهاء، والشهوة من فعل الله، ولا يقدر عليها أحد من البشر، وهي ضرورية فينا، فإنه لا يمكننا دفعها عن نفوسنا.
ب. القناطير: جمع قنطار، وهو المال الكثير العظيم، وأصله من الإحكام، يقال: قنطرت الشئ: أحكمته، والقنطر: الداهية، وقيل: أصله من القنطرة، وهو البناء المعقود للعبور.
ج. المقنطرة: المحصلة من قناطير، كقولهم: دراهم مدرهمة أي: مجعولة كذلك، ودنانير مدنرة، وقيل: إنما ذكر المقنطرة للتأكيد، وقد يؤتى بالمفعول والفاعل تأكيدا فالمفعول مثل قوله ﴿حِجْرًا مَحْجُورًا﴾، (ونسيا منسيا) والفاعل كقولهم شعر شاعر، وموت مائت، والمراد بالجميع المبالغة والتأكيد.
د. سميت الخيل خيلا لاختيالها في مشيها، والاختيال: من التخيل لأنه يتخيل به صاحبه في صورة من هو أعظم منه كبرا.
هـ. المسومة: من قولهم أسمت الماشية وسومتها: إذا رعيتها، والسيما: الحسن، والسيمياء بمعناه، قال الشاعر:
çغلام رماه الله بالحسن يافعا... له سيمياء لا تشق على البصرé
والسيمياء: العلامة، وهو أصل الباب.
و. المآب: المرجع من الأوب: وهو الرجوع.
2. ثم أنزل الله تعالى ما أخبر به عن السبب الذي دعا الناس إلى العدول عن الحق والهدى، والركون إلى الدنيا، فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ أي: حب المشتهيات، ولم يرد بها نفس الشهوة، ولهذا فسرها بالنساء والبنين وغيرهما.
3. اختلف فيمن زينها لهم:
أ. قيل: الشيطان، عن الحسن، قال: فوالله ما أجد أذم للدنيا من خلقها.
ب. وقيل: زينها الله تعالى لهم بما جعل في الطباع من الميل إليها، وبما خلق فيها من الزينة، محنة وتشديدا للتكليف، كما قال سبحانه ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
ج. وقيل: زين الله تعالى ما يحسن منه، وزين الشيطان ما يقبح، عن أبي علي الجبائي.
4. ثم قدم سبحانه ذكر النساء فقال ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ لأن الفتنة بهن أعظم، وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء، وقال: (النساء حبائل الشيطان)، وقال أمير المؤمنين عليه السلام: (المرأة شر كلها، وشر ما فيها أنه لا بد منها وهي عقرب حلوة اللسعة)(2)
5. ﴿وَالْبَنِينَ﴾ لأن حبهم يدعو إلى جمع الحرام، وقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم للأشعث بن قيس: هل لك من ابنة حمزة من ولد؟قال: نعم، لي منها غلام، ولوددت أن لي من جفنة من طعام أطعمها من معي من بني جبلة، فقال: لئن قلت ذاك إنهم لثمرة القلوب، وقرة الأعين، وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة مخزنة.
6. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمع قنطار، واختلف في مقداره:
أ. قيل: ألف ومائتا أوقية، عن معاذ بن جبل، وأبي بن كعب، وعبد الله بن عمر.
ب. وقيل: ألف ومائتا مثقال، عن ابن عباس والحسن والضحاك.
ج. وقيل: ألف دينار، أو اثنا عشر ألف درهم، عن الحسن بخلاف.
د. وقيل: ثمانون ألفا من الدراهم، أو مائة رطل، عن قتادة.
هـ. وقيل: سبعون ألف دينار، عن مجاهد وعطاء.
و. وقيل: هو ملء مسبك ثور ذهبا، عن أبي نضرة، وبه قال الفراء، وهو المروي عن أبي جعفر، وأبي عبد الله.
7. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾:
أ. قيل: المضاعفة، عن قتادة.
ب. وقيل: هي تسعة قناطير، عن الفراء.
ج. وقيل: هي الأموال المنضد بعضها فوق بعض، عن الضحاك.
د. وقيل: الكاملة المجتمعة.
هـ. وقيل: هي (من الذهب والفضة)، عن الزجاج، ولا يصح قول من قال من الذهب خاصة، لأن الله ذكر القنطار فيهما جميعا، وجميع الأقوال يرجع إلى الكثرة.
8. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾:
أ. قيل: معناه الأفراس الراعية، عن سعيد بن جبير وابن عباس والحسن والربيع.
ب. وقيل: هي الحسنة من السيمياء، وهو الحسن عن مجاهد وعكرمة والسدي.
ج. وقيل: هي المعلمة، عن قتادة.
د. وفي رواية عن ابن عباس المعدة للجهاد، عن ابن زيد.
9. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾: وهي جمع النعم، وهي الإبل والبقر والغنم من الضان والمعز، ولا يقال لجنس منها على الانفراد نعم، إلا للإبل خاصة، لأنها يغلب عليه جملة وتفصيلا ﴿وَالْحَرْثِ﴾ معناه: الزرع.
10. هذه كلها محببة إلى الناس، كما ذكر الله تعالى، ثم بين أن ذلك كله مما يتمتع به في الحياة، ثم يزول عن صاحبه، والمرجع إلى الله، فأجدر بالإنسان أن يزهد فيه، ويرغب فيما عند ربه فقال ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يعني كل ما سبق ذكره مما يستمتع به في الحياة الدنيا ثم يفنى ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ يعني: حسن المرجع، فالمآب مصدر سمي به موضع الإياب.
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/711.
(2) لا نرى صحة هذا لمعارضته الواضحة للقرآن الكريم
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. القناطير: جمع قنطار، قال ابن دريد: ليست النون فيه أصلية، وأحسب أنه معرّب، واختلف العلماء: هل هو محدود أم لا؟ فيه قولان:
أ. أحدهما: أنه محدود.
ب. الثاني: أن القنطار ليس بمحدود، وقال الرّبيع بن أنس: القنطار: المال الكثير، بعضه على بعض، وروي عن أبي عبيدة أنه ذكر عن العرب أن القنطار وزن لا يحدّ، وهذا اختيار ابن جرير الطّبريّ، قال ابن الأنباريّ قال بعض اللغويين القنطار العقدة الوثيقة المحكمة من المال.
2. الذي ذكروا أنه محدود، ذكروا فيه أحد عشر قولا:
أ. أحدها: أنه ألف ومائتا أوقيّة، رواه أبيّ بن كعب عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، وبه قال معاذ بن جبل، وابن عمر، وعاصم بن أبي النّجود، والحسن في رواية.
ب. الثاني: أنه اثنا عشر ألف أوقية، رواه أبو هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، وعن أبي هريرة كالقولين، وفي رواية عن أبي هريرة أيضا: اثنا عشر أوقيّة.
ج. الثالث: أنه ألف ومائتا دينار، ذكره الحسن عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، ورواه العوفيّ عن ابن عباس.
د. الرابع: أنه اثنا عشر ألف درهم، أو ألف دينار، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وروي عن الحسن، والضّحّاك، كهذا القول، والّذي قبله.
هـ. الخامس: أنه سبعون ألف دينار، روي عن ابن عمر، ومجاهد.
و. السادس: ثمانون ألف درهم، أو مائة رطل من الذّهب، روي عن سعيد بن المسيّب، وقتادة.
ز. السابع: أنه سبعة آلاف دينار، قاله عطاء.
ح. الثامن: ثمانية آلاف مثقال، قاله السّدّيّ.
ط. التاسع: أنه ألف مثقال ذهب أو فضّة، قاله الكلبيّ.
ي. العاشر: أنه ملء مسك ثور ذهبا، قاله أبو نضرة، وأبو عبيدة.
ك. الحادي عشر: أن القنطار: رطل من الذّهب، أو الفضّة، حكاه ابن الأنباريّ.
3. في معنى المقنطرة ثلاثة أقوال:
أ. أحدها: أنها المضعّفة، قال ابن عباس: القناطير ثلاثة، والمقنطرة تسعة، وهذا قول الفرّاء.
ب. الثاني: أنها المكمّلة، كما تقول: بدرة مبدّرة، وألف مؤلّفة، وهذا قول ابن قتيبة.
ج. الثالث: أنها المضروبة حتى صارت دنانير ودراهم، قاله السّدّيّ.
4. في المسوّمة ثلاثة أقوال:
أ. أحدها: أنها الرّاعية، رواه العوفيّ عن ابن عباس، وبه قال سعيد بن جبير، ومجاهد في رواية، والضّحّاك، والسّدّيّ، والرّبيع، ومقاتل، قال ابن قتيبة: يقال: سامت الخيل، وهي سائمة: إذا رعت، وأسمتها وهي مسامة، وسوّمتها، فهي مسوّمة: إذا رعيتها، والمسوّمة في غير هذا: المعلّمة في الحرب بالسّومة وبالسّيماء أي: بالعلامة.
ب. الثاني: أنها المعلّمة، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، واختاره الزّجّاج، وعن الحسن كالقولين وفي معنى المعلّمة ثلاثة أقوال:
• أحدها: أنها معلّمة بالشّية، وهو اللون الذي يخالف سائر لونها، روي عن قتادة.
• الثاني: بالكيّ، روي عن المؤرج.
• الثالث: أنها البلق، قاله ابن كيسان.
ج. الثالث: أنها الحسان، قاله عكرمة، ومجاهد.
5. الأنعام: فقال ابن قتيبة: هي: الإبل، والبقر، والغنم، واحدها نعم وهو جمع لا واحد له من لفظه، والمآب: المرجع.
6. هذه الأشياء المذكورة قد تحسن نيّة العبد بالتّلبس بها، فيثاب عليها، وإنما يتوجّه الذّم إلى سوء القصد فيها.
__________
(1) زاد المسير: 1/265.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. اختلف في علاقة الآية الكريمة ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ بما قبلها على قولين:
أ. الأول: ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلّى الله عليه وآله وسلم في قوله إلا أنه لا يقر بذلك خوفاً من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه، وأيضاً روينا أنه صلّى الله عليه وآله وسلم لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا زائلة باطلة، وأن الآخرة خير وأبقى.
ب. الثاني: وهو على التأويل العام أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة: ﴿وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ﴾ ذكر بعد هذه الآية ما هو كالشرح والبيان لتلك العبرة وذلك هو أنه تعالى بيّن أنه زين للناس حب الشهوات الجسمانية، واللذات الدنيوية، ثم أنها فانية منقضية تذهب لذاتها، وتبقى تبعاتها، ثم إنه تعالى حث على الرغبة في الآخرة بقوله تعالى: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ [آل عمران: 15] ثم بيّن طيبات الآخرة معدة لمن واظب على العبودية من الصابرين والصادقين إلى آخر الآية.
2. اختلفوا في أن قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ من الذي زين ذلك:
أ. أما أهل السنة، ومن وافقهم، فقولهم فيه ظاهر، وذلك لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو الله تعالى وأيضاً قالوا: لو كان المزين الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان، فإن كان ذلك شيطاناً آخر لزم التسلسل، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن كذلك الإنسان، وإن كان من الله تعالى، وهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك، وفي القرآن إشارة إلى هذه النكتة في سورة القصص في قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَغْوَيْنَا أَغْوَيْنَاهُمْ كَمَا غَوَيْنَا﴾ [القصص: 63] يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم فمن الذي أغوانا، وهذا الكلام ظاهر جداً.
ب. أما المعتزلة، ومن وافقهم، فالقاضي نقل عنهم ثلاثة أقوال، كما في المسألة التالية.
3. اختلف المعتزلة، ومن وافقهم في معنى قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ على ثلاثة أقوال:
أ. الأول: حكي عن الحسن أنه قال الشيطان زين لهم، وكان يحلف على ذلك بالله، واحتج القاضي لهم بوجوه.
• أحدها: أنه تعالى أطلق حب الشهوات، فيدخل فيه الشهوات المحرمة ومزين الشهوات المحرمة هو الشيطان.
• ثانيها: أنه تعالى ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وحب هذا المال الكثير إلى هذا الحد لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه، ومنتهى مقصوده، لأن أهل الآخرة يكتفون بالغلبة.
• ثالثها: قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ولا شك أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا والذم للشيء يمتنع أن يكون مزيناً له.
• رابعها: قوله بعد هذه الآية ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ [آل عمران: 15] والمقصود من هذا الكلام صرف العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه.
ب. الثاني: قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء هو الله واحتجوا عليه بوجوه:
• أحدها: أنه تعالى كما رغب في منافع الآخر فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده، وإباحتها للعبيد تزيين لها، فإنه تعالى إذا خلق الشهوة والمشتهى، وخلق للمشتهي علماً بما في تناول المشتهى من اللذة، ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزيناً لها.
• ثانيها: أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة، والله تعالى قد ندب إليها، فكان مزيناً لها، وإنما قلنا: إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه:
● الأول: أن يتصدق بها.
● الثاني: أن يتقوى بها على طاعة الله تعالى.
● الثالث: أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله تعالى وإعانته صار ذلك سببا لاشتغال العبد بالشكر العظيم، ولذلك كان الصاحب ابن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر شعراً هذا معناه.
● الرابع: أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثواباً، فثبت بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخر.
● الخامس: قوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ [البقرة: 29]، وقال: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف: 32]، وقال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ [الكهف: 7]، وقال: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ﴾ [الأعراف: 31]، وقال في سورة البقرة ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة: 22]، وقال ﴿كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا﴾ [البقرة: 168] وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ على تسمية الفاعل.
• الثالث: وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي وهو التفصيل، وذلك أن كل ما كان من هذا الباب واجباً أو مندوباً كان التزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حراماً كان التزيين فيه من الشيطان هذا ما ذكره القاضي، وبقي قسم ثالث وهو المباح الذي لا يكون في فعله ولا في تركه ثواب ولا عقاب والقاضي ما ذكر هذا القسم، وكان من حقه أن يذكره ويبيّن أن التزيين فيه من الله تعالى، أو من الشيطان.
4. ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الشهوات هاهنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال، كما يقال للمقدور قدرة، وللمرجو رجاء وللمعلوم علم، وهذه استعارة مشهورة في اللغة، يقال: هذه شهوة فلان، أي مشتهاه، قال الزمخشري: وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان:
أ. إحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها.
ب. الثانية: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها.
5. ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ قال المتكلمون: دلّت هذه الآية على أن الحب غير الشهوة لأنه أضاف الحب إلى الشهوة والمضاف غير المضاف إليه، والشهوة من فعل الله تعالى، والمحبة من أفعال العباد وهي عبارة عن أن يجعل الإنسان كل غرضه وعيشه في طلب اللذات والطيبات.
6. قال الحكماء: الإنسان قد يحب شيئاً، ولكنه يحب أن لا يحبه مثل المسلم فإنه قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحب، وأما من أحب شيئاً وأحب ان يحبه فذاك هو كمال المحبة، فإن كان ذلك في جانب الخير فهو كمال السعادة، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾ [ص: 32]، ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محباً للخير، وإن كان ذلك في جانب الشر، فهو كما قال في هذه الآية.
7. قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ يدل على أمور ثلاثة مرتبة:
أ. أولها: أنه يشتهي أنواع المشتهيات.
ب. ثانيها: أنه يحب شهوته لها.
ج. ثالثها: أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة وفضيلة.
8. لما اجتمعت في هذه القضية الدرجات الثلاثة بلغت الغاية القصوى في الشدة والقوة، ولا يكاد ينحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى.
9. ثم إنه تعالى أضاف ذلك إلى الناس، وهو لفظ عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس، والعقل أيضاً يدل عليه، وهو أن كل ما كان لذيذاً ونافعاً فهو محبوب ومطلوب لذاته واللذيذ النافع قسمان: جسماني وروحاني، والقسم الجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر، وأما القسم الروحاني فلا يكون إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة، ثم ذلك الإنسان إنما يحصل له تلك اللذة الروحانية بعد استئناس النفس باللذات الجسمانية، فيكون انجذاب النفس إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة المتأكدة، وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب فلا جرم كان الغالب على الخلق إنما هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية وأما الميل إلى طلب اللذات الروحانية فذاك لا يحصل إلا للشخص النادر، ثم حصوله لذلك النادر لا يتفق إلا في أوقات نادرة، فلهذا السبب عم الله هذا الحكم فقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾
10. ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ (من) في قوله تعالى: ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ كما في قوله تعالى: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ [الحج: 30] فكما أن المعنى فاجتنبوا الأوثان التي هي رجس فكذا أيضاً معنى هذه الآية: زين للناس حب النساء وكذا وكذا التي هي مشتهاة.
11. عدد الله تعالى هاهنا من المشتهيات أموراً سبعة:
أ. أولها: النساء وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم، ولذلك قال تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21]، ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة.
ب. الثانية: حب الولد: ولما كان حب الولد الذكر أكثر من حب الأنثى، لا جرم خصه الله تعالى بالذكر، ووجه التمتع بهم ظاهر من حيث السرور والتكثر بهم إلى غير ذلك، واعلم أن الله تعالى في إيجاد حب الزوجة والولد في قلب الإنسان حكمة بالغة، فإنه لولا هذا الحب لما حصل التوالد والتناسل ولأدى ذلك إلى انقطاع النسل، وهذه المحبة كأنها حالة غريزية ولذلك فإنها حاصلة لجميع الحيوانات، والحكمة فيه ما ذكرنا من بقاء النسل.
ج. الثالثة والرابعة: ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ (2)
د. الخامسة: ﴿الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾(2)
هـ. السادسة: ﴿الْأَنْعَامُ﴾ وهي جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم، ولا يقال للجنس الواحد منها: نعم إلا للإبل خاصة فإنها غلبت عليها.
و. السابعة: ﴿الْحَرْثِ﴾ وقد ذكرنا اشتقاقه في قوله تعالى: ﴿وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ﴾ [البقرة: 205]
12. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه، والقنطرة مأخوذة من ذلك لتوثقها بعقد الطاق، فالقنطار مال كثير يتوثق الإنسان به في دفع أصناف النوائب، وحكى أبو عبيد عن العرب أنهم يقولون: إنه وزن لا يحد، واعلم أن هذا هو الصحيح، ومن الناس من حاول تحديده، وفيه روايات:
أ. فروى أبو هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: القنطار اثنا عشر ألف أوقية)
ب. روى أنس عنه أيضاً أن القنطار ألف دينار.
ج. روى أبي بن كعب أنه عليه السلام قال القنطار ألف ومائتا أوقية
د. قال ابن عباس: القنطار ألف دينار أو اثنا عشر ألف درهم، وهو مقدار الدية، وبه قال الحسن.
هـ. قال الكلبي: القنطار بلسان الروم ملء مسك ثور من ذهب أو فضة، وفيه أقوال سوى ما ذكرنا لكنا تركناها لأنها غير مقصودة بحجة ألبتة.
13. ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ منفعلة من القنطار، وهو للتأكيد، كقولهم: ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة، وإبل مؤبلة، ودراهم مدرهمة، وقال الكلبي: القناطير ثلاثة، والمقنطرة المضاعفة، فكان المجموع ستة.
14. الذهب والفضة إنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، فمالكهما كالمالك لجميع الأشياء، وصفة المالكية هي القدرة، والقدرة صفة كمال، والكمال محبوب لذاته، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوب، لا جرم كانا محبوبين.
15. ﴿الْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ قال الواحدي: الخيل جمع لا واحد له من لفظه، كالقوم والنساء والرهط، وسميت الأفراس خيلًا لخيلائها في مشيها، وسميت حركة الإنسان على سبيل الجولان اختيالا، وسمي الخيال خيالا، والتخيل تخيلا، لجولان هذه القوة في استحضار تلك الصورة، والأخيل الشقراق، لأنه يتخيل تارة أخضر، وتارة أحمر، واختلفوا في معنى ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ على ثلاثة أقوال.
أ. الأول: أنها الراعية، يقال: أسمت الدابة وسومتها إذا أرسلتها في مروجها للرعي، كما يقال: أقمت الشيء وقومته، وأجدته وجودته، وأنمته ونومته، والمقصود أنها إذا رعت ازدادت حسناً، ومنه قوله تعالى: ﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [النحل: 10]
ب. الثاني: المسومة المعلمة قال أبو مسلم الأصفهاني: وهو مأخوذ من السيما بالقصر والسيماء بالمد، ومعناه واحد، وهو الهيئة الحسنة، قال الله تعالى: ﴿سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ [الفتح: 29] ثم القائلون بهذا القول اختلفوا في تلك العلامة:
• فقال أبو مسلم: المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل، وهي أن تكون الأفراس غراً محجلة.. وهو أحسن لأن الإشارة في هذه الآية إلى شرائف الأموال، وذلك هو أن يكون الفرس أغر محجلا، وأما سائر الوجوه التي ذكروها فإنها لا تفيد شرفًا في الفرس.
• وقال الأصم: إنما هي البلق.
• وقال قتادة: الشية.
• وقال المؤرج: الكي.
ج. الثالث: وهو قول مجاهد وعكرمة: أنها الخيل المطهمة الحسان، قال القفال: المطهمة المرأة الجميلة.
16. ثم إنه تعالى لما عدد هذه السبعة قال: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ قال القاضي: ومعلوم أن متاعها إنما خلق ليستمتع به فكيف يقال إنه لا يجوز إضافة التزيين إلى الله تعالى، ثم قال للاستمتاع بمتاع الدنيا وجوه:
أ. منها أن ينفرد به من خصه الله تعالى بهذه النعم فيكون مذموماً.
ب. ومنها أن يترك الانتفاع به مع الحاجة إليه فيكون أيضاً مذموماً.
ج. ومنها أن ينتفع به في وجه مباح من غير أن يتوصل بذلك إلى مصالح الآخرة، وذلك لا ممدوح ولا مذموم.
د. ومنها أن ينتفع به على وجه يتوصل به إلى مصالح الآخرة وذلك هو الممدوح.
17. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ اعلم أن المآب في اللغة المرجع، يقال: آب الرجل إياباً وأوبة وأبية ومآبا، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ﴾ والمقصود من هذا الكلام بيان أن من آتاه الله الدنيا كان الواجب عليه أن يصرفها إلى ما يكون فيه عمارة لمعاده ويتوصل بها إلى سعادة آخرته، ثم لما كان الغرض الترغيب في المآب وصف المآب بالحسن.
18. سؤال وإشكال: المآب قسمان: الجنة وهي في غاية الحسن، والنار وهي خالية عن الحسن، فكيف وصف المآب المطلق بالحسن؟ والجواب: المآب المقصود بالذات هو الجنة، فأما النار فهي المقصود بالغرض، لأنه سبحانه خلق الخلق للرحمة لا للعذاب، كما قال سبقت رحمتي غضبي، وهذا سر يطلع منه على أسرار غامضة.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/160.
(2) سيأتي تفصيلها في المسائل التالية
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ زين من التزيين، واختلف الناس من المزين:
أ. فقالت فرقة: الله زين ذلك، وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب، ذكره البخاري، وفي التنزيل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾، ولما قال عمر: الآن يا رب حين زينتها لنا! نزلت: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾
ب. وقالت فرقة: المزين هو الشيطان، وهو ظاهر قول الحسن، فإنه قال: من زينها؟ ما أحد أشد لها ذما من خالقها.
2. تزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجبلة على الميل إلى هذه الأشياء، وتزيين الشيطان إنما هو بالوسوسة والخد يعه وتحسين أخذها من غير وجوهها، والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخ لمعاصري محمد صلّى الله عليه وآله وسلم من اليهود وغيرهم.
3. الشهوات جمع شهوة وهى معروفة، ورجل شهوان للشيء، وشئ شهي أي مشتهى، واتباع الشهوات مرد وطاعتها مهلكة، وفي صحيح مسلم: (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات) رواه أنس عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها، وأن النار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها، وقد روي عنه صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (طريق الجنة حزن بربوة وطريق النار سهل بسهوة)، وهو معنى قوله: (حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات)، أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الروابي، وطريق النار سهل لا غلظ فيه ولا وعورة، وهو معنى قوله (سهل بسهوة)
4. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ بدأ بهن لكثرة تشوف النفوس إليهن، لأنهن حبائل الشيطان وفتنة الرجال، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أشد على الرجال من النساء) أخرجه البخاري ومسلم، ففتنة النساء أشد من جميع الأشياء، ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة، فأما اللتان في النساء فإحداهما أن تؤدي إلى قطع الرحم، لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأمهات والأخوات، والثانية يبتلى بجمع المال من الحلال والحرام، وأما البنون فإن الفتنة فيهم واحدة، وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم، وروى عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (لا تسكنوا نساءكم الغرف ولا تعلموهن الكتاب)(2)، حذرهم رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، لأن في إسكانهن الغرف تطلعا إلى الرجال، وليس في ذلك تحصين لهن ولا ستر، لأنهن قد يشرفن على الرجال فتحدث الفتنة والبلاء، ولأنهن قد خلقن من الرجل، فهمتها في الرجل والرجل خلق فيه الشهوة وجعلت سكنا له، فغير مأمون كل واحد منهما على صاحبه، وفي تعلمهن الكتاب هذا المعنى من الفتنة وأشد، وفي كتاب الشهاب عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: (أعروا النساء يلزمن الحجال)، فعلى الإنسان إذا لم يصبر في هذه الأزمان أن يبحث عن ذات الدين ليسلم له الدين، قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (عليك بذات الدين تربت يداك) أخرجه مسلم عن أبي هريرة، وفي سنن ابن ماجة أن عبد الله بن عمر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (لا تزوجوا النساء لحسنهن؟ فعسى حسنهن أن يرديهن ولا تزوجوهن لأموالهن فعسى أموالهن أن تطغيهن ولكن تزوجوهن، على الدين ولأمة سوداء خرماء ذات دين أفضل)
5. ﴿وَالْبَنِينَ﴾ عطف على ما قبله، وواحد من البنين ابن، قال الله تعالى مخبرا عن نوح: ﴿إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾، وتقول في التصغير ﴿بَنِي﴾ كما قال لقمان، وفي الخبر أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال للأشعث بن قيس: (هل لك من ابنة حمزة من ولد)؟ قال: نعم، لي منها غلام ولوددت أن لي به جفنة من طعام أطعمها من بقي من بني جبلة، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: لئن قلت؟ بذلك إنهم لثمرة القلوب وقرة الأعين وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة)
6. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ القناطير جمع قنطار، كما قال تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ وهو العقدة الكبيرة من المال، وقيل: هو اسم للمعيار الذي يوزن به، كما هو الرطل والربع، ويقال لما بلغ ذلك الوزن: هذا قنطار، أي يعدل القنطار، والعرب تقول: قنطر الرجل إذا بلغ ماله أن يوزن بالقنطار، وقال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه، تقول العرب: قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة لإحكامها، قال طرفة:
çكقنطرة الرومي أقسم ربها... لتكتنفن حتى تشاد بقرمدé
والقنطرة المعقودة، فكأن القنطار عقد مال، واختلف العلماء في تحرير حده كم هو على أقوال عديدة:
أ. فروى أبي بن كعب عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية، وقال بذلك معاذ بن جبل وعبد الله بن عمر وأبو هريرة وجماعة من العلماء، قال ابن عطية: وهو أصح الأقوال، لكن القنطار على هذا يختلف باختلاف البلاد في قدر الأوقية.
ب. وقيل: اثنا عشر ألف أوقية، أسنده البستي في مسنده الصحيح عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: القنطار اثنا عشر ألف أوقية الأوقية خير مما بين السماء والأرض، وقال بهذا القول أبو هريرة أيضا.
ج. وفي مسند أبي محمد الدارمي عن أبي سعيد الخدري قال: من قرأ في ليلة عشر آيات كتب من الذاكرين، ومن قرأ بمائة آية كتب من القانتين، ومن قرأ بخمسمائة آية إلى الألف أصبح وله قنطار من الأجر، قيل: وما القنطار؟ قال: ملء مسك ثور ذهبا، موقوف، وقال به أبو نضرة العبدي، وذكر ابن سيده أنه هكذا بالسريانية، وقال النقاش عن ابن الكلبي أنه هكذا بلغة الروم.
د. وقال ابن عباس والضحاك والحسن: ألف ومائتا مثقال من الفضة، ورفعه الحسن، وعن ابن عباس: اثنا عشر ألف درهم من الفضة، ومن الذهب ألف دينار دية الرجل المسلم.
هـ. وروي عن الحسن والضحاك، وقال سعيد بن المسيب: ثمانون ألفا، قتادة: مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألف درهم من الفضة.
و. وقال أبو حمزة الثمالي: القنطار بإفريقية والأندلس ثمانية آلاف مثقال من ذهب أو فضة.
ز. السدي: أربعة آلاف مثقال.
ح. مجاهد: سبعون ألف مثقال.
ط. وروي عن ابن عمر، وحكى مكي قولا أن القنطار أربعون أوقية من ذهب أو فضة، وقاله ابن سيده في المحكم، وقال: القنطار بربر ألف مثقال.
ي. وقال الربيع ابن أنس: القنطار المال الكثير بعضه على بعض، وهذا هو المعروف عند العرب، ومنه قوله: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا﴾ أي مالا كثيرا، ومنه الحديث: إن صفوان بن أمية قنطر في الجاهلية وقنطر أبوه) أي صار له قنطار من المال.
ك. وعن الحكم هو ما بين السماء والأرض.
7. اختلفوا في معنى ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾:
أ. فقال الطبري وغيره: معناه المضعفة، وكأن القناطير ثلاثة والمقنطرة تسع.
ب. وروي عن الفراء أنه قال: القناطير جمع القنطار، والمقنطرة جمع الجمع، فيكون تسع قناطير.
ج. السدي: المقنطرة المضروبة حتى صارت دنانير أو دراهم.
د. مكي: المقنطرة المكملة، وحكاه الهروي، كما يقال: بدر مبدرة، وآلاف مؤلفة، وقال بعضهم، ولهذا سمي البناء القنطرة لتكاثف البناء بعضه على بعض.
هـ. ابن كيسان والفراء: لا تكون المقنطرة أقل من تسع قناطير.
و. وقيل: المقنطرة إشارة إلى حضور المال وكونه عتيدا.
ز. وفي صحيح البستي عن عبد الله بن عمر عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من قام بعشر آيات لم يكتب من الغافلين ومن قام بمائة آية كتب من القانتين ومن قام بألف آية كتب من المقنطرين.
8. ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ الذهب، مؤنثة، يقال: هي الذهب الحسنة جمعها ذهاب وذهوب، ويجوز أن يكون جمع ذهبة، ويجمع على الا ذهاب، وذهب فلان مذهبا حسنا، والذهب: مكيال لأهل اليمن، ورجل ذهب إذا رأى معدن الذهب فدهش، والفضة معروفة، وجمعها فضض، فالذهب مأخوذة من الذهاب، والفضة مأخوذة من انفض الشيء تفرق، ومنه فضضت القوم فانفضوا، أي فرقتهم فتفرقوا، وهذا الاشتقاق يشعر بزوالهما وعدم ثبوتهما كما هو مشاهد في الوجود، ومن أحسن ما قيل في هذا المعنى قول بعضهم:
çالنار آخر دينار نطقت به... والهم آخر هذا الدرهم الجاري
والمرء بينهما إن كان ذا ورع... معذب القلب بين الهم والنارé
9. ﴿وَالْخَيْلَ﴾ الخيل مؤنثة، قال ابن كيسان: حدثت عن أبي عبيدة أنه قال: واحد الخيل خائل، مثل طائر وطير، وضائن وضين، وسمي الفرس بذلك لأنه يختال في مشيه، وقال غيره: هو اسم جمع لا واحد له من لفظه واحد فرس كالقوم والرهط والنساء والإبل ونحوها، وفي الخبر من حديث علي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: (إن الله خلق الفرس من الريح ولذلك جعلها تطير بلا جناح)(3)، وهب بن منبه: خلقها من ريح الجنوب، قال وهب: فليس تسبيحة ولا تكبيرة ولا تهليلة يكبرها صاحبها إلا وهو يسمعها فيجيبه بمثلها، وسيأتي لذكر الخيل ووصفها في سورة الأنفال ما فيه كفاية إن شاء الله تعالى، وفي الخبر: إن الله عرض على آدم جميع الدواب، فقيل له: اختر منها واحدا فاختار الفرس، فقيل له: اخترت عزك، فصار اسمه الخير من هذا الوجه، وسميت خيلا لأنها موسومة بالعز فمن ركبه اعتز بنحلة الله له ويختال به على أعداء الله تعالى، وسمي فرسا لأنه يفترس مسافات الجو افتراس الأسد وثبانا، ويقطعها كالالتهام بيديه على شي خبطا وتناولا، وسمي عربيا لأنه جئ به من بعد آدم لإسماعيل جزاء عن رفع قواعد البيت، وإسماعيل عربي، فصار له نحلة من الله تعالى فسمي عربيا، وفي الحديث عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: لا يدخل الشيطان دارا فيها فرس عتيق)، وإنما سمي عتيقا لأنه قد تخلص من الهجانة، وقد قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (خير الخيل الأدهم الأقرح الأرثم ثم الأقرح المحجل طلق اليمين فإن لم يكن أدهم فكميت على هذه الشية)، أخرجه الترمذي عن أبي قتادة، وفي مسند الدارمي عنه أن رجلا قال: يا رسول الله، إني أريد أن أشتري فرسا فأيها أشتري؟ قال: اشتر أدهم أرثم محجلا طلق اليمين أو من الكميت على هذه الشية تغنم وتسلم، وروى النسائي عن أنس قال: لم يكن أحب إلى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بعد النساء من الخيل، وروى الأئمة عن أبي هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: الخيل ثلاثة لرجل أجر ولرجل ستر ولرجل وزر.. الحديث بطوله، شهرته أغنت عن ذكره.
10. ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ يعني الراعية في المروج والمسارح، قاله سعيد ابن جبير، يقال: سامت الدابة والشاة إذا سرحت تسوم سوما فهي سائمة، وأسمتها أنا إذا تركتها لذلك فهي مسامة، وسومتها تسويما فهي مسومة، وفي سنن ابن ماجه عن علي قال: (نهى رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم عن السوم قبل طلوع الشمس، وعن ذبح ذوات الدر) السوم هنا في معنى الرعي، وقال الله تعالى﴿فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ قال الأخطل:
çمثل ابن بزعة أو كآخر مثله... أولى لك ابن مسيمة الأجمالé
أراد ابن راعية الإبل، والسوام: كل بهيمة ترعى، وقيل: المعدة للجهاد، قاله ابن زيد، مجاهد: المسومة المطهمة الحسان، وقال عكرمة: سومها الحسن، واختاره النحاس، من قولهم: رجل وسيم، وروي عن ابن عباس أنه قال: المسومة المعلمة بشيات الخيل في وجوهها، من السيما وهي العلامة، وهذا مذهب الكسائي وأبي عبيدة، قلت: كل ما ذكر يحتمله اللفظ، فتكون راعية معدة حسانا معلمة لتعرف من غيرها، قال أبو زيد: أصل ذلك أن تجعل عليها صوفة أو علامة تخالف سائر جسدها لتبين من غيرها في المرعى، وحكى ابن فارس اللغوي في مجمله: المسومة المرسلة وعليها ركبانها، وقال المؤرج: المسومة المكوية، المبرد: المعروفة في البلدان، ابن كيسان: البلق، وكلها متقارب من السيما، قال النابغة:
çوضمر كالقداح مسومات... عليها معشر أشباه جنé
11. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ قال ابن كيسان: إذا قلت نعم لم تكن إلا للإبل، فإذا قلت أنعام وقعت للإبل وكل ما يرعى، قال الفراء: هو مذكر ولا يؤنث، يقولون هذا نعم وارد، ويجمع أنعاما، قال الهروي: والنعم يذكر ويؤنث، والأنعام المواشي من الإبل والبقر والغنم، إذا قيل: النعم فهو الإبل خاصة، وقال حسان:
çوكانت لا يزال بها أنيس... خلال مروجها نعم وشاءé
وفي سنن ابن ماجه عن عروة البارقي يرفعه قال: (الإبل عز لأهلها والغنم بركة والخير معقود في نواصي الخيل إلى يوم القيامة)، وفيه عن ابن عمر قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (الشاة من دواب الجنة)، وفيه عن أبي هريرة قال: أمر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم الأغنياء باتخاذ الغنم، والفقراء باتخاذ الدجاج، وقال: عند اتخاذ الأغنياء الدجاج يأذن الله تعالى بهلاك القرى(2)، وفيه عن أم هاني أن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال لها: (اتخذي غنما فإن فيها بركة)، أخرجه عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع عن هشام بن عروة عن أبيه عن أم هانئ، إسناد صحيح.
12. ﴿وَالْحَرْثِ﴾ الحرث هنا اسم لكل ما يحرث، وهو مصدر سمي به، تقول: حرث الرجل حرثا إذا أثار الأرض لمعنى الفلاحة، فيقع اسم الحراثة على زرع الحبوب وعلى الجنات وعلى غير ذلك من نوع الفلاحة، وفي الحديث: (احرث لدنياك كأنك تعيش أبدا)، يقال حرثت واحترثت، وفي حديث عبد الله (احرثوا هذا القرآن) أي فتشوه، قال ابن الأعرابي: الحرث التفتيش، وفي الحديث: (أصدق الأسماء الحارث) لأن الحارث هو الكاسب، واحتراث المال كسبه، والمحراث مسعر النار والحراث مجرى الوتر في القوس، والجمع أحرثة، وأحرث الرجل ناقته أهزلها، وفي حديث معاوية: ما فعلت نواضحكم؟ قالوا: حرثناها يوم بدر، قال أبو عبيد: يعنون هزلناها، يقال: حرثت الدابة وأحرثتها، لغتان، وفي صحيح البخاري عن أبي أمامة الباهلي قال وقد رأى سكة وشيئا من آلة الحرث فقال سمعت رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يقول: (لا يدخل هذا بيت قوم إلا دخله الذل)(4)، قيل: إن الذل هنا ما يلزم أهل الشغل بالحرث من حقوق الأرض التي يطالبهم بها الأئمة والسلاطين، وقال المهلب: معنى قول في هذا الحديث والله أعلم الحض على معالي الأحوال وطلب الرزق من أشرف الصناعات، وذلك لما خشي النبي صلّى الله عليه وآله وسلم على أمته من الاشتغال بالحرث وتضييع ركوب الخيل والجهاد في سبيل الله، لأنهم إن اشتغلوا بالحرث غلبتهم الأمم الراكبة للخيل المتعيشة من مكاسبها، فحضهم على التعيش من الجهاد لا من الخلود إلى عمارة الأرض ولزوم المهنة، ألا ترى أن عمر قال: تمعددوا واخشوشنوا واقطعوا الركب وثبوا على الخيل وثبا لا تغلبنكم عليها رعاة الإبل، فأمرهم بملازمة الخيل، ورياضة أبدانهم بالوثوب عليها، وفي الصحيحين عن أنس بن مالك قال: قال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: (ما من مسلم غرس غرسا أو زرع زرعا فيأكل منه طير أو إنسان أو بهيمة إلا كان له به صدقة)، قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال يتمول به صنف من الناس، أما الذهب والفضة فيتمول بها التجار، وأما الخيل المسومة فيتمول بها الملوك، وأما الأنعام فيتمول بها أهل البوادي، وأما الحرث فيتمول بها أهل الرساتيق، فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتمول، فأما النساء والبنون ففتنة للجميع.
13. ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي ما يتمتع به فيها ثم يذهب ولا يبقى، وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، روى ابن ماجه وغيره عن عبد الله بن عمر أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: (إنما الدنيا متاع وليس من متاع الدنيا شي أفضل من المرأة الصالحة)، وفي الحديث: (ازهد في الدنيا يحبك الله) أي في متاعها من الجاه والمال الزائد على الضروري، قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (ليس لابن آدم حق في سوى هذه الخصال بيت يسكنه وثوب يواري عورته وجلف الخبز والماء) أخرجه الترمذي من حديث المقدام بن معد يكرب، وسيل سهل بن عبد الله: بم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: بتشاغله بما أمر به.
14. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ابتداء وخبر، والمآب المرجع، آب يؤوب إيابا إذا رجع، قال امرؤ القيس:
çوقد طوفت في الآفاق حتى... رضيت من الغنيمة بالإيابé
وقال آخر:
çوكل ذى غيبة يؤوب... وغائب الموت لا يؤوبé
وأصل مآب مأوب، قلبت حركة الواو إلى الهمزة وأبدل من الواو ألف، مثل مقال، ومعنى الآية تقليل الدنيا وتحقيرها والترغيب في حسن المرجع إلى الله تعالى في الآخرة.
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/28.
(2) لا نرى صحة هذا لمعارضته الواضحة للقرآن الكريم
(3) لا نرى صحة هذا، إلا إذا أول معناه
(4) لا نرى صحة هذا لمعارضته الواضحة للقرآن الكريم إلا إذا أول معناه
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ الآية: كلام مستأنف لبيان حقارة ما تستلذه الأنفس في هذه الدار، والمزين:
أ. قيل: هو الله سبحانه، وبه قال عمر، كما حكاه عنه البخاري وغيره، ويؤيده قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ﴾
ب. وقيل: المزين: هو الشيطان، وبه قال الحسن، حكاه عبد بن حميد، وابن جرير، وابن أبي حاتم عنه.
2. المراد بالناس: الجنس، والشهوات: جمع شهوة؛ وهي: نزوع النفس إلى ما تريده، والمراد هنا المشتهيات، عبر عنها بالشهوات مبالغة في كونها مرغوبا فيها، أو تحقيرا لها لكونها مسترذلة عند العقلاء من صفات الطبائع البهيمية، ووجه تزيين الله سبحانه لها ابتلاء عباده كما صرح به في الآية الأخرى.
3. ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ في محل الحال، أي: زين للناس حب الشهوات حال كونها من النساء والبنين.. وبدأ بالنساء لكثرة تشوق النفوس إليهنّ لأنهن حبائل الشيطان، وخص البنين دون البنات لعدم الاطراد في محبتهن.
4. القناطير: جمع قنطار، وهو: اسم للكثير من المال، قال الزجاج: القنطار مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه: تقول العرب: قنطرت الشيء: إذا أحكمته، ومنه سميت: القنطرة، لإحكامها، وقد اختلف في تقديره على أقوال للسلف.
5. اختلفوا في معنى: المقنطرة، فقال ابن جرير الطبري: معناها المضعفة، وقال القناطير: ثلاثة، والمقنطرة تسعة، وقال الفراء: القناطير: جمع القنطار، والمقنطرة: جمع الجمع، فتكون تسع قناطير وقيل: المقنطرة: المضروبة؛ وقيل: المكملة، كما يقال: بدرة مبدرة، وألوف مؤلفة، وبه قال مكي وحكاه الهروي، وقال ابن كيسان: لا تكون المقنطرة أقلّ من سبع قناطير.
6. ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ بيان للقناطير، أو حال.
7. ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ قيل هي المرعية في المروج والمسارح، يقال سامت الدابة والشاة: إذا سرحت؛ وقيل هي المعدّة للجهاد وقيل: هي الحسان؛ وقيل: المعلمة، من السومة، وهي: العلامة، أي: التي يجعل عليها علامة لتتميز عن غيرها، وقال ابن فارس في المجمل: المسومة: المرسلة وعليها ركبانها، وقال ابن كيسان: البلق، والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم، فإذا قلت نعم فهي الإبل خاصة قاله الفراء وابن كيسان.
الحرث: اسم لكل ما يحرث، وهو مصدر سمي به المحروث، يقول: حرث الرجل حرثا: إذا أثار الأرض، فيقع على الأرض والزرع، قال ابن الأعرابي الحرث: التفتيش.
﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ أي: ذلك المذكور ما يتمتع به ثم يذهب ولا يبقى، وفيه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة، و﴿الْمَآبِ﴾: المرجع آب يؤوب إيابا: إذا رجع.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/371.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ كلام مستأنف سيق لبيان حقارة شأن الحظوظ الدنيوية بأصنافها، وتزهيد الناس فيها، وتوجيه رغباتهم إلى ما عنده تعالى، إثر بيان عدم نفعها للكفرة الذين كانوا يتعززون بها، والمراد بالناس الجنس ـ قاله أبو السعود.
2. ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ أي المشتهيات، وعبر عنها بذلك مبالغة في كونها مشتهاة مرغوبا فيها، أو تخسيسا لها، لأن الشهوة مسترذلة عند الحكماء، مذموم من اتبعها، شاهد على نفسه بالبهيمية.
3. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ في تقديمهن إشعار بعراقتهن في معنى الشهوة إذ يحصل منهن أتم اللذات ﴿وَالْبَنِينَ﴾ للتكثر بهم، وأمل قيامهم مقامهم من بعدهم، والتفاخر والزينة.
4. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ أي الأموال الكثيرة وقوله: ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ مأخوذ منها للتوكيد كقولهم ألف مؤلفة، وبدرة مبدرة، وإبل مؤبلة، ودراهم مدرهمة.
5. ﴿مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ قال الرازيّ: وإنما كانا محبوبين لأنهما جعلا ثمن جميع الأشياء، فمالكها كالمالك لجميع الأشياء، وصفة المالكية هي القدرة، والقدرة صفة كمال، والكمال محبوب لذاته، فلما كان الذهب والفضة أكمل الوسائل إلى تحصيل هذا الكمال الذي هو محبوب لذاته وما لا يوجد المحبوب إلا به فهو محبوبـ لا جرم كانا محبوبين.
6. ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ أي المرسلة إلى المرعى ترعى حيث شاءت، أو التي عليها السيمياء ـ أي العلامة ـ قال أبو مسلم: المراد من هذه العلامات الأوضاح والغرر التي تكون في الخيل، وهي أن تكون الأفراس غرا محجلة.
7. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ جمع نعم وهي الإبل والبقر والغنم لتحصيل الأموال النامية ﴿وَالْحَرْثِ﴾ أي الأرض المتخذة للغراس والزراعة ﴿ذَلِكَ﴾ أي المذكور ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يتمتع به فيها ثم يفنى.
8. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي المرجع وهو الجنة، فينبغي الرغبة فيه دون غيره، وفي إشعاره ذم من يستعظم تلك الشهوات ويتهالك عليها، ويرجح طلبها على طلب ما عند الله، وتزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة.
9. في تزيين هذه الأمور المذكورات للناس إشارة لما تضمنته من الفتنة:
أ. فأما النساء، ففي الصحيح أنه صلّى الله عليه وآله وسلم قال: ما تركت بعدي فتنة أضر على الرجال من النساء.
ب. أما البنون، ففي مسند أبي يعلى عن أبي سعيد مرفوعا: الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة، أي يجبن أبوه عن الجهاد خوف ضيعته، ويمتنع أبوه من الإنفاق في الطاعة خوف فقره، ويحزن أبوه لمرضه خوف موته، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ﴾ [التغابن: 14]، وقيل لبعض النساك: ما بالك لا تبتغي ما كتب الله لك؟ قال: سمعا لأمر الله، ولا مرحبا بمن إن عاش فتنني، وإن مات أحزنني، يريد قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [التغابن: 15]
ج. أما القناطير المقنطرة ففيها الآية قبل، وقوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ [العلق: 6 ـ 7]، وقال تعالى: ﴿وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ﴾ [الإسراء: 83]، فما يورث البطر مثل الغنى، وبه تستجمع أسباب السؤدد والرئاسة والمجد والتفاخر.
د. أما الخيل فقد تكون على صاحبها وزرا: إذا ربطها فخرا ورياء ونواء لأهل الإسلام، كما في الصحيح وفي مسند أحمد عن ابن مسعود مرفوعا: الخيل ثلاثة: ففرس للرحمن، وفرس للإنسان، وفرس للشيطان، فأما فرس الرحمن فالذي يربط في سبيل الله، فعلفه وروثه وبوله وذكر ما شاء الله؛ وأما فرس الشيطان فالذي يقامر أو يراهن عليه، وأما فرس الإنسان فالفرس يرتبطها الإنسان يلتمس بطنها فهي تستر من فقر.
هـ. أما الفتنة بالأنعام والحرث ففي معنى ما تقدم.
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/291.
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ المشتهيات مبالغة، كأنَّها نفس الاشتهاء، أي: زيَّن الله ابتلاء للناس مطلقًا وخذلانا للأشقياء زينة لها لنبلوهم، وهو إمالته القلب إليها، ويدلُّ له قول عمر: (اللهم لا صبر لنا على ما زيَّنت لنا إِلَّا بك) رواه البخاري، وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ اَعْمَالِهِمْ﴾ [التوبة: 37]، ونحو ذلك، فالتزيين بمعنى: الخلق والخذلان، أو زيَّن الشيطان بالوسوسة والتحسين والإغراء، حتَّى كأنَّه تلفَّظ لهم بها أمرًا؛ لأنَّ المقام لذمِّ الدنيا، ويدلُّ له قوله تعالى: ﴿وَزَيـَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لَا يَهْتَدُونَ﴾ [النمل: 24].
2. وكلُّ فعل أو اعتقاد أو نطق اختياريٍّ ـ طاعةً أو معصيةً ـ مخلوق لله، والله فاعله، أي: خالقه، إِلَّا أنَّه تجتنب عبارة السوء، مثل: فاعل الزنى مع أنَّه بمعنى خالقه، ومثل: خالق القردة والخنازير، إِلَّا أن يقال: والإبل والبقر ونحو ذلك، ولا يحضُّ الله على المعصية إِلَّا أنَّ من الشهوات ما هو من أسباب السعادة على وجه يرضاه الله، أو من أسباب التعيُّش وبقاء النوع الإنسانيِّ، فالله آمر به، كما ورد: (نعم الشهوات إذا وافقت الشرع)، وقال الجبَّائيُّ: تزيين المباح والعبادة من الله، وتزيين المحرَّم من الشيطان.
3. وإسناد التزيين للحبِّ مبالغة؛ لأنَّ المزيَّن حقيقة هو المشتهيات، والحبُّ اضطراريٌّ، حتَّى كأنَّهم يشتهون أن يشتهوها، كما يقال: للمريض: ما تشتهي؟ فيقول: أشتهي أن أشتهي، أو المراد أنَّ الشهوات خسيسة في الأصل فلا يحبُّها عاقل إِلَّا بتحبيب من الله الخالق لكلِّ شيء.
4. ﴿مِنَ النِّسَآءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ﴾ من معنى الذهاب، ﴿وَالْفِضَّةِ﴾ من معنى التفرُّق، ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالَانْعَامِ وِالْحَرْثِ﴾ أي: المحروث حبًّا أو بقلا أو ثمرا، قدَّم النساء لتقدُّمهنَّ في الوجود، ولأصالتهنَّ للولد، ولعراقتهنَّ في الشهوة، وهنَّ حبائل الشيطان، والالتذاذ بهنَّ أكثر، والاستئناس بهنَّ أتمُّ وأقرب إلى الافتتان، وفي الحديث: (ما نزلت فتنة أضرُّ على الرجال من النساء)، (ما رأيت أسلب لِلُبِّ الرجل الحكيم ـ أو قال: الحزيم ـ منكنَّ)، وروي: (ما تركت بعدي فتنة أضرَّ عَلَى الرجال من النساء)، و[يقال]: (فيهنَّ فتنتان: يقطعن بين الأهل، وينسين في جمع المال من الحلال أو الحرام)، وفي لفظ: (فيهنَّ فتنتان: قطع الرحم، وجمع المال من الحلال أو الحرام)، والولد فتنة واحدة، يكون سببا لجمع المال.
5. وقدَّم الابن لأنَّه أهمُّ وأحبُّ من المال لمحتاجه، والمال يجمع له، كما جاء [في قوله صلّى الله عليه وآله وسلّم ]: (الولد مَبْخَلَة مَجْبَنَة)، وهو مقدَّم في مقام الفخر، وأُخِّر في الآية المتقدِّمة لمقام المال عند نزول النوائب والمصائب، وهو أوَّل عُدَّة يفزع إليها، ولم يذكر البنات لعدم اطِّراد حبِّهنَّ، وقيل: دخلن في البنين.
6. والقنطار (فِعْلَال) بأصالة النون، أو (فِنْعَال) بزيادتها، وهو أولى لمناسبة (قَطَرَ) إذا سال، ولا وجه لكونه مِن (قَنَطَ)، وأنَّه زيدت الراء للإلحاق، بل إذا صير إلى الزيادة للإلحاق فالمزيد النون، لأنَّه من حروفها.
7. و(الْمُقَنطَرَةُ) تأكيد بالمبالغة، كـ (ظلٌّ ظليلٌ)، و(يوم أَيْوَم)، و(ليلة ليلاء) و﴿نِسْيًا مَّنسِيًّا﴾ [مريم: 23]، و﴿حِجْرًا مَّحْجُورًا﴾ [الفرقان: 22]، و(داهية دهياء)، و(شعر شاعر)، و(بدرة مبدرة)، وهي عشرة آلاف درهم، والقنطار: المال الكثير، ورجِّح، أو مائة ألف دينار، وعن أبي سعد: مِلْءُ جلدِ الثور ذهبا، أو سبعون ألف دينار، ونسب لمجاهد، أو أربعون ألف مثقال ومائة درهم، أو دية النفس، أو مائة رطل، أو اثنا عشر ألف أوقيَّة، وأخرج الحاكم عن أنس عنه صلّى الله عليه وآله وسلّم : (القنطار ألف أوقية)، وأخرج ابن أبي حاتم عنه: (ألف دينار)، وروي عن ابن عبَّاس: (ألف دينار وألف درهم)، وعنه: (ألف ومائتا دينار، ومن الفضَّة ألف ومائتا مثقال)، وعن أبي صالح: (مائة رطل من الذهب)، قال قتادة: أو ثمانون ألف رطل من الفضَّة، وعن أبي جعفر: (خمسة عشر ألف مثقال)، وقيل: ما بين السماء والأرض، وعن أبيِّ بن كعب عن النبيء صلّى الله عليه وآله وسلّم : (القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية)، وبه قال معاذ وعبد الله بن عمر وأبو هريرة، ورجِّح، وقال ابن المسيّب: (ثمانون ألف دينار)، أو غير ذلك.
8. و(المسوَّمة) المعلَّمة خلقةً، كالغرَّاء المحجَّلة، أو المرعيَّة، أو الحسان التامَّة الخلق، والسِّيما: الحُسْن، وسمِّيت خيلا لأنَّها في مشيها كالمختال في مشيه، قيل: بطول أذنابها، أو لأنَّها تتخيَّل في صورة من هو أعظم منها، ومن حديث عليٍّ عن النبيء صلّى الله عليه وآله وسلّم : (إنَّ الله تعالى خلق الفرس من الريح)، وعن كعب: (من ريح الجنوب)، وعنه: (تجيب صاحبها بما سمعت منه من تسبيح أو تهليل أو تكبير).
9. ﴿ذَالِكَ﴾ المزيَّن ـ بفتح الياء ـ كلُّه، ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ يتمتَّع به ويفنى مع ما فيه من الكدر، تكفر المرأة العشير، وكما جاء أنَّ المرء مفتون بولده، ﴿وَاللهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَئَابِ﴾ المرجع وهو الجنَّة فاكتسبوها بذلك، أو بترك تلك الأموال.
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/213.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. لاتصال هذه الآية بما قبلها وجوه:
أ. أحدها مبني على القول بأن بضعا وثمانين آية من أول هذه السورة نزلت في وفد نصارى نجران، وروى أصحاب السير أن هذا الوفد كان ستين راكبا، وأنهم دخلوا المسجد النبوي وعليهم ثياب الحبرات وأردية الحرير، وفي أصابعهم خواتم الذهب، وطفقوا يصلون صلاتهم، فأراد الناس منعهم، فقال النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: دعوهم ثم عرضوا هديتهم عليه وهي بسط فيها تصاوير ومسوح فقبل المسوح دون البسط، ولما رأى فقراء المسلمين ما على هؤلاء من الزينة تشوفت نفوسهم إلى الدنيا فنزلت الآية، كذا قال بعضهم، وهو ما يذكره أهل السير ولا يخفى ضعفه، وقال محمد عبده: إن رئيس وفد نجران ذكر في حديثه مع النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه يمنعه من الاعتراف بأنه هو النبي المبشر به وبصدقه أن هرقل ملك الروم أكرم مثواه ومتعه وأنه يسلبه ما أعطاه من مال وجاه إذا هو آمن، فبين تعالى أن ما زين للناس من حب الشهوات حتى صرفهم عن الحق لا خير فيه، وقال الإمام الرازي: إنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلّى الله عليه وآله وسلم في قوله إلا أنه لا يقر بذلك خوفا من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه، قال: وروينا أنه صلّى الله عليه وآله وسلم لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح، فبين في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا باطلة وأن الآخرة خير وأبقى.
ب. ومنها ما هو مبني على أن الآيات نزلت في تقرير أمر التوحيد وما يتبعه، والاتصال على هذا الوجه أظهر؛ فإنه بعدما بين أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم التي أعرضوا عن الحق لأجلها بين وجه غرورهم بها للتحذير من جعلها آلة للغرور وترك الحق، وللتذكير بأنه لا ينبغي أن تشغل الإنسان عن الآخرة.
ج. ومنها ـ وهو المختار عند محمد عبده ـ إنه لما كان الكلام السابق يتضمن وعيد الكافرين جاء بعده بوعد المتقين، وجعل له مقدمة بين فيها جميع أصول اللذات التي يتمتع بها الناس بحسب غرائزهم تمهيدا لتعظيم شأن ما بعدها من أمر الآخرة، أقول: يعني أنه ليس المراد ذمها والتنفير عنها، وإنما المراد التحذير من أن تجعل هي غاية الحياة.
2. الناس في قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ هم المكلفون؛ لأن الكلام في إرشادهم، فلا معنى للبحث في الأطفال هنا.
3. الشهوات: جمع شهوة وهي انفعال النفس بالشعور بالحاجة إلى ما تستلذه، والمراد بها هنا المشتهيات على طريق المبالغة، وهي شائعة الاستعمال، يقال: هذا الطعام شهوة فلان، أي مشتهاه، ومعنى تزيين حبها لهم: أن حبها مستحسن عندهم لا يرون فيه شينا (قبحا) ولا غضاضة، وقد يحب الإنسان الشيء وهو يراه من الشين لا من الزين ومن الضار لا من النافع، ويود لذلك لو لم يكن يحبه، ومثل لذلك الإمام الرازي بحب المسلم لبعض المحرمات، ومثل له محمد عبده بحب بعض الناس للدخان على تأذيه منه، فكل من هذين المحبين يود لو انقلب حبه كرها وبغضا، ومن أحب شيئا ولم يزين له يوشك أن يرجع عن حبه يوما، وأما من زين له حبه الشيء فلا يكاد يرجع عنه؛ لأن ذلك منتهى الحب، وصاحبه لا يكاد يفطن لقبحه وضرره إن كان قبيحا أو ضارا، ولا يحب أن يرجع وإن تأذى به، قال المجنون:
çوقالوا لو تشاء سلوت عنها... فقلت لهم: وإني لا أشاءé
ولذلك قال تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ﴾
4. اختلف المفسرون في إسناد التزيين في هذا المقام:
أ. فأسنده بعضهم إلى الشيطان؛ لأن حب الشهوات مذموم لا سيما، وقد أطلقت هنا فدخل فيها المحرمات في رأيهم؛ ولأن حب كثرة المال مذموم في الدين بحسب فهمهم له؛ ولأنه سمى ذلك متاع الحياة الدنيا وهي مذمومة عندهم؛ ولأنه فضل عليه ما أعده للمتقين يوم القيامة، ويؤثر هذا الإسناد عن الحسن البصري.
ب. وأسنده بعضهم إلى الله تعالى؛ لأنه تعالى أباح الزينة والطيبات وأنكر على من حرم ذلك بقوله: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ فجعل إباحتها في الدنيا غير منافية لنيلها في الآخرة؛ ولأنها قد تكون وسائل للآخرة بتكثير النسل وكثرة الصدقات والمبرات والجهاد، وعزي هذا القول إلى المعتزلة، وقال بعض المعتزلة بالتفصيل، فقسم الشهوات إلى محمودة ومذمومة أو مباحة ومحرمة، وقال: إن الله زين القسم الأول، والشيطان زين القسم الثاني.
5. غفل الجميع عن كون الكلام في طبيعة البشر وبيان حقيقة الأمر في نفسه لا في جزئياته وأفراد وقائعه، فالمراد أن الله تعالى أنشأ الناس على هذا وفطرهم عليه، ومثل هذا لا يجوز إسناده إلى الشيطان بحال وإنما يسند إليه ما قد يعد هو من أسبابه كالوسوسة التي تزين للإنسان عملا قبيحا؛ ولذلك لم يسند إليه القرآن إلا تزيين الأعمال، قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ الآية، وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ وأما الحقائق وطبائع الأشياء فلا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له، قال عز وجل: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فالكلام في الأمم كلام في طبائع الاجتماع وفي هذا المعنى آيات أخرى.
6. ثم بين الله تعالى المشتهيات التي يحبها الناس وحبها مزين لهم وله مكانة من نفوسهم بقوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ فهذه ستة أنواع.
7. النساء وحبهن لا يعلوه حب لشيء آخر من متاع الدنيا فهن مطمح النظر وموضع الرغبة وسكن النفس ومنتهى الأنس، وعليهن ينفق أكثر ما يكسب الرجال في كدهم وكدحهم، فكم افتقر في حبهن غني! وكم استغنى بالسعي للحظوة عندهم فقير! وكم ذل بعشقهن عزيز! وكم ارتفع في طلب قربهن وضيع! ولعل في القارئين من يحب أن يعرف كيف يغنى الفقير ويرتفع الوضيع بسبب حب النساء ـ إذا كان لا يوجد فيهم من يحتاج إلى معرفة كيف يذل العاشق ويفتقر ـ فنقول: إن من يحب ذات شرف ورفعة ويرى أنه لا سبيل إلى الاقتران بها إلا بتحصيل المال وتسنم غارب المعالي يوجه جميع قواه إلى ذلك، ولا يزال به حتى يناله، ولم يذكر حب النساء للرجال على أن حبهن لهم من نوع حبهم لهن، ولكن الحب لا يبرح بالنساء تبريحه بالرجال؛ فالمرأة أقدر على ضبط حبها وكتمانه وضبط نفسها وحفظ مالها وإنك لتسمع بأخبار المئين والألوف من الرجال الذين افتقروا أو احتقروا أو جنوا في حب النساء، ولا تجد في مقابلتهم عشر نسوة قد منين بمثل ذلك في حب الرجال، ثم إن الرجال هم القوامون على النساء لقوتهم وقدرتهم على الحماية والكسب، فإسرافهم في الحب واستهتارهم في العشق له الأثر العظيم في شئون الأمة وفي إضاعة الحق أو حفظه.
8. سؤال وإشكال: إن حب الولد أشد من حب المرأة فلماذا قدم ذكر النساء؟ والجواب: إن الأمر ليس كذلك، فإن حب الولد ـ وإن كان لا يزول وحب المرأة قد يزول ـ لا يعظم فيه الغلو والإسراف كحبها، وكم من رجل جنى عشقه للمرأة على أولاده حتى إن كثيرا من الرجال الذين تزوجوا بأكثر من امرأة، فعشقوا واحدة وملوا أخرى قد أهملوا تربية أولاد المملولة، وحرموهم الرزق من حيث أفاضوا نصيبهم على أولاد المحبوبة، وهذا من أسباب تحريم التزوج بأكثر من واحدة على من يخاف ألا يعدل، فكيف بمن يوقن بذلك ويعزم عليه؟ وكم من غني عزيز يعيش أولاده عيشة الفقراء الأذلاء لعشق والدهم لغير أمهم من نسائه وإن ماتت أمهم ولم يكن للمعشوقة ولد، وما هو إلا محض التقرب وابتغاء الزلفى إلى المرأة.
9. السبب في كون حب الرجل للمرأة أقوى من حبها له هو أن السبب الطبيعي لهذا الحب هو داعية النسل لا قصده، والداعية في الرجل أقوى وأشد؛ ولذلك تراه يشغل بها إذا بلغ سنا أكثر من المرأة على كثرة شواغله الصارفة له عن ذلك، وهو الذي يطلب المرأة ويبذل جهده وماله في سبيلها موطنا نفسه على أن يمونها ويصونها ويتحمل أثقالها طول الحياة وما عليها هي إلا القبول، فإن طلبت أجملت في الطلب، وإن شئت دليلا آخر على أن داعية النسل فيه أقوى، فتأمل تجده مستعدا لها في كل حال طول عمره، والمرأة تفقد هذا الاستعداد في زمن الحيض وبعد سن اليأس من الحيض الذي يكون غالبا من سن الخمسين إلى الخامسة والخمسين، فإذا قبلت المرأة الرجل بعد هذا كان قبولها إياه من باب التودد والعتبى أو إثارة الذكرى، ولا يدخل في السبب ما هو مسلم عند أكثر الرجال من كون النساء أوفر نصيبا من الحسن وقسما من القسامة والجمال، فإن هذه القضية المسلمة غير صحيحة، فإن الرجال أكمل وأجمل خلقا كما هي القاعدة في سائر الحيوان، إذ نرى أن خلقة الذكر منها أجمل وأكمل من خلقة الأنثى، كما نراه في الشيوخ والعجائز من الناس، بل نرى الأبيض القوقاسي يفضل خلقة رجال الزنوج على نسائهم؛ لأنه قلما يشتهي الزنجيات في حال الاعتدال، فمعظم حسن المرأة وجمالها إنما جاء من زيادة حب الرجل إياها.
10. من تأمل هذه المعاني والفروق في حب كل من الزوجين للآخر يسهل عليه أن يقول: إن المراد بحب النساء حب الزوجية الذي يكون بين المرأة والرجل فذكر أقوى طرفيه لأن قصد التمتع فيه أظهر، وأثره في الصرف عن الحق أو الاشتغال عن الآخرة أقوى، وطوى الطرف الثاني، وفعل مثل ذلك في النوع الثاني من الحب المزين للناس وهو حب الولد، فكأن في الآية احتباكا، وليس عندي في هذه المسألة بل ولا في الآية شيء عن محمد عبده إلا ما سيأتي في حب الولد.
11. النوع الثاني حب البنين، أي الأولاد، فاكتفى بذكر ما كان حبه أقوى والفتنة به أعظم على طريق التغليب أو لدلالة ما حذف فيما قبله عليه كدلالته هو على ما حذف مما قبله على طريق الاحتباك أو شبه الاحتباك، وأخر في الذكر عن حب النساء لما تقدم ولتأخره في الوجود إذ الأولاد من النساء.
12. العلة الطبيعية لحب النساء أو الأزواج هي داعية النسل، فهذه الداعية تحدث في النفس انفعالا يحفز صاحبه إلى الزواج، وأما حب الأولاد فيكاد يكون كحب النفس لا علة له غير ذاته إلا أن نقول: إن عاطفة رحمة الوالدين بالولد ـ منذ يولد ـ هي غير عاطفة حبهما له وهي علته، ولكن حكمة الخالق في حب الزوجية وحب الولد واحدة، وهي تسلسل النسل وبقاء النوع وهي حكمة مطردة في غير الناس من الأحياء، هذا هو حب الولد من حيث هو ولد، وقد يكون للولد محبات أخرى في قلوب الوالدين كحب الأمل في نصرته ومعونته وحب الاعتزاز به، وهذا مما يشارك الأولاد فيه غيرهم وإن كان يكون فيهم أقوى؛ لأن وجوه المحبة إذا تعددت يغذي بعضها بعضا، وحب الولد من حيث هو ولد يظهر في وقت ذهاب الأمل في فائدته بأشد مما يظهر مع الأمل فيها كحال الصغر والمرض، وقد قيل لبعض أصحاب الفطرة السليمة: أي ولدك أحب إليك؟ فقال: صغيرهم حتى يكبر، وغائبهم حتى يحضر، ومريضهم حتى يبرأ، أما كون حب البنين أقوى والتمتع به أعظم فله أسباب:
أ. منها: الأمل في نصرة الذكر وكفالته عند الحاجة إليه في الضعف والكبر، وقد قلنا آنفا: إن الحب أنواع يغذي بعضها بعضا.
ب. ومنها: كونه في عرف الناس عمود النسب الذي تتصل به سلسلة النسل، ويبقى به ما يحرصون عليه من الذكر.
ج. ومنها: أنه يرجى به من الشرف ما لا يرجى من الأنثى، كقيادة الجيش وزعامة القوم والنبوغ في العلوم والأعمال.
د. ومنها: ما مضى به العرف من اعتبار نقص الأنثى وخروجها عن الصيانة مجلبة لأكبر العار، وتوقع ذلك أو تصور احتماله يذهب بشيء من غضاضة الحب فيلحقه الذبول أو الذوي.
هـ. ومنها: الشعور بأن الأنثى إنما تربى لتنفصل من بيتها وعشيرتها وتتصل ببيت آخر تكون عضوا من عشيرته، فما ينفق عليها وما تعطاه يشبه الغرم وخدمة الغرباء.
13. من تأمل هذه الفروق الوجودية ـ وإن لم تكن كلها طبيعية ـ ظهر له وجه تخصيص البنين بالذكر، ووجه كمال التمتع بهم وكونهم هم الذين قد يغتر بهم الوالد حتى يستغني بهم أو يشتغل بهم وبالجمع لهم عن الحق وينسى الآخرة؛ على أن حب الوالدية الخالص للبنات قد يكون مساويا أو أقوى من حب البنين، ولكن ما يغذيه ويقويه أقل فهو مثار للفتنة، كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾، فذكر الأولاد عامة ولذلك قلنا بأن تخصيص البنين بالذكر ليس للحصر.
14. قال محمد عبده: لمحبة الولد طوران:
أ. طور الصغر وهو حب ذاتي لهم لا علة له ولا فكر فيه ولا عقل ولا رأي، بل هو جنون فطري ورحمة ربانية عامة لجميع الحيوانات لا فرق فيها بين الإنسان والهرة.
ب. الطور الثاني حب معلول معه فكر وهو المراد بالآية، وهو حب الأمل والرجاء بالولد؛ ولذلك كان خاصا بالبنين، وإنما الحب على قدر الأمل، فإذا خاب يضعف الحب ويرث، وربما انقلب إلى عداوة تستتبع التقاضي وطلب العقاب أو الغرامة كما يقع كثيرا، فرأيه أن لفظ (البنين) لا تغليب فيه ولا احتباك في مقابلة ما قبل، وكأنه رأى أن في هذا تكلفا لا حاجة إليه في العبرة.
15. النوع الثالث: القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، أي كثرة المال وهو مما أودع في الغرائز، وعلته أن المال وسيلة إلى الرغائب وموصل إلى الشهوات واللذائذ، ورغائب الإنسان غير محدودة، وأفراد لذائذه غير معدودة، فهو لاستعداده الذي لا منتهى له يطلب الوسائل إلى رغائب لا منتهى لها، وهذه الرغائب يتولد بعضها من بعض:
çفما قضى أحد منها لبانته... ولا انتهى أرب إلا إلى أربé
فلا جرم أن الإنسان لا يستكثر المال مهما كثر، بل إن كثرته هي التي تزيد فيه نهمته، حتى إنه لينسى أنه وسيلة إلى غيره فيجعل جمعه مقصدا يتفنن في طرقه كلما سلك طريقا عن له من السلوك فيه طرق أخرى، قال صلّى الله عليه وآله وسلم: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى أن يكون له ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب رواه الشيخان من حديث ابن عباس.
16. التعبير بالقناطير المقنطرة يشعر بأن الكثرة هي التي تكون مظنة الافتتان لأنها تشغل بالتمتع بها القلب، وتستغرق في تدبيرها الوقت، حتى لا يكاد يبقى في قلب صاحبها منفذ للشعور بالحاجة إلى غيرها من طلب الحق ونصرته في الدنيا، والاستعداد لما أعده الله للمتقين في الأخرى، وما بعث الله رسولا في أمة ولا مصلحا في قوم إلا وكان الأغنياء أول من كفر وعاند وأبى واستكبر، وإن مؤمني الأغنياء أقلهم عملا وأكثرهم زللا، قال تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا﴾ [48:11]، وقال: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾ [8:28]، فقدم الفتنة بالأموال على الفتنة بالأهلين، وكأنه إنما أخر ذكر الأموال هنا عن ذكر النساء والبنين؛ لأن الكلام في طبيعة الحب لا في الاشتغال والفتنة به خاص، وحب النساء والبنين مقصد، وحب المال وسيلة لا يجعله مقصدا إلا من أعمته الفتنة عن الحقيقة.
17. لو أردنا أن نخوض في شرح فتنة الناس بالمال وكيف تشغلهم عن حقوق الله وحقوق الأمة والوطن وحقوق من يعاملهم، بل وعن حقوق بيوتهم وعيالهم، بل وعن حقوق أنفسهم على أنفسهم بما يثلمون شرفهم أو يقصرون في النفقة التي تليق بهم لأطلنا وخرجنا عن حد الوقوف عند بيان كون المال من متاع الحياة الدنيا بمقدار ما نفهم العبرة من الآي، ونكون قد جعلنا الكلام في المال مقصدا كما جعله الأشحة من الأغنياء مقصدا.
18. لفظ القنطار معناه العقدة المحكمة من المال، وهو ما يعبر عنه التجار الآن بالصر أو الصرة، هذا هو الأصل فيه عندي وسائر الأقوال في معناه ترجع إليه، فمنها أنه المال الكثير بعضه على بعض، ومنها أنه وزن اثنتي عشرة ألف أوقية، وروي مرفوعا عند ابن جرير أو ألف ومائتا أوقية، وروي عن معاذ أو ألف دينار ومائتا دينار، وروي عن أبي مرفوعا، وقال ابن عباس ثمانون ألف درهم كذا في المخصص، وروي عنه غير ذلك، وقال السدي مائة رطل من ذهب أو فضة، وعن قتادة أنه مائة رطل من الذهب أو ثمانون ألفا من الورق، وكأن كل هذا مما يطلق عليه لفظ القنطار باختلاف العرف، ويشهد له ما قاله ابن سيده في المخصص في بعض الأقوال فيه إذ عزا القول بأنه ألف مثقال من ذهب أو فضة إلى البربر، قال: وهو بالسريانية ملء مسك ثور (أي جلده) ذهبا أو فضة، ولكنه ذكر أن أبا عبيد لم يقيده بالسريانية، ونقل عن سيبويه: القنطار عربي وهو رباعي.
19. قنطار مقنطر مكمل على المبالغة، وقيل: المقنطرة المحكمة العقد، وقيل: المضروبة من دنانير أو دراهم، وقيل: المنضدة في وضعها، وقيل: المكنوزة، ولا يزال الناس يختلفون في القنطار فهو في الشام مائة رطل برطلهم، ورطلهم ثمانمائة درهم في أكثر البلاد، وفي مصر مائة رطل برطلهم ورطلهم 144 درهما.
20. النوع الرابع الخيل المسومة: ذهب بعضهم إلى أن الخيل المسومة هي الراعية، وهو مروي عن ابن عباس وعن سعيد بن جبير والربيع وغيرهم، وقيل: هي المطهمة الحسان أو المعلمة بالألوان والشيات، وقيل: المرسلة على القوم، فالأول من مادة السوم، يقال: سام الدابة: رعاها، وأسامها: أرعاها وأخرجها إلى المراعي، ومثلها سومها عند هؤلاء، وفي سورة النحل: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ [16:10] قال ابن جرير: إن سوم بالتشديد غير مستفيض في كلامهم، ورجح أن المسومة بمعنى المعلمة، واستشهد له بقول النابغة:
çبسمر كالقداح مسومات... عليها معشر أشباه جنé
وقال: إن معنى المطهمة والمعلمة والرائعة واحد.
21. كل من الخيل الراعية التي تقتنى للتجارة والمطهمة التي يقتنيها الكبراء والأغنياء للمفاخرة من متاع الدنيا الذي يتنافس فيه، ومن الناس من يغلو في حب الخيل حتى يفوق عنده كل حب، وقال بعض المفسرين: إن المسومة هنا هي التي ترصد للجهاد، وهو قول لا يفيده اللفظ ولا يرضاه السياق.
22. النوع الخامس الأنعام: وهي الإبل والبقرة، عرابها وجواميسها والغنم ضأنها ومعزها والأنعام مال أهل البادية بها ثروتهم، وفيها تكاثرهم وتفاخرهم، ومنها معايشهم ومرافقهم، ولعله أخرها عن ذكر الخيل المسومة لأن من قدر على اقتناء الخيل المسومة يكون أوغل في التمتع، لأنها من متاع الفضل والزيادة وما كل ذي أنعام يقدر على اقتناء الخيل المسومة ويضاهيه في التمتع في الدنيا، وإلا فإن الأنعام أكثر نفعا، قال تعالى في السورة التي يعدد بها النعم على عباده بعد ذكر خلق الإنسان: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً وَيَخْلُقُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [1 ـ 8]
23. النوع السادس الحرث: أي الزرع والنبات نجمه وشجره على اختلاف أنواعه، وهو قوام حياة الإنسان والحيوان في البدو والحضر، وإنما جعله آخر الأنواع في الذكر على أنه أولها في شدة الحاجة إليه لأنه لما كان الارتفاق به أعم كانت زينته في القلوب أقل، فهو قلما يكون مانعا للإنسان عن البحث عن الحق ونصره، أو صادا عن الاستعداد للآخرة، وإن من النعم ما هو أعظم من نعمة الحرث وأعم وأشمل، وهو الهواء الذي لا يستغني عنه الأحياء لحظة واحدة سواء منها النبات والحيوان؛ وهو لذلك لا فتنة من التمتع به، وقلما يفكر الإنسان بغبطته به أو حاجته إليه.
24. ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي ذلك الذي ذكر من الأنواع الستة هو ما يستمتع به الناس في حياتهم الدنيا ـ أي الأولى ـ والله عنده حسن المرجع في الحياة الآخرة التي تكون بعد موت الناس وبعثهم، فلا ينبغي لهم أن يجعلوا كل همهم في هذا المتاع القريب العاجل بحيث يشغلهم عن الاستعداد لما هو خير منه في الآجل، كما سيأتي التصريح به في الآية التالية لهذه الآية.
25. علم مما شرحته أن الكلام في هذه الشهوات بيان لما فطر عليه الناس من حبها وزينه في نفوسهم، وتمهيد لتذكيرهم بما هو خير منها لا لبيان قبحها في نفسها كما يتوهم الجاهل، فإن الله تعالى ما فطر الناس على شيء قبيح بل خلقهم في أحسن تقويم، ولا جعل دينه مخالفا لفطرته بل موافقا لها كما قال: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾:
أ. كيف يكون حب النساء في أصل الفطرة مذموما، وهو وسيلة إتمام حكمته تعالى في بقاء النوع إلى الأجل المسمى، وهو من آياته تعالى الدالة على حكمته ورحمته، كما قال: ﴿لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾، وكان صلّى الله عليه وآله وسلم يحبهن.
ب. وكيف يكون حب المال مذموما لذاته والله تعالى قد جعل بذل المال من آيات الإيمان وهو تعالى ينهى عن الإسراف والتبذير في إنفاقه كما ينهى عن البخل به، وقد امتن على نبيه بأنه وجده عائلا أي فقيرا فأغناه، وجعل المال قواما للأمم ومعززا للدين ووسيلة لإقامة ركنين من أركانه ومن أعظم أسباب التقرب إليه تعالى، وقد قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (إن الله يحب العبد التقي الغني الخفي) رواه مسلم في صحيحه.
ج. ولا أراني في حاجة إلى الكلام في حب البنين والخيل والأنعام والحرث؛ فإن الشبهة فيها للغالين في الزهد أضعف.
26. على المؤمن المتقي ألا يفتن بهذه الشهوات ويجعلها أكبر همه والشاغل له عن آخرته، فإذا اتقى ذلك واستمتع بها بالقصد والاعتدال والوقوف عند حدود الله تعالى فهو السعيد في الدارين ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار.
__________
(1) تفسير المنار: 3/238.
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بعد أن بين سبحانه قبل هذا اشتغال الكافرين بالأموال والأولاد وإعراضهم عن الحق وانهماكهم في اللذات، ذكر هنا وجه غرورهم بذلك تحذيرا لهم من جعلها مطية لشهواتهم، وتذكيرا لهم بأنه لا ينبغي أن تجعل هي غاية الحياة، فتشغلهم عن أعمال الآخرة التي جعلت الدنيا مزرعتها، والوسيلة لكسب السعادة فيها.
2. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ معنى تزيين حب الشهوات للناس، أن حبها مستحسن لديهم لا يرون فيه قبحا ولا غضاضة، ومن ثم لا يكادون يرجعون عنه، وهذا أقصى مراتب الحب، وصاحبه قلما يفطن لقبحه أو ضرره إن كان قبيحا أو ضارّا، ولا يحب أن يرجع عنه وإن تأذى به، وقد يحب الإنسان شيئا وهو يراه شيئا لا زينا، وضارّا لا نافعا، ويود لذلك لو لم يحبه كما يحب بعض الناس شرب الدخان على تأذيهم منه، ومن أحب شيئا ولم يزيّن له يوشك أن يرجع عنه يوما ما، ومن زين له حبه فلا يكاد يرجع عنه.
3. المعنى ـ إن الله فطر الناس على حب هذه الشهوات المبينة بعد كما قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾، وقد يسند التزيين إلى الشيطان بالوسوسة في قبيح الأعمال كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾
4. ثم فصل هذه المشتهيات الستة التي ملأت قلوب الناس حبا فقال: ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾:
أ. أولها النساء وهن موضع الرغبة ومطمح الأنظار، وإليهن تسكن النفوس كما قال تعالى ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ وعليهن ينفق أكثر ما يكسب الرجال بكدّهم وجدّهم، فهم القوامون عليهن لقوتهم وقدرتهم على حمايتهن، فإسرافهم في حبهنّ له الأثر العظيم في شئون الأمة وفي إضاعة الحقوق أو حفظها، وقدم حب النساء على حب الأولاد مع أن حبهنّ قد يزول وحب الأولاد لا يزول لأن حب الولد لا يعظم فيه الغلوّ والإسراف كحب المرأة، فكم من رجل جنى حبه للمرأة على أولاده، فكثير ممن تزوجوا بما فوق الواحدة وأفرطوا في حب واحدة وملّوا أخرى أهملوا تربية أولاد المبغوضة وحرموهم سعة الرزق وقد وسعوه على أولاد المحبوبة، وكم من غنىّ عزيز يعيش أولاده عيشة الذل والفقر، وليس لهذا من سبب إلا حب والدهم لغير أمهم، فهو يفعل ذلك للتقرب وابتغاء الزلفى إليها.
ب. ثانيها، البنون والمراد بهم الأولاد مطلقا كما قال تعالى: ﴿إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ وفي الحديث (الولد مجبنة مبخلة)، والعلة في حب الزوجة وحب الولد واحدة وهى تسلسل النسل وبقاء النوع، وهى حكمة مطردة في غير الإنسان من الحيوانات الأخرى، وحب البنين أقوى من حب البنات لأسباب كثيرة منها:
• أنهم عمود النسب الذي به تتصل سلسلة النسل، وبه يبقى ما يحرص عليه الإنسان من بقاء الذكر وحسن الأحدوثة بين الناس أمل الوالد في كفالتهم له حين الحاجة إليه لضعف أو كبر.
• أنه يرجى بهم من الشرف ما لا يرجى من الإناث كنبوغ في علم أو عمل أو رئاسة أو قيادة جيش للدفاع عن الوطن وحفظ كيان الأمة.
• الشعور بأن الأنثى حين الكبر تنفصل من عشيرتها وتتصل بعشيرة أخرى.
ج. ثالثها، القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، والعرب تريد بالقنطار المال الكثير والمقنطرة مأخوذة منه على سبيل التوكيد، وقد جرت عادتهم بأن يصفوا الشيء بما يشتق منه مبالغة كما قالوا ألوف مؤلفة وظل ظليل، وقيل المقنطرة المضروبة من دنانير ودراهم، وقيل هي المنضدة في وضعها، وهذا التعبير يشعر بالكثرة التي تكون مظنة الافتتان، والتي تشغل القلب للتمتع بها، وتستغرق في تدبيرها الوقت الكثير حتى لا يبقى بعد ذلك منفذ للشعور بالحاجة إلى نصرة الحق والاستعداد لأعمال الآخرة، ومن ثم كان الأغنياء في كل الأمم لدى بعثة الرسل أول الكافرين بهم المستكبرين عن تلبية دعوتهم، وإن أجابوها وآمنوا فهم أقل الناس عملا وأكثرهم بعدا عن هدى الدين، انظر إلى قوله تعالى: ﴿سَيَقُولُ لَكَ الْمُخَلَّفُونَ مِنَ الْأَعْرَابِ شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا فَاسْتَغْفِرْ لَنَا﴾، وحب المال مما أودع في غرائز البشر واختلط بلحمهم ودمهم، وسر هذا أنه وسيلة إلى جلب الرغائب، وسبيل إلى نيل اللذات والشهوات، ورغبات الإنسان غير محدودة، ولذاته لا عدّ لها ولا حصر، وكلما حصل على لذة طلب المزيد منها، وما وصل إلى غاية في جمع المال إلا تاقت نفسه إلى ما فوقها، حتى لقد يبلغ به النهم في جمعه أن ينسى أن المال وسيلة لا مقصد فيفتنّ في الوصول إليه الفنون المختلفة، والطرق التي تعنّ له، ولا يبالى أمن حلال كسب أم من حرام؟ روى البخاري ومسلم عن ابن عباس قوله صلّى الله عليه وآله وسلم (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى أن يكون لهما ثالث، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)، ولقد أعمت فتنة المال كثيرا من الناس فشغلتهم عن حقوق الله وحقوق الأمة والوطن، بل عن حقوق من يعاملهم، بل عن حقوق بيوتهم وعيالهم، بل عن أنفسهم، ومنهم من يقصر في النفقة على نفسه وعياله بالقدر الذي يزرى بمروءته، فيظهر بمظهر المسترذل بين الناس في مأكله ومشربه وملبسه، ومنهم من يثلم شرفه ويفتح ثغرة للطاعنين والقائلين فيه بالحق وبالباطل لأجل المال، ومن ثم قالوا: المال ميّال.
د. رابعها، الخيل المسوّمة التي ترعى في الأودية، يقال سام الدابة: رعاها، وأسامها: أخرجها إلى المرعى، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾، وقال ابن جرير: المسوّمة: المعلّمة من السّومة وهى العلامة.. وكل من الخيل الراعية التي تقتنى للتجارة، والمعلمة المطهّمة التي يقتنيها العظماء والأغنياء ـ من المتاع الذي يتنافس فيه الناس ويتفاخرون، حتى لقد يتغالى بعضهم في ذلك إلى حد هو أشبه بالجنون.
هـ. خامسها، الأنعام وهى مال أهل البادية ومنها تكون ثروتهم ومعايشهم ومرافقهم، وبها تفاخرهم وتكاثرهم، وقد امتنّ الله بها على عباده بقوله: ﴿وَالْأَنْعامَ خَلَقَها لَكُمْ فِيها دِفْءٌ ومَنافِعُ ومِنْها تَأْكُلُونَ ولَكُمْ فِيها جَمالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وحِينَ تَسْرَحُونَ وتَحْمِلُ أَثْقالَكُمْ إِلى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لرَؤُوف رَحِيمٌ والْخَيْلَ والْبِغالَ والْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوها وزِينَةً ويَخْلُقُ ما لا تَعْلَمُونَ﴾
و. سادسها، الحرث وعليه قوام حياة الإنسان والحيوان في البدو والحضر، والحاجة إليه أشد من الحاجة إلى الأنواع السالفة، والانتفاع به أتمّ منها لكنه أخر عنها، لأنه لما عمّ الارتفاق به كانت زينته في القلوب أقل، وقلما يكون الانتفاع به صادّا عن الاستعداد لأعمال الآخرة أو مانعا من نصرة الحق.
5. هناك ما هو أعم نفعا وأعظم فائدة في الحياة وهو الضوء والهواء، فلا يستغنى عنهما حيّ من الأحياء، ومع ذلك قلما يلتفت الإنسان إليهما ولا يفكر في غبطته بهما.
6. ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ المتاع ما يتمتع به، والمآب المرجع من آب يئوب إذا رجع، أي هذا الذي ذكر من الأصناف الستة المتقدمة هو ما يتمتع به الناس قليلا في هذه الحياة الفانية، ويجعلونه وسيلة في معايشهم، وسببا لقضاء شهواتهم وقد زيّن لهم حبها في عاجل دنياهم، والله عنده حسن المآب في الحياة الآخرة التي تكون بعد موتهم وبعثهم فلا ينبغي لهم أن يجعلوا كل همهم في هذا المتاع القريب العاجل بحيث يشغلهم عن الاستعداد لخير الآجل.
