×

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (1)

الكتاب: الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد

الوصف: دراسة علمية حول أبعاد التربية في الشريعة الإسلامية

السلسلة: أحكام وحكم

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1438 هـ

عدد الصفحات: 590

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (2)

يتناول هذا الكتاب خمسة أبعاد مهمة يحتاج المربي إلى مراعاتها في تربية الأولاد، وهي:

البعد الإيماني: وهو المعارف الإيمانية العميقة التي تشكل قناعات المؤمن العقلية والروحية، والتي تبرمجه بعد ذلك ليسير في الحياة وفق ما تمليه حقيقة الكون والإنسان والحياة.

البعد الروحي: وهو ما ينتجه البعد الإيماني من آثار في روح المؤمن ليصلها بالله عبودية وخشوعا وإذعانا وترق في مقامات السلوك إلى الله.

البعد الأخلاقي: وهو تهذيب النفس وفق الآداب الشرعية، وكسوتها بكسوة الإنسانية التي ترفع عنها ما تتطلبه طبيعتها من سلوكات قد تخرجها عن الكمال الإنساني إلى البهيمية.

البعد الاجتماعي: وهو الارتباط الصحي بالمجتمع، فيتأدب معه وفق ما تتطلبه العلاقات الاجتماعية من آداب، ويكون عضوا إيجابيا فيه.

البعد المعرفي: وهو التزود بكل العلوم والمعارف التي أتاحها الله للإنسان، ليتعرف من خلالها على أسرار حقيقته وحقيقة الكون، وليسهل ما تتطلبه حياته من مرافق..

 

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (15)

المقدمة

كما أن الشرع الحكيم بين لنا السبل والوسائل والأساليب التي نمارس بواسطتها التربية بأفضل ما يمكن وأجداه، كما عرفنا ذلك في الجزء السابق من هذه السلسلة، فإنه في الركن التالي للتربية، وأهم أسسها، وهو (أبعاد التربية) لم يتركنا ـ كذلك ـ لأنفسنا، لنعجن طينة فلذات أكبادنا بما تتطلبه أهواؤنا المتباينة، بل وضع لنا ملامح الشخصية السوية المتكاملة التي تمثل الإنسان في أرقى درجات كماله الممكنة، وأمرنا أن نبني من خلالها أنفسنا، ومن ولينا أمره من أهلنا.

ولذلك لم يكن البحث في هذه الأبعاد فضولا من القول أو حشوا من الكلام، بل هو من صميم الدين، وهو في الدين من صميم الفقه، لأن الفقيه ـ كما ذكرنا في الأجزاء السابقة ـ هو من يبحث عن تنفيذ الأوامر الإلهية وفق مقاصدها الحكيمة، لا الذي ينتظر ما أحدثه الناس ليحكم فيه صحة أو بطلانا، أو إباحة أو تحريما.

وقد رأينا من خلال استقراء النصوص، ومن خلال ما نتصوره من مواصفات الشخصية المتكاملة: أن هناك خمسة أبعاد، من استكملها كملت شخصيته، وصار متحققا بمراد الله من وجوده، وهذه الأبعاد الخمسة هي:

البعد الإيماني: وهو المعارف الإيمانية العميقة التي تشكل قناعات المؤمن العقلية والروحية، والتي تبرمجه بعد ذلك ليسير في الحياة وفق ما تمليه حقيقة الكون والإنسان والحياة.

البعد الروحي: وهو ما ينتجه البعد الإيماني من آثار في روح المؤمن ليصلها بالله عبودية وخشوعا وإذعانا وترق في مقامات السلوك إلى الله.

البعد الأخلاقي: وهو تهذيب النفس وفق الآداب الشرعية، وكسوتها بكسوة الإنسانية التي ترفع عنها ما تتطلبه طبيعتها من سلوكات قد تخرجها عن الكمال الإنساني إلى

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (16)

البهيمية.

البعد الاجتماعي: وهو الارتباط الصحي بالمجتمع، فيتأدب معه وفق ما تتطلبه العلاقات الاجتماعية من آداب، ويكون عضوا إيجابيا فيه.

البعد المعرفي: وهو التزود بكل العلوم والمعارف التي أتاحها الله للإنسان، ليتعرف من خلالها على أسرار حقيقته وحقيقة الكون، وليسهل ما تتطلبه حياته من مرافق.

وبهذه الأبعاد الخمسة يبنى الإنسان، كما أنه بالأركان الخمسة يبنى الإسلام (1)، وهذه الأبعاد اقتباس من تلك الأركان:

فالشهادتان بما تحملانه من معارف عميقة تشيران إلى البعد الإيماني.

والصلاة بما تحمله من صلة بالله تشير إلى البعد الروحي.

والصيام بما يحمله من تهذيب للطبيعة الإنسانية يشير إلى البعد الأخلاقي.

والزكاة بما تحمله من تكافل اجتماعي وإحساس بآلام الآخرين تشير إلى البعد الاجتماعي.

والحج بما يحمله من سياحة في الأرض، وتعرف على أرض الله وخلق الله يشير

__________

(1) نحب أن بين أن كون هذه الخمسة هي أركان الإسلام من المتفق عليه بين المسلمين جميعا، خلافا لمن يزعم أن الشيعة يخالفون المسلمين في ذلك، ففي (وسائل الشيعة 1: 27 حديث (33) أبواب مقدّمة العبادات، أمالي الطوسي: 518 المجلس (10) حديث (1134): عن الرضا، عن آبائه، عن رسول الله (: (بني الإسلام على خمس خصال: على الشهادتين والقرينتين)، قيل له: أمّا الشهادتان فقد عرفناهما فما القرينتان؟ قال: (الصلاة، والزكاة، فإنّه لا تقبل إحداهما إلاّ بالأُخرى، والصيام، وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، وختم ذلك بالولاية)

وفي (وسائل الشيعة:1: 19 حديث (15) أبواب مقدّمة العبادات، الكافي 2: 31 كتاب الإيمان والكفر): عن أبي جعفر في حديث، قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلى الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصيام شهر رمضان)

أما اعتبار الولاية من الأركان، فالولاية عندهم تعني الحاكمية، وقد تدخل في مضمون الشهادتين، لأن من مضامينها حاكمية الله ورسوله (، ومن ولاه الله ورسوله (.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (17)

إلاالبعد المعرفي.

وقد حاولنا في هذا الجزء الذي طال ـ رغما عنا ـ أن نبحث عن الطرق العملية في تحصيل كل ما يحتاج إليه من هذه الأبعاد، وقد رجعنا في ذلك إلى المصادر المختلفة من القرآن الكريم الذي هو الأصل، والسنة المطهرة (1)، وإلى كلام العلماء والمختصين فيما يتطلبه كل محل من معارف.

ونحب أن نبين ـ هنا ـ إلى أنا في كثير من الأحيان قد نهتم بذكر الأمثلة والنماذج، وقد نطيل فيها إذا اقتضى الأمر ذلك، وذلك لأن المربي قد يحتاج هذا النوع من النماذج.

وسبب ذلك هو أن الكلام النظري الإجمالي وحده قد يساء فهمه، وقد يصعب تطبيقه، فلذلك نذكر ما يوضح إجماله، ويفسر غموضه، كما نذكر من الأدلة ما نرى أنه يوصل إلى برد اليقين، ولو طالت، لأن العبرة بالنتيجة، لا بالوسيلة.

وكمثال على ذلك ما ذكرنا في المبحث الأول من البعد الإيماني، فقد فصلنا الكلام في (ضرورة البعد الإيماني) ودوره في تكوين الشخصية، وذلك لأن هناك قناعة منشرة باعتبار هذا البعد أمرا ثانويا، أو لا علاقة له بالشخصية السوية، فلذلك أطلنا الكلام فيه، لإقناع المربي بضرورته وأهميته.

وقد حاولنا أن نبحث عن الأدلة النصية لكل ما نذكره من أحكام، ولو من باب الإشارة، فلذلك اعتبرنا موعظة لقمان عليه السلام أصلا رجعنا إليه في كل محل، باعتبارها لم تذكر في القرآن الكريم حكاية أو مجرد قضايا، تنوع طرحها فيه، وإنما باعتبارها مقصودة بحد ذاتها في تشكيل شخصية الأولاد وتربيتهم.

__________

(1) تساهلنا في هذا الجزء في تخريج الأحاديث، فاكتفينا بالرجوع إلى تخريجات العلماء، وخاصة (كنز العمال)، و(الجامع الصغير) دون أن نرجع إلى المصادر الأصلية.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (18)

الفصل الأول

البعد الإيماني في تربية الأولاد

أولا ـ ضرورة التربية الإيمانية لبناء الشخصية السوية

إن الهدف الأساسي الذي يسعى كل مرب لتحقيقه هو بناء شخصية سوية لمن يربيه، تجعله إنسانا سليما في نفسيته، أمينا في أخلاقه، قويا في عمله وإنتاجه.

فهذه العناصر الثلاثة هي الأركان الأساسية التي تتكون منها الشخصية (1) السوية:

لأن من فقد السلام النفسي سيسقط في كهوف الخوف المرعبة التي تلمؤه حزنا وأسفا وضيقا واكتئابا، فيغرق في أوهامها، أو يتخلص منها بالهرب من كل شيء أو الهرب لكل شيء، ولذلك كان السلام هو بشرى المؤمن في الدنيا والآخرة، بل هو مقدمة كل كمال ولذة في الدنيا والآخرة.

أما من فقد الأمانة، فهو لص أو خائن أو كاذب، قد يغفل عنه المجتمع والقانون، فيخرج بزيه ومظهره لا يستر عورته أي ساتر، وقد لا يغفلون عنه، فيتسر عورات خيانته بأثواب شفافة قد تلقي عنه في أي حين ليظهر على حقيقته.

أما من فقد القوة، فهو متواكل ضعيف عاجز لا يستطيع من أمره ولا من أمر الناس

__________

(1) عرف بعضهم الشخصية بـ (أنها وحدة متكاملة الصفات والمميزات، الجسمية والعقلية والاجتماعية والمزاجية التي تبدو في التعامل الاجتماعي للفرد، والتي تميزه عن غيره من الأفراد تمييزًا واضحًا، فهي تشمل دوافع الفرد وعواطفه وميوله واهتماماته وسماته الخلقية وآراءه ومعتقداته، كما تشمل عاداته الاجتماعية وذكاءه ومواهبه الخاصة ومعلوماته وما يتخذه من أهداف ومثل وقيم اجتماعية) انظر: الأمراض النفسيةوالعقلية لأحمد عزت:54.

وقد عرفت مجلة علم النفس (المجلد الأول، العدد الأول) الشخصية، بأنها (نظام متكامل من مجموعة من الخصائص الجسمية والوجدانية النزوعية والإدراكية التي تعين هوية الفرد وتميزه عن غيره من الأفراد تمييزًا بينًا، نقلا عن المرجع السابق.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (19)

شيئا، فوجوده كعدمه وحياته كموته.

فالعنصر الأول لازم لبناء (أنا) الإنسان السوي، والعنصر الثاني لازم لوقاية النفس والمجتمع من الوحش الذي قد يسكن (أنا الإنسان)، والعنصر الثالث لازم لإخراج الإنسانية من السلبية إلى الإيجابية، ومن الاستهلاك بكل أنواعه إلى الإنتاج بكل أنواعه.

انطلاقا من هذا، فإن الأدلة على ضرورة التربية الإيمانية في بناء الشخصية السوية للطفل وغيره تتكشف من خلال ضرورة الإيمان لتحقيق هذه الأركان الثلاثة، فالإيمان هو المنبع الذي تستقى منه هذه الفضائل العظيمة، ولذلك كان أول ما وعظ به لقمان عليه السلام ابنه أن قال له: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان:13)

فالشرك إشارة لكل ما ينحرف بالعقيدة عن حقيقتها وأهدافها، ويدخل فيه الإلحاد والتحريف، ويدخل فيه الكثير من الضلالات التي تسربت للمؤمنين كما تسربت قبل ذلك لغيرهم، فبقدر الضلالة يكون البعد عن الله، ويقدر البعد عن الله يكون انحراف الشخصية.

ويشير إلى هذه الضرورة أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعظ ابن عباس: (يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألت فسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعَنْ باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا عَلَى أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف) (1)

وفي رواية: (احفظ اللَّه تجده أمامك، تعرف إِلَى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر،

__________

(1) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (20)

وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)

ففي هذه الموعظة إشارة للجوانب الثلاثة من السلام والأمانة والقوة، وهو ما سنبين مواضع الإشارة منه في محالها.

ونحب أن نبين أن الدراسات النفسية الحديثة أكدت أهمية هذا الجانب وضرورته، ولا بأس أن نسوق هنا ما قاله بعض المختصين في هذا، وهو الدكتور (هنري لنك) الطبيب النفسي الأمريكي، صاحب كتاب (العودة إلى الإيمان)

فقد قال منكرا على النظريات التي أشاعتها بعض المدارس النفسية الحديثة، رادا بذلك على خصوم التربية الدينية: (إن تربية الأطفال لمن أشق الواجبات وأخطرها وأدقها، ومشاكلها شديدة التعقيد والعسر، وهي بعد ذلك ذات أوجه متناقضة عند حلها يكون معها الآباء في مسيس الحاجة إلى أية معونة خارجية، مهما بلغت درجة تواضعها وبساطتها.. وقد كان طبيعياً: بعد أن استغنى الآباء المستنيرون عن المعتقدات الدينية، وضربوا بها عرض الحائط، أن يولوا وجوههم شطر مصدر جديد من مصادر المعونة، فلم يجدوا أمامهم سوى علم النفس الخاص بالأطفال، ولكن علم نفس الأطفال لم يكن بعد، على استعداد لتقديم المعونة لهم، لأن الثقة بهذا العلم لم تكن قد تعدت الثقة النظرية حتى ذلك الوقت. وكان البرهان العلمي حينذاك في مهده صغيراً برغم تعدد نظرياته. ومن هنا بدأ الآباء يعتنقون هذه النظريات التي كان أبرزها أن العقوبة البدنية ضارة من الوجهة النفسية. وأنه من الأفضل إقناع الطفل بعمل شيء ما، لا إرغامه بالقوة والعنف عليه، وأنه لا يجوز كبت الطفل بل على العكس يجب منحه الفرصة كي يعبر عن ذاته.. وأنه يجب منح الأطفال علاوة منتظمة حتى يمكنهم إدراك قيمة المال، وأن بعض الأطفال يولدون بطبيعتهم عصبيين أو ذوى حساسية مرهفة، وعليه فلا يجوز إرغامهم على أن يفعلوا، ويعملوا ما يفعله ويعمله غيرهم. وللأسف، لم يظهر أي برهان علمي أو نفسي يؤيد هذه النظريات،

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (21)

بل بالعكس ثبت أن كل هذه النظريات خاطئة) (1)

وانطلاقا من هذا العجز الذي مني به علم النفس في القيام بدور البديل عن الإيمان يدعو هذا الطبيب النفسي إلى ضرورة العودة إلى الإيمان، يقول: (فقد سمعنا الكثيرين من الآباء يرددون: انهم لا يبعثون بأولادهم إلى الدروس الدينية أو إلى محلات العبادة، حتى يصلوا إلى السن التي يدركون عندها ما يجري. غير أن ما يضايقهم، ويقض مضجعهم هو هذا السؤال: ترى هل يكتسب هؤلاء الأولاد ذلك الشعور القوي الذي يمكنهم به أن يميزوا بين الخطأ والصواب؟ هل يؤمنون بتلك المثل الخلقية الواضحة التي آمنا بها منذ طفولتنا؟.. لقد قلنا فيما مضى أن بعض الأعمال خطأ والبعض الآخر صواب، لأن الله سبحانه وتعالى قد بين ذلك، أو لأن كتابه قد أورد ذلك بمعنى آخر. وقد تكون هذه الطريقة فطرية بدائية، غير أنه مما لا شك فيه أن تأثيرها كان طيباً فقد عرفنا على الأقل الكثير عن طيب الأفعال وخبيثها. أما الآن فإننا لا نقول لأولادنا إلا أن هذا التصرف خطأ، وأن ذاك صواب، لأننا نرى ذلك، أو لأن المجتمع قد اتفق على ذلك. فهل لهذا الود من القوة والبيان ما لسابقه؟ وهل له مثل أثره وهل يكتسب أطفالنا القيم الخلقية الأساسية للحياة دون الحاجة إلى ضغط العقائد الدينية، تلك القيم التي نتقبلها ونسلم بها حتى بعد أن أصبحنا لا نسلم بمصدرها الإلهي؟) (2)

ويعود إلى ذلك حين يتحدث عن مقدار ما يسديه الدين من عون للآباء في تربية أبنائهم وتهذيبهم، وتكوين شخصياتهم الفاضلة فيقول: (وبديهي أن الأطفال يختلفون، سواء بطبيعتهم أم بحسب وراثتهم، ولكن مهما كانت هذه الطبيعة أو الوراثة طيبة جيدة،

__________

(1) العودة إلى الإيمان: 113.

(2) العودة إلى الإيمان:110.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (22)

فإنه لا يمكن غرس العادات الأساسية بغير (النظام) ولما كان استياء الطفل من النظام واتجاهه عكسياً، كلما حاولت إنماء العادات الطيبة فيه، أمراً لا مفر منه، كان من الواجب استخدام كل وسيلة ذات تأثير أو ذات صفة إرغامية، تساعد على الإسراع في اكتساب هذه العادات. والواقع أن معظم الآباء يكونون في أشد الحاجة إلى الاستعانة بنصائح غيرهم، في أثناء عملية غرس العادات المرغوبة في أطفالهم. وإذا بحثنا من الناحيتين: العقلية والنفسية، وجدنا أن أعظم مصادر هذا العون هو الدين.. فالايمان بوجود الله ورسله وكتبه يهيئ للأبوين ملجأ أميناً موثوقاً به يلجئون إليه، ويضع بين أيديهم سلطة كبرى على أطفالهم كانوا يفتقرون إليها حتى لو لم يؤمنوا بها. فإن هؤلاء الآباء الذين كانوا يتساءلون كيف ينمون عادات أولادهم الخلقية ويشكلونها، في حين تنقصهم هم أنفسهم تلك التأثيرات الدينية التي كانت قد شكلت أخلاقهم من قبل، كانوا في الحقيقة يجابهون مشكلة لا حل لها، فلم يوجد بعد ذلك البديل الكامل الذي يحل محل تلك القوة الهائلة التي يخلقها الإيمان بالخالق وبناموسه الخلقي الإلهي في قلوب الناس. فتجد الآباء الذين تحرروا من الإيمان عن طريق ثقافتهم وأعمال فكرهم حيارى متسائلين على الدوام. إذن كيف يتسنى لأولئك الحيارى أن يكونوا أنفسهم ملجأ لأولادهم؟) (1)

وهو يذكر الدراسات المقارنة المؤكدة لذلك، فيقول، وهو يتحدث عن أثر دور العبادة في تشكيل شخصية الطفل: (ليس من المستغرب أن يدلنا الاختبار السابق الذكر على أن الطفل الذي يستمع إلى الدروس الدينية يتمتع بصفات شخصية أفضل ممن لا يحضرها، وأن الطفل الذي يذهب والداه إلى المعبد ذو شخصية أحسن من الطفل الذي لا يذهب والداه إليه. وقد اتضح لي بعد دراسة كاملة لعشرة آلاف شخص، أن أولئك الذين يواظبون

__________

(1) المرجع السابق: 119 وما بعدها.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (23)

على الذهاب إلى دور العبادة، كانوا ذوى صفات شخصية أفضل ممن لا يذهبون) (1)

وهو يطلب من الآباء الاهتمام بهذه الناحية منذ السنين الأولى للطفل، قبل أن يتسرب إليه الانحراف، يقول: (إن الوقت الأمثل لتعليم الطفل كيف يخضع دوافعه لقيم عليا، هو السن التي يستطيع فيها أن يتقبل ما يقال له دون أن يفهمه، فإذا استقر رأي الآباء على عدم إرسال أولادهم إلى الدروس الدينية، حتى يبلغوا السن التي يفهمون عندها ما يستمعون إليه، فهم في الحقيقة يتبعون مبدأ هاماً، لأن الوقت يكون قد فات لإصلاح ما فسد إذا بلغ الطفل السن التي يفهم بها كل ما حوله، فانه حينئذ يكون قد أضاع من عمره سنين ثمينة) (2)

انطلاقا من هذا الكلام الذي سقناه لمن يستهينون بهذه الناحية المهمة من التربية، سنحاول في هذا المبحث أن نبين أثر الإيمان في تحقيق الأركان الثلاثة التي تتكون منها الشخصية السوية للإنسان:

1 ـ السلام النفسي

ويشير إليه من موعظة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس قوله: (احفظ اللَّه يحفظك)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا عَلَى أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك)

ففيها يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن عباس بأن الله هو الحفيظ الذي يحفظ العبد من كل طوارق السوء، وأنه ـ لذلك ـ لو اجتمعت كل القوى على أن تضر من حفظه الله، فلن

__________

(1) العودة إلى الإيمان: 122.

(2) العودة إلى الإيمان: 130.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (24)

تستطيع، ولو اجتمعت على عكس ذلك بأن تنفعه لم تستطع، لأن الله هو النافع الضار، وهذا ما يجمع شتات الإنسان وهمته فلا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا الله.

ولهذا يخبرنا القرآن الكريم أنه لا يشعر بالأمن الحقيقي إلا المؤمن الذي شغل قلبه بالله، ولم يشتت قلبه بين الشركاء، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام:82)، وفي ذلك إشارة إلى أن مصدر المخاوف هو الشرك، واشتغال القلب بغير الله.

وكلما اشتد الشرك وعظم عظمت المخاوف، وكلما نقص الشرك أو تلاشى نقصت المخاوف أو تلاشت، فمعرفة الله والتوجه إليه هي بر الأمان، وهي سفينة نوح التي من ركبها لم تغرقه الأمواج، وهي ظل الله الذي يحتمي به من أحرقته شموس الرعب.

وقد أخبر تعالى في آية أخرى أن الشرك هو مصدر الرعب، وأنه عقوبة إلهية تقتضيها طبيعة الكفر، فقال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} (آل عمران:151)، فقد أخبر تعالى أن مصدر خوفهم هو شركهم بالله.

وفي مقابل ذلك ذكر الله تعالى مواقف المؤمنين الصادقين الذين ملأوا قلوبهم بالله، فرزقهم الأمن التام، والسكينة المطلقة، فهذا إبراهيم - عليه السلام - وحده في الأرض يوحد الله، ووحده في الأرض يعبد الله، وتدعوه غيرته على أن يعبد غير الله، ورأفته على الجاهلين بالله، فيتحدى قومه، ويتحدى الأرض معهم، فيحطم الأصنام من غير خوف ولا وجل، وهو يدرك المصير الذي يتعرض له من يحطم تلك الأوثان المقدسة.

ولكن إبراهيم - عليه السلام - انشغل بالله، وبجوار الله عن كل المخاوف التي يتذرع بها الخلق، وعندما خوفه قومه من آلهتهم التي دعا إلى نبذها، قال متعجبا: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (25)

كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنعام:81)

فإبراهيم - عليه السلام - في ذلك الموقف كان يقارن بين القوة الوهمية التي يستند إليها قومه، والقوة الوهمية التي كانوا يتصورون أنهم يملكونها، وبين قوة الله تعالى فأخبر أن قومه أولى بالخوف منه.

وقد عقب الله تعالى على قول إبراهيم - عليه السلام - مقررا هذه الحقيقة المطلقة، ومقننا هذه السنة الإلهية التي لا تتخلف، فقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام:82)

وعلى خطى إبراهيم - عليه السلام - سار أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران:173)

ولذلك فإن مصدر المخاوف التي تعتري النفوس فتملأها هما وحزنا، هو حصاد نبات الغفلة والشرك، وهما مرتع من مراتع الشيطان، قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:175)

وبخلاف هذا نجد الغافلين والجاحدين أكثر الناس مخاوف، فهم يخافون كل شيء، وقد يدركون ما يخافون، وقد لا يدركون، كما عبر بعضهم عن نفسه بقوله عن مخاوفه التي لا تنتهي، والتي لا يعلم لها سببا: (إنني أعيش في خوف دائم، في رعب من الناس والأشياء، ورعب من نفسي، لا الثروة أعطتني الطمأنينة، ولا المركز الممتاز أعطانيها ولا الصحة، ولا الرجولة، ولا المرأة، ولا الحب، ولا السهرات الحمراء... ضقت بكل شيء، بعد أن جربت كل شيء)

فالمعرفة الصحيحة بالله والتي تتولد عنها جميع المعارف، وتصحح بها جميع الفهوم، وتنشق عنها جميع المشاعر هي التي تقي المؤمن من الخوف الذي يستعبد الناس.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (26)

وسنحاول هنا ـ باختصار ـ تبيان دور الإيمان في الوقاية من ثلاث مخاوف كبرى، هي في أصلها أم المخاوف ومنبعها:

الموت

فالموت هو الشبح الأكبر الذي يملأ القلب بالمخاوف، فيتوزع منه الخوف لنفس الإنسان وسلوكه ومواقفه، شعر بذلك أو لم يشعر.

ولا يقي من أذى هذا الشبح، بل لا يقتله إلا الإيمان بالله المحيي المميت، وبحقائق الآخرة، التي تجعل الموت رحلة سعيدة ينتقل بها الإنسان إلى عوالم أكمل وأجمل.

أما العلم الأول، فيخلص الإنسان من عبودية المخاوف لكل القوى التي مثلها النمروذ عندما قال: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} (البقرة:258)، وحينها ينطق المؤمن بما نطق به سعيد بن جبير عندما هدده الحجاج بالقتل فقال له: (لو علمت أن الموت والحياة في يدك ما عبدت إلها غيرك)

فقد كان سعيد يدرك أن ما يتشبث به الحجاج من قوة وهم عظيم سكن عقله، فالله تعالى هو مالك الآجال، لا الحجاج ولا أي طاغية غيره، قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (لأعراف:34)، وقال تعالى: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (يونس:49)، وقال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (النحل:61} (الأعراف: 34)

فلذلك لا يفر من الموت إلا واهم سيطر عليه الخوف، فمنعه من التفكير السليم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجمعة:8)، وقال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} (النساء:78)، وقال تعالى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (27)

كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِم} (آل عمران:154)

أما العلم الثاني، فيلطف من العلم الأول، لأنه يحيل الموت بابا من أبواب السعادة، أو هو ـ بتعبير النورسي ـ بمثابة التقاعد الذي يناله الإنسان بعد أن تستنفذ جميع قواه العملية، يقول بديع الزمان: (إن الموت ليس عدماً، ولا اِعداماً، ولا فناءً، ولا لعبة العبث، ولا إنقراضاً بالذات من غير فاعل، بل هو: تسريح من العمل، من لدن فاعل حكيم، وهو استبدال مكان بمكان، وتبديل جسم بجسم، وانتهاءٌ من وظيفة، وانطلاق من سجن الجسم، وخلق منتظم جديد وِفقَ الحكمة الإلهية) (1)

أما ما بعد الموت، فهو المحل الذي يلقى المؤمن فيه كل ما هفت إليه نفسه في الدنيا وقصرت عنه يداه، فهو الباب الذي تنفتح من كوته الأماني، وتتحقق الرغبات، فهو قدوم على الله، ومن لا يحب القدوم على الله، وقد قيل لأعرابي اشتد مرضه: إنك ستموت، فقال: وإلى أين يذهب بي بعد الموت؟ قالوا: إلى الله، فقال: ويحكم، وكيف أخاف الذهاب إلى من لا أرى الخير إلا من عنده؟

ولهذا قال يحيى بن معاذ: (لا يكره لقاء الموت إلا مريب، فهو الذي يقرب الحبيب من الحبيب)

ولهذا أخبر الله تعالى أن الملائكة تبشر المؤمنين، وتنهاهم عن الاستسلام لشبح الخوف والحزن، وتذكرهم بالمصير الذي يقدمون عليه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت:30)

وانطلاقا من هذه المعارف الإيمانية صاح سحرة فرعون في وجهه بقوة الإيمان: {لَنْ

__________

(1) المكتوبات: المكتوب العشرون، الكلمة السابعة.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (28)

نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} (طه:72)

وعلى خطاهم سار الصالحون متحدين كل المشانق التي نصبت لهم، وعاصفين بكل رياح الخوف التي أرادت أن تجتثهم، كعمير بن الحمام الأنصاري الذي سمع النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في غزوة بدر لأصحابه: (والذي نفسي بيده ما من رجل يقاتلهم اليوم -المشركين- فيقتل صابراً محتسباً مقبلاً غير مدبر إلا أدخله الله الجنة) فيقول عمير متعجبا: (بخ بخ)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (مم تبخبخ يا ابن الحمام؟ فقال: (أليس بيني وبين الجنة إلا أن أتقدم فأقاتل هؤلاء فأقتل؟ فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (بلى)، وكان في يد عمير تمرات يأكل منها فقال: أأعيش حتى أكل هذه التمرات؟ إنها لحياة طويلة! وألقى التمرات من يده وأقبل يقاتل ويقول (1):

ركضاً إلى الله بغير زاد... إلا التقى وعمل المعاد

والصبر في الله على الجهاد... وكل زاد عرضة للنفاد

غير التقى والصبر والرشاد

ومثله أنس بن النضر الذي قاتل في أحد قتال من يطلب الموت، وعندما لقيه سعد بن معاذ قال له: يا سعد، الجنة ورب النضر: أجد ريحها من وراء أحد.

الرزق

وهو الشبح الثاني من أشباح الخوف، وهو الذي يحول من يعبده أو يشرك بالله فيه إلى عبد لكل من يملك دينارا أو درهما، فلا يهنأ له عيش، ولا يستقر له سكن، بل يصير محلا لتنزلات الشياطين، يقول الغزالي: (وذلك لأن الشيطان يعده الفقر ويأمره بالفحشاء ويقول إن لم تحرص على الجمع والادخار فربما تمرض وربما تعجز وتحتاج إلى احتمال الذل في السؤال فلا يزال طول العمر يتعبه في الطلب خوفا من الفقر ويضحك عليه في احتماله التعب نقدا

__________

(1) تاريخ الطبري: 2/ 33.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (29)

مع الغفلة عن الله لتوهم تعب في ثاني الحال وربما لا يكون وفي مثله قيل: ومن ينفق الساعات في جمع ماله مخافه فقر فالذي فعل الفقر) (1)

أما المؤمن، فقد وقي من هذا الخوف، ووقي من نتائجه، لأنه يعلم أن الله هو الرزاق ذو القوة المتين، فكل رزق هو رزقه، قال تعالى: {قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ} (يونس:59)، وقال تعالى: {كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ}، وقال تعالى: {وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا} (الجاثية:5)

بل إن الله تعالى يدعونا أن نأكل من المائدة التي ملأها من رزقه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة:172)، وقال تعالى: {وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ} (المائدة:88)

وهو يذم الذين خافوا على أن ينقص رزقهم، فقتلوا أولادهم حتى لا يأكلوا معهم، قال تعالى: {قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلادَهُمْ سَفَهاً بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ} (الأنعام:140)، وقال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ مِنْ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُم} (الأنعام:151)، وقال تعالى: {وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئاً كَبِيراً} (الاسراء:31)

وهذا الأمن النفسي الذي يستشعره من علم أن الرزق بيد الله هو الذي يجعل يديه لا تمتدان بالرغبة إلا إلى الله، ولذلك لم تطمح عينا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لما أعطته قريش، بل قال: (يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر في يساري على أن أترك هذا الأمرحتى يظهره الله او أهلك فيه ما تركته)

وعلى هديه كان الصالحون أرفع الناس نفوسهم، وعندما قال هارون للفضيل بعد

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 243.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (30)

مواعظه الرقيقة: (عليك دين) قال: (نعم، دين لربي يحاسبني عليه، فالويل لي إن سألني والويل لي إن ناقشني والويل لي إن لم ألهم حجتي) قال: (إنما أعني دين العباد)، قال: (إن ربي لم يأمرني بهذا، أمر ربي أن أوحده وأطيع أمره، فقال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ مَا أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ} (الذريات:56 ـ 57)

تقلبات المقادير

الشبح الثالث من أشباح الخوف، هو التقلبات التي تصيب الحياة، فتملؤها زهوا وسرورا، أو كدرا وأحزانا، وهي تقلبات ينسبها أكثر الناس للزمن كما ينسبون تقلبات الشتاء والصيف للشمس والأرض والكواكب، وكما ينسبون جميع الأشياء لأربابها الوهميين، الأسماء التي لا مسميات لها.

لكن المؤمن يرى في هذه التقلبات رسائل ربانية يتعرف من خلالها على ربه، فيجعل من الكون وما يجري فيه من أنواع التدابير محرابا من محاريب الخشوع لله.

ولهذا نهى النبي صلى الله عليه وآله وسلم أن يسب الدهر، وأخبر بأن الله هو الدهر، ونرى القرآن الكريم ينسب الأيام لله، قال تعالى: {قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْماً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ} (الجاثية:14)

بل أمر الله تعالى موسى عليه السلام بأن يخبر قومه بتقلبات مقادير الله، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (ابراهيم:5) فجميع التقلبات التي مرت ببني إسرائيل مما ورد في القرآن الكريم كقوله تعالى: {وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ أَنْجَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ وَيُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ} (ابراهيم:6) تصريفات إلهية سخر لها من سخر.

ولهذه المعرفة قيمة كبيرة في التخفيف من وقع البلاء، فمن عرف أن البلايا من مولاه

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (31)

وسيده الذي هو أرحم به من والدته ووالده، كيف يستثقل البلاء أم كيف يخافه، وقد قال ابن عطاء الله عن الفرق بين العارف المسغرق في حضرة سيده، وبين الغافل في النظر إلى تصاريف الأقدار فقال: (الغافل إذا أصبح ينظر ماذا يفعل، والعاقل ينظر ماذا يفعل الله به)

وقد كان عمر بن عبد العزيز يقول: (أصبحت ومالي سرور إلا في مواقع القدر)

2 ـ الرقابة الإيمانية

ويشير إليها من موعظة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس قوله: (احفظ اللَّه تجده تجاهك)، فمن شعر بمواجهة الله له كيف يعصيه، ولهذا كان من وسائل تربية الصالحين تعميق معاني المراقبة لله وما يؤدي إليها من التعريف بالله.

والإيمان بذلك هو الحصن الوحيد الذي يقي من تحصن به من ذلك الوحش الكاسر الذي يختبئ في كيانه، والذي قد يبرز في أي لحظة إن لم يجد من وازعا من دين أو رادعا من خلق.

وقد تنبه الإنسان ـ باعتبار طبيعته المعقدة ـ إلى حاجته إلى هذه الحصون الأخلاقية التي تضبط سلوكه، فقال الفيلسوف البريطاني المعاصر برتراند رسل معبرا عن هذا الاكتشاف: (الإنسان أكثر تعقيداً في نزعاته ورغباته من أي حيوان آخر، وتنشأ الصعوبات التي يواجهها من هذا التعقيد، فهو ليس اجتماعياً تماماً مثل النمل والنحل، ولا هو انفرادي تماماً مثل الأسود والنمور، إنه حيوان شبه اجتماعي، وبعض نزعاته ورغباته اجتماعي، وبعضها انفرادي ويبدو الجانب الاجتماعي في طبيعته من أن الحبس الانفرادي يعتبر عقوبة بالغة الشدة، ويبدو الجانب الآخر في حبه للاستقلال بأموره الخاصة، وعدم استعداده للتحدث فيها إلى الغرباء. ولأننا لسنا اجتماعيين تماماً فنحن في حاجة إلى أخلاق، لتوحي لنا بالأهداف، وإلى قواعد أخلاقية لتفرض علينا قواعد التصرفات، والنحل -كما يبدو-

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (32)

ليس في حاجة إلى شيء من هذا، فهو يتصرف بما تمليه عليه مصلحة الجماعة) (1)

وقال جمال الدين الأفغاني مشيرا إلى قصور القانون عن توفير الحصانة الأخلاقية: (ليس بخاف أن قوة الحكومة إنما تأتي على كف العدوان الظاهر، ورفع الظلم البين، أما الاختلاس والزور المموه والباطل المزين والفساد الملون بصبغ من الصلاح، ونحو ذلك مما يرتكبه أرباب الشهوات، فمن أين للحكومة أن تستطيع دفعه؟ وأنى يكون لها الاطلاع على خفيات الحيل، وكامنات الدسائس ومطويات الخيانة ومستورات الغدر حتى تقوم بدفع ضرره؟ على أن الحاكم وأعوانه قد يكونون، بل كثيراً ما كانوا ويكونون ممن تملكهم الشهوات، فأي وازع يأخذ على أيدي أصحاب السلطة، ويمنعهم من مطاوعة شهواتهم المتسلطة على عقولهم؟ وأي غوث ينقذ ضعفاء الرعايا وذوي المسكنة منهم من شره أولئك المتسلطين وحرصهم؟) (2)

وقال الفيلسوف الألماني (فيختة): (الأخلاق من غير دين عبث)

ونحن لا ننكر هنا أثر القانون ولا دوره، ولا ندعو إلى رفع القوانين لعدم غناها، وإنما نقول بأن القوانين تحتاج إلى وازع ذاتي يدعو إلى تطبيقها، ولا يكون هذا الوازع في غير الإيمان، لأن الذي يطبق القانون تحت عصا الشرطي، سيخرقه إذا ما غاب الشرطي، يقول الدكتور محمد عبد الله دراز: (لا قيام للحياة في الجماعة إلا بالتعاون بين أعضائها، وهذا التعاون إنما يتم بقانون ينظم علاقاته، ويحدد حقوقه وواجباته. وهذا القانون لا غنى له عن سلطان نازع وازع، يكفل مهابته في النفوس، ويمنع انتهاك حرماته. ونقرر أنه ليس على وجه الأرض قوة تكافئ قوة التدين، أو تدانيها في كفالة احترام القانون وضمان تماسك المجتمع، واستقرار نظامه، والتئام أسباب الراحة والطمأنينة فيه.. والسر في ذلك أن

__________

(1) المجتمع البشري في الأخلاق والسياسة، لبرتراندرسل:10.

(2) رسالة الرد على الدهريين:72.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (33)

الإنسان يمتاز عن سائر الحيوانات الحية بأن حركاته وتصرفاته الاختيارية يتولى قيادتها شيء لا يقع عليه سمعه ولا بصره، ولا يوضع في يده ولا في عنقه. ولا يجري في دمه ولا في عضلاته ولا في أعصابه، وإنما هو معنى إنساني روحاني اسمه الفكرة والعقيدة، ولقد ضل قوم قلبوا هذا الوضع، وحسبوا أن الفكر والضمير لا يؤثران في الحياة المادية والاقتصادية بل يتأثران بها.. أجل إن الإنسان يساق من باطنه لا من ظاهره، وليست قوانين الجماعات ولا سلطان الحكومات بكافيين وحدهما لإقامة مدينة فاضلة تحترم فيها الحقوق وتؤدى الواجبات على وجهها الكامل، فإن الذي يؤدي واجبه رهبة من السوط أو السجن أو العقوبة المالية. لا يلبث أن يهمله متى اطمأن إلى أنه سيفلت من طائلة القانون.. ومن الخطأ البين أن نظن أن في نشر العلوم والثقافات وحدها ضماناً للسلام والرخاء وعوضاً عن التربية والتهذيب الديني والخلقي، ذلك لأن العلم سلاح ذو حدين يصلح للهدم والتدمير، كما يصلح للبناء والتعمير، ولابد في حسن استخدامه من رقيب أخلاقي يوجهه لخير الإنسانية وعمارة الأرض لا إلى الشر والفساد ذلكم الرقيب هو العقيدة والإيمان) (1)

وسنكتفي هنا لتقرير هذه الحقائق بذكر مثال درج المعاصرون على ذكره لأهميته وقيمته، وهو ما فعلته الولايات المتحدة الأمريكية بعد أن انتشرت فيها عادة السكر وشرب الخمور انتشاراً أقنع الحكومة بضرر ذلك على الإنسان الأمريكي، فلجأت للقانون كرادع عن هذا السلوك.

وقصة ذلك من البداية أنه حوالي عام 1918 ثارت المشكلة في الرأي العام الأمريكي، وفي عام 1919 أدخل في الدستور الأمريكي تحت عنوان (التعديل الثامن عشر)، وفي نفس السنة أيد هذا التعديل بأمر حظر، أطلق عليه التاريخ قانون (فولستد).

وقد أعدت لتنفيذ هذا التحريم داخل الأراضي الأمريكية كافة وسائل الدولة

__________

(1) من كتاب (الدين) للدكتور محمد عبد الله دراز.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (34)

وإمكاناتها الضخمة: فجند الأسطول كله لمراقبة الشواطئ، منعاً للتهريب، وجند الطيران لمراقبة الجو، وشغلت أجهزة الحكومة واستخدمت كل وسائل الدعاية والإعلام لمحاربة الخمر، وبيان مضارها وجندت كذلك المجلات والصحف والكتب والنشرات والصور والسينما والأحاديث والمحاضرات وغيرها.

ويقدرون ما أنفقته الدولة في الدعاية ضد الخمر بما يزيد على ستين مليوناً من الدولارات، وأن ما أصدرته من كتب ونشرات يبلغ عشرة بلايين صفحة، وما تحملته في سبيل تنفيذ قانون التحريم -في مدة أربعة عشر عاماً_ لا يقل عن مائتين وخمسين مليون جنيه، وقد أعدم في هذه المدة ثلاثمائة نفس، وسجن 532،335 نفس، وبلغت الغرامات ستة عشر مليون جنيه، وصادرت من الأملاك ما بلغ أربعمائة مليون وأربعة ملايين جنيه، ولكن كل ذلك لم يزد الأمة الأمريكية إلا تمسكا بالخمر، وعناداً في تعاطيها، حتى اضطرت الحكومة سنة 1933 الى إلغاء هذا القانون، وإباحة الخمر إباحة مطلقة (1).

وهكذا فشل القانون بكل ما وفر له من وسائل تنفيذ في حمياة الإنسان من مرض سلوكي واحد.

وفي مقابل ذلك، وفي مجتمع لم يكن يقل عن المجتمع الأمريكي حبا للخمر ولا غراما بها، استطاعت آية واحدة، أو أمر إلهي واحد أن يقضي على الخمر لا في مجتمع المدينة وحدها، بل في المجتمعات الإسلامية جميعا منذ أربعة عشر قرنا، وهي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة:90)

ويحكي الصحابة عن البداية، قال أبو سعيد: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (يا أيها

__________

(1) ذكر هذه الإحصاءات الأستاذ أبو الأعلى المودودي في كتابه (تنقيحات) وعنه نقلها الأستاذ أبو الحسن الندوي في كتابه (ماذا خسر العالم بانحطاط المسلمين) ص 177 هامش.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (35)

الناس إن الله يبغض الخمر، ولعل الله سينزل فيها أمراً، فمن كان عنده شيء فليبعه ولينتفع به) ـ وذلك قبل التحريم النهائي ـ قال أبو سعيد: فما لبثنا إلا يسيراً، حتى قال: (إن الله حرم الخمر، فمن أدركته هذه الآية -يعني آية المائدة السابقة- وعنده منها شيء فلا يشرب ولا يبيع)، قال أبو سعيد: فاستقبل الناس بما كان عندهم منها طرق المدينة فسفكوها -أي صبوها وأسالوها (1).

ولم يكن للشرطة ولا من يدعمهم حينها وجود، بل كان الإيمان وحده، عن أنس قال: كنت أسقي أبا عبيدة وأبي بن كعب فجاءهم آت فقال: إن الخمر حرمت... فقال أبو طلحة: قم يا أنس فأهرقها... فأهرقها (2).

وعن أبي موسى قال: بينما نحن قعود على شراب لنا ونحن نشرب الخمر حلة ـ أي حلالاً ـ إذ قمت حتى آتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فأسلم عليه وقد نزل تحريم الخمر: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (المائدة:90)، فجئت إلى أصحابي، فقرأتها عليهم... قال: وبعض القوم شربته في يده شرب بعضاً وبقي بعض في الإناء... فقال بالإناء تحت شفته العليا كما يفعل الحجام ثم صبوا ما في باطيتهم فقالوا: انتهينا ربنا... انتهينا ربنا) (3)

وقد ذكر القرآن الكريم تأثير الإيمان في الردع عن القتل في الوقت الذي لم يكن هناك شرطة ولا سجون ولا إعدام، فقال تعالى ذاكرا قصة ابني آدم بالحق: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَاناً فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الْآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ

__________

(1) رواه مسلم.

(2) رواه البخاري ومسلم.

(3) رواه الطبري.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (36)

رَبَّ الْعَالَمِينَ} (المائدة:27 ـ 28)

3 ـ القوة والإنتاج

وهي الركن الثالث من أركان الشخصية السوية، لأن الضعيف لا يستطيع أن يفعل لنفسه شيئا، فكيف يفعل لغيره.

ولهذا ذم الله تعالى المستضعفين الذين قعد بهم عجزهم وكسلهم عن الخروج عن ضعفهم، فقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (النساء:97)، فسماهم تعالى ظالمين مع أنهم أقروا بأنهم كانوا مستضعفين.

ولم يستثن تعالى من هؤلاء إلا من عجز عجزا يقعده عن أي حيلة، قال تعالى: {إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوّاً غَفُوراً} (النساء:99)

بل إن القرآن الكريم ينهى هؤلاء المستضعفين عن أن يقعد بهم ضعفهم الحسي عن الاستعداد والهم، ولهذا يثني على الصالحين المستضعفين بقوله تعالى: {وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ} (التوبة:92)، ولهذا أثنى عليهم صلى الله عليه وآله وسلم بقوله: (إن بالمدينة أقواماً ما قطعتم وادياً ولا سرتم سيراً إلا وهم معكم) قالوا: وهم بالمدينة؟ قال: (نعم حبسهم العذر) (1)

بل إن الله تعالى اشترط في هؤلاء المستضعفين النصح لله ورسوله في حال قعودهم وعجزهم، فقال تعالى: {لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (37)

يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التوبة:91)

ولهذا، فإن دين الله تعالى لا يقوم به ولا يمثله إلا الأقوياء أصحاب الهمم العالية، أما الذين يتصورون الدين ضعفا وتماوتا وذلة، فهم لا يميتون شخصياتهم فقط، بل يميتون الدين أيضا.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو القدوة الأول للمؤمنين إذا مشى أسرع في مشيته، كأنما ينحدر من صبب، يقول أبو هريرة: (ما رأيت أحداً أحسن من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كأن الشمس تجرى في وجهه، ولا رأيت أحداً أسرع في مشيته منه، كأنما الأرض تطوى له، وإنما لنجهد أنفسنا، وإنه لغير مكترث) (1)

ويشير إلى هذا الركن من موعظة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا عَلَى أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا سألت فاسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعَنْ باللَّه)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)

لأن أساس القوة هو شعور القوي بأن له من المدد ما يتغلب به على كل صعب، ولذلك قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي يبين مصادر قوة المؤمن: (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلت لكان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فان لو تفتح عمل الشيطان) (2) فجعل الاستعانة بالله منافية وصادة لأوهام العجز.

__________

(1) رواه الترمذي، وقال: حديث غريب وأخرجه أحمد وابن حبان وابن سعد.

(2) رواه أحمد.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (38)

ولهذا قال تعالى يذكر موقف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهو في الغار يتحدى المشركين: {إِلاّ تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (التوبة:40)

فشعور رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بمعية الله جعله يتحدى كل ما أعد المشركين من وسائل الرصد التي تريد أن تغتاله وتغتال دينه.

وبمثل هذا القول علم الله تعالى موسى - عليه السلام - مصححا تصوره لفرعون وزبانيته: {كَلَّا فَاذْهَبَا بِآياتِنَا إِنَّا مَعَكُمْ مُسْتَمِعُونَ} (الشعراء:15)، وكأنه يقول له: (كلا يا موسى فلا يساوي فرعون شيئا ما دمت معك)

ولهذا سار موسى - عليه السلام - رابط الجأش، شجاعا، في عزة تقصر معها عزة كل ما أحيط بفرعون من هالة وزينة، فقد كان مع موسى - عليه السلام - ربه تعالى، ولهذا أجاب بني إسرائيل بعد أن أدركهم فرعون وجنده بقوله الذي يستعيد فيه موسى - عليه السلام - ماقيل له في ذلك اليوم: {كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ} (الشعراء:62)

ولهذا الشعور تأثيره العظيم في بث العزيمة في نفس المؤمن، لأنه حينها لا ينظر إلى قوته المحدودة، وإنما ينظر إلى قوة الله التي تمده بالمدد كل حين، بل إنه ينفي قوته بجنب قوة الله، ولهذا قال تعالى: {إِنْ يَنْصُرْكُمُ اللَّهُ فَلا غَالِبَ لَكُمْ وَإِنْ يَخْذُلْكُمْ فَمَنْ ذَا الَّذِي يَنْصُرُكُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ} (آل عمران:160)، فاعتبر النصر من الله والخذلان من الله.

ولهذا تحدى الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ أقوامهم، فلم يبهرهم ما أعد لهم من صنوف الفتن، قال تعالى ذاكرا قول هودا عليه السلام لقومه بعد تكذيبهم له: {إِنِّي أُشْهِدُ اللَّهَ وَاشْهَدُوا أَنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعاً ثُمَّ لا تُنْظِرُونِ إِنِّي تَوَكَّلْتُ عَلَى اللَّهِ

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (39)

رَبِّي وَرَبِّكُمْ مَا مِنْ دَابَّةٍ إِلَّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنَّ رَبِّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} (هود:54 ـ 56)

والقوة التي نريدها هنا ليست قوة اليد والسلاح فقط، وإنما قوة الشخصية التي تجعل صاحبها جبلا من جبال الصمود والهمة والعزيمة في جميع المجالات.

ولهذا فإن القوي لا يبهره السلطان ولا الخدم ولا الحشم، لأن شعوره بمعية الله يجعل كل شيء أمامه هباء أو كالهباء إذا تأملته لم تجده شيئا، وقد طلب الخليفة الأموي هشام بن عبد الملك طاووس اليماني يوماً إلى مجلسه، فلما دخل عليه، لم يسلم عليه بامرة المؤمنين، ولكن قال: (السلام عليك يا هشام) وجلس بازائه، وقال: كيف أنت يا هشام؟ فغضب هشام غضباً شديداً حتى هم بقتله، وقال له: يا طاووس ما الذي حملك على ما صنعت؟ قال: وما الذي صنعت؟ فازداد غضباً وغيظاً، وقال: خلعت نعليك بحاشية بساطي ولم تقبِّل يدي، ولم تسلم على بإمرة المؤمنين، ولم تكنني، وجلست بازائي بغير إذني، وقلت كيف أنت يا هشام، قال: أما ما فعلت من وضع نعلي بحاشية بساطك فإني أضعهما بين يدي رب العزة كل يوم خمس مرات، وأما قولك لم تقبِّل يدي فإني سمعت علي بن أبي طالب يقول: (لا يحل لرجل أن يقبِّل يد أحد إلا امرأته من شهوة، أو ولده من رحمة) وأما قولك لم تسلم على بإمرة المؤمنين فليس كل الناس راضين بإمرتك، فكرهت أن أكذب، وأما قولك جلست بازائي فإني سمعت أمير المؤمنين علياً يقول: (إذا أردت أن تنظر إلى رجل من أهل النار فانظر إلى رجل جالس وحوله قوم قيام)، فقال هشام: عظني... فقال: سمعت من أمير المؤمنين علي أن في جهنم حيات كالقلال، وعقارب كالبغال، تلدغ كل أمير لا يعدل في رعيته - ثم قام.

والقوي لا تغريه الأموال مهما كانت، فلذلك لا يمد يده لغير ربه، ولا يبيع دينه بأي رشوة مهما عظمت، وقد بعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم عبد الله بن رواحة إلى خيبر، ليقوم بتقدير ثمر النخل فيها، إذ كان لهم نصفها، وللمسلمين نصفها، وقام عبد الله بالمهمة فقال: في هذه كذا،

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (40)

وفي هذه كذا، فجمع اليهود له حلياً من حلى نسائهم وقالوا له: هذا لك، وخفف عنا في القسمة وتجاوز فقال: (يا معشر اليهود.. والله والله إنكم لمن أبغض خلق الله إلي، وما ذاك بحاملي أن أحيف عليكم. أما الذي عرضتم له من الرشوة فإنها سحت، وإنا لا نأكلها) فلم يملك اليهود إلا أن قالوا: بهذا قامت السموات والأرض.

والقوي هو الذي لا يمكله جيبه ولا أمواله، بل يملكها ليصرفها في مواضع الحق والخير، لأن من أخطر الضعف البخل، ولهذا جمع صلى الله عليه وآله وسلم بين البخل والجبن، فقال: (اللهم إني أعوذ بك من العجز والكسل والجبن والبخل والهرم وعذاب القبر وفتنة الدجال) (1)

ثانيا ـ مصادر التربية الإيمانية وضوابط استثمارها

تتحدد آثار التربية الإيمانية انطلاقا من المصادر التي تستقى منها، فالمصدر هو الذي يحدد صحة العقيدة، كما أنه المحدد لتأثيرها في النفس.

ولهذا فإن أساس كل الانحرافات العقدية هو التحريفات التي لحقت بكتب الديانات المختلفة، بحيث أصبحت تحمل صورا مشوهة عن الله تعالى، لا تزيد المتعلقين بها إلا جهلا بالله.

وانطلاقا من القرآن الكريم، فإن للعقيدة مصدرين أساسيين كبيرين، بقدر الاستفادة منهما تترسخ العقيدة في النفس، وينفعل لها السلوك والوجدان.

وقد عبر القرآن الكريم عن هذين المصدرين بمصطلح (الآيات)، وهو مصطلح قرآني يعني: العلامات الواضحات الباهرات.

وقد أشار القرآن الكريم إلى المصدر الأول بقوله تعالى: {وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ} (البقرة:99)، وقال تعالى: {تِلْكَ آيَاتُ اللَّهِ نَتْلُوهَا

__________

(1) رواه أحمد وعبد بن حميد ومسلم والنسائي.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (41)

عَلَيْكَ بِالْحَقِّ وَإِنَّكَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ} (البقرة:252)، وقال تعالى: {ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ} (آل عمران:58)، وقال تعالى: {لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ} (آل عمران:113)

وأشار إلى المصدر الثاني بقوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} (البقرة:164)، وقال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (آل عمران:190)

وسنحاول في هذا المبحث أن نتعرف على كيفية الاستفادة من هذين المصدرين في التربية الإيمانية، والضوابط التي تحمي هذا الاستثمار من أي انحراف.

1 ـ الوحي

ونريد به القرآن الكريم، وما يفسره ويبينه ويعمق معانيه من السنة الصحيحة، فالقرآن الكريم هو الكتاب الوحيد المعرف بالله، فلا يعرف الله إلا الله، والله هو المتكلم بالقرآن الكريم، فلذلك كان الله تعالى هو معرف نفسه بنفسه.

زيادة على ذلك، فإن في القرآن الكريم كل حقائق الوجود التي تعمق معاني الإيمان في نفس المؤمن، والتي ترفع عنه كل حيرة قد تلجئه إليها الفلسفات والترهات التي لا تعتمد على المصادر المعصومة، قال تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ} (النحل:89)

ولهذا كان من أوصاف القرآن الكريم أنه {َشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ}، وما في الصدور مصطلح قرآني يعني المعارف والوجدانات المختلفة التي تتحكم في حياة الإنسان،

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (42)

والصدور هي محل القلب، الذي هو محل التعقل، كما قال تعالى: {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ} (الحج:46)

وذلك لأن الانحرافات المختلفة التي تحملها العقائد الضالة هي عبارة عن أمراض خطيرة لا يكفي في علاجها المنطق البرهاني وحده الذي مارسه الفلاسفة والمتكلمون، ولا المنطق الوجداني الذي مارسه الصوفية والإشراقيون، لأن كل أولئك يتوجهون بخطابهم للطيفة من لطائف الإنسان لا يعدونها، بينما القرآن الكريم يخاطب اللطائف جميعا، وبالحقائق التي لا يزورها البرهان، ولا يضللها الوجدان.

وكمثال على ذلك يبين يسر أساليب القرآن الكريم وشمولها وجمالها وعمق معانيها قراءة واعية لسورة الطور، فهي وحدها كفيلة بتعميق معاني من الإيمان لا تستطيع مجلدات ضخمة من الجدل أن تغرس ما تغرسه، يقول سيد قطب معرفا بهذه السورة العظيمة: (هذه السورة تمثل حملة عميقة التأثير فى القلب البشري، ومطاردة عنيفة للهواجس والشكوك والشبهات والأباطيل التي تساوره وتتدسس إليه وتختبئ هنا وهناك في حناياه. ودحض لكل حجة وكل عذر قد يتخذه للحيدة عن الحق والزيغ عن الإيمان.. حملة لا يصمد لها قلب يتلقاها، وهي تلاحقه حتى تلجئه إلى الإذعان والاستسلام! وهي حملة يشترك فيها اللفظ والعبارة، والمعنى والمدلول، والصور والظلال، والإيقاعات الموسيقية لمقاطع السورة وفواصلها على السواء. ومن بدء السورة إلى ختامها تتوالى آياتها كما لو كانت قذائف، وإيقاعاتها كما لو كانت صواعق، وصورها وظلالها كما لو كانت سياطا لاذعة للحس لا تمهله لحظة واحدة من البدء إلى الختام) (1)

والقرآن الكريم يقدم لهذه المطاردة لأفول الهواجس والشكوك بمشهدين يضعان

__________

(1) في ظلال القرآن: 3391.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (43)

الإنسان أمام الأمر الواقع، وكأنهما يقولان له: (إن النتيجة التي سوف ينتهي إليها موقفك هما هاتان النتيجتان لا غير)

وهاتان النتيجتان تخاطبان النفس والأهواء التي قد تتحكم في العقول، فتمنعها من التدبر السليم، والوعي الحقيقي لما تخاطب به، فتحاول أن تلوي الحقائق لتنسجم مع الأهواء، فلذلك تبدأ هذه السورة بخنق هذه الأهواء أولا لتتيح للعقل التدبر الواعي لما يخاطب به من أدلة عقلية.

أما المشهد الأول، فيخاطب ما في الإنسان من خوف على مصيره ومصير أحلامه، فينبهها بهذا التنبيه الشديد، قال تعالى: {فوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلَى نَارِ جَهَنَّمَ دَعّاً هَذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنتُم بِهَا تُكَذِّبُونَ أَفَسِحْرٌ هَذَا أَمْ أَنتُمْ لَا تُبْصِرُونَ اصْلَوْهَا فَاصْبِرُوا أَوْ لَا تَصْبِرُوا سَوَاء عَلَيْكُمْ إِنَّمَا تُجْزَوْنَ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} (الطور:11 ـ 16)

أما المشهد الثاني، فيخاطب ما في الإنسان من حرص على اقتناص أكبر قدر من اللذات والشهوات مع البعد عن كل ما ينغصها من المنغصات، يقول تعالى: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَعِيمٍ فَاكِهِينَ بِمَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ وَوَقَاهُمْ رَبُّهُمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئاً بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَّصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُم بِحُورٍ عِينٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُم بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُم مِّنْ عَمَلِهِم مِّن شَيْءٍ كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ وَأَمْدَدْنَاهُم بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ يَتَنَازَعُونَ فِيهَا كَأْساً لَّا لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمَانٌ لَّهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَّكْنُونٌ} (الطور:17 ـ 24)

وبعد هذا الوصف الجميل الذي تترنح النفس طربا وهي تتطلع إليه ينقل القرآن الكريم مشهدا لأولئك المتنعمين، وهم جالسون في رياض الجنة يتحدثون عن سر ذلك التنعم العظيم، قال تعالى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءلُونَ قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (44)

مُشْفِقِينَ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ إِنَّا كُنَّا مِن قَبْلُ نَدْعُوهُ إِنَّهُ هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيمُ} (الطور: 25 ـ 28)

وانطلاقا من هذا المشهد الذي تتمنى كل نفس أن تعيشه، وانطلاقا من سد كل الثغرات التي تحاول ظلمات الشياطين والنفس ملأها بأسراب الشبهات يأتي الخطاب القرآني للعقل البشري المتحرر من أسر الهوى ليرد كل الهواجس التي تمليها الشياطين:

ويبدأ القرآن الكريم خطابه بتصحيح الرسالة، فالرسالة هي الطريق المعرف بالله، ومن لم يصدق برسل الله لن يعرف الله، ولا مراد الله، قال تعالى: {فَذَكِّرْ فَمَا أَنتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ وَلَا مَجْنُونٍ أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَّتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ قُلْ تَرَبَّصُوا فَإِنِّي مَعَكُم مِّنَ الْمُتَرَبِّصِينَ أَمْ تَأْمُرُهُمْ أَحْلَامُهُم بِهَذَا أَمْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ أَمْ يَقُولُونَ تَقَوَّلَهُ بَل لَّا يُؤْمِنُونَ فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ إِن كَانُوا صَادِقِينَ} (الطور:29 ـ 34)

ثم يبين ضرورة وجود الله ووجود كمالات الله ليستقيم الكون على ما هو عليه، قال تعالى: {أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ أَمْ خَلَقُوا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَل لَّا يُوقِنُونَ أَمْ عِندَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ أَمْ لَهُمْ سُلَّمٌ يَسْتَمِعُونَ فِيهِ فَلْيَأْتِ مُسْتَمِعُهُم بِسُلْطَانٍ مُّبِينٍ أَمْ لَهُ الْبَنَاتُ وَلَكُمُ الْبَنُونَ أَمْ تَسْأَلُهُمْ أَجْراً فَهُم مِّن مَّغْرَمٍ مُّثْقَلُونَ أَمْ عِندَهُمُ الْغَيْبُ فَهُمْ يَكْتُبُونَ أَمْ يُرِيدُونَ كَيْداً فَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الْمَكِيدُونَ أَمْ لَهُمْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ وَإِن يَرَوْا كِسْفاً مِّنَ السَّمَاءِ سَاقِطاً يَقُولُوا سَحَابٌ مَّرْكُومٌ فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ} (الطور:35 ـ 44)

وكل لفظة من هذه الألفاظ ـ بما تزرعه في العقل من تصديق ـ عالم من عوالم الأدلة مصاغ بأحسن أسلوب وأرقه وأجمله.

ولو قارنا هذا الأسلوب القرآني الشامل في خطابه، والدقيق في توجيهه مع ما حاول به المتكلمون وغيرهم من استبدال أساليب القرآن الكريم بأساليب الفلاسفة لوجدنا الفرق

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (45)

شاسعا.

فأساليب الفلاسفة جافة لا تزيد القلب إلا شبهات، لأنها من حبك العقل، والعقل الذي أنشأ الدليل يمكن أن ينشئ ما ينقضه أو ما يوهم أنه ينقضه، فيتيه الإنسان في الدور، أو يموت على دين العجائز.

ومن مظاهر المنهج التربوي في القرآن الكريم تكريره للمعاني الإيمانية وتقريره لها بالأساليب المختلفة المنسجمة مع كل العقول، ففي كل سورة، بل في كل آية تعرض حقائق الإيمان لتحل كل الإشكالات، وتجيب على كل الشبهات.

ولهذا كان البناء القرآني متميزا، فالحقائق الإيمانية القرآنية موزعة في كل سورة، بل في كل آية، قال بديع الزمان: (واعلم انه لا يمكن لكلِ أحدٍ في كل وقتٍ قراءة تمام القرآن الذي هو دواء وشفاء لكل أحدٍ في كل وقت. فلهذا أدْرَجَ الحكيمُ الرحيم اكثر المقاصد القرآنية في اكثر سوره؛ لا سيما الطويلة منها، حتى صارت كلُ سورة قرآناً صغيراً، فسهّل السبيلَ لكل أحدٍ، دون أن يَحْرُمَ أحداً، فكرر التوحيد والحشر وقصة موسى عليه السلام) (1)

وهذا التكرار، بحسب الحاجة للدواء، وهو كتكرار الدواء المادي الذي يصفه الأطباء، و(كما أن الحاجات الجسمانية مختلفةٌ في الأوقات؛ كذلك الحاجات المعنوية الأنسانية ايضاً مختلفة الأوقات. فالى قسمٍ في كل آن كـ (هو الله) للروح - كحاجة الجسم الى الهواء - والى قسم في كل ساعة كـ (بسم الله))

فبناء القرآن الكريم على هذا بناء علاجي يستدعي اللمسات المختلفة المتكررة (فتكرار الآيات والكلمات اذن للدلالة على تكرّر الاحتياج، وللاشارة الى شدة الاحتياج اليها، ولتنبيه عرق الاحتياج وإيقاظه، وللتشويق على الاحتياج، ولتحريك اشتهاء

__________

(1) الكلمات، الكلمة التاسعة عشرة.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (46)

الاحتياج الى تلك الأغذية المعنوية) (1)

انطلاقا من هذا فإن القرآن الكريم ـ ومثله السنة الصحيحة ـ لا يؤتي ثماره التربوية إلا بشروط، منها:

الحضور الواعي

فالله تعالى شرط لمن يريد جني ثمار القرآن الكريم ثلاثة شروط، فقال تعالى: {إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ} (قّ:37)، فالله تعالى جعل كلامه ذكرى لا ينتفع بها إلا من جمع هذه الأمور الثلاثة:

1 ـ أن يكون له قلب حي واع، فإذا فقد هذا القلب لم ينتفع بالذكرى.

2 ـ أن يصغي بسمعه فيميله كله نحو المخاطب، فإن لم يفعل لم ينتفع بكلامه.

3 ـ أن يحضر قلبه وذهنه عند المكلم له، وهو الشهيد أي الحاضر غيرالغائب، فإن غاب قلبه لم ينتفع بالخطاب.

وهذه الشروط التي نص عليها القرآن الكريم هي نفس الشروط التي يشترط تحققها في أي شيء نريد إدراكه والتعرف عليه، فـ (المبصر لا يدرك حقيقة المرئي إلا إذا كانت له قوة مبصرة، وحدق بها نحو المرئي، ولم يكن قلبه مشغولا بغير ذلك، فإن فقد القوة المبصرة أو لم يحدق نحو المرئي أو حدق نحوه ولكن قلبه كله في موضع آخر لم يدركه، فكثيرا ما يمر بك إنسان أو غيره وقلبك مشغول بغيره فلا تشعر بمروره فهذا الشأن يستدعي صحة القلب وحضوره وكمال الإصغاء) (2)

ولهذا جعل الغزالي من الفرق المغرورة فرقة (اغتروا بقراءة القرآن فيهذونه هذا وربما يختمونه في اليوم والليل مرة، ولسان أحدهم يجري به وقلبه يتردد في أودية الأماني إذ لا

__________

(1) الكلمات، الكلمة التاسعة عشرة.

(2) مدارج السالكين: 3/ 231.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (47)

يتفكر في معاني القرآن لينزجر بزواجره ويتعظ بمواعظه ويقف عند أوامره ونواهيه ويعتبر بمواضع الاعتبار فيه إلى غير ذلك من مقاصد التلاوة، فهو مغرور يظن أن المقصود من إنزال القرآن الهمهمة به مع الغفلة عنه) (1)

وقد ضرب مثلا لهذا بعبد كتب إليه مولاه ومالكه كتاباً وأشار عليه فيه بالأوامر والنواهي، فلم يصرف عنايته إلى فهمه والعمل به، ولكن اقتصر على حفظه فهو مستمر على خلاف ما أمره به مولاه، إلا أنه يكرر الكتاب بصوته ونغمته كل يوم مائة مرة فهو مستحق للعقوبة، مهما ظن أن ذلك هو المراد منه فهو مغرور.

الحذر من التحريف

فإن القرآن الكريم مع عمق معانيه وشمولها يسير واضح مفصل لا يحتاج إلى تلك المبالغات الكثيرة التي أرادت أن تفسره فزادته غموضا أو تحريفا، ولا يحتاج إلى ما أغرق المتكلمون فيه من الأدلة، فهو يحمل الحقائق ودلائلها، بيسر وجمال وضبط.

فمن حيث الأدلة، يحوي القرآن الكريم أصول الدلة وفروعها، بعبارات مؤثرة جميلة تحيط بجميع الإنسان، فلا يجد لنفسه معها إلا القبول والتصديق.

يقول ابن القيم: (ليس تحت أديم السماء كتاب متضمن للبراهين والآيات على المطالب العالية: من التوحيد، وإثبات الصفات، وإثبات المعاد والنبوات، ورد النحل الباطلة والآراء الفاسدة، مثل القرآن. فإنه كفيل بذلك كله، متضمن له على أتم الوجوه وأحسنها، وأقربها إلى العقول وأفصحها بيانا. فهو الشفاء على الحقيقة من أدواء الشبه والشكوك، ولكن ذلك موقوف على فهمه ومعرفة المراد منه. فمن رزقه الله تعالى ذلك أبصر الحق والباطل عيانا بقلبه، كما يرى الليل والنهار، وعلم أن ما عداه من كتب الناس وآرائهم ومعقولاتهم بين علوم لا ثقة بها، وإنما هى آراء وتقليد. وبين ظنون كاذبة لا تغنى من الحق

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 401.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (48)

شيئا. وبين أمور صحيحة لا منفعة للقلب فيها. وبين علوم صحيحة قد وعروا الطريق إلى تحصيلها، وأطالوا الكلام فى إثباتها، مع قلة نفعها) (1)

وقد ذكرنا مثالا لذلك بمجرد قراءة واعية لسورة الطور، وهي مجرد مثال على أسلوب القرآن الكريم في الاستدلال.