7. على المؤمن ألا يفتن بهذه الشهوات ويجعلها أكبر همه، والشغل الشاغل له عن آخرته، فإذا استمتع بها بالقصد والاعتدال ووقف عند حدود الله سعد في الدارين ووفق لخير الحياتين كما قال: ﴿رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
__________
(1) تفسير المراغي: 3/109.
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في مجال التربية للجماعة المسلمة يكشف لها عن البواعث الفطرية الخفية التي من عندها يبدأ الانحراف؛ إذا لم تضبط باليقظة الدائمة؛ وإذا لم تتطلع النفس إلى آفاق أعلى؛ وإذا لم تتعلق بما عند الله وهو خير وأزكى.
2. إن الاستغراق في شهوات الدنيا، ورغائب النفوس، ودوافع الميول الفطرية هو الذي يشغل القلب عن التبصر والاعتبار؛ ويدفع بالناس إلى الغرق في لجة اللذائذ القريبة المحسوسة؛ ويحجب عنهم ما هو أرفع وأعلى؛ ويغلظ الحس فيحرمه متعة التطلع إلى ما وراء اللذة القريبة؛ ومتعة الاهتمامات الكبيرة اللائقة بدور الإنسان العظيم في هذه الأرض؛ واللائقة كذلك بمخلوق يستخلفه الله في هذا الملك العريض.
3. لما كانت هذه الرغائب والدوافع ـ مع هذا ـ طبيعية وفطرية، ومكلفة من قبل البارئ ـ جل وعلا ـ أن تؤدي للبشرية دورا أساسيا في حفظ الحياة وامتدادها، فإن الإسلام لا يشير بكبتها وقتلها، ولكن إلى ضبطها وتنظيمها، وتخفيف حدتها واندفاعها؛ وإلى أن يكون الإنسان مالكا لها متصرفا فيها، لا أن تكون مالكة له متصرفة فيه؛ وإلى تقوية روح التسامي فيه والتطلع إلى ما هو أعلى، ومن ثم يعرض النص القرآني الذي يتولى هذا التوجيه التربوي.. هذه الرغائب والدافع، ويعرض إلى جوارها على امتداد البصر ألوانا من لذائذ الحس والنفس في العالم الآخر، ينالها من يضبطون أنفسهم في هذه الحياة الدنيا عن الاستغراق في لذائذها المحببة، ويحتفظون بإنسانيتهم الرفيعة.
4. في آية واحدة يجمع السياق القرآني أحب شهوات الأرض إلى نفس الإنسان: النساء والبنين والأموال المكدسة والخيل والأرض المخصبة والأنعام.. وهي خلاصة للرغائب الأرضية، إما بذاتها، وإما بما تستطيع أن توفره لأصحابها من لذائذ أخرى.. وفي الآية التالية يعرض لذائذ أخرى في العالم الآخر: جنات تجري من تحتها الأنهار، وأزواج مطهرة، وفوقها رضوان من الله.. وذلك كله لمن يمد ببصره إلى أبعد من لذائذ الأرض، ويصل قلبه بالله، على النحو الذي تعرضه آيتان تاليتان.
5. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾، وصياغة الفعل للمجهول هنا تشير إلى أن تركيبهم الفطري قد تضمن هذا الميل؛ فهو محبب ومزين.. وهذا تقرير للواقع من أحد جانبيه، ففي الإنسان هذا الميل إلى هذه ﴿الشَّهَوَاتِ﴾، وهو جزء من تكوينه الأصيل، لا حاجة إلى إنكاره، ولا إلى استنكاره في ذاته، فهو ضروري للحياة البشرية كي تتأصل وتنمو وتطرد ـ كما أسلفنا ـ ولكن الواقع يشهد كذلك بأن في فطرة الإنسان جانبا آخر يوازن ذلك الميل، ويحرس الإنسان أن يستغرق في ذلك الجانب وحده؛ وأن يفقد قوة النفخة العلوية أو مدلولها وإيحاءها، هذا الجانب الآخر هو جانب الاستعداد للتسامي، والاستعداد لضبط النفس ووقفها عند الحد السليم من مزاولة هذه ﴿الشَّهَوَاتِ﴾، الحد الباني للنفس وللحياة؛ مع التطلع المستمر إلى ترقية الحياة ورفعها إلى الأفق الذي تهتف إليه النفحة العلوية، وربط القلب البشري بالملإ الأعلى والدار الآخرة ورضوان الله.. هذا الاستعداد الثاني يهذب الاستعداد الأول، وينقيه من الشوائب، ويجعله في الحدود المأمونة التي لا يطغى فيها جانب اللذة الحسية ونزعاتها القريبة، على الروح الإنسانية وأشواقها البعيدة.. والاتجاه إلى الله، وتقواه، هو خيط الصعود والتسامي إلى تلك الأشواق البعيدة.
6. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾.. فهي شهوات مستحبة مستلذة؛ وليست مستقذرة ولا كريهة، والتعبير لا يدعو إلى استقذارها وكراهيتها؛ إنما يدعو فقط إلى معرفة طبيعتها وبواعثها، ووضعها في مكانها لا تتعداه، ولا تطغى على ما هو أكرم في الحياة وأعلى، والتطلع إلى آفاق أخرى بعد أخذ الضروري من تلك ﴿الشَّهَوَاتِ﴾ في غير استغراق ولا إغراق! وهنا يمتاز الإسلام بمراعاته للفطرة البشرية وقبولها بواقعها، ومحاولة تهذيبها ورفعها، لا كبتها وقمعها.
7. الذين يتحدثون في هذه الأيام عن (الكبت) وأضراره، وعن (العقد النفسية) التي ينشئها الكبت والقمع، يقررون أن السبب الرئيسي للعقد هو (الكبت) وليس هو (الضبط).. وهو استقذار دوافع الفطرة واستنكارها من الأساس، مما يوقع الفرد تحت ضغطين متعارضين: ضغط من شعوره ـ الذي كونه الإيحاء أو كونه الدين أو كونه العرف ـ بأن دوافع الفطرة دوافع قذرة لا يجوز وجودها أصلا، فهي خطيئة ودافع شيطاني! وضغط هذه الدوافع التي لا تغلب لأنها عميقة في الفطرة، ولأنها ذات وظيفة أصيلة في كيان الحياة البشرية، لا تتم إلا بها، ولم يخلقها الله في الفطرة عبثا.. وعندئذ وفي ظل هذا الصراع تتكون (العقد النفسية).. فحتى إذا سلمنا جدلا بصحة هذه النظريات النفسية، فإننا نرى الإسلام قد ضمن سلامة الكائن الإنساني من هذا الصراع بين شطري النفس البشرية، بين نوازع الشهوة واللذة، وأشواق الارتفاع والتسامي.. وحقق لهذه وتلك نشاطها المستمر في حدود التوسط والاعتدال.
8. النساء والبنون شهوة من شهوات النفس الإنسانية قوية.. وقد قرن إليهما ﴿الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ من الذهب والفضة.. ونهم المال هو الذي ترسمه ﴿الْقَناطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ ولو كان يريد مجرد الميل إلى المال لقال: والأموال، أو والذهب والفضة، ولكن القناطير المقنطرة تلقي ظلا خاصا هو المقصود، ظل النهم الشديد لتكديس الذهب والفضة، ذلك أن التكديس ذاته شهوة، بغض النظر عما يستطيع المال توفيره لصاحبه من الشهوات الأخرى! ثم قرن إلى النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة.. الخيل المسومة، والخيل كانت ـ وما تزال حتى في عصر الآلة المادي اليوم ـ زينة محببة مشتهاة، ففي الخيل جمال وفتوة وانطلاق وقوة، وفيها ذكاء وألفة ومودة، وحتى الذين لا يركبونها فروسية، يعجبهم مشهدها، ما دام في كيانهم حيوية تجيش لمشهد الخيل الفتية! وقرن إلى تلك الشهوات الأنعام والحرث، وهما يقترنان عادة في الذهن وفي الواقع.. الأنعام والحقول المخصبة.. والحرث شهوة بما فيه من مشهد الإنبات والنماء.. وإن تفتح الحياة في ذاته لمشهد حبيب فإذا أضيفت إليه شهوة الملك، كان الحرث والأنعام شهوة.
9. هذه الشهوات التي ذكرت هنا هي نموذج لشهوات النفوس، يمثل شهوات البيئة التي كانت مخاطبة بهذا القرآن؛ ومنها ما هو شهوة كل نفس على مدار الزمان، والقرآن يعرضها ثم يقرر قيمتها الحقيقية، لتبقى في مكانها هذا لا تتعداه، ولا تطغى على ما سواه: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ذلك كله الذي عرضه من اللذائذ المحببة ـ وسائر ما يماثله من اللذائذ والشهوات ـ متاع الحياة الدنيا، لا الحياة الرفيعة، ولا الآفاق البعيدة.. متاع هذه الأرض القريب..
__________
(1) في ظلال القرآن: 1/374.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. هذا جواب عن سؤال يعرض في كل موقف يتصارع فيه الحق والباطل، وهذا السؤال هو: لم هذا الضلال من الناس؟ ولم هذا الباطل الذي يمسكون به ويحرصون عليه؟ وفي الآية الكريمة الجواب على هذا، فالناس ـ كل الناس ـ مفطورون على حبّ الاقتناء، والاستزادة مما يقتنون، من الأشياء التي تغذّى عواطفهم، وتشبع حاجاتهم الجسدية، والنفسية، وتنزلهم في الحياة منزلا عاليا رفيعا، يبسط لهم سلطانا يستجيب لكلّ ما يدّعون وما يشتهون! هذه طبيعة في الناس، غير منكرة، ولا متكرّهة، لأنها قوة عاملة في الحياة، بها يخفّ الناس إلى السعي والجد، والمغامرة والمخاطرة.. ولولاها لما خطت الإنسانية هذه الخطوات الواسعة، إلى العمران والمدنية! وهذا في ذاته خير للإنسانية وكسب للناس، ولكن الشيء إذا زاد عن حدّه انقلب إلى ضدّه ـ كما يقولون.
2. ﴿النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ عرض لصور مما تشتهيه النفس، وتحرص عليه، وتستكثر منه.. النساء والبنين، والذهب والفضة، والخيل المعلّمة، والأنعام، والحرث والزرع.. ولم يتحدث القرآن عن الدّور والقصور والإناث والرياش، ولا عن ألوان الطعام، ولا عن الخدم والأتباع، وكلها مما تشتهيه النفوس، وترغب فيه.. لم يذكر القرآن الكريم هذا، ولا كثيرا غيره من مطالب النفس ـ لأنه ذكر الأصل الذي ترجع إليه كل هذه الأشياء، وهو المال، من الذهب والفضة والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فبهذا المال ينال كل هذا وأكثر من هذا، فحيث كان المال كان معه الجاه والسلطان، وكل متع الحياة، لمن أرادها من أصحاب المال.
3. ذكر القرآن النساء والبنين والذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث، لأنها أصول قائمة في النفوس، لا تتغير بتغير الأزمان واختلاف الأمم! النساء رغيبة الرّجال من جميع الشعوب.. الأغنياء والفقراء، والبنون قرة عين الوالدين، في كل زمان ومكان.. أغنياء وفقراء، والذهب والفضة.. لهما حب مستقل لذاتهما، حيث يجد الإنسان القوة والعزة، بامتلاكهما، ولو لم يسخرهما لمأرب من مآربه، والخيل المسوّمة، (أي المعلّمة) نموذج للمراكب الطيبة، التي تجمع بين البهجة والمتعة، والأنعام والحرث، نموذج آخر لمتعة العين وبهجتها لهذا المال المتحرك في الإنعام، والمزدهر الثمر في الزروع والجنات.
4. ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إشارة إلى أن هذا الذي يرغب فيه الناس ويشتهونه في حياتهم، إنما هو متاع وزاد للحياة الدنيا، يزول بزوال هذه الحياة، ويفنى بفناء الطاعمين له.
5. ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ إلفات إلى حياة أخرى غير هذه الحياة، لا يزول نعيمها، ولا تفنى لذاذاتها، تلك هي الحياة الآخرة، التي أعدّ الله فيها لعباده المتقين، ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/413.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿زُيِّنَ﴾ استئناف نشأ عن قوله: ﴿لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ [آل عمران: 10] إذ كانت إضافة أموال وأولاد إلى ضمير (هم) دالة على أنّها معلومة للمسلمين، قصد منه عظة المسلمين ألّا يغترّوا بحال الذين كفروا فتعجبهم زينة الدنيا، وتلهيهم عن التهمّم بما به الفوز في الآخرة؛ فإنّ التحذير من الغايات يستدعي التحذير من البدايات، وقد صدّر هذا الوعظ والتأديب ببيان مدخل هذه الحالة إلى النفوس، حتى يكونوا على أشدّ الحذر منها؛ لأنّ ما قرارته النفس ينساب إليها مع الأنفاس.
2. التزيين تصيير الشيء زينا أي حسنا، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين، وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه، ولذلك سمّي الحلاق مزيّنا، وقال امرؤ القيس:
çالحرب أول ما تكون فتيّة...تسعى بزينتها لكلّ جهولé
فالزينة هي ما تكون في الشيء من المحاسن: التي ترغّب الناظرين في اقتنائه، قال تعالى: ﴿تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف: 28]، وكلمة زين قليلة الدوران في كلام العرب مع حسنها وخفّتها قال عمر بن أبي ربيعة:
çأزمعت خلّتي مع الفجر بينا...جلّل الله ذلك الوجه زيناé
وفي حديث (سنن أبي داوود): أنّ أبا برزة الأسلميّ دخل على عبيد الله بن زياد ـ وقد أرسل إليه ليسأله عن حديث الحوض ـ فلمّا دخل أبو برزة قال عبيد الله لجلسائه: إنّ محمّديّكم هذا الدحداح، قال أبو برزة: (ما كنت أحسب أنّي أبقى في قوم يعيّرونني بصحبة محمد)، فقال عبيد الله: (إنّ صحبة محمد لك زين غير شين)
3. الشهوات جمع شهوة، وأصل الشهوة مصدر شهي كرضي، والشهوة بزنة المرّة، وأكثر استعمال مصدر شهي أن يكون بزنة المرة، وأطلقت الشهوات هنا على الأشياء المشتهاة على وجه المبالغة في قوة الوصف، وتعليق التزيين بالحبّ جرى على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأنّ المزيّن للناس هو الشهوات، أي المشتهيات نفسها، لا حبّها، فإذا زينت لهم أحبّوها؛ فإنّ الحبّ ينشأ عن الاستحسان، وليس الحبّ بمزيّن، وهذا إيجاز يغني عن أن يقال زينت للناس الشهوات فأحبّوها، وقد سكت المفسّرون عن وجه نظم الكلام بهذا التعليق، والوجه عندي إمّا أن يجعل ﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ مصدرا نائبا عن مفعول مطلق، مبيّنا لنوع التزيين: أي زيّن لهم تزيين حب، وهو أشدّ التزيين، وجعل المفعول المطلق نائبا عن الفاعل، وأصل الكلام: زيّن للناس الشهوات حبّا، فحوّل وأضيف إلى النائب عن الفاعل، وجعل نائبا عن الفاعل، كما جعل مفعولا في قوله تعالى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي﴾ [ص: 32]، وإما أن يجعل حبّ مصدرا بمعنى المفعول، أي محبوب الشهوات أي الشهوات المحبوبة، وإمّا أن يجعل زين كناية مرادا به لازم التزيين وهو إقبال النفس على ما في المزيّن من المستحسنات مع ستر ما فيه من الأضرار، فعبّر عن ذلك بالتزيين، أي تحسين ما ليس بخالص الحسن فإنّ مشتهيات الناس تشتمل على أمور ملائمة مقبولة، وقد تكون في كثير منها مضارّ، أشدّها أنّها تشغل عن كمالات كثيرة فلذلك كانت كالشيء المزيّن تغطّى نقائصه بالمزيّنات، وبذلك لم يبق في تعليق زيّن بحب إشكال.
4. حذف فاعل التزيين لخفائه عن إدراك عموم المخاطبين، لأنّ ما يدل على الغرائز والسجايا، لما جهل فاعله في متعارف العموم، كان الشأن إسناد أفعاله للمجهول: كقولهم عني بكذا، واضطرّ إلى كذا، لا سيما إذا كان المراد الكناية عن لازم التزيين، وهو الإغضاء عمّا في المزيّن من المساوي؛ لأنّ الفاعل لم يبق مقصودا بحال، والمزيّن في نفس الأمر هو إدراك الإنسان الذي أحبّ الشهوات، وذلك أمر جبليّ جعله الله في نظام الخلقة قال تعالى: ﴿وَذَلَّلْنَاهَا لَهُمْ فَمِنْهَا رَكُوبُهُمْ وَمِنْهَا يَأْكُلُونَ﴾ [يس: 72]
5. لما رجع التزيين إلى انفعال في الجبلّة، كان فاعله على الحقيقة هو خالق هذه الجبلّات، فالمزيّن هو الله بخلقه لا بدعوته، وروى مثل هذا عن عمر بن الخطاب، وإذا التفتنا إلى الأسباب القريبة المباشرة، كان المزيّن هو ميل النفس إلى المشتهى، أو ترغيب الداعين إلى تناول الشهوات: من الخلّان والقرناء، وعن الحسن: المزيّن هو الشيطان، وكأنّه ذهب إلى أنّ التزيين بمعنى التسويل والترغيب بالوسوسة للشهوات الذميمة والفساد، وقصره على هذا ـ وهو بعيد ـ لأنّ تزيين هذه الشهوات في ذاته قد يوافق وجه الإباحة والطاعة، فليس يلازمها تسويل الشيطان إلّا إذا جعلها وسائل للحرام، وفي الحديث: (قالوا: يا رسول الله أيأتي أحدنا شهوته وله فيها أجر فقال: أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه وزر، فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجر)
6. سياق الآية تفضيل معالي الأمور وصالح الأعمال على المشتهيات المخلوطة أنواعها بحلال منها وحرام، والمعرّضة للزوال، فإنّ الكمال بتزكية النفس لتبلغ الدرجات القدسية، وتنال النعيم الأبدي العظيم؛ كما أشار إليه قوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾
7. بيان الشهوات بالنساء والبنين وما بعدهما، بيان بأصول الشهوات البشرية: التي تجمع مشتهيات كثيرة، والتي لا تختلف باختلاف الأمم والعصور والأقطار:
أ. فالميل إلى النساء مركوز في الطبع، وضعه الله تعالى لحكمة بقاء النوع بداعي طلب التناسل؛ إذ المرأة هي موضع التناسل، فجعل ميل الرجل إليها في الطبع حتى لا يحتاج بقاء النوع إلى تكلّف ربّما تعقبه سآمة، وفي الحديث: (ما تركت بعدي فتنة أشدّ على الرجال من فتنة النساء)، ولم يذكر الرجال لأنّ ميل النساء إلى الرجال أضعف في الطبع، وإنّما تحصل المحبّة منهن للرجال بالإلف والإحسان.
ب. ومحبّة الأبناء ـ أيضا ـ في الطبع: إذ جعل الله في الوالدين، من الرجال والنساء، شعورا وجدانيا يشعر بأنّ الولد قطعة منهما، ليكون ذلك مدعاة إلى المحافظة على الولد الذي هو الجيل المستقبل، وببقائه بقاء النوع، فهذا بقاء النوع بحفظه من الاضمحلال المكتوب عليه، وفي الولد أيضا حفظ للنوع من الاضمحلال العارض بالاعتداء على الضعيف من النوع؛ لأنّ الإنسان يعرض له الضعف، بعد القوة، فيكون ولده دافعا عنه عداء من يعتدي عليه، فكما دفع الوالد عن ابنه في حال ضعفه، يدفع الولد عن الوالد في حال ضعفه.
ج. والذهب والفضة شهوتان بحسن منظرهما وما يتّخذ منهما من حلي للرجال والنساء، والنقدان منهما: الدنانير والدراهم، شهوة لما أودع الله في النفوس منذ العصور المتوغّلة في القدم من حبّ النقود التي بها دفع أعواض الأشياء المحتاج إليها.
8. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ جمع قنطار وهو ما يزن مائة رطل، وأصله معرّب قيل عن الرومية اللاتينية الشرقية، كما نقله النقّاش عن الكلبي، وهو الصحيح؛ فإن أصله في اللّاتينية (كينتال) وهو مائة رطل، وقال ابن سيده: هو معرّب عن السريانية، فما في (الكشاف) في سورة النساء أنّ القنطار مأخوذ من قنطرت الشيء إذا رفعته، تكلّف، وقد كان القنطار عند العرب، وزنا ومقدارا، من الثروة، يبلغه بعض المثرين: وهو أن يبلغ ماله مائة رطل فضة، ويقولون: قنطر الرجل إذا بلغ ماله قنطارا وهو اثنا عشر ألف دينار أي ما يساوي قنطارا من الفضة، وقد يقال: هو مقدار مائة ألف دينار من الذهب.
9. ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ أريد بها هنا المضاعفة المتكاثرة، لأنّ اشتقاق الوصف من اسم الشيء الموصوف، إذا اشتهر صاحب الاسم بصفة، يؤذن ذلك الاشتقاق بمبالغة في الحاصل به كقولهم: ليل أليل، وظل ظليل، وداهية دهياء، وشعر شاعر، وإبل مؤبّلة، وآلاف مؤلّفة.
10. ﴿وَالْخَيْلَ﴾ محبوبة مرغوبة، في العصور الماضية وفيما بعدها، لم ينسها ما تفنّن فيه البشر من صنوف المراكب برّا وبحرا وجوّا، فالأمم المتحضّرة اليوم مع ما لديهم من القطارات التي تجري بالبخار وبالكهرباء على السكك الحديدية، ومن سفائن البحر العظيمة التي تسيّرها آلات البخار، ومن السيّارات الصغيرة المسيّرة باللوالب تحرّكها حرارة النفط المصفّى، ومن الطيّارات في الهواء ممّا لم يبلغ إليه البشر في عصر مضى، كلّ ذلك لم يغن الناس عن ركوب ظهور الخيل، وجرّ العربات بمطهّمات الأفراس، والعناية بالمسابقة بين الأفراس، وذكر الخيل لتواطؤ نفوس أهل البذخ على محبّة ركوبها، قال امرؤ القيس: (كأنّي لم أركب جوادا للذّة)
11. ﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ الأظهر فيه ما قيل: إنّه الراعية، فو مشتق من السّوم وهو الرعي، يقال: أسام الماشية إذا رعى بها في المرعى، فتكون مادة فعّل للتكثير أي التي تترك في المراعي مددا طويلة وإنّما يكون ذلك لسعة أصحابها وكثرة مراعيهم، فتكون خيلهم مكرمة في المروج والرياض وفي الحديث في ذكر الخيل (فأطال لها في مرج أو روضة)، وقيل: المسوّمة من السّومة ـ بضم السين ـ وهي السّمة أي العلامة من صوف أو نحوه، وإنّما يجعلون لها ذلك تنويها بكرمها وحسن بلائها في الحرب، قال العتّابي:
çولولا هنّ قد سوّمت مهري...وفي الرحمن للضعفاء كافé
يريد جعلت له سومة أفراس الجهاد أي علامتها وقد تقدم اشتقاق السمة والسومة عند قوله تعالى: ﴿تَعْرِفُهُمْ بِسِيمَاهُمْ﴾ في سورة البقرة [273]
12. ﴿الْأَنْعَامُ﴾ زينة لأهل الوبر، قال تعالى: ﴿وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل: 6]، وفيها منافع عظيمة أشار إليها قوله تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ﴾ الآيات في سورة النحل [5]، وقد لا تتعلّق شهوات أهل المدن بشدّة الإقبال على الأنعام لكنّهم يحبّون مشاهدها، ويعنون بالارتياح إليها إجمالا.
13. ﴿وَالْحَرْثِ﴾ أصله مصدر حرث الأرض إذا شقّها بآلة ليزرع فيها أو يغرس، وأطلق هذا المصدر على المحروث فصار يطلق على الجنّات والحوائط وحقول الزرع، وتقدم عند قوله تعالى: ﴿نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ﴾ في سورة البقرة [223] وعند قوله: ﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ﴾ [البقرة: 71] فيها.
14. الإشارة بقوله: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ إلى جميع ما تقدم ذكره، وأفرد كاف الخطاب لأنّ الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم أو لغير معيّن، على أنّ علامة المخاطب الواحد هي الغالب في الاقتران بأسماء الإشارة لإرادة البعد، والبعد هنا بعد مجازي بمعنى الرفعة والنفاسة، والمتاع مؤذن بالقلة وهو ما يستمتع به مدة.
15. معنى ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أنّ ثواب الله خير من ذلك، والمآب: المرجع، وهو هنا مصدر، مفعل من آب يئوب، وأصله مأوب نقلت حركة الواو إلى الهمزة، وقلبت الواو ألفا، والمراد به العاقبة في الدنيا والآخرة.
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/38.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في الآيات السابقة بيّن سبحانه اغترار المشركين بأموالهم وأولادهم وكثرتهم، وكثرة النفر الذين يعاضدونهم، وأشار إلى اغترار آل فرعون بسلطانهم، وعاقبة أمرهم؛ وفي هذه الآية يبين سبحانه مصدر الغرور وأسباب الاغترار في هذه الدنيا، وما ركز في قلوب الناس من حب الشهوات التي يؤدى الاشتداد في طلبها إلى الانحراف في التفكير وإلى أن يطمس على البصيرة فلا تدرك الأمور على وجهها؛ ثم يبين سبحانه منزلة ما في هذه الدنيا من متع فانية بجوار ما في الآخرة من نعيم دائم، وإذا كان قد بيّن سبحانه وتعالى أولا مآل المغترين المعتزين بأعراض الدنيا، فقد بين في هذه الآيات مآل المتقين وأوصافهم، ومقدار فهمهم لزخارف هذه الحياة وما فيها من شهوات مردية عند الانحراف في طلبها.
2. ابتدأ سبحانه بما ركز في فطرة كل إنسان من حب وطلب لهذه الشهوات في مواضعها، فقال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ﴾ هذه زينة الحياة الدنيا، وهذه متعها، وهى مصدر الخير، ومصدر الشر فيها، وبها تكون الرفعة، وبها يكون السقوط، وبها تكون العزة، وبها تكون الذلة؛ والإرادة الإنسانية هي التي تجعلها في أحد الطريقين، فإن كانت الإرادة قوية حازمة جعلت من هذه الأمور مصدر خير وطريقا إلى الجنة، وإن تحكم الهوى وغلب الشيطان، وضعف الوجدان الديني، كانت هذه الأمور مصدر شر وطريقا إلى النار؛ فهي طريق الجنة عند الأبرار، وطريق النار عند الأشرار، وكل امرئ وما تهوى نفسه.
3. هذه الأمور محببة لنفس الإنسان، مجبول بفطرته على الميل إليها، والاستشراف لها وطلبها، فهي طلبة النفس الإنسانية؛ إذ هي من طبيعتها، وهى تتقاضاها طبيعة الإنسانية، ومن يحاول أن ينزع الميل إلى هذه الأشياء الستة من نفسه، فإنما يحاول اقتلاع الخاصة الإنسانية من كونه، فالطبيعة الإنسانية قد ركز فيها حب هذه الأمور، ولا تخرج هذه الأمور من النفس الإنسانية إلا إذا بعد الإنسان عن طبعه.
4. لأن هذه الأمور في الفطرة الإنسانية عبر سبحانه وتعالى بالبناء للمجهول، فقال سبحانه: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فأبهم سبحانه من زين حب هذه الأمور للإشارة إلى أنها في الفطرة الإنسانية، نشأت في الإنسان منذ خلقه سبحانه وأنزله إلى هذه الدنيا، فهو قد كوّنه سبحانه ومعه تلك الطبيعة الإنسانية، وإنه ينته الأمر إلى أن الذي زين هذا الحب هو الله سبحانه وتعالى، وقد يؤكد ذلك قراءة مجاهد (زيّن للنّاس) بالبناء للفاعل، ويكون الفاعل ضميرا يعود على الله سبحانه وتعالى، ومعنى ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ أودعت فطرتهم حب هذه الشهوات، وأنهم لا يرون فيها نقصا ولا مخالفة للكمال والشهوات المراد بها موضع الشهوات، فهي من باب ذكر المصدر وإرادة اسم المفعول؛ فهذه الأمور الستة هي المشتهيات، وليست هي الشهوات، ولكن أطلق عليها اسم الشهوات للإشارة إلى شدة محبتها والحرص عليها، ولقد قال الزمخشري في ذلك: (جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشهاة محروصا على الاستمتاع بها) فالمراد أنهم يحبون هذه الأشياء، ويرون محبتها أمرا حسنا، ولا غضاضة فيه.
5. يرى الزمخشري أن قوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ فيه إشارة إلى خساسة هذه الأمور، ويقول في ذلك: (والوجه أنه يقصد تخسيسها فيسميها شهوات؛ لأن الشهوة مسترذلة مذموم من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، وقال: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ ثم جاء بالتفسير ليقرر في النفوس أن المزين لهم حبه ما هو إلا شهوات لا غير، ثم يفسره بهذه الأجناس فيكون أقوى لتخسيسها، وأدل على ذم من يستعظمها ويتهالك عليها ويرجح طلبها على طلب ما عند الله)، ولسنا نرى رأى الزمخشري في أن هذه خسيسة في ذاتها، أو يقصد إلى تخسيسها في ذاتها، وإنما نرى أنها فطرة الله يبينها الله سبحانه وتعالى، ويشير إلى أنها مطلوبة من كل إنسان، وأن المقتصد يجمل في الطلب ويجعله للخير، وغير المقتصد يسرف فيفحش، فيكون الشر، وزينة الله التي خلقها ليست حراما، وهى من قبيل هذه المشتهيات، فيقول تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾ [الأعراف]، وقال تعالى: ﴿خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف] وقال تعالى: ﴿وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾ [البقرة]، وقال صلّى الله عليه وآله وسلم في الخيل: (الخيل معقود بنواصيها الخير إلى يوم القيامة)، وقال في الحرث وهو الزرع: (ما من مسلم يغرس غرسا أو يزرع زرعا فيأكل منه إنسان أو دابة إلا كان له به صدقة)، وقال صلّى الله عليه وآله وسلم: (حبب إلىّ من دنياكم: النساء، والطيب، وجعلت قرة عيني في الصلاة)، وقال صلّى الله عليه وآله وسلم: (ألا أخبركم بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة، إذا نظر إليها سرته، وإذا غاب عنها حفظته، وإذا أمرها أطاعته)، وقال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم]، وبهذا يتبين أن هذه الأعيان ليست خسيسة في ذاتها، ولا يقصد تخسيسها، وإن كانت هي دون نعيم الآخرة ومتعها.
6. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ فيه إشارة إلى أن الناس يحبون هذه الشهوات ويستحسنون هذه المحبة؛ وذلك لأن الإنسان قد يحب شيئا ولكنه في محبته له غير راض عن نفسه، كأولئك الذين يميلون إلى بعض الآفات الاجتماعية، كالخمر، والميسر؛ فإنهم مع ميلهم إليها يستنكرون حالهم، ولا يحمدون ما يفعلون، إلا إذا كانوا قد طمس الله على بصيرتهم، فعموا وضلوا، وزيّن لهم سوء أعمالهم فرأوه حسنا، ولكن الناس جميعا مع محبتهم لهذه الأمور يستحسنون هذه المحبة، ويرضون عن أنفسهم في ميلهم إليها؛ وإن ذلك الاستحسان من عامة الناس يدل على أن محبة هذه الأمور من فطرة الإنسان ومن طبيعته؛ وإن هذا الميل لا يدل على خسة في الطبع، ولكنه يدل على أنها في الفطرة، ومحبة هذه الأشياء، وهى رمز للطبيعة الإنسانية ليست بدرجة واحدة، بل تختلف بمقدار قوة نزوع النفس إليها، وتختلف بمقدار ما تشبع به الحاجات والغرائز الإنسانية.
7. سؤال وإشكال: كيف يكون حب الذهب والفضة فطريا، مع أنه ليس من الفطرة؟ والجواب: أن الذهب والفضة يشبعان الحاجات الإنسانية، فهما من الوسائل للوصول إلى النساء وغيرهن، وهما في خدمة تلك الفطرة، وأحبهما الناس لأنهما يوصلان دائما إليها، ثم صار حبهما لذاتهما، وأشبه أن يكون من الفطرة.
المرتبة الأولى(2): النساء، وحبهن فطرى في الطبيعة الإنسانية مستكن فيها، لا يختلف فيه الناس إلا من إيفت مشاعره وفسدت طباعه، وهن زهرة هذا الوجود الإنساني ولقد سماهم القرآن كذلك فقال تعالى: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [طه]، وقال تعالى في العلاقة بين الرجل والمرأة: ﴿هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ﴾ [البقرة]، وإن الرجل في حب النساء قد يستهين بكل شيء، ولقد قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم فيما رواه البخاري ومسلم: (ما تركت بعدى فتنة أضر على الرجال من النساء)
8. سؤال وإشكال: إن المرأة من المكلفين ومن الناس فلما ذا ذكر حب الرجال للنساء، ولم يذكر حب النساء للرجال، وكلاهما فطرى في الطبع الإنساني، والجواب: أجاب عن ذلك بعض المفسرين بأن طلب الرجل للمرأة أشد وأقوى وأحد، وكثير من الرجال من يفتتنون بالنساء، وقليل من النساء من تظهر فتنتهن بالرجال، والحس يؤيد طلب الرجل للمرأة، فهو يبذل النفس والنفيس في طلبها، ولا يعرف من النساء إلا قليلا من يبذل ذلك، والرأي عندي أن ذكر حب الرجال للنساء فيه إشارة إلى علاقة المحبة المتبادلة بين الفريقين؛ فهي إشارة إلى تلك العلاقة الفطرية من الجانبين، فذكر محبة الرجل للمرأة فيه تنبيه إلى محبة المرأة للرجل؛ وما يستفاد بالإشارة يستغنى فيه عن العبارة، واكتفى بذكر حب الرجل لأن حبه الأوضح، ولأنه الأشد، ولأنه الذي يؤدى في جملة أحواله إلى الفتنة، ولأن المرأة مجيبة في هذا الباب لا طالبة، وإن سبقت هي بالمحبة حاولت أن تخلق الطلب في نفس من تحب.
9. حب النساء ليس شرا؛ لأن الله جعل المرأة رحمة للرجل، إنما يكون الشر في الإسراف في الطلب حتى يكون النساء خلب كبده، وفي طلب الحرام، وفي طلب الجمال من غير ملاحظة الدين؛ فلقد قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (إياكم وخضراء الدّمن)، وقال صلّى الله عليه وآله وسلم: (تنكح المرأة لمالها وحسبها وجمالها ودينها، عليك بذات الدين تربت يداك)، ولقد قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (من أراد أن يلقى الله طاهرا مطهرا فليتزوج الحرائر)
10. المرتبة الثانية: حب البنين، وقد ذكر حب البنين بعد حب النساء؛ لأن البنين ثمرة الحب الأول؛ وفيه إشارة إلى التوجيه الإسلامي، وهو أن يكون حب النساء ذريعة إلى الإنجاب والنسل لا لذاته، كما قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (تناكحوا تناسلوا تكثروا فإني مباه بكم الأمم يوم القيامة)، وهل المراد من البنين الذكور فقط؟ الظاهر ذلك، ويزكى هذا قوله تعالى: ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [الكهف] وما هو واقع بين الناس في الماضي والحاضر من أنهم يطلبون الذكر دون الأنثى، وأنهم يرون في كثرة البنين نصرة وفخارا، وفي البنت غير ذلك؛ ولكن لو أننا قلنا إن المراد الأولاد ذكورا كانوا أو إناثا لكان في النص القرآني متسع؛ لأن الابن يطلق ويراد الذكر والأنثى على سبيل المجاز، وإن محبة الولد بعد ولادته أمر فطرى لا فرق بين ذكر وأنثى، وإن كان الكثيرون يرغبون في الذكور دون الإناث فإن ذلك لا ينفى المحبة الفطرية لأولاده جميعا، والعرب أنفسهم كانوا يحبون بناتهم وإن كانوا لا يعتزون إلا بالبنين، وإني أميل إلى هذا؛ ف الأولاد جميعا ثمرات القلوب وقرة الأعين؛ ولقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم: (إنهم لثمرة القلوب وقرة الأعين، وإنهم مع ذلك لمجبنة مبخلة محزنة)
11. المرتبة الثالثة: حب القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، روى أن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم قال: القنطار ألف أوقية ومائتا أوقية) وإن كانت الأوقية التي نعرفها هى الأوقية التي أشار إليها النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم فالقنطار الذي نعرفه في مصر هو القنطار الذي ذكر في حديث النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم؛ لأن القنطار (1200) أوقية لأنه مائة رطل والرطل أوقية، وقد قال الزجاج في أصل معنى القنطار: إنه مأخوذ من عقد الشيء وإحكامه، تقول العرب: قنطرت الشيء إذا أحكمته، ومنه سميت القنطرة لإحكامها، والقنطرة المعقود، فكأن القنطار شيء محكم يسع ذلك المال، أو أنه جمع قدر كبير من المال متراص الأجزاء محكم الربط، والمقنطرة معناها مضاعفة مقادير القنطار، فمعنى قناطير مقنطرة عدد كثير من القناطير متضاعف، كقولك ألوف مؤلفة، وأضعاف مضاعفة، والمراد أن كثرة المال أمر محبوب مطلوب زين للناس حبها، ومحبة المال الكثير قد أودعت قلوب الناس؛ لأنهم رأوا أنه السبيل إلى طلب ملاذ هذه الحياة، فلا يجد غايته من النساء إلا ذو مال، ولا غايته من إشباع الحاجات إلا ذو المال؛ ولقد قالت عائشة: (رأيت ذا المال مهيبا، ورأيت ذا الفقر مهينا) وقالت أيضا: (إن أحساب ذوى الدنيا بنيت على المال)
12. محبة المال لم تكن في أول الأمر لذات المال، ولكن لأنه ذريعة لغيره من ملاذ الحياة ومطالبها، ولكن بتوالي الأزمنة نسى كثير من الناس الغاية، واتجهوا إلى الوسيلة فصارت في ذاتها غاية، وأصبح المال يطلب لأنه غاية في ذاته، كما هو الشأن في كل وسيلة تؤدى إلى أمر محبوب مؤكد المحبة وهى مؤكدة التوصيل؛ ولذلك صار المال مطلوبا، وطلبه كالأمر الفطري ولقد قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لابتغى ثالثا، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب)، وطلب المال ليس شرا، بل قد يكون خيرا إن طلب من الطريق الحلال، وأنفق في حلال، وأعطى منه حقه، ولقد قال عليه السلام: (إن الله يحب العبد التقى الغنى الخفي)
13. النوع الرابع: الخيل المسومة، ومعناها المعلمة بعلامة تجعلها مرموقة حسنة المنظر، تجتلب الأنظار، وقيل المسومة: الراعية، والخيل من مفاخر الناس، ومن أدوات القتال، وكانت عزا للعربى؛ ولقد ذكر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم أن في نواصيها الخير، كما أشرنا من قبل؛ وقد روى أبو هريرة أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: (الخيل ثلاثة: لرجل ذكر، ولرجل ستر، ولرجل وزر) فهي ذكر لمن كان يقتنيها للجهاد في سبيل الله، وستر لمن يقتنيها ويربيها ويبيع من نتاجها ما يستر به حاله ويرد غائلة الفقر، ووزر لمن يقتنيها ويفاخر بها، وكمن يسابق بها في قمار أو ما يشبه القمار، والخيل في أصل طلبها كانت لأنها أداة الحرب، ومن عدة القتال، ثم صارت هي مطلبا يقتنى لذاته، ويرغب فيه.
14. النوع الخامس: الأنعام، وهى الإبل والبقر والغنم، وهى تكون في حاجات الإنسان، ويتخذ منها مركبا وزينة ومطعما؛ قال تعالى: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ﴾ [النحل]
15. النوع السادس: الحرث، وهو الزرع والغراس؛ لأن الحرث معناه إثارة الأرض ووضع البذر أو الغراس فيها، فأطلق السبب وأريد المسبب، والزرع والشجر منهما يؤخذ ملبس الإنسان وطعامه وأدوات زينته.
16. هذه إشارات إلى متع الحياة التي ذكرها النص القرآني الحكيم، ويلاحظ أن القرآن الكريم اقتصر على ذكر هذه الأمور مع أن في الحياة متعا حلالا غيرها.
17. سؤال وإشكال: لما ذا اختصها بالذكر؟ والجواب: ذكرها لأنها أوضح من غيرها، ومجمع على طلبها، ولأن فيها إشارة إلى أنواع المتع كلها:
أ. فذكر النساء فيه إشارة إلى متعة الصلة التي تربط بين الرجل والمرأة، سواء أكانت متعة جسدية أم كانت متعة روحية، وإشارة إلى الأسرة التي هي قوام المجتمع.
ب. وذكر البنين فيه إشارة إلى بقاء النوع الإنساني والعزة بالقبيلة والعشيرة والجنس والأرومة.
ج. وذكر المال فيه إشارة إلى الحاجات الإنسانية والنظم الاقتصادية التي يعد المال أساسها وعصبها.
د. وذكر الخيل المسومة فيه إشارة إلى الكفاح في نصرة الحق، والجهاد في سبيل الله، وأنه لا يحمى الجماعة إلا قوة مسلحة، كما قال تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تُظْلَمُونَ﴾ [الأنفال]
هـ. وفي ذكر الأنعام والحرث إشارة إلى أصول الإنتاج الطبعي الذي هو مادة الاقتصاد الأولى.
18. ذكر هذه الأمور الستة يومئ إلى سائر متع الحياة؛ ولذلك اعتبرها الله سبحانه متع الحياة فقال: ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي هذه الأمور التي حببت إلى النفوس هي متاع الحياة الدنيا، وموضع النفع والانتفاع فيها، وهى موضع الزينة ومطلب الناس الذي يستمتعون به ويرغبون فيه، ولكن عليهم في طلبها والسعي إليها واللجاجة في طلبها أن يلاحظوا ربهم؛ وأن يطلبوا ما عنده؛ ولذا قال سبحانه: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ أي أن الله جل جلاله وهو المستحق للألوهية وحده عنده حسن المرجع، فإن المآب معناه المرجع، من آب يئوب بمعنى رجع.
19. في ذكر هذه الجملة السامية في هذا المقام إشارة إلى أن هذه الأمور مع أنها متع هي موضع حساب، فإن اعتدلوا في طلبها وقصدوا إليها من طريقها الحلال وأجملوا في الطلب كانت موضع ثواب، وإن طلبوها من غير حلها، ولم يعطوا حقها، فإنها تؤدى إلى العقاب، وفي هذا الذكر إشارة إلى وجوب الاعتدال فى طلبها، فما يعاقب عليه هو الإسراف والإفحاش، وأن ينسى بها ربه وحقه فيها، حتى تلهيه عن ذكر الله، وعن حق الله، وأيضا ففيه إشارة إلى أن عند الله نعيما آخر أعلى وأعظم.
__________
(1) زهرة التفاسير: 3/1131.
(2) قدّم لهذا بقوله: لنذكر هذه الأمور الستة، وهى مرتبة مراتب بترتيب القرآن الكريم
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. زين مبني للمجهول، وقد اختلف المفسرون في فاعل التزيين من هو؟ فمنهم من قال انه الله، وقال آخرون: بل هو الشيطان، والصحيح ان الله سبحانه أنشأ الإنسان على طبيعة تميل إلى اللذائذ والرغبات.. والشيطان يوسوس ويحسّن للإنسان الأعمال القبيحة، ويقبّح له الأعمال الحسنة، وحب النساء والبنين والمال ليس قبيحا في ذاته، والله سبحانه لم يحرّم شيئا من هذه الأنواع الستة، ولم يرد بهذه الآية التنفير منها.. كيف؟ وهو القائل: ﴿قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾، ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾.. وقال الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلم: أحب من دنياكم ثلاثا: الطيب والنساء وقرة عيني الصلاة!؟.
2. المراد بالشهوات هنا الأشياء المرغوب فيها التي يشتهيها الإنسان، ويشعر بالغبطة والسعادة إذا حصل عليها، كما يريد.
3. سؤال وإشكال: ان الشهوة تتضمن معنى الحب، كما ان الحب يتضمن معنى الشهوة، وعليه يكون معنى الآية ان الناس يحبون الحب، ويشتهون الشهوة، ومثل هذا ليس بمستقيم، وكلام الله يجب أن يحمل على أحسن المحامل؟، والجواب: ان حب الإنسان للشيء على نوعين:
أ. الأول أن يحبه، ولا يحب ان يحبه، أي انه يود من أعماق نفسه لو انقلب حبه لهذا الشيء كرها وبغضا، كمن اعتاد على مشروب ضار، وهذا يوشك أن يرجع عن حبه يوما.
ب. الثاني: ان يحب الشيء، وهو راض، ومغتبط بهذا الحب، كمن اعتاد على فعل الخير، قال تعالى حكاية عن سليمان: ﴿إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ﴾، وهذا أقصى درجات الحب، وصاحبه لا يكاد يرجع عنه.
4. القناطير المقنطرة كناية عن الكثرة، وفي الحديث: لو كان لابن آدم واديان من ذهب لتمنى لهما ثالثا، ولا يملأ جوفه إلا التراب.. اما الخيل المسومة فقيل: هي الراعية من السوم، وقيل: المعلّمة بالزينات، والأرجح انها المطهمة الحسان، وبديهة ان زمن الخيل قد ولّى، وجاء زمن السيارة والطيارة.
5. المراد بالانعام الإبل والبقر والغنم.. وهذه أيضا قد ذهب التكاثر والتفاخر بها، وجاء زمن المصانع وناطحات السحاب.. والحرث الزرع على اختلاف أنواعه.
6. حب الثلاثة: النساء والبنين والأموال لا يختص بعصر دون عصر، بل هي شهوة كل النفوس في كل عصر، أما حب الخيل والانعام والحرث فقد خصها الله بالذكر لأنها كانت مثلا أعلى للرغائب في ذاك العصر.
7. أطال كثير من المفسرين، ومنهم الرازي وصاحب المنار، في ذكر ما لكل واحد من الأنواع الستة من اللذة والمتعة.. ولكنهم أتوا بالبديهيات التي يعرفها ويحسها الجميع، لذا لم نشغل أنفسنا والقارئ بها.. ورأينا من الأفضل ان نتكلم عن السعادة في الفقرة التالية.
8. يرى بعض المؤلفين ان السعادة تتم للإنسان إذا توافرت له هذه الأركان الأربعة: الصحة، والزوجة الملائمة، والمال الذي يسد الحاجة، والجاه الذي يحفظ الكرامة.. وأحسب ان صاحب هذا الرأي قد نظر إل السعادة من خلال نفسه وحاجته، لا من خلال الواقع.. وإلا فأين الشعور بمشاكل العالم، وآلام الناس؟، وأين الخوف من الوقوع في الأخطاء، ومن سوء العاقبة والمصير؟ وأين حملات الكذب والتشهير؟، إلى ما لا نهاية من الهموم التي تتكدس وتتراكم على القلب.
9. الحق ان السعادة المطلقة في كل شيء وسائر الأحوال لم تتحقق لإنسان، وأحسب انها لن تتحقق إلا في غير هذه الحياة.. أما السعادة نسبيا وآنيا فقد مرت بكل انسان، ولو في عهد طفولته.. ومن المفيد أن نوضح السعادة النسبية بالبيان التالي: ان للاستمتاع بالحياة مظاهر شتى، منها التمتع بالربيع والأشجار، والشلالات والأنهار، ومنها تذوق الشعر والفن، ومنها الاطمئنان والخلود إل الزوجة والصديق، ومنها التلذذ بالحديث والمطالعة، إلى غير ذلك من المتع واللذائذ الروحية.
10. من مظاهر المتع المادية النساء والمال والبنون، أما الخيل والانعام والحرث فتدخل في المال، لأنها من جملة أقسامه وأفراده، تماما كالذهب والفضة، ولكن هذه اللذائذ والرغائب بشتى مظاهرها لا تحقق السعادة المطلقة للإنسان، لأن الدنيا لا تصفو لأحد من جميع الجهات.. فان كان في يسر من العيش شكا الأمراض والاسقام، وان جمع بين الصحة والثراء شكا من بيته أو أرحامه؛ قال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (وان جانب منها اعذوذب واحلولى أمرّ منها جانب فأوبى، لا ينال امرؤ من غضارتها رغبا إلا أرهقته من نوائبها تعبا)
11. أما السعادة النسبية، أي في حال دون حال، فلا يخلو منها إنسان، وخير مثال يوضح هذه السعادة ما قرأته في بعض الكتب، قال صاحب الكتاب: (خرجت عائلة إل النزهة، فيها نساء وأطفال، وعم وخال، وأب وجد، ولما بلغوا جميعا المتنزه تقلب طفل على العشب، ونضد آخر عقودا من الأقحوان، وصنعت الأم شطيرة وسندويش، ونهش العم تفاحة ذات ماء، وأدار الخال اسطوانة على الحاكي، وتمدد الأب على الثرى، يتطلع إلى قطيع من الغنم، واستغرق الجد في تدخين غليونه)، ان كل واحد من هؤلاء استشعر الغبطة من نفسه، ولكن في هذا الحال، لا في سائر الأحوال، لأن الحكمة الإلهية قضت أن لا توجد هذه السعادة إلا في الحياة الآخرة.. ولأجل هذا قال عز من قائل بعد ذكر النساء والبنين والأموال: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ﴾، ورأيت رواية عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام تعتبر التوفيق الإلهي ركنا من الأركان الأساسية للسعادة، وقد أدركت هذه الحقيقة بالحس والتجربة.
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/20.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾ الآية وما يتلوها بمنزلة البيان وشرح حقيقة الحال لما تقدم من قوله تعالى آنفا: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾ الآية إذ يظهر منه أنهم يعتقدون الاستغناء بالأموال والأولاد من الله سبحانه فالآية تبين أن سبب ذلك أنهم انكبوا على حب هذه المشتهيات وانقطعوا إليها عن ما يهمهم من أمر الآخرة، وقد اشتبه عليهم الأمر فإن ذلك متاع الحياة الدنيا، ليس لها إلا أنها مقدمة لنيل ما عند الله من حسن المآب مع أنهم غير مبدعين في هذا الحب والاشتهاء ولا مبتكرون بل مسخرون بالتسخير الإلهي بتغريز أصل هذا الحب فيهم ليتم لهم الحياة الأرضية فلولا ذلك لم يستقم أمر النوع الإنساني في حيوته وبقائه بحسب ما قدره الله سبحانه من أمرهم حيث قال: ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ﴾
2. إنما قدر لهم ذلك ليتخذوها وسيلة إلى الدار الآخرة ويأخذوا من متاع هذه ما يتمتعون به في تلك لا لينظروا إلى ما في الدنيا من زخرفها وزينتها بعين الاستقلال وينسوا بها ما وراءها، ويأخذوا الطريق مكان المقصد في عين أنهم سائرون إلى ربهم، قال تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا﴾
3. إلا أن هؤلاء المغفلين أخذوا هذه الوسائل الظاهرة الإلهية التي هي مقدمات وذرائع إلى رضوان الله سبحانه أمورا مستقلة في نفسها محبوبة لذاتها وزعموا أنها تغني عنهم من الله شيئا فصارت نقمة عليهم بعد ما كانت نعمة ووبالا بعد ما كانت مثوبة مقربة، قال تعالى: ﴿إِنَّمَا مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ وَالْأَنْعَامُ حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ﴾ إلى أن قال ﴿وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا مَكَانَكُمْ أَنْتُمْ وَشُرَكَاؤُكُمْ فَزَيَّلْنَا بَيْنَهُمْ﴾ إلى أن قال ﴿وَرُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلَاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾ تشير الآيات إلى أمر الحياة وزينتها بيده تعالى لا ولي لها دونه لكن الإنسان باغتراره بظاهرها يظن أن أمرها إليه، وأنه قادر على تدبيرها وتنظيمها فيتخذ لنفسه فيها شركاء ـ كالأصنام وما بمعناها من المال والولد وغيرهما، إن الله سيوقفه على زلته فيذهب هذه الزينة، ويزيل الروابط التي بينه وبين شركائه، وعند ذلك يضل عن الإنسان ما افتراه على الله من شريك في التأثير ويظهر له معنى ما علمه في الدنيا وحقيقته، ورد إلى الله مولاه الحق.
4. هذا التزين أعني: ظهور الدنيا للإنسان بزينة الاستقلال وجمال الغاية والمقصد لا يستند إلى الله سبحانه فإن الرب العليم الحكيم أمنع ساحة من أن يدبر خلقه بتدبير لا يبلغ به غايته الصالحة، وقد قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ بَالِغُ أَمْرِهِ﴾، وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾، بل إن استند فإنما يستند إلى الشيطان قال تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾
5. نعم لله سبحانه الإذن في ذلك ليتم أمر الفتنة، وتستقيم التربية كما قال تعالى: ﴿أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾، وعلى هذا الإذن يمكن أن يحمل قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾، وإن أمكن أيضا أن يحمل على ما مر من معنى التزيين المنسوب إليه تعالى في قوله تعالى: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، وبالجملة التزيين تزيينان:
أ. تزيين للتوسل بالدنيا إلى الآخرة وابتغاء مرضاته في مواقف الحياة المتنوعة بالأعمال المختلفة المتعلقة بالمال والجاه والأولاد والنفوس، وهو سلوك إلهي حسن، نسبه الله تعالى إلى نفسه كما مر من قوله: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾ الآيات، وكقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾
ب. وتزيين لجلب القلوب وإيقافها على الزينة وإلهائها عن ذكر الله وهو تصرف شيطاني مذموم، نسبه الله سبحانه إلى الشيطان، وحذر عباده عنه كما مر من قوله تعالى: (﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ الآية، وقوله تعالى فيما يحكيه من قول الشيطان: ﴿قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ﴾ ﴿لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿زُيِّنَ لَهُمْ سُوءُ أَعْمَالِهِمْ﴾، إلى غير ذلك من الآيات، وهذا القسم ربما نسب إليه تعالى من حيث إن الشيطان وكل سبب من أسباب الخير أو الشر إنما يعمل ما يعمل ويتصرف في ملكه ما يتصرف بإذنه لينفذ ما أراده وشاءه، وينتظم بذلك أمر الصنع والإيجاد، ويفوز الفائزون بحسن إرادتهم واختيارهم، ويمتاز المجرمون.
6. بما مر من البيان يظهر أن المراد من فاعل التزيين المبهم في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية ليس هو الله سبحانه فإن التزيين المذكور وإن كان له نسبة إليه تعالى سواء كان تزيينا صالحا لأن يدعو إلى عبادته تعالى وهو المنسوب إليه بالاستقامة أو تزيينا ملهيا عن ذكره تعالى وهو المنسوب إليه بالإذن، لكن لاشتمال الآية على ما لا ينسب إليه مستقيما كما يجيء بيانه كان الأليق بأدب القرآن أن ينسب إلى غيره تعالى كالشيطان أو النفس.
7. من هنا يظهر صحة ما ذكره بعض المفسرين: أن فاعل زين هو الشيطان لأن حب الشهوات أمر مذموم، وكذا حب كثرة المال مذموم، وقد خص تعالى بنفسه ما ذكره في آخر الآية وفي ما يتلوها، ويظهر به فساد ما ذكره بعضهم: أن الكلام في طبيعة البشر والحب الناشئ فيها ومثله لا يسند إلى الشيطان بحال وإنما يسند إليه ما هو قبيل الوسوسة التي تزين للإنسان عملا قبيحا، قال: (ولذلك لم يسند إليه القرآن إلا تزيين الأعمال، قال تعالى: (﴿وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾، وقال: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وأما الحقائق وطبائع الأشياء فلا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له، قال عز وجل: (﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾ وقال: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ فالكلام في الأمم كلام في طبائع الاجتماع).. ووجه الفساد:
أ. أنه وإن أصاب في قوله: إن الحقائق وطبائع الأشياء لا تسند إلا إلى الخالق الحكيم الذي لا شريك له لكنه أخطأ في قوله: إن الكلام في طبيعة البشر وما ينشأ منها بحسب الطبع، وذلك أن السورة كما علمت في مقام بيان أن الله سبحانه هو القيوم على خلقه في جميع ما هم عليه من الخلق والتدبير والإيمان والكفر والإطاعة والعصيان، خلق الخلق وهداهم إلى سعادتهم، وأن الذين نافقوا في دينه من المنافقين أو كفروا بآياته من الكافرين أو بغوا بالاختلاف في كتابه من أهل الكتاب، وبالجملة الذين أطاعوا الشيطان واتبعوا الهوى ليسوا بمعجزين لله غالبين عليه مفسدين لقيمومته بل الجميع راجع إلى قدره وتدبيره أمر خلقه في تحكيم ناموس الأسباب لتقوم بذلك سنة الامتحان فهو الخالق للطبائع وقواها وميولها وأفعالها لتسلك بها إلى جوار ربها جوار القرب والكرامة، وهو الذي أذن لإبليس ولم يمنعه من الوسوسة والنزعة ولم يمنع الإنسان من اتباعه باتباع الهوى ليتم أمر الامتحان وليعلم الله الذين آمنوا ويتخذ منهم شهداء، وإنما بين ذلك في هذه السورة ليتسلى بذلك نفوس المؤمنين، ويطيب بذلك قلوبهم بما هم عليه عند نزول السورة من العسرة والشدة والابتلاء من الداخل بنفاق المنافقين وجهالة الذين في قلوبهم مرض بإفساد الأمور وتقليبها عليهم، والتقصير في طاعة الله ورسوله، ومن الخارج بالدعوة الشاقة الدينية، ووثوب الكفار من العرب عليهم من جانب، وأهل الكتاب واليهود منهم خاصة من جانب آخر، وتهديد الكفار كالروم والعجم بالقوة والعدة من جانب آخر، وهؤلاء الكافرون ومن يحذو حذوهم اشتبه عليهم الأمر في الركون إلى الدنيا وزخارفها حيث أخذوها غاية وهي مقدمة والغاية أمامها.
ب. فالسورة كما ترى تبحث عن طبائع الأمم لكن بنحو وسيع يشمل جهات خلقهم وتكوينهم وجميع ما يتعقب ذلك في مسير حيوتهم من الخصائل وأعمال السعادة والشقاوة والطاعة والمعصية فتبين أن ذلك كله تحت قيمومته تعالى لا يقهر في قدرته، ولا يغلب في أمره لا في الدنيا ولا في الآخرة أما في الدنيا فإنما هو إذن وامتحان، وأما في الآخرة فإنما هو الجزاء إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
ج. وكذلك الآيات أعني قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ﴾ إلى تمام تسع آيات في مقام بيان أن الكفار وإن كذبوا آيات ربهم وبدلوا نعم الله التي أنعمها عليهم ليتوسلوا بها إلى رضوانه وجنته فركنوا واعتمدوا عليها واستغنوا بها عن ربهم، ونسوا مقامه ليسوا بمعجزين ولا غالبين فسيأخذهم الله بنفس أعمالهم، ويؤيد عباده المؤمنين عليهم وسيحشرهم إلى جهنم وبئس المهاد، وهم مع ذلك غالطون في الركون إلى ما ليس إلا متاعا في الحياة الدنيا وعند الله حسن المآب، فالآيات أيضا تبحث عن طبيعة الكفار لكن بنحو وسيع يشمل الصالح والطالح من أعمالهم.
د. على أن الآية التي ذكرها هذا القائل مستشهدا بها على أن الحقائق لا تسند إلا إلى الله وإنما يسند إلى الشيطان الأعمال أعني قوله تعالى: (﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ يدل بما حف عليه من القرائن على خلاف ذلك ويؤيد ما ذكرناه وهو قوله تعالى: ﴿وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، وهو ظاهر.
8. كذا يظهر فساد ما ذكره بعضهم: أن التزيين على قسمين محمود ومذموم والأعمال نوعان حسنة وسيئة، وإنما يسند إلى الله سبحانه ما هو منها محمود ممدوح حسن، والباقي للشيطان، وهو وإن كان حقا من وجه ولكنه إنما يصح في النسبة المستقيمة التي يعبر عنه بالفعل ونحوه فالله سبحانه لا يفعل إلا الجميل، ولا يأمر بالسوء والفحشاء، وأما النسبة غير المستقيمة وبالواسطة التي يعبر عنه بالإذن ونحوه فلا مانع عنها، ولولا ذلك لم يستقم ربوبيته لكل شيء، وخلقه لكل شيء، وملكه لكل شيء، وانتفاء الشريك عنه على الإطلاق، والقرآن مشحون من هذه النسبة كقوله تعالى: ﴿يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ﴾، وقوله: ﴿أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾، وقوله: ﴿اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ وَيَمُدُّهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ﴾، وقوله: ﴿أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا﴾، إلى غير ذلك من الآيات، ولم ينشأ خطؤهم هذا إلا من جهة ما قصروا في البحث عن روابط الأشياء وآثارها وأفعالها فحسبوا كل واحد من هذه الأمور الموجودة أمرا مستقل الوجود منقطع الذات عما يحتف به من مجموعة الأشياء وقبيل المصنوعات وما يتقدم عليها وما يتأخر عنها، ولزم ذلك أن يضعوا الحوادث التي هي نتائج تفاعل الأسباب والعلل على ما فطرها الله عليه في مسير السببية متقطعة متفرقة غير متصلة ولا مرتبطة فكانت كل حادثة حدثت عن أسبابها وكل فعل فعله فاعله منقطع الوجود عن غيره مملوكا لصاحبه ليس لغير سببه المتصل به فيه نصيب ولا في حدوثه حظ، فأجرام تدور، وبحر تسري وفلك تجري، وأرض تقل، ونبات ينبت، وحيوان يدب، وإنسان يعيش ويكدح لا التيام روحي معنوي يجمعها ولا وحدة جسمية من المادة وقوتها: توحدها، ثم تعقب ذلك أن يظنوا نظير هذا الانفصال والتلاشي بين عناوين الأعمال وصور الأفعال من خير وشر، وسعادة وشقاوة، وهدى وضلال، وطاعة ومعصية وإحسان وإساءة، وعدل وظلم، وغير ذلك فكانت غير مرتبطة الوجود ولا متشابكة التحقق:
أ. وقد ذهلوا عن أن هذا العالم بما يشتمل عليه من أعيان الموجودات وأنواع المخلوقات مرتبط الأجزاء متلائم الأبعاض، يتبدل جزء منه إلى جزء، ويتحول بعضه إلى بعض، فيوما إنسان، ويوما نبات، ويوما جماد، ويوما جمع، ويوما فرق، وحيوة البعض بعينها ممات الآخر، وكون الجديد منه فساد للقديم بعينه.
ب. وكذلك الحوادث الجارية مرتبطة ارتباط حلقات السلسلة أي وضع فرض لواحدة منها مؤثر في أوضاع ما يقارنها وما يتقدمها إلى أقدم العهود المفروضة للعالم الطبيعي كالسلسلة التي تنجر بجر الحلقة منها جميع الحلقات وهو السلسلة فأدنى تغير مفروض في ذرة من ذرأت هذا العالم يوجب تغير الحال في الجميع، وإن عزب عن علمنا وإدراكنا أو خفي عن إحساسنا فعدم العلم لا يستلزم عدم الوجود، فهذا مما بينت في الأبحاث العلمية منذ القديم، وأوضحته الأبحاث الطبيعية والرياضية اليوم أتم إيضاح، ولقد كان القرآن ينبئنا بذلك أحسن الإنباء قبل أن نأخذ في هذه الأبحاث من فلسفيها وطبيعيها ورياضيها بالنقل عن كتب الآخرين ثم بالاستقلال في البحث، وذلك بما يذكر من اتصال التدبير في الآيات السماوية والأرضية، وارتباط ما بينها، ونفع بعضها في بعض، واشتراك الجميع في إقامة غرض الخلقة، ونفوذ القدر في جميعها والسلوك إلى المعاد، وأن إلى ربك المنتهى.
ج. وكذلك أوصاف الأفعال وعناوين الأعمال مرتبطة الأطراف كارتباط الأمور المتقابلة المتعاندة فلولا أحد المتعاندين لم يستقم أمر الآخر كما نشاهده من أمر الصنع والإيجاد أن تكون شيء ما يحتاج إلى فساد آخر، وسبق أمر يتوقف على لحوق آخر، ولو لم يتحقق أحد الطرفين من أوصاف الأعمال لم يستقم أمر الآخر في آثاره المطلوبة منه في الاجتماع الإنساني الطبيعي، ولا في الاجتماع الإلهي الذي هو الدين الحق، فإن الإطاعة مثلا حسنة لأن المعصية سيئة، والحسنة موجبة للثواب، لأن السيئة موجبة للعقاب، والثواب لذيذ للعامل لأن العقاب مولم له، واللذة سعادة مرغوب فيها لأن الألم شقاوة مهروب عنها، والسعادة هي التي يتوجه وجوده بحسب الخلقة إليها والشقاوة هي التي يتوجه عنها، ولولا هذه الحركة الوجودية لبطل الوجود.
د. فالإطاعة ثم الحسنة ثم الثواب ثم اللذة ثم السعادة هي بحيال المعصية فالعقاب فالألم فالشقاء وإنما يظهر كل منها بخفاء ما يقابله ويحيى بموته، وكيف يمكن أن تقع دعوة إلى شيء من غير تحذير عما يخالفه؟ وكيف يمكن أن يكون خلافه ممكنا دون أن يكون واقعا بما يدعو إليه من الأغراض والميول؟.
9. تبين مما ذكرناه: أن الواجب في الحكمة أن يشتمل هذا العالم على الفساد كما يشتمل على الصلاح وعلى المعصية كما يشتمل على الطاعة على ما قدره الله في نظام صنعه وخلقه غير أن الكون والفساد في غير الأعمال وأوصافها ينسبان إلى الله سبحانه لأن الخلق والأمر له، لا شريك له وقبيل السعادة من الأعمال تنسب إليه بالهداية نسبة مستقيمة وقبيل الشقاوة منها كوسوسة الشيطان وتسليط الهوى على الإنسان وتأمير الظالمين على الناس ونحو ذلك ينسب إليه تعالى بالإضلال والإخزاء والخذلان ونحوها نسبة غير مستقيمة، وهي التي يعبر عنها بالإذن فيقال: إنه تعالى أذن للشيطان أن ينزع بالوسوسة والتسويل، ولم يمنع الإنسان أن يتبع الهوى، ولم يضرب بين الظالم وما يريده من الظلم بحجاب لأن السعادة والشقاوة مبنيتان على الاختيار، فمن سعد فباختياره، ومن شقي فباختياره، ولولا ذلك لم تتم الحجة، ولم تجر سنة الاختيار والامتحان.
10. لم يمنع هؤلاء الباحثين عن الاسترسال في هذه المباحث إلا استيحاشهم من وخيم نتائجها بزعمهم، فأما المجبرة منهم فزعموا أن لو قالوا بارتباط الأشياء وضرورة تأثير الأسباب واعترفوا بذلك لزمهم الإيجاب في جانب الصانع تعالى وسلب قدرته المطلقة على التصرف في مصنوعاته، وأما غيرهم فزعموا أن لو أذعنوا بذلك في مرحلة الأعمال وأسندوها إلى إرادته وقدره تعالى لزمهم القول بالإيجاب والإجبار في جانب المصنوع وهو الإنسان، وببطلان الاختيار يبطل الثواب والعقاب، والتكليف والتشريع، مع أنهم كان يسعهم أن يستأنسوا من غير استيحاش بكلامه تعالى حيث يقول: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ ويقول: ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾ ويقول: ﴿لله مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، على أنها وما يماثلها آيات تعطي البرهان في ذلك، وقد تقدمت نبذة من هذا البحث في الكلام على قوله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا﴾
11. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الظاهر أن فاعل زين غيره تعالى وهو الشيطان أو النفس:
أ. أما أولا فلأن المقام مقام ذم الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال والأولاد واستغنائهم بتزينها لهم عن الله سبحانه، والأليق بمثل هذه الزينة الصارفة عن الله الشاغلة عن ذكره أن لا ينسب إليه تعالى.
ب. وأما ثانيا: فلأنه لو كان هذا هو التزيين المنسوب إليه تعالى لكان المراد به الميل الغريزي الذي للإنسان إلى هذه الأمور فكان الأنسب في التعبير أن يقال: زين للإنسان أو لبني آدم ونحوها كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ الآية: الأسرى ـ 70، وأما لفظ الناس فالأعرف منه أن يستعمل في الموارد التي فيها شيء من إلغاء الميز أو حقارة الشخص ودناءة الفكر نحو قوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾: الأسرى ـ 89، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ وغير ذلك.
ج. وأما ثالثا: فلأن الأمور التي عدها تعالى بيانا لهذه الشهوات لا تناسب التزيين الفطري إذ كان الأنسب عليه أن يبدل لفظ النساء بما يؤدي معنى مطلق الزوجية، ولفظ البنين ب الأولاد، ولفظ القناطير المقنطرة، بالأموال فإن الحب الطبيعي موجود في النساء بالنسبة إلى الرجال كما هو موجود في الرجال بالنسبة إلى النساء، وكذا هو مغروز في الإنسان بالنسبة إلى مطلق الأولاد ومطلق الأموال دون خصوص البنين وخصوص القناطير المقنطرة، ولذلك اضطر القائل بكون فاعل زين هو الله سبحانه أن يقول: إن المراد حب مطلق الزوجية ومطلق الأولاد ومطلق الأموال وإنما ذكرت النساء والبنين والقناطير لكونها أقوى الأفراد وأعرفها ثم تكلف في بيان ذلك بما لا موجب له.
د. وأما رابعا: فلأن كون التزيين هو المنسوب إلى الله سبحانه لا يلائم قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾، فإن ظاهره أنه كلام موضوع لصرفهم عن هذه الشهوات الدنيوية وتوجيه نفوسهم إلى ما عند الله من الجنان والأزواج والرضوان، ولا معنى للصرف عن المقدمة إلى ذي المقدمة فإن في ذلك مناقضة ظاهرة وإبطالا للأمرين معا كالذي يريد الشبع ويمتنع عن الأكل.
12. سؤال وإشكال: الآية أعني قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ الآية بحسب الملخص من معناها مساوقة لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، ولازم انطباق المعنى أن يكون فاعل التزيين في هذه الآية أيضا هو الله سبحانه، والجواب: بين الآيتين فرق من حيث المقام: فإن المقام فيما نحن فيه: مقام ذم هذه الشهوات المحبوبة للناس لصرفها وإلهائها الناس عما لهم عند الله، وحثهم على الإعراض عنها والتوجه إلى ما عند الله سبحانه بخلاف تلك الآية فإنها مسوقة لبيان أن هذه النعم زينت للإنسان وأنها للمؤمنين في هذه الدنيا بالاشتراك في الدنيا وبالاختصاص في الآخرة، ولذلك بدل لفظ الناس هناك بلفظ العباد، وعدت هذه الزينة رزقا طيبا.
13. سؤال وإشكال: إن التزيين علق في الآية على حب الشهوات دون نفس الشهوات، ومن المعلوم أن تزيين الحب للإنسان وجذبه لنفسه وجلبه لقلبه أمر طبيعي وخاصة ذاتية له فيئول معنى تزيين الحب للناس إلى جعل الحب مؤثرا في قلوبهم أي خلق الحب في قلوبهم، ولا ينسب الخلق إلا إلى الله سبحانه فهو الفاعل في قوله: زين، والجواب: لازم ما ذكرناه من القرائن أن يكون المراد بتزيين الحب جعل الحب بحيث يجذب الناس إلى نفسه ويصدهم عن غيره فإن الزينة هي الأمر المطلوب الجالب الذي ينضم إلى غيره ليجلب الإنسان إلى ذلك الغير بتبع جلبه إلى نفسه كما أن المرأة تتزين بضم أمور تستصحب الحسن والجمال إلى نفسها ليقصدها الرجل بها فالمقصود هو بالحقيقة تلك الأمور والمنتفع من هذا القصد هي المرأة، وبالجملة فيئول معنى تزيين الحب للناس إلى جعله في أعينهم بحيث يؤدي إلى التوله فيه والولوع في الاشتغال به لا أصل تأثير الحب كما هو الظاهر من معنى قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾، ويؤيد هذا المعنى ما سيأتي من الكلام في العد الواقع في قوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ﴾، على أن لفظ الشهوات ربما لم يخل عن الدلالة بالشغف والولوع وإن كان بمعنى المشتهيات.
14. ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ الآية، النساء جمع لا واحد له من لفظه، والبنين جمع ابن وهو ذكور الأولاد بواسطة أو بلا واسطة، والقناطير جمع قنطار وهو ملء مسك ذهبا أو هو المسك المملوء، والمقنطرة اسم مفعول مشتق من القنطار وهو جامد، وهذا من دأبهم يعتبرون في الجوامد شيئا من النسب يكسب بها معنى مصدريا ثم يشتقون منه المشتقات كالباقل والتامر والعطار لبائع البقل والتمر والعطر، وفائدة توصيف الشيء بالوصف المأخوذ من لفظه تثبيت معناه له، والتلميح إلى أنه واجد لمعنى لفظه غير فاقدة كما يقال: دنانير مدنرة ودواوين مدونة، ويقال: حجاب محجوب وستر مستور، والخيل: هو الأفراس، والمسومة مأخوذة من سامت الإبل سوما بمعنى ذهبت لترعى فهي سائمة، أو من سمت الإبل في المرعى وأسمتها وسومتها بمعنى أعلمتها، فالخيل المسومة إما المرسلة للرعي أو المعلمة، والأنعام جمع نعم بفتحتين وهو الإبل والبقر والغنم، والبهائم أعم منه ويطلق على غير الوحش والطير والحشرات، والحرث هو الزرع وفيه معنى الكسب وهو تربية النبات أو النبات المربي للانتفاع به في المعاش.
15. بناء التعداد في الآية ليس على تكثر حب الشهوات بحسب تكثر المشتهيات أعني متعلقات الشهوة بمعنى أن الإنسان بحسب طبعه يميل إلى الأزواج والأولاد والمال حتى يتكلف في توجيه التعبيرات الواقعة في الآية كالتعبير عن الإنسان بالناس والتعبير عن الأولاد بخصوص البنين، والتعبير عن المال بالقناطير المقنطرة (إلخ) بما تكلف به جمع من المفسرين، بل على كون الناس أصنافا في الشغف والولوع بمشتهيات الدنيا فمن شهواني لا هم له إلا التعشق بالنساء وغرامهن والتقرب إليهن والأنس بصحبتهن، ويستصحب ذلك أذنابا من وجوه الفساد ومعاصي الله سبحانه كاتخاذ المعازف والأغاني وشرب المسكرات وأمور أخر غيرهما، وهذا مما يختص بالرجال عادة، ولا يوجد في النساء إلا في غاية الشذوذ، ومن محب للبنين والتكاثر والتقوي بهم كما يوجد غالبا في أهل البدو، ويختص أيضا بالبنين دون البنات، ومن مغرم بالمال أكبر همه أن يقنطر القناطير، ويملأ المخازن من وجوه النقد، وظهور هذا الجنون أيضا في جمع المال إنما هو في وجوه النقد من الذهب والفضة أو ما يتقوم بهما دون أمثال الأثاث إلا أن يراد لأجلهما بوجه، ويوجد غالبا في الحاضر دون البادي، أو أن المختار عنده اتخاذ الخيل المسومة كالمغرمين بالفروسة وأمثالهم أو اتخاذ الماشية من الأنعام، أو يستحب الحرث، وربما يجتمع البعض من هذه الثلاثة الأخيرة مع البعض وربما تفترق.
16. هذه أقسام الشهوات التي ينسل الناس إليها صنفا صنفا بالتعلق بواحد منها وجعله أصلا في اقتناء مزايا الحياة، وجعل غيره فرعا مقصودا بالقصد الثاني، وقلما يوجد (أو لا يوجد أصلا) في الناس من ساوى بين جميعها، وقصد الجميع قصدا أولا معتدلا، وأما مثل الجاه والمقام والصدارة ونحوها فهي جميعا أمور وهمية بالحقيقة إنما تتعلق الرغبة إليها بالقصد الثاني لا يعد الالتذاذ بها التذاذا شهويا، على أن الآية ليست في مقام حصر الشهوات، ومن هنا يتأيد ما تقدمت الإشارة إليه من أن المراد بحب الشهوات التوغل والانغمار في حبها (وهو المنسوب إلى الشيطان) دون أصل الحب المودع في الفطرة (وهو المنسوب إلى الله سبحانه)
17. ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، أي هذه الشهوات أمور يتمتع بها لإقامة هذه الحياة التي هي أقرب الحياتين منكم (وهما الحياة الدنيا والحياة الأخرى)، والحياة الدنيا وكذا المتاع الذي يتمتع به لها أمر فان داثر ليس لها عاقبة باقية صالحة، وصلاح العقبى وحسن المآب إنما هو عند الله سبحانه وهو قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/96.
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ﴾ أصل حب الشهوات المذكورة طبيعي، ولكنه يقلّ بأسباب الزهد في الدنيا حتى يغلبه العقل، ويكثر ويتربى بطول الأمل والغفلة أو الجهل بما يؤدي إليه و﴿حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ هوى النفس في المشتهيات، وهو الخطر على الدين، ولذلك قال تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾ [النازعات:40 ـ 41] وقال تعالى: ﴿وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص:26] فمن حق العاقل العارف بخطره أن ينفر منه ولا يراه حسناً جميلاً، ولكن أكثر الناس يجهلون عواقبه، أو يغفلون عنها فيرونه حسناً لما يترتب عليه من اللذات العاجلة والأغراض النفسية فذلك تزيينه.
2. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ﴾ في (تفسير الإمام زيد بن علي عليهما السلام): (واحدها قنطار، فالقنطار: ألف ومائتا أوقية، والقنطار: مائة رطل، والقنطار: ألف دينار، ومن الورِق اثنا عشر ألفاً مثل الدية)، و﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ المجمّعة المؤلفة من قناطير.
3. ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ في (تفسير الإمام زيد عليهما السلام): (معناه: المعلمة المسماة)، وفيها تفاسير مختلفة، و﴿الْمُسَوَّمَةِ﴾ بهذا المعنى تكون العلامات عليها والأسماء، دليلاً على فضلها، وافتخار أهلها بها، كأنهم يتحدّون بها أهل الخيل أن يأتوا بمثلها، كما يتحدى البطل في الجهاد بأخذ سِمَة على رأسه مثل عصابة حمراء أو ريشة كبيرة في عمامته، فتفسير الإمام زيد عليه السلام أوفق للسياق.
4. ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ الأزواج الثمانية لكثرة منافعها ﴿وَالْحَرْثِ﴾ لما فيه من فوائد من زرع وفواكه كثيرة، والفتنة بالحرث عظيمة لبقائه، قال تعالى: ﴿وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ﴾ [الأعراف:176]
5. ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ منفعة الحياة الدنيا المنفعة القصيرة المدة فهي تفارق صاحبها أو يفارقها بالموت ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ ﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ حسن المرجع في الآخرة، فهو أولى بأن يحبه العقلاء لأنهم يحبون تلك الأشياء لأنهم ينالون بها حاجاتهم وما يهوونه منها، و﴿حُسْنُ الْمَآبِ﴾ الجامع لكل ما تشتهيه الأنفس على أكمل وجه وعلى الدوام هو عند الله ومن الله يدعو إليه، ويَعِدُ به وعداً صادقاً، وأنت في هذه الدنيا تحب من ترجو منه حاجة تشتهيها ويعدك بها لاعتقادك أنه يريد لك الخير ويرغب في قضاء حاجتك، فكيف يؤثر الإنسان حب شهوات الدنيا على حب الله الذي يريد له الخير في الدنيا والآخرة إن اتقاه.
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/433.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ التي تجتذب الإنسان وتثيره وتأخذ بحسّه وتتحرك في طبيعته، من هذه الأشياء التي تتصل بحياته في امتدادها وشغفها ولذتها وشعورها بالامتلاء، فهي قريبة إلى حاجاته الجسدية والاجتماعية والروحية والغذائية، في أجواء الجاه الذاتي والعنفوان الإنساني.
2. ﴿مِنَ النِّسَاءِ﴾ التي تمثل حاجة الرجل إلى الشريك الآخر في إنتاج اللذة الجنسية المتفاعلة المندمجة، فذلك هو الذي يحقق له عمق الإحساس الروحي بالإضافة إلى الإحساس المادي في حركيّة الجنس الزوجي، باعتبار أن الجنس الذاتي ـ في العادة السرية مثلا ـ قد يحقق له الإحساس بالشهوة من خلال تفريغ الطاقة بطريقة ذاتية، ولكنه لا يحقق له الغيبوبة الجنسية في اللذة المضاعفة التي تلتقي فيها المشاعر الإنسانية المتفاعلة في اللهفة المشتركة، بالإحساس الجسدي المادي المتحرك في موسيقى حركة اللذة في الجسد.
3. سؤال وإشكال: إن الحديث ـ هنا ـ هو عن الناس الذين زين لهم حب الشهوات، والكلمة تشمل الرجال والنساء، فلما ذا كان الحديث عن حب الرجل للمرأة، باعتبار أنها مستودع شهوته، ولم ينطلق الحديث عن حب المرأة للرجل، باعتبار أنه مستودع شهوتها، فإن الطبيعة الإنسانية واحدة في ذلك، لا سيما أن السياق جار على الحديث عن سلبية الاستغراق في هذه الشهوات الذي يؤدي إلى الانحراف في مواجهة إيجابية التوازن فيها للانطلاق بها نحو الله والدار الآخرة مما يلتقي فيه الناس جميعا بكل أصنافهم، والجواب: قد يجاب عن ذلك، بأن الرجال هم الذين يتسلمون زمام المبادرة في تحريك هذه الشهوات في الاتجاه المنحرف في وجوده الفساد ومعاصي الله سبحانه، كاتخاذ المعازف والأغاني وشرب المسكرات وأمور غير ذلك، وهذا مما يختص بالرجال عادة، ولا يوجد في النساء إلا في غاية الشذوذ ـ على حد تعبير صاحب الميزان ـ. ولكننا نلاحظ أن المسألة لم تنطلق من خلال ملاحظة الغلبة الواقعية في حركة الشهوات بالنسبة إلى الرجال مقارنا بالنساء، بل انطلقت ـ في ظاهر السياق ـ من ملاحظة الوضع العام للناس الذين ينفتحون على الجانب المادي أو الحسيّ في الحياة، مما يجعلهم مستغرقين في الدنيا بعيدا عن الآخرة، فإذا كان الرجال يمارسون إنتاج الفساد في الواقع ـ غالبا ـ أكثر من النساء، فإن ذلك لا يبرر تخصيص الحديث بهم ـ بهذه الملاحظة ـ لأن هذا خارج عن الموضوع، أما ملاحظتنا ـ في الجواب عن السؤال ـ:
أ. فهو أن الخطاب القرآني في أغلب موارده خطاب مذكّر، باعتبار أن المجتمعات التي خاطبها الأنبياء وعاشوا معها وجادلوها وخاضوا معها الصراع في ساحة الدعوة والجهاد، هي مجتمعات الرجال، فقد كانوا هم الذين يتحركون في الساحة، فهم العنصر الفاعل في حركة الواقع، بحيث يكون الدور الطبيعي للنساء هو دور المنفعل، فالمرأة هي الإنسان المنفعل في الواقع الاجتماعي كما هي كذلك في واقع العلاقة الجسدية، الأمر الذي يجعلها إنسانا تابعا للرجل من ناحية واقعية، بعيدا عن مسألة الصواب والخطأ في ذلك، هذا من جهة.
ب. ومن جهة أخرى، فإن مجتمع الدعوة الذي نزل عليه القرآن وتحدث معه، كان لا ينسجم مع الحديث عن حب المرأة للرجل في عالم الشهوة، فقد كان ذلك مستنكرا عند الرجال والنساء معا على أساس الحياء الاجتماعي، إلا إذا كان ذلك بشكل غير مباشر في خط المسؤولية كما في قوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ﴾ [النور: 31]، أو قوله تعالى: ﴿وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، فربما كان ذلك كله هو الأساس في الحديث عن الرجال الذين هم الفئة التي تقود المجتمع في حركته في نطاق الشهوات الذاتية للإنسان وفي نطاق الرغبات والطموحات العامة، بحيث يفهم وضع المرأة بطريقة غير مباشرة، الأمر الذي يجعل توجيه الخطاب إليهم منسجما مع الواقع الإنساني في مجتمع الدعوة.
ج. وربما ذهب بعض المفسرين إلى أن السبب في الحديث عن حب الرجال للنساء دون حب النساء للرجال، هو أن الفتنة بهن أعظم ـ كما جاء في مجمع البيان ـ مستشهدا بقول النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم: (ما تركت بعدي فتنة أضرّ على الرجال من النساء)، لكننا نلاحظ على ذلك، أن فتنة النساء للرجال قد تكون في المستوى الكبير من ألوان الفتنة للرجال، ولكن ليس من الضروري أن تكون فتنة النساء بالرجال أقلّ تأثيرا في حياة المرأة في الجانب الغريزي، لا سيما إذا لاحظنا في بعض الروايات أن شهوة المرأة تزيد على شهوة الرجل بتسعة للمرأة مقابل واحدة للرجل، إلا أن درجة الحياء عندها أكبر، ولعلّ محاولات النساء إغواء الرجال ناشئ من فتنتهن بهم وانجذابهن إليهم ليحصلن ـ من خلال ذلك ـ على محبتهم وانجذابهم إليهن، وربما كان مقصود صاحب المجمع بكلامه، أن فتنتهن أعظم من الفتن الأخرى للرجال.
4. ﴿وَالْبَنِينَ﴾: ربما يراد بالكلمة الذكور من الأولاد، لأن الغالب في الرجال الآباء حب الذكور دون الإناث للاعتبارات الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية، وربما يتعقّد بعضهم من البنات للسلبيات الاجتماعية المترتبة على ذلك، وربما يراد بها الأعم من الذكور والإناث على نحو التغليب.
5. ﴿وَالْقَنَاطِيرِ﴾ وهو ـ كما قيل ـ بالإضافة إل ما تقدم في بيان المفردات، (ملء مسك ـ أي جلد ـ ذهبا) أو هو (المسك المملوء) وقيل: إنه يساوي (سبعين ألف دينار ذهبا)، وقال البعض: إنه مائة ألف دينار، وقال آخرون إنه يساوي (اثني عشر ألف درهم)، أما كلمة ﴿الْمُقَنْطَرَةِ﴾ فهي اسم مفعول دال على الكثرة والمضاعفة، كما يقال: (آلاف مؤلفة) ويقصد به الكثرة الكاثرة.
6. ﴿وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ﴾ المرسلة للرعي أو المعلّمة الموسومة بالأشكال والألوان التي تزيد في جمالها ورشاقتها، أو المدربة على فنون القتال، ﴿وَالْأَنْعَامِ﴾ وهي الإبل والبقر والغنم ﴿وَالْحَرْثِ﴾ هو الزرع.
7. هكذا تتحدث الآية عن متع الحياة المادية للناس، وهي النساء والبنون والأموال والخيل والأنعام والزرع، وهذه هي التي تستقطب اهتمامات الإنسان في الحياة الخاصة والعامة.
8. ﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ الذي يستمتع الإنسان به في بعض الوقت ثم يفارقه، فلا استمرار له في حياته، ولا جذور له في ذاته، بل هو من حاجات هذه الحياة الدنيا التي يعيش الإنسان فيها تحت تأثير ضروراته المادية، فليس فيها أيّ سموّ أو ارتفاع في درجاتها الفردية والاجتماعية، فلا ينبغي للإنسان أن يستغرق فيها ليعتبرها القيمة كلها القيمة، ولكنه يملك أن يحركها في اتجاه الله من خلال القيم الروحية والأخلاقية المنطلقة من الجذور الحقيقة للإنسان، ليرتفع بذلك عند الله في خط طاعته ليحصل على محبته ورضوانه، فيحصل بذلك على الدرجات العليا في مواقع القرب منه، لأن كل حاجات الحياة تموت وتتلاشى تماما كما يموت الجسد، ويبقى للروح في انفتاحها الفكري والعملي على الحياة من خلال الله، خلودها الروحي عنده ـ تعالى ـ ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ فهو المرجع الذي يرجع الناس إليه جميعا، فيجدون عنده ـ إذا آمنوا واتقوا وأحسنوا ـ كل الخير والسعادة والموقع الطيب الذي يعيشون فيه حسن المآب في علوّ في المنزلة والارتفاع في الدرجة، والسموّ في سبحات الروح.
9. إن الله يحدثنا عن الحياة وما تشتمل عليه مما تشتهيه النفوس في ما تلحّ عليه الغرائز وتتحفز له الأطماع، وما تحتاجه من حاجات الحياة الدنيا، فقد زيّن للإنسان ذلك كله، وتحوّل في كيانه إلى حبّ يأخذ عليه مشاعره وأحاسيسه ويدفعه إلى العمل الجاد في سبيل الحصول عليه، وربما يدخل حلبة الصراع في المعارك من أجل الوصول إلى شيء منه، فإذا تطلع الإنسان إلى الناس، فإنه سيجدهم يتسابقون في حبّ النساء، ليحصلوا على لذة الجنس، وفي حبّ البنين، ليشعروا بالقوة والامتداد لحياتهم، وفي الرغبة بالقناطير المقنطرة التي هي كناية عن الكثرة من الذهب والفضة، والخيل المسوّمة التي تتغذى بالرعي، أو التي تزيّن وتعرض بأجمل صورة، والأنعام من الإبل والغنم والبقر والزرع، وغير ذلك من متع الدنيا وشهواتها التي قد تتبدل وتتغير حسب تغير الأوضاع والأزمان، ولكن الحالة تبقى على ما هي عليه، فالإنسان الآن هو الإنسان قبل آلاف السنين في حبّه لشهوات الدنيا، وإن اختلفت أنواع الشهوات وأشكالها ووسائلها وطريقة ممارستها، فلا يزال الناس يعيشون الحاجة إلى أمثال هذه الأمور، من موقع الحاجة عند بعض، ومن موقع القيمة الكبيرة عند بعض آخر.
10. أما النظرة الإسلامية إلى ذلك، فهي التي تعبر عنها هذه الآية وما بعدها، فإن هذه الأمور لا تمثل القيمة الكبيرة التي يجعل منها الإنسان هدفا عظيما لحياته، بحيث تتحول إلى ما يشبه الرسالة التي يكافح من أجلها ويموت في سبيلها، بل هي مجرد متاع للحياة الدنيا لا يعني للإنسان إلا كما تعني الحاجة الطبيعية التي يمارسها ممارسة طبيعية لا تزيد عن المقدار العادي الذي يحتاجه من أجل استمرار حياته، فيجاهد في سبيلها على أساس علاقتها بامتداد الحياة واستقرارها ونموّها الطبيعي، بعيدا عن كل ما يجعلها هدفا مطلوبا لذاته، لأن الإنسان سيفارق ذلك كله إن عاجلا أو آجلا، كما يفارق الحياة نفسها.. فإذا كانت الحياة الدنيا لا تمثل الهدف الأسمى في ذاتها، فكيف بهذه المتع السريعة التي لا يمثل الإحساس بها إلّا شعور اللحظة العابرة التي تلامس الغرائز ثم تذوب وتغيب وتتحول إلى مجرد ذكرى طيّبة.
11. أمّا القيمة التي تمثل الرسالة الخالدة الممتدة التي تملأ الحياة الداخلية للإنسان بالفكر والطمأنينة، والحياة الخارجية له بالعمل والمعاناة والجهاد، فهي الإيمان بالله وطلب ما عنده، فإن عنده حسن المآب، فهناك يجد الإنسان الرضا كل الرضا، واللذّة كل اللذة، في ما تشتهيه الأنفس وتلذ به الأعين، حيث المشاعر تتصل بالانفعالات الخالدة الرائعة التي لا تتجمد عند نداء اللحظة، بل تستمر وتمتد ليفيض الإنسان بالسعادة الخالدة التي قد تلتقي مع بعض أشكال الشهوات في الدنيا ولكنها من نوع آخر مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر من المتع الروحية والمادية للإنسان.
12. إن الله لا يريد للإنسان أن يترك شهوات الحياة الدنيا فيحرم نفسه منها تماما، أو يرى في حرمان نفسه منها قيمة روحية ذاتية، بل يريد له أن يعاملها كما يعامل المتاع الذي يقضي فيه حاجته من دون أن يعطيه حجما أكبر وقيمة أعلى، أمّا القيمة فهي التطلع لما عند الله الذي يتحول إلى عمل دائب من أجل أن يجعل الحياة كلها سائرة على درب الله في ما يريده لها من نظام وشريعة، وعلى هدى العقيدة الصحيحة التي تبني الحياة على قاعدة ثابتة من الإيمان بالله، وتلك هي السعادة، كل السعادة، أن يعيش الإنسان همّ الرسالة من أجل الإنسان والحياة لتحقيق رضا الله في ذلك كله، وتلك هي النفس المطمئنة الراضية المرضية التي يناديها الله للدخول في عباده وجنته.
13. أثير بين المفسرين جدل كثير حول فاعل (زيّن)، فإنها جاءت مبنية للمجهول، فهل هو الله، أو هو الشيطان؟ واعترض بعض على أن يكون هو الله، بأنّ ذلك يستتبع خلق الله الشرّ في نفس الإنسان، وهو مناف لفكرة الحريّة التي تتناسب مع عدل الله، واعترض بعض على أن يكون الشيطان هو ذلك الفاعل، لأن الكلام في طبيعة البشر والحب الناشئ فيها، ومثله لا يسند إلى الشيطان بحال، وإنما يسند إليه ما هو من قبيل الوسوسة التي تزين للإنسان عملا قبيحا، ولكننا لا نرى مجالا لهذا النزاع، فإن الظاهر من الآية أنها واردة في ما جبلت عليه طبائع الإنسان من حيث حاجته إلى مثل هذه الأمور التي تدعوه إلى الإقبال عليها في مجال الزيادة، تماما كبقية الأشياء التي تحدث عنها الله في ما زيّنه للإنسان، كما في قوله تعالى: ﴿كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ﴾ [الأنعام: 108] فإن الناس مجبولون على أن يرى أيّ واحد منهم العمل الصادر منه عن قناعة حسنا، لأن ذلك هو لازم قناعته به، ولعل هذا الذي ذكر في الآية من طبيعة الجانب المادي في الإنسان الذي يستدعي الحركة نحو هذه الأمور، وليس في ذلك أيّ سوء يتنافى مقتضاه مع العدالة، لأن حبّ هذه الأمور لا يفرض المعصية في ممارستها، بل يمكن للإنسان أن يمارسها في موقع الطاعة، كما يمكن أن يمارسها من موقع المعصية، ولهذا كانت الفكرة المقابلة لها منطلقة من قاعدة إثارة الاهتمام باللذات التي تنتظر الإنسان في الحياة الآخرة، لئلا يستسلم للذّات الحياة الدنيا استسلاما كليّا، بحيث يندفع إلى الانحراف عن خط الله في سبيل الحصول عليه، فالآية ليست واردة في مورد الرفض المطلق لهذه الشهوات، بل هي واردة في مورد الموازنة بينها وبين شهوات الآخرة الدينية والروحية، في مجال الحاجة إلى إقامة التفاضل فيما بينها، والله العالم بحقائق آياته.
14. أثار صاحب تفسير الميزان عدة ملاحظات للاستدلال على رأيه في أن فاعل (زين) هو (الشيطان) لا (الله)، فقال: (أما أولا فلأن المقام مقام ذم الكفار بركونهم إلى هذه المشتهيات من المال والأولاد واستغنائهم بتزينها لهم عن الله سبحانه، والأليق بمثل هذه الزينة الصارفة عن الله الشاغلة عن ذكره أن لا ينسب إليه تعالى)، ونلاحظ على هذا الكلام، أنه لا ظهور للآية في هذا المعني، بل هي ـ على الظاهر ـ واردة في مقام المقارنة بين نعيم الحياة الدنيا مما يتصل بالحاجات الحسية للناس، ونعيم الحياة الأخرى والتأكيد على ما تتميز به لذّات الآخرة عن لذّات الدنيا والحث على التقوي وطلب ما عند الله باعتبار أن ذلك هو السبيل للحصول على الجنة ونعيمها التي لا تقاس بها مواقع الشهوات في الدنيا، ولذلك لم يذكر في هذه الآية كيف يمارس الناس هذه الشهوات في خط الانحراف.
15. إذا كان العلامة الطباطبائي يعتمد على السياق باعتبار أنه وارد في الحديث عن الكفار، فإن ذلك لا يوجب مثل هذا الظهور المدّعى، لأن للقرآن أساليبه التي ينتقل فيها من موضوع إلى موضوع من أجل عرض الخطوط العامة في ميزان القيمة الروحية ليعرف الناس فيها موازين الأمور فيأخذوا بالأفضل منها، ومما يؤيد ذلك أن حبّ الشهوات ليس شيئا يختص به الكفار، بل هو من خصائص الإنسان بجميع أصنافه في وجوده الغريزي، فقد كان الحديث حديثا عن الطبيعة الإنسانية المادية التي يريد الله للإنسان أن يرتفع ويسمو بها في آفاق الروح عندما يحركها في الخط المستقيم الذي أراده الله لعباده المتقين.
16. وقال العلامة الطباطبائي: (وأما ثانيا، فلأنه لو كان هذا هو التزيين المنسوب إليه تعالى، لكان المراد به الميل الغريزي الذي للإنسان إلى هذه الأمور، فكان الأنسب في التعبير أن يقال: زين للإنسان أو لبني آدم ونحوها كقوله تعالى: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ [التين: 4 ـ 5]، وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ﴾ [الإسراء: 70]، الآية، وأمّا لفظ الناس فالأعرف منه أن يستعمل في الموارد التي فيها شيء من إلغاء الميز أو حقارة الشخص ودناءة الفكر نحو قوله: ﴿فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلَّا كُفُورًا﴾ وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى﴾ [الحجرات: 13]، وغير ذلك)، ونلاحظ على ذلك، أن المسألة المطروحة هي أن التعبير بالناس لا يختص بما ذكر، بل قد لا تكون ظاهرة في ما ذكره من الميز والحقارة للشخص والدناءة للفكر، لأن الكلمة لا توحي بذلك، بل إننا نجد في القرآن حديثا عن الحقارة للإنسان كما في الآية المتقدمة ﴿ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ أو قوله تعالى: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: 37]، أو ﴿وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا﴾ [النساء: 28]، أو ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا﴾ [الكهف: 54]
17. إن الإتيان بكلمة (الناس) قد يكون بملاحظة الحديث عن الخصائص المتحركة في الإنسان، بحيث تتوزع بين أفراده باعتبارها من الأمور الغريزية الأكثر إلحاحا في حركة وجوده لاتصالها بأفعاله وأقواله، بينما تنطلق حكمة (الإنسان) أو (بني آدم) من الخصائص الذاتية التي تتصل بالنوع، مما قد لا يشمل كل الأفراد من الناحية الفعلية، وفي ضوء ذلك، نجد أن كلمة الناس قد وردت في هذه الآية للحديث عن الطبيعة الوجودية للإنسان في حب الشهوات التي يتوزع أفراده الأخذ بها في مظهرها المتحرك الذي يسعى إليه الناس من خلال اتصالها بالنشاط الإنساني الذي لا بد فيه من الحركة الفعلية لتحقيق أهدافه النوعية في امتداد الإنسان في الحياة، باعتبارها الحاجات الحيوية لوجوده.
18. وقال العلامة الطباطبائي: (وأما ثالثا، فلأن الأمور التي عدّها تعالى بيانا لهذه الشهوات لا تناسب التزيين الفطري، إذ كان الأنسب عليه أن يبدل لفظ النساء بما يؤدي معنى مطلق الزوجية، ولفظ البنين ب الأولاد، ولفظ القناطير المقنطرة بالأموال، فإن الحب الطبيعي موجود في النساء بالنسبة إلى الرجال كما هو موجود في الرجال بالنسبة إلى النساء، وكذا هو مغروز في الإنسان بالنسبة إلى مطلق الأولاد ومطلق الأموال دون خصوص البنين وخصوص القناطير المقنطرة، ولذلك اضطر القائل بكون فاعل زين هو الله سبحانه أن يقول: إن المراد حب مطلق الزوجية ومطلق الأولاد ومطلق الأموال، وإنما ذكرت النساء والبنين والقناطير لكونها أقوى الأفراد وأعرفها، ثم تكلف في بيان ذلك بما لا موجب له)، ونلاحظ على ذلك، أن ما ذكره لا يصلح مؤيدا لتفسيره، أما بالنسبة إلى الحديث عن النساء بالنسبة إلى الرجال، فقد ذكرنا الأساس في هذا النوع من التخصيص مما قدّمناه من حديث، بالإضافة إلى أن حب الرجال للنساء ينطلق من الجانب الغريزي للآية، كما أنّ مسألة التأثير الشيطاني في التزيين لا تختص بالرجال، بل تشمل النساء بالنسبة إلى الرجال، فالإشكال وارد على كلا الاحتمالين مع وجود تفسير صحيح لما ذكرناه، وأما مسألة البنين، فقد يراد بها الأعم على أساس التغليب، وربما تكون الرغبة الغريزية للبنين، أكثر، كما هي الحالة النوعية لدى الناس، وأما القناطير المقنطرة بدلا من الأموال، فلعل الوجه فيها أن الرغبة في المال تجتذبـ طبيعيا ـ الرغبة في المال الكثير.
19. قال العلامة الطباطبائي: (وأما رابعا: فلأن كون التزيين هو المنسوب إلى الله سبحانه لا يلائم قوله تعالى في آخر الآية: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا واللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾، فإن ظاهره أنه كلام موضوع لصرفهم عن هذه الشهوات الدنيوية وتوجيه نفوسهم إلى ما عند الله من الجنان والأزواج والرضوان، ولا معنى للصرف عن المقدمة إلى ذي المقدمة، فإن في ذلك مناقضة ظاهرة، وإبطالا للأمرين معا، كالذي يريد الشبع ويمتنع عن الأكل، فإن قلت: الآية ـ أعني قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾.. ـ بحسب الملخص من معناها مساوقة لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ [الأعراف: 32]، ولازم انطباق المعنى أن يكون فاعل التزيين في هذه الآية أيضا هو الله سبحانه)، وبين الآيتين فرق من حيث المقام، فإن المقام في ما نحن فيه، مقام ذمّ هذه الشهوات المحبوبة للناس لصرفها وإلهائها الناس عما لهم عند الله، وحثّهم على الإعراض عنها والتوجه إلى ما عند الله سبحانه، بخلاف تلك الآية، فإنها مسوقة لبيان أن هذه النعم زينت للإنسان، وأنها للمؤمنين في هذه الدنيا بالاشتراك في الدنيا وبالاختصاص في الآخرة، ولذلك بدل لفظ الناس هناك بلفظ العباد وعدت هذه الزينة رزقا طيبا.
20. سؤال وإشكال: إن التزيين علق في الآية على حب الشهوات دون نفس الشهوات، ومن المعلوم أن تزيين الحب للإنسان وجذبه لنفسه وجلبه لقلبه، أمر طبيعي وخاصة ذاتية له فيؤول معنى تزيين الحب للناس إلى جعل الحب مؤثرا في قلوبهم أي خلق الحب في قلوبهم، ولا ينسب الخلق إلا إلى الله سبحانه، فهو الفاعل في قوله: زين، والجواب: لازم ما ذكرناه من القرائن أن يكون المراد بتزيين الحب جعل الحب بحيث يجذب الناس إلى نفسه ويصدهم عن غيره، فإن الزينة هي الأمر المطلوب الجالب الذي ينضم إلى غيره ليجلب الإنسان إلى ذلك الغير بتبع جلبه إلى نفسه، كما أن المرأة تتزين بضم أمور تستصحب الحسن والجمال إلى نفسها ليقصدها الرجل بها، فالمقصود هو بالحقيقة تلك الأمور والمنتفع من هذا القصد هي المرأة، وبالجملة، فيؤول معنى تزيين الحب للناس إلى جعله في أعينهم بحيث يؤدّي إلى التولّه فيه والولوع في الاشتغال به لا أصل تأثير الحب كما هو الظاهر من معنى قوله تعالى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ [مريم: 59]، ونلاحظ على ذلك، أن سياق الآية ـ كما ذكرناه ـ هو الحديث عن ضرورة عدم الاستغراق في هذه الشهوات واعتباره قيمة نهائية وغاية للحياة، لأنها لا تزيد عن كونها حاجة ومتاعا لا دوام لها والالتفات إلى الحياة الآخرة باعتبارها هي الغاية، الأمر الذي يجعل الإنسان ينظر إل متع الدنيا لا كأمر لذاته، وإنما كأمر يتوسل به معاشه وحاجاته المتنوعة ولذلك فهي ليست واردة مورد الرفض لها والصرف عنها، بل في مورد التنبيه على ما في الآخرة من متع تتجاوز هذه المتع الفانية إلى المتع الخالدة، ليعرف الإنسان كيف يحرك خطواته في الطريق إلى الآخرة من خلال ما يملكه في الدنيا.
21. إن الآية تتجه إلى بيان شهوات الدنيا التي خلقها الله في الإنسان من خلال خصوصيته الغريزية، مقارنة بما عند الله من حيث كون ما في الدنيا فانيا محدودا في إيجابياته التي تحمل في داخلها السلبيات بطريقة وبأخرى، أمّا الآخرة، فإن ما فيها خالد في امتداده، إيجابي في معطياته من دون سلبيات، الأمر الذي يريد الله فيه للإنسان أن تكون اهتماماته أخروية لا دنيوية، ليحصل على النتيجة العليا دون النتيجة السفلى، من دون تعرّض لمسألة الواقع السلوكي للإنسان أمام هذه الشهوات من حيث كونها خيرا أو شرّا، ومن خلال ذلك نفهم أن قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ﴾ [الأعراف: 32] متفق مع مضمون الآية في نسبة الزينة إلى الله، باعتبار أنه أخرجها لعباده، تماما كما هو تزيين الله للناس حب الشهوات، لأنه هو الذي أثارها في وجودهم، مع كون السياق مختلفا من حيث انطلاقة تلك الآية لرفض فكرة حرمتها، بينما كانت هذه الآية في سياق اعتبارها حالة طبيعية من حالات الإنسان الذي يراد له أن يحركها في اتجاه الآخرة لا أن يسقط أمامها في أجواء الاستغراق في الدنيا، ولا دلالة في الآية على ما ذكره من أن المراد (بتزيين الحب جعل الحب بحيث يجتذب الناس إلى نفسه ويصدهم عن غيره)، فإن هذا ليس ظاهرا من الآية، بل هو مستفاد من خلال الوجه الذي فسّر به الآية، مما لا نجد للآية دلالة عليه، والله العالم.
__________
(1) من وحي القرآن: 5/252.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. تعقيبا على الآيات السابقة التي اعتبرت الإيمان رأس المال الحقيقي للإنسان ـ لا المال والبنين والأنصار ـ تشير هذه الآية إلى حقيقة أنّ الزوجة والأبناء والأموال إنّما هي ثروات تنفع في الحياة المادّية هذه، ولكنّها لا يمكن أن تشكّل هدف الإنسان الأصيل، صحيح أنّه بغير هذه الوسائل لا يمكن السير في طريق السعادة والتكامل المعنوي، إلّا أنّ الاستفادة منها في هذا السبيل شيء وحبّها وعبادتها ـ بغير أن تكون مجرّد وسيلة يستفاد منها ـ شيء آخر.
2. في تعبير ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ جاء الفعل مبنيّا للمجهول، أي أنّ الفاعل المجهول قد زيّن للناس حبّ الزوجة والأولاد والأموال، في هذه الحالة يخطر للمرء هذا السؤال: ترى من هو الذي زيّن هذه الأمور للناس:
أ. بعض المفسّرين يرون أنّ هذه المشتهيات من عمل الشيطان الذي يزيّنها في أعين الناس، ويستدلّون على ذلك بقوله تعالى: ﴿وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ﴾ وأمثالها، إلّا أنّ هذا الاستدلال لا يبدو صحيحا، لأنّ الكلام في الآية التي نبحث فيها لا تتكلّم عن (الأعمال)، بل عن الأموال والنساء والأبناء.
ب. إنّ التفسير الذي يبدو صحيحا هو أنّ الله هو الذي زيّن للناس ذلك عن طريق الخلق والفطرة والطبيعة الإنسانية، إنّ الله هو الذي جعل حبّ الأبناء والثروة في جبلّة الإنسان لكي يختبره ويسير به في طريق التربية والتكامل، كما يقول القرآن ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾
3. ممّا يثير الالتفات في الآية أنّ الزوجة أو المرأة قد وردت أوّلا، وهذا هو ما يقول به علماء النفس اليوم، بأنّ الغريزة الجنسية من أقوى الغرائز في الإنسان، كما أنّ التاريخ المعاصر والقديم يؤيّد أنّ كثيرا من الحوادث الاجتماعية ناشئة عن طغيان هذه الغريزة، وينبغي القول أيضا إنّ هذه الآية والآيات المشابهة لا تذمّ العلائق المعتدلة مع المرأة والأولاد والمال، لأنّ التقدّم نحو الأهداف المعنوية غير ممكن بدون الوسائل المادّية، وهي لا تتعارض مع نواميس الخلق الطبيعية، إنّما المذموم هو الإفراط في هذه العلائق، وبعبارة أخرى: المذموم هو عبادة هذه الأمور.
4. (قناطير) جمع قنطار، وهو الشيء المحكم، ثمّ أطلق على المال الكثير، وإطلاق (القنطرة) على الجسر، و(القنطر) على الشخص الذكي إنّما هو لإحكام البناء أو الفكر، و(المقنطرة) اسم مفعول يدلّ على الكثرة والمضاعفة، وذكرهما متتاليين يعني التوكيد، كقولنا (آلاف مؤلّفة) ونقصد به الكثرة الكاثرة، هناك من حدّد وزن القنطار بأنّه يساوي سبعين ألف دينار ذهبا، وقال بعض إنّه مائة ألف دينار، وقال آخرون إنّه يساوي اثني عشر ألف درهم، ويقول بعض إنّ القنطار كيس مملوء ذهبا أو فضة، وفي رواية عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهما السّلام أنّ القنطار مقدار من الذهب الذي يملأ جلد بقرة، إلّا أنّ كلّ هذه تشير إلى المال الوفير.
5. (الخيل) اسم جمع للفرس، وتطلق على الفرسان أيضا، والمقصود في الآية هو المعنى الأول طبعا، و(المسوّمة) بمعنى المعلّمة أي ذات العلامة، فقد تعلّم الخيل لإبراز جمال هيكلها ورشاقتها، أو لمعرفة أنّها مدرّبة ومعدّة للركوب في ميادين القتال.
6. الآية الكريمة تعدّد ستة من ثروات الحياة وهي: المرأة، والولد، والمال، والخيول الأصيلة، والمواشي والإبل، والزراعة، وهي أركان الحياة المادّية.
7. ﴿مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ (المتاع) هو الانتفاع بالشيء بعض الوقت، والحياة الدنيا هي الحياة الواطئة الحقيرة، فيكون معنى الآية: إذا عشق أحد هذه الأشياء الستة وحدها باعتبارها الهدف النهائي للحياة، ولم يستفد منها كسلّم للصعود في مسيرة حياته، يكون قد اختار لنفسه حياة منحطّة.
8. في الحقيقة أنّ تعبير (الحياة الدنيا) إشارة إلى سير الحياة التكاملي، إذ أنّ هذه الحياة الدنيا تعتبر المرحلة الأولى في ذلك السير، لذلك تشير الآية في النهاية إلى الحياة السامية التي تنتظر الإنسان فتقول: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾
9. كما تقدّم في تفسير الآية، فقد اشارت الآية إلى النساء من بين النعم المادّية وقدّمتها على الجميع، لأنّها بالقياس إل النعم الأخرى أقوى تأثيرا واشدّ جاذبية لأهل الدنيا وقد تدعوهم إلى ارتكاب أعظم الجنايات في هذا السبيل.
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/418.
9. المتاع الباقي وأهله
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈9⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 15 ـ 17]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
ابن مسعود:
روي عن عبد الله بن مسعود (ت 32 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: الجنة سجسج، لا حر فيها ولا برد(1).
2. روي أنّه قال: أنهار الجنة تفجر من جبل مسك(1).
3. روي عن حاطب قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: رب، أمرتني فأطعتك، وهذا سحر؛ فاغفر لي، فنظرت، فإذا ابن مسعود(2).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٢.
(2) ابن جرير: ٥/٢٧٤.
علي:
روي عن الإمام علي (ت 40 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: (إن أطيب شيء في الجنة وألذه حب الله، والحب في الله، والحمد لله، قال الله عز وجل: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لله رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: 10]، وذلك أنهم إذا عاينوا ما في الجنة من النعيم هاجت المحبة في قلوبهم، فينادون عند ذلك: أن الحمد لله رب العالمين(1).
2. روي أنّه قال: (لقد سبق إلى جنات عدن أقوام ما كانوا أكثر الناس لا صوما ولا صلاة ولا حجا ولا اعتمارا، ولكنهم عقلوا عن الله مواعظه(2).
3. روي أنّه قال: (عليكم بإخلاص الإيمان، فإنه السبيل إلى الجنة، والنجاة من النار(3).
4. روي أنّه قال: (ثمن الجنة العمل الصالح(4).
5. روي أنّه قال: (عليك بصالح العمل، فإنه الزاد إلى الجنة(5).
6. روي أنّه قال: (بالعمل تحصل الجنة لا بالأمل(6).
7. روي أنّه قال: (لن يفوز بالجنة إلا الساعي لها(7).
__________
(1) مصباح الشريعة: طبعة مؤسسة الأعلمي ـ بيروت،: ص 195.
(2) تنبيه الخواطر: 2/213؛ الفردوس: 4/360.
(3) غرر الحكم: رقم: 6167.
(4) غرر الحكم: رقم: 4698.
(5) غرر الحكم: رقم: 6107.
(6) غرر الحكم: رقم: 4297.
(7) غرر الحكم: رقم: 7403.
ابن عباس:
روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ مطهرة من القذر والأذى(1).
2. روي أنّه قال: (إن في الجنة نهرا يقال له البيدخ عليه قباب الياقوت تحته جوار نابتات، يقول أهل الجنة: انطلقوا بنا إلى البيدخ فيجيئون فيتصفحون تلك الجواري، فإذا أعجبت رجلا منهم جارية مس معصمها فتبعته ونبت مكانها أخرى(2).
3. روي أنّه قال: سئل رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: لم أخر يعقوب بنيه في الاستغفار؟ فقال: أخرهم إلى السحر؛ لأن دعاء السحر مستجابٌ(3).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٣.
(2) صفة الجنة لابن أبي الدنيا: 67.
(3) الدر المنثور: 6/586 عن أبي الشيخ وابن مردويه، وتفسير القمي: 1/355.
السجاد:
روي عن الإمام السجاد (ت 94 هـ) أنّه قال: (إذا صار أهل الجنة في الجنة، ودخل ولي الله إلى جناته ومساكنه، واتكأ كل مؤمن منهم على أريكته، حفته خدامه، وتهدلت عليه الثمار، وتفجرت حوله العيون، وجرت من تحته الأنهار، وبسطت له الزرابي، وصففت له النمارق، وأتته الخدام بما شاءت شهوته من قبل أن يسألهم ذلك، ويخرج عليهم الحور العين من الجنان، فيمكثون بذلك ما شاء الله، ثم إن الجبار يقول لهم: أوليائي وأهل طاعتي وسكان جنتي في جواري، هل أنبئكم بخير مما أنتم فيه؟ فيقولون: ربنا وأي شيء خير مما نحن فيه! نحن فيما اشتهت أنفسنا ولذت أعيننا من النعم في جوار الكريم، قال فيعود عليهم القول، فيقولون: ربنا نعم، فأتنا بخير مما نحن فيه، فيقول لهم الله تبارك وتعالى: رضاي عنكم ومحبتي لكم خير وأعظم مما أنتم فيه، فيقولون: نعم يا ربنا، رضاك عنا ومحبتك لنا خير لنا وأطيب لأنفسنا)، ثم قرأ هذه الآية: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72] (1).
__________
(1) تفسير العياشي: 2/96.
ابن جبير:
روي عن سعيد بن جبير (ت 95 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على ما أمر الله(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في إيمانهم(1).
3. روي أنّه قال: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾: يعني: المطيعين لله فيما أمرهم(1).
4. روي أنّه قال: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾: يعني: من أموالهم في حق الله(1).
5. روي أنّه قال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، يعني: المصلين(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٤.
أبو مالك:
روي عن أبي مالك غزوان الغفاري (ت 100 هـ) أنّه قال: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، يعني: المساكن تجري أسفلها أنهار(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٢.
مجاهد:
روي عن مجاهد (ت 104 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ مطهرة من الحيض، والغائط، والبول، والنخام، والبزاق، والمني، والولد(1).
2. روي أنّه قال: يعني: المصلين بالأسحار(2).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٣.
(2) تفسير الثعلبي: ٣/٣٠.
البصري:
روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: مدوا الصلاة إلى السحر، ثم استغفروا(1).
__________
(1) تفسير الثعلبي: ٣/٣٠.
الباقر:
روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) أنّه قال: (من داوم على صلاة الليل والوتر، واستغفر الله في كل وتر سبعين مرة، ثم واظب على ذلك سنة، كتب من المستغفرين بالأسحار(1).
__________
(1) تفسير العيّاشي: 1/165.
قتادة:
روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الصابرون قوم صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ قوم صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السر والعلانية(2).
__________
(1) عبد بن حُمَيد كما في قطعة من تفسيره: ص٢٥.
(2) عَبد بن حُمَيد كما في قطعة من تفسيره: ص٢٥.
ابن أسلم:
روي عن زيد بن أسلم (ت 136 هـ) أنّه قال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ هم الذين يشهدون صلاة الصبح(1).
__________
(1) ابن أبي شيبة: ١٣/٤٩٨.
الصادق:
روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: أنّه قال: إن في الجنة نهرا حافتاه حور نابتات، فإذا مر المؤمن بإحداهن فأعجبته اقتلعها، فأنبت الله عز وجل مكانها(1).
2. روي أنّه قال: أنّه قال: الكوثر نهر في الجنة حافتاه من ذهب ومجراه على الدر والياقوت تربته أطيب من المسك وماؤه أحلى من العسل وأبيض من الثلج(2).
3. روي أنّه قال: من كان عاقلا ختم له بالجنة إن شاء الله(3).
4. روي أنّه سئل عن العقل، فقال: ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان، قيل: فالذي كان في معاوية؟ قال: تلك النكراء، تلك الشيطنة، وهي شبيهة بالعقل وليست بالعقل(4).
5. روي أنّه قال: عن قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ [آل عمران: 17]، فقال: استغفر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في وتره سبعين مرة(5).
6. روي أنّه قال: أنّه قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم يستغفر الله في الوتر سبعين مرة ويقول: (هذا مقام العائذ بك من النار) سبع مرات(6).
7. روي أنّه قال: أنّه قال: من صلى من الليل، ثم استغفر في آخر الليل سبعين مرة؛ كتب من المستغفرين(7).
8. روي أنّه قال: أنّه قال: (من قال في وتره إذا أوتر: أستغفر الله وأتوب إليه، سبعين مرة، وواظب على ذلك حتى تمضي سنة، كتبه الله من المستغفرين بالأسحار، ووجبت المغفرة له من الله عز وجل(8).
9. روي أنّه قال: قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾؟ قال: استغفر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في وتره سبعين مرة(9).
10. روي أنّه قال: أنّه قال: (من قال في آخر الوتر في السحر: أستغفر الله وأتوب إليه سبعين مرة ودام على ذلك سنة، كتبه الله من المستغفرين بالأسحار)، وفي رواية اخرى، عنه: (وجبت له المغفرة(9).
11. روي أنّه قال: أنّه قال: (من استغفر الله سبعين مرة في الوتر بعد الركوع، فدام على ذلك سنة، كان من المستغفرين بالأسحار(9).
12. روي أنّه قال: جعلت فداك، تفوتني صلاة الليل فأصلي الفجر، فلي أن اصلي بعد صلاة الفجر ما فاتني من صلاة وأنا في صلاة قبل طلوع الشمس؟ قال: نعم، ولكن لا تعلم به أهلك فتتخذه سنة، فتبطل قول الله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾(9).
__________
(1) الكافي: 8/231.
(2) سنن الترمذي 3686.
(3) ثواب الأعمال: ص 29.
(4) الكافي: 1/11.
(5) تفسير العياشي: 1/165.
(6) من لا يحضره الفقيه: 1/489.
(7) ابن جرير: ٥/٢٧٥.
(8) التهذيب: 2/130.
(9) تفسير العيّاشي: 1/165.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿قُلْ﴾ للكفار: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾، يعني: ما ذكره في هذه الآية، ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾(1).
2. روي أنّه قال: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وذلك أن العيون تجرى من تحت البساتين، ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ لا يموتون(1).
3. روي أنّه قال: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أكبر، يعني: رضا الله عنهم، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، يعني: بأعمالهم(1).
4. روي أنّه قال: ثم نعت أعمالهم، فقال: الجنة هي للصابرين على أمر الله، وفرائضه(2).
5. روي أنّه قال: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ بكتاب الله، ورسله(2).
6. روي أنّه قال: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ المصلين لله بالأسحار، يعني: المصلين من آخر الليل(2).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٦.
(2) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٧.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قيل: مطهرة: من الآفات كلها، من الأخلاق السيئة، والأقذار والعيوب كلها، وقد ذكرنا فيما تقدم في صدر السورة؛ قال وكل أهل الجنة مطهر من جميع المعايب؛ لأن العيوب في الأشياء علم الفناء، وهم خلقوا للبقاء، إلا أن الذّكر جرى للنساء؛ لما ظهر في الدنيا فيهن من فضل المعايب والأذى.
2. قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يحتمل وجهين:
أ. يحتمل: اتقوا الشرك.
ب. ويحتمل: للذين اتقوا الفواحش والمعاصي كلها.
3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾
أ. قيل: الصّابرين على طاعة الله.
ب. وقيل: الصابرين على أداء الفرائض.
ج. وقيل: الصّابرين على المرازئ والمصائب والشدائد.
د. والصبر: هو حبس النفس عن جميع ما تهوى وتشتهي.
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾:
أ. قيل: في إيمانهم.
ب. وقيل: الصّادقين بما وعدوا.
ج. وقيل: الصادقين في جميع ما يقولون ويخبرون.
5. قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ يحتمل وجهين:
أ. يحتمل الإنفاق: ما لزم من أموالهم من الزكاة والصدقات.
ب. ويحتمل: المنفقين المؤدين حقوق بعضهم بعضا من حق القرابة والصلة.
6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾:
أ. قيل: القانت: الخاضع.
ب. وقيل: القانت: المطيع.
ج. وقيل: الخاشع، وكله يرجع إلى واحد، وأصله: القيام، وكل من قام لآخر كان مطيعا وخاشعا وخاضعا ومقرا.
د. وقيل: القانت: المقرّ كقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾ [البقرة: 116]، أي: مقرون.
7. ﴿الصَّابِرِينَ﴾ الذين صبروا على طاعة الله، وصبروا عن محارمه، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ الذين صدقت نياتهم، واستقامت قلوبهم وألسنتهم، وصدقوا في السّر والعلانية ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ المطيعين، ﴿والْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحارِ والْمُنْفِقِينَ﴾ يعني: نفقة أموالهم في سبيل الله.
8. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾
أ. قيل: المصلين بالأسحار.
ب. وقيل: المصلين في أوّل الليل، والمستغفرين في آخره.
9. أصل الاستغفار: طلب المغفرة مما ارتكب من المآثم، على ندامة القلب، والعزيمة على ترك العود إلى مثله أبدا، ليس كقول الناس: نستغفر الله، على غير ندامة القلب، وأصل الاستغفار في الحقيقة: طلب المغفرة بأسبابها، ليس أن يقول بلسانه: اغفر لي؛ كقول نوح عليه السلام لقومه: ﴿اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ﴾ [نوح: 10] أمرهم بالتوحيد، ثم أخبر ـ عزّ وجل ـ أن الجنة هي للصابرين والصادقين إلى آخر ما ذكرنا.
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/329.
العياني:
ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. معنى قوله عز وجل: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، أي مطهرة من الذنوب، ومما لا يحسن ذكره من أصناف العيوب.
__________
(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/ 256.
الديلمي:
ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ والصابرون هم قوم صبروا على طاعة الله وصبروا عن محارمه، والصادقون هم قوم صدقوا أنبياءهم واستقامت قلوبهم وألسنتهم وصدقوا في السر والعلانية، والقانتون هم المطيعون، والمستغفرون بالأسحار هم أهل الصلاة.
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/135.
الماوردي:
ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ ثلاثة تأويلات:
أ. أحدها: الصابرين عما نهوا عنه من المعاصي.
ب. الثاني: يعني في المصائب.
ج. الثالث: الصائمين.
د. ويحتمل رابعا: الصابرين عما زيّن للناس من حب الشهوات.
2. في قوله تعالى: ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: في قولهم.
ب. الثاني في القول والفعل والنيّة، والصدق في القول: الإخبار بالحق، والصدق في الفعل: إتمام العمل، والصدق في النية: إمضاء العزم.
3. في قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ تأويلان:
أ. أحدهما: يعني المطيعين، قاله قتادة.
ب. الثاني: معناه القائمون على العبادة، قاله الزجاج.
4. في قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ تأويلان:
أ. أحدهما: في الجهاد.
ب. الثاني: في جميع البرّ.
5. في قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ ثلاثة تأويلات:
أ. أحدها: يعني المصلّين بالأسحار، قاله قتادة.
ب. الثاني: أنهم المستغفرون قولا بالأسحار يسألون الله تعالى المغفرة، قاله ابن عمر، وابن مسعود وأنس بن مالك.
ج. الثالث: أنهم يشهدون الصبح في جماعة، قاله زيد بن أسلم، والسحر من الليل هو قبيل الفجر.
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/378.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في آخر الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَأُنَبِّئُكُمْ﴾ قولان:
أ. أحدهما: ان اخره عند قوله بخير من ذلكم، ثم استأنف للذين اتقوا.
ب. الثاني: عند قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ثم استأنف جنات على تقدير الجواب، كأنه قيل: ما هو ذلك الخير، فقيل هو جنات، ومثله: ﴿قُلْ أَفَأُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكُمُ النَّارُ﴾ أي هي النار.
2. يجوز في إعراب جنات في العربية الرفع، والجر، فالجر على أن يكون في آخر الكلام عند ربهم، ولا يجوز الجر على الوجه الآخر للفصل باللام، كما لا يجوز أمرت لك بألفين ولأخيك مأتين حتى تقول بمائتين ولو قدمت فقلت ومأتين لأخيك جاز، ولا يجوز النصب في جنات على موضع الباء فيما لم يكن الباء فيه زائدة كما لا يحسن مررت برجل زيداً ويحسن خشنت بصدره وصدر زيد، لأن الباء زائدة، ولا يجوز أن تكون زائدة في بخير لأن نبأت لا يجوز الاقتصار فيه على المفعول الثاني دون الثالث، لأنه بمعنى أعلمت، ولا يجوز أعلمت زيداً أخاك حتى تقول خيراً من عمرو، أو نحوه.
3. تقدم تفسير الجنات والأنهار، و﴿خَالِدِينَ﴾ نصب على الحال، والرضا والمرضاة: معنى واحد، ومعنى قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ يعني ما حرم عليهم ـ في قول الحسن ـ
4. سؤال وإشكال: ما تقولون أنتم لأنكم تقولون إن من لا يتقي جميع ما حرم عليه إذا كان عارفاً بالله ومصدقاً لجميع ما وجب عليه موعود له بالجنة؟ والجواب: نقول إن هذه الآية تدل على أن من اتقى جميع ما حرم عليه، فله الجنة، وما وعد بها من غير أن يقترن بها شيء من استحقاق العقاب قطعاً، ومن ليس معه إلا التصديق بجميع ما وجب عليه وقد أخل بكثير من الواجبات وارتكب كثيراً من المحظورات فانا نقطع على استحقاقه الثواب مع استحقاقه للعقاب ونجوز فعل العقاب به ونجوز العفو عنه مع القطع على وجوب الثواب له، ففارق المتقي على ما تراه.
5. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ موضع الذين يحتمل ثلاثة أوجه من الاعراب الجر، والرفع، والنصب، فالجر للاتباع، للذين اتقوا والرفع على تقديرهم الذين يقولون، والنصب على المدح وتقديره أعني.
6. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ فالمغفرة هي الستر للذنب برفع التبعة، والذنب، والجرم بمعنى واحد وإنما الفرق بينهما من جهة الأصل، لأن أصل الذنب الاتباع، فالذنب ما يتبع عليه العبد من قبيح عمله كالتبعة والجرم أصله القطع، فالجرم القبيح الذي ينقطع به عن الواجب، والفرق بين القول، والكلام أن القول فيه معنى الحكاية وليس كذلك الكلام.
7. في معنى المسألة في قوله تعالى: ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قولان:
أ. أحدهما: مسألة الله ما هو من حكمه نحو قوله: ﴿فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا﴾ والفائدة في هذا الدعاء التعبد بما فيه مصلحة للعباد.
ب. الثاني: مسألة الله عز وجل ما لا يجوز أن يعطيه العبد إلا بعد المسألة لأنه لا يكون لطفاً إلا بعد المسألة، وعلى مذهبنا(2) وجه حسن السؤال إن العفو تفضل من الله لا يجب عند التوبة، ويجوز أيضاً العفو مع عدم التوبة، فيكون وجه السؤال ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ان منا مصرين ولم نتب.
8. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ الصابرين نصب على المدح وكذلك باقي الصفات، ويجوز أن تكون جراً صفات، ومعنى الصابرين: الحابسين نفوسهم بمنعها عما حرم الله تعالى عليها، فالصابر الممدوح: هو الحابس نفسه عن جميع معاصي الله، والمقيم على ما أوجب عليه من العبادات، والصادقين هم المخبرون بالشيء على ما هو به وهي أيضاً صفة مدح.
9. ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ قال قتادة: هم المطيعون، وقال الزجاج: هم الدائمون على العبادة، لأن أصل القنوت الدوام.
10. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾: الذين يخرجون ما أوجب الله عليهم من الزكوات، وغيرها من الحقوق، ويدخل في ذلك المتطوعون بالإنفاق فيما رغب الله في الإنفاق فيه.
11. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ قال قتادة: هم المصلون بالأسحار، وقال أنس بن مالك: هم الذين يسألون المغفرة، وهو الأظهر، والأول جائز أيضاً، لأنه قد تطلب المغفرة بالصلاة، كما تطلب بالدعاء.
12. الاسحار: جمع سحر، وهو الوقت الذي قبل طلوع الفجر، وأصله: الخفاء، وسمي السحر، لخفاء الشخص فيه، ومنه السحر، لخفاء سببه، ومنه السحر الرئة لخفاء موضعها، والمسحر الذي يأكل الطعام لخفاء مسالكه، وروي عن أبي عبد الله أن من استغفر الله سبعين مرة في وقت السحر، فهو من أهل هذه الآية.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/414.
(2) يقصد الإمامية
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. النبأ: الخبر عن أمر عظيم الشأن، والإنباء الإخبار، ومنه النبيء صلّى الله عليه وآله وسلم على مذهب مَنْ همز.
ب. الطهر خلاف الدنس.
ج. الذنب والجرم من النظائر، وبينهما فرق من جهة الأصل، فأصل الذنب الإتباع، والذنب: ما يتبع عليه العبد من قبيح عمله، والجرم أصله القطع، فالجرم القبيح، ينقطع به من الواجب.
د. الصبر: حبس، النفس عن الشيء بمنعها منه.
هـ. الصدق: الخبر عن الشيء على ما هو به، ونقيضه الكذب.
و. القنوت أصله الدوام.
ز. الاستغفار: طلب المغفرة.
2. لما ذكر الله تعالى حسن المآب فَصَّل ذلك فقال تعالى: ﴿قُلْ﴾ يا محمد لهم، ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أي أخبركم ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ أي أنفع لكم ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، اختلفوا:
أ. قيل: اتقوا الشرك والكبائر، والتقوى اسم جامع لجميع ما أمر به ونهى عنه، كأنه قيل: اتقوا مخالفة أوامره ونواهيه.
ب. وقيل: اتقوا جميع ما حرم عليكم، عن الحسن.
3. ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ أي عليه ذلك لهم وأعده لهم ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي من تحت أشجارها وأبنيتها ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي دائمين ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ قيل: سليمة من الحيض والنفاس وسائر الأدناس والأحداث، بخلاف نسوان الدنيا.
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾:
أ. قيل: أي رضي عنهم.
ب. وقيل: رضاه بأن يثيبهم ويواليهم، عن الأصم.
5. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي بأفعالهم وأحوالهم، فيجازيهم بحسب استحقاقهم.
6. سؤال وإشكال: أين منتهى الاستفهام في ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾؟ والجواب: فيه قولان:
أ. الأول: عند قوله: ﴿اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، ثم استأنف ﴿جَنَّاتُ﴾ على تقدير الجواب، كأنه قيل: ما ذلك الخير؟ فقيل: جنات.
ب. والثاني: عند قوله: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾، وابتدأ فقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، و﴿جَنَّاتُ﴾ رفع بخبر حذف الصفة، ويجوز الجر على أن يكون منتهي الكلام ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، و﴿خَالِدِينَ﴾: نصب على الحال، ﴿وَأَزْوَاجٌ﴾: رفع على ﴿جَنَّاتُ﴾
7. ثم بَيَّنَ تعالى صفة المتقين، فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾، اختلفوا:
أ. قيل: أي صدقنا اللَّه ورسوله.
ب. وقيل: أتينا بخصال الإيمان.
8. ﴿فَاغْفِرْ لَنَا﴾ أي اعف عن ذنوبنا، لا تعاقبنا بها بعد التوبة ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي ارفع عنا عذاب النار.
9. سؤال وإشكال: إذا حملتم المغفرة على التائب، فذلك واجب، فما معنى السؤال؟، والجواب: فيه وجهان:
أ. أحدهما: أن التعبد به مصلحة.
ب. الثاني: أن إعطاءه قد لا يكون مصلحة إلا بعد السؤال، فلا يعطيه دونه.
10. ﴿الصَّابِرِينَ﴾ قيل: على الطاعة، وعن المعصية، وإنما ذكر الصبر عقيب الإيمان، لأن به يتم فعل الطاعة واجتناب المعاصي.
11. ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في أقوالهم وأفعالهم واعتقاداتهم ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾، اختلفوا:
أ. قيل: المطيعين، عن قتادة.
ب. وقيل: الدائم على العبادة، عن الزجاج.
ج. وقيل: القنوت القيام بالواجب على التمام، عن القاضي.
12. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾:
أ. قيل: المؤدين للزكاة.
ب. وقيل: المنفقين أموالهم بوجوه البر.
13. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾:
أ. قيل: المصلين وقت السحر، عن قتادة.
ب. وقيل: السائلين المغفرة وقت السحر، عن أنس بن مالك.
ج. وقيل: المصلين صلاة الصبح بجماعة.
د. وقيل: مؤدو الصلاة إلى وقت السحر، ثم استغفروا، عن الحسن.
14. تدل الآيات الكريمة على:
أ. فضل ما يستحقه المتقي ـ وإن حرم متاع الدنيا ـ لما فيه من المزية بالخلود، وزوال الشوائب وعظيم الزينة.
ب. دوام الثواب، خلاف ما قاله بعضهم، وتدل على اقتران التعظيم لأجل رضاه عنهم.
ج. أن ثواب الآخرة خير من الدنيا؛ لأنه مشوب بالغموم، ومترقب للانقطاع، ويقترن به الخوف من سخطه، ومن شر العاقبة، بخلاف ثواب الآخرة.
د. وجوب الانقطاع إلى اللَّه تعالى بالدعاء.
هـ. أن الداعي يجوز أن يذكر طاعاته وما يقربه إلى اللَّه تعالى ثم يدعو.
و. أن المؤمن يعلم أنه مؤمن والعبد قد يعلم أنه أتى بخصال الإيمان في الماضي، وإن حمل على التصديق، فيصح أن يعلم في الحال والماضي.
ز. أن التقوى تتكامل بهذه الصفات المذكورة في الآية، وأن الجنة بجميعها تنال على ما تقوله)
ح. مزية لوقت السحر في الدعاء؛ لأن العبد عنده يكون أبعد من الشواغل وسكونه أتم، فيتفكر في أحوال نفسه ومعاده، ويتفكر في صانعه ونعمه، ويتفكر في العاقبة، ويحاسب نفسه، ويتلافى ما فرط في الاستغفار والندم، وقيل: إنما خص بالذكر؛ لأن العبد فيه قد فارق طيب المضجع، ولذة الفراش، وهجر صاحبته، وعَبَدَ اللَّه ودَعَاه، فيكون أقرب إلى الإجابة.
15. قراءات ووجوه:
أ. قرأ ابن عامر وعاصم وحمزة والكسائي: (أوأنبئكم) بهمزتين، وقرأ أبو جعفر بهمزة واحدة مطولة، واختلف عن أبي عمرو ونافع، وقد بينا ذلك.
ب. قرأ عاصم ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ بضم الراء، وهي لغة قيس، والباقون بكسرها.
16. مسائل نحوية:
أ. موضع ﴿الَّذِينَ﴾ من الإعراب يحتمل ثلاثة أوجه: الجر، والنصب، والرفع: فالجر على الإتباع ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، والرفع على هم الَّذِينَ يقولون فيكون خبر الابتداء، والنصب على المدح بتقدير: أعني الَّذِينَ يقولون.
ب. نصب ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ على المدح، كأنه قال: أعني الصابرين؟ قال الشاعر:
çلا يَبْعَدَنْ قَوْمي الَّذِينَ هُمُ... سُمُّ العُدَاة وَآفَةُ الجُزُرِ
النَّازِلَيِن بِكُل مُعْتَرِكٍ... وَالطَّيِّبُونُ مَعَاقِدَ الُأزُرِé
بتقدير: أعني النازلين، ويجوز رفع ﴿الصَّابِرِينَ﴾ وما بعده على الابتداء والخبر، وقيل ﴿الصَّابِرِينَ﴾ في موضع جر على البدل من ﴿الَّذِينَ﴾
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/186.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. المغفرة هي الستر للذنب برفع التبعة.
ب. الذنب والجرم بمعنى واحد، والفرق بينهما أن أصل الذنب الاتباع، فهو مما يتبع عليه العبد من قبيح عمله كالتبعة، والجرم: أصله القطع فهو القبيح الذي ينقطع به عن الواجب.
ج. الفرق بين القول والكلام أن القول فيه معنى الحكاية، وليس كذلك الكلام.
د. الصابر: الحابس نفسه عن جميع معاصي الله، والمقيم على ما أوجب عليه من العبادات.
هـ. الصادق المخبر بالشئ على ما هو به.
و. القانت: المطيع والأسحار: جمع سحر، وهو الوقت الذي قبيل طلوع الفجر أصله: الخفاء لخفاء الشخص في ذلك الوقت.
ز. السحر منه أيضا لخفاء سببه، والسحر: الرئة لخفاء موضعها.
2. لما صغر الله تعالى الدنيا، وزهد فيها في الآية الأولى، عظم الآخرة وشرفها، ورغب فيها في هذه الآية فقال ﴿قُلْ﴾ يا محمد لأمتك ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أخبركم ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ بأنفع لكم مما سبق ذكره في الآية المتقدمة، من شهوات الدنيا ولذاتها وزهراتها ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ ما حرم الله عليهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ أي: من تحت أشجارها الأنهار، وعلى القول الآخر أخبركم بخير مما سبق للذين اتقوا عند ربهم، ثم ابتدأ فقال جنات أي: ذلك الخير جنات تجري من تحت أبنيتها الأنهار.
3. بين الله بهذا أن أنهار الجنة جارية أبدا، ليست كأنهار الدنيا التي يجري ماؤها تارة، وينقطع أخرى ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي: مقيمين في تلك الجنات ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ من الحيض والنفاس وجميع الأقذار والأدناس، والطبائع الذميمة، والأخلاق اللئيمة ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ ووراء هذه الجنات رضوان من الله ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي: خبير بأفعالهم، وأحوالهم.
4. ثم وصف الله تعالى المتقين الذين سبق ذكرهم في قوله ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ فقال ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ أي: المتقين القائلين ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي: صدقنا الله ورسوله ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ أي: استرها علينا، وتجاوزها عنا ﴿وَقِنَا﴾ أي: وادفع عنا ﴿عَذَابُ النَّارِ﴾
5. ثم وصفهم بصفات أخر، ومدحهم وأثنى عليهم فقال ﴿الصَّابِرِينَ﴾ أي: على فعل ما أمرهم الله به، وترك ما نهاهم عنه، وإن شئت قلت الصابرين على الطاعة وعن المعصية ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في إيمانهم وأقوالهم.
6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾:
أ. قيل: المطيعين، عن قتادة.
ب. وقيل: الدائمين على الطاعة والعبادة، عن الزجاج.
ج. وقيل: القائمين بالواجبات، عن القاضي.
7. ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أموالهم في سبيل الخير، ويدخل فيه الزكاة المفروضة، والتطوع بالإنفاق.
8. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾:
أ. قيل: المصلين وقت السحر، عن قتادة، ورواه الرضا عن أبيه عليه السلام عن أبي عبد الله عليه السلام.
ب. وقيل: السائلين المغفرة في وقت السحر، عن أنس.
ج. وقيل: المصلين صلاة الصبح في جماعة، عن زيد بن أسلم.
د. وقيل: الذين ينتهي صلاتهم إلى وقت السحر، ثم يستغفرونه ويدعون، عن الحسن، وروي عن أبي عبد الله أن من استغفر الله سبعين مرة في وقت السحر، فهو من أهل هذه الآية، وروى أنس بن مالك عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: إن الله، عز وجل، يقول: إني لأهم بأهل الأرض عذابا، فإذا نظرت إلى عمار بيوتي، وإلى المتهجدين، والى المتحابين في، وإلى المستغفرين بالأسحار، صرفته عنهم.
9. قرأ أبو بكر عن عاصم ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ بضم الراء كل القرآن، والباقون بكسر الراء، والرضوان: مصدر، فمن كسره جعله كالرئمان والحرمان، ومن ضمه جعله كالرجحان والشكران والكفران.
10. مسائل نحوية:
أ. اختلف في منتهى الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾:
• قيل: عند قوله ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، ثم استأنف ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي﴾ على تقدير الجواب، كأنه قيل: ما ذلك الخير؟ قال: هو جنات.
• وقيل: منتهى الاستفهام عند قوله: ﴿بخير من ذلك﴾، ثم ابتدأ فقال ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾
ب. بجوز في العربية في إعراب ﴿جَنَّاتُ﴾ الرفع والجر، فالجر على أن يكون آخر الكلام ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ ولا يجوز الجر على الوجه الآخر، للفصل باللام كما لا يجوز أمرت لك بألفين، ولأخيك مائتين، حتى يقول بمائتين، ولو قدمت فقلت: ومائتين لأخيك، لجاز.
ج. ﴿خَالِدِينَ﴾: نصب على الحال.
د. يجوز في موضع ﴿الَّذِينَ﴾ الرفع والنصب والجر، فالجر للاتباع ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ والرفع والنصب على المدح، وكذلك باقي الصفات، ويجوز أن يكون جرا على الصفة ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/713.
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾، روى عطاء بن السّائب عن أبي بكر بن حفص قال لما نزلت ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ﴾ قال عمر: يا ربّ الآن حين زيّنتها!؟ فنزلت: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ ووجه الآية أنه خبّر أنّ ما عنده خير ممّا في الدنيا، وإن كان محبوبا، ليتركوا ما يحبون لما يرجون.
2. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، يعلم من يؤثر ما عنده ممن يؤثر شهوات الدنيا، فهو يجازيهم على أعمالهم.
3. ﴿الصَّابِرِينَ﴾ أي: على طاعة الله عز وجل، وعن محارمه ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في عقائدهم وأقوالهم ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ بمعنى المطيعين لله ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ في طاعته، وقال ابن قتيبة يعني: بالنّفقة الصّدقة.
4. في معنى استغفارهم قولان:
أ. أحدهما: أنه الاستغفار المعروف باللسان، قاله ابن مسعود، والحسن في آخرين.
ب. الثاني: أنه الصّلاة، قاله مجاهد، وقتادة، والضّحّاك ومقاتل في آخرين، فعلى هذا إنما سمّيت الصلاة استغفارا، لأنهم طلبوا بها المغفرة.
5. أما السّحر، فقال إبراهيم بن السّريّ: السّحر: الوقت الذي قبل طلوع الفجر، وهو أول إدبار الليل إلى طلوع الفجر، فوصفهم الله بهذه الطاعات، ثم وصفهم بأنهم لشدّة خوفهم يستغفرون.
__________
(1) زاد المسير: 1/266.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ذكروا في متعلق الاستفهام في قوله تعالى: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ ثلاثة أوجه.
أ. الأول: أن يكون المعنى: هل أنبئكم بخير من ذلكم، ثم يبتدأ فيقال: للذين اتقوا عند ربهم كذا وكذاو.
ب. الثاني: هل أنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا، ثم يبتدأ فيقال: عند ربهم جنّات تجري.
ج. الثالث: هل أنبئكم بخير من ذلكم للذين اتقوا عند ربهم، ثم يبتدئ فيقال: جنّات تجري.
2. في علاقة الآية الكريمة بما قبلها وجوه:
أ. الأول: أنه تعالى لما قال ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ [آل عمران: 14] بيّن في هذه الآية أن ذلك المآب، كما أنه حسن في نفسه فهو أحسن وأفضل من هذه الدنيا، فقال ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾
ب. الثاني: أنه تعالى لما عدد نعم الدنيا بين أن منافع الآخرة خير منها كما قال في آية أخرى ﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾ [الأعلى: 17]
ج. الثالث: كأنه تعالى نبّه على أن أمرك في الدنيا وإن كان حسناً منتظماً إلا أن أمرك في الآخرة خير وأفضل، والمقصود منه أن يعلم العبد أنه كما أن الدنيا أطيب وأوسع وأفسح من بطن الأم، فكذلك الآخرة أطيب وأوسع وأفسح من الدنيا، وإنما قلنا: إن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا، لأن نعم الدنيا مشوبة بالمضرة، ونعم الآخرة خالية عن شوب المضار بالكلية، وأيضاً فنعم الدنيا منقطعة لا محالة، ونعم الآخرة باقية لا محالة.
3. ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ بينا في تفسير قوله تعالى: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾ [البقرة: 2] أن التقوي ما هي وبالجملة، فإن الإنسان لا يكون متقياً إلا إذا كان آتياً بالواجبات، متحرزاً عن المحظورات، وقال بعض أصحابنا: التوقي عبارة عن اتقاء الشرك، وذلك لأن التقوي صارت في عرف القرآن مختصة بالإيمان، قال تعالى: ﴿وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التَّقْوَى﴾ [الفتح: 26] وظاهر اللفظ أيضاً مطابق له، لأن الاتقاء عن الشرك أعم من الاتقاء عن جميع المحظورات، ومن الاتقاء عن بعض المحظورات، لأن ماهية الاشتراك لا تدل على ماهية الامتياز، فحقيقة التقوي وماهيتها حاصلة عند حصول الاتقاء عن الشرك، وعرف القرآن مطابق لذلك، فوجب حمله عليه فكان قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ محمولًا على كل من اتقى الكفر بالله.
4. في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ احتمالان:
أ. الأول: أن يكون ذلك صفة للخير، والتقدير: هل أنبئكم بخير من ذلكم عند ربهم للذين اتقوا.
ب. الثاني: أن يكون ذلك صفة للذين اتقوا والتقدير: للذين اتقوا عند ربهم خير من منافع الدنيا ويكون ذلك إشارة إلى أن هذا الثواب العظيم لا يحصل إلا لمن كان متقياً عند الله تعالى، فيخرج عنه المنافق، ويدخل فيه من كان مؤمناً في علم الله.
5. ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وصف لطيب الجنّة ودخل تحته جميع النعم الموجودة فيها من المطعم والمشرب والملبس والمفرش والمنظر، وبالجملة فالجنة مشتملة على جميع المطالب، كما قال تعالى: ﴿فِيها ما تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ﴾ [الزخرف: 71]، ثم قال ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ والمراد كون تلك النعم دائمة.
6. ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ ذكرنا لطائفها عند قوله تعالى في سورة البقرة: ﴿وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ [البقرة: 25] وتحقيق القول فيه أن النعمة وإن عظمت فلن تتكامل إلا بالأزواج اللواتي لا يحصل الأنس إلا بهن، ثم وصف الأزواج بصفة واحدة جامعة لكل مطلوب، فقال ﴿مُطَهَّرَةً﴾ ويدخل في ذلك: الطهارة من الحيض والنفاس وسائر الأحوال التي تظهر عن النساء في الدنيا مما ينفر عنه الطبع، ويدخل فيه كونهن مطهرات من الأخلاق الذميمة ومن القبح وتشويه الخلقة، ويدخل فيه كونهن مطهرات من سوء العشرة.
7. ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ قال المتكلمون: الثواب له ركنان:
أ. أحدهما: المنفعة، وهي التي ذكرناها.
ب. الثاني: التعظيم، وهو المراد بالرضوان، وذلك لأن معرفة أهل الجنة مع هذا النعيم المقيم بأنه تعالى راض عنهم، حامد لهم، مثن عليهم، أزيد في إيجاب السرور من تلك المنافع.
8. ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ قال الحكماء: الجنّات بما فيها إشارة إلى الجنة الجسمانية، والرضوان فهو إشارة إلى الجنة الروحانية وأعلى المقامات إنما هو الجنة الروحانية، وهو عبارة عن تجلي نور جلال الله تعالى في روح العبد واستغراق العبد في معرفته، ثم يصير في أول هذه المقامات راضياً عن الله تعالى، وفي آخرها مرضياً عند الله تعالى، والله الإشارة بقوله تعالى: ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 28] ونظير هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ [التوبة: 72]
9. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي عالم بمصالحهم، فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهدهم فيه من أمور الدنيا.
10. في إعراب موضع ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ وجوه:
أ. الأول: أنه خفض صفة للذين اتقوا، وتقدير الآية: للذين اتقوا الذين يقولون، ويجوز أن يكون صفة للعباد، والتقدير: والله بصير بالعباد وأولئك هم المتقون الذين لهم عند ربهم جنّات هم الذين يقولون كذا وكذاو.
ب. الثاني: أن يكون نصباً على المدح.
ج. الثالث: أن يكون رفعاً على التخصيص، والتقدير: هم الذين يقول كذا وكذا.
11. حكى الله تعالى عنهم أنهم قالوا: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ ثم إنهم قالوا بعد ذلك: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، وذلك يدل على أنهم توسلوا بمجرد الإيمان إلى طلب المغفرة والله تعالى حكى ذلك عنهم في معرض المدح لهم، والثناء عليهم، فدل هذا على أن العبد بمجرد الإيمان يستوجب الرحمة والمغفرة من الله تعالى، فإن قال المخالفون: الإيمان عبارة عن جميع الطاعات أبطلنا ذلك عليهم بالدلائل المذكورة في تفسير قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ﴾ وأيضاً فمن أطاع الله تعالى في جميع الأمور، وتاب عن جميع الذنوب، كان إدخاله النار قبيحاً من الله عندهم، والقبيح هو الذي يلزم من فعله، إما الجهل، وإما الحاجة فهما محالان، ومستلزم المحال محال، فإدخال الله تعالى إياهم النار محال، وما كان محال الوقوع عقلًا كان الدعاء والتضرع في أن لا يفعله الله عبثاً وقبيحاً، ونظير هذه الآية قوله تعالى في آخر هذه السورة ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ [آل عمران: 193]
12. سؤال وإشكال: أليس أنه تعالى اعتبر جملة الطاعات في حصول المغفرة حيث اتبع هذه الآية بقوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ [آل عمران: 17]؟ والجواب: تأويل هذه الآية ما ذكرناه، وذلك لأنه تعالى جعل مجرّد الإيمان وسيلة إلى طلب المغفرة، ثم ذكر بعدها صفات المطيعين وهي كونهم صابرين صادقين، ولو كانت هذه الصفات شرائط لحصول هذه المغفرة لكان ذكرها قبل طلب المغفرة أولى، فلما رتب طلب المغفرة على مجرد الإيمان، ثم ذكر بعد ذلك هذه الصفات، علمنا أن هذه الصفات غير معتبرة في حصول أصل المغفرة، وإنما هي معتبرة في حصول كمال الدرجات.
13. ﴿الصَّابِرِينَ﴾ قيل نصب على المدح بتقدير: أعني الصابرين، وقيل: الصابرين في موضع جر على البدل من الذين.
14. ذكر الله تعالى هاهنا صفات خمسة:
أ. الأولى: كونهم صابرين، والمراد كونهم صابرين في أداء الواجبات والمندوبات، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن الله تعالى، كما قال ﴿الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لله وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 156] قال سفيان بن عيينة في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا﴾ [السجدة: 24] إن هذه الآية تدل على أنهم إنما استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر، ويروى أنه وقف رجل على الشلبي، فقال: أي صبر أشد على الصابرين؟ فقال الصبر في الله تعالى، فقال لا، فقال: الصبر لله تعالى فقال لا فقال: الصبر مع الله تعالى، قال لا قال فأيش؟ قال الصبر عن الله تعالى، فصرخ الشبلي صرخة كادت روحه تتلف، وقد كثر مدح الله تعالى للصابرين، فقال: ﴿وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ﴾ [البقرة: 177]
ب. الثانية: كونهم صادقين، ولفظ الصدق قد يجري على القول والفعل والنيّة، فالصدق في القول مشهور، وهو مجانبة الكذب والصدق في الفعل الإتيان به وترك الانصراف عنه قبل تمامه، يقال: صدق فلان في القتال وصدق في الحملة، ويقال في ضده: كذب في القتال، وكذب في الحملة، والصدق في النيّة إمضاء العزم والإقامة عليه حتى يبلغ الفعل.
ج. الثالثة: كونهم قانتين، وقد فسرناه في قوله تعالى: ﴿وَقُومُوا لله قَانِتِينَ﴾ [البقرة: 238] وبالجملة فهو عبارة عن الدوام على العبادة والمواظبة عليها.
د. الرابعة: كونهم منفقين ويدخل فيه إنفاق المرء على نفسه وأهله وأقاربه وصلة رحمه وفي الزكاة والجهاد وسائر وجوه البر.
هـ. الخامسة: كونهم مستغفرين بالأسحار، والسحر الوقت الذي قبل طلوع الفجر، وتسحر إذا أكل في ذلك الوقت، واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلّى قبل ذلك فقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل، وللاستغفار بالسحر مزيد أثر في قوة الإيمان وفي كمال العبودية من وجوه:
• الأول: أن في وقت السحر يطلع نور الصبح بعد أن كانت الظلمة شاملة للكل، وبسبب طلوع نور الصبح كأن الأموات يصيرون أحياء، فهناك وقت الجود العام والفيض التام، فلا يبعد أن يكون عند طلوع صبح العالم الكبير يطلع صبح العالم الصغير، وهو ظهور نور جلال الصغير، وهو ظهور نور جلال الله تعالى في القلب.
• الثاني: أن وقت السحر أطيب أوقات النوم، فإذا أعرض العبد عن تلك اللذة، وأقبل على العبودية، كانت الطاعة أكمل.
• الثالث: نقل عن ابن عباس ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ يريد المصلين صلاة الصبح.
15. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ أكمل من قوله: الذين يصبرون ويصدقون، لأن قوله تعالى: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ يدل على أن هذا المعنى عادتهم وخلقهم، وأنهم لا ينفكون عنها.
16. لله تعالى على عباده أنواع من التكليف، والصابر هو من يصبر على أداء جميع أنواعها، ثم إن العبد قد يلتزم من عند نفسه أنواعا أخر من الطاعات، وإما بسبب الشروع فيه، وكمال هذه المرتبة أنه إذا التزم طاعة أن يصدق نفسه في التزامه، وذلك بأن يأتي بذلك للملتزم من غير خلل ألبتة، ولما كانت هذه المرتبة متأخرة عن الأولى، لا جرم ذكر سبحانه الصابرين أولا ثم قال: ﴿الصَّادِقِينَ﴾ ثانيا، ثم إنه تعالى ندب إلى المواظبة على هذين النوعين من الطاعة، فقال: ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ فهذه الألفاظ الثلاثة للترغيب في المواظبة على جميع أنواع الطاعات، ثم بعد ذلك ذكر الطاعات المعينة، وكان أعظم الطاعات قدرا أمران:
أ. أحدهما: الخدمة بالمال، وإليه الإشارة بقوله صلّى الله عليه وآله وسلم: (والشفقة على خلق الله)، فذكر هنا بقوله تعالى: ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾
ب. الثانية: الخدمة بالنفس وإليه الإشارة بقوله صلّى الله عليه وآله وسلم: (التعظيم لأمر الله)، فذكره هنا بقوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾
17. سؤال وإشكال: لم قدم هاهنا ذكر المنفقين على ذكر المستغفرين، وأخر في قوله صلّى الله عليه وآله وسلم: (التعظيم لأمر الله والشفقة على خلق الله)، والجواب: لأن هذه الآية في شرح عروج العبد من الأدنى إلى الأشرف، فلا جرم وقع الختم بذكر المستغفرين بالأسحار، وقوله: (التعظيم لأمر الله) في شرح نزول العبد من الأشرف إلى الأدنى، فلا جرم كان الترتيب بالعكس.
18. هذه الخمسة إشارة إلى تعديد الصفات لموصوف واحد، فكان الواجب حذف واو العطف عنها كما في قوله تعالى: ﴿هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ﴾ [الحشر: 24] إلا أنه ذكر هاهنا واو العطف وأظن والعلم عند الله أن كل من كان معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح العظيم واستوجب هذا الثواب الجزيل.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/164.
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. الاستفهام عند قوله: ﴿مِنْ ذَلِكُمْ﴾،﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ خبر مقدم، و﴿جَنَّاتُ﴾ رفع بالابتداء، وقيل: منتهاه ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾، و﴿جَنَّاتُ﴾ على هذا رفع بابتداء مضمر تقديره ذلك جنات، ويجوز على هذا التأويل ﴿جَنَّاتُ﴾ بالخفض بدلا من ﴿بِخَيْرٍ﴾ ولا يجوز ذلك على الأول، قال ابن عطية: وهذه الآية والتي قبلها نظير قوله صلّى الله عليه وآله وسلم: (تنكح المرأة لأربع لمالها وحسبها وجمالها ودينها فاظفر بذات الدين تربت يداك) خرجه مسلم وغيره، فقوله: (فاظفر بذات الدين) مثال لهذه الآية، وما قبل مثال للأولى، فذكر تعالى هذه تسلية عن الدنيا وتقوية لنفوس تاركيها.
2. الرضوان مصدر من الرضا، وهو أنه (إذا دخل أهل الجنة الجنة يقول الله تعالى لهم تريدون شيئا أزيدكم؟ فيقولون: يا ربنا وأى شي أفضل من هذا؟ فيقول: رضاي فلا أسخط عليكم بعده أبدا) خرجه مسلم، وفي قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ وعد ووعيد.
3. ﴿الَّذِينَ﴾ بدل من قوله ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وإن شئت كان رفعا أي هم الذين، أو نصبا على المدح، ﴿رَبِّنَا﴾ أي يا ربنا، ﴿إِنَّنَا آمَنَّا﴾ أي صدقنا، ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ دعاء بالمغفرة، ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ تقدم في البقرة.
4. ﴿الصَّابِرِينَ﴾ يعني عن المعاصي والشهوات، وقيل: على الطاعات، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ أي في الأفعال والأقوال ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ الطائعين، ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ يعني في سبيل الله، وقد تقدم في البقرة هذه المعاني على الكمال، ففسر تعالى في هذه الآية أحوال المتقين الموعودين بالجنات.
5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، فقال أنس بن مالك: هم السائلون المغفرة، قتادة: المصلون.. ولا تناقض، فإنهم يصلون ويستغفرون، وخص السحر بالذكر لأنه مظان القبول ووقت إجابة الدعاء، قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم في تفسير قوله تعالى مخبرا عن يعقوب صلّى الله عليه وآله وسلم لبنيه: ﴿سَوْفَ أَسْتَغْفِرُ لَكُمْ رَبِّي﴾: (إنه أخر ذلك إلى السحر) خرجه الترمذي، وسأل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم جبريل أي الليل أسمع؟ فقال: (لا أدري غير أن العرش يهتز عند السحر)، يقال سحر وسحر، بفتح الحاء وسكونها، وقال الزجاج: السحر من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر الثاني، وقال ابن زيد: السحر هو سدس الليل الأخر.. وأصح من هذا ما روى الأئمة عن أبي هريرة عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال: (ينزل الله تعالى إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأول فيقول أنا الملك أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر) في رواية حتى ينفجر الصبح) لفظ مسلم، وقد اختلف في تأويله، وأولى ما قيل فيه ما جاء في كتاب النسائي مفسرا عن أبي هريرة وأبي سعيد قالا قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (إن الله تعالى يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا فيقول هل من داع يستجاب له هل من مستغفر يغفر له هل من سائل يعطى)، صححه أبو محمد عبد الحق، وهو يرفع الإشكال ويوضح كل احتمال، وأن الأول من باب حذف المضاف، أي ينزل ملك ربنا فيقول، وقد روي ﴿يُنَزِّلُ﴾ بضم الياء، وهو يبين ما ذكرنا.
6. الاستغفار مندوب إليه، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية وغيرها فقال: ﴿وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾:
أ. وقال أنس بن مالك: أمرنا أن نستغفر بالسحر سبعين استغفارة.
ب. وقال سفيان الثوري: (بلغني أنه إذا كان أول الليل نادى مناد ليقم القانتون فيقومون كذلك يصلون إلى السحر، فإذا كان عند السحر نادى مناد: أين المستغفرون فيستغفر أولئك، ويقوم آخرون فيصلون فيلحقون بهم، فإذا طلع الفجر نادى مناد: ألا ليقم الغافلون فيقومون من فرشهم كالموتى نشروا من قبورهم، وروي عن أنس سمعت النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يقول: إن الله يقول إني لأهم بعذاب أهل الأرض فإذا نظرت إلى عمار بيوتي وإلى المتحابين في وإلى المتهجدين والمستغفرين بالأسحار صرفت عنهم العذاب بهم)
ج. وقال مكحول: إذا كان في أمة خمسة عشر رجلا يستغفرون الله كل يوم خمسا وعشرين مرة لم يؤاخذ الله تلك الامة بعذاب العامة، ذكره أبو نعيم في كتاب الحلية له.
د. وقال نافع: كان ابن عمر يحيي الليل ثم يقول: يا نافع أسحرنا؟ فأقول لا، فيعاود الصلاة ثم يسأل، فإذا قلت نعم فهو يستغفر.
هـ. وروى إبراهيم بن حاطب عن أبيه قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد يقول: يا رب، أمرتني فأطعتك، وهذا سحر فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن مسعود.
7. هذا كله يدل على أنه استغفار باللسان مع حضور القلب، لا ما قال ابن زيد أن المراد بالمستغفرين الذين يصلون صلاة الصبح في جماعة.. قال لقمان لابنه: يا بني لا يكن الديك أكيس منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم.
8. المختار من لفظ الاستغفار ما رواه البخاري عن شداد بن أوس، وليس له في الجامع غيره، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال: (سيد الاستغفار أن تقول اللهم أنت ربي لا إله إلا أنت خلقتني وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت أعوذ بك من شر ما صنعت أبوء لك بنعمتك علي وأبوء بذنبي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت ـ قال ـ ومن قالها من النهار موقنا بها فمات من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات من ليله قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة)، وروى أبو محمد عبد الغني بن سعيد عن علي بن أبي طالب أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أخذ بيد علي بن أبي طالب ثم قال: ألا أعلمك كلمات تقولهن لو كانت ذنوبك كمدب النمل ـ أو كمدب الذر ـ لغفرها الله لك على أنه مغفور لك: اللهم لا إله إلا أنت سبحانك عملت سوءا وظلمت نفسي فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت)،
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/38.
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ أي: هل أخبركم بما هو خير لكم من تلك المستلذات، وإبهام الخير للتفخيم، ثم بينه بقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ وعند: في محل نصب على الحال من جنات، وهي مبتدأ، وخبرها: للذين اتقوا، ويجوز أن تتعلق اللام بخير، وجنات: خبر مبتدأ مقدّر، أي: هو جنات، وخص المتقين لأنهم المنتفعون بذلك.
2. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ بدل من قوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ أو خبر مبتدأ محذوف، أي: هم الذين، أو منصوب على المدح، والصابرين وما بعده: نعت للموصول على تقدير كونه بدلا، أو منصوبا على المدح، وعلى تقدير كونه خبرا يكون الصابرين وما بعده: منصوبة على المدح.
3. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ هم السائلون للمغفرة بالأسحار، وقيل: المصلون، والأسحار: جمع سحر بفتح الحاء وسكونها، قال الزجاج: هو من حين يدبر الليل إلى أن يطلع الفجر، وخص الأسحار لأنها من أوقات الإجابة.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/372.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. لما ذكر تعالى ما عنده من حسن المآب إجمالا، أشار إلى تفصيله مبالغة في الترغيب فقال: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ أي الشهوات المزينة لكم ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ الله ولم ينهمكوا في شهواتهم ﴿عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ من أنواع الأشربة من العسل واللبن والخمر والماء وغير ذلك مما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
2. ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ خبر المبتدأ الذي هو ﴿جَنَّاتُ﴾ و﴿تَجْرِي﴾ صفة لها، و﴿عِنْدَ﴾ إما متعلق بما تعلق به الجار من معنى الاستقرار، وإما صفة للجنات في الأصل، قدّم فانتصب على الحال، والعندية مفيدة لكمال علو رتبة الجنات وسمو طبقتها ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾ أي ماكثين فيها أبد الآباد لا يبغون عنها حولا ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ أي من الأرجاس والأدناس البدنية والطبيعية مما لا يخلو عنه نساء الدنيا غالبا.
3. ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ التنوين للتفخيم أي رضوان لا يقدر قدره، وهذه اللذة الروحانية تتمة ما حصل لهم من اللذات الجسمانية وأكبرها، كما قال تعالى في آية براءة ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72]، أي أعظم ما أعطاهم من النعيم المقيم، روى الشيخان عن أبي سعيد الخدريّ أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال إن الله عزّ وجلّ يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة! فيقولون: لبيك ربنا وسعديك، فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك؟ فيقول: أنا أعطيكم أفضل من ذلك؟ قالوا: يا ربنا وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحلّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم بعده أبدا.
4. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي عالم بمصالحهم فيجب أن يرضوا لأنفسهم ما اختاره لهم من نعيم الآخرة، وأن يزهدوا فيما زهّدهم فيه من أمور الدنيا، ثم وصف سبحانه الذين اتقوا ففازوا بتلك الكرامات بقوله:
5. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ قال الحاكم: في الآية دلالة على أنه يجوز للداعي أن يذكر طاعاته وما تقرب به إلى الله، ثم يدعو ويؤيده ما في الصحيحين من حديث أصحاب الغار، وتوسل كل منهم بصالح عمله، ثم تفريج الباري تعالى عنهم.
6. ﴿الصَّابِرِينَ﴾ أي على البأساء والضراء وحين البأس ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في إيمانهم وأقوالهم ونياتهم ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ المطيعين لله الخاضعين له ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ أموالهم في سبيل الله تعالى من الأرحام والقرابات، وسد الخلات، ومواساة ذوي الحاجات.
7. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، جمع سحر (بفتحتين وفتح وسكون) وهو الوقت الذي قبيل طلوع الفجر آخر الليل، وتسحّر إذا أكل في ذلك الوقت، قال الحرالىّ: وفي إفهامه تهجدهم في الليل كما قال تعالى: ﴿كَانُوا قَلِيلًا مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ وَبِالْأَسْحَارِ هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ﴾ [الذاريات: 17 ـ 18]، وقال الرازيّ: واعلم أن المراد منه من يصلي بالليل ثم يتبعه بالاستغفار والدعاء، لأن الإنسان لا يشتغل بالدعاء والاستغفار إلا أن يكون قد صلّى قبل ذلك، فقوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ يدل على أنهم كانوا قد صلوا بالليل.. وقد روى ابن أبي حاتم أن عبد الله بن عمر كان يصلي من الليل، ثم يقول: يا نافع! هل جاء السحر؟ فإذا قال نعم، أقبل على الدعاء والاستغفار حتى يصبح، وروى ابن مردويه عن أنس بن مالك قال: كنا نؤمر إذا صلينا من الليل أن نستغفر في آخر السحر سبعين مرة، وروى ابن جرير عن حاطب قال: سمعت رجلا في السحر في ناحية المسجد وهو يقول: يا رب أمرتني فأطعتك، وهذا السحر، فاغفر لي، فنظرت فإذا هو ابن مسعود، وثبت في الصحيحين وغيرهما من المسانيد والسنن من غير وجه عن جماعة من الصحابة أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: ينزل ربنا، تبارك وتعالى، كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، يقول: من يدعوني فأستجيب له؟ من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟ وفي رواية لمسلم: ثم يبسط يديه تبارك وتعالى ويقول: من يقرض غير عدوم ولا ظلوم؟ وفي رواية: حتى ينفجر الفجر.. قال الحافظ ابن كثير: وقد أفرد الحافظ أبو الحسن الدارقطنيّ في ذلك جزءا على حدة فرواه من طرق متعددة، ويروى أن بعض الصالحين قال لابنه: يا بنيّ! لا يكن الديك أحسن منك، ينادي بالأسحار وأنت نائم.
8. الحكمة في تخصيص الأسحار كونه وقت غفلة الناس عن التعرض للنفحات الرحمانية، والألطاف السبحانية، وعند ذلك تكون العبادة أشق، والنية خالصة، والرغبة وافرة، مع قربه، تعالى وتقدس، من عباده، قال السيوطيّ: في الآية فضيلة الاستغفار في السحر، وأن هذا الوقت أفضل الأوقات، وقال الرازيّ: واعلم أن الاستغفار بالسحر له مزيد أثر في قوة الإيمان، وفي كمال العبودية.
9. قال الزمخشريّ: الواو المتوسطة بين الصفات، للدلالة على كمالهم في كل واحدة منها.
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/293.
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُل﴾ للناس، كما عمَّ في قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ أولى من أن يقال: قل لقومك، ﴿اَوُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَالِكُمْ﴾ أي: من ذلكم المزيَّن من الشهوات، والاستفهام لتحقيق خيريَّة ما عند الله على ذلك، والخيريَّة للزيادة المطلقة، أو من قبيل: (العسل أحلى من الخلِّ)، أو باعتبار أنَّ الخير متحقِّق في مستلذَّات الدنيا إذا كانت على وجه قصد الدين.
2. واستأنف بقوله: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْاْ﴾؛ أو بقوله: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ﴾، أي: عنده لهم، أو بقوله: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الَانْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ﴾ أي: هو جنَّات، وفي الأوجه الثلاثة تفصيل بعد إبهام، والاستئناف نحويٌّ أو بيانيٌّ، أي: ما هو ولمن هو، والتقوى: اجتناب الكبائر أو مع الصغائر، والإصرار عليها كبيرة، لا اجتناب الشرك فقط، إِلَّا من تاب بعد توحيده وقبل وجوب فرض فعل أو ترك، أو ترك الشهوات الشاغلة عن الطاعة، وضعِّف ما قيل: إنَّ المراد بالتقوى ترك الإعراض عن الله.
﴿خَالِدِينَ﴾ بمعنى مقدِّرين الخلود، وصاحب الحال (الَّذِينَ) قبلُ، أو (جَنَّاتٌ)، أو نعت (جَنَّاتٌ) في قراءة كسر تاء (جَنَّاتٌ) على أنَّه بدل (خَيْرٍ)، أي: جنَّات موصوفة بأنَّهم خالدون فيها، وعليه فلم يبرز الضمير مع جريان الوصف لغير ما هو له لظهور المراد، وهذا على قول الكوفيِّين، كما هو وجه في [قوله تعالى]: ﴿أَجْرًا حَسَنًا مَّاكِثِينَ فِيهِ أَبَدًا﴾ [الكهف: 2 ـ 3]، ولو برز لقيل: خالدا هم وماكثًا هم.
3. والمراد بتطهير الأزواج جعلها غير مقترنة بما يستقذر، كالحيض ورطوبة الفرج والبصاق والمنيِّ مع لذَّة جماع لا يدرك أحد غايتها، أو الوسخ ودنس الطبع وسوء الخلق، وقدِّم الخلود عن الأزواج هنا، وأُخِّر في البقرة؛ لأنَّ النساء من جنس ما يشتهونه في الدنيا، فذكِرت بأَنَّ حالها مخالفة للنساء التي يشتهونها في الدنيا، ولذا خُصَّت بالذكر من بين النعم التي تفهم من ذكر الجنَّة، وأيضا ذكر الجنَّة وأزال خوف الفوت بذكر الخلود، وذكر بعض نعمها ومنها الأزواج، فبيَّن أنَّ نساء الجنَّة الآدميَّات والحور ليس فيهنَّ ما في الدنيا من الكدر.
4. (لِلَّذِينَ) خبر لمحذوف، أي: ذلك الخير للذين، و(جَنَّاتٌ) كذلك، أي: هو جنَّات، أو (جَنَّاتٌ) خبره (لِلَّذِينَ)؛ أو (لِلَّذِينَ) متعلِّق بـ (خَيْرٍ)، و(جَنَّاتٌ) خبر لمحذوف كما رأيت، ويجوز تعليقه بمحذوف نعت لـ (خَيْرٍ)، و(عِندَ) متعلِّق بمحذوف نعت لـ (خَيْرٍ)؛ أو حال منه؛ أو متعلِّق باستقرار (لِلَّذِينَ)؛ أو به لنيابته عنه إذا جعل خَبَرًا لـ (جَنَّاتٌ)؛ أو لمحذوف؛ أو نعتا لـ (خَيْرٍ).
5. ﴿وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللهِ﴾ عظيم كثير، بمعنى إحسان، وهو فعل لله؛ أو نفي لسلب النعم ولحلول النقم، وإثبات لكونهم من أوليائه أبدا، فهو صفة لله تعالى ، وأخَّر الرضوان على سبيل الترقِّي؛ يقول الله تعالى : (يا أهل الجنَّة هل رضيتم؟ فيقولون: يا ربَّنا ما لنا لا نرضى وقد أعطيتنا ما لم تعط أحدا من خلقك! فيقول جلَّ شأنه: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون يا ربَّنا وأيُّ شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحلُّ عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبدا).
6. ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ عليم بهم وبأحوالهم فيجازي كلًّا من المطيع والعاصي بما يستحقُّ، أو المراد بالعباد الذين اتَّقوا؛ فلذا أعدَّ لهم الجنَّة، والأوَّل لعمومه أولى، وعلى الثاني يكون قوله: ﴿الَّذِينَ﴾ نعتا لـ (الْعِبَادِ)، وعلى الأوَّل نعتا لقوله: (الَّذِينَ اتَّقَوْا) أو التقدير: هم الذين؛ أو أَمدحُ الذين، ﴿يَقُولُونَ رَبَّنَآ إنَّنَآ ءَامَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ صغائرنا وكبائرنا، ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ والمراد: آمنَّا إيمانا تامًّا، وهو التوحيد وأداء الفرائض واجتناب المناهي؛ أو آمنَّا وامتثلنا وانتهينا بحسب ما يظهر لنا، ويدلُّ لذلك ذكر التقوى قبلُ، فلا دليل في الآية على أنَّ الإيمان ـ أي: التوحيد ـ كاف مطلقًا في الغفران ووقاية النار، وأنت خبير بأنَّ الإيمان يطلق كثيرا شائعا على العمل، كقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُم﴾ [البقرة: 143]، وقوله صلّى الله عليه وآله وسلّم : (الإيمان بضع وستُّون جزءًا، أدناها إماطة الأذى).
7. ﴿الصَّابِرِينَ﴾ عَلَى الطاعات والمصائب، وعن المعاصي والشهوات، نعت (الْعِبَادِ)، أو (الَّذِينَ اتَّقَوْا)، أو اِعرف يا محمَّد الصابرين، أو امدحهم، ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في الإيمان قولا وفعلا واعتقادا، ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ المطيعين لله فرضا ونفلا، أو المداومين على العبادة، ﴿وَالْمُنفِقِينَ﴾ في الجهاد وأنواع الأجر فرضا ونفلا.
8. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالَاسْحَارِ﴾ في الأسحار بقولهم: اللهم اغفر لنا، أو بالصلاة، وبه قال مجاهد والكلبي، قال لقمان لابنه: (لا تكن أعجز من هذا الدِّيك يصوِّت بالأسحار وأنت نائم على فراشك)، وأخرج ابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم: (هم الذين يشهدون صلاة الفجر)، وهو خلاف الظاهر، وذكر الطبريُّ أنَّ ابن عمر يحيي اللَّيل صلاةً ويقول: يا نافع أسحرنا؟ فيقول: لا، فيعود للصلاة، وإذا قال: نعم قعد يستغفر الله تعالى ويدعو حتَّى يصبح، وأخرج ابن مردويه عن أنس عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم : (إنَّه أمرنا أن نستغفر الله تعالى سبعين استغفارة بالأسحار)، وخصَّ السَّحَر لأنَّه وقت الغفلة وقلَّة ما يشوِّش، فالنفس فيه أصفى، والروع مجتمع، ولذَّة النوم فيه أعظم، فالعبادة أقرب فيه إلى القبول، أو أنَّهم يصلُّون اللَّيل ويستغفرون بالأسحار كأنَّهم أذنبوا في ليلهم؛ وأيضا يعتاد الدُّعاء والاستغفار بعد الصلاة، وهو ثلث اللَّيل الأخير، أو سدسه، أو من طلوع الفجر المستطيل، أو الوقت قبل طلوع الفجر المستطير، أو اختلاط ظلام اللَّيل بضياء النهار، فيشمل فرض الفجر وسنَّته وأذكارهما، وأصل السحر للشيء الخفِيِّ لخفائه، والعطف جمع لصفات متعدِّدة لموصوف، وحكمته التلويح إلى أنَّها كلُّ واحدة منها ركن عظيم مستقلٌّ في المدح، وكأنَّه قيل: الجامعين بين الصبر والقنوت والإنفاق والاستغفار بالأسحار، أو صفات لموصوفين كلُّ واحد مستغرق في واحدة مشارك في غيرها كما يقال: (من أكثر في شيء عرف به)، أي: القوم الصابرين، والقوم الصادقين، والقوم القانتين، والقوم المنفقين، والقوم المستغفرين بالأسحار، قال داود عليه السلام : (يا جبريل، أيُّ اللَّيل أفضل؟ قال: لا أدري سوى أنَّ العرش يهتزُّ بالسحر).
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/217.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. للعرب في مثل همزتي ﴿أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ أي ما كانت أولاهما مفتوحة والثانية مضمومة أربع لغات، قرئ بها القرآن بإذن الله على لسان رسوله تسهيلا عليهم هنا، وفي قوله تعالى: ﴿أَأُنْزِلَ﴾ في سورة ص وقوله: ﴿أَأُلْقِيَ﴾ في سورة القمر، وليس في القرآن سواها:
أ. إحداها: تحقيق الهمزتين من غير مد بينهما وعليه القراء الكوفيون وابن ذكوان عن ابن عامر وهشام في رواية عنه في السور الثلاث.
ب. الثانية: تحقيق الهمزتين مع المد بينهما وهي رواية عن هشام في السور الثلاث.
ج. الثالثة: تحقيق الأولى وتسهيل الثانية مع المد بينهما، والتسهيل قراءة الهمزة بين نفسها وبين حرف حركتها، وهو أن تجعل هنا بين الهمزة والواو، ويعبر بعضهم عن المد بإدخال ألف بين الهمزتين والمعنى واحد وهي قراءة قالون.
د. الرابعة: تحقيق الأولى وتسهيل الثانية من غير مد، وهي قراءة ورش وابن كثير.
2. هناك قراءة مركبة من لغتين، وهي المد وعدمه مع التسهيل وهي قراءة أبي عمرو، وعن هشام تفريق بين ما هنا وما في القمر وص وهو أنه المد هنا مع التحقيق، والقصر هناك معه.
3. في قوله تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ﴾ لغتان ضم الراء وهي قراءة عاصم فيما عدا قوله تعالى: ﴿يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ﴾ وكسرها وهي قراءة الباقين في جميع القرآن.
4. ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ الآية، بيان وتفصيل لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ وبدأه بالاستفهام لأجل توجيه النفوس إلى الجواب وتشويقها إليه، والتنبئة بالشيء: التخبير به كالإنباء بمعنى الإخبار، وقال في الكليات: النبأ والإنباء لم يردا في القرآن إلا لما له وقع وشأن عظيم وعلى هذا يكون التعبير بمادة النبأ تشويقا آخر.
5. ﴿لَكُمْ﴾ إشارة إلى ما تقدم ذكره من النساء والبنين وسائر الشهوات المذكورة في الآية السابقة.
6. كون ما سيأتي في جواب الاستفهام خيرا من تلك الشهوات يشعر بأن تلك الشهوات خير في نفسها أو ليست بشر، والصواب أنها خير، ومن أجل نعم الله تعالى على الناس، وإنما يعرض الشر فيها كما يعرض في سائر نعمه تعالى على الناس في أنفسهم كحواسهم وعقولهم وفي غيرها حتى في الشريعة، فالذي يسرف في حب النساء حتى يعطي امرأة أو ولدها حق غيرهما أو يهمل لأجلها تربية ولده من غيرها أو يترك حق الله وطاعته تقربا إليها أو يعتدي في ذلك بأن يحب امرأة غيره، هو كمن يستعمل عقله في استنباط الحيل لهضم حقوق الناس وإيذائهم، أو يحتال في نصوص الشريعة ويئولها حتى يفوت الغرض من الأحكام، وتترك الفرائض وتهدم الأركان، فسوء سلوك الناس في الانتفاع بالنعم لا يدل على أن النعم شر في ذاتها ولا كون حبها شرا مع القصد والوقوف عند حدود الشريعة والفطرة في ذلك.
7. الجواب عن الاستفهام هو قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ جعل ما أعده للمتقين من الجزاء على التقوى نوعين:
أ. نوعا جسمانيا نفسيا وهو الجنات وما فيها من الخيرات، والأزواج المطهرات مما يعهد في نساء الدنيا من الشوائب.
ب. ونوعا روحانيا عقليا وهو رضوان الله تعالى.
8. تقدم تفسير التقوى والجنات والأزواج المطهرة في سورة البقرة.. ولا يخفى ما في إضافة لفظ رب إلى ضمير المتقين من الإشعار بفضلهم وعناية من رباهم بعنايته وتوفيقه بشأنهم.
9. الرضوان: مصدر بمعنى الرضا مع ما في زيادة المبنى من المبالغة في المعنى فكأنه قال: ورضوان عظيم من الله لا يشوبه ولا يعقبه سخط، وفي سورة التوبة: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾، وفي هذا من تفضيل الرضوان على نعيم الجنات وما فيها ما لا غاية وراءه وفي سورة الحديد: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ وهذه الآية أوجز من الآية التي نفسرها على أنها في موضوعها، وفيها من زيادة الفائدة بيان جزاء المسرفين والمعتدين في هذه الشهوات الدنيوية التي تشغلهم عن حقوق الله وتحملهم على هضم حقوق خلقه، وجزاء المقتصدين الذين يتقون الله في تمتعهم ولا ينسون الله ولا الدار الآخرة، ولعلنا إذا أمهل الزمان وبلغنا سورة الحديد نبين ما في الآية(2).
10. قال محمد عبده في تفسير الرضوان في الآية: وأكبر من هذه اللذات كلها رضوان الله تعالى، وهذا يدلنا على أن أهل الجنة طبقات ومراتب كما نراهم في الدنيا، فمن الناس من لا يفهم معنى رضوان الله تعالى ولا يكون باعثا له على ترك الشر ولا على فعل الخير، وإنما يفهمون معنى اللذات الحسية التي جربوها فكانت أحسن الأشياء موقعا من نفوسهم فهم فيها يرغبون ولأجلها يعملون، ولكن جميع المتقين يعرفون في الآخرة هذه اللذة التي لم يكونوا يعقلون لها معنى في الدنيا.
11. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ قال محمد عبده: ختم الآية بهذه الجملة للإشعار بأنه ليس كل من ادعى التقوى في نفسه أو بلسانه يكون متقيا، وإنما المتقي عند الله هو من يعلم الله منه التقوى، وفي هذا تنبيه للناس وإيقاظ لمحاسبة نفوسهم على التقوى لئلا يغشهم العجب بأنفسهم فيحسبوها متقية وما هي بمتقية.
12. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ قال محمد عبده: وصف أهل التقوى بشأن من شئونهم، وهو أنهم لتأثر قلوبهم بالتقوى التي هي ثمرة الإيمان تفيض ألسنتهم بالاعتراف بهذا الإيمان في مقام الابتهال والدعاء، وهذا اختيار منه للقول بأن الكلام وصف للذين اتقوا، ولا يضره الفصل بين الصفة والموصوف وإن كان طويلا لظهور المراد وعدم الالتباس، ويجوز أن يكون مراده الوصف في المعنى لا في عرف النحاة وهو يصدق على قول بعضهم: إن الكلام مدح أو استئناف بياني، كأنه قيل: من أولئك المتقون الذين لهم هذا الجزاء الحسن؟ فقيل: هم الذين يقولون..
13. قالوا في قوله تعالى: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ إنهم رتبوا طلب المغفرة والوقاية من النار على الإيمان، فدل ذلك على أن الإيمان وحده كاف في استحقاقهما من غير توقف على العمل الصالح.. وقد يصح هذا إذا أريد مغفرة الشرك السابق على الإيمان وما تبعه من الذنوب والوقاية من الخلود في النار بذلك؛ فإن الإسلام يجب ما قبله كما ورد، ولا يمكن أن يصح إذا أريد به أن الإنسان قد يكون مؤمنا ولا يعمل صالحا بل يكون منغمسا في المعاصي والخطايا ثم يكون مستحقا للمغفرة والوقاية من العذاب، فإن العقل والنقل يحيلان هذا الفرض، ذلك أن المعروف من سنة الله تعالى في الإنسان أن عقائده الراسخة اليقينية لها السلطان الأعلى على أعماله البدنية، وما الإيمان إلا الاعتقاد اليقيني الراسخ في العقل المهيمن على القلب، ولا عمل إلا عن فكر من العقل أو وجدان من القلب، فأعمال المؤمن يجب أن تكون تابعة لإيمانه، لا تستبد دونه ولا تتحول عن طاعته إلا لنسيان أو جهالة، كغلبة انفعاله يعرض ولا يلبث أن يزول وتقفى التوبة على أثره فتمحوه ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ [4:17] فهذا دليل العقل، وأما النقل فالآيات التي يعسر إحصاؤها ومنها في المغفرة قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ [20:82] وقوله في حكاية دعاء الملائكة للمؤمنين: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْمًا فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ﴾ إلى قوله: ﴿وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئَاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ﴾ [40:7 ـ 9]
14. الفرق بين وعده بالمغفرة وبين حكايته أن دعاء المستغفرين لا يحتاج إلى بيان، على أن الآية التي نفسرها لا تعارض هذه الآيات وما في معناها بل تؤيدها؛ لأن الدعاء فيها لم يرد به أن كل متق ينطق به نطقا بلسانه، وإنما هو بيان لشأن المتقين الموصوفين بما يأتي في الآية التالية من أكمل صفات المؤمنين، على أنه لو لم يكن الكلام في المؤمنين المتقين ولو لم يوصفوا بعد الدعاء بما يأتي من الصفات بأن قيل: ﴿للذين آمنوا عند ربهم﴾.. إلى آخر الدعاء فقط، لكان لنا أن نقول: إن المراد بالإيمان الإيمان الصحيح الذي تصدر عنه آثاره من ترك المعاصي وعمل الصالحات لتتفق الآية مع سائر آيات القرآن الموافقة للعقل والعلم بطبيعة البشر، والإجماع والسلف على أن الإيمان قول واعتقاد وعمل، ولكن القوم غفلوا عن هذا وحجبوا عنه بالتماس ما يؤيدون به مذاهبهم ويفندون به ما خالفها، وقد قررنا هذه الحقيقة في الإيمان والعمل من قبل، ولا نزال نبدئ القول فيها ونعيده لعل التكرار في المقامات المختلفة يؤثر في صخرة التقليد الصماء فيفتتها أو ينسفها نسفا فيعود المسلمون إلى إيمان القرآن الذي كان عليه السلف وصفوة علماء الخلف(3).
15. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ قال محمد عبده: وصف الله المتقين بهذه الصفات التي استحقوا بها تلك الدرجات وهو الظاهر على القول بأن قوله: الذين يقولون وصف للذين اتقوا، وكذا على القول بأنه منصوب على المدح، أما على القول بأنه استئناف بياني فالمراد بالوصف الوصف بالمعنى.
16. ﴿وَالصَّابِرِينَ﴾ منصوب على المدح، والمنصوب على المدح أو الاختصاص ليس كلاما مقطوعا مفصولا مما قبله كما يوهمه تقدير الفعل له، وإنما هو أسلوب بليغ في إيراد الصفة معربة بغير إعراب الموصوف، ووجه البلاغة فيه من ثلاثة أوجه: أحدهما لفظي، والآخران معنويان:
أ. أما اللفظي: فهو أن اختلاف الإعراب يحدث في الذهن حركة جديدة فينتبه فضل انتباه إلى الكلام الجديد.
ب. أما المعنويان: فأحدهما بيان مزية خاصة في المقام لما به المدح، كأن يقال هنا في التقدير: وأمدح من هؤلاء الذين يقولون ربنا إننا آمنا.. الصابرين والصادقين.. إلخ؛ كأنه يشهد لهم بأنهم بهذه الصفات امتازوا على سائر المؤمنين وصاروا أحق بذلك الوعد، وثانيهما: تقرير أن هذه الصفات ممدوحة في ذاتها.
17. تقدم في تفسير سورة البقرة معنى الصبر وكيفية اكتسابه والاستعانة به، وقال محمد عبده هنا: مجموع الآيات الواردة في الصبر تدلنا على أن الصبر هو حبس النفس عند كل مكروه ويشق على النفس احتماله، وأكمل أنواعه الصبر على ملازمة الشريعة في المنشط والمكره، فعندما تهب زوابع الشهوات فتزلزل الاعتقاد بقبح المعاصي وسوء عاقبتها يكون الصبر هو الذي يثبت الإيمان ويقف بالنفس عند الحدود المشروعة؛ لذلك قرن الأمر بالتواصي بالحق بالأمر بالتواصي بالصبر في سورة العصر، والحق هو المقصود الأول من الدين، وهو لا يقوم إلا بالصبر، وكما يحفظ النفس عند حدود الشرع يحفظ شرف الإنسان في الدنيا عند المكاره، ويحفظ حقوق الناس أن تغتالها أيدي المطامع، وكتب في تفسير سورة العصر: الصبر ملكة في النفس يتيسر معها احتمال ما يشق احتماله والرضا بما يكره في سبيل الحق، وهو خلق يتعلق به بل يتوقف عليه كمال كل خلق، وما أتي الناس من شيء مثل ما أتوا من فقد الصبر أو ضعفه، كل أمة ضعف الصبر في نفوس أفرادها ضعف فيها كل شيء وذهبت منها كل قوة: وأتى بأمثلة متعددة على ذلك.
18. علم مما تقدم أن تقديم ذكر الصابرين على ما بعده لأنه كالشرط إذ لا يتم بدونه الصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار في الأسحار، وهو الوقت الذي يطيب فيه النوم ويشق القيام.
19. الصدق(4) يكون في القول والعمل والوصف، يقال: فلان صادق في عمله، صادق في جهاده، صادق في حبه، كما يقال صادق في قوله، أقول: ويدخل في ذلك الإيمان والنية، والصدق منتهى الكمال في كل شيء، وحسبك في بيان فضل الصدق وجزائه قوله عز وجل: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ لِيُكَفِّرَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي عَمِلُوا وَيَجْزِيَهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [33 ـ 35] فقد جعل الصدق ملاك الدين كله وجاء مع حقيقته، وجعل أسوأ الذنوب معه مستحقا لأن يكفر ويغفر، وأي ذنب يدنس نفس الصادق في إيمانه وأخلاقه وأقواله وأفعاله فيمنعها استحقاق المغفرة؟ أليس أسوأ ما يمكن أن يلم به الصادق من الذنب بادرة غضب لا تلبث أن تفيء، أو نزوة شهوة لا تمكث أن تسكن فيكون مس طائف الشيطان ضعيفا قصير الأمد لا يقوى على إضعاف فضيلة تلك النفس القوية بالصدق ولا على إطفاء نورها؟
20. فسروا القانتين بالمطيعين وبالمداومين على الطاعة والعبادة، وتقدم في سورة البقرة أن القنوت: هو المداومة على الخشوع والضراعة، أي على روح العبادة ولبابها لا على صورها ورسومها فقط.
21. المنفقون معروفون، ولم يعين النفقة ولا المنفق عليه، فعلم أن المراد بهم المنفقون للمال في جميع الطرق المشروعة من واجبة ومستحبة، ولا يمنعون حقا ولا يقبضون أيديهم عن شيء من أعمال البر.
22. فسر مجاهد وغيره المستغفرين هنا بالمصلين، لأن أهل التهجد في آخر الليل يطلبون بتهجدهم مغفرة الله ورضوانه، فهؤلاء المفسرون يرون أن الاستغفار هو طلب المغفرة بالفعل لا بمجرد حركة اللسان، ومن يقول: إنه الطلب باللسان فإنه يجعل من شروطه حضور القلب، ولا يقول أحد يعتد بقوله أن استغفار اللسان وحده نافع، بل قالوا: إن المستغفر من الذنب وهو مصر عليه كالمستهزئ بربه، وفي مثل هذا الاستغفار الذي يغتر به الجهلة الأغرار قالت رابعة العدوية: استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير، وروي تفسير الاستغفار هنا بالصلاة في وقت السحر وبصلاة الصبح؛ أي لأول وقتها وقيده زيد بن أسلم بصلاة الجماعة.
23. حكمة تخصيص وقت السحر: أن العبادة تكون حينئذ أشق على أهل البداية؛ لأنه الوقت الذي يطيب فيه النوم ويعزب الرياء، وأروح لأهل النهاية؛ لأن النفس تكون أصفى والقلب أفرغ من الشواغل.
24. من مباحث اللفظ النكتة في نسق هذه الأوصاف بالعطف مع أن الأوصاف المعدودة تسرد غير معطوفة، ذكر محمد عبده عن الزمخشري: أن العطف يفيد كمال الموصوفين بهذه الأوصاف، وقال غيره من المفسرين: إننا لا نعهد من معاني الواو الكمال في معطوفاتها، ومن عنده ذوق في اللسان يجد في نفسه فرقا بين المعطوف وغيره، وذكر أمثلة منها قول الشاعر:
çولو كان رمحا واحدا لاتقيته... ولكنه رمح وثان وثالثé
وذكر الفرق بينه وبين ثلاثة رماح، أو رمح اثنان ثلاثة، وقال: إن بيان الفرق ربما لا تفي به العبارة إلا مع الاستعانة بالسليقة، ويمكن تقريب ذلك بأن يقال: إن الأوصاف المسرودة بغير عطف كالوصف الواحد وأما عطفها فيفيد أن كل واحد منها وصف مستقل.. وعبارة البيضاوي وتوسيط الواو بينها للدلالة على استقلال كل واحدة منها وكمالهم فيها، أو لتغاير الموصوفين بها وهي مبهمة، وإيضاح الاستقلال ما قرأت آنفا، وأما تغاير الموصوفين بها فمعناه هنا أن الذين اتقوا أصناف فمنهم الصابرون ومنهم الصادقون إلخ، والمراد: الممتازون بالكمال في الصبر والصدق إلخ، وذلك لا يقتضي أن يكون كل صنف عاريا من صفات الآخر، وهذا ما ذهب إليه الرازي إذ قال: وأظن ـ والعلم عند الله ـ أن من كانت معه واحدة من هذه الخصال دخل تحت المدح العظيم واستوجب هذا الثواب الجزيل وعبارته لا تفيد اعتبار كمال كل صنف في وصفه وهو ما لا بد منه، والتحقيق أن الألفاظ المفردة يمتنع عطفها في مقام سردها مطلقا؛ لأنها عند ذلك تكون بمثابة الأعداد التي تسرد: واحد، اثنان، ثلاثة، أربعة إلخ، ولكنها إذا لم يرد سردها كأن ذكرت للحكم على مدلولاتها ابتداء فلا بد أن تجمع بالعطف:
أ. مثال الأول قوله تعالى: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ﴾ الآية، وقوله تعالى في سورة التحريم: ﴿أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ مُسْلِمَاتٍ مُؤْمِنَاتٍ﴾ إلخ، فإن هذه أوصاف سردت للتعريف بها بعد الحكم على الموصوف.
ب. ومثال الثاني: الآية التي نفسرها والحكم فيها على الموصوفين ابتداء، ويتعين إذن أن تكون منصوبة على الاختصاص، ومثلها: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ﴾.. فإن المراد الحكم على مدلولات هذه الألفاظ ابتداء، ومن الفرق بين هذا القول وما قبله: أنه يمتنع على هذا أن تكون هذه الألفاظ نعوتا نحوية للذين اتقوا.
__________
(1) تفسير المنار: 3/248.
(2) للأسف لم يكمل تفسيره، لكن يمكن البناء على ما ذكره
(3) ذكر نماذج من هؤلاء قد يختلف معه في بعضها، فقال: كحجة الإسلام الغزالي في المشرق، وشيخ الإسلام ابن تيمية في الوسط، والعلامة الشاطبي صاحب الموافقات في المغرب ـ كل هؤلاء من القرون الوسطى وحسبك بمحمد عبده من المتأخرين
(4) الكلام هنا لمحمد عبده
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بعد أن بين سبحانه زخارف الدنيا وزينتها، وذكر ما عنده من حسن المآب إجمالا ـ أمر رسوله بتفصيل ذلك المجمل للناس مبالغة في الترغيب والحث على فعل الخيرات.
2. ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ أي قل لقومك وغيرهم: أأخبركم بخير من جميع ما تقدم ذكره من النساء والبنين إلى آخره، وجيء بالكلام على صورة الاستفهام لتوجيه النفوس إلى الجواب وتشويقها إليه.
3. قوله خير يشعر بأن تلك الشهوات خير في ذاتها، ولا شك في ذلك إذ هي من أجلّ النعم التي أنعم الله بها على الناس، وإنما يعرض الشر فيها كما يعرض في سائر نعم الله على عباده كالحواس والعقول وغيرها، فما مثل المسرف في حب النساء حتى يعطى امرأته حق غيرها، أو يهمل لأجلها تربية ولده إلا مثل من يستعمل عقله في استنباط الحيل ليبتز حقوق الناس ويؤذيهم، فسلوك الناس في الانتفاع بالنعم لا يدل على أنها هي في ذاتها شر ولا كون حبها شرا مع القصد والاعتدال والوقوف عند حدود الشريعة.
4. ثم أجاب عن هذا الاستفهام على طريق قولك هل أدلك على تاجر عظيم في السوق يصدق في المعاملة، ويرخص السعر ويفى بالوعد؟ هو فلان فقال: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي للذين أخبتوا إلى ربهم وأنابوا إليه نوعان من الجزاء:
أ. أحدهما جسماني وهو الجنات وما فيها من النعيم والخيرات، والأزواج المبرأة من العيوب التي في نساء الدنيا خلقا وخلقا.
ب. وثانيهما روحاني عقلي وهو رضوان الله الذي لا يشوبه سخط ولا يعقبه غضب، وهو أعظم اللذات كلها في الآخرة عند المتقين.
5. في الآية إيماء إلى أن أهل الجنة مراتب وطبقات كما نرى ذلك في الدنيا، فمنهم من لا يفقه لرضوان الله معنى ولا يكون ذلك باعثا له على فعل الخير وترك الشر، وإنما يفقه اللذات الحسية التي جرّ بها في الدنيا، ففي مثلها يرغب، ومنهم من ارتقى إدراكه، وعظم قربه من ربه، فيتمنى رضاه ويجعله الغاية القصوى والسعادة التي ليس وراءها سعادة.
6. جاء في معنى هذه الآية قوله تعالى: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾ وقوله: ﴿اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ﴾ (الزراع) ﴿نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطَامًا وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾
7. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي إنه تعالى هو البصير بعباده، الخبير بقرارة نفوسهم ودخائل أحوالهم، العليم بسرهم ونجواهم، فلا تخفى عليه خافية من أمرهم، وهو المجازى كل نفس بما كسبت من خير أو شر.
8. ختم سبحانه هذه الآية بتلك الجملة ليحاسب الإنسان نفسه على التقوى، فليس كل من ادعاها لنفسه أو تحرك بها لسانه يعدّ متقيا، وإنما المتقي من يعلم منه ربه التقوي.
9. ثم وصف الله تعالى المتقين الذين تتأثر قلوبهم بثمرات إيمانهم، فتفيض ألسنتهم بالاعتراف بهذا الإيمان حين الدعاء والابتهال فقال: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ أي إن الذين اتقوا معاصي الله وتضرعوا إليه خاشعين يقولون مبتهلين متبتلين: ربنا إننا آمنا بما أنزلته على رسلك إيمانا يقينيا راسخا في القلب مهيمنا على العقل له السلطان على أعمالنا البدنية التي لا تتحول عن طاعتك إلا لنسيان أو جهالة كغلبة انفعال يعرض ثم لا يلبث أن يزول، ثم تقفو التوبة إثره لتمحوه كما أرشدت إلى ذلك بقولك: ﴿إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ﴾ وقولك ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى﴾ فاستر اللهم ذنوبنا بعفوك عنها وترك العقوبة عليها، وادفع عنا عذاب النار إنك أنت الغفور الرّحيم، وقد خصوا هذا العذاب بالمسألة، لأن من زحزح يومئذ عن النار فقد فاز بالنجاة وحسن المآب.
10. الخلاصة ـ إن مرادهم بالإيمان الذي أقروا به ـ هو الإيمان الصحيح الذي تصدر عنه آثاره من ترك المعاصي وفعل الصالحات، إذ الإيمان اعتقاد وقول وعمل كما أجمع على ذلك السلف، ويرشد إليه العقل والعلم بطبيعة البشر.
11. ثم ذكر الله تعالى من أوصافهم ما امتازوا به من غيرهم، وبه استحقوا المثوبة عند ربهم فقال: ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ أي إن المتقين جمعوا هذه الصفات التي لكل منها درجة في الفضل وشرف ورفعة وبها نالوا هذا الوعد وهى:
أ. الصبر وأكمل أنواعه: الصبر على أداء الطاعات وترك المحرمات، فإذا هبت أعاصير الشهوات وجمحت بالنفس إلى ارتكاب المعاصي فلا سبيل لردعها إلا بالصبر، فهو الذي يثبّت الإيمان ويقف بها عند الحدود المشروعة، وهو الحافظ لشرف الإنسان في الدنيا عند المكاره، ولحقوق الناس أن تغتالها أيدى المطامع، وهو كالشرط في كل ما يذكر بعده من الصدق والقنوت والاستغفار بالأسحار.
ب. الصدق وهو منتهى الكمال، وحسبك في بيان فضيلته قوله تعالى: ﴿وَالَّذِي جَاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ جَزَاءُ الْمُحْسِنِينَ﴾
ج. القنوت وهو المداومة على الطاعة والإخبات إلى الله مع الخشوع والخضوع وهو لبّ العبادة وروحها، وبدونه تكون العبادة بلا روح وشجرة بلا ثمرة.
د. الإنفاق للمال في جميع السبل التي حث عليها الدين، سواء أكانت النفقة واجبة أم مستحبة، فالإنفاق في أعمال البر جميعا مما حث عليه الشارع وندب إليه.
هـ. الاستغفار بالأسحار: أي التهجد في آخر الليل وهو الوقت الذي يطيب فيه النوم ويشقّ القيام، وتكون النفس فيه أصفى، والقلب أفرغ من الشواغل، والاستغفار المطلوب ما يقرن بالتوبة النصوح، والعمل وفق حدود الدين، ولا يكفى الاستغفار باللسان مع الإدمان على فعل المنكر، فإن المستغفر من الذنب وهو مصرّ عليه كالمستهزئ بربه، ولا يغتر بمثل هذا الاستغفار إلا جاهل بدينه، أو غرّ في معاملته لربه، ومن ثم أثر عن بعض الصوفية قوله: إن استغفارنا يحتاج إلى استغفار.
__________
(1) تفسير المراغي: 3/113.
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. أما من أراد الذي هو خير.. خير من ذلك كله، خير لأنه أرفع في ذاته، وخير لأنه يرفع النفس ويصونها من الاستغراق في الشهوات، والانكباب على الأرض دون التطلع إلى السماء.. من أراد الذي هو خير فعند الله من المتاع ما هو خير، وفيه عوض كذلك عن تلك الشهوات: ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ ـ خالِدِينَ فِيها ـ وأَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ ورِضْوانٌ مِنَ اللهِ واللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ﴾
2. هذا المتاع الأخروي الذي تذكره الآية هنا، ويؤمر الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم أن يبشر به المتقين، هو نعيم حسي في عمومه.. ولكن هنالك فارقا أساسيا بينه وبين متاع الدنيا.. إنه متاع لا يناله إلا الذين اتقوا.. الذين كان خوف الله وذكره في قلوبهم، وشعور التقوى شعور مهذب للروح والحس جميعا، شعور ضابط للنفس أن تستغرقها الشهوات، وأن تنساق فيها كالبهيمة، فالذين اتقوا ربهم حين يتطلعون إلى هذا المتاع الحسي الذي يبشرون به يتطلعون إليه في شفافية مبرأة من غلظة الحس! وفي حساسية مبرأة من بهيمية الشهوة! ويرتفعون بالتطلع إليه ـ وهم في هذه الأرض ـ قبل أن ينتهي بهم المطاف إلى قرب الله.
3. في هذا المتاع النظيف العفيف عوض كامل عن متاع الدنيا.. وفيه زيادة:
أ. فإذا كان متاعهم في الدنيا حرثا معطيا مخصبا، ففي الآخرة جنات كاملة تجري من تحتها الأنهار، وهي فوق هذا خالدة وهم خالدون فيها، لا كالحرث المحدود الميقات!
ب. وإذا كان متاعهم في الدنيا نساء وبنين، ففي الآخرة أزواج مطهرة، وفي طهارتها فضل وارتفاع على شهوات الأرض في الحياة!
ج. فأما الخيل المسومة والأنعام، وأما القناطير المقنطرة من الذهب والفضة، فقد كانت في الدنيا وسائل لتحقيق متاع، فأما في نعيم الآخرة فلا حاجة إلى الوسائل لبلوغ الغايات!
د. ثم.. هنالك ما هو أكبر من كل متاع.. هنالك ﴿رِضْوانٌ مِنَ اللهِ﴾، رضوان يعدل الحياة الدنيا والحياة الأخرى كليهما.. ويرجح.. رضوان، بكل ما في لفظه من نداوة، وبكل ما في ظله من حنان.
4. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ بصير بحقيقة فطرتهم وما ركب فيها من ميول ونوازع، بصير بما يصلح لهذه الفطرة من توجيهات وإيحاءات، بصير بتصريفها في الحياة وما بعد الحياة.
5. ثم وصف الله تعالى هؤلاء العباد، يصور حال المتقين مع ربهم، الحال التي استحقوا عليها هذا الرضوان: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، وفي دعائهم ما ينم عن تقواهم، فهو إعلان للإيمان، وشفاعة به عند الله، وطلب للغفران، وتوق من النيران.
6. في كل صفة من صفاتهم تتحقق سمة ذات قيمة في حياة الإنسانية وفي حياة الجماعة المسلمة:
أ. في الصبر ترفع على الألم واستعلاء على الشكوى، وثبات على تكاليف الدعوة، وأداء لتكاليف الحق، وتسليم لله واستسلام لما يريد بهم من الأمر، وقبول لحكمه ورضاء.
ب. وفي الصدق اعتزاز بالحق الذي هو قوام الوجود، وترفع عن الضعف؛ فما الكذب إلا ضعف عن كلمة الحق، اتقاء لضرر أو اجتلابا لمنفعة.
ج. وفي القنوت لله أداء لحق الألوهية وواجب العبودية؛ وتحقيق لكرامة النفس بالقنوت لله الواحد الذي لا قنوت لسواه.
د. وفي الإنفاق تحرر من استذلال المال؛ وانفلات من ربقة الشح؛ وإعلاء لحقيقة الأخوة الإنسانية على شهوة اللذة الشخصية؛ وتكافل بين الناس يليق بعالم يسكنه الناس!
هـ. والاستغفار بالأسحار بعد هذا كله يلقي ظلالا رفافة ندية عميقة.. ولفظة ﴿بِالْأَسْحَارِ﴾ بذاتها ترسم ظلال هذه الفترة من الليل قبيل الفجر، الفترة التي يصفو فيها الجو ويرق ويسكن؛ وتترقرق فيها خواطر النفس وخوالجها الحبيسة! فإذا انضمت إليها صورة الاستغفار ألقت تلك الظلال المنسابة في عالم النفس وفي ضمير الوجود سواء، وتلاقت روح الإنسان وروح الكون في الاتجاه لبارئ الكون وبارئ الإنسان.
7. هؤلاء الصابرون، الصادقون، القانتون، المنفقون، المستغفرون بالأسحار.. لهم ﴿رِضْوانٌ مِنَ اللهِ﴾، وهم أهل لهذا الرضوان: ظله الندي ومعناه الحاني، وهو خير من كل شهوة وخير من كل متاع.
8. هكذا يبدأ القرآن بالنفس البشرية من موضعها على الأرض.. وشيئا فشيئا يرف بها في آفاق وأضواء، حتى ينتهي بها إلى الملإ الأعلى في يسر وهينة، وفي رفق ورحمة، وفي اعتبار لكامل فطرتها وكامل نوازعها، وفي مراعاة لضعفها وعجزها، وفي استجاشة لطاقاتها وأشواقها، ودون ما كبت ولا إكراه، ودون ما وقف لجريان الحياة.. فطرة الله، ومنهج الله لهذه الفطرة.. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾
__________
(1) في ظلال القرآن: 1/376.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ذلك هو حسن المآب الذي أعده الله لعباده المتقين.. جاءت هذه الآية الكريمة شارحة له، بهذا الإعلان لذى أمر الله نبيه الكريم أن يؤذّن به في الناس، وأن يلفت إليه أولئك الذين غلبتهم شهواتهم، فأذهبوا طيباتهم في حياتهم الدنيا، ولم يستبقوا شيئا للآخرة.
2. في قوله سبحانه: ﴿بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ إشارة إلى أن تلك الشهوات التي زينت للناس من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسوّمة والأنعام والحرث ـ ليست شرا في ذاتها، وإنما فيها خير لمن أخذ منها باعتدال وقصد ـ كما قلنا ـ ولكن مع هذا فهناك ما هو خير من هذا الخير، وهو ما أعدّه الله للمتقين في الدار الآخرة من جنات تجرى من تحتها الأنهار، وأزواج مطهرة.. وفوق هذا كله رضوان الله، الذي يفيض الخير كله على أهل الرضا.. جعلنا الله سبحانه وتعالى منهم، بفضله وكرمه.
3. سؤال وإشكال: والملاحظ أن الله سبحانه عوّض المتقين في الآخرة عن متع الدنيا وشهواتها، جنات تجرى من تحتها الأنهار، وأزواجا مطهرة.. ولم يكن فيما عوضهم به الذهب والفضة، ولا الخيل المسوّمة والأنعام، ولا البنين، فكيف هذا؟ والجواب: أنه لا حاجة إلى ذهب وفضة في الدار الآخرة، وفي جنات النعيم، حيث كل شيء حاضر عتيد لأهل الجنة ﴿لَكُمْ فِيها ما تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ ولَكُمْ فِيها ما تَدَّعُونَ﴾، فلا بيع ولا شراء هناك، وكذلك المراكب من الخيل المسومة والأنعام.. إن شاء الإنسان وجدها ولكن هناك ما يشغله عن كل هذا، الذي هو إلى جانب نعيم الآخرة هباء وهراء! والشأن كذلك في البنين، إذ يقوم حبهم في النفس، على غريزة حب البقاء، حيث يرى الإنسان الفاني امتداد حياته في بنيه الذين يخلفونه فيما ترك، ويأخذون مكانه من بعده.. أما والإنسان قد وجد الخلود وضمنه في الحياة الآخرة فإنه لا حاجة به إلى ذرية من بعده، ثم إن رضوان الله الذي أفاضه على أهل الجنة، هو الغنى كله، وهو السعادة كلها.. فلا مطلب بعده، ولا سعادة وراءه.
4. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ هاتان الآيتان الكريمتان تبينان المنهج الذي يستقيم عليه الإنسان، ليكون في عداد أولئك المتقين الذين وعدهم الله بجنات تجرى من تحتها الأنهار وأزواج مطهرة ورضوان من الله، فالتقوى لا يكسبها الإنسان إلا بمجاهدة، ولا يبلغها إلا بعد أن يقطع إليها طريقا شاقا من الجهد المتصل والعمل الدائب، في طاعة الله وابتغاء مرضاته.
5. أول هذا الطريق، الإيمان بالله، الذي هو ملاك التقوي، وبغيره لا يقبل عمل، ولا يؤذن لإنسان بالدخول مع المتقين.. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، ثم إن الإيمان بلا عمل زرع بلا ماء.. لا يزهر ولا يثمر.
6. الصّبر هو عدة المؤمنين، وزادهم العتيد في الطريق الشاق الذي يصحبون به الإيمان، ليصل بهم إلى التقوي، فبالصبر يغلب الإنسان شهواته، ويقهر أهواءه، ويحتمل تكاليف الشريعة، ويؤديها على الوجه الأكمل لها، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ والصّبر ملاك أمره الصّدق.. الصدق في القول والعمل.. والصدق مع النفس، ومع الناس، ومع الله ـ فإذا لم يكن ذلك كان الصّبر بلادة، وموانا، وموقفا سلبيا من الحياة، ولكن إذا واجه الإنسان الحياة ومعه الصبر وجد في كل موقف شاق طريقين: طريق الكذب والهروب، وطريق الصدق والثبات.. وهنا تظهر فضيلة الصبر، ويتجلى أثره.. ﴿وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ﴾
7. الولاء لله، والإنفاق في سبيله، وقيام الليل واستقبال الأسحار بالتوبة والاستغفار.. كل هذه مواقف يمتحن فيها إيمان المؤمنين، وصبرهم، واستمساكهم بالحق الذي أمر الله به.. فبهذه المجاهدات ـ مع الإيمان ـ يبلغ الإنسان منازل المتقين، وينال رضوان الله، وينعم بجنات النعيم.
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/416.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ استئناف بياني، فإنّه نشأ عن قوله: ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ﴾ [آل عمران: 14] المقتضي أنّ الكلام مسوق مساق الغضّ من هذه الشهوات، وافتتح الاستئناف بكلمة ﴿قُلْ﴾ للاهتمام بالمقول، والمخاطب بقل النبي صلّى الله عليه وآله وسلم، والاستفهام للعرض تشويقا من نفوس المخاطبين إلى تلقّي ما سيقصّ عليهم كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الصف: 10] الآية.
2. جملة ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ مستأنفة وهي المنبّأبه، ويجوز أن يكون ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ متعلقا بقوله: (خير) و(جنّات) مبتدأ محذوف الخبر: أي لهم، أو خبرا لمبتدإ محذوف، وقد ألغي ما يقابل شهوات الدنيا في ذكر نعيم الآخرة؛ لأنّ لذة البنين ولذة المال هنالك مفقودة، للاستغناء عنها، وكذلك لذة الخيل والأنعام؛ إذ لا دوابّ في الجنة، فبقي ما يقابل النساء والحرث، وهو الجنّات والأزواج، لأنّ بهما تمام النعيم والتأنّس، وزيد عليهما رضوان الله الذي حرمه من جعل حظّه لذّات الدنيا وأعرض عن الآخرة، ومعنى المطهّرة المنزّهة ممّا يعتري نساء البشر ممّا تشمئزّ منه النفوس، فالطهارة هنا حسية لا معنوية.
3. عطف ﴿رِضْوانٌ مِنَ اللهِ﴾ على ما أعدّ للذين اتّقوا عند الله: لأنّ رضوانه أعظم من ذلك النعيم المادي؛ لأنّ رضوان الله تقريب روحاني قال تعالى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة: 72]
4. أظهر اسم الجلالة في قوله: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، دون أن يقول ورضوان منه أي من ربّهم: لما في اسم الجلالة من الإيماء إلى عظمة ذلك الرضوان.
5. جملة ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ اعتراض لبيان الوعد أي أنّه عليم بالذين اتّقوا ومراتب تقواهم، فهو يجازيهم، ولتضمّن بصير معنى عليم عدي بالباء، وإظهار اسم الجلالة في قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ لقصد استقلال الجملة لتكون كالمثل.
6. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ عطف بيان ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾ وصفهم بالتقوى وبالتوجّه إلى الله تعالى بطلب المغفرة، ومعنى القول هنا الكلام المطابق للواقع في الخبر، والجاري على فرط الرغبة في الدعاء، في قولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الآية، وإنّما يجري كذلك إذا سعى الداعي في وسائل الإجابة وترقّبها بأسبابها التي ترشد إليها التقوي، فلا يجازى هذا الجزاء من قال ذلك بفمه ولم يعمل له.
7. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ الآية صفات للذين اتّقوا، أو صفات للذين يقولون، والظاهر الأوّل، وذكر هنا أصول فضائل صفات المتديّنين: وهي الصبر الذي هو ملاك فعل الطاعات وترك المعاصي، والصدق الذي هو ملاك الاستقامة وبثّ الثقة بين أفراد الأمة، والقنوت، وهو ملازمة العبادات في أوقاتها وإتقانها وهو عبادة نفسية جسدية.
8. الإنفاق وهو أصل إقامة أود الأمة بكفاية حاج المحتاجين، وهو قربة مالية والمال شقيق النفس، وزاد الاستغفار بالأسحار وهو الدعاء والصلاة المشتملة عليه في أواخر الليل، والسحر سدس الليل الأخير؛ لأنّ العبادة فيه أشدّ إخلاصا، لما في ذلك الوقت من هدوء النفوس، ولدلالته على اهتمام صاحبه بأمر آخرته، فاختار له هؤلاء الصادقون آخر الليل لأنّه وقت صفاء السرائر، والتجرّد عن الشواغل.
9. عطف في قوله: ﴿الصَّابِرِينَ﴾، وما بعده: سواء كان قوله: ﴿الصَّابِرِينَ﴾ صفة ثانية، بعد قوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾، أم كان ابتداء الصفات بعد البيان طريقة ثانية من طريقتي تعداد الصفات في الذكر في كلامهم، فيكون، بالعطف وبدونه، مثل تعدّد الأخبار والأحوال؛ إذ ليست حروف العطف بمقصورة على تشريك الذوات، وفي (الكشاف)؛ أنّ في عطف الصفات نكتة زائدة على ذكرها بدون العطف وهي الإشارة إلى كمال الموصوف في كلّ صفة منها، وأحال تفصيله على ما تقدم له في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ [البقرة: 4] مع أنّه لم يبيّن هنالك شيئا من هذا، وسكت الكاتبون عن بيان ذلك هنا وهناك، وكلامه يقتضي أنّ الأصل عنده في تعدّد الصفات والأخبار ترك العطف فلذلك يكون عطفها مؤذنا بمعنى خصوصي، يقصده البليغ، ولعل وجهه أنّ شأن حرف العطف أن يستغنى به عن تكرير العامل فيناسب المعمولات، وليس كذلك الصفات، فإذا عطفت فقد نزلت كل صفة منزلة ذات مستقلة، وما ذلك إلّا لقوة الموصوف في تلك الصفة، حتى كأنّ الواحد صار عددا، كقولهم واحد كألف، ولا أحسب لهذا الكلام تسليما، وقد تقدم عطف الصفات عند قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ﴾ في سورة البقرة.
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/42.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ الخطاب للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم؛ يكلفه جل شأنه أن يوجه إليهم ذلك السؤال لينبههم إلى عظيم شأن ما ادخره لهم سبحانه من نعيم مقيم إن أحسنوا، فالاستفهام للتنبيه؛ وقد حوى من طرق التنبيه ثلاثة:
أ. أولها: التعبير ب ﴿أَأُنَبِّئُكُمْ﴾ لأن الإنباء معناه الخبر العظيم الخطير الشأن.
ب. ثانيها: التعبير بـ ﴿ذَلِكُمْ﴾ بالإشارة للبعيد للدلالة على عظيم شأن ما سيخبرهم به، وبالتعبير ب (كم) كأنه يدعوهم جميعا ليستمعوا إلى ما سيخبرهم به.
ج. ثالثها: التعبير ب (خير) الدالة على الأفضلية، وأن نعيم الجنة خير لا شر فيه قط، وأن نعيم الدنيا لا يخلو من شر.
2. بعد أن كان الاستفهام الذي سيق للتنبيه كان الجواب هو: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ هذه متع الآخرة، وهى أعلى مقاما، وأعظم مكانا من نعيم الدنيا، وهى أربعة:
أ. أولها: ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾ وفي هذه الجنات ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
ب. ثانيها: الخلود، وهو نعمة وحده، فكل ما في الدنيا عرض زائل يعروه الفناء، وما في الآخرة دائم البقاء.
ج. ثالثها: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ لا دنس فيها، ولا ما يشينهن أو يوجد الريب، فلا معكر من شر أو ما يشبهه.
د. رابعها: وهو أعظمها بل أعظم ما في الوجود، وهو ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ أي رضا عظيم من خالق الخلق، ومبدع الكون ومنشئ الوجود، فالرضوان مصدر كالرضا، ولكن يزيد عليه أنه الرضا العظيم؛ لأن زيادة المبنى تدل على زيادة المعنى، ولأن التنكير قصد به التفخيم والتعظيم، ولأنه إبهامه ثم بيان مصدره فيه إشارة إلى شرف هذا الرضا بإضافة لأعظم نسبة إذ هو منسوب إلى الله جل جلاله.
3. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي أن الله سبحانه جل جلاله عليم بأحوال العباد علم من يبصر ويرى، فهو يعلم دقائق أحوالهم وخفى أمورهم، وخلجات قلوبهم، وصدّر سبحانه القول بلفظ الجلالة لتربية المهابة في القلوب، وإشعارها بعظمته، وإذا كان الله سبحانه وتعالى عليما بخفي أحوالهم، فإنه سيجزى المحسن إحسانا والمسيء عقابا؛ فهذه الجملة السامية فيها وعد ووعيد، وفيها إشعار برقابة العلى القدير، مما يجعل المؤمن التقى يشعر دائما بأن الله يراه، وإن لم يكن هو يراه، ويتحقق قول الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم: (اعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك)
4. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ هذه أول أوصاف المؤمنين الذين استحقوا ذلك الجزاء الكريم من رب العالمين: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ﴾ وهذا الوصف يدل على أنهم دائما متذكرون للإيمان وحالهم إنما هو تصديق للنبي في كل ما جاء به، فلسان حالهم دائما أنهم يقولون ﴿آمَنَّا﴾ أي أنهم يقولون إنهم يذعنون ويصدقون كل ما جاء به القرآن الكريم، وهدى النبيّ الأمين، ومن كان لسان حاله تذكر الإيمان والإذعان لأمر الله تعالى لا تكون منه معصية كبيرة، ولا إهمال لأوامر الله تعالى؛ لأن ارتكاب المعاصي يتنافى مع الإذعان المطلق، وتذكر الإيمان الدائم؛ إذ المعصية تكون في غفلة القلب وعدم تذكر الإيمان؛ ولذا قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (لا يزنى الزاني وهو مؤمن)، وإذا كان الإيمان بالله مستوليا على شعورهم فهم دائما يغلبون الخوف على الرجاء والضراعة على الطمع، ولذا رتبوا على هذه الحالة طلبهم المغفرة وقالوا ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ فهم دائما يحسون بعظم أخطائهم، وذلك من قوة إيمانهم، وقوة إذعانهم؛ ولذلك يطلبون الستر والغفران، والوقاية من النار، وذلك كله من قوة الوجدان الديني، وعظم سلطان النفس اللوامة، والضمير المستيقظ، فتكبر في نظرهم هفواتهم، وتصغر حسناتهم، ويعتقدون أنه لا جزاء إلا أن يتغمدهم الله برحمته.
5. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ هذه خمسة أوصاف للمؤمنين الصادقي الإيمان، والمذعنين حق الإذعان:
أ. أولها: أنهم صابرون، والصبر صفة الإيمان حقا وصدقا، وقد حث عليه القرآن في أكثر من سبعين موضعا، والصبر له شعب كثيرة، منها وهى أدناها الصبر عند الشديدة، وتحملها من غير أنين ولا شكوى، وهذا هو الصبر الجميل، فإن ضج الصابر وشكا فصبره غير جميل، ومنها الصبر بضبط النفس عن الشهوات وقدعها عن الأهواء المردية، وجعل العقل متحكما دائما؛ وهذه مرتبة عالية في الصبر، ومنها الصبر على تحمل النعم؛ فإن النعم تحتاج إلى صبر لكيلا يطغى الإنسان بسبب النعمة فتؤدى إلى الكفر بدل الشكر، ولقد قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [هود]
ب. الثاني: أنهم صادقون، والصدق من أكمل الصفات الإنسانية، وهو شعب أيضا فمنها الإخبار بالحق؛ ومنها أن يصدق نفسه، فلا يخدعها، ويزين لها سوء الأعمال، ويغالط قلبه وحسه؛ ومنها أن يتعرف عيوب نفسه بالحق ويتكشفها ويتعرفها ولا يسترها عن نفسه، لتكون بين يديه ماثلة دائما فيستيقظ ضميره، وهذا هو طريق التهذيب الروحي الحق.
ج. الثالث: أنهم قانتون، والقانت هو الطائع المديم للطاعة غير متململ منها، ولا متبرم بها، ولا خارج على حدودها، فالقنوت يصور الإذعان المطلق.
د. الرابع: أنهم المنفقون، أي أنهم ينفقون المال في مصارفه سواء أكانت عامة أم كانت خاصة، وقد بينّا مناهج الإنفاق الديني فيما أسلفنا.
هـ. الخامس: أنهم مستغفرون بالأسحار، والأسحار جمع سحر، وهو آخر الليل، وهذا الوقت وقت التهجد، وتذكر ما كان من عمل، واستقبال ما يكون من أعمال، فالاستغفار فيه باستشعار الضراعة وتذكر الله، والشعور بمراقبته، يجعل المؤمن يستقبل أعمال الحياة بقلب سليم نقى كما هو، فلا يكون فيه إلا خير، وليس الاستغفار هو ترداد كلمة أستغفر، إنما هو الشعور بالخضوع، ومراقبة الله والضراعة إليه سبحانه، وليس كذلك أكثر المستغفرين؛ ولذا قالت رابعة العدوية: (استغفارنا يحتاج إلى استغفار كثير)، ولقد روى البخاري أن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قال: سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربى لا إله إلا أنت، خلقتنى وأنا عبدك وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك على، وأبوء بذنبى فاغفر لي فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت، ومن قالها بالنهار موقنا فمات من يومه قبل أن يمسى فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل وهو موقن بها فمات من ليله قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة)
__________
(1) زهرة التفاسير: 3/1141.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ذكر سبحانه أولا حب الناس للنساء والمال والبنين، ثم نعت هذه الأشياء وما اليها بمتاع الحياة الدنيا، والدنيا بما فيها إل زوال، ثم بيّن ان الله عنده حسن المآب، أي ان الإنسان بعد رجوعه إلى ربه يجد عنده خيرا من النساء والمال والبنين، ومن الدنيا كلها، ثم فصّل في هذه الآية، وهي: ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ﴾ ما أجمله في الآية السابقة، وهو قوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾
2. ﴿جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾، هذه الثلاثة هي خير من النساء والمال والبنين، وهي حسن المآب:
أ. الأول منها جنات لا تزول كالحرث والخيل والانعام.
ب. الثاني: أزواج مطهرة من الحيض والأحداث والأخباث، ومن كل ما تنفر النفوس منه.
ج. الثالث: رضوان الله، وهو أكبر وأعظم من الدنيا والآخرة مجتمعتين، كل ذلك جعله الله جزاء لمن خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى.
3. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ الصابر هو الذي يكافح ويناضل متكلا على الله، ويرضى بنتيجة كفاحه مهما تكن، والصادق هو الذي يؤثر الصدق، حيث يضره على الكذب، حيث ينفعه، والقانت هو العابد المطيع، والمنفق هو الذي ينفق أمواله على نفسه وعياله، وفي سبيل الله، والسحر هو الوقت الذي قبل الفجر، وهو خير الأوقات كلها للعبادة والدعاء، كما جاء في الحديث، لأنه أبعد عن شبهة الرياء، ولأنه الوقت الذي يطيب فيه النوم، ويشق القيام، وأفضل الأعمال أشقها وأحمزها، مع العلم بأن خدمة الإنسان أفضل من عامة الصلاة والصيام.
4. هذه الأوصاف الخمسة، أي الصبر والصدق والقنوت والإنفاق والاستغفار هي ثمرة لأصول الدين الثلاثة، وأعني بها الإيمان بالله الواحد الأحد، ونبوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم وباليوم الآخر، ان هذه الأصول ليست مجرد شعار ديني يرفعه الإسلام، ويكتفي به، بل لها ثمرات وحقائق يجمعها الخلق الكريم، والعمل النافع في الحياة، قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لله وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾، ان كل أصل من أصول الإسلام، وكل فرع من فروعه يقوم على هذا المبدأ، مبدأ ربط الدين بالعمل من أجل الحياة: ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾، ﴿أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾
5. تواتر في الحديث ان أفضل أنواع العبادات والطاعات هو العمل لحياة أفضل، وان أكبر الكبائر والمعاصي هو الفساد والعدوان على العباد، قال الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلم: أقرب ما يكون العبد إل ربه إذا أدخل على قلب أخيه مسرة، وقال الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: (بئس الزاد إل المعاد العدوان على العباد، وقال حفيده الإمام الباقر عليه السلام: ان لله عبادا ميامين يعيشون ويعيش الناس في أكنافهم، وهم في عباده مثل القطر، وان لله عبادا ملاعين يعيشون ولا يعيش الناس في أكنافهم، وهم في عباده بمنزلة الجراد، لا يقعون على شيء الا أتوا عليه)
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/23.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ﴾ إلى آخر الآية، الآية مسوقة لبيان قوله: ﴿وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾ وقد وضع فيها محل هذه الشهوات الفانية الباطلة أمور هي خير للإنسان لكونها باقية وحسنة حقيقة من غير بطلان، وهي أمور مجانسة لهذه الشهوات في ما يريده الإنسان من خواصها وآثارها غير أنها خالية عن القبح والفساد غير صارفة للإنسان عن ما هو خير منها، وهي الجنة ومطهرات الأزواج ورضوان الله تعالى.
2. اختصت الأزواج بالذكر مع كون ذكر الجنة كالمشتمل عليها لكون الوقاع أعظم اللذائذ الجسمية عند الإنسان، ولذلك أيضا قدم ذكر النساء في قوله: ﴿مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ﴾ الآية.
3. الرضوان بكسر الراء وضمها هو الرضا وهو أن يلائم الأمر الواقع نفس صاحبه من غير أن يمتنع منه ويدافعه، ويقابله السخط، وقد تكرر في القرآن ذكر رضى الله سبحانه، وهو منه تعالى كما يتصور بالنسبة إلى فعل عباده في باب الطاعة كذلك يتصور بالنسبة إلى غير باب الطاعة كالأوصاف والأحوال وغير ذلك إلا أن جل الموارد التي ذكر فيها أو كلها من قبيل الرضا بالطاعة، ولذلك ربما قوبل بينه وبين رضا العبد فرضاه عن عبده لطاعته، ورضى العبد عنه لجزائه الحسن أو لحكمة كقوله تعالى: ﴿مْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾، وقوله تعالى: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ مْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ﴾ الآية.
4. ذكر الرضوان هاهنا أعني في عداد ما هو خير للناس من مشتهيات الحياة الدنيا يدل على أنه نفسه من مشتهيات الإنسان أو يستلزم أمرا هو كذلك عنى بذكره في مقابل الجنات والأزواج في هذه الآية، وكذا في مقابل الفضل والرحمة في قوله: ﴿فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾، وقوله: ﴿وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ﴾، وقوله: ﴿بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ﴾
5. لعل الذي يكشف عن هذا الذي أبهمته هذه الآية هو التدبر في المعنى الذي ذكرناه وفي قوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [البينة: 8] الآية وقوله: ﴿رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً﴾ الآية حيث علق رضاه بأنفسهم، والرضا عن أنفسهم غير الرضا عن أفعالهم فيعود المعنى إلى أنه لا يمنعهم عن نفسه فيما يسألونه فيئول إلى معنى قوله تعالى: ﴿لَهُمْ مَا يَشَاءُونَ فِيهَا﴾، ففي رضوان الله عن الإنسان المشية المطلقة للإنسان.
6. من هنا يظهر: أن الرضوان في هذه الآية قوبل به من الشهوات المذكورة في الآية السابقة أن الإنسان يحسب أنه لو اقتناها وخاصة القناطير المقنطرة من بينها أفادته إطلاق المشية وأعطته سعة القدرة فله ما يشاء، وعنده ما يريد، وقد اشتبه عليه الأمر فإنما يتم ذلك برضا الله الذي إليه أمر كل شيء.
7. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، لما تحصل من هذه الآية والتي قبلها: أن الله أعد للإنسان في كلتا الدارين (الدنيا والآخرة) نعما يتنعم بها ومآرب أخرى مما تلتذ به نفسه كالأزواج، وما يؤكل ويشرب، والملك ونحوها، وهي متشابهة في الدارين غير أن ما في الدنيا مشترك بين الكافر والمؤمن مبذول لهما معا وما في الآخرة مختص بالمؤمن لا يشاركه فيها الكفار كان المقام مظنة سؤال الفرق في ذلك، وبلفظ آخر سؤال وجه المصلحة في اختصاص المؤمن بنعم الآخرة أجاب عنه بقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، ومعناه: أن هذا الفرق الذي فرق الله به بين المؤمن والكافر ليس مبنيا على العبث والجزاف تعالى عن ذلك بل إن في الفريقين أمرا هو المستدعي لهذا الفرق والله بصير بهم يرى ما فيهم من الفرق وهو التقوي في المؤمن دون الكافر، وقد وصف هذا التقوي وعرفه بما يلحق بهذه الآية من قوله: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا﴾ إلى آخر الآيتين وملخصه: أنهم يظهرون فاقتهم إلى ربهم وعدم استغنائهم عنه، ويصدقون ذلك بالعمل الصالح ولكن الكافر يستغني عن ربه بشهوات الدنيا وينسى آخرته وعاقبة أمره.
8. سؤال وإشكال: من ألطف ما يستفاد من الآيتين أعني قوله تعالى: ﴿ذلِكَ مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا وَاللهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ قُلْ أَأُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذلِكُمْ﴾ إلى آخر الآية وما في معناهما من الآيات كقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾، الجواب عن إشكال استوجهه كثير من الباحثين على ظواهر الآيات الواصفة لنعم الجنة، أما الإشكال فهو أن المتأمل في أطوار وجود هذه الموجودات المشهودة في هذا العالم لا يشك في أن الأفعال الصادرة منها وأعمالها التي يعملها إنما هي متفرعة على القوى والأدوات التي جهز بها كل واحد منها ليدفع بها عن وجوده ويحفظ بها بقاءه كما يحققه البحث عن الغايات الوجودية وأن الوجود لا يستند إلى اتفاق أو جزاف أو عبث، فهو ذا الإنسان مجهز في جميع بدنه بجهاز دقيق في غاية الدقة يتمشى به أمر تغذيه، وإنما يتغذى لتهيئة بدل ما يتحلل من أجزائه وإنما يفعل ذلك ليمد وجوده للبقاء، وأيضا هو مجهز بجهاز التناسل على ما فيه من الأدوات والقوى الفعالة والمترتبة ليحفظ بقاء نوعه والأمر في وجود النبات والحيوان نظير الأمر في تجهيز الإنسان، ثم إن الخلقة احتالت في تسخيرها وخاصة في تسخير ذوات الشعور منها وهي الحيوان والإنسان بإبداع لذائذ في أفعالها وإيداعها في القوى لتتسابق إلى الأفعال لأجل هذه اللذائذ وهي لا تشعر أن الخلقة تريد منها غايتها وهي بقاء الوجود وتغرها بتطميعها باللذة التي تزينها لها فيحصل بذلك ما يريده الخلقة، ويلتذ الفاعل بهذه الزينة التي تغرها ويلعب بها، فلولا ما في الغذاء والنكاح مثلا من اللذة لما قصدهما الإنسان مثلا لمجرد كونهما مقدمة للبقاء، وبطل بذلك غرض الخلقة لكن الله سبحانه أودع فيه لذة الغذاء ولذة النكاح لا يستريح الإنسان في طريق النيل إليهما دون أن يتحمل كل تعب وعناء ويقاسي كل مصيبة وبلاء، وهو في اقتناء هذه الشهوات مختال فخور بما ليس فيه إلا الغرور، وأما الصنع والخلقة فينال بغيته ويبلغ أمنيته فإنه ما كان يريد بهذا التدبير إلا بقاء وجود الفرد وقد حصل بالتغذي، وإلا بقاء وجود النوع وقد حصل بالنكاح والسفاد ولم يبق للإنسان مثلا فيما كان يريده إلا الخيال، وإذا كان هذه اللذائذ الدنيوية مقصودة في الخلقة لأجل غرض محدود معجل فلا معنى لتحققها في ما لا تحقق هناك لذلك الغرض، فلذة الأكل والشرب وجميع اللذائذ الراجعة إلى التغذي مقصودة في الطبيعة لأجل حفظ البدن عن آفة التحلل وفساد التركيب وهو الموت، ولذة النكاح وجميع اللذائذ المرتبطة به وهي أمور جمة إنما تقصدها الخلقة لأجل حفظ النوع من الفناء والاضمحلال، فلو فرض للإنسان وجود لا يلحقه موت ولا فناء وحيوة مأمونة من كل شر ومكروه فأي فائدة تترتب على وجود القوى البدنية التي تعمل لأجل تحصيل بقاء الشخص أو النوع؟ وأي ثمرة يثمرها تجهيزات البدن وأعضاؤه كالكلي والمثانة والطحال والكبد وغيرها وجميعها إنما أوجدت لأعمال تنفع في البقاء المعجل المحدود دون البقاء المخلد المؤبد(2)؟
9. الجواب: هو أن الله سبحانه إنما خلق ما خلق من لذائذ الدنيا والنعم التي تتعلق بها هذه اللذائذ زينة في الأرض ليقصدها الإنسان فينجذب إلى الحياة ويتعلق بها كما قال ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا﴾، وقال ﴿الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقال: ﴿تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، وقال ـ وهو أجمع للغرض ـ: ﴿وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى﴾: طهـ 131، وقال أيضا: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَمَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَزِينَتُهَا وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾، إلى غير ذلك من الآيات، وجميعها تبين أن هذه النعم الموجودة في الدنيا، واللذائذ المتعلقة بها أمور مقصودة لأجل الحياة وأمتعة يتمتع بها لأجل الحياة هذه الحياة المحدودة التي لا تتعدى أياما قلائل، فلولا الحياة لما كانت هي مقصودة ولا مخلوقة، وهذا هو حق الأمر!، لكن يجب أن يعلم أن وجود الإنسان الباقي ليس إلا هذا الوجود الذي يمكث هاهنا برهة من الزمان بتحوله من طور إلى طور، وليس ذلك إلا روحا كائنا من بدن وعلى بدن هو مجموع هذه الأجزاء المأخوذة من هذه العناصر والقوى الفعالة فيها، ولو فرض ارتفاع هذه الأمور التي نعدها مقدمات مقصودة للبقاء لم يبق وجود ولا بقاء أعني أن فرض عدمها هو فرض عدم الإنسان رأسا لا فرض عدم استمرار وجود الإنسان فافهم ذلك، فالإنسان في الحقيقة هو الذي ينشعب أفرادا ويأكل ويشرب وينكح ويتصرف في كل شيء بالأخذ والإعطاء ويحس ويتخيل ويعقل ويسر ويفرح ويبتهج وهكذا، كل ذلك ملائم لذاته الذي هو كالمجموع منها وبعضها مقدمة لبعضها، وهو السائر الدائر في مثل مسافة دورية، فإذا نقله الله من دار الفناء إلى دار البقاء وكتب عليه الخلود والدوام إما بثواب دائم أو بعقاب دائم لم يكن ذلك بإبطال وجوده وإيجاد وجود باق بل بإثبات وجوده بعد ما كان متغيرا في معرض الزوال فهو لا محالة إما متنعم بنعم من سنخ نعم الدنيا لكنها باقية أو نقم ومصائب من سنخ نقم الدنيا ومصائبها، وكل ذلك منكوح أو مأكول أو مشروب أو ملبوس أو مسكون أو قرين أو سرور أو نحو ذلك، فالإنسان هو الإنسان وما يحتاج إليه ويستكمل به هو الذي كان يحتاج إليه ويستكمل به من مطالبه ومقاصده وإنما الفرق هو اختلاف الدارين بالبقاء وما يلحق به.
10. هذا هو الذي يظهر من كلامه سبحانه حيث يبين حقيقة البنية الإنسانية فيقول: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ﴾، انظر إلى موضع قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا﴾، والخلق هو الجمع والتركيب، وإلى موضع قوله: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ﴾، الدال على تبديل نحو الخلق والإيجاد، وإلى موضع قوله: ﴿ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾، والمخاطب به هو الذي أنشئ خلقا آخر، ويقول أيضا: ﴿قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ﴾ فيفيد أن حيوة الإنسان حيوة أرضية مؤلفة من نعمها ومن نقمها، وتقدم بعض الكلام في هذا المعنى في تفسير قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ الآية.
11. وقد قال تعالى في هذه النعم الأرضية: (﴿ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ ثم قال ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ﴾، فجعل نفس الحياة الدنيا متاعا في الآخرة يتمتع به، وهذا من أبدع البيان، وباب ينفتح به للمتدبر ألف باب، وفيه تصديق قول رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: كما تعيشون تموتون وكما تموتون تبعثون.
12. بالجملة الحياة الدنيا هي الوجود الدنيوي بما كسب من حسنة أو سيئة وهو الذي يتمتع به في الآخرة من حيث سعادته وشقائه أي ما يراه فوزا وفلاحا لنفسه وما يراه خيبة وخسرانا فيعطى سعادته بإعطاء لذائذه أو يحرم من نيلها وهما نعيم الجنة وعذاب النار.
13. بعبارة أخرى واضحة، للإنسان مثلا سعادة بحسب الطبيعة وشقاء بحسبها في بقائه شخصا ونوعا وهما منوطتان بفعله الطبيعي من الأكل والشرب والنكاح وقد زينت له بلذائذ مقدمية وهذا بحسب الطبيعة ثم إذا أخذ الإنسان في الاستكمال وأخذ في الفعالية بالشعور والإرادة صار نوعا كماله هو الذي يختاره شعوره وإرادته فما لا يشعر به ولا يشاؤه ليس كمالا لهذا الموجود الشاعر المريد وإن كان كمالا طبيعيا وكذا العكس كما نرى أنا لا نلتذ بما لا نشعر به وإن كان من سعادة الطبيعة كصحة البدن والمال والولد، ونلتذ بما نشعر به من اللذائذ وإن لم يطابق الخارج كالمريض المعتقد للصحة ونظائر ذلك فهذه اللذائذ المقدمية تصير كمالا حقيقيا لهذا الإنسان وإن كانت كمالات مقدمية للطبيعة فإذا أبقى الله سبحانه هذا الإنسان بقاء مخلدا كانت سعادته هي التي يشاؤها من اللذائذ، وشقاؤه هو الذي لا يشاؤه سواء كانت بحسب الطبيعة مقدمة أو لم يكن، إذ من البديهي أن خير الشخص أو القوة الشاعرة المريدة هو فيما يعلم به ويشاؤه، وشره فيما يعلم به ولا يريده، فقد تحصل أن سعادة الإنسان أن ينال في الآخرة ما كان يريده من لذائذ الحياة في الدنيا من الأكل والشرب والنكاح وما فوق ذلك وهو الجنة، وشقاؤه أن لا ينال ذلك وهو النار، قال تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا مَا يَشَاءُونَ﴾
14. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ وصف للمتقين المدلول عليهم بقوله في الآية السابقة: ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا﴾، فوصفهم أنهم يقولون ربنا وفيه إظهار للعبودية بذكره تعالى بالربوبية واسترحام منه تعالى فيما يسألونه بقولهم: ﴿إِنَّنَا آمَنَّا﴾، والجملة ليست في مقام الامتنان عليه تعالى فإن المن منه تعالى بالإيمان كما قال تعالى: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ﴾ بل استنجاز لما وعد الله تعالى عباده أنه يغفر لمن آمن منهم، قال تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ﴾، ولذلك فرعوا عليه قولهم: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾، بفاء التفريع، وفي تأكيد قولهم بأن دلالة على صدقهم وثباتهم في إيمانهم، والمغفرة للذنوب لا يستلزم التخلص من العذاب بمعنى أن الوقاية من عذاب النار فضل من الله سبحانه بالنسبة إلى من آمن به وعبده من غير استحقاق من العبد يثبت له حقا على الله سبحانه أن يجيره من عذاب النار، أو ينعمه بالجنة فإن الإيمان والإطاعة أيضا من نعمه ولا يملك غيره تعالى منه شيئا إلا ما جعله على نفسه من حق، ومن الحق الذي جعل على نفسه لعباده أن يغفر لهم ويقيهم عذاب النار إن آمنوا به، قال تعالى: ﴿وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾
15. ربما استفيد من بعض الآيات أن الوقاية من عذاب النار هو المغفرة والجنة كقوله تعالى: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ﴾، فإن في الآيتين الأخيرتين تفصيل لما أجمل في الآية الأولى من قوله: ﴿هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾، وهذا معنى دقيق سنشرحه في مورد يناسبه إن وفقنا له.
16. ﴿الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ﴾ إلى آخر الآية وصفهم بخمس خصال لا يشذ منها تقوى من متق:
أ. فالصبر لسبقه على بقية الخصال وإطلاقه يشمل أقسام الصبر، وهي ثلاث: صبر على الطاعة، وصبر عن المعصية، وصبر عند المصيبة.
ب. والصدق وإن كان بحسب تحليل حقيقته هو مطابقة ظاهر الإنسان من قول وفعل لباطنه لكنه بهذا المعنى يشتمل جميع الفضائل الباقية كالصبر والقنوت وغيرهما وليس بمراد فالمراد به (والله أعلم) الصدق في القول فحسب.
ج. والقنوت هو الخضوع لله سبحانه ويشمل العبادات وأقسام النسك.
د. والإنفاق هو بذل المال لمن يستحق البذل.
هـ. والاستغفار بالأسحار يستلزم قيام آخر الليل والاستغفار فيه، والسنة تفسره بصلاة الليل والاستغفار في قنوت الوتر، وقد ذكر الله أنه سبيل الإنسان إلى ربه كما في سورتي المزمل والدهر من قوله تعالى بعد ذكر قيام الليل والتهجد به: ﴿إِنَّ هَذِهِ تَذْكِرَةٌ فَمَنْ شَاءَ اتَّخَذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلًا﴾
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/107.
(2) الجواب في المسألة التالية
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ﴾ الذي تحبونه فهو أولى أن تحبوه ﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾ فما أعظم هذا الخير، لأنه نعيم عظيم دائم، لا يموت صاحبه ولا يفارقه.
2. ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾ لعلها خصّت بالذكر، لذكر نساء الدنيا في الآية الأولى وتقديمها في الذكر هناك وطهارتها، من خلقها نظيفة من كل وسخ ومن ذلك الحيض، ومن ذلك الزكام والنخام، وقد ذكر لها صفات أخرى مفرقة في القرآن.
3. ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ﴾ للذين اتقوا فهو يفعل لهم من صرف العذاب عنهم، وصرف كل مكروه عنهم، وتكريمهم وإعطائهم رغباتهم ما يفعله الراضي عنهم المقتدر على كل شيء، العليم بأحوالهم، وما يريدون، وما يكرهون، وما يسرهم، وما يسوؤهم، ولا يشغله عنهم شيء ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ﴾ [السجدة:17]، فالرضوان في العادة: مصدر الإحسان، وصرف المكروه، فهي كلمة تدل على صرف كل مكروه والإحسان إليهم والتكريم بما لا نطيق حصره وحسن الرعاية على أبلغ الوجوه: ألا ترى أنك تعطي ضيفك طعاماً وشراباً وغير ذلك من حاجاته لئلا يلحقه برد ولا يضره حَر وتحاول أن لا تلحقه أذية، ولكن إذا كان الضيف كريماً مرضيّا فإنك تجدّ في تحصيل حاجاته والمحاذرة أن لا يلحقه شيء يؤذيه وتحاول تكريمه بقدر ما تستطيع، فكلمة (الرضوان) وعد عظيم، ولذلك قال تعالى في آية أخرى: ﴿وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ﴾ [التوبة:72]
4. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ لعلمه بأعمالهم ومقادير ما يناسبها من الجزاء، وقدرته على تنزيل كل عامل منزلته.
5. ثم وصف الذين اتقوا الذين وعدهم بما ذكر في الآية، فقال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا﴾ الماضية لأنا قد آمنا بما يجب الإيمان به، وذلك يستلزم العزم على الطاعة، لأنه يستلزم الخوف من الله والخوف من النار.
6. ﴿الصَّابِرِينَ﴾ على بلاء الله وعلى طاعته؛ لأن الصبر من الإيمان بمنزلة الرأس من الجسد ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾ في قولهم: ﴿آمَنَّا﴾ وفي كل خبر ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾ لله الخاضعين له ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾ فيما أمر الله بالإنفاق فيه أو شرع، وهذه الصفة سبقت في أول (سورة البقرة) وفي قوله تعالى: ﴿وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ الآية [البقرة:177] وهي في قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [الحجرات:15] وغير ذلك.
7. ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ لخوفهم من عذاب النار يمتنعون من النوم في ذلك الوقت ليستغفروا الله في ذلك الوقت الذي هو مظنة الإجابة، و(الأسحار): جمع سَحَرٍ ولعله من أول ما تظهر نخلة الفجر حتى تذهب الظلمة أو تضعف، كما أفاده الراغب في (مفرداته) وفائدة الجمع العموم ليفيد استمرارهم على ذلك.
8. قال الشرفي في (المصابيح): (قال إمامنا المنصور بالله عليه السلام: دلت الآيتان على أن يتوسل إلى الله بالإيمان باللسان وبذكر ما يفعله المؤمن من الطاعة وما يتجنبه من المعصية لأن ذلك من الإيمان، وعلى الصبر فيما يحب، وعلى صدق اللهجة والاستكانة لله سبحانه، والاستمرار على طاعة الله، وعلى الإنفاق مما رزق الله سبحانه الواجب والمستحب، وعلى أن أفضل أوقات الاستغفار الأسحار من الليل)
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/434.
10. وحدانية الله والشهود عليها
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈10⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [آل عمران: 18]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
ابن عباس:
روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) أنّه قال: خلق الله الأرواح قبل الأجساد بأربعة آلاف سنة، وخلق الأرزاق قبل الأرواح بأربعة آلاف سنة، فشهد بنفسه لنفسه قبل أن خلق الخلق حين كان ولم تكن سماء ولا أرض ولا بر ولا بحر، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾(1).
__________
(1) تفسير البغوي: ٢/١٨.
ابن جبير:
روي عن سعيد بن جبير (ت 95 هـ) أنّه قال: كان حول البيت ستون وثلاثمائة صنم، لكل قبيلة من قبائل العرب صنم أو صنمان؛ فأنزل الله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية، فأصبحت الأصنام كلها قد خرّت سجدا للكعبة(1).
__________
(1) ابن المنذر: ٣٠٠.
البصري:
روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) أنّه قال: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ ربنا قائما بالعدل(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٧.
ابن الزبير:
روي عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت 115 هـ) أنّه قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ بخلاف ما قال نصارى نجران(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٨٠.
زيد:
روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) أنّه قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ معناه بيّن الله،(1).
__________
(1) تفسير الإمام زيد، ص 107.
السّدّيّ:
روي عن إسماعيل السّدّيّ (ت 127 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ فإن الله شهد، والملائكة، والعلماء من الناس(1).
2. روي أنّه قال: فإن الله يشهد هو والملائكة والعلماء من الناس أن الدين عند الله الإسلام(2).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٧.
(2) ابن جرير: ٥/٢٧٧.
أبو طالب:
روي عن أبي طالب (ت 141 هـ) أنّه قال: من عرف الله، وشهد بما شهد به الله؛ فهو العالم، ثم تلا: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا﴾(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٦.
الكلبي:
روي عن محمد بن السائب الكلبي (ت 146 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، يعني: جميع علماء المؤمنين(1).
2. روي أنّه قال: لما ظهر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم)، قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم)، قالا: إنا نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال لهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (سلاني)، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله، فأنزل الله تعالى على نبيه: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، فأسلم الرجلان، وصدقا برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم(2).
__________
(1) تفسير الثعلبي: ٣/٣٣.
(2) أورده الواحديُّ في أسباب النزول: ص٩٩.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يشهدون بها، ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ بالتوراة؛ ابن سلام وأصحابه يشهدون أنه لا إله إلا هو، ويشهدون أن الله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾(1).
2. روي أنّه قال: ويشهدون أن الله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، يعني: قائم على كل شيء بالعدل، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ في أمره(1).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٧.
عيينة:
روي عن سفيان بن عيينة (ت 198 هـ) أنّه قال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ فكل من علمها فهو من أولي العلم(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٧.
المرتضى:
ذكر الإمام المرتضى بن الهادي (ت 310 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ قد سئل جدي القاسم صلوات الله عليه عن هذه الآية، فقال: الشاهد هو: الله أنه لا إله إلا هو، وسؤال الملحدين فيها: هل شهد الاسم أم المسمى؟، فقال: الشاهد هو: الله المسمى، والاسم: فاسم الله، وما لله فليس هو بالله، وله الاسماء الحسنى، والأسماء فعدد كثير غير واحد، والله المسمى فواحد صمد، لم يلد ولم يولد.
__________
(1) الأنوار البهية المنتزع من كتب أئمة الزيدية: 1/150.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي:
العياني:
ذكر الإمام المهدي العياني (ت 404 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. معنى قوله عز وجل: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، أي شهد لعباده وكفى بشهادته أنه ليس ثَمّ إله سواه، ومعنى ﴿شَهِدَ﴾ أيضاً: هو علم أنه لا رب غيره، وكذلك شهادة الملائكة.. وأولي العلم: هو علمهم جميعاً بالدلائل الواضحة، أنه لا إله إلا هو، وشهادتنا له بالوحدانية والدلائل موجودة في كتبنا التي وضعناها في (التوحيد والرد على من ألحد في صنع الله الواحد المجيد)، وأولو العلم هاهنا: هم الأنبياء والأئمة الطاهرون، وأتباعهم الأخيار المؤمنون.
2. معنى قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، أي مقيماً للعدل والإحسان، والعرب تقول للرئيس من رؤسائها: قام بأمور الناس، إذا أقام أمورهم وعدلها، وليس يريدون أنه قام على رجليه، وإنما القرآن عربي مبين.
__________
(1) تفسير الإمام المهدي العياني: 2/ 257.
الديلمي:
ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قيل لما نزلت هذه الآية كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنماً خرت كلها على وجوهها للشهادة من الله بأنه لا إله إلا هو، وتحتمل وجهين:
أ. أحدهما: أن معناها الإخبار بذلك تأكيد الخبر بالمشاهدة كإخبار الشاهد لما شاهد لأنه أوكد الخبرين.
ب. الثاني أنه أحدث من أفعاله المشاهدة ما قامت مقام الشهادة بأنه لا إله إلا الله.
2. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ فأما شهادة الملائكة وأولو العلم فهي اعترافهم بما شاهدوه من دلائل وحدانيته ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل(2).
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/135.
(2) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/136.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وجوه:
أ. قيل: شهد الله شهادة ذاتية، أي: هو بذاته، ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ إذ في ذاته ما تليق الشهادة بمثله له من الألوهية والربوبية، وليس ذلك في ذات غيره، وبالله العصمة.
ب. وقيل: شهد الله بما خلق من الخلائق أنه لا إله إلا هو، أي: خلق من الخلائق ما يشهد خلقه كل أحد على وحدانيته وإلهيته، لو نظروا في خلقتهم وتدبروا فيها، وكذلك الملائكة، وأولو العلم شهدوا أنه لا إله إلا هو على تأويل الأول، وعلى تأويل الثاني: أن خلقه الملائكة ـ وأولي العلم ـ يشهد على وحدانيته؛ فشهدوا على ذلك، إلا الجهّال؛ فإنهم لم يتأمّلوا في أنفسهم، ولا تفكروا في أنفسهم؛ فلم يشهدوا به؛ لأنه أمر الرسل والأنبياء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، فقوله وأمره به ـ شهادة منه، ويحتمل شهادة القول؛ كقوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾ [الأحزاب: 56]، وذلك من الله: الربوبية، ومن الخلق: العبودية له؛ فيجب أن تعرف الربوبية من العبودية؛ ففيه دلالة خلق الإيمان؛ فمن قال إنه غير مخلوق ـ لم يعرف ذا من ذاك.
ج. وقيل: (شهد الله) أي: علم الله أنه لا إله إلا هو، وكذلك علم الملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو.
2. سؤال وإشكال: كيف صح، وهو دعوى!؟ والجواب: لأن دعوى من ظهر صدقه في شهادته إذا شهد، وهو مقبول، وهو بما ادعى من الألوهية والربوبية؛ إذا لم يستقله أحد ـ ظهر صدقه، وقهر كل مكذب له في دعواه، وبالله النجاة.
3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾:
أ. قيل: أي: حافظ ومتولّ؛ كقوله: ﴿قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: 33]، أي: حافظ لها ومتولّ؛ كما يقال: فلان قائم على أمر فلان، أي: حافظ لأمره، ومتعاهد لأسبابه.
ب. وقيل: هو عادل، أي: لا يجوز، لا أن ثم معنى القيام؛ كقوله: ﴿قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135]: مقسطين، لا أن ثم للقيام فيه معنى يسبق الوهم إليه.
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/331.
الماوردي:
ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وفي هذه الشهادة من الله ثلاثة أقاويل:
أ. أحدها: بمعنى قضى الله أنه لا إله إلا هو.
ب. الثاني: يعني بيّن الله أنه لا إله إلا هو.
ج. الثالث: أنها الشهادة من الله بأنه لا إله إلا هو.
2. ويحتمل أمرين:
أ. أحدهما: أن يكون معناها الإخبار بذلك، تأكيدا للخبر بالمشاهدة، كإخبار الشاهد بما شاهد، لأنه أوكد للخبر.
ب. الثاني: أنه أحدث من أفعاله المشاهدة ما قامت مقام الشهادة بأن لا إله إلا هو، فأما شهادة الملائكة وأولي العلم، فهي اعترافهم بما شاهدوه من دلائل وحدانيته.
3. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل، ويحتمل قيامه بالعدل وجهين:
أ. أحدهما: أن يتكفل لهم بالعدل فيهم، من قولهم قد قام فلان بهذا الأمر إذا تكفل به، فيكون القيام بمعنى الكفالة.
ب. الثاني: معناه أن قيام ما خلق وقضى بالعدل أي ثباته، فيكون قيامه بمعنى الثبات.
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/380.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. حقيقة الشهادة الاخبار بالشيء عن مشاهدة أو ما يقوم مقام الشهادة من الدلالات الواضحة، والحجج اللائحة على وحدانيته من عجيب خلقه، ولطيف حكمته في ما خلق، وقال أبو عبيدة: معنى ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ قضى الله ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ﴾ شهود ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ وحكى عمرو بن عبيد عن الحسن، وروي ذلك في تفسيرنا أن في الآية تقديماً، وتأخيراً، وتقديرها ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَقائِماً بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل، وشهد الملائكة أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، وشهد أولو العلم أنه لا إله إلا هو قائماً بالقسط، وأولو العلم: هم المؤمنون.
2. قرأ أبو المهلب عمر بن محارب بن دثار ﴿شُهَدَاءَ لله﴾ على وزن فعلاء جمع شهيد، نصب على الحال برده على ما قبله من الكلام كأنه قال الذين يقولون ربنا إننا آمنا شهداء لله أنه لا إله إلا هو، وهي جائزة غير أنها شهادة لم يوافق عليها أحد من قراء الأمصار، ذكر ذلك البلخي، و(إن) الأولى، والثانية نحتمل أربعة أوجه من العربية، فتحهما جميعاً وكسرهما جميعاً، وفتح الأولى وكسر الثانية، وكسر الأولى وفتح الثانية:
أ. فمن فتحهما أوقع الشهادة على أن الثانية وحذف حرف الاضافة من الأولى، وتقديره ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ) (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾، وقال أبو علي الفارسي: يجوز أن يكون نصبها على البدل من شيئين: أحدهما: من قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ﴾ وتقديره شهد الله ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ويجوز بدل الشيء من الشيء وهو هو، الثاني: أن يكون بدل الاشتمال، لأن الإسلام يشتمل على التوحيد والعدل وغير ذلك.
ب. ومن كسرهما اعترض بالأولى للتعظيم لله عز وجل به كما قيل لبيك إن الحمد، وكسر الثانية على الحكاية، لأن في معنى شهد معنى قال وقال المؤرج: شهد بمعنى قال بلغة قيس عيلان.
ج. الثالث: من فتح الأولى وكسر الثانية: وهو أجودها، وعليه أكثر القراء ـ أوقع الشهادة على الأولى واستأنف الثانية وهو أحسن الوجوه وأظهرها.
د. الرابع: من كسر الأولى، فعلى الاعتراض، ثم فتح الثانية بإيقاع الشهادة عليها، وهو المروي عن ابن عباس.
3. قيل في نصب قائماً قولان:
أ. أحدهما: أنه حال من اسم الله على تقدير شهد الله قائماً بالقسط.
ب. الثاني: على الحال من هو وتقديره لا إله إلا هو قائماً بالقسط، وقال مجاهد:
4. معنى قائماً بالقسط أي قائماً بالعدل كما تقول: قائماً بالتدبير أي يجريه على الاستقامة فكذلك يجري التدبير على الاستقامة والعدل في جميع الأمور.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/417.
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. الشهادة: الإخبار عن الشيء عن مشاهدة أو ما يقوم مقام المشاهدة، ومنه الشهود.
2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:
أ. قيل: نزلت الآية في نصارى نجران لما حاجوا في أمر عيسى، عن أبي جعفر محمد بن الزبير.
ب. وقيل: في اليهود والنصارى أي حين تركوا اسم الإسلام وتسموا باليهودية والنصرانية.
ج. وقيل: إن أهل الكتاب وجدوا في كتبهم: شهد اللَّه، فسألوا النبي صلّى الله عليه وآله وسلم: أي الشهادة أكبر؟ فنزلت الآية، وقيل: إنهم قالوا: ديننا أفضل من دينك يا محمد، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.
3. لما تقدم ذكر الإيمان واختلافهم بالتوحيد بَيَّنَ تعالى الحق، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾:
أ. فقيل: بيّن.
ب. وقيل: حكم، عن مجاهد.
ج. وقيل: قضى اللَّه، عن الفراء وأبي عبيد.
د. وقيل: أعلم، عن المفضل.
هـ. وقيل: شهد بتدابيره العجيبة وصنعه عند خلقه.
4. ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، عن الأصم ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ﴾ يعني ليس أحد يحق له العبادة غيره؛ لأنه الخالق الرازق المنعم الهادي، وإليه مفزع الخلق ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ يعني وشهد الملائكة بإقرارهم له بالربوبية، كقوله: ﴿شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا﴾ يعني أقررنا.
5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾:
أ. قيل: الأنبياء.
ب. وقيل: المهاجرون والأنصار، عن الأصم.
ج. وقيل: علماء مؤمني أهل الكتاب، عن مقاتل.
د. وقيل: علماء المؤمنين كلهم، عن السدي.
6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾:
أ. قيل: قائما بالعدل، يعني يقوم بإجراء الأمور وتدابير الخلق وجزاء الأعمال بالعدل ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كلمة الإخلاص في الآية.
ب. وقيل: ذكر أولاً ليعلم أنه لا يحق العبادة لغيره، وذكر ثانيًا ليعلم أنه القائم بالقسط لا يظلم ولا يجور.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ وهو نهاية وصف فعله بالحكمة، ولو كان الكفر من خلقه ويعذب من غير جرم لم يكن قائمًا بالقسط.
7. ﴿الْعَزِيزِ﴾ القادر ﴿الْحَكِيمُ﴾:
أ. قيل: العالم.
ب. وقيل: المحكم لأفعاله.
8. تدل الآية الكريمة على:
أ. التوحيد.
ب. التعليم لعباده كيف يشهدون بالتوحيد.
ج. عظم محل الملائكة وأولي العلم، وفيه تنبيه على أنه يجب الاقتداء بهم وسلوك طريقتهم.
د. فضل الملائكة حيث خصهم بالذكر، وإن كانوا من أهل العلم، ولأن كلهم من أهل العلم والعمل، فعلق الحكم بالاسم بخلاف البشر الَّذِينَ فيهم العلماء والجهال، فعلق المدح بالعلم.
هـ. فضل العلم لأنه لما ذكرهم كأنه لم يعتد بغيرهم، والمراد بهذا العلم التوحيد وما يتعلق به من علوم الدين؛ لأن الشهادة وقعت فيه.
و. أن جميع أفعاله حكمة وليس فيها شيء يقبح لذلك.