أما من حيث مواضيع العقيدة، فإن القرآن الكريم يقررها كذلك منسجمة مع العقل والفطرة، فيصف الله تعالى بكل صفات الكمال، وينفي عنه كل ما لا يليق به، وما لا يليق بالألوهية مما حرفته الأديان والأهواء.

فهو أدق كتاب وأشمله في وصف الله تعالى وبيان عظمته والدعوة إلى محبته وعبادته، فلا يخرج قارئ القرآن الكريم من قراءته الواعية له إلا محبا لربه معظما له عارفا به عابدا له مستشعرا حضوره في كل حركة وسكنة.

يقول الغزالي عند ذكر ما يستحضره القارئ من معان أثناء قراءته: (أما صفات الله عز وجل؛ فكقوله تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شيءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ البَصيرُ} وكقوله تعالى: {المَلِكُ القُدُّوسُ السَّلامُ المُؤْمِنُ المُهَيْمِنُ العزيزُ الجَبَّارُ المُتَكَبِّرُ} فليتأمل معاني هذه الأسماء والصفات لينكشف له أسرارها فتحتها معان مدفونة لا تنكشف إلا للموفقين، وإليه أشار علي بقوله: (ما أسر إليَّ رسول الله شيئاً كتمه عن الناس إلا أن يؤتي الله عز وجل عبداً فهماً في كتابه فليكن حريصاً على طلب ذلك الفهم، وقال ابن مسعود: (من أراد علم الأوّلين والآخرين فليثوّر القرآن) وأعظم علوم القرآن تحت أسماء الله عز وجل وصفاته إذ لم يدرك أكثر الخلق منها إلا أموراً لائقة بأفهامهم ولم يعثروا على أغوارها) (2)

ومثل الأوصاف المباشرة لله، التي امتلأ بها القرآن الكريم، والتي تدل عليها أسماء

__________

(1) إغاثة اللهفان: 1/ 44.

(2) إحياء علوم الدين: 1/ 283.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (49)

الله الحسنى معرفة الله من خلال ما ذكره من افعاله، يقول الغزالي: (وأما أفعاله تعالى؛ فكذكره خلق السموات والأرض وغيرها، فليفهم التالي منها صفات الله عز وجل إذ الفعل يدل على الفاعل فتدل عظمته على عظمته. فينبغي أن يشهد في الفعل الفاعل دون الفعل، فمن عرف الحق رآه في كل شيء إذ كل شيء فهو منه وإليه وبه وله فهو الكل على التحقيق. ومن لا يراه في كل ما يراه فكأنه ما عرفه. ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا الله باطل وأن كل شيء هالك إلا وجهه) (1)

ويبين منهج التدبر الصحيح المنتج لثمر الإيمان عند قراءة أمثال قوله قال تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ} (الواقعة:63)، وغيرها، فيقول: (فلا يقصر نظره على الماء والنار والحرث والمني، بل يتأمل في المني وهو نطفة متشابهة الأجزاء ثم ينظر في كيفية انقسامها إلى اللحم والعظم والعروق والعصب وكيفية تشكل أعضائها بالأشكال المختلفة من الرأس واليد والرجل والكبد والقلب وغيرها، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات الشريفة من السمع والبصر والعقل وغيرها، ثم إلى ما ظهر فيها من الصفات المذمومة من الغضب والشهوة والكبر والجهل والتكذيب والمجادلة كما قال تعالى: {أَوَلَمْ يَرَ الْأِنْسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ} (يّس:77) فيتأمل هذه العجائب ليترقى منها إلى عجب العجائب وهو الصفة التي منها صدرت هذه الأعاجيب فلا يزال ينظر إلى الصنعة فيرى الصانع) (2)

هذا هو منهج التدبر الصحيح، وهو الذي يثمر المعرفة بالله، المعرفة التي تثمر التعظيم والمحبة، والتي تنتج من خلالها العبودية في أرق صورها.

أما ما يحاول البعض التركيز عليه في البحث عما في القرآن الكريم من إضافات لله، فيعتبرونها أصل العقيدة، ومنتهاها، فهو من تحريف القرآن الكريم بالهرب من الحقائق

__________

(1) إحياء علوم الدين: 1/ 283.

(2) إحياء علوم الدين: 1/ 283.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (50)

المقررة في النصوص إلى ما يكتنفها من التعبير.

فالله تعالى عندما يقول: {وَلا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} (القصص:88) يدعو إلى إفراده بالعبودية، لأن كل من عداه هالك في الحال أو في المآل، لكن الانصراف عن مقصد النص ـ وهو نوع من التحريف ـ يجعل الآية وكأنها تقررا صفة ذاتية لله اسمها (الوجه) تجعل كل من لم يسلم بها مبتدعا منحرفا ضالا، ثم تأمر المؤمن بها أن يؤمن بحقيقتها وبوجودها من غير أن يعرف لها أي معنى أو أي دلالة.

ومثل ذلك قوله تعالى: {أَنِ اقْذِفِيهِ فِي التَّابُوتِ فَاقْذِفِيهِ فِي الْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي} (طه:39)، فالله تعالى يخبر موسى عليه السلام بأنه قد صنع على عين الله أي أن الله رباه وحفظه وكفل له عناية خاصة.

ومثل ذلك قوله تعالى: {وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا} (هود:37)، فالله تعالى يبشرهم بعنايته وحضوره من غير أن يقصد القرآن الكريم تقرير وصف خاص لله اسمه (العيون) لا يدرى معناه ولا يفقه تفسيره.

ومثل ذلك ما ورد في السنة من قوله صلى الله عليه وآله وسلم لمن شق آذان الأنعام محذرا إياه من غضب الله: (موسى الله أَحَدُّ من موساك، وساعد الله أشد من ساعدك) (1)، فراح هؤلاء يثبتون به صفة الساعد، لأن الساعد مضاف إلى الله.

يقول سيد قطب معلقا على أمثال هذه النصوص: (كل ما يرد في القرآن وفي الحديث من هذه الصور والمشاهد إنما هو تقريب للحقائق التي لا يملك البشر إدراكها بغير أن توضع لهم في تعبير يدركونه، وفي صورة يتصورونها. ومنه هذا التصوير لجانب من حقيقة

__________

(1) رواه الطبراني في الكبير، وفي السنن بعضه، مجمع الزوائد: 4/ 32.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (51)

القدرة المطلقة، التي لا تتقيد بشكل، ولا تتحيز في حيز، ولا تتحدد بحدود) (1)

ولهذا ضحك صلى الله عليه وآله وسلم لما جاءه حَبْر من الأحبار، فقال: (يا محمد إنا نجد أن اللّه عزَّ وجلَّ يجعل السماوات على إصبع، والأرضين على إصبع، والشجر على إصبع، والماء والثرى على إصبع، وسائر الخلق على إصبع، فيقول: أنا الملك. فضحك رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم حتى بدت نواجذه، ثم قرأ: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر:67)) (2)

ولو أراد القرآن الكريم اعتبار تلك الإضافات أو المشاهد أوصافا لله لذكرها مفردا له مهتما بها داعيا للدعوة إليه وتعريف الله بها، كما قال تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} (الحجر:49)، فلم يقل الله في آية من القرآن: (نبئ عبادي ان لي عينا أو يدا أو ساقا..)

ومثل ذلك قوله تعالى: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} (آل عمران:26)، فقد ذكر أوصافا وأفعالا لكل منها تأثيره العميق في المعرفة بالله.

ولهذا كان سيد آيات القرآن الكريم قوله تعالى: {اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلا يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ} (البقرة:255)، وكلها أوصاف لتنزيه الله وكماله، وليس فيها شيء مما يبالغ فيه هؤلاء، بل يعتبرونه أصل العقيدة الذي لا تكمل العقيدة إلا به.

__________

(1) في ظلال القرآن: 3062.

(2) رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (52)

وهذا التحريف يشبه إلى حد كبير ما وقع فيه اليهود عندما قال لهم موسى عليه السلام ببساطة وتلقائية وهو يبلغهم عن أمر الله: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً} (البقرة:67)، فتصوروا أنهم لن يعرفوا البقرة إلا بعد أن يعرفوا لونها وطولها وعرضها وعملها وكسلها.

قال تعالى مبينا هذه النزعة الجدلية التي لا تهتم بالحقيقة بقدر ما تهتم بتفاصيلها: {قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لا فَارِضٌ وَلا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّنْ لَنَا مَا هِيَ إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ} (البقرة:68 ـ 70) (1)

بل هو يشبه ما وقع فيه بعض المفسرين الذي راحوا يبحثون في دجل أهل الكتاب وفي أحاديث القصاص عن تفاصيل أعرض القرآن الكريم عن ذكرها، وكأن المعاني القرآنية لا تفهم إلا بشرحها وتفصيلها مع أن القرآن الكريم نهى عن ترك الأصل والاعتبار والانشغال بالتفاصيل التي قد لا تسمن ولا تغني من جوع، قال تعالى وهو يقص قصة أهل الكهف: {سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ وَيَقُولُونَ خَمْسَةٌ سَادِسُهُمْ كَلْبُهُمْ رَجْماً بِالْغَيْبِ وَيَقُولُونَ سَبْعَةٌ وَثَامِنُهُمْ كَلْبُهُمْ قُلْ رَبِّي أَعْلَمُ بِعِدَّتِهِمْ مَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا قَلِيلٌ فَلا تُمَارِ فِيهِمْ إِلَّا مِرَاءً ظَاهِراً وَلا تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِنْهُمْ أَحَداً} (الكهف:22)

فنهى عن أمرين كلاهما مما انحرف به هؤلاء عن المعاني القرآنية:

الأول: هو المراء والجدل والغوص عن التفاصيل بمجرد التحليل العقلي الذي لا يملك أدوات التحليل، فيغوص في بحر الاحتمالات التي لا تزيد المرء إلا حيرة.

__________

(1) وقريب من هذا ما سأل بعض اليهود رسول الله (، كما قال مجاهد قال: جاء يهودي فقال: يا محمد أخبرني عن ربك من أي شيء هو؟ من نحاس هو؟ أم من لؤلؤ، أو ياقوت؟ قال، فجاءت صاعقة فأخذته، وأنزل اللّه: {وَيُرْسِلُ الصَّوَاعِقَ فَيُصِيبُ بِهَا مَنْ يَشَاءُ وَهُمْ يُجَادِلُونَ فِي اللَّهِ وَهُوَ شَدِيدُ الْمِحَالِ} (الرعد:13)

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (53)

والثاني: هو البحث في تراث الأمم المحرف عما يزيد الحقائق القرآنية تفاصيل، وكأن القرآن الكريم ـ المهيمن على كل الكتب ـ مفتقر إلى غيره في تقرير حقائقه.

2 ـ عالم النفس والكون

وهو الميدان الثاني المعرف بالله، وبالحقائق الإيمانية، ولذلك تكثر الإشارات القرآنية لآيات الله في الآفاق والأنفس.

فأولو الألباب، وهم (العارفون) كما اصطلح عليهم المتأخرون يجعلون من آيات الله الكونية رسائل يتعرفون من خلالها على الله، قال تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (آل عمران:190)

بل إن الله قدم هذا النظر الواعي للكون من أولي الألباب على عباداتهم، وكأن عباداتهم أثر لهذا النظر الواعي، قال تعالى: {الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ} (آل عمران:191)

ولذلك اعتبر تعالى ما في الكون من آيات مذكرات لأولي الألباب، فقال: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ} (الزمر:21)

ولهذا نجد القرآن الكريم ممتلئا بالآيات الكونية المعرفة بالله، والداعية إليه لتنزع النظرة الاعتيادية للكون، والتي تحيله شيئا بسيطا مألوفا لا قيمة له إلا القيمة التي يستسخر من أجلها.

فلهذا نجد الخلق قد يسبحون بحمد من اكتشف سرا حقيرا من أسرار هذا الكون، واستخدمه لمصلحة من المصالح، ثم لا يسبحون بحمد صاحب السر، بل صاحب الكون

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (54)

جميعا.

ولهذا نسب تعالى السفن إليه، فقال تعالى: {وَلَهُ الْجَوَارِ الْمُنْشَآتُ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ} (الرحمن:24)، وقال في الآية الأخرى: {وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِ فِي الْبَحْرِ كَالْأَعْلامِ} (الشورى:32)

ثم عقب مخاطبا الحائرين في سبب اعتبارها من آيات الله ونعمه مع أنها من صنع البشر، فقال: {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (الشورى:33)

وفي مقابل ذلك لو شاء لأرسل الريح قوية عاتية، فأخذت السفن وأحالتها عن سيرها المستقيم، فصرفتها ذات اليمين أو ذات الشمال، آبقة لا تسير على طريق ولا إلى جهة مقصد؛ قال تعالى عقب الآية السابقة: {أَوْ يُوبِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا وَيَعْفُ عَنْ كَثِيرٍ} (الشورى:34)

وهكذا يقال في جميع آيات الله التي يتصور البشر أنهم أصحابها، المالكون الله، ثم يعزلون الله عنها.

ولهذا يضرب القرآن الكريم الأمثال بالنحل والذباب والعنكبوت حتى صار ذلك موضع استهزاء من اليهود والمشركين، فرد عليهم تعالى بقوله: {إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ} (البقرة:26)

ثالثا ـ شروط المعارف الإيمانية

المعرفة المطلوبة في الإيمان بالله هي المعرفة اليقينية الجازمة الموافقة لما عرف الله به

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (55)

نفسه، وهي بذلك تتميز بخاصيتين اثنتين: اليقين والصدق.

1 ـ اليقين

والمراد به العلم الجازم بحقائق الإيمان، بحيث لا يتطرق إلى العارف أدنى شك في المعرف، بل تكون معرفته به أشد من معرفته بنفسه التي بين جنبيه.

وقد كان البحث في هذا الجانب هو ما دفع المتكلمين إلى البحث التفصيلي في الشبهات وأنواع الاعتراضات للرد عليها، ونصرة الحق، ولا ضرر فيها من هذا الجانب لمن احتاج إلى ذلك.

ولكن الضرر على من تصور أنه لا يعرف الله إلا بعد الخوض فيما خاض فيه المتكلمون من أدلة، لأنه سيتيه بالدليل عن المدلول، بل قد يلتزم بالدليل ما لا يصح التزامه، كما وقع في ذلك الكثير من متكلمي المسلمين.

والأخطر من ذلك كله أن يتحول الإيمان بالله جدلا لسانيا فارغا لا روحا يبعث الحياة في وجدان صاحبها وسلوكه.

ولهذا اشتد تحذير السلف من صناعة المتكلمين، واشتد فيه فقهاء الإسلام الكبار في النهي عنه لما رأوا من آثاره الاجتماعية:

فهذا الشافعي مع علمه الجليل، وعلمه بأحوال الفرق ومجادلاتها وشغبها اشتد نهيه عن صناعة المتكلمين لعقم سبلها مع العامة: قال ابن عبد الأعلى: سمعت الشافعي يوم ناظر حفصاً الفرد ـ وكان من متكلمي المعتزلة ـ يقول: (لأن يلقى الله عز وجل العبد بكل ذنب ما خلا الشرك بالله خير له من أن يلقاه بشيء من علم الكلام، ولقد سمعت من حفص كلاماً لا أقدر أن أحكيه)، وقال: (قد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننته قط ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام)

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (56)

وحكى الكرابيسي: أنّ الشافعي سئل عن شيء من الكلام فغضب وقال: سل عن هذا حفصاً الفرد وأصحابه، أخزاهم الله، ولما مرض الشافعي دخل عليه حفص الفرد فقال له: من أنا؟ فقال: حفص الفرد، لا حفظك الله ولا رعاك حتى تتوب مما أنت فيه. وقال: (لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفرّوا منه فرارهم من الأسد)، وقال: (إذا سمعت الرجل يقول الاسم هو المسمى أو غير المسمى، فاشهد بأنه من أهل الكلام ولا دين له)، وقال: (حكمي في أصحاب الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأخذ في الكلام) (1)

أما أحمد بن حنبل، فقد اشتد نهيه عنه، بل تعرض بسببه لمحنته المعروفة، قال: (لا يفلح صاحب الكلام أبداً، ولا تكاد ترى أحداً نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل)، وقد بالغ في ذمه حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتاباً في الرد على المبتدعة وقال له: (ويحك ألست تحكي بدعتهم أوّلاً ثم ترد عليهم ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث)

ومثل ذلك الإمام مالك، فقد نبه إلى خطره العظيم بقوله: (أرأيت إن جاءه من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم لدين جديد؟)

بل إن المتكلمين أنفسهم نبهوا إلى خطورة هذا العلم على العامة، فألف الغزالي كتابه المعروف (إلجام العوام عن علم الكلام)

والسر في ذلك أن أكثره جدل لا يعمق في الإيمان في النفس، ولهذا قال الغزالي عن علم الكلام بعدما طلب البحث فيه عن الحقيقة: (فصادفته علما وافيا بمقصوده غير واف بمقصودي) (2)

__________

(1) إحياء علوم الدين: 1/ 95.

(2) الغزالي، المنقذ من الضلال، ص 87.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (57)

فهو واف بمقصودهم من حيث حراسة الدين من الشبه، ولكنه غير واف بمقصود من طلب حقيقة الإيمان.

وهو لهذا التحديد الوظيفي لعلم الكلام يرى أن المرتبة الإيمانية للمتكلمين لا تختلف عن مراتب العوام، ولهذا ينصح المتكلم بقوله: (فليعلم المتكلم حده ممن الدين، وأن موقعه منه موقع الحارس في طريق الحج، فإذا تجرد الحارس للحراسة لم يكن من جملة الحاج، والمتكلم إذا تجرد للمناظرة والمدافعة، ولم يسلك طريق الآخرة لم يكن من جملة علماء الدين أصلا)، ثم يعقب على ذلك بقوله: (وليس عند المتكلم من الدين إلا العقيدة التي شاركه فيها سائر العوام، وإنما يتميز عن العامي بسرعة المجادلة والحراسة) (1)

ولذلك ينتقد الغزالي الطريقة التعميمية في عرض مسائل العقيدة بالمناهج الكلامية لما تثيره من شبهات وتشكيكات، ويرى أن يقتصر في البلاد التي تقل فيها البدعة ولا تختلف فيها المذاهب على العقائد المعروفة دون التعرض للأدلة إلى أن تقع الشبهة، وحينذاك تذكر الأدلة بقدر الحاجة، فإن كانت البدعة شائعة، وخيف على العوام أن يخدعوا بها، فلا بأس من عرض الأدلة وتعميم العلم بها بحسب الحاجة إلى ذلك (2)، أما في غير تلك المواضع فإن الغزالي يرى حرمة خوض العوام في علم الكلام وإلجامهم عنه إلا لأحد شخصين:

1 ـ رجل وقعت له شبهة لا يمكن إزالتها عنه بكلام وعظي، وعلم أن القول الكلامي المرتب يرفع شبهته ويداويها.

2 ـ شخص كامل العقل راسخ القدم في الدين ثابت الإيمان يريد تحصيله ليداوي به مريضا إذا وقعت له شبهة، أو يفحم به مبتدعا، أو يحرس معتقده إذا أراد المبتدع إغواءه (3).

__________

(1) الغزالي، إحياء علوم الدين: 1/ 23.

(2) الغزالي، إحياء علوم الدين: 1/ 98.

(3) الغزالي، فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة، ص 173، 174.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (58)

ولهذا، فإن البديل الذي يرسمه الغزالي للعامة وللنشء هو ما عبر عنه بقوله ـ بعد ذكره لعقيدة مختصرة ـ: (اعلم أنّ ما ذكرناه في ترجمة العقيدة ينبغي أن يقدم إلى الصبي في أوّل نشوه ليحفظه حفظاً ثم لا يزال ينكشف له معناه في كبره شيئاً فشيئاً؛ فابتداؤه الحفظ ثم الفهم ثم الاعتقاد والإيقان والتصديق به، وذلك مما يحصل في الصبي بغير برهان) (1)

فالطريق ـ كما يرسمه الغزالي ـ هو التلقين، فالحفظ وحده كاف في تقرير كثير من الأمور من غير حاجة إلى تفاصيل الأدلة العقلية، والتي قد لا تزيد المتعلق بها غير المزيد من الشبهات.

وقد علل الغزالي هذا، فقال: (فمن فضل الله سبحانه على قلب الإنسان أن شرحه في أوّل نشوه للإيمان من غير حاجة إلى حجة وبرهان)

ثم بين البرهان الواقعي لذلك بقوله ـ وهو ينتقد المغالين من المتكلمين الذين تصوروا أن الإيمان لا يتحقق إلا عبر صناعتهم ـ: (وكيف ينكر ذلك وجميع عقائد العوام مبادئها التلقين المجرّد والتقليد المحض؟)

وبعد التلقين ـ والذي هو بمثابة البذر ـ ينصح الغزالي بتعهده بالسقي والتقوية، قال: (نعم يكون الاعتقاد الحاصل بمجرّد التقليد غير خال عن نوع من الضعف في الابتداء على معنى أنه يقبل الإزالة بنقيضه لو ألقي إليه فلا بد من تقويته وإثباته في نفس الصبي والعامي حتى يترسخ ولا يتزلزل) (2)

والطريق إلى ذلك ليس بالجدل، قال: (وليس الطريق في تقويته وإثباته أن يعلم صنعة الجدل والكلام)

وإنما بأنوار العبادة، قال: (بل يشتغل بتلاوة القرآن وتفسيره وقراءة الحديث ومعانيه.

__________

(1) إحياء علوم الدين: 1/ 94.

(2) إحياء علوم الدين: 1/ 94.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (59)

ويشتغل بوظائف العبادات فلا يزال اعتقاده يزداد رسوخاً بما يقرع سمعه من أدلة القرآن وحججه وبما يرد عليه من شواهد الأحاديث وفوائدها وبما يسطع عليه من أنوار العبادات ووظائفها وبما يسري إليه من مشاهدة الصالحين ومجالستهم وسيماهم وسماعهم وهيئاتهم في الخضوع لله عز وجل والخوف منه والاستكانة له فيكون أوّل التلقين كإلقاء بذر في الصدر، وتكون هذه الأسباب كالسقي والتربية له حتى ينمو ذلك البذر ويقوى ويرتفع شجرة طيبة راسخة أصلها ثابت وفرعها في السماء)

وكما أن النبتة تحرس من كل ما قد يؤذيها، ويمنع نموها، فكذلك يحرس يقين الصبي والعامي من كل ما قد يتسرب إليه مما يدخل الشبهات والشكوك إلى نفسه، والطريق إلى ذلك هو تحصينه من الجدل، قال الغزالي: (وينبغي أن يحرس سمعه من الجدل والكلام غاية الحراسة، فإنّ ما يشوّشه الجدل أكثر مما يمهده وما يفسره أكثر مما يصلحه، بل تقويته بالجدل تضاهي ضرب الشجرة بالمدقة من الحديد رجاء تقويتها بأن تكثر أجزاؤها وربما يفتتها ذلك ويفسدها وهو الأغلب)

ويضرب الأمثلة على ذلك بالواقع، واقع المؤمنين الطيبين الذي تلقوا الإيمان تلقينا، ثم قووه بأنوار الطاعة، فازدادوا إيمانا مع إيمانهم، وبين المتكلمين الذي تصوروا أنهم بإقناع العقل، أو بسلاحه يصلون إلى الحقائق، فقال: (والمشاهدة تكفيك في هذا بياناً فناهيك بالعيان برهاناً. فقس عقيدة أهل الصلاح والتقى من عوام الناس بعقيدة المتكلمين والمجادلين فترى اعتقاد العامي في الثبات كالطود الشامخ لا تحرّكه الدواهي والصواعق وعقيدة المتكلم الحارس اعتقاده بتقسيمات الجدل كخيط مرسل في الهواء تفيئه الرياح مرة هكذا ومرة هكذا إلا من سمع منهم دليل الاعتقاد فتلقفه تقليداً كما تلقف نفس الاعتقاد تقليداً؛ إذ لا فرق في التقليد بين تعلُّم الدليل أو تعلم المدلول فتلقين الدليل شيء

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (60)

والاستدلال بالنظر شيء آخر بعيد عنه) (1)

ولهذا نشأ ما يسمى بـ (المعرفة)، وهي مصطلح يعني العلم بالله لا عن طريق الاستدلال العقلي، وإنما عن طريق اليقين الإيماني، الذي يستشهد بالله على الله، ويبرهن بالله على الله، وهنا يتجلى الفرق العظيم بين إيمان من عاش يبحث عن البراهين على الله، وبين الذين بدأ حياته مع الله.

ولهذا (أجمع العارفون على أن الدليل على الله هو الله وحده، وسبيل العقل عندهم سليل العاقل في حاجته إلى الدليل لأنه محدث والمحدث لايدل إلا على مثله)

وقد سئل النوري: (ما الدليل على الله؟ قال: (الله)، قال فما العقل قال: (العقل عاجز والعاجز لا يدل إلا على عاجز مثله)

وقد وضع ابن عطاء العقل الذي يعتمد عليه العالم في محله عندما قال: (العقل آلة للعبودية لا للإشراف على الربوبية)

وعبر آخر عن ذلك بقوله: (العقل يجول حول الكون فإذا نظر إلى المكون ذاب)

وعبر أبو بكر القحطبي على استحالة التعرف على الله بالعقل بقوله: (من لحقته العقول فهو مقهور إلا من جهة الإثبات، ولولا أنه تعرف إليها الألطاف لما أدركته من جهه الإثبات)

وقد قال بعض الصالحين معبرا عن عجز العقل:

من رامه بالعقل مسترشدا... سرحه في حيرة يلهو

شاب بالتلبيس أسراره... يقول من حيرته هل هو

__________

(1) إحياء علوم الدين: 1/ 94.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (61)

ولكن هذه المعرفة التي تغني عن كثرة الحجج البرهانية، ولا تراود صاحبها الشبهات والشكوك تحتاج إلى مرآة صافية لا تشوه الحقائق، فعلى قدر جلاء المرآة تتجلى أنوار الحق، كما قيل:

إذا سكن الغدير على صفاء... وجنب أن يحركه النسيم

بدت فيه السماء بلا امتراء... كذاك الشمس تبدو والنجوم

كذاك قلوب أرباب التجلي... يرى في صفوها الله العظيم

وهذا هو الفرق الأساسي بين علم الكلام والمعرفة أو علم الإيمان، فالعلم بحث واستدلال، والمعرفة شهود وعيان، والعلم مكابدة وشك، والمعرفة راحة ويقين.

العارف يرى ما يؤمن به ويعيشه، أما العالم أو طالب العلم فيكتفي بأن يبحث عن أدلة ما يسمع عنه، وقد يحجب بالأدلة عن المدلول، وبالطريق عن الغاية.

وفي الوقت الذي يقلب فيه العالم صفحات الكون ليستدل به عن ربه، ينطلق العارف من ربه ليستدل به على الكون، قال ابن عطاء الله: (الكونُ كلُّه ظُلْمةٌ، وإنَّما أنارَهُ ظهورُ الحقِّ فيه، فمن رأى الكونَ ولم يشهدُهُ فيه أو عنده أو قَبْلَه أو بَعْدَه فقد أَعْوَزَهُ وجودُ الأنوارِ، وحُجبَتْ عنه شموسُ المعارفِ بسُحُبِ الآثار)

2 ـ الصدق

ونريد به مطابقة العقيدة لما جاءت به النصوص، لأن مصدر العقيدة الأول ـ كما ذكرنا سابقا ـ هو الوحي، أما العقل فهو مدعم للوحي وأداة من أدواته.

ولهذا، فإن كل من يحاول أن ينافس الوحي في تقرير العقائد يرد قوله، فالغيب لا يعمله إلا من كشف الله له حجبه، وليس ذلك لغير المعصومين صلوات الله وسلامه عليهم.

ولهذا، فإن الكثير من العقائد ـ وفي الأبواب المختلفة منها ـ تحتاج إلى زيادة تمحيص

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (62)

لتحقيق الحق منها وتمييزه عن الباطل.

وهذا يستدعي زيادة على ما ذكرنا من حفظ النصوص من التحريف الذي يخرجها عما سيقت له إلى التثبت في النقول المختلفة سواء ما ورد منها منسوبا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو ما ورد منسوبا للصحابة أو التابعين ومن بعدهم.

لأن التساهل في النقول هو الذي أدى إلى إلزام الناس بعقائد لا دليل يؤيدها، بل إنها في أحسن أحوالها أسطورة من الأساطير أو خرافة من الخرافات يزداد معتقدها باعتقادها جهلا لا علما.

وقد طال التلفيق النصوص الظنية، فوضعت الأحاديث لتساهم في تأكيد ما قرره العقل أو الذوق من تحريف لمعاني العقيدة في الله وفي عوالم الله.

ففي كتاب [إبطال التأويلات]، والذي يعتبر نموذجا لتحريف حقيقة (الله) وحقيقة (الإيمان بالله) نجد الروايات الكثيرة الباطلة التي تؤيد ما اختاره صاحبه من التشبيه المتستر بالتنزيه.

فهو ينقل مثلا ـ ليقرر إثبات الصورة لله ـ هذه الرواية الباطلة: (غضب موسى على قومه في بعض ما كانوا يسألونه، فلما نزل الحَجَر قال: اشربوا يا حمير، فأوحى الله إليه: تعمد إلى عبيد من عبيدي خلقتهم على مثل صورتي فتقول اشربوا يا حمير، قال: فما برح حتى أصابته عقوبة) (1)

وهو ينقل ـ لإثبات صفة للذات اسمها (الذراع) ـ روايات لا تثبت، وليست صريحة فيما أراده (2)، منها هذا الأثر: (خلق الله الملائكة من نور الذراعين والصدر)

ويعلق عل هذا بقوله: (الكلام في هذا الخبر في فصلين: أحدهما في إثبات الذراعين

__________

(1) إبطال التأويلات: 1/ 97.

(2) إبطال التأويلات: 1/ 203.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (63)

والصدر، والثاني في خلق الملائكة من نوره) فجعل الذراعين والصدر والنور صفات.

وهو ينقل ـ لإثبات صفة للذات اسمها (الفخذ والأمام والخلف) ـ بالرواية الباطلة التالية: (إذا كان يوم القيامة يذكر داود ذنبه فيقول الله عز وجل له: كن أمامي، فيقول: رب ذنبي، فيقول الله: كن خلفي فيقول: رب ذنبي ذنبي، فيقول الله له خذ بقدمي) (1)، ثم يذكر الرواية الباطلة التالية: (إن الله عز وجل ليقرب داود حتى يضع يده على فخذه يقول: ادن منا أزلفت لدينا)

ثم يعلق على هذا الهراء بقوله: (اعلم أنه غير ممتنع حمل هذا الخبر على ظاهره، إذ ليس فيه ما يحيل صفاته ولا يخرجها عما تستحقه لأنا لا نثبت قدما وفخذا جارحة ولا أبعاضا، بل نثبت ذلك صفة كما أثبتنا الذات والوجه واليدين... ولا نثبت أيضا أماما وخلفا على وجه الحد والجهة، بل نثبت ذلك صفة غير محدودة)

وهو ينقل عن مقاتل بن سليمان ـ المعروف بقوله بالتجسيم ـ فينقل عن طريقه عن عبد الله بن مسعود في قوله تعالى: {يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ فَلا يَسْتَطِيعُونَ} (القلم:42) قوله: (يعني ساقه اليمين، فيضيء من نور ساقه الأرض، فذلك قوله تعالى: {وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا} (الزمر:69) يعني نور ساقه اليمين)

لكن المؤلف لا يبالي بهذا كله، فحسبه أن يحمل الحديث أي إشارة للتجسيم، فيصح الضعيف، ويقوم الموضوع.

ولم يتورع مؤلف الكتاب أن يورد هذه الرواية في كتاب يعرف بالله: عن عبدالله بن الحسين المِصِّيصي قال: دخلت طَرَسُوسَ، فقيل لي ههنا امرأة قد رأت الجن الذين وفدوا إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فأتيتها، فإذا هي امرأة مستلقية على قفاها فقلت: رأيت أحدا من الجن الذين وفدوا إلى رسول اللهصلى الله عليه وآله وسلم؟ قالت: نعم، حدثني عبدالله سمحج قال: قلت: يا رسول الله، أين

__________

(1) إبطال التأويلات: 1/ 206.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (64)

كان ربنا قبل أن يخلق السموات والأرض؟ قال: (على حوت من نور يتلجلج في النور)

بل ينقل من الأباطيل ما يدلل به على قعود النبي صلى الله عليه وآله وسلم على العرش مع الله (1)، ويفسر به المقام المحمود الذي وعده به ربه، ثم يقول معتمدا على الروايات الموضوعة: (فلزمنا الإنكار على من رد هذه الفضيلة التي قالتها العلماء وتلقوها بالقبول، فمن ردها فهو من الفرق الهالكة)، بل وينقل عن بعضهم تكفير منكر ذلك.

ومن الجانب الآخر ـ جانب الانحراف الوجداني ـ نجد الأحاديث المدعمة للشرك بكل صوره، ومن ذلك هذا الحديث الباطل: (لو اعتقد أحدكم بحجر لنفعه) (2)

فهذا الهراء الباطل ـ المشتهر ببين العامة ـ يفتح باب الشرك على مصراعيه فيجعل ميزان الاعتقاد هو النفع، فكل من أعتقد في شيء وظنه نافعا حتى لو كان حجرا جعله الله كذلك، وكل من أتاه نفع من عقيدة ما كان هذا اعتقادا صحيحا.

وهذا ما انحرف بكثير من الطيبين البسطاء عن المعارف القرآنية الممتلئة بالعلمية والعقلانية إلى ما يسمونه دين العجائز، وينسبون في ذلك حديثا إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (عليكم بدين العجائز) (3)

ويأتي أصحاب الكشف الذين أرادوا رسم صورة معينة للكون تتناسب مع مشاهداتهم، فيضعون هذا الحديث الباطل المنسوب إلى جابر بن عبد الله الأنصاري (قال

__________

(1) إبطال التأويلات: 1/ 72 و2/ 476.

(2) قال ابن القيم: هو من كلام عباد الأصنام الذين يحسنون ظنهم بالأحجار، وقال ابن حجر العسقلاني: لا أصل له ونحو "من بلغه عن الله شيء فيه فضيلة فأخذ به إيمانا به ورجاء ثوابه أعطاه الله ذلك وإن لم يكن كذلك" انظر تعليق ناصر الدين السلسلة الضعيفة:1/ 67.

(3) ذكره الشيخ علي القارئ في الأسرار المرفوعة في الأخبار الموضوعة وقال بعده: قال السخاوي: لا أصل له بهذا اللفظ، وقال الزركشي: رواه الديلمي عن ابن عمر بلفظ "إذا كان آخر الزمان واختلف الأهواء فعليكم بدين البادية" "النساء" وسنده واه بل قال الصنعاني موضوع.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (65)

قلت: يا رسول الله بأبي أنت وأمي أخبرني عن أول شيء خلقه الله قبل الأنبياء، قال: يا جابر أن الله تعالى خلق قبل الأنبياء نور نبيك من نوره، فجعل هذا النور يدور بالقدرة حيث يشاء الله تعالى ولم يكن في ذلك الوقت لوح ولا قلم ولا جنة ولا نار، ولا ملك ولا سماء ولا أرض ولا شمس ولا قمر، فخلق من الجزء الأول القلم ومن الجزء الثاني اللوح ومن الثالث العرش ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء فخلق من الجزء الأول حملة العرش، ومن الجزء الثاني الكرسي، ومن الثالث باقي الملائكة ثم قسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول السموات ومن الجزء الثاني الأراضين، ومن الجزء الثالث الجنة والنار، وقسم الجزء الرابع أربعة أجزاء، فخلق من الجزء الأول نور أبصار المؤمنين، ومن الثاني نور قلوبهم وهي المعرفة بالله ومن الثالث نور أنسهم وهو التوحيد: لا إله إلا الله محمد رسول الله، ثم نظر إليه فترشح النور عرقا فتقطرت منه مائتا ألف قطرة وعشرين ألفا وأربعة الآلف قطرة فخلق الله من كل قطرة روح نبي ورسول، ثم تنفست روح أرواح الأنبياء فخلق الله من أنفاسهم أرواح الأولياء والسعداء والشهداء والمطيعين من المؤمنين إلى يوم القيامة، فالعرش من نوري والعقل والعلم والتوفيق من نوري، والكروبيون من نوري والعقل والعلم والتوفيق من نوري، وأرواح الأنبياء والرسل من نوري، والسعداء والصالحون من نائح نوري ثم خلق الله آدم من الأرض وركب فيه النور وهو الجزء الرابع ثم أنتقل منه شيث وكان ينتقل من طاهر إلى طيب إلى أن وصل إلى صلب عبد الله بن عبد المطلب ومنه إلى وجه أمي آمنة ثم أخرجني إلى الدنيا فجعلني سيد المرسلين، وخاتم النبيين وقائد الغر المحجلين)

وهذا الحديث ـ للأسف ـ يردد في بعض المجامع، وكأنه حقيقة الحقائق، وهو عمدة من يزعم أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم هو قبة الكون، وأول الوجود، وأنه جزء من نور الله ـ تعالى الله عما يقولون علوا كبيرا ـ، وأن كل المخلوقات خلقت بأجزاء منه.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (66)

وفي مقابل هؤلاء: الوضاعون الذين أرادوا شْين النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فوضعوا الأحاديث التي تحيله صلى الله عليه وآله وسلم طباخا أو طبيب أعشاب يصف من الدواء ما يصح وما لا يصح، ومن ذلك: (ربيع أمتي العنب والبطيخ)، ومنه (ومن أكل فوله بقشرها أخرج الله منه من الداء مثلها)، و(الباذنجان شفاء من كل داء)، و(الباذنجان لما أكل له)، و(أكل السمك يذهب الجسد) (1)

وهذه الأحاديث هي التي يستغلها الطاعنون في رسالة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والكتب التبشيرية مملوءة بمثل هذه السخافات.

أما عوالم الغيب، العوالم التي يصورها القرآن الكريم، وتصورها السنة الصحيحة تصويرا جميلا يجعل القلب يهفوا متطلعا إليها، فتنحرف بها هذه النصوص الباطلة انحرافا عظيما، ففي بعضها مثلا (أن الله خلق ملائكة السماء الأولى على صورة بقرة، الثانية على صورة العقبان، والثالثة على صورة الناس والرابعة على صورة الحور العين، والخامسة على صورة الطيور، والسادسة على صورة الخيل المسومة، والسابعة حملة العرش الكروبيون) (2)

وزعموا أن هاروت وماروت كانا ملكين ألقى الله عليهما الشبق، وأن امرأة من أهل الأرض فتنتهم فوقعوا بها فمسخ الله كوكبا في السماء فهي الزهرة المعروفة وأن هذين الملكين اختارا عذاب الدنيا) (3)

أما الحقائق الفلكية والجغرافية التي لا يختلف تصوير النصوص المقدسة لها مع أحدث الحقائق العلمية، فتنص هذه النقول على خرافات عجيبة:

فتجعل المجرة لعاب حية تحت العرش، وتروي في ذلك عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (يا معاذ أني مرسلك إلى قوم أهل كتاب فإذا سئلت عن المجرة التي في السماء فقل لهم هي لعاب

__________

(1) انظر تنزيه الشريعة 235 - 267.

(2) ذكره صاحب تنزيه الشريعة 213 وعزاه لأبي الشيخ في العظمة.

(3) تنزيه الشريعة 209.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (67)

حية تحت العرش)

وأن الشمس ترمى بالثلج حتى لا تحرق الخلائق، فنسبوا إليه صلى الله عليه وآله وسلم: (وكل بالشمس تسعة ملائكة يرمونها بالثلج كل يوم ولولا ذلك ما أتت على شيء إلا أحرقته)

وأن الأرض على الماء، والماء على صخرة، والصخرة على ظهر حوت يلتقي طرفاه بالعرش، والحوت على كاهل ملك قدماه في الهواء.

وأن العنكبوت مسخ، وأن سهيل ـ النجم المعروف ـ كان عشارا يسمو الناس في الأرض بالظلم فمسخه الله.

وأن النخلة من فضل طينة آدم، وأن الله خلق جبلا يقال له (قاف) محيط بالعالم وعروقه إلى الصخرة التي عليها الأرض فإذا أراد الله أن يزلزل قرية أمر ذلك الجبل فحرك العرق الذي يلي القرية فيزلزلها ويحركها ثم تتحرك القرية دون القرية وأن الأرض على صخرة، والصخرة على قرن ثور فإذا حرك الثور رأسه تحركت الأرض.

ونحن لم نذكر هذه الأمثلة إلا لانتشارها وانتشار أمثالها في أوساط العامة، وكأنها حقائق لا يقل وجوب التسليم بها عن التسليم بحقائق القرآن الكريم، بل إن حقائق القرآن الكريم في تصورهم أقل قداسة لأنها مما يحتمل التأويل، أما هذه فلا تأويل فيها.

رابعا ـ أركان التربية الإيمانية

بعد معرفة المصادر الأساسية التي يتلقى منها المربي المادة التي يريد أن يثبتها في نفس من يربيه، ومعرفة الشروط التي ينبغي تحصيلها لمن يريد التحقق بحقيقة التربية الإيمانية، نتساءل الآن عن موضوع التربية الإيمانية أو المسائل التي ينبغي للمربي أن يهتم بها، أو الأركان التي تعتمد عليها التربية الإيمانية.

ونقول ـ مسبقا ـ إن كل ما ورد في النصوص من أركان الإيمان ومواضيعه هو ما

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (68)

ينبغي للمربي أن يعلمه ويربي النشء عليه.

وهو ما وردت الدلالة عليه في مواضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: {لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ} (البقرة:177)، وقوله تعالى: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} (البقرة:285)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً} (النساء:136)

أو بتخصيص بعض الأركان كما قال تعالى: {إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (التوبة:18)، وقال تعالى: {مَنْ كَانَ عَدُوّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ} (البقرة:98)

وذكر صلى الله عليه وآله وسلم الأركان الأساسية للإيمان، فقال: (الإيمان: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالجنة والنار والميزان وتؤمن بالبعث بعد الموت وتؤمن بالقدر خيره وشره) (1)

وانطلاقا من هذا، قسم علماء التوحيد قضايا الإيمان إلى ثلاثة أركان: هي الألوهيات، والنبوات، والسمعيات، أو هي الإيمان بالله، وبالرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ وبعالم الغيب.

ولهذا التقسيم أهمية كبرى بسبب اختلاف مناهج التعامل مع كل ركن من هذه الأركان.

وسنحاول في هذا المبحث تبيان أهم ما ينبغي تعليمه للنشء من هذه الأركان.

__________

(1) رواه النسائي، والطبراني في الكبير.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (69)

1 ـ الإيمان بالله

أول عنصر من العناصر التي تتشكل منها الشخصية السوية للطفل هو إيمانه بالله تعالى إيمانا حقيقيا يقينيا مؤثرا فاعلا، لأن هذا الإيمان هو الذي يوجه سلوكه، ويحصن اعتقاداته، ويضبط نوازع نفسه.

ولهذا قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم معلماً لابن عباس، وقد كان حينها لا يزال طفلا صغيرا: (يا غلام إني أعلمك كلمات احفظ الله يحفظك احفظ الله تجده تجاهك، وإذا سألت فاسأل الله، وإذا استعنت فاستعن بالله)

والقرآن الكريم نص على رعاية هذا الجانب في تربية الطفل، فقال تعالى حاكيا عن التربية النموذجية للقمان عليه السلام: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}

والإيمان بالله هو أصل العقائد وأساسها وغايتها، فالمعرفة بالله هي التي تحدد درجات الإيمان، وبقدر تحقق العبد بها يكون قربه من الله أو بعده عنه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أتقاكم وأعلمكم بالله أنا) (1)

والمعرفة بالله هي التي تحدد من جهة أخرى جميع سلوكيات الإنسان خيرا أو شرا، فالسلوك ثمرة المعرفة.

والتربية الإيمانية في هذا الجانب تركز على أمرين أساسيين كلاهما مما وردت النصوص بالتركيز عليه، باعتبارهما أساس العقائد، هما:

التوحيد

وهو أهم ما يهتم المربي بترسيخه في نفس المتربي من قضايا الإيمان، لأن أساس كل

__________

(1) رواه البخاري: 1/ 12.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (70)

العقائد هو التوحيد، كما أن منبع كل الانحرافات هو الشرك.

ولهذا كانت الدعوة للتوحيد ـ بمعناه العميق الشامل ـ هي أساس دعوة الرسل ـ عليهم السلام ـ كما قال تعالى: {وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ} (الزخرف:45)، وقال تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ} (الانبياء:25)

وقد ذكر الله تعالى عن كل من الرسل ـ عليهم السلام ـ أنهم افتتحوا دعوتهم بتوحيد الله، قال تعالى: {لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (لأعراف:59)، وقال تعالى: {وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ} (لأعراف:65)، وقال تعالى: {وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (لأعراف:73)، وقال تعالى: {وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ} (لأعراف:85)

ولهذا كان التوحيد هو أول ما يُدخل به إلى الإسلام، وآخر ما يخرج به من الدنيا، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة) (1)

ولهذا كان من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم التأذين في أذن المولود، ليكون أول ما يسمعه توحيد الله تعالى.

وقد كانت أم سليم الرميصاء أم أنس بن مالك خادم الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أسلمت وكان أنس صغيراً، لم يفطم بعد، فجعلت تلقن أنساً قل: لا إله إلا الله، قل أشهد أن لا إله إلا الله، ففعل، فيقول لها أبوه: لا تفسدي على ابني فتقول: إني لا أفسده (2).

ولهذا ـ كذلك ـ ورد الشرع بحماية الطفل من كل ما قد يزرع الشرك في قلبه، ولأجل

__________

(1) رواه أحمد وأبو داود والحاكم.

(2) سير أعلام النبلاء 2/ 305.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (71)

هذا نهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن تعليق التمائم تعويداً للصغير الاعتماد على الله وحده، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من علق تميمة، فلا أتم الله له) (1)

وعلى المربي أن يرسخ معنى التوحيد العميق الشامل لا التوحيد الذي يصوره البعض، فيقصرونه على مظاهر معينة يحرفون بها معناه.

فالتوحيد في حقيقته يعني (تفرده تعالى بالخلق والإيجاد، وتفرده بالتقدير والتدبير، وتفرده بالتشريع والتكليف، وتفرده بالجزاء والثواب والعقاب)

وينبغي على المربي أن يبين أهمية هذا التفرد وتأثيره في هذا البناء المبدع للكون، كما أخبر تعالى عن النتيجة التي يؤول إليها الكون لو ترك التصرف فيه لآلهة متعددة، فقال تعالى: {لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ} (الانبياء:22)

فلذلك كان من رحمة الله أن جعل كل شي له، ولم يجعل شيئا من أمر الخلق لغيره، ولهذا أخبر تعالى أنه لو جعلت خزائن الرحمة بيد الخلق لأمسكوا خشية الإنفاق، قال تعالى: {قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْأِنْفَاقِ وَكَانَ الْأِنْسَانُ قَتُوراً} (الاسراء:100)

وبمثل ذلك أخبر تعالى عن إمساكه لتماسك السموات والأرض وانتظامهما، كما قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَنْ تَزُولا وَلَئِنْ زَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً} (فاطر:41)، ولو ترك الأمر لغيره لما أطاق ذلك.

وينطلق المربي من هذ التوحيد ليربطه بمقامات الإيمان جميعا كالتوكل والشكر والرجاء والخوف وغيرها، فهي كلها من مقتضيات التوحيد.

وينطلق من هذا ليربطه بتأثير هذا التوحيد في حياته جميعا، بأن لا يرى حاكما ولا

__________

(1) رواه أحمد والحاكم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (72)

مشرعا لسلوكه وتصرفاته، بل ومواجيده وأفكاره إلا الله.

يقول سيد قطب ـ وهو يبين مقتضيات التوحيد ـ: (كما أن المسلم يعتقد أن لا إله إلا الله، وأن لا معبود إلا الله، وأن لا خالق إلا الله، وأن لا رازق إلا الله، وأن لا نافع أو ضار إلا الله، وأن لا متصرف في شأنه –وفي شأن الكون كله- إلا الله... فيتوجه لله وحده بالشعائر التعبدية، ويتوجه لله وحده بالطلب والرجاء، ويتوجه لله وحده بالخشية والتقوى، كذلك يعتقد المسلم أن لا حاكم إلا الله، وأن لا مشرع إلا الله، وأن لا منظم لحياة البشر وعلاقاتهم وارتباطاتهم بالكون وبالأحياء وببني الإنسان من جنسه إلا الله.. فيتلقى من الله وحده التوجيه والتشريع، ومنهج الحياة، ونظام المعيشة، وقواعد الارتباطات، وميزان القيم والاعتبارات.. سواء..) (1)

وأول مصدر يعمق هذه المعاني التوحيدية في النفس هو القرآن الكريم، فبالقراءة الواعية له نجده يربط بين مقتضيات التوحيد جميعا، فلا يقصر تأثير التوحيد على بعضها، فيظل العبد موحدا لله في جانب مشركا به في جانب آخر.

وقد نقل سيد قطب بعض النماذج عن ربط القرآن الكريم بين عقيدة التوحيد وبين مقتضياتها في الحياة جميعا، ومن الأمثلة التي ذكرها ما ورد في سورة البقرة من قوله تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ} (البقرة: 163)، فقد بدأ تعالى بتقرير وحدانية الله تعالى، وهي القضية التي تأتي الآيات التالية لتبين حقيقتها ومقتضياتها.

وأول مقتضيات هذه الوحدانية: وحدانية التدبير الإلهي للكون، وهو ما ورد في قوله تعالى: {إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخِّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ}

__________

(1) خصائص التصور الإسلامي.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (73)

(البقرة: 164)

ومن مقتضيات هذه المعرفة التي تجعل الله هو المتصرف الوحيد في الكون هو وحدانية التوجه إلى الله، وأول ذلك إفراد القلب لله بالمحبة والولاء، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ} (البقرة: 165 - 167)

ومن مقتضيات هذا التوجه الإيماني القلبي لله إسلام الجوارح والحياة جميعا لله، فالله هو المشرع للحياة لا العقول ولا الأهواء ولا المجتمعات، ولا الشعوب، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلاَلاً طَيِّباً وَلاَ تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلاَ يَهْتَدُونَ وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلاَ عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ} (البقرة: 168 - 173)

وهكذا تجمع هذه الآيات الكريمة في سياق واحد بين مقتضيات التوحيد جميعا، مرتبة بعضها على بعض، لأن كل واحد منها أثر من آثار ما قبله.

أسماء الله الحسنى

وهي المعرفة الثانية بعد التوحيد، وإن كان التوحيد في حقيته جزء منها، ولكنه

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (74)

لأهميته، ولما تعرض له من تحريف أفرد بتلك الأهمية الخاصة.

وأسماء الله تعالى هي المعارف التي أذن الله تعالى فيها لوسائل إدراكنا البسيطة أن تتعرف بها على كمالات الألوهية، وهي لذلك من الأهمية بحيث لا يمكن مقارنتها بأي معرفة من المعارف الأخرى، لأن كل ما في الكون أثر من آثار أسماء الله.

وهي لذلك أبواب علاقتنا بالله، لأن لكل اسم من أسماء الله دلالته الخاصة التي تتطلب عبوديتها الخاصة.

ولهذا علمنا تعالى أن ندعوه بأسمائه الحسنى، مستشفعين بها إليه، ومتوسطين بها لديه، كما قال تعالى: {وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا} (الأعراف:180)

وذلك لأن الدعاء ـ في أصله ـ مقتضى من مقتضيات المعرفة بالله، فالمعرفة بأسماء الله وصفاته العليا هي التي تدعو إلى الثقة فيه، وهي التي تدعو إلى سؤاله، وقد أشار ابن عقيل إلى سر الصلة بين الدعاء وأسماء الله الحسنى، فقال: (قد ندب الله تعالى إلى الدعاء، وفي ذلك معانٍ: أحدها: الوجود، فإن من ليس بموجود لا يُدعى، الثاني: الغنى، فإن الفقير لا يُدعى، الثالث: السمع، فإن الأصم لا يُدعى، الرابع: الكرم، فإن البخيل لا يُدعى، الخامس: الرحمة، فإن القاسي لا يُدعى، السادس: القدرة، فإن العاجز لا يُدعى)

وهكذا لو ذهبنا نعد مع ابن عقيل لوجدنا أن أسماء الله تعالى تقتضي رفع أيدينا إليه بالسؤال، بل إفراده في هذا الرفع.

ولهذا نرى امتزاج أدعيته صلى الله عليه وآله وسلم بأسماء الله، وهي كثيرة تغني شهرتها عن التمثيل لها.

وقد كان صلى الله عليه وآله وسلم جالسا ورجل يصلي، ثم دعا: اللهم إني أسألك بأن لك الحمد لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك، المنان بديع السموات والأرض، يا ذا الجلال والإكرام، يا حي يا قيوم أسألك الجنة وأعوذ بك من النار، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (لقد دعا الله باسمه

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (75)

العظيم) (1)

وقد علم صلى الله عليه وآله وسلم من أصابه هم أو حزن أن يقول: (اللهم إني عبدك، ابن عبدك ابن أمتك في قبضتك، ناصيتي بيدك ماض في حكمك، عدل في قضاؤك أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور بصري، وجلاء حزني، وذهاب غمي) (2)، ثم بين أثر ذلك في نفسه، فقال: (فما قالها عبد قط إلا أبدله الله بحزنه فرحا)

وعلم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عائشة أن تقول إذا وافقت ليلة القدر: (قولى: اللهم إنك عفو تحب العفو فاعف عنى) (3)

ولهذه الأسماء ـ زيادة على ذلك ـ تأثيرها التربوي العظيم، لأنها الأساس الذي تنبني عليه جميع مقامات الإيمان.

وقد اتفق على هذا كل العلماء والربانيين، يقول العز بن عبد السلام: (فهم معاني أسماء الله تعالى وسيلة إلى معاملته بثمراتها من: الخوف، والرجاء، والمهابة، والمحبة، والتوكل، وغير ذلك من ثمرات معرفة الصفات) (4)

ويقول مفصلا أسباب ذلك: (ذكرُ الله بأوصاف الجمال موجب للرحمة، وبأوصاف الكمال موجب للمهابة، وبالتوّحد بالأفعال موجب للتوكل، وبسعة الرحمة موجب للرجاء، وبشدة النقمة موجب للخوف، وبالتفرّد بالإنعام موجب للشكر)

ويبين ابن القيم تأثير أسماء الله الحسنى في كل عبادة من العبادات الظاهرة والباطنة، بل يجعل كل العبادات أثر من آثار المعرفة بأسماء الله الحسنى، فيقول: (لكل صفة عبوديةٌ

__________

(1) رواه أحمد وأبو داود، والترمذي، والنسائي وابن ماجة وغيرهم.

(2) رواه ابن السني وابن حبان.

(3) رواه ابن النجار.

(4) شجرة المعارف والأحوال، ص 1.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (76)

خاصة هي من موجباتها ومقتضياتها، أعني: من موجبات العلم بها والتحقيق بمعرفتها، وهذا مطرد في جميع أنواع العبودية التي على القلب والجوارح) (1)

ثم يذكر الأمثلة الموضحة لذلك، فيقول: (فعلم العبد بتفرد الرب تعالى بالضرّ والنفع، والعطاء والمنع، والخلق والرزق، والإحياء والإماتة: يثمر له عبودية التوكل عليه باطناً، ولوزام التوكل وثمراته ظاهراً، وعلمه بسمعه تعالى وبصره، وعلمه أنه لا يخفى عليه مثقال ذرة، وأنه يعلم السر، ويعلم خائنة الأعين وما تُخفي الصدور: يثمر له حفظ لسانه وجوارحه وخطرات قلبه على كل ما لا يرضي الله، وأن يجعل تعلق هذه الأعضاء بما يحبه الله ويرضاه، فيثمر له ذلك: الحياء باطناً، ويثمر له الحياء اجتناب المحرمات والقبائح، ومعرفته بغناه وجوده وكرمه وبره وإحسانه ورحمته توجب له سعة الرجاء... وكذلك معرفته بجلال الله وعظمته وعزه، تثمر له الخضوع والاستكانة والمحبة، وتثمر له تلك الأحوال الباطنة أنواعاً من العبودية الظاهرة، هي موجباتها.. فرجعت العبودية كلها إلى مقتضى الأسماء والصفات)

ويبين أثر التعبد بأسماء الله تعالى في الوقاية من الأمراض القلبية، كالحسد، والكبر، اللذين هما منبع كل أمراض القلوب، فيقول: (لو عرف ربّه بصفات الكمال ونعوت الجلال، لم يتكبر ولم يحسد أحداً عى ما آتاه الله؛ فإن الحسد في الحقيقة نوع من معاداة الله؛ فإنه يكره نعمة الله على عبده وقد أحبها الله، ويحب زوالها عنه والله يكره ذلك، فهو مضاد لله في قضائه وقدره ومحبته وكراهته) (2)

ويبين أثر التبعد بأسماء الله تعالى وصفاته في الوقوف الصلب أما المحن والبلايا، فيقول: (من صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته علم يقيناً أن المكروهات التي

__________

(1) مفتاح دار السعادة: 2/ 90 باختصار، وانظر: طريق الهجرتين، ص 43.

(2) الفوائد، ص 150.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (77)

تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع التي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما كره أعظم منها فيما يحب) (1)، ويقول: (فكل ما تراه في الوجود من شر وألم وعقوبة ونقص في نفسك وفي غيرك فهو من قيام الرب تعالى بالقسط، وهو عدل الله وقسطه، وإن أجراه على يد ظالم، فالمسلط له أعدل العادلين، كما قال تعالى لمن أفسد في الأرض: {فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَاداً لَنَا أُولِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْداً مَفْعُولاً} (الاسراء:5)

وقد اهتم الغزالي في كتابه الجليل (المقصد الأسنى) بالبعد التربوي لأسماء الله الحسنى، فكان يذكر عند نهاية شرح كل اسم حظ العبد السلوكي منه، فهو يعتبر ولكل صفة من صفات الله تعالى أو اسم من أسمائه أثره الخاص به، والذي لا يمكن للإنسان الحصول عليه إذا لم يستولي على قلبه معنى ذلك الاسم او تلك الصفة، وهو معنى الإحصاء الذي ورد في قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله تسعة وتسعين اسما مائة غير واحد من أحصاها دخل الجنة) (2)

وليس الإحصاء أن يسمع لفظها أو يفهم في اللغة تفسيرها، أو يعتقد وجودها، فإن سماع اللفظ لا يستدعي إلا سلامة السمع، وأما فهم وضعها اللغوي فلا يستدعي إلا المعرفة بالعربية، وأما اعتقاد ثبوت معناها لله تعالى فلا يستدعي إلا فهم معاني هذه الألفاظ والتصديق بها، بل إن الإحصاء ـ كما يشرحه الغزالي ـ هو أن ينال المؤمن ثلاثة حظوظ من معاني أسماء الله الحسنى:

1 ـ معرفة معاني تلك الأسماء معرفة كشفية شهودية، ولفظا (المكاشفة والمشاهدة) اللذان يكثر الغزالي من استعمالهما في كتبه لا يريد بهما الرؤية البصرية والحسية، وإنما هما

__________

(1) الفوائد، ص 85.

(2) رواه الترمذي وابن ماجة.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (78)

استعارة لغلبة اليقين على البصيرة الباطنة التي هي أقوى من البصر الحسي (1).

2 ـ استعظام ما ينكشف له من صفات الجلال على وجه يشوقه إلى الاتصاف بما يمكن من تلك الصفات، ليؤهله ذلك إلى التقرب من الله تعالى، فالمعرفة ـ كما يرى الغزالي ـ بذر الشوق (2).

3 ـ السعي إلى اكتساب الممكن من تلك الصفات والتخلق بها، والتحلي بمحاسنها، وبذلك يصر العبد (ربانيا) متحققا بالقرب من ربه تعالى.

والغزالي يجعل الحظ الأكبر في الوصول إلى هذه الدرجة هو تعظيم أسماء الله، فبقدر التعظيم يكون الشوق، وبقدر الشوق يكون السلوك، يقول: (ولن يتصور أن يمتلئ القلب باستعظام صفة واستشرافها إلا ويتبعه شوق إلى تلك الصفة وعشق لذلك الكمال والجلال وحرص على التحلي بذلك الوصف إن كان ذلك ممكنا للمستعظم بكماله فإن لم يكن بكماله فينبعث الشوق إلى القدر الممكن منه لا محالة)

ويرجع سبب خلو القلب عن الشوق الدافع للعمل إلى سببين:

1 ـ ضعف المعرفة واليقين بكون الوصف المعلوم من أوصاف الجلال والكمال.

2 ـ امتلاء القلب بشوق آخر مستغرقا به.

ويشبه ذلك بالتلميذ، فإنه إذا شاهد كمال أستاذه في العلم انبعث شوقه إلى التشبه والاقتداء به إلا إذا كان مملوءا بالجوع مثلا، فإن استغراق باطنه بشوق القوت ربما يمنع انبعاث شوق العلم.

ويخلص الغزالي من هذا إلى وجوب تجرد الناظر في أسماء الله إلى الله حتى ينال حظه منها، قال: (ولهذا ينبغي أن يكون الناظر في صفات الله تعالى خاليا بقلبه عن إرادة ما سوى

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 312.

(2) المقصد الأسنى، ص 32.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (79)

الله عز وجل، فإن المعرفة بذر الشوق)

2 ـ الإيمان بالنبوات

وهو العنصر الثاني من الأركان الأساسية للإيمان، ولذلك امتلأت آيات القرآن الكريم بالثناء عليهم وذكر قصصهم وأحوالهم لتملأ القلوب محبة لهم وإجلالا، وتشحن الطاقات قدوة وسلوكا، فيعيش المؤمن في صحبة النماذج الطاهرة الرفيعة، فيترفع من خلالها إلى الآفاق العليا من الكمال الإنساني.

وخير مصدر ـ بل يكاد يكون المصدر الوحيد للتعرف على حقيقة الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ هو القرآن الكريم، فهو الكتاب المؤرخ لحياتهم المرشد لكمالهم المصحح للأخطاء الكثيرة والتحريفات العظيمة التي لحقتهم.

وللقرآن الكريم طرق مختلفة في إيصالنا بالأنبياء، وملأ مشاعرنا بذكرهم ومحبتهم والاهتداء بهديهم:

منها أن يأتي إلى نبي من الأنبياء، فيستوفي قصته، ويسرد تفاصيل ما حصل له، فتمتلئ عين القلب بشخص ذلك النبي، وتصبح حياته نبراسا يضيئ حياة محبيه المؤمنين به.

ومنها أن يأتي إلى مشهد من مشاهد الأنبياء، فيستوفي أحداثه، ليعيش المؤمن ذلك الموقف، ويرسم منه لحياته من المواقف ما يضاهي ذلك الموقف أو ما يجدد حياته.

ومنها أن يعدد أسماء الأنبياء ويذكرها كل حين لترتسم مع كل اسم صورة نموذج من نماذج البر، وعملاق من عمالقة الصلاح، ويكون ذلك الإعجاب مقدمة الاقتداء، قال تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاء إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ كُلاًّ هَدَيْنَا وَنُوحاً هَدَيْنَا مِن قَبْلُ وَمِن ذُرِّيَّتِهِ دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ وَأَيُّوبَ وَيُوسُفَ وَمُوسَى وَهَارُونَ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (80)

كُلٌّ مِّنَ الصَّالِحِينَ وَإِسْمَاعِيلَ وَالْيَسَعَ وَيُونُسَ وَلُوطاً وَكُلاًّ فضَّلْنَا عَلَى الْعَالَمِينَ وَمِنْ آبَائِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ وَإِخْوَانِهِمْ وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} (الأنعام:83 ـ 87)

وبعد أن ذكر تعالى هذا العدد من الأسماء عقب على ذلك بقوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام:90)

والقرآن الكريم يملأ صدرا المؤمن شوقا لكثير من الأنبياء المنتشرين في بقاع الأرض على أمداد عمر التاريخ، فصفوة الله المختارة لم تكن مقتصرة على أرض دون أرض أو زمن دون زمن، قال تعالى: {إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلا خلا فِيهَا نَذِيرٌ} [فاطر: 24].

ويخبر في آية أخرى أن ما ذكر في القرآن الكريم من الأنبياء مجرد نماذج ذكرت من باب التمثيل لا الحصر، وأن قانون التدافع بين الخير والشر، والأنبياء وأقوامهم متمثل فيهم جميعا، قال تعالى: {وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنْ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ فَمِنْهُمْ مَنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُمْ مَنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلالَةُ فَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ} [النحل: 36].

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يصف خلقة الأنبياء وصورهم لتقريب ما يصفه القرآن الكريم من أحوالهم، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (رأيت عيسى بن مريم وموسى وإبراهيم فأما عيسى فابيض جعد عريض الصدر وأما موسى فآدم جسيم قالوا فابراهيم قال انظروا إلى صاحبكم) (1)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (رأيت ليلة أسري بي موسى بن عمران رجلا طوالا جعدا كأنه من رجال شنؤة ورأيت عيسى بن مريم مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض سبط الرأي)

انطلاقا من هذا سنذكر هنا بعض الآثار التربوية للإيمان بالرسل، وما يستدعيه من طرق التعريف بهم، وما ينبغي احترازه من ذلك على حسب ما يقتضيه المقام:

__________

(1) رواه البخاري:4/ 22.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (81)

القدوة

ويشير إلى هذه الناحية المهمة الناتجة عن الإيمان الصحيح بالرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ قوله تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام:90)، فالغرض الأول من الإيمان بالرسل إيمانا يولد المحبة في قلوب أصحابه هو اتخاذهم نماذج يقتدى بها، وأنوارا يهتدى بهديها.

وذلك لأن المعارف تظل أرواحا مجردة قد لا تجد من يلتفت إليها حتى تجد الأجساد الطاهرة التي تمثلها، فتخرج من عالم المثال إلى عالم الواقع.

وكمثال على ذلك تمثيل الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ لدور التجرد والإخلاص في التعامل مع الله، وهذا ما تبرهن عليه خطبهم لأقوامهم في القرآن الكريم، والتي يحرص القرآن الكريم على ذكرها وتكرارها لتصبح في محل نظر المقتدي، فلا يتيه بالحوادث عن مواضع القدوة، قال تعالى على ألسنتهم: {يَا قَوْمِ لا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى الَّذِي فَطَرَنِي أَفَلا تَعْقِلُونَ} (هود:51)، وقال تعالى: {اتَّبِعُوا مَنْ لا يَسْأَلُكُمْ أَجْراً وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (يّس:21)، وقال تعالى: {فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ} (يونس:72)

ولهذا أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن يردد أقوالهم، اقتداء بهم فقال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِلَّا مَنْ شَاءَ أَنْ يَتَّخِذَ إِلَى رَبِّهِ سَبِيلاً} (الفرقان:57)، وقال تعالى: {وَمَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى رَبِّ الْعَالَمِينَ} (الشعراء:109)، وقال تعالى: {قُلْ مَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ فَهُوَ لَكُمْ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ} (سبأ:47)، وقال تعالى: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} (صّ:86)

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يستحضر مواقف الأنبياء ليعيد إحياءها من جديد، فكان يستحضر في المواقف المختلفة ما حصل لإخوانه من الأنبياء، عن عبد اللّه بن مسعود قال: قسم رسول

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (82)

اللّه صلى الله عليه وآله وسلم ذات يوم قسماً فقال رجل من الأنصار: إن هذه القسمة ما أريد بها وجه اللّه، قال، فقلت: يا عدو اللّه أما لأخبرن رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم بما قلت، فذكرت ذلك للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فاحمر وجهه ثم قال: (رحمة اللّه على موسى، لقد أوذي بأكثر من هذا فصبر) (1)

وفي موقف آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (أقول كما قال أخي يوسف: {لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ} (يوسف:92)) (2)

وقد استدل ابن عباس بهذا على مشروعية سجدة سورة ص، فعن العوام قال: سألت مجاهداً عن سجدة (ص) فقال: سألت ابن عباس ما من أين سجدت؟ فقال: أوما تقرأ: {وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ وَسُلَيْمَان} (الأنعام:84)، {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ} (الأنعام:90)؟ فكان داود عليه الصلاة والسلام ممن أمر نبيكم صلى الله عليه وآله وسلم أن يقتدي به، فسجدها داود عليه الصلاة والسلام، فسجدها رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم) (3)

وهكذا يصبح الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ مصابيح تضيئ للمهتدين، وتبصرهم بالطريق الصحيح، وقد قال ابن القيم، وهو يدعو إلى الاقتداء بالأنبياء في جدهم في طريق الله: (يا مخنث العزم أين أنت، والطريق طريق تعب فيه آدم، وناح لأجله نوح، ورمى في النار الخليل، وأضجع للذبح اسماعيل، وبيع يوسف بثمن بخس، ولبث في السجن بضع سنين، ونشر بالمنشار زكريا، وذبح السيد الحصور يحيى، وقاسى الضر أيوب، وزاد على المقدار بكاء داود، وسار مع الوحش عيسى، وعالج الفقر وأنواع الأذى محمد صلى الله عليه وآله وسلم تزها أنت باللهو واللعب) (4)

وهذه الصفة تقتضي عصمة الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ، وتقتضي اقتصار

__________

(1) رواه البخاري ومسلم واللفظ لأحمد.