9. قراءات ووجوه:
أ. قراءة العامة ﴿شَهِدَ﴾ على فعل ماض، وعن بعضهم ﴿شُهَدَاءَ﴾ بالمد والرفع، على تقدير: هم شهداء اللَّه، وعن بعضهم بالمد والنصب على الحال والمدح.
ب. قراءة العامة ﴿إِنَّهُ﴾ بالفتح لوقوع الشهادة عليه، وعن ابن عباس بالكسر على الاستئناف.
10. مسائل نحوية:
أ. في ﴿أَن﴾ الأولى والثانية أربعة أوجه: فتحهما جميعًا، وكسرهما جميعًا، وفتح الأولى وكسر الثانية، وكسر الأولى وفتح الثانية:
• أما الأول: ففتحهما على إيقاع الشهادة على ﴿أَن﴾ الثانية، وحذف حرف الإضافة من الأولى تقديره: شهد اللَّه أنه لا إله إلا هو، أن الدين عنده الإسلام.
• والثاني: كسرهما جميعًا على الاعتراض بالأولى للتعظيم لله به، وكسر الثانية على الحكاية؛ لأن في ﴿شَهِدَ﴾ معنى ﴿قَالَ﴾
• الثالث: فتح الأولى وكسر الثانية، وهو أجودها على إيقاع الشهادة على الأولى، واستئناف الثانية، فهذا أظهر الوجوه وأحسنها، وعليه القراء.
• الرابع: كسر الأولى على الاعتراض، وفتح الثانية، بإيقاع الشهادة عليها.
ب. ﴿قَائِمًا﴾ قيل: نصب على الحال من اسم اللَّه تعالى على تقدير: شهد اللَّه قائمًا بالقسط، وقيل: على الحال من ﴿هُوَ﴾ تقديره: لا إله إلا هو قائمًا بالقسط.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/190.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. حقيقة الشهادة: الإخبار بالشئ عن مشاهدة، أو ما يقوم مقام المشاهدة.
2. لما قدم تعالى ذكر أرباب الدين، أتبعه بذكر أوصاف الدين فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾:
أ. قيل: أي: أخبر الله بما يقوم مقام الشهادة على وحدانيته، من عجيب صنعته، وبديع حكمته.
ب. وقيل: معنى شهد الله قضى الله، عن أبي عبيدة.
ج. قال الزجاج: وحقيقته علم الله، وبين ذلك، فإن الشاهد هو العالم الذي يبين ما علمه ومنه: شهد فلان عند القاضي أي: بين ما علمه، فالله تعالى قد دل على توحيده بجميع ما خلق، وبين أنه لا يقدر أحد أن ينشئ شيئا واحدا مما أنشأه.
3. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ أي: وشهدت الملائكة بما عاينت من عظيم قدرته ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ أي: وشهد أولوا العلم بما ثبت عندهم، وتبين من صنعه الذي لا يقدر عليه غيره.
4. روي عن الحسن أن في الآية تقديما وتأخيرا، والتقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ وشهدت الملائكة أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط، وشهد أولو العلم أنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ قائما بالقسط.
5. القسط: العدل الذي قامت به السماوات والأرض، ورواه أصحابنا أيضا في التفسير، وأولوا العلم هم علماء المؤمنين، عن السدي والكلبي.
6. وقيل: معنى قوله ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أنه يقوم بإجراء الأمور، وتدابير الخلق، وجزاء الأعمال بالعدل، كما يقال: فلان قائم بالتدبير أي: يجري أفعاله على الاستقامة.
7. إنما كرر قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لأنه:
أ. بين بالأول أنه المستحق للتوحيد، لا يستحقه سواه.
ب. وبالثاني أنه القائم برزق الخلق وتدبيرهم بالعدل لا ظلم في فعله.
8. تضمنت الآية الإبانة عن فضل العلم والعلماء، لأنه تعالى قرن العلماء بالملائكة، وشهادتهم بشهادة الملائكة، وخصهم بالذكر، كأنه لم يعتد بغيرهم، والمراد بهذا العلم التوحيد، وما يتعلق به من علوم الدين، لأن الشهادة وقعت عليه، ومما جاء في فضل العلم والعلماء من الحديث:
أ. ما رواه جابر بن عبد الله، عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: ساعة من عالم يتكئ على فراشه، ينظر في علمه، خير من عبادة العابد سبعين عاما.
ب. وروى أنس بن مالك عنه صلّى الله عليه وآله وسلم قال: تعلموا العلم، فإن تعلمه لله حسنة، ومدارسته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه من لا يعلمه صدقة، وتذكرة لأهله لأنه معالم الحلال والحرام، ومنار سبيل الجنة والنار، والأنيس في الوحشة، والصاحب في الغربة، والمحدث في الخلوة، والدليل على السراء والضراء، والسلاح على الأعداء، والقرب عند الغرباء، يرفع الله به أقواما فيجعلهم في الخير قادة يقتدى بهم، ويقتفى آثارهم، وينتهى إلى رأيهم، وترغب الملائكة في خلتهم، وبأجنحتها تمسحهم، وفي صلاتهم تستغفر لهم، وكل رطب ويابس يستغفر لهم حتى حيتان البحار وهوامها، وسباع الأرض وأنعامها، والسماء ونجومها، ألا وإن العلم حياة القلوب، ونور الأبصار، وقوة الأبدان، يبلغ بالعبد منازل الأحرار، ومجلس الملوك، والفكر فيه يعدل بالصيام، ومدارسته بالقيام، وبه يعرف الحلال والحرام، وبه توصل الأرحام، والعلم إمام العمل، والعمل تابعه، يلهم السعداء، ويحرم الأشقياء.
9. مما جاء في فضل هذه الآية:
أ. ما رواه أنس عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم قال: من قرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ الآية عند منامه، خلق الله منها سبعين ألف خلق يستغفرون له إلى يوم القيامة.
ب. ما رواه الزبير بن العوام قال: قلت لأدنون هذه العشية من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، وهي عشية عرفة، حتى أسمع ما يقوله، فحبست ناقتي بين ناقة رسول الله، وناقة رجل كان إلى جنبه، فسمعته يقال ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية، فما زال يرددها حتى رفع.
ج. ما رواه غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تجارة، فنزلت قريبا من الأعمش، فكنت أختلف إليه، فلما كنت ذات ليلة، أردت أن أنحدر إلى البصرة، قام من الليل يتهجد، فمر بهذه الآية ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية، ثم قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، إن الدين عند الله الاسلام، قالها مرارا، قلت: لقد سمع فيها شيئا، فصليت معه وودعته، ثم قلت: آية سمعتك ترددها فما بلغك فيها؟ قال: لا أحدثك بها إلى سنة، فكتبت على بابه ذلك اليوم وأقمت سنة، فلما مضت السنة، قلت: يا أبا محمد! قد مضت السنة، فقال: حدثني أبو وائل عن عبد الله قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله: إن لعبدي هذا عهدا عندي، وأنا أحق من وفي بالعهد، أدخلوا عبدي هذا الجنة.
د. وقال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فلما نزلت ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية، خررن سجدا.
10. قال الزجاج: وروي عن ابن عباس قال ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بكسر الألف، والقراءة ﴿إِنَّهُ﴾ بالفتح.
11. قيل في نصب ﴿قَائِمًا﴾ قولان:
أ. أحدهما: إنه حال من اسم الله تعالى مؤكدة، لأن الحال المؤكدة يقع مع الأسماء في غير الإشارة، تقول: إنه زيد معروفا، وهو الحق مصدقا، وشهد الله قائما بالقسط أي: قائما بالعدل.
ب. والثاني: إنه حال من هو من قوله ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/715.
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. اختلف في سبب نزول قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾:
أ. قيل: أن حبرين من أحبار الشّام قدما النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، فلما أبصرا المدينة، قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبيّ الذي يخرج في آخر الزمان، فلما دخلا على النّبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم، عرفاه بالصّفة، فقالا: أنت محمّد؟ قال: نعم)، قالا: وأحمد؟ قال: نعم)، قالا: نسألك عن شهادة، فإن أخبرتنا بها، آمنّا بك، فقال: (سلاني)، فقالا أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله، فنزلت هذه الآية، فأسلما، قاله ابن السّائب.
ب. وقال غيره: هذه الآية ردّ على نصارى نجران فيما ادّعوا في عيسى عليه السلام، وقد سبق ذكر خبرهم في أوّل السّورة، وقال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، وكان لكل حيّ من العرب صنم أو صنمان، فلما نزلت هذه الآية، خرّت الأصنام سجّدا.
2. في معنىقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ قولان:
أ. أحدهما: أنه بمعنى قضى وحكم، قاله مجاهد والفرّاء وأبو عبيدة.
ب. الثاني: بمعنى بيّن، قاله ثعلب والزّجّاج، قال ابن كيسان: شهد الله بتدبيره العجيب، وأموره المحكمة عند خلقه، أنه لا إله إلا هو، وسئل بعض الأعراب: ما الدليل على وجود الصّانع؟ فقال: إن البعرة تدلّ على البعير، وآثار القدم تدلّ على المسير، فهيكل علويّ بهذه اللطافة، ومركز سفليّ بهذه الكثافة، أما يدلّان على الصّانع الخبير!؟
3. قال جعفر الصّادق: وإنما كرّر ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لأن الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، أي قولوا: لا إله إلا هو.
__________
(1) زاد المسير: 1/267.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. لما مدح الله تعالى المؤمنين وأثنى عليهم بقوله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ [آل عمران: 16] أردفه بأن بيّن أن دلائل الإيمان ظاهرة جلية، فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾
2. كل ما يتوقف العلم بنبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم على العلم به، فإنه لا يمكن إثباته بالدلائل السمعية أما ما يكون كذلك فإنه يجوز إثباته بالدلائل السمعية، وفي حق الملائكة، وفي حق أولي العلم، لكن العلم بصحة نبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم لا يتوقف على العلم بكون الله تعالى واحدا فلا جرم يجوز إثبات كون الله تعالى واحدا بمجرد الدلائل السمعية القرآنية.
3. ذكروا في قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ قولين:
أ. أحدهما: أن الشهادة من الله تعالى، ومن الملائكة، ومن أولي العلم بمعنى واحد.. ويمكن تقريره من وجهين:
• الأول: أن تجعل الشهادة عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم، فهذا المعنى مفهوم واحد وهو حاصل في حق الله تعالى، وفي حق الملائكة، وفي حق أولي العلم، أما من الله تعالى فقد أخبر في القرآن عن كونه واحدا لا إليه معه، وقد بينا أن التمسك بالدلالة السمعية في هذه المسألة جائز، وأما من الملائكة وأولي العلم فكلهم أخبروا أيضا أن الله تعالى واحد لا شريك له، فثبت على هذا التقرير أن المفهوم من الشهادة معنى واحد في حق الله، وفي حق الملائكة، وفي حق أولي العلم.
• الثاني: أن نجعل الشهادة عبارة عن الإظهار والبيان، ثم نقول: إنه تعالى أظهر ذلك وبينه بأن خلق ما يدل على ذلك، أما الملائكة وأولو العلم فقد أظهروا ذلك، وبيّنوه بتقرير الدلائل والبراهين، أما الملائكة فقد بيّنوا ذلك للرسل عليهم الصلاة والسلام، والرسل للعلماء، والعلماء لعامة الخلق، فالتفاوت إنما وقع في الشيء الذي به حصل الإظهار والبيان، فالمفهوم الإظهار والبيان فهو مفهوم واحد في حق الله سبحانه وتعالى، وفي حق أولي العلم، فظهر أن المفهوم من الشهادة واحد على هذين الوجهين، والمقصود من ذلك كأنه يقول للرسول صلّى الله عليه وآله وسلم: إن وحدانية الله تعالى أمر قد ثبت بشهادة الله تعالى، وشهادة جميع المعتبرين من خلقه، ومثل هذا الدين المتين والمنهج القويم، لا يضعف بخلاف بعض الجهال من النصارى وعبدة الأوثان، فاثبت أنت وقومك يا محمد على ذلك فإنه هو الإسلام والدين عند الله هو الإسلام.
ب. الثاني: أنه ليس كذلك، وإنما شهادة الله تعالى على توحيده، عبارة عن أنه خلق الدلائل الدالة على توحيده، وشهادة الملائكة وأولي العلم عبارة عن إقرارهم بذلك، ولما كان كل واحد من هذين الأمرين يسمى شهادة، لم يبعد أن يجمع بين الكل في اللفظ، ونظيره قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] ومعلوم أن الصلاة من الله غير الصلاة من الملائكة، ومن الملائكة غير الصلاة من الناس، مع أنه قد جمعهم في اللفظ.
4. سؤال وإشكال: المدعي للوحدانية هو الله، فكيف يكون المدعي شاهدا؟ والجواب: من وجوه:
أ. الأول: وهو أن الشاهد الحقيقي ليس إلا الله، وذلك لأنه تعالى هو الذي خلق الأشياء وجعلها دلائل على توحيده، ولولا تلك الدلائل لما صحت الشهادة، ثم بعد ذلك نصب تلك الدلائل هو الذي وفق العلماء لمعرفة تلك الدلائل، ولولا تلك الدلائل التي نصبها الله تعالى وهدى إليها لعجزوا عن التوصل بها إلى معرفة التوحيد، وإذا كان الأمر كذلك كان الشاهد على الوحدانية ليس إلا الله وحده، ولهذا قال ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ﴾ [الأنعام: 19]
ب. الثاني: أنه هو الموجود أزلا وأبدا، وكل ما سواه فقد كان في الأزل عدما صرفا، ونفيا محضا، والعدم يشبه الغائب، والموجود يشبه الحاضر، فكل ما سواه فقد كان غائبا، وبشهادة الحق صار شاهدا، فكان الحق شاهدا عل الكل، فلهذا قال ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾
ج. الثالث: أن هذا وإن كان في صورة الشهادة، إلا أنه في معنى الإقرار، لأنه لما أخبر أنه لا إله سواه، كان الكل عبيدا له، والمولى الكريم لا يليق به أن لا يخل بمصالح العبيد، فكان هذا الكلام جاريا مجرى الإقرار بأنه يجب وجوب الكريم عليه أن يصلح جهات جميع الخلق.
د. الرابع: قرأ ابن عباس شهد الله انه لا إله إلا هو بكسر (إنه) ثم قرأ أن الدين عند الله الإسلام [آل عمران: 19] بفتح (أن (فعلى هذا يكون المعنى: شهد الله أن الدين عند الله الإسلام ويكون قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ اعتراضا في الكلام، واعلم أن الجواب لا يعتمد عليه، أن هذه القراءة غير مقبولة عند العلماء، وبتقدير (أن (تكون مقبولة لكن القراءة الأولى متفق عليها، فالإشكال الوارد عليها لا يندفع بسبب القراءة الأخرى.
5. المراد من أولي العلم في هذه الآية الذين عرفوا وحدانيته بالدلائل القاطعة لأن الشهادة إنما تكون مقبولة، إذا كان الإخبار مقرونا بالعلم، ولذلك قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (إذا علمت مثل الشمس فاشهد)، وهذا يدل على أن هذه الدرجة العالية والمرتبة الشريفة ليست إلا العلماء الأصول.
6. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ منتصب، وفيه وجوه:
أ. الأول: نصب على الحال، ثم فيه وجوه:
• أحدها: التقدير: شهد الله قائما بالقسط.
• ثانيها: يجوز أن يكون حالا من هو تقديره: لا إله إلا هو قائما بالقسط، ويسمى هذا حالا مؤكدة كقولك: أتانا عبد الله شجاعا، وكقولك: لا رجل إلا عبد الله شجاعا.
ب. الثاني: أن يكون صفة المنفي، كأنه قيل: لا إله قائما بالقسط إلا هو، وهذا غير بعيد لأنهم يفصلون بين الصفة والموصوف.
ج. الثالث: أن يكون نصبا على المدح.
7. سؤال وإشكال: أليس من حق المدح أن يكون معرفة، كقولك، الحمد لله الحميد؟ والجواب: وقد جاء نكرة أيضا، وأنشد سيبويه:
çويأوي إلى نسوة عطل...وشعثا مراضع مثل السعاليé
8. في قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ وجهان.
أ. الأول: أنه حال من المؤمنين والتقدير: وأولو العلم حال كون كل واحد منهم قائما بالقسط في أداء هذه الشهادة.
ب. الثاني: وهو قول جمهور المفسرين أنه حال من ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾
9. معنى كونه ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ قائما بالعدل، كما يقال: فلان قائم بالتدبير، أي يجريه على الاستقامة.. وهذا العدل منه ما هو متصل بباب الدنيا، ومنه ما هو متصل بباب الدين:
أ. أما المتصل بالدنيا، فانظر أولا في كيفية خلقة أعضاء الإنسان، حتى تعرف عدل الله تعالى فيها، ثم انظر إلى اختلاف أحوال الخلق في الحسن والقبح، والغنى والفقر والصحة والسقم، وطول العمر وقصره واللذة والآلام واقطع أن كل ذلك عدل من الله وحكمة وصواب ثم انظر في كيفية خلقة العناصر وأجرام الأفلاك، وتقدير كل واحد منها بقدر معين وخاصية معينة، واقطع بأن كل ذلك حكمة وصواب.
ب. أما ما يتصل بأمر الدين، فانظر إلى اختلاف الخلق في العلم والجهل، والفطانة والبلادة والهداية والغواية، واقطع بأن كل ذلك عدل وقسط.
10. خاض الزمخشري هاهنا في التعصب للاعتزال، وزعم أن الآية دالة على أن الإسلام هو العدل والتوحيد، وكان ذلك المسكين بعيدا عن معرفة هذه الأشياء إلا أنه فضولي كثيرا الخوض فيما لا يعرف، وزعم أن الآية دلّت على أن من أجاز الرؤية، أو ذهب إلى الجبر لم يكن على دين الله الذي هو الإسلام، والعجب أن أكابر المعتزلة وعظماءهم أفنوا أعمارهم في طلب الدليل على أنه لو كان مرئيا لكان جسما، وما وجدوا فيه سوى الرجوع إلى الشاهد من غير جامع عقلي قاطع، فهذا المسكين الذي ما شم رائحة العلم(2) من أين وجد ذلك، وأما حديث الجبر فالخوض فيه من ذلك المسكين خوض فيما لا يعنيه، لأنه لما اعترف بأن الله تعالى عالم بجميع الجزئيات، واعترف بأن العبد لا يمكنه أن يقلب علم الله جهلا، فقد اعترف بهذا الجبر، فمن أين هو والخوض في أمثال هذه المباحث؟
11. ثم قال الله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ والفائدة في إعادته وجوه:
أ. الأول: أن تقدير الآية: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وإذا شهد بذلك فقد صح أنه لا إله إلا هو، ونظيره قول من يقول: الدليل دلّ على وحدانية الله تعالى، ومتى كان كذلك صح القول بوحدانية الله تعالى.
ب. الثاني: أنه تعالى لما أخبر أن الله شهد أنه لا إله إلا هو وشهدت الملائكة وأولو العلم بذلك صار التقدير، كأنه قال: يا أمة محمد فقولوا أنتم على وفق شهادة الله وشهادة الملائكة وأولي العلم لا إله إلا هو فكان الغرض من الإعادة الأمر بذكر هذه الكلمة على وفق تلك الشهادات.
ج. الثالث: فائدة هذا التكرير الإعلام بأن المسلم يجب أن يكون أبدا في تكرير هذه الكلمة فإن أشرف كلمة يذكرها الإنسان هي هذه الكلمة، فإذا كان في أكثر الأوقات مشتغلا بذكرها وبتكريرها كان مشتغلا بأعظم أنواع العبادات، فكان الغرض من التكرير في هذه الآية حث العباد على تكريرها.
د. الرابع: ذكر قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أولًا: ليعلم أنه لا تحق العبادة إلا لله تعالى، وذكرها ثانيا: ليعلم أنه القائم بالقسط لا يجوز ولا يظلم.
12. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ العزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إشارة إلى كمال العلم، وهما الصفتان اللتان يمتنع حصول الإلهية إلا معهما لأن كونه قائماً بالقسط لا يتم إلا إذا كان عالماً بمقادير الحاجات، وكان قادراً على تحصيل المهمات، وقدم العزيز على الحكيم في الذكر، لأن العلم بكونه تعالى قادراً متقدم على العلم بكونه عالماً في طريق المعرفة الاستدلالية، فلما كان مقدماً في المعرفة الاستدلالية، وكان هذا الخطاب مع المستدلين، لا جرم قدم تعالى ذكر العزيز على الحكيم.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/169.
(2) لا نستسيغ مثل هذا التعبير خاصة في حق علم كبير كالزمخشري، ومن أجل مسألة كل الدلائل تدل عليها، وقد نقلناه للضرورة
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. مما روي في فضل هذه الآية الكريمة:
أ. قال سعيد بن جبير: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما، فلما نزلت هذه الآية خررن سجدا.
ب. وقال الكلبي: لما ظهر رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم بالمدينة قدم عليه حبران من أحبار أهل الشام، فلما أبصرا المدينة قال أحدهما لصاحبه: ما أشبه هذه المدينة بصفة مدينة النبي الذي يخرج في آخر الزمان!، فلما دخلا على النبي صلّى الله عليه وآله وسلم عرفاه بالصفة والنعت، فقالا له: أنت محمد؟ قال: نعم، قالا: وأنت أحمد؟ قال: نعم، قالا: نسألك عن شهادة، فإن أنت أخبرتنا بها آمنا بك وصدقناك، فقال لهما رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: سلاني، فقالا: أخبرنا عن أعظم شهادة في كتاب الله، فأنزل الله تعالى على نبيه صلّى الله عليه وآله وسلم ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ فأسلم الرجلان وصدقا برسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم.
ج. روى غالب القطان قال: أتيت الكوفة في تارة فنزلت قريبا من الأعمش، فكنت أختلف إليه، فلما كان ليلة أردت أن أنحدر إلى البصرة قام فتهجد من الليل فقرأ بهذه الآية: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال الأعمش: وأنا أشهد بما شهد الله به، وأستودع الله هذه الشهادة، وهي لي عند الله وديعة، وإن الدين عند الله الإسلام ـ قالها مرارا ـ فغدوت إليه وودعته ثم قلت: إني سمعتك تقرأ هذه الآية فما بلغك فيها؟ أنا عندك منذ سنة لم تحدثني به، قال: والله لا حدثتك به سنة، قال: فأقمت وكتبت على بابه ذلك اليوم، فلما مضت السنة قلت: يا أبا محمد قد مضت السنة، قال: حدثني أبو وائل، عن عبد الله بن مسعود قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: يجاء بصاحبها يوم القيامة فيقول الله تعالى عبدي عهد إلي وأنا أحق من وفي أدخلوا عبدي الجنة، قال أبو الفرج الجوزي: غالب القطان هو غالب بن خطاف القطان، يروي عن الأعمش حديث ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ وهو حديث معضل، قال ابن عدي الضعف على حديثه بين، وقال أحمد بن حنبل: غالب بن خطاف القطان ثقة ثقة، وقال ابن معين: ثقة، وقال أبو حاتم: صدوق صالح، قلت: يكفيك من عدالته وثقته أن خرج له البخاري ومسلم في كتابيهما، وحسبك، وروي من حديث أنس عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: من قرأ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ عند منامه خلق الله له سبعين ألف ملك يستغفرون له إلى يوم القيامة، ويقال من أقر بهذه الشهادة عن عقد من قلبه فقد قام بالعدل، وروي عن سعيد بن جبير أنه قال: كان حول الكعبة ثلاثمائة وستون صنما لكل حي من أحياء العرب صنم أو صنمان، فلما نزلت هذه الآية أصبحت الأصنام قد خرت ساجدة لله.
2. اختلف في معنى أولي العلم:
أ. قيل: إن المراد بأولي العلم الأنبياء عليهم السلام.
ب. وقال ابن كيسان: المهاجرون والأنصار.
ج. مقاتل: مؤمنوا أهل الكتاب.
د. السدي والكلبي: المؤمنون كلهم، وهو الأظهر لأنه عام.
3. في هذه الآية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم، فإنه لو كان أحد أشرف من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء، وقال في شرف العلم لنبيه صلّى الله عليه وآله وسلم: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ فلو كان شي أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وآله وسلم أن يسأله المزيد منه كما أمر أن يستزيده من العلم، وقال صلّى الله عليه وآله وسلم: (إن العلماء ورثة الأنبياء)، وقال: (العلماء أمناء الله على خلقه)، وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحل لهم في الدين خطير، وخرج أبو محمد عبد الغني الحافظ من حديث بركة ابن نشيط ـ وهو عنكل بن حكارك وتفسيره بركة بن نشيط ـ وكان حافظا.. عن البراء قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: (العلماء ورثة الأنبياء يحبهم أهل السماء ويستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا إلى يوم القيامة)، وفي هذا الباب حديث عن أبي الدرداء خرجه أبو داوود.
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾:
أ. قيل: أي بين وأعلم، كما يقال: شهد فلان عند القاضي إذا بين وأعلم لمن الحق، أو على من هو، قال الزجاج: الشاهد هو الذي يعلم الشيء ويبينه، فقد دلنا الله تعالى على وحدانيته بما خلق وبين.
ب. وقال أبو عبيدة: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ بمعنى قضى الله، أي أعلم، وقال ابن عطية: وهذا مردود من جهات، وقرأ الكسائي بفتح ﴿أَن﴾ في قوله ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾،
5. ﴿قَائِمًا﴾ نصب على الحال المؤكدة من اسمه تعالى في قوله ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أو من قوله ﴿إِلَّا هُوَ﴾، وقال الفراء: هو نصب على القطع، كان أصله القائم، فلما قطعت الألف واللام نصب كقوله: ﴿وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا﴾، وفي قراءة عبد الله (القائم بالقسط) على النعت، والقسط العدل، ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ كرر لأن الأولى حلت محل الدعوى، والشهادة الثانية حلت محل الحكم، وقال جعفر الصادق: الأولى وصف وتوحيد، والثانية رسم وتعليم، يعني قولوا لا إله إلا الله العزيز الحكيم.
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/41.
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أي: بين وأعلم، قال الزجاج: الشاهد: هو الذين يعلم الشيء ويبينه، فقد دلنا الله على وحدانيته بما خلق وبين؛ وقال أبو عبيدة: شهد الله بمعنى: قضى، أي: أعلم، قال ابن عطية: وهذا مردود من جهات، وقيل: إنها شبهت دلالته على وحدانيته بأفعاله، ووحيه بشهادة الشاهد في كونها مبينة.
2. ﴿أنّه﴾ بفتح الهمزة، قال المبرد: أي: بأنه، ثم حذفت الباء، كما في: أمرتك الخير، أي: بالخير، وقرأ ابن عباس: (إنه) بكسر الهمزة، بتضمين شهد معنى قال وقرأ أبو المهلب: ﴿شُهَداءَ لله﴾ بالنصب على أنه حال من الصابرين وما بعده، أو على المدح.
3. ﴿والْمَلائِكَةُ﴾ عطف على الاسم الشريف، وشهادتهم: إقرارهم بأنه لا إله إلا الله، وقوله: ﴿وأُولُوا الْعِلْمِ﴾ معطوف أيضا على ما قبله، وشهادتهم: بمعنى الإيمان منهم، وما يقع من البيان للناس على ألسنتهم، وعلى هذا لا بدّ من حمل الشهادة على معنى يشمل شهادة الله، وشهادة الملائكة، وأولي العلم، وقد اختلف في أولي العلم هؤلاء، من هم: فقيل: هم الأنبياء؛ وقيل: المهاجرون والأنصار، قاله ابن كيسان؛ وقيل: مؤمنو أهل الكتاب، قاله مقاتل؛ وقيل: المؤمنون كلهم، قاله السدي والكلبي، وهو الحق، إذ لا وجه للتخصيص، وفي ذلك فضيلة لأهل العلم جليلة، ومنقبة نبيلة لقرنهم باسمه واسم ملائكته، والمراد بأولي العلم هنا: علماء الكتاب والسنة، وما يتوصل به إلى معرفتهما، إذ لا اعتداد بعلم لا مدخل له في العلم الذي اشتمل عليه الكتاب العزيز والسنة المطهرة.
4. ﴿قائِماً بِالْقِسْطِ﴾: أي العدل، أي: قائما بالعدل في جميع أموره أو مقيما له، وانتصاب قائما على الحال من الاسم الشريف، قال في الكشاف: إنها حال مؤكدة كقوله: ﴿وهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً﴾ وجاز إفراده سبحانه بذلك دون ما هو معطوف عليه من الملائكة وأولي العلم لعدم اللبس؛ وقيل: إنه منصوب على المدح؛ وقيل: إنه صفة لقوله: ﴿إِلهَ﴾ أي: لا إله قائما بالقسط إلا هو، أو هو حال من قوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ والعامل فيه معنى الجملة، وقال الفراء: هو منصوب على القطع، لأن أصله الألف واللام، فلما قطعت نصب كقوله: ﴿ولَهُ الدِّينُ واصِباً﴾ ويدل عليه قراءة عبد الله بن مسعود: القائم بالقسط.
5. قوله: ﴿لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾ تكرير لقصد التأكيد؛ وقيل: إن قوله: ﴿أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ﴾ كالدعوى، والأخيرة كالحكم، وقال جعفر الصادق: الأولى: وصف وتوحيد، والثانية: رسم وتعليم.
6. ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ مرتفعان على البدلية من الضمير، أو الوصفية لفاعل شهد، لتقرير معنى الوحدانية.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/374.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي علم وأخبر أو قال أو بيّن أنه لا معبود حقيقيّ سوى ذاته العلية، وشهد بذلك ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ بالإقرار، وهذه مرتبة جليلة للعلماء، لقرنهم في التوحيد بالملائكة المشرفين، بعطفهم على اسم الله عزّ وجلّ.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل في أحكامه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ كرره تأكيدا وليبني عليه قوله تعالى: ﴿الْعَزِيزِ﴾ فلا يرام جنابه عظمة ﴿الْحَكِيمُ﴾ فلا يصدر عنه شيء إلا على وفق الاستقامة ـ كذا في جامع البيان ـ، وقال في الانتصاف: هذا التكرار لما قدمته في نظيره مما صدر الكلام به إذا طال عهده، وذلك أن الكلام مصدّر بالتوحيد، ثم أعقب التوحيد تعداد الشاهدين به، ثم قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ وهو التنزيه، فطال الكلام بذلك فجدد التوحيد تلو التنزيه، ليلي قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ولولا هذا التجديد لكان التوحيد المتقدم، كالمنقطع في الفهم مما أريد إيصاله به.
2. قال العارف الشعرانيّ، في كتاب (الجواهر والدرر): سألت أخي أفضل الدين: لم شهد الحق تعالى لنفسه بأنه لا إله إلا هو؟ فقال: لينبه عباده على غناه عن توحيدهم له، وأنه هو الموحد نفسه، بنفسه، فقلت له: فلم عطف الملائكة على نفسه دون غيرهم؟ فقال: لأن علمهم بالتوحيد لم يكن حاصلا من النظر في الأدلة كالبشر، وإنما كان علمهم بذلك حاصلا من التجلي الإلهيّ، وذلك أقوى العلوم وأصدقها، فلذلك قدموا في الذكر على أولي العلم، وأيضا فإن الملائكة واسطة بين الحق وبين رسله، فناسب ذكرهم في الوسط، فاعلم ذلك.
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/296.
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ بيَّن لخلقه بالدلائل من مخلوقاته، والآيات المنزلة أنَّه لا يستحقُّ العبادة سواه، أو شهد لخلقه بذلك، قال صلّى الله عليه وآله وسلّم : (يجاء بصاحب هذه الآية: ﴿شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَآئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمًا بِالْقِسْطِ لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللهِ الاِسْلَامُ﴾ فيقول الله: إنَّ لعبدي هذا عندي عهدا، وأنا أحقُّ من وَفَّى بالعهد، أَدخِلوا عبدي الجنَّة)، والناس يتوهَّمون أنَّ آخر الآية: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وليس كذلك، بل آخرها: ﴿الاِسْلَامُ﴾، كما نصَّ عليه هذا الحديث، فالإسلام آخرها نظير (الألباب) و(الوهَّاب) و(الميعاد) و(النار) و(العقاب) و(المهاد) و(الَابصار) و(المئاب) و(العباد) و(النار) و(الَاسحار) و(الحساب) و(العباد).
2. وَلَمَّا نزلت خرَّت الأصنام حول الكعبة ثلاثمائة وستُّون سجَّدا، قال حَبْرَانِ جاءا من الشام: (ما أشبه هذه المدينة بمدينة آخر الأنبياء)، وَلَمَّا دخلا عليه صلّى الله عليه وآله وسلّم عرفاه، فقالا: أنت محمَّد؟ قال: نعم، قالا: أنت أحمد؟ قال: نعم، قالا: إن أخبرتنا عن أعظم شهادة في كتَاب الله آمنَّا بك، فنزلت الآية، فأسلما، وعنه صلّى الله عليه وآله وسلّم : (من قرأها عند نومه، فقال: (أشهد بما شهد الله، وأستودع الله هذه الشهادة)، يقول الله يوم القيامة: (إنَّ لعبدي..) إلى آخر ما مرَّ، وقيل: نزلت في نصارى نجران إذ حاجُّوا في عيسى عليه السلام ، وقيل: في اليهود والنصارى، وقالت اليهود: (ديننا أفضل من دينك)، إذ تركوا اسم الإسلام، وتسمَّوا باليهود والنصارى.
3. ﴿وَالْمَلَآئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾ من العرب وأهل الكتاب كعبد الله بن سلَام ومن غيرهم، لا خصوص الأنبياء، أو المهاجرين والأنصار، أو علماء مؤمني أهل الكتاب كما قيل، وشهادة الله التبيين بنصب الأدلَّة، أو إنزال الكلام في ذلك، وشهادة الملائكة وأولي العلم التبيين بالكلام أو بالاحتجاج؛ فشهادة الله وغيره بيان، فلا جمع بين الحقيقة والمجاز، نبقيه أو نُؤَوِّله بعموم المجاز؛ أو بتقدير فعل، أي: (وشهد الملائكة وأولوا العلم)، كما إذا اقتصرنا على ظاهر أنَّ شهادة الله بيان وشهادة الملائكة والعلماء إقرار؛ أو شهادة العلماء احتجاج، وقدَّم الملائكة لأنَّ فيهم الوسائط لإفادة العلم لذويه، أو لأنَّ علمهم كلَّه ضروريٌّ، وأمَّا غيرهم فعلمه منه الضروريُّ والكسبيُّ.
4. ﴿قَآئِمًا﴾ حال من لفظ الجلالة أو لفظ (هُوَ)، والأوَّل كقولك: (جاء زيد راكبا وعمر وبكر)، ﴿بِالْقِسْطِ﴾ الباء للتعدية، أي: مقيما القسط، أي: العدل في قسمة الأرزاق والآجال، ﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُم مَّعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنيَا﴾ [الزخرف: 32]، وفي تعيين الشرائع والمحرَّم والواجب والمندوب إليه والمكروه والمباح، وأُخِّر للدلالة على قرب منزلة الملائكة وأولي العلم.
5. ﴿لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تأكيد، أو الأوَّل شهادة، وهذا حكم بها، أو الأوَّل وصف والثاني تعليم، أي: اِشهدوا كما شَهِدت، كما قيل، وفيه أنَّه يغني عنه قوله: ﴿وَالْمَلآئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ﴾، ﴿الْعَزِيزُ﴾ راجع لقوله: ﴿لَآ إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، لأنَّ العزَّة تلائم الوحدانيَّة، ﴿الْحَكِيمُ﴾ راجع لقوله: ﴿قَآئِمًا بِالْقِسْطِ﴾، لأنَّ الحكمة تلائم القيام بالقسط.
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/221.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بعد ما بين تعالى جزاء المتقين وبين حالهم في إيمانهم ومدح أصنافهم الكاملين في أوصافهم بيّن أصل الإيمان وأساسه فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾
2. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾:
أ. صرح كثير من المفسرين بأن شهادة الله هنا من باب الاستعارة؛ لأن ما نصبه من الدلائل في الآفاق وفي الأنفس على توحيده وما أوحاه إلى أنبيائه في ذلك يشبه شهادة الشاهد بالشيء في إظهاره وإثباته، وكذلك شهادة الملائكة عبارة عن إقرارهم بذلك كما قال البيضاوي، زاد أبو السعود: وإيمانهم به، وجعلها من باب عموم المجاز، وشهادة أولي العلم عبارة عن إيمانهم به واحتياجهم عليه.
ب. وقال بعضهم: إن الشهادة من كل بمعنى واحد، لأنها إما عبارة عن الإخبار المقرون بالعلم وإما عبارة عن الإظهار والبيان، وكل ذلك حاصل من الله والملائكة وأولي العلم، فالله تعالى أخبر بتوحيده ملائكته ورسله عن علم، وبينه لهم أتم البيان، والملائكة أخبروا الرسل وبينوا لهم، وأولو العلم أخبروا بذلك وبينوه عالمين به لا يزالون كذلك.
3. إن ما قاله الأولون ضعيف وأقرب التفسيرين للشهادة في القول الآخر أولهما، يقال: شهد الشيء إذا حضره وشاهده كقوله تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ﴾ وقوله: ﴿مَا شَهِدْنَا مَهْلِكَ أَهْلِهِ﴾ ويقال شهد به إذا أخبر به عن مشاهدة بالبصر وهو الأكثر والأصل، أو عن مشاهدة بالبصيرة وهي الاعتقاد والعلم، كقوله تعالى حكاية عن إخوة يوسف: ﴿وَمَا شَهِدْنَا إِلَّا بِمَا عَلِمْنَا﴾ [12:81] وذلك أنهم أخبروا أباهم يعقوب بأن ابنه (شقيق يوسف) سرق عن اعتقاد لا عن مشاهدة بالبصر، وإنما سموا اعتقادهم علما لأنه لم يخطر في بالهم ما يعارض ما رأوه من إخراج صواع الملك من رحل شقيق يوسف بعد ما نودي فيهم بأن الصواع قد سرق.
4. الحاصل: أن الشهادة بالشيء هي الإخبار به عن علم بالمشاهدة الحسية أو المعنوية وهي الحجة والدليل وهو المختار هنا، ولكن يرد عليه هنا أنه إثبات للتوحيد بالنقل وهو فرع عنه؛ لأنه إذا لم يثبت توحيد الله لا يثبت الوحي، ويجاب عنه بأن شهادة الله في كتابه مؤيدة بالبراهين التي قرنها بها وبالآيات على صدق الرسل، وشهادة الملائكة للأنبياء مقرونة بعلم ضروري هو عند الأنبياء أقوى من جميع اليقينيات البديهية، وبتلك الدلائل التي أمروا بأن يحتجوا بها على الناس، وشهادة أولي العلم تقرن عادة بالدلائل والحجج؛ لأن العالم بالشيء لا تعوزه الحجة عليه، على أن الكلام في وحدانية الألوهية، والمشرك بها لا يكون معطلا حتى يقال لا بد من إقناعه بوجود الله إقناعه بشهادته، بل يكون مقرا بوجود الله، وإنما شركه باتخاذ الوسطاء يكونون بزعمه وسائل بينه وبين الله يقربونه إليه زلفى، وبالشفعاء يكونون في وهمه سببا لقضاء حاجاته وتكفير سيئاته، كما كانت تدين العرب في الجاهلية.
5. اختلفوا في أولي العلم، فقال: هم الصحابة وقيل: علماء أهل الكتاب، وذهب الزمخشري إلى أنهم المعتزلة، والرازي إلى أنهم علماء الأصول، وهذا من عجيب الخلاف، فإن أولي العلم لا يحتاجون إلى تعريف ولا تفسير، فهم أصحاب العلم البرهاني القادرون على الإقناع، وهم معروفون في هذه الأمة وفي الأمم السابقة.
6. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ معناه: أنه تعالى شهد هذه الشهادة قائما بالقسط وهو العدل في الدين والشريعة، وفي الكون والطبيعة، فمن الأول: تقرير العدل في الاعتقاد، كالتوحيد الذي هو وسط بين التعطيل والشرك، ومن الثاني: جعل سنن الخليقة في الأكوان والإنسان الدالة على حقية الاعتقاد قائمة على أساس العدل، فمن نظر في هذه السنن ونظامها الدقيق يتجلى له عدل الله العام، فالقيام بالقسط على هذا من قبيل التنبيه إلى البرهان على صدق شهادته تعالى في الأنفس والآفاق؛ لأن وحدة النظام في هذا العدل تدل على وحدة واضعه، وهذا مما يفند تفسير بعضهم للشهادة بأنها عبارة عن خلق ما يدل على الوحدانية من الآيات الكونية والنفسية، كذلك كانت أحكامه تعالى في العبادات والآداب والأعمال مبينة على أساس العدل بين القوى الروحية والبدنية وبين الناس بعضهم مع بعض، فقد أمر بذكره وشكره في الصلاة وغير الصلاة لترقية الروح وتزكيته، وأباح الطيبات والزينة لحفظ البدن وتربيته، ونهى عن الغلو في الدين والإسراف في الدنيا وذلك عين العدل، فهذا هو القسط في العبادات والأعمال الدنيوية، وأما القسط في الآداب والأخلاق فهو صريح في القرآن كصراحة الأمر بالعدل في الأحكام، قال تعالى: إن الله يأمر بالعدل والإحسان وقال: وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل.
7. إذ قد تجلى لك صدق الشهادة فعليك أن تقر بها قائلا: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ تفرد بالألوهية وكمال العزة والحكمة، فلا يغلبه أحد على ما قام به من سنن القسط ولا يخرج شيء منها عن مقتضى الحكمة البالغة.
__________
(1) تفسير المنار: 3/255.
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بعد أن بين سبحانه جزاء المتقين، وشرح أوصافهم التي استحقوا بها هذا الجزاء ـ ذكر هنا أصول الإيمان وأسسه.
2. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ أي بيّن سبحانه وحدانيته بنصب الدلائل التكوينية في الآفاق والأنفس، وإنزال الآيات التشريعية الناطقة بذلك، والملائكة أخبروا الرسل بهذا وشهدوا شهادة مؤيدة بعلم ضروري وهو عند الأنبياء أقوى من جميع اليقينيات، وأولو العلم أخبروا بذلك وبيّنوه وشهدوا به شهادة مقرونة بالدلائل والحجج، لأن العالم بالشيء لا تعوزه الحجة عليه.
3. قوله ﴿بِالْقِسْطِ﴾ أي بالعدل في الاعتقاد، فالتوحيد هو الوسط بين إنكار الإله والشرك به، والعدل في العبادات والآداب والأعمال، فعدل بين القوى الروحية والبدنية، فأمر بشكره في الصلاة وغيرها لترقية الروح وتزكية النفس، وأباح كثيرا من الطيبات لحفظ البدن وتربيته، ونهى عن الغلوّ في الدين والإسراف في حب الدنيا وبالعدل في الأحكام في نحو قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ﴾، كما جعل سنن الخليقة قائمة على أساس العدل، فمن نظر في هذه السنن ونظمها الدقيقة تجلى له عدل الله فيها على أتم ما يكون وأوضحه، فقيامه تعالى بالقسط في كل هذا برهان على صدق شهادته تعالى، فإن وحدة النظام في هذا العالم تدل على وحدة واضعه.
4. ثم أكد كونه منفردا بالألوهية وقائما بالعدل بقوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فإن العزة إشارة إلى كمال القدرة، والحكمة إيماء إلى كمال العلم، والقدرة لا تتم إلا بالتفرد والاستقلال، والعدالة لا تكمل إلا بالاطلاع على المصالح والأحوال، ومن كان كذلك فلا يغلبه أحد على ما قام به من سنن القسط، ولا يخرج من الخليقة شيء عن حكمته البالغة.
__________
(1) تفسير المراغي: 3/118.
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي:
1. إلى هنا كان سياق السورة يستهدف تقرير حقيقة التوحيد: توحيد الألوهية والقوامة، وتوحيد الكتاب والرسالة.. ويصور موقف المؤمنين حقا والمنحرفين الذين في قلوبهم زيغ، من آيات الله وكتابه.. ويهدد المنحرفين بمصير كمصير الذين كفروا في الماضي وفي الحاضر.. ثم يكشف عن الدوافع الفطرية التي تلهي عن الاعتبار؛ ويصور حال المتقين مع ربهم والتجاءهم إلى الله، فالآن ـ وإلى نهاية هذا الدرس ـ نجدنا أمام حقيقة أخرى.. هي مقتضى الحقيقة الأولى.. فحقيقة التوحيد تستلزم مصداقا لها في واقع الحياة البشرية، هو الذي يقرره الشطر الثاني من هذا الدرس.
2. ومن ثم يبدأ بإعادة تقرير الحقيقة الأولى ليرتب عليها آثارها الملازمة لها.. يبدأ بشهادة الله ـ سبحانه ـ وأنه ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ وشهادة الملائكة وأولي العلم بهذه الحقيقة، ويقرر معها صفة الله المتعلقة بالقوامة، وهي قيامه بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون.
3. ما دام الله متفردا بالألوهية وبالقوامة فإن أول مستلزمات الإقرار بهذه الحقيقة، هو الإقرار بالعبودية لله وحده وتحكيمه في شأن العبيد كله؛ واستسلام العبيد لإلههم، وطاعتهم للقيوم عليهم، واتباعهم لكتابه ولرسوله صلّى الله عليه وآله وسلم.
4. يضمن هذه الحقيقة قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾.. فهو لا يقبل دينا سواه من أحد.. الإسلام الذي هو الاستسلام والطاعة والاتباع.. وإذن فليس الدين الذي يقبله الله من الناس هو مجرد تصور في العقل؛ ولا مجرد تصديق في القلب، إنما هو القيام بحق هذا التصديق وذلك التصور.. هو تحكيم منهج الله في أمر العباد كله، وطاعتهم لما يحكم به، واتباعهم لرسوله في منهجه.
5. هكذا.. يعجب من أهل الكتاب ويشهر بأمرهم.. إذ يدّعون أنهم على دين الله، ثم ﴿يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ﴾ مما ينقض دعوى التدين من الأساس، فلا دين يقبله الله إلا الإسلام، ولا إسلام بغير استسلام لله وطاعة لرسوله، واتباع لمنهجه، وتحكيم لكتابه في أمور الحياة.
6. ويكشف عن علة هذا الإعراض ـ الذي هو التعبير الواقعي عن عدم الإيمان بدين الله ـ فإذا هي عدم الاعتقاد بجدية (القسط) في الجزاء يوم الحساب: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ﴾.. معتمدين على أنهم أهل كتاب ﴿وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ﴾.. وهو غرور خادع، فما هم بأهل كتاب، وما هم بمؤمنين أصلا، وما هم على دين الله إطلاقا؛ وهم يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم، ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون.
7. وبهذا الجزم القاطع يقرر الله سبحانه في القرآن الكريم معنى الدين وحقيقة التدين.. فلا يقبل من العباد إلا صورة واحدة ناصعة قاطعة.. الدين: الإسلام، والإسلام: التحاكم إلى كتاب الله وطاعته واتباعه.. فمن لم يفعل فليس له دين، وليس مسلما؛ وإن ادعى الإسلام وادعى أنه على دين الله، فدين الله يحدده ويقرره ويفسره الله، وليس خاضعا في تعريفه وتحديده لأهواء البشر.. كل يحدده أو يعرّفه كما يشاء! لا، بل إن الذي يتخذ الكفار أولياء ـ والكفار كما يقرر السياق هم الذين لا يقبلون التحاكم إلى كتاب الله ـ ﴿فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ﴾.. ولا علاقة له بالله في شيء ولا صلة بينه وبين الله في شيء.. مجرد من يتولى وينصر أو يستنصر أولئك الكفار الذين يرفضون أن يتحاكموا إلى كتاب الله، ولو ادعوا أنهم على دين الله! ويشتد التحذير من هذه الولاية التي تذهب بالدين من أساسه، ويضيف السياق إلى التحذير التبصير، تبصير الجماعة المسلمة بحقيقة القوى التي تعمل في هذا الوجود، فالله وحده هو السيد المتصرف، مالك الملك، يؤتي الملك من يشاء، وينزع الملك ممن يشاء، ويعز من يشاء ويذل من يشاء.. وهذا التصريف لأمر الناس ليس إلا طرفا من التصريف لأمر الكون كله، فهو كذلك يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل ويخرج الحي من الميت ويخرج الميت من الحي.. وهذا هو القيام بالقسط في أمر الناس وفي أمر الكون، فلا داعي إذن لولاية غيره من العباد، مهما يكن لهم من قوة ومن مال وأولاد.
8. يشي هذا التحذير المؤكد المكرر بما كان واقعا في الجماعة المسلمة يومذاك من عدم وضوح الأمر تماما؛ ومن تشبث بعضهم بصلاته العائلية والقومية والاقتصادية مع المشركين في مكة ومع اليهود في المدينة، مما اقتضى هذا التفسير والتحذير، كما أنه يشي بطبيعة ميل النفس البشرية إلى التأثر بالقوى البشرية الظاهرة، وضرورة تذكيرها بحقيقة الأمر وحقيقة الأمر وحقيقة القوى، إلى جانب إيضاح أصل العقيدة ومقتضياتها في واقع الحياة.
9. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ هذه هي الحقيقة الأولى التي يقوم عليها التصور الاعتقادي في الإسلام، حقيقة التوحيد: توحيد الألوهية، وتوحيد القوامة.. القوامة بالقسط.. وهي الحقيقة التي بدأت بها السورة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾، وهي تستهدف إقرار حقيقة العقيدة الإسلامية من جهة، وجلاء الشبهات التي يلقيها أهل الكتاب من جهة، جلاءها عن أهل الكتاب أنفسهم، وجلاءها عن المسلمين الذين قد تؤثر هذه الشبهات في عقيدتهم:
أ. شهادة الله ـ سبحانه ـ أنه لا إله إلا هو.. هي حسب كل من يؤمن بالله.. وقد يقال: إنه لا يكتفي بشهادة الله إلا من يؤمن بالله، وأن من يؤمن بالله ليس في حاجة إلى هذه الشهادة.. ولكن واقع الأمر أن أهل الكتاب كانوا يؤمنون بالله ولكنهم في نفس الوقت يجعلون له ابنا وشريكا، بل إن المشركين أنفسهم كانوا يؤمنون بالله، ولكن الضلال كان يجيئهم من ناحية الشركاء والأنداد والأبناء والبنات! فإذا قرر لهؤلاء وهؤلاء أن الله ـ سبحانه ـ شهد أنه لا إله إلا هو، فهذا مؤثر قوي في تصحيح تصوراتهم، على أن الأمر ـ كما يبدو من متابعة السياق كما تابعناه فيما تقدم ـ أعمق من هذا وأدق، فإن شهادة الله ـ سبحانه ـ بأنه لا إله إلا هو، مسوقة هنا ليساق بعدها ما هو من مستلزماتها؛ وهو أنه لا يقبل إذن من العباد إلا العبودية الخالصة له، الممثلة في الإسلام بمعنى الاستسلام ـ لا اعتقادا وشعورا فحسب ـ ولكن كذلك عملا وطاعة واتباعا للمنهج العملي الواقعي المتمثل في أحكام الكتاب.. ومن هذه الناحية نجد كثيرين في كل زمان يقولون: إنهم يؤمنون بالله، ولكنهم يشركون معه غيره في الألوهية، حين يتحاكمون إلى شريعة من صنع غيره، وحين يطيعون من لا يتبع رسوله وكتابه؛ وحين يتلقون التصورات والقيم والموازين والأخلاق والآداب من غيره.. فهذه كلها تناقض القول بأنهم يؤمنون بالله، ولا تستقيم مع شهادة الله ـ سبحانه ـ بأنه لا إله إلا هو.
ب. أما شهادة الملائكة وشهادة أولي العلم، فهي متمثلة في طاعتهم لأوامر الله وحدها، والتلقي عن الله وحده، والتسليم بكل ما يجيئهم من عنده بدون تشكك ولا جدال، متى ثبت لهم أنها من عنده، وقد سبق في السورة بيان حال أولي العلم هؤلاء في قوله: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾.. فهذه شهادة أولي العلم وشهادة الملائكة: تصديق، وطاعة، واتباع، واستسلام.
10. شهادة الله سبحانه وشهادة الملائكة وأولي العلم بوحدانية الله يصاحبها شهادتهم بأنه ـ تعالى ـ قائم بالقسط، بوصفها حالة ملازمة للألوهية كما تفيد صياغة العبارة، وهذا إيضاح للقوامة التي وردت في مطلع السورة: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.. فهي قوامة بالقسط، وتدبير الله لهذا الكون ولحياة الناس متلبس دائما بالقسط ـ وهو العدل ـ فلا يتحقق العدل المطلق في حياة الناس، ولا تستقيم أمورهم استقامة أمور الكون، التي يؤدي كل كائن معها دوره في تناسق مطلق مع دور كل كائن آخر.. لا يتحقق هذا إلا بتحكيم منهج الله الذي اختاره لحياة الناس، وبينه في كتابه، وإلا فلا قسط ولا عدل، ولا استقامة ولا تناسق، ولا تلاؤم بين دورة الكون ودورة الإنسان، وهو الظلم إذن والتصادم والتشتت والضياع! وها نحن أولاء نرى على مدار التاريخ أن الفترات التي حكم فيها كتاب الله وحدها هي التي ذاق فيها الناس طعم القسط، واستقامت حياتهم استقامة دورة الفلك ـ بقدر ما تطيق طبيعة البشر المتميزة بالجنوح إلى الطاعة والجنوح إلى المعصية، والتأرجح بين هذا وذاك؛ والقرب من الطاعة كلما قام منهج الله، وحكم في حياة الناس كتاب الله، وأنه حيثما حكم في حياة الناس منهج آخر من صنع البشر، لازمه جهل البشر وقصور البشر، كما لازمه الظلم والتناقض في صورة من الصور، ظلم الفرد للجماعة، أو ظلم الجماعة للفرد، أو ظلم طبقة لطبقة، أو ظلم أمة لأمة، أو ظلم جيل لجيل.. وعدل الله وحده هو المبرأ من الميل لأي من هؤلاء، وهو إله جميع العباد، وهو الذي لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء.
11. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ يؤكد حقيقة وحدة الألوهية مرة أخرى في الآية الواحدة، مصحوبة بصفة العزة وصفة الحكمة، والقدرة والحكمة لازمتان كلتاهما للقوامة بالقسط، فالقسط يقوم على وضع الأمور في مواضعها مع القدرة على إنفاذها.
12. صفات الله سبحانه تصور وتوحي بالفاعلية الإيجابية، فلا سلبية في التصور الإسلامي لله، وهو أكمل تصور وأصدقه لأنه وصف الله لنفسه سبحانه، وقيمة هذه الفاعلية الإيجابية أنها تعلق القلب بالله وإرادته وفعله، فتصبح العقيدة مؤثرا حيا دافعا لا مجرد تصور فكري بارد.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. الذين يؤمنون بالله، يجدون في كل لمحة من لمحات الوجود آيات تشهد بوحدانيته المطلقة، وتفرده بالوجود المطلق، فإن لم يكن لهم نظر يؤدّيهم إلى التحقق من هذه الحقيقة، فقد حملتها إليهم ثلاث شهادات قاطعة:
أ. أولا: شهادة الله، فقد شهد الحق لنفسه: أنه لا إله إلا هو.. وهى عند المؤمنين شهادة صدق مطلق، لا تعلق بها شائبة أو تشوبها شبهة.
ب. ثانيا: شهادة الملائكة، وهم خلق جبله الله على الحق والصدق المطلقين.
ج. ثالثا: أولو العلم، الذين نظروا في هذا الوجود، فعرفوا الله، وعاينوا آثار قدرته، وعلمه، وحكمته، ووحدانيته، وهذه شهادة لا يردّها عاقل، مهما كان حظه من العقل.. فإن الأعمى الذي لا يسلم يده للمبصر الذي يقيمه على الطريق، هو لا محالة ملق بنفسه إلى التهلكة.. والمقعد الذي لا يستسلم لمن يحمله، لا يزال هكذا ملتصقا بالأرض إلى أن يهلك، غير مأسوف عليه، أما شهادة الله وشهادة الملائكة، فقد أخذ بهما أولو العلم فكانت مع شهادتهم نورا إلى نور ويقينا إلى يقين.. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
2. سؤال وإشكال: كيف يشهد الله لنفسه؛ وكيف السبيل إلى سماع هذه الشهادة والتحقق منها؟ والجواب: أما شهادة الله لنفسه، فقد نطق بها هذا الوجود الذي هو صنعة يديه، والذي يشهد كل موجود فيه، بقدرته، وعلمه، وحكمته ووحدانيته، وإن لم تشهد بها الموجودات لسانا، فقد شهدت بها عيانا واعتبارا، لمن نظر واعتبر، أمّا من لم يكن له نظر واعتبار، فليأخذ بشهادة أهل النظر والاعتبار.. ليأخذ بشهادة الملائكة، وهم بعض هذا الخلق الذي خلق الله، وهم الذين لا يفترون عن عبادته، ولا ينقطعون عن ذكره.. فإن لم يجد لشهادة الملائكة أذنا تسمع، فليستمع إلى شهادة بشر مثله، خلقوا من طينته، ونطقوا بلسانه، وهم: أولو العلم.
3. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ صفة للإله المتفرد بألوهيته، كما شهد بذلك الله سبحانه، والملائكة، وأولو العلم.. والمعنى شهد الله والملائكة وأولو العلم أنه لا إله إلا هو قائما بالقسط، أي إلها قائما على الوجود بالعدل المطلق، فيما خلق وفيما نوّع وفرق من مخلوقات، وفيما قدر لكل مخلوق من صورة، ورزق، وأجل.. إذ ليس في الإمكان أبدع مما كان.
4. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ قد يكون توكيدا لما شهد الله به والملائكة وأولو العلم، أو يكون إقرارا بلسان الوجود كله بعد أن سمع تلك الشهادة فصدّقها، معترفا بوحدانية الله، مقرا بقيامه على ملكه بالعدل، مذعنا لعزته، راضيا بحكمه، فهو ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/418.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ استئناف وتمهيد لقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] ذلك أنّ أساس الإسلام هو توحيد الله، وإعلان هذا التوحيد، وتخليصه من شوائب الإشراك، وفيه تعريض بالمشركين وبالنصارى واليهود، وإن تفاوتوا في مراتب الإشراك، وفيه ضرب من ردّ العجز على الصدر: لأنّه يؤكد ما افتتحت به السورة من قوله: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: 2، 3]
2. الشهادة حقيقتها خبر يصدّق به خبر مخبر وقد يكذّب به خبر آخر كما تقدم عند قوله تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ في سورة البقرة [282]، وإذ قد كان شأنه أن يكون للتصديق والتكذيب في الحقوق، كان مظنّة اهتمام المخبر به والتثبّت فيه، فلذلك أطلق مجازا على الخبر الذي لا ينبغي أن يشكّ فيه قال تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ﴾ [المنافقون: 1] وذلك على سبيل المجاز المرسل بعلاقة التلازم، فشهادة الله تحقيقه وحدانيته بالدلائل التي نصبها على ذلك، وشهادة الملائكة تحقيقهم ذلك فيما بينهم، وتبليغ بعضهم ذلك إلى الرسل، وشهادة أولي العلم تحقيقهم ذلك بالحجج والأدلة.
3. إطلاق الشهادة على هذه الأخبار مجاز بعلاقة اللزوم، أو تشبيه الإخبار بالإخبار أو المخبر بالمخبر، ولك أن تجعل (شهد) بمعنى بيّن وأقام الأدلة، شبه إقامة الأدلة على وحدانيته: من إيجاد المخلوقات ونصب الأدلة العقلية، بشهادة الشاهد بتصديق الدعوى في البيان والكشف على طريق الاستعارة التبعية، وبيّن ذلك الملائكة بما نزلوا به من الوحي على الرسل، وما نطقوا به من محامد، وبيّن ذلك أولو العلم بما أقاموا من الحجج على الملاحدة، ولك أن تجعل شهادة الله بمعنى الدلالة ونصب الأدلة، وشهادة الملائكة وأولي العلم بمعنى آخر وهو الإقرار أو بمعنيين: إقرار الملائكة، واحتجاج أولي العلم، ثم تبنيه على استعمال شهد في معان مجازية، مثل: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ﴾ [الأحزاب: 56]، أو على استعمال شهد في مجاز أعم، وهو الإظهار، حتى يكون نصب الأدلة والإقرار والاحتجاج من أفراد ذلك العام، بناء على عموم المجاز.
4. انتصب ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ على الحال من الضمير في قوله: ﴿إِلَّا هُوَ﴾ أي شهد بوحدانيته وقيامه بالعدل، ويجوز أن يكون حالا من اسم الجلالة من قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ فيكون حالا مؤكدة لمضمون شهد؛ لأنّ الشهادة هذه قيام بالقسط، فالشاهد بها قائم بالقسط، قال تعالى: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ لله شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ [المائدة: 8]، وزعم ابن هشام في الباب الرابع: أنّ كونه حالا مؤكدة وهم، وعلّله بما هو وهم، وقد ذكر الشيخ محمد الرصاع جريان بحث في إعراب مثل هذه الحال من سورة الصف في درس شيخه محمد ابن عقاب.
5. القيام هنا بمعنى المواظبة كقوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: 33] وقوله: ﴿لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ﴾ [الحديد: 25] وتقول: الأمير قائم بمصالح الأمة، كما تقول: ساهر عليها، ومنه (إقام الصلاة) وقول أيمن بن خريم الأنصاري:
çأقامت غزالة سوق الضّراب...لأهل العراقين حولا قميطاé
وهو في الجميع تمثيل.
6. القسط: العدل وهو مختصر من القسطاس ـ بضم القاف ـ روى البخاري عن مجاهد أنّه قال القسطاس: العدل بالرومية وهذه الكلمة ثابتة في اللغات الرومية وهي من اللاتينية، ويطلق القسط والقسطاس على الميزان، لأنّه آلة للعدل قال تعالى: ﴿وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾ [الإسراء: 35] وقال: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ [الأنبياء: 47]، وقد أقام الله القسط في تكوين العوالم على نظمها، وفي تقدير بقاء الأنواع، وإيداع أسباب المدافعة في نفوس الموجودات، وفيما شرع للبشر من الشرائع في الاعتقاد والعمل: لدفع ظلم بعضهم بعضا، وظلمهم أنفسهم، فهو القائم بالعدل سبحانه، وعدل الناس مقتبس من محاكاة عدله.
7. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تمجيد وتصديق، نشأ عن شهادة الموجودات كلّها له بذلك فهو تلقين الإقرار له بذلك على نحو قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ [الأحزاب: 56] أي اقتداء بالله وملائكته، على أنّه يفيد مع ذلك تأكيد الجملة السابقة، ويمهّد لوصفه تعالى بالعزيز الحكيم.
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/44.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بيّن سبحانه وتعالى في الآيات السابقة أوصاف المؤمنين في تبتلهم، وصدق إيمانهم، وإذعان نفوسهم، وصبرهم وضبط شهواتهم؛ وهنا يبين حقيقة الإيمان والإسلام وأن الإسلام شريعة النبيين أجمعين، وهو دين الله المتين؛ وابتدأ سبحانه بحقيقة الإيمان فقال: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ الشهادة: الحضور، إما بالبصر، وإما بالبصيرة؛ ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ﴾ [الحج] وقوله تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [النور] ثم أطلقت الشهادة على الإخبار المبنى على المشاهدة والمعاينة، ثم أطلقت بمعنى العلم، وبمعنى الحكم؛ ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا﴾ [يوسف]
2. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ للعلماء في تفسير الشهادة فيه طريقان:
أ. أحدهما: أن الشهادة الإخبار:
• وقد أخبر الله سبحانه وتعالى عن وحدانيته بالآيات القرآنية التي أنزلها على نبيه في القرآن الكريم مثل قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ [البقرة] وقوله تعالى: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ اللَّهُ الصَّمَدُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾ [الإخلاص] وأخبر الله سبحانه وتعالى عن وحدانيته أيضا بالآيات الكونية التي وجه الأنظار إليها من خلق السموات والأرض وما بينهما، ومن تسخير الشمس والقمر، ومن إيلاج الليل والنهار، وأخبر سبحانه عن وحدانيته بالأدلة القاطعة التي أشار إليها في كتابه العزيز، من مثل قوله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ﴾ [الأنبياء]
• وإخبار الملائكة عن وحدانيته سبحانه، بعبادتهم له سبحانه وطاعتهم المستمرة ﴿لا يَعْصُونَ اللهَ ما أَمَرَهُمْ ويَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ﴾ [التحريم] ونزولهم على الأنبياء بأخبار الوحدانية.
• وشهادة أولى العلم من الناس هي إخبارهم أيضا بما يستنبطونه من الأدلة العلمية الكونية الدالة على وحدانيته سبحانه، وتصديقهم لما جاء به الرسل، ونطقهم بما آمنوا به ودعوتهم إليه؛ وهذه الشهادة مختصة بأهل العلم الذين قد أخلصوا في طلب الحقيقة؛ فقد قال تعالى عن الجهال: ﴿ما أَشْهَدْتُهُمْ خَلْقَ السَّماواتِ والْأَرْضِ ولا خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾ [الكهف]، وفي إجماع هذه الأخبار ـ إخبار خالق الكون، وإخبار الملائكة الأطهار، وبنى آدم الأبرار ـ دليل على أنه معنى مقرر لا مجال لأن يرتاب فيه عاقل.
ب. الثاني: هو العلم، والمعنى: علم الله في علمه الأزلي وعلم الملائكة بفطرهم وبما أنشأهم عليه رب العالمين، وعلم أهل العلم من الناس باستنباطهم وتقصيهم لأنواع الاستدلال المختلفة أنه لا إله إلا هو، وفي جمع العلم على هذا النحو إشارة إلى أن أنواع العلم الثلاثة قد اتفقت على الوحدانية، فعلم الله الأزلي قد تلاقى مع علم الملائكة النورانى وعلم الناس الاستدلالى على أن الله واحد، فكيف يختلف الناس فيه!؟ تعالى الله سبحانه وتعالى علوا كبيرا.
﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ معناه أنه هو الواحد الأحد، الذي يسيطر على العالم بالقسط والعدل والميزان، وكل شيء في هذا الكون بمقدار، يسير على نظام محكم بقدرته سبحانه، لا يتعدى أي جزء من أجزاء ذلك الكون الطور الذى أعده الله سبحانه له، كما قال سبحانه: ﴿وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ﴾ [يس]
3. هذا التعبير السامي ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ فيه مع المعنى الذي ذكرناه إشارة إلى مقام الربوبية، وهو أنه الخالق المسيطر المسير المحكم المحكم لهذا النظام الكوني وإشارة إلى مقام الألوهية، وهو أنه وحده المستحق للعبادة، ما دام هو وحده القائم على كل شيء وفيه إشارة إلى مقام العبودية، وهو أنه لا يعبد سواه، فلا قوة لأحد أو لشيء بجوار قدرة الله؛ فهو سبحانه الديان، والمجازى للخلق على ما يعملون، بمقتضى قيامه على هذا الكون بالقسط، فإنه بحكم القسط لا يستوى الذين يعملون الخير، والذين يعملون الشر؛ ولهذا نقول: إن في هذه الجملة الكريمة ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ إشارة أيضا إلى اليوم الآخر وما فيه من حساب وعقاب وثواب.
4. كرر سبحانه تقرير الوحدانية فقال: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ وفي هذا التكرار إشارات إلى معان جديدة:
أ. منها: الإشارة إلى أنه سبحانه وتعالى لا يترك الناس سدى، فهو بمقتضى انفراده بالربوبية والألوهية والعبودية، قد شرع الشرائع بمقتضى حكمته، وهو يحميها بعزته وسلطانه؛ ولذا وصف سبحانه بأنه ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ أي الذي يدير هذا الكون وأمور الناس، ويشرع لهم الشرائع ويحميها؛ لأنه العزيز الحكيم.
ب. ثم في هذا النص أيضا إشارة إلى كمال سلطانه وانفراده وحده بهذا السلطان.
ج. وفيه أيضا رد على الذين يتخذون لله شفعاء يحسبون أن لهم سلطانا، وما لأحد عند رب العالمين من سلطان، فكل خلقه بالنسبة لقدرته وعلمه وإرادته سواء.
5. سؤال وإشكال: من هم أولو العلم الذين قرن اسمهم باسم الملائكة بل بلفظ الجلالة، ووضعت شهادتهم مع شهادته سبحانه، وشهادة ملائكته الأطهار؟ والجواب: هذا سؤال يتردد في نفس كل قارئ يتلو كتاب الله العظيم، ونقول في الإجابة عنه: إنهم الذين وصفهم الله سبحانه وتعالى في قوله: ﴿إِنَّما يَخْشَى اللهَ مِنْ عِبادِهِ الْعُلَماءُ﴾ [فاطر]، وهم الذين وصفهم الله تعالى بالتفويض والإخلاص في قوله: ﴿والرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنا وما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ﴾ [آل عمران] ولذا نرى أن أول وصف من أوصافهم الإخلاص في طلب الحقيقة، والصدق في القول والعمل، فلا يقال لهم مثلا: ﴿لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ [الصف] وقد أشار سبحانه إلى وصف آخر من أوصافهم فقال: ﴿وأُولُوا الْعِلْمِ﴾ أي الذين صاحبوا العلم ولزموه، واتجهوا إلى المعاني الروحية، ولم يخلطوا بالمعاني العلمية الرغائب المادية، ولم يجعلوا العلم مطية للأهواء والمآرب المادية؛ فهاتان صفتان لازمتان أو هما خاصتان من خواص العلماء، وهما الإخلاص، والانصراف التام لطلب الحقائق العلمية بألا يجعل العلم طريقا للمنافع الذاتية الآثمة، ولقد قال رسول الله محمد صلّى الله عليه وآله وسلم في العلماء الذين كانت فيهم هاتان الخاصتان: (العلماء أمناء الله على خلقه) وقال فيهم: (العلماء ورثة الأنبياء، يحبهم أهل السماء، وتستغفر لهم الحيتان في البحر إذا ماتوا)، هؤلاء هم العلماء الذين قرنت شهادتهم بشهادة الله والملائكة، فإن لم يكونوا كذلك فإنه يخشى أن يكونوا ممن خوف أمته منهم في مثل ما روى عنه صلّى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: أخوف ما أخاف على أمتي رجل منافق، عليم اللسان غير حكيم القلب، يغيرهم بفصاحته)
__________
(1) زهرة التفاسير: 3/1144.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، شهادة الله لنفسه بالوحدانية عبارة عن أفعاله التي لا يقدر عليها إلا هو، قال تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، أما شهادة الملائكة لله بالوحدانية فلأنهم مفطورون على الايمان، والمراد بأولي العلم هنا الأنبياء وجميع العلماء بالله الذين أقامهم مقام الأنبياء في الدعوة اليه سبحانه، وشهادة العالم تقترن بالحجة التي من شأنها أن تقنع طالب الحقيقة.
2. المراد بالقسط في قوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ العدل في الدين والشريعة، وفي سنن الطبيعة ونظامها، قال تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لَاعِبِينَ﴾
3. سؤال وإشكال: ما هو الغرض من تكرار ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ في آية واحدة؟، والجواب: ان المعروف من طريقة القرآن أن يكرر ويؤكد أصول العقيدة والمبادئ الهامة بخاصة الوحدانية دفعا لكل شبهة، وقيل: ان الغرض من قوله أولا: لا إله إلا هو ان يعلم انه هو وحده يستحق العبادة، ومن قوله ثانية: لا إله إلا هو ان يعلم انه لا أحد يقوم بالعدل سواه.
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/25.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾، أصل الشهادة هو المعاينة أعني تحمل العلم عن حضور وحس ثم استعمل في أدائها وإظهار الشاهد ما تحمله من العلم ثم صار كالمشترك بين التحمل والتأدية بعناية وحدة الغرض، فإن التحمل يكون غالبا لحفظ الحق والواقع من أن يبطل بنزاع أو تغلب أو نسيان أو خفاء فكانت الشهادة تحفظا على الحق والواقع، فبهذه العناية كان التحمل والتأدية كلاهما شهادة أي حفظا وإقامة للحق والقسط هو العدل.
2. لما كانت الآيات السابقة أعني قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا﴾، إلى قوله: ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، تبين: أن الله سبحانه لا إله غيره ولا يغني عنه شيء، وأن ما يحسبه الإنسان مغنيا عنه ويركن إليه في حياته ليس إلا زينة وإلا متاعا خلقه الله ليتمتع به في سبيل ما هو خير منه ولا ينال إلا بتقوى الله تعالى، وبعبارة أخرى: هذه النعم التي يحن إليها الإنسان مشتركة في الدنيا بين الكافر والمؤمن مختصة في الآخرة بالمؤمن أقام الشهادة في هذه الآية على أن هذا الذي بينته الآيات حق لا ينبغي أن يرتاب فيه.
3. فشهد (وهو الله عز اسمه) على أنه لا إله إلا هو وإذ ليس هناك إله غيره فليس هناك أحد يغني منه شيئا من مال أو ولد أو غير ذلك من زينة الحياة أو أي سبب من الأسباب إذ لو أغنى شيء من هذه منه شيئا لكان إلها دونه أو معتمدا إلى إله دونه منتهيا إليه ولا إله غيره.. شهد بهذه الشهادة وهو قائم بالقسط في فعله، حاكم بالعدل في خلقه إذ دبر أمر العالم بخلق الأسباب والمسببات وإلقاء الروابط بينها، وجعل الكل راجعا إليه بالسير والكدح والتكامل وركوب طبق، عن طبق ووضع في مسير هذا المقصد نعما لينتفع منها الإنسان في عاجله لأجله وفي طريقه لمقصده لا ليركن إليه ويستقر عنده فالله يشهد بذلك وهو شاهد عدل.
4. من لطيف الأمر أن عدله يشهد على نفسه وعلى وحدته في ألوهيته أي إن عدله ثابت بنفسه ومثبت لوحدانيته، بيان ذلك: أنا إنما نعتبر في الشاهد العدالة ليكون جاريا على مستوى طريق الحياة ملازما لصراط الفطرة من غير أن يميل إلى إفراط أو تفريط فيضع الفعل في غير موضعه فتكون شهادته مأمونة عن الكذب والزور فملازمة الصدق والمجاراة مع صراط التكوين يوجب عدالة الإنسان فنفس النظام الحاكم في العالم والجاري بين أجزائه الذي هو فعله سبحانه هو العدل محضا، ونحن في جميع الوقائع التي لا ترضى بها نفوسنا من الحوادث الكونية أو نجدها على خلاف ما نميل إليه ونطمع فيه ثم نعترض عليها ونناقش فيها إنما نذكر في الاعتراض عليه ما يظهر لنا من حكم عقولنا أو تميل إليه غرائزنا، وجميع ذلك مأخوذة من نظام الكون ثم نبحث عنها فيظهر سبب الحادثة فتسقط الشبهة أو نعجز عن الحصول على السبب فلا يقع في أيدينا إلا الجهل بالسبب أي عدم العلم دون العلم بالعدم، فنظام الكون (وهو فعل الله سبحانه) هو العدل فافهم ذلك، ولو كان هناك إله يغني منه في شيء من الأمور لم يكن نظام التكوين عدلا مطلقا بل كان فعل كل إله عدلا بالنسبة إليه وفي دائرة قضائه وعمله.
5. بالجملة فالله سبحانه يشهد، وهو شاهد عدل، على أنه لا إله إلا هو يشهد لذلك بكلامه وهو قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، على ما هو ظاهر الآية الشريفة، فالآية في اشتمالها على شهادته تعالى للتوحيد نظيرة قوله تعالى: ﴿لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا﴾
6. الملائكة يشهدون بأنه لا إله إلا هو، فإن الله يخبر في آيات مكية نازلة قبل هذه الآيات بأنهم عباد مكرمون لا يعصون ربهم ويعملون بأمره ويسبحونه وفي تسبيحهم شهادة أن لا إله غيره، قال تعالى: ﴿بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾، وقال تعالى: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾
7. وأولو العلم يشهدون أنه لا إله إلا هو يشاهدون من آياته الآفاقية والأنفسية وقد ملأت مشاعرهم ورسخت في عقولهم.
8. ظهر مما تقدم:
أ. أولا: أن المراد بالشهادة شهادة القول على ما هو ظاهر الآية الشريفة دون شهادة الفعل وإن كانت صحيحة حقة في نفسها فإن عالم الوجود يشهد على وحدانيته في الألوهية بالنظام الواحد المتصل الجاري فيه، وبكل جزء من أجزائه التي هي أعيان الموجودات.
ب. وثانيا: أن قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حال من فاعل قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، والعامل فيه شهد، وبعبارة أخرى قيامه بالقسط ليس بمشهود له لا له تعالى ولا للملائكة وأولي العلم بل الله سبحانه حال كونه قائما بالقسط يشهد أن لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم يشهدون بالوحدانية كما هو ظاهر الآية حيث فرقت بين قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وقوله: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: بتوسيط قوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾، ولو كان القيام بالقسط من أجزاء الشهادة لكان حق الكلام أن يقال: إنه لا إله إلا هو قائما بالقسط والملائكة، ومن ذلك يظهر ما فيما ذكره عدة من المفسرين في تفسير الآية من الجهتين جميعا كما لا يخفى على من راجع ما ذكروه في المقام.
9. سؤال وإشكال: من أردإ الإشكال ما ذكره بعضهم: أن حمل الشهادة على الشهادة الكلامية كما مر يوجب الاستناد في أمر التوحيد إلى النقل دون العقل مع كونه حينئذ متوقفا على صحة الوحي فإن صدق هذه الشهادة يتوقف على كون القرآن وحيا حقا وهو متوقف عليه فيكون بيانا دوريا، ومن هنا ذكر بعضهم أن المراد بالشهادة هنا معنى استعاري بدعوى أن دلالة جميع ما خلقه الله من خلق على ما فيها من وحدة الحاجة واتصال النظام على وحدة صانعها بمنزلة نطقه وإخباره تعالى بأنه واحد لا إله غيره وكذا عبادة ملائكته له وإطاعتهم لأمره، وكذا ما يشاهده أولو العلم من أفراد الإنسان من آيات وحدانيته بمنزلة شهادتهم على وحدانيته تعالى، والجواب: أن فيه خلطا ومغالطة فإن النقل إنما لا يعتمد عليه فيما للعقل أو الحس إليه سبيل لكونه لا يفيد العلم فيما يجب فيه تحصيل العلم، أما لو فرض إفادته من العلم ما يفيد العقل مثلا أو أقوى منه كان في الاعتبار مثل العقل أو أقوى منه كما أن المتواتر من الخبر أقوى أثرا وأجلى صدقا من القضية التي أقيم عليها برهان مؤلف من مقدمات عقلية نظرية وإن كانت يقينية وأنتجت اليقين، فإذا كان الشاهد المفروض يمتنع عليه الكذب والزور بصريح البرهان كانت شهادته تفيد ما يفيده البرهان من اليقين، والله سبحانه (وهو الله الذي لا سبيل للنقص والباطل إليه) لا يتصور في حقه الكذب فشهادته على وحدانية نفسه شهادة حق كما أن إخباره عن شهادة الملائكة وأولي العلم يثبت شهادتهم.
10. على أن من أثبت له شركاء كالأصنام وأربابها فإنما يثبتها بعنوان أنها شفعاء عند الله ووسائط بينه وبين خلقه كما حكى الله تعالى عنهم بقوله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى﴾، وكذا من اتخذ له شريكا بالشرك الخفي من هوى أو رئيس مطاع أو مال أو ولد إنما يتخذه سببا من الله غير أنه مستقل بالتأثير بعد حصوله له، وبالجملة ما اتخذ له من شريك فإنما يشاركه فيما يشاركه بتشريكه لا بنفسه، وإذا شهد الله على أنه لم يتخذ لنفسه شريكا أبطل ذلك دعوى من يدعي له شريكا، وجرى الكلام مجرى قوله: ﴿قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللَّهَ بِمَا لَا يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ﴾، فإنه إبطال لدعوى وجود الشريك بأن الله لا يعلم به في السموات والأرض ولا يخفى عليه شيء، وبالحقيقة هو خبر مثل سائر الأخبار الصادرة عن مصدر الربوبية والعظمة كقوله: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾، ونحو ذلك، غير أنه لوحظ فيه انطباق معنى الشهادة عليه لكونه خبرا في مورد دعوى، والمخبر به قائم بالقسط فكان شهادة فعبر بلفظ الشهادة تفننا في الكلام، فيئول المعنى إلى أنه لو كان في الوجود أرباب من دون الله مؤثرون في الخلق والتدبير شركاء أو شفعاء في ذلك لعلمه الله وشهد به لكنه يخبر أنه ليس يعلم لنفسه شريكا فلا شريك له، ولعلم واعترف به الملائكة الكرام الذين هم الوسائط المجرون للأمر في الخلق والتدبير لكنهم يشهدون أن لا شريك له، ولعلم به وشهد أثره أولو العلم لكنهم يشهدون بما شاهدوا من الآيات أن لا شريك له.
11. فالكلام نظير قولنا: لو كان في المملكة الفلانية ملك مؤثر في شئون المملكة وإدارة أمورها غير الملك الذي نعرفه لعلم به الملك وعرفه لأنه من المحال أن لا يحس بوجوده وهو يشاركه، ولعلم به القوى المجرية والعمال المتوسطون بين العرش والرعية وكيف يمكن أن لا يشعروا بوجوده وهم يحملون أوامره ويجرون أحكامه بين ما في أيديهم من الأحكام والأوامر ولعلم به العقلاء من عامة أهل المملكة وكيف لا وهم يطيعون أوامره وعهوده ويعيشون في ملكه لكن الملك ينكر وجوده، وعمال الدولة لا يعرفونه، وعقلاء الرعية لا يشاهدون ما يدل على وجوده؟
12. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾، الجملة كالمعترضة الدخيلة في الكلام لاستيفاء حق معترض يفوت لولا ذكره مع عدم كونه مقصودا في الكلام أصالة، ومن أدب القرآن أن يظهر تعظيم الله جل شأنه في موارد يذكر أمره ذكرا يخطر منه بالبال ما لا يليق بساحة كبريائه كقوله تعالى: ﴿قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ﴾، فقوله: سبحانه قصد به التعظيم في مقام يحكى فيه قول لا يلائم حقه تعالى، ونظيره بوجه قوله تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ﴾ الآية.
13. بالجملة لما اشتمل أول الآية على شهادة الله والملائكة وأولي العلم ـ بنفي الشريك كان من حق الله سبحانه على من يحكي ويخبر عن هذه الشهادة أعني المتكلم (وهو في الآية هو الله سبحانه) وعلى من يسمع ذلك أن يوحد الله بنفي الشريك عنه فيقول: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، نظير ذلك قوله تعالى في قصة الإفك: ﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾، فإن من حقه تعالى عليهم أن إذا سمعوا بهتانا وأرادوا تنزيه من بهت عليه أن ينزهوا الله قبله فإنه تعالى أحق من يجب تنزيهه، فموضع قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ موضع الثناء عليه تعالى لاستيفاء حق تعظيمه ولذا تمم بالاسمين العزيز الحكيم، ولو كان في محل النتيجة من الشهادة لكان حق الكلام أن يتمم بوصفي الوحدة والقيام بالقسط، فهو تعالى حقيق بالتوحيد إذا ذكرت الشهادة المذكورة على وحدانيته لأنه المتفرد بالعزة التي يمنع جانبه أن يستذل بوجود شريك له في مقام الألوهية، والمتوحد بالحكمة التي تمنع غيره أن ينقض أمره في خلقه أو ينفذ في خلال تدبيره وما نظمه من أمر العالم فيفسد عليه ما أراده.
14. تبين بما مر من البيان وجه تكرار كلمة التوحيد في الآية، وكذا وجه تتميمها بالاسمين: العزيز الحكيم، والله العالم.
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/113.
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ أصدق القائلين الذي يصدّق به الكفّار من أهل الكتاب ومشركي العرب: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ لا معبود بحق إلا هو فلا عيسى ولا غيره كلهم عباد لله ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ شهدوا بذلك، ولعل هذا للرد على من يعبد الملائكة ﴿وَأُولُوالْعِلْمِ﴾ شهدوا بذلك فلم يبق إلا الجاهلون الذين أهملوا عقولهم.
2. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ بالعدل، فكما أن الشرك ظلم، فالتوحيد عدل؛ لأن الله الخالق الرازق هو المالك للمخلوقين المنعم عليهم، فهو المستحق لئن يخضعو له بإظهار عبوديتهم له، وجعل غيره إلهاً معناه أنه شريك في ملك المخلوقين فيظهرون عبوديتهم له وهو في الواقع عبد مثلهم فهو ظلم أن يعبدوا غير الله والله خالقهم، ويشكروا غير الله والله هو المنعم عليهم، وقد روي في حديث عن الله تعالى أنّه قال: إني والإنس والجن في نبأ عظيم، أخلق ويُعبد غيري، وأرزق ويُشكر غيري) أو كما روي.
3. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تأكيد وتمهيد لقوله: ﴿الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ فإن العزة لله جميعاً فكل من سواه عبد ذليل والله سبحانه هو الحكيم، فكيف يجعل لنفسه شريكاً أو يرضاه وهو عبد لله، وليس ذلك يصلح في الحكمة، كما بين تعالى في قوله سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الزمر:29]، فليس من الحكمة أن يجعل لنفسه شريكاً ينازعه في ملكه أو يعارضه، وقال تعالى: ﴿ضَرَبَ اللهُ مَثَلاً عَبْدًا مَمْلُوكًا لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَيُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لله بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ﴾ [النحل:75] فكيف يجعل شريكاً لله من لا ينفع ولا يضر!؟ قال تعالى: ﴿وَضَرَبَ اللهُ مَثَلاً رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَهُوَكَلٌّ عَلَى مَوْلاَهُ أَيْنَمَا يُوَجِّهُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَوَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَعَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [النحل:76] فأصنامهم لا تصلح لشيء، فكيف تُجعل أنداداً لله!؟ وقال تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ﴾ [النحل:71] فليس من الحكمة أن يجعل عبده شريكاً له في ملكه، له حق المعارضة والمُشَاكَسَة.
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/436.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. إن القرآن الكريم يواجه المنكرين الكافرين بالله بعدة أساليب في تقريره لحقيقة الوحدانية، فقد يتمثل ذلك في طريقة الاستدلال العقلي، وقد يتخذ أسلوب الدليل الاستقرائي الذي يدعو إلى السير في الأرض والتأمل في خلق الله، وقد يتمثل في الأسلوب الذي يوحي بها في مجال الإعلان بأنها الحقيقة الحاضرة التي تعبر عن نفسها من دون حاجة إلى دليل، تماما كما هي الأمور الحسيّة التي تثبت بالحسّ، كما في هذه الآية، التي تبدأ الموضوع بشهادة الله أنه الواحد الذي لا إله إلا هو في حضور الحقيقة في ذاته، وشهادة الملائكة في إدراكهم لعظمة الله من خلال منازل القرب إلى مواطن عظمته، وأولي العلم في ما يقودهم إليه العلم من الإحساس اليقيني بهذه الحقيقة، وفي ذلك إيحاء بأن المنكرين الذين لا يشهدون بهذه الحقيقة لا ينطلقون من علم، بل يتحركون في متاهات الجهل.
2. القيام بالقسط، وهو العدل، هو من لوازم الوحدانية التي توحي بالقوة المطلقة والغنى المطلق الذي يملك كل شيء، ولا يحتاج شيئا، فكيف يمكن أن يظلم، والظلم هو عقدة الضعيف، كما ورد في دعاء عن الإمام الباقر عليه السّلام عقيب صلاة الليل: (وقد علمت يا إلهي أنه ليس في نقمتك عجلة، ولا في حكمك ظلم، وإنما يعجل من يخاف الموت وإنما يحتاج إلى الظلم الضعيف، وقد تعاليت يا إلهي عن ذلك علوّا كبيرا)، وعلى هذا، فإن الشهادة بالوحدانية تستتبع الشهادة بأن الله هو القائم بالقسط، وقد كررت الآية كلمة التوحيد لتقرير العقيدة الواضحة من خلال هذه الشهادة العظيمة.
3. وهو العزيز الحكيم، فلا مجال للانتقاص من عزته من قبل أيّ أحد من خلقه في كل ما يفعله وما يقوله، ولا مجال للتشكيك في حكمته في ما خلق ودبّر وفي ما نظّم للحياة من قوانين كونية في ظواهر الكون ومن قوانين شرعية في تشريع الحياة للإنسان.
4. ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فهو الشاهد الأعظم الذي خلق الوجود المتحرك في كل حقائقه وتنوعاته، وهو الذي أعطاه مضمونه ومعناه، وهو الشاهد في ذاته من خلال حضور الذات في الذات، وهو الخالق للكون كله، والمطلع عليه في علمه بالنفي المطلق للشرك، ولا يملك النفي المطلق غيره، فإن المحدود لا يمكن أن يدرك إلا الواقع المحدود، فلا يجد سبيلا إلى الحقيقة في دائرة النفي إلا من خلال العقل، لأنه لا يملك الحس الذي يشمل الوجود كله، ليعرف ـ من خلاله ـ أين يكون النفي حقيقة، وأين يقع الإثبات في موقعه التوحيدي، وهو الذي تنطلق شهادته في دائرة غناه الذاتي، فلا يحتاج إلى أن يعرفه أحد من خلقه، لتكون الشهادة وسيلة من وسائله الحيّة في الوصول، ذلك؛ لأن معرفة خلقه له حاجة حيوية للاحساس بمعنى وجودهم، والانفتاح على مصدر القوة الذي هو مصدر الوجود في حياتهم، وتلك هي الشهادة التي تمنح الحقيقة لكل مخلوق حيّ، فيحس بها في ذاتياته، حتى لتتحول في داخله إلى ما يشبه إحساس الذات بالذات في معنى الفطرة.
5. تحدّث البعض عن النزاع في أن الشهادة هي بالقول أو بالفعل، ونحن لا نرى في هذا الحديث فائدة يتحرك النفي أو الإثبات نحوها، لأن الله أعطى الكلمة في الشهادة بتوحيده من خلال وحيه، كما أعطى الواقع الشهادة الحسية المتجسدة في الكون كله الناطقة في مضمون وجودها بأنه الله الذي لا إله إلا هو في معنى الفطرة الوجودية للكون كله، ولن تحتاج الكلمة إلى دليل في صدورها عنه، لأن معناها في داخل ذاتها، من حيث إن التوحيد هو حقيقة الوجود، فهو الذي يشهد للكلمة على صدقها، وليست هي التي تؤكد صدقه في معنى الحقيقة في ذاته.
6. ﴿وَالْمَلَائِكَةُ﴾ الذين عاشوا الفناء في الله والذوبان في عبادته، والخضوع لعظمته والخشوع أمام ربوبيته، فهم ﴿عِبَادٌ مُكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ﴾ [الأنبياء: 26 ـ 27]، ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الزمر: 75]، ومن خلال كل هذه الأجواء الغيبية التي عاشوها في رحاب الله في وظائفهم الكونية، وفي مسئولياتهم السماوية، وفي شمولية التجربة في آفاق السماء والأرض، في الحدود التي أمكن لهم أن يصلوا إليها ويعرفوها، أدركوا التوحيد في حقيقته التي لا ترفض أية فكرة للربوبية بعيدا عن الله، فهم يعرفون حجم المخلوقات في دائرة تجربتهم، ويعرفون عظمة الله في كل مظاهر خلقه ومواقع قدرته، فلا يرون له مثيلا ولا شريكا، فيشهدون من عمق الإيمان في وعيهم للحقيقة التوحيدية أنه لا إله إلا هو.
7. ﴿وَأُولُو الْعِلْمِ﴾ هؤلاء الذين انفتحوا بعقولهم وتجاربهم على الوجود في تفاصيله وفي عناصره وفي مواقع العظمة فيه وأسرار الإبداع في حركته، وتطلعوا ـ في عملية مقارنة وتأمّل وتفكير ـ إلى كل مواقع القدرة في الكون مما تتحرك به المخلوقات الكبيرة العظيمة هنا وهناك، فرأوا أنها لا تملك شيئا من معنى العظمة وسرّ القدرة إلا بالله، فآمنوا أنه لا إله إلا هو، ولعلّ من الواضح أن المراد بالعلماء هنا كل الذين يملكون العلم الذي ينفتح على توحيد الله من خلال الانفتاح على أسرار عظمته وحكمته وقدرته، ولا خصوصية لأحد في ذلك من حيث المبدأ، ولكن هناك ما يتميز به عالم عن عالم في درجة المعرفة، الأمر الذي يجعلهم في وعي للتوحيد بطريقة أعمق وأفق أرحب.
8. ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حال من فاعل قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ فقد شهد الله توحيد ذاته من خلال قيامه بالعدل الذي لا ينفصل عنه، لأن عدالته جزء من معنى الألوهية، ومظهر لغناه عن عباده، فلا يظلمهم، لأن الظلم دليل فقر وضعف، وهكذا كان قيامه بالقسط في النظام الكوني بكل وجوداته، لأنه أعطى كل موجود حقه بما منحه إياه من حاجته، فكان الوجود كله في وعيه الذاتي الوجودي لربه مظهرا حيّا للشهادة الكونية بتوحيده، ولعل التركيز على القيام بالعدل، في موقع انطلاقة الشهادة، يوحي بأن علاقة الله بالكون في وجوده الحي والجامد، ليست علاقة سيطرة في معنى الذات كما هي علاقة المخلوق القوي بالمخلوق الضعيف، بل هي علاقة العدالة المرتبطة بالخالقية من موقع الرحمة، مما جعل عدالته مظهر رحمته، كما هي ـ في العمق ـ مظهر قوته وغناه.
9. ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فهذه هي الحقيقة التي لا بد للإنسان من أن يؤكدها في نفسه لتملأ عقيدته كل وجوده، تماما كما تؤكد نفسها في كل موقع من مواقع الكون ﴿الْعَزِيزِ﴾ الذي لا ينتقص أحد من قدرته وقوته ﴿الْحَكِيمُ﴾ الذي يضع الأشياء في مواضعها، ويعطي لكل واحد منها موقعها ودورها في حركة النظام الكوني كله.
__________
(1) من وحي القرآن: 5/270.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. تعقيبا على البحث في الآيات السابقة حول المؤمنين الحقيقيين، تشير هذه الآية إلى بعض أدلّة التوحيد ومعرفة الله فتقول بأن الله تعالى يشهد بوحدانيته (من خلال إيجاد النظام الكوني العجيب)، كما تشهد الملائكة، ويشهد بعد ذلك العلماء والذين ينظرون إلى حقائق العالم بنور العلم والمعرفة ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ﴾
2. سؤال وإشكال: كيف يشهد الله على وحدانيّته؟ والجواب: المقصود من شهادة الله هنا هو الشهادة العملية والعقلية، لا الشهادة اللفظية، أي أنّ الله بخلقه عالم المخلوقات الذي يسوده نظام موحّد، وتتشابه قوانينه في كلّ مكان، وتجري وفق برنامج واحد، لتكوّن (وحدة واحدة) و(نظاما واحدا)، قد أظهر عمليا أنّ الخالق والمعبود في العالم ليس أكثر من واحد، وأنّ كلّ شيء ينطلق من ينبوع واحد، وعليه فإنّ خلق هذا النظام الواحد شهادة ودليل على وحدانيّته.
3. شهادة الملائكة والعلماء، شهادة لفظية، فهم بالتعبير اللفظي الذي يناسبهم يعترفون بهذه الحقيقة، إنّ هذا اللون من التفكيك في الآيات القرآنية كثير في الآية ﴿إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ﴾، لا شكّ أنّ صلاة الله على النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم غير صلاة الملائكة عليه، فصلاة الله هي إرسال الرحمة، وصلاة الملائكة هي طلب الرحمة، بديهيّ أنّ لشهادة الملائكة والعلماء جانبها العملي أيضا، ذلك لأنّهم لا يعبدون سواه، ولا يخضعون لمعبود غيره.
4. عبارة ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾ حال من فاعل (شهد) وهو (الله)، أي أنّ الله يشهد بوحدانيّته في حالة كونه قائما بالعدالة في عالم الوجود، وهذا في الحقيقة دليل على شهادته، لأنّ العدالة هي اختيار الطريق الوسط والمستقيم، بمعزل عن كلّ إفراط وتفريط وانحراف، ونعلم أنّ الطريق الوسط المستقيم لا بدّ أن يكون طريقا واحدا، كما نقرأ في قوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، تقول هذه الآية إنّ طريق الله واحد، بينما طرق المنحرفين والبعيدين عن الله متعدّدة ومتناثرة، وذلك لورود الصراط المستقيم بصيغة المفرد، وسبل المنحرفين بصيغة الجمع.
5. النتيجة هي أن (العدالة) تصاحب (النظام الواحد)، والنظام الواحد دليل على (المبدأ الواحد)، وبناء على ذلك فإنّ العدالة بمعناها الحقيقي في عالم الخلق دليل على وحدانية الخالق، فتأمّل.
6. العلماء في هذه الآية وضعوا إلى جانب الملائكة، وهذا بذاته تمييز للعلماء على غيرهم، كما يستفاد من الآية أنّ العلماء إنّما امتازوا على غيرهم لأنّهم بعلمهم توصّلوا إلى معرفة الحقائق، وعلى رأسها معرفة وحدانية الله.
7. من الواضح أنّ الآية تشمل جميع العلماء، أمّا قول بعض المفسّرين بأنّ ﴿أولو الْعِلْمِ﴾ هم الأئمّة الأطهار عليهم السّلام فلأنّ الأئمّة من اظهر مصاديق ذلك، ينقل الطبرسي في (مجمع البيان) ضمن تفسير هذه الآية عن جابر بن عبد الله الأنصاري، عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: (ساعة من عالم يتّكئ على فراشه ينظر في علمه خير من عبادة العابد سبعين عاما)
8. يتكرّر تعبير ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ في نهاية الآية، ولعلّ التكرار إشارة إلى أنّه ما جاءت في البداية شهادة الله والملائكة والعلماء، كذلك على من يسمع هذه الشهادات أن يردّدها هو أيضا معهم، ويشهد على وحدانية المعبود.
9. لمّا كان قوله تعالى: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ تعظيما وإظهارا لوحدانيّته، فقد اختتم بالصفتين (العزيز) و(الحكيم) لأنّ القيام بالقسط يتطلّب القدرة والحكمة، وأنّ الله القادر على كلّ شيء، والعليم بكلّ شيء هو وحده القادر على إجراء العدالة في عالم الوجود.
10. هذه الآية من الآيات التي كانت موضع اهتمام رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم دائما وكان يردّدها في مواضع مختلفة، وروي عن الزبير بن العوام قال قلت لأدنونّ هذه العشية من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وهي عشية عرفة، حتّى أسمع ما يقول، فسمعته يقول: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ الآية، فما زال يرددها حتّى رفع.
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/426.
11. الدين الحق والمعارضون له
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈11⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [آل عمران: 19]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
أبيّ:
روي عن أبيّ بن كعب (ت 22 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: إن الدين عند الله الحنيفية، غير اليهودية، ولا النصرانية، ولا المشركة، من يعمل خيرا فلن يكفره(1).
2. روي أنّه قال: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وزخرفها وزينتها، أيهم يكون له الملك والمهابة في الناس، فبغى بعضهم على بعض، وضرب بعضهم رقاب بعضهم(2).
__________
(1) ابن المنذر: ١/١٤٨.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٨.
علي:
روي عن الإمام علي (ت 40 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: (لأنسبن الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي، ولا ينسبها أحد بعدي، الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل، والمؤمن من أخذ دينه عن ربه، إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله، وإن الكافر يعرف كفره بإنكاره، يا أيها الناس دينكم دينكم، فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، إن السيئة فيه تغفر، وإن الحسنة في غيره لا تقبل(1).
2. روي أنّه قال: (من استقبل قبلتنا، وأكل ذبيحتنا، وآمن بنبينا، وشهد شهادتنا، دخل في ديننا، أجرينا عليه حكم القرآن، وحدود الإسلام، ليس لاحد على أحد فضل إلا بالتقوى ألا وإن للمتقين عند الله أفضل الثواب، وأحسن الجزاء والمآب(2).
3. روي أنّ سليم بن قيس قال أتى رجل أمير المؤمنين فقال له: يا أمير المؤمنين ما أدنى ما يكون به الرجل مؤمنا؟ وأدنى ما يكون به كافرا؟ وأدنى ما يكون به ضالا قال سألت فاسمع الجواب، أدنى ما يكون به مؤمنا أن يعرفه الله نفسه فيقر له بالربوبية والوحدانية، وأن يعرفه نبيه فيقر له بالنبوة وبالبلاغة، وأن يعرفه حجته في أرضه وشاهده على خلقه فيقر له بالطاعة، قال يا أمير المؤمنين وإن جهل جميع الاشياء غير ما وصفت؟ قال نعم، إذا أمر أطاع وإذا نهى انتهى، وأدنى ما يكون به كافرا أن يتدين بشيء فيزعم أن الله أمره به مما نهى الله عنه، ثم ينصبه فيتبرأ ويتولى، ويزعم أنه يعبد الله الذي أمره به، وأدنى ما يكون به ضالا أن لا يعرف حجة الله في أرضه وشاهده على خلقه، الذي أمرالله بطاعته وفرض ولايته، قال يا أمير المؤمنين سمهم لي، قال الذين قرنهم الله بنفسه ونبيه، فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمر مِنْكُمْ﴾ [النساء: 59]، قال أوضحهم لي، قال الذين قال رسول الله في آخر خطبة خطبها ثم قبض من يومه: (إني قد تركت فيكم أمرين لن تضلوا ما تمسكتم بهما، كتاب الله وأهل بيتي فان اللطيف الخبير قد عهد إلي أنهما لن يفترقا حتى يردا علي الحوض كهاتين إصبعي، فتمسكوا بهما لا تضلوا، ولا تقدموهم فتهلكوا، ولاتخلفوا عنهم فتفرقوا ولاتعلموهم فهم أعلم منكم(3).
4. روي أنّه قال: في بعض خطبه: (ثم إن هذا الإسلام دين الله الذي اصطفاه لنفسه، واصطنعه على عينه، وأصفاه خيرة خلقه، وأقام دعائمه على محبته.. أذل الاديان بعزه، ووضع الملل برفعه، وأهان أعداء بكرامته، وخذل محاديه بنصره، وهدم أركان الضلالة بركنه، وسقى من عطش من حياضه، وأتاق الحياض بمواتحه، ثم جعله لا انفصام لعروته، ولا فك لحلقته ولا انهدام لأساسه، ولا زوال لدعائمه، ولا انقلاع لشجرته، ولا انقطاع لمدته ولا عفاء لشرائعه، ولا جذ لفروعه، ولا ضنك لطرقه، ولا وعوثة لسهولته ولا سواد لوضحه، ولا عوج لانتصابه، ولا عصل في عوده، ولا وعث لفجه، ولا انطفاء لمصابيحه، ولا مرارة لحلاوته، فهو دعائم أساخ في الحق أسناخها، وثبت لها أساسها، وينابيع عزرت عيونها، ومصابيح شبت نيرانها، ونار اقتدى بها سفارها، وأعلام قصد بها فجاجها، ومناهل روي بها ورادها، جعل الله فيه منتهى رضوانه، وذروة دعائمه، وسنام طاعته، فهو عند الله وثيق الأركان، رفيع البنيان منير البرهان، مضيء النيران، عزيز السلطان، مشرف المنار، معوز المثار فشرفوه واتبعوه، وأدوا إليه حقه، وضعوه مواضعه(4).
5. روي أنّه قال: في بعض خطبه: (الحمد لله الذي شرع الإسلام فسهل شرائعه لمن ورده، وأعز أركانه على من غالبه، فجعله أمنا لمن علقه، وسلما لمن دخله، وبرهانا لمن تكلم به، وشاهدا لمن خاصم به، ونورا لمن استضاء به، وفهما لمن عقل، ولبا لمن تدبر، وآية لمن توسم، وتبصرة لمن عزم، وعبرة لمن اتعظ، ونجاة لمن صدق، وثقة لمن توكل، وراحة لمن فوض، وجنة لمن صبر، فهو أبلج المناهج، واضح الولايج، مشرف المنار، مشرق الجوار، مضيء المصابيح، كريم المضمار، رفيع الغاية، جامع الحبلة، متنافس السبقة، شريف الفرسان، التصديق منهاجه والصالحات مناره، والموت غايته، والدنيا مضماره، والقيامة حلبته، والجنة سبقته(5).
6. روي أنّه قال: (المؤمن يتقلب في خمسة من النور: مدخله نور، ومخرجه نور، وعلمه نور، وكلامه نور، ومنظره يوم القيامة إلى النور(6).
7. روي أنّه قال: في بعض خطبه: (إن الله تعالى خصكم بالإسلام واستخلصكم له، وذلك لأنه اسم سلامة وجماع كرامة اصطفى الله تعالى منهجه وبين حججه، من ظاهر علم، وباطن حكم، لا تفنى غرائبه، ولا تنقضي عجائبه مرابيع النعم، ومصابيح الظلم، لا تفتح الخيرات إلا بمفاتحه، ولا تكشف الظلمات إلا بمصابيحه، قد أحمى حماه، وأرعى مرعاه، فيه شفاء المشتفي، وكفاية المتكفي(7).
8. روي أنّه قال: (من الإيمان ما يكون ثابتا مستقرا في القلوب، ومنه ما يكون عواري بين القلوب والصدور إلى أجل معلوم، فاذا كانت لكم براءة من أحد فقفوه حتى يحضره الموت، فعند ذلك يقع حد البراءة(8).. والهجرة قائمة على حدها الاول ما كان لله في أهل الأرض حاجة من مستسر الأمة ومعلنها لا يقع اسم الهجرة على أحد إلا بمعرفة الحجة في الأرض، فمن عرفها وأقربها فهو مهاجر، ولا يقع اسم الاستضعاف على من بلغته الحجة فسمعتها اذنه، ووعاها قلبه إن أمرنا صعب مستصعب لا يحتمله إلا عبد امتحن الله قلبه للإيمان، ولا تعي حديثنا إلا صدور أمينة، وأحلام رزينة.. أيها الناس سلوني قبل أن تفقدوني فلأنا بطرق السماء أعلم مني بطرق الأرض، قبل أن تشغر فتنة تطأ في خطامها وتذهب بأحلام قومها(9).
9. روي أنّه قال: قال لي رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: يا علي إن الله تعالى قد كتب على المؤمنين الجهاد في الفتنة من بعدي، كما كتب عليهم جهاد مع المشركين معي، فقلت: يا رسول الله وما الفتنة التي كتب علينا فيها الجهاد؟ قال فتنة قوم يشهدون أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله وهم مخالفون لسنتي وطاعنون في ديني، فقلت: فعلام نقاتلهم يا رسول الله وهم يشهدون أن لا إله إلا الله وأنك رسول الله؟ فقال: على إحداثهم في دينهم، وفراقهم لأمري، واستحلالهم دماء عترتي(10).
10. روي أنّه قال: يخاطب رعيته: أيها الناس، أنا أحب أن أشهد عليكم، أن لا يقوم أحد فيقول: أردت أن أقول فخفت، فقد أعذرت فيما بيني وبينكم، اللهم إلّا أن يكون أحد يريد ظلمي، والدّعوى عليّ بما لم أجن، أما إني لم أستحلّ من أحد مالا، ولم أستحلّ من أحد دما بغير حلّه، وجاهدت مع رسول اللّه صلّى الله عليه وآله وسلم بأمر اللّه وأمر رسوله، فلما قبض اللّه رسوله صلّى الله عليه وآله وسلم، جاهدت من أمرني بجهاده من أهل البغي، وسمّاهم لي رجلا رجلا، وحضّني على جهادهم وقال: (يا علي، تقاتل الناكثين وسمّاهم لي، والقاسطين وسمّاهم لي، والمارقين)، فلا تكثر منكم الأقوال، فإن أصدق ما يكون المرء عند هذا الحال(11).
11. روي أنّه قال: (في الآخرة حساب ولا عمل(12).
12. روي أنّه قال: (إن اليوم عمل ولا حساب، وإن غدا حساب ولا عمل(13).
13. روي أنّه قال: ـ في حديث له مع معاوية ـ قال له: (يا معاوية، إنا أهل بيت اختار الله لنا الآخرة على الدنيا، ولم يرض لنا بالدنيا ثوابا، يا معاوية، إن نبي الله زكريا قد نشر بالمناشير، ويحيى بن زكريا قتله قومه وهو يدعوهم إلى الله عز وجلو ذلك لهوان الدنيا على الله، إن أولياء الشيطان قد حاربوا أولياء الرحمن، وقد قال الله عز وجل في كتابه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(14).
__________
(1) تفسير القمّي: 1/99.
(2) مشكاة الأنوار: ص38.
(3) كتاب سليم: 86.
(4) نهج البلاغة: 1/433.
(5) نهج البلاغة: 1/219.
(6) الخصال: 1/133.
(7) نهج البلاغة: 1/293.
(8) أي إذا أردتم التبري من أحد فاجعلوه موقوفا إلى حال الموت، ولاتسارعوا إلى البراءة منه قبل الموت، لأنه يجوز أن يتوب ويرجع، فاذا مات ولم يتب جازت البراءة منه.
(9) نهج البلاغة: 1/386/386، تحت الرقم: 187.
(10) أمالي الطوسي: 1/63.
(11) نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة: 8/320.
(12) غرر الحكم: رقم: 6495.
(13) الكافي: 8/58.
(14) كتاب سليم بن قيس: 158.
ابن عمر:
روي عن ابن عمر (ت 74 هـ) أنّه قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وسلطانها، من قبلها ـ والله ـ أتينا، ما كان علينا من يكون علينا بعد أن يأخذ فينا كتاب الله وسنة نبيه، ولكنا أتينا من قبلها(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٨٣.
أبو العالية:
روي عن أبي العالية الرّياحيّ (ت 93 هـ) أنّه قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الإسلام: الإخلاص لله وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة، وإيتاء الزكاة، وسائر الفرائض لهذا تبع(1).
1. روي أنّه قال: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ بغيا على الدنيا، وطلب ملكها وسلطانها، فقتل بعضهم بعضا على الدنيا من بعد ما كانوا علماء الناس(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٨٢.
(2) ابن جرير: ٥/٢٨٣.
السجاد:
روي عن الإمام السجاد (ت 94 هـ) أنّه قال: جاء رجل من أهل الشام إلى الإمام السجاد، فقال: أنت علي بن الحسين؟ قال نعم، قال أبوك الذي قتل المؤمنين؟ فبكى الإمام السجاد، ثم مسح عينيه، فقال: ويلك! كيف قطعت على أبي أنه قتل المؤمنين؟ قال قوله: إخواننا قد بغوا علينا، فقاتلناهم على بغيهم، فقال: ويلك! أما تقرأ القرآن؟ قال بلى، قال فقد قال الله: ﴿وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا﴾ [الأعراف: 85]، ﴿وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا﴾ [الأعراف: 73] فكانوا إخوانهم في دينهم أو في عشيرتهم؟ قال له الرجل: لا، بل في عشيرتهم، قال فهؤلاء إخوانهم في عشيرتهم، وليسوا إخوانهم في دينهم، قال فرَّجت عني، فرج الله عنك(1).
__________
(1) تفسير العياشي: 2/23.
مطرف:
روي عن مطرف بن عبد الله بن الشخير (ت 95 هـ) أنّه قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يأمرهم بالإسلام، وينهاهم عما سواه(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٧.
ابن جبير:
روي عن سعيد بن جبير (ت 95 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ كثرت أموالهم؛ فتباغوا بينهم(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ بنو إسرائيل(2).
__________
(1) ابن المنذر: ١/١٤٩.
(2) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٨.
الضحاك:
روي عن الضحاك بن مزاحم (ت 102 هـ) أنّه قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ لم أبعث رسولا إلا بالإسلام(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٨.
الباقر:
روي عن الإمام الباقر (ت 114 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي عن محمد بن مسلم قال: سألت الإمام الباقر عن قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإسلام﴾ [آل عمران: 19]، فقال: (يعني الدين فيه الإيمان(1).
2. روي أنّه قال: (الإيمان ما استقر في القلب وأفضى به إلى الله عز وجل، وصدقه العمل بالطاعة لله، والتسليم لأمره، والإسلام ما ظهر من قول أو فعل، وهو الذي عليه جماعة الناس من الفرق كلها، وبه حقنت الدماء، وعليه جرت المواريث، وجاز النكاح، واجتمعوا على الصلاة والزكاة والصوم والحج فخرجوا بذلك من الكفر واضيفوا إلى الإيمان، والإسلام لا يشرك الإيمان، والإيمان يشرك الإسلام، وهما في القول والفعل يجتمعان، كما صارت الكعبة في المسجد، والمسجد ليس في الكعبة، وكذلك الإيمان يشرك الإسلام والإسلام لا يشرك الإيمان، وقد قال الله عز وجل: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإيمان فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14] فقول الله عز وجل أصدق القول)، قيل له: فهل للمؤمن فضل على المسلم في شيء من الفضائل والاحكام والحدود وغير ذلك؟ فقال: (لا، هما يجريان في ذلك مجرى واحدا ولكن للمؤمن فضل على المسلم في أعمالهما وما يتقربان به إلى الله عز وجل) قيل: أليس الله عز وجل يقول: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ [الأنعام: 160]، وزعمت أنهم مجتمعون على الصلاة والزكاة والصوم والحج مع المؤمن؟ قال: أليس قد قال الله عز وجل: ﴿يُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً﴾ [البقرة: 245] فالمؤمنون هم الذين يضاعف الله عز وجل لهم حسناتهم، لكل حسنة سبعين ضعفا، فهذا فضل المؤمن ويزيد الله في حسناته على قدر صحة إيمانه أضعافا كثيرة، ويفعل الله بالمؤمنين ما يشاء من الخير)، قيل: أرأيت من دخل في الإسلام أليس هو داخلا في الإيمان؟ فقال: (لا ولكنه قد أضيف إلى الإيمان وخرج به من الكفر، وسأضرب لك مثلا تعقل به فضل الإيمان على الإسلام، أرأيت لو أبصرت رجلا في المسجد أكنت تشهد أنك رأيته في الكعبة؟) قيل: لا يجوز لي ذلك، قال: فلو أبصرت رجلا في الكعبة أكنت شاهدا أنه قد دخل المسجد الحرام)، قيل: نعم قال وكيف ذلك؟ قيل: لا يصل إلى دخول الكعبة حتى يدخل المسجد، قال: أصبت وأحسنت، كذلك الإيمان والإسلام(2).
3. روي عن أبي بصير قال كنت عند الإمام الباقر فقال له رجل: أصلحك الله إن بالكوفة قوما يقولون مقالة ينسبونها إليك، فقال: وماهي؟ قال يقولون إن الإيمان غير الإسلام، فقال الإمام الباقر أنّه قال: نعم، فقال له الرجل: صفه لي، قال من شهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله، وأقر بما جاء به من عند الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام شهر رمضان، وحج البيت فهو مسلم.. قلت: فالإيمان؟ قال من شهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم وأقر بما جاء من عند الله، وأقام الصلاة، وآتى الزكاة، وصام شهر رمضان، وحج البيت، ولم يلق الله بذنب أو عد عليه النار فهو مؤمن، قال أبو بصير: جعلت فداك وأينا لم يلق الله بذنب اوعد عليه النار؟ فقال: ليس هو حيث تذهب، إنما هو لم يلق الله بذنب اوعد عليه النار ولم يتب منه(3).
4. روي أنّه قال: القائم إذا قام بأي سيرة يسير في الناس؟ فقال: بسيرة ما سار به رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم حتى يظهر الإسلام، قيل: وما كانت سيرة رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم؟ قال أبطل ما كان في الجاهلية، واستقبل الناس بالعدل، وكذلك القائم إذا قام يبطل ما كان في الهدنة مما كان في أيدي الناس، ويستقبل بهم العدل(4).
5. روي أنّه قال: لولا أن الإمام علي سار في أهل حربه بالكف عن السبي والغنيمة للقيت شيعته من الناس بلاء عظيما، والله لسيرته كانت خيرا لكم مما طلعت عليه الشمس(5).
6. روي أنّه قال: ان الإمام علي لم يكن ينسب أحدا من أهل حربه إلى الشرك ولا إلى النفاق، ولكنه كان يقول: هم إخواننا بغوا علينا(6).
__________
(1) تفسير العياشى 1/166.
(2) الكافى: 2/26.
(3) معانى الاخبار: ص 381.
(4) التهذيب: 6/154/270.
(5) علل الشرائع: 150/10.
(6) قرب الإسناد: 45.
ابن الزبير:
روي عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت 115 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: أي: ما أنت عليه ـ يا محمد ـ من التوحيد للرب، والتصديق للرسل(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾: يعني: النصارى(2).
3. روي أنّه قال: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ الذي جاءك، أي: أن الله الواحد الذي ليس له شريك(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٨٢.
(2) ابن جرير: ٥/٢٨٤.
قتادة:
روي عن قتادة بن دعامة (ت 117 هـ) أنّه قال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله، والإقرار بما جاء به من عند الله، وهو دين الله الذي شرع لنفسه، وبعث به رسله، ودل عليه أولياءه، لا يقبل غيره، ولا يجزي إلا به(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٨١.
الصادق:
روي عن الإمام الصادق (ت 148 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: في وصيته لأصحابه: اعلموا أن الله إذا أراد بعبد خيرا شرح صدره للإسلام، فإذا أعطاه ذلك نطق لسانه بالحق، وعقد قلبه عليه فعمل به، فإذا جمع الله له ذلك تم له إسلامه، وكان عند الله ـ إن مات على ذلك الحال ـ من المسلمين حقا، وإذا لم يرد الله بعبد خيرا وكله إلى نفسه، وكان صدره ضيقا حرجا، فإن جرى على لسانه حق لم يعقد قلبه عليه، وإذا لم يعقد قلبه عليه لم يعطه الله العمل به، فإذا اجتمع ذلك عليه حتى يموت وهو على تلك الحال، كان عند الله من المنافقين، وصار ما جرى على لسانه من الحق الذي لم يعطه الله أن يعقد قلبه عليه، ولم يعطه العمل به حجة عليه، فاتقوا الله، وسلوه أن يشرح صدوركم للإسلام، وأن يجعل ألسنتكم تنطق بالحق حتى يتوفاكم وأنتم على ذلك، وأن يجعل منقلبكم منقلب الصالحين قبلكم، ولا قوة إلا بالله والحمد لله رب العالمين(1).
2. روي أنّه سئل عن طائفتين من المؤمنين إحداهما باغية، والأخرى عادلة، فهزمت العادلة الباغية، فقال: ليس لأهل العدل أن يتبعوا مدبرا، ولا يقتلوا أسيرا، ولا يجهزوا على جريح، وهذا إذا لم يبق من أهل البغي أحد، ولم يكن فئة يرجعون إليها، فإذا كانت لهم فئة يرجعون إليها فإن أسيرهم يقتل، ومدبرهم يتبع وجريحهم يجاز عليه(2).
3. روي أنّه قال: إذا كان المؤمن يحاسب تنتظره أزواجه على عتبات الأبواب كما ينتظرون أزواجهن في الدنيا من عند العتبة، قال فيجيء الرسول فيبشرهن، فيقول: قد والله انقلب فلان من الحساب، قال فيقلن: بالله؟ فيقول: قد والله لقد رأيته انقلب من الحساب، قال فإذا جاءهن قلن: مرحبا وأهلا، ما أهلك الذين كنت عندهم في الدنيا بأحق بك منا(3).
4. روي أنّه قال: قال قال رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم: إن الله عز وجل يقول: ويل للذين يختلون الدنيا بالدين، وويل للذين يقتلون الذين يأمرون بالقسط من الناس، وويل للذين يسير المؤمن فيهم بالتقية، أبي يغترون، أم علي يجترؤون؟ فبي حلفت لأمتحننهم بفتنة تترك الحكيم منهم حيرانا(4).
5. روي أنّه قال: إنّ الله عزّ وجلّ أوحى إلى نبيّ من الأنبياء في مملكة جبّار من الجبابرة أن ائت هذا الجبّار فقل له: إنّي لم أستعملك على سفك الدماء واتّخاذ الأموال وإنّما استعملتك لتكفّ عنّي أصوات المظلومين فإنّي لن أدع ظلامتهم وإن كانوا كفّارا(5).
6. روي أنّه قال: اتقوا الله واعدلوا فإنكم تعيبون على قوم لا يعدلون(6).
7. روي أنّه قال: العدل أحلى من الماء يصيبه الظمآن، ما أوسع العدل إذا عدل فيه وان قل(7).
__________
(1) روضة الكافي: ۲ ـ ۱٤.
(2) الكافي: 5/32/2.
(3) الزهد للحسين بن سعيد: ص 91.
(4) الكافي: 2/226.
(5) عقاب الأعمال: ص321.
(6) الكافي: 2/118/14.
(7) الكافي: 2/117/11.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾، يعني: اليهود والنصارى في هذا الدين(1).
2. روي أنّه قال: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾، يعني: بيان أمر محمد صلّى الله عليه وآله وسلم؛ لأنهم كانوا مؤمنين بمحمد صلّى الله عليه وآله وسلم من قبل أن يبعث رسولا، فلما بعث محمد صلّى الله عليه وآله وسلم من ولد إسماعيل تفرقوا؛ ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾(1).
3. روي أنّه قال: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾، يعني: القرآن، يعني: اليهود(1).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٧.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي:
الديلمي:
ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ والدين هنا الطاعة لله فكأنه قال إن الطاعة لله الإسلام وأصل الإسلام مأخوذ من السلم لأنه يعود إلى السلامة، ويحتمل أن يكون من التسليم لأمر الله في كل ما أمر بطاعته.
2. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يعني أهل الكتاب من اليهود والنصارى، والكتاب الجنس في هذا الموضع، والبغي الذي كان بينهم هو عدولهم عن الحق.
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/135.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال قائلون: إن الدّين الذي هو حق، والدّين الذي أمر الله تعالى به وفيه التوحيد هو دين الإسلام، لا غيره؛ ألا ترى أنه قال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا﴾ [آل عمران: 67]: أخبر عز وجل أن إبراهيم عليه السلام ليس على دين سوى دين الإسلام، والإسلام هو الإخلاص، على ما ذكرنا فيما تقدم، وعن ابن عباس قال: (شهد الله أنّه لا إله إلّا هو، والملائكة شهدوا وأولو العلم: أنّ الدّين عند الله الإسلام، وأنّه قائم بالقسط، والقسط: هو العدل في جميع القرآن)
2. قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يحتمل وجهين.
أ. يحتمل الاختلاف: التفرق، أي: تفرقوا في الكفر؛ كقوله: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ الآية [آل عمران: 105]
ب. ويحتمل: الاختلاف: نفس الاختلاف في الدين؛ كقوله: ﴿وَلَكِنِ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ﴾ [البقرة: 253]: أخبر أنهم لم يختلفوا عن جهل؛ ولكن عن علم وبيان؛ كقوله: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾
3. قوله تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يحتمل وجهين:
أ. يحتمل: أي: لم يختلفوا إلا من بعد ما علموا وعرفوا.
ب. ويحتمل: أي: لم يختلفوا إلا من بعد ما أوتوا أسباب: ما لو تفكروا وتدبّروا ـ لوقع العلم لهم بذلك والبيان، لكنهم تعنتوا وكابروا؛ فاختلفوا.
4. في الآية دليل ألا يجوز أن يفسّر قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]، وقوله: ﴿إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ﴾ [البقرة: 210] ونحوه: بالانتقال من حال إلى حال، أو من مكان إلى مكان؛ لأنه ذكر مجيء العلم، والعلم لا يوصف بالمجيء ولا ذهاب، وكذلك قوله: ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ﴾ [الإسراء: 81]: ذكر مجيء الحق وزهق الباطل؛ فهما لا يوصفان بمجيء الأجسام، وذهابهم بالانتقال والتحول من مكان إلى مكان، ولا يعرف ذلك ولا يصرف إليه؛ فعلى ذلك لا جائز أن يصرف قوله: ﴿وَجَاءَ رَبُّكَ﴾ [الفجر: 22]، ﴿اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾ [يونس: 3]، ونحوه ـ إلى المعروف من استواء الخلق ومجيئهم؛ لتعاليه عن ذلك، قال والمجيء لا يكون عن الانتقال خاصة؛ بل يكون مرة ذاك وأخرى غيره، وكذلك الإتيان.
5. قوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يحتمل وجهين:
أ. يحتمل: حسدا بينهم؛ لأنهم طمعوا أن يبعث الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم من بنى إسرائيل، على ما بعث سائر الرسل بعد إسرائيل منهم، فلما بعث من غير بنى إسرائيل حسدوه، وخالفوا دينه الإسلام.
ب. ويحتمل (بغيا): من البغي، وهو الجور.
6. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: من المختلفين، ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ كأنه على الإضمار ـ أن قل يا محمد: ومن يكفر بآيات الله من بعد ما جاءهم العلم والبيان، فإن الله سريع الحساب، وله ثلاثة أوجه؛ لأن ظاهر الجواب على غير إضمار أن يكون: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: العذاب ـ والله أعلم ـ سمى به؛ لأن بعد الحساب عذاب؛ لقوله صلّى الله عليه وآله وسلم: (من نوقش الحساب عذّب)، فجعل الحساب عذابا، ثم أخبر عزّ وجل أنه سريع الحساب، لا كحساب الذي يكون بين الخلق؛ لأن الخلق تشغلهم أسباب، وتمنعهم أشياء يحتاجون إلى التفكر والتدبّر، والله يتعالى عن أن يشغله شيء أو يمنعه معنى، جلّ الله عن ذلك، وقيل: على التقريب حسابه سريع؛ كأن قد جاء لقربه.
﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾: هو شهادة ربوبية، لا يتوهم له كيفية، ولا يخطر بالبال له المائية، ولا يحتمل الوصول إلى حقيقة ذلك بالتفكر، ولا أن يُحتمل بلوغُ العقل الوقوفَ على ذلك؛ إذ هو خَلْق قصر عن الإحاطة بمائية نفسه، وعن إدراك وجه قيامه بالذي ركب أو تجديد من حيث نفسه، وهو تحت جميع ما ذكرت، إذ هو خلق وحَدَث جرى عليه التدبير، ودخل تحت التقدير؛ فالربوبية أحق أن ينحسر عنها الأوهام، وتَكِلُّ عن توهم إدراكها الأفهام؛ وعلى ذلك أمر تكوين اللَّه الأشياءَ، على ما شهدت الأشياء، التي هي تحت التكوين في العبارة، لا على توهمٍ في التكوين معنى تحتمله الأفهام، أو تبلغه العقول؛ وإنما هو عبارة بها جعل لا يقف على العبارات عن المتعالي عن صفات الخلق، المحقق له الجلال عن جهاتهم إلا من حيث المفهوم في الخلق، للتقريب إلى الأفهام دون تحقيق المفهوم، مما عن العبارة عنه ـ قدرت العبارات في الإخبار عن اللَّه تعالى، عن ذلك وعلى هذا القول اللَّه والرحمن وجميع ما يتعارف الخلق من الأسماء على ما يقرب من الأفهام ـ المراد بها لا تحقيق الحروف، أو إدخال تحت تركيب الكلام وتأليف العبارة، وهذا معنى معرفة وحدانيته من جهة ضرورات توجب المعرفة، على الوصف بالسبحانية له عن معاني جميع المعروفين، وباللَّه العصمة والمعونة، ثم:
أ. قد يحتمل أن يؤذن في العبارة عن ذلك بما هو ألطف وأدفع للتوهم: توهم ما لعل للقلب عند ذكر الشهادة فضل حيرة، ليس عند تلك العبارة، وذلك يخرج على وجوه في الاحتمال؛ لما يسعه عقولنا دون القطع على شيء مما وقع عندنا من الرجوع إليه واللَّه سبحانه أعلم من ذلك بشهادة الخلائق كلهم: ما فيها من آثار الصنعة، ودلالة الربوبية، وشهادة الألوهية؛ لتكون شهادة بالذي ذكر: بأن. لا إله إلا هو، إذ في كل شيء سواه هذه الشهادة بالصفة التي جعلها هو فيه له.
ب. والثاني: أن يكون بذاته متعاليًا عن جميع معاني من سواه من المعاني التي أدخلتها اسم مربوب، وظهر كل شيء في الحقيقة له عند توهم المعبود، لا وليس فيما جمعه الله بشهادة من ذكر توهم معنى لشهادته بما هو بشهادة من ذكر.
7. مع ما قد يحتمل لما جمع إلى شهادته شهادة من ذكر وجهان:
أ. أحدهما: فضل من ذكر بما ذكر شهادته عند ذكر شهادتهم؛ على نحو قوله: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لله خُمُسَهُ﴾ الآية [الأنفال: 41]؛ ذكر ما له، وإن كان له الخلق كله؛ بوجهين:
• أحدهما: بما جعل ذلك لوجوه العبادة؛ كما أضاف إليه المساجد على أنها وغيرها له، وذكر في الملائكة الذين عنده في أمر القيامة، وإليه المصير، ونحو ذلك، إما مخصوص لما ذكر من الأوقات في فضل أو غير جعل له.
• أو لما كان ذلك لرسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم نسب إليه، أو كان لكلية المعاني للعبادة؛ فمثله أمر شهادات من ذكرتها بشهادة الله؛ تفضلا لأولئك وتخصيصا، من بين الخلائق.
ب. الثاني: على كون الشهادة من الإخبار بحق الأمر، نسبه إليه؛ كما نسب إليه كتابة الألواح ونفخ جبريل الروح بما كان منه أمر به؛ فكذا فعله في الإضافة إليه.
8. ثم حق ذلك ـ فيما على التحقيق ـ أن يفهم ما عن الله ربوبيّة وعن العبد عبودية، على جميع ما يضاف إلى الله أنه يفهم من غير الوجه الذي يضاف إلى الخلق؛ فمثله أمر الشهادة.
9. روي عن ابن عباس أنه قال ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ على معنى جعل أنّه صلة في الكلام، وحقيقته: شهد الله الذي لا إله إلا هو، والملائكة، ومن ذكر: أن الدّين عند الله الإسلام، والإسلام ـ في الحقيقة ـ: جعل كلية الأشياء لله له، لا شريك له فيها: في ملك، ولا إنشاء، ولا تقدير، والإيمان: التصديق بشهادة كلية الأشياء لله تعالى، بأنه ربّها وخالقها على ما هي عليها، جلّ عن الشركاء، وقد قيل: الإسلام: خضوع، وقيل: الإخلاص، وهو يرجع إلى ما بيّنا، وذلك كقوله: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: 29]
10. الإيمان: هو التصديق لله تعالى] بما أخبر أنه ربّ كل شيء، وأن له الخلق والأمر، وقيل: هو التصديق بما جاءت به الرسل، وذلك يرجع إلى ما بينّا، أيضا.
11. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾:
أ. قيل: هو عادل لا يجور، لا أن للقيام معنى في ذلك؛ كقوله: ﴿كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ﴾ [النساء: 135] بمعنى: كونوا عادلين مقسطين.
ب. وقيل: قيام تولّ وحفظ، أو كفاية وتدبير؛ كما يقال: فلان قائم بأمر كذا، لا على توهم انتصاب؛ وعلى ذلك قوله: ﴿أَفَمَنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ﴾ [الرعد: 33]
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/332.
الماوردي:
ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: أن المتدين عند الله بالإسلام من سلم من النواهي.
ب. الثاني: أن الدين هنا الطاعة، فصار كأنه قال إن الطاعة لله هي الإسلام.
2. في أصل الإسلام قولان:
أ. أحدهما: أن أصله مأخوذ من السّلام وهو السلامة، لأنه يعود إلى السلامة.
ب. الثاني: أن أصله التسليم لأمر الله في العمل بطاعته.
3. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في أهل الكتاب الذين اختلفوا ثلاثة أقاويل:
أ. أحدها: أنهم أهل التوراة من اليهود، قاله الربيع.
ب. الثاني: أنهم أهل الإنجيل من النصارى، قاله محمد بن جعفر بن الزبير.
ج. الثالث: أنهم أهل الكتب كلها، والمراد بالكتاب الجنس من غير تخصيص، وهو قول بعض المتأخرين.
4. فيما اختلفوا فيه ثلاثة أقاويل:
أ. أحدها: في أديانهم بعد العلم بصحتها.
ب. الثاني: في عيسى وما قالوه فيه من غلو وإسراف.
ج. الثالث: في دين الإسلام.
5. في قوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وجهان:
أ. أحدهما: طلبهم الرئاسة.
ب. الثاني: عدولهم عن طريق الحق.
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/380.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. قرأ ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ بفتح الهمزة الكسائي وحكي ذلك عن ابن مسعود، الباقون بكسرها وقد بينا الوجه فيه، معنى الدين هاهنا الطاعة فمعناه ان الطاعة لله عز وجل هي الإسلام، قال الأعشى:
çهو دان الرباب إذ كرهوا الد...ين دراكا بغزوة وصيالé
ومعناه ذلّلهم للطاعة إذ كرهوا الطاعة، والدين الجزاء، من قولهم كما تدين تدان أي كما تجزي تجزى، ومنه قوله: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ أي يوم الجزاء، وسميت الطاعة ديناً، لأنها للجزاء، ومنه الدين، لأنه كالجزاء في وجوب القضاء.
2. الإسلام أصله السلم، فأسلم معناه دخل في السلم كقولهم أقحط بمعنى دخل القحط وأربع دخل في الربيع، وأصل السلم السلامة، لأنه انقياد على السلامة، ويصلح أن يكون أصله التسليم، لأنه تسليم، لأمر الله، والتسليم من السلامة، لأنه تأدية الشيء على السلامة من الفساد والنقصان، فالإسلام: هو تأدية الطاعات على السلامة من الإدغال، والإسلام، والايمان عندنا(2) وعند المعتزلة بمعنى واحد غير أن عندهم أن فعل الواجبات من أفعال الجوارح من الايمان، وعندنا أن أفعال الواجبات من أفعال الجوارح من الايمان وعندنا أن أفعال الواجبات من أفعال القلوب ـ التي هي التصديق ـ من الايمان، فأما أفعال الجوارح، فليست من الايمان، وإن كانت واجبة، وقد بينا ذلك في ما مضى وسنبينه إن شاء الله.
3. الإسلام: يفيد الانقياد لكل ما جاء به النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من العبادات الشرعية وترك النكير عليه، والاستسلام له، فإذا قلنا: دين المؤمن هو الايمان، وهو الإسلام، فالإسلام هو الايمان، ونظير ذلك قولنا: الإنسان، والإنسان حيوان على الصورة الانسانية، فالحيوان على الصورة الانسانية بشر.
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾:
أ. قال الربيع: المراد بالكتاب: التوراة.
ب. وقال محمد بن جعفر بن الزبير: هو الإنجيل.
ج. وقال الجبائي: خرج مخرج الجنس، ومعناه كتب الله المتقدمة التي بين فيها الحلال والحرام.
5. الاختلاف ذهاب أحد النفيسين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر فهذا الاختلاف في الأديان، فأما الاختلاف في الأجناس، فهو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر فيما يرجع إلى ذاته.
6. البغي: طلب الاستعلاء بالظلم وأصله من بغيت الحاجة إذا طلبتها، وليس في الآية ما يدل على أن الذين اختلفوا بغياً كانوا معاندين، لأن البغي قد يحمل على العدول عن طريق العلم، كما يحمل على عناد أهل العلم، ولأنه قد يقع الخلف بينهم وإن كانوا بأجمعهم مبطلين، كاختلاف اليهود والنصارى في المسيح، فنسبه النصارى إلى الإلهية، واليهود إلى الفرية.
7. العامل في ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ يحتمل أمرين:
أ. أحدهما: (اختلف) هذا المذكور، وتقديره: وما اختلف فيه بغياً بينهم إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءهم العلم، هذا قول الأخفش.
ب. وقال الزجاج: نصبه محذوف دل عليه اختلف المذكور، وتقديره اختلفوا بغياً بينهم، وقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ معناه: من يجحد آيات الله يعني أدلته وبيناته ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ وفي الآخر سريع الحساب للجزاء.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/419.
(2) يقصد الإمامية
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. الدين: الطاعة، وقيل: أصله الجزاء من قولهم: كما تدين تدان، وقيل: أصله العادة، ومنه: (أَهَذَا دِينُهُ أَبدًا وَدِينِي)، ثم نقل في الشرع وجعل اسمًا لجميع الطاعات والإيمان.
ب. الإسلام أصله من السلم، وهو الصلح، وأسلم دخل في الصلح كقولهم: (أحرب دخل في الحرب)، و(أربع دخل في الربيع)، وقيل: أصله الاستسلام، وهو الانقياد، ثم نقل في الشرع إلى أداء جميع الطاعات، والإيمان والإسلام والدين في الشرع نظائر.
ج. الخلاف نقيض الوفاق، والوفاق: كل شيئين سد أحدهما مسد الآخر فيما يرجع إلى أدائهما، والاختلاف ألا يسد مسده في ذلك.
د. البغي: طلب الاستعلاء بالظلم، أصله من بغيت الشيء: طلبته.
2. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾:
أ. قيل: الطاعة عند اللَّه من يدين بدين الإسلام.
ب. وقيل: الدين الحق هو الإسلام ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾:
ج. قيل: الكتاب التوراة، والَّذِينَ أوتوا الكتاب اليهود، عن الربيع، قال: عهد موسى إليهم، وأقام فيهم يوشع، فلما مضى ثلاثة قرون اختلفوا.
د. وقيل: الكتاب الإنجيل، والَّذِينَ أوتوا الكتاب النصارى اختلفوا في أمر عيسى، عن أبي جعفر محمد بن الزبير.
هـ. وقيل: إنه خرج مخرج الجنس معناه معه كتب اللَّه المتقدمة، واختلفوا بعدها في الدين، عن أبي علي.
3. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾:
أ. قيل: العلم بأن دين اللَّه الإسلام.
ب. وقيل: العلم بالحق.
ج. وقيل: العلم بأن محمدًا نبي.
د. وقيل: العلم بأن عيسى عبد اللَّه ورسوله.
4. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾:
أ. قيل: أي ظلمًا وحسدًا.
ب. وقيل: هم أهل العناد.
ج. وقيل: المراد بالعلم الآيات والحجج، والمختلفون جميع المبطلين.
5. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ بحججه:
أ. قيل: التوراة والإنجيل وما فيها من صفة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم.
ب. وقيل: القرآن وما دل عليه.
6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
أ. قيل: لا يفوته شيء من أعمالهم لأنه سريع الحساب.
ب. وقيل: سريع الجزاء، عن الأصم.
ج. وقيل: عن قريب يأخذه ويعاقبه.
7. تدل الآية الكريمة على:
أ. يدل قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ على أن الدين والإسلام واحد، خلاف قول بعضهم.
ب. يدل آخر الآية أن الاختلاف في الدين مذموم، وذلك يخص أصول الدين، فأما الشرعيات فكل مجتهد فيها مصيب.
ج. عظم إظهار خلاف العلم.
د. وقوع المحاسبة، وذلك يدل أن أفعال العباد حادثة من جهتهم.
هـ. أن الله تعالى ليس بجسم؛ إذ لوْ كان كذلك لاحتاج في المحاسبة إلى أوقات ممتدة.
8. قرأ الكسائي ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ بالفتح بإيقاع الشهادة على ﴿أَنْ﴾، والباقون بالكسر على الاستئناف.
9. مسائل نحوية:
أ. ﴿الدِّينَ﴾ اسم ﴿أَنْ﴾، و﴿الْإِسْلَامِ﴾ خبره.
ب. ﴿بَغْيًا﴾ نصب، والعامل محذوف دل عليه قوله: ﴿اخْتَلَفَ﴾، عن الزجاج، وقيل: بل العامل فيه ﴿اخْتَلَفَ﴾ على تقدير: وما اختلف فيه بغيًا بينهم إلا الَّذِينَ أوتوه، عن الأخفش، وقيل: نصب على المصدر أي بغوا بَغْيًا، وقيل: على الحال أي في حال البغي.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/193.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. معنى الدين هاهنا: الطاعة، وأصله الجزاء، وسميت الطاعة دينا، لأنها للجزاء، ومنه الدين لأنه كالجزاء في وجوب القضاء.
ب. الإسلام: أصله السلم، معناه: دخل في السلم، وأصل السلم: السلامة، لأنها انقياد على السلامة، ويصلح أن يكون أصله التسليم، لأنه تسليم لأمر الله، والتسليم: من السلامة، لأنه تأدية الشئ على السلامة من الفساد، فالإسلام: هو تأدية الطاعات على السلامة من الإدغال، والإسلام والإيمان بمعنى واحد عندنا (2) وعند المعتزلة، غير أن عندهم: الواجبات من أفعال الجوارح من الإيمان، وعندنا: الإيمان من أفعال القلوب الواجبة وليس من أفعال الجوارح، وقد شرحناه في أول البقرة، والإسلام: يفيد الانقياد لكل ما جاء به النبي صلّى الله عليه وآله وسلم من العبادات الشرعية، والاستسلام به، وترك النكير عليه، فإذا قلنا: دين المؤمن هو الإيمان وهو الاسلام، فالإسلام هو الإيمان، ونظير ذلك قولنا: الانسان بشر، والإنسان حيوان على الصورة الانسانية، فالحيوان على الصورة الانسانية بشر، والاختلاف: ذهاب أحد النفسين إلى خلاف ما ذهب إليه الآخر، فهذا الاختلاف في الأديان، فأما الاختلاف في الأجناس فهو امتناع أحد الشيئين أن يسد مسد الآخر، فيما يرجع إلى ذاته.
ج. البغي: طلب الإستعلاء بالظلم، وأصله من بغيت الحاجة: إذا طلبتها.
2. ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ أي: الطاعة ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ هو ﴿الْإِسْلَامِ﴾ وقيل: المراد بالإسلام التسليم لله ولأوليائه، وهو التصديق، وروي عن أمير المؤمنين عليه السلام في خطبة له أنه قال: لأنسبن الاسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الاسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل، رواه علي بن إبراهيم في تفسيره قال: ثم قال: إن المؤمن أخذ دينه عن ربه، ولم يأخذه عن رأيه: إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله، وإن الكافر يعرف كفرانه بإنكاره.
3. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ معناه: وما اختلف اليهود والنصارى في صدق نبوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، لما كانوا يجدونه في كتبهم بنعته وصفته ووقت خروجه ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ بعد ما جاءهم العلم.
4. ثم أخبر الله تعالى عن علة اختلافهم، فقال ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي: حسدا وتقديره: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم، إلا من بعد ما جاءهم العلم، والعلم المذكور:
أ. يجوز أن يراد به البينات التي هي طرق العلم، فيدخل فيه المبطلون من أهل الكتاب، علموا أو لم يعلموا.
ب. ويحتمل أن يراد به نفس العلم، فلا يدخل فيه إلا من علم بصفة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم وكتمه عنادا.
5. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾:
أ. قيل: المراد بالذين أوتوا الكتاب: اليهود، والكتاب: التوراة، لما عهد موسى عليه السلام إليهم، وأقام فيهم يوشع بن نون، ومضى ثلاثة قرون واختلفوا، عن الربيع.
ب. وقيل: المراد بالذين أوتوا الكتاب: النصارى، والكتاب: الإنجيل، واختلفوا في أمر عيسى عليه السلام، عن محمد بن جعفر بن الزبير.
ج. وقيل: خرج مخرج الجنس، ومعناه كتب الله المتقدمة، واختلفوا بعدها في الدين، عن الجبائي.
6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾:
أ. قيل: أي: بحججه.
ب. وقيل: بالتوراة والإنجيل، وما فيهما من صفة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم.
ج. وقيل: بالقرآن، وما دل عليه.
7. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾:
أ. قيل: أي: لا يفوته شئ من أعمالهم.
ب. وقيل: معناه سريع الجزاء.
8. حقيقة الحساب أن تأخذ ما لك، وتعطي ما عليك.
9. قرأ الكسائي ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ بفتح الألف، والباقون بالكسر.. قال أبو علي: الوجه الكسر في ﴿أَن﴾ لأن الكلام الذي قبله قد تم، ومن فتح أن جعله بدلا، والبدل وإن كان في تقدير جملتين، فإن العامل لما لم يظهر أشبه الصفة، فإذا جعلته بدلا، جاز أن تبدله من شيئين أحدهما: من قوله ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ فكان التقدير: شهد الله أن الدين عند الله الاسلام، فيكون البدل من الضرب الذي الشئ فيه هو هو، وإن شئت جعلته من بدل الاشتمال لأن الاسلام يشتمل على التوحيد والعدل، وإن شئت جعلته من القسط، لأن الدين الذي هو الاسلام قسط وعدل، فيكون من البدل الذي الشئ فيه هو هو، وقال غيره: إن الأولى والثانية يجوز في العربية فتحهما جميعا وكسرهما جميعا، وفتح الأولى وكسر الثانية، وكسر الأولى وفتح الثانية، فمن فتحهما أوقع الشهادة على أن الثانية، وحذف الإضافة من الأولى، وتقديره: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الاسلام، ومن كسرهما اعترض بالأولى على التعظيم لله تعالى به، كما قيل: لبيك إن الحمد والنعمة لك، وكسر الثانية على الحكاية، لأن معنى شهد معنى قال، قال المؤرج: شهد بمعنى قال في لغة قيس عيلان، ومن فتح الأولى وكسر الثانية وهو الأجود، وعليه أكثر القراء، أوقع الشهادة على الأولى، واستأنف الثانية، ومن كسر الأولى وفتح الثانية اعترض بالأولى، وأوقع الشهادة على الثانية.
10. ﴿بَغْيًا﴾: نصب على وجهين أحدهما: على أنه مفعول له، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب للبغي بينهم، مثل: حذر الشر، ونحو ذلك، وقيل: إنه منصوب بما دل عليه وما اختلف، كأنه لما قيل ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ دل على وما بغى الذين أوتوا الكتاب، فحمل بغيا عليه.
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/718.
(2) يقصد الإمامية
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قال أبو سليمان الدّمشقيّ: لما ادّعت اليهود أنه لا دين أفضل من اليهوديّة، وادّعت النّصارى أنه لا دين أفضل من النّصرانية، نزلت هذه الآية.
2. قال الزّجّاج: الدّين: اسم لجميع ما تعبّد الله به خلقه، وأمرهم بالإقامة عليه، وأن يكون عادتهم، وبه يجزيهم، وقال شيخنا عليّ بن عبيد الله: الدّين: ما التزمه العبد لله عزّ وجلّ.
3. قال ابن قتيبة: والإسلام الدّخول في السّلم، أي: في الانقياد والمتابعة، ومثله الاستسلام، يقال: سلّم فلان لأمرك، واستسلم، وأسلم، كما تقول: أشتى الرجل، أي: دخل في الشّتاء، وأربع: دخل في الرّبيع.
4. في الذين أوتوا الكتاب ثلاثة أقوال:
أ. أحدها: أنهم اليهود، قاله الرّبيع.
ب. الثاني: أنهم النّصارى، قاله محمّد بن جعفر بن الزّبير.
ج. الثالث: أنهم اليهود، والنّصارى، قاله ابن السّائب، وقيل:
5. الكتاب هاهنا: اسم جنس بمعنى الكتاب.
6. في الذين اختلفوا فيه أربعة أقوال:
أ. أحدها: دينهم.
ب. الثاني: أمر عيسى.
ج. الثالث: دين الإسلام، وقد عرفوا صحّته.
د. الرابع: نبوة محمّد صلّى الله عليه وآله وسلم، وقد عرفوا صفته.
7. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي: الإيضاح لما اختلفوا فيه ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ قال الزّجّاج: معناه: اختلفوا للبغي، لا لقصد البرهان، وقد ذكرنا في (البقرة) معنى: سريع الحساب.
__________
(1) زاد المسير: 1/268.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ اتفق القرّاء على كسر (إن) إلا الكسائي فإنه فتح (أن) وقراءة الجمهور ظاهرة، لأن الكلام الذي قبله قد تم، وأما قراءة الكسائي فالنحويون ذكروا فيه ثلاثة أوجه:
أ. الأول: أن التقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام وذلك لأن كونه تعالى واحداً موجب أن يكون الدين الحق هو الإسلام لأن دين الإسلام هو المشتمل على هذه الوحدانية.
ب. الثاني: أن التقدير: شهد الله أنه لا إله إلا هو، وأن الدين عند الله الإسلام.
ج. الثالث: وهو قول البصريين أن يجعل الثاني بدلًا من الأول، ثم إن قلنا بأن دين الإسلام مشتمل على التوحيد نفسه كان هذا من باب قولك: ضربت زيداً نفسه، وإن قلنا: دين الإسلام مشتمل على التوحيد كان هذا من باب بدل الاشتمال، كقولك: ضربت زيداً رأسه، سؤال وإشكال: فعلى هذا الوجه وجب أن لا يحسب إعادة اسم الله تعالى كما يقال: ضربت زيداً رأس زيد، والجواب: قد يظهرون الاسم في موضع الكناية، قال الشاعر: (لا أرى الموت يسبق الموت شي)، وأمثاله كثيرة.
2. اختلف في علاقة الآية الكريمة بما قبلها:
أ. من قرأ أن الدين بفتح (أن) كان التقدير: شهد الله لأجل أنه لا إله إلا هو أن الدين عند الله الإسلام، فإن الإسلام إذا كان هو الدين المشتمل على التوحيد، والله تعالى شهد بهذه الوحدانية كان اللازم من ذلك أن يكون الدين عند الله الإسلام.
ب. ومن قرأ ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ بكسر الهمزة، فوجه الاتصال هو أنه تعالى بيّن أن التوحيد أمر شهد الله بصحته، وشهد به الملائكة وأولو العلم، ومتى كان الأمر كذلك لزم أن يقال ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾
3. أصل الدين في اللغة الجزاء، ثم الطاعة تسمى ديناً لأنها سبب الجزاء.
4. في معنى الإسلام في أصل اللغة أوجه:
أ. الأول: أنه عبارة عن الدخول في الإسلام أي في الانقياد والمتابعة، قال تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ﴾ [النساء: 94] أي لمن صار منقاداً لكم ومتابعاً لكم.
ب. الثاني: من أسلم أي دخل في السلم، كقولهم: أسنى وأقحط وأصل السلم السلامة.
ج. الثالث: قال ابن الأنباري: المسلم معناه المخلص لله عبادته من قولهم: سلم الشيء لفلان، أي خلص له فالإسلام معناه إخلاص الدين والعقيدة لله تعالى.
5. لفظ الإسلام في عرف الشرع: الإسلام هو الإيمان، والدليل عليه وجهان:
أ. الأول: هذه الآية فإن قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يقتضي أن يكون الدين المقبول عند الله ليس إلا الإسلام، فلو كان الإيمان غير الإسلام وجب أن لا يكون الإيمان ديناً مقبولًا عند الله، ولا شك في أنه باطل.
ب. الثاني: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ [آل عمران: 85] فلو كان الإيمان غير الإسلام لوجب أن لا يكون الإيمان ديناً مقبولًا عند الله تعالى.
6. سؤال وإشكال: قوله تعالى: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ [الحجرات: 14] هذا صريح في أن الإسلام مغاير للإيمان؟ والجواب: الإسلام عبارة عن الانقياد في أصل اللغة على ما بينا، والمنافقون انقادوا في الظاهر من خوف السيف، فلا جرم كان الإسلام حاصلًا في حكم الظاهر، والإيمان كان أيضاً حاصلًا في حكم الظاهر، لأنه تعالى قال: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ [البقرة: 221] والإيمان الذي يمكن إدارة الحكم عليه هو الإقرار الظاهر، فعلى هذا الإسلام والإيمان تارة يعتبران في الظاهر، وتارة في الحقيقة، والمنافق حصل له الإسلام الظاهر، ولم يحصل له الإسلام الباطن، لأن باطنه غير منقاد لدين الله، فكان تقدير الآية: لم تسلموا في القلب والباطن، ولكن قولوا: أسلمنا في الظاهر.
الغرض من قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ بيان إن الله تعالى أوضح الدلائل، وأزال الشبهات والقوم ما كفروا إلا لأجل التقصير.
7. في قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وجوه:
أ. الأول: المراد بهم اليهود، واختلافهم أن موسى عليه السلام لما قربت وفاته سلم التوراة إلى سبعين حبراً، وجعلهم أمناء عليها واستخلف يوشع، فلما مضى قرن بعد قرن اختلف أبناء السبعين من بعد ما جاءهم العلم في التوراة بغياً بينهم، وتحاسدوا في طلب الدنيا.
ب. الثاني: المراد النصارى واختلافهم في أمر عيسى عليه السلام بعد ما جاءهم العلم بأنه عبد الله ورسوله.
ج. الثالث: المراد اليهود والنصارى واختلافهم هو أنه قالت اليهود عزير ابن الله، وقالت النصارى المسيح ابن الله وأنكروا نبوّة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، وقالوا: نحن أحق بالنبوّة من قريش، لأنهم أميون ونحن أهل الكتاب.
8. ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ المراد منه إلا من بعد ما جاءتهم الدلائل التي لو نظروا فيها لحصل لهم العلم، لأنا لو حملناه على العلم لصاروا معاندين والعناد على الجمع العظيم لا يصح، وهذه الآية وردت في كل أهل الكتاب وهم جمع عظيم.
9. في انتصاب قوله تعالى: ﴿بَغْيًا﴾ وجهان:
أ. الأول: قول الأخفش إنه انتصب على أنه مفعول له أي للبغي كقولك: جئتك طلب الخير ومنع الشر.
ب. الثاني: قول الزجاج إنه انتصب على المصدر من طريق المعنى، فإن قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ قائم مقام قوله: وما بغى الذين أوتوا الكتاب فجعل ﴿بَغْيًا﴾ مصدراً، والفرق بين المفعول له وبين المصدر أن المفعول له غرض للفعل، وأما المصدر فهو المفعول المطلق الذي أحدثه الفاعل.
10. اختلف في معنى قوله تعالى: قوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾:
أ. قال الأخفش قوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ من صلة قوله تعالى: ﴿اخْتَلَفَ﴾ والمعنى: وما اختلفوا بغياً بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم.
ب. وقال غيره: المعنى وما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم إلا للبغي بينهم، فيكون هذا إخباراً عن أنهم إنما اختلفوا للبغي، وقال القفال: وهذا أجود من الأول، لأن:
• الأول: يوهم أنهم اختلفوا بسبب ما جاءهم من العلم.
• الثاني: يفيد أنهم إنما اختلفوا لأجل الحسد والبغي.
11. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ هذا تهديد، وفيه وجهان:
أ. الأول: المعنى فإنه سيصير إلى الله تعالى سريعاً فيحاسبه أي يجزيه على كفره.
ب. الثاني: أن الله تعالى سيعلمه بأعماله ومعاصيه وأنواع كفره بإحصاء سريع مع كثرة الأعمال.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/172.
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾، قال المبرد: التقدير: أن الدين عند الله الإسلام بأنه لا إله إلا هو، ثم حذفت الباء كما قال: أمرتك الخير، أي بالخير، قال الكسائي: أنصبهما جميعا، بمعنى شهد الله أنه كذا، وأن الدين عند الله، قال ابن كيسان: ﴿أَنّ﴾ الثانية بدل من الأولى، لأن الإسلام تفسير المعنى الذي هو التوحيد، وقرأ ابن عباس فيما حكى الكسائي ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ﴾ بالكسر ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ بالفتح، والتقدير: شهد الله أن الدين الإسلام، ثم ابتدأ فقال: إنه لا إله إلا هو، وقرأ أبو المهلب وكان قارئا ـ شهداء الله بالنصب على الحال، وعنه ﴿شَهِدَ اللَّهُ﴾، وروى شعبة عن عاصم عن زر عن أبي عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أنه كان يقرأ (أن الدين عند الله الحنيفية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية)، قال أبو بكر الأنباري: ولا يخفى على ذي تمييز أن هذا الكلام من النبي صلّى الله عليه وآله وسلم على جهة التفسير، أدخله بعض من نقل الحديث في القرآن.
2. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ الدين في هذه الآية الطاعة والملة، والإسلام بمعنى الإيمان والطاعات، قال أبو العالية، وعليه جمهور المتكلمين، والأصل في مسمى الايمان والإسلام التغاير، لحديث جبريل، وقد يكون بمعنى المرادفة، فيسمى كل واحد منهما باسم الآخر، كما في حديث وفد عبد القيس وأنه أمرهم بالإيمان بالله وحده وقال: هل تدرون ما الإيمان؟ قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: (شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمسا من المغنم) الحديث، وكذلك قوله صلّى الله عليه وآله وسلم: (الإيمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى وأرفعها قول لا إله إلا الله) أخرجه الترمذي، وزاد مسلم (والحياء شعبة من الإيمان)، ويكون أيضا بمعنى التداخل وهو أن يطلق أحدهما ويراد به مسماه في الأصل ومسمى الآخر، كما في هذه الآية إذ قد دخل فيها التصديق والأعمال، ومنه قول صلّى الله عليه وآله وسلم: (الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان)، أخرجه ابن ماجه، وقد تقدم، والحقيقة هو الأول وضعا وشرعا، وما عداه من باب التوسع.
3. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ الآية، أخبر تعالى عن اختلاف أهل الكتاب أنه كان على علم منهم بالحقائق، وأنه كان بغيا وطلبا للدنيا، قال ابن عمر وغيره، وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم، قاله الأخفش، قال محمد بن جعفر بن الزبير: المراد بهذه الآية النصارى، وهي توبيخ لنصارى نجران، وقال الربيع بن أنس: المراد بها اليهود، ولفظ الذين أوتوا الكتاب يعم اليهود والنصارى، أي ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني في نبوة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ يعني بيان صفته ونبوته في كتبهم، وقيل: أي وما اختلف الذين أوتوا الإنجيل في أمر عيسى وفرقوا فيه القول إلا من بعد ما جاءهم العلم بأن الله إله واحد، وأن عيسى عبد الله ورسوله.
4. ﴿بَغْيًا﴾ نصب على المفعول من أجله، أو على الحال من ﴿الَّذِينَ﴾
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/44.
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، قرأه الجمهور: بكسر إن، على أن الجملة مستأنفة مؤكدة للجملة الأولى، وقرئ: بفتح أن، قال الكسائي: أنصبهما جميعا يعني قوله: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ﴾
2. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ بمعنى شهد الله أنه كذا وأن الدين عند الله الإسلام، قال ابن كيسان: إن الثانية بدل من الأولى، وقد ذهب الجمهور: إلى أن الإسلام هنا بمعنى الإيمان وإن كانا في الأصل متغايرين، كما في حديث جبريل الذي بين فيه النبي صلّى الله عليه وآله وسلم معنى الإسلام، ومعنى الإيمان، وصدقه جبريل، وهو في الصحيحين وغيرهما، ولكنه قد يسمى كل واحد منهما باسم الآخر، وقد ورد ذلك في الكتاب والسنة.
3. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فيه الإخبار بأن اختلاف اليهود والنصارى كان لمجرد البغي؛ بعد أن علموا بأنه يجب عليهم الدخول في دين الإسلام؛ بما تضمنته كتبهم المنزلة إليهم، قال الأخفش: وفي الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: ما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلّا من بعد ما جاءهم العلم، والمراد بهذا الخلاف الواقع بينهم: هو خلافهم في كون نبينا صلّى الله عليه وآله وسلم نبيا أم لا؟ وقيل: اختلافهم في نبوّة عيسى؛ وقيل: اختلافهم في ذات بينهم، حتى قالت اليهود: ليس النصارى على شيء، وقالت النصارى: ليس اليهود على شيء.
4. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ أي: بالآيات الدالة على أن الدين عند الله الإسلام ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ فيجازيه، ويعاقبه على كفره بآياته، والإظهار في قوله: فإن الله، مع كونه مقام الإضمار: للتهويل عليهم والتهديد لهم.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/375.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ جملة مستأنفة مؤكدة للأولى، أي لا دين مرضيا لله تعالى سوى الإسلام الذي هو التوحيد والتدرع بالشريعة الشريفة ـ قاله أبو السعود ـ وفي الآية الأخرى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: 85]
2. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ مطلقا، أو اليهود، في دين الإسلام ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ أي إلا بعد أن علموا بأنه الحق الذي لا محيد عنه، ولم يكن اختلافهم لشبهة عندهم بل ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي حسدا كائنا بينهم، وطلبا للرئاسة، وهذا تشنيع عليهم إثر تشنيع.
3. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ المنزلة ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ قائم مقام جواب الشرط، علة له، أي: فإنه تعالى يجازيه ويعاقبه على كفره عن قريب، فإنه سريع الحساب.
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/297.
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. قالت اليهود: (لا دين كاليهوديَّة) والنصارى: (لا دين كالنصرانيَّة)، فنزل ﴿إنَّ الدِّينَ﴾ المرضيَّ ﴿عِندَ اللهِ﴾ أو الكائن عند الله، أو أنَّ المشروع عند الله، فـ (عندَ) متعلِّق بمحذوف كون عام نعت حذفًا واجبًا، أو بنعت محذوف جوازًا كونا خاصًّا، وليس ذلك خطأً من قائله؛ لأنَّه جرى على قول لمن تقدَّمه، ذَكَره الدماميني، أو متعلِّق بـ (الدِّين) لتأويله بـ (مشروع)؛ والتعليق باعتبار التأويل كثير نحو: (زيد أسد في الحرب)، وذلك كلُّه أولى من أن يعلَّق بنسبة الكلام، أي: أنَّ الدين محكوم له عند الله بأنَّه الإسلام؛ لأنَّ هذا معنيٌّ، وعبارة أخرى لا إعراب، ولا يجوز أن يكون حالا من اسم (إنَّ)، لأنَّه ليس لـ (إنَّ) حدث مسلَّط عليه ليكون الحال قيدا له أو تأكيدا له.
2. ﴿الاِسْلَامُ﴾ الشرع المبعوث به الرسل، المبنيُّ على التوحيد؛ فالجملة مؤكَّدة لأنَّ الشهادة بالوحدانيَّة والعدل والعزَّة والحكمة أسُّ الدين وقاعدة الإسلام، والإسلام: شهادة أن لا إله إِلَّا الله وأنَّ محمَّدًا رسول الله، والعمل بما جاء به من فعل وترك، قال عليٌّ: (إنَّ المؤمن يعرف إيمانه في عمله، وعليكم بالإسلام فإنَّ السيِّئة تُغفر فيه لا في الشرك)، وأديان الأنبياء كلِّهم إسلام، ولا ينبغي أن يختلف فيه، ألا ترى إلى قوله: ﴿وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: 102].
3. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ في دين الإسلام، إذ قال قوم: إنَّه باطل، وقوم: إنَّه حقٌّ، وقوم بأنَّه مخصوص بالعرب، وفي التوحيد إذ قال بعض اليهود: (عزير ابن الله)، وقال النسطوريَّة من النصارى: إنَّ الله ثالث ثلاثة، واليعقوبيَّة بالاتِّحاد: إنَّ الله هو المسيح، والملكانيَّة إذ قالوا بالأقانيم الثلاثة: الوجود والعلم والحياة، وسمَّوها: الأب والابن وروح القدس، وأن أُقنوم العلم انتقل إلى جسد عيسى، فجوَّزوا الانتقال، فكُتِبَت وقُرِئَت متغايرات مستقلَّة، وفي وصفهم بإيتاء الكتاب تقبيح لهم حيث اختلفوا مع إيتاء التوراة والإنجيل والزبور وغير ذلك.
4. روي أنَّ موسى عليه السلام استخلف سبعين حبرا على التوراة حين احتضر، واستخلف عليهم يوشع، واستقاموا إلى القرن الرابع فاختلفوا في الدين، ووقع فيهم الكفر والقتال حرصا على السلطنة وزخارف الدنيا، وسلَّط الله عليهم جبابرتهم، فنزلت الآية في شأنهم.
5. وقيل: (الكتاب): الجنس، و(الَّذِينَ): اليهود والنصارى، ﴿إِلَّا من بَعْدِ مَا جَآءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ التوحيد والحقُّ المطلق وعرفوه، أو مجيء العلم: دخوله قلوبَهم بفهمه بعد نزوله وتمكُّنه فيها، ﴿بَغْيًا﴾ خروجا عن الطاعة بالحسد وطلب الرئاسة، وهو يؤدِّي إلى إنكار الحقِّ، ﴿بَيْنَهُمْ﴾ واقعا بينهم، دائرا فاشيًا؛ زاد الله تعالى تقبيحهم بأنَّ اختلافهم بعد مجيء الكتاب، وأنَّه بعد مجيء العلم، وبأنَّه بالبغي، ولا حصر في ذلك إِلَّا من خارج، وما هو إِلَّا كقولك: (ما ضربت إِلَّا ابني تأديبا)، واعتبار الحصر فيه مثل اعتباره في قولك: (ما ضَرَبَ إِلَّا زيدٌ عمرا)، بمعنى ما ضرب أحدٌ أحدًا إِلَّا زيد عمرا.
6. ﴿وَمَنْ يَّكْفُرْ بِئَايَاتِ اللهِ﴾ النازلة الناطقة بالوحدانيَّة، وبأنَّ الدين عند الله الإسلام من التوراة والإنجيل والقرآن، أو الآيات الناطقة وغيرها، ﴿فَإِنَّ اللهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي: يُجازِه على كفره وما ترتَّب عليه؛ لأنَّ حسابه سريع لا بطيء فيه لا يحتاج إلى فكر، إذ علمُه قديم محيط، لا يخرج عنه شيء، أو يأتي حسابه قريبا لأَنَّ الله سريع الحساب.
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/223.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. الدين في اللغة: الجزاء والطاعة والخضوع، أي سبب الجزاء، ويطلق على مجموع التكاليف التي يدين بها العباد لله فيكون بمعنى الملة والشرع، وقالوا: إن ما يكلف الله به العباد يسمى شرعا باعتبار وضعه وبيانه، ويسمى دينا باعتبار الخضوع وطاعة الشارع به، ويسمى ملة باعتبار جملة التكاليف.
2. الإسلام مصدر أسلم وهو بيان يأتي بمعنى خضع واستسلم، وبمعنى أدى، يقال أسلمت الشيء إلى فلان إذا أديته إليه، وبمعنى دخل في السلم وهو بالفتح والكسر بمعنى الصلح والسلامة، وبالتحريك بمعنى الخالص من الشيء، ومنه قوله تعالى: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ أي خالصا له لا يشاركه فيه من يشاكسه، وتسمية دين الحق إسلاما يناسب كل معنى من معاني الكلمة في اللغة، وأظهرها آخرها في الذكر لا سيما في هذا المقام، ويؤيده الآية الآتية وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾، وقد وصف إبراهيم بالإسلام في عدة سور، ووصف غيره من النبيين بذلك، فعلم بذلك أن الحصر في قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ يتناول جميع الملل التي جاء بها الأنبياء؛ لأنه هو روحها الكلي الذي اتفقت فيه على اختلاف بعض التكاليف وصور الأعمال فيها؛ وبه كانوا يوصون، وبذلك كله تعلم أن المسلم الحقيقي في حكم القرآن من كان خالصا من شوائب الشرك بالرحمن، مخلصا في أعماله مع الإيمان، من أي ملة كان، وفي أي زمان وجد ومكان، وهذا هو المراد بقوله عز وجل: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ الآية، ذلك أن الله تعالى شرع الدين لأمرين أصليين:
أ. أحدهما: تصفية الأرواح وتخليص العقول من شوائب الاعتقاد بالسلطة الغيبية للمخلوقات، وقدرتها على التصرف في الكائنات؛ لتسلم من الخضوع والعبودية لمن هو من أمثالها، أو لما دونها في استعدادها وكمالها.
ب. وثانيهما: إصلاح القلوب بحسن القصد في جميع الأعمال، وإخلاص النية لله وللناس، فمتى حصل هذان الأمران انطلقت الفطرة من قيودها العائقة لها عن بلوغ كمالها في أفرادها وجمعياتها، وهذان الأمران هما روح المراد من كلمة الإسلام، وأما أعمال العبادات فإنما شرعت لتربية هذا الروح الأمري في الروح الخلقي؛ ولذلك شرط فيها النية والإخلاص ومتى تربى سهل على صاحبه القيام بسائر التكاليف الأدبية والمدنية التي يصل بها إلى المدينة الفاضلة وتحقيق أمنية الحكماء.
3. آه ما أشد غفلة الناس عن حقيقة الإسلام!؟ أي سعادة للناس تعلو عرفان كل فرد من أفرادهم أنه أوتي من الاستعداد ما أوتيه من يوصفون بالولاية والقداسة ويدلون بالزعامة والرياسة، فمنهم من يستعبد بها الناس استعبادا روحانيا، ومنهم من يستعبدهم بها استعبادا سياسيا، وإخلاص كل فرد من أفرادهم في عمله الديني وعمله الدنيوي للناس، هذه السعادة هي روح الإسلام وحقيقته حجبتها عن بعضهم الرسوم العلمية والتقاليد المذهبية، وعن آخرين النزعات النظرية والتقاليد الوضعية، فالأولون يرمون بالكفر أو البدعة كل من خالف مذاهبهم، والآخرون ينبذون بالغباوة والتعصب كل من لم يستعذب مشربهم، فمتى يكثر المسلمون الخالصون المخلصون للأولين والآخرين، فيكونوا حجة الله عليهم وعلى جميع العالمين، وآية الوحدة الفاضحة للمختلفين؟
4. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ قيل: إن المراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، وقيل النصارى خاصة، ويدعم هذا القول: أن الآيات نزلت في نصارى نجران كما تقدم، والصواب: أنها عامة لا تخص فريقا دون آخر، والجملة بيان لسبب خروج أهل الكتاب عن الإسلام الذي جاء به أنبياؤهم على ما تقدم في الجملة الأولى، فصاروا مذاهب وشيعا يقتتلون في الدين، والدين واحد لا تفرق فيه ولا مثار للاختلاف بله الاقتتال، وهذا السبب هو البغي وتجاوز الحدود من الرؤساء كما فصله محمد عبده تفصيلا في تفسير: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ فليراجعه من لم يقرأه، ومن كان على علم بالتاريخ وخاصة نشأة المذاهب في كل أمة، وفشو البدع في كل ملة، فهو الذي يفهم كنه المراد من هذه الآية، فلولا بغي رؤساء الدين والدنيا ونصر مذهب على مذهب لما تعصب لكل مذهب يشتق من الدين شيعة تنصره وتؤيده في كل مسألة، وتقاوم كل من يقاومه وتضلهم متوكئة على علم الدين، ومستندة إلى نصوصه بتفسير بعضها بالرأي والهوى، وتأويل بعضها وتحريفه، أو يوافق المذهب المنتحل.
5. يجب على المسلم ألا ينظم الآية في سمط أخبار التاريخ، ولا في سلك علم الملل والنحل، أو علم المناظرة والجدل، بل يتلوها متذكرا أنها ما أنزلت إلا هداية وعبرة لمن يؤمن بالقرآن؛ ليتقوا الخلاف في الدين والتفرق فيه إلى شيع ومذاهب اتباعا لسنن من قبلهم، نحن المسلمون نعتقد أن دين المسيح عليه السلام هو الإسلام الذي بينا معناه آنفا، وأن أساسه التوحيد والتنزيه، وأن الرؤساء الروحيين وغير الروحيين لا سيما الملوك والأحبار الرومانيين هم الذين بتفرقهم جعلوا ذلك الدين الإلهي الواحد مذاهب ينقض بعضها بعضا، وأهله شيعا يفتك بعضهم ببعض، وأنه لولا بغيهم لما تمزق شمل آريوس وأتباعه الذين دعوا إلى التوحيد والتنزيه بعد فشو الشرك والتشبيه، إذ حكم المجمع الذي ألفه الملك قسطنطين سنة 325 م بمقاومة آريوس وإحراق كتبه وتحريم اقتنائها، ولما انتشر تعليمه من بعده قضى تيو دو سيوس الثاني باستئصال مذهبه وإبادة الآريوسية بقانون روماني صدر في سنة 628م، وبقيت مذاهب التثليث يكافح بعضها بعضا، نحن نعيب ذلك عليهم، ولكن يجب علينا ألا ننسى أنفسنا ولا يغيب عنا ما أصبنا به من الخلاف والتفرق عسى أن يسعى أهل الإيمان الصادق والغيرة في نبذ الاختلاف والشقاق، والعود إلى الوحدة والاتفاق، كما كنا على عهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلم.
6. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الدالة على وحدة الدين ووجوب الاعتصام به وحرمة الاختلاف والتفرق فيه، وهي المراد بالعلم في قوله: ﴿إلا من بعد ما جاءهم العلم بغيا بينهم فإن الله سريع الحساب﴾ يحاسب من كفر فيجازيه بما يستحق.. أما هذا الكفر فهو عبارة عن ترك الإذعان لهذه الآيات والامتثال لها، ومن لوازمه تأويلها بما يصرفها عن معناها لتوافق مذاهب أهل التأويل.
7. كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يدعو اليهود في المدينة إلى ترك ما أحدثوه في دينهم وما اعتادوه من التحريف والتأويل، وإلى الرجوع إلى حقيقته وهي إسلام الوجه لله والإخلاص له في كل عمل كما نطقت هذه الآيات التي ورد أنها نزلت عند مجيء وفد نصارى نجران.
__________
(1) تفسير المنار: 3/258.
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ذكر الله تعالى الدستور العام الذي عليه المعوّل في كل دين فقال: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ أي إن جميع الملل والشرائع التي جاء بها الأنبياء روحها الإسلام والانقياد والخضوع، وإن اختلفت في بعض التكاليف وصور الأعمال، وبه كان الأنبياء يوصون، فالمسلم الحقيقي من كان خالصا من شوائب الشرك، مخلصا في أعماله مع الإيمان من أيّ ملة كان، وفي أي زمان وجد، وهذا هو المراد بقوله عز اسمه ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾، ذاك أن الله شرع الدين لأمرين:
أ. تصفية الأرواح وتخليص العقول من شوائب الاعتقاد بسلطة غيبية للمخلوقات بها تستطيع التصرف في الكائنات لتسلم من الخضوع والعبودية لمن هم من أمثالها.
ب. إصلاح القلوب بحسن العمل وإخلاص النية لله وللناس، وأما العبادات فإنما شرعت لتربية هذا الروح الخلقي ليسهل على صاحبه القيام بسائر التكاليف الدينية.
2. أخرج ابن جرير عن قتادة قال: الإسلام شهادة أن لا إله إلا الله والإقرار بما جاء من عند الله، وهو دين الله تعالى الذي شرع لنفسه وبعث به رسله، ودلّ عليه أولياءه لا يقبل غيره، ولا يجزى إلا به، وخطب على كرم الله وجهه قال: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل، ثم قال: إن المؤمن أخذ دينه عن ربه، ولم يأخذه عن رأيه، إن المؤمن يعرف إيمانه في عمله، والكافر يعرف كفره بإنكاره، أيها الناس دينكم دينكم، فإن السيئة فيه خير من الحسنة في غيره، إن السيئة فيه تغفر، وإن الحسنة في غيره لا تقبل.
3. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي وما خرج أهل الكتاب من الإسلام الذي جاء به أنبياؤهم على نحو ما فصلناه آنفا، وصاروا مذاهب وشيعا يقتتلون في الدين ـ والدين واحد لا مجال فيه للاختلاف والاقتتال إلا بسبب البغي وتجاوز الحدود من الرؤساء، ولولا بغيهم ونصرهم مذهبا على مذهب وتضليلهم من خالفهم بتفسيرهم نصوص الدين بالرأي والهوى وتأويل بعضه أو تحريفه لما حدث هذا الاختلاف.
4. التاريخ شهيد بأن الملوك والأحبار هم الذين جعلوا الدين المسيحي مذاهب ينقض بعضها بعضا، وجعلوا أهله شيعا يفتك بعضهم ببعض، فآريوس وأتباعه الذين دعوا إلى التوحيد بعد فشوّ الشرك، قد حكم عليهم المجمع الذي ألفه الملك قسطنطين سنة 325 م بالإلحاد وإحراق كتبهم وتحريم اقتنائها، ولما انتشرت تعاليمه فيما بعد حكم تئودوسيوس الثاني بإبادة الآريوسية بقانون رومانى صدر سنة 628 م، وبقيت مذاهب التثليث تتطاحن ويغالب بعضها بعضا.
5. العبرة من هذا القصص أن نبتعد عن الخلاف في الدين والتفرق فيه إلى شيع ومذاهب كما فعل من قبلنا، ولكن وا أسفا وقعنا فيما وقع فيه السالفون، وتفرقنا طرائق قددا، وأصابنا من الخذلان والذل بسبب هذا التفرق ما لا نزال نئنّ منه، ونرجو أن يشملنا الله بعفوه ورحمته، ويمدنا بروح من عنده؛ فيسعى أهل الإيمان الصادق في نبذ الاختلاف والشقاق، والعودة إلى الوحدة والاتفاق، حتى يعود المسلمون إلى سيرتهم الأولى في عهد النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وخلفائه الراشدين، ومن تبعهم بإحسان.
6. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ أي ومن يكفر بآيات الله الدالة على وجوب الاعتصام بالدين ووحدته وحرمة الاختلاف والتفرق فيه، ويترك الإذعان لها ـ فالله يجازيه ويعاقبه على ما اجترح من السيئات، والله سريع الحساب، والمراد بآيات الله هنا هي آياته التكوينية في الأنفس والآفاق، ويدخل في ترك الإذعان لها صرفها عن وجهها لتوافق مذاهب أهل الزيغ والإلحاد وآياته التشريعية التي أنزلها على رسله.
__________
(1) تفسير المراغي: 3/120.