(2) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب وابن السني في عمل يوم وليلة.

(3) رواه البخاري.

(4) الفوائد.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (83)

المربي على هذه العصمة، وذلك لأن تصوير الإثم في تصرفات الأنبياء ـ كما تفعل بعض كتب التفسير والمواعظ ـ ينزع منهم الثقة، ويجعلهم محلا للنقد، وهو ما قد يتذرع به لسلوك سبيل المعصية بحجة أن الأنبياء مع مكانتهم الرفيعة وقع منهم الخطأ.

الجذور التاريخية للإسلام والإنسان

فالقرآن الكريم بتفصيله لقصص الأنبياء يشير إلى تاريخ يكاد يكون مهملا في دواوين تاريخ البشرية، وهو تاريخ المعرفة بالله وعبادته.

وهو تاريخ متصل من لدن آدم عليه السلام إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يؤثر في اتصاله اختلاف الأزمنة ولا اختلاف الأمكنة، ولا اختلاف القوميات.

ولهذا آثاره الكبيرة في السلوك، لأنه يرفع الغربة عن المؤمن، ويفسر التاريخ تفسيرا إيمانيا لا تفسيرا ماديا كما يفسره الغافلون، يقول سيد قطب ـ وهو يعدد نعم الله عليه بالعيش في ظلال القرآن الكريم ـ: (والمؤمن ذو نسب عريق، ضارب في شعاب الزمان. إنه واحد من ذلك الموكب الكريم، الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم: نوح وإبراهيم وإسماعيل وإسحاق، ويعقوب ويوسف، وموسى وعيسى، ومحمد.. عليهم الصلاة والسلام.. هذا الموكب الكريم، الممتد في شعاب الزمان من قديم، يواجه - كما يتجلى في ظلال القرآن - مواقف متشابهة، وأزمات متشابهة، وتجارب متشابهة على تطاول العصور وكر الدهور، وتغير المكان، وتعدد الأقوام. يواجه الضلال والعمى والطغيان والهوى، والاضطهاد والبغي، والتهديد والتشريد. ولكنه يمضي في طريقه ثابت الخطو، مطمئن الضمير، واثقا من نصر الله، متعلقا بالرجاء فيه، متوقعا في كل لحظة وعد الله الصادق الأكيد: {وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ} (ابراهيم:13 ـ 14) موقف واحد وتجربة واحدة. وتهديد واحد. ويقين واحد. ووعد واحد

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (84)

للموكب الكريم.. وعاقبة واحدة ينتظرها المؤمنون في نهاية المطاف. وهم يتلقون الاضطهاد والتهديد والوعيد) (1)

وقد يقال هنا: فلماذا لم يذكر القرآن إلا من كان يعرفه الناس، وأهل الكتاب من الأنبياء، أوليس في الغض عن ذكر غيرهم، غضا من التاريخ، ومحوا لأجيال من الصالحين؟

والجواب عن ذلك: إن القرآن الكريم جعل من قصص الأنبياء حروفا تنبني منها الحياة المثالية للمؤمن، ومن شأن الحروف أن تكون قليلة محصورة، وإلا كان تكلف حفظها مانعا من استعمالها.

وهكذا اختار القرآن الكريم نماذج معينة تحمل مواضع عبر مختلفة لتكون أنوارا يهتدى بها، فإذا ما حصل النور ببعضهم أغنى ذلك عن ذكر جميعهم.

أما غيرهم، فيكفي أن يشير بالثناء عليهم والاعتراف بهم، كما قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَنْ يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلا بِإِذْنِ اللَّهِ فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ قُضِيَ بِالْحَقِّ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْمُبْطِلُونَ} [غافر: 78].

زيادة على ذلك، فإن سائل هذا السؤال لا يفهم أسرار مقاصد القرآن الكريم من سرد قصص الأنبياء، فالأنبياء في القرآن الكريم ـ على خلاف ما في كتب أهل الكتاب ـ يراد منها العبرة والتمثيل والتصوير ليعايشها المؤمن أفكارا وقدوة وسلوكا لا مجرد أحداث تاريخية.

فلذلك كان من الحكمة أن يذكر المعروفين من الأنبياء، لأن غير المعروفين، قد تنكرهم الجماهير، وقد تعتبرهم من أساطير الأولين، وقد حصل بعض هذا عندما أنكر البعض قصة عاد وثمود لعدم ورودها في كتب أهل الكتاب.

__________

(1) في ظلال القرآن: 1/ 12.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (85)

ثم إن من يريد أن يوضح مسألة أويقرب قضية من القضايا يحتاج إلى إيراد الأمثلة المبسطة المعروفة عند من يخاطبهم، وإلا كان توضيحه إبهاما، وشرحه تعقيدا.

تمثيل حقيقة الإسلام

فالله تعالى يسوق القصص ليقرر حقيقة الإسلام ومتطلباته، فالرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ هم خير من يمثل الإسلام في أرقى درجاته، ولهذا يشرح الله تعالى حقيقة إسلام إبراهيم عليه السلام بضرب الأمثلة عن ولائه التام لله، وإسلام وجهه كله له.

فهو يدعو أقاربه إلى الله، بكل ما أوتي من صنوف اللين، طامعا في إسلامهم، لكنه بمجرد أن تبينت له عداوتهم لله تبرأ منهم، قال تعالى: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} (التوبة:114)

وهو يشتاق إلى الولد كسائر البشر ـ بعد أن يهجره قومه ويتركوه، بل يذيقوه ما تمكنوا منه من بلاء ـ، فيقول: {إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ رَبِّ هَبْ لِي مِنَ الصَّالِحِينَ}

وتأتيه البشارة بعد عمر طويل: {فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلَامٍ حَلِيمٍ}

وبمجرد أن يبشر به يؤمر بأن ينقل ابنه الرضيع مع أمه إلى بلد غير ذي زرع، كما قال تعالى: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ} (ابراهيم:37)، فينقله، ويبعده عنه عمرا طويلا.

بل يتركه في موقف مأساوي أليم على قلب الأب الذي انتظر ابنه طويلا، وقد روي عن ابن عباس قوله في حديث ذلك: (ثم جاء بها إبراهيم وبإبنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت، عند دوحة فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد، وليس بها ماء، فوضعهما هنالك ووضع عندها جِراباً فيه تمر، وسقاء فيه ماء، ثم قفّى إبراهيم منطلقاً فتبعته أم إسماعيل فقالت: يا إبراهيم أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس فيه

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (86)

أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مراراً وجعل لا يلتفت إليها، فقالت: آللّه أمرك بهذاً؟ قال: نعم، قالت: إذاً لا يضيعنا، ثم رجعت فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت، ثم دعا بهذه الدعوات ورفع يديه فقال: {رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (ابراهيم:37)) (1)

ثم بعد رجوعه لابنه الذي أمضى كثيرا من حياته بعيدا عنه، يؤمر بذبحه بيده في الوقت الذي صار يرجوا خيره وعونه، قال تعالى حاكيا قصة ذلك، ونتيجته: {فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاء الْمُبِينُ وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَتَرَكْنَا عَلَيْهِ فِي الْآخِرِينَ سَلَامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُؤْمِنِينَ وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِّنَ الصَّالِحِينَ وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ} (الصافات:101 ـ 113)

فهذه النماذج وغيرها توضح حقيقة إسلام الوجه لله في منتهى كمالها، ولهذا أمرنا، بل أمر قبل ذلك رسولنا صلى الله عليه وآله وسلم أن يتبع ملة إبراهيم في مواضع متعددة من القرآن الكريم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (الأنعام:161)، وقال تعالى: {ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (النحل:123)

ويمن على المؤمنين أن هداهم إلى ملة إبراهيم فقال تعالى: {وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ

__________

(1) رواه البخاري.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (87)

الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ} (الحج:78)

ويعتبر كل انحراف عن ملة إبراهيم سفها من الرأي، وانحرافا عن الحق، وكأن إبراهيم عليه السلام هو المقياس الذي يقاس به الإسلام، قال تعالى: {وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ} (البقرة:130)

ورد على من دعا إلى غير ملته، وذم قوله، فقال تعالى: {وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (البقرة:135)، وقال تعالى: {قُلْ صَدَقَ اللَّهُ فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} (آل عمران:95)

وذلك لأن أكمل توجه لله وأحسنه هو توجه إبراهيم عليه السلام، قال تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً} (النساء:125)

3 ـ الإيمان بعالم الغيب

عوالم الغيب ـ في أصلها ـ هي العوالم التي خفيت على المؤمن، أو التي لا تستطيع وسائل الإدراك العادية التعرف عليها، أوالتي جاءت النصوص المعصومة بالدلالة عليها، وهي بذلك تشمل كل قضايا الإيمان، كما قال تعالى في وصف المؤمنين: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (البقرة:3)

وأخبر أن المؤمنين الصادقين لا يحول بينهم وبين الخوف من الله أو التعامل الإيماني معه كونه غيبا عن حواسهم، كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمُ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (المائدة:94)، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَهُمْ مِنَ السَّاعَةِ مُشْفِقُونَ}

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (88)

(الانبياء:49)، وقال تعالى: {إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ وَأَجْرٍ كَرِيمٍ} (يّس:11)، وقال تعالى: {مَنْ خَشِيَ الرَّحْمَنَ بِالْغَيْبِ وَجَاءَ بِقَلْبٍ مُنِيبٍ} (قّ:33)، وقال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحديد:25)، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (الملك:12)

واشتد في عتاب بني إسرائيل الذين طلبوا أن يروا الله جهرة حتى يصدقوا به، قال تعالى: {وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ} (البقرة:55)، وأخبر أن هؤلاء أنفسهم طلبوا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كتابا من الغيب يرونه حسا، فرد الله تعالى عليهم بقوله: {يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُبِيناً} (النساء:153)

وهذا لأن أصل التكليف يقتضي الغيب، فلو أن قضايا الإيمان كان دليلها الحس ووسائل الإدراك العادية لما كان هناك أي تكليف بالإيمان بها.

ومثل ذلك: الامتحان الذي يجريه الأستاذ لتلاميذه، فلو أنه وضع الإجابة المباشرة على السبورة، ثم طلب منهم أن يجيبوا على أسئلته لما اختلفوا في نقل الإجابة مباشرة دون عناء، ولما اختلف جهدهم في الإجابة عنها، ولما تميز المتفوق منهم والجاد من الغبي والهازل، ولهذا قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لا يُنْظَرُونَ} (الأنعام:8)

ولكن عالم الغيب أو السمعيات ـ كمصطلح ـ قصر على ما لا يمكن الاستدلال عليه بالعقل المجرد، وما كان في نفس الوقت في حيز الإمكان، فتخرج أبواب الألوهية والنبوات

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (89)

لانسجام العقل مع النصوص في الدلالة عليها.

فلذلك يكتفى في مثل هذه المسائل بالأدلة المعصومة، ويعزل العقل عن البت فيها بقول أو بدليل إلا دليل الإمكان، ولهذا قال تعالى بعد ذكر كثر من الأخبار والقصص: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ} (آل عمران:44)، وقال تعالى: {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا فَاصْبِرْ إِنَّ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ} (هود:49)، وقال تعالى: {ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُونَ} (يوسف:102)، وقال تعالى: {قُلِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا لَبِثُوا لَهُ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْض} (الكهف:26)

ولهذا الإيمان تأثيره النفسي والتربوي الكبير على الإنسان، بل إنه ينقله من عالم البهيمية الذي تلقيه فيه غرائزه وأهواؤه إلى عالم الإنسانية الرفيع، يقول سيد قطب: (والإيمان بالغيب هو العتبة التي يجتازها الإنسان، فيتجاوز مرتبة الحيوان الذي لا يدرك إلا ما تدركه حواسه، إلى مرتبة الإنسان الذي يدرك أن الوجود أكبر وأشمل من ذلك الحيز الصغير المحدد الذي تدركه الحواس - أو الأجهزة التي هي امتداد للحواس - وهي نقلة بعيدة الأثر في تصور الإنسان لحقيقة الوجود كله ولحقيقة وجوده الذاتي، ولحقيقة القوى المنطلقة في كيان هذا الوجود، وفي إحساسه بالكون وما وراء الكون من قدرة وتدبير. كما أنها بعيدة الأثر في حياته على الأرض؛ فليس من يعيش في الحيز الصغير الذي تدركه حواسه كمن يعيش في الكون الكبير الذي تدركه بديهته وبصيرته؛ ويتلقى أصداءه وإيحاءاته في أطوائه وأعماقه، ويشعر أن مداه أوسع في الزمان والمكان من كل ما يدركه وعيه في عمره القصير المحدود) (1)

__________

(1) في ظلال القرآن:1/ 39.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (90)

ويرد على المفكرين المعاصرين الذين يتصورون الإيمان بعوالم الغيب نوعا من الهروب عن الواقع، فيقول: (لقد كان الإيمان بالغيب هو مفرق الطريق في ارتقاء الإنسان عن عالم البهيمة. ولكن جماعة الماديين في هذا الزمان، كجماعة الماديين في كل زمان، يريدون أن يعودوا بالإنسان القهقري.. إلى عالم البهيمة الذي لا وجود فيه لغير المحسوس! ويسمون هذا "تقدمية " وهو النكسة التي وقى الله المؤمنين إياها، فجعل صفتهم المميزة، صفة: الذين يؤمنون بالغيب والحمد لله على نعمائه، والنكسة للمنتكسين والمرتكسين!) (1)

ولهذا الإيمان زيادة على هذا الترفع بالإنسان تأثيره الكبير في السلام النفسي الذي هو منطلق كل خير، وقد ضرب الإمام بديع الزمان لذلك مثلا فسربه قوله تعالى: {الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ} (البقرة:3)، فقال: (ان كنت تريد ان تعرف مدى ما في الايمان من سعادة ونعمة، ومدى ما فيه من لذة وراحة، فاستمع الى هذه الحكاية القصيرة) (2)

ثم ذكر أنه خرج رجلان في سياحة ذات يوم، من أجل الاستجمام والتجارة. فمضى احدهما وكان أنانياً شقياً الى جهة، ومضى الآخر وهو رباني سعيد الى جهة ثانية.

فالاناني المغرور الذي كان متشائماً لقي بلداً في غاية السوء والشؤم في نظره، جزاءاً وفاقاً على تشاؤمه، حتى انه كان يرى - أينما اتجه - عجزةً مساكين يصرخون ويولولون من ضربات ايدي رجال طغاة قساة ومن اعمالهم المدمّرة.

فرأى هذه الحالة المؤلمة الحزينة في كل ما يزوره من اماكن، حتى اتخذت المملكة كلها في نظره شكل دار مأتم عام. فلم يجد لنفسه علاجاً لحاله المؤلم المظلم غير السُكر، فرمى نفسه في نشوته لكيلا يشعر بحاله، إذ صار كل واحد من اهل هذه المملكة يتراءى له عدواً يتربص به، واجنبياً يتنكر له، فظل في عذاب وجداني مؤلم لما يرى فيما حوله من جنائز مرعبة

__________

(1) في ظلال القرآن:1/ 40.

(2) الكلمات، الكلمة الثانية.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (91)

ويتامى يبكون بكاءاً يائساً مريراً.

أمّا الآخر الرجل الربّاني العابد لله، والباحث عن الحق، فقد كان ذا أخلاق حسنة بحيث لقي في رحلته مملكة طيّبة هي في نظره في منتهى الروعة والجمال.

فهذا الرجل الصالح يرى في المملكة التي دخلها احتفالات رائعة ومهرجانات بارعة قائمة على قدم وساق. وفي كل طرف سروراً، وفي كل زاوية حبوراً، وفي كل مكان محاريب ذكر. حتى لقد صار يرى كل فرد من أفراد هذه المملكة صديقاً صدوقاً وقريباً حبيباً له. ثم يرى ان المملكة كلها تعلن - في حفل التسريح العام - هتافات الفرح بصيحة مصحوبة بكلمات الشكر والثناء. ويسمع فيهم أيضاً أصوات الجوقة الموسيقية وهي تقدم ألحانها الحماسية مقترنة بالتكبيرات العالية والتهليلات الحارة بسعادة واعتزاز للذين يساقون الى الخدمة والجندية.

فبينما كان ذلك الرجل الاول المتشائم منشغلاً بألمه وآلام الناس كلهم.. كان الثاني السعيد المتفائل مسروراً مع سرور الناس كلهم فرحاً مع فرحهم. فضلاً عن انه غنم لنفسه تجارة حسنة مباركة فشكر ربه وحمده.

ولدى عودته الى أهله، يلقى ذلك الرجل فيسأل عنه، وعن أخباره، فيعلم كل شئ عن حاله فيقول له: (يا هذا لقد جننتَ! فان ما في باطنك من الشؤم انعكس على ظاهرك بحيث أصبحتَ تتوهم أن كل ابتسامة صراخ ودموع، وأن كل تسريح واجازة نهب وسلب. عُد الى رشدك، وطهّر قلبك.. لعل هذا الغشاء النكد ينزاح عن عينيك. وعسى أن تبصر الحقيقة على وجهها الأبلج. فإن صاحب هذه المملكة ومالكها وهو في منتهى درجات العدل والمرحمة والربوبية والاقتدار والتنظيم المبدع والرفق.. وان مملكة بمثل هذه الدرجة من الرقي والسمو مما تريك من آثار بأم عينيك... لا يمكن أن تكون بمثل ما تريه أوهامك من صور)

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (92)

وبعد ذلك بدأ هذا الشقي يراجع نفسه ويرجع الى صوابه رويداً رويداً، ويفكر بعقله ويقول متندماً: (نعم لقد اصابني جنون لكثرة تعاطي الخمر.. ليرضَ الله عنك؛ فلقد انقذتني من جحيم الشقاء)

ثم يفسر المعاني الجليلة التي يحملها هذا المثال، فيقول: (فيا نفسي! اعلمي ان الرجل الاول هو الكافر أو الفاسق الغافل فهذه الدنيا في نظره بمثابة مأتم عام، وجميع الاحياء ايتام يبكون تألماً من ضربات الزوال وصفعات الفراق.. أما الانسان والحيوان فمخلوقات سائبة بلا راع ولا مالك، تتمزق بمخالب الأجل وتعتصر بمعصرته.. وأما الموجودات الضخام ـ كالجبال والبحار ـ فهي في حكم الجنائز الهامدة والنعوش الرهيبة.. وامثال هذه الأوهام المدهشة المؤلمة الناشئة من كفر الانسان وضلالته تذيق صاحبها عذاباً معنوياً مريراً.

أما الرجل الثاني، فهو المؤمن الذي يعرف خالقه حق المعرفة ويؤمن به، فالدنيا في نظره دار ذكر رحماني، وساحة تعليم وتدريب البشر والحيوان، وميدان ابتلاء واختبار الانس والجان.. أما الوفيات كافة ـ من حيوان وانسان ـ فهي اعفاء من الوظائف، وانهاء من الخدمات، فالذين أنهوا وظائف حياتهم، يودّعون هذه الدار الفانية وهم مسرورون معنوياً، حيث انهم ينقلون الى عالم آخر غير ذي قلق، خال من اوضار المادة واوصاب الزمان والمكان وصروف الدهر وطوارق الحدثان، لينفسح المجال واسعاً لموظفين جدد يأتون للسعي في مهامهم.. اما المواليد كافة ـ من حيوان وانسان ـ فهي سَوقة تجنيد عسكرية، وتسلُّم سلاح، وتسنّم وظائف وواجبات، فكل كائن انما هو موظف وجندي مسرور، ومأمور مستقيم راضٍ قانع... وأما الاصوات المنبعثة والاصداء المرتدة من ارجاء الدنيا فهي إما ذكر وتسبيح لتسنم الوظائف والشروع فيها، أو شكر وتهليل ايذاناً بالانتهاء منها، أو أنغام صادرة من شوق العمل وفرحته..

فالموجودات كلها ـ في نظر هذا المؤمن ـ خدام مؤنسون، وموظفون أخلاّء، وكتبٌ

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (93)

حلوة لسيده الكريم ومالكه الرحيم.. وهكذا يتجلى من ايمانه كثير جداً من أمثال هذه الحقائق التي هي في غاية اللطف والسمو واللذة والذوق)

بعد هذا.. فإن الآثار العظيمة للإيمان بالغيب لا تتحقق إلا إذا لقيت طرحا سليما من المربي، ونرى تقيد هذا الطرح بما يلي:

علمية الإيمان بالغيب

نعم إن قضايا الإيمان بالغيب لا يمكن إدراكها بالحس المجرد، ولا بوسائل الإدراك العادية، ومع ذلك، فإن للعقل مجالا فيها، إما في التعرف على إمكانية وجودها، أو في تصور ما يحمله الإيمان بالغيب من حقائق.

أما مجال التعقل، فالقرآن الكريم يبرهن على الغيب بالأدلة العقلية الكثيرة، فيربهن على البعث والقيامة بما يرى في الإنسان والأرض من آثار تدل على قدرة الله المطلقة بإعادة الحياة، فالله هو المبدئ المعيد، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ لِنُبَيِّنَ لَكُمْ وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلاً ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ وَمِنْكُمْ مَنْ يُتَوَفَّى وَمِنْكُمْ مَنْ يُرَدُّ إِلَى أَرْذَلِ الْعُمُرِ لِكَيْلا يَعْلَمَ مَنْ بَعْدِ عِلْمٍ شَيْئاً وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ} (الحج:5)

فالله تعالى يستدل بقدرته المطلقة على نقل الإنسان من طور إلى طور بقدرته على البعث الذي هو في حقيقته لا يعدوا أن يكون طورا من أطوار حياة الإنسان الممتدة.

ومثل ذلك عالم الملائكة وغيرها من العوالم الغيبية التي خلقها الله ـ كما خلق الإنسان ـ يقول سيد قطب: (ونسأل: ماذا عند أدعياء العقلية العلمية، من علمهم ذاته، يحتم عليهم نفي هذا الخلق المسمى بالملائكة، وإبعاده عن دائرة التصور والتصديق؟ ماذا لديهم من علم يوجب عليهم ذلك؟

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (94)

إن علمهم لا يملك أن ينفي وجود حياة من نوع آخر غير الحياة المعروفة في الأرض في أجرام أخرى، يختلف تركيب جوها وتختلف طبيعتها وظروفها عن جو الأرض وظروفها.. فلماذا يجزمون بنفي هذه العوالم، وهم لا يملكون دليلا واحدا على نفي وجودها؟

إننا لا نحاكمهم إلى عقيدتنا، ولا إلى قول الله سبحانه! إنما نحاكمهم إلى علمهم الذي يتخذونه إلها.. فلا نجد إلا أن المكابرة وحدها - من غير أي دليل من هذا العلم - هي التي تقودهم إلى هذا الإنكار غير العلمي! المجرد أن هذه العوالم غيب؟ لقد نرى حين نناقش هذه القضية أن الغيب الذي ينكرونه هو الحقيقة الوحيدة التي يجزم هذا العلم اليوم بوجودها؛ حتى في عالم الشهادة الذي تلمسه الأيدي وتراه العيون) (1)

ويقول النورسي مبينا علمية الإيمان بالملائكة: (ان الكرة الارضية وهي واحدة من الأجرام السماوية، على كثافتها وضآلة حجمها، قد اصبحت موطناً لما لا يحد من الاحياء وذوي المشاعر، حتى لقد اصبحت أقذر وأخسّ الأماكن فيها منابع ومواطن لكثير من الأحياء، ومحشراً ومعرضاً للكائنات الدقيقة. فالضرورة والبداهة والحدس الصادق واليقين القاطع جميعاً تدل وتشهد بل تعلن أنّ: هذا الفضاء الواسع والسموات ذات البروج والأنجم والكواكب كلها مليئة بالأحياء وبذوي الادراك والشعور) (2)

وهكذا، فإن المربي الصادق لا يكتفي بتقرير الحقائق الغيبية مجردة، يكلف بها عقل المتلقي تكليفا، بل يحاول أن يلطفها ويقوي رسوخها بما يبثه من أدلة، فإن إبراهيم عليه السلام مع علمه بقدرة الله المطلقة على الإحياء طلب من الله ما يزيد هذه الطمأنينة قوة ورسوخا، قال تعالى: {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ

__________

(1) في ظلال القرآن: 1044.

(2) الكلمات، الكلمة التاسعة والعشرون.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (95)

قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ} (البقرة:260)

أما مجال التصور، فإن الكثير من قضايا الإيمان الغيبي يمكن قياسه على ما خلق الله في الأرض من ظواهر، من باب تقريب عالم الغيب من عالم الحس، ومثل ذلك قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (البقرة:25) أي يشبه الشكل الشكل، ولكن الطعم غير الطعم، ومثل ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر سدرة المنتهى: (فإذا ورقها كآذان الفيلة ونبقها مثل قلال هجر) (1)

عالم الغيب لا عالم الخرافة

عالم الغيب هو العالم الذي وردت النصوص المعصومة بالإخبار عنه، أما عالم الخرافة فهو العالم الذي دخل العقيدة الإسلامية ـ للأسف ـ تحت مظلة النقل من أهل الكتاب إحسانا للظن بهم، أو تحت مظلة الأحاديث المنكرة والمعلولة والموضوعة، أو تحت مظلة العقل الذي تعدى طوره وحقيقته ووظيفته، أو تحت مظلة الكشف الذي يختلط فيه الوهم بالحقيقة، أو تحت مظلات أخرى كثيرة ليس بينها مصدر معصوم.

فلذلك، يمكن اعتبار كل ما لحق هذا العالم الغيبي من غير أدلة معصومة ضربا من الخرافة لا يصح أن يمتلئ به عقل المؤمن ولا ضميره.

والأمثلة على دخول الخرافة هذه العوالم الغيبية كثيرة، منها ـ مثلا ـ الخرافات التي نسجت حول الملائكة الموكلين بالعرش ـ عليهم السلام ـ والتي تلبست بلباس الحديث الشريف، فذكرت أنهم (ثمانية أملاك على صورة الأوعال)، وأن (لكل ملك منهم أربعة أوجه وجه رجل ووجه أسد ووجه ثور ووجه نسر وكل وجه منها يسأل الله الرزق لذلك

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (96)

الجنس)، و(أن فوق السماء السابعة ثمانية أو عال بين أظلافهن وركبهن مثل ما بين سماء إلى سماء وفوق ظهورهن العرش)، وأنه أنشد بين يدي النبي صلى الله عليه وآله وسلم قول أمية بن أبي الصلت:

رجل وثور تحت رجل يمينه... والنسر للأخرى وليث مرصد

والشمس تطلع كل آخر ليلة... حمراء يصبح لونها يتورد

ليست بطالعة لهم في رسلها... إلا معذبة وإلا تجلد

فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (صدق)

وقد رويت هذه الأساطير ـ للأسف ـ في كتب التفسير المعتمدة، وهي مما يحرص العامة على مثله، وهي خرافات لا حظ لها من العلم، ولا حظ لراويها وملفقها من الذوق، وقد رد عليها ـ بحمد الله ـ الشيخ محمد زاهد الكوثري، برسالة سماها (فصل المقال في بحث الأوعال) أو (فصل المقال في تمحيص أحدوثة الأوعال)، فذكر المصادر التي أخرجت هذه النصوص وتتبع أقوالهم تمحيصا وتحليلا وانتهى إلى أنّها أقاصيص دخيلة لا أصل لها.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (97)

الفصل الثاني

البعد الروحي في تربية الأولاد

يعتبر البعد الروحي من أهم الأبعاد التربوية من ناحيتين:

الأولى: أنه مدد للبعد الأول، إذ أن الإيمان ـ كما يقول العلماء ـ يزيد وينقص، يزيد بالطاعات، وينقص بالمعاصي، ولذلك يكفي الاهتمام بهذا البعد لتحقيق معاني الإيمان وترسيخها عن تكلف الأدلة الكثيرة التي قد لا تفيد شيئا مع من تلطخت روحه بالأهواء والشهوات والشبهات.

الثانية: أنه أصل غاية وجود الإنسان، كما قال تعالى: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} (الذريات:56)

والبعد الروحي يقوم على ركيزتين أساسيتين لا غنى لإحداهما عن الأخرى، هما: عبودية القلب، وعبودية الجوارح، وسنتحدث في هذ الفصل عن كلتا العبوديتين مع بيان الطرق التربوية والأحكام الفقهية المتعلقة بهما.

أولا ـ عبادات القلب

نريد بعبادات القلب: العبادات التي ليس لها جارحة تؤدى بها، ولا مظهر يدل عليها، وإنما هي مجموعة مشاعر وأحاسيس يمتلئ بها القلب، وينفعل لها الوجدان، فهي عبادات الباطن كما أن الشعائر التعبدية هي عبادات الظاهر.

ولكن هذه العبادات مع بطونها وخفائها يمكنها أن تحول الإنسان عالما فريدا من الكمالات والمواهب والطاقات.

وذلك لأن الوقود الذي يحرك طاقة أي إنسان ينطلق من تلك المشاعر قبل أن ينطلق

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (98)

من غيرها، بل إن العقل نفسه ـ وهو أعظم طاقة إنسانية ـ قد يعزل عزلا تاما إذا ما تعارض مع أي شعور من المشاعر الطاغية.

ولهذا، فإن التربية السليمة ـ والتي لا تهتم بطلاء النشء طلاء سرعان ما تغيره الأيام ـ تنطلق من هذا النوع من العبودية لتعبر إلى غيره.

وهي في تلك الممارسة تثبت في نفس النشء جميع المعاني النبيلة والخلال الطيبة التي ستنبت بعد ذلك السلوك الطيب والخلق العظيم.

وقد كان من حكمة المربي الصالح محمد بن سوار أن ربى الولي الصالح سهل بن عبد الله التستري على هذه العبادة قبل أن يربيه على العبادات الظاهرة، قال سهل: كنت وأنا ابن ثلاث سنين أقوم بالليل فأنظر إلى صلاة خالي محمد بن سوار فقال لي يوماً: ألا تذكر الله الذي خلقك فقلت: كيف أذكره؟ قال: قل بقلبك عند تقلبك في ثيابك ثلاث مرات من غير أن تحرّك به لسانك، الله معي الله ناظر إليَّ الله شاهدي، فقلت ذلك ليالي ثم أعلمته فقال: قل في كل ليلة سبع مرات، فقلت ذلك ثم أعلمته فقال: قل ذلك كل ليلة إحدى عشر مرة، فقلته فوقع في قلبي حلاوته، فلما كان بعد سنة قال لي خالي: احفظ ما علمتك ودم عليه إلى أن تدخل القبر فإنه ينفعك في الدنيا والآخرة، فلم أزل على ذلك سنين فوجدت لذلك حلاوة في سري، ثم قال لي خالي يوماً: يا سهل من كان الله معه وناظراً إليه وشاهده أيعصيه؟ إياك والمعصية)

فإن هذا النموذج التربوي يبين لنا البرنامج الذي وضعه محمد بن سوار ليغرس في قلب سهل معنى مراقبة الله والشعور بحضوره والذي تنبني عليه جميع عبادات القلوب.

ولذلك نرى أن على المربي الصالح أن يضع برنامجا يتناسب مع عمر من يربيه وقدراته بحيث يخلص من ذلك البرنامج إلى نتائج تربوية صحيحة تعمق المعاني الروحية التي هي أصل العبادات وحقيقتها.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (99)

ولا يمكننا هنا أن نضع برنامجا لذلك، وإنما سنحاول أن نبين بعض أمهات عبادات القلوب وأهميتها وأثرها السلوكي، ثم كيفية تربية النشء عليها.

وهي تحتاج إلى صبر عظيم وتدرج، لأن الخطاب الموجه إلى القلوب يستدعي معرفة لغات القلوب.

وهذه العبادات التي سنذكرها تكاد تحصر علاقة القلب مع الله، بحيث تجعل من غيرها مما ذكره علماء السلوك فروعا دانية منها.

وهي كلها أثر من آثار المعرفة بالله والإيمان به:

1 ـ فالحب هو عبودية القلب النابعة من معرفة جميع صفات كمال الله وإحسانه وفضله.

2 ـ والشكر هو عبودية القلب النابعة من معرفة إحسان الله وكرمه وجوده.

3 ـ والصبر والرضا هما عبودية القلب النابعة من معرفة الله المبتلي الآمر الناهي.

وقيل أن نشرع في بيانها وفي كيفية تربية النشء عليها نحب أن نشير إلى مسألتين مهمتين:

الأولى: هي أن البعض يغالي في صعوبة التحقق بهذه الأنواع من العبادات، بحيث يكاد يجعل منها أمرا مستحيلا، فيشترط للتحقق بها شروطا صعبة، ويتصور أنه بدون واسطة روحي ـ مهما كانت درجته من العلم والتقوى ـ يسلم له الإنسان نفسه تسليما كليا، لا يظفر بهذه العبادات.

وهذا خطأ عظيم، لأن الله تعالى لم يكلفنا بالمستحيل، زيادة على أن تلك الشروط قد لا يظفر بها كل حين ولا لكل الناس، وما في النصوص من المعاني العظيمة كفيل بتربية النفس وتعميق هذه العبادات في القلوب خاصة إن وجدت من الصالحين من العلماء والوعاظ من يعمقها ويرسخها في نفوس العامة.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (100)

ونحن لا نعترض هنا على ضرورة وجود الواسطة الروحي المجرب، فذلك له دور كبير في اختصار السلوك، ولكنا نتصور أن هذا الواسطة الروحي لا يعني أن يكون فردا بعينه من الناس قد يرث هذه الوساطة عن أبيه أو جده، ولكنها قد تكون فكرا اجتماعيا ينشره واعظ أو يدعو إليه عالم أو يمارسه عابد بحيث يصبح معنى من المعاني الصالحة المنتشرة في المجتمع.

وقد ذكر علماء السلوك المسلمين أن مجرد الاهتمام بهذه العبادات القلبية وحب الظفر بها، بل وتكلف حصولها كاف في تحقيق هذا المحب ولو ببعض معانيها، يقول الغزالي في بيان أقسام التواجد ـ الذي هو تكلف الأحوال لا حصولها تلقائيا ـ: (وهذا التواجد المتكلف فمنه مذموم وهو الذي يقصد به الرياء وإظهار الأحوال الشريفة مع الإِفلاس منها، ومنه ما هو محمود وهو التوصل إلى استدعاء الأحوال الشريفة واكتسابها واجتلابها بالحيلة، فإن للكسب مدخلاً في جلب الأحوال الشريفة، ولذلك أمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من لم يحضره البكاء في قراءة القرآن أن يتباكى ويتحازن فإن هذه الأحوال قد تتكلف مبادئها ثم تتحقق أواخرها) (1)

واستدل لذلك بالواقع الذي يدل على أن مبادي كل شيء تنطلق من التكلف، يقول: (وكيف لا يكون التكلف سبباً في أن يصير المتكلف في الآخرة طبعاً. وكل من يتعلم القرآن أولاً يحفظه تكلفاً، ويقرؤه تكلفاً مع تمام التأمل وإحضار الذهن، ثم يصير ذلك ديدناً للسان مطرداً حتى يجري به لسانه في الصلاة وغيرها وهو غافل، فيقرأ تمام السورة وتثوب نفسه إليه بعد انتهائه إلى آخرها ويعلم أنه قرأها في حال غفلته، وكذلك الكاتب يكتب في الابتداء بجهد شديد ثم تتمرن على الكتابة يدُه فيصير الكتب له طبعاً فيكتب أوراقاً كثيرة وهو مستغرق القلب بفكر آخر)

__________

(1) إحياء علوم الدين: 2/ 256.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (101)

وانطلق من هذا الواقع الذي هو تعبير عن استعداد الفطرة البشرية بالانصباغ بصبغة ما تهتم به، إلى إمكانية السير إلى الله والتحقق بالمعاني الروحية النبيلة بمجرد تكلفها والاهتمام بها، قال: (فكذلك الأحوال الشريفة لا ينبغي أن يقع اليأس منها عند فقدها، بل ينبغي أن يتكلف اجتلابها بالسماع وغيره، فلقد شوهد في العادات من اشتهى أن يعشق شخصاً ولم يكن يعشقه فلم يزل يردد ذكره على نفسه ويديم النظر إليه ويقرّر على نفسه الأوصاف المحبوبة والأخلاق المحمودة فيه حتى عشقه ورسخ ذلك في قلبه رسوخاً خرج عن حدّ اختياره، فاشتهى بعد ذلك الخلاص منه فلم يتخلص. فكذلك حب الله تعالى والشوق إلى لقائه والخوف من سخطه وغير ذلك من الأحوال الشريفة؛ إذا فقدها الإنسان فينبغي أن يتكلف اجتلابها بمجالسة الموصوفين بها ومشاهدة أحوالهم وتحسين صفاتهم في النفس وبالجلوس معهم في السماع وبالدعاء والتضرع إلى الله تعالى في أن يرزقه تلك الحلة بأن ييسر له أسبابها)

وقد استدل الغزالي لهذا من النصوص بما كان يدعو به صلى الله عليه وآله وسلم من طلب محبة الله، قال: (ويدل على إمكان تحصيل الحب وغيره من الأحوال بالأسباب قول رسول الله في دعائه: (اللَّهُمَّ ارْزقْنِي حُبَّكَ وَحُبَّ مَنْ أَحَبَّكَ وَحُبَّ مَنْ يُقَرِّبُنِي إِلَى حُبِّكَ)، فقد فزع عليه السلام إلى الدعاء في طلب الحب)

الثانية: أن البعض قد يحتقر هذا النوع من العبادات، لتصوره أن العبادة لا تعني غير السلوكيات الظاهرة، وأن الانغماس في هذه العبادات الروحية قد يزج بصاحبه في ترهات الصوفية وشطحاتهم.

وهذا خطأ أعظم من الخطأ السابق، لأن النصوص المقدسة مليئة بالحديث عن هذه الجوانب الروحية العميقة، بل لا تعتبر التدين إلا امتلاء النفس بهذه المعاني، ولهذا قال تعالى للأعراب الذين اكتفوا برسوم الإسلام عن حقائقه، وبعباداته الظاهرة عن عباداته الباطنة:

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (102)

{قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْأِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ} (الحجرات:14)

والإيمان المراد هنا هو الإيمان الحقيقي الفاعل المؤثر الذين إذا استقر في قلوبهم جعلهم يشعرون بمنة الله عليهم بالإيمان لا إيمان الذين يمنون على الله بإيمانهم.

ولهذا حصر الله تعالى وصف الإيمان فيمن تحقق بهذاه العبادات القلبية، قال تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (لأنفال:2)

وأخبر عن المؤمنين بأنهم يحبون الله، بل هم أشد حبا لله، قال تعالى: {وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّهِ} (البقرة:165)

وعندما أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن كمال الإيمان ربطه بهذه المعاني القلبية، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد رسولا) (1)، والرضى عبادة من العبادات القلبية.

وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن حلاوة الإيمان لا تتحقق إلا لمن قدم محبة الله ورسوله على من سواهما، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ثَلاثٌ مّنْ كُنَّ فيه وجَدَ حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهمُا، وأن يُحبَّ المرءَ لا يُحبهُ إلا لله، وأن يَكرَهَ أن يعود في الكفر كما يكره أن يُقذف في النار)

بل إن العبادات الظاهرة ـ حسبما تدل النصوص ـ لا تكفي ما لم تكن مصحوبة بهذه المعاني الروحية والعبادات القلبية:

فالصلاة جسد بلا روح إن لم يصحبها الخشوع الذي هو عبادة القلب، قال تعالى في وصف المؤمنين الذين تحققوا بالفلاح: {قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ} (المؤمنون:2)، فجعل الخشوع وصفا مفرقا بين صلاة المؤنين وغيرهم.

__________

(1) رواه مسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (103)

فلذلك من الخطأ أن نعلم أبناءنا الصلاة ولا نعلمهم الخشوع، لأننا بذلك نحولهم إلى دمى متحركة لا عبادا لله.

ولن نعلمهم الخشوع إلا إذا ربيناهم على هذه العبادات الروحية، لأنها أصل الخشوع، ومادته، ومنبعه الذي منه يستقي، يقول الغزالي في بيان دور العبادات القلبية ودورها في حضور القلب وخشوعه في الصلاة: (أما التعظيم؛ فهي حالة للقلب تتولد من معرفتين، إحداهما: معرفة جلال الله عز وجل وعظمته وهو من أصول الإيمان فإن من لا يعتقد عظمته لا تذعن النفس لتعظيمه. الثانية: معرفة حقارة النفس وخستها وكونها عبداً مسخراً مربوباً حتى يتولد من المعرفتين الاستكانة والانكسار والخشوع لله سبحانه فيعبر عنه بالتعظيم، وما لم تمتزج معرفة حقارة النفس بمعرفة جلال الله لا تنتظم حالة التعظيم والخشوع، فإن المستغني عن غيره الآمن على نفسه يجوز أن يعرف من غيره صفات العظمة، ولا يكون الخشوع والتعظيم حاله لأن القرينة الأخرى وهي معرفة حقارة النفس وحاجتها لم تقترن إليه) (1)

ولهذا وصف الله تعالى عبادات الصالحين بكونها عبادات خاشعين لا عبادات متحركين، قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)، وقال تعالى: {فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ} (الانبياء:90)، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب:35)

__________

(1) إحياء علوم الدين: 1/ 152.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (104)

وهذه الصلاة التي هي أم العبادات لا تؤثر في صاحبها، فتعمق في نفسه معاني الإيمان، وتجتث منه منابع الفحشاء والمنكر إلا إذا لقحها بلقاح الخشوع.

ومثل ذلك الزكاة والصدقات، فإنها وإن كانت إنفاقا ماليا محضا، والمنتفع الأول بها هم الفقراء إلا أن الله تعالى اعتبر الرياء الذي هو فقدان الإخلاص ـ واذي هو عبادة من عبادات القلوب ـ عند أدائها محبطا لها، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ} (البقرة:264)، ثم شبه هذا الإنفاق وعدم انتفاع صاحبه به، فقال: {فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ} (البقرة:264)

وضرب مثلا على ذلك ببعض الأعراب الذين انتفى من أذهانهم الجانب التعبدي في الزكاة، فاعتبروها مغرما، فقال تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً} (التوبة:98)

وفي مقابلهم الأعراب الذين فهموا حقيقتها، فجعلوها وسيلة تقرب إلى الله، قال تعالى: {وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ} (التوبة:99)

وهكذا جميع أعمال البر لا يستقيم أمرها، ولا ينتفع بها ما لم تكن مصحوبة بعبادات قلبية تتوجه بها حقيقة إلى الله، لتنفي عنها الطقوسية الحرفية التي تحيل العبادات أجسادا بلا روح.

1 ـ عبودية الحب

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (105)

أول عبودية يسعى المربي لغرسها في قلب الولد، هي عبودية الحب، حب الله وحب الرسول صلى الله عليه وآله وسلم وحب الصالحين وحب دينه، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كان داود يقول: اللهم إني أسألك حبك وحب من يحبك، والعمل الذي يبلغني حبك؛ اللهم اجعل حبك أحب إلي من نفسي وأهلي ومن الماء البارد) (1)

وهذا يستدعي تركيز المربي على عبودية المحبة قبل أي عبودية أخرى، لأن حقيقة الإسلام السامية تبدأ من الحب لله، ومن الأنس بالله، فلا تكمل عبادة ولا يطهر سلوك إلا إذا استقى من بحر الحب، وقد قيل لعبد الواحد بن زيد: هاهنا رجل قد تعبد خمسين سنة، فقصده فقال له: يا حبيب أخبرني عنك هل قنعت به؟ قال: لا، قال أنست به؟ قال: لا، قال: فهل رضيت عنه؟ قال: لا، قال: فإنما مزيدك منه الصوم والصلاة؟ قال: نعم، قال: لولا أني أستحي منك لأخبرتك بأن معاملتك خمسين سنة مدخولة.

ولهذا قال ابن القيم: (فلو بطلت مسألة المحبة لبطلت جميع مقامات الإيمان والإحسان، ولتعطلت منازل السير إلى الله فإنها روح كل مقام ومنزلة وعمل فإذا خلا منها فهو ميت لا روح فيه ونسبتها إلى الأعمال كنسبة الإخلاص إليها بل هي حقيقة الإخلاص بل هي نفس الإسلام فإنه الاستسلام بالذل والحب والطاعة لله فمن لا محبة له لا إسلام له البتة) (2)

فالإسلام هو دين الحب السامي الذي يملأ الروح والجسد، ويتخذ من الكون كله محرابا للحب السامي، وروضة من رياض المودة.

بل إن هذ الحب هو حقيقة (شهادة أن لا إله إلا الله)، لأن الإله هو الذي يأله العباد حبا وذلا وخوفا ورجاء وتعظيما وطاعة له.

__________

(1) رواه أبو داود والترمذي والحاكم.

(2) روضة المحبين: 419.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (106)

ولا يمكن أن تستقيم أي عبودية لا تغذى بلواعج الحب، وهل تمكن الإنابة بدون المحبة والرضى والحمد والشكر والخوف والرجاء؟ وهل الصبر في الحقيقة إلا صبر المحبين فإنه إنما يتوكل على المحبوب في حصول محابه ومراضيه؟ وهكذا كل عبادات القلوب لا تستقيم ولا تكمل إلا بالحب.

زيادة على أن من امتلأ قلبه بحب الله لن تعجز في إقناعه بأي أمر من أوامر الله أو حكم من أحكامه، بل يكفي أن تخبره بأن ذلك من محاب الله أو من الأمور التي يبغضها، فيكون في ذلك أكبر داع أو صارف للطاعة، ولهذا شرط الله تعالى الطواعية المطلقة لله أثناء طاعته، وهي لا تتحقق إلا بالمحبة، قال تعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (الأحزاب:36)

ولهذا، فإن الكاذب يتخلى عن كذبه إن علم أن الله يحب الصدق، والعامل يبادر إلى عمله بإتقان إن علم أن الله يحب إذا عمل أحد عملا أن يتقنه، وهكذا في كل الأعمال، فـ (الرغبة في الله وإرادة وجهه والشوق إلى لقائه هي رأس مال العبد وملاك أمره وقوام حياته الطيبة وأصل سعادته وفلاحه ونعيمه وقرة عينه ولذلك خلق وبه أمر وبذلك أرسلت الرسل وأنزلت الكتب ولا صلاح للقلب ولا نعيم إلا بأن تكون رغبته إلى الله عز وجل وحده فيكون هو وحده مرغوبه ومطلوبه ومراده) (1)

ولهذا كانت المحبة الإلهية هي الحادي الذي حرك قلوب وجوارح الصالحين لأزكى الأعمال، يروى عن المسيح عليه السلام أنه قال: (إذا رأيت الفتى مشغوفاً بطلب الرب تعالى فقد ألهاه ذلك عما سواه)، وقال أبو سليمان الداراني: (إن لله عباداً ليس يشغلهم عن الله خوف النار ولا رجاء الجنة فكيف تشغلهم الدنيا عن الله؟)

وعندما تعجب بعض أصحاب معروف الكرخي من كثرة مجاهداته في الله

__________

(1) روضة المحبين:405.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (107)

سأله: (أخبرني يا أبا محفوظ أي شيء هاجك إلى العبادة والانقطاع عن الخلق؟ فسكت فقال: ذكر الموت، فقال: وأي شيء الموت؟ فقال: ذكر القبر والبرزخ، فقال: وأي شيء القبر؟ فقال: خوف النار ورجاء الجنة، فقال: وأي شيء هذا؟ إن ملكاً هذا كله بيده إن أحببته أنساك جميع ذلك وإن كانت بينك وبينه معرفة كفاك جميع هذا.

وقال أبو بكر الكتاني: جرت مسألة في المحبة بمكة أيام الموسم فتكلم الشيوخ فيها وكان الجنيد أصغرهم سنا فقالوا: (هات ما عندك يا عراقي) فأطرق رأسه ودمعت عيناه ثم قال: (عبد ذاهب عن نفسه متصل بذكر ربه قائم بأداء حقوقه ناظر إليه بقلبه أحرق قلبه أنوار هويته وصفا شربه من كأس وده فإن تكلم فبالله وإن نطق فمن الله وإن تحرك فبأمر الله وإن سكت فمع الله فهو بالله ولله ومع الله) فبكى الشيوخ وقالوا: (ما على هذا مزيد جبرك الله يا تاج العارفين)

انطلاقا من هذا، فإن المربي يمكن أن يضع برنامجا تربويا يؤسس على أساسه المحبة في قلب الولد لله تعالى، كذلك البرنامج الذي وضعه خال سهل بن عبد الله التستري.

وأول ما يبدأ به هذا البرنامج ما ذكرناه في أسلوب القدوة من أن يكون المربي ربانيا، لأن فاقد الشيء لا يعطيه، ولولا قيام محمد بن سوار الليل لما تنبه التستري إلى حاله الإيمانية التي جعلته مطيعا مستسلما لتوجيهه.

فلذلك كان لهج المربي بذكر الله وبذكر محبته لله وتعظيمه لله ودعائه لله أن يرزقه محبته كما كان يفعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كفيل بأن يجعل من هذا المعنى العظيم هدفا نبيلا يسعى الولد للتحقق به.

زيادة على هذا، فإن هناك بعض الأساليب التي يمكن استخدامها لتعميق محبة الله في قلب الولد منذ نعومة أظفاره، منها:

التعريف بعظمة الله وصفات كماله

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (108)

لأن كل كمال محبوب عند الفطرة السليمة، ويتحقق ذلك عن طريق التعريف بصفات الله وأسمائه الحسنى مع بيان حقائقها ومظاهرها وتعميق معانيها، فمن عرف الله تعالى أحبّه لا محالة، وهذا مشاهد في الواقع مع الخلق في تميز بعضهم على بعض ببعض القوى التي لا تنفع ولا تضر، ومع ذلك نرى الخلق مأسورين في هواهم لا يملكون من أمرهم شيئا.

ويذكر الغزالي مثلا معاصرا له، وهو ما يفعله المتعصبون للمذاهب من مظاهر تدل على مدى حبهم لأئمتهم، فقال: (حتى أنّ الرجل قد يجاوز به حبه لصاحب مذهبه حدّ العشق فيحمله ذلك على أن ينفق جميع ماله في نصرة مذهبه والذب عنه ويخاطر بروحه في قتال من يطعن في إمامه ومتبوعه، فكم من دم أريق في نصرة أرباب المذاهب) (1)

وهذا الحب المفرط البالغ درجة العشق لا يرتبط بحب الصورة، وإنما بحب الكمالات التي تصورها المحب في محبوبه، يقول الغزالي: (وليت شعري من يحب الشافعي مثلاً فلم يحبه ولم يشاهد قط صورته؟ ولو شاهده ربما لم يستحسن صورته، فاستحسانه الذي حمله على إفراط الحب هو لصورته الباطنة لا لصورته الظاهرة، فإنّ صورته الظاهرة قد انقلبت تراباً مع التراب، وإنما يحبه لصفاته الباطنة من الدين والتقوى وغزارة العلم والإحاطة بمدارك الدين وانتهاضه لإفادة علم الشرع ولنشره هذه الخيرات في العالم، وهذه أمور جميلة لا يدرك جمالها إلا بنور البصيرة، فأما الحواس فقاصرة عنها) (2)

وهكذا، فإن التعريف بكمال الله وجماله الداعي إلى محبته يكون عن طريق التعريف به تعالى سواء عن طريق دلالة المتلقي على آيات الله في الكون، وهذا ما قد يتكفل به معلمو العلوم المحضة من بيان كمالات الصنعة الإلهية الدالة على كمال الصانع.

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 299.

(2) إحياء علوم الدين: 4/ 299.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (109)

أو عن طريق آيات الله في القرآن الكريم، فالقرآن الكريم هو الكتاب الذي تجلى الله تعالى من خلاله لعباده ليعرفوه، ولكن بشرط التدبر والتفهم لمعانيه، قال تعالى: {أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} (محمد:24)، وقال تعالى: {كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ} (صّ:29)

فهذا هو المقصود الأعظم من إنزال القرآن، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يتجاوب مع كل آية بمشاعره وعواطفه دعاءً واستغفاراً ورجاءً، وكأنه يحدث الله من خلال كتابه، قال حذيفة: صليت مع الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ذات ليلة فافتتح البقرة، فقلت يركع عند المائة ثم مضى، فقلت يصلي بها في ركعة فمضى فقلت يركع بها، ثم افتتح النساء فقرأها ثم افتتح آل عمران فقرأها، يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبّح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مرّ بتعوّذ تعوّذ) (1)

التعريف بإحسان الله

فيفصل للولد نواحي فضله تعالى وبره به، فيقدم له كل خير وإحسان باعتباره هدية من الله لعباده، وذلك لأن مشاهدة بره تعالى وإحسانه وآلائه ونعمه الظاهرة والباطنة داعية إلى محبته، والقلوب قد جبلت على محبة من أحسن إليها وبغض من أساء إليها.

ولهذا روي في الأثر أن الله أوحى إلى داود عليه السلام: (يا داود أحببني وحبب عبادي إلي وحببني إلى عبادي) قال: (يا رب هذا أنا أحبك وأحبب عبادك إليك فكيف أحببك إلى عبادك؟) قال: (تذكرني عندهم فإنهم لا يذكرون مني إلا الحسن)

ولن يتكلف المربي في بيان ذلك عنتا، فإن إحسان الله على عباده ممتد في كل نفس ولحظة والعبد يتقلب في نعم الرب دائماً في كل الأحوال، وقد قال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (النحل:18)

زيادة على بيان حماية الله لعباده من كل ما يؤذيهم، قال تعالى: {لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِنْ بَيْنِ

__________

(1) رواه مسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (110)

يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ} (الرعد:11)، وقال تعالى: {قُلْ مَنْ يَكْلَأُكُمْ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِمْ مُعْرِضُونَ} (الانبياء:42)، فهو سبحانه المنعم بالكلاءة والحفظ والحراسة من كل المؤذين.

توثيق الصلة بالله

وذلك بالإكثار من النوافل والذكر، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث القدسي: (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب، وما تقرب إلي عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه، ومايزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه، فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني لأعطيينه ولأن استعاذني لأعيذنّه) (1)

ولهذا وصف الله تعالى عباده الصالحين في القرآن الكريم بدوام الطاعة واللجوء إلى الله، فمن أوصافهم أنهم {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ} (السجدة:16) ومن أوصافهم أنهم {كَانُوا قَلِيلاً مِنَ اللَّيْلِ مَا يَهْجَعُونَ} (الذريات:17)

ونحن لا ندعو هنا إلى العمل بحرفية هذه النصوص ـ خاصة مع الصغار ـ ولكنا نقول بأن مجرد انشغال الخاطر بحب عبادة الله والتفرغ لها يمكن أن يؤثر في إقرار المحبة لله في النفس خاصة إن صاحبها العزم الصادق، أو صاحبها التفرغ في بعض الأحيان، كأن يقوم الوالد مع والده بدورة روحية يكثر فيها من النوافل والذكر لتكون زادا إيمانيا يشحن الطاقات.

منشطات السلوك

من حكايات الصالحين، وأشعار المحبين، والأناشيد التي تحمل هذه المعاني الجليلة،

__________

(1) رواه البخاري: 8/ 131.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (111)

فكلها له تأثيره التربوي العظيم في تعميق هذه المعاني في النفس.

يقول الغزالي عن هذا السبيل: (ومن أسبابها، السماع ومجالسة الصالحين والخائفين والمحسنين والمشتاقين والخاشعين، فمن جالس شخصاً سرت إليه صفاته من حيث لا يدري) (1)

ولهذا كان المجاهدون يستثيرون داعية الغزو بالتشجيع وتحريك الغيظ والغضب على الكفار وتحسين الشجاعة واستحقار النفس والمال بالإِضافة إليه بالأشعار المشجعة، كما قال المتنبي:

فإنْ لا تمت تحت السيوف مكرَّماً... تمت وتقاسِ الذلَّ غير مكرَّمِ

وقوله:

يرى الجبناءُ أنَّ الجبنَ حزمٌ... وتلك خديعةُ الطبعِ اللئيمِ

بل قد كان الصحابة يرتجزون في الجهاد وغيره لبث الحماس والنشاط، ومن ذلك ما روي عن البراء قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الخندق ينقل التراب حتى وارى التراب شعر صدره وهو يرتجز برجز عبد الله بن رواحة يقول (2):

اللهم لولا أنت ما اهتدينا... ولا تصدقنا ولا صلينا

فأنزلن سكينة علينا... وثبت الأقدام إن لاقينا

إن الأولى قد بغوا علينا... وإن أرادوا فتنة أبينا

ولهذا يمكن أن يوضع لهذا الأسلوب التربوي من الأناشيد ما يثبت معاني المحبة لله في القلوب، خاصة ونحن في عصر يكاد يقصر فيه استعمال المحبة على المحبة الشهوانية التي تنحرف بالفطرة البشرية انحرافا عظيما، وتحول العبد من عبودية الله إلى عبودية الهوى.

__________

(1) إحياء علوم الدين: 2/ 256.

(2) رواه البخاري: 5/ 140.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (112)

ولهذا كان من أهم الوسائل التي يقضى بها على هذا الحب الشاذ، هو تعميق معاني الحب الإيماني البديل، لأن الحب طاقة لا يمحوه إلا مثله أو أعظم منه، كما قال الشاعر:

كانت لقلبي أهواء مفرقةٌ... فاستجمعت مذ رأتك العين أهوائي

فصار يحسدني من كنت أحسده... وصرت مولى الورى مذ صرت مولائي

تركت للناس دنياهم ودينهم... شغلاً بذكرك يا ديني ودنيائي

وكما روي عن بشر بن الحارث أنه قال يحكي عن نفسه: مررت برجل وقد ضرب ألف سوط في شرقية بغداد ولم يتكلم ثم حمل إلى الحبس، فتبعته فقلت له: لم ضربت؟ فقال: لأني عاشق، فقلت له: ولم سكت؟ قال: لأنّ معشوقي كان بحذائي ينظر إليَّ، فقلت: فلو نظرت إلى المعشوق الأكبر قال: فزعق زعقة خرّ ميتاً.

2 ـ عبودية الشكر

وهو الثناء على المحسن بما أولاه من معروف، أو هو بعبارة أشمل (ظهور أثر النعم الإلهية على العبد في قلبه إيماناً، وفي لسانه حمداً وثناءً، وفي جوارحه عبادة وطاعة)

ويشير إلى أهمية تربية الأبناء على شكر الله من القرآن الكريم من موعظة لقمان (1) عليه السلام قوله تعالى: {وَوَصَّيْنَا الْأِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ} (لقمان:14)، فقد بدأ لقمان عليه السلام بشكر الله، ثم عقب عليه شكر الوالدين، وفي ذلك إشارة تضاف إلى ما سبق ما ذكرنا من ضرورة الاهتمام بتنمية

__________

(1) اختلف المفسرون في هذه الآية والتي بعدها هي اعتراض بين أثناء وصية لقمان - عليه السلام -، أو هي مما أوصى به لقمان - عليه السلام - ابنه؛ أخبر الله به عنه؛ أي قال لقمان لابنه: (لا تشرك بالله ولا تطع في الشرك والديك، فإن الله وصى بهما في طاعتهما مما لا يكون شركا ومعصية لله تعالى) وكلا المعنيين محتمل، وإن كان الكثير من المفسرين رجحوا كونها من غير كلام لقمان - عليه السلام - بناء على أن هاتين الآيتين نزلتا في شأن سعد بن أبي وقاص، ولا نرى تعارضا بين نزولها في شأن سعد وبين اعتبار هذا الكلام من كلام لقمان - عليه السلام -.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (113)

معاني العبادات القلبية في نفوس النشء.

وعلى طريقة الفقهاء في استنباط الأدلة على الأحكام الشرعية نقول: إن كل النصوص تدل على وجوب شكر الله، وهي من القطعية في الوضوح والدلالة ما لا يقل عن أدلة أركان الدين وأصوله، فلذلك نرى من المستغرب أن نهتم باعتبار الصلاة والصيام وغيرها واجبات نحرص عليها، ونتفنن في طرق تعليمها وتدريب الأبناء عليها، ثم لا نهتم بهذا الركن الركين من أركان الدين.

ولا بأس من سوق بعض الأدلة هنا على هذا:

فالله تعالى يأمر بالشكر بصيغة الجزم، قال تعالى: {فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ} (البقرة:152)، بل نرى أنه جعل عدم الشكر كفرا، كما قال تعالى في الآية الأخرى: {إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} (الزمر:7)

بل جعل الشكر من دلائل العبادة الصحيحة، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُوا لِلَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (البقرة:172)، وقال تعالى: {فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالاً طَيِّباً وَاشْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ} (النحل:114)

بل رتب العقوبة العظيمة على عدم الشكر، فقال تعالى: {مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً} (النساء:147)، وقال تعالى: {وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ} (ابراهيم:7)

ولذلك فإن القول بفرضية عبادة الشكر تجعل من الواجبات على الولي أن يربي ولده عليه، ومن واجبات جميع المؤسسات المكلفة برعاية النشء وتربيتهم تعميق معاني الشكر في نفوس الأولاد.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (114)

وقبل أن نسرد بعض الطرق التي تعمق معنى هذه العبادة في النفس نحب أن نبين أن لهذه العبادة تأثيرها العظيم على السلوك الديني والأخلاقي والاجتماعي.

وقد سبق أن ذكرنا في تعريف الشكر أنه ظهور أثر النعم الإلهية على العبد في قلبه إيماناً، وفي لسانه حمداً وثناءً، وفي جوارحه عبادة وطاعة.

وهذا الركن الأخير هو الذي نقصده بالآثار السلوكية لهذه العبادة القلبية، قال الغزالي في بيان حقيقة هذا الركن والأفعال التي يمكن أن تصدر كأثر من آثار الشكر القلبي: (وهذا العمل يتعلق بالقلب وباللسان وبالجوارح أما بالقلب فقصد الخير وإضماره لكافة الخلق. وأما باللسان فإظهار الشكر لله تعالى بالتحميدات الدالة عليه، وأما بالجوارح: فاستعمال نعم الله تعالى في طاعته والتوقي من الاستعانة بها على معصيته، حتى إن شكر العينين: أن تستر كل عيب تراه لمسلم، وشكر الأذنين: أن تستر كل عيب تسمعه فيه، فيدخل هذا في جملة شكر نعم الله تعالى بهذه الأعضاء والشكر باللسان: لإظهار الرضا عن الله تعالى وهو مأمور به) (1)

بعد هذا، فإن من الأساليب التربوية التي تعمق معنى الشكر في نفوس الأولاد:

التأمل في نعم الله

لأن الله تعالى جعل هذه النعم أسبابا لدعوة العباد إلى شكره تعالى، ولهذا قال إبراهيم عليه السلام في دعائه: {وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ} (ابراهيم:37)، فدعا الله تعالى أن يرزقهم من الثمرات ليكون ذلك علة لشكرهم.

ولهذا يختم الله تعالى الآيات الذاكرة لفضله على عباده ومننه عليهم بهذه الفاصلة: {لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ}، كما قال تعالى في نهاية ذكر النعم المودعة في البحار: {وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْماً طَرِيّاً وَتَسْتَخْرِجُوا مِنْهُ حِلْيَةً تَلْبَسُونَهَا وَتَرَى الْفُلْكَ مَوَاخِرَ فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 72.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (115)

مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:14)

وقال في نعمة تسخير الحيوانات للإنسان: {وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (الحج:36)

وقال في نعمة الليل والنهار: {وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (القصص:73)

وقال في نعمة الإدراك: {وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (النحل:78)

وقال في نعمة العفو عن الخطيئة: {ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:52)

وقال في نعمة بعث بني إسرائيل، وفيه إشارة إلى نعمة البعث مطلقا: {ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:56)

وقال في نعمة النصر: {وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (آل عمران:123)

وقال في نعمة التمكين في الأرض: {وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} (لأعراف:10)

وقال في نعمة التأييد والنصر والإيواء: {وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (لأنفال:26)

بل إن هذه العلة أصل في الأحكام التشريعية، لأنها أيضا ـ بمنطق القرآن الكريم ـ من نعم الله على عباده، فلذلك قال تعالى بعد الأمر بصيام رمضان: {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (116)

وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (البقرة:185)

وقال في نهاية الأمر بتشريعات الطهارة: {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:6)

وقال في نهاية أحكام لغو اليمين: {ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} (المائدة:89)

عبادة إحصاء النعم

وهي من العبادات التي تنفتح نوافذها على محبة الله وشكره، بل التحقق بأكثر مقامات الإيمان، وبهذه العبودية يحفظ الولد من بلاء عد الأموال الذي ذمه الله تعالى في قوله: {الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ} (الهمزة:2)

وقد أشار إلى هذه العبادة قوله تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ} (ابراهيم:34)، وهذه الآية تشير إلى الصنف الغافل عن عد نعم الله، أو الغائب بالنعم عن المنعم.

وقال تعالى: {وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ} (النحل:18)، وهي تخاطب المؤمن الذي يجد نفسه عاجزا عن عد نعم الله، فيستنجد بمغفرة الله ورحمته.

وإليها الإشارة الصريحة بقوله تعالى: {وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ} (الضحى:11)، أي انشر ما أنعم اللّه عليك بالشكر والثناء، والتحدث بنعم اللّه، والاعتراف بها،

ولهذا ذم الله تعالى الغافلين عن النعم التاركين للشكر، فقال: {إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَشْكُرُونَ} (يونس:60)، وقال تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً مَا تَشْكُرُونَ} (المؤمنون:78)

وأخبر تعالى أن هذا حال الكافرين، قال تعالى: {يَعْرِفُونَ نِعْمَتَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (117)

وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ} (النحل:83)

وقد كان من سنة السلف التحدث بنعم الله، ولو كانت من باب العبادات لأمنهم من الرياء من جهة، ولاعتبارها من أعظم نعم الله عليهم، وقد عبر عن هذا السلوك الإمام الحسن بقوله: (إذا أصبت خيرا، أو عملت خيرا، فحدث به الثقة من إخوانك) (1)

ومثل ذلك ظهور النعم على حال العبد، وقد روي عن مالك بن نضلة الجشمي قال: كنت عند رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم جالسا، فرآني رث الثياب فقال: (ألك مال؟)، قلت: (نعم، يا رسول اللّه، من كل المال)، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا آتاك اللّه مالا فلير أثره عليك) (2)

ولهذا كان السلف يسأل بعضهم بعضا عن حاله، يقصد من ذلك استخراج شكر الله، والتحدث بنعم الله، ومن ذلك ما يروى عن بعضهم أنه قال لأخيه: (كَيْفَ أَصْبَحْتُ؟) قال: (بخير)، فأعاد السؤال حتى قال في الثالثة: (بخير أحمد الله وأشكره)، فقال: (هذا الِّذِي أَرَدْتُ مِنْكَ)،

قال الغزالي: (وكان السلف يتساءلون ونيتهم استخراج الشكر لله تعالى ليكون الشاكر مطيعاً والمستنطق له به مطيعاً وما كان قصدهم الرياء بإظهار الشوق، وكل عبد سئل عن حال فهو بين أن يشكر أو يشكو أو يسكت؛ فالشكر طاعة والشكوى معصية قبيحة من أهل الدين، وكيف لا تقبح الشكوى من ملك الملوك وبيده كل شيء إلى عبد ملوك لا يقدر على شيء؛ فالأحرى بالعبد إن لم يحسن الصبر على البلاء والقضاء وأفضى به الضعف إلى الشكوى أن تكون شكواه إلى الله تعالى، فهو المبلي والقادر على إزالة البلاء. وذل العبد لمولاه عز، والشكوى إلى غيره ذل؛ وإظهار الذل للعبد مع كونه عبداً مثله ذل قبيح) (3)

__________

(1) رواه ابن جرير.

(2) رواه النسائي.

(3) إحياء علوم الدين: 4/ 84.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (118)

ونحب أن ننبه هنا إلى أن من الأخطاء التربوية ربط الحمد على النعم الحادثة دون النعم المستقرة المستمرة، لأن ذلك قد يشوه معنى الحمد في قلب المتلقي، فيتصور أن النعم محصورة فيما يراه لا أنها تشمل كل شيء.

ولهذا قال الإمام علي: (إنّ لله تعالى عقوبات بالفقر ومثوبات بالفقر؛ من علامات الفقر إذا كان مثوبة أن يحسن عليه خلقه ويطيع به ربه ولا يشكو حاله، ويشكر الله تعالى على فقره، ومن علاماته ـ إذا كان عقوبة ـ أن يسوء عليه خلقه ويعصي ربه بترك طاعته ويكثر الشكاية ويتسخط القضاء)

وهذا يدل على أن شكر الله يكون في حال الفقر والغني، ولا ينحصر في حال الغنى وحده.

بل ورد ما هو أخطر من ذلك، فقد ورد الترغيب في حمد الله حتى في الحالة التي يبلغ فيها الحزن بالإنسان منتهاه، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا مات ولد العبد قال الله تعالى لملائكته: قبضتم ولد عبدي؟ فيقولون: نعم، فيقول: قبضتم ثمرة فؤاده؟ فيقولون: نعم، فيقول: فماذا قال عبدي؟ فيقولون: حمدك واسترجع، فيقول الله تعالى: ابنوا لعبدي بيتا في الجنة وسموه بيت الحمد) (1)

فالحمد عبادة ذاتية لله لا تتعلق بتقلبات المقادير وتصاريف الأحوال، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم ـ وهو الذي كان يعصب الحجر على بطنه من الجوع ـ يحمد الله على نعمة طعام قد نمتلئ حزنا إذا ما قدم إلينا، ويحمد الله على نعمة العافية وهو محفوف بأنواع المخاطر التي تريد أن تجتثه من أصوله.

ولهذا، فإن تعريف المتلقي أنواع النعم ومحاولة إحصائها له دور كبير في تحقيقه بهذه العبادة، لأن الشكر ينطلق من معرفة النعمة منسوبة إلى خالقها.

__________

(1) رواه الترمذي وقال: هذا حديث حسن غريب.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (119)

وقد اهتم العلماء بتعداد النعم وتصنيفها، ولهم طرق كثيرة في ذلك:

منها: ردها إلى أصولها، فالنعم أصول وفروع، فالصحة نعمة أصلية، يتفرع عنها: الحركة، والمشي، والعمل، والرياضة، والأكل، والشرب، والنوم، والسفر، والتعلم.. ومثل الصحة: الوقت، والعلم، والمال.. فهي نعم أصلية تندرج تحت كل واحدة نعم لا تحصى.

وقد كتب الغزالي فصولا طويلة في تصنيف النعم، ومن التصنيفات التي ذكرها (أن الأسباب الدنيوية مختلطة قد امتزج خيرها بشرها، فقلما يصفو خيرها كالمال والأهل والولد والأقارب والجاه وسائر الأسباب، ولكن تنقسم إلى ما نفعه أكثر من ضره كقدر الكفاية من المال والجاه وسائر الأسباب، وإلى ما ضره أكثر من نفعه في حق أكثر الأشخاص كالمال الكثير والجاه الواسع، وإلى ما يكافاء ضرور نفعه وهذه أمور تختلف بالأشخاص؛ فرب إنسان صالح ينتفع بالمال الصالح وإن كثر فينفقه في سبيل الله ويصرفه إلى الخيرات، فهو مع هذا التوفيق نعمة في حقه، ورب إنسان يستضر بالقليل أيضاً إذ لا يزال مستصغراً له شاكياً من ربه طالباً للزيادة عليه، فيكون ذلك مع هذا الخذلان بلاء في حقه) (1)

ومنها أنّ النعمة يعبر بها عن كل لذيذ، واللذات بالإضافة إلى الإنسان من حيث اختصاصه بها أو مشاركته لغيره ثلاثة أنواع: عقلية، وبدنية مشتركة مع بعض الحيوانات، وبدنية مشتركة مع جميع الحيوانات:

أما العقلية فكلذة العلم والحكمة، إذ ليس يستلذها السمع والبصر والشم والذوق ولا البطن ولا الفرج،

أما الثانية: فهي لذة يشارك الإنسان فيها بعض الحيوانات كلذة الرئاسة والغلبة والاستيلاء، وذلك موجود في الأسد والنمر وبعض الحيوانات.

وأما الثالثة: فهي ما يشارك فيها سائر الحيوانات كلذة البطن والفرج، وهذه أكثرها

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 100.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (120)

وجوداً وهي أخسها، ولذلك اشترك فيها كل ما دبّ ودرج حتى الديدان والحشرات.

ومن جاوز هذه الرتبة تشبثت به لذة الغلبة، وهو أشدّها التصاقاً بالمتغافلين، فإن جاوز ذلك ارتقى إلى الثالثة فصار أغلب اللذات عليه لذة العلم والحكمة، لا سيما لذة معرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وأفعاله، وهذه رتبة الصدّيقين (1).

وقد كتب بعض المعاصرين مصنفا النعم التي تصيب الإنسان إلى ثلاث أصناف أساسية هي (2):

النعم المرتبطة بالخلق: وتشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا مخلوقات، فهي نعم متفرعة عن نعمة الخلق والإيجاد، وهي تشمل سلسلة لا تنتهي من الترتيبات الكونية جعلت حياتنا على هذا الكوكب ممكنة، وقد عرف الإنسان اليوم ما لم يكن يعرفه أسلافه عن هذه الترتيبات، وعرف من دقتها أن أي خلل يقع في واحد منها يجعل الحياة على الأرض مستحيلة..

ومن الأمثلة على ذلك أنه لو كانت الأرض أقرب إلى الشمس مما هي عليه الآن لكانت كالكواكب القريبة منها كوكباً ملتهباً وساخناً تصل حرارته إلى بضع مئات، ولو كان القمر أقرب إلى الأرض منه الآن لارتفع المد في البحار إلى الدرجة التي تغرق فيها المناطق الساحلية المأهولة، وإذا زاد المد أزالت الأمواج أعلى قمم الجبال في أيام، ولو لم يكن للأرض غلاف هوائي لم يمكن وجود حياة، ولو لم يكن فيها ماء لم يظهر كائن حي واحد، ولو لم تكن تدور على نفسها وحول الشمس لم يمكن بقاؤها في مدارها، بل إن وقوفوها للحظة واحدة يعني اجتذاب الشمس لها وفناءها السريع بالاندماج مع هذا النجم المشتعل الذي يزود الأرض بحاجتها من الضوء وهو على بعد مئة وخمسين مليوناً من الكيلومترات..

__________

(1) انظر: إحياء علوم الدين: 4/ 89.

(2) انظر: د. محمد عز الدين توفيق، فضيلة الشكر.. العملة النادرة في هذا العصر، مجلة البيان: 114، ص:68.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (121)

والأمثلة لا تحصى.

النعم المرتبطة بالنوع: وهي تشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا آدميين، فهي نعم متفرعة عن نعمة الآدمية والإنسانية، ومنها: أنه تعالى خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه، وأسجد له ملائكته، وجعله عاقلاً ناطقاً، وسخر له ما في السموات والأرض، وأنزل إليه الكتب، وبعث إليه الرسل، ووعده على الإيمان والطاعة بالجنة.

فهذه الشمس، وهذا القمر، وهذه النجوم، والجبال، والبحار، والأنهار والأشجار، والدواب، والأنعام، والأسماك، والمعادن، والثمار.. كلها سخرة له، يأكل، ويلبس، ويفترش، ويدخر، ويتنزه.. فتمت نعمة الله عليه بما أعطاه من قدرة على التسخير، وبما جعل في هذا الكون من استعداد للتسخير.

النعم المرتبطة بالهداية: وتشمل النعم التي أنعم الله بها علينا بوصفنا مسلمين، فهي نعم متفرعة عن نعمة الهداية والإيمان، وأعظمها في الدنيا هي: نعمة الإيمان نفسه، وأعظمها في الآخرة: رضوان الله تعالى ورؤيته، وجواره في جنته، وصحبة الأنبياء والصديقين والشهداء والصالحين من عباده، كما قال تعالى: {يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ} (الحجرات:17)، وقال تعالى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْأِسْلامَ دِيناً} (المائدة:3)

وتتفرع عن نعمة الهداية والإيمان نعم كثيرة، منها: الأمن، والسكينة، والمغفرة، والرحمة، والتيسير، والرزق الواسع، والبركة في المال والعمل والأهل، وغيرها كثير.

أذكار الشكر

لأجل الإعانة على إحصاء النعم وردت الأذكار الكثيرة الدالة على حمد الله على نعمه المختلفة، وهذه الأذكار لها دورها التربوي الكبير، ذلك لأن تحفيظها للصغير من أول

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (122)

نشوئه، وتعليمه معانيها، والحرص على تنفيذه لها له له أثر في تحقيقه بمعانيها، كما رأينا مثل ذلك مع سهل التستري.

وذلك لأن جوهر قلب الصبي لا يزال محفوظا من أدران الشبهات والشهوات، فلذلك سرعان ما ينصبغ بصبغة ما يلتزمه أو يداوم عليه.

فلذلك يمكن للوالد الصالح أن يجمع أبناءه على هذه الأذكار فيدعون بها جماعة في أوقاتها باستغراق واستشعار لمعانيها، لتفعل فعلها بعد ذلك بالتدريج.

ولا بأس أن نذكر هنا بعض هذه الأذكار، كنماذج للمعاني الروحية العميقة التي تقررها في النفس، وخاصة معنى الشكر الذي نحن بصدده.

ففي الصباح عندما يستيقظ ينبه إلى حمد ربه على نعمة استيقاظه كما يحمده على نومه، فقد كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا أوى إلى فراشه قال: (باسمك اللهم أحيا وأموت؛ وإذا استيقظ قال: الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) (1)

ويعدد صلى الله عليه وآله وسلم في ذكر آخر بعض هذه النعم التي تستحق الحمد، فيقول صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا استيقظ أحدكم فليقل: الحمد لله الذي رد علي روحي، وعافاني في جسدي، وأذن لي بذكره) (2)

وفي ذكر آخر يقال عند الاستيقاظ من الليل يعدد نعما أخرى، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من رجل ينتبه من نومه فيقول: الحمد لله الذي خلق النوم واليقظة، الحمد لله الذي بعثني سالما سويا، أشهد أن الله يحيي الموتى وهو على كل شيء قدير. إلا قال الله تعالى: صدق عبدي) (3)

فإذا طلعت شمس اليوم حمد الله على طلوعها، وعلى فضل الله باليوم الجديد، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا طلعت الشمس قال: (الحمد لله الذي جللنا اليوم عافيته، وجاء بالشمس، من

__________

(1) رواه البخاري.

(2) رواه ابن السني بإسناد صحيح.

(3) رواه ابن السني.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (123)

مطلعها، اللهم أصبحت أشهد لك بما شهدت به لنفسك، وشهدت به ملائكتك وحملة عرشك وجميع خلقك إنك أنت الله لا إله إلا أنت القائم بالقسط، لا إله إلا أنت العزيز الحكيم، اكتب شهادتي بعد شهادة ملائكتك وأولي العلم، اللهم أنت السلام ومنك السلام وإليك السلام، أسألك يا ذا الجلال والإكرام أن تستجيب لنا دعوتنا، وأن تعطينا رغبتنا، وأن تغنينا عمن أغنيته عنا من خلقك، اللهم أصلح لي ديني الذي هو عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معيشتي، وأصلح لي آخرتي التي إليها منقلبي) (1)

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يقول إذا أصبح: (أصبحنا وأصبح الملك لله عز وجل، والحمد لله، والكبرياء والعظمة لله، والخلق والأمر والليل والنهار وما سكن فيهما لله تعالى، اللهم! اجعل أول هذا النهار صلاحا، وأوسطه نجاحا وآخره فلاحا، يا أرحم الراحمين) (2)

فإذا أمسى كان أول ما يذكره هو حمد ربه تعالى، فيقول: (أمسينا وأمسى الملك لله، والحمد لله لا إله إلا الله وحده لا شريك له) (3)

فإذا جاء الشهر الجديد حمد الله على نعمة الله بقدومه، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا رأى الهلال قال: (هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، هلال خير ورشد، آمنت بالله الذي خلقك، ثلاث مرات، ثم يقول: الحمد لله الذي ذهب بشهر كذا وجاء بشهر كذا) (4)

وكان يتذكر في كل نعمة المنعم بها، بل يسبق ذكر المنعم النعمة:

فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يذكر نعمة الصورة، ويحمد الله المصور، فكان إذا نظر في المرآة قال: (الحمد لله، اللهم كما حسنت خلقي فحسن خلقي) (5)

__________

(1) رواه ابن السني.

(2) رواه ابن السني.

(3) رواه مسلم.

(4) رواه أبو داود.

(5) رواه ابن السني.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (124)

وكان صلى الله عليه وآله وسلم يأمر بحمد نعمة العافية إذا رؤي المبتلون، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من رأى مبتلى فقال: الحمد لله الذي عافاني مما ابتلاك به وفضلني على كثير ممن خلق تفضيلا، لم يصبه ذلك البلاء) (1)

فإذا حضر الطعام حمد الله على نعمة الطعام، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا فرغ من طعامه قال: (اللهم أطعمت وسقيت وأغنيت وأقنيت وهديت وأحسنت، فلك الحمد على ما أعطيت)، وكان يقول: (الحمد لله الذي من علينا وهدانا، والذي أشبعنا وأروانا، وكل الإحسان آتانا) (2)

فإذا رزق الثوب الجديد حمد الله على هذا الرزق، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من لبس ثوبا جديدا فقال: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي وأتجمل به في حياتي، ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به، كان في حفظ الله، وفي كنف الله عز وجل، وفي ستر الله حيا وميتا) (3)

بل كان صلى الله عليه وآله وسلم يتعامل مع هذا الجديد معاملة خاصة دالة على مبلغ الشعور بالنعمة، فقد كان إذا استجد ثوبا سماه باسمه عمامة أو قميصا أو رداء ثم يقول: (اللهم لك الحمد أنت كسوتنيه، أسألك خيره وخير ما صنع له، وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له) (4)

وفي حديث آخر يجمع بين الحمد والتبري من الحول والقوة ليخلص الحمد بذلك لله تعالى، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (من لبس ثوبا فقال: الحمد لله الذي كساني هذا الثوب ورزقنيه من غير حول مني ولا قوة، غفر الله له ما تقدم من ذنبه) (5)

فإذا رجع إلى بيته كان أول ما يقول: (الحمد لله الذي كفاني وآواني، والحمد لله الذي

__________

(1) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن.

(2) رواه ابن السني.

(3) رواه الترمذي.

(4) رواه أبو داود (4020) والترمذي (1767)

(5) رواه ابن السني (272)، وقال الحافظ ابن حجر: إسناد الحديث حسن.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (125)

أطعمني وسقاني، والحمد لله الذي من علي، أسألك أن تجيرني من النار) (1)

فإذا عبد الله حمد الله على نعمة التوفيق، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا أفطر قال: (الحمد لله الذي أعانني فصمت، ورزقني فأفطرت) (2)

بل امتد حمد الله في الأذكار الشرعية حتى شمل نعمة الخلاء، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم إذا خرج من الخلاء قال: (الحمد لله الذي أذاقني لذته، وأبقى في قوته، ودفع عني أذاه)، وفي ذكر آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (غفرانك، الحمد لله الذي أذهب عني الأذى وعافاني) (3)

وبما أن الأحوال لا نهاية لها، ولا يمكن إحصاؤها، فقد ورد الأمر بحمد لله في كل الأحوال، واعتبار العمل الخالي من الحمد ممحوق البركة، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله أقطع) (4)

بالإضافة إلى كل هذا وردت الأذكار الكثيرة في حمد الله مقرونة بالنعم أو مطلقة لتشمل كل النعم، وورد الجزاء الجليل عليها، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لأن أقول سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، أحب إلي مما طلعت عليه الشمس)، وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن: (أحب الكلام إلى الله تعالى أربع: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، لا يضرك بأيهن بدأت) (5)

ووردت هذه الأذكار مقرونة بالأعداد الضخمة كبديل عن الإحصاء المعجز، عن جويرية أم المؤمنين، أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم خرج من عندها بكرة حين صلى الصبح، وهي في مسجدها، ثم رجع بعد أن أضحى، وهي جالسة فيه، فقال: (ما زلت اليوم على الحالة التي

__________

(1) رواه ابن السني.

(2) رواه ابن السني.

(3) رواه أبو داود (30)، والترمذي (7)، وابن ماجه (300)

(4) الأربعين للحافظ عبد القادر الرهاوي.

(5) رواه مسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (126)

فارقتك عليها؟ قالت: نعم، فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: لقد قلت بعدك أربع كلمات ثلاث مرات لو وزنت بما قلت منذ اليوم لوزنتهن: سبحان الله وبحمده عدد خلقه، ورضا نفسه، وزنة عرشه، ومداد كلماته) (1)

وهكذا نجد الأدعية الكثيرة الواردة عن ورثة النبي صلى الله عليه وآله وسلم من أهل بيته الطيبين الطاهرين الذين تركوا لنا الكثير من الأدعية والمناجيات التي تساهم في تعليم الشكر، ومنها مناجاة الشاكرين المروية عن الإمام السجاد، والتي يقول فيها: (إلهي أذهلني عن إقامة شكرك تتابع طولك، وأعجزني عن إحصآء ثنآئك فيض فضلك، وشغلني عن ذكر محامدك ترادف عوآئدك، وأعياني عن نشر عوارفك توالي أيديك، وهذا مقام من اعترف بسبوغ النعمآء، وقابلها بالتقصير، وشهد على نفسه بالإهمال والتضييع، وأنت الرؤوف الرحيم البر الكريم، الذي لا يخيب قاصديه، ولا يطرد عن فنآئه آمليه، بساحتك تحط رحال الراجين، وبعرصتك تقف آمال المسترفدين، فلا تقابل آمالنا بالتخييب والإياس، ولا تلبسنا سربال القنوط والإبلاس)

ويقول فيها: (إلهي تصاغر عند تعاظم آلائك شكري، وتضاءل في جنب إكرامك إياي ثنآئي ونشري، جللتني نعمك من أنوار الإيمان حللا، وضربت علي لطآئف برك من العز كللا، وقلدتني منك قلائد لا تحل، وطوقتني أطواقا لا تفل، فآلاؤك جمة ضعف لساني عن إحصائها، ونعمآؤك كثيرة قصر فهمي عن إدراكها فضلا عن استقصآئها، فكيف لي بتحصيل الشكر، وشكري إياك يفتقر إلى شكر، فكلما قلت: لك الحمد، وجب علي لذلك أن أقول: لك الحمد)

ويقول فيها: (إلهي فكما غذيتنا بلطفك، وربيتنا بصنعك، فتمم علينا سوابغ النعم، وادفع عنا مكاره النقم، وآتنا من حظوظ الدارين أرفعها وأجلها عاجلا وآجلا، ولك

__________

(1) رواه مسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (127)

الحمد على حسن بلائك وسبوغ نعمآئك حمدا يوافق رضاك، ويمتري العظيم من برك ونداك، يا عظيم يا كريم، برحمتك يا أرحم الراحمين)

3 ـ عبودية الصبر

وهي من أهم العبادات التي تتعلق التربية الصحية للأولاد بها، ولذلك ورد في موعظة لقمان عليه السلام لابنه قوله تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17)

فقد ختم الله بالأمر بالصبر جملة من العبادات التي لا يستقيم دين المرء إلا بها، وهي الصلاة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، قال تعالى على لسان لقمان عليه السلام: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ} (لقمان:17)، وفي ذلك دلالة على افتقار كلا العبادتين إلى الصبر.

انطلاقا من الأهمية العظمى للتربية على الصبر نحاول هنا أن نذكر أهم ما يتعلق به من أحكام وثمرات وطرق تربوية ترسخ حقيقته في نفوس الأولاد، فقد وصف الله الصابرين بأوصاف وخصّهم بخصائص لم تكن لغيرهم، وذكر الصبر في نحو تسعين موضعاً من الكتاب الكريم، وأضاف أكثر الدرجات والخيرات إلى الصبر وجعلها ثمرة له.

وقد اتفق العلماء على أن أصل الصبر واجب، لأنه لا يستقيم التعامل التعبدي مع الله بدون الصبر، ويدل على هذا الوجوب أدلة كثيرة.

منها ورود النصوص بصيغة الأمر الجازم، وهي تفيد الوجوب، كما قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200)

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (128)

ومنها ورود النصوص بالنهي عن ضد الصبر من الاستعجال والضجر والجزع وغيرها، ومن ذلك قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ وَلا تَسْتَعْجِلْ لَهُمْ} (الاحقاف:35)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ} (لأنفال:15)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (محمد:33)، بل إن النصوص الآمرة بالالتزام بطاعة الله تعالى هي في حقيقتها آمرة بالصبر لافتقار الصبر للثبات على الالتزام.

ومنها أن الله تعالى حكم بالخسران على من لم يكن من أهل الصبر فقال تعالى أولا: {إِنَّ الْأِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ} (العصر:2)، ثم استثنى أصحاب الصفات التالية: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر:3)، ومثل ذلك تخصيص الله تعالى أصحاب اليمين بأنهم أهل الصبر والمرحمة فقال تعالى: {ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ} (البلد:17)

ومنها اقتران الصبر بأركان الإسلام ومقامات الإيمان والإحسان، وهي كلها من الفرائض، وفي ذلك دليل على اقترانه معها في حكم الوجب، ومن ذلك:

1 ـ اقتران الصبر بالصلاة كما قال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)

2 ـ اقتران الصبر بالأعمال الصالحة، كما قال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (هود:11)

3 ـ اقتران الصبر بالتقوى، كما قال تعالى: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف:90)

4 ـ اقتران الصبر بالتواصي بالحق، كما قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ} (العصر:3)

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (129)

5 ـ اقتران الصبر بالرحمة، كما قال تعالى: {وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَة} (البلد:17)

6 ـ اقتران الصبر باليقين، كما قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24)

7 ـ اقتران الصبر بكثير من أعمال البر، كما قال تعالى: {إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً} (الأحزاب:35)، وقال تعالى: {الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ} (آل عمران:17)

ومع هذه الأدلة الكثيرة وغيرها، فإن الصبر قد يكون مستحبا في بعض الأحوال، وذلك فيما لو كان الصبر عن أمر مستحب، ومما يدل على ذلك قوله تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (النحل:126)، في هذه الآية تخيير للمؤمن بين عقوبة من ظلمه، كما قال تعالى في الاية الأخرى: {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} (البقرة:194)، وبين الصبر مع اعتباره هو الأفضل، ولذلك وصفه بالخيرية وعقب عليها بقوله تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ} (النحل:127)

بناء على هذا فإن تمرين الأولاد على الصبر لله وبالله، كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا بِاللَّهِ} (النحل:127) له تأثيره التربوي الكبير على سلوكه الروحي والأخلاقي والاجتماعي، لأن كل ذلك يفتقر إلى الصبر في تحقيقه.

ولهذا اعتبر تعالى الصبر من وسائل التزكية مثله مثل الصلاة، فقال: {وَاسْتَعِينُوا

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (130)

بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)

وأخبر تعالى أن تأييده لعباده على أنفسهم أو على عدوهم مرتبط بمدى صدق صبرهم، فقال: {بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ} (آل عمران:125)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (واعلم أن النصر مع الصبر) (1)

وأخبر تعالى أن كيد أعدائهم مهما كان نوعه ومهما كان موضوعه مرتبط بالصبر، فقال تعالى: {وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ} (آل عمران:120)

وسنذكر هنا بعض ثمرات الصبر العملية في السلوك الروحي، الذي هو أساس كل سلوك وروحه ومنطلقه، وذلك لأن أداء جميع الطاعات، والانتهاء عن جميع المعاصي يفتقر إلى الصبر ابتداء ودواما، كما قال تعالى في أهل العلم الذين علموا قومهم المفتونين بقارون: {وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ} (القصص:80)، وكما قال عند الأمر بالدفع بالتي هي أحسن: {وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ} (فصلت:35)

وهذ يشير إلى صعوبة السلوك وشدته، وذلك ـ كما يعبر الغزالي ـ لأن النفس بطبعها تنفر عن العبودية وتشتهي الربوبية، كما قال بعض العارفين: (ما من نفس إلا وهي مضمرة ما أظهره فرعون من قوله: {أَنَا رَبُّكُمْ الأَعْلَى} ولكن فرعون وجد له مجالاً وقبولاً فأظهره إذ استخف قومه فأطاعوه) (2)

ولذلك فإن العبودية شاقة على النفس مطلقاً، سواء بسبب الكسل كالصلاة، أو

__________

(1) رواه الترمذي وقال: حسن صحيح.

(2) إحياء علوم الدين: 4/ 70.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (131)

بسبب البخل كالزكاة، أو بسببهما جميعاً كالحج والجهاد، ولذلك كان الصبر على الالتزام على الطاعة نوعا من أنواع الصبر على الشدائد.

فقبل الطاعة، يحتاج المطيع إلى تصحيح النية والإخلاص والصبر عن شوائب الرياء ودواعي الآفات وعقد العزم على الإخلاص والوفاء. وذلك كله من الصبر الشديد لكثرة آفات الرياء وعظم مكائد النفس، ولهذا قدم الله تعالى الصبر على العمل فقال تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ} (هود:11)

وحال الطاعة يحتاج المطيع إلى الصبر كي لا يغفل عن الله في أثناء عمله ولا يتكاسل عن تحقيق آدابه وسننه ويدوم على شرط الأدب إلى آخر العمل الأخير فيلازم الصبر عن دواعي الفتور إلى الفراغ، وهو أيضاً من شدائد الصبر، وإليه الإشارة بقوله تعالى: {نِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ الَّذِينَ صَبَرُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ} (العنكبوت:58 ـ 59)

وبعد الفراغ من العمل، يحتاج المطيع إلى الصبر عن إفشائه والتظاهر به للسمعة والرياء والصبر عن النظر إليه بعين العجب وعن كل ما يبطل عمله ويحبط أثره كما قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى} (البقرة:264)، فمن لم يصبر بعد الصدقة عن المن والأذى فقد أبطل عمله، ولهذا قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (محمد:33)

ومثل حاجة الطاعات إلى الصبر وافتقارها إليه وكونه ركنا من أركانها، فإن المعاصي كذلك تفتقر إلى الصبر، بل إن أشد أنواع الصبر ـ كما يذكر الغزالي ـ هي الصبر عن المعاصي التي صارت مألوفة بالعادة (فإن العادة طبيعة خامسة، فإذا انضافت العادة إلى الشهوة تظاهر جندان من جنود الشيطان على جند الله تعالى فلا يقوى باعث الدين على قمعها) (1)

والصبر ـ زيادة على هذا التأثير السلوكي ـ هو العلاج الرباني لكل ما يهجم على

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 71.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (132)

الإنسان من صروف البلاء التي هي من ضرورات تكليفه واختباره لتمحيص معدنه:

فهو العلاج الذي يواجه به أذى الخلق، وهو ما نص عليه قوله تعالى في جواب المؤمنين لمن آذاهم: {وَلَنَصْبِرَنَّ عَلَى مَا آذَيْتُمُونَا وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ} (ابراهيم:12)، وهو توجيه الله لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللثلة المؤمنة في الوقت الذي اجتمعت عليهم صنوف الأعداء، كما قال تعالى: {وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَدَعْ أَذَاهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً} (الأحزاب:48)، وقال تعالى: {وَاصْبِرْ عَلَى مَا يَقُولُونَ وَاهْجُرْهُمْ هَجْراً جَمِيلاً} (المزمل:10)، وقال تعالى: {وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّكَ يَضِيقُ صَدْرُكَ بِمَا يَقُولُونَ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ} (الحجر:97 ـ 98)، فأرشد إلى مقابلة الأذى بعبادة الله لا بمواجهته، وقال تعالى: {لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيراً وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (آل عمران:186)، وقال تعالى: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ} (النحل:126)

وهو العلاج لحر المصائب التي تنزل على الإنسان من غير اختياره ولا اختيار أحد من الخلق، لأنه نوع من مواجهة المقادير الإلهية من غير ضجر ولا جزع، قال الغزالي: (فإن قلت: فبماذا تنال درجة الصبر في المصائب وليس الأمر إلى اختياره؟ فهو مضطر شاء أم أبى، فإن كان المراد به أن لا يتكون في نفسه كراهية المصيبة فذلك غير داخل في اختيار فاعلم أنه إنما يخرج عن مقام الصابرين بالجزع وشق الجيوب وضرب الخدود والمبالغة في الشكوى وإظهار الكآبة وتغيير العادة في الملبس والمفرش والمطعم، وهذه الأمور داخلة تحت اختياره فينبغي أن يجتنب جميعها ويظهر الرضا بقضاء الله تعالى ويبقى مستمرّاً على عادته، ويعتقد أنّ ذلك كان وديعة فاسترجعت) (1)

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 73.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (133)

فالصبر بذلك هو الحصن الذي يحتمي به المؤمن من كل الأمراض النفسية التي تسببها أنواع البلاء.

وعطاء الصبر النفسي لا يتوقف عند هذا الحد، بل هو العلاج النفسي لكل النواحي الفطرية التي قد لا تتناسب مع كمال الإنسان وسيره السلوكي:

فهو علاج الاستعجال الذي هو فطرة بشرية، كما قال تعالى: {خُلِقَ الْأِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ} (الانبياء:37)، وهذا العلاج له أهميته الكبرى في جميع ميادين الحياة، فلا يمكن أن يقوم المستعجل بأي عمل كامل صحيح.

وهو علاج الغضب، ولذلك لما خرج يونس عليه السلام مغاضباً قومه ابتلاه الله بالحوت، فتعلم الصبر في بطن الحوت، قال تعالى: {فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ} (القلم:48)

وهو علاج اليأس، لأن اليائس يستعجل حصول الثمرة، ولذلك حذر يعقوب عليه السلام أولاده من اليأس، فقال: {يَابَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ وَلا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} (يوسف:87)

وهو مع معجون الشكر علاج عمى القلوب عن إدراك الحقائق، ولهذا ورد في أربع مواضع في القرآن الكريم الإخبار بأنه لا ينتفع بالآيات إلا أهل الصبر والشكر، لأن الإيمان نصفان: صبر وشكر، قال تعالى: {وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآياتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (ابراهيم:5)، وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آيَاتِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (لقمان:31)، وقال تعالى: {فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ} (سبأ:19)، وقال تعالى: {إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (134)

شَكُورٍ} (الشورى:33)

وكل ما ذكرنا من ثمار الصبر هي غيض من فيض، فثمرات الصبر التربوية كأجره لا حساب ولا عد لها، كما قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10)، فهما أجران أخروي لا نعلم مقداره، ودنيوي بالثمرات التربوية الكثيرة التي لا تعد ولا تحصى.

ولذلك جعل الله تعالى الصبر من صفات أئمة الهدى، قال تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ} (السجدة:24)

بل هو من صفات أولي العزم من الرسل الذين هم قادة الخلق، قال تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ} (الاحقاف:35)

والصبر كغيره من العبادات الروحية من الأمور الكسبية التي يمكن للمكلف أن يؤديها ويتخلق بها، لأن الله تعالى لا يكلفنا بمستحيل لا تستطيعه فطرتنا، وإلا كان ذلك التكليف عبثا، ولهذا ورد في السنة ما يفيد إمكانية التحقق بالصبر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ومن يتصبّر يصبّره الله) (1)، وهو بذلك كسائر الأخلاق كما قال صلى الله عليه وآله وسلم في بقية الحديث: (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله، وما أعطي عبد عطاء هو خير وأوسع من الصبر)

وسنذكر هنا بعض المعارف التي لها تأثيرها الكبير في التحقق بهذه العبادة العظيمة:

معرفة حقيقة وظيفة الإنسان في هذه الدنيا

وهذه هي المعرفة الأساسية التي تضع الإنسان في محله الحقيقي في هذا الكون، وبالتالي تبرر سلوكياته فيه، وهي مثل تعرف العامل في المنجم على طبيعة وظيفته التي تقتضي وجوده في ذلك الجو.

ولهذا يعرفنا القرآن الكريم دائما بحقيقة هذه الحياة الدنيا وأنواع الكبد والكدح الذي

__________

(1) رواه الحكيم الترمذي.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (135)

يعانيه الإنسان فيها وما جُبِلت عليه من المشقة والعناء لتكون هذه المعارف زادا لصبرنا على ما فيها من المشاق، كما قال الشاعر:

136جبلت على كدرٍ وأنت تريدها= صفو من الآلام والأكدار

ومكلف الأيام ضد طباعها = متطلب في الماء جذوة نار137

فغاية وجود الإنسان في هذه الدنيا هي الكدح إلى أن يلاقي ربه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ} (الانشقاق:6)، بل إن الله تعالى عبر عن هذا الكبد (1) بصيغة الظرفية، فقال: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد:4)

وقد ذكر سيد قطب بعض مظاهر الكبد التي يعانيها الإنسان في هذه الحياة منذ مجيئه إليها إلى خروجه منها، فقال: (.. فالخلية الأولى لا تستقر في الرحم حتى تبدأ في الكبد والكدح والنصب لتوفر لنفسها الظروف الملائمة للحياة والغذاء - بإذن ربها - وما تزال كذلك حتى تنتهي إلى المخرج، فتذوق من المخاض - إلى جانب ما تذوقه الوالدة - ما تذوق، وما يكاد الجنين يرى النور حتى يكون قد ضغط ودفع حتى كاد يختنق في مخرجه من الرحم.. ومنذ هذه اللحظة يبدأ الجهد الأشق والكبد الأمر. يبدأ الجنين ليتنفس هذا الهواء الذي لا عهد له به، ويفتح فمه ورئتيه لأول مرة ليشهق ويزفر في صراخ يشي بمشقة البداية! وتبدأ دورته الهضمية ودورته الدموية في العمل على غير عادة! ويعاني في إخراج الفضلات حتى يروض أمعاءه على هذا العمل الجديد! وكل خطوة بعد ذلك كبد، وكل حركة بعد ذلك كبد. والذي يلاحظ الوليد عندما يهم بالحبو وعندما يهم بالمشي يدرك كم يبذل من الجهد العنيف للقيام بهذه الحركة الساذجة.. وعند بروز الأسنان كبد. وعند انتصاب القامة كبد. وعند الخطو الثابت كبد. وعند التعلم كبد. وعند التفكر كبد. وفي كل تجربة جديدة

__________

(1) أصل الكبد من قولك: كبد الرجل كبداً فهو كبد إذا وجعت كبده وانتفخت، فاتسع فيه حتى استعمل في كل تعب ومشقة، ومنه اشتقت المكابدة وأصله كبده إذا أصاب كبده.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (138)

كبد كتجربة الحبو والمشي سواء! ثم تفترق الطرق، وتتنوع المشاق؛ هذا يكدح بعضلاته. وهذا يكدح بفكره. وهذا يكدح بروحه. وهذا يكدح للقمة العيش وخرقة الكساء. وهذا يكدح ليجعل الألف ألفين وعشرة آلاف... وهذا يكدح لملك أو جاه، وهذا يكدح في سبيل الله. وهذا يكدح لشهوة ونزوة. وهذا يكدح لعقيدة ودعوة. وهذا يكدح إلى النار. وهذا يكدح إلى الجنة.. والكل يحمل حمله ويصعد الطريق كادحا إلى ربه فيلقاه! وهناك يكون الكبد الأكبر للأشقياء. وتكون الراحة الكبرى للسعداء) (1)

ثم ختم ذلك بقوله: (إنه الكبد طبيعة الحياة الدنيا تختلف أشكاله وأسبابه، ولكنه هو الكبد في النهاية. فأخسر الخاسرين هو من يعاني كبد الحياة الدنيا لينتهي إلى الكبد الأشق الأمر في الأخرى. وأفلح الفالحين من يكدح في الطريق إلى ربه ليلقاه بمؤهلات تنهي عنه كبد الحياة، وتنتهي به إلى الراحة الكبرى في ظلال الله) (2)

بل إن الفخر الرازي في تعليقه على هذه الآية {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد:4) ينفي وجود اللذة أصلا، لأن الدنيا طبعت على الآلام، قال: (وعندي فيه وجه آخر، وهو أنه ليس في هذه الدنيا لذة البتة، بل ذاك الذي يظن أنه لذة فهو خلاص عن الألم، فإن ما يتخيل من اللذة عند الأكل فهو خلاص عند ألم الجوع، وما يتخيل من اللذات عند اللبس فهو خلاص عن ألم الحر والبرد، فليس للإنسان، إلا ألم أو خلاص عن ألم وانتقال إلى آخر، فهذا معنى قوله تعالى: {: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد:4)) (3)

بل إن الفخر الرازي عرج من هذا إلى الاستدلال على البعث، فقال: (ويظهر منه أنه لا بد للإنسان من البعث والقيامة، لأن الحكيم الذي دبر خلقة الإنسان إن كان مطلوبه منه

__________

(1) في ظلال القرآن: 6/ 3910.

(2) في ظلال القرآن: 6/ 3910.

(3) التفسير الكبير: 31/ 167.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (139)

أن يتألم، فهذا لا يليق بالرحمة، وإن كان مطلوبه أن لا يتألم ولا يلتذ، ففي تركه على العدم كفاية في هذا المطلوب، وإن كان مطلوبه أن يلتذ، فقد بينا أنه ليس في هذه الحياة لذة، وأنه خلق الإنسان في هذه الدنيا في كبد ومشقة ومحنة، فإذا لا بد بعد هذه الدار من دار أخرى، لتكون تلك الدار دار السعادات واللذات والكرمات)

وهذا هو الفهم الإسلامي الأصيل لحقيقة الدنيا وحقيقة تعامل الإنسان معها لا الذي يعتبر الكبد مبررا لجمع أكبر قدر من اللذات الوهمية، لأن اللذات الوهمية تظل وهمية ولو جمع منها ما لا طاقة للجبال بحمله.

معرفة جزاء الصبر

انطلاقا من المعرفة السابقة فإن اللبيب هو الذي يستثمر فيما لا بد له منه، فيغنم أكبر الغنائم من غير أن يخسر شيئا، فما دام الكبد وصفا لازما للدنيا يستوي فيه السعيد والشقي، فإنه من الشقاء استثمار هذا الكبد في غرس زرع الكبد الدائم، كما قال تعالى في وصف بعض الكادحين: {عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ} (الغاشية:3)، ثم عقب عليها بمصير كدحها، فقال تعالى: {تَصْلَى نَاراً حَامِيَةً} (الغاشية:4)

ولهذا ينهى الله تعالى المؤمنين عن التقصير في طلب العدو، ويعلل ذلك بأنهم مع عدوهم في الألم سواء، ولكنهم يمتازون عن عدوهم بما يرجون من الله من الأجر مما لا يرجوه عدوهم، قال تعالى: {وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً} (النساء:104)، قال ابن كثير: (أي أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من اللّه المثوبة والنصر والتأييد كما وعدكم إياه في كتابه وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو وعد حق، وخبر صدق، وهم لا يرجون شيئاً من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم وأشد رغبة فيه، وفي إقامة

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (140)

كلمة اللّه وإعلائها) (1)

وبذلك تصف هذه الآية سبيلا من سبل التحقق بالصبر، بل تخفيف الصبر وتحويل ناره إلى لذة إيمانية عظيمة، يغفل صاحبها بما أعد له من أجر عما يعانيه من بلاء، كما روي عن امرأة فتح الموصلي، أنها عثرت، وانقطع ظفرها، فضحكت، فقيل لها: أما تجدين الوجع؟ فقالت: إن لذة ثوابه أزالت عن قلبي مرارة وجعه)، وقال شريح: (إني لأصاب بالمصيبة فأحمد الله عليها أربع مرات أحمده إذ لم تكن أعظم مما هي وأحمده إذ رزقني الصبر عليها وأحمده إذ وفقني للإسترجاع لما أرجو فيه من الثواب وأحمده إذ لم يجعلها في ديني)

بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن أهل العافية عندما يعاينون جزاء الصابرين يودون لو كانت الدنيا بلاء محضا، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (يود أهل العافية يوم القيامة حين يعطى أهل البلاء الثواب لو أن جلودهم كانت قرضت في الدنيا بالمقاريض) (2)

ولا بأس أن نذكر هنا بعض أجزية الصبر مما قد يذكر للولد على سبيل الموعظة أو المعلومة أو الحوار كما ذكرنا في أساليب التربية.

فالله تعالى علّق الفلاح عليه فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ} (آل عمران:200)، والفلاح هو الفوز الحقيقي الشامل بخيري الدنيا والآخرة.

وأخبر تعالى أن جزاء الصبر لا حد له ولا حساب، وهو مما يزيد طمع المؤمنين في التخلق به، قال تعالى: {إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10)، أي بغير نهاية، لأن كل شيء دخل تحت الحساب فهو متناه، فما لا نهاية له كان خارجاً عن الحساب.

وقد صور السلف ذلك، فقال الأوزاعي: (ليس يوزن لهم ولا يكال، إنما يغرف لهم

__________

(1) تفسير ابن كثير: 1/ 551.

(2) رواه الترمذي وقال: هذا حديث غريب.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (141)

غرفاً)، وقال ابن جريج: (بلغني أنه لا يحسب عليهم ثواب عملهم قط، ولكن يزادون على ذلك)، وقال سليمان بن القاسم: (كل عمل يعرف ثوابه إلا الصبر لأجل هذه الآية)

ومن جزاء الصابرين ما ورد في قوله تعالى: {وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ} (البقرة:155 ـ 157)، فقد جعل الله تعالى للصبر في هذه الآيات ثلاثة أنواع من الجزاء كل واحد منها عالم من عوالم الجزاء، هي الصلاة منه والرحمة والهداية.

ومن جزاء الصابرين أن ملائكته تسلّم عليهم في الجنة، قال تعالى: {سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ} (الرعد:24)

ومن جزائهم المكانة العظيمة التي ينزلونها في الدنيا والآخرة، والتي هي أكبر من كل جاه دنيوي، قال تعالى: {وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (الشورى:43)، ومما جاء في وصية لقمان الحكيم عليه السلام لولده: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17)

بل إن الله تعالى علّق محبته بالصبر، وجعلها لأهل الصبر، فقال تعالى: {وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ} (آل عمران:146)

وقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن بعض جزاء الصابرين، فبشر الذي يصبر على فقد عينيه بالجنة، فقال: (إن الله تعالى قال إذا ابتليت عبدي بحبيبتيه ثم صبر عوضته منهما الجنة) (1)

وبشر الصابر على فقد صفيّه من أهل الدنيا بالجنة، فقال: (ومالعبد مؤمن عندي جزاء إذا قبضت صفيّه من أهل الدنيا ثم احتسبه إلا الجنة) (2)

__________

(1) رواه البخاري.

(2) رواه البخاري.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (142)

ولما مرضت الأمة السوداء بالصرع جاءت تشتكي للنبي صلى الله عليه وآله وسلم فقالت: إني أُصرع وإني أتكشف فادعُ الله لي، قال: (إن شئتِ صبرت ولك الجنة، وإن شئت دعوت الله أن يعافيكِ)، فقالت: (أصبر ولكن ادع الله لي ألا أتكشف)، فدعا لها فكانت تصرع ولا تتكشف (1).

الثقة بحصول الفرج

وهو من أهم الأدوية، ويدل على حسن الظن بالله، فإن الله تعالى برحمته جعل مع كل عسر يسرين، قال تعالى: {فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْراً} (الشرح:5 ـ 6)، فعرف العسر بـ[أل] ليبقى هو نفسه، ونكر اليسر دلالة على أنه يسر ثان، لأن من عادة العرب إذا ذكروا اسما معرفا ثم كرروه، فهو هو، وإذا نكروه ثم كرروه فهو غيره، وهما اثنان (2).

ولهذا قال ابن عباس: (يقول اللّه تعالى خلقت عسرا واحدا، وخلقت يسرين، ولن يغلب عسر يسرين)، وقال ابن مسعود: (والذي نفسي بيده، لو كان العسر في حجر، لطلبه اليسر حتى يدخل عليه؛ ولن يغلب عسر يسرين)، بل ورد في الحديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم في هذه السورة قوله: (لن يغلب عسر يسرين) (3)

وأساس انتظار الفرج هو الشعور بقرب الله ورحمته، والتفكر في فضله ورأفته والذي يجر إلى إحسان الظن به، كما قال الشاعر:

أحسن الظن برب عودك... حسنا أمس وسوى أودك

إن ربا كان يكفيك الذي... كان بالأمس سيكفيك غدك

وقد اعتبر صلى الله عليه وآله وسلم انتظار الفرج عبادة، فقال: (أفضل العبادة انتظار الفرج) (4)

قال الحكيم الترمذي مبينا سر اعتبار انتظارالفرج عبادة: (لأن في انتظار الفرج قطع

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) هذا قول ثعلب، وقد خالفه آخرون منهم الجرجاني، انظر: القرطبي: 20/ 108.

(3) رواه الحاكم عن.

(4) رواه الديلمي.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (143)

العلائق والأسباب إلى الله تعالى وتعلق القلب به وشخوص الأمل إليه والتبري من الحول والقوة فهذا خالص الإيمان) (1)

قصص الصابرين

لأن الله تعالى جعل من قصص الصالحين حاديا يسوق عباده الصالحين إلى سبيله، ولذلك كلما استكثر المربي من هذا النوع من القصص التربوي كان ينشر القيم النبيلة في نفس الولد، ويعمق فيه معاني الحقائق التي تنطوي عليها هذه العبادات العظيمة.

ولهذا يرد في القرآن الكريم ذكر نماذج الصابرين من أولي العزم من الرسل، فهذا نوح عليه السلام صبر في دعوته لقومه صبراً عظيماً دام ألف سنة إلا خمسين عاماً، صبر على الجهاد والدعوة، وصبر على الإيذاء والسخرية، اتهموه بالجنون والسحر والضلال، وهو يقابل كل ذلك بالصبر.

وهذا إبراهيم عليه السلام يتعرض للمحن العظيمة، فيصبر صبر الموحد الموقن بوعد الله، حتى أنه لما ألقي في النار لم يتأفف ولم يضطرب، بل صاح قائلا: (حسبي الله ونعم الوكيل)، بل إنه لما أُمِر بذبح ولده صبر وهمّ بذبح الولد، وأخذ السكين وأضجع الولد استسلاماً لأمر الله، ولهذا مدحه الله تعالى وجعله للناس إماما، فقال: {وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً} (البقرة:124)

وهذا موسى عليه السلام يواجه التهديد والإيذاء من قومه وقوم فرعون قبلهم، فيصبر على ذلك جميعا، ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يذكره في مواقف البلاء التي تعرض له، فيقول: (رحم الله موسى قد أوذي بأكثر من هذا فصبر)

وهذا عيسى عليه السلام يعانى من بني إسرائيل ما يعاني، حتى تآمروا على قتله وصلبه وصبر حتى رفعه الله إليه.

__________

(1) نوادر الأصول: 2/ 221.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (144)

وهذا خاتم الأنبياء صلى الله عليه وآله وسلم يتعرض للأذى والاضطهاد، بكل صنوفه وأنواع، فلا يضطرب ولا يتأثر، ولا تنهد عزيمته بل ينقى سائرا في طريق الله إلى أن نصره الله على أعدائه وبلغ ما كلف به من الراسلة أتم بلاغ وأحسنه.

وعلى هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سار ورثة النبوة ومن بعدهم وفي قصصهم جميعا عبرة لأولي الألباب، فيستكثر منها المربي قدر ما أطاق، فهي جند الله الذي يعمل عمله في إصلاح القلوب.

ثانيا عبادات الجوارح

نريد بعبادات الجوارح: العبادات التي نصت عليها أحكام الشريعة، ويشير إليها قول لقمان عليه السلام لابنه: {يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْهَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ} (لقمان:17)، فقد أمر لقمان عليه السلام ابنه بإقامة الصلاة، وهي من أهم عبادات الجوارح.

ولهذه العبادات تأثيرها الخطير في الحياة الروحية للصبي، بل في تكوين شخصيته بجميع جوانبها.

فحرصه على الصلاة مثلا في مواقيتها ـ زيادة على معانيها الروحية العظيمة ـ يدربه على النظام والنظافة والاستقامة، فإن صلاها في جماعة كان لذلك أبعاد اجتماعية بالإضافة إلى الأبعاد النفسية، ولهذا اعتبر القرآن الكريم الصلاة من الوسائل التي يستعان بها على التربية، فقال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)، وقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة:153)

بل نص القرآن الكريم على أن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر، وهي تعبير قرآني

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (145)

شامل لكل الرذائل النفسية والاجتماعية، قال تعالى: {وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت:45)

وهذه الآية تخبر عن هدف مهم من أهداف الصلاة، وهو نفسه هدف جميع عبادات الجوارح، وهو تزكية لنفس وتطهيرها من الرذائل التي تخرجها عن حقيقتها الإنسانية.

وقد ذكر العلماء وجوها من العلل التي تجعل الصلاة ناهية صاحبها عن الفحشاء والمنكر، ومن أجمل ما قيل في ذلك ما ذكره الفخر الرازي من وجوه تبين أهمية الصلاة ودورها النفسي والاجتماعي الدنيوي والأخروي، ومن الوجوه التي ذكرها:

1. أن من كان يخدم ملكاً عظيم الشأن كثير الإحسان ويكون عنده بمنزلة، ويرى عبداً من عباده قد طرده طرداً لا يتصور قبوله، وفاته الخبر بحيث لا يرجى حصوله، يستحيل من ذلك المقرب عرفاً أن يترك خدمة الملك ويدخل في طاعة ذلك المطرود فكذلك العبد إذا صلى لله صار عبداً له، وحصل له منزلة المصلي يناجي ربه، فيستحيل منه أن يترك عبادة الله ويدخل تحت طاعة الشيطان المطرود، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر تحت طاعة الشيطان فالصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر.

2. أن من يباشر القاذورات كالزبال والكناس يكون له لباس نظيف إذا لبسه لا يباشر معه القاذورات وكلما كان ثوبه أرفع يكون امتناعه وهو لابسه عن القاذورات أكثر فإذا لبس واحد منهم ثوب ديباج يستحيل منه مباشرة تلك الأشياء عرفاً، فكذلك العبد إذا صلى لبس لباس التقوى لأنه واقف بين يدي الله واضع يمينه على شماله؛ على هيئة من يقف بمرأى ملك ذي هيبة، ولباس التقوى خير لباس يكون نسبته إلى القلب أعلى من نسبة الديباج المذهب إلى الجسم، فإذن من لبس هذا اللباس يستحيل منه مباشرة قاذورات الفحشاء والمنكر. ثم إن الصلوات متكررة واحدة بعد واحدة فيدوم هذا اللبس فيدوم الامتناع.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (146)

3. أن من يكون أمير نفسه يجلس حيث يريد فإذا دخل في خدمة ملك وأعطاه منصباً له مقام خاص لا يجلس صاحب ذلك المنصب إلا في ذلك الموضع، فلو أراد أن يجلس في صف النعال لا يترك فكذلك العبد إذا صلى دخل في طاعة الله ولم يبق بحكم نفسه وصار له مقام معين، إذ صار من أصحاب اليمين، فلو أراد أن يقف في غير موضعه وهو موقف أصحاب الشمال لا يترك، لكن مرتكب الفحشاء والمنكر من أصحاب الشمال وهذا الوجه إشارة إلى عصمة الله يعني من صلى عصمه الله عن الفحشاء والمنكر.

4. أن من يكون بعيداً عن الملك لا يبالي بما فعل من الأفعال يأكل ما يشاء ويجلس أين يشاء، فإذا صارت له قربة يسيرة من الملك، فإنها تمنعه من تعاطي ما كان يفعله، فإذا زادت قربته وارتفعت منزلته حتى صار أميراً حينئذ تمنعه هذه المنزلة عن الأكل في ذلك المكان والجلوس مع أولئك الخلان، كذلك العبد إذا صلى وسجد صار له قربة ما لقوله تعالى: {وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب} (العلق: 19) فإذا كان ذلك القدر من القربة يمنعه من المعاصي والمناهي، فبتكرر الصلاة والسجود تزداد مكانته، حتى يرى على نفسه من آثار الكرامة ما يستقذر معه من نفسه الصغائر فضلاً عن الكبائر (1).

ومثل ذلك الصوم، فقد جعل الله تعالى من حكم الصوم الوصول إلى التقوى، وهي التعبير الشرعي عن كل الكمالات الخلقية والنفسية، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183)

وهكذا جميع العبادات.

انطلاقا من هذا، سنقتصر في هذا المبحث على أهم الأحكام الفقهية التي ذكرها الفقهاء مما يرتبط بالجوانب التعبدية للأولاد.

__________

(1) انظر: الفخر الرازي: 25/ 64.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (147)

1 ـ إسلام الصبي

يتحقق إسلام الصبي بأحد سببين، كلها مما وقع فيه خلاف الفقهاء، أحدهما: إسلامه هو لتعقله الإسلام، والثاني: تبعيته لإسلام أحد أبويه، أو تبعا لدار الإسلام، وذلك في حال موت أحد أبويه أو كليهما، وسنفصل الأحكام المرتبطة بهذين السببين فيما يلي:

التمييز

اختلف الفقهاء في صحة إسلام الصبي إذا أسلم قبل بلوغه على قولين:

القول الأول: أن الصبي يصح إسلامه في الجملة، وهو قول أبي حنيفة، وصاحبيه، وإسحاق، وابن أبي شيبة، وأبي أيوب، وقول الإمامية، ومن الأدلة على ذلك:

1. عموم قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من قال: لا إله إلا الله دخل الجنة)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا: لا إله إلا الله، فإذا قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها، وحسابهم على الله) (1)، وهذه الأخبار يدخل في عمومها الصبي.

2. عن جابر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة حتى يعرب عنه لسانه، فإذا أعرب عنه لسانه، فإما شاكرا وإما كفورا) (2)

3. ما صح أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عرض الإسلام على ابن صياد، وقد كان صغيرا، فعن ابن عمر: أن عمر انطلق مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في رهط من أصحابه قبل ابن صياد حتى وجده يلعب مع الصبيان عند أطم بني مغالة، وقد قارب ابن صياد يومئذ الحلم فلم يشعر حتى ضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ظهره بيده، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن صياد: أتشهد أني رسول الله؟ فنظر إليه ابن صياد، فقال: أشهد أنك رسول الأميين، فقال ابن صياد لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم:

__________

(1) رواه الشافعي والبيهقي.

(2) رواه أحمد.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (148)

أتشهد أني رسول الله فرفصه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقال: (آمنت بالله وبرسله)، وذكر الحديث (1).

4. أن عليا أسلم صبيا، وقال: (سبقتكم إلى الإسلام طرا صبيا ما بلغت أوان حلم)

5. أن الله تعالى دعا عباده إلى دار السلام، وجعل طريقها الإسلام، وجعل من لم يجب دعوته في الجحيم والعذاب الأليم، فلا يجوز منع الصبي من إجابة دعوة الله، مع إجابته إليها، وسلوكه طريقها، ولا إلزامه بعذاب الله، والحكم عليه بالنار، وسد طريق النجاة عليه مع هربه منها.

6. أن الإسلام عبادة محضة، فصحت من الصبي العاقل، كالصلاة والحج.

7. أن قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاث) (2) لا حجة للمخالفين فيه، لأن هذا يقتضي أن لا يكتب عليه ذلك، والإسلام يكتب له لا عليه، ويسعد به في الدنيا والآخرة، فهو كالصلاة تصح منه وتكتب له وإن لم تجب عليه، وكذلك غيرها من العبادات المحضة.

8. أن القلم مرفوع عن الصبي في الفروع الشرعية فأما في الأصول العقلية فممنوع، ووجوب الإيمان من الأحكام العقلية، فيجب على كل عاقل.

القول الثاني: لا يصح إسلامه حتى يبلغ، وهو قول الشافعي وزفر، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة) ومن بينها ذكر (الصبي حتى يبلغ)

2. أنه قول تثبت به الأحكام، فلم يصح من الصبي كالهبة.

3. أنه أحد من رفع القلم عنه، فلم يصح إسلامه، كالمجنون، والنائم.

4. أن الصبي لو صح إسلامه إما أن يصح فرضا، وإما أن يصح نفلا ومعلوم أن التنفل بالإسلام محال، والفرضية بخطاب الشرع، والقلم عنه مرفوع.

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) رواه أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجة والحاكم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (149)

5. أن صحة الإسلام من الأحكام الضارة، فإنه سبب لحرمان الميراث والنفقة، ووقوع الفرقة بين الزوجين، والصبي ليس من أهل التصرفات الضارة، ولهذا لم يصح طلاقه وعتاقه، ولم يجب عليه الصوم والصلاة، فلا يصح إسلامه.

الترجيح:

من العجيب أن تكون هذه المسألة موضع خلاف، لأن الحق فيها ظاهر، والصبي في أصل فطرته كما ورد في الحديث مسلم، فلذلك لا يزيده إقراره إلا دخولا في زمرة المسلمين.

أما المحاذير التي جعلت الفقهاء يترددون في الحكم بإسلامه، فإنها لا تساوي شيئا أمام الإسلام، فأي غنيمة من الإسلام حتى يقارن بها الخوف على ضياع ميراثه أو وجوب الزكماة في ماله.

وقد رد ابن قدامة على هذه المحاذير المتوهمة، فقال: (فإن قيل: فإن الإسلام يوجب الزكاة عليه في ماله، ونفقة قريبه المسلم، ويحرمه ميراث قريبه الكافر، ويفسخ نكاحه. قلنا: أما الزكاة فإنها نفع؛ لأنها سبب الزيادة والنماء، وتحصين المال والثواب، وأما الميراث والنفقة، فأمر متوهم، وهو مجبور بميراثه من أقاربه المسلمين، وسقوط نفقة أقاربه الكفار، ثم إن هذا الضرر مغمور في جنب ما يحصل له من سعادة الدنيا والآخرة، وخلاصه من شقاء الدارين والخلود في الجحيم، فينزل منزلة الضرر في أكل القوت، المتضمن قوت ما يأكله، وكلفة تحريك فيه لما كان بقاؤه به لم يعد ضررا، والضرر في مسألتنا في جنب ما يحصل من النفع، أدنى من ذلك بكثير) (1)

العقل

اتفق الفقهاء القائلون بصحة إسلام الصبي على أن من شروط صحة إسلامه أن يعقل الإسلام، أي أن يعلم على الأقل بعض المعارف الضرورية في الإسلام ككون الله تعالى

__________

(1) المغني: 9/ 23.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (150)

ربه لا شريك له، وأن محمدا عبده ورسوله، لأن الطفل الذي لا يعقل، لا يتحقق منه اعتقاد الإسلام، وإنما كلامه لقلقة بلسانه، ولا يدل على شيء، واختلفوا في اشتراط سن معينة لتحقق هذا الشرط على قولين:

القول الأول: أن يكون له عشر سنين، وقد ذكره الخرقي، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم أمر بضربه على الصلاة لعشر.

القول الثاني: لا يشترط في ذلك سنا معينة، بل يكفي أن يعقل الإسلام، قال ابن قدامة ردا على الخرقي: (وأما اشتراط العشر، فإن أكثر المصححين لإسلامه، لم يشترطوا ذلك، ولم يحدوا له حدا من السنين، وحكاه ابن المنذر عن أحمد)، وروى عن أحمد أنه (إذا كان ابن سبع سنين فإسلامه إسلام)، وقال ابن أبي شيبة: (إذا أسلم وهو ابن خمس سنين، جعل إسلامه إسلاما)، وقال أبو أيوب: (أجيز إسلام ابن ثلاث سنين، من أصاب الحق من صغير أو كبير أجزناه) (1)، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن المقصود متى ما حصل، لا حاجة إلى زيادة عليه.

2. أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (مروهم بالصلاة لسبع)، فدل على أن ذلك حد لأمرهم، وصحة عباداتهم، فيكون حدا لصحة إسلامهم.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني بناء على اختلاف سن التمييز بين الأولاد، فلذلك تكون العبرة بالتمييز لا بالسن.

وقد قال ابن قدامة معلقا على كلام أبي أيوب الذي أجاز إسلام ابن ثلاث سنين: (وهذا لا يكاد يعقل الإسلام، ولا يدري ما يقول، ولا يثبت لقوله حكم، فإن وجد

__________

(1) المغني: 9/ 23.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (151)

ذلك منه ودلت أحواله وأقواله على معرفة الإسلام، وعقله إياه، صح منه كغيره) (1)

وقد رأينا في عصرنا من يحفظ الأجزاء الكثيرة من القرآن الكريم في مثل هذه السن، فلذلك تكون العبرة بالقدرة على التمييز، خاصة إذا ضممنا ذلك إلى قولنا بأن الأصل فطرية إسلام الصبي.

التبعية

وهي السبيل الثاني من السبل التي اعتبر بها الفقهاء إسلام الصبي، ولها حالتان، هما:

التبعية للأبوين

اختلف الفقهاء في اعتبار إسلام الأبوين أو أحدهما إسلاما للصبي على الأقوال التالية:

القول الأول: أن إسلام أحد الأبوين إسلام لأولاده الصغار، وهو قول الشافعي وأحمد، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن الولد يتبع أبويه في الدين، فإن اختلفا، وجب أن يتبع المسلم منهما، كولد المسلم من الكتابية.

2. أن الإسلام يعلو ولا يعلى، لأنه دين الله الذي رضيه لعباده، وبعث به رسله دعاة لخلقه إليه، ولأنه تحصل به السعادة في الدنيا والآخرة، ويتخلص به في الدنيا من القتل والاسترقاق وأداء الجزية، وفي الآخرة من سخط الله وعذابه.

3. أن الدار دار الإسلام يحكم بإسلام لقيطها، ومن لا يعرف حاله فيها.

4. أن الأم أحد الأبوين، فيتبعها ولدها في الإسلام، كالأب، بل الأم أولى به، لأنها أخص به، لأنه مخلوق منها حقيقة، وتختص بحمله ورضاعه، ويتبعها في الرق والحرية والتدبير والكتابة.

__________

(1) المغني: 9/ 23.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (152)

5. أن تخيير الغلام الذي استدل به المخالفون وارد في الحضانة لا في الدين.

واختلف هؤلاء في إقامة الحد عليه في حال إدراكه وإبائه الإسلام على رأيين:

الرأي الأول: يجبر عليه إذا امتنع منه بالقتل، وهو قول الحنابلة، ومن الأدلة على ذلك:

1. القياس على أولاد المسلمين.

2. أنه مسلم فإذا رجع عن إسلامه، وجب قتله.

الرأي الثاني: إذا أسلم أبواه أو أحدهما، وأدرك فأبى الإسلام، أجبر عليه، ولم يقتل، وهو قول الحنفية.

القول الثاني: إن أسلم الأب، تبعه أولاده، وإن أسلمت الأم لم يتبعوها، وهو قول المالكية، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن ولد الحربيين يتبع أباه دون أمه، بدليل الموليين إذا كان لهما ولد، كان ولاؤه لمولى أبيه دون مولى أمه، ولو كان الأب عبدا أو الأم مولاة، فأعتق العبد، لجر ولاء ولده إلى مواليه.

2. أن الولد يشرف بشرف أبيه، وينتسب إلى قبيلته دون قبيلة أمه، فوجب أن يتبع أباه في دينه أي دين كان.

القول الثالث: إذا بلغ خير بين دين أبيه ودين أمه، فأيهما اختاره كان على دينه، وهو قول الثوري، ومن الأدلة على ذلك حديث الغلام الذي أسلم أبوه، وأبت أمه أن تسلم، فخيره النبي صلى الله عليه وآله وسلم بين أبيه وأمه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة القول الثالث باعتبار الإسلام لا يتحقق إلا بالاختيار

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (153)

والرغبة، كما قال تعالى: {لا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ} (البقرة:256)

أما في الأحكام المرتبطة بالدين كالميراث وغيره، فإنا نرى تبعيته لخيرهما دينا في ذلك، ما دام لم يميز ولم يحدد اختياره، وهو ما اختاره الجصاص، قال: (أما إتباع الصغير لأبيه في أحكام الإسلام فلا خلاف فيه. وأما تبعيته لأمه فاختلف فيه العلماء واضطرب فيه قول مالك. والصحيح في الدين أنه يتبع من أسلم من أحد أبويه، للحديث الصحيح عن ابن عباس قال: كنت أنا وأمي من المستضعفين من المؤمنين، وذلك أن أمه أسلمت ولم يسلم العباس فاتبع أمه في الدين، وكان لأجلها من المؤمنين) (1)

التبعية للدار

اتفق الفقهاء على أن الصبي الذي توفي والداه أو أحدهما في دار الحرب لا يحكم بإسلامه، لأنها دار لا يحكم بإسلام أهلها.

واختلفوا فيما لو ماتا أو مات أحدهما في دار الإسلام، هل يحكم بإسلامه أم لا على قولين:

القول الأول: إذا مات أحد أبوي الولد الكافرين في دار الإسلام، صار الولد مسلما بموته، ولكنه مع ذلك يقسم له ميراث أبيه، وهو قول الحنابلة، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه) (2)، فاعتبر كفره بفعل أبويه، فإذا مات أحدهما، انقطعت التبعية، فوجب إبقاؤه على الفطرة التي ولد عليها.

2. أن المسألة مفروضة فيمن مات أبوه في دار الإسلام، وقضية الدار الحكم بإسلام أهلها، ولذلك حكمنا بإسلام لقيطها، وإنما ثبت الكفر للطفل الذي له أبوان، فإذا عدما أو

__________

(1) الجصاص: 4/ 139.

(2) رواه الترمذي.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (154)

أحدهما، وجب إبقاؤه على حكم الدار، لانقطاع تبعيته لمن يكفر بها.

3. أنه يقسم له الميراث، لأن إسلامه إنما ثبت بموت أبيه الذي استحق به الميراث، فهو سبب لهما، فلم يتقدم الإسلام المانع من الميراث على استحقاقه، ولأن الحرية المعلقة بالموت لا توجب الميراث، فيجب أن يكون الإسلام المعلق بالموت لا يمنع الميراث.

القول الثاني: لا يحكم بإسلامه بموتهما ولا موت أحدهما، وقد نسبه ابن قدامة لأكثر الفقهاء؛ ومن الأدلة على ذلك:

1. أنه يثبت كفره تبعا، ولم يوجد منه إسلام، ولا ممن هو تابع له فوجب إبقاؤه على ما كان عليه.

2. أنه لم ينقل عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا عن أحد من خلفائه، أنه أجبر أحدا من أهل الذمة على الإسلام بموت أبيه، مع أنه لم يخل زمنهم عن موت بعض أهل الذمة عن يتيم.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أن لها علاقة بجانبين:

1. جانب دنيوي ترتبط به الأحكام الفقهية للصبي الكافر والمسلم، ونرى في هذه الحالة أن تجرى عليه أحكام الكفرة.

2. جانب أخروي، وهو اعتباره مسلما كما نص عليه أصحاب القول الأول، وهو ما دل عليه الحديث.

ولا تناقض بين الجانبين، فلا يضر الصبي أن يدفن في مقابر الكافرين أو المسلمين إن كان مسلما، وقد ذكرنا تفاصيل المسألة، والأقوال المختلفة فيها، وما نراه من ترجيح في كتاب (أسرار الأقدار) من سلسلة (رسائل السلام)

2 ـ صلاة الصبي

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (155)

من أهم ما ينبغي أن يحرص عليه الولي على تربية الأولاد أن يعلمهم الصلاة، ويمرنهم عليها، بل يحرص على أن يصلوا معه جماعة، أو يصلي بهم في المسجد، وقد وردت بكل هذا النصوص الشرعية، ومعها أحكام الفقهاء مما سنعرض لتفاصيله في هذا المطلب.

حكم أمر الصبي بالصلاة

اتفق الفقهاء على أن من أوجب الواجبات على الولي ومن في معناه من المسؤولين على تربية الولد أن يأمروه بالصلاة، كما قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (علموا الصبي الصلاة لسبع سنين، واضربوه عليها ابن عشر سنين) (1)

وقد اتفق الفقهاء على أنه لا فرق في ذلك بين الصبي والصبية، قال النووي: (وقد اقتصر المصنف على الصبي، ولو قال: الصبي والصبية لكان أولى، وأنه لا فرق بينهما بلا خلاف، صرح به أصحابنا لحديث عمرو بن شعيب الذي ذكرناه) (2)

وقد نص الفقهاء كذلك على أن الأمر الوارد في الحديث يشمل كل من له ولاية على الصبي، قال النووي: (وهذا الأمر والضرب واجب على الولي سواء كان أبا أو جدا أو وصيا أو قيما من جهة القاضي، صرح به أصحابنا منهم صاحبا الشامل والعدة وآخرون. ذكره صاحب العدة في آخر باب موقف الإمام والمأموم هناك، وذكره المزني عن الشافعي في المختصر) (3)

ويدل على هذا النصوص الكثيرة الواردة بأمر الأهل بالصلاة، أو نحوها من العبادات وتقوى الله، كقوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ} (طه:132)، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ عَلَيْهَا مَلائِكَةٌ

__________

(1) رواه أبو داود والترمذي وغيرهما بأسانيد صحيحة.

(2) المجموع: 3/ 11.

(3) المجموع: 3/ 11.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (156)

غِلاظٌ شِدَادٌ لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ} (التحريم:6)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (كلكم راع ومسئول عن رعيته، والرجل راع في أهله ومسئول عن رعيته) (1)

حكم صلاة الصبي

اختلف الفقهاء في وجوب الصلاة على الصبي ابن عشر سنين على قولين:

القول الأول: لا تجب الصلاة على الصبي حتى يبلغ، وهو قول جماهير الفقهاء، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ)

2. أنه صبي فلم يجب عليه كالصغير، ولأن الصبي ضعيف العقل والبنية، ولا بد من ضابط يضبط الحد الذي تتكامل فيه بنيته وعقله، فإنه يتزايد تزايدا خفي التدريج، فلا يعلم ذلك بنفسه، والبلوغ ضابط لذلك، ولهذا تجب به الحدود، وتؤخذ به الجزية من الذمي إذا بلغه، ويتعلق به أكثر أحكام التكليف، فكذلك الصلاة.

3. أن التأديب المشروع في حقه للتمرين والتعويد، كالضرب على تعلم الخط والقرآن والصناعة وأشباهها، ولا خلاف في أنها تصح من الصبي العاقل.

القول الثاني: تجب الصلاة على الصبي قبل بلوغه، وهو قول لبعض الحنابلة (2)؛ ومن الأدلة على ذلك:

1. أن العقوبة لا تشرع إلا لترك واجب.

2. أن حد الواجب: ما عوقب على تركه.

الترجيح:

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) ذكر ابن قدامة أن الدافع إليه ما روي أن أحمد قد نقل عنه في ابن أربع عشرة: إذا ترك الصلاة يعيد، وقد أول ابن قدامة هذه الرواية على أن أحمد، رحمه الله أمر بذلك على طريق الاحتياط. المغني: 1/ 357.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (157)

نرى أن الأرجح في المسألة هو وجوب الصلاة على الصبي قبل البلوغ، مع كون العقوبة مسلطة على المتولي أمره في حال تقصيره.