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. يرتب الله تعالى على هذه الحقيقة التي عاد لتوكيدها مرتين في الآية الواحدة، نتيجتها الطبيعية.. ألوهية واحدة، فلا عبودية إلا لهذه الألوهية الواحدة: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾:
أ. ألوهية واحدة.. وإذن فدينونة واحدة.. واستسلام لهذه الألوهية لا يبقى معه شيء في نفوس العباد ولا في حياتهم خارجا عن سلطان الله.
ب. ألوهية واحدة.. وإذن فجهة واحدة هي صاحبة الحق في تعبيد الناس لها؛ وفي تطويعهم لأمرها؛ وفي إنفاذ شريعتها فيهم وحكمها؛ وفي وضع القيم والموازين لهم وأمرهم باتباعها؛ وفي إقامة حياتهم كلها وفق التعليمات التي ترضاها.
ج. ألوهية واحدة.. وإذن فعقيدة واحدة هي التي يرضاها الله من عباده، عقيدة التوحيد الخالص الناصع.
2. مقتضيات التوحيد هذه التي أسلفنا: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، الإسلام الذي هو ليس مجرد دعوى، وليس مجرد راية، وليس مجرد كلمة تقال باللسان؛ ولا حتى تصورا يشتمل عليه القلب في سكون؛ ولا شعائر فردية يؤديها الأفراد في الصلاة والحج والصيام.. لا، فهذا ليس بالإسلام الذي لا يرضى الله من الناس دينا سواه، إنما الإسلام الاستسلام، الإسلام الطاعة والاتباع، الإسلام تحكيم كتاب الله في أمور العباد.. كما سيجيء في السياق القرآني ذاته بعد قليل.
3. الإسلام توحيد الألوهية والقوامة.. بينما كان أهل الكتاب يخلطون بين ذات الله ـ سبحانه ـ وذات المسيح عليه السلام كما يخلطون بين إرادة الله وإرادة المسيح أيضا.. ويختلفون فيما بينهم على هذه التصورات اختلافا عنيفا يصل في أحيان كثيرة إلى حد القتل والقتال.. هنا يبين الله لأهل الكتاب وللجماعة المسلمة علة هذا الاختلاف: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، إنه ليس اختلافا عن جهل بحقيقة الأمر، فقد جاءهم العلم القاطع بوحدانية الله، وتفرد الألوهية، وبطبيعة البشرية، وحقيقة العبودية.. ولكنهم إنما اختلفوا ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ واعتداء وظلما؛ حينما تخلوا عن قسط الله وعدله الذي تتضمنه عقيدته وشريعته وكتبه.
4. رأينا فيما نقلناه عن المؤلف المسيحي الحديث كيف كانت التيارات السياسية تخلق هذه الاختلافات المذهبية، وليس هذا إلا نموذجا مما تكرر وقوعه في حياة اليهودية والمسيحية، وقد رأينا كيف كانت كراهية مصر والشام وما إليهما للحكم الروماني سببا في رفض المذهب الروماني الرسمي والتمذهب بمذهب آخر! كما كان حرص بعض القياصرة على التوفيق بين أجزاء مملكته سببا في ابتداع مذهب وسط، يظن أنه يوفق بين الأغراض جميعا! كأنما العقيدة لعبة تستخدم في المناورات السياسية والوطنية! وهذا هو البغي أشنع البغي عن قصد وعن علم! ومن ثم يجيء التهديد القاصم في موضعه المناسب: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وقد عد الاختلاف على حقيقة التوحيد كفرا؛ وهدد الكافرين بسرعة الحساب؛ كيلا يكون الإمهال ـ إلى أجل ـ مدعاة للجاجة في الكفر والإنكار والاختلاف.
__________
(1) في ظلال القرآن: 1/380.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. بعد أن بين الله صفته التي ينبغي أن يؤمن عليها المؤمنون، وهو أنه لا إله إلا هو المتفرد بالألوهية، القائم على ملكه بالعدل، فإلى جانب سلطانه المطلق، عدله المطلق، وهو العزيز الذي تقوم إلى جانب عزته، حكمته، فلا يخاف أحد بغيا أو عدوانا من جهة العزيز الحكيم! ـ بعد أن بيّن الله صفته على هذا الوجه، بيّن دينه الذي يدين عباده به، ويتعبدهم بشريعته، ذلكم الدين هو (الإسلام) الذي حمله رسل الله، إلى عباد الله، من آدم إلى محمد، عليهم جميعا الصلاة والسلام، يقول الله سبحانه وتعالى لنبيه الكريم: ﴿إِنَّا أَوْحَيْنا إِلَيْكَ كَما أَوْحَيْنا إِلى نُوحٍ والنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ وأَوْحَيْنا إِلى إِبْراهِيمَ وإِسْماعِيلَ وإِسْحاقَ ويَعْقُوبَ والْأَسْباطِ وعِيسى وأَيُّوبَ ويُونُسَ وهارُونَ وسُلَيْمانَ وآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً﴾، فالذي أوحاه الله إلى رسله، هو دينه الذي ارتضاه لعباده، وهو الإسلام، وفي هذا يقول سبحانه وتعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾
2. في قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ إشارة إلى ما وقع بين أصحاب الكتب السماوية من خلاف، وأنه خلاف لم يقم على عقل، ولم يستند إلى منطق، لأن الكتب التي يختلفون فيها تجيء من مصدر واحد، وتتجه نحو غاية واحدة، فيلتقى بعضها ببعض، ويصدّق بعضها بعضا، فكيف يقع بينها خلاف أو يدور عليها اختلاف؟ وكيف يؤمن الإنسان ببعض الشيء ثم يكفر ببعضه الآخر؟ إن ذلك لم يكن إلا عن بغى وعدوان بين أصحاب هذه الكتب.. فاختلاف من اختلف من أهل الكتاب، وزيغ من زاغ منهم، إنما هو عن علم، وذلك هو البغي على الحق، والعدوان على العقل!
3. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ تهديد لأهل الكتاب من اليهود والنصارى، ونذير لهم إذا اختلفوا، وكفّر بعضهم بعضا، ثم هو تحذير لهم من أن يكون شأنهم مع الكتاب الذي نزل على محمد كشأنهم فيما كان منهم مع الكتب التي نزلت على الأنبياء من قبله، وخاصة النبيين الكريمين، موسى وعيسى عليهما السّلام.. إن يفعلوا ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.. لهم في الدنيا خزى ولهم في الآخرة عذاب عظيم.
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/420.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. قرأ جمهور القرّاء ﴿إِنَّ الدِّينَ﴾ ـ بكسر همزة إنّ ـ فهو استئناف ابتدائي لبيان فضيلة هذا الدين بأجمع عبارة وأوجزها.
2. هذا شروع في أول غرض أنزلت فيه هذه السورة: غرض محاجّة نصارى نجران، فهذا الاستئناف من مناسبات افتتاح السورة بذكر تنزيل القرآن والتوراة والإنجيل، ثم بتخصيص القرآن بالذكر وتفضيله بأنّ هديه يفوق هدي ما قبله من الكتب، إذ هو الفرقان، فإنّ ذلك أسّ الدين القويم، ولما كان الكلام المتقدم مشتملا على تعريض باليهود والنصارى الذين كذبوا بالقرآن، وإبطال لقول وفد نجران لما طلب منهم الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم ـ الإسلام ـ (أسلمنا قبلك) فقال لهم: (كذبتم) روى الواحدي، ومحمد بن إسحاق: أنّ وفد نجران لما دخلوا المسجد النبوي تكلم السيد والعاقب فقال لهما رسول الله: (أسلما) قالا: (قد أسلمنا قبلك) قال: (كذبتما، يمنعكما من الإسلام دعاؤكما لله ولدا، وعبادتكما الصليب)، ناسب أن ينوّه بعد ذلك بالإسلام الذي جاء به القرآن، ولذلك عطف على هذه الجملة قوله: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾
3. جمل الكلام البليغ لا يخلو انتظامها عن المناسبة، وإن كان بعضها استئنافا، وإنّما لا تطلب المناسبة في المحادثات والاقتضابات، وتوكيد الكلام بأنّ تحقيق لما تضمنه من حصر حقيقة الدين عند الله في الإسلام: أي الدين الكامل.
4. الدين: حقيقته في الأصل الجزاء، ثم صار حقيقة عرفية يطلق على: مجموع عقائد، وأعمال يلقّنها رسول من عند الله ويعد العاملين بها بالنعيم والمعرضين عنها بالعقاب، ثم أطلق على ما يشبه ذلك مما يضعه بعض زعماء الناس من تلقاء عقله فتلتزمه طائفة من الناس، وسمّي الدين دينا لأنّه يترقب منه متّبعه الجزاء عاجلا أو آجلا، فما من أهل دين إلّا وهم يترقّبون جزاء من رب ذلك الدين، فالمشركون يطمعون في إعانة الآلهة ووساطتهم ورضاهم عنهم، ويقولون: هؤلاء شفعاؤنا عند الله، وقال أبو سفيان يوم أحد: اعل هبل، وقال يوم فتح مكة لما قال له العباس: أما آن لك أن تشهد أن لا إله إلا الله: (لقد علمت أن لو كان معه إله غيره لقد أغنى عنّي شيئا)، وأهل الأديان الإلهيّة يترقّبون الجزاء الأوفى في الدنيا والآخرة، فأول دين إلهي كان حقا وبه كان اهتداء الإنسان، ثم طرأت الأديان المكذوبة، وتشبّهت بالأديان الصحيحة، قال الله تعالى ـ تعليما لرسوله ـ ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6] وقال: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: 76]، وقد عرّف العلماء الدين الصحيح بأنّه (وضع إلهيّ سائق لذوي العقول باختيارهم المحمود إلى الخير باطنا وظاهرا)
5. الإسلام علم بالغلبة على مجموع الدّين الذي جاء به محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، كما أطلق على ذلك الإيمان أيضا، ولذلك لقب أتباع هذا الدين بالمسلمين وبالمؤمنين، وهو الإطلاق المراد هنا، وهو تسمية بمصدر أسلم إذا أذعن ولم يعاند إذعانا عن اعتراف بحق لا عن عجز، وهذا اللقب أولى بالإطلاق على هذا الدين من لقب الإيمان؛ لأنّ الإسلام هو المظهر البين لمتابعة الرسول فيما جاء به من الحق، واطّراح كل حائل يحول دون ذلك، بخلاف الإيمان فإنّه اعتقاد قلبي، ولذلك قال الله تعالى: ﴿هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ [الحج: 78] وقال: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: 20] ولأنّ الإسلام لا يكون إلّا عن اعتقاد لأنّ الفعل أثر الإدراك، بخلاف العكس فقد يكون الاعتقاد مع المكابرة.
6. ربما أطلق الإسلام على خصوص الأعمال؛ والإيمان على الاعتقاد، وهو إطلاق مناسب لحالتي التفكيك بين الأمرين في الواقع، كما في قوله تعالى، خطابا لقوم أسلموا متردّدين ـ ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ [الحجرات: 14]، أو التفكيك في تصوير الماهية عند التعليم لحقائق المعاني الشرعية أو اللغوية كما وقع في حديث جبريل: من ذكر معنى الإيمان، والإسلام، والإحسان.
7. التعريف في الدين تعريف الجنس؛ إذ لا يستقيم معنى العهد الخارجي هنا وتعريف الإسلام تعريف العلم بالغلبة: لأنّ الإسلام صار علما بالغلبة على الدين المحمّدي، فقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ صيغة حصر، وهي تقتضي في اللسان حصر المسند إليه، وهو الدين، في المسند، وهو الإسلام، على قاعدة الحصر بتعريف جزئي الجملة، أي لا دين إلا الإسلام، وقد أكّد هذا الانحصار بحرف التوكيد.
8. ﴿عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ وصف للدين، والعندية عندية الاعتبار والاعتناء وليست عندية علم: فأفاد، أنّ الدين الصحيح هو الإسلام، فيكون قصرا للمسند، إليه باعتبار قيد فيه، لا في جميع اعتباراته: نظير قول الخنساء:
çإذا قبح البكاء على قتيل...رأيت بكاءك الحسن الجميلاé
فحصرت الحسن في بكائه بقاعدة أنّ المقصور هو الحسن لأنّه هو المعرف باللّام، وهذا الحصر باعتبار التقييد بوقت حج البكاء على القتلى وهو قصر حسن بكائها على ذلك الوقت، ليكون لبكائها على صخر مزية زائدة على بكاء القتلى المتعارف وإن أبى اعتبار القصر في البيت أصلا صاحب المطوّل.
9. إذ قد جاءت أديان صحيحة أمر الله بها فالحصر مؤول: إمّا باعتبار أنّ الدين الصحيح عند الله، حين الإخبار، وهو الإسلام، لأنّ الخبر ينظر فيه إلى وقت الإخبار؛ إذ الأخبار كلّها حقائق في الحال، ولا شك أنّ وقت الإخبار ليس فيه دين صحيح غير الإسلام؛ إذ قد عرض لبقية الأديان الإلهية، من خلط الفاسد بالصحيح، ما أختل لأجله مجموع الدين، وإما باعتبار الكمال عند الله فيكون القصر باعتبار سائر الأزمان والعصور؛ إذ لا أكمل من هذا الدين، وما تقدّمه من الأديان لم يكن بالغا غاية المراد من البشر في صلاح شئونهم، بل كان كل دين مضى مقتصرا على مقدار الحاجة من أمة معيّنة في زمن معيّن، وهذا المعنى أولي محملي الآية، لأنّ مفاده أعم، وتعبيره عن حاصل صفة دين الإسلام ـ تجاه بقية الأديان الإلهية ـ أتم، ذلك أنّ مراد الله تعالى من توجيه الشرائع وإرسال الرسل، ليس مجرّد قرع الأسماع بعبارات التشريع أو التذوّق لدقائق تراكيبه، بل مراد الله تعالى ممّا شرع للناس هو عملهم بتعاليم رسله وكتبه، ولما كان المراد من ذلك هو العمل، جعل الله الشرائع مناسبة لقابليات المخاطبين بها، وجارية على قدر قبول عقولهم ومقدرتهم، ليتمكّنوا من العمل بها بدوام وانتظام، فلذلك كان المقصود من التديّن أن يكون ذلك التعليم الديني دأبا وعادة لمنتحليه، وحيث النفوس لا تستطيع الانصياع إلى ما لا يتّفق مع مدركاتها، لا جرم تعيّن مراعاة حال المخاطبين في سائر الأديان، ليمكن للأمم العمل بتعاليم شرائعها بانتظام ومواظبة.
10. كانت أحوال الجماعات البشرية، في أول عهود الحضارة، حالات عكوف على عوائد وتقاليد بسيطة، ائتلفت رويدا رويدا على حسب دواعي الحاجات، وما تلك الدواعي، التي تسبّبت في ائتلاف تلك العوائد، إلّا دواع غير منتشرة؛ لأنّها تنحصر فيما يعود على الفرد بحفظ حياته، ودفع الآلام عنه، ثم بحفظ حياة من يرى له مزيد اتّصال به، وتحسين حاله، فبذلك ائتلف نظام الفرد، ثم نظام العائلة، ثم نظام العشيرة، وهاته النظم المتقابسة هي نظم متساوية الأشكال؛ إذ كلّها لا يعدو حفظ الحياة، بالغذاء والدفاع عن النفس، ودفع الآلام بالكساء والمسكن والزواج، والانتصار للعائلة وللقبيلة؛ لأنّ بها الاعتزاز، ثم ما نشأ عن ذلك من تعاون الآحاد على ذلك، بإعداد المعدّات: وهو التعاوض والتعامل، فلم تكن فكرة الناس تعدو هذه الحالة، وبذلك لم يكن لإحدى الجماعات شعور بما يجري لدى جماعة أخرى، فضلا عن التفكير في اقتباس إحداها مما يجري لدى غيرها، وتلك حالة قناعة العيش، وقصور الهمة، وانعدام الدواعي فإذا حصلت الأسباب الآنفة عدّ الناس أنفسهم في منتهى السعادة، وكان التباعد بين الجماعات في المواطن مع مشقة التواصل، وما يعرض في ذلك من الأخطار والمتاعب، حائلا عن أن يصادفهم ما يوجب اقتباس الأمم بعضها عن بعض وشعور بعضها بأخلاق بعض، فصار الصارف عن التعاون في الحضارة الفكرية مجموع حائلين: عدم الداعي، وانسداد وسائل الصدفة، اللهم إلّا ما يعرض من وفادة وافد، أو اختلاط في نجعة أو موسم، على أنّ ذلك إن حصل فسرعان ما يطرأ عليه النسيان، فيصبح في خبر كان، فكيف يرجى من أقوام، هذه حالهم، أن يدعوهم الداعي إلى صلاح في أوسع من دوائر مدركاتهم، ومتقارب تصوّر عقولهم، أليسوا إذا جاءهم مصلح كذلك لبسوا له جلد النمر، فأحسّ من سوء الطاعة حرق الجمر، لذلك لم تتعلّق حكمة الله تعالى، في قديم العصور، بتشريع شريعة جامعة صالحة لجميع البشر، بل كانت الشرائع تأتي إلى أقوام معيّنين؛ وفي حديث مسلم، في صفة عرض الأمم للحساب أنّ رسول الله قال: فيجيء النبي ومعه الرهط، والنبي ومعه الرجل والرجلان، والنبي وليس معه أحد)، وفي رواية البخاري: (فجعل النبي والنّبيئان يمرّون معهم الرهط) الحديث، وبقي الحق في خلال ذلك مشاعا بين الأمم، ففي كلّ أمة تجد سدادا وأفنا، وبعض الحق لم يزل مخبوءا لم يسفر عنه البيان.
11. ثم أخذ البشر يتعارفون بسبب الفتوح والهجرة، وتقاتلت الأمم المتقاربة المنازل، فحصل للأمم حظ من الحضارة، وتقاربت العوائد، وتوسّعت معلوماتهم، وحضارتهم، فكانت من الشرائع الإلهية: شريعة إبراهيم عليه السلام، ومن غيرها شريعة (حمورابي) في العراق، وشريعة البراهمة، وشريعة المصريين التي ذكرها الله تعالى في قوله: ﴿مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ﴾ [يوسف: 76]، ثم أعقبتها شريعة إلهية كبرى وهي شريعة موسى عليه السلام التي اختلط أهلها بأمم كثيرة في مسيرهم في التيه وما بعده، وجاورتها أو أعقبتها شرائع مثل شريعة (زرادشت) في الفرس، وشريعة (كنفشيوس) في الصين، وشريعة (سولون) في اليونان، وفي هذه العصور كلّها لم تكن إحدى الشرائع عامة الدعوة، وهذه أكبر الشرائع وهي الموسوية لم تدع غير بين إسرائيل ولم تدع الأمم الأخرى التي مرّت عليها، وامتزجت بها، وصاهرتها، وكذلك جاءت المسيحية مقصورة على دعوة بني إسرائيل حتى دعا الناس إليها القدّيس بولس بعد المسيح بنحو ثلاثين سنة، إلى أن كان في القرن الرابع بعد المسيح حصول تقابس وتمازج بين أصناف البشر في الأخلاق والعوائد، بسببين: اضطراري، واختياري:
أ. أمّا الاضطراري فذلك أنّه قد ترامت الأمم بعضها على بعض، واتّجه أهل الشرق إلى الغرب، وأهل الغرب إلى الشرق، بالفتوح العظيمة الواقعة بين الفرس والروم، وهما يومئذ قطبا العالم، بما يتبع كل واحدة من أمم تنتمي إلى سلطانها، فكانت الحرب سجالا بين الفريقين، وتوالت أزمانا طويلة.
ب. وأمّا الاختياري فهو ما أبقاه ذلك التمازج من مشاهدة أخلاق وعوائد، حسنت في أعين رائيها، فاقتبسوها، وأشياء قبحت في أعينهم، فحذروها، وفي كلتا الحالتين نشأت يقظة جديدة، وتأسّست مدنيات متفنّنة، وتهيّأت الأفكار إلى قبول التغييرات القوية، فتهيّأت جميع الأمم إلى قبول التعاليم الغريبة عن عوائدها وأحوالها، وتساوت الأمم وتقاربت في هذا المقدار، وإن تفاوتت في الحضارة والعلوم تفاوتا ربما كان منه ما زاد بعضها تهيّئوا لقبول التعاليم الصحيحة، وقهقر بعضا عن ذلك بما داخلها من الإعجاب بمبلغ علمها، أو العكوف والإلف على حضارتها.
12. فبلغ الأجل المراد والمعيّن لمجيء الشريعة الحق الخاتمة العامة، فأظهر الله دين الإسلام في وقت مناسب لظهوره، واختار أن يكون ظهوره بين ظهراني أمة لم تسبق لها سابقة سلطان، ولا كانت ذات سيادة يومئذ على شيء من جهات الأرض، ولكنّها أمة سلّمها الله من معظم رعونات الجماعات البشرية، لتكون أقرب إلى قبول الحق، وأظهر هذا الدين بواسطة رجل منها، لم يكن من أهل العلم، ولا من أهل الدولة، ولا من ذرية ملوك، ولا اكتسب خبرة سابقة بهجرة أو مخالطة، ليكون ظهور هذا تحت الصريح، والعلم الصحيح، من مثله آية على أنّ ذلك وحي من الله نفح به عباده.
13. ثم جعل أسس هذا الدين متباعدة عن ذميم العوائد في الأمم، حتى الأمة التي ظهر بينها، وموافقة للحق ولو كان قد سبق إليه أعداؤها، وكانت أصوله مبنية على الفطرة بمعنى ألّا تكون ناظرة إلّا إلى ما فيه الصلاح في حكم العقل السليم، غير ما سور للعوائد ولا للمذاهب، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ [الروم: 30]، قال الشيخ أبو علي ابن سينا: (الفطرة أن يتوهّم الإنسان نفسه حصل في الدنيا دفعة وهو عاقل، لم يسمع رأيا، ولم يعتقد مذهبا، ولم يعاشر أمة، لكنّه شاهد المحسوسات، ثم يعرض على ذهنه الأشياء شيئا فشيئا فإن أمكنه الشك في شيء فالفطرة لا تشهد به، وإن لم يمكنه الشك فيه فالفطرة توجبه، وليس كلّ ما توجبه الفطرة بصادق، بل الصادق منه ما تشهد به فطرة القوة التي تسمّى عقلا، قبل أن يعترضه الوهم)، ويدخل في الفطرة الآداب العتيقة التي اصطلح عليها كافة عقلاء البشر، وارتاضت نفوسهم بها، إذا كانت تفيدهم كمالا، ولا تفضي إلى فساد، وذلك أصول قواعد حفظ النسب والعرض خاصة، فبهذا الأصل: أصل الفطرة كان الإسلام دينا صالحا لجميع الأمم في جميع الأعصر، ثم ظهر هذا الأصل في تسعة مظاهر خادمة له ومهيّئة جميع الناس لقبوله:
أ. الأول: إصلاح العقيدة بحمل الذهن على اعتقاد لا يشوبه تردّد ولا تمويه ولا أوهام ولا خرافات، ثم بكون عقيدته مبنية على الخضوع لواحد عظيم، وعلى الاعتراف باتّصاف هذا الواحد بصفات الكمال التامة التي تجعل الخضوع إليه اختياريا، ثم لتصير تلك الكمالات مطمح أنظار المعتقد في التخلّق بها ثم بحمل جميع الناس على تطهير عقائدهم حتى يتّحد مبدأ التخلّق فيهم ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [آل عمران: 64]، وكان إصلاح الاعتقاد أهمّ ما ابتدأ به الإسلام، وأكثر ما تعرّض له؛ وذلك لأنّ إصلاح الفكرة هو مبدأ كلّ إصلاح؛ ولأنّه لا يرجى صح لقوم تلطّخت عقولهم بالعقائد الضالّة، وخسئت نفوسهم بآثار تلك العقائد المثيرة: خوفا من لا شيء، وطمعا في غير شيء، وإذا صلح الاعتقاد أمكن صلاح الباقي؛ لأنّ المرء إنسان بروحه لا بجسمه، ثم نشأ عن هذا الاعتقاد الإسلامي: عزّة النفس، وأصله الرأي، وحرية العقل، ومساواة الناس فيما عدا الفضائل، وقد أكثر الإسلام شرح العقائد إكثارا لا يشبهه فيه دين آخر؛ بل إنّك تنظر إلى كثير من الأديان الصحيحة، فلا ترى فيها من شرح صفات الخالق إلّا قليلا.
ب. الثاني: جمعه بين إصلاح النفوس، بالتزكية، وبين إصلاح نظام الحياة، بالتشريع، في حين كان معظم الأديان لا يتطرّق إلى نظام الحياة بشيء، وبعضها وإن تطرّق إليه إلّا أنّه لم يوفه حقه، بل كان معظم اهتمامها منصرفا إلى المواعظ والعبادات، وقد قرن القرآن المصلحتين في غير ما آية قال تعالى: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [النحل: 97]
ج. الثالث: اختصاصه بإقامة الحجة، ومجادلة المخاطبين بصنوف المجادلات وتعليل أحكامه، بالترغيب وبالترهيب، وذلك رعي لمراتب نفوس المخاطبين، فمنهم العالم الحكيم الذي لا يقتنع إلّا بالحجة والدليل، ومنهم المكابر الذي لا يرعوي إلّا بالجدل والخطابة، ومنهم المترهّب الذي اعتاد الرغبة فيما عند الله، ومنهم المكابر المعاند، الذي لا يقلعه عن شغبه إلّا القوارع والزواجر.
د. الرابع: أنّه جاء بعموم الدعوة لسائر البشر، وهذا شيء لم يسبق في دين قبله قط، وفي القرآن: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]، وفي الحديث الصحيح: (أعطيت خمسا لم يعطهنّ أحد قبلي ـ فذكر ـ وكان الرسول يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة)، وقد ذكر الله تعالى الرسل كلّهم فذكر أنّه أرسلهم إلى أقوامهم، والاختلاف في كون نوح رسولا إلى جميع أهل الأرض، إنّما هو مبني: على أنّه بعد الطوفان انحصر أهل الأرض في أتباع نوح، عند القائلين بعموم الطوفان سائر الأرض، ألا ترى قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ﴾ [الأعراف: 59] وأيّاما كان احتمال كون سكّان الأرض في عصر نوح هم من ضمّهم وطن نوح، فإن عموم دعوته حاصل غير مقصود.
هـ. الرابع: الدوام ولم يدّع رسول من الرسل أنّ شريعته دائمة، بل ما من رسول، ولا كتاب، إلّا تجد فيه بشارة برسول يأتي من بعده.
و. الخامس: الإقلال من التفريع في الأحكام بل تأتي بأصولها ويترك التفريع لاستنباط المجتهدين وقد بيّن ذلك أبو إسحاق الشاطبي في تفسير قوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 38] لتكون الأحكام صالحة لكلّ زمان.
ز. السادس: أنّ المقصود من وصايا الأديان إمكان العمل بها، وفي أصول الأخلاق أنّ التربية الصحيحة هي التي تأتي إلى النفوس بالحيلولة بينها وبين خواطر الشرور؛ لأنّ الشرور، إذا تسرّبت إلى النفوس، تعذّر أو عسر اقتلاعها منها، وكانت الشرائع تحمل الناس على متابعة وصاياها بالمباشرة، فجاء الإسلام يحمل الناس على الخير بطريقتين: طريقة مباشرة، وطريقة سدّ الذرائع الموصلة إلى الفساد، وغالب أحكام الإسلام من هذا القبيل وأحسبها أنّها من جملة ما أريد بالمشتبهات في حديث: (إن الحلال بيّن وإنّ الحرام بيّن وبينهما أمور مشتبهات لا يعلمهنّ كثير من الناس)
ح. السابع: الرأفة بالناس حتى في حملهم على مصالحهم بالاقتصار في التشريع على موضع المصلحة، مع تطلب إبراز ذلك التشريع في صورة ليّنة، وفي القرآن ﴿يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ﴾ [البقرة: 185] وفي الحديث: (بعثت بالحنيفية السّمحة ـ ولن يشادّ هذا الدين أحد إلّا غلبه)، وكانت الشرائع السابقة تحمل على المتابعة بالشدّة، فلذلك لم تكن صالحة للبقاء؛ لأنّها روعي فيها حال قساوة أمم في عصور خاصة، ولم تكن بالتي يناسبها ما قدّر مصير البشر إليه من رقّة الطباع وارتقاء الأفهام.
ط. الثامن: امتزاج الشريعة بالسلطان في الإسلام، وذلك من خصائصه؛ إذ لا معنى للتشريع إلّا تأسيس قانون للأمة، وما قيمة قانون لا تحميه القوة والحكومة، وبامتزاج الحكومة مع الشريعة أمكن تعميم الشريعة، واتّحاد الأمة في العمل والنظام.
ي. التاسع: صراحة أصول الدين، بحيث يتكرّر في القرآن ما تستقرى منه قواطع الشريعة، حتى تكون الشريعة معصومة من التأويلات الباطلة، والتحريفات التي طرأت على أهل الكتب السابقة، ويزداد هذا بيانا عند تفسير قوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ [آل عمران: 20]
14. عطف ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ على قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ للإخبار عن حال أهل الكتاب من سوء تلقّيهم لدين الإسلام، ومن سوء فهمهم في دينهم، وجيء في هذا الإخبار بطريقة مؤذنة بورود سؤال؛ إذ قد جيء بصيغة الحصر: لبيان سبب اختلافهم، وكأنّ اختلافهم أمر معلوم للسامع، وهذا أسلوب عجيب في الإخبار عن حالهم إخبارا يتضمّن بيان سببه، وإبطال ما يتراءى من الأسباب غير ذلك، مع إظهار المقابلة بين حال الدّين الذي هم عليه يومئذ من الاختلاف، وبين سلامة الإسلام من ذلك، وذلك أنّ قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ قد آذن بأنّ غيره من الأديان لم يبلغ مرتبة الكمال والصلاحية للعموم، والدوام، قبل التغيير، بله ما طرأ عليها من التغيير، وسوء التأويل، إلى يوم مجيء الإسلام، ليعلم السامعون أنّ ما عليه أهل الكتاب لم يصل إلى أكمل مراد الله من الخلق على أنّه وقع فيه التغيير والاختلاف، وأن سبب ذلك الاختلاف هو البغي بعد ما جاءهم العلم، مع التنبيه على أنّ سبب بطلان ما هم عليه يومئذ هو اختلافهم وتغييرهم، ومن جملة ما بدّلوه الآيات الدالة على بعثة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، وفيه تنبيه على أنّ الإسلام بعيد عن مثل ما وقعوا فيه من التحريف، كما تقدّم في المظهر التاسع، ومن ثم ذمّ علماؤنا التأويلات البعيدة، والتي لم يدع إليها داع صريح.
15. جاءت الآية على نظم عجيب يشتمل على معان:
أ. منها التحذير من الاختلاف في الدين، أي في أصوله، ووجوب تطلّب المعاني التي لا تناقض مقصد الدين، عبرة بما طرأ على أهل الكتاب من الاختلاف.
ب. ومنها التنبيه على أنّ اختلاف أهل الكتاب حصل مع قيام أسباب العلم بالحق، فهو تعريض بأنّهم أساؤوا فهم الدين.
ج. ومنها الإشارة إلى أنّ الاختلاف الحاصل في أهل الكتاب نوعان:
• أحدهما اختلاف كل أمة مع الأخرى في صحة دينها كما قال تعالى: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ﴾ [البقرة: 113]
• وثانيهما اختلاف كل أمة منهما فيما بينها وافتراقها فرقا متباينة المنازع، كما جاء في الحديث: (اختلفت اليهود على اثنتين وسبعين فرقة) يحذّر المسلمين ممّا صنعوا.
د. ومنها أنّ اختلافهم ناشئ عن بغي بعضهم على بعض.
هـ. ومنها أنّهم أجمعوا على مخالفة الإسلام والإعراض عنه بغيا منهم وحسدا، مع ظهور أحقّيته عند علمائهم وأحبارهم كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ﴾ [البقرة: 146، 147]، وقال تعالى: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ﴾ [البقرة: 109] أي أعرضوا عن الإسلام، وصمّموا على البقاء على دينهم، وودّوا لو يردّونكم إلى الشرك أو إلى متابعة دينهم حسدا على ما جاءكم من الهدى بعد أن تبيّن لهم أنّه الحق.
16. لأجل أن يسمح نظم الآية بهذه المعاني:
أ. حذف متعلّق الاختلاف في قوله: ﴿اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ليشمل كلّ اختلاف منهم: من مخالفة بعضهم بعضا في الدين الواحد، ومخالفة أهل كلّ دين لأهل الدين الآخر، ومخالفة جميعهم للمسلمين في صحّة الدين.
ب. وحذف متعلّق العلم في قوله: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ لذلك.
ج. وجعل (بغيا) عقب قوله: (من بعد ما جاءهم العلم) ليتنازعه كلّ من فعل (اختلف) ومن لفظ (العلم)
د. وأخّر بينهم عن جميع ما يصلح للتعليق به: ليتنازعه كلّ من فعل (اختلف) وفعل (جاءهم) ولفظ (العلم) ولفظ (بغيا)
17. بذلك تعلم أنّ معنى هذه الآية أوسع معاني من معاني قوله تعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ في سورة البقرة [213] وقوله: ﴿وَمَا تَفَرَّقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَةُ﴾ في سورة البيّنة [4] كما ذكرناه في ذينك الموضعين لاختلاف المقامين:
أ. فاختلاف الذين أوتوا الكتاب يشمل اختلافهم فيما بينهم: أي اختلاف أهل كل ملّة في أمور دينها، وهذا هو الذي تشعر بها صيغة اختلف كاختلاف اليهود بعد موسى غير مرة، واختلافهم بعد سليمان إلى مملكتين: مملكة إسرائيل، ومملكة يهوذا، وكيف صار لكلّ مملكة من المملكتين تديّن يخالف تديّن الأخرى، وكذلك اختلاف النصارى في شأن المسيح، وفي رسوم الدين، ويكون قوله: (بينهم) حالا لبغيا: أي بغيا متفشّيا بينهم، بأن بغى كلّ فريق على الآخر.
ب. ويشمل أيضا الاختلاف بينهم في أمر الإسلام؛ إذ قال قائل منهم: هو حق، وقال فريق: هو مرسل إلى الأميّين، وكفر فريق، ونافق فريق، وهذا الوجه أوفى مناسبة بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، ويكون قوله: ﴿بَيْنَهُمْ﴾ على هذا وصفا لبغيا: أي بغيا واقعا بينهم.
18. مجيء العلم هو الوحي الذي جاءت به رسلهم وأنبياؤهم، لأنّ كلمة جاء مؤذنه بعلم متلقّى من الله تعالى، يعني أنّ العلم الذي جاءهم كان من شأنه أن يصدّهم عن الاختلاف في المراد، إلّا أنّهم أساؤوا فكانوا على خلاف مراد الله من إرسال الهدى.
19. انتصب ﴿بَغْيًا﴾ على أنّه مفعول لأجله، وعامل المفعول لأجله: هو الفعل الذي تفرّغ للعمل فيما بعد حرف الاستثناء، فالاستثناء كان من أزمان وعلل محذوفة والتقدير: ما اختلفوا إلّا في زمن بعد ما جاءهم العلم وما كان إلّا بغيا بينهم، ولك أن تجعل بغيا منصوبا على الحال من الذين أوتوا الكتاب، وهو ـ وإن كان العامل فيه فعلا منفيا في اللفظ ـ إلّا أن الاستثناء المفرّغ جعله في قوة المثبت، فجاء الحال منه عقب ذلك، أي حال كون المختلفين باغين، فالمصدر مؤوّل بالمشتق، ويجوز أن تجعله مفعولا لأجله من (اختلف) باعتبار كونه صار مثبتا كما قرّرنا.
20. لمّحت الآية إلى أنّ هذا الاختلاف، والبغي كفر، لأنّه أفضى بهم إلى نقض قواعد أديانهم، وإلى نكران دين الإسلام، ولذلك ذيّله بقوله: ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ﴾ الآية.
21. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ تعريض بالتهديد، لأنّ سريع الحساب إنّما يبتدئ بحساب من يكفر بآياته، والحساب هنا كناية عن الجزاء كقوله: ﴿إِنْ حِسَابُهُمْ إِلَّا عَلَى رَبِّي﴾ [الشعراء: 113]
22. في ذكر هذه الأحوال الذميمة من أحوال أهل الكتاب تحذير للمسلمين أن يقعوا في مثل ما وقع فيه أولئك، والمسلمون وإن اختلفوا في أشياء كثيرة لم يكن اختلافهم إلّا اختلافا علميا فرعيا، ولم يختلفوا اختلافا ينقض أصول دينهم بل غاية الكلّ الوصول إلى الحق من الدين، وخدمة مقاصد الشريعة، فبنو إسرائيل عبدوا العجل والرسول بين ظهرانيهم، وعبدوا آلهة الأمم غير مرة، والنصارى عبدوا مريم والمسيح، ونقضوا أصول التوحيد، وادّعوا حلول الخالق في المخلوق، فأما المسلمون لما قال أحد أهل التصوّف منهم كلاما يوهم الحلول حكم علماؤهم بقتله.
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/46.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللهِ الْإِسْلامُ﴾ في هذا النص الكريم قراءتان: قراءة بفتح همزة (أن)، وقراءة بكسر همزة (إن):
أ. وعلى القراءة الأولى يكون سياق النص الكريم هكذا: شهد الله أنه لا إله إلا هو، شهد أن الدين عند الله الإسلام، فيكون قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ في موضع البدل أو عطف البيان من قوله تعالى: ﴿أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾، وينته ذلك إلى أن معنى لا إله إلا الله هو الإسلام، وأن الله يشهد بالإسلام وقد أقام الأدلة على صحته، وأنه دينه الذي ارتضاه، وشهد بذلك الملائكة الأطهار بما أخبرهم به رب العالمين، وشهد به أولو العلم بما استنبطوه، فهو دين العقل، ودين الإخلاص، ودين الله، هذا على قراءة الفتح.
ب. أما قراءة الكسر فإن الكلام يكون مستأنفا مقررا لمعاني الآية السابقة وما اشتملت عليه من معانى الألوهية والعبودية والربوبية وعزة الله وحكمته؛ لأن دين الإسلام يقتضى الإيمان بكل هذا؛ فكأن سائلا سأل: ما هو الدين الذي يقرر هذه الحقائق؟ فقال سبحانه: إن الدين عند الله الإسلام.
2. كلمة الدين تطلق بمعنى الجزاء، وبمعنى الطاعة والعبادة وبمعنى مجموعة التكليفات؛ وإني أميل إلى المعنى الثاني، وهو أن يكون الدين هنا بمعنى الطاعة والعبادة، والمعنى على ذلك: أن الطاعة والعبادة التي يقبلها الله هي الإسلام والإسلام هو الإذعان المطلق لله سبحانه وتعالى والإخلاص لله سبحانه وتعالى، وعدم الاستكبار على الحق في أي ناحية من نواحيه؛ وعلى ذلك يكون الإسلام هنا مكونا من عنصرين: الإخلاص لله سبحانه وتعالى، والخضوع لذات الله وحده لا لأحد سواه، وقد يؤيد هذا المعنى قول الله تعالى بعد ذلك: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله ومَنِ اتَّبَعَنِ﴾ وقوله تعالى في آية أخرى: ﴿بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وهُوَ مُحْسِنٌ﴾ [البقرة] وعلى هذا يكون الإسلام هنا هو كمال الإيمان بالله جلت قدرته، وتوحيده، ولقد قال النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم: (الإيمان معرفة بالقلب وقول باللسان، وعمل بالأركان)
3. إضافة الدين إلى الله تعالى بقوله سبحانه: ﴿عِنْدَ اللَّهِ﴾ واعتبار الإسلام وحده دين الله، كما يدل على ذلك تعريف الطرفين، فيه بيان فضل الإسلام بالمعنى الذي ذكرناه، لأنه له ذلك الشرف الإضافي، وهو أن الله لا يقبل غيره، فوق أنه الحق الخالص من شوائب الشرك، والإضافة فوق ذلك تفيد أنه الدين الذي نزل على كل النبيين، وأنه الأصل في كل شرائع السماء؛ ولذلك قال الله سبحانه وتعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ ما وَصَّى بِهِ نُوحاً والَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ وما وَصَّيْنا بِهِ إِبْراهِيمَ ومُوسى وعِيسى﴾ [الشورى] فهو دين الله، وقد صرح سبحانه بأنه دين أبى الخليقة الثاني نوح كما يعبر بعض القصصيين، ودين آخر الأنبياء محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، وعلى هذا فدين جميع النبيين دين واحد، وهو دين الله، وهو دين الإسلام.
4. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ وعلى هذا كانت شريعة الله واحدة، وإن اختلفت الديانات السماوية التي لم يجر فيها التحريف والتبديل، فإن ذلك لا يكون في الأصل، بل يكون في الفرع، ولا يكون في الكليات، بل يكون في الجزئيات ولكن لوحظ مع ذلك أن كثيرين من أهل الكتاب اختلفوا فيما بينهم، فقالت اليهود ليست النصارى على شيء، وقالت النصارى ليست اليهود على شيء، واختلفت كل طائفة فيما بينهم على فرق، كل واحدة تحسب أنها اختصت بالخلاص وحدها، وتكفر الأخرى أو تشلحها من حظيرة الإيمان المقدسة؛ ثم اختلفوا مجتمعين على المسلمين، ونابذوهم العداوة، وقد كانوا من قبل يستفتحون على الذين كفروا، فكانت هذه المنابذة عن بينة، ولم تكن عن جهل، بل إنهم يعرفون النبيّ كما يعرفون أبناءهم، ولم يؤمن بالحق كثيرون في عصر النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم؛ ولذا قال الله سبحانه وتعالى فيهم: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ﴾ [المائدة]
5. بين سبحانه أن سبب ذلك الاختلاف هو البغي والظلم؛ ولذا قال سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فالسبب هو البغي فيما بينهم؛ لأنهم قد بغى بعضهم على بعض بالباطل، وتبادلوا ذلك البغي، كل يبغى على غيره، وإذا تبادل قوم الباطل ضعف في نفوسهم الإيمان، فإن شدة الخصومة تورث الريب، ومع الريب يكون النفاق، والمنافق لا يؤمن بشيء ولقد قال الإمام جعفر الصادق: (إياكم والخصومة في الدين، فإنها تحدث الريب وتورث النفاق) فتبادل البغي فيما بينهم كما قال سبحانه وتعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ كان سببا في عدم إيمانهم بالحق، بل في عدم إيمانهم بشيء وإن كانوا يعلمونه ويفهمونه، فليس مصدر الإيمان العلم فقط، بل مصدر الإيمان علم وإخلاص في طلب الحق، وإذعان له إذا بدا نوره.
6. سؤال وإشكال: لماذا قدم سبحانه وتعالى كلمة ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ﴾ إذ إن السياق هكذا: وما اختلف الذين أوتوا الكتاب بغيا بينهم إلا من بعد ما جاءهم العلم، فقدم حينئذ المستثنى على بعض المستثنى منه؟ والجواب: أن هذا البيان موضع التوبيخ والاستنكار؛ إذ إن ذلك الاختلاف ما كان عن تعذر العلم بالحقائق، ولكنه كان مع أن العلم بها قد جاءهم، وكان في قدرتهم أن يصلوا إلى الحق في الأمر من غير اختلاف ولا نزاع ولا إثارة للشك، وكيف يختلفون مع أن العلم قد جاءهم، وكان بين أيديهم أن يعرفوا السائغ منه، والحق أن العلم كالنور لا ينتفع فيه إلا الذين أوتوا بصرا يميزون به وينظرون، وكذلك لا بد لإدراك العلم من بصيرة نافذة، وقلب يخضع للحق؛ أما إذا كانت البصيرة غير نافذة، والقلب قد ران الله عليه، فإنه لا يدرك، وإن كسب السيئات يضع غلافا على القلب يمنعه من إدراك الحق؛ ولذا قال سبحانه وتعالى في شأن الضالين: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين] فأسباب العلم لا تكفى للوصول إلى الحقائق، بل لا بد معها من قلب منير، والذين أوتوا الكتاب لم يكن أكثرهم على ذلك من الإخلاص في طلب الحقيقة والإذعان لحكمها؛ ذلك لأن الشهوات تحكمت في قلوبهم واستولت على نفوسهم، فجعلتهم يبتغون الباطل، ويطلبونه طلبا شديدا؛ ولهذا جعل الاختلاف مع وجود العلم أساسه البغي فيما بينهم، إذ إنهم يبتغون بالأمر السيطرة والسلطان واحتيازا للسيطرة الدينية؛ ولذا قال: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ أي ظلما وتحاسدا، وتغالبا بالباطل بينهم، وهؤلاء جاءهم العلم ولم يلازموه ولم يصاحبوه ولم يذعنوا لحكمه؛ ولذا لم يقل سبحانه (أوتوا العلم) بل قال ﴿جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ إذ قد جاءهم ولم يردوا موارده العذبة، والعلم كالمطر الغزير لا تستفيد منه إلا الأرض الطيبة، وكذلك لا يستفيد من العلم إلا النفوس الطيبة، فأولئك الظالمون جاءهم العلم، ولم يكونوا علماء يخشون الله، ولم يكونوا أولى العلم الذين يشهدون بوحدانية الله.
7. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ آيات الله تشمل آياته الكونية الدالة على وحدانيته، وآياته المنزلة الداعية إلى شريعته، والمبينة لها، والمعنى: من يكفر بآيات الله جاحدا غير مذعن لحكمها طامسا لداعى الفطرة في قلبه فإن الله محاسبه ومعاقبه، والله سريع الحساب، فقوله تعالى: ﴿فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ قائم مقام الجواب المحذوف، والسياق هكذا: ومن يكفر بالله فإن الله معاقبه ومحاسبه، والله سريع الحساب، وسرعة الحساب تدل على سرعة العقاب، وعلى العلم الكامل للمحاسب وهو الله سبحانه وتعالى، فهو لا يحتاج إلى فحص وبحث، وتدل على قيام البينات القاطعة، إذ تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم بما اقترفوا، بل تشهد عليهم قلوبهم بما جحدوا، وختم الكلام عن أهل الكتاب بهذه العبارة السامية للإشارة إلى أن اختلافهم لا محالة راجع إلى كفرهم، وأن الكفر له عقاب بعد حساب سريع مؤكد، ونتيجته عذاب أليم، وأسباب العلم حجة عليهم، وليست حجة لهم، اللهم لا تجعلنا ممن أضله الله على علم، ووفقنا للهداية، وأنطق ألسنتنا بالحق، واهدنا سواء الصراط.
__________
(1) زهرة التفاسير: 3/1148.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. سؤال وإشكال: ان ظاهر هذه الآية يدل على ان جميع أديان الأنبياء، حتى دين ابراهيم وغيره من الأنبياء ليست بشيء عند الله الا دين محمد فقط، مع العلم بأن كل ما جاء به الأنبياء حق وصدق باعتراف محمد صلّى الله عليه وآله وسلم والقرآن؟، والجواب: ان هذه الآية تدل تماما على العكس مما تقول، فإن ظاهرها ينطق بلسان مبين أن كل دين جاء به نبي من الأنبياء السابقين يتضمن في جوهره الدعوة الاسلامية التي دعا اليها محمد بن عبد الله صلّى الله عليه وآله وسلم، واليك هذه الحقائق الثلاث:
أ. ان الإسلام يرتكز قبل كل شيء على أصول ثلاثة: الايمان بالله ووحدانيته، والوحي وعصمته، والبعث وجزائه.. وكلنا يعلم علم اليقين، ويؤمن ايمانا لا يشوبه ريب بأن الله سبحانه ما أرسل نبيا من الأنبياء الا بهذه الأصول، لاستحالة تبديلها أو تعديلها، ولذا قال الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله وسلم: (إنّا معاشر الأنبياء ديننا واحد)، وقال: (الأنبياء اخوة لعلات، أبوهم واحد، وأمهاتهم شتى،)
ب. ان لفظ الإسلام يطلق على معان، منها الخضوع والاستسلام، ومنها الخلوص والسلامة من الشوائب والأدران، وليس من شك ان كل دين جاء به نبي من أنبياء الله فهو خالص وسالم من الشوائب، وعلى هذا يصح أن نطلق اسم الإسلام على دين الأنبياء جميعا.
ج. ان مصدر القرآن واحد لا اختلاف بين آياته كثيرا ولا قليلا، بل ينطق بعضه ببعض، ويشهد بعضه على بعض ـ كما قال الإمام علي عليه السلام ـ فإذا وردت فيه آية في مسألة من المسائل، أو موضوع من الموضوعات فلا يجوز أن ننظر اليها مستقلة، بل يجب أن نتتبع كل آية لها صلة بتلك المسألة، وذاك الموضوع، ونجمعها جميعا في كلام واحد، معطوفا بعضها على بعض، ثم نستخرج معنى واحدا من الآيات المتشابكة، مجتمعة لا متفرقة.
2. إذا نظرنا إل الآيات المشتملة على لفظ الإسلام في ضوء هذه الحقائق نجد أن الله سبحانه قد وصف جميع الأنبياء بالإسلام في العديد من الآيات، وبذلك نعلم ان الحصر في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ هو حصر لجميع الأديان الحقة بالإسلام، لا حصر للإسلام بدين دون دين من الأديان التي جاء بها الأنبياء من عند الله.. والسر في ذلك ما أشرنا اليه من أن جميع أديان الأنبياء تتضمن الدعوة الاسلامية في حقيقتها وجوهرها، عنيت الإيمان بالله والوحي والبعث.. والتنوع والاختلاف انما هو في الفروع والأحكام، لا في أصول العقيدة والإيمان.
3. تعال معي الآن لنقرأ الآيات التي وصف بها الله أنبياءه بالإسلام من عهد نوح عليه السلام إلى عهد محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، قال تعالى في حق نوح: ﴿وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ نُوحٍ إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ﴾ ـ إلى قوله ـ ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾، وقال تعالى في ابراهيم ويعقوب: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، وقال عن يوسف: ﴿أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ﴾، وقال عن موسى: ﴿وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ﴾ ـ 84 يونس،) وقال عن أمة عيسى: ﴿وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي قَالُوا آمَنَّا وَاشْهَدْ بِأَنَّنَا مُسْلِمُونَ﴾
4. الآية التي هي أصرح من الكل، وتعم الأولين والآخرين من الأنبياء وتابعيهم، وتابعي التابعين قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾، وإذا لم يقبل الله إلا من المسلمين، وقد قبل من آدم ونوح وابراهيم وموسى وعيسى وجميع النبيّين، والتابعين لهم بإحسان فتكون النتيجة الحتمية ان النبيين من عهد آدم، حتى محمد صلّى الله عليه وآله وسلم والمؤمنين بهم كلهم من المسلمين، قال الإمام علي عليه السلام: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل.
5. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، قيل: المراد بأهل الكتاب هنا اليهود، وقيل: بل النصارى، وقيل: هما معا، وهو الصواب، لأن اللفظ عام، ولا دليل على التخصيص، ويؤيد العموم ان الله سبحانه أشار إلى اختلاف النصارى بعضهم مع بعض في سورة المائدة: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾، وأشار إلى اختلاف اليهود في قوله: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ﴾ ـ إل قوله ـ ﴿وَأَلْقَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾
6. من الأمور التي اختلف فيها اليهود الحياة بعد الموت.. فبعض فرقهم تقول: لا بعث أبدا لا في هذه الحياة، ولا في غيرها، وان عقاب المسيء وثواب المحسن يحصلان في هذه الحياة، وتقول فرقة أخرى: ان الصالحين من الأموات ينشرون في هذه الأرض ثانية، ليشتركوا في ملك المسيح الذي يأتي في آخر الزمن، كما نقل عنهم، إل غير ذلك من الاختلافات.. أما العقيدة المسيحية فقد تطورت، واجتازت أكثر من مرحلة قبل أن تستقر على التثليث، فقد كانت في البدء تدعو إل عبادة إله واحد، ثم انقسم المسيحيون فرقتين: فرقة جنحت إل الشرك، وفرقة بقيت على التوحيد، ثم اختلفوا فيما بينهم: هل لعيسى طبيعتان: إلهية، وأخرى ناسوتية، أو طبيعة إلهية فقط؟ إلى غير ما هو مسطور في كتب تاريخ الأديان، وقد أدت الاختلافات الدينية المسيحية إل مجازر لا مثيل لفظاعتها في تاريخ الانسانية.
7. لم يكن اختلاف كل من اليهود والنصارى فيما بينهم عن جهل بالحقيقة، فقد جاء اليهود العلم بالبعث والنشر، كما جاء النصارى العلم بأن عيسى عبد من عباد الله، ولكنهم اختلفوا لإرادة العلو في الأرض بالبغي والفساد.
8. اشتهر عن النبي صلّى الله عليه وآله وسلم انه قال: افترقت اليهود على احدى وسبعين فرقة، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة، وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة.. وقد كثر الكلام وطال حول هذا الحديث، فمن قائل: انه ضعيف لا يعول عليه، وقائل: انه خبر واحد، وهو ليس بحجة في الموضوعات، وقال ثالث: إن (كلها في النار) من دسائس الملاحدة للتشنيع على المسلمين، ورواه رابع بلفظ (كلها في الجنة الا الزنادقة)، ونحن على شك من هذا الحديث، لأن الأصل عدم الأخذ بما ينسب إل الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم حتى يثبت العكس.. ولكن إذا خيّرنا بين: كلها في النار، وبين: كلها في الجنة، نختار الجنة على النار.. أولا انها أقرب إل رحمة الله، ثانيا ان الفرق الإسلامية على أساس الاختلاف في الأصول لا تبلغ 73، والاختلاف في الفروع لا يستدعي الدخول في النار، لأن الخطأ فيها مغتفر إذا حصل مع التحفظ، وبعد الجد والاجتهاد.. وما أبعد ما بين هذا الحديث المنسوب إلى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم وقول ابن عربي في كتاب الفتوحات: (لا يعذّب أحد من أمة محمد صلّى الله عليه وآله وسلم ببركة أهل البيت)(2)
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/27.
(2) لا نرى صحة هذا المعنى لمعارضته الواضحة للقرآن الكريم، ولما ذكره أئمة أهل البيت أنفسهم
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. الآيات متعرضة لحال أهل الكتاب وهم آخر الفرق الثلاث التي تقدم أنها عرضة للكلام في هذه السورة، وأهمهم بحسب قصد الكلام أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ففيهم وفي أمرهم نزل معظم السورة وإليهم يعود.
2. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾، قد مر معنى الإسلام بحسب اللغة وكان هذا المعنى هو المراد هاهنا بقرينة ما يذكره من اختلاف أهل الكتاب بعد العلم بغيا بينهم فيكون المعنى: أن الدين عند الله سبحانه واحد لا اختلاف فيه لم يأمر عباده إلا به، ولم يبين لهم فيما أنزله من الكتاب على أنبيائه إلا إياه، ولم ينصب الآيات الدالة إلا له وهو الإسلام الذي هو التسليم للحق الذي هو حق الاعتقاد وحق العمل، وبعبارة أخرى هو التسليم للبيان الصادر عن مقام الربوبية في المعارف والأحكام، وهو وإن اختلف كما وكيفا في شرائع أنبيائه ورسله على ما يحكيه الله سبحانه في كتابه غير أنه ليس في الحقيقة إلا أمرا واحدا وإنما اختلاف الشرائع بالكمال والنقص دون التضاد والتنافي، والتفاضل بينها بالدرجات، ويجمع الجميع أنها تسليم وإطاعة لله سبحانه فيما يريده من عباده على لسان رسله.
3. فهذا هو الدين الذي أراده الله من عباده وبينه لهم، ولازمه أن يأخذ الإنسان بما تبين له من معارفه حق التبين، ويقف عند الشبهات وقوف التسليم من غير تصرف فيها من عند نفسه وأما اختلاف أهل الكتاب من اليهود والنصارى في الدين مع نزول الكتاب الإلهي عليهم، وبيانه تعالى لما هو عنده دين وهو الإسلام له فلم يكن عن جهل منهم بحقيقة الأمر وكون الدين واحدا بل كانوا عالمين بذلك، وإنما حملهم على ذلك بغيهم وظلمهم من غير عذر وذلك كفر منهم بآيات الله المبينة لهم حق الأمر وحقيقته لا بالله فإنهم يعترفون به، ومن يكفر بآيات الله فإن الله سريع الحساب، يحاسبه سريعا في دنياه وآخرته: أما في الدنيا فبالخزي وسلب سعادة الحياة عنه، وأما في الآخرة فبأليم عذاب النار، والدليل على عموم سرعة الحساب للدنيا والآخرة قوله تعالى بعد آيتين: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ﴾
4. مما تقدم يظهر أولا:
أ. أن المراد بكون الدين عند الله وحضوره لديه سبحانه هو الحضور التشريعي بمعنى كونه شرعا واحدا لا يختلف إلا بالدرجات وبحسب استعدادات الأمم المختلفة دون كونه واحدا بحسب التكوين بمعنى كونه واحدا مودعا في الفطرة الإنسانية على وتيرة واحدة.
ب. وثانيا: أن المراد بالآيات هو آيات الوحي، والبيانات الإلهية التي ألقاها إلى أنبيائه دون الآيات التكوينية الدالة على الوحدانية وما يزاملها من المعارف الإلهية.
5. الآية تشتمل على تهديد أهل الكتاب بما يستدل عليه بالبغي وهو الانتقام، كما يشتمل قوله تعالى في الآيات السابقة: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾ الآية على تهديد المشركين والكفار، ولعل هذا هو السبب في أنه جمع أهل الكتاب والمشركين معا في الآية التالية في الخطاب بقوله: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ الآية، وفيه إشعار بالتهديد أيضا.
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/120.
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ﴿الدِّينَ﴾ الذي يُدَان به لينفع صاحبه، فالدين النافع: هو الإسلام، أما الشرك فليس شيئاً بل هو ضر على أهله و﴿الْإِسْلَامِ﴾ أن نسلم وجوهنا لله، أي نخلصها لله ونجعلها سالمة له كقوله تعالى: ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر:29] وإسلامنا لوجوهنا: أن نتوجه بها لله وحده لا شريك له، والحاصل: أن نعبد الله ولا نشرك به شيئاً، فهذا هو الدين النافع.
2. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ في شأن عيسى وعزير وفي توحيد الله تعالى وغير ذلك: ﴿إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ﴾ وقامت الحجة عليهم بما عندهم في التوراة والإنجيل وبعقولهم، ولكنهم اختلفوا من بعد ذلك ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾
3. قوله تعالى: ﴿بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ داخل في الحصر، فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً، فقوله: ﴿بَغْيًا﴾ داخل في المستثنى بـ (إلا) ويظهر من ذلك: أن سبب الخلاف السياسة وبغي بعضهم على بعض، فكانوا يخلقون الخلافات في الدين ليجعلوا المخالف مفسداً ويبرروا بذلك بغيهم عليه.
4. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأعماله ومقاديرها في القبح وقدر ما تستحقه من درجات العقاب فهو حساب سريع لا يغادر شيئاً لأن الله علام الغيوب، وهذا وعيد بجزائه بقدر جرائمه كلها، قال الشرفي في (المصابيح): (قال الإمام ـ يعنى القاسم بن محمد عليه السلام ـ: دلت على قبح الاختلاف وأن مخالفة ما علم من الدين في الآيات كفر بآيات الله)
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/438.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ ويتمثل في الإسلام لله في كل شيء، بحيث يفتح الإنسان قلبه لله، ليواجه الأشياء من هذا المنطلق، الذي يدعوه إلى أن يجعل حياته كلها لله في ما يأمره به أو ينهاه عنه أو يقوده إليه من أهداف كبيرة في الحياة، وبذلك لا بد له من أن ينفتح على كل الرسالات ويصدّق كل رسالة، فلا يخضع لعصبية عمياء تحجب عنه إشراقة الحق فتؤدي به إلى العناد والاستكبار والبعد عن الطريق المستقيم، فينكر الحقائق الواضحة التي لا سبيل إلى إنكارها، ويتنكر للبيّنات التي لا مجال للشك فيها، وهذا هو الذي يشمل كل ما جاء به الرسل، فإن كل رسالة تمثل الخط الذي يريد الله للناس أن يسيروا عليه في مرحلتها، الأمر الذي يجعل الإسلام متمثلا فيها، لأن السير عليها هو مصداق للاستسلام والخضوع لإرادة الله سبحانه، أمّا إذا انتهت المرحلة لتبدأ مرحلة جديدة من خلال رسالة جديدة، فإن الإسلام يتمثل في السير على خط هذه المرحلة الجديدة، ويكون البقاء في الخط الأول منافيا للإسلام في مدلوله الروحي والعملي، فالإسلام هو صفة كل الأديان، ولكن في نطاق المرحلة التي يتسع لها كل دين في ما حدد الله له من مراحل زمنية محدودة.
2. جاء في نهج البلاغة عن الإمام علي عليه السّلام أنّه قال: (لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل)، وهذه هي الأطروحة التي تؤكد أن مسألة الإسلام ليست مسألة خضوع واستسلام تلقائيّ شكليّ يتحرك بطريقة آلية لا روح لها ولا عمق، بل هي انفعال النفس بالفكرة والخط، بحيث تنحني كل حالة ذاتية أمامها، وذلك من خلال اليقين الذي يمثّل وضوح الرؤية للأشياء ووعي الفكر للعقيدة، فهو يتحرك من موقع القناعة التي تخضع الذات لكل معطياتها ومتطلباتها، مما يجعل المسألة مسألة استسلام إراديّ واع منفتح يعرف ما يريد وما لا يريد، لا مسألة استسلام أعمى خاضع للإرث التقليدي والانفعال العاطفي، وإذا كان اليقين هو حالة العلم الذي يكتشف مفردات الحقائق، فلا بد من التصديق الذي يجعل العلم متجذرا في الذات من موقع الاعتقاد القلبي الذي يجعل العقيدة من خصوصيات الذات في الحس والشعور.
3. وإذا تحقق التصديق، فإنه يجتذب الإقرار الذي يعني الانتماء للفكرة من موقع الإقرار بها والإعلان عنها، لأن القناعة بالانتماء تؤدي إلى شجاعة الاعتراف بمقتضاه، وهكذا يتحول الإقرار الذي يمثل الالتزام الجدي الواضح الصريح إلى الالتزام بالمسؤولية وبالأداء الحركي الذي هو العمل في مظهره الحي، وهو الطاعة بامتثال أوامر الله ونواهيه، ومن خلال ذلك، نعرف أن الإسلام ليس كلمة مجردة، وليس عملا جامدا، بل هو كلمة تنطلق من عقيدة، وعقيدة تنطلق من قناعة، وموقف يتحرك في خط الالتزام بالمسؤولية وحركة العمل، إن مسألة الإسلام هي مسألة روح في معنى الذات، والتزام في خط العمل، وعلم في آفاق الإيمان.
4. ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾ فقد ابتعدوا عن روحية الإسلام واستسلموا للعوامل الذاتية التي تتحكم في تعاملهم مع خط العقيدة والعمل، فانطلقوا بروحية البغي والعدوان يثيرون الخلافات التي تفرق الناس عن الحق، من دون أن يكون لهم أساس من شبهة أو قاعدة من علم، بل القضية على العكس من ذلك، فهم يعرفون الحق على أساس العلم الذي يملكونه في ما يعرفونه من كتاب الله الذي أنزله الله على موسى وعيسى عليهما السّلام، وذلك هو أساس التفرق في ما يتفرق به أهل الأديان وأهل المذاهب في الدين الواحد، فهم لا يسلمون فكرهم وعقلهم لله عندما يتناقشون، ليجدوا الانفتاح الذي لا مجال معه للانغلاق على روح العصبية العمياء، ولو أسلموا أنفسهم لله، لانطلقوا إلى الحقيقة في روح التعاون على فهمها وإزالة الغموض عنها، بحيث يتسابقون إلى اللقاء عليها بدلا من التسابق إلى الوقوف عند الحدود التي كانوا فيها من دون أية رغبة في التقدم إلى موقف الآخر أو إلى منتصف الطريق حيث تنتظرهم الحقيقة هناك، وبذلك، فإن المشكلة في الخلافات الدينية ـ في أغلب الحالات ـ روحية ونفسيّة أكثر منها فكرية وعلميّة، ونحن نعرف أن الوصول إلى القناعات المشتركة يفرض إزالة الحواجز التي تمنع من اللقاء، وتدفع إلى التعصب والعناد، ولن يكون ذلك إلا إذا فتح الإنسان قلبه لله، في روحية المؤمنين الذين يقولون: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران: 8]
5. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ لأن الكفر لا ينطلق من قاعدة فكرية يعذر فيها الإنسان، بل ينطلق من الجهل والبغي والعناد الذي يدفعه إلى إنكار آيات الله في وحيه الذي أنزله على رسله، وشرائعه التي ألقاها إلى أنبيائه وألهمهم تفاصيلها، وربما كان من هذه الآيات ما ورد في الكتب السماوية السابقة من أوصاف النبي محمد صلّى الله عليه وآله وسلم وعلاماته الدالة على نبوّته، مما بقي في تراث اليهود والنصارى، فقد أنكرها هؤلاء بغيا وحسدا وحفاظا على أوضاعهم وامتيازاتهم التي حصلوا عليها بفعل التراكمات التاريخية في حركة السلطة والرئاسة في مواقعهم المختلفة.
6. ولذلك، فإن الله سيحاسبه حسابا عسيرا ليعرّفه فقدانه للحجة في أسرع وقت، وفي ذلك إيحاء بأن على الإنسان أن يركز قناعاته على أساس متين من الحجة والبرهان ليستطيع الدفاع عنها أمام الله عندما يقف للحساب بين يديه ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا﴾ [النحل: 111]
__________
(1) من وحي القرآن: 5/275.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. (الدين) في الأصل بمعنى الجزاء والثواب، ويطلق على (الطاعة) والانقياد للأوامر، و(الدين) في الاصطلاح: مجموعة العقائد والقواعد والآداب التي يستطيع الإنسان بها بلوغ السعادة في الدنيا، وأن يخطو في المسير الصحيح من حيث التربية والأخلاق الفردية والجماعية.
2. (الإسلام) يعني التسليم، وهو هنا التسليم لله، وعلى ذلك، فإنّ معنى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾: إنّ الدين الحقيقي عند الله هو التسليم لأوامره وللحقيقة، وفي الواقع لم تكن روح الدين في كلّ الأزمنة سوى الخضوع والتسليم للحقيقة، وإنّما أطلق اسم (الإسلام) على الدين الذي جاء به الرسول الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم لأنّه أرفع الأديان.
3. أوضح الإمام علي عليه السّلام هذا المعنى في بيان عميق فقال: (لأنسبنّ الإسلام نسبة لم ينسبها أحد قبلي: الإسلام هو التسليم، والتسليم هو اليقين، واليقين هو التصديق، والتصديق هو الإقرار، والإقرار هو الأداء، والأداء هو العمل)، فالإمام في كلمته هذه يضع للاسم ستّ مراحل:
أ. أولاها التسليم أمام الحقيقة.
ب. ثمّ يقول إنّ التسليم بغير يقين غير ممكن (إذ أنّ التسليم بغير يقين يعني الاستسلام الأعمى، لا التسليم الواعي)
ج. ثمّ يقول إنّ اليقين هو التصديق (أي أنّ العلم وحده لا يكفي، بل لا بدّ من الاعتقاد والتصديق القلبيّين)
د. والتصديق هو الإقرار (أي لا يكفي أن يكون الإيمان قلبيّا فحسب، بل يجب إظهاره بشجاعة وقوّة)
هـ. ثمّ يقول إنّ الإقرار هو الأداء (أي أنّ الإقرار لا يكون بمجرّد القول باللسان، بل هو التزام بالمسؤولية)
و. وأخيرا يقول إنّ الأداء هو العمل (أي إطاعة أوامر الله وتنفيذ البرامج الإلهية) لأنّ الالتزام وتحمّل المسؤولية لا يعنيان سوى العمل، أمّا الذين يسخّرون كلّ قواهم وطاقاتهم في عقد الجلسات تلو الجلسات وتقديم الاقتراحات وما إلى ذلك من الأمور التي لا تتطلّب سوى الكلام فلا هم تحمّلوا التزاما ولا مسئولية، ولا هم وعوا روح الإسلام حقّا.
4. هذا أجلى تفسير للإسلام من جميع جوانبه، ثمّ إنّ الآية تذكر علّة الاختلاف الديني على الرغم من الوحدة الحقيقية للدين الإلهي وتقول: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾، فعلى هذا إن الاختلاف ظهر أوّلا بعد العلم والاطلاع على الحقائق، وثانيا كانت الدوافع لذلك هي الظلم والطغيان والحسد، فاليهود اختلفوا في خليفة موسى ابن عمران عليه السّلام واقتتلوا بينهم، والمسيحيون اختلفوا في أمر التوحيد حيث خلطوه بالشرك والتثليث، وقد اختلف كلّ منهما في أمر الإسلام ودلائل صدق النبي صلّى الله عليه وآله وسلم الواردة في كتبهم، فقبل بعضهم وأنكر آخرون.
5. الخلاصة أنّ لكلّ دين سماوي دلائله الواضحة التي لا تترك إبهاما أمام الباحث عن الحقيقة، فالنبيّ الأكرم صلّى الله عليه وآله وسلم مثلا ـ بالإضافة إلى أنّ المعجزات والدلائل الواضحة في نصوص دينه تؤكّد صدقه ـ وردت أوصافه وعلاماته في الكتب السماوية السابقة التي بقي قسم منها في أيدي اليهود والنصارى، ولذلك بشّر علماؤهم بظهوره قبل ظهوره، ولكنّهم بعد أن بعث رأوا مصالحهم في خطر، فأنكروا كلّ ذلك، يحدوهم الظلم والحسد والطغيان.
6. ﴿وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ هذا بيان لمصير أمثال هؤلاء الذين لا يعترفون بآيات الله، إنّهم سوف يتلقّون نتائج عملهم هذا، فالله سريع في تدقيق حساباتهم.
7. المراد من (آيات الله) في هذه الآية ما يشمل جميع آياته وبراهينه وكتبه السماوية، ولعلّها تشمل أيضا الآيات التكوينية في عالم الوجود، وما ذكره بعض المفسرين من أنها تعني آيات التوراة والإنجيل خاصة، لا دليل عليه.
8. ممّا يلفت النظر في هذه الآية هو أنّ سبب الاختلافات الدينية ليس الجهل وعدم المعرفة دائما، بل هو على الأكثر الظلم والطغيان والانحراف عن الحقّ واتّباع وجهات النظر الخاصّة، فلو تخلّى الناس ـ وعلى الأخصّ العلماء منهم ـ عن التعصّب، والحقد، وضيق النظر، والمصالح الخاصّة، وتجاوز الحدود، والاعتداء على الحقوق، وتعمّقوا في دراسة أحكام الله بنظرة واقعية وبروح من العدالة، فسيرون محجّة الحقّ منيرة وسيستطيعون حلّ الاختلافات بسرعة.
9. هذه الآية في الواقع ردّ دامغ على الذين يقولون: (إنّ الدين هو سبب الخلافات إراقة الدماء بين البشر على امتداد التاريخ)، هؤلاء يخلطون بين (الدين) و(التعصّب الديني) والانحرافات الفكرية، فنحن إذا درسنا تعاليم الأديان السماوية نجد أنّها جميعا تسعى لتحقيق هدف واحد، وكلّها جاءت من أجل سعادة الإنسان، وإن كان قد تكاملت تدريجيا على مرور الزمن.
10. الأديان السماوية أشبه في الواقع بقطرات المطر النازلة من السماء حيث تكمن فيها الحياة، ولكنّها إذا نزلت على الأراضي السبخة، كالأرض المالحة، اكتسبت صبغة هذه الأرض، فهذه الاختلافات ليست من قطرات المطر، بل هي من تلك الأراضي، ولكن من حيث مبدأ التكامل، فإنّ الله آخر تلك الأديان يكون أكملها.
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/430.
12. الدين الحق والتسليم المطلق لله
نتناول في هذا الفصل ما ذكره المفسّرون ـ بحسب التسلسل التاريخي، والمدارس الإسلامية المختلفة ـ حول تفسير المقطع ⌈12⌉ من سورة آل عمران، وهو ما نصّ عليه قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [آل عمران: 20]، مع العلم أنّا نقلنا المباحث التي لا علاقة لها ـ كبرى أو مباشرة ـ بالتفسير التحليلي إلى محالّها من كتب السلسلة.
ابن عباس:
روي عن ابن عباس (ت 68 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ اليهود، والنصارى(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ هم الذين لا يكتبون(1).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٨٨.
البصري:
روي عن الحسن البصري (ت 110 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ إن حاجك اليهود والنصارى(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ ليقل من اتبعك مثل ذلك(1).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦١٩.
ابن الزبير:
روي عن محمد بن جعفر بن الزبير (ت 115 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: بما يأتون به من الباطل من قولهم: خلقنا، وفعلنا، وجعلنا، وأمرنا، فإنما هي شبهة باطل، قد عرفوا ما فيها من الحق؛ ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذين لا كتاب لهم: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ الآية(2).
__________
(1) ابن جرير: ٥/٢٨٦.
(2) ابن جرير: ٥/٢٨٩.
زيد:
روي عن الإمام زيد (ت 122 هـ) أنّه قال: ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذين لم يأتهم الأنبياء بالكتب.. والنّبيّ الأميّ: الّذي لا يكتب،(1).
__________
(1) تفسير الإمام زيد، ص 108.
الربيع:
روي عن الربيع بن أنس (ت 139 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ من تكلم بهذا صدقا من قلبه ـ يعني: الإيمان ـ فقد اهتدى(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾، يعني: عن الإيمان(1).
3. روي أنّه قال: لما حضر موسى عليه السلام الموت دعا سبعين حبرا من أحبار بني إسرائيل، فاستودعهم التوراة، وجعلهم أمناء عليه كل حبر جزءا منه، واستخلف موسى عليه السلام يوشع بن نون، فلما مضى القرن الأول، ومضى الثاني، ومضى الثالث؛ وقعت الفرقة بينهم، وهم الذين أوتوا العلم من أبناء أولئك السبعين، حتى أهرقوا بينهم الدماء، ووقع الشر والاختلاف، وكان ذلك كله من قبل الذين أوتوا العلم بغيا بينهم على الدنيا، طلبا لسلطانها، وملكها، وخزائنها، وزخرفها، فسلط الله عليهم جبابرتهم، فقال الله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ إلى قوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾(2).
__________
(1) ابن أبي حاتم: ٢/٦٢٠.
(2) ابن جرير: ٥/٢٨٤.
ابن جريج:
روي عن ابن جريج (ت 150 هـ) أنّه قال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ قال اليهود والنصارى، فقالوا: إن الدين اليهودية والنصرانية، ﴿فَقُلْ﴾ يا محمد: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾(1).
__________
(1) ابن المنذر: ٣١٠.
مقاتل:
روي عن مقاتل بن سليمان (ت 150 هـ) في تفسير هذا المقطع هذه الآثار:
1. روي أنّه قال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ يعني: اليهود خاصموك ـ يا محمد ـ في الدين، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ يقول: أخلصت ديني لله(1).
2. روي أنّه قال: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ على ديني فقد أخلص(2).
3. روي أنّه قال: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾: والإسلام: اسم مشتق من اسم الله تعالى، أمر الله تعالى النبي صلّى الله عليه وآله وسلم أن يدعوهم إلى الإسلام، فقال: (أسلمت)، يعني: أخلصت(2).
4. روي أنّه قال: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ يقول: فإن أبوا أن يسلموا، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ يعني: بلاغ الرسالة، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ بأعمال العباد(2).
__________
(1) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٧.
(2) تفسير مقاتل بن سليمان: ١/٢٦٨.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي:
الديلمي:
ذكر الإمام الناصر الديلمي (ت 444 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ أي أسلمت نفسي معناه انقدت في أمره الإخلاص التوحيد، ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ وهم الذين لا كتاب لهم مأخوذ من الأمي الذي لا يكتب ﴿آَسْلَمْتُمْ﴾ هو أمر بالإسلام لهم على صورة الاستفهام.
__________
(1) البرهان في تفسير القرآن للديلمي: 1/135.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. إن الله يقول للمؤمنين الذين تلح عليهم شهوات الحياة الدنيا بالمعصية في استجابتهم لنداء الجنس الحرام والمال الحرام والعلاقة المحرمة التي يراد بها الحصول على رضا الناس بعيدا عن رضا الله: هل أعرّفكم أفضل من ذلك كله، وبذلك تواجهون الموقف من موقع المقارنة الواعية التي توازن بين المال الزائل والمال الخالد، وبين الشهوة الدنسة الفانية والشهوة الطاهرة الخالدة، وبين رضا الناس الذي لا يحقق للإنسان نفعا ولا يدفع عنه ضرا على المدى الطويل، ورضا الله الذي يحيط بالإنسان من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وشماله، القادر على كل شيء، وخالق كل مخلوق، ورازق كل مرزوق، مالك الحياة والموت والضر والنفع.. فهل تختارون الزائل الذي تقفون من خلال نتائجه موقف الخزي والذل والعار والعذاب، أم تختارون الخالد الذي قد يفرض عليكم بعض الصبر ولكنه ينتهي بكم إلى الخير الكبير والرضوان العظيم عند الله؟ إن الله يترك للعاقل أن يفكر لئلا يقع في أسر الشهوات المحرمة ويفضل الدنيا على الآخرة، والله بصير بعباده، عارف بكل ما يسرّونه وما يعلنونه في مجال الطاعة والمعصية.
2. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾ إنها صفات المؤمنين المتقين في تطلعاتهم لما عند الله، وفي خصائصهم الذاتية المنطلقة في خط الإيمان بالله.. فهم يعيشون الحياة من خلال الشعور بإيمانهم كحقيقة تحتوي كيانهم، وتستوعب كل نشاطهم، وتدفعهم إلى تحمّل المسؤولية بوعي كامل لنتائجها العاجلة والآجلة، ومحاسبة دقيقة لكل خطواتها العملية المستقيمة والمنحرفة.
3. وهذا ما يتمثل في هذا الدعاء الخاشع ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا﴾ بك، فهو القاعدة الفكرية والشعورية التي ننطلق منها من موقع القوّة، فليكن هذا الإيمان شفيعنا عندك في ما أخطأنا فيه، فإننا لم نخطئ جحودا بألوهيتك ولا تمرّدا على عبوديتنا لك، ولكنها تسويلات النفس الأمّارة بالسوء التي خلقتها من ضعف وأعطيتنا القوة لنستعين بها على مقاومة الضعف، ولكنّك تعلم أننا قد نضعف أمام أنفسنا، فلا تؤاخذنا ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ لنقف بين يديك طاهرين من الدنس، مطهرين من الذنوب، ننتظر رضاك في دخول جنتك.
4. وبعد ذلك، فإنهم الصابرون الذين يواجهون تحديات الحياة في شهواتها ومتاعبها بصبر لا يضعف ولا ينهار، بل يحافظ على تماسك الشخصية في خط الإيمان الصامد، فيتحمّلون ـ من خلال ذلك ـ كل الضغوط، مهما بلغت من القوة والقسوة والصعوبة، وهم الصادقون مع أنفسهم ومع ربهم ومع الناس، فقد آمنوا بالحق، ولا مجال معه للكذب، لأن الكذب والخداع والتدليس والغش من الباطل، ولا يجتمع الباطل والحق في قلب إنسان واحد، وهم القانتون العابدون لله المطيعون لأمره في كل شيء، وهم المنفقون الذين يعيشون روح العطاء في ما رزقهم الله من مال وعلم وجاه وخبرة، فلا يرون ذلك امتيازا يستعلون به على الناس، بل يعتبرونه أمانة ومسئولية يؤدونها إلى الناس، ورسالة يعيشون الحياة جهادا من أجلها للحصول على رضا الله، وهم المستغفرون بالأسحار، المستيقظون في هدأة الليل عندما تصفو الروح، ويطمئن القلب، وتخفت الأصوات، ويرقّ الليل في استشرافه لأجواء الفجر، ويشعرون بالحاجة إلى أن يفرغوا لعبادة الله، ويستغفروه، ويستلهموه الصواب، ويناجوه مناجاة الخائف المذنب ومناجاة المؤمن، فيستريح المتعب من رحلة الذنوب إلى الواحة التي يأوي فيها إلى ظل ظليل من رضوان الله ولطفه وغفرانه.
__________
(1) من وحي القرآن: 5/267.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. هذه الآية توضّح الخطّ البياني الصاعد لتكامل الحياة الإنسانية الذي أشير إليه في الآية السابقة، تقول الآية: هل أخبركم بحياة أرفع وأسمى من هذه الحياة المادّية المحدودة في الدنيا، تلك الحياة فيها كلّ ما في هذه الحياة من النعم لكنّها صورتها الكاملة الخالية من أيّ نقص وعيب خاصة بالمتقين، بساتينها، لا كبساتين الدنيا، لا ينقطع الماء عن الجريان بجوار أشجارها: ﴿تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ﴾، ونعمها دائمة أبدية، لا كنعم الدنيا السريعة الزوال: ﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾، نساؤها خلافا لكثير من غواني هذه الدنيا، ليس في أجسامهنّ ولا أرواحهنّ نقطة ظلام وخبث: ﴿وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ﴾، كلّ هذا بانتظار المتّقين، وأسمى من ذلك كلّه، النعم المعنوية التي تفوق كلّ تصوّر وهي ﴿رِضْوانٌ مِنَ اللهِ﴾
2. نلاحظ أنّ الآية تبدأ بجملة: (أأنبؤكم) الاستفهامية الموجّهة إلى الفطرة الإنسانية الواعية لكي تكون أنفذ في السامع وأعمق، ثمّ إنّ الاستفهام ينصّ على (الإنباء) التي تستعمل للأداء بخبر مهمّ جدير بالاستيعاب، وتخبر الآية المؤمنين أنّهم إذا امتنعوا عن اللذائذ غير المشروعة والأهواء الطاغية الممزوجة بالمعصية، فإنّهم سيفوزون في الآخرة بلذائذ مشابهة ولكن بمستوى أرفع وخالية من كلّ نقص وعيب، إلّا أنّ هذا لا يعني حرمان النفس من لذائذ الحياة الدنيا التي لهم أن يتمتّعوا بها بصورة مشروعة.
3. يظنّ بعضهم أنّ اللذائذ المادّية مقتصرة على الحياة الدنيا، وأنّ الحياة الأخرى خالية منها، وأنّ جميع ما جاء في القرآن عن الجنّات والفواكه والمياه الجارية والأزواج الطاهرة إنّما هي كناية عن مقامات ونعم معنوية من باب (كلّم الناس على قدر عقولهم)، لكنّا ينبغي أن نقول: إنّنا بعد أن قبلنا بالمعاد الجسماني استنادا إلى الكثير من آيات القرآن الصريحة، فلا بدّ من وجود نعم تناسب الجسم والروح وبمستوى أرفع وأعلى، وفي هذه الآية إشارة إلى كليهما: ما يناسب المعاد الجسماني، وما يناسب المعاد الروحي.
4. في الواقع، إنّ الذين يعتبرون نعم الآخرة المادّية كناية عن نعم معنوية، إنّما يؤوّلون ظاهر آيات القرآن دون سبب، كما أنّهم ينسون المعاد الجسماني وما يقتضيه، ولعلّ جملة ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ التي جاءت في آخر الآية إشارة إلى هذه الحقيقة، أي أنّه يعلم ما يحتاجه الجسم والروح في العالم الآخر، وما هي متطلّبات كلّ منهما وهو يضمن إشباع هذه الحاجات على أحسن وجه.
5. ﴿الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا﴾ في هذه الآية والآية التي بعدها نتعرّف على المتّقين الذين كانوا في الآية السابقة مشمولين بنعم الله العظيمة في العالم الآخر، فتعددان ستّ صفات من صفاتهم الممتازة:
أ. إنّهم يتوجّهون إلى الله بكلّ جوارحهم، والإيمان يضيء قلوبهم، ولذلك يحسّون بمسؤولية كبيرة في كلّ أعمالهم، ويخشون عقاب أعمالهم خشية شديدة، فيطلبون مغفرته والنجاة من النار: ﴿فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾
ب. مثابرون صابرون ذوو همّة، ومقاومون عند مواجهتهم الحوادث في مسيرة إطاعتهم لله وتجنّبهم المعاصي، وعند ابتلائهم بالشدائد الفردية والاجتماعية ﴿الصَّابِرِينَ﴾
ج. صادقون ومستقيمون، وما يعتقدون به في الباطن يعملون به في الظاهر، ويتجنّبون النفاق والكذب والخيانة والتلوّث ﴿وَالصَّادِقِينَ﴾
د. في طريق العبودية لله خاضعون ومتواضعون ومواظبون على ذلك ﴿وَالْقَانِتِينَ﴾
هـ. لا ينفقون من أموالهم فحسب، بل ينفقون من جميع ما لديهم من النعم المادّية والمعنوية في سبيل الله، فيعالجون بذلك أدواء المجتمع ﴿وَالْمُنْفِقِينَ﴾
و. في أواخر الليل وعند السحر، أي عندما يسود الهدوء والصفاء وحين يغط الغافلون في نوم عميق وتهدأ ضوضاء العالم المادّي، يقوم ذوو القلوب الحيّة اليقظة، ويذكرون الله ويطلبون المغفرة منه وهم ذائبون في نور الله وجلاله، وتلهج كلّ ذرّة من وجودهم بتوحيده سبحانه ﴿وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ﴾، روي عن الصادق عليه السّلام أنّه قال: من قال في آخر صلاة الوتر في السحر (استغفر الله وأتوب إليه) سبعين مرّة، ودوام على ذلك سنة كتبه الله من المستغفرين بالأسحار)
6. (السحر) في أصل اللغة هو (التغطية والإخفاء)، ولمّا كانت ساعات الليل الأخيرة تغطّي كلّ شيء بستار خاصّ، فقد سمّيت بالسحر، و(السحر) ـ بكسر السين ـ من المادّة نفسها، لأنّ الساحر يقوم بأعمال تخفى أسرارها على الآخرين، وقد يطلق العرب اسم (السحر) ـ بوزن البشر ـ على الرئة لاختفاء ما فيها.
7. سؤال وإشكال: لماذا يشار إلى السحر من بين جميع ساعات الليل والنهار، مع أنّ الاستغفار وذكر الله مطلوبان في كلّ وقت؟ والجواب: السبب هو ما تتميّز به ساعات السحر من هدوء وسكون وابتعاد عن الأعمال المادّية، وللنشاط الذي يشعر به المرء بعد استراحته ونومه، فيكون أكثر استعدادا للتوجّه إلى الله، وهذا ما يسهل دركه بالتجربة، حتّى أنّ بعض العلماء يستثمرون وقت السحر لحلّ المسائل العلمية، إذا أنّ سراج الفكر وروح الإنسان أكثر تلألؤا وسطوعا في ذلك الوقت من أيّ وقت آخر، ولمّا كانت روح العبادة والاستغفار هي التوجّه وحضور القلب، فإنّ العبادة والاستغفار في هذا الوقت أسمى من أيّ وقت آخر.
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/422.
الماتريدي:
ذكر أبو منصور الماتريدي (ت 333 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ ولم يقل: في ماذا يحاجوك؛ فيحتمل ـ والله أعلم ـ أن يكون هذا بعد ما علم الله أنهم لا يؤمنون ولا يقبلون الحجة ـ أمره بترك المحاجّة بقوله: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ وكذلك: من اتبعني أسلموا أنفسهم لله؛ كقوله: ﴿وَتَوَلَّى عَنْهُمْ﴾ [يوسف: 84] ﴿فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [النساء: 64] أيأسه عن إيمانهم، وأمره بترك المحاجة معهم.
2. قوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ يحتمل وجهين:
أ. أي: أخلصت.
ب. ثم يحتمل قوله: ﴿وَجْهِيَ لله﴾ أي: نفسي لله لا أشرك فيها أحدا، ولا أجعل لغير الله فيها حقا، على ما جعل الكفار في أنفسهم شركاء وأربابا، فيها لأحد؛ كما قال ﴿وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ﴾ [الزمر: 29]
3. والإيمان: هو التصديق لشهود الربوبية لله من نفسه وغيره؛ لأنه ما من شيء إلا وفيه شهادة الربوبية، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي: ومن أيضا، لم يشركوا فيها شركاء وأربابا.
4. يحتمل قوله: ﴿وَجْهِيَ لله﴾ أي: أسلمت أمر ديني وعملي لله؛ وكذلك من اتبعني واتبع ديني، فقد أسلموا أعمالهم وأمورهم لله؛ كقوله تعالى: ﴿وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ [غافر: 44]، وفي حرف ابن مسعود: (ومن اتبعنى) أي: ومن معي.
5. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ قيل: الذين أوتوا الكتاب: اليهود والنصارى، والأميين: العرب الذين لا يقرؤون الكتاب، ولا لهم كتاب، ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ أنتم لله؛ كما أسلمت أنا وجهي لله، ومن اتبعني، ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ وأخلصوا وجوههم لله وأعمالهم، ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: فإن أبوا أن يسلموا فليس عليك إلا البلاغ؛ كقوله تعالى: ﴿مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الأنعام: 52]، وكقوله: ﴿إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلَاغُ﴾ [الشورى: 48]، وكقوله: ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ﴾ [الرعد: 40]
6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾:
أ. قيل: هو حرف وعيد.
ب. قيل: ﴿بَصِيرٌ﴾ غير غافل.
ج. وقيل: بصير بجزاء أعمالهم.
د. وقيل: بصير بما أسرّوا وأعلنوا، وفي كل وجه وعد ووعيد.
7. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ ولم يبين في ماذا، فقد يجوز ترك الإخبار عن القصة بوجهين:
أ. أحدهما: بعلم أهله.
ب. الثاني: بما في الجواب؛ دليله: قوله: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ﴾ [النساء: 167] ﴿يَسْأَلُونَكَ﴾ [البقرة: 189] في غير موضع، على غير البيان أنه عن ماذا؟ وهو ـ والله أعلم ـ داخل تحت ذينك الوجهين.
ج. ثم يحتمل أن تكون المحاجة قد كثرت فيما قال ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ والحجة قد ظهرت فيه؛ فكانوا يعودون إليها مرة بعد مرّة كانوا يعبدونها من دون الله؛ فبين ـ جلّ ثناؤه ـ في ذلك بالذي يقول لهم هو ومن اتبعه على ذلك؛ نحو قوله: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾ [الكافرون: 6]، وقوله: ﴿لَا حُجَّةَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ﴾ الآية [الشورى: 15]، ونحو ذلك.
__________
(1) تأويلات أهل السنة: 2/337.
الماوردي:
ذكر أبو الحسن الماوردي (ت 450 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ الآية، وجهان:
أ. أحدهما: أي أسلمت نفسي، ومعنى أسلمت: انقدت لأمره في إخلاص التوحيد له.
ب. الثاني: أن معنى أسلمت وجهي: أخلصت قصدي إلى الله في العبادة، مأخوذ من قول الرجل إذا قصد رجلا فرآه في الطريق هذا وجهي إليك، أي قصدي.
2. ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ هم الذين لا كتاب لهم، مأخوذ من الأمي الذي لا يكتب، قال ابن عباس: هم مشركو العرب، ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ هو أمر بالإسلام على صورة الاستفهام.
3. سؤال وإشكال: في أمره تعالى عند حجاجهم بأن يقول: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ عدول عن جوابهم وتسليم لحجاجهم، والجواب: عنه جوابان:
أ. أحدهما: ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بحجاجهم، وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده، ثم هو في الجواب لهم والاحتجاج على ما يقتضيه السؤال.
ب. الثاني: أنهم ما حاجّوه طلبا للحق فيلزمه جوابهم، وإنما حاجّوه إظهارا للعناد، فجاز له الإعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم.
__________
(1) تفسير الماوردي: 1/381.
الطوسي:
ذكر أبو جعفر الطوسي (ت 460 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. المعني بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ نصارى نجران ـ على قول جميع المفسرين.
2. سؤال وإشكال: لم قال ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ ولم يؤكد الضمير، فلم يقل: أسلمت أنا ولا يجوز أن يقول القائل قمت وزيد إلا بعد أن يقول قمت أنا وزيد؟ والجواب: إنما جاز هاهنا لطول الكلام، فصار طوله عوضاً من تأكيد الضمير المتصل، ولو قال أسلمت وزيد لم يجز حتى يقول: أسلمت أنا وزيد، فإذا قال أسلمت اليوم بانشراح صدري ومن جاء معي حسن.
3. سؤال وإشكال: ما الحجة في قوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾؟ والجواب: فيه وجهان:
أ. أحدهما: أنه أراد إلزامهم على ـ ما أقروا به من أن الله خالقهم ـ اتباع أمره في ﴿أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ فلذلك قال ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ أي انقدت لأمره في اخلاص التوحيد له.
ب. الثاني: أنه ذكر الأصل الذي يلزم جميع المكلفين الإقرار به لأنه لا ينتقض في ما يحتاج إلى العمل عليه في الدين الذي هو طريق النجاة من العذاب إلى النعيم.
4. معنى قوله: ﴿وَجْهِيَ﴾ يريد نفسي وإنما أضاف الإسلام إلى الوجه، لأنه لما كان وجه الشيء أشرف ما فيه ذكر بدلا منه ليدل على شرف الذكر، ومثله ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ أي إلا هو.
5. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى، ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذين لا كتاب لهم على قول ابن عباس وغيره، من أهل التأويل، وهم مشركو العرب، كما قال: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ﴾ وقال: ﴿النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ﴾ أي الذي لا يكتب، وإنما قيل لمن لا يكتب أمي، لأنه نسب إلى ما عليه الأمة في الخلقة لأنهم خلقوا لا يكتبون شيئاً، وإنما يستفيدون الكتابة.
6. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ من حذف الياء اجتزاء بالكسرة وإنما حذفها حمزة، والكسائي وعاصم، وحذف الياء في أواخر الآي أحسن لأنها تشبه القوافي، ويجوز في وسط الآي أيضاً وأحسنها ما كان قبلها نون مثل قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، فان لم يكن نون، فإنه يجوز أيضاً نحو قولك هذا غلام، وما أشبه ذلك، والأجود أن تقول هذا غلامي وإن شئت أسكنت الياء، وإن شئت فتحتها.
7. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ أمر في صورة الاستفهام، وإنما كان كذلك، لأنه بمنزلة طلب الفعل، والاستدعاء إليه فذكر ذلك للدلالة على أمرين من غير تصريح به ليقر المأمور به بما يلزمه فيه، كما تقول لمن توصيه بما هو أعود عليه: أقبلت هذا، ومعناه اقبل، ومثله قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ معناه انتهوا، وأقروا به، وتقول لغيرك: هل أنت كاف عنا، ومعناه اكفف، ويقول القائل لغيره: أين أنت، ومعناه اثبت مكانك لا تبرح.
8. ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ معناه اهتدوا إلى طريق الحق ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ معناه كفروا، ولم يقبلوا واعرضوا عنه ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ ومعناه عليك البلاغ، فقط دون ألا يتولوا، لأنه ليس عليك ألا يتولوا.
9. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ معناه هاهنا لا يفوته شيء من أعمالهم التي يجازيهم بها، لأنه بصير بهم أي عالم بهم وبسرائرهم وظواهر أعمالهم، لا يخفى عليه خافية، وقيل معناه يعلم ما يكون منك في التبليغ، ومنهم في الايمان، والكفر.
__________
(1) تفسير الطوسي: 2/421.
الجشمي:
ذكر الحاكم الجشمي (ت 494 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. شرح مختصر للكلمات:
أ. المحاجة: إيراد الحجة، وهي المفاعلة من الحجة، وذلك بين اثنين.
ب. الأمي: الذي لا يكتب نسب إلى ما عليه الأمة في الخلقة؛ لأنهم خلقوا لا يكتبون، وإنما يستفيدون الكتابة.
ج. الوجه: الجارحة المعروفة، لأنه يواجهك، ويعبر بالوجه عن النفس يقال: هذا وجه الرأي.
د. الإبلاغ: الإيصال، والبلوغ: الوصول، يقال: هو أَحْمقَ بَلْغ أي: مع حماقته، يبلغ ما يريد.
2. اختلف في سبب نزول الآية الكريمة:
أ. قيل: إن اليهود والنصارى قالوا للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم: لسنا على ما سميتنا، وإنما نحن على دين الإسلام، فأنزل اللَّه تعالى هذه الآية.
ب. وقيل: حاجوا في عيسى فنزلت الآية.
3. ثم بَيَّنَ تعالى أنهم إن حاجوك بعد ظهور الآيات بأن الدين الإسلام فليس عليك إلا البلاغ فقال تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ قيل: خاصموك ودعوك إلى الحجة، واختلفوا في الكناية:
أ. فقيل: عن اليهود والنصارى.
ب. وقيل: وفد نجران.
ج. وقيل: سائر الكفار.
4. اختلفوا في ماذا يحاجون؟
أ. فقيل: في الدين.
ب. وقيل: في عيسى.
5. ﴿فَقُلْ﴾ يا محمد ﴿أَسْلَمْتُ﴾:
أ. قيل: انقدت.
ب. وقيل: أخلصت قصدي وعملي، عن الفراء وأبي مسلم.
6. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَجْهِيَ﴾:
أ. قيل: نفسي.
ب. وقيل: وجهي عملي، أي أخلصت عملي.
7. ﴿لِلَّهِ﴾ تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ يعني ومن اقتدى بي في الدين من المسلمين فقد أسلموا كما أسلمت، ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ اليهود والنصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾:
أ. قيل: الَّذِينَ لا كتاب لهم، عن ابن عباس وجماعة من أهل العلم.
ب. وقيل: هم مشركو العرب.
8. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ استفهام والمراد به الأمر، واستدعاء الفعل ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا﴾ انقادوا وأطاعوا ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾:
أ. قيل: أخذوا طريق الهدى وأصابوا الحق.
ب. وقيل: اهتدوا إلى ثواب اللَّه وجنته.
9. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أعرضوا، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ عليك تبليغ الرسالة فقط، وليس عليك قبولهم، وألا يتولوا.
10. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾:
أ. قيل: عالم بمن يقبل منهم، ومن لا يقبل.
ب. وقيل: عالم بجميع أحوالهم.
ج. وقيل: عالم بأنك قد بلغت وأنهم تولوا، عن الأصم.
11. تدل الآية الكريمة على:
أ. جواز المحاجة في الدين وبطلان التقليد؛ لأنه تعالى أمر عند محاجة القوم بالجواب، ووجه الاحتجاج في قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ من وجهين:
• أحدهما: ذكر الأصل الذي يلزم الكل الإقرار به من حيث دلت الحجج عليه.
• والثاني: إلزامهم ما أقروا به من أن اللَّه تعالى خالقهم، فيلزمهم اتباع أمره، فلذلك قال: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ انقدت لأمره بإخلاص التوحيد له.
ب. أن من لم يكن مسلمًا نفسه لله لا يكون متبعًا له، فمن هذا الوجه تدل على أن الفاسق غير متبع له مطلقًا.
ج. أن أهل الكتاب والأميين بالكفر سواء، وأن جميعهم يلزمهم الإيمان.
د. أن الإسلام ينطلق على العلم والعمل؛ لأنه لا يكون مهتديًا إلا بالأمرين.
هـ. أنه بالإسلام يصير الإنسان مهتديًا.
12. حذف عاصم وحمزة والكسائي الياء من ﴿اتَّبَعَنِي﴾ اجتزاء بالكسرة واتباعًا للمصحف، وأثبتها الآخرون على الأصل.
13. ﴿من﴾ في محل الرفع عطفًا على التاء في قوله: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ أنا ومن اتبعني أسلم أيضا، وقال: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ ولم يقل: أنا ومن اتبعني لطول الكلام، صار عوضًا عن الضمير المنفصل، ولو قال: أسلمت وزيد لم يحسن حتى يقول: أسلمت أنا وزيد، ولو قال: أسلمت اليوم بانشراح صدري ومن جاء معي حسن.
__________
(1) التهذيب في التفسير: 2/194.
الطَبرِسي:
ذكر الفضل الطَبرِسي (ت 548 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. لما قدم الله سبحانه ذكر الإيمان والإسلام، خاطب نبيه فقال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ فإن حاجك وخاصمك النصارى، وهم وفد نجران ﴿فَقُلْ﴾ يا محمد ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ﴾ وفيه وجهان:
أ. أحدهما: إن معناه انقدت لأمر الله في إخلاص التوحيد له، والحجة فيه أنه ألزمهم على ما أقروا من أن الله خالقهم، اتباع أمره في أن لا يعبدوا إلا إياه.
ب. والثاني: إن معناه أعرضت عن كل معبود دون الله، وأخلصت قصدي بالعبادة إليه.
2. ذكر الأصل الذي يلزم جميع المكلفين الإقرار به، لأنه لا يتبعض فيما يحتاج إلى العمل عليه في الدين الذي هو طريق النجاة من العذاب إلى النعيم.
3. معنى وجهي هنا: نفسي، وأضاف الاسلام إلى الوجه، لأن وجه الشئ أشرف ما فيه، لأنه يجمع الحواس، وعليه يظهر آية الحزن والسرور، فمن أسلم وجهه فقد أسلم كله، ومنه قوله ﴿كل شئ هالك إلا وجهه﴾
4. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أي: ومن اهتدى بي في الدين من المسلمين، فقد أسلموا أيضا كما أسلمت ﴿وَقُلْ﴾ يا محمد ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يعني اليهود والنصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ أي: الذين لا كتاب لهم، عن ابن عباس وغيره، وهم مشركو العرب، وقد مر تفسير الأمي واشتقاقه عند قوله ﴿وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ﴾
5. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ أي: أخلصتم كما أخلصت، لفظه لفظ الاستفهام وهو بمعنى التوقيف والتهديد، فيكون متضمنا للأمر، فيكون معناه: أسلموا فإن الله تعالى أزاح العلل، وأوضح السبل، ونظيره ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ أي: انتهوا، وهذا كما يقول الانسان لغيره، وقد وعظه بمواعظ: أقبلت وعظي؟ يدعوه إلى قبول الوعظ.
6. ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ إلى طريق الحق ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: كفروا ولم يقبلوا، وأعرضوا عنه، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ معناه: فإنما عليك أن تبلغ وتقيم الحجة، وليس عليك أن لا يتولوا.
7. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾:
أ. قيل: معناه هاهنا: إنه لا يفوته شئ من أعمالهم التي يجازيهم بها، لأنه يصير بهم أي: عالم بهم وبسرائرهم، لا يخفى عليه خافية.
ب. وقيل: معناه عالم بما يكون منك في التبليغ، ومنهم في الإيمان والكفر.
8. حذف عاصم وحمزة والكسائي الياء من ﴿اتَّبَعَنِي﴾ اجتزاء بالكسرة، واتباعا للمصحف، وأثبتها الباقون على الأصل.. حذف الياء في أواخر الآي أحسن، لأنها تشبه القوافي، ويجوز في وسط الآي أيضا، وأحسنها ما كان قبلها نون مثل قوله ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، فإن لم يكن نون جاز أيضا نحو قولك، هذا غلام، وما أشبه ذلك، والأجود إثبات الياء، وإن شئت أسكنت الياء، وإن شئت فتحتها.
9. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ في محل الرفع عطفا على التاء في قوله ﴿أَسْلَمْتُ﴾، ولم يؤكد الضمير، فلم يقل أسلمت أنا ومن اتبعن، ولو قلت: أسلمت وزيد، لم يحسن إلا أن تقول أسلمت أنا وزيد، وإنما جاز هنا لطول الكلام، فصار طوله عوضا من تأكيد الضمير المتصل بالمنفصل.
__________
(1) تفسير الطبرسي: 2/719.
ابن الجوزي:
ذكر أبو الفرج بن الجوزي (ت 597 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك، وخاصموك، قال مقاتل: يعني اليهود، قال ابن جرير: يعني نصارى نجران في أمر عيسى، وقال غيرهما: اليهود والنّصارى.
2. ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ﴾ قال الفرّاء: معناه: أخلصت عملي، وقال الزّجّاج: قصدت بعبادتي إلى الله.
3. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أثبت الياء في الوصل دون الوقف أهل المدينة والبصرة، وابن شنبوذ عن قنبل، ووقف ابن شنبوذ ويعقوب بياء، قال الزّجّاج: والأحبّ إليّ اتّباع المصحف، وما حذف من الياءات في مثل قوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ و﴿لَئِنْ أَخَّرْتَنِ﴾ و﴿رَبِّي أَكْرَمَنِ﴾ و﴿رَبِّي أَهَانَنِ﴾، فهو على ضربين، أحدهما: ما كان مع النون، فإن كان رأس آية، فأهل اللغة يجيزون حذف الياء، ويسمّون أواخر الآي الفواصل، كما أجازوا ذلك في الشعر، قال الأعشى:
çومن شانئ كاسف باله...إذا ما انتسبت له أنكرن
وهل يمنعني ارتيادي البلا...د من حذر الموت أن يأتينé
فأمّا إذا لم يكن آخر آية أو قافية، فالأكثر إثبات الياء، وحذفها جيد أيضا، خاصة مع النّونات، لأن أصل (اتبعني) (اتبعي) ولكن (النون) زيدت لتسلم فتحة العين، فالكسرة مع النون تنوب عن الياء، فأما إذا لم تكن النون، نحو غلامي وصاحبي، فالأجود إثباتها، وحذفها عند عدم النون جائز على قلّته، تقول: هذا غلام، قد جاء غلامي، وغلامي، بفتح الياء وإسكانها، فجاز الحذف، لأنّ الكسرة تدلّ عليها.
4. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ يريد اليهود والنّصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ بمعنى مشركي العرب، وقد سبق في البقرة شرح هذا الاسم، قوله تعالى: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ قال الفرّاء: هو استفهام ومعناه الأمر، كقوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾
5. اختلف علماء النّاسخ والمنسوخ في هذه الآية، فذهبت طائفة إلى أنها محكمة، وأن المراد بها تسكين نفس النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم عند امتناع من لم يجبه، لأنه كان يحرص على إيمانهم، ويتألّم من تركهم الإجابة، وذهبت طائفة إلى أن المراد بها الاقتصار على التّبليغ، وهذا منسوخ بآية السيف.
__________
(1) زاد المسير: 1/268.
الرَّازي:
ذكر الفخر الرازي (ت 606 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. لما ذكر الله تعالى من قبل أن أهل الكتاب اختلفوا من بعد ما جاءهم العلم، وأنهم أصروا على الكفر مع ذلك بيّن الله تعالى للرسول صلّى الله عليه وآله وسلم ما يقوله في محاجتهم، فقال: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ وفي كيفية إيراد هذا الكلام طريقان:
أ. الأول: أن هذا إعراض عن المحاجة، وذلك لأنه صلّى الله عليه وآله وسلم كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مراراً وأطواراً، فإن هذه السورة مدنية، وكان قد أظهر لهم المعجزات بالقرآن، ودعاء الشجرة وكلام الذئب وغيرها، وأيضا قد ذكر قبل هذه الآية آيات دالة على صحة دينه:
• فأولها: أنه تعالى ذكر الحجة بقوله تعالى: ﴿الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾ على فساد قول النصارى في إلهية عيسى عليه السلام وبقوله تعالى: ﴿نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ﴾ [آل عمران: 3] على صحة النبوّة، وذكر شبه القوم، وأجاب عنها بأسرها على ما قررناه فيما تقدم.
• ثم ذكر لهم معجزة أخرى، وهي المعجزات التي شاهدوها يوم بدر على ما بيناه في تفسير قوله تعالى: ﴿قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا﴾ [آل عمران: 13]
• ثم بيّن صحة القول بالتوحيد، ونفي الضد والند والصاحبة والولد بقوله تعالى: ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ [آل عمران: 18]
• ثم بيّن تعالى أن ذهاب هؤلاء اليهود والنصارى عن الحق، واختلافهم في الدين، إنما كان لأجل البغي والحسد، وذلك ما يحملهم على الانقياد للحق والتأمل في الدلائل لو كانوا مخلصين.
• فظهر أنه لم يبق من أسباب إقامة الحجة على فرق الكفار شيء إلا وقد حصل، فبعد هذا قال ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ يعني إنا بالغنا في تقرير الدلائل، وإيضاح البينات، فإن تركتم الأنف والحسد، وتمسكتم بها كنتم أنتم المهتدين، وإن أعرضتم فإن الله تعالى من وراء مجازاتكم، وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام، فإن المحق إذا ابتلى بالمبطل اللجوج، وأورد عليه الحجة حالا بعد حال، فقد يقول في آخر الأمر: أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق، مستسلمون له، مقبلون على عبودية الله تعالى، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد، فهذا الطريق قد يذكره المحتج المحق مع المبطل المصر في آخر كلامه.
ب. الثاني: هو أن نقول: إن قوله تعالى: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ محاجة، وإظهار للدليل، وبيانه من وجوه:
• الأول: أن القوم كانوا مقرين بوجود الصانع، وكونه مستحقا للعبادة، فكأنه صلّى الله عليه وآله وسلم قال للقوم: هذا متفق عليه بين الكل فأنا مستمسك بهذا القدر المتفق عليه وداع للخلق إليه، وإنما الخلاف في أمور وراء ذلك وأنتم المدعون فعليكم الإثبات، فإن اليهود يدعون التشبيه والجسمية، والنصارى يدعون إلهية عيسى، والمشركين يدعون وجوب عبادة الأوثان فهؤلاء هم المدعون لهذه الأشياء فعليهم إثباتها، وأما أنا فلا أدعي إلا وجوب طاعة الله تعالى وعبوديته، وهذا القدر متفق عليه، ونظيره هذه الآية قوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا﴾ [آل عمران: 64]
• الثاني: ما ذكره أبو مسلم الأصفهاني، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، والإقرار بأنه كان محقا في قوله صادقا في دينه، إلا في زيادات من الشرائع والأحكام، فأمر الله تعالى محمداً صلّى الله عليه وآله وسلم بأن يتبع ملته فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] ثم إنه تعالى أمر محمدا صلّى الله عليه وآله وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلّى الله عليه وآله وسلم حيث قال ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: 79] فقول محمد صلّى الله عليه وآله وسلم: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ﴾ كقول إبراهيم عليه السلام ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي اعترضت عن كل معبود سوى الله تعالى، وقصدته بالعبادة وأخلصت له، فتقدير الآية كأنه تعالى قال فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل: أنا مستمسك بطريقة إبراهيم، وأنتم معترفون بأن طريقته حقة، بعيدة عن كل شبهة وتهمة، فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات، وداخلا تحت قوله تعالى: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]
• الثالث: ما خطر ببالي عند كتبة هذا الموضع، وهو أنه ادعى قبل هذه الآية أن الدين عند الله الإسلام لا غير، ثم قال ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ يعني فإن نازعوك في قولك ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] فقل: الدليل عليه أني أسلمت وجهي لله، وذلك لأن المقصود من الدين إنما هو الوفاء بلوازم الربوبية، فإذا أسلمت وجهي لله فلا أعبد غيره ولا أتوقع الخير إلا منه ولا أخاف إلا من قهره وسطوته، ولا أشرك به غيره، كان هذا هو تمام الوفاء بلوازم الربوبية والعبودية، فصح أن الدين الكامل هو الإسلام، وهذا الوجه يناسب الآية.
• الرابع: ما خطر ببالي أن هذه الآية مناسبة لقوله تعالى حكاية عن إبراهيم عليه السلام ﴿لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا﴾ [مريم: 42] يعني لا تجوز العبادة إلا لمن يكون نافعا ضارا، ويكون أمري في يديه، وحكمي في قبضة قدرته، فإن كان كل واحد يعلم أن عيسى ما كان قادرا على هذه الأشياء امتنع في العقل أن أسلم له، وأن انقاد له، وإنما أسلم وجهي للذي منه الخير، والشر، والنفع، والضر، والتدبير، والتقدير.
• الخامس: يحتمل أيضا أن يكون هذا الكلام إشارة إلى طريقة إبراهيم صلّى الله عليه وآله وسلم في قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [البقرة: 131] وهذا مروي عن ابن عباس.
2. في قوله تعالى: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ وجوه:
أ. الأول: قال الفرّاء أسلمت وجهي لله، أي أخلصت عملي لله يقال أسلمت الشيء لفلان أي أخلصته له، ولم يشاركه غيره قال ويعني بالوجه هاهنا العمل كقوله تعالى: ﴿يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾ [الكهف: 28] أي عبادته، ويقال: هذا وجه الأمر أي خالص الأمر وإذا قصد الرجل غيره لحاجة يقول: وجهت وجهي إليك، ويقال للمنهمك في الشيء الذي لا يرجع عنه: مرّ على وجهه.
ب. الثاني: أسلمت وجهي لله أي أسلمت وجه عملي لله، والمعنى أن كل ما يصدر مني من الأعمال فالوجه في الإتيان بها هو عبودية الله تعالى والانقياد لإلهيته وحكمه.
ج. الثالث: أسلمت وجهي لله أي أسلمت نفسي لله وليس في العبادة مقام أعلى من إسلام النفس لله فيصير كأنه موقوف على عبادته، عادل عن كل ما سواه.
3. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ حذف عاصم وحمزة والكسائي، الياء من اتبعن اجتزاء بالكسر واتباعا للمصحف، وأثبته الآخرون على الأصل، و﴿مَنِ﴾ في محل الرفع عطفا على التاء في قوله تعالى: ﴿أَسْلَمْتُ﴾ أي ومعنى اتبعني أسلم أيضاً.
4. سؤال وإشكال: لم قال أسلمت ومن اتبعن، ولم يقل: أسلمت أنا ومن اتبعن، والجواب: إن الكلام طال بقوله تعالى: ﴿وَجْهِيَ لله﴾ فصار عوضا من تأكيد الضمير المتصل، ولو قيل أسلمت وزيد لم يحسن حتى يقال: أسلمت أنا وزيد ولو قال أسلمت اليوم بانشراح صدر، ومن جاء معي جاز وحسن.
5. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ هذه الآية متناولة لجميع المخالفين لدين محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، وذلك لأن منهم من كان من أهل الكتاب، سواء كان محقا في تلك الدعوى كاليهود والنصارى، أو كان كاذبا فيه كالمجوس، ومنهم من لم يكن من أهل الكتاب وهم عبدة الأوثان.
6. إنما وصف الله تعالى مشركي العرب بأنهم أميون لوجهين:
أ. الأول: أنهم لما لم يدعو الكتاب الإلهي وصفوا بأنهم أميون تشبيها بمن لا يقرأ ولا يكتب.
ب. الثاني: أن يكون المراد أنهم ليسوا من أهل القراءة والكتابة فهذه كانت صفة عامتهم وإن كان فيهم من يكتب فنادر من بينهم والله أعلم.
7. دلّت هذه الآية على أن المراد بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ عام في كل الكفار، لأنه دخل كل من يدعي الكتاب تحت قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ ودخل من لا كتاب له تحت قوله تعالى: ﴿الْأُمِّيِّينَ﴾
8. ثم قال الله تعالى ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ فهو استفهام في معرض التقرير، والمقصود منه الأمر قال النحويون: إنما جاء بالأمر في صورة الاستفهام، لأنه بمنزلته في طلب الفعل والاستدعاء إليه إلا أن في التعبير عن معنى الأمر بلفظ الاستفهام فائدة زائدة، وهي التعبير بكون المخاطب معاندا بعيدا عن الإنصاف، لأن المنصف إذا ظهرت له الحجة لم يتوقف بل في الحال يقبل ونظيره قولك لمن لخصت له المسألة في غاية التلخيص والكشف والبيان؛ هل فهمتها؟ فإن فيه الإشارة إلى كون المخاطب بليدا قليل الفهم، وقال الله تعالى في آية الخمر ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] وفيه إشارة إلى التقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهي عنه.
9. ثم قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ وذلك لأن هذا الإسلام تمسك بما هدي إليه، والمتمسك بهداية الله تعالى يكون مهتديا، ويحتمل أن يريد: فقد اهتدوا للفوز والنجاة في الآخرة إن ثبتوا عليه.
10. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن الإسلام واتباع محمد صلّى الله عليه وآله وسلم، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ والغرض منه تسلية الرسول صلّى الله عليه وآله وسلم وتعريفه أن الذي عليه ليس إلا إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلغ ما جاء به فقد أدى ما عليه، وليس عليه قبولهم ثم قال: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ وذلك يفيد الوعد والوعيد، وهو ظاهر.
__________
(1) تفسير الفخر الرازي: 7/174.
القرطبي:
ذكر محمد بن أحمد القرطبي (ت 671 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي جادلوك بالأقاويل المزورة والمغالطات، فأسند أمرك إلى ما كلفت من الإيمان والتبليغ وعلى الله نصرك.
2. اختلف في معنى قوله تعالى: ﴿وَجْهِيَ﴾:
أ. قيل: بمعنى ذاتي، ومنه الحديث (سجد وجهي للذي خلقه وصوره).. وهو أولى، وعبر بالوجه عن سائر الذات إذ هو أشرف أعضاء الشخص وأجمعها للحواس، وقال:
çأسلمت وجهي لمن أسلمت... له المزن تحمل عذبا زلالاé
وقد قال حذاق المتكلمين في قوله تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾: إنها عبارة عن الذات وقيل: العمل الذي يقصد به وجهه.
ب. وقيل: الوجه هنا بمعنى القصد، كما تقول: خرج فلان في وجه كذا، وقد تقدم هذا المعنى في البقرة مستوفى.
3. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾﴿مِنَ﴾ في محل رفع عطفا على التاء في قوله ﴿أَسْلَمْتُ﴾ أي ومن اتبعن أسلم أيضا، وجاز العطف على الضمير المرفوع من غير تأكيد للفصل بينهما، وأثبت نافع وأبا عمرو ويعقوب ياء ﴿اتَّبَعَنِ﴾ على الأصل، وحذف الآخرون اتباعا للمصحف إذ وقعت فيه بغير ياء، وقال الشاعر:
çليس تخفى يسارتى قدر يوم... ولقد تخف شيمتي إعسارé
4. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ يعني اليهود والنصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ الذين لا كتاب لهم وهم مشركو العرب،﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾:
أ. قيل: استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر، أي أسلموا، كذا قال الطبري وغيره.
ب. وقال الزجاج: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ تهديد، وهذا حسن لأن المعنى أأسلمتم أم لا.
5. جاءت العبارة في قوله ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ بالماضي مبالغة في الإخبار بوقوع الهدى لهم وتحصيله.
6. ﴿الْبَلَاغُ﴾ مصدر بلغ بتخفيف عين الفعل، أي إنما عليك أن تبلغ:
أ. وقيل: إنه مما نسخ بالجهاد.
ب. وقال ابن عطية: وهذا يحتاج إلى معرفة تاريخ نزولها، وأما على ظاهر نزول هذه الآيات في وفد نجران فإنما المعنى فإنما عليك أن تبلغ ما أنزل إليك بما فيه من قتال وغيره.
__________
(1) تفسير القرطبي: 4/46.
الشوكاني:
ذكر محمد بن علي الشوكاني (ت 1250 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي: جادلوك بالشبه الباطلة والأقوال المحرّفة، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ أي: أخلصت ذاتي لله، وعبر بالوجه عن سائر الذات لكونه أشرف أعضاء الإنسان، وأجمعها للحواس، وقيل: الوجه هنا: بمعنى القصد.
2. ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عطف على فاعل أسلمت، وجاز للفصل، وأثبت نافع، وأبو عمرو، ويعقوب الياء في: اتبعن، على الأصل وحذفها الآخرون اتباعا لرسم المصحف، ويجوز أن تكون الواو بمعنى: مع، والمراد بالأميين هنا: مشركو العرب.
3. ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ استفهام تقرير يتضمن الأمر، أي: أسلموا، كذا قاله ابن جرير وغيره، وقال الزجاج: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ تهديد، والمعنى: أنه قد أتاكم من البراهين ما يوجب الإسلام، فهل عملتم بموجب ذلك أم لا؟ تبكيتا لهم وتصغيرا لشأنهم في الإنصاف وقبول الحق.
4. ﴿فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي: ظفروا بالهداية التي هي الحظ الأكبر، وفازوا بخير الدنيا والآخرة ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ أي: أعرضوا عن قبول الحجة ولم يعملوا بموجبها: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: فإنما عليك أن تبلغهم ما أنزل إليك، ولست عليهم بمسيطر، فلا تذهب نفسك عليهم حسرات، والبلاغ: مصدر، وقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ فيه وعد ووعيد، لتضمنه أنه عالم بجميع أحوالهم.
__________
(1) تفسير الشوكاني: 1/375.
القاسمي:
ذكر جمال الدين القاسمي (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ في الدين وجادلوك فيه بعد إقامة تلك الآيات ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ أي انقدت لآياته المنزلة، وأخلصت نفسي وعبادتي له، لا أشرك فيها غيره، قال أبو السعود: وإنما عبر عن النفس بالوجه لأنه أشرف الأعضاء الظاهرة ومظهر القوى والمشاعر، ومجمع معظم ما يقع به العبادة من السجود والقراءة، وبه يحصل التوجه إلى كل شيء ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ عطف على الضمير المتصل.
2. سؤال وإشكال: هل قوله تعالى: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾، إعراض على المحاجة، أو هو محاجة وإظهار للدليل؟ والجواب(2):
أ. من قائل بالأول، وذلك لأنه صلّى الله عليه وآله وسلم كان قد أظهر لهم الحجة على صدقه قبل نزول هذه الآية مرارا وأطوارا، فإن هذه السورة مدنية، وكان قد أظهر لهم المعجزات الجمة بالقرآن وغيره، فبعد هذا قال ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ﴾ الآية، يعني إنّا بالغنا في تقرير الدلائل وإيضاح البينات، فإن تركتم الأنف والحسد وتمسكتم بها كنتم مهتدين، وإن أعرضتم، فإن الله تعالى من وراء مجازاتكم، وهذا التأويل طريق معتاد في الكلام، فإن المحقّ إذا ابتلي بالمبطل اللجوج، وأورد عليه الحجة حالا بعد حال، فقد يقول في آخر الأمر: أما أنا ومن اتبعني فمنقادون للحق مستسلمون له، مقبلون على عبودية الله تعالى، فإن وافقتم واتبعتم الحق الذي أنا عليه بعد هذه الدلائل التي ذكرتها فقد اهتديتم، وإن أعرضتم فإن الله بالمرصاد، فهذا طريق قد يذكره المحتجّ المحقّ مع المبطل المصرّ في آخر كلامه.
ب. ومن قائل بالثاني، أعني أنه محاجة، وفي كيفية الاستدلال منها ما ذكره أبو مسلم الأصفهانيّ، وهو أن اليهود والنصارى وعبدة الأوثان كانوا مقرين بتعظيم إبراهيم صلوات الله وسلامه عليه، والإقرار بأنه كان محقّا في قوله، صادقا في دينه، فأمر الله تعالى محمدا صلّى الله عليه وآله وسلم بأن يتبع ملته فقال: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: 123]، ثم إنه تعالى أمر محمدا صلّى الله عليه وآله وسلم في هذا الموضع أن يقول كقول إبراهيم صلّى الله عليه وآله وسلم حيث قال: ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: 79]، فقول محمد صلّى الله عليه وآله وسلم: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ﴾ كقول إبراهيم عليه السلام: ﴿وَجَّهْتُ وَجْهِيَ﴾ أي أعرضت عن كل معبود سوى الله تعالى، وقصدته بالعبادة، وأخلصت له، فتقدير الآية كأنه تعالى قال فإن نازعوك يا محمد في هذه التفاصيل فقل أنا مستمسك بطريقة إبراهيم وأنتم معترفون بأن طريقته حقة، بعيدة عن كل شبهة وتهمة، فكان هذا من باب التمسك بالإلزامات، وداخلا تحت قوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]
3. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ أي الذين لا كتاب لهم كمشركي العرب ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ لهذه الآيات كما أسلمت، أم أنتم بعد على الكفر، قال الزمخشريّ: يعني أنه قد أتاكم من البينات ما يوجب الإسلام، ويقتضي حصوله لا محالة، فهل أسلمتم، أم أنتم بعد على كفركم؟ وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة، ولم تبق من طرق البيان والكشف طريقا إلا سلكته: هل فهمتها؟ ومنه قوله عزّ وعلا: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]، بعد ما ذكر الصوارف عن الخمر والميسر، وفي هذا الاستفهام استقصار وتعيير بالمعاندة وقلة الإنصاف، لأن المنصف إذا تجلت له الحجة لم يتوقف إذعانه للحق، وللمعاند بعد تجلي الحجة ما يضرب أسدادا بينه وبين الإذعان، وكذلك في (هل فهمتها) توبيخ بالبلادة وكلّة القريحة، وفي ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ بالتقاعد عن الانتهاء والحرص الشديد على تعاطي المنهيّ عنه.
4. ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي خرجوا من الضلال فنفعوا أنفسهم ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن هداك وهديك ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي تبليغ آيات الله، لا الإكراه إذا عاندوك، إذ ليس عليك هداهم ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ وعد ووعيد.
5. قال ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته صلّى الله عليه وآله وسلم إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث، فمن ذلك قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾ [الأعراف: 158]، وقال تعالى: ﴿تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا﴾ [الفرقان: 1]، وفي الصحيحين وغيرهما مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة أنه صلّى الله عليه وآله وسلم بعث كتبه يدعو إلى الله ملوك الآفاق، وطوائف بني آدم، من عربهم وعجمهم، كتابيّهم وأميّهم، امتثالا لأمر الله له بذلك، وقد روى عبد الرزاق عن معمر عن همّام عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم أنه قال: والذي نفسي بيده! لا يسمع بي أحد من هذه الأمة، يهوديّ ولا نصرانيّ، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به، إلا كان من أهل النار، رواه مسلم، وقال صلّى الله عليه وآله وسلم: بعثت إلى الأحمر والأسود، وقال: كان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس عامة، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث.
__________
(1) تفسير القاسمي: 2/298.
(2) هذا الجواب للرازي، وقد سبق ذكره
أَطَّفِّيش:
ذكر محمد أَطَّفِّيش (ت 1332 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَآجُّوكَ﴾ جادلوك في الدين يا محمَّد؛ أو أتوك بحجَّة في زعمهم، قابلوا بها حجَّتك المحقَّة، أو سمَّى دعواهم حجَّة تهكُّما، أو للمشاكلة، والواو للناس مطلقًا، أو أهل الكتاب، أو وفد نصارى نجران.
2. ﴿فَقُل﴾ لهم ﴿أَسْلَمْتُ﴾ أخلصت ﴿وَجْهِي﴾ أي: ذاتي أو مقاصدي فعلا أو تركا، وخصَّ الوجه لشرفه، فغيره أولى لاشتماله على البصر واللِّسان والذوق والسمع والشمِّ، وهو معظم ما يسجد به، وبه التوجُّه إلى كلِّ شيء، ﴿لِلهِ﴾ فله اعتقادي وقولي وعملي طبق ما أمرني ونهاني، ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِي﴾ أسلمت أنا ومن اتبعني، أو مع من اتَّبعني، وذلك ظاهر ليس مِمَّا أُجادِلكم فيه، أو حاجِّهم بأنِّي متمسِّك بما أقررتم به من وجود الصانع وكونه أهلا للعبادة، والواو للمعيَّة، أي: مع من اتَّبعني بإسلام وجهه، أو عاطفة على التاء للفصل عطف معمولين ـ أحدهما محذوف ـ على معمولَي عامل، أي: ومن اتَّبعني وجهَهُ، بنصب (وجه) عطفا على (وَجْهِي).
3. ﴿وَقُل لِّلَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ﴾ جنس الكتاب اليهود والصابئين والنصارى، ﴿وَالاُمِّيَّينَ﴾ من لا كتاب له يقرؤه أو يكتبه كمشركي العرب، أو هم مشركو العرب، والكتابة في العرب قليلة، أو أراد من لا كتاب له ولو كان يقرأ ويكتب كبعض العرب، ﴿ءَآسْلَمْتُمْ﴾ أَسْلِمُوا، كقوله: ﴿فَهَلَ اَنتُم مُّنتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]، و﴿فَهَلَ اَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾ [الأنبياء: 80]، أي: انتهوا واشكروا إذ جاءكم ما يوجب الإسلام؛ أو تقرير، أو استبطاء، كقولك لمن بالغت له في البيان: هل فهمت؟، أو توبيخ، أي: أم بقيتم على كفركم؟، ﴿فَإِنَ اَسْلَمُواْ﴾ كلام من الله لا من القول، وإلَّا قال: (أسلمتم) إِلَّا على الالتفات، لكن يردُّه: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ فيما سيأتي.
4. ﴿فَقَدِ اِهْتَدَوْا﴾ الاهتداء نفس الإسلام، ولا بدَّ من مغايرة الشرط والجزاء، فإمَّا أن يُكتفَى بمغايرتهما مفهوما ولو اتَّحدا مأصدقا، وإمَّا أن يجعل (اهْتَدَوْا) كناية عن لازمه، أي: نفعوا أنفسهم، أو يقدَّر: (فازوا) لأنَّهم قد اهتدوا، وأولى من ذلك أنَّ المراد: فإن أسلموا فإسلامهم انتفاء للضلال، والمكلَّف في الضَّلال ما لم يُسلِم، وهؤلاء لا يرون الإسلام اهتداءً.
5. ﴿وَإِن تَوَلَّوْاْ﴾ أعرضوا عن الإسلام، أي: بقوا على الإعراض، ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ أي: أهلكوا أنفسهم، أو ما ضرُّوا إِلَّا أنفسهم؛ لأنَّه ما عليك إِلَّا تحصيل البلاغ، أو إِلَّا التبليغ للوحي وقد بلَّغتَه، ﴿وَاللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ وعد للمحسنين ووعيد للمسيئين، ولا يلزم أن تكون الآية قبل الأمر بالقتال، وأنَّ الآية منسوخة وأنَّ المعنى: إنَّما عليك البلاغ وحده لا مع القتال، لجواز أن يكون المعنى إِنَّمَا عليك البلاغ لا التوفيق، وهذا صحيح قبل القتال وبعده.
__________
(1) تيسير التفسير، أطفيش: 2/226.
رضا:
ذكر محمد رشيد رضا (ت 1354هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ يعني به أهل الكتاب أو عاما، أي فإن جادلوك بعد أن جئتهم بالحق اليقين، وأقمت عليه البينات والبراهين، ودمغت الباطل بالآيات والدلائل، ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي أقبلت عليه بعبادتي مخلصا له معرضا عما سواه أنا ومن اتبعني من المؤمنين، قال محمد عبده: كأنه يقول: إن من يقصد إلى الحجاج بعد تأييد الحق وتفنيد الباطل لا يقصد إلا إلى المجادلة والمشاغبة لمحض العناد والمشاكسة وذلك شأن المبطلين، وأما طالب الحق فإنه يبخل بالوقت أن يضيع سدى.
2. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ أي لليهود والنصارى ومشركي العرب وكانوا ينسبون إلى الأم لجهلهم كما تقدم في تفسير سورة البقرة، وخص هؤلاء بالذكر ـ والبعثة عامة ـ لأنهم هم الذين خاطبهم الرسول بالدعوة بلا واسطة أأسلمتم كما أسلمت لما وضحت لكم الحجة أم لا؟ قال البيضاوي: ونظيره قوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ وفيه تعبير لهم بالبلادة أو المعاندة.. قال محمد عبده: الاستفهام للتقرير، والمراد بالإسلام روح الدين الذي نزل به الكتاب ومقصده، يعني أنه ليس لهم إلا الرسوم منه فإن أسلموا هذا الإسلام فقد اهتدوا قال محمد عبده: لأن هذا هو روح الدين، فمن أصابه فهو على هداية من هذا الوجه، فإن غشيه مع ذلك شيء من الباطل الصوري فهو لا يلبث أن يزول متى ظهر له الدليل على بطلانه؛ ولذلك كان إسلامهم هذا لا بد أن يستتبع اتباعك فيما جئت به؛ لأن من كان كذلك فهو نير القلب متوجه دائما إلى طلب الحق، فهو أقرب الناس إلى قبوله متى جاءه وظهر له.
3. وإن تولوا معرضين عن الاعتراف بما سألت عنه لعلمهم أنهم ليسوا على شيء منه، فإنما ﴿عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ لحقيقة الإسلام، وما أمرت به من الأحكام والله بصير بالعباد فهو أعلم بمن طمس قلبه فارتكس في شقائه ووقع اليأس من اهتدائه، ومن يرجى له بتوفيق الله من بعد ما لا يرجى له اليوم.. ومثل هذه الآية نص قاطع في حصر وظيفة الرسول بالبلاغ عن الله وأنه ليس مسيطرا على الناس ولا جبارا ولا مكرها لهم على الإسلام، وقد صرحت آيات أخرى بمفهوم الحصر في التبليغ يعرف مواقعها حفاظ القرآن والمكثرون من تلاوته.
__________
(1) تفسير المنار: 3/261.
المراغي:
ذكر أحمد بن مصطفى المراغي (ت 1371 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله ومَنِ اتَّبَعَنِ) أي فإن جادلك أهل الكتاب أو غيرهم ـ وقد كان النبي صلّى الله عليه وآله وسلم يدعو اليهود في المدينة إلى ترك ما أحدثوه في دينهم وتعودوه من التحريف والتأويل والرجوع إلى حقيقة الدين وإسلام الوجه لله والإخلاص له ـ بعد أن أقمت لهم البراهين والبينات، وجئتهم بالحق ـ فقل لهم: أقبلت بعبادتي على ربى مخلصا له، معرضا عما سواه، أنا ومن اتبعنى من المؤمنين.
2. الخلاصة ـ إنه لا فائدة من الجدل مع مثل هؤلاء لأنه لا يكون إلا فيما فيه خفاء أما وقد قامت الأدلة، وبطلت شبهات الضالين فهو مكابرة وعناد، ولا يستحق منك إلا الإعراض وعدم إضاعة الوقت سدى.
3. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ أي وقل لليهود والنصارى ومشركي العرب وخص هؤلاء بالذكر مع أن البعثة عامة، لأنهم هم الذين خوطبوا أولا بالدعوة ـ أأسلمتم كما أسلمت بعد أن وضحت لكم الحجة، وجاءكم من البينات ما يوجبه ويقتضيه، أم تصرّون على كفركم وعدم ترككم للعناد؟ ومثل هذا مثل من يلخص مسألة لسائل، ولا يدع طريقا من طرق البيان إلا سلكه، ثم يقول له: أفهمتها؟ وفي ذلك تعيير لهم بالبلادة وجمود القريحة وتوبيخ لهم على العناد وقلة الإنصاف.
4. ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ أي فإن أسلموا هذا الإسلام الذي هو روح الدين، فقد فازوا بالحظ الأوفر ونجوا من مهاوى الضلال، فإن إسلامهم على هذا الوجه يستتبع اتباعك فيما جئت به، لأن من هذه حاله فهو مستنير القلب متجه إلى طلب الحق، فهو أقرب الناس إلى قبوله متى لاح له وظهر.
5. (وإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّما عَلَيْكَ الْبَلاغُ) أي وإن أعرضوا عن الاعتراف بما سألتهم عنه فلن يضيرك ذلك شيئا إذ ما عليك إلا البلاغ، وقد أديته على أتم وجه وأكمله.
6. (واللهُ بَصِيرٌ بِالْعِبادِ) فهو أعلم بمن طمس على قلبه وجعل على بصره غشاوة، فوقع اليأس من اهتدائه، وبمن يرجى له الهداية والتوفيق بعد البلاغ.
__________
(1) تفسير المراغي: 3/122.
سيّد:
ذكر سيّد قطب (ت 1385 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ثم لقن الله تعالى نبيه صلّى الله عليه وآله وسلم فصل الخطاب في موقفه من أهل الكتاب والمشركين جميعا، ليحسم الأمر معهم عن بينة، ويدع أمرهم بعد ذلك لله، ويمضي في طريقه الواضح متميزا متفردا: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾
2. إنه لا سبيل إلى مزيد من الإيضاح بعد ما تقدم، فإما اعتراف بوحدة الألوهية والقوامة، وإذن فلا بد من الإسلام والاتباع، وإما مماحكة ومداورة، وإذن فلا توحيد ولا إسلام، ومن ثم يلقن الله ـ تعالى ـ رسوله صلّى الله عليه وآله وسلم كلمة واحدة تبين عقيدته كما تبين منهج حياته: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ ـ أي في التوحيد وفي الدين ـ ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ أنا ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾.. والتعبير بالاتباع ذو مغزى هنا، فليس هو مجرد التصديق، إنما هو الاتباع، كما أن التعبير بإسلام الوجه ذو مغزى كذلك، فليس هو مجرد النطق باللسان أو الاعتقاد بالجنان، إنما هو كذلك الاستسلام، استسلام الطاعة والاتباع.
3. إسلام الوجه كناية عن هذا الاستسلام، والوجه أعلى وأكرم ما في الإنسان، فهي صورة الانقياد الطائع الخاضع المتبع المستجيب.
4. هذا اعتقاد محمد صلّى الله عليه وآله وسلم ومنهج حياته، والمسلمون متبعوه ومقلدوه في اعتقاده ومنهج حياته.. فليسأل إذن أهل الكتاب والأميين سؤال التبين والتمييز ووضع الشارة المميزة للمعسكرين على وضوح لا اختلاط فيه ولا اشتباه: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾، فهم سواء، هؤلاء وهؤلاء، المشركون وأهل الكتاب هم مدعوون إلى الإسلام بمعناه الذي شرحناه، مدعوون للإقرار بتوحيد ذات الله، ووحدة الألوهية ووحدة القوامة، مدعوون بعد هذا الإقرار إلى الخضوع لمقتضاه، وهو تحكيم كتاب الله ونهجه في الحياة.
5. ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ فالهدى يتمثل في صورة واحدة، هي صورة الإسلام، بحقيقته تلك وطبيعته، وليس هنالك صورة أخرى، ولا تصور آخر، ولا وضع آخر، ولا منهج آخر يتمثل فيه الاهتداء.. إنما هو الضلال والجاهلية والحيرة والزيغ والالتواء.
6. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ فعند البلاغ تنتهي تبعة الرسول وينتهي عمله، وكان هذا قبل أن يأمره الله بقتال من لا يقبلون الإسلام حتى ينتهوا: إما إلى اعتناق الدين والخضوع للنظام الذي يتمثل فيه، وإما إلى التعهد فقط بالطاعة للنظام في صورة أداء الجزية.. حيث لا إكراه على الاعتقاد.
7. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ يتصرف في أمرهم وفق بصره وعلمه، وأمرهم إليه على كل حال.
__________
(1) في ظلال القرآن: 1/381.
الخطيب:
ذكر عبد الكريم الخطيب (ت 1390 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ذلك هو الموقف الذي يتخذه النبي من أهل الكتاب، ألا يدخل معهم في جدل ومحاجّة.. وإنما يلقى لجاجهم ومحاجتهم بما أمره الله به، إذ يكون قوله لهم: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي إني أسلمت وجهى لله حنيفا، لا أشرك به أحدا.. هذا هو ديني ودين من اتبعنى من المؤمنين.
2. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ هو ما يعقّب به النبيّ في ردّه على المجادلين من أهل الكتاب ومن مشركي مكة، وهم الأميون.. فبعد أن يلقى جدلهم بقوله: أسلمت وجهى لله.. يعقّب على ذلك بدعوتهم إلى أن يسلموا وجوههم إلى الله كما أسلم هو وجهه إلى الله، فلا يدعون مع الله أحدا، وذلك هو الدّين الخالص.. دين الله.. دين الإسلام.
3. ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، أي إن لم يستجيبوا لك ويؤمنوا كما آمنت، فسيظل أمرهم هكذا في شقاق واختلاف، وليس عليك من أمرهم من شيء، إنما عليك البلاغ ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ يهدى من يشاء ويضلّ من يشاء.. ﴿مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾
__________
(1) التفسير القرآني للقرآن:2/422.
ابن عاشور:
ذكر محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ تفريع على قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ [آل عمران: 19] الآية فإنّ الإسلام دين قد أنكروه، واختلافهم في أديانهم يفضي بهم إلى محاجّة الرسول في تبرير ما هم عليه من الدين، وأنّهم ليسوا على أقلّ مما جاء به دين الإسلام.
2. المحاجة مفاعلة ولم يجيء فعلها إلّا بصيغة المفاعلة، ومعنى المحاجّة المخاصمة، وأكثر استعمال فعل حاجّ في معنى المخاصمة بالباطل: كما في قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ [الأنعام: 80] وتقدم عند قوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾ في سورة البقرة [258]، فالمعنى: فإن خاصموك خاصم مكابرة فقل أسلمت وجهي لله.
3. ضمير الجمع في قوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ عائد إلى غير مذكور في الكلام، بل معلوم من المقام، وهو مقام نزول السورة، أعني قضية وفد نجران؛ فإنّهم الذين اهتمّوا بالمحاجّة حينئذ، فأما المشركون فقد تباعد ما بينهم وبين النبي صلّى الله عليه وآله وسلم بعد الهجرة، فانقطعت محاجّتهم، وأما اليهود فقد تظاهروا بمسالمة المسلمين في المدينة.
4. لقّن الله رسوله أن يجيب مجادلتهم بقوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ والوجه أطلق على النفس كما في قوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88] أي ذاته، وللمفسّرين في المراد من هذا القول طرائق ثلاث:
أ. إحداها أنّه متاركة وإعراض عن المجادلة أي اعترفت بأن لا قدرة لي على أن أزيدكم بيانا، أي أنّي أتيت بمنتهى المقدور من الحجّة فلم تقتنعوا، فإذ لم يقنعكم ذلك فلا فائدة في الزيادة من الأدلة النظرية، فليست محاجّتكم إياي إلّا مكابرة وإنكارا للبديهيات والضروريات، ومباهته، فالأجدر أن أكفّ عن الازدياد، قال الفخر: فإن المحقّ إذا ابتلي بالمبطل اللّجوج يقول: أمّا أنا فمنقاد إلى الحق، وإلى هذا التفسير مال القرطبي، وعلى هذا الوجه تكون إفادة قطع المجادلة بجملة: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ وقوله: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ دون أن يقال: فأعرض عنهم وقل سلام، ضربا من الإدماج؛ إذ أدمج في قطع المجادلة إعادة الدعوة إلى الإسلام، بإظهار الفرق بين الدينين، والقصد من ذلك الحرص على اهتدائهم، والإعذار إليهم، وعلى هذا الوجه فإنّ قوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ خارج عن الحاجة، وإنّما هو تكرّر للدعوة، أي اترك محاجّتهم ولا تترك دعوتهم، وليس المراد بالحجاج الذي حاجّهم به خصوص ما تقدم في الآيات السابقة، وإنّما المراد ما دار بين الرسول وبين وفد نجران من الحجاج الذي علموه فمنه ما أشير إليه في الآيات السابقة، ومنه ما طوي ذكره.
ب. الثانية أنّ قوله: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ﴾ تلخيص للحجة، واستدراج لتسليمهم إياها، وفي تقريره وجوه ما لها إلى أنّ هذا استدلال على كون الإسلام حقا، وأحسنها ما قال أبو مسلم الأصفهاني: إنّ اليهود والنصارى والمشركين كانوا متّفقين على أحقّية دين إبراهيم عليه السلام إلّا زيادات زادتها شرائعهم، فكما أمر الله رسوله أن يتّبع ملة إبراهيم في قوله: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: 123] أمره هنا أن يجادل الناس بمثل قوله إبراهيم: فإبراهيم قال ﴿إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ﴾ [الأنعام: 79] ومحمد صلّى الله عليه وآله وسلم قال: أسلمت وجهي لله)، أي فقد قلت ما قاله الله، وأنتم معترفون بحقيقة ذلك، فكيف تنكرون أنّي على الحق، قال وهذا من باب التمسّك بالإلزامات وداخل تحت قوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]
ج. الثالثة ما قاله الفخر وحاصله مع بيانه أن يكون هذا مرتبط بقوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] أي فإن حاجّوك في أنّ الدين عند الله الإسلام، فقل: إنّي بالإسلام أسلمت وجهي لله فلا ألتفت إلى عبادة غيره مثلكم، فديني الذي أرسلت به هو الدين عند الله (أي هو الدين الحقّ وما أنتم عليه ليس دينا عند الله)
5. على الطريقتين الأوليين في كلام المفسّرين جعلوا قوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ خارجا عن الحجة؛ إذ لا علاقة بينه وبين كون الإسلام هو ملّة إبراهيم، ويكون مرادا منه الدعوة إلى الإسلام مرة أخرى بطريقة الاستفهام المستعمل في التحضيض كقوله: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91] أي قل لأولئك: أتسلمون، وعندي أنّ التعليق بالشرط لما اقتضى أنّه للمستقبل فالمراد بفعل: (حاجّوك) الاستمرار على المحاجّة: أي فإن استمرّ وفد نجران على محاجّتهم فقل لهم قولا فصلا جامعا للفرق بين دينك الذي أرسلت به وبين ما هم متديّنون به، فمعنى ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ أخلصت عبوديتي له لا أوجّه وجهي إلى غيره، فالمراد أنّ هذا كنه دين الإسلام، وتبيّن أنّه الدين الخالص، وأنّهم لا يلفون تديّنهم على هذا الوصف.
6. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ معطوف على جملة الشرط المفرّعة على ما قبلها، فيدخل المعطوف في التفريع، فيكون تقدير النظم: ومن يكفر بآيات الله فإنّ الله سريع الحساب فقل للذين كفروا بآيات الله الذين أوتوا الكتاب والأميّين: أأسلمتم، أي فكرّر دعوتهم إلى الإسلام، والاستفهام مستعمل في الاستبطاء والتحضيض كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ [المائدة: 91]، وجيء بصيغة الماضي في قوله: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ دون أن يقول أتسلمون على خلاف مقتضى الظاهر، للتنبيه على أنّه يرجو تحقق إسلامهم، حتى يكون كالحاصل في الماضي.
7. ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ كلمة جامعة لمعاني كنه الإسلام وأصوله ألقيت إلى الناس ليتدبّروا مطاويها فيهتدي الضالون، ويزداد المسلمون يقينا بدينهم؛ إذ قد علمنا أنّ مجيء قوله: ﴿أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾ عقب قوله: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ [آل عمران: 19] وقوله: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ وتعقيبه بقوله: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ أنّ المقصود منه بيان جامع معاني الإسلام حتى تسهل المجادلة، وتختصر المقاولة، ويسهل عرض المتشككين أنفسهم على هذه الحقيقة، ليعلموا ما هم عليه من الديانة، وبيّنت هذه الكلمة أنّ هذا الدين يترجم عن حقيقة اسمه؛ فإنّ اسمه الإسلام، وهو مفيد معنى معروفا في لغتهم يرجع إلى الإلقاء والتسليم، وقد حذف مفعوله ونزّل الفعل منزلة الفعل اللّازم فعلم أنّ المفعول حذف لدلالة معنى الفاعل عليه، فكأنّه يقول: أسلمتني أي أسلمت نفسي، فبين هنا هذا المفعول المحذوف من اسم الإسلام لئلا يقع فيه التباس أو تأويل لما لا يطابق المراد، فعبّر عنه بقوله: (وجهي) أي نفسي: لظهور ألّا يحسن محمل الوجه هنا على الجزء المعروف من الجسد، ولا يفيد حمله عليه ما هو المقصود، بل المعنى البيّن هو أن يراد بالوجه كامل الذات، كقوله تعالى: ﴿كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ﴾ [القصص: 88]
8. إسلام النفس لله معناه إسلامها لأجله وصيرورتها ملكا له، بحيث يكون جميع أعمال النفس في مرضاة الله، وتحت هذا معان جمّة هي جماع الإسلام نحصرها في عشرة:
أ. الأول: تمام العبودية لله تعالى، وذلك بألّا يعبد غير الله، وهذا إبطال للشرك لأنّ المشرك بالله غير الله لم يسلم نفسه لله بل أسلم بعضها.
ب. الثاني: إخلاص العمل لله تعالى فلا يلحظ في عمله غير الله تعالى، فلا يرائي ولا يصانع فيما لا يرضي الله ولا يقدّم مرضاة غير الله تعالى على مرضاة الله.
ج. الثالث: إخلاص القول لله تعالى فلا يقول ما لا يرضى به الله، ولا يصدر عنه قول إلّا فيما أذن الله فيه أن يقال، وفي هذا المعنى تجيء الصراحة، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، على حسب المقدرة والعلم، والتّصدي للحجة لتأييد مراد الله تعالى، وهي صفة امتاز بها الإسلام، ويندفع بهذا المعنى النفاق، والملق، قال تعالى في ذكر رسوله: ﴿وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ﴾ [يس: 86]
د. الرابع: أن يكون ساعيا لتعرّف مراد الله تعالى من الناس، ليجري أعماله على وفقه، وذلك بالإصغاء إلى دعوة الرسل المخبرين بأنّهم مرسلون من الله، وتلقّيها بالتأمّل في وجود صدقها، والتمييز بينها وبين الدعاوي الباطلة، بدون تحفّز للتكذيب، ولا مكابرة في تلقّي الدعوة، ولا إعراض عنها بداعي الهوى وهو الإفحام، بحيث يكون علمه بمراد الله من الخلق هو ضالته المنشودة.
هـ. الخامس: امتثال ما أمر الله به، واجتناب ما نهى عنه، على لسان الرسل الصادقين، والمحافظة على اتّباع ذلك بدون تغيير ولا تحريف، وأن يذود عنه من يريد تغييره.
و. السادس: ألّا يجعل لنفسه حكما مع الله فيما حكم به، فلا يتصدّى للتحكّم في قبول بعض ما أمر الله به ونبذ البعض، كما حكى الله تعالى: ﴿وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ﴾ [النور: 48، 49]، وقد وصف الله المسلمين بقوله: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36]، فقد أعرض الكفّار عن الإيمان بالبعث؛ لأنّهم لم يشاهدوا ميّتا بعث.
ز. السابع: أن يكون متطلّبا لمراد الله ممّا أشكل عليه فيه، واحتاج إلى جريه فيه على مراد الله: بتطلّبه من إلحاقه بنظائره التامة التنظير بما علم أنّه مراد الله، كما قال الله تعالى: ﴿وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ [النساء: 83] ولهذا أدخل علماء الإسلام حكم التفقّه في الدين والاجتهاد، تحت التقوي المأمور بها في قوله تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾ [التغابن: 16]
ح. الثامن: الإعراض عن الهوى المذموم في الدين، وعن القول فيه بغير سلطان: ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ﴾ [القصص: 50]
ط. التاسع: أن تكون معاملة أفراد الأمة بعضها بعضا، وجماعاتها، ومعاملتها الأمم كذلك، جارية على مراد الله تعالى من تلك المعاملات.
ي. العاشر: التصديق بما غيّب عنّا، مما أنبأنا الله به: من صفاته، ومن القضاء والقدر، وأنّ الله هو المتصرّف المطلق.
9. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ إبطال لكونهم حاصلين على هذا المعنى:
أ. فأمّا المشركون فبعدهم عنه أشدّ البعد ظاهر.
ب. وأمّا النصارى فقد ألّهوا عيسى، وجعلوا مريم صاحبة لله تعالى فهذا أصل لبطلان أن يكونوا أسلموا وجوههم لله؛ لأنّهم عبدوا مع الله غيره، وصانعوا الأمم الحاكمة والملوك، فأسّسوا الدين على حسب ما يلذّ لهم ويكسبهم الحظوة عندهم.
ج. وأما اليهود فإنّهم ـ وإن لم يشركوا بالله ـ قد نقضوا أصول التقوي، فسفّهوا الأنبياء وقتلوا بعضهم، واستهزؤوا بدعوة الخير إلى الله، وغيّروا الأحكام اتّباعا للهوى، وكذّبوا الرسل، وقتلوا الأحبار، فأنّى يكون هؤلاء قد أسلموا لله، وأكبر مبطل لذلك هو تكذيبهم محمدا صلّى الله عليه وآله وسلم دون النظر في دلائل صدقه.
10. ثم إنّ قوله: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ معناه: فإن التزموا النزول إلى التحقّق بمعنى أسلمت وجهي لله فقد اهتدوا، ولم يبق إلا أن يتّبعوك لتلقي ما تبلّغهم عن الله؛ لأنّ ذلك أول معاني إسلام الوجه لله، وإن تولّوا وأعرضوا عن قولك لهم: آسلمتم فليس عليك من إعراضهم تبعة، فإنّما عليك البلاغ، فقوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ وقع موقع جواب الشرط، وهو في المعنى علة الجواب، فوقوعه موقع الجواب إيجاز بديع، أي لا تحزن، ولا تظنّن أنّ عدم اهتدائهم، وخيبتك في تحصيل إسلامهم، كان لتقصير منك؛ إذ لم تبعث إلّا للتبليغ، لا لتحصيل اهتداء المبلّغ إليهم.
11. ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ أي مطّلع عليهم أتمّ الاطّلاع، فهو الذي يتولّى جزاءهم وهو يعلم أنّك بلّغت ما أمرت به.
__________
(1) التحرير والتنوير: 3/57.
أبو زهرة:
ذكر محمد أبو زهرة (ت 1394 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ذكر سبحانه اختلاف أهل الكتاب فيما بينهم، واختلافهم على أنبيائهم بعد أن جاءتهم البينات من ربهم؛ وفي هذه الآية يبين سبحانه محاجتهم للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم، وأشار إلى أنها محاجة ليس أساسها الإذعان للحق إذا تبين، بل أساسها محاولة طمس الحق، واللجاجة بالباطل؛ وذلك لأن المجادلة قسمان:
أ. قسم يراد به طلب الحق وتمحيصه، ودراسة الأمر من كل نواحيه، وتبادل الأدلة ليستبين من بينها نور الحق، وهذا القسم محمود لا شك فيه.
ب. والقسم الثاني لا يقصد به طلب الحق، بل يقصد به الدفاع عن فكرته من غير نظر إلى كونها حقا أو باطلا، فهو يجادل ليغالب خصمه، لا ليهتدي إلى أقوم المناهج؛ ومن ذلك النوع الأخير مجادلة أولئك الذين اختلفوا من أهل الكتاب، ومجادلة أولئك الذين جحدوا بالآيات من المشركين الذين قال الله سبحانه وتعالى في أمثالهم: ﴿وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ﴾ [النمل]
2. إذا كان جدل هؤلاء من ذلك النوع الذي لا يقصد به رفع منار الحق أو طلب الحق، فإن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم بأمر ربه طلب إليهم أن يخلصوا في طلب الحقيقة كما أخلص هو؛ ولذا قال سبحانه: ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ المحاجة: أن يتبادل المتجادلان ما يعتقده كل فريق أنه حجة بأن يقدم كل واحد حجته، ويطلب من الآخر أن يرد عليها أو يقدم الحجة على ما يدعيه ويزعمه الحق الذي لا شك فيه، والمعنى: فإن حاجك أهل الكتاب، ومن لف لفّهم، وسلك مثل طريقهم، فلا تسر معهم في لجاجتهم؛ فهم لا يطلبون الحق مخلصين في طلبه لا يبغون بدله، ولا يريدون غيره؛ بل إنهم قد شاهت عقولهم، وتأشبت بالغرض المردي نفوسهم وكلامهم هو التمويه الكاذب ولذلك لا تجارهم في هذه اللجاجة، واطلب تصفية قلوبهم من الغرض والهوى، وابدأ بنفسك فبين سلامة مقصدك ونيتك: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾
3. ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ الوجه المراد به الذات؛ لأنه هو الذي تكون به المواجهة، وهو مجمع محاسن الجسم؛ فالتعبير به عن الجسم تعبير بجزء له شأن خاص وتتم به إرادة الكل، ومعنى أسلمت وجهى: أخلصت وسلمت نفسي وتفكيرى لله سبحانه وتعالى، فلا أفكر إلا في الله، ولا أطلب الأمر إلا لله، ولا أقصد في طلبى إلا وجه الله.
4. معنى قوله تعالى: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ أي قد أسلم الذين اتبعونى وارتضوا الإسلام دينا؛ فقد أخلصوا في طلب الحق وأسلموا وجوههم لله تعالى، وإن إسلام الوجه لله تعالى وحده فيه إشارة إلى التوحيد، وأن محمدا وأتباعه لا يعبدون إلا الله، وفوق ذلك لا يطلبون أي أمر من الأمور إلا لوجه الله تعالى؛ وتكون هذه الجملة السامية كقوله تعالى: ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران]
5. إذا كان النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم وأتباعه قد أخلصوا لله ذلك الإخلاص في العبادة فإن الأساس الذي تبنى عليه المجادلة بالتي هي أحسن، أن يطلب منهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم أن يكونوا على مثل تلك الحال من الإخلاص في طلب الحقيقة؛ ولذا أمر الله نبيه بأن يطلب إليهم ذلك، فقال سبحانه: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾:
أ. أهل الكتاب: هم اليهود والنصارى؛ لأن أسلافهم قد أوتوا الكتاب أي أعطوه كاملا وأخذوه كاملا، وإن كانوا مع ذلك قد نسوا حظا ممّا ذكّروا به.
ب. والأميون هم المشركون، وجاء التعبير عن المشركين بالأمّيين؛ لأنهم أولا تغلب فيهم الأمية؛ إذ قليل منهم من يقرأ ويكتب، وليست لهم علوم؛ ولذا كان يقول العرب عن أنفسهم؛ نحن أمة أمية، ولأنهم لم يعرف لهم كتاب يرجعون إليه في أحكام دينهم، وفوق ذلك هذا التعبير فيه توبيخ لليهود والنصارى؛ إذ إنهم بعدم تسليمهم للحق وإذعانهم له تساووا مع أولئك الذين كان يسميهم اليهود أمّيين ولا يحترمونهم، ويقولون عنهم: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ [آل عمران]
6. معنى النص الكريم: قل لأهل الكتاب والمشركين: إذا كنت قد أخلصت في طلب الحق فهل أخلصتم؟
7. الاستفهام في قوله تعالى: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ للحضّ على أن يسلموا وجوههم لله ويخلصوا في طلب الحقيقة كما أخلص الرسول وأصحابه، وكأن النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم يوجههم إلى أن يطلبوا الحقيقة مجردين أنفسهم من كل هوى وغرض وتعصب، بدل أن يحاولوا الإلحان بالحجة والمغالبة بالقول، وأن يستمروا على اللجاجة في الجدل، وبهذا يتضمن الاستفهام معنى جليلا وهو أن يبين لهم النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم أن العبرة في طلب الحقائق ليس بالأدلة تصطنع، والحجج تزوّر، إنما العبرة بإسلام الوجه والإخلاص في طلب الحقيقة، وقد قال في ذلك الزمخشري (وهذا كقولك لمن لخصت له المسألة، ولم تبق من طرق الاستدلال طريقا إلا سلكته: هل فهمتها؟ لا أمّ لك!) ويكون الاستفهام حينئذ عند الزمخشري من قبيل التوبيخ على عدم الإخلاص، وعندى أن الاستفهام بمعنى الحض، والمعاني على أي حال متقاربة.
8. بين سبحانه نتيجة الإخلاص إن أخلصوا فقال: ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ والمعنى: إن أسلموا وجوههم لله، وأخلصوا دينهم لله، ولم يلاحظوا في طلب الحقيقة عصبية مذهبية أو جنسية، فقد اهتدوا أي سلكوا طريق الحق، ومن سار على الدرب وصل، وقد فسرها بعض العلماء بمعنى يهتدون، وعبر بالماضي لتحقق الهداية تحققا كاملا، وعندى أن نفس ذلك الإخلاص، وهو إسلام الوجه لله تعالى هو الهداية الحق، فمن أسلم وجهه لله تعالى مخلصا في طلب الحق، فقد اهتدى حقا وصدقا؛ إذ إن ذلك الإخلاص هو روح الدين وغايته، فمن وصل إليه فإنه لا محالة سيتبع الدين الذي يوصل إليه وهو الإسلام، هذا إن أخلصوا، وإن تولّوا أي أعرضوا عن هذا الإخلاص، وانصرفوا إلى المثارات البيانية يثيرونها ليطفئوا نور الحق، فما من حجة تهديهم، وما من آية ترشدهم، وقد أديت ما وجب عليك وهو التبليغ؛ ولذا قال سبحانه: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ وقد بلغتهم فالمحاجة معهم لا تجدى؛ لأنهم مكابرون، والمكابر لا تزيده قوة الحجة إلا إصرارا وعنادا ولجاجة؛ فإن أعرضوا فأعرض عنهم، واتجه إلى المخلصين طلاب الحقيقة تهديهم وترشدهم، وتأخذ بيدهم إلى ما فيه صلاحهم في الدنيا وثوابهم في الآخرة.
9. ثم ذيل سبحانه الآية بقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ والمعنى أنه سبحانه وتعالى عليم علم من يبصر بالعباد، يعلم نفوسهم ما يهديها وما يرديها، وما يصلحها وما يجدبها، وعليم بنفوس هؤلاء المتمردة التي لا تبغى سدادا، ولا تريد رشادا، وعليم بمسالكهم في الدنيا، وأعمالهم التي أركستهم في ذلك الضلال المتكاثف، والذى يزيده إمعانهم في الإنكار والجحود ظلاما، وعليم بما يصيبهم في الآخرة، فهذا التذييل لتلك الآية الكريمة فيه عزاء للنبي عن كفرهم وإشارة إلى أحوالهم، وإنذار بسوء مصيرهم.
10. جمع أهل الكتاب والأميين في دعوة النبيّ صلّى الله عليه وآله وسلم إشارة إلى عموم رسالته، كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ [سبأ] ولقد قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (بعثت إلى الأحمر والأسود) وقال صلّى الله عليه وآله وسلم: (كان النبيّ يبعث إلى قومه خاصة، وبعثت إلى الناس كافة) ولقد قال صلّى الله عليه وآله وسلم: (والذى نفسي بيده لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني، ومات ولم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أهل النار)
__________
(1) زهرة التفاسير: 3/1152.
مُغْنِيَّة:
ذكر محمد جواد مُغْنِيَّة (ت 1400 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾.. كثيرا ما يبتلى العالم المحق بالمبطل اللجوج.. ولا دواء لهذا الا الإعراض عنه.. ومن خاصم المشاكس المشاغب شاركه في الإثم، قال الإمام علي عليه السلام: من بالغ في الخصومة أثم، ومن أجل هذا، أمر الله نبيه الكريم أن يترك المبطلين المعاندين وشأنهم، حيث لا مزيد من البينات والبراهين، ﴿انما عليك وعلينا الحساب﴾
2. ﴿قُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ﴾ أي اليهود والنصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ أي مشركي العرب، ونسبهم الله إل الأمية لجهلهم بالقراءة والكتابة الا النادر ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ بعد ما جاءتكم البينات ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾، حيث لا شيء وراء الإسلام الا الكفر والضلال، والا الزيغ والباطل ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ وبالبلاغ تنتهي وظيفة الرسول عن الله، إذ به تتم الحجة ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ يعامل كلا بما هو أهل له.
3. الذي نستفيده من هذه الآية ان الله سبحانه قد اختار محمدا صلّى الله عليه وآله وسلم لرسالته، وانه قد رسم له منهجا لتبليغها، وهو الدعوة بالحجة والبرهان، مع ضبط النفس، وتجنّب الخصومة مع اللجوج المعاند، وبهذا الأسلوب الحكيم تتم الحجة على من خالف وعاند، ولم يبق له من عذر يتشبث به، ويلجأ اليه.. وأولى الناس باتباع الرسول والسير على منهجه هم أهل العلم بدينه وشريعته، الداعون إل الأخذ بتعاليمه وسنته.
__________
(1) التفسير الكاشف: 2/31.
الطباطبائي:
ذكر محمد حسين الطباطبائي (ت 1402 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، الضمير في ﴿حَاجُّوكَ﴾ راجع إلى أهل الكتاب وهو ظاهر والمراد به محاجتهم في أمر الاختلاف بأن يقولوا: إن اختلافنا ليس لبغي منا بعد البيان، بل إنما هو شيء ساقنا إليه عقولنا وأفهامنا واجتهادنا في تحصيل العلم بحقائق الدين من غير أن ندع التسليم لجانب الحق سبحانه وأن ما تراه وتدعو إليه يا محمد من هذا القبيل، أو يقولوا ما يشابه ذلك، والدليل على ذلك قوله: ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله﴾، وقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾، فإن الجملتين حجة سيقت لقطع خصامهم وحجاجهم لا إعراض عن المحاجة معهم.
2. ومعناها مع حفظ ارتباطها بما قبلها: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ لا يختلف فيه كتب الله ولا يرتاب فيه سليم العقل، ويتفرع عليه أن لا حجة عليك في إسلامك وأنت مسلم، فإن حاجوك في أمر الدين ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ فهذا هو الدين ولا حجة بعد الدين في أمر الدين ثم سلهم: أأسلموا فإن أسلموا فقد اهتدوا وليقبلوا ما أنزل الله عليك وعلى من قبلك ولا حجة عليهم ولا مخاصمة بعد ذلك بينكم، وإن تولوا فلا تخاصمهم ولا تحاجهم فلا ينبغي الخصام في أمر ضروري، وهو أن الدين هو التسليم لله سبحانه، وما عليك إلا البلاغ.
3. وقد أشرك سبحانه في الآية بين أهل الكتاب والأميين بقوله: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾، لكون الدين مشتركا بينهم وإن اختلفوا في التوحيد والتشريك.
4. وقد علق الإسلام على الوجه ـ وهو ما يستقبلك من الشيء أو الوجه بالمعنى الأخص لكون إسلام الوجه لاشتماله على معظم الحواس والمشاعر إسلاما لجميع البدن ـ ليدل على معنى الإقبال والخضوع لأمر الرب تعالى، وعطف قوله: ﴿وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ حفظا لمقام التبعية وتشريفا للنبي ص.
5. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ إلى آخر الآية، المراد بالأميين المشركين سموا بذلك لتسمية من وضع في مقابلهم بأهل الكتاب، وكذا كان أهل الكتاب يسمونهم كما حكاه تعالى من قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ﴾ والأمي هو الذي لا يكتب ولا يقرأ.
6. في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ دلالة:
أ. أولا: على النهي عن المراء والإلحاح في المحاجة فإن المحاجة مع من ينكر الضروري لا تكون إلا مراء ولجاجا في البحث.
ب. وثانيا: على أن الحكم في حق الناس والأمر مطلقا إلى الله سبحانه، وليس للنبي صلّى الله عليه وآله وسلم إلا أنه رسول مبلغ لا حاكم مسيطر كما قال تعالى: ﴿لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ﴾، وقال تعالى: ﴿لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ﴾
ج. وثالثا: على تهديد أهل الكتاب والمشركين فإن ختم الكلام بقوله: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾، بعد قوله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ لا يخلو من ذلك ويدل على ذلك ما وقع من التهديد في نظير الآية، وهو قوله تعالى: ﴿قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ﴾ إلى أن قال ﴿وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾، تذكر الآية أن أهل الكتاب إن تولوا عن الإسلام فهم مصرون على الخلاف ثم يهددهم بما يسلي به النبي ويطيب نفسه، فالآية أعني قوله تعالى: ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾، كناية عن الأمر بتخلية ما بينهم وبين ربهم، وإرجاع أمرهم إليه، وهو بصير بعباده يحكم فيهم بما تقتضيه حالهم ويسأله لسان استعدادهم.
7. من هنا يظهر: أن ما ذكره بعض المفسرين، أن في الآية دليلا على حرية الاعتقاد في أمر الدين وأن لا إكراه فيه ليس بوجيه فإن الآية كما عرفت مسوقة لغير ذلك.
8. في قوله: ﴿بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ حيث أخذ عنوان العبودية ولم يقل: بصير بهم أو بصير بالناس ونحو ذلك إشعار بأن حكمه نافذ فيهم ماض عليهم فإنهم عباده ومربوبون له أسلموا أو تولوا.
__________
(1) الميزان في تفسير القرآن: 3/122.
الحوثي:
ذكر بدر الدّين الحوثي (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ﴾ أي المذكورون من أهل الكتاب جادلوك بما يتخذونه حجة لهم على شركهم ﴿فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾ فأخلصنا له العبادة وجعلنا وجوهنا له وحده لا نشرك به شيئاً في وجوهنا، فكيف تدّعون: أن الله لا يرضى منا ذلك ونحن أخلصنا له كما أمرنا، ولأنه الذي خلقنا ورزقنا، وكيف لا نكون نحن المهتدين للحق والصواب، وأيّ ذنب في ذلك وهو ربنا.
2. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ﴾ وهم اليهود والنصارى ﴿وَالْأُمِّيِّينَ﴾ وهم قريش ومن حولهم الذين ليس لهم كتاب: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾ كما أمر الله وبين الحجة الصحيحة على أنه الدين النافع فهل أسلمتم له وجوهكم كما أسلمنا له!؟ ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ لطريق الحق وقبلوا هدى الله لعباده.
3. ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ عن هذه الدعوة التي جاءت في صورة الاستفهام ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ ليس عليك هداهم وقد بلغت ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ لأنه عليم بما يفعلون ومقاديره، وهو قادر على جزائهم بما يستحقون، وهو الحكيم فهو لا يَعْيَ عن جزائهم بما يستحقون بقدر ما يستحقون.
__________
(1) التيسير في التفسير: 1/439.
فضل الله:
ذكر محمد حسين فضل الله (ت 1431 هـ) في تفسير هذا المقطع ما يلي(1):
1. ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾، إن الدين هو الإسلام، هذا هو الذي ينبغي أن يعلنه النبي على الناس كافة، لأن ذلك هو سبيل الانفتاح الواعي على الحق الآتي من الله، في مواقع الجدال والنزاع، وهذا ما أراد الله لنبيه أن يعلنه لكل من يحاجه، فقد أسلم وجهه لله، من خلال إسلامه الروحي والعملي، كما أسلم أتباعه وجههم لله من خلال التزامهم بخط الرسالة والرسول، الذي هداهم إلى العقيدة الحقة والخط الصحيح.
2. في ضوء ذلك، تنطلق الدعوة إلى الحوار العملي الموضوعي الذي يرتكز على الحجة والبرهان لكل الذين يختلفون مع المسلمين في الدين أو في الرأي في أيّ جانب من جوانب وعي الحقيقة المتحركة في الحياة من دون أية عقدة ذاتية أو مشكلة نفسية، لأن المسألة عندهم هو أنهم أسلموا وجوههم لله، فهو الذي يتوجهون إليه بعقولهم لتكتشف من خلال هدايته الحقيقة كل الحقيقة في قضايا العقيدة والحياة.
3. تبقى القضية أن على الآخرين الاستجابة لهذه الدعوة الإنسانية الحضارية الحوارية من أجل الانطلاق نحو الموقف الواحد على أساس العقل الواعي والفكر الصحيح، وهذا هو المنطق الذي أراد الله لنبيّه وللمسلمين من أتباعه أن يخاطبوا به أهل الكتاب ليقودوهم إلى إسلام وجوههم لله، كما أسلم النبي ومن اتبعه وجوههم له، ليلتقي الجميع على الإسلام الذي يمثل روحية البحث عن الحقيقة من خلال الفكر والحوار.
4. ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ﴾ وهم المشركون، لأنهم لم يملكوا كتابا سماويا حتى يكون حافزا لهم على تعلم القراءة والكتابة ـ كما قيل ـ. قل لهم، ممّا تثيره أمامهم من البينات والحجج على أحقيّة الرسالة: ﴿أَأَسْلَمْتُمْ﴾؟ فإذا استجابوا لك في طريقة الحوار الخالي من التعقيد والتعصب، وفي مواجهتهم للحقائق بروح منفتحة خاشعة لله ولآياته، فقد اهتدوا إلى الجوّ الطاهر الذي يهديهم إلى الحق في اتباع سبيلك في ما بلّغت وفي ما هديت.
5. ﴿فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا وَإِنْ تَوَلَّوْا﴾ وأعرضوا وانطلقوا يكيدون لك في خط العناد والاستكبار، فلا تحزن ولا تتعقد ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾ وتلك هي مسئوليتك التي قمت بها خير قيام، وعلينا الحساب، فليست مسئوليتك أن تحاسبهم أو تعاقبهم، فقد أديت ما عليك من واجب الإبلاغ والإنذار وانتهت مهمتك عند هذا الحدّ من خلال صفتك كرسول يبلغ رسالة الله ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ ويبقى لله أن يواجههم بنتائج أعمالهم، فإنه بصير بعباده في كل شيء.
6. قد نستوحي من ذلك كيف نواجه بعض الفئات التي ندخل معها في قضايا الحوار، فإن من الضروري لنا أن نواجه الموقف ـ في داخل وجداننا ـ من موقع الإسلام لله الذي يجعل الإنسان يتقدم إلى الحوار من خلال الروح الطيبة النظيفة التي أسلمت فكرها لله، لا من خلال الأفق الضيق الذي يقوده التعصب الأعمى، فإننا نلاحظ ـ في هذا المجال ـ أن الدعاة إلى الله، قد يتحركون من موقع العقدة الذاتية ضد خصومهم، فيمارسون بعض الأساليب التي لا تتفق مع خط الإيمان وأسلوبه العملي في الحوار، فيسيئون إلى الفكرة من حيث يخيّل إليهم أنهم يحسنون صنعا، ولذلك، فلا بد لهم من أن يرتفعوا إلى مستوى هذا الأسلوب الذي يعلن فيه الرسول إسلامه لله، من موقع الحاجة إلى تأكيد هذا الإسلام في العقيدة والموقف والحوار، ثم يبدأ الحوار من هذه القاعدة، ليثير السؤال أمامهم عن وصولهم إلى القناعة التي تقودهم إلى إسلام الوجه والقلب واللسان والعمل لله، ويحاول أن يقدم لهم كل الوسائل التي تقودهم إلى ذلك، فإن لم يهتدوا بعد استنفاد كل الأساليب، فلا مجال للتعقيد والانفعال واللجوء إلى السباب وغيره من الأشياء التي تعبّر عما في الذات من الحالات الانفعالية، بل على الإنسان أن ينسحب بكل هدوء ويترك الآخرين لضلالهم بعد أن أقام عليهم الحجة، فقد أدّى واجبه، لأن خطّ الدعوة إلى الله يتمثل في إقناع الآخرين بالحق، أو في إقامة الحجة عليهم، فإذا بلغ إلى أحدهما، فقد انتهت مهمته، ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾
__________
(1) من وحي القرآن: 5/279.
الشيرازي:
ذكر ناصر مكارم الشيرازي في تفسير هذا المقطع ما يلي(1): (1)
1. (المحاجّة) أن يسعى كلّ واحد في ردّ الآخر عن حجّته ومحجّته دفاعا عن عقيدته، ومن الطبيعيّ أن يقوم اتباع كلّ دين بالدفاع عن دينهم، ويرون أنّ الحقّ بجانبهم، لذلك يخاطب القرآن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم قائلا: قد يحاورك أهل الكتاب (اليهود والنصارى..) فيقولون إنّهم قد أسلموا بمعنى أنّهم قد استسلموا للحق، وربّما هم يصرّون على ذلك، كما فعل مسيحيّونجران مع رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم، فالآية لا تطلب من رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم أن يتجنّب محاورتهم ومحاججتهم، بل تأمره أن يسلك سبيلا آخر، وذلك عندما يبلغ الحوار منتهاه، فعليه لكي يهديهم ويقطع الجدل والخصام أن يقول لهم: إنّني وأتباعي قد أسلمنا لله واتّبعنا الحقّ ﴿فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لله وَمَنِ اتَّبَعَنِ﴾
2. ثمّ يسأل أهل الكتاب والمشركين إن كانوا هم أيضا قد أسلموا لله واتّبعوا الحقّ فعليهم أن يخضعوا للمنطق: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا﴾ فإذا لم يستسلموا للحقيقة المعروضة أمامهم، فإنّهم لا يكونون قد أسلموا لله، عندئذ لا تمضي في مجادلتهم، لأنّ الكلام في هذه الحالة لا تأثير له، وما عليك إلّا أن تبلّغ الرسالة لا غير ﴿وَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ﴾
3. من الواضح أن المراد ليس هو التسليم اللساني والادعائي، بل التسليم الحقيقي والعملي في مقابل الحق، فلو أنهم خضعوا حقيقة للكلام الحق، فلا بدّ أن يؤمنوا بدعوتك القائمة على المنطق والدليل الواضح، وإلّا فإنهم غير مستسلمين للحق.
4. الخلاصة: إن وظيفتك هي إبلاغ الرسالة المشفوعة بالدليل والبرهان، فلو كانت لديهم روحية البحث عن الحقيقة فسوف يؤمنون حتما، وإلّا فإنك قد أديت واجبك تجاههم.
5. في الختام يقول: ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ﴾ فهو سبحانه يعلم المدّعي من الصادق وكذلك أغراض ودوافع المتحاجّين، ويرى أعمالهم الحسنة والقبيحة ويجازي كلّ شخص بعمله.
6. يستفاد من الآية ضمنيّا لزوم تجنّب مجادلة المعاندين الذين لا يخضعون للمنطق السليم.
7. المقصود بالأميّين في هذه الآية هم المشركون، والسبب في وصف المشركين بالأميّين في قبال أهل الكتاب ـ اليهود والنصارى ـ هو أنّ المشركين لا يملكون كتابا سماويا حتى يكون حافزا لهم على تعلّم القراءة والكتابة.
8. يتّضح من هذه الآية بكلّ جلاء أنّ أسلوب رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلم لم يكن أسلوب فرض الفكرة والعقيدة، بل كان أسلوبه السعي إلى توضيح الحقائق أمام الناس، ثمّ يتركهم وشأنهم لكي يتّخذوا قرارهم في اتّباع الحقّ بأنفسهم.
__________
(1) تفسير الأمثل: 2/434.