ويدل على هذا ما ورد به النص من ضربه على الصلاة إذا بلغ عشرا، ولا يضرب إلا على واجب.

ويدل عليه من الناحية المقاصدية أن تهاون الآباء سببه عادة تصورهم أن الصبي قد رفع عنه القلم، فلا يحاسب على تصرفاته، فلذلك يتركون له حريته في هذا المجال، مع أن حياته جميعا مرتبطة بالتربية التي يتلقاها في فترة صباه.

شروط صحة صلاة الصبي

نص الفقهاء على أنه يعتبر لصلاة الصبي من الشروط ما يعتبر في صلاة البالغ من الطهارة وستر العورة واستقبال القبلة ونحوها.

ونرى أنه مع هذا يمكن التساهل في بعض الشروط أحيانا، لأن المقصد من أمر الصبي بالصلاة هو التمرين والتأديب، فلذلك يهتم الاهتمام الأول بالحرص على الصلاة في مواقيتها، ثم يدرب بعد ذلك تدريجيا على شروطها.

وربما يستدل لهذا بقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار) (1)، فهو يدل على صحة صلاة غير الحائض بغير الخمار، أي أن الصبية الصغيرة ـ وهي ممن يؤمر بالصلاة باتفاق الفقهاء ـ لا يشترط في ستر عورتها ما يشترط في ستر عورة المرأة.

وربما يستدل لهذا كذلك بحديث عمرو بن مسلمة ـ والذي سنذكره في محله من هذا المطلب ـ، وفيه: (فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا إست قارئكم فاشتروا فقطعوا لي قميصاً فما

__________

(1) رواه ابن حبان، والحاكم، والبيهقي.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (158)

فرحت بشيء فرحي بذلك القميص) (1)

الذهاب بالأولاد إلى المساجد

وهي من المسائل الواقعية المهمة التي تحتاج إلى فهم وتوعية صحيحة للتعامل معها تعاملا شرعيا يصب في تنمية البعد الروحي للولد، وذلك لأن الواقع يعج بأحد نوعين، كلاهما من السلوك المتطرف:

الأول: هو التشدد في منع الأولاد من الذهاب إلى المساجد، بل وإخراجهم منها حال دخولهم، وأحيانا بتشدد قد يسبب لهم عقدة من المساجد وأهلها، ويستدلون لهذا بما يروونه عنه صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (جنبوا مساجدكم صبيانكم وخصوماتكم وحدودكم وشراءكم وبيعكم وجمروها يوم جمعكم واجعلوا على أبوابها مطاهركم) (2)، وفي رواية (جنبوا مساجدكم صبيانكم ومجانينكم وشراءكم وبيعكم وخصوماتكم ورفع أصواتكم وإقامة حدودكم وسل سيوفكم واتخذوا على أبوابها المطاهر وجمروها في الجمع) (3)

ويستدلون لذلك بما كان يفعله عمر من أنه كان إذا رأى صبيانا يلعبون في المسجد ضربهم بالمخفقة وهي الدرة وكان يعس المسجد بعد العشاء، فلا يترك فيه أحدا (4).

الثاني: هو التساهل مع الأولاد في المساجد، تساهلا أدى في كثير من الأحيان إلى جعل المساجد محال للعب واللهو، بحيث تشوش على المصلين ما هم فيه من عبادة الله.

ويستدل هؤلاء بالنصوص الدالة على عدم منع الأولاد من المساجد، وهي أقوى مما استدل به المخالفون، ومن تلك النصوص:

__________

(1) رواه البخاري والنسائي بنحوه.

(2) رواه الطبراني.

(3) رواه ابن ماجه، وقال بن الجوزي إنه حديث لا يصح ورواه البزار من حديث بن مسعود وقال ليس له أصل من حديثه وله طريق أخرى واهية، انظر: تلخيص الحبير: 4/ 188.

(4) ابن كثير:3/ 294.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (159)

1. ما روي عن أبي هريرة قال: كنا نصلي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم العشاء، فإذا سجد وثب الحسن والحسين على ظهره، فإذا رفع رأسه أخذهما من خلفه أخذاً رفيقاً ويضعهما على الأرض فإذا عاد عادا حتى قضى صلاته ثم أقعد أحدهما على فخذيه قال: فقمت إليه فقلت: (يا رسول اللَّه أردهما) فبرقت برقة فقال لهما: (الحقا بأمكما فمكث ضؤوها حتى دخلا) (1)

2. حديث أمامة المتفق عليه.

3. عن أنس أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إني لأسمع بكاء الصبي وأنا في الصلاة فأخفف مخافة أن تفتتن أمه) (2)

وانطلاقا من هذا الخلاف الواقعي نرى أن النصوص الصحيحة تنص على جواز إدخال الأولاد المساجد، والمصلحة الشرعية تقتضي إدخالهم المساجد، لأن المسجد من أهم المؤسسات التربوية التي ينمو الولد في أحضانها ويستمد من بركاتها.

ولكن المسجد ينبغي أن يظل في ذهن الولد مرتبطا بالقداسة والحرمة، فلذلك لو تركت له حرية العبث فيه واللعب لذهبت عنه حرمته، زيادة على تأثيره على المصلين بتشويشهم وشغلهم عما هم فيه من عبادة.

فلذلك كان القول الوسط هو أن يذهب الولي أو المربي مع الأولاد إلى المسجد، بل يجعلهم أمامه وبجنبه، ويعمق فيهم قبل ذلك حرمة المسجد باعتباره بيت الله، وبيتا للعبادة، فذلك كفيل بأن يستفيدوا من المسجد تربويا من جهة، وتحفظ للمسجد هيبته وقدسيته من جهة أخرى.

صلاة الجماعة بالصبيان

__________

(1) رواه أحمد، وابن عساكر، وفي إسناد أحمد كامل بن العلاء وفيه مقال معروف.

(2) رواه البخاري ومسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (160)

اختلف الفقهاء في انعقاد الجماعة بالصبيان على الأقوال التالية:

القول الأول: صحة انعقاد الجماعة باثنين أحدهما صبي من غير فرق بين الفرض والنفل، وهو قول الشافعية، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن ابن عباس قال: بت عند خالتي ميمونة فقام النبي صلى الله عليه وآله وسلم يصلي من الليل، فقمت أصلي معه فقمت عن يساره فأخذ برأسي وأقامني عن يمينه (1)، وفي لفظ: صليت مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا يومئذ ابن عشر وقمت إلى جنبه عن يساره فأقامني عن يمينه قال وأنا يومئذ ابن عشر سنين (2)

2. أن رفع القلم الذي استدل به المخالفون لا يدل على عدم صحة صلاته وانعقاد الجماعة به ولو سلم لكان مخصصاً بحديث ابن عباس ونحوه.

القول الثاني: لا تنعقد إمامة من معه صبي فقط، قال الشوكاني: (وقد ذهب إلى أن الجماعة لا تنعقد بصبي الهادي والناصر والمؤيد باللَّه وأبو حنيفة وأصحابه)، ومن الأدلة على ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاث)، فذكر الصبي حتى يبلغ.

القول الثالث: التفريق بين الفرض والنفل، فتصح في النافلة، ولا تصح في الفريضة، وهو قول مالك ورواية عن أبي حنيفة.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على ما ذكرنا سابقا من أن الصبي مكلف بالصلاة، زيادة على ما في ذلك من المصالح الشرعية، ومن أهمها إقامة الوالد الصلاة جماعة في بيته مع أولاده ليمرنهم على الصلاة ويعودهم عليها.

إمامة الصبي

__________

(1) رواه الجماعة.

(2) رواه أحمد.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (161)

اختلف الفقهاء في جواز إمامة الصبي على الأقوال التالية:

القول الأول: جواز إمامة الصبي، وهو قول الحسن وإسحاق والشافعي، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن عمرو بن مسلمة قال: لما كانت وقعة الفتح بادر كل قوم بإسلامهم وبادر أبي قومي بإسلامهم فلما قدم قال: جئتكم من عند النبي صلى الله عليه وآله وسلم حقاً فقال: صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا فإذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم وليؤمكم أكثركم قرآناً فنظروا فلم يكن أحد أكثر قرآناً مني لما كنت أتلقى من الركبان فقدموني بين أيديهم وأنا ابن ست سنين أو سبع سنين وكانت عليَّ بردة كنت إذا سجدت تقلصت عني فقالت امرأة من الحي: ألا تغطون عنا إست قارئكم فاشتروا فقطعوا لي قميصاً فما فرحت بشيء فرحي بذلك القميص) (1)، ورواه أبو داود وقال فيه:} (وأنا ابن سبع سنين أو ثمان سنين)

2. أن قوله: (صلوا صلاة كذا في حين كذا وصلاة كذا في حين كذا) يدل على أن ذلك كان في فريضة.

3. قوله: (فإذا حضرت الصلاة فليؤذن لكم أحدكم) لا يحتمل غير الفريضة لأن النافلة لا يشرع لها الأذان.

القول الثاني: عدم جواز إمامة الصبي، وقد نسبه الشوكاني للهادي والناصر والمؤيد باللَّه من أهل البيت، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن ابن مسعود قال: (لا يؤم الغلام حتى تجب عليه الحدود)

2. عن ابن عباس قال: (لا يؤم الغلام حتى يحتلم) (2)

3. أن صلاته غير صحيحة لأن الصحة معناها موافقة الأمر والصبي غير مأمور.

__________

(1) رواه البخاري والنسائي بنحوه.

(2) رواهما الأثرم في سننه.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (162)

4. أن العدالة شرط للإمامة والصبي غير عدل (1).

القول الثالث: كراهة إمامة الصبي، وهو قول الشعبي والأوزاعي والثوري ومالك.

القول الرابع: الإجزاء في النوافل دون الفرائض، وهو المشهور عن أحمد وأبي حنيفة، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن حديث عمرو المذكور كان في نافلة لا فريضة.

2. ما روي عن أحمد بن حنبل أنه كان يضعف أمر عمرو بن سلمة وروى عن ذلك عنه الخطابي في المعالم (2).

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو التشدد في شروط الإمامة، ولذلك نرى أن إمامة الصلاة تقتضي البلوغ والعقل والعدالة والعلم ونحو ذلك.

موقف الصبي في الصف

وهي من المسائل المهمة والواقعية، ومما يتعلق به استفادة الأولاد من دخولهم المساجد وصلاتهم فيها، وقد وردت النصوص بتقدم صفوف الرجال على الغلمان، وتقدم صفوف الغلمان على النساء، ومن تلك النصوص:

1. عن أبي مالك الأشعري: عن رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم أنه كان يسوي بين الأربع ركعات في القراءة والقيام ويجعل الركعة الأولى هي أطولهن لكي يثوب الناس، ويجعل الرجال قدام الغلمان، والغلمان خلفهم والنساء خلف الغلمان (3).

__________

(1) وقد رد على هذا بأن العدالة نقيض الفسق وهو غير فاسق لأن الفسق فرع تعلق الطلب ولا تعلق وانتفاء كون صلاته واجبة عليه لا يستلزم عدم صحة إمامته.

(2) وقد رد على هذا بأن عمرو بن سلمة صحابي مشهور، قال في التقريب: صحابي صغير نزل بالبصرة وقد روى ما يدل على أنه وفد على النبي (كما تقدم.

(3) رواه أحمد.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (163)

2. عن أبي مالك الأشعري قال: (ألا أحدثكم بصلاة النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: فأقام الصلاة وصف خلفهم الغلمان ثم صلى بهم فذكر صلاته) (1)

3. عن أنس أن جدته مليكة دعت رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم لطعام صنعته فأكل ثم قال: (قوموا فلأصلي لكم)، فقمت إلى حصير لنا قد سود من طول ما لبس، فنضحته بماء، فقام عليه رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم وقمت أنا واليتيم وراءه وقامت العجوز من ورائنا فصلى لنا ركعتين ثم انصرف (2).

4. عن أنس قال: صليت أنا واليتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمي خلفنا أم سليم (3).

وقد قيد العلماء هذه النصوص فيما لو كان الأولاد اثنين فصاعداً، فإن كان صبي واحد دخل مع الرجال ولا ينفرد خلف الصف، ويدل على ذلك ما روي عن أنس قال: صليت أنا واليتيم في بيتنا خلف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأمي خلفنا أم سليم (4)، فإن اليتيم لم يقف منفرداً بل صف مع أنس.

ونرى أن يخصص للأولاد في حال كثرتهم والخشية على نظافة المسجد، أو الخشية من تشويشهم على المصلين مكان خاص يصلون فيه، كما خصص للنساء هذا المكان، بشرط أن يكون معهم من الكبار من يوجههم ويعلمهم، فيستفيدون بذلك من كلا الجهتين: الدخول للمسجد والصلاة فيه، والتأدب بآداب المسجد.

3 ـ صيام الصبي

وهو من العبادت المهمة التي لها تأثيرها التربوي الكبير في صقل شخصية الولد،

__________

(1) رواه أبو داود.

(2) رواه الجماعة إلا ابن ماجه.

(3) رواه البخاري.

(4) رواه البخاري.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (164)

وتمرينه على الرجولة والإرادة والبعد عن مظاهر الترف من صغره.

وسنكتفي هنا بالحديث عما ذكره الفقهاء من مسائل تخص صيام الصبي محاولين تبيان ما يحقق المقاصد الشرعية من هذه العبادة.

العمر الذي يؤمر فيه الصبي بالصيام

اختلف الفقهاء في العمر الذي يؤمر في الصبي بالصيام على الأقوال التالية (1):

القول الأول: إذا بلغ عشر سنين يلزم بالصيام، بشرط أن يطيق الصوم، وهو قول عطاء، والحسن، وابن سيرين، والزهري وقتادة، والشافعي، وقد نصوا على أنه يلزم بالصيام، ويضرب على تركه، ليتمرن عليه، ويتعوده، كما يلزم الصلاة ويؤمر بها.

القول الثاني: إذا أطاق صوم ثلاثة أيام تباعا، لا يخور فيهن ولا يضعف، حمل صوم شهر رمضان، وهو قول الأوزاعي، ومن الأدلة على ذلك: قوله صلى الله عليه وآله وسلم (إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام وجب عليه صيام الشهر كله) وفي رواية: (تجب الصلاة على الغلام إذا عقل والصوم إذا أطاق والحدود والشهادة إذا احتلم) (2)

القول الثالث: إذا بلغ ثنتي عشرة سنة يكلف الصوم للعادة، وهو قول إسحاق.

القول الرابع: أن الصوم لا يشرع في حق الصبيان، وهو المشهور عن المالكية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ارتباط صوم الصبي بقدرته وطاقته، وهي تختلف باختلاف السن، والفصل الذي يصام فيه، واختلاف قدرة الصبي الجسمية.

ولا يمكن قياس الصوم على الصلاة هنا، لأنه لو كان الأمر كذلك، لنص عليه صلى الله عليه وآله وسلم كما نص على الصلاة.

__________

(1) المجموع:6/ 254.

(2) قال الشوكاني: (هذا الحديث ذكره السيوطي في الجامع الصغير وقال أخرجه المرهبي عن ابن عباس)

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (165)

ونرى قبل أن يؤمر الصبي على الصوم أن يمرن على الجوع والعطش أحيانا، كتدريب له لا على الصوم فقط، وإنما على ما تقتضيه الحياة من متاعب، كما سنرى في البعد الاجتماعي.

وقت وجوب الصوم على الصبي

اختلف الفقهاء في العمر الذي يجب فيه الصوم على الصبي على قولين:

القول الأول: لا يجب عليه الصوم حتى يبلغ، قال ابن قدامة: (وهذا قول أكثر أهل العلم)، ومن الأدلة على ذلك:

1. قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاث: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق، وعن النائم حتى يستيقظ)

2. أنه عبادة بدنية، فلم تجب على الصبي، كالحج.

3. أن حديث المخالفين مرسل، مع أنه يمكن حمله على الاستحباب، وسماه واجبا، تأكيدا لاستحبابه، كقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (غسل الجمعة واجب على كل محتلم) (1)

القول الثاني: أنه يجب على الغلام المطيق له إذا بلغ عشرا، وهو قول بعض الحنابلة (2)، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي لبيبة، عن أبيه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا أطاق الغلام صيام ثلاثة أيام، وجب عليه صيام شهر رمضان) (3)

2. أنه عبادة بدنية، فأشبه الصلاة، وقد أمر النبي صلى الله عليه وآله وسلم بأن يضرب على الصلاة من بلغ عشرا.

__________

(1) رواه البخاري:2/ 3، وأبو داود رقم (337)

(2) قال القاضي: (المذهب عندي، رواية واحدة: أن الصلاة والصوم لا تجب حتى يبلغ، وما قاله أحمد في من ترك الصلاة يقضيها. نحمله على الاستحباب)

(3) رواه أبو نعيم في المعرفة والديلمي.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (166)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو ارتباط وجوب الصوم بالبلوغ، مع أنه يشدد عليه قبل ذلك، حرصا على تمرنه على الصوم قبل البلوغ.

ولو صح الحديث الذي ذكره أصحاب القول الثاني لكان نصا في المسألة، ومخالفة جماهير العلماء له من أدلة عدم صحته.

بلوغ الصبي أثناء الصوم

اختلف الفقهاء فيما لو بلغ الصبي أثناء صومه رمضان، هل يجب عليه قضاء ذلك اليوم أم لا على قولين:

القول الأول: إذا نوى الصبي الصوم من الليل، فبلغ في أثناء النهار بالاحتلام أو السن، يتم صومه، ولا قضاء عليه، وهو قول للحنابلة، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن نية صوم رمضان حصلت ليلا فيجزئه كالبالغ.

2. أنه لا يمتنع أن يكون أول الصوم نفلا وباقيه فرضا، كما لو شرع في صوم يوم تطوعا، ثم نذر إتمامه.

القول الثاني: أنه يلزمه القضاء، وهو قول للحنابلة، واختاره أبو الخطاب، ومن الأدلة على ذلك:

1. أنه عبادة بدنية بلغ في أثنائها بعد مضي بعض أركانها، فلزمته إعادتها، كالصلاة، والحج إذا بلغ بعد الوقوف.

2. أنه ببلوغه يلزمه صوم جميعه، والماضي قبل بلوغه نفل، فلم يجز عن الفرض.

3. أنه لو نذر صوم يوم يقدم فلان فقدم والناذر صائم؛ لزمه القضاء.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على توفر جميع شرائط صحة الصوم

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (167)

من النية والامتناع عن المفطرات، زيادة على أنه لا يمكن اعتبار صومه لغوا، فنوجب عليه قضاءه.

قضاء ما مضى من الشهر قبل بلوغه

اختلف الفقهاء في وجوب قضاء ما مضى من شهر رمضان إذا بلغ الصبي أثناء الشهر على قولين:

القول الأول: أن ما مضى من الشهر قبل بلوغ الصبي لا يجب قضاؤه، قال ابن قدامة: (هذا قول عامة أهل العلم)، لأنه زمن مضى في حال صباه، فلم يلزمه قضاء الصوم فيه، كما لو بلغ بعد انسلاخ رمضان.

القول الثاني: يقضيه إن كان أفطره وهو مطيق لصيامه، وهو قول الأوزاعي.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ما ذكرناه سابقا من عدم القضاء مطلقا، لأن الشرع خص القضاء بأحوال معينة محدودة، زيادة على ما في ذلك من المفاسد من تصور الصبي أنه بإمكانه التفريط في الواجبات، ثم الاكتفاء بعد ذلك بقضائها، وهو ما قد يريبه على خلق الإهمال في حياته جميعا.

4 ـ حج الصبي

اتفق الفقهاء على جواز حج الصبي، بل استحبابه، وقد نقل ابن عبد البر من نصوا على هذا، فقال: (أجازه مالك والشافعي وسائر فقهاء الحجاز من أصحابهما وغيرهم، وأجازه الثوري وأبو حنيفة وسائر فقهاء الكوفيين، وأجازه الأوزاعي والليث بن سعد، فيمن سلك سبيلهما من أهل الشام ومصر، وكل من ذكرناه يستحب الحج بالصبيان،

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (168)

ويأمر به ويستحسنه، وعلى ذلك جمهور العلماء من كل قرن) (1)

بل نقل الإجماع على ذلك، قال الطحاوي: (وهذا مما قد أجمع الناس جميعا عليه، ولم يختلفوا أن للصبي حجا، كما أن له صلاة) (2)

ولكن مع هذا، قد ذكر ابن عبد البر خلافا في المسألة لم يذكر قائله، قال: (وقالت طائفة: لا يحج بالصبيان، وهو قول لا يشتغل به، ولا يعرج عليه، لأن النبي صلى الله عليه وآله وسلم حج بأغيلمة بني عبد المطلب وحج السلف بصبيانهم، وقال في الصبي له حج، وللذي يحجه أجر، يعني بمعونته له وقيامه في ذلك به، فسقط كل ما خالف هذا من القول) (3)

واتفقوا على أن الصبي يثاب على ذلك الحج، وإن لم يكن مفروضا عليه، قال الشافعي مبينا أدلة هذا ـ وإن كانت من المعلوم من الدين بالضرورة ـ: (إن الله (جل ثناؤه) بفضل نعمته، أثاب الناس على الأعمال أضعافها ومن على المؤمنين بأن ألحق بهم ذرياتهم، ووفر عليهم أعمالهم. فقال: {أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ} (الطور:21)، فكما من على الذراري بإدخالهم جنته بلا عمل كان أن من عليهم بأن يكتب عليهم عمل البر في الحج: وإن لم يجب عليهم من ذلك المعنى)

وقد أجاب ابن عبد البر على الاعتراض الذي طرحه، وهو (ما معنى الحج بالصغير، وهو عندكم غير مجزاء عنه من حجة الإسلام إذا بلغ، وليس ممن تجري له وعليه؟)، فقال: (أما جري القلم له بالعمل الصالح فغير مستنكر أن يكتب للصبي درجة وحسنة في الآخرة بصلاته وزكاته وحجه وسائر أعمال البر التي يعملها على سنتها، تفضلا من الله عز وجل عليه، كما تفضل على الميت بأن يؤجر بصدقة الحي عنه،

__________

(1) التمهيد: 1/ 101.

(2) شرح معاني الآثار: 2/ 257.

(3) التمهيد: 1/ 101.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (169)

ويلحقه ثواب ما لم يقصده، ولم يعمله، مثل الدعاء له، والصلاة عليه، ونحو ذلك. ألا ترى أنهم أجمعوا على أن أمروا الصبي إذا عقل الصلاة بأن يصلي، وقد صلى رسول الله بأنس واليتيم معه، والعجوز من ورائهما. وأكثر السلف على ايجاب الزكاة في أموال اليتامى، ويستحيل أن لا يؤجروا على ذلك، وكذلك وصاياهم إذا عقلوا. وللذي يقوم بذلك عنهم أجر، كما للذي يحجبهم أجر، فضلا من الله ونعمة، فلأي شيء يحرم الصغير التعرض لفضل الله؟) (1)

وقد اختلف الفقهاء في بعض المسائل المتعلقة بحج الصبي، والتي سنعرض لها في هذا المطلب (2):

إجزاء حج الصبي عن حجة الإسلام

اختلف الفقهاء في إجزاء حج الصبي عن حجة الإسلام على قولين:

القول الأول: أن الصبي إذا حج قبل بلوغه، أجزأه ذلك من حجة الإسلام، ولم يكن عليه أن يحج بعد ذلك بعد بلوغه، وقد ذكره أبو جعفر الطحاوي في (شرح معاني الآثار) من غير أن يسميه، قال: (ذهب قوم إلى أن الصبي إذ حج قبل بلوغه أجزأه من حجة الإسلام، ولم يكن عليه أن يحج بعد بلوغه)، ومن الأدلة على ذلك:

1. عن ابن عباس أن امرأة سألت النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن صبي: هل لهذا من حج؟ قال: نعم، ولك أجر (3).

2. أنه لا يصح قياس الحج على الصلاة في الإجزاء ـ كما فعل المخالفون ـ لأن الله تعالى إنما أوجب الحج على من وجد إليه سبيلا، ولم يوجبه على غيره، فكان من لم يجد سبيلا

__________

(1) التمهيد: 1/ 103.

(2) من مراجع هذا المطلب: التمهيد: 1/ 101، المجموع: 7/ 30، شرح الزرقاني: 2/ 523، مواهب الجليل: 2/ 478، شرح النووي على مسلم: 9/ 99.

(3) رواه مسلم، ابن خزيمة، البيهقي، وغيرهم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (170)

إلى الحج، فلا حج عليه، كالصبي الذي لم يبلغ.

3. أن الفقهاء قد أجمعوا أن من لم يجد سبيلا إلى الحج، فحمل على نفسه ومشى حتى حج، أن ذلك يجزيه، وإن وجد إليه سبيلا بعد ذلك، لم يجب عليه أن يحج ثانية، للحجة التي قد كان حجها قبل وجوده السبيل. فكان النظر - على ذلك - أن يكون كذلك الصبي إذا حج قبل البلوغ، ففعل ما لم يجب عليه، أجزاه ذلك، ولم يجب عليه أن يحج ثانية بعد البلوغ.

القول الثاني: لا يجزيه من حجة الإسلام، وعليه بعد بلوغه حجة أخرى، وهو قول جماهير الفقهاء، بل حكي الإجماع على ذلك، قال ابن المنذر: (أجمع أهل العلم، إلا من شذ عنهم ممن لا يعتد بقوله خلافا على أن الصبي إذا حج في حال صغره، والعبد إذا حج في حال رقه، ثم بلغ الصبي وعتق العبد، أن عليهما حجة الإسلام، إذا وجدا إليهما سبيلا)، ثم ذكر من القائلين بهذا: (كذلك قال ابن عباس، وعطاء، والحسن، والنخعي، والثوري، ومالك، والشافعي، وإسحاق، وأبو ثور، وأصحاب الرأي. قال الترمذي: وقد أجمع أهل العلم عليه)، ومن الأدلة على ذلك:

1. قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إني أريد أن أجدد في صدور المؤمنين عهدا، أيما صبي حج به أهله فمات أجزأت عنه، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما مملوك حج به أهله، فمات، أجزأت عنه، فإن أعتق، فعليه الحج) (1)

2. أن الحج عبادة بدنية، فعلها قبل وقت وجوبها، فلم يمنع ذلك وجوبها عليه في وقتها، كما لو صلى قبل الوقت، وكما لو صلى، ثم بلغ في الوقت.

3. أن الحديث الذي استدل به المخالفون إنما فيه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أخبر أن للصبي حجا، كما أن له صلاة، وليست تلك الصلاة بفريضة عليه. فكذلك أيضا قد يجوز أن يكون

__________

(1) ذكره ابن قدامة، وقال: (رواه سعيد، في (سننه)، والشافعي، في (مسنده)، عن ابن عباس من قوله) انظر: المغني: 3/ 104.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (171)

له حج، وليس ذلك الحج بفريضة عليه.

4. أن هذا الحديث إنما هو حجة على من زعم أنه لا حج للصبي، فأما من يقول: إن له حجا، وإنه غير فريضة، فلم يخالف شيئا من هذا الحديث، وإنما خالف تأويل مخالفة خاصة.

5. أن ابن عباس الذي روى هذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال بأنه لا يجزيه بعد بلوغه من حجة الإسلام، والأصل أن من روى حديثا فهو أعلم بتأويله، فعن أبي السفر، قال: سمعت ابن عباس يقول: (يا أيها الناس، أسمعوني ما تقولون، ولا تخرجوا، تقولون قال ابن عباس أيما غلام حج به أهله، فمات، فقد قضى حجة الإسلام، فإن أدرك فعليه الحج، وأيما عبد حج به أهله فمات، فقد قضى حجة الإسلام، فإن أعتق فعليه الحج)، وعن يونس بن عبيد صاحب الحلي، قال: سألت ابن عباس عن المملوك إذا حج ثم عتق بعد ذلك؟ قال: عليه الحج أيضا، وعن الصبي يحج ثم يحتلم، قال: يحج أيضا.

6. قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (رفع القلم عن ثلاثة، عن الصغير حتى يكبر)، فثبت أن القلم عن الصبي مرفوع، ثبت أن الحج عليه غير مكتوب.

7. أن الإجماع منعقد على أن الصبي لو دخل في وقت صلاة فصلاها، ثم بلغ بعد ذلك في وقتها أن عليه أن يعيدها، وهو في حكم من لم يصلها، فلما ثبت ذلك من اتفاقهم، ثبت أن الحج كذلك، وأنه إذا بلغ وقد حج قبل ذلك، أنه في حكم من لم يحج، وعليه أن يحج بعد ذلك.

8. أن ما استدل به المخالفون من الذي لا يجد السبيل، إنما سقط الفرض عنه لعدم الوصول إلى البيت، فإذا مشى فصار إلى البيت، فقد بلغ البيت، وصار من الواجدين للسبيل، فوجب الحج عليه لذلك، فلذلك قلنا إنه أجزأه حجة، ولأنه صار بعد بلوغه البيت، كمن كان منزله هنالك، فعليه الحج. وأما الصبي ففرض الحج غير واجب عليه،

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (172)

قبل وصوله إلى البيت، وبعد وصوله إليه، لرفع القلم عنه فإذا بلغ بعد ذلك، فحينئذ وجب عليه فرض الحج. فلذلك قلنا: إن ما قد كان حجه قبل بلوغه، لا يجزيه، وأن عليه أن يستأنف الحج بعد بلوغه، كمن لم يكن حج قبل ذلك.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الثاني، بناء على أن الحج يختلف عن الصلاة والصوم، فأسرار مقاصده لا يفقهها إلا من من بلغ عمرا يسمح له بذلك.

زيادة على أنه فرض مرة واحدة في العمر، بخلاف العبادات الأخرى التي تتكرر بدورات منتظمة.

البلوغ حال الإحرام

اتفق الفقهاء على أنه إذا بلغ الصبي فأحرم ووقف بعرفة، وأتم المناسك، أجزأه عن حجة الإسلام، قال ابن قدامة: (لا نعلم فيه خلافا) والدليل على ذلك أنه لم يفته شيء من أركان الحج، ولا فعل شيئا منه قبل وجوبه.

أما إن بلغ وهو محرم، فقد اختلف الفقهاء في إجزاء حجه عن حجة الإسلام على الأقوال التالية:

القول الأول: أجزأه عن حجة الإسلام، وهو قول ابن عباس، والشافعي، وإسحاق، ومن الأدلة على ذلك:

1. أنه أدرك الوقوف حرا بالغا فأجزأه، كما لو أحرم تلك الساعة.

2. أنه جائز لكل من نوى باهلاله الإحرام، أن يصرفه إلى ما شاء من حج أو عمرة، وذلك لحديث علي، إذ قال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين أقبل من اليمن، مهلا بالحج (بم أهللت)؟ قال: قلت لبيك اللهم، باهلال كاهلال النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإني أهللت بالحج، وسقت الهدي ولم ينكر عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقالته، ولا أمره بتجديد نية

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (173)

لافراد أو قران، أو متعة.

القول الثاني: لا يجزئه ذلك عن حجة الإسلام، وهو قول مالك، واختاره ابن المنذر، ومن الأدلة على ذلك: أن الله تعالى أمر كل من دخل في حج أو عمرة بإتمام ما دخل فيه، لقوله: {وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ} (البقرة:196)، ومن رفض إحرامه، لم يتم حجه، ولا عمرته.

القول الثالث: أن الصبي إن جدد إحراما بعد أن احتلم قبل الوقوف، أجزأه، وإلا فلا، وهو قول الحنفية، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن إحرامه لم ينعقد واجبا، فلا يجزئ عن الواجب، كما لو بقي على حاله.

2. أن الحج الذي كان فيه لمَّا لم يكن يجزي عنه، ولم يكن الفرض لازمًا له حين أحرم به، ثم لزمه حين بلغ، استحال أن يشتغل عن فرض قد تعين عليه بنافلة، ويعطل فرضه، كمن دخل في نافلة واقيمت عليه المكتوبة، وخشي فوتها، قطع النافلة ودخل المكتوبة.

3. أنه احتاج إلى الإحرام، لأن الحج مفتقر إلى النية، لأن النية والإحرام من فرائضه.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على كونه كان بالغا أثناء الوقوف بعرفة، ولم يكن اعتبا ر إحرامه لغوا، زيادة على أن التكاليف الكثيرة للحج، وكثرة الحجيج يستدعي التيسير في هذا الجانب.

إحرام الصبي

اتفق الفقهاء على أن الصبي إن كان مميزا أحرم بإذن وليه، واختلفوا فيما لو كان غير مميز على قولين:

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (174)

القول الأول: أحرم عنه وليه؛ فيصير محرما بذلك، وقد روي عن عطاء، والنخعي، وهو قول مالك، والشافعي، ومن الأدلة على ذلك:

1. ما روى ابن عباس قال: رفعت امرأة صبيا، فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟ قال: نعم، ولك أجر)

2. عن السائب بن يزيد، قال: حج بي مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم وأنا ابن سبع سنين.

3. أن أبا حنيفة قال: يجتنب ما يجتنبه المحرم. ومن اجتنب ما يجتنبه المحرم كان إحرامه صحيحا.

4. أن النذر لا يجب به شيء، بخلاف هذه المسألة.

القول الثاني: لا ينعقد إحرام الصبي، ولا يصير محرما بإحرام وليه، وهو قول أبي حنيفة، ومن الأدلة على ذلك: أن الإحرام سبب يلزم به حكم، فلم يصح من الصبي، كالنذر.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة من باب التيسير ورفع الحرج، وهو ناحية ملحوظة في فقه العبادات القول الأول.

أفعال الحج

تنقسم أفعال الصبي في الحج إلى قسمين (1):

ما يمكنه أن يفعله بنفسه: وذلك كالوقوف بعرفة والمبيت بمزدلفة، ونحوهما، وقد اتفق الفقهاء على أنه يلزمه فعله، ولا ينوب غيره عنه فيه.

ويدخل في هذا النوع الإحرام، فإن الصبي يجرد كما يجرد الكبير، وقد روي عن عائشة ا أنها كانت تجرد الصبيان إذا دنوا من الحرم.

__________

(1) المغني:3/ 108.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (175)

ما لا يمكنه أن يفعله بنفسه: وذلك لعجزه عنه، وقد اتفق الفقهاء على أن الولي يقوم بذلك نيابة عنه، قال ابن المنذر: (كل من حفظت عنه من أهل العلم يرى الرمي عن الصبي الذي لا يقدر على الرمي، كان ابن عمر يفعل ذلك. وبه قال عطاء، والزهري، ومالك، والشافعي، وإسحاق)

وقد روي عن ابن عمر: أنه كان يحج صبيانه وهم صغار، فمن استطاع منهم أن يرمي رمى، ومن لم يستطع أن يرمي رمى عنه.

وروى عن أبي إسحاق، أن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة.

وقال جابر: خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حجاجا، ومعنا النساء والصبيان، فأحرمنا عن الصبيان) (1)، فقال: (فلبينا عن الصبيان، ورمينا عنهم)، وفي رواية الترمذي، قال: (فكنا نلبي عن النساء، ونرمي عن الصبيان)

وقد نص بعض الفقهاء على أنه يستحب إشراك الصبي في هذا النوع من الأفعال، قال القاضي: (إن أمكنه أن يناول النائب الحصى ناوله، وإن لم يمكنه استحب أن يوضع الحصى في يده فيرمي عنه، وإن وضعها في يد الصغير، ورمى بها، فجعل يده كالآلة، فحسن. ولا يجوز أن يرمي عنه إلا من قد رمى عن نفسه؛ لأنه لا يجوز أن ينوب عن الغير وعليه فرض نفسه)

ومثل ذلك في الطواف، فإنه إن أمكنه المشي مشى، وإلا طيف به محمولا أو راكبا، ومن الأدلة على ذلك:

1. أن أبا بكر طاف بابن الزبير في خرقة.

2. أن الطواف بالكبير محمولا لعذر يجوز، فالصغير أولى.

وقد نص الفقهاء هنا على عدم اشتراط إحرام الحامل، وعدم اشتراط إسقاط الفرض

__________

(1) رواه سعيد، في سننه وابن ماجه.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (176)

عن نفسه، أو عدم إسقاطه، لأن الطواف للمحمول لا للحامل، ولذلك أجازوا أن يطوف راكبا.

واشترطوا فيمن يطوف بالصبي أن ينوي الطواف عن الصبي، فإن لم ينو لم يجزئه؛ لأنه لما لم تعتبر النية من الصبي اعتبرت من غيره، كما في الإحرام.

نفقة الحج

اختلف الفقهاء في المال الذي تجب فيه نفقة، هل هو مال الصبي أو مال وليه على قولين:

القول الأول: ما زاد على نفقة الحضر، فيجب في مال الولي؛ وهو قول القاضي، واختاره أبو الخطاب، ومن الأدلة على ذلك: أنه كلفه ذلك، ولا حاجة به إليه.

القول الثاني: أن النفقة كلها على الصبي، وهو قول ثان للحنابلة، لأن الحج له، فنفقته عليه، ومن الأدلة على ذلك:

1. قياسا له على البالغ.

2. أن فيه مصلحة له بتحصيل الثواب له، ويتمرن عليه، فصار كأجر المعلم والطبيب.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول، بناء على الحرص على مال الصبي، خاصة مع اتفاق أكثر الفقهاء على أنه لا يغنيه عن حجة الإسلام، وقد اختار هذا القول ابن ابن قدامة، قال مستدلا لذلك: (فإن الحج لا يجب في العمر إلا مرة. ويحتمل أن لا يجب، فلا يجوز تكليفه بذل ماله من غير حاجة إليه للتمرن عليه) (1)

لزوم الفدية

__________

(1) المغني:3/ 108.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (177)

اختلف الفقهاء فيما لو وقع الصبي في محظور من محظورات الإحرام، هل تجب عليه الفدية أم لا على الأقوال التالية:

القول الأول: ما أصاب الصبي من صيد أو لباس أو طيب فدي عنه، وهو قول مالك والشافعي.

القول الثاني: لا جزاء عليه ولا فدية، وهو قول أبي حنيفة.

القول الثالث: وهي التفريق بين ما يعتبر فيه السهو، وما لا يعتبر، وهو قول الحنابلة، وذلك كما يلي:

ما يعتبر فيه السهو: وذلك مثل اللباس والطيب، فقد نصوا على أنه لا فدية على الصبي فيه؛ لأن عمده خطأ.

ما لا يعتبر فيه السهو: وذلك مثل الصيد، وحلق الشعر، وتقليم الأظفار، وقد نصوا على أن عليه فيه الفدية.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة أن حج الصبي يكاد يكون من باب التمرين على الحج، وليس حجا كاملا، فلذلك يتساهل فيه، وأسهل الأقوال هنا هو القول الثاني.

ما يلزمه من الفدية

اختلف الفقهاء في المال الذي تلزم منه الفدية، هل هو مال الصبي أو مال وليه على قولين:

القول الأول: في ماله؛ لأنها وجبت بجنايته، أشبهت الجناية على الآدمي. قال ابن المنذر: أجمع أهل العلم على أن جنايات الصبيان لازمة لهم في أموالهم.

القول الثاني: على الولي، وهو قول مالك؛ لأنه حصل بعقده أو إذنه، فكان عليه، كنفقة حجه.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (178)

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة ما ذكرناه سابقا من أنه لا يكلف الصبي في الحج بأي نفقة، باعتبار حجه لا يغنيه عن حجة الإسلام، زيادة على ما ذكرنا في الترجيح السابق من أنه لا يجب عليه شيء من الفدية على حسب ما ذهب إليه الحنفية.

لزوم القضاء

اختلف الفقهاء فيما لو وقع الصبي فيما يفسد حجه، هل يجب عليه قضاؤه أم لا على قولين كلاهما مما ذهب إليه الحنابلة:

القول الأول: لا يجب عليه قضاؤه، لئلا تجب عبادة بدنية على من ليس من أهل التكليف.

القول الثاني: يجب عليه قضاؤه، لأنه إفساد غير موجب للفدية، فأوجب القضاء.

الترجيح:

نرى أن الأرجح في المسألة هو القول الأول بناء على أن الحج ليس واجبا عليه، فهو كحج التطوع، والمتطوع أمير نفسه.

زيادة على ما يؤدي إليه القول بلزوم القضاء من التكاليف الشاقة التي لم يفرضها الشرع، خاصة وأن بناء الحج على التيسير لربطه بالاستطاعة.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (179)

الفصل الثالث

البعد الأخلاقي في تربية الأولاد

وهو من أهم الأبعاد، وأكثرها تأثيرا في الحياة، وإنما جعلناه البعد الثالث من أبعاد التربية، لكونه نتيجة وثمرة للبعدين السابقين، فالأخلاق تنبني على العقائد، وعلى مدى الإذعان لها.

ويعني هذا البعد ـ باختصار ـ الحفاظ على سلامة الفطرة الإنسانية من كل ما قد يؤثر فيها من انحرافات نتيجة ملابسة البيئة والاختلاط بالناس والتعرض للمؤثرات المختلفة.

ولهذا اعتبرنا ركن الصوم من الأركان التي ترمز إلى هذا البعد، باعتبار رياضة الصوم أو تمرين الصوم جزءا من الجهد الذي يحد به من تأثيرات ملابسة الإنسان للشهوات.

وفي هذا الفصل نحاول البحث في القواعد والتطبيقات والأصول التي تحدد لنا كيفية تحقيق هذا البعد في حياة الأولاد، فهو لا يبحث في تفاصيل الأخلاق، بل يختص ببيان أصول هذا البعد وأسسه ومنابعه.

وقد قسمناه إلى ثلاثة مباحث، تكاد تحصر كل ما يتعلق به، وهي:

1. وقاية الأولاد من أسباب الانحراف، وهي أول عملية يقوم بها المربي، وهو كالأرضية لما بعده.

2. مظاهر الانحراف ومنابعها وكيفية علاجها، وهي العملية التالية لما قبلها، فالوقاية تسبق العلاج.

3. الفضائل الخلقية، وكيفية تنميتها وتحصيلها، وهي الهدف الأسمى من هذا البعد، وقد أخرناها، باعتبارها لا يمكن تحقيقها بدون تحقيق المرتبتين السابقتين.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (180)

ونحب أن ننبه هنا إلى أنا أكثرنا من النماذج والأمثلة في هذا الباب، لأهميتها من جهة، ولتكون نماذج لغيرها من جهة أخرى.

أولا ـ الوقاية من أسباب الانحراف

وهو أول ما ينبغي أن يهتم المربي به، كما يهتم في بداية عمر الصغير بتلقيحه من كل الأوبئة التي قد تصيبه، لأنه لا يمكنه أن يبني بناء أخلاقيا رفيعا ما دام هناك من يحمل المعاول لهدم ذلك البناء.

ويشير إلى هذه الناحية المهمة في التربية الأخلاقية خصوصا، بل في سائر النواحي التربوية قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرِّقوا بينهم في المضاجع) (1) فقرن الاهتمام بالتفريق بينهم في المضاجع بالاهتمام بالصلاة نفسها، لأن الصلاة إنشاء وبناء، والتفريق وقاية من الهدم، والعاقل من يبني، ويقوي البناء، ثم هو يصوب نظره في كل ناحية مخافة الهدم.

انطلاقا من هذا سنتحدث في هذا المبحث عن أهم أسباب الانحراف وكيفية الوقاية منها، وقد رأينا من خلال استقراء الواقع أنها تعود إلى سببين كبيرين:

1. البيئة والمحيط بتياراته المختلفة، والأنماط الجديدة للحياة، والتي عزل على أساسها الوالدان من أن يكون لهما الحظ الأكبر في التربية.

2. وسائل الإعلام المختلفة، والتي صار لها تأثيرها الكبير في التربية سلبا أو إيجابا.

1 ـ البيئة والمحيط التربوي

لا خلاف في مدى ما للبيئة من تأثير عظيم في التربية ـ سلبا كان ذلك التأثير أو إيجابا ـ ويشير إلى هذا من القرآن الكريم قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ

__________

(1) رواه أحمد وأبو داود.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (181)

قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيراً} (النساء:97)

فهؤلاء المستضعفين لم يعذروا مع استضعافهم، بل اعتبروا من الظالمين لأنفسهم، بسبب أن استضعفاهم كان بسبب كسلهم وتثاقلهم إلى الأرض، فقد كان بإمكانهم أن يهاجروا، ولكنهم لم يفعلوا.

ولهذا، ورد في القرآن الكريم ربط الأمر بالعبادة ببيان سعة الأرض، قال تعالى: {يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ} (العنكبوت:56)، وقال تعالى: {قُلْ يَا عِبَادِ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا رَبَّكُمْ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ وَأَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةٌ إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ} (الزمر:10)

وسر ذلك أن البيئة التي تحيط بالإنسان والتي تبدأ بالأسرة لتتعداها إلى كل ما يحيط به لها تأثيرها الخطير في استقامته أو استقامة من يربيه.

انطلاقا من هذا نحاول أن نذكر هنا بعض المسؤولين في هذه البيئة التربوية، والسلبيات التي قد تقع منهم، فيقع الأولاد بسببها في الانحراف.

الأسرة

وهي أول ما يتعرض له الطفل من المؤثرات البيئية، فلذلك كان لاستقرارها واضطرابها التأثير الكبير على سلوكه.

وقد بحثَت مؤسسة (اليونسكو) في هيئة الأمم المتحدة عن المؤثرات الخارجة عن الطبيعة في نفس الطفل، وبعد دراسةٍ مستفيضةٍ قام بها الاختِصَاصِيّون قَدَّموا هذا التقرير: (مِمَّا لا شكَّ فيه أن البيئة المستقرة سيكولوجياً، والأسرة الموحدة التي يعيش أعضاؤها في جو من العطف المتبادل هي أول أساس يرتكز عليه تَكيّف الطفل من الناحية العاطفية، وعلى هذا الأساس يستند الطفل فيما بعد في تركيز علاقاته الاجتماعية بصورة

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (182)

مُرضِية، أما إذا شُوِّهَت شخصية الطفل بسوء معاملة الوالدين فقد يعجز عن الاندماج في المجتمع)

وقد ذهب علماء النفس إلى أن اضطراب البيئة، وما تحويه من تعقيدات، وما تشتمل عليه من أنواع الحرمان، كل هذا يجعل الطفل يشعر بأنه يعيش في عالم متناقض، مليء بالغش والخداع، والخيانة والحسد، وأنه مخلوقٌ ضعيف لا حَولَ له ولا قُوَّة تجاه هذا العالم العنيف.

ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الذي يبين عظم مسؤولية الوالدين في عجن طينة الصبي: (ما من مولود إلا ولد على الفطرة فأبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه كما تنتج البهيمة بهيمة جمعاء هل تحسون فيها من جدعاء) (1)

ولهذا نجد خطاب المربين في العادة موجها للآباء باعتبارهم المسؤول الأعظم عن التربية، كما قال الغزالي: (والصبي أمانة عند والديه، وقلبه الطاهر جوهرة نفيسة ساذَجة خالية من كل نقش وصورة، وهو قابلٌ لكل ما يُنقش، ومائلٌ لكل ما يُمال إليه، فإن عُوِّد الخبر وعُلِّمَه نشأ عليه وسُعِدَ في الدنيا والآخرة وشاركه في ثوابه كل مُعلمٍ له ومؤدب) (2)

انطلاقا من هذا، فإن الأسرة يمكن أن تكون محلا صالحا للتربية، بحيث ينشأ الولد في ظلها مستقيما معتدلا مسلما، ويمكن أن تتحول إلى مستنقع آسن يخرج الأجيال المنحرفة الضالة عن سواء السبيل.

وهذا يستدعي البحث عن الشروط التي يمكن تحقيقها في الأسرة لينجح مسعاها التربوي، ولن نفصل الكلام في هذه المسألة هنا، فكل هذه السلسلة تبحث عن السبيل لتحقيق هذه الغاية المثلى، ولكنا سنقتصر هنا على بيان شرط أساسي في نجاح التربية، وهو حسن الاختيار.

__________

(1) رواه أبو داود.

(2) إحياء علوم الدين: 3/ 72.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (183)

ونريد به ما سبق أن ذكرناه في المجموعة الأولى من هذه السلسلة من حسن اختيار الرجل لزوجته، وعدم قبول المرأة بغير الكفء لها في دينها.

ويدخل في هذا الباب ما سبق ذكره في محله من هذه السلسلة من التشديد في الزواج بالكافرات، لخطرهن على تربية الأبناء، وقد قال سيد قطب في تعليل قوله بالحرمة: (ونحن نرى اليوم أن هذه الزيجات شر على البيت المسلم، فالذي لا يمكن إنكاره واقعيا أن الزوجة اليهودية أو المسيحية أو اللادينية تصبغ بيتها وأطفالها بصبغتها، وتخرج جيلا أبعد ما يكون عن الإسلام، وبخاصة في هذا المجتمع الجاهلي الذي نعيش فيه، والذي لا يطلق عليه الإسلام إلا تجوزا في حقيقة الأمر، والذي لا يمسك من الإسلام إلا بخيوط واهية شكلية تقضي عليها القضاء الأخير زوجة تجيء من هناك) (1)

وسر هذا التشديد على ضرورة اختيار الزوجة هو ما للأم من تأثير خطير على تربية ابنها، فالصبي في مراحله الأولى ـ والتي تبدأ من خلالها تربيته ـ يأخذ من أمه أكثر من أبيه، بل يمتد هذا التأثير فيما لو كان الأب مشغولا خارج البيت، وهو الأعم الأغلب، بحيث تنفرد الأم عادة بالتربية في أكثر الأوقات.

ولهذا جعل الشرع الحضانة لها في حال الافتراق، وقد روي في النصوص ما يدل على تعليل ذلك، وهو يدل على المسؤولية العظمى المناطة بالأم، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص، أن امرأة قالت: يا رسول الله، إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثديي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني، وأراد أن ينزعه مني فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت أحق به ما لم تنكحي) (2)

قال الصنعاني تعليقا على هذا الحديث: (الحديث دليل على أن الأم أحق بحضانة

__________

(1) في ظلال القرآن: 1/ 241.

(2) رواه الحاكم: 2/ 225، البيهقي: 8/ 4، الدارقطني: 3/ 304 أبو داود: 2/ 283، أحمد: 2/ 182.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (184)

ولدها إذا أراد الأب انتزاعه منها، وقد ذكرت هذه المرأة صفات اختصت بها تقتضي استحقاقها وأولويتها بحضانة ولدها، وأقرها صلى الله عليه وآله وسلم على ذلك، وحكم لها، ففيه تنبيه على المعنى المقتضي للحكم، وأن العلل والمعاني المعتبرة في إثبات الأحكام مستقرة في الفطر السليمة) (1)

ولهذا اعتبرها صلى الله عليه وآله وسلم مسؤولة عن بيت الزوجية، فقال: (والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسؤولة عن رعيتها)

ووردت النصوص الكثيرة الآمرة بحسن الصحابة لها، ففي الحديث أن رجلا قال: يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أمك، قال: ثم من؟ قال: أبوك) (2)

وقد أثنى صلى الله عليه وآله وسلم على المرأة التي تتفرغ لأبنائها، وتنشغل بمصالحهن عن مصالحها، فقد روي أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (إن خير نساء ركبن الإبل نساء قريش؛ أحناه على ولدٍ في صغره، وأرعاه على بعلٍ في ذات يده) (3)

ومثل هذا ما يروى عن أم سُليم، وهي إحدى السابقات إلى الإسلام، أنه لما قتل زوجها وكانت شابة حدثة، فقالت: لا أفطم أنسًا حتى يد الثدي، ولا أتزوج حتى يجلس في المجالس ويأمرني، فوفت بعهدها وبرت بولدها، ثم لما قدم صلى الله عليه وآله وسلم المدينة وكبر أنس أرسلت به إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليخدمه ويتعلم من أدب النبوة ويعلمها.

قال أنس يذكر مظهرا من مظاهر تربية أمه له: مرَّ بي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأنا ألعب مع الصبيان فسلم علينا، ثم دعاني فبعثني إلى حاجة له فجئت وقد أبطأت عن أمي، فقالت: ما

__________

(1) سبل السلام: 3/ 227.

(2) رواه البخاري ومسلم.

(3) رواه البخاري:7/ 7.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (185)

حبسك؟ أين كنت؟ فقلت: بعثني رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى حاجة فقالت: وما هي؟ فقلت: إنها سر، فقالت: (أي بني، لا تحدث بسر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم)

وكان أنس يعرف لها تلك المنة ويقول: (جزى الله أمي عني خيرًا، لقد أحسنت ولايتي)

وقد ضرب القرآن الكريم المثل بدور الأم الخطير بقصة موسى عليه السلام، فقد كان في أول طفولته تحب رعاية أم وصلت من الشفافية الروحية إلى درجة أن أوحى الله تعالى إليها، قال تعالى: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخَافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ) (القصص:7)

ثم تلقفته يد أخرى لها من الإيمان العظيم ما جعلها تقول: {رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ} (التحريم:11)

وأصبحت بذلك مثلاً ضربه الله للرجال والنساء المؤمنين، قال تعالى: {وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً لِلَّذِينَ آمَنُوا امْرَأَتَ فِرْعَوْنَ} (التحريم:11)

ومن نماذج الأمهات الصالحات في القرآن الكريم أم مريم التي نذرت ما في بطنها محررا لله، خالصا من كل شرك أو عبودية لغيره، داعية الله أن يتقبل منها نذرها، قال تعالى: {إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّراً فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ} (آل عمران:35)

بل نرى توجهها الدائم لله، تخاطبه بحضور في أدق الشؤون، قال تعالى: {فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ} (آل عمران:36)

ومنهن مريم ابنة عمران أم المسيح عليه السلام، فقد جعلها القرآن الكريم آية في الطهر والقنوت لله، والتصديق بكلماته، قال تعالى: {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (186)

فَنَفَخْنَا فِيهِ مِنْ رُوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ} (التحريم:12)

وهذا الدور الخطير للأم يستدعي تربية خاصة وتعليما خاصا يؤهلها للقيام بهذا الدور الخطير، كما قال الشاعر:

الأم مدرسةٌ إذا إعددتها... أعدت شعبًا طيب الأعراق

وقال الآخر:

وإذا النساء نشأن في أمية... رضع الرجال جهالة وخمولا

ليس اليتيم من انتهى أبواه من... هم الحياة وخلفاه ذليلا

إن اليتيم هو الذي تلقى له... أمًّا تخلت او أبًا مشغولا

وقد كتبت بعضهن بعض المقترجات في هذا لا بأس من سوقها هنا، فهي من فقه البدائل والحلول الشرعية، فمما اقترحته (1):

غربلة المناهج الدراسية: بحيث يكون الغرض الأساسي من تلك الغربلة وإعادة الصياغة إعانة (المرأة الأم) في وظيفتها داخل منزلها الذي يُعد المقر الوظيفي الرئيسي لها؛ لا أن يكون دور المناهج الدراسية تهيئة المرأة لتمارس وظيفة خارج المنزل، وفي حالة إعادة التكوين والصياغة هذه؛ فإن المناهج ستساهم في دعم دور الأبوين في إعداد الفتيات للاقتناع أولاً بمهمتهن الأولى، ثم في التعرف على صور وأنماط عديدة لأصول التربية السليمة وطرقها، والتي من الممكن الانتقاء منها حسب عدد من المعطيات ووفقاً للظروف المواتية، وبهذا ستؤدي المناهج الدراسية دورين أساسين:

1. دوراً إعدادياً للمرأة للقيام بوظيفتها التربوية.

2. دوراً مسانداً؛ حيث ستشكل المناهج معيناً نافعاً تستمد منه المرأة سبلاً وطرقاً تربوية ناجحة ونافعة.

__________

(1) دور المرأة التربوي المأمول والمعوقات، د. أفراح بنت علي الحميضي، مجلة البيان: العدد: 161،ص:134.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (187)

الإعلام: نظراً لأن إعداد المرأة لممارسة وظيفتها التربوية يشكل ثقلاً عظيماً في النظرة الشاملة لمصلحة الأمة عموماً؛ فإن إعادة اهتمامات الإعلام بتلك المسألة من الأهمية بمكان؛ وهو أمر يستلزم قيام جميع القنوات الإعلامية بإبراز ذلك الدور والتركيز على ممارسة المرأة دورها بنفسها؛ فهي وظيفة لا يجوز فيها التوكيل، بل إن تصدي المرأة لدورها بنفسها بوصفها أيضاً مربية يعد مسلكاً عظيماً في رقي الأمة، بل هو الطريق الأساسي لتحقيق آمال الأمة ثم إعادة صياغتها فعلياً عبر التربية إلى نواتج قيِّمة تضاف إلى رصيد الأمة الحضاري، ولأجل ذلك فإن من الضروري أن تضع وسائل الإعلام ضمن أهدافها تبني المفهوم القائم على أن رقي الأمة مطلب إسلامي حضاري لن يتأتى إلا من خلال إعادة تكوين النظريات التربوية وتأسيسها بما يتفق مع الأصول والمصادر السليمة التربوية المعتمدة على المصادر الإسلامية، وأيضاً من خلال إعداد الكوادر التي تستطيع ترجمة تلك النظريات إلى واقع؛ أي العناية والتشجيع لإعداد المرأة الأم المربية التي تمتص ما يجب أن تفعله لتعيد تكوينه رحيقاً تربوياً يداوي جراح الأمة.

تبني مسؤولية التربية: لا تستطيع المرأة أن تؤدي دورها التربوي ما لم تتبنَّ تلك القضية وجدانياً من خلال حملها لهمّ التربية، ويقينها التام بدورها في إعداد الفرد، وانعكاس ذلك على صلاحه وصلاح الأمة، ثم سعيها الدؤوب نحو تزويد من تعول تربوياً بما صح وتأكد من مغانم تربوية كسبتها من خلال ما نالته في رقيها التربوي الإسلامي، ويتأتى ذلك عن طريق دعم حصيلتها العلمية الشرعية؛ إذ إن جزءاً من مهامها التربوية يعنى بتشكيل عقيدة الأبناء ومراقبتها، وتعديل أي خلل يطرأ عليها.

الخادم

سبق أن ذكرنا في (الحقوق المادية للزوجة) أن أكثر الفقهاء نصوا على اعتبار الخادم حقا من حقوق الزوجة على زوجها، وقد رجحنا ـ هناك ـ عدم اعتبار الخادم حقا من حقوق

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (188)

الزوجة لـ (عدم ورود أي دليل صريح في وجوب إخدام الرجل لزوجته، ولا دليل يدل عليه من المصالح الشرعية، بل هو من الرفاهية التي قد يحسن بها الرجل إلى زوجته، وتكون مستحبة بذلك، وقد يكون من الترف الذي تضيع بموجبه الحقوق وتقع الحرمات فيحرم بسبب ذلك)

وقد رجحنا ـ من الوجهة الواقعية ـ أن (ما نراه ربما يوجه القول إلى الحرمة أكثر من توجيهه للاستحباب، فالخادم تهان، وقد يستعلى عليها، وقد تتهم في عرضها، والزوجة تتربع في بيتها، كسلطانة على عرشها، تأمر وتنهى، ولا تنشغل بغير زينتها، وبغير أخلاق الترف التي زاد فيها استخدامها للخدم، فهي رعناء كسول مستعلية متكبرة.. وقد ترمي بأولادها إلى الخادم تطعمهم، وتسقيهم، وتربيهم كما تشاء، فلا يعرفون إذا شبوا أما لهم غير الخادم، أما أمهم فهي منشغلة عنهم بنفسها أو ترفها)

ونحن لا نتراجع عن ذلك الترجيح هنا، وإنما نريد تأكيده بالأخطار الكبيرة التي يجرها الخدم على أولاد المسلمين، وسنفسح المجال للدراسات والإحصائيات لتثبت ذلك وتؤكد ما رأيناه من ترجيح.

وسنذكر هنا آثار الخدم سواء على ما ذكرنا من أبعاد التربية أو أساليبها أو على الحقوق النفسية للطفل:

فللخدم ـ على حسب ما نرى في الواقع، وعلى حسب ما تدل الإحصائيات ـ تأثير كبير على الأبعاد التي جاء الشرع لترسيخها في نفس النشء المؤمن الصالح، وكأمثلة على ذلك:

على التربية الإيمانية: أفادت إحدى الدراسات الميدانية في إحدى الدول الخليجية أن (60 - 75%) غير مسلمات، وأن (97.5%) منهن يمارسن طقوسهن الدينية، ونسبة كبيرة منهن وثنيات، كما أن (50%) منهن يقمن بالإشراف الكامل على الأطفال وأن (25%)

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (189)

منهن يكلمن الأولاد في قضايا الدين والعقيدة.

فكيف يتسنى للطفل أن يتربى تربية إيمانية سليمة وقوية، وهو يتعرض لهذه الزوابع العظيمة من دواعي الانحراف؟

على التربية الأخلاقية: أثبتت الدراسات الميدانية أن (58.6%) من الخادمات (المربيات) جئن من مجتمعات تحبذ إقامة العلاقات الجنسية قبل الزواج، فلا يتورعن عن الاختلاط بالرجال، ولا مانع لديهن من تناول الخمر والسجائر، والأغرب من ذلك أن (68.3%) منهن لا تزيد أعمارهن عن العشرين، و(42.4%) منهن لم يسبق له الزواج.

وفي دراسة أُخرى دلّت على أن (58.6%) منهن يحبذن ممارسة الجنس قبل الزواج، و(36.2%) منهن جئن من مجتمعات تتناول أطعمة محرمة، و(43%) منهن جئن من مجتمعات تتناول الخمور بصورة عادية، و(14%) منهن يستقبلن أصدقائهن (الرجال) في البيوت التي يعملن بها و(51.18%) منهن يشرحن لأطفالهن عن حياة الأطفال في مجتمعاتهن.

على البعد المعرفي: فالمربية أتت من مجتمعات مختلفة في ثقافتها ولغتها، وهي نفسها قد تكون ضائعة بين ثقافتين، حائرة بين نظامين، فلا هي تجيد اللغة العربية حتى تنقل ثقافتنا العربية الإسلامية للطفل، ولا هي تستطيع نقل ثقافتها الأجنبية والنتيجة عزلة عن ثقافته.

ولا شك أن الخادمات والمربيات يحاولن تنشئة الأبناء حسب قناعاتهم، فهي إن كانت مثقفة - كما هو الحال في الأسر الغنية - فإنها تؤثر في الأطفال أكثر من والديهم لإنشغال الوالدين وتخليهما عن مهمة التربية للخادمة (المربية)، بدعوى أنها مثقفة ومتخصصة في التربية، كما أن لهؤلاء المربيات - في تلك الأسر - مقدرة على الإقناع والتأثير على الوالدين، فضلاً عن الأبناء.

وبالتالي تنقل عدوى المفاهيم غير الإسلامية إلى البيوت المسلمة، فالمربية هي التي

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (190)

تختار ملابس الأطفال وبخاصة البنات، وهي التي تؤثر عليهن في نظرتهن إلى الحجاب والأزياء، وغير ذلك من الآداب والأخلاق.

زيادة على هذا، فإن لها تأثيرها الخطير على اللغة، فمن المعلوم أن المربية تلازم الطفل في مرحلة نموه الأولى والتي يكتسب فيها اللغة، ومن البديهي أن الطفل يلتقط منها ما يسمعه من ألفاظ، فيها من العربية الركيكة، والإنجليزية الركيكة، والأوردو وغير ذلك، مما يعتبر حاجزًا يعوّق نمو الطفل اللغوي، إذ يضطر إلى محاكاتها.

وقد دلّت الدراسات على أن (8%) من مجموعة المربيات في بعض دول الخليج لهن إلمام باللغة العربية، وفي بعض الدول الأخرى (6.2%) فقط، وأن (25%) من أطفال الأسر الغنية يقلدون المربيات في اللهجة، وأكثر من (40%) منهم تشوب لغتهم لغة أجنبية، ويتعرضون لمضايقات من أقرانهم بسبب ذلك.

على أساليب التربية الشرعية: ذكرنا في الجزء السابق أهمية الأساليب التربوية الصحيحة في التنشئة السليمة للأولاد، فهي ركن من أركان التربية لا يستغنى عنه، وقد ذكرنا الكثير من الأمور التي قد تسيء إلى تربية الطفل، والتي نرى الخدم منبعا من منابعها، وكأمثلة على ذلك مما تدل عليه الدراسات:

القدوة السيئة: فالطفل مولع بتقليد من يراه - مع ضعفه واعتماده على من حوله - من الكبار، ومع ما ذكرناه من أحوال هؤلاء الخدم، هل ستناط بهم مسؤولية تربية وإعداد جيل المستقبل؟ ومن يكون القدوة لهم في البيوت، للتفريق بين الحلال والحرام عند غياب الوالدين ووجود الخادمة؟!

الجزاء: ذلك لأن القيم تُصاغ في نفس الطفل منذ طفولته المبكرة، من خلال تفاعله مع ما حوله ويتشرب موازين الحكم على الأشياء والأفعال، والخير والشر، ومع ما هو معروف من أحوال الخدم والمربيات، هل نتوقع قيمًا سوية؟ فإن الخادمة قد تكافاء الطفل

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (191)

على أفعاله القبيحة وتعاقبه على أفعاله الحسنة، وإذا وجدت مؤثرات تربوية إيجابية سوية كالمدرسة والوالدين والمسجد وغير ذلك، فإنها معرضة للتشويش والنقض في نفس الطفل بتلك الأخرى السلبية.

افتقاد القوامة التربوية: فالمربية (الخادمة) التي تقوم عن الطفل بجميع المهام، وهي مطالبة بأن تبادر إلى خدمته وطاعته في كل ما يريد ويرغب، فهي تريد إرضاء الطفل، ولا تفكر في لومه أو عقابه لأنها (خادمة) وحينئذٍ لا يستطيع الطفل أن يفرق بين الخير والشر، وبالتالي لا ينمو ضميره بل إن ذلك ينسحب في نفس الطفل وفي سنواته الأولى - خاصة - على مدرسيه - فقد لاحظنا بعض الأطفال - وبسذاجة وعفوية وبراءة - يتوقع من أُستاذه ما يراه من الخادمة.

التدليل السلبي: والذي يؤدي إلى الاتكالية التي تنتج الإخفاق والفشل، حيث لا يعتمد الطفل على نفسه، وإنما تقوم عنه الخادمة بجميع المهام فينشأ بعيدًا عن النشاط، قريبًا من الكسل، ومن وجد كل أمر يُهيأ له دون عناء أنّى له أن يسعى وأن يحاول، وبالتالي يتعرض للإخفاق في أول احتمال له.

كما يؤثر ذلك على تفاعله وانسجامه مع المجتمع، حيث لم يتدرب على تحمل المسؤولية، لذا نجده عندما يخرج من بيته ويتعامل مع قوانين المدرسة والمجتمع، سرعان ما يضيق ذرعًا بما يواجهه من مواقف، أو ما يطلب منه من تكليفات.

على الحقوق النفسية: فالمربية (الخادمة) غير مؤهلة لإشباع عاطفة الأمومة عند الأطفال، فالعواطف لا تدخل ضمن وظيفة المربية، وإنما تفيض تلقائيًا من قلب الأم إلى أبنائها، والنتجية أن ينشأ الطفل في حياة ينقصها الحب والعطف فتتولد عنده الميول العدوانية.

كما أن وجود المربية يُضعف علاقة الطفل بوالديه، فإن عاطفة الطفل توزع على من

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (192)

يرعاه ويُحسن إليه.

وللطفل حاجات في أن يكون موضع تقدير ومحبة الآخرين، وأن يبادلهم نفس المشاعر والانفعالات، والخادمة غير مؤهلة لذلك. فمن يستطيع أن يجبرها على أن تكون سعيدة ومبتسمة دائمًا في وجهه، كما هو شأن الأم مع أبنائها، ومن الذي يطالبها أن تتكلف ما لا تستطيع، وهي البعيدة عن أسرتها وموطنها، تفتقر إلى الأمن النفسي، وفاقد الشيء لا يعطيه.

وبسبب هذه الآثار السلبية السيئة التي يفرزها هذا المرض الداخلي العُضال على المجتمع الخليجي، خاصة، سارع مكتب التربية العربي لدول الخليج إلى توجيه كتاب إلى مجلس وزراء العمل والشؤون الاجتماعية في الدول العربية الخليجية في دورته الرابعة بالرياض (يناير 1982 م) والذي نظم بدوره ندوة علمية حول أثر المربيات الأجنبيات على تقاليد الأسرة المسلمة في منطقة الخليج، ناقشت المخاطر الناجمة عن الآثار الاجتماعية والدينية والثقافية والتربوية للمربيات الأجنبيات على المجتمع الإسلامي.

المحيط التربوي

ونريد به المحيط الذي يتلقى فيه الولد تعليمه، وبالتالي يتلقى تربيته، فلكل طرف من الأطراف المكونة لذلك المحيط تأثيره التربوي الخطير، ولن نتحدث هنا ـ كما سلف الذكر ـ عن إيجابيات هذا المحيط أو ما ينبغي حوله، فقد خصصنا لذلك فصلا خاصا، وإنما نريد أن نتحدث عما يمكن أن يتعرض له الولد في هذا المحيط من مؤثرات سلبية يتحتم على القائمين المصلحين أن يقوموها، وأول التقويم الوقاية.

فمع أن المناهج الحديثة لا تخلو من الإيجابيات إلا أن هناك سلبيات كثيرة يتعين على المربي أن يتعرف عليها ليقي من يربيه من نتائجها، ونحن من خلال استعراض هذه الآثار والنتائج ـ كما ينص عليها المختصون ـ لا نقول بمقاطعة هذه المناهج ولا ننصح به، ولا نرى

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (193)

صحة فتوى من يفتي بذلك، بل نرى أمرين:

الأول: السعي الدؤوب لتغيير هذه المناهج لتتوافق مع الشريعة الإسلامية، وذلك بالتخطيط طويل المدى، لنواجه تخطيط غيرنا، وهذا التخطيط يستدعي حضورنا في هذه المناهج، بل تفوقنا فيها، لا غيابنا، بل إن الآثار الخطيرة لغيابنا هي التي أفرزت هذا الواقع.

الثاني: هو وضع المناهج البديلة لمقاومة سلبيات هذه المناهج، والتي سنوضح تصرورنا لها في محلها الخاص من الفصل الخاص بالبعد التعليمي.

2 ـ وسائل الإعلام

وهي من الأهمية والتغلغل في المجتمع والتأثير بحيث يمكن اعتبارها موازية لما سبق من مؤثرات، فلذلك خصصناها بمطلب خاص، والذي من خلاله نحاول أن نبين كيفية الوقاية من آثار وسائل الإعلام (1)، وكيفية الإفادة منها من جهة أخرى باعتبار الإعلام في العصر الحالي أصبح من أخطر الأدوات ـ سلبا أو إيجابا ـ فقد تطورت وسائل الإعلام ومضامينه تطورا كبيرا مستغلة التطورات التقنية المتسارعة حتى وصلت إلى ما نعرفه من التلفاز والإذاعة والصحافة والإنترنت وغيرها.

فالإعلام ـ في هذه الوسائل جميعا ـ يخاطب كافة شرائح المجتمع، ومنهم الأطفال، والطفل - وهو المستقبل لوسيلة الإعلام- عنصر غض طري سهل التشرب لما ينقل إليه، فصفحته البيضاء قابلة للإشباع بأي شيء يقدم له.

وتأثر الطفل بالوسيلة الإعلامية أعظم وأشد من الكبير، فالكبير يفكر ويدرك ويميز ويختار ويرفض، أما الصغيرفيفتقد الكثير من القدرة على الرفض بل حتى عندما يربى على

__________

(1) عرف الإعلام بأنه عملية نقل المعلومات من المرسل صاحب الرسالة إلى المستقبل المعني بها متضمنة الوسيلة المستخدمة والمضمون داخلها والإعلام.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (194)

رفض بعض المواد الإعلامية فإنه سرعان ما يعود إليها عندما يغيب الموجه والمسؤول عنه، وليس الأمر عنادا إلا أنه يحسن الظن بكل ما يعرض عليه من الجانب الآخر كما يفتقد القدرة على الرفض المطلق ويضعف عن الاختيار والتمييز.

لذلك كان الطفل هدفا رئيسا لكثير من الأنظمة حيث يربى الطفل ويوجه لأهداف سيئة بجهود إعلامية وتوجيهية متأنية وتكبر معه هذه الوسائل الإعلامية لدرجة أنها تصبح جزءا من شخصيته عندما ينضج (1).

انطلاقا من هذا سنذكر هنا أهم هذه الوسائل الإعلامية، مركزين على ما فيها من سلبيات بغية التنبيه إلى مخاطرها، معتقدين في نفس الوقت أنها من الوسائل التي يمكن الاستفادة منها إن أحسن المربي كيف يستثمرها، خاصة مع دخول الإعلام الإسلامي هذه الوسائل.

فمن الإيجابيات المتعلقة بالطفل على سبيل المثال لا الحصر (2):

تنمية الجانب المعرفي للطفل: حيث تقوم وسائل الإعلام بمهمة التعليم سواء أكان ذلك بشكل مباشر أو غير مباشر وتكون مرتبطة بما يقدم خلال المدرسة وأحيانا تقدم مواد تعليمية لطفل ما قبل المدرسة.

تنمية وصقل مهارات الطفل: حيث تعنى الكثير من هذه الوسائل بتنمية المهارات سواء ما تعلق منها بالعمل اليدوي، أو ما تعلق بالقدرات الذهنية والعقلية، ومع ذلك فقد تكون هذه المهارات إيجابية ضمن أهدافها مثل التجارب العلمية، وقد تكون سلبية مثل سلوكيات المجرمين وحيلهم التي تعرض في القصص على سبيل المثال.

الارتباط بالمجتمع: حيث يربط الإعلام الطفل بمحيطه وبيئته وييسر له سبل

__________

(1) انظر: مشروع مجلة رائدة للطفل، للدكتور مالك إبراهيم الأحمد.

(2) انظر: مشروع مجلة رائدة للطفل، للدكتور مالك إبراهيم الأحمد.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (195)

التواصل معه بشكل سهل وفعال ويحبب له الجماعية في العمل ويؤكد له ارتباطه بقيم المجتمع وأخلاقه وسلوكه وقبل ذلك دينه وشريعته إذا كانت الوسيلة الإعلامية تعتني بهذه المواضيع وتجعلها ضمن أهدافها وقد يكون الأثر عكس ذلك تماما إذا كانت الوسائل الإعلامية لا تقيم اعتبارا للقيم والأخلاق والدين.

الترويح: وهذا الأمر ليس ترفا أو رفاهية بل واقع ويسد حاجة لدى الطفل لكن لابد أن يتناسب مع سن الطفل وقدراته وبيئته ولا يتعارض مع واجباته الأخرى ومسؤولياته.

بعد هذه الأمثلة عن بعض منافع وسائل الإعلام نعرج إلى بعض السلبيات لتوقيها، وقد اخترنا لذلك ثلاث وسائل إعلامية، هي أهم الوسائل وأكثرها انتشارا، وهي التلفزيون، والمجلة، والإنترنت.

التلفزيون

وهو من أهم وسائل الإعلام وأكثرها انتشارا، بحيث لا يكاد يخلو بيت منه، بل من كل الأجهزة المرتبطة به، والتي تتيح استقبال قنوات العالم أجمع، وقبل أن تحدث عن السلبيات التي ينبغي على المربي حماية من يربيه عنها، نذكر ـ للذين يتصورون أن مجرد رمي هذه الوسيلة بالسلبية تحجر ممقوت ـ بعض أقوال عقلاء الغرب، ممن رأى خطورة هذه الجهزة على إنسانية الإنسان (1).

يقول يوري ديو زيكوف وهو أخصائي اجتماعي: (إدمان مشاهدة التلفاز وباء

__________

(1) انظر: الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون، بصمات على ولدي، التلفزيون بين الهدم والبناء، سموم على الهواء، فريد التوني؛ الإنسان حيوان تلفزيوني، البث المباشر حقائق وأرقام، د ناصر العمر؛ التلفزيون وحكمه في الشريعة الإسلامية، الشيخ عبد الله بن حميد.

وانظر: محمد بن أحمد إسماعيل، ماذا تعرف عن: العجل الفضي، أعدها للنشر: إسلام دعدوشة، مجلة البيان: 143، ص:70.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (196)

سيكولوجي جديد يعم كوكبنا؛ إنه إذ يسلِّينا يلوث طبيعتنا السيكولوجية والحِسِّية) (1)

وذهب الكاتب الأمريكي (جيري ماندر) في كتابه (أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون) الذي أودعه خلاصة تجربته في حقل الإعلام إلى القول: (ربما لا نستطيع أن نفعل أي شيء ضد الهندسة الوراثية والقنابل النيوترونية، ولكننا نستطيع أن نقول (لا) للتلفزيون ونستطيع أن نلقي بأجهزتنا في مقلب الزبالة؛ حيث يجب أن تكون، ولا يستطيع خبراء التلفزيون تغيير ما يمكن أن يخلفه الجهاز من تأثيرات على مشاهديه، هذه التأثيرات الواقعة على الجسد والعقل لا تنفصل عن تجربة المشاهدة) (2)

وأضاف: (إنني لا أتخيل إلا عَالَماً مليئاً بالفائدة عندما أتخيل عَالَماً بدون تلفزيون، إن ما نفقده سيعوض عنه أكثر بواسطة احتكاك بشري أكبر، وبعث جديد للبحث والنشاط الذاتي) (3)

أما السياسيون، فقد ناشد (هيلموت شميت) مستشار ألمانيا الغربية السابق (الآباء والأمهات أن يغلقوا أجهزة التلفزيون على الأقل يوماً واحداً خلال الأسبوع)، وقد رفض رئيس جمهورية فنزويلا أن يسمح بإدخال التلفزيون الملون إلى بلاده، زاعماً أنه سيكون دافعاً جديداً لزيادة الروح الاستهلاكية المحقونة) (4)

وحكى الأستاذ مروان كجك أن صديقاً له زار أستاذه الجامعي في بيته وكان هذا الأستاذ نصرانياً، فلاحظ الأخ أنه ليس لدى أستاذه تلفزيون فسأله عن سبب ذلك

__________

(1) بصمات على ولدي، ص 6 نقلا عن جريدة الأنباء الكويتية، بتاريخ 13/ 7/198 م، مقال حول تأثير التلفزيون على الأسرة.

(2) الأسرة المسلمة، ص 252.

(3) أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون ص 346 بتصرف.

(4) انظر الإعلام الإذاعي والتلفزيوني ص 238.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (197)

فأجاب: (أأنا مجنون حتى آتي إلى بيتي بمن يشاركني في تربية أبنائي؟) (1)

بعد هذه الشهادات، فإن من أهم الآثار الخطيرة لهذا الجهاز:

التغريب: وهو من أعظم الأخطار، لأنه لا يتعلق بالسلوك وحده، وإنما يتعلق بالحياة جميعا، حيث أنه يشيع نمطية معينة من الحياة بفكرها وسلوكها هي نمطية الإنسان الغربي، باعتباره المصدر الأول للمواد الإعلامية.

وفي دراسة أجراها اليونسكو تذكر: (إن إدخال وسائل إعلام جديدة وخاصة التلفزيون في المجتمعات التقليدية أدى إلى زعزعة عادات ترجع إلى مئات السنين، وممارسات حضارية كرسها الزمن) (2)

وفي تعليقه على دخول البث المباشر إلى تونس قال الأستاذ فهمي هويدي: (خرج الاستعمار من شوارع تونس عام 1956 م ولكنه رجع إليها عام 1989 م لم يرجع إلى الأسواق فقط، ولكنه رجع ليشاركنا السكن في بيوتنا، والخلوة في غرفنا، والمبيت في أسِرَّة نومنا. رجع ليقضي على الدين واللغة والأخلاق، كان يقيم بيننا بالكره، ولكنه رجع لنستقبله بالحب والترحاب، نتلذذ بمشاهدته، والجلوس معه، إنه الاستعمار الجديد لا كاستعمار الأرض وإنما استعمار القلوب، إنه الخطر الذي يهدد الأجيال الحاضرة والقادمة، يهدد الشباب والشابات والكهول والعفيفات، والآباء والأمهات) (3)

وفي بحث كتبه جون كوندري حول التلفزيون والطفل الأمريكي أكد أن البيئة القيمية للتلفزيون يشوبها الخلل بنفس القدر الذي يشوب البيئة الفكرية، ومن خلال ما تطرحه الإعلانات التلفزيونية كانت قيم السيطرة والنفعية والأناقة والتميز الاجتماعي من

__________

(1) أربع مناقشات لإلغاء التلفزيون، ص 348، بتصرف.

(2) البث المباشر، ص 73 نقلا عن أصوات متعددة، ص 338.

(3) نقلا عن الأهرام، 27/ 6/1989 م.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (198)

أكثرها ورودًا، وكانت قيم الشجاعة والتسامح من أقلها ورودًا؛ هذا بالإضافة إلى تحريف الحقائق والقيم حول الجريمة والعقاب.

وفي نهاية البحث يقول جون كوندري: إن التلفزيون لا يمكن أن يكون مفيدًا كمصدر للمعلومات للأطفال؛ بل إنه يمكن أن يمثل مصدرًا خطرًا للمعلومات؛ فهو يقدم أفكارًا تتسم بالزيف والبعد عن الواقعية، وهو لا يملك نسق قيم متماسكًا، بخلاف تعميقه للنزعة الاستهلاكية. وهو لا يقدم سوى قدر محدود من المعلومات عن الذات، وذلك كله يجعل من التلفزيون أداة رديئة للتكيف الاجتماعي)

وهذه النمطية هي التي حطمت، ولا زالت تحطم قيم مجتمعاتنا المحافظة، فتنشر الرذيلة، وتقتل الغيرة، فلا ريب أن توالي هذه المشاهد المسموعة وتكرارها يجعلها مع الوقت شيئاً عادياً، فيروِّض المشاهِد على غض الطرف عن الفضائل وقبول الخيانة الزوجية، إلى غير ذلك من الأحوال.

فلهذا صرنا نرى البسطاء من الناس صاروا يقبلون أن يحتضن رجل بنتاً شابة؛ لأنه يمثل دور أبيها! فلم يعودوا يستنكرونه، وتعجب أن ترى الزوج المسلم يجلس مع زوجه وبناته وأبنائه أمام التلفزيون، وهم يرون ما يعرضه من مشاهد إباحية، وتسكر أهله تلك المشاهد، ويلذ لزوجته وبناته وأبنائه هذه المناظر وهو قرير العين، يضحك ملء فيه، وينام ملء جفنه، وهكذا تتعود القلوب رؤية مناظر احتساء الخمور والتدخين، وإتيان الفواحش، والتبرج والاختلاط، وتألف النفوس هذه الأحوال ويكون التطبيع مع المعاصي والكبائر والدياثة (1).

أما على مستوى العقيدة والفكر، فمن خلال سيطرة السوق الأمريكية واليابانية على مسلسلات وأفلام الصغار نرى انعكاس الاعتقاد في قوة الشمس والطبيعة والصليب

__________

(1) بصمات على ولدي، ص 11.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (199)

وغيرها؛ بل إن المسلسل يتضمن أحيانًا أكثر من رب، هذا بالإضافة إلى تشويه مسيرة الإسلام وقيمه من خلال المواد المعروضة.

أما على مستوى المثل العليا للإنسان، فإن هذه المثل أصبحت لا تعدوا الإنسان الغربي او من يلهث خلفه، يقول الكاتب محمد عبد الله السمان مشيراً إلى حلقة تلفزيونية استضيف فيها بعض طلبة مدرسة معروفة للمتفوقين يقول الكاتب: (كان المتوقع أن تكون الحلقة إلى آخر دقيقة فيها من الحلقات الجادة التي يتلقى منها سائر الطلبة دروساً في التفوق. وسأل مقدم البرنامج الطلبة واحداً واحداً عن مثله الأعلى في الحياة، وكانت الإجابات مذهلة؛ فالمثل الأعلى لدى الطلبة المتفوقين هم على الترتيب ولست أدري أهو ترتيب تصاعدي أم تنازلي؟: عبد الحليم حافظ، بليغ حمدي، نزار قباني، محمد عبد الوهاب، أنيس منصور. قلت تعقيباً على هذه الإجابات: لم أكن أنتظر من هؤلاء المتفوقين أن يقولوا: إن مثلنا الأعلى هو أبو بكر أو عمر أو علي أو خالد بن الوليد، بل كنت أتوقع أن يقول واحد منهم: إن مثلي الأعلى هو: أبي) (1)

الانحراف الخلقي: وقد رأينا أن الشريعة حرمت كل الوسائل المفضية إلى الانحراف مهما اختلفت ألوانه، والتلفزيون من أعظم وسائل الانحراف بمختلف أنواعه.

كالانحراف الإجرامي مثلا حيث توصلت الدراسات التحليلية إلى (أن التلفاز بما يعرضه من أفلام ومناظر إجرامية أو انحلالية (2) قد يؤدي إلى انحراف كثير من النشء عن طريق ما تخلفه من خيالات يعيشها، كما تبين من مجموعة ذكور منحرفين قد تناولتهم تلك الدراسة أن أحد الأفلام أثارت فيهم الرغبة في حمل السلاح، وعلمتهم كيفية ارتكاب

__________

(1) الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون ص 271 ـ 272.

(2) راجع كتاب: الأسرة المسلمة أمام الفيديو والتلفزيون، ص 134 لبيان أثر مشاهد العنف والجريمة التي يعرضها التلفاز على الشباب.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (200)

السرقات وتضليل البوليس، وشجعتهم على المخاطرة بارتكاب الجرائم) (1)

وفي ولاية ميامي هاجم اثنان من الفتيان الصغار امرأة فضرباها على رأسها بمؤخرة المسدس، وما إن أغمي عليها حتى قاما بركلها بأرجلهما تماماً مثلما شاهدا في الأفلام البوليسية (2)

وفي واشنطن قام أحد الصغار بسحب وقود سيارة جارهم وصبه عليه وهو نائم، ثم أشعل الثقاب ورماه على الجار الذي أخذ يركض والنار تلتهمه، وكان عمر هذا الصغير ست سنوات (3).

وكيف لا يحصل هذا، وقد أحصت إحدى المجلات الفرنسية مشاهد العنف التي رآها المشاهدون خلال أسبوع واحد من شهر أكتوبر 1988، فكانت كالتالي:670 جريمة قتل، 15 حالة اغتصاب، 848 مشاجرة، 419 حالة تراشق بالرصاص أو انفجار، 14 حالة خطف أو سرقة، 32 حالة احتجاز رهائن، 27 مشهد تعذيب، علمًا أنه لم يؤخذ بالحسبان مشاهد العنف النفسي أو اللفظي أو الإيجابي.

والدراسات الغربية كافة تؤكد أن الذين يقومون بالأعمال العدوانية هم من المدمنين على مشاهدة برامج التلفزيون العنيفة؛ وقد أثبت باحثان أمريكيان أن معدل انتحار المراهقين ازداد بنسبة 13.5% لدى الفتيات و5.2% لدى الصبيان خلال الأيام التي تعقب الإشارة أو الإعلان عن وقوع حالة انتحار في الأخبار المصورة أو في أحد الأفلام.

أما الانحراف الجنسي، فحدث ولا حرج، فكثير من الأطفال في بداية سن المراهقة أو قبلها بقليل يشاهدون التلفزيون على أنه مصدر للمعلومات حول السلوك الجنسي؛ وهو

__________

(1) راجع: الإعلام الإذاعي والتلفزيوني، ص 32 حيث يقول د ستيفن بانا حبيب بجامعة كولومبيا: إذاكان السجن هو جامعة الجريمة، فإن التلفزيون هو المدرسة الإعدادية لانحراف الأحداث.

(2) الإسلام في مواجهة الجاهلية، ص 189 190.

(3) الإسلام في مواجهة الجاهلية، ص 185.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (201)

يصور الجنس على نحو زائف ومحرف، وعلى وجه حيواني لا يراعي قيمًا ولا مُثلاً ولا آدابًا.

وهو لذلك أعظم وسيلة لقتل الحياء الذي قال فيه صلى الله عليه وآله وسلم: (إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فاصنع ما شئت) (1)، فمن أخطر مفاسد التلفزيون هو القضاء على ذلك الخلق الفطري الأصيل.

أخطاره على الصحة النفسية: تكاد الدراسات العلمية التي أجريت لدراسة آثار التلفاز على الصحة النفسية تجمع على ما يلي:

1. أنه يدرب مشاهديه على الكسل الذهني، ويشيع فيهم روح السلبية، ويجعلهم إمَّعات يميلون مع الريح حيث مالت، وأنه ينفث في روعهم روح (عدم المسؤولية) والاستسلام، والانهزامية، ويصرفهم عن معالي الأمور، ويشغلهم عن الأهداف السامية، ويزيد رقعة الخواء الفكري في نفوسهم (2).

2. أنه يولد الغلظة في المشاعر، والبلادة في الحس، كما تؤثر المسلسلات البوليسية ومشاهد العنف والقتل على نفسية الأطفال (3).

3. أنه يظهر للصغار أن الكبار يحيون حياة حافلة بالصراع والتنافس فيشوه مفاهيمهم مبكراً.

4. التعود على الضجيج والصخب الذي يضر بحاسة السمع فيسبب كثيراً من حالات الصداع والاضطرابات العصبية والتوتر.

5. تعلق قلب الشباب المراهقين بمذيعة أو ممثلة أو مغنية حسناء، وابتلاؤه بمعصية العشق الذي يتلف الدنيا والدين، والأخطار نفسها يخشى منها على الفتيات اللائي هن

__________

(1) رواه أحمد والبخاري وأبو داود.

(2) انظر الأسرة المسلمة، ص 113 ـ 114.

(3) انظر بصمات على ولدي ص 23 ـ 24.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (202)

أضعف قلوباً وأسرع استجابة لداعية الهوى.

المجلات

وهي من وسائل الإعلام التي لها أهميتها الكبرى في التثقيف والتوعية، ولها خطورتها كذلك على السلوك الأخلاقي، أو القيم التي لها أثرها الخطير في التربية، وسنركز هنا على المجلات المختصة بالأطفال (1)، ونكتفي منها بذكر نموذج من تأثير هذه المجلات على

__________

(1) برزت مجلات الأطفال بشكل ملموس في الغرب في بداية القرن العشرين مواكبة انتشار الصحافة وتطورها وكانت في بداياتها محدودة الانتشار تعنى بالرسوم الهزلية بشكل كبيركذلك صدرت ملاحق للأطفال في الصحف الرئيسة كعامل جذب للأسرة لاقتناء الصحيفة.

وغلب على هذه المجلات جانب التسلية والفكاهة ثم تطورت بشكل كبير متوافقة مع تطور الطباعة وانتشار أدواتها فضلا عن تيسر سبل المواصلات وقدرات الناس الشرائية.

ومع تقدم العلم والمعرفة أخذت القصص المصورة جانبا واسعا من مجلات الأطفال وحتى الكبار وانتشرت بشكل كبير.

كذلك تنوعت المجلات بحسب سن المخاطب وغطت مراحل عمرية مبكرة جدا حتى إن هناك مجلات للأطفال في السنة الأولى من أعمارهم كما تصدر مجلات للأطفال خاصة بالذكور وأخرى بالإناث وهناك مجلات متخصصة بالتعليم وأخرى علمية وثالثة منوعة ونالت فترة ما قبل المدرسة نصيبا هاما من سوق المجلات.

ففي اليابان -على سبيل المثال- هناك مجلة للأطفال الذين تتراوح أعمارهم بين 3 - 5 سنوات توزع 300 ألف نسخة أسبوعيا وفي فرنسا هناك مجلة بوبي تصدر للأطفال في سن 15 شهرا وتعتمد على الرسوم التوضيحية للأشياء القريبة من الطفل ويطلع عليها الطفل بمساعدة والديه وفي اليابان كذلك مؤسسة تجارية واحدة تعنى بلعب الأطفال تصدر 54 مجلة للأطفال شهريا أما في أمريكا فتصدر 338 مجلة 1988 م تغطي كافة أعمار الأطفال وكافة اهتماماتهم توزع أكثر من 53 مليون نسخة.

وتصدر عن بعض المؤسسات الكنسية والأحزاب الدينية الغربية مجلات للأطفال تهتم ببث القيم النصرانية لدى الأطفال ولا تخلو من مواد أدبية أو فكاهية تساعد على ترويج المجلة وهي توزع في كثير من الأحيان مجانا أو بسعر تشجيعي للأطفال وهي غالبا لا تعبأ بالتكاليف المالية نظرا لأهدافها الدينية ووجود مصادر مالية قوية وثابتة تدعمها.

إضافة للنصارى يحرص اليهود -بمؤسساتهم الدينية- على إصدار مجلات للأطفال لتحقق ارتباط أبناء اليهود بالتوراة والمجتمع اليهودي.

ويحرص الغرب -كجزء من اهتمامه الواسع بالإنسان الغربي - على المعاقين بكافة فئاتهم وبالأخص الأطفال فيقدم لهم خدمات إعلامية خاصة حيث تصدر بعض المجلات في أوروبا وأمريكا طبعة خاصة بالعميان لغة برايل وهذا خلاف المجلات الخاصة أصلا بالمعوقين مثل العميان والصم وغيرهم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (203)

غرس العنف في نفوس الصغار.

ولن نذكر هنا آثار المجلات الغربية، فإن سمومها تتعدى العنف إلى غيره من جميع مظاهر الانحراف، بل سنذكر بعض المجلات العربية، وذلك على ضوء دراسة حول (صحافة الطفل في العالم العربي وتأثيرها على شخصيته واتجاهه نحو العنف والعدوانية)، وهو موضوع رسالة دكتوراه التي تقدمت بها الباحثة (سحر فاروق الصادق) إلى كلية الإعلام جامعة القاهرة (1).

فقد تناولت الدراسة أربعة عناصر أساسية هي مضمون العنف ووسيلته مجلات الأطفال، وجمهوره وهم قُرّاء هذه المجلات، ثم كُتّاب السيناريو والرسامون القائمون بالعمل.

ورصدت الدراسة مظاهر العنف المقدم للطفل من خلال مجلاته، وتحليل ملامح هذا العنف، ومعدلاته المنشورة في قالب قصصي فقدمت دراسة تحليلية لتسع مجلات للأطفال تمثل ست مجلات مصرية هي علاء الدين، وميكي، وسوبر ميكي، وسمير، وكابتن سمير، وقطر الندى، إلى جانب ثلاث مجلات عربية هي العربي الصغير، وماجد، وباسم، بمجموع (104) أعداد منها في الفترة من يناير حتى ديسمبر 1997 م. ثم قامت بدراسة جمهور الأطفال القارئ لهذه المجلات وقوامه (400) طفل تتراوح أعمارهم ما بين (11 و16) عامًا وينتمون جميعًا لمرحلة التعليم الإعدادي وتم أخذ العينة من أحياء شعبية وصناعية وراقية (الدقي - بولاق الدكرور - حلوان - مدينة نصر)، ومن مدارس مختلفة (حكومية - تجريبية – خاصة)، ومن الصفوف الدراسية الثلاثة (الأول والثاني والثالث الإعدادي)، ومن الذكور والإناث، وداخل كل حي من الأحياء الأربعة تم اختيار أربع مدارس بشكل عشوائي بمعرفة الإدارات التعليمية التابعة لها هذه الأحياء بحيث تتمثل بها

__________

(1) انظر: صحافة الأطفال تعلّم أولادنا العنف، كريمة حسن، جريدة القاهرة، دراسات إعلامية.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (204)

أنواع المدارس الثلاث المذكورة، وداخل كل مدرسة من خلال قوائم الفصول لسنوات الدراسة تم تحديد فصل في كل سنة دراسية تبعًا لعدد فصولها بالمدرسة، وتم اختيار الأطفال من داخل الفصول مع مراعاة العدد الكلي داخل كل فصل والتمثيل النسبي للإناث والذكور وأجاب (99%) من أطفال العينة بأنهم يقرأون مجلة للطفل أما من يتابع مجلتين أو أكثر فكانت النسبة (54.1%).

وكشفت نتائج الدراسة عن ارتفاع معدلات العنف المنشور في صحف الأطفال المصرية والعربية بشكل يدعو إلى القلق، حيث بلغت نسبة القصص التي تحمل عنفًا (40.4%) من إجمالي القصص موضوع الدراسة.

وبدت مجلات سوبر ميكي، وميكي، وباسم، على رأس قائمة صحف الأطفال من حيث كم العنف المنشور على صفحاتها، بينما بدت مجلات علاء الدين، وقطر الندى، والعربي الصغير، أقل صحف الدراسة من حيث العنف المقدم بها، واتسم العنف المنشور بمجلات الأطفال بسمات تمثل في مجملها عوامل جذب للطفل نحوه، كما بدت النسبة الكبرى من مظاهر العنف المنشور نابعة من دوافع اجتماعية مألوفة للطفل يمكنه فهمها والتفاعل معها، كما ظهرت أماكن العنف قريبة من واقع الطفل يمكنه تقليدها، الأمر الذي يقرّب العنف من عقله ويمكّنه من اختزان صوره وأحيانًا تقليده.

وكانت مظاهر العنف عنفًا بدنيًا مثل: (الضرب - مطاردات - تكسير أشياء - تلويح أو ضرب بالسلاح - دفع الآخرين بعنف - قتل - اغتيال - سرقة – اختطاف)، أو عنفًا لفظيًا مثل: (السب والقذف والتشبيهات الجارحة وكلمات التهديد بأعمال انتقامية، أو سخرية من الآخرين باللفظ أو بالضحك، أو الصراخ أو حتى كلمات التحريض والتهديد بالعنف)، ويتم تقديم هذه المادة في سياق يخلو من أي أشكال للعقاب، بل قدم البعض منها في شكل ينصف القائم به.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (205)

وأوضحت الدراسة الارتفاع الواضح في نسبة الميول العنيفة لدى أطفال العينة، وكشفت النتائج عن زيادة هذه الميول بين من يتعرضون لوسائل الإعلام، مما يؤكد دعم وسائل الإعلام لتلك الميول لدى الأطفال، وتبين أن اتجاهات الأطفال الذين يتخذون قدوتهم من النماذج الإعلامية (الأبطال والشخصيات الكرتونية والدرامية وغيرها)، قد بدت مرتفعة نحو العنف بينما كانت منخفضة لدى من يتخذون قدوتهم من نماذج الاتصال الشخصي (الأب - العم - المدرس) وأوضحت الدراسة كذلك أن هناك دوراً إيجابيًا للتنشئة الأسرية يتعلق بمعاملة الأبناء ومشاركتهم بالمناقشة لما يقرأون، أو هذا الدور يكون إيجابيًا مع الأبناء إذا بدأ في سن مبكرة، تكون فيه اتجاهات الأطفال نحو العنف منخفضة، بينما يتضاءل هذا الدور إذا بدأ مع الأبناء في سن متقدمة يكون الأبناء قد كوّنوا اتجاهاتهم العنيفة بالفعل.

وأظهرت الدراسة أيضًا أن الطفل إذا تعرض أو لاحظ بشكل دوري مجموعة من الأبطال يمارسون العنف فإنه يمكن أن يتعلّم العنف منهم، وأحيانًا يمكنه تقليدهم، خاصة إذا كان سياق العمل يبرز العنف في صورة حسنة يحقق لصاحبه مزايا، كذلك عدم وجود أي شكل من أشكال العقاب، كذلك كلما تزايد معدل قراءة الأطفال لمضامين عنيفة زادت لديهم الاتجاهات المرتفعة نحو العنف، وتمثلت هذه النتيجة بشكل كبير لمن ينتمون لبيئة عمالية وفي مراحل عمرية متوسطة (13 - 14 سنة) وينتمون للتعليم التجريبي.

وإذا تعرض الطفل لظروف تنشئة أسرية سلبية تزداد اتجاهاته نحو العنف ويتضح هذا الأمر بين أبناء التعليم الخاص والمنتمين لبيئات عمالية.

وقدمت الدراسة حصرًا لحجم العنف، فتم رصده تبعًا لعدد القصص العنيفة حيث بلغت نسبة القصص العنيفة (40.4%)، وجاء حجم العنف تبعًا لعدد صفحاته (الصفحات الكاملة من العنف) نسبتها (26.8%)، وتبعًا لعدد البراويز العنيفة التي

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (206)

تضمنتها قصص الرسوم المتتابعة المصورة (33.5%)، وعلى نطاق القصص الأدبية التي تقدم للطفل في شكل أسطر بلغت نسبة الأسطر العنيفة بها 12.3% وهي أقل نسب العنف المنشور. كذلك أوضحت الدراسة أنه كلما كان مضمون القصة مترجمًا كانت نسبة العنف مرتفعة بعكس لو كان كاتب القصة عربيًا.

كذلك قامت الباحثة بدراسة ثمانية عشر مبدعًا وهم من المنتجين والمنتظمين في نشر أعمالهم الخاصة بالطفل في المجلات المذكورة، وأوضحت الدراسة أن هناك اتجاهًا سائدًا بين العاملين في حقل الطفل يقر تقديم العنف ونشره للأطفال من منطلق ضوابط لا تحد من تأثيره السلبي على الطفل، كذلك تساعد الأوضاع الصحفية والمادية لصحف الأطفال على دعم تقديم العنف عبر صفحاتها وذلك لعدم تحقق الدور التربوي والاجتماعي لهذه الصحف، إضافة إلى اتجاه القائمين على هذه الصحف لتعويض انصراف الأطفال عن صحافتهم بتقديم العنف، لهم في محاولة منهم لإعادة جذب الطفل لمطبوعاتهم. كذلك تساعد الأوضاع المهنية على نشر العنف، فالقائمون على سياسات التحرير لا يمانعون في تقديمه، والمناخ المجتمعي أصبح العنف أحد مظاهره حيث يتفاعل المبدعون معه فتولد أفكارهم مشبعة به.

وتوصي الباحثة في نهاية دراستها بأنه إذا كان هناك ضرورة لتقديم مادة صحفية عنيفة للأطفال وحتى هذه النسبة القليلة لا بد أن تحتوي على ضوابط للحد من تأثير العنف المقروء على الطفل، بحيث ترتكز على زيادة ووضوح العقاب داخل القصة، ولا تتضمن أية نتائج لصالح مقترفي العنف.

وهذا ما يدعو إلى الاهتمام بالبديل الذي يقي النشء من أمثال هذه الانحرافات، وقد كتب بعض الباحثين المعاصرين مشروعا لمجلة إسلامية خاصة بالأطفال (1)، تكون

__________

(1) مشروع مجلة رائدة للطفل، من سلسلة كتاب الأمة، للدكتور مالك إبراهيم الأحمد.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (207)

بديلا عن الكم الضخم من المجلات التي تمتلئ بها الأسواق، وقد خلص في الأخير إلى بعض الخصائص التي تتصف بها هذه المجلة، لا بأس من سوقها هنا لأهميتها:

1. الاستفادة من التوجيهات التربوية المعاصرة بحيث تكون المجلة رافدا تربويا هاما للأطفال.

2. إدراك أهداف المجلة بشكل كامل وإنزال مواد المجلة على هذه الأهداف.

3. وجود متخصصين في أدب الأطفال وعلم التربية وعلم النفس إضافة إلى متخصصين في الشؤون الفنية قادرين على تحويل الفكرة إلى واقع عملي ملموس جذاب ومقبول للأطفال.

4. الوعي بخصائص الطفولة وحاجتها وميولها.

5. تحديد شخصيات المجلة بشكل دقيق بحيث تحقق أغراض المجلة من خلالها التنوع بين الأساليب الصحفية المستخدمة.

6. التنويع في المواد بما يشوق الأطفال ويحفزهم على القراءة.

7. الكتابة باللغة العربية البسيطة وبأسلوب سهل قادر على إيصال الرسالة المطلوبة للمرحلة العمرية المقصودة.

8. التوازن بين القصص المصورة وباقي مواد المجلة بحيث لا تطغى الأولى على صفحاتها.

9. الاستفادة من الفنون المعاصرة في الإخراج والتصميم والطباعة.

10. إشراك الطفل في تحرير أجزاء من المجلة.

لذلك لابد من مراعاة ما يلي في مجلات الأطفال:

1. أن يكون الكاتب -ما أمكن- من المختصين بأدب الأطفال.

2. عدم تكثيف المادة والموضوعات.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (208)

3. مراعاة السن.

4. التنوع في المواد.

5. البعد عن التكرار المتماثل.

6. التجديد والتنوع في القالب الفني والأساليب المستخدمة بين فترة وأخرى.

7. استخدام الصور والرسوم بشكل جيد يغري بالاطلاع.

8. الاستفادة من الإمكانات الحديثة في التصميم والإخراج والطباعة فالطفل يميز بين هذه الأمور والألوان عنصر أساس في تذوق الطفل للمادة.

9. التشويق في المحتوى.

10. التواصل مع الطفل من خلال مساهماته ونشرها.

11. البساطة وسهولة الفهم بالنسبة للمادة المطروحة.

12. الحركة والحيوية في الجانب الفني والموضوعي.

13. الأسلوب السلس الخفيف المناسب.

14. عدم إغفال جانب المرح والفكاهة المحبب للطفل.

الإنترنت

وهي من الوسائل المعاصرة، بل من أخطرها وأنفعها في نفس الوقت، ولذلك تحتاج مراقبة خاصة، لأن ما فيها من الخير لا يمكن أن يترك لأجل ما فيها من الشر، وما فيها من الشر يستدعي مراقبة مستمرة، ويستدعي مع ذلك جهودا جبارة من المخلصين ليضعوا من بدائل الخير، ومن قوامع الشر ما يضاعف خيرها، ويقمع شرها.

وبما أن غرضنا في هذا المبحث ذكر ذرائع الفساد في هذه الوسائل لتجتنب، لا ذكر نواحي الخير، فسننقل هنا من المختصين ما يبين خطورة هذه الوسيلة (1)، وهي خطورة لا

__________

(1) انظر: دراسات تربوية، الإنترنت وتربية الأولاد، عبد الرحمن بن عبد الله المطرودي.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (209)

تستدعي إيقافها أو منعها أو القول بتحريمها، وإنما تستدعي التوجيه والمراقبة المستمرة.

وقد كتبت إحدى المجلات بالشبكة تحت عنوان (أطفالك والإنترنت آمنون وسعداء دائماً): (الإنترنت مصدر إمتاع للأطفال سواء استخدمت للعب أو لأداء الواجبات ببرامجها المفيدة وصورها الجميلة وألعابها، ومع ذلك فهي لا تخلو من الخطر عليهم)

ثم تفصل بعض نواحي الخطر، فتقول: (رغم روعة الإنترنت إلا أنه لا يخلو من الأخطار خصوصاً على الأطفال؛ وذلك بسبب العدد الضخم من المواقع غير اللائقة الموجودة في مواقع الويب؛ لذلك فإن شبكة الإنترنت لا تعد المكان المناسب ليبحث الأطفال فيها ويجولون دون رقابة؛ فهي تمتلئ بطوفان من المواقع التي تحض على العنصرية والضغينة، وتشجع على تعاطي المخدرات وصنع القنابل وكل الطرق الأخرى التي من الممكن جداً أن تؤثر سلباً على سلوك أطفالنا) (1)

وقد أخرجت دار الشبكة العربية عدداً بعنوان (الإسلام والإنترنت) وكان أحد المواضيع بعنوان (الطفل المسلم مظلوم)، ومما جاء فيه: (الطفل المسلم مظلوم على الإنترنت؛ فلا يكاد يجد في المواقع الإسلامية ركناً يأوي إليه ويجد فيه ما يشد انتباهه ويشبع نفسيته ويراعي عقله... وإنما نشير إلى حقيقة أن هذه المواد جميعاً ليس فيها ما هو مصاغ خصيصاً للطفل يناسب عقله وتفكيره) (2)

وكتب آخر في مجلة (مفتاح الإنترنت) يقول: (للأسف لم نجد مواقع عربية للأطفال تهتم كما تهتم المواقع الأجنبية وتقدم لأطفالنا ما يقدمون سواء في المعلومات وروعة في التصميم، وكلنا أمل في رؤية شيء عربي ملفت وقيم) (3)

__________

(1) مجلة مفتاح الإنترنت العدد الثالث، ص 14.

(2) مجلة مفتاح الإنترنت العدد الثالث، ص 26.

(3) مجلة مفتاح الإنترنت العدد الثالث، ص 16.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (210)

وكتب آخر في مجلة (عصر الحاسب) يقول: (دعا عدد من الخبراء المتخصصين في مجال الأمن على شبكة الإنترنت إلى وضع معايير فنية تحدد طبيعة المواقع التي يتعامل معها الأطفال وتحديد الفئات السنية المناسبة) إلى أن يقول: (وكان مسح أجراه مركز أن برج للسياسات في واشنطن الأمريكية قد أكد أن أطفالاً تتراوح أعمارهم بين 8 - 17 سنة قد أبدوا رغبتهم في كشف أسرارهم على الإنترنت والأوضاع المالية لآبائهم مما يعتبر مؤشراً لنشر خلافات أسرية يتسبب فيها الأطفال عبر الإنترنت) (1)

وكتب آخر في مجلة (مفتاح الإنترنت) تحت عنوان (نصائح في التصفح الآمن) قال فيه كاتبه لأحد الأبوين: (نقول أخبر أطفالك ألا يعطوا أية معلومات عن مكان سكنهم أو عن أنفسهم. أخبرهم ألا يردوا على أية رسائل إلكترونية عن مصادر غير معروفة. أخبرهم أن يعلموك إذا استلموا أية رسائل إلكترونية غريبة. راقب أطفالك عندما يتحدثون عبر الإنترنت واعرف مع من كانوا يتخاطبون. أخبر أطفالك ألا يقابلوا أشخاصاً تعرفوا عليهم عبر الإنترنت مقابلة شخصية) (2)

وكتبت مجلة (آفاق الإنترنت) (3) في زاوية (آباء وأبناء) بعنوان (لا تتكلم مع الغرباء) وبجانبه عنوان كبير هو (راقب أولادك) ذكر فيه المؤلف وأطال عن الأضرار والطريقة لحماية الأطفال، وبعض المواقع السيئة التي حصلت عليها لبعض الأطفال من جراء الاتصال بالإنترنت.

فهذه التحذيرات جميعا تدل على مبلغ خطورة استعمال هذه الوسيلة وخاصة مع النقص الشديد للمواقع الإسلامية الخاصة بهذا المجال.

__________

(1) مجلة مفتاح الإنترنت، العدد الأول، ص 28.

(2) مجلة مفتاح الإنترنت العدد الثالث، ص 16.

(3) مجلة آفاق الإنترنت، العدد الثاني، ص 69.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (211)

فلهذا نجد في هذه الوسيلة كل أسباب الانحراف ووسائله، وقد كتبت إحدى المجلات (1) عنواناً باسم: (عالم الإنترنت السفلي... قرصنة برامج... إباحية... مافيا... غسيل أموال... مخدرات... قمار... عنصرية... منظمات الهاكر... إرهاب... متفجرات...)، ثم عنونت داخل المجلة (عالم إنترنت السفلي يناديك، يبسط لك ذراعيه، يلوح لك بكافة المغريات القذرة التي ابتكرها الإنسان عبر التاريخ... برامج كاملة بالمجان... صور وأفلام إباحية... مخدرات... قمار... أموال قذرة... فهل تستجيب؟) وهكذا كان العنوان، واستمر العرض اثنتي عشرة صفحة في نفس العدد.

قال المؤلف في نفس الموضوع: (ربما يقول البعض إن العديد من البلدان العربية حجبت هذه المواقع عن مستخدمي إنترنت فيها فلا توجد ضرورة لفتح هذا الملف. ونقول لهؤلاء: إن الواقع يؤكد استحالة الحجب الكامل لأسباب عديدة أهمها:

1. تظهر على شبكة ويب يومياً آلاف المواقع الجديدة ومن المستحيل حجبها مباشرة وفق التقنيات المستخدمة حالياً في عملية الفلترة.

2. يمكن استخدام خدمات إنترنت مثل التخاطب والدردشة والبريد الإلكتروني للاتصال مع المشبوهين وتبادل معلومات ممنوعة أو صور فاضحة.

3. توفر تقنيات لتجاوز البروكسي وإلغاء الفلترة المرتبطة به.

4. تتوفر حالياً إمكانية استقبال إنترنت عبر الأقمار الصناعية.

ويستمر المؤلف في دراسة عالم الشبكة السفلي في أعداد من المجلة منها لعدد الثاني، وفي العدد الثامن لذات المجلة من نفس العام جاء غلاف المجلة يحمل العنوان الآتي (أول جريمة قتل بسبب منتديات ويب العربية)

وكتبت مجلة الإسلام والإنترنت تقول (كيف نحتمي من شرور الإنترنت - كفر

__________

(1) إنترنت العالم العربي، في عددها الثاني للسنة الثالثة.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (212)

وجنس وعنف و..؟)

وكان هذا هو عنوان المقال، وبدأ كاتب المقال بقوله: (اكتسب الإنترنت سمعة سيئة بسبب انفتاحها غير المحكوم أخلاقياً ولا سياسياً ولا ثقافياً، وبسبب استغلالها البشع من قبل عصابات الجريمة المنظمة وتجار الأعراض والداعين إلى كل رذيلة وفاحشة وفوضى تمردية... ففرغت كثير من فوائدها العظيمة وإنجازاتها الضخمة في بحر آسن كريه من الرائحة والمنظر...) إلى أن يقول: (هذه مشكلة لا نعاني منها في الشرق فحسب كما يظن البعض... بل إن العائلات الغربية تشكو مر الشكوى ما يغزو عقر بيوتهم وعقول أولادهم وحواسبهم عبر أجهزة الكمبيوتر المنزلية الموصولة بالإنترنت. كما أن عدداً من الدول تشكو من الغزو الثقافي الغربي الذي يتدفق عليها من كل مكان عبر الأرض والفضاء وعبر خطوط الهاتف وأسلاك الكهرباء) (1)

وكتبت مجلة (سعودي شوبر) تكتب في العدد العاشر للسنة الثانية مقالاً بعنوان (إغلاق (ياهو) لماذا؟) وقد نقلت المجلة تفسيرات على لسان المتحدث باسم مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية يقول فيها (إن حجب أندية (ياهو) جاء بدعوى إلحاق الضرر بالأخلاق والقيم والآداب الشرعية... إلخ) (2)

وفي حوار من خلال مجلة (الجندي المسلم) حول الإباحية في الإنترنت مع مشعل بن عبد الله القرحي الأستاذ المساعد في معهد بحوث الحاسب الآلي في مدينة الملك عبد العزيز للعلوم والتقنية قال: (قامت بعض الشركات بدراسة عدد زوار صفحات الدعارة والإباحية في الإنترنت فوجدت إحدى الشركات أن بعض هذه الصفحات يزورها عشرون ألف زائر يومياً، وأكثر من 200 صفحة مشابهة تستقبل 1400 زائر يومياً؛ ولذلك

__________

(1) إنترنت العالم العربي، العدد الأول السنة الرابعة، ص 36.

(2) إنترنت العالم العربي، العدد الأول السنة الرابعة، ص 16.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (213)

صرحت وزارة العدل الأمريكية قائلة: لم يسبق في فترة من تاريخ وسائل الإعلام بأمريكا أن تفشى مثل هذا العدد الهائل من مواد الدعارة أمام هذه الكثرة من الأطفال في هذه الكثرة من البيوت، كما تفيد الإحصائيات بأن 63% من المراهقين الذين يرتادون صفحات وصور الدعارة لا يدري أولياء أمورهم بطبيعة ما يتصفحونه على الإنترنت. علماً بأن الدراسات تفيد أن أكثر مستخدمي المواد الإباحية تتراوح أعمارهم ما بين 12 - 17 سنة) (1)

زيادة على هذا، فإن أكثر ما في شبكة الإنترنت مما يتعلق بتربية الأولاد سلبي جداً، فلا توجد مواقع مجدية في تربية الأولاد عدا العناية ببعض الجوانب الجزئية وخصوصاً في المواقع الغربية مثل العناية بالجسم والصحة والرياضة والفن فقط.

ثانيا ـ علاج مظاهر الانحراف

وهو من العلوم المهمة التي يسعى المربي لتعلمها، كما يسعى لتعلم أعراض الأمراض الحسية، ليتقيها أو يعالجها.

ولا نستطيع في هذا المحل أن نفصل كل ما يتعلق بهذا الجانب، فمظاهر الانحراف أكثر من أن يحيط بها كتاب، والمربي لا يحتاج إلى التفاصيل الكثيرة التي قد لا يرى نفسه بحاجة إليها.

ولذلك اكتفينا هنا بإعطاء القواعد الكبرى التي وضعها علماء الإسلام لتحقيق هذا النوع من التطبيب.

وقد ذكرنا من النماذج والأمثلة التطبيبية في بعض المحال ما يستدل به على غيره، فهي ليست مقصودة بذاتها، بقدر ما هي أمثلة لغيرها.

وقد رأينا أن الكلام المنهجي في هذا يستدعي الحديث عن عنصرين:

__________

(1) إنترنت العالم العربي، العدد الأول السنة الرابعة، ص 107.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (214)

1. التعرف على منابع الانحراف وأصولها، والمظاهر التي تبدو من خلالها.

2. التعرف على الأساليب المختلفة لعلاج ما يبدو من مظاهر الانحراف، أو ما ينبع منها.

1 ـ منابع الانحراف ومظاهره

أول ما ينبغي على المربي البدء به لعلاج الانحراف الذي قد يقع فيه من تكفل بتربيته هو التعرف على الانحراف ونوعه، لأنه بدون معرفة المرض لا يمكن العلاج.

وما سنذكره في هذا المطلب موجه خصوصا للمربي، لأنه قد لا يفطن إلى مواضع الانحراف، بل قد يلتبس عليه الأمر، فيتصور المرض صحة والمعصية طاعة والانحراف استقامة، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَفْرَحُونَ بِمَا أَتَوْا وَيُحِبُّونَ أَنْ يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا فَلا تَحْسَبَنَّهُمْ بِمَفَازَةٍ مِنَ الْعَذَابِ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} (آل عمران:188)، فهؤلاء لجهلم معصيتهم تصوروها طاعة، وطمعوا أن يحمدوا بما لم يفعلوا.

ولهذا كان تعلم هذا النوع من العلم فرضا على كل مرب، كما يتعلم مظاهر الأمراض الحسية ليتسنى له علاجها أو الذهاب إلى من يعالجها.

وانطلاقا من هذا سنتحدث في هذا المطلب عن منابع الانحراف، ثم عن مظاهر الانحراف:

منابع الانحراف

وهو أهم ما ينبغي على المربي التعرف عليه، لأن لكل انحراف منبعه الخاص في النفس الإنسانية، وذلك يستدعي التعرف على حقيقة الإنسان ومكوناتها وما ينتج عن تكونها من تفاعلات، وقد ضرب الغزالي لذلك مثلا، فقال: (وذلك لأن طينة الإنسان عجنت من أخلاط مختلفة، فاقتضى كل واحد من الأخلاط في المعجون منه أثراً من الآثار

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (215)

كما يقتضي السكر والخل والزعفران في السكنجبين آثاراً مختلفة) (1)

وقد اختلف المصنفون في هذه المنابع، وهو ليس خلافا فقهيا له أدلته النابعة من الاجتهاد، وإنما هو اختلاف تحليلي، يكاد يكون من اختلاف التنوع لا اختلاف التضاد.

وسنكتفي هنا بذكر تصنيفين لهذه المنابع، تصنيف ابن القيم، وتصنيف الغزالي.

فقد ذكر ابن القيم أن (منشأ جميع الأخلاق السافلة وبناؤها على أربعة أركان: الجهل والظلم والشهوة والغضب) (2) ويبين وجه هذا التقسيم ما يلي:

1. أن الجهل يريه الحسن في صورة القبيح، والقبيح في صورة الحسن، والكمال نقصا، والنقص كمالا.

2. أن الظلم يحمله على وضع الشيء في غير موضعه، فيغضب في موضع الرضى، ويرضى في موضع الغضب، ويجهل في موضع الأناة، ويبخل في موضع البذل، ويبذل في موضع البخل، ويحجم في موضع الإقدام، ويقدم في موضع الإحجام، ويلين في موضع الشدة، ويشتد في موضع اللين، ويتواضع في موضع العزة، ويتكبر في موضع التواضع.

3. أن الشهوة تحمله على الحرص والشح والبخل وعدم العفة والنهمة والجشع والذل والدناءات كلها.

4. أن الغضب يحمله على الكبر والحقد والحسد والعدوان والسفه.

ثم ذكر أن منبع هذه الصفات الأربعة أصلان، هما نبع المنابع، وهما: إفراط النفس في الضعف، وإفراطها في القوة.

فيتولد من إفراطها في الضعف: المهانة والبخل والخسة واللؤم والذل والحرص والشح وسفساف الأمور والأخلاق.

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 16.

(2) مدارج السالكين: 2/ 308.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (216)

ويتولد من إفراطها في القوة الظلم والغضب والحدة والفحش والطيش.

ويتولد من تزاوج أحد الخلقين بالآخر: أولاد غية كثيرون، (فإن النفس قد تجمع قوة وضعفا، فيكون صاحبها أجبر الناس إذا قدر، وأذلهم إذا قهر، ظالم عنوف جبار، فإذا قهر صار أذل من امرأة، جبان عن القوي، جريء على الضعيف) (1)

وقد قسم الغزالي منابع الانحراف في النفس الإنسانية إلى إلى أربع منابع، فقال: (اعلم أنّ للإنسان أوصافاً وأخلاقاً كثيرة على ما عرف شرحه في كتاب عجائب القلب وغوائله، ولكن تنحصر مثارات الذنوب في أربع صفات: صفات ربوبية، وصفات شيطانية، وصفات بهيمية، وصفات سبعية) (2)

ويختلف المحل الذي تنبع منه الذنوب التي تنبع من هذه المنابع، فمنها ما ينبع على القلب، ومنها ما ينبع على الجوارح، يقول الغزالي: (ثم تنفجر الذنوب من هذه المنابع على الجوارح، فبعضها في القلب خاصة كالكفر والبدعة والنفاق وإضمار السوء للناس، وبعضها على العين والسمع، وبعضها على اللسان، وبعضها على البطن والفرج، وبعضها على اليدين والرجلين وبعضها على جميع البدن) (3)

ويختلف الخلق ـ كذلك ـ في غلبة بعض الصفات على بعض، فمنهم من تغلب عليه البهيمية، ومنهم تغلب عليهم السبعية، وهكذا.

وتختلف كذلك غلبة بعض الصفات بحسب عمر الإنسان، يقول الغزالي: (وهذه الصفات لها تدريج في الفطرة، فالصفة البهيمية هي التي تغلب أوّلاً ثم تتلوها الصفة السبعية ثانياً، ثم إذا اجتمعا استعملا العقل في الخداع والمكر والحيلة وهي الصفة الشيطانية،

__________

(1) مدارج السالكين: 2/ 309.

(2) إحياء علوم الدين: 4/ 16.

(3) إحياء علوم الدين: 4/ 16.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (217)

ثم بالآخرة تغلب الصفات الربوبية وهي الفخر والعز والعلو وطلب الكبرياء وقصد الاستيلاء على جميع الخلق)

وسنذكر هنا باختصار ما قد ينبع من هذه المنابع من أنواع الانحراف:

الصفات الربوبية: وهي ما أودع في الإنسان من شعور بأنانيته وحقيقته العظيمة وما سخر لها من مخلوقات، فيعتقد بربوبيته على الأشياء، سواء صرح بذلك كما صرح فرعون، عندما صرخ قائلا: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} (النازعات:24)، أو لم يصرح.

وهذه الصفة بهذا الفهم السيئ، ينتج عنها الكثير من الانحرافات منها ـ كما يذكر الغزالي ـ الكبر والفخر والجبرية وحب المدح والثناء والعز والغنى وحب دوام البقاء وطلب الاستعلاء على الكافة حتى كأنه يريد أن يقول: أنا ربكم الأعلى، (وهذا يتشعب منه جملة من كبائر الذنوب غفل عنها الخلق ولم يعدوها ذنوباً: وهي المهلكات العظيمة التي هي كالأمهات لأكثر المعاصي) (1)

الصفة الشيطانية: وهي الصفات التي ابتدأت بها شيطانية الشيطان، ومنها انطلقت، ولذلك أطلق الله هذا اللقب على الإنس كما أطلقه على شياطين الجن، فقال تعالى: {وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ} (البقرة:14)، وقال تعالى: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوّاً شَيَاطِينَ الْأِنْسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُوراً} (الأنعام:112)، وقال تعالى: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً} (الاسراء:27)

بل أمر بالاستعاذة من شياطين الإنسان، كالاستعاذة بشياطين الجن سواء بسواء، قال تعالى: {مِنْ شَرِّ الْوَسْوَاسِ الْخَنَّاسِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِي صُدُورِ النَّاسِ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ} (الناس:4 ـ 6)

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 16.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (218)

وينبع من هذه الصفات ـ كما يذكر الغزالي ـ (الحسد والبغي والحيلة والخداع والأمر بالفساد والمنكر وفيه يدخل الغش والنفاق والدعوة إلى البدع والضلال) وغيرها.

وكل هذه الصفات أشار إليه القرآن الكريم في مواضع مختلفة عند تعريفه لكيد الشيطان وكيفية مواجهته.

الصفة البهيمية: وهي الانحرافات التي تنبع من بهيمية الإنسان، وذلك لأن الله تعالى أودع الإنسان من الشهوة ما يحفظ به وجوده على هذه الأرض، فلولا شهوة الأكل لفني جسده، ولم يستطع أداء ما كلف به من وظيفة، ولولا شوهة الفرج ما استمر نوعه.

ولكن الانحراف هو استعمال هذه الشهوة في غير ما خلقت له، كما عبر تعالى عن انحراف قوم لوط عليه السلام حين خرجوا بالشهوة عن محلها الذي خلقت له، فقال تعالى: {أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ} (الشعراء:166)

وقال عن انحراف الزنا الذي يضع الشهوة في غير محلها: {وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً} (الاسراء:32)

وينبع من هذه الصفات ـ كما يذكر الغزالي ـ الشره والكلب والحرص على قضاء شهوة البطن والفرج، ومنه يتشعب الزنى واللواط والسرقة وأكل مال الأيتام وجمع الحطام لأجل الشهوات.

الصفة السبعية: وهي الانحرافات التي تنبع من سبعية الإنسان، وذلك لأن الله تعالى أودع الإنسان من الغضب والحمية ما يدافع به عن وجوده على هذه الأرض، لأنه لولا هذه الحمية لافترسته السباع، ولما استطاع حفظ وجوده الذي تتعلق به وظيفته.

يقول الغزالي في بيان الحاجة إلى هذه الغرائز: (فافتقر لأجل جلب الغذاء إلى جندين: باطن، وهو الشهوة. وظاهر، وهو اليد والأعضاء الجالبة للغذاء، فخلق في القلب من

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (219)

الشهوات ما احتاج إليه، وخلقت الأعضاء التي هي آلات الشهوات فافتقر لأجل دفع المهلكات إلى جندين: باطن، وهو الغضب الذي به يدفع المهلكات وينتقم من الأعداء. وظاهر، وهو اليد والرجل اللتين بهما يعمل بمقتضى الغضب، وكل ذلك بأمور خارجة؛ فالجوارح من البدن كالأسلحة وغيرها) (1)

وينبع من هذه الصفات ـ كما يذكر الغزالي ـ الغضب والحقد والتهجم على الناس بالضرب والقتل واستهلاك الأموال، ويتفرّع عنها جمل من الذنوب.

مظاهر الانحراف

أشار القرآن الكريم إلى تصنيفات مختلفة للذنوب (2)، ورتب على كل تصنيف منها ما يتعلق به من آثار:

ومن ذلك تصنيف الذنوب إلى ذنوب ظاهرة وذنوب باطنة، كما قال تعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الْأِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الْأِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ} (الأنعام:120)، فقد قسم الذنوب في هذه الآية إلى ذنوب ظاهرة وذنوب باطنة، وأمر بترك جميعها، ومثله في هذا التصنيف قوله تعالى: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْأِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ} (لأعراف:33)

ومنها تصنيف الذنوب إلى صنفي الإثم والعدوان، وقد ورد ذلك في خمس مواضع من القرآن الكريم، قال تعالى: {ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (البقرة:85)، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 6.

(2) لهذه التصنيفات أهمية كبيرة في استعمال العلاج المناسب لكل ذنب، وهو كتصنيف الأطباء للأمراض ليسهل عليهم التعامل مع كل نوع بما يناسبه من أدوية.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (220)

الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:2)، وقال تعالى: {وَتَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} (المائدة:62)، وقال تعالى: {وَيَتَنَاجَوْنَ بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} (المجادلة:8)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلا تَتَنَاجَوْا بِالْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ} (المجادلة:9)

والإثم: الفعل الذي يستحق عليه صاحبه الذم. والعدوان: الإفراط في الظلم والتجاوز فيه. وقد قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر اللّه بفعله، والعدوان مجاوزة ما حد اللّه في دينكم ومجاوزة ما فرض اللّه عليكم في أنفسكم وفي غيركم.

ومنها تصنيف الذنوب إلى كبائر وصغائر، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى:37)

ومنها تصنيف الذنوب إلى إثم وفواحش، ثم كبائر ولمم، كما في قوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى} (لنجم:32)

وقد اهتم علماء السلوك المسلمين ـ انطلاقا من القرآن الكريم، وانطلاقا من تحليل الذنوب وآثارها وكيفية علاجها ـ بتصنيف أنواع الانحراف، ليذكروا بعدها ما يرونه من علاج لكل صنف.

وقد اتفق العلماء عل التقسيمين التاليين:

مظاهر الانحراف بحسب متعلقها: وربما يشير إلى هذا النوع من الذنوب ما قسم الله تعالى به الذنوب إلى إثم وعدوان، وذلك لأن الإثم ما كان بين العبد وربه تعالى أما العدوان، فهو ما كان من التعدي على مصالح الخلق، يقول الغزالي: (اعلم أنّ الذنوب تقسم إلى ما بين العبد وبين الله تعالى وإلى ما يتعلق بحقوق العباد. فما يتعلق بالعبد خاصة كترك الصلاة

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (221)

والصوم والواجبات الخاصة به وما يتعلق بحقوق العباد كتركه الزكاة وقتله النفس وغصبه الأموال وشتمه الأعراض وكل متناول من حق الغير، فإما نفس أو طرف أو مال أو عرض أو دين أو جاه، وتناول الدين بالإغواء والدعاء إلى البدعة والترغيب في المعاصي وتهييج أسباب الجرأة على الله تعالى كما يفعله بعض الوعاظ بتغليب جانب الرجاء على جانب الخوف) (1)

ولهذا التقسيم أهميته الكبرى من جهات مختلفة:

فمن جهة المغفرة، فإن (ما يتعلق بالعباد فالأمر فيه أغلظ، وما بين العبد وبين الله تعالى إذا لم يكن شركاً فالعفو فيه أرجى وأقرب، وقد جاء في الخبر، الدواوين ثلاثة: ديوان يغفر، وديوان لا يغفر، وديوان لا يترك: فالديوان الذي يغفر: ذنوب العباد بينهم وبين الله تعالى، وأما الديوان الذي لا يغفر: فالشرك بالله تعالى. وأما الديوان الذي لا يترك. فمظالم العباد أي لا بد وأن يطالب بها حتى يعفى عنها)

ومن جهة تشديد المربي على من يربيه، فإنه لا ينبغي للمربي، وخاصة الوالد أن يتساهل مع ابنه في مصالح الناس، فإن لذلك خطورته الكبيرة على مستقبل ابنه، كما سنوضح ذلك في الفصل الخاص بالبعد الاجتماعي.

مظاهر الانحراف بحسب صغرها وكبرها: نعم، إن كل معصية لله كبيرة (2)، والمربي

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 36.

(2) أنكر بعض العلماء هذا التقسيم، وذهبوا إلى أن كل المعاصي كبائر، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في " الإرشاد "، وابن القشيري في " المرشد " بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة واختاره في تفسيره فقال: (معاصي الله تعالى عندنا كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة وكبيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها)، ثم أول الآية الآتية: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} (النساء:31) بما لا يدل عليه ظاهرها.

وما ذهب إليه هؤلاء العلماء صحيح من جهة أن كل المعاصي خطيرة سواء كانت صغيرة أو كبيرة، بل من الحرج تلقيب المعصية بكونها صغيرة، قال القاضي عبد الوهاب: لا يمكن أن يقال في معصية: إنها صغيرة، إلا على معنى أنها تصغر باجتناب الكبائر.

ويشير إلى هذا الجمع ما رواه الطبراني عن ابن عباس، أنه ذكر عنده الكبائر فقال: (كل ما نهي عنه فهو كبيرة)، وفي رواية عنه: (كل شيء عصي الله فيه فهو كبيرة)

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (222)

الصالح هو الذي يحمي من يربيه عن كل المعاصي، ولكن مع ذلك، فإن الإنسان غير معصوم، ومن الخطا أن نتعامل مع أخطائه معاملة واحدة، فلا نفرق بين من ما كبر منها وعظم، وبين ما صغر منها.

ولهذا ورد القرآن الكريم بهذا التقسيم، فقال تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً} (النساء:31)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ وَإِذَا مَا غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ} (الشورى:37)، وقال تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} (لنجم:32)

وقد وردت النصوص الكثيرة بعد بعض الذنوب الكبائر، وهي ـ كما يذكر ابن حجر ـ نوعان:

النصوص الصريحة باعتبار الذنب كبيرة: وهي الأصل الذي يعتمد عليه في عد الكبائر، ومن تلك النصوص قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ثلاثا: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وشهادة الزور وقول الزور وكان متكئا فجلس فما زال يكررها حتى قلنا ليته سكت) (1)، وسئل صلى الله عليه وآله وسلم: (أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله ندا وهو خلقك، قلت: إن ذلك لعظيم، ثم أي؟ قال: وأن تقتل ولدك مخافة أن يطعم معك، قلت: ثم أي؟ قال: أن تزاني حليلة جارك) (2)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من الكبائر شتم الرجل والديه، قيل: وهل يشتم الرجل والديه؟ قال: نعم، يسب الرجل أبا الرجل وأمه، فيسب أباه وأمه) (3)، وفي رواية للبخاري

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) رواه البخاري ومسلم.

(3) رواه البخاري ومسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (223)

أن هذه الأخيرة من أكبر الكبائر، وفي رواية له أيضا عد الشرك، والعقوق، والقتل، واليمين الغموس من الكبائر، وعد في أخرى الشرك، والقتل إلا بالحق، وأكل مال اليتيم، والربا، والتولي يوم الزحف، وقذف المحصنات المؤمنات الغافلات موبقات، وفي رواية صحيحة عد هذه السبع وعقوق الوالدين المسلمين واستحلال البيت الحرام كبائر.

النصوص المخبرة باللعن أو الغضب أو الوعيد شديد: فهي تشير إلى كون الذنب كبيرا، وإلا لما رتب عليه ذلك العقاب الشديد، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة لا يكلمهم الله ولا ينظر إليهم ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم. قال أبو ذر: فقرأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ثلاث مرات، فقلت: خابوا وخسروا من هم يا رسول الله؟ قال: المسبل إزاره: - أي خيلاء كما في روايات أخر - والمنان: الذي لا يعطي شيئا إلا منة، والمنفق سلعته بالحلف الكاذب) (1)، وفي رواية أنهم: (شيخ زان، وملك كذاب، وعائل مستكبر) (2)، وفي رواية أنهم (رجل على فضل ماء بفلاة يمنعه ابن السبيل، ورجل بايع رجلا سلعة بعد العصر فحلف بالله لأخذها بكذا وكذا فصدقه وهو على غير ذلك، ورجل بايع إماما لا يبايعه إلا للدنيا فإن أعطاه منها ما يريد وفى له وإن لم يعطه لم يف له) (3)

ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن لله تعالى عبادا لا يكلمهم يوم القيامة ولا يزكيهم ولا ينظر إليهم)، قيل: (ومن أولئك يا رسول الله؟ قال: متبرئ من والديه راغب عنهما أو متبرئ من ولده، ورجل أنعم عليه قوم فكفر نعمتهم وتبرأ منهم) (4)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يدخل الجنة قتات) (5) أي نمام، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاث لا يدخلون الجنة: مدمن خمر، وقاطع رحم، ومصدق

__________

(1) رواه مسلم وغيره.

(2) رواه مسلم.

(3) رواه البخاري ومسلم.

(4) رواه أحمد.

(5) رواه البخاري ومسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (224)

بالسحر) (1)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاث أنا خصمهم يوم القيامة: رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا فأكل ثمنه، ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجره) (2)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يدخل الجنة عاق، ولا مدمن خمر، ولا نمام) (3)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لا يدخل الجنة عاق ولا مدمن خمر ولا مكذب بقدر) (4)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (لعن الله من ذبح لغير الله، لعن الله من لعن والديه، لعن الله من آوى محدثا، لعن الله من غير منار الأرض أي طرقها) (5)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاثة لا يدخلون الجنة: العاق لوالديه، والديوث، ورجلة النساء) (6)

وقد اختلف العلماء ـ انطلاقا من أمثال هذه النصوص ـ في عد الكبائر، بل بدأ الخلاف من لدن الصحابة، فقال ابن مسعود: هن أربع. وقال ابن عمر: هن سبع. وقال عبد الله بن عمرو: هن تسع. وكان ابن عباس إذا بلغه قول ابن عمر: الكبائر سبع، يقول: هن إلى سبعين أقرب منها إلى سبع.

وللغزالي تقرير جيد في هذه المسألة يمكن الاستفادة منه في تحديد الكبائر التي لم ترد بها النصوص، انطلق فيه من النظرة المقاصدية لأحكام الشريعة، قال: (نعلم بشواهد الشرع وأنوار البصائر جميعاً أن مقصود الشرائع كلها سياق الخلق إلى جوار الله تعالى وسعادة لقائه، وأنه لا وصول لهم إلى ذلك إلا بمعرفة الله تعالى ومعرفة صفاته وكتبه ورسله.. ولا يكون العبد عبداً ما لم يعرف ربه بالربوبية ونفسه بالعبودية ولا بدّ أن يعرف نفسه وربه، فهذا هو المقصود الأقصى ببعثة الأنبياء، ولكن لا يتم هذا إلا في الحياة الدنيا.. فصار حفظ الدنيا

__________

(1) رواه أحمد.

(2) رواه أحمد والبخاري.

(3) رواه أحمد والنسائي.

(4) رواه أحمد وابن ماجه.

(5) رواه مسلم وغيره.

(6) رواه الحاكم وصححه.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (225)

أيضاً مقصوداً تابعاً للدين لأنه وسيلة إليه. والمتعلق من الدنيا بالآخرة شيئان: النفوس والأموال، فكل ما يسدّ باب معرفة الله تعالى فهو أكبر الكبائر ويليه ما يسدّ باب حياة النفوس ويليه باب ما يسدّ المعايش التي بها حياة الناس) (1)

فهذه هي النواحي الثلاثة التي جاءت الشريعة لحفظها، قال الغزالي: (فهذه ثلاث مراتب، فحفظ المعرفة على القلوب، والحياة على الأبدان، والأموال على الأشخاص ضروري في مقصود الشرائع كلها، وهذه ثلاثة أمور لا يتصوّر أن تختلف فيها الملل، فلا يجوز أنّ الله تعالى يبعث نبياً يريد ببعثه إصلاح الخلق في دينهم ودنياهم ثم يأمرهم بما يمنعهم عن معرفته ومعرفة رسله؛ أو يأمرهم بإهلاك النفوس وإهلاك لأموال)

انطلاقا من هذا صنف الكبائر إلى ثلاثة أقسام:

ما يمنع من معرفة الله تعالى ومعرفة رسله: كالكفر، فلا كبيرة فوق الكفر، إذ الحجاب بين الله وبين العبد هو الجهل، والوسيلة المقرّبة له إليه هو العلم والمعرفة، وقربه بقدر معرفته، وبعده بقدر جهله.

ويتلوه الجهل الذي لا يسمى كفراً، وذلك مثل الأمن من مكر الله والقنوط من رحمته، فإن هذا أيضاً عين الجهل، فمن عرف الله لم يتصوّر أن يكون آمناً ولا أن يكون آيساً.

ويتلوه كل البدع المتعلقة بذات الله وصفاته وأفعاله وبعضها أشدّ من بعض، وتفاوتها على حسب تفاوت الجهل بها وعلى حسب تعلقها بذات الله سبحانه بأفعاله وشرائعه وبأوامره ونواهيه.

ما يمنع من حفظ النفوس: لأنه ببقائها وحفظها تدوم الحياة وتحصل المعرفة بالله، فقتل النفس لا محالة من الكبائر وإن كان دون الكفر، لأن ذلك يصدم عين المقصود وهذا يصدم وسيلة المقصود، إذ حياة الدنيا لا تراد إلا للآخرة والتوصل إليها بمعرفة الله تعالى.

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 19.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (226)

ويتلو هذه الكبيرة قطع الأطراف وكل ما يفضي إلى الهلاك حتى الضرب وبعضها أكبر من بعض، ويقع في هذه الرتبة تحريم الزنى واللواط، لأنه لو اجتمع الناس على الاكتفاء بالذكور في قضاء الشهوات انقطع النسل، ودفع الموجود قريب من قطع الوجود.

ويتلوه الزنى، فإنه ـ مع كونه لا يفوت أصل الوجود ـ يشوّش الأنساب ويبطل التوارث والتناصر وجملة من الأمور التي لا ينتظم العيش إلا بها (1).

ما يمنع من حفظ الأموال: لأنها معايش الخلق فلا يجوز تسلط الناس على تناولها كيف شاءوا حتى بالاستيلاء والسرقة وغيرهما، بل ينبغي أن تحفظ لتبقى ببقائها النفوس، إلا أن الأموال إذا أخذت أمكن استردادها وإن أكلت أمكن تغريمها فليس يعظم الأمر فيها، نعم إذا جرى تناولها بطريق يعسر التدارك له فينبغي أن يكون ذلك من الكبائر.

بالإضافة إلى هذا، فإن ما دلت الأدلة على كونه من الصغائر قد يصير من الكبائر إذا اتصف بالصفتين التاليتين:

الإصرار والمواظبة: وإليه الإشارة بقوله تعالى: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْأِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ} (لنجم:32)، فمن الأقوال في تفسيرها ما قاله مجاهد والحسن: (هو الذي يأتي الذنب ثم لا يعاوده)، وقال الزهري: (اللمم أن يزني ثم يتوب فلا يعود، وأن يسرق أويشرب الخمر ثم يتوب فلا يعود)

ويدل على هذا قوله تعالى: {وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ} (آل عمران:135)، فقد ضمن لهم المغفرة بقوله تعالى عقبها: {أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ مَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَجَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ} (آل عمران:136)، ومثل ذلك قوله عقيب اللمم: {إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ} (لنجم:32)

__________

(1) ما ذكره الغزالي هنا في حفظ النفوس خصه آخرون بقسم خاص، سموه (حفظ النسل)، ويدخل فيه (حفظ العرض)

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (227)

ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار، فكبيرة واحدة تنصرم ولا يتبعها مثلها لو تصوّر ذلك كان العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب العبد عليها.

وقد شبه الغزالي ذلك بقطرات من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثر فيه، وذلك القدر من الماء لو صب عليه دفعة واحدة لم يؤثر.

احتقار الذنب: ويشير إلى هذا قوله تعالى: {إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ} (النور:15)، وبقول بعض الصحابة م: (إنكم لتعملون أعمالاً هي في أعينكم أدق من الشعر كنا نعدها على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الموبقات)

ويعلق الغزالي على هذا بقوله: (إذ كانت معرفة الصحابة بجلال الله أتم، فكانت الصغائر عندهم بالإضافة إلى جلال الله تعالى من الكبائر، وبهذا السبب يعظم من العالم ما لا يعظم من الجاهل، ويتجاوز عن العامي في أمور لا يتجاوز في أمثالها عن العارف، لأن الذنب والمخالفة يكبر بقدر معرفة المخالف) (1)

وقد روي أنه أوحى الله تعالى إلى بعض أنبيائه: (لا تنظر إلى قلة الهدية وانظر إلى عظم مهديها، ولا تنظر إلى صغر الخطيئة وانظر إلى كبرياء من واجهته بها)

ولهذا قال من قال من العلماء بأن الذنوب كلها كبائر، كما ذكرنا ذلك سابقا.

والسر في هذا ـ كما يذكر الغزالي ـ أن استعظام العبد للذنب ـ مهما كان صغيرا ـ يصدر عن نفور القلب عنه وكراهيته له، وذلك النفور يمنع من شدة تأثيره به، أما استصغاره، فيصدر عن الألف به وذلك يوجب شدّة الأثر في القلب، والقلب هو المطلوب تنويره بالطاعات، والمحذور تسويده بالسيئات، ولذلك لا يؤاخذ بما يجري عليه في الغفلة فإن القلب لا يتأثر بما يجري في الغفلة.

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 32.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (228)

ويدخل في هذا النوع ـ وإن كان الغزالي قد ذكره قسما مستقلا ـ السرور بالصغيرة والفرح والتبجح بها واعتداد التمكن من ذلك نعمة والغفلة عن كونه سبب الشقاوة.

وهو يدخل في ما سبق ذكره، بل هو مرتبة أعظم من المرتبة السابقة، لأن هذا لم يحتقر المعصية فقط، بل وتبجح بها أيضا.

ويذكر الغزالي الأمثلة الواقعية لذلك، فيقول: (حتى إن من المذنبين من يتمدح بذنبه ويتبجح به لشدّة فرحه بمقارفته إياه، كما يقول: أما رأيتني كيف مزقت عرضه، ويقول المناظر في مناظرته: أما رأيتني كيف فضحته وكيف ذكرت مساوئه حتى أخجلته وكيف استخففت به وكيف لبست عليه؟ ويقول المعامل في التجارة: أما رأيت كيف روّجت عليه الزائف وكيف خدعته وكيف غبنته في ماله وكيف استحمقته؟) (1)

ويعلق على هذه الأمثلة بقوله: (فهذا وأمثاله تكبر به الصغائر فإن الذنوب مهلكات، وإذا دفع العبد إليها وظفر الشيطان به في الحمل عليها فينبغي أن يكون في مصيبة وتأسف بسبب غلبة العدوّ عليه وبسبب بعده من الله تعالى، فالمريض الذي يفرح بأن ينكسر إناؤه الذي فيه دواءه حتى يتخلص من ألم شربه لا يرجى شفاؤه)

ويدخل في هذا النوع ـ وإن كان الغزالي قد ذكره قسما مستقلا ـ أن يأتي الذنب ويظهره بأن يذكره بعد إتيانه أو يأتيه في مشهد غيره فإن ذلك جناية منه على ستر الله الذي سدله عليه وتحريك لرغبة الشر فيمن أسمعه ذنبه أو أشهده فعله، فهما جنايتان انضمتا إلى جنايته فغلظت به، فإن انضاف إلى ذلك الترغيب للغير فيه والحمل عليه وتهيئة الأسباب له صارت جناية رابعة وتفاحش الأمر.

ولهذا قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من الإجهار أن يعمل الرجل بالليل عملا ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: عملت البارحة كذا وكذا، وقد بات يستره ربه

__________

(1) إحياء علوم الدين: 4/ 32.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (229)

فيصبح يكشف ستر الله عز وجل عنه) (1)

ويدخل في المجاهرة أن يقع الذنب من شخص يكون قدوة لغيره، لأنه بفعله المعصية يضل خلقا كثيرا ممن يقتدي به فيها، يقول الغزالي بعد عده لبعض الذنوب التي يقع فيها بعض العلماء بلا شعور أو اكتراث: (فهذه ذنوب يتبع العالم عليها فيموت العالم ويبقى شره مستطيراً في العالم آماداً متطاولة، فطوبى لمن إذا مات ماتت ذنوبه معه) (2)

ويشير إلى هذا النوع من الذنوب قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (من سنَّ سنَّة سيئة فعليه وزرها ووزر من عمل بها لا ينقص من أوزارهم شيئاً) (3)، وقال ابن عباس: (ويل للعالم من الأتباع يزل زلة فيرجع عنها ويحملها الناس فيذهبون بها في الآفاق)

وشبه بعضهم زلة العالم، فقال: (مثل زلة العالم مثل انكسار السفينة تغرق ويغرق أهلها)

ويذكر الغزالي أن عالماً ـ من الأمم السالفة ـ كان يضل الناس بالبدعة ثم أدركته توبة فعمل في الإصلاح دهراً، فأوحى الله تعالى إلى نبيهم: (قل له إن ذنبك لو كان فيما بيني وبينك لغفرته لك، ولكن كيف بمن أضللت من عبادي فأدخلتهم النار)

2 ـ أساليب علاج الانحراف

انطلاقا مما سبق فإن المربي الناصح إذا ما رأى منبعا من منابع الانحراف، أو مظهرا من مظاهره يتسرب لمن يربيه ليدنسه بأوحاله، فإنه يسارع لتطهيره ووقايته بكل ما أمكنه من السبل والوسائل.

وهذا يستدعي علما خاصا، لا يمكننا ذكر تفاصيله هنا، ولكنا نحاول انطلاقا مما

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) إحياء علوم الدين: 4/ 32.

(3) رواه ابن ماجه، رقم 23.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (230)

ذكره المربون وعلماء السلوك من المسلمين أن نلم بجمله وقواعده ليتخذها المربي قوانين يسير على ضوئها في إصلاح من تكفل بتربيته.

وقبل أن نذكر هذه الأساليب المقاومة للانحراف أو المعالجة له، نحب أن نرد على من يتصور الأخلاق صفات راسخة يستحيل تحويلها أو تغييرها، لينطلق من ذلك إلى استحالة تأثير التربية في الإصلاح، وتنتشر الأمثال المثبطة في المجتمع عن هذه الفكرة، وهي خطيرة جدا لا بما تحمله من يأس فقط، وإنما لأنها تضاد دعوة الرسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ الذين كان من أهم وظائفهم التزكية التي تعني تطهير عباد الله من رذائل الأخلاق، وتحليتهم بمحاسنها، كما ذكر تعالى ذلك في مواضع من القرآن الكريم، قال تعالى: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (البقرة:129)، وقال تعالى: {لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (آل عمران:164)، وقال تعالى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ} (الجمعة:2)

ومن الأدلة التي ذكرها الغزالي للقائلين بأن الأخلاق لا تتغير بطريق الرياضة:

1 ـ أن الخُلُق هو صورة الباطن كما أن الخَلْق هو صورة الظاهر، فالخلقة الظاهرة لا يقدر على تغييرها فالقصير لا يقدر أن يجعل نفسه طويلاً، ولا الطويل يقدر أن يجعل نفسه قصيراً، ولا القبيح يقدر على تحسين صورته، فكذلك القبح الباطن يجري هذا المجرى.

2 ـ أن حسن الخلق لا يكون إلا بقمع الشهوة والغضب، والتجربة تدل على استحالة هذا، لأنهما من مقتضيات المزاج والطبع.

والرد على هذا من النصوص لا يمكن استيفاؤه ـ هنا ـ لأن كل النصوص الحاضة

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (231)

على التخلق بالأخلاق الحسنة أو الناهية عن الأخلاق السيئة ترد على هذا، لأن الشرع لا يأمر بالمستحيل، وقد قال تعالى: {لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا} (البقرة:233)، وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَت} (البقرة:286)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لا نُكَلِّفُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا} (لأعراف:42)، وقال تعالى: {لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا} (الطلاق:7)

ومن النصوص الصرريحة الدالة على هذا قوله صلى الله عليه وآله وسلم لأشج عبد القيس: (إن فيك لخلقين يحبهما الله: الحلم والأناة (1)، فقال: (أخلقين تخلقت بهما، أم جبلني الله عليهما؟) فقال: (بل جبلك الله عليهما) فقال: (الحمد لله الذي جبلني على خلقين يحبهما الله ورسوله) (2)

وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول في دعاء الاستفتاح: (اللهم اهدني لأحسن الأخلاق، لا يهدي لأحسنها إلا أنت، واصرف عني سيئها، لا يصرف عني سيئها إلا أنت) (3)

أما من حيث الواقع، وهو ما تتذرع به أمثال هذه الأقوال المثبطة، فننقل ما قال الغزالي، وفيه أبلغ الرد: (وكيف ينكر هذا في حق الآدمي وتغيير خلق البهيمة ممكن إذ ينقل البازي من الاستيحاش إلى الأنس، والكلب من شره الأكل إلى التأدب والإمساك والتخلية، والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد وكل ذلك تغيير للأخلاق) (4)

انطلاقا من هذا، فإن هناك أسلوبين أساسيين لعلاج الانحراف، يحتاج المربي إلى استعمالهما جميعا ـ على ضوء ما ذكرنا في الجزء الخاص بأساليب التربية ـ هما: العلم والعمل.

الأساليب العلمية

__________

(1) التثبت وترك العجلة.

(2) رواه مسلم والترمذي.

(3) رواه البيهقي.

(4) إحياء علوم الدين: 3/ 56.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (232)

وينطلق هذا الأسلوب من المقولة المعروفة المشهورة (حياتك من صنع أفكارك)، فالأفكار التي ينصبغ بها العقل هي التي ينصبغ لها بعده الوجدان والسلوك والحياة جميعا.

فلذلك كان أول ما ينبغي أن يهتم به المربي هو حفظ عقل المتلقي من كل شبهة أو أفكار منحرفة قد تجرفه إلى الانحراف من حيث يشعر أو لا يشعر.

والأساس لذلك هو ما ذكرنا في التربية الإيمانية من الاجتهاد في تقوية إيمان المتلقي، فالإيمان الصحيح القوي المؤثر هو الكفيل بتحويل أبخس المعادن ذهبا خالصا.

ولهذا يقرن الله تعالى الإيمان بالعمل الصالح، ويقدم الإيمان عليه، وكأنه يشير إلى أن العمل الصالح أثر من آثار الإيمان، قال تعالى: {وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ} (البقرة:25)

وقد تكررت هذه اللازمة {الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ} في خمسين موضعا من القرآن الكريم، وكل ذلك لأهمية اقتران الإيمان بالعمل الصالح.

ويشير إلى هذا المعنى بصراحة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت:30)، وقوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الاحقاف:13)، فقد عطف الله تعالى الاستقامة، التي تضاد الانحراف على الإيمان بحرف (ثم) الذي يفيد الترتيب، وكأنه يقول: (إن الاستقامة أثر من آثار قولهم (ربنا الله)

ويشير إلى هذا في التربية النبوية، قول الصحابة: (الإيمان قبل القرآن)

ولهذا، فإن أكثر الذنوب تحوي شركا شعر به صاحبه أو لم يشعر، وكمثال على ذلك ارتباط الطغيان بالاستغناء عن الله، كما يشير إليه قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّ الْأِنْسَانَ لَيَطْغَى أَنْ رَأَىهُ اسْتَغْنَى} (العلق:6 ـ 7)، فقد رتب الله تعالى الطغيان الذي هو منتهى أنانية الإنسان

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (233)

وكبريائه على شعوره بالاستغناء عن الله، وكأنه عالم قائم بذاته، فلذلك يطلب من غيره أن يتوجه له بالعبودية كما يتوجه لله.

وكمثال على ذلك أيضا قوله تعالى: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآياتِنَا يَجْحَدُونَ} (فصلت:15)، فإن انبهار عاد بما أعطيت من قوة جعلها تغفل عن قوة الله، وهو ما جعلها تستكبر في الأرض بغير حق.

ومثلما يؤدي الشرك والكفر إلى الانحراف، فإن الانحراف يؤدي كذلك إلى الشرك والكفر، وهذا من أخطر آثاره، ولهذا يقال (المعاصي بريد الكفر)، وإلى هذا يشير قوله تعالى: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ} (البقرة:34)، فقد رتب تعالى كفره على معصيتين خطيرتين هما الإباء الذي هو الاعتراض على الله، والكبر.

ولهذا أخبر تعالى أن كل من رد الحق الذي جاء به الأنبياء رده بسبب كبره، الذي هو أثر من آثار كفره، كما أن الكفر ثمرة من ثمار تكبره، قال تعالى: {ِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ} (البقرة:87)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ} (الأعراف:36)، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ} (الأعراف:40)، وقال تعالى: {قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ} (الأعراف:76)، وقال تعالى: {قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ} (الأعراف:88)

وانطلاقا من هذا، فإن التوجهات بمختلف أنواعها سياسية أو اقتصادية أو نفسية

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (234)

أو اجتماعية لها التأثير الكبير في صناعة الأخلاق منحرفة كانت أو مستقيمة، لأن لكل معرفة تأثيرها المباشر في حقيقة الإنسان الكلية، والتي تبرزها في سلوكها الظاهري إن وجدت الفرصة لإبرازها، أو تخبئها متى وجدت لذلك محلا.

وكمثال على ذلك ما يمكن تسميته بالأخلاق الرأسمالية (1)، وهي أكثر أخلاق العصر، فهي ثمرة طبيعية للواقع العقدي المنحرف، وهي أخلاق تنمحي في ظلها كل المبادئ الإنسانية، لأن كل المبادئ لا تساوي شيئا أمام رنين الدنانير والدراهم، يروي الأستاذ محمد قطب عن شقيقه سيد أنه أثناء زيارته لأمريكا كان ذات مرة جالساً في حديقة فاقترب منه رجل أبيض، وسأله: من أين أنت؟ فأجاب سيد: من مصر، فرد عليه قائلاً: إذن أنت مسلم، قال: نعم، قال: إذن حدثني عن الإسلام، فأخذ سيد يحدثه عن الإسلام، والرجل منصت باهتمام حتى أنهى سيد حديثه، عندها قال الرجل: جميل ما قُلته، ولكن الدولار هو الإله الوحيد الذي أعرفه.

فالرأسمالية حولت الإنسان إلى عبد ذليل أمام المال، يقدم له كل عرابين الذل، بل يحرق في محرقته كل القيم والأخلاق، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (تعس عبد الدينار وعبد الدرهم وعبد الخميصة إن أعطي رضي، وإن لم يعط تعس وانتكس، وإذا شيك فلا انتقش طوبي لعبد أخذ بعنان فرسه في سبيل الله أشعث رأسه مغبرة قدماه إن كان في الحراسة كان في الحراسة وإن في الساقة كان في الساقة إن استأذن لم يؤذن له وإن شفع لم يشفع) (2).

فقد ذكر صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث نموذج العبد المقهور التعيس أمام الثروة والمظاهر، وذكر في مقابله المؤمن المتحرر الأشعث الأغبر المتخلص من كل عبودية عدا عبوديته لربه، ثم ذكر أن هذا العبد هو وحده الذي يستطيع الضرب في الأرض في سبيل الله.

__________

(1) انظر: الصلة بين الأخلاق والعقيدة، د. جلال الدين محمد صالح، مجلة البيان: العدد 85، ص 22.

(2) رواه البخاري.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (235)

ومن نتائج هذه الأخلاق الرأسمالية على المستوى الأممي ما نراه من جشع وحرص قد تباد لإروائه شعوب بأكملها، كما فعل بالهنود الحمر بحثاً عن الذهب الأصفر، وكما فعل مع سكان مستعمراته في إفريقيا حيث اقتيد منهم الألوف - بعد أن نهب خيرات أوطانهم - مكبلين بالأغلال في الأعناق والأيدي والأقدام استغلالاً لسواعدهم وقوة أجسامهم في استثمار اقتصادي لا يعود نفعه إلا إلى الرأسمالي ذاته.

ثم من وحي أخلاقه الرأسمالية اعتمد معيار اللون والثراء في التفاضل؛ فالنازية في ألمانيا، جعلت العرق الآري أفضل من وجد على الأرض، والرجل الأبيض عموماً في أوروبا وأمريكا وأفريقيا مارس أخلاقيات التفريق العنصري، واصطفى ذاته لتكون في القمة، واضطهد السود - لمجرد أنهم سود - في أمريكا، وحتى وقت قريب في جنوب إفريقيا، ولم تنعتق هذه الشعوب من قبضته واضطهاداته إلا عبر تضحيات باهظة التكاليف ونضالات عنيدة ومتواصلة حتى انتزعت من بين فكيه شيئاً من حقوقها، ثم في تناقض صارخ كثيراً ما نسمع ضجيجه عن حقوق الإنسان، مصاغة وفق اختياراته واستحساناته، منطلقة من جذور عقائد محرفة، وأهواء قاصرة، وأخلاقيات نفعية، تساير الظلم وتسانده إذا ما رأت فيه مبتغاها.

وما يقال في الأخلاق الرأسمالية يقال في الأخلاق الاشتراكية والشيوعية، وهي أخلاق ظن البعض أنها تنقذهم من وحش الرأسمالية الكاسر، لكنها أوقعتهم في وحش آخر، لا يقل فتكه عن فتك الوحش الرأسمالي.

فهي أخلاق تنطلق من أصوله الإلحادية، كما تنطلق الأخلاق الرأسمالية من أصول شركية، وهي تقرر أن سعادة الإنسان تكمن في أخلاقيات الصراع الطبقي التي تدفع به - حسب زعمهم - إلى حياة الرفاه والرغد في مجتمع شيوعي تغيب عنه الدولة وتختفي فيه شارات الشرطة ويحكمه قانون (من كل حسب طاقته ولكل حسب حاجته)، وهو نهج

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (236)

يرفض في نظمه الأخلاقية كل سلوك يعيق تقدمه أياً كان مصدره وينعته بالأخلاق البرجوازية، وقبح الشيء وحسنه يتحدد فقط بالنظر إلى مردوده على طبقة البروليتاريا على حد تعبيرهم.

وانطلاقاً من هذه النظرة انحرف المؤمنون بهذه العقائد في كل شعاب السلوكيات المتردية، فأشاعوا حالة الخوف الدائم، وأفسدوا بالمرتبات الكبيرة والامتيازات رجال الجيش والبوليس والأجهزة السياسية والأفراد المطيعيين من طبقة المثقفين، وأسكتوا قمعاً كل صوت مقاوم.

وفي كتاب مدرسي عن الأخلاق الماركسية معد للمدارس الثانوية في المجر سنة 1978 م، يقول: (إن الطفل ابناً كان أو بنتاً لا يصح بحال أن يُقدم على قتل أمه إلا إذا أصبحت خائنة للطبقة العاملة..) (1)

وخيانة الطبقة العاملة ـ في تصور هذه العقيدة ـ هي إبداء النقد لسلوكيات الفكر الاشتراكي وأئمته أو التعامل معه بشيء من الحذر والحيطة، والأمانة الأخلاقية في زعمهم هي الفناء في شخصية القيادة الماركسية، والدينونة لمقولاتها، وتكريس عبادتها، ولعلنا لاحظنا جميعاً كيف أن الشعب الكوري الشمالي أحتشد حول صنم الزعيم الكوري غداة هلاكه ساجداً راكعاً، بل إن من الحجارة من اكتسب شيئاً من القداسة في كوريا لكونه حظى بجلسة من رائد الفكر الاشتراكي الكوري؛ ففي تابوت زجاجي بساحات أحد المصانع بكوريا الشمالية عرض حجر بداخله، ومكتوب عليه هذه العبارة: (الحجر الذي جلس عليه الرفيق الحبيب المبجل عندما كان يتحدث) (2)

انطلاقا من هذا نحاول أن نذكر هنا بعض النماذج عن كيفية استعمال هذا الأسلوب

__________

(1) انظر علي عزت بيكفوتش: الإسلام بين الشرق والغرب / 206 بتصرف.

(2) انظر علي عزت بيكفوتش: الإسلام بين الشرق والغرب / 207.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (237)

في علاج الانحرافات الخلقية أو في الوقاية منها، مع التنبيه إلى الرجوع إلى الجزء الخاص بأساليب التربية لصياغة هذه الأساليب وفق الضوابط المقررة هناك.

وسنذكر هنا بعض النماذج عن الانحرافات والعلاج العملي لها، ثم نذكر نفس هذه الانحرافات عند ذكر الأساليب العملية للجمع بين الأسلوب العلمي والعملي في علاج الانحرافات.

الانحراف الجنسي

وهو من أخطر الانحرافات التي قد يتعرض لها الأولاد في المراحل الأولى لتربيتهم، ولهذا قرن صلى الله عليه وآله وسلم بين الأمر بالصلاة، وبين التفريق بينهم في المضاجع، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (مروا أولادكم بالصلاة وهم أبناء سبع سنين واضربوهم عليها وهم أبناء عشر وفرِّقوا بينهم في المضاجع)، وهو كالحماية لهم من أي انحراف قد يتعرضون له.

وقد أشار الأخصائي النفسي بديع القشاعلة في مقال له بعنوان (نظريات في علم النفس والحديث الشريف) إلى الأسرار المودعة في هذا الحديث، فقال: (يحدد محمد صلى الله عليه وآله وسلم في هذا الحديث فترات زمنية للتعامل مع الطفل.... أما الجزء الأخير من الحديث وهو (فرقوا بينهم في المضاجع) فنابعٌ من تطور النمو الجنسي في هذه المرحلة والتي تعد نقطة تحول من الكمون الجنسي إلى حالة النشاط الجنسي والذي يبدأ مع مرحلة البلوغ، حيث نجد أن الأطفال حينما يصلون إلى سن العاشرة يكثر لديهم حب الاستطلاع عن النواحي الجنسية والفسيولوجية كما وأن الانتباه في هذه المرحلة يزداد وتزداد دقته الأمر الذي يساعده على إدراك الاختلاف بين الأشياء وإدراك الشبه أيضاً بينها. نتيجة لهذا فإنه يستطيع أن يقدم تفسيراً بسيطاً للأمور، وهذه صورة راقية من التفكير لم نكن نلحظها في المراحل السابقة من النمو.

إن هذه الفترة هي فترة ميل إلى الأمور الجنسية والتعرف عليها والعبث بها وهذا

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (238)

جعله الله تعالى ليكون تمهيداً لمرحلة البلوغ والتي يمكن أن تحدث فيها عملية الزواج)

وانطلاقا من هذا، فإن أهم ما يحمي الولد من الانحراف الجنسي هو توعيته بأحكامه الشرعية وآثارها النفسية والاجتماعية والصحية، وآاثرها في علاقته مع ربه.

وقد رأينا في الجزء الخاص بأساليب التربية كيف عالج صلى الله عليه وآله وسلم الشاب الذي أراد أن يؤذن له في هذا النوع من الانحراف، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أترضاه لأمك؟!)، قال: لا، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (فإن الناس لا يرضونه لأمهاتهم)، قال: (أترضاه لأختك؟!)، قال: لا، قال: (فإن الناس لا يرضونه لأخواتهم) (1)، وهكذا صار الزنى أبغض شيء إلى ذلك الشاب فيما بعد، بسبب هذا الإقناع العقلي.

فلذلك يمكن أن يعرف الولد في مراحل تمييزه عن مخاطر الزنى، بحيث يقبح في نفسه قبحا شديدا، لا يمكن للمغريات ولا للوسائل الحديثة مهما بلغ تفننها أن تؤثر فيه.

وقد شهد أساتذة الصحة النفسية على مدى تأثير الوعي الإيماني في الحماية من هذا الانحراف، يقول د. حامد زهران أستاذ الصحة النفسية: (إن علينا كمربين أن نعرف أن الأطفال يصلهم معلومات من زملائهم في المدرسة والشارع.. وقد يقرأون كتبا بها أفكار مشوهة، وقد يطلعون في عصرنا الحالي علي مصادر سيئة في الإنترنت، وهناك ايضا القنوات الفضائية، علينا أن نعلم أطفالنا آداب السلوك الجنسي. إن أقرب العلوم للتربية الجنسية هي التربية الدينية، لأن الدين يعترف تماما بالغريزة الجنسية وينظم السلوك الجنسي تماما من الناحية الدينية قبل أي شيء آخر، ولهذا فالمفروض أن نهتم بتعليم أحكام الدين.. وحدود الله فيما يتعلق بالسلوك الجنسي والحلال والحرام فيه.. ومن هنا سنجد أن الإطار الذي نتحدث عنه سوف يؤدي إلي نتائج أفضل من إهماله)

الكبر

__________

(1) رواه أحمد بإسناد جيد، المسند [5/ 256].

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (239)

وهو من أخطر الانحرافات التي تحول بين من وقع فيها وبين كل مصلحة يحققها لنفسه أو يحققها لغيره، ولا نستغرب أن يبدأ هذا الانحراف للصبية من صغرهم، فإن كل الرذائل منشأها من الصغر، ثم تزيد الأيام والتربية الفاسدة بعدها رسوخها.

وعلاج هذا الانحراف بحسب ما تدل النصوص، وبحسب ما يذكر علماء السلوك نوعان: إجمالي، وتفصيلي:

العلاج الإجمالي: ونريد به العلاج الذي يصلح لكل مظهر من مظاهر المرض، فلا يختص بمرض من الأمراض، ولا بسبب من الأسباب، وهو في حقيقته علاج وقائي، فإذا ما دب الداء، فلا يكتفى به، بل ينظر إل أسبابه ليعالج من خلالها، كما سنرى في العلاج التفصيلي.

وقد نص القرآن الكريم علاأن العلاج العلمي لهذا الانحراف يشمل نوعين من المعارف:

معرفة ضعف النفس: فيعرف قصورها وضعفها، وأنها أقل من أن تترفع أو تتعدى طورها، وهذه المعرفة تجعل صاحبها يطأطئ رأسه تواضعا وخجلا من أن يتعدى طوره أو يدعي ما ليس له.

ويشير إلى هذه المعرفة قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ} (غافر:56)، لأن هؤلاء قوم رأوا أنهم أن اتبعوا النبي صلى الله عليه وآله وسلم قل ارتفاعهم، ونقصت أحوالهم، وأنهم يرتفعون إذا لم يكونوا تبعا، فأعلم الله عز وجل أنهم لا يبلغون الارتفاع الذي أملوه بالتكذيب.

ولهذا يرد القرآن الكريم المتكبرين إلى نشأتهم الأولى ليعرفوا حقيقتهم، قال تعالى: {قُتِلَ الْإِنسَانُ مَا أَكْفَرَهُ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ مِن نُّطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ} (عبس:17

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (240)

ـ 20)

يقول الغزالي معلقا على هذه الآية الكريمة: (فقد أشارت الآية إلى أول خلق الإنسان وإلى آخر أمره وإلى وسطه، فلينظر الإنسان ذلك ليفهم معنى هذه الآية. أما أول الإنسان فهو أنه لم يكن شيئاً مذكوراً وقد كان في حيز العدم دهوراً بل لم يكن لعدمه أول وأي شيء أخس وأقل من المحو والعدم؟ وقد كان كذلك في القدم، ثم خلقه الله من أرذل الأشياء، ثم من أقذرها إذ قد خلقه من تراب، ثم من نطفة، ثم من علقة، ثم من مضغة، ثم جعله عظماً، ثم كسا العظم لحماً، فقد كان هذا بداية وجوده حيث كان شيئاً مذكوراً، فما صار شيئاً مذكوراً إلا وهو على أخس الأوصاف والنعوت إذ لم يخلق في ابتدائه كاملاً بل خلقه جماداً ميتاً لا يسمع ولا يبصر ولا يحس ولا يتحرّك ولا ينطق ولا يبطش ولا يدرك ولا يعلم، فبدأ بموته قبل حياته وبضعفه قبل قوّته وبجهله قبل علمه وبعماه قبل بصره وبصممه قبل سمعه وببكمه قبل نطقه وبضلالته قبل هداه وبفقره قبل غناه وبعجزه قبل قدرته) (1)

وإلى هذا العلاج يشير قوله تعالى: {وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ} (يّس:78)، يقول سيد معلقا على الآية: (فما النطفة التي لا يشك الإنسان في أنها أصله القريب؟ إنها نقطة من ماء مهين، لا قوام ولا قيمة! نقطة من ماء تحوي ألوف الخلايا.. خلية واحدة من هذه الألوف هي التي تصير جنينا. ثم تصير هذا الإنسان الذي يجادل ربه ويخاصمه ويطلب منه البرهان والدليل، والقدرة الخالقة هي التي تجعل من هذه النطفة ذلك الخصيم المبين. وما أبعد النقلة بين المنشأ والمصير! أفهذه القدرة يستعظم الإنسان عليها أن تعيده وتنشره بعد البلى والدثور؟) (2)

معرفة عظمة الله: وهي العلاج العلمي الثاني، لأن كل متكبر لا يتكبر ـ في الحقيقة ـ

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 358.

(2) في ظلال القرآن: 2977.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (241)

على الخلق، وإنما يتكبر على الله، ولهذا كان الصالحون يرددون: (لا تحقر أحداً من خلق اللّه فإنه تعالى ما احتقره حين خلقه)، ويقولون: (فلا يكون اللّه يظهر العناية بإيجاد من أوجده من عدم وتأتي أنت تحتقره فإن ذلك احتقار بمن أوجده)

ويدل على هذه المعرفة النصوص القرآنية الكثيرة، كقوله تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِذْ قَالُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى بَشَرٍ مِنْ شَيْءٍ قُلْ مَنْ أَنْزَلَ الْكِتَابَ الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى نُوراً وَهُدىً لِلنَّاسِ تَجْعَلُونَهُ قَرَاطِيسَ تُبْدُونَهَا وَتُخْفُونَ كَثِيراً وَعُلِّمْتُمْ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ وَلا آبَاؤُكُمْ قُلِ اللَّهُ ثُمَّ ذَرْهُمْ فِي خَوْضِهِمْ يَلْعَبُونَ} (الأنعام:91)، وقال تعالى: {مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج:74)، وقال تعالى: {وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ} (الزمر:67)

فقد جعل الله تعالى عدم تقدير الله ومعرفة عظمته سببا في كل تلك الانحرافات الخلقية التي تنبع من منبع الكبر.

ولهذا كان جهل النمروذ بالله هو الذي يجعل يدعي الألوهية، كما قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (البقرة:258)

وجهل فرعون بالله هو الذي جعله يدعي الألوهية، ويستعلي في الأرض بغير حق، قال تعالى: {وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لا يُرْجَعُونَ} (العنكبوت:39)، بل هو الذي جعله يقول: {يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ} (القصص:38)

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (242)

العلاج التفصيلي: ونريد به العلاج الذي ينظر إلى الأسباب الداعية لهذا النوع من الانحراف، وهي في عادتها شبه ناتجة عن أخطاء فكرية ابتدعتها النفس أو انتشرت في المجتمع، فتلقاها من تلقاها تليقنا وتقليدا، بل قد يظن الكمال في اعتقادها.

وقد ذكر الغزالي انطلاقا من استقراء الأسباب الداعية لهذا النوع من الانحراف في عصره إلى سبعة أسباب، تكاد تكون حاصرة لأسباب الكبر، ولا يكاد يخرج عنها في عصرنا أي سبب من الأسباب، فلذلك نكتفي هنا بذكر هذه الأسباب التي ذكرها الغزالي، وكيفية علاجها، لتكون أنموذجا لغيرها من أنواع الانحراف:

النسب: وهو تعاظم الإنسان بنسب يدلي به لمن يتصور فيهم الشرف أو الرفعة، وقد ذكر الغزالي علاجين معرفيين لهذا السبب (1):

الأولى: أن المتكبر بالنسب إن كان خسيساً في صفات ذاته فمن أين يجبر خسته بكمال غيره؟ بل لو كان الذي ينسب إليه حياً لكان له أن يقول: الفضل لي: ومن أنت؟، وهذا كما قيل:

لئن فخرت بآباءٍ ذوي شرفٍ لقد صدقت ولكن بئس ما ولدوا

الثانية: أن يعرف نسبه الحقيقي، فيعرف أباه وجده فإن أباه القريب نطفة قذرة وجدّه البعيد تراب ذليل، فمن أصله التراب المهين الذي يداس بالأقدام ثم خمر طينة حتى صار حمأً مسنوناً كيف يتكبر؟ وأخس الأشياء ما إليه انتسابه إذ يقال: (يا أذل من التراب ويا أنتن من الحمأة ويا أقذر من المضغة)

فإن كان كونه من أبيه أقرب من كونه من التراب فنقول: افتخر بالقريب دون البعيد، فالنطفة والمضغة أقرب إليه من الأب فليحقر نفسه بذلك، ثم إن كان ذلك يوجب رفعة لقربه فالأب الأعلى من التراب فمن أين رفعته؟ وإذا لم يكن له رفعة فمن أين جاءت

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 361.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (243)

الرفعة لولده؟

الجمال: والعلاج الذي ذكره الغزالي لهذا السبب الذي قد يدفع صاحبه للكبر أن لا يقتصر نظر هذ المتكبر إلى ظاهره كما تقتصر البهائم، بل ينظر إلى باطنه نظر العقلاء، فإنه مهما نظر إلى باطنه رأى من القبائح ما يكدر عليه تعززه بالجمال فإنه وكل به الأقذار في جميع أجزائه: الرجيع في أمعائه، والبول في مثانته، والمخاط في أنفه، والبزاق في فيه، والوسخ في أذنيه، والدم في عروقه، والصديد تحت بشرته، والصنان تحت إبطه، يغسل الغائط بيده كل يوم دفعة أو دفعتين، ويتردد كل يوم إلى الخلاء مرة أو مرتين ليخرج من باطنه ما لو رآه بعينه لاستقذره فضلاً عن أن يمسه أو يشمه، كل ذلك ليعرف قذارته وذله هذا في حال توسطه.

ولو ترك نفسه في حياته يوماً لم يتعهدها بالتنظيف والغسل لثارت منه الأنتان والأقذار، وصار أنتن وأقذر من الدواب المهملة التي لا تتعهد نفسها قط. فإذا نظر إنه خلق من أقذار وأسكن في أقذار، وسيموت فيصير جيفة أقذر من سائر الأقذار لم يفتخر بجماله الذي هو كخضراء الدمن وكلون الأزهار في البوادي، فبينما هو كذلك إذ صار هشيماً تذروه الرياح، كيف ولو كان جماله باقياً وعن هذه القبائح خالياً لكان يجب أن لا يتكبر به على القبيح، إذ لم يكن قبح القبيح إليه فينفيه، ولا كان جمال الجميل إليه حتى يحمد عليه؟ كيف ولا بقاء له بل هو في كل حين يتصوّر أن يزول بمرض أو جدري أو قرحة أو سبب من الأسباب؟ فكم من وجوه جميلة قد سمجت بهذه الأسباب؟ فمعرفة هذه الأمور تنزع من القلب داء الكبر بالجمال لمن أكثر تأملها.

وفي أول أمره خلق من الأقذار الشنيعة الصور، من النطفة، وأخرج من مجرى الأقذار. إذ خرج من الصلب، ثم من الذكر مجرى البول، ثم من الرحم مفيض دم الحيض، ثم خرج من مجرى القذر.

القوّة: وهي من أسباب الكبر التي كثر ورودها في القرآن الكريم، لأنها أهم

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (244)

الأسباب التي حالت بين المستبدين والتسليم لرسل الله، قال تعالى ضاربا المثل بعاد: {فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ} (فصلت:15)

وهو الذي حال بين أكثر القرى وبين طاعة أنبيائها والإسلام لله، فكان فرحهم حائلا بينهم وبين كل خير، قال تعالى: {كَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأَكْثَرَ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا فَاسْتَمْتَعُوا بِخَلَاقِهِمْ فَاسْتَمْتَعْتُمْ بِخَلَاقِكُمْ كَمَا اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلَاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خَاضُوا أُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ هُمْ الْخَاسِرُونَ} (التوبة:69)

بل إن القرآن الكريم يخبر بأن هذا الترفع بالقوة والقدرة هو السبب المباشر في هلاك القرى وتدمير الحضارات، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا أَخَذَتْ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ} (يونس:24)

وهذا النوع من الكبر قد لا يقتصر على فرد بعينه، بل يعم شعوبا بأكملها تظن نفسها أرفع من شعوب أخرى، لفضل قوة رزقتها جعلتها تملأ الأرض كبرا واستعلاء.

والعلاج الذي ذكره الغزالي لهذا السبب هو نظر العقل لما يمكن أن يسلط عليه من العلل والأمراض، وأنه لو توجع عرق واحد في يده لصار أعجز من كل عاجز وأذل من كل ذليل، وأنه لو سلبه الذباب شيئاً لم يستنقذه منه وأن بقة لو دخلت في أنفه أو نملة دخلت في أذنه لقتلته، وأن شوكة لو دخلت في رجله لأعجزته، وأن حمى يوم تحلل من قوّته ما لا ينجبر في مدّة.

فمن لا يطيق شوكة ولا يقاوم بقة ولا يقدر على أنّ يدفع عن نفسه ذبابة لا ينبغي أن يفتخر بقوّته، ثم إن قوي الإنسان فلا يكون أقوى من حمار أو بقرة أو فيل أو جمل، وأي

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (245)

افتخار في صفة يسبقك فيها البهائم (1

المال والجاه: وهما ـ كما ينص القرآن الكريم ـ من أكبر أسباب الكبر الحائلة بين الأقوام وأنبيائهم:

أما المال، فقد ذكر تعالى أن المترفين، وهم عبيد الأموال، هم أول من يقف في وجه الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ قال تعالى معبرا عن هذه السنة الاجتماعية: {وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ} (سبأ:34،35) قال قتادة: مترفوها: أي أغنياؤها ورؤساؤها وجبابرتها.

أما الجاه، فقد أخبر تعالى أنه الحائل بين قريش، واتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، بحجة أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لم يكن له من الجاه ما كان لوجهاء القريتين، قال تعالى: {وَقَالُوا لَوْلا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ} (الزخرف:31)

والعلاج الذي ذكره الغزالي لهذا السبب من أسباب الكبر هو النظر في مآل ذلك المال والجاه الذي يتعزز به، فإن المتكبر بماله كأنه متكبر بفرسه وداره، ولو مات فرسه وانهدمت داره لعاد ذليلاً، والمتكبر بتمكين السلطان وولايته لا بصفة في نفسه بنى أمره على قلب هو أشدّ غلياناً من القدر، فإن تغير عليه كان أذل الخلق، وكل متكبر بأمر خارج عن ذاته فهو ظاهر الجهل، كيف والمتكبر بالغنى لو تأمل لرأى في اليهود من يزيد عليه في الغنى والثروة والتجمل؟ فأف لشرف يسبقك به اليهودي وأف لشرف يأخذه السارق في لحظة واحدة فيعود صاحبه ذليلاً مفلساً؟ فهذه أسباب ليست في ذاته، وما هو في ذاته ليس إليه دوام وجوده وهو في الآخرة وبال ونكال، فالتفاخر به غاية الجهل، وكل ما ليس إليك فليس لك، وشيء من هذه الأمور ليس إليك بل إلى واهبه إن أبقاه لك وإن استرجعه زال عنك،

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 362.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (246)

وما أنت إلا عبد مملوك لا تقدر على شيء. ومن عرف ذلك لا بد وأن يزول كبره.

وقد مثل الغزالي لهذ المصير بمثال قد يستبعد في الواقع، ولكنه عين حق اليقين الذي يحيق بكل متكبر، وهو أن هذا الذي يفتخر الغافل بقوّته وجماله وماله وحرّيته واستقلاله وسعة منازله وكثرة خيوله وغلمانه، إذ شهد عليه شاهدان عدلان عند حاكم منصف بأنه رقيق لفلان وأنّ أبويه كانا مملوكين له، فعلم ذلك وحكم به الحاكم، فجاء مالكه فأخذه وأخذ جميع ما في يده، وهو مع ذلك يخشى أن يعاقبه وينكل به لتفريطه في أمواله وتقصيره في طلب مالكه ليعرف أنّ له مالكاً، ثم نظر العبد فرأى نفسه محبوساً في منزل قد أحدقت به الحيات والعقارب والهوام وهو في كل حال على وجل من كل واحدة منها، وقد بقي لا يملك نفسه ولا ماله ولا يعرف طريقاً في الخلاص ألبتة، أفترى من هذا حاله هل يفخر بقدرته وثروته وقوّته وكماله أم يذل نفسه ويخضع؟ وهذا حال كل عاقل بصير فإنه يرى نفسه كذلك فلا يملك رقبته وبدنه وأعضائه وماله، وهو مع ذلك بين آفات وشهوات وأمراض وأسقام هي كالعقارب والحيات يخاف منها الهلاك. فمن هذا حاله لا يتكبر بقوّته وقدرته إذ يعلم أنه لا قدرة له ولا قوة (1).

العلم: وهو من أسباب الكبر الخطرة، لأن (قدر العلم عظيم عند الله عظيم عند الناس، وهو أعظم من قدر المال والجمال وغيرهما، بل لا قدر لهما أصلاً إلا إذا كان معهما علم وعمل) (2)

وقد أخبر تعالى أن هذا النوع من الكبر كان من أسباب ابتعاد الجهال المتسترين بحجاب العلم عن الحق وعن متابعة الأنبياء، فقال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُون} (غافر:83)

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 362.

(2) إحياء علوم الدين: 3/ 363.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (247)

وقد ذكر القرآن الكريم نموذج المتكبر بعلمه في شخص قارون عندما قال معبرا عن حقيقته: {إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي} (القصص:78)، فرد عليه تعالى قائلا: {أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً وَلا يُسْأَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ} (القصص:78)

وقد ذكر الغزالي لعلاج هذا السبب من أسباب الكبر معرفتين:

الأولى: يشير إليها قوله تعالى: {مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (الجمعة:5)، وقوله تعالى: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} (لأعراف:175)، وقال تعالى: {وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} (لأعراف:176)

فقد مثل الله تعالى من يعلم ولا يعمل بالحمار والكلب، وهو دليل على خسة قدر من يترفع بعلم لم ينفعه، فهو أشبه فيه بما يستقذره من الحمار والكلب.

ولهذا وردت النصوص الكثيرة تحذر من المخاطر التي يتعرض لها من يكون علمه حجة عليه يوم القيامة، قال الغزالي: (فمهما خطر للعالم عظم قدره بالإضافة إلى الجاهل فليتفكر في الخطر العظيم الذي هو بصدده، فإن خطره أعظم من خطر غيره كما أنّ قدره أعظم من قدر غيره، فهذا بذاك. وهو كالملك المخاطر بروحه في ملكه لكثرة أعدائه فإنه إذا أخذ وقهر اشتهى أن يكون قد كان فقيراً، فكم من عالم يشتهي في الآخرة سلامة الجهال؟ والعياذ بالله منه. فهذا الخطر يمنع من التكبر، فإنه إن كان من أهل النار فالخنزير أفضل منه، فكيف يتكبر من هذا حاله؟ فلا ينبغي أن يكون العالم عند نفسه أكبر من الصحابة، وقد كان بعضهم يقول: يا ليتني لم تلدني أمي ويأخذ الآخر تبنة من الأرض ويقول: يا ليتني

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (248)

كنت هذه التبنة ويقول الآخر: ليتني كنت طيراً أؤكل ويقول الآخر: ليتني لم أك شيئاً مذكوراً كل ذلك خوفاً من خطر العاقبة، فكانوا يرون أنفسهم أسوأ حالاً من الطير ومن التراب. ومما أطال فكره في الخطر الذي هو بصدده زال بالكلية كبره، ورأى نفسه كأنه شر الخلق) (1)

وضرب الغزالي مثالا مشخصا لهذه المعرفة، بعبد أمره سيده بأمور فشرع فيها، فترك بعضها وأدخل النقصان في بعضها وشك في بعضها أنه هل أداها على ما يرتضيه سيده أم لا؟ فأخبره مخبر أنّ سيده أرسل إليه رسولاً يخرجه من كل ما هو فيه عرياناً ذليلاً ويلقيه على بابه في الحرّ والشمس زماناً طويلاً، حتى إذا ضاق الأمر عليه وبلغ به المجهود أمر برفع حسابه وفتش عن جميع أعماله قليلها وكثيرها ثم أمر به إلى سجن ضيق وعذاب دائم لا يروح عنه ساعة، وقد علم أنّ سيده قد فعل بطوائف عبيده مثل ذلك وعفا عن بعضهم وهو لا يدري من أي الفريقين يكون؟ فإذا تفكر في ذلك انكسرت نفسه وذل وبطل عزه وكبره وظهر حزنه وخوفه ولم يتكبر على أحد من الخلق، بل تواضع رجاء أن يكون هو من شفعائه عند نزول العذاب.

قال الغزالي معقبا على هذا المثل: (فكذلك العالم إذا تفكر فيما ضيعه من أوامر ربه بجنايات على جوارحه وبذنوب في باطنه من الرياء والحقد والحسد والعجب والنفاق وغيره، وعلم بما هو بصدده من الخطر العظيم فارقه كبره لا محالة) (2)

الثانية: معرفة محبة الله للتواضع، وأن الكبر لا يليق إلا بالله تعالى وحده، وأنه إذا تكبر صار ممقوتاً عند الله بغيضاً، وقد أحب الله منه أن يتواضع وقال له: إن لك عندي قدراً ما لم تر لنفسك قدراً فإن رأيت لنفسك قدراً فلا قدر لك عندي، فلا بدّ وأن يكلف نفسه

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 363.

(2) إحياء علوم الدين: 3/ 363.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (249)

ما يحبه مولاه منه.

الدين: وهو من الأسباب التي قد تكون داعية للكبر، خاصة لمن اقتصر من الدين على ظواهره الحرفية، وغفل عن مقاصده، وحقائقه الباطنية.

ولعلاج الكبر بالدين أدوية كثيرة، كلها مما وردت النصوص بالدلالة عليه، أهمها التأمل فيما حجب عن الإنسان من خاتمته، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (.. فإن الرجل منكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخل الجنة) (1)

يقول الغزالي: (اعلم أن ذلك إنما يمكن بالتفكر في خطر الخاتمة، بل لو نظر إلى كافر لم يمكنه أن يتكبر عليه، إذ يتصور أن يسلم الكافر فيختم له بالإيمان ويضل هذا العالم فيختم له بالكفر، والكبير من هو كبير عند الله في الآخرة، والكلب والخنزير أعلى رتبة ممن هو عند الله من أهل النار وهو لا يدري ذلك، فكم من مسلم نظر إلى عمر قبل إسلامه فاستحقره وازدراه لكفره وقد رزقه الله الإسلام وفاق جميع المسلمين؟ إلا أبا بكر وحده، فالعواقب مطوية عن العباد ولا ينظر العاقل إلا إلى العاقبة، وجميع الفضائل في الدنيا تراد للعاقبة) (2)

وقد ذكر الغزالي أدب المتواضعين والمعارف التي ينطلقون منها، فقال: (فإذن من حق العبد أن لا يتكبر على أحد. بل إن نظر إلى الجاهل قال: هذا عصى الله بجهل وأنا عصيته بعلم فهو أعذر مني. وإن نظر إلى عالم قال: هذا قد علم ما لم أعلم فكيف أكون مثله؟ وإن نظر إلى كبير هو أكبر منه سناً قال: هذا قد أطاع الله قبلي فكيف أكون مثله؟ وإن نظر إلى

__________

(1) رواه البيهقي.

(2) إحياء علوم الدين: 3/ 364.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (250)

صغير قال: إني عصيت الله قبله فكيف أكون مثله؟ وإن نظر إلى مبتدع أو كافر قال: ما يدريني لعله يختم له بالإسلام ويختم لي بما هو عليه الآن، فليس دوام الهداية إليَّ، كما لم يكن ابتداؤها إليَّ؟ فبملاحظة الخاتمة يقدر على أن ينفي الكبر عن نفسه) (1)

الغضب

وهو من أخطر الانحرافات وأعقدها، وذلك لكونه من حيث أصله شيئا فطريا طبيعيا، لا ينفك عنه أحد، بل هو ـ أحيانا ـ يظهر في الصغير أكثر من ظهوره في الكبير.

ولذلك يتطلب معالجة حاذقة لا تزيله من أصله، فهو كما ذكرنا فطري لا يمكن انفكاك الطبع عنه، وإنما تحد من آثاره أو توجهه الوجهة السليمة.

وقبل أن نذكر ما يمكن استثماره من المعارف لعلاج هذا الانحراف، نحب أن نذكر بعض الطرق الخاطئة التي يواجه بها ـ عادة ـ غضب الصغير، وأهمها وأخطرها الاستسلام أمام غضبه، بحيث تنفذ طلباته مهما اشتدت حرصا على كفه عن غضبه، وهذا أسلوب خاطئ يجعله يعمد إلى الغضب كأسلوب من أساليب الحصول على ما يريد.

ومنها الصرامة الشديدة في معاملته، لأنّ الطفل في مرحلته الاولى تأبى شخصيته النامية ان توجه اليه الأوامر بحدة وتهكم.. لان عدم احترام شخصيته يعتبر احد انواع الاعتداء التي تثير غضب الطفل، بل كل إنسان.

انطلاقا من هذا، فإن المعارف التي يعالج بها الغضب نوعان، كما سبق ذكره في العلاج العلمي للكبر:

العلاج الإجمالي: ونريد به ـ ما ذكرنا سابقا ـ من أنه العلاج الذي يصلح لكل مظهر من مظاهر المرض، فلا يختص بمرض من الأمراض، ولا بسبب من الأسباب، وهو في حقيقته علاج وقائي، فإذا ما دب الداء، فلا يكتفى به، بل ينظر إل أسبابه ليعالج من خلالها،

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 364.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (251)

كما سنرى في العلاج التفصيلي.

ومن المعارف التي يمكن استخدامها، بل يبذل المربي كل وسعه لملء عقل ووجدان من يربيه بمعانيها:

الثواب: فيتفكر في النصوص التي وردت في فضل كظم الغيظ والعفو والحلم والاحتمال فيرغب في ثوابه، فتمنعه شدة الحرص على ثواب الكظم عن التشفي والانتقام وينطفيء عنه غيظه.

ويدل على هذا من فعل السلف ما روي أن عمر بن عبد العزيز أمر بضرب رجل ثم قرأ قوله تعالى: {والكَاظِمينَ الغَيظَ}، فقال لغلامه: خل عنه.

العقاب: فيتفكر في العقاب الذي أعده الله تعالى لمن نفذ ما يتطلبه غضبه من غير حق، ويشير إليه ما روي عن أم سلمة قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في بيتي وكان بيده سواك فدعا وصيفة له أو لها حتى استبان الغضب في وجهه وخرجت أم سلمة إلى الحجرات فوجدت الوصيفة وهي تلعب ببهيمة، فقالت أراك تلعبين بهذه البهيمة ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يدعوك فقالت: (لا والذي بعثك بالحق ما سمعتك)، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (لولا خشية القود لأوجعتك بهذا السواك) (1)، وفي رواية: (لضربتك بهذا السواك)، فقد جعل صلى الله عليه وآله وسلم مخافة القصاص يوم القيامة سببا يمنعه من إيلام هذه الخادم.

ولهذا كان صلى الله عليه وآله وسلم يعلاج ما ستعرض له الخدم والمستضعفون من سوء المعاملة بتذكير أهليهم وسادتهم بالقصاص يوم القيامة، عن أبي مسعود البدري قال: كنت أضرب غلاما لي بالسوط فسمعت صوتا من خلفي: اعلم أبا مسعود فلم أفهم الصوت من الغضب فلما دنا مني إذا هو رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فإذا هو يقول: اعلم أبا مسعود أن الله تعالى أقدر عليك منك

__________

(1) رواه أبو يعلى.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (252)

على هذا الغلام، فقلت لا أضرب مملوكا بعده أبدا) (1)، وفي رواية: فقلت: (يا رسول الله هو حر لوجه الله تعالى) فقال: (أما لو لم تفعل للفحتك النار أو لمستك النار)

وعن عائشة أن رجلا قعد بين يدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: إن لي مملوكين يكذبونني ويخونونني ويعصونني وأشتمهم وأضربهم فكيف أنا منهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا كان يوم القيامة يحسب ما خانوك وعصوك وكذبوك وعقابك إياهم، فإن كان عقابك بقدر ذنوبهم كان كفافا لا لك ولا عليك، وإن كان عقابك إياهم فوق ذنوبهم اقتص لهم منك الفضل)، فتنحى الرجل وجعل يهتف ويبكي، فقال له رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (أما تقرأ قول الله تبارك وتعالى: {وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ} (الانبياء:47)، فقال الرجل: (يا رسول الله ما أجد لي ولهؤلاء خيرا من مفارقتهم أشهدك أنهم كلهم أحرار) (2)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (من ضرب سوطا ظلما اقتص منه يوم القيامة) (3)

وقد روى الغزالي عن بعض الكتب القديمة: (يا ابن آدم اذكرني حين تغضب أذكرك حين أغضب فلا أمحقك فيمن أمحق)، وروى أنه ما كان في بني إسرائيل ملك إلا ومعه حكيم إذا غضب أعطاه صحيفة فيها (ارحم المسكين واخش الموت واذكر الآخرة)، فكان يقرؤها حتى يسكن غضبه.

وقد ذكر الغزالي القناعات التي يقنع الصالح بها نفسه إن ألم به الغضب، فقال: (أن يتفكر في السبب الذي يدعوه إلى الإنتقام ويمنعه من كظم الغيظ، ولا بد وأن يكون له سبب مثل قول الشيطان له: إن هذا يحمل منك على العجز وصغر النفس والذلة والمهانة وتصير

__________

(1) رواه مسلم وغيره.

(2) رواه أحمد بسند صحيح.

(3) رواه الطبراني بسند حسن.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (253)

حقيراً في أعين الناس فيقول لنفسه: ما أعجبك تأنفين من الاحتمال الآن ولا تأنفين من خزي يوم القيامة والافتضاح إذا أخذ هذا بيدك وانتقم منك؟ وتحذرين من أن تصغري في أعين الناس ولا تحذرين من أن تصغري عند الله والملائكة والنبيين؟ فمهما كظم الغيظ فينبغي أن يكظمه لله، وذلك يعظمه عند الله، فما له وللناس؟ وذلك من ظلمه يوم القيامة أشد من ذله لو انتقم الآن، أفلا يحب أن يكون هو القائم إذا نودي يوم القيامة: ليقم من أجره على الله، فلا يقوم إلا من عفا؟ فهذا وأمثاله من معارف الإيمان ينبغي أن يكرره على قلبه) (1)

العواقب: فيتفكر في النتائج التي يؤول إليها غضبه، من الانتقام والحقد والعداوة والشماتة وغير ذلك مما قد يقابل به، بخلاف ما لو أمسك غضبه وتعامل تعاملا عقلانيا مع ما استدعاه غضبه.

يقول الغزالي: (وهذا يرجع إلى تسليط شهوة على غضب وليس هذا من أعمال الآخرة ولا ثواب عليه، لأنه متردد على حظوظه العاجلة يقدم بعضها على بعض، إلا أن يكون محذوره أن تتشوش عليه في الدنيا فراغته للعلم والعمل وما يعينه على الآخرة فيكون مثاباً عليه) (2)

وما ذكره الغزالي ـ هنا ـ مهم في علاج الانحراف بما يقتضيه ضده، فتعالج حدة الغضب بالشهوة التي تقلل أثره، وتحد من خطره، كما تقلل الشهوة الجارفة بالغضب الذي يستدعي النخوة وحماية العرض.

حاله عند الغضب: فيتفكر في حاله عند الغضب من ذهاب وقاره واحترامه وصيرورته محلا للسخرية والاستهزاء، بل يتحول في حال غضبه من الإنسان اهادئ الوقور

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 173.

(2) إحياء علوم الدين:3/ 173.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (254)

إلى صورة لا تختلف كثيرا عن صورة الكلب العقور، قال الغزالي: (ويتفكر في قبح الغضب في نفسه ومشابهة صاحبه للكلب الضاري والسبع العادي، ومشابهة الحليم الهادي التارك للغضب للأنبياء والأولياء والعلماء والحكماء، ويخير نفسه بين أن يتشبه بالكلاب والسباع وأراذل الناس وبين أن يتشبه بالعلماء والأنبياء في عادتهم لتميل نفسه إلى حب الاقتداء بهؤلاء إن كان قد بقي معه مسكة من عقل) (1)

العلاج التفصيلي: ونريد به ـ ما ذكرنا سابقا ـ من أنه العلاج الذي ينظر إلى الأسباب الداعية لهذا النوع من الانحراف، وهي في عادتها شبه ناتجة عن أخطاء فكرية ابتدعتها النفس أو انتشرت في المجتمع، فتلقاها من تلقاها تليقنا وتقليدا، بل قد يظن الكمال في اعتقادها.

وقد روي أن يحيى قال لعيسى ـ عليهما السلام ـ: أي شيء أشد؟ قال: غضب الله، فما يقرب من غضب الله، قال أن تغضب، قال: فما يبدي الغضب وما ينبته؟ قال عيسى: الكبر والفخر والتعزز والحمية.

وقد ذكر الغزالي الأسباب المهيجة للغضب، أو المنابع النفسية الدافعة له، فذكر: الزهو والعجب والمزاح والهزل والهزء والتعيير والمماراة والمضادّة والغدر وشدة الحرص على فضول المال والجاه.

ثم بين طريق العلاج في مواجهة الغضب من خلالها، فقال: (وهي بأجمعها أخلاق رديئة مذمومة شرعاً ولا خلاص من الغضب مع بقاء هذه الأسباب فلا بد من إزالة هذه الأسباب بأضدادها. فينبغي أن تميت الزهو بالتواضع. وتميت العجب بمعرفتك بنفسك، وتزيل الفخر بأنك من جنس عبدك إذ الناس يجمعهم في الانتساب أب واحد؛ وإنما اختلفوا في الفضل أشتاتاً فبنو آدم جنس واحد وإنما الفخر بالفضائل؛ والفخر والعجب والكبر أكبر

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 173.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (255)

الرذائل وهي أصلها ورأسها، فإذا لم تخل عنها فلا فضل لك على غيرك، فلم تفتخر وأنت من جنس عبدك من حيث البنية والنسب والأعضاء الظاهرة والباطنة؟ وأما المزاح فتزيله بالتشاغل بالمهمات الدينية التي تستوعب العمر وتفضل عنه إذا عرفت ذلك. وأما الهزل فتزيله بالجد في طلب الفضائل والأخلاق الحسنة والعلوم الدينية التي تبلغك إلى سعادة الآخرة. وأما الهزء فتزيله بالتكرم عن إيذاء الناس وبصيانة النفس عن أن يستهزأ بك. وأما التعبير فالحذر عن القول القبيح وصيانة النفس عن مر الجواب. وأما شدة الحرص على مزايا العيش فتزال بالقناعة بقدر الضرورة طلباً لعز الاستغناء وترفعاً عن ذل الحاجة) (1)

ومن أهم أسباب الغضب وأخطرها تعظيم الغضب واعتقاد أنه نوع من الشجاعة والرجولية وعزة النفس وكبر الهمة، (وتلقيبه بالألقاب المحمودة غباوة وجهلاً حتى تميل النفس إليه وتستحسنه. وقد يتأكد ذلك بحكاية شدة الغضب عن الأكابر في معرض المدح بالشجاعة، والنفوس مائلة إلى التشبه بالأكابر فيهيج الغضب إلى القلب بسببه) (2)

ولهذا عالج صلى الله عليه وآله وسلم هذا السبب بأن اعتبر الشديد القوي المتمكن من الرجولة من يمسك نفسه عند الغضب، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) (3)، وفي رواية أخرى: (أتحسبون أن الشدة في حمل الحجارة؟ إنما الشدة في أن يمتلئ أحدكم غيظا ثم يغلبه) (4)، وفي رواية: (ألا أدلكم على أشدكم؟ أملككم لنفسه عند الغضب) (5)

وتأمل الواقع وحده يدل على أن الغضب المذموم لا يقع في العادة إلا من الضعفاء

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 172.

(2) إحياء علوم الدين:3/ 172.

(3) رواه أحمد والبيهقي.

(4) رواه ابن أبي الدنيا في ذم الغضب.

(5) رواه الطبراني في الكبير.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (256)

الذين يستسلمون لأهوائهم أو تصرعهم أهواؤهم لا من الأقوياء المتمكنين من أنفسهم، قال الغزالي: (وتسمية هذا عزة نفس وشجاعة جهل بل هو مرض قلب ونقصان عقل وهو لضعف النفس ونقصانها، وآية أنه لضعف النفس أن المريض أسرع غضباً من الصحيح، والمرأة أسرع غضباً من الرجل، والصبي أسرع غضباً من الرجل الكبير، والشيخ الضعيف أسرع غضباً من الكهل، وذو الخلق السياء والرذائل القبيحة أسرع غضباً من صاحب الفضائل. فالرذل يغضب لشهوته إذا فاتته اللقمة، ولبخله إذا فاتته الحبة، حتى أنه يغضب على أهله وولده وأصحابه. بل القوي من يملك نفسه عند الغضب) (1)

الأساليب العملية

وهي الأساليب التي تستدعي مواجهة حاسمة وعملية للانحراف الذي قد يقع فيه الإنسان، وهي تكملة للأساليب العلمية التي سبق ذكرها، فلا يفيد العمل دون العلم، كما لا يغني العلم الخالي عن العمل، فكلاهما جندان أساسيان لمواجهة الانحراف والقضاء على آثاره.

وقد دلت النصوص الكثيرة على إمكانية تغيير أخلاق النفس بالمجاهدة والرياضة الروحية، قال تعالى: {أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} (التوبة:16)، فإن الولاء التام لله والتبرؤ التام من غيره يستدعي مواجهة عملية حاسمة، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69)، فقد اعتبر ما تبذله النفس من عناء في سبيل الاستقامة على منهج الله نوعا من أنواع الجهاد.

وورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما العلم بالتعلم، والحلم بالتحلم، ومن يتحر الخير

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 172.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (257)

يعطه، ومن يتق الشر يوقه) (1)، وهو يدل على أن رياضة النفس للحصول على الحلم ممكنة.

والأساس الذي ينطلق منه ما سنذكره من الأساليب العملية هو الإرادة الجازمة القوية التي تقرر مواجهة الخطيئة وقمعها للحصول على الاستقامة، وهذه الإرادة تستدعي ما ذكرنا سابقا من تقوية الإيمان، وتقوية الصلة الروحية بالله بالعبادة، فالعبادة الصادقة هي أساس الفضائل ومنبعها، وقد قال تعالى في الصلاة: {إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (العنكبوت:45)، وقال تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ} (البقرة:153)

والقاعدة التي يتفق عليها كل ما سنذكره من أدوية، وما لم نذكره هو ما يمكن التعبير عنه بمضادة الصفات.

فالأخلاق الإنسانية كالجسد، تداوى علله بما يداوى به الجسد، وكما أن أدواء الجسد تداوى بما يناقضها، فكذلك أدوية الأخلاق، قال الغزالي مفسرا هذا المثال ومبينا وجه التشابه بين الجسد والنفس التي هي محل الخلق: (مثال النفس في علاجها بمحو الرذائل والأخلاق الرديئة عنها وجلب الفضائل والأخلاق الجميلة إليها، مثال البدن في علاجه بمحو العلل عنه وكسب الصحة له وجلبها إليه. وكما أن الغالب على أصل المزاج الاعتدال وإنما تعتري المعدة المضرة بعوارض الأغذية والأهوية والأحوال، فكذلك كل مولود يولد معتدلاً صحيح الفطرة، وإنما أبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ـ أي بالاعتياد والتعليم تكتسب الرذائل ـ وكما أن البدن في الابتداء لا يخلق كاملاً وإنما يكمل ويقوى بالنشوء والتربية بالغذاء؛ فكذلك النفس تخلق ناقصة قابلة للكمال؛ وإنما تكمل بالتربية وتهذيب الأخلاق والتغذية بالعلم. وكما أن البدن إن كان صحيحاً فشأن الطبيب تمهيد القانون

__________

(1) رواه ابن عساكر.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (258)

الحافظ للصحة، وإن كان مريضاً فشأنه جلب الصحة إليه؛ فكذلك النفس منك إن كانت زكية طاهرة مهذبة، فينبغي أن تسعى لحفظها وجلب مزيد قوّة إليها واكتساب زيادة صفائها، وإن كانت عديمة الكمال والصفاء فينبغي أن تسعى لجلب ذلك إليها) (1)

وانطلاقا من هذه القواسم المشتركة بين الجسد والنفس، يذكر الغزالي كيفية علاج النفس متخذا من الجسد معبرا لذلك، قال: (وكما أن العلة المغيرة لاعتدال البدن الموجبة للمرض لا تعالج إلا بضدها فإن كانت من حرارة فبالبرودة، وإن كانت من برودة فبالحرارة، فكذلك الرذيلة التي هي مرض القلب علاجها بضدها. فيعالج مرض الجهل بالتعلم، ومرض البخل بالتسخي، ومرض الكبر بالتواضع، ومرض الشره بالكف عن المشتهى تكلفاً. وكما أنه لا بد من الاحتمال لمرارة الدواء وشدة الصبر عن المشتهيات لعلاج الأبدان المريضة، فكذلك لا بد من احتمال مرارة المجاهدة والصبر لمداواة مرض القلب بل أولى. فإن مرض البدن يخلص منه بالموت ومرض القلب والعياذ بالله تعالى مرض يدوم بعد الموت أبد الآباد)

وهذا التداوي الروحي يستدعي ضوابط ومعايير كما يستدعيه علاج الجسد سواء بسواء، يقول الغزالي: (وكما أن كل مبرد لا يصلح لعلة سببها الحرارة إلا إذا كان على حد مخصوص ـ ويختلف ذلك بالشدة والضعف والدوام وعدمه وبالكثرة والقلة، ولا بد له من معيار يعرف به مقدار النافع منه فإنه إن لم يحفظ معياره زاد الفساد ـ فكذلك النقائض التي تعالج بها الأخلاق لا بد لها من معيار. وكما أن معيار الدواء مأخوذ من عيار العلة حتى إن الطبيب لا يعالج ما لم يعرف أن العلة من حرارة أو برودة، فإن كانت من حرارة فيعرف درجتها أهي ضعيفة أم قوية؟ فإذا عرف ذلك التفت إلى أحوال البدن وأحوال الزمان

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 60.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (259)

وصناعة المريض وسنه وسائر أحواله ثم يعالج بحسبها) (1)

وهذا يستدعي في نظر الغزالي قائمين على العلاج الروحي كما أن للجسد من يقوم على علاجه، وهذا المعالج الروحي هو الشيخ المتبوع، يقول الغزالي مبينا دور هذا الشيخ: (فكذلك الشيخ المتبوع الذي يطبب نفوس المريدين ويعالج قلوب المسترشدين ينبغي أن لا يهجم عليهم بالرياضة والتكاليف في فن مخصوص وفي طريق مخصوص ما لم يعرف أخلاقهم وأمراضهم. وكما أن الطبيب لو عالج جميع المرضى بعلاج واحد قتل أكثرهم، فكذلك الشيخ لو أشار على المريدين بنمط واحد من الرياضة أهلكهم وأمات قلوبهم) (2)

ويذكر الغزالي الأمثلة عن كيفية تطبيب الشيخ للمريدين، فيقول (ينبغي أن ينظر في مرض المريد وفي حاله وسنه ومزاجه وما تحتمله بنيته من الرياضة ويبني على ذلك رياضته. فإن كان المريد مبتدئاً جاهلاً بحدود الشرع فيعلمه أولاً الطهارة والصلاة وظواهر العبادات، وإن كان مشغولاً بمال حرام أو مقارفاً لمعصية فيأمره أولاً بتركها، فإذا تزين ظاهره بالعبادات وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ليتفطن لأخلاقه وأمراض قلبه، فإن رأى معه مالاً فاضلاً عن قدر ضرورته أخذه منه وصرفه إلى الخيرات وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه، وإن رأى الرعونة والكبر وعزة النفس غالبة عليه فيأمره أن يخرج إلى الأسواق للكدية والسؤال، فإن عزة النفس والرئاسة لا تنكسر إلا بالذل ولا ذلّ أعظم من ذلك السؤال فيكلفه المواظبة على ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعز نفسه، فإن الكبر من الأمراض المهلكة وكذلك الرعونة، وإن رلغالب عليه النظافة في البدن والثياب ورأى قلبه مائلاً إلى ذلك فرحاً به ملتفتاً إليه استخدمه في

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 60.

(2) إحياء علوم الدين:3/ 61.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (260)

تعهد بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوش عليه رعونته في النظافة. فإن الذين ينظفون ثيابهم ويزينونها ويطلبون المرقعات النظيفة والسجادات الملونة لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار، فلا فرق بين أن يعبد الإنسان نفسه أو يعبد صنماً فمهما عبد غير الله تعالى فقد حجب عن الله، ومن راعى في ثوبه شيئاً سوى كونه حلالاً وطاهراً مراعاة يلتفت إليها قلبه فهو مشغول بنفسه) (1)

وهذا الشيخ المربي يحتال على النفس بما يعيدها إلى صوابها، فـ (من لطائف الرياضة إذا كان المريد لا يسخو بترك الرعونة رأساً أو بترك صفة أخرى ولم يسمح بضدها دفعة؛ فينبغي أن ينقله من الخلق المذموم إلى خلق مذموم آخر أخف منه، كالذي يغسل الدم بالبول، ثم يغسل البول بالماء إذا كان الماء لا يزيل الدم. كما يرغب الصبي في المكتب باللعب بالكرة والصولجان وما أشبهه، ثم ينقل من اللعب إلى الزينة وفاخر الثياب، ثم ينقل من ذلك بالترغيب في الرياسة وطلب الجاه، ثم ينقل من الجاه بالترغيب في الآخرة، فكذلك من لم تسمح نفسه بترك الجاه دفعة فلينقل إلى جاه أخف منه، وكذلك سائر الصفات) (2)

ومثل ذلك ما لو رأى شره الطعام غالباً عليه ألزمه الصوم وتقليل الطعام، ثم يكلفه أن يهياء الأطعمة اللذيذة ويقدمها إلى غيره وهو لا يأكل منها حتى يقوي بذلك نفسه فيتعود الصبر وينكسر شرهه.

ومثل ذلك ما لو رآه شاباً متشوقاً إلى النكاح وهو عاجز عن الطول فيأمره بالصوم، وربما لا تسكن شهوته بذلك فيأمره أن يفطر ليلة على الماء دون الخبز وليلة على الخبز دون الماء. ويمنعه اللحم والأدم رأساً حتى تذل نفسه وتنكسر شهوته... فلا علاج في مبدإ

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 61.

(2) إحياء علوم الدين:3/ 62.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (261)

الإرادة أنفع من الجوع.

ومثل ذلك ما لو رأى الغضب غالباً عليه فإنه يلزمه الحلم والسكوت وسلط عليه من يصحبه ممن فيه سوء خلق، ويلزمه خدمة من ساء خلقه حتى يمرن نفسه على الاحتمال معه.

وقد حكى الغزالي عن بعضهم أنه كان يعوّد نفسه الحلم ويزيل عن نفسه شدة الغضب، فكان يستأجر من يشتمه على ملأ من الناس ويكلف نفسه الصبر، ويكظم غيظه حتى صار الحلم عادة له بحيث كان يضرب به المثل.

وذكر عن بعضهم أنه كان يستشعر في نفسه الجبن وضعف القلب، فأراد أن يحصل لنفسه خلق الشجاعة فكان يركب البحر في الشتاء عند اضطراب الأمواج.

وذكر عن عباد الهند أنهم يعالجون الكسل عن العبادة بالقيام طول الليل على نصبة واحدة.

انطلاقا من هذا، نحاول في هذا المطلب أن نذكر بعض النماذج عن كيفية ممارسة الأساليب العملية مع الانحرافات الثلاث السابقة:

الانحراف الجنسي

وهو أخطر أنواع الانحراف، وذلك يحتاج إلى مجاهدة كبيرة في الوقاية منه، وخاصة عند ظهور مباديه، كمان به إلى ذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (وفرقوا بينهم في المضاجع)

وذلك لأن معالجة الأمر من بدايته تمكن من مواجهته، بخلاف ما لو ترك يعلم في النفس عمله، فإنه من الصعوبة الشديدة مقاومته، وقد ضرب الغزالي لذلك مثلا قريبا يتعلق بنوع من أنواع الانحراف الجنسي، وهو العشق، فقال: (مثال من يكسر سورة العشق في أول انبعاثه مثال من يصرف عنان الدابة عند توجهها إلى باب لتدخله، وما أهون منعها بصرف عنانها. ومثال من يعالجها بعد استحكامها مثال من يترك الدابة حتى تدخل وتجاوز

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (262)

الباب ثم يأخذ بذنبها ويجرها إلى ورائها. وما أعظم التفاوت بين الأمرين في اليسر والعسر، فليكن الاحتياط في بدايات الأمور فأما في أواخرها فلا تقبل العلاج إلا بجهد جهيد يكاد يؤدي إلى نزع الروح) (1)

انطلاقا من هذا، فإن أهم الأساليب العملية لعلاج الانحراف الجنسي هو الابتعاد عن الاختلاط المسبب للفتنة، وهو ما أشار إليه الحديث السابق.

فلذلك كان من الأخطاء الكبيرة التي وقعت فيها أكثر المجتمعات الإسلامية هو إشاعة الاختلاط في التعليم، بحيث أصبح من الصعوبة الشديدة وقاية كل جنس من إغراءات الجنس الآخر.

ومن العلاج العملي لهذا الانحراف هو شغل وقت من خيف عليه الوقوع في هذا الانحراف بكل شغل يلفت نظره عن هذا الباب.

وذلك لأن الخواطر الشهوانية التي تعمر قلب الإنسان بسبب غفلته وفراغه هي التي تحرضه على المعصية وتحمله عليها.

وقد ضرب الغزالي مثال النفس الإنسانية في ذلك بقبة مضروبة لها أبواب تنصب إليه الأحوال من كل باب، أو هو مثل هدف تنصب إليه السهام من الجوانب، أو هو مثال مرآة منصوبة تجتاز عليها أصناف الصور المختلفة فتتراءى فيها صورة بعد صورة، ولا تخلو عنها، أو هو مثل حوض تنصب فيه مياه مختلفة من أنهار مفتوحة إليه (2).

ومداخل هذه الآثار المتجددة في القلب ظاهرة وباطنة:

أما الظاهرة فالحواس الخمس، وأخطرها بالنسبة لما نحن فيه حاسة البصر، وأما الباطنة فالخيال والشهوة والغضب والأخلاق المركبة من مزاج الإنسان، فإذا أدرك

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 101.

(2) إحياء علوم الدين:3/ 26.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (263)

بالحواس شيئا حصل منه أثر في القلب، فإن كف عن الإحساس فالخيالات الحاصلة في النفس تبقى وينتقل الخيال من شيء إلى شيء، وبحسب انتقال الخيال ينتقل القلب من حال إلى حال آخر.

فالقلب في تغير وتأثر دائم نتيجة هذه الخيالات والأفكار الحاصلة فيه، وأخص هذه الآثار ما يطلق عليه بالخواطر (1)، وهي (ما يحصل في القلب الأفكار والأذكار إما على سبيل التجدد وإما على سبيل التذكر)

وهذه الخواطر هي المحرك الذي ينشر الرغبة والإرادة (فإن النية والعزم والإرادة إنما تكون بعد خطور المنوى بالبال لا محالة فمبدأ الأفعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة والرغبة تحرك العزم والعزم يحرك النية والنية تحرك الأعضاء)

فلذلك كانت الخواطر هي الأساس الذي تنشر منه العفة أو الرذيلة، وكانت هي المحل الذي يبدأ به العلاج، وتتأسس الوقاية.

فالقدرة على صرف الخواطر وتوجيهها وجهة صحيحة يقي القلب من السهام التي يوجهها هذا الحب الآثم إلى القلب، كما قال الشافعي: (صحبت الصوفية فلم أستفد منهم سوى حرفين أحدهما قولهم الوقت سيف فإن لم تقطعه قطعك وذكر الكلمة الآخرى ونفسك إن أشغلتها بالحق وإلا اشتغلتك بالباطل)

والطريق إلى ذلك هو توجيه القلب إلى الخواطر الصالحة، (وهي على أربعة أصول: خطرات يستجلب بها العبد منافع دنياه، وخطرات يستدفع بها مضار دنياه، وخطرات يسجلب بها مصالح آخرته، وخطرات يستدفع بها مضار آخرته) (2)

فإذا تمكن العبد من حصر فكره في جلب هذه المصالح ودفع تلك المفاسد نجا من

__________

(1) وتسمى بالخواطر من حيث إنها تخطر بعد أن كان القلب غافلا عنها.

(2) الجواب الكافي:108.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (264)

هذا النوع من الانحراف، وكسب من المصالح ما يعوض تلك اللذة الوهمية التي تجلبها له خواطره، قال ابن القيم: (فليحصر العبد خطراته وأفكاره وهمومه فى هذه الاقسام الأربعة، فإذا انحصرت له فيها فما أمكن اجتماعه منها لم يتركه لغيره وإذا تزاحمت عليه الخطرات كتزاحم متعلقاتها قدم الأهم فالاهم الذي يحشى فوته وأخر الذي ليس باهم ولا يخاف فوته) (1)

الكبر

بعد امتلاء الوجدان بالمواعظ الناهية عن هذا الانحراف، والتي سبق ذكر جملها في العلاج العلمي، فإن العلاج العملي ينطلق من مضادة المجتهد ما يتطلبه كبره من سلوك، فإن طلب كبره الوقوف جلس، وإن طلب الجلوس وقف، وإن طلب أرفه الثياب لبس أزهدها، وإن طلب عدم المرور بطريق مر بها، وإن طلب عدم التحرك بحركة تحركها، وهكذا إلى أن يتم علاجه.

ومن الأمور العملية التي ذكرها الغزالي (أن يجيب دعوة الفقير ويمر إلى السوق في حاجة الرفقاء والأقارب، فإن ثقل عليه فهو كبر، فإن هذه الأفعال من مكارم الأخلاق والثواب عليها جزيل، فنفور النفس عنها ليس إلا لخبث في الباطن، فليشتغل بإزالته بالمواظبة عليه مع تذكر جميع ما ذكرناه من المعارف التي تزيل داء الكبر) (2)

ومنها (أن يحمل حاجة نفسه وحاجة أهله ورفقائه من السوق إلى البيت، فإن أبت نفسه ذلك فهو كبر أو رياء، فإن كان يثقل ذلك عليه مع خلوّ الطريق فهو كبر، وإن كان لا يثقل عليه إلا مع مشاهدة الناس فهو رياء، وكل ذلك من أمراض القلب وعلله المهلكة له إن لم تتدارك)

__________

(1) الجواب الكافي:108.

(2) إحياء علوم الدين: 3/ 368.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (265)

ويروى في ذلك عن عبد الله بن سلام أنه حمل حزمة حطب فقيل له يا أبا يوسف: قد كان في غلمانك وبنتك ما يكفيك قال: أجل ولكن أردت أن أجرب نفسي هل تنكر ذلك؟ فلم يقنع منها بما أعطته من العزم على ترك الأنفة حتى جرّبها أهي صادقة أم كاذبة؟

ويعينه على ذلك مطالعة أخلاق المتواضعين، فقد كان صلى الله عليه وآله وسلم يأكل على الأرض ويقول: (إنَّمَا أَنَا عَبْدٌ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ العَبْدُ) (1)، وقيل لسلمان. لم لا تلبس ثوباً جديداً؟ فقال: (إنما أنا عبد فإذا أعتقت يوماً لبست جديداً)

وأكبر ما يفيد في هذا هو التذلل لله والخشوع بين يديه، والذي لا يكمل إلا في الصلاة الحقيقية، فكل أقوالها وحركاتها تربي معاني التواضع في نفس القائم بها، قال الغزالي: (وفي الصلاة أسرار لأجلها كانت عماداً، ومن جملتها ما فيها من التواضع بالمثول قائماً وبالركوع والسجود، وقد كانت العرب قديماً يأنفون من الإنحناء، فكان يسقط من يد الواحد سوطه فلا ينحني لأخذه، وينقطع شراك نعله فلا ينكس رأسه لإصلاحه.. فلما كان السجود عندهم هو منتهى الذلة والضعة أمروا به لتنكسر بذلك خيلاؤهم ويزول كبرهم ويستقر التواضع في قلوبهم، وبه أمر سائر الخلق، فإن الركوع والسجود والمثول قائماً هو العمل الذي يقتضيه التواضع) (2)

ومن مظاهر الصدق في معالجة هذا النوع من الانحراف، أن يمتحن الإنسان نفسه أو يمتحنه من يربيه، ليقمع الأسباب الخفية لهذا الانحراف.

ومن صور الامتحان التي ذكرها الغزالي أن يناظر في مسألة مع واحد من أقرانه، فإن ظهر شيء من الحق على لسان صاحبه فثقل عليه قبوله والانقياد له والاعتراف به والشكر له على تنبيهه وتعريفه وإخراجه الحق، فذلك يدل على أن فيه كبراً دفيناً، فيعالجه بالعلم ـ

__________

(1) رواه ابن عدي في الكامل.

(2) إحياء علوم الدين: 3/ 360.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (266)

كما ذكرنا سابقا ـ بأن يذكر نفسه خسة نفسه وخطر عاقبته وأن الكبر لا يليق إلا بالله تعالى.

وبالعمل بأن يكلف نفسه ما ثقل عليه من الاعتراف بالحق وأن يطلق اللسان بالحمد والثناء، ويقر على نفسه بالعجز ويشكره على الاستفادة ويقول: ما أحسن ما فطنت له وقد كنت غافلاً عنه فجزاك الله خيراً كما نبهتني له فالحكمة ضالة المؤمن فإذا وجدها ينبغي أن يشكر من دله عليها.

ويشترط الغزالي لهذا السلوك المواظبة عليه مدة إلى أن يؤتي ثماره في النفس، قال: (فإذا واظب على ذلك مرات متوالية صار ذلك له طبعاً، وسقط ثقل الحق عن قلبه وطاب له قبوله، ومهما ثقل عليه الثناء على أقرانه ما فيهم ففيه كبر، فإن كان ذلك لا يثقل عليه في الخلوة ويثقل عليه في الملأ فليس فيه كبر وإنما فيه رياء) (1)

وفي هذه الحالة يحتاج إلى علاج الرياء بأساليبه العلمية والعملية الخاصة، والمذكورة في محالها من كتب السلوك.

ومن صوره ـ كما يذكر الغزالي ـ أن يجتمع مع الأقران والأمثال في المحافل ويقدمهم على نفسه ويمشي خلفهم ويجلس في الصدور تحتهم، فإن ثقل عليه ذلك فهو متكبر، فليواظب عليه تكلفاً حتى يسقط عنه ثقله، فبذلك يزايله الكبر.

وقد نبه الغزالي ـ هنا ـ إلى حيلة شيطانية يتلبس بها المتكبر الذي يرى في صورة المتواضع، فقال: (وههنا للشيطان مكيدة وهو أن يجلس في صف النعال أو يجعل بينه وبين الأقران بعض الأرذال فيظن أن ذلك تواضع وهو عين الكبر، فإن ذلك يخفّ على نفوس المتكبرين إذ يوهمون أنهم تركوا مكانهم بالاستحقاق والتفضل، فيكون قد تكبر وتكبر بإظهار التواضع أيضاً، بل ينبغي أن يقدم أقرانه ويجلس بينهم بجنبهم ولا ينحط عنهم إلى

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 367.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (267)

صف النعال، فذلك هو الذي يخرج خبث الكبر من الباطن) (1)

الغضب

ينطلق العلاج العملي لانحراف الغضب من مواجهة أسباب الغضب بما يضادها، كما ذكرنا في الكبر ـ قال الغزالي: (وكل خلق من هذه الأخلاق وصفة من هذه الصفات يفتقر في علاجه إلى رياضة وتحمل مشقة، وحاصل رياضتها يرجع إلى معرفة غوائلها لترغب النفس عنها وتنفر عن قبحها، ثم المواظبة على مباشرة أضدادها مدة مديدة حتى تصير بالعادة مألوفة هينة على النفس، فإذا انمحت عن النفس فقد زكت وتطهرت عن هذه الرذائل) (2)

وهذا يستدعي في كثير من الأحيان أعوانا يستعان بهم على دفع هذا الانحراف، ويروي المعتمر بن سليمان من ذلك أنه كان رجل من الأمم السالفة يغضب فيشتدّ غضبه فكتب ثلاث صحائف وأعطى كل صحيفة رجلاً وقال للأول: إذا غضبت فأعطني هذه، وقال الثاني: إذا سكن بعض غضبي فأعطني هذه، وقال الثالث إذا ذهب غضبي فأعطني هذه، فاشتد غضبه يوماً فأعطي الصحيفة الأولى فإذا فيها (ما أنت وهذا الغضب إنك لست بإله إنما أنت بشر يوشك أن يأكل بعضك بعضاً)، فسكن بعض غضبه، فأعطي الثانية فإذا فيها (ارحم من في الأرض يرحمك من في السماء)، فأعطي الثالثة فإذا فيها (خذ الناس بحق الله فإنه لا يصلهم إلا ذلك)

ويروى أن المهدي غضب على رجل فقال شبيب: (لا تغضب لله بأشد من غضبه لنفسه)، فقال: خلوا سبيله.

ومما يعين على هذا انشغال القلب بالمهمات التي تصرفه عن غضبه، وعما يستدعيه

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 367.

(2) إحياء علوم الدين: 3/ 172.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (268)

غضبه من سلوك، لأن انشغال القلب دواء لأكثر العلل.

ومن أعظم الأشغال اشتغال الإنسان بمصيره، ويروى في هذا أن سلمان شتمه بعضهم، فقال له: (إن خفت موازيني فأنا شر مما تقول وإن ثقلت موازيني لم يضرني ما تقول)، فقد كان همه مصروفاً إلى الآخرة فلم يتأثر قلبه بالشتم.

ومثل ذلك ما يروى أنه شتم رجل الربيع بن خثيم فقال: (يا هذا قد سمع الله كلامك وإن دون الجنة عقبة إن قطعتها لم يضرني ما تقول، وإن لم أقطعها فأنا شر مما تقول)

أو ينشغل بحقوق ربه وعيوب نفسه، ويروى في هذا أن رجلا سب أبا بكر فقال: (ما ستر الله عنك أكثر) قال الغزالي معلقا على قوله: (فكأنه كان مشغولاً بالنظر في تقصير نفسه عن أن يتقي الله حق تقاته ويعرفه حق معرفته، فلم يغضبه نسبة غيره إياه إلى نقصان، إذ كان ينظر إلى نفسه بعين النقصان، وذلك لجلالة قدره)

ومثل ذلك ما يروى أن امرأة مالك بن دينار قالت له: يا مرائي، فقال: (ما عرفني غيرك)

وسب رجل الشعبي فقال: (إن كنت صادقاً فغفر الله لي، وإن كنت كاذباً فغفر الله لك)

أما حال الغضب، فيعالج بما ورد في السنة من أنواع العلاج، ومنها:

الاستعاذة: كما ورد في الحديث عَنْ سليمان بن صرد قال: كنت جالسا مع النبي صلى الله عليه وآله وسلم ورجلان يستبان، وأحدهما قد احمر وجهه وانتفخت أوداجه فقال رَسُول اللَّهِ صلى الله عليه وآله وسلم: (إني لأعلم كلمة لو قالها لذهب عَنْه ما يجد، لو قال أعوذ باللَّه مِنْ الشيطان الرجيم ذهب عَنْه ما يجد)، فقالوا له إن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (تعوذ باللَّه مِنْ الشيطان الرجيم) (1)

تغيير الحركة: وذلك بالجلوس في حال كونه قائماً، والاضطجاع إن كان جالساً لأن

__________

(1) البخاري ومسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (269)

(سبب الغضب الحرارة وسبب الحرارة الحركة) فقد قال رسول الله: (ألا إن الغضب جمرة توقد في جوف ابن آدم، ألا ترون إلى حمرة عينيه وانتفاخ أوداجه، فإذا وجد أحدكم شيئا من ذلك فالأرض الأرض) (1)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا غضب أحدكم وهو قائم فليجلس، فإن ذهب عنه الغضب وإلا فليضطجع) (2)

الوضوء: فإن لم يزل ذلك فليتوضأ بالماء البارد أو يغتسل، فإن النار لا يطفئها إلا الماء، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، والماء يطفئ النار، فإذا غضب أحدكم فليغتسل) (3)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما الغضب من الشيطان، والشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء، فإذا غضب أحدكم فليتوضأ) (4)

ثالثا ـ الفضائل الخلقية وكيفية تنميتهأ

بعد تهيئة تربة نفس المتلقي بوقايته من كل أسباب الانحراف، ثم علاج ما يظهر من مظاهره، أو ما يختفي من منابعه، فإن العمل الأضخم الذي يقوم به المربي هو تكميل نفس المتلقي، وغرس الفضائل الخلقية التي تهيئها للمقامات الرفيعة، وتحققها بالكمال الإنساني.

وذلك لأن درجة التحقق بالفضائل هي التي تحدد درجة كمال الإنسان، ولهذا أثنى الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وآله وسلم فقال: {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} (القلم:4)

ولهذا وردت النصوص الكثيرة تخبر بأن أرفع المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (خياركم أحاسنكم أخلاقا) (5)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا،

__________

(1) رواه الترمذي: رقم 2192 وقال: حسن صحيح.

(2) رواه أحمد وأبو داود والبيهقي.

(3) رواه ابن عساكر.

(4) رواه أحمد وأبو داود.

(5) رواه أحمد.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (270)

وخياركم خياركم لنسائهم) (1)

بل ورد ما هو أعظم من ذلك، وهو أن درجة القرب من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بقدر حسن الخلق، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن من أبغضكم إلي وأبعدكم مني يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيقهون) قالوا: (يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون) قال: (المتكبرون) (2)

ولذلك، فإن الدرجات العليا والأجور العظيمة لا يحوزها إلا من حسن خلقه، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من حسن الخلق، وإن الله تعالى ليبغض الفاحش البذيء) (3)، وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (أنا زعيم ببيت في ربض الجنة لمن ترك المراء وإن كان محقا، وببيت في وسط الجنة لمن ترك الكذب وإن كان مازحا، ويبيت في أعلى الجنة لمن حسن خلقه) (4)، فجعل البيت العلوي جزاء لأعلى المقامات الثلاثة، وهي حسن الخلق والأوسط لأوسطها وهو ترك الكذب، والأدنى لأدناها وهو ترك المماراة وإن كان معه حق ولا ريب أن حسن الخلق مشتمل على هذا كله.

وسئل صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر ما يدخل الناس الجنة، فقال: (تقوى الله وحسن الخلق)، وسئل صلى الله عليه وآله وسلم عن أكثر ما يدخل الناس النار فقال: (الفم والفرج) (5)

بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أن (المؤمن ليدرك بحسن خلقه درجة الصائم القائم) (6)

انطلاقا من هذه المنزلة الرفيعة لهذه الفضائل الخلقية سنتحدث في هذا المبحث عن

__________

(1) رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح.

(2) رواه الترمذي.

(3) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

(4) رواه الطبراني، وإسناده صحيح.

(5) رواه الترمذي، وقال: حديث صحيح.

(6) رواه أبو داود.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (271)

أمرين مهمين، كلاهما من قواعد هذا الباب وأصوله:

الأول: هو التعرف على حقيقة الخلق وضوابطه، والتي من خلالها يمكن التعرف على منابعه ومظاهره.

الثاني: هو التعرف على الطرق التي تنال بها الفضائل الخلقية، والتي من خلال ممارستها يمكن للمربي أن يغرس هذه الفضائل في النفس.

1 ـ حقيقة الخلق وضوابطه

حقيقة الخلق

لعل أشهر تعريف للخلق هو أنه (هيئة في النفس راسخة تصدر عنها الأفعال بسهولة ويسر) (1)، ولعل أول من أطلق هذا التعريف بهذه الألفاظ هو أبو حامد الغزالي (2)، وقد دعاه إلى هذا التعريف، هو تحليله للمكونات التي يصدر منها أي سلوك أخلاقي، وهي ـ بحسب النظر العقلي ـ أربعة أمور:

الفعل: وهو السلوك الظاهر سواء كان جميلا أو قبيحا، وهذا لا يعتبر بحد ذاته خلقا، يقول الغزالي: (ليس الخلق عبارة عن الفعل، فرب شخص خلقه السخاء ولا يبذل إما لفقد المال أو لمانع، وربما يكون خلقه البخل وهو يبذل إما لباعث أو لرياء)

القدرة: وهو المصدر الذي انطلق منه الفعل، والغزالي لا يعتبرها أيضا خلقا، ولا محلا للخلق، وذلك (لأن نسبة القوة إلى الإمساك والإعطاء بل إلى الضدّين واحد. وكل إنسان خلق بالفطرة قادر على الإعطاء والإمساك، وذلك لا يوجب خلق البخل ولا خلق

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 52.

(2) ويدل على هذا قوله في إحياء علوم الدين: (اعلم أن الناس قد تكلموا في حقيقة حسن الخلق وأنه ما هو، وما تعرضوا لحقيقته وإنما تعرضوا لثمرته ثم لم يستوعبوا جميع ثمراته، بل ذكر كل واحد من ثمراته ما خطر له وما كان حاضراً في ذهنه ولم يصرفوا العناية إلى ذكر حده وحقيقته المحيطة بجميع ثمراته على التفصيل والاستيعاب) انظر: إحياء علوم الدين: 3/ 52.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (272)

السخاء)

المعرفة: لأنه من المكونات الأساسية لأي سلوك أخلاقي، وهو كذلك ليس خلقا، ولا من الخلق، لأن (المعرفة تتعلق بالجميل والقبيح جميعاً على وجه واحد) (1)

الهيئة النفسية: التي يتمكن بها صاحب الخلق من الميل إلى أحد الجانبين، ويتيسر عليه أحد الأمرين؛ إما الحسن وإما القبيح، والغزالي يقصر الخلق عليها، لأنها هي موضع الاختيار الذي يحدد الجهة التي يميل إليها الإنسان حسنا أو قبحا.

أصول الأخلاق

انطلاقا من معرفة حقيقة الخلق، وأنه الهيئة الراسخة التي تنطلق منها الأفعال الحسنة أو القبيحة، فقد تحدث علماء الأخلاق من المسلمين ـ كما تحدث من قبلهم ـ عن الأصول التي تنطلق منها الأخلاق، منطلقين في ذلك من قياس الخلق الظاهر على الخلق الباطن، فالخلق هو الصورة الظاهرة، كما أن الهيئة التي تصدر منها الأخلاق هي الصورة الباطنة، يقول الغزالي: (كما أن حسن الصورة الظاهر مطلقاً لا يتم بحسن العينين دون الأنف والفم والخد بل لا بد من حسن الجميع ليتم حسن الظاهر؛ فكذلك في الباطن أربعة أركان لا بد من الحسن في جميعها حتى يتم حسن الخلق. فإذا استوت الأركان الأربعة واعتدلت وتناسبت حصل حسن الخلق)

وهذه الأركان الأربعة، كما يرى الغزالي هي (قوّة العلم، وقوة الغضب، وقوّة الشهوة، وقوّة العدل بين هذه القوى الثلاث)

وقبل أن نذكر رأي الغزالي في أصول الأخلاق ومنابعها، نحب أن ننبه إلى أن النصوص القرآنية، ومثلها النصوص النبوية قد ذكرت أنواعا من أصول الأخلاق بحسب التقسيمات المختلفة، بل إن الغزالي نفسه ـ كما سنرى ـ ينص على أن الأصول التي اعتمدها

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 52.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (273)

وردت الإشارة إليها من القرآن الكريم.

وأول ما يفاجئنا في القرآن الكريم من هذه الأصول هو قوله تعالى وهو يجمع مكارم الأخلاق: {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (لأعراف:199)

فقد نص السلف على أن هذه الآية من أجمع الآيات لمكارم الأخلاق، قال الإمام جعفر الصادق: (أمر الله نبيه بمكارم الأخلاق وليس في القرآن آية أجمع لمكارم الأخلاق من هذه الآية) (1)

بل قد وردت النصوص النبوية الدالة على احتواء هذه الآية على أصول الأخلاق، مفسرة لها بما يقتضي انحصار الأخلاق فيها، فعن جابر قال: لما نزلت هذه الآية {خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} (لأعراف:199) قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يا جبريل ما تأويل هذه الآية؟ قال: حتى أسأل، فصعد ثم نزل فقال: يا محمد إن الله يأمرك أن تصفح عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك. فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أدلكم على أشرف أخلاق الدنيا والآخرة؟ قالوا: وما ذاك يا رسول الله؟ قال: تعفو عمن ظلمك، وتعطي من حرمك، وتصل من قطعك) (2)

وهذا يد على انحصار الخلاق في هذه الأصول، وقد نظمها بعض الشعراء فقال:

مكارم الأخلاق في ثلاثة... ممن كملت فيه فذلك الفتى

إعطاء من تحرمه ووصل من... تقطعه والعفو عمن اعتدى

ويدل على هذا ما ورد في نصوص أخرى من أن هذه الأخلاق المذكورة في الآية هي من أمهات الأخلاق وخيرها، كما روي ذلك في أحدايث مختلفة، فعن علي قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أدلك على خير أخلاق الأولين والآخرين؟ قال: قلت يا رسول الله، نعم. قال:

__________

(1) رواه البخاري وأبو داود والنسائي.

(2) رواه ابن مردويه.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (274)

تعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك، وتصل من قطعك) (1)، وعن عقبة بن عامر قال: قال لي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أخبرك بأفضل أخلاق أهل الدنيا والآخرة، تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتعفو عمن ظلمك) (2)، وعن عائشة أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (ألا أدلكم على كرائم الأخلاق للدنيا والآخرة؟ أن تصل من قطعك، وتعطي من حرمك، وتجاوز عمن ظلمك) (3)

ولهذا كانت هذه الآية الكريمة ـ بما تحمله من المعاني الجليلة ـ شعارا للصالحين، وضياء يهتدون به في تعاملهم مع الخلق.

وقد حاول العلماء انطلاقا من هذا أن يبينوا وجه انحصار الأخلاق في هذه الأصول، فقال القرطبي: (هذه الآية من ثلاث كلمات، تضمنت قواعد الشريعة في المأمورات والمنهيات. فقوله: {خُذِ الْعَفْوَ} دخل فيه صلة القاطعين، والعفو عن المذنبين، والرفق بالمؤمنين، وغير ذلك من أخلاق المطيعين. ودخل في قوله: {وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ} صلة الأرحام، وتقوى الله في الحلال والحرام، وغض الأبصار، والاستعداد لدار القرار. وفي قوله: {وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ} الحض على التعلق بالعلم، والإعراض عن أهل الظلم، والتنزه عن منازعة السفهاء، ومساواة الجهلة الأغبياء، وغير ذلك من الأخلاق الحميدة والأفعال الرشيدة) (4)

وقال ابن القيم، وهو يبين وجه انحصار الأخلاق في هذ الآية: (لا ريب أن للمطاع مع الناس ثلاثة أحوال:

1. أمرهم ونهيهم بما فيه مصلحتهم.

__________

(1) رواه البيهقي في شعب الإيمان.

(2) رواه البيهقي.

(3) رواه البيهقي.

(4) القرطبي: 7/ 344.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (275)

2. أخذه منهم ما يبذلونه مما عليهم من الطاعة.

3. أن الناس معه قسمان: موافق له موال ومعاد له معارض.

وعليه في كل واحد من هذه واجب، فواجبه في أمرهم ونهيهم أن يأمر بالمعروف وهو المعروف الذي به صلاحهم وصلاح شأنهم، وينهاهم عن ضده، وواجبه فيما يبذلونه له من الطاعة أن يأخذ منهم ما سهل عليهم وطوعت له به أنفسهم سماحة واختيارا، ولا يحملهم على العنت والمشقة فيفسدهم، وواجبه عند جهل الجاهلين عليه الإعراض عنهم وعدم مقابلتهم بالمثل والانتقام منهم لنفسه) (1)

فهذه الآية الكريمة هي أول ما نسترشد به في بيان أصول الأخلاق وأركانها، وعلى هديها تحدث السلف ومن بعدهم على أصول أخرى للأخلاق بحسب التقسيمات المختلفة.

ومن الأقوال في ذلك، وهي تحتاج إلى تحليل لا نرى محلا لتفصيله هنا قول الإمام علي: (حسن الخلق في ثلاث خصال اجتناب المحارم وطلب الحلال والتوسعة على العيال)، وقال الحسن: (حسن الخلق بسط الوجه وبذل الندى وكف الأذى)، وقال الواسطي: (هو أن لا يخاصِم ولا يخاصَم من شدّة معرفته بالله تعالى)، وقال شاه الكرماني: (هو كف الأذى واحتمال المؤن)، وقال بعضهم: (هو أن يكون من الناس قريباً وفيما بينهم غريباً)، وقال الواسطي: (هو إرضاء الخلق في السراء والضراء)، وقال أبو عثمان: (هو الرضا عن الله تعالى)، وسئل سهل التستري عن حسن الخلق فقال: (أدناه الاحتمال وترك المكافأة والرحمة للظالم والاستغفار له والشفقة عليه)، وقال مرة: (أن لا يتهم الحق في الرزق ويثق به ويسكن إلى الوفاء بما ضمن فيطيعه ولا يعصيه في جميع الأمور فيما بينه وبينه وفيما بينه وبين الناس)

ومن الأقوال في ذلك قول الشيخ عبدالقادر الكيلاني: (كن مع الحق بلا خلق، ومع الخلق بلا نفس)، وقد ذكر ابن القيم هذا القول معظما له، وقال: (مدار حسن الخلق مع الحق

__________

(1) مدارج السالكين:2/ 305.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (276)

ومع الخلق على حرفين ذكرهما الشيخ عبدالقادر الكيلاني) (1)

ثم ذكر وجه انحصار الخلق، بل السلوك فيهما جميعا، فقال: (فتأمل ما أجل هاتين الكلمتين مع اختصارهما وما أجمعهما لقواعد السلوك ولكل خلق جميل، وفساد الخلق إنما ينشأ من توسط الخلق بينك وبين الله تعالى وتوسط النفس بينك وبين خلقه، فمتى عزلت الخلق حال كونك مع الله تعالى، وعزلت النفس حال كونك مع الخلق فقد فزت بكل ما أشار إليه القوم وشمروا إليه وحاموا حوله) (2)

ومن أصول الأخلاق ما نص عليه ابن القيم من اجتماع الأخلاق في ثلاثة أشياء في (العلم والجود والصبر) (3)، ووجه انحصار الأخلاق في هذه الأصول هو أن:

1. العلم يرشد إلى مواقع بذل المعروف، والفرق بينه وبين المنكر، وترتيبه في وضعه مواضعه فلا يضع الغضب موضع الحلم ولا بالعكس ولا الإمساك موضع البذل ولا بالعكس، بل يعرف مواقع الخير والشر ومراتبها وموضع كل خلق أين يضعه وأين يحسن استعماله.

2. الجود يبعثه على المسامحة بحقوق نفسه والاستقصاء منها بحقوق غيره، فالجود هو قائد جيوش الخير.

3. الصبر يحفظ عليه استدامة ذلك، ويحمله على الاحتمال وكظلم الغيظ وكف الأذى وعدم المقابلة، وهو أكبر العون على نيل كل مطلوب من خير الدنيا والآخرة كما قال الله تعالى: {وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ} (البقرة:45)

ومن أصول الأخلاق ما نص عليه ابن القيم ـ كذلك ـ من قيام الأخلاق على أربعة

__________

(1) مدارج السالكين:2/ 326.

(2) مدارج السالكين:2/ 326.

(3) مدارج السالكين:2/ 317.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (277)

أركان (لا يتصور قيام ساقه إلا عليها: الصبر والعفة والشجاعة والعدل) (1)، ووجه انحصار الأخلاق في هذه الأصول هو أن:

1 ـ الصبر، وهو يحمله على الاحتمال وكظم الغيظ وكف الأذى والحلم والأناة والرفق وعدم الطيش والعجلة.

2 ـ العفة، وهي تحمله على اجتناب الرذائل والقبائح من القول والفعل وتحمله على الحياء وهو رأس كل خير وتمنعه من الفحشاء والبخل والكذب والغيبة والنميمة.

3 ـ الشجاعة، وهي تحمله على عزة النفس وإيثار معالي الأخلاق والشيم، وعلى البذل والندى الذي هو شجاعة النفس وقوتها على إخراج المحبوب ومفارقته، وتحمله على كظم الغيظ والحلم فإنه بقوة نفسه وشجاعتها يمسك عنائها ويكبحها بلجامها عن النزغ والبطش كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ليس الشديد بالصرعة إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) وهوحقيقة الشجاعة، وهي ملكة يقتدر بها العبد على قهر خصمه)

4 ـ العدل، وهو يحمله على اعتدال أخلاقه وتوسطه فيها بين طرفي الإفراط والتفريط، فيحمله على خلق الجود والسخاء الذي هو توسط بين الذل والقحة وعلى خلق الشجاعة الذي هو توسط بين الجبن والتهور وعلى خلق الحلم الذي هو توسط بين الغضب والمهانة وسقوط النفس.

ومن أصول الأخلاق ما سبقت إليه الإشارة من محاولة الغزالي حصر أمهات الأخلاق في اربعة أصول هي (الحكمة، والشجاعة، والعفة، والعدل)، واعتبار باقي الأخلاق فروعا لها، قال الغزالي: (ولم يبلغ كمال الاعتدال في هذه الأربع إلا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والناس بعده متفاوتون في القرب والبعد منه، فكل من قرب منه في هذه الأخلاق فهو قريب من الله تعالى بقدر قربه من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وكل من جمع كمال هذه الأخلاق استحق أن

__________

(1) مدارج السالكين:2/ 308.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (278)

يكون بين الخلق ملكاً مطاعاً يرجع الخلق كلهم إليه ويقتدون به في جميع الأفعال، ومن انفك عن هذه الأخلاق كلها واتصف بأضدادها استحق أن يخرج من بين البلاد والعباد فإنه قد قرب من الشيطان اللعين المبعد، فينبغي أن يبعد، كما أن الأوّل قريب من الملك المقرّب فينبغي أن يقتدي به ويتقرّب إليه فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يبعث إلا ليتمم مكارم الأخلاق) (1)

وقد استتدل الغزالي لهذه الأصول بقوله تعالى في أوصاف المؤمنين: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} (الحجرات:15)

وبين وجه الإشارة في الآية، فقال: (فالإيمان بالله وبرسوله من غير ارتياب هو قوّة اليقين، وهو ثمرة العقل ومنتهى الحكمة، والمجاهدة بالمال هو السخاء الذي يرجع إلى ضبط قوة الشهوة، والمجاهدة بالنفس هي الشجاعة التي ترجع إلى استعمال قوّة الغضب على شرط العقل وحدّ الاعتدال)

وقد انطلق الغزالي لوضع هذا التصنيف الحاصر من القوى الموهوبة للإنسان، لأن الهيئة الراسخة التي تصدر عنها الأخلاق تتعامل مع تلك القوى وتوجهها.

وهذا تعريفه لهذه الأصول، ومنابعها، والثمرات الأخلاقية التي تصدر منها:

الحكمة: وهي حالة للنفس بها يدرك الصواب من الخطأ في جميع الأفعال الاختيارية.. من اعتدالها يحصل: حسن التدبير وجودة الذهن وثقابة الرأي وإصابة الظن والتفطن لدقائق الأعمال وخفايا آفات النفوس.. ومن إفراطها: يصدر المكر والخداع والدهاء.. ومن تفريطها: يصدر البله والحمق والجنون وقلة التجربة في الأمور.

والفرق بين الحمق والجنون: أن الأحمق مقصوده صحيح ولكن سلوكه الطريق

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 55.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (279)

فاسد فلا تكون له رؤية صحيحة في سلوك الطريق الموصل إلى الغرص، وأما المجنون فإنه يختار ما لا ينبغي أن يختار فيكون أصل اختياره وإيثاره فاسداً.

العدل: وهو ضبط الشهوة والغضب تحت إشارة العقل والشرع، أو هي حالة للنفس وقوّة بها تسوس الغضب والشهوة وتحملهما على مقتضى الحكمة وتضبطهما في الاسترسال والانقباض على حسب مقتضاها.

وقد فسر هذه التعريف بقوله: (فالعقل مثاله مثال الناصح المشير. وقوة العدل هي القدرة، ومثالها مثال المنفذ الممضي لإشارة العقل. والغضب هو الذي تنفذ فيه الإشارة، ومثاله مثال كلب الصيد فإنه يحتاج إلى أن يؤدب حتى يكون استرساله وتوقفه بحسب الإشارة لا بحسب هيجان شهوة النفس. والشهوة مثالها مثال الفرس الذي يركب في طلب الصيد فإنه تارة يكون مروّضاً مؤدّباً وتارة يكون جموحاً، فمن استوت فيه هذه الخصال واعتدلت فهو حسن الخلق مطلقاً. ومن اعتدل فيه بعضها دون البعض فهو حسن الخلق بالإضافة إلى ذلك المعنى خاصة كالذي يحسن بعض أجزاء وجهه دون بعض) (1)

ولذلك، فإن هذا الأصل هو الضابط لسائر الأوصاف والقوى الإنسانية، بل هو الأصل في اعتبارها أخلاقا، فـ (حسن القوّة الغضبية واعتدالها يعبر عنه بالشجاعة، وحسن قوّة الشهوة واعتدالها يعبر عنه بالعفة، فإن مالت قوّة الغضب عن الاعتدال إلى طرف الزيادة تسمى تهوّراً، وإن مالت إلى الضعف والنقصان تسمى جبناً وخوراً. وإن مالت قوّة الشهوة إلى طرف الزيادة تسمى شرهاً، وإن مالت إلى النقصان تسمى جموداً، والمحمود هو الوسط وهو الفضيلة، والطرفان رذيلتان مذمومتان، والعدل إذا فات فليس له طرفا زيادة ونقصان بل له ضدّ واحد ومقابل وهو الجور، وأما الحكمة فيسمى إفراطها عند الاستعمال في الأغراض الفاسدة خبثاً وجربزة، ويسمى تفريطها بلهاً، والوسط هو الذي يختص باسم

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 58.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (280)

الحكمة).

وسنرى في المطلب التالي أن ما سماه الغزالي (العدل) هنا هو نفس (الاستقامة) كما اصطلح عليها الشرع، فهي ضابط الأخلاق ومقوم اعوجاجها.

الشجاعة: وهي كون قوّة الغضب منقادة للعقل في إقدامها واحجامها، ويصدر منها الكرم والنجدة والشهامة وكسر النفس والاحتمال والحلم والثبات وكظم الغيظ والوقار والتودد وأمثالها وهي أخلاق محمودة. وأما إفراطها وهو التهوّر. فيصدر منه الصلف والبذخ والاستشاطة والتكبر والعجب. وأما تفريطها: فيصدر منه المهانة والذلة والجزع والخساسة وصغر النفس والانقباض عن تناول الحق الواجب.

العفة: وهي تأدّب قوّة الشهوة بتأديب العقل والشرع، ويصدر منها السخاء والحياء والصبر والمسامحة والقناعة والورع واللطافة والمساعدة والظرف وقلة الطمع.

وأما ميلها إلى الإفراط أو التفريط: فيحصل منه الحرص والشره والوقاحة والخبث والتبذير والتقتير والرياء والهتكة والمجانة والعبث والملق والحسد والشماتة والتذلل للأغنياء واستحقار الفقراء وغير ذلك.

ضوابط التخلق

كما أن جمال الأشياء وحسنها يتجلى أكثر ما يتجلى في تناسقها، وانتظامها مع بعضها انتظاما ينفي طغيان بعضها على بعض، فكذلك الأخلاق ـ التي هي صورة الباطن ـ تستدعي تناسقا بين أصولها، يجعل منها مظهرا من مظاهر الجمال، ومجلى من مجالي الحسن.

وكمثال قرآني على ذلك موقفه من أكل الشهوات أو استعمالها، والذي تنشأ عنه الأخلاق الخاصة بهذه القوة من قوى الإنسان، فقد ورد ذكره في القرآن الكريم مقيدا بما يمنعه من الطغيان، قال تعالى، وكأنه يعرض مائدة نعمه على خلقه: {وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفاً أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهاً

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (281)

وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (الأنعام:141)

ففي الآية الكرية دعوة للأكل تنافي ما يدعو إليه الرهبان من الجوع، ولكنها لا تنسجم كذلك مع ما يدعوا إليه أهل الشهوات من الاقتصار على الأكل المجرد، بل تضم إليه أمرين:

1. عدم الإسراف، حتى لا ينمي هذا الأكل في الإنسان أخلاق اليهيمية التي لا تبالي ما تأكل، ولا كيف تأكل، وهذا ما نص عليه قوله تعالى: {يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} (لأعراف:31)

2. البذل، وعدم نسيان المحتاجين، لأن الشهوة قد تولد الحرص المولد للبخل، فلذلك تعارض الشهوة بالبذل.

ومن الأمثلة ـ كذلك ـ قوله تعالى، وهو يحض في وقت واحد على الإنفاق والتقتير: {وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً} (الاسراء:29)، فغل اليد إلى العنق يولد صفة البخل، وهي من شر الصفات، وبسط اليد كل البسط، قد يولد الفاقة والفقر، وهو كذلك منبع من منابع الانحراف، كما قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كاد الفقر أن يكون كفرا) (1)

وهكذا نجد كل سلوك محمود مكتنف بخلقين ذميمين وهو وسط بينهما، وطرفاه خلقان ذميمان، ومن الأمثلة التي ذكرها ابن القيم لذلك: أن الجود يكتنفه خلقا البخل والتبذير، والتواضع يكتنفه خلقا الذل والمهانة والكبر والعلو (فإن النفس متى انحرفت عن التوسط انحرفت إلى أحد الخلقين الذميمين ولابد، فإذا انحرفت عن خلق التواضع انحرفت إما إلى كبر وعلو وإما إلى ذل ومهانة وحقارة، وإذا انحرفت عن خلق الحياء

__________

(1) رواه أبو نعيم في الحلية، ورواه الطبراني.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (282)

انحرفت إما إلى قحة وجرأة وإما إلى عجز وخور ومهانة بحيث يطمع في نفسه عدوه، ويفوته كثير من مصالحه، ويزعم أن الحامل له على ذلك الحياء وإنما هو المهانة والعجز وموت النفس) (1)

ومنها أن الهيئة النفسية إن انحرفت عن خلق الصبر المحمود انحرفت إما إلى جزع وهلع وجشع وتسخط وإما إلى غلظة كبد وقسوة قلب وتحجر طبع كما قال بعضهم:

تبكي علينا ولا نبكي على أحد فنحن أغلظ أكبادا من الإبل

ومنها أن الهيئة النفسية إذا انحرفت عن خلق الحلم انحرفت إما إلى الطيش والترف والحدة والخفة، وإما إلى الذل والمهانة والحقارة، ففرق بين من حلمه حلم ذل ومهانة وحقارة وعجز وبين من حلمه حلم اقتدار وعزة وشرف كما قيل:

كل حلم أتى بغير اقتدار حجة لاجاء إليها اللئام

ومنها أن الهيئة النفسية إذا انحرفت عن خلق الأناة والرفق انحرفت إما إلى عجلة وطيش وعنف، وإما إلى تفريط وإضاعة، والرفق والأناة بينهما.

وإذا انحرفت عن خلق العزة التي وهبها الله للمؤمنين انحرفت إما إلى كبر، وإما إلى ذل، والعزة المحمودة بينهما.

وإذا انحرفت عن خلق الشجاعة انحرفت إما إلى تهور وإقدام غير محمود، وإما إلى جبن وتأخر مذموم.

وإذا انحرفت عن خلق المنافسة في المراتب العالية والغبطة انحرفت إما إلى حسد، وإما إلى مهانة وعجز وذل ورضى بالدون.

وإذا انحرفت عن القناعة انحرفت إما إلى حرص وكلب، وإما إلى خسة ومهانة وإضاعة.

__________

(1) مدارج السالكين: 2/ 309.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (283)

وإذا انحرفت عن خلق الرحمة انحرفت إما إلى قسوة، وإما إلى ضعف قلب وجبن نفس، (كمن لا يقدم على ذبح شاة ولا إقامة حد وتأديب ولد، ويزعم أن الرحمة تحمله على ذلك، وقد ذبح أرحم الخلق بيده في موضع واحد ثلاثا وستين بدنة، وقطع الأيدي من الرجال والنساء، وضرب الأعناق، وأقام الحدود، ورجم بالحجارة حتى مات المرجوم، وكان أرحم خلق الله على الإطلاق وأرأفهم) (1)

ومثل ذلك طلاقة الوجه والبشر المحمود، فإنه وسط بين التعبيس والتقطيب وتصعير الخد وطي البشر عن البشر، وبين الاسترسال مع كل أحد بحيث يذهب الهيبة ويزيل الوقار ويطمع في الجانب، كما أن الانحراف الأول يوقع الوحشة والبغضة والنفرة في قلوب الخلق، وصاحب الخلق الوسط مهيب محبوب عزيز جانبه حبيب لقاؤه وفي صفة نبينا صلى الله عليه وآله وسلم (من رآه بديهة هابه ومن خالطه عشرة أحبه)

وانطلاقا من هذا، فإن الأخلاق تحتاج إلى ضوابط تحميها من من طرفي الإفراط والتفريط، وتجعلها متناسقة مع بعضها البعض، فلا يطغى فيها جانب على جانب بحيث يؤثر ذلك في جماله وكماله.

وقد عبر القرآن الكريم عن هذه الضوابط التي تحمي الأخلاق بمصطلح (الاستقامة)، الذي ورد في مواضع متعددة من القرآن الكريم، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت:30)، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ} (الاحقاف:13)، وقال تعالى: {وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقاً} (الجن:16)

وأمر تعالى بالدعوة إليها، فقال تعالى: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ

__________

(1) مدارج السالكين: 2/ 310.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (284)

إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ} (فصلت:6)، وقد لبى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هذا الأمر الإلهي، عن سفيان بن عبدالله قال: قلت: (يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولا لا أسأل عنه أحدا غيرك) قال: (قل آمنت بالله ثم استقم) (1)، وعن ثوبان عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: (استقيموا ولن تحصوا واعلموا أن خير أعمالكم الصلاة ولا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) (2)

وقد فسرها في قوله تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ وَلا تَطْغَوْا إِنَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} (هود:1121)، فبين أن الاستقامة ضد الطغيان وهو مجاوزة الحدود فى كل شاء.

والاستقامة ـ كما عرفها العماء ـ هي الاستمرار في جهة واحدة من غير أخذ في جهة اليمين ولا جهة الشمال؛ ولا جهة الإفراط ولا جهة التفريط.

وهذا هو مصدر صعوبة تحقيقها، لأن الوسط الحقيقي الذي لا ينحرف إلى أي جهة من الجهات صعب تحقيقه في الحس، فكيف بتحقيقه في المعنى، قال الغزالي: (ولما كان الوسط الحقيقي بين الطرفين في غاية الغموض، بل هو أدق من الشعر وأحدّ من السيف فلا جرم ومن استوى على هذا الصراط المستقيم في الدنيا، جاز على مثل هذا الصراط في الآخرة، وقلما ينفك العبد عن ميل عن الصراط المستقيم ـ أعني الوسط ـ حتى لا يميل إلى أحد الجانبين فيكون قلبه متعلقاً بالجانب الذي مال إليه. ولذلك لا ينفك عن عذاب ما، واجتياز على النار وإن كان مثل البرق قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيّاً} (مريم:71)، أي الذين كان قربهم إلى الصراط المستقيم أكثر من بعدهم عنه. ولأجل عسر الاستقامة وجب على كل عبد أن يدعو الله تعالى في كل يوم سبع عشرة مرة في

__________

(1) رواه مسلم.

(2) رواه مسلم.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (285)

قوله تعالى: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} (الفاتحة:6) إذ وجب قراءة الفاتحة في كل ركعة) (1)

ولهذا ذكر أن أمره تعالى بتحقيق غاية الاستقامة الوارد في سورة هود هو الذي شيب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم (2)، فقد روى عن أبي عبدالرحمن السلمي قال سمعت أبا علي السري يقول: رأيت النبي صلى الله عليه وآله وسلمفي المنام فقلت: يا رسول الله! روي عنك أنك قلت: (شيبتني هود) فقال: (نعم) فقلت له: ما الذي شيبك منها؟ قصص الأنبياء وهلاك الأمم! فقال: (لا، ولكن قوله: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} (هود:1121).

وقد ذكر الغزالي أصلا سلوكيا مهما في التربية على الاستقامة الممثلة لحقيقة الأوامر الإلهية، فقال (إن أردت أن تعرف الوسط فانظر إلى الفعل الذي يوجبه الخلق المحذور، فإن كان أسهل عليك وألذ من الذي يضاده فالغالب عليك ذلك الخلق الموجب له، مثل أن يكون إمساك المال وجمعه ألذ عندك وأيسر عليك من بذله لمستحقه، فاعلم أن الغالب عليك خلق البخل فزد في المواظبة على البذل، فإن صار البذل على غير المستحق ألذ عندك وأخف عليك من الإمساك بالحق فقد غلب عليك التبذير فارجع إلى المواظبة على الإمساك، فلا تزال تراقب نفسك وتستدل على خلقك بتسيير الأفعال وتعسيرها حتى تنقطع علاقة قلبك عن الالتفات إلى المال فلا تميل إلى بذله ولا إلى إمساكه، بل يصير عندك كالماء فلا تطلب فيه إلا إمساكه لحاجة محتاج أو بذله لحاجة محتاج، ولا يترجح عندك البذل على الإمساك) (3)

وهو أصل سلوكي مهم، ولكنه مع ذلك فيه من الصعوبة ما فيه، لأن الاطلاع على حقيقة ما تستلذه النفس وما يخف عليها يكاد يكون مستحيلا، فللنفس من التقلبات ما يعجز معه التعرف على حقيقة مطالبها وأذواقها عرفانا كاملا.

__________

(1) إحياء علوم الدين: 3/ 63.

(2) قال ابن عباس: (ما نزل على رسول الله (آية هي أشد ولا أشق من هذه الآية عليه، [يقصد قوله تعالى: {فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ} (هود:112)] ولذلك قال لأصحابه حين قالوا له: لقد أسرع إليك الشيب! فقال: (شيبتني هود وأخواتها)

(3) إحياء علوم الدين: 3/ 63.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (286)

ولهذا أذن الشرع في المقاربة، وهي درجة أدنى من الاستقامة، كما نص على ذلك قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ} (التغابن:16)، فقد أمر بالتقوى في حدود الاستطاعة، وهي نوع من المقاربة.

ولا تعارض بين هذه الآية وبين قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ} (آل عمران:102) حتى يزعم النسخ، لأن القرآن الكريم كله محكم، وإنما لكل آية مجالها.

ومجرد التأمل في سياق الآيتين يكفي للدلالة على مجال كل منهما:

فالآية المرخصة في المقاربة وردت أثناء قوله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ وَإِن تَعْفُوا وَتَصْفَحُوا وَتَغْفِرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِندَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنفِقُوا خَيْراً لِّأَنفُسِكُمْ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (التغابن: 14 ـ 16)

فهي ترخص في المقاربة في الأمور التي يصعب فيها الضبط، بل قد يستحيل، وذلك في علاقة الرجل مع أهله وأولاده، ونحو ذلك كما قال تعالى في صعوبة تحقيق العدل الكامل بين الزوجات: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً} (النساء:129)

ولهذا ورد التيسير وسرعة المغفرة في الأخطاء المتعلقة بهذا الجانب، مادام من وقع فيها يتحرى الاستقامة ما استطاع، فعن حذيفة قال: كنا جلوسا عند عمر فقال: أيكم يحفظ حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الفتنة كما قال؟ قال فقلت: أنا، قال: فقال: إنك لجريء! وكيف؟ قال: قلت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: فتنة الرجل في أهله وماله ونفسه وجاره يكفرها

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (287)

الصلاة والصيام والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) الحديث (1).

بل ورد في حديث ضعيف أن ما يحصل للإنسان بسبب همومه في طلب المعيشة يكفر الذنوب، فقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن من الذنوب ذنوبا لا تكفرها الصلاة ولا الصيام ولا الحج ولا العمرة، تكفرها الهموم في طلب المعيشة) (2)

وفي هذا وأمثاله ورد قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ذروني ما تركتكم فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم فإذا أمرتكم بشيء فأتوا منه ما استطعتم وإذا نهيتكم عن شيء فدعوه) (3)

أما الآية المشددة الآمرة بلزوم تقوى الله حق تقاته، أو الآمرة بلزوم الاستقامة في قمة درجاتها، فقد وردت في سياق قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَا إِن تُطِيعُوا فَرِيقاً مِّنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ} (آل عمران:100 ـ 103)

وهو سياق المفاصلة بين الإيمان والكفر، بإخلاص الوجه لله والتبرؤ المطلق من الكفر، وهو أمر مستطاع من جهة، ويستدعي الحسم من جهة أخرى، ولهذا قال تعالى في هذا النوع من التقوى مبينا موقف إبراهيم عليه السلام من أبيه: {وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ

__________

(1) رواه مسلم وغيره.

(2) رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر، وقال: غريب جدا.

(3) رواه مسلم وغيره.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (288)

إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ} (التوبة:114)

ويدل لهذا قول ابن عباس ـ وهو ترجمان القرآن ـ بعدم نسخها، فقد روي أنه قال: (إنها لم تنسخ، ولكن حق تقاته أن يجاهد لله حق جهاده، ولا يأخذه في الله لومة لائم، ويقوموا لله بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم)، وهو نفس ما ذكرنا مما يدل عليه السياق.

أما ما أورده المفسرون من قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (حق تقاته أن يطاع فلا يعصى، وأن يذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يكفر) (1)، وهو أمر يكاد يكون مستحيلا، فليس هو من هذا الباب، بل مراده صلى الله عليه وآله وسلم ـ والله أعلم بمراد رسوله ـ أن التقوى الكاملة هي هذه التقوى، لا أنها هي التقوى المأمور بها، لأن التقوى المأمور بها نوعان:

نوع شديد: وهو تحقيق كل الطاعات بأعلى قممها مع البراءة من جميع المعاصي إيمانا وسلوكا، وهذا لا يتحقق في منتهى كماله بهذه الصفة إلا في حق المعصومين ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ، وإنما ذكر وأمر به حتى يشعر كل شخص بتقصيره في حق الله مهما اجتهد في ذلك الحق.

نوع مستطاع: وهو إخلاص الوجه لله والبراءة من الكفر، وهو أصل أصول الدين الذي لا مندوحة في تركه.

وقد ورد في السنة ما يؤيد أن المطلوب هو بذل الجهد المستطاع للوصول إلى قمة الاستقامة، لا الأمر بالاستقامة ذاتها، بل الاستقامة غاية شريفة تتفاوت النفوس الفاضلة في الدنو منها، ومع ذلك لا تكف عن طلبها لذلك الدنو وشوقها له، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (لن يدخل أحدا عمله الجنة)، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله بفضل

__________

(1) رواه البخاري.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (289)

رحمته، فسددوا وقاربوا، ولا يتمن أحدكم الموت، إما محسن فلعله يزداد خيرا، وإما مسيء فلعله أن يستعتب) (1)

وعلى ما ذكرناه من الاكتفاء بالمقاربة مع الشوق للاستقامة هو ما نص عليه علماء السلوك المسلمين، قال الغزالي: (فالاستقامة على سواء السبيل في غاية الغموض، ولكن ينبغي أن يجتهد الإنسان في القرب من الاستقامة إن لم يقدر على حقيقتها. فكل من أراد النجاة فلا نجاة له إلا بالعمل الصالح، ولا تصدر الأعمال الصالحة إلا عن الأخلاق الحسنة فليتفقد كل عبد صفاته وأخلاقه، وليعدّدها وليشتغل بعلاج واحد واحد فيها على الترتيب) (2)

انطلاقا من هذا يذكر السلف أصلين يكثرون الوصية بهما من تحقق بهما قرب من الاستقامة ـ التي هي قمة قمم الأخلاق الفاضلة ـ قربا عظيما، هما (الاقتصاد في الأعمال والاعتصام بالسنة) (3)

قال بعض السلف: (ما أمر الله بأمر إلا وللشيطان فيه نزغتان، إما إلى تفريط وإما إلى مجاوزة، وهي الإفراط ولا يبالي بأيهما ظفر، زيادة أو نقصان)،

وقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم لعبدالله بن عمرو: (يا عبد الله بن عمرو إن لكل عامل شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنة أفلح ومن كانت فترته إلى بدعة خاب وخسر) (4)، وقد قال له ذلك حين أمره بالاقتصاد في العمل.

يقول ابن القيم معلقا على أهمية هذه الوصايا، ووجه الاكتفاء بها في حصول الاستقامة: (إن الشيطان يشم قلب العبد ويختبره، فإن رأى فيه داعية للبدعة وإعراضا عن

__________

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) إحياء علوم الدين:3/ 64.

(3) مدارج السالكين:2/ 107.

(4) رواه الترمذي برقم (2455) وقال: هذا حديث صحيح غريب.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (290)

كمال الانقياد للسنة أخرجه عن الاعتصام بها، وإن رأى فيه حرصا على السنة وشدة طلب لها لم يظفر به من باب اقتطاعه عنها فأمره بالاجتهاد والجور على النفس ومجاوزة حد الاقتصاد فيها قائلا له: إن هذا خير وطاعة، والزيادة والاجتهاد فيها أكمل، فلا تفتر مع أهل الفتور ولا تنم مع أهل النوم، فلا يزال يحثه ويحرضه حتى يخرجه عن الاقتصاد فيها، فيخرج عن حدها كما أن الأول خارج عن هذا الحد فكذا هذا الآخر خارج عن الحد الآخر) (1)

2 ـ طريق التخلق

قبل الحديث عن المنهج الإسلامي للتخلق نردد ما ذكرنا سابقا من أن كل الأدلة الشرعية والعقلية والعادية تدل على أن الأخلاق من الأمور القابلة للتغيير، وهذ هو الأساس الأول للاهتمام بالمناهج المثلى التي تحقق التخلق.

لأن القول بعدم إمكانية تغيير الأخلاق، أو أن الطبع يغلب التطبع، أو ما يشاع من الأمثال الشعبية الكثيرة التي تجعل كل إنسان قالبا معينا يستحيل تحريفه لأي جهة يحيل البحث عن المناهج، لأن البحث عنها أو تنفيذها يصبح تعبا لا طائل وراءه.

ولكن مع ذلك، فإن النفوس مختلفة في قدرتها على تغيير أخلاقها، انطلاقا من أسباب كثيرة، لها أهميتها الكبرى في هذا الباب، وقد عد الغزالي من هذه الأسباب على سبيل الحصر:

1 ـ قوة الغريزة في أصل الجبلة وامتداده مدّة الوجود فإن قوة الشهوة والغضب والتكبر موجودة في الإنسان، ولكن أصعبها أمراً وأعصاها على التغيير قوة الشهوة، فإنها أقدم وجوداً، إذ الصبي في مبدإ الفطرة تخلق له الشهوة، ثم بعد سبع سنين ربما يخلق له

__________

(1) مدارج السالكين:2/ 107.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (291)

الغضب، وبعد ذلك يخلق له قوة التمييز.

2 ـ أن الخلق قد يتأكد بكثرة العمل بمقتضاه والطاعة له وباعتقاد كونه حسناً ومرضياً والناس فيه (1).

وانطلاقا من هذا قسم أصناف الخلق من حيث القدرة على تغيير أخلاقهم إلى أربع مراتب، لها أهميتها الكبرى في التعامل التربوي مع مختلف الأصناف:

الأولى: وهي مرتبة من لا يميز بين الحق والباطل والجميل والقبيح، بل بقي كما فطر عليه خالياً عن جميع الاعتقادات ولم تستتم شهوته أيضاً باتباع اللذات، وقد سماه الغزالي (الإنسان المغفل)، وذكر انه أسرع الناس للعلاج، فلا يحتاج إلا إلى معلم ومرشد، وإلى باعث من نفسه يحمله على المجاهدة فيحسن خلقه في أقرب زمان، وسبب ذلك أن انحرافه كان بسبب جهله فقظ.

الثانية: وهي مرتبة من عرف قبح القبيح، ولكنه لم يتعوّد العمل الصالح، بل زين له سوء عمله فتعاطاه انقياداً لشهواته وإعراضاً عن صواب رأيه لاستيلاء الشهوة عليه، ولكن علم تقصيره في عمله، والغزالي يعتبره جاهلا وضالا.

وهو ـ في نظر الغزالي ـ محل قابل للرياضة، إن انتهض لها بجد وتشمير وحزم، ولكن مع ذلك، فإن أمره أصعب من الأول، إذ قد تضاعفت الوظيفة عليه؛ إذ عليه قلع ما رسخ في نفسه أوّلاً من كثرة الاعتياد للفساد، ثم يغرس في نفسه صفة الاعتياد للصلاح.

الثالثة: وهي مرتبة من يعتقد في الأخلاق القبيحة أنها الواجبة المستحسنة، وأنها حق وجميل وتربى عليها، والغزالي يعتبره جاهلا وضالا وفاسقا، ويرى أن علاجه يكاد يكون مستحيلا، بسبب تضاعف أسباب الضلال.

الرابعة: وهي مرتبة من يكون مع نشئه على الرأي الفاسد وتربيته على العمل به يرى

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 63.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (292)

الفضيلة في كثرة الشر، واستهلاك النفوس ويباهي به ويظن أن ذلك يرفع قدره، والغزالي يعتبره جاهلا وضالا وفاسقا وشريرا.

وهو يرى الصعوبة الشديدة لعلاج من هذا حاله، ويرى أن ما ذكر من استحالة تعيير الأخلاق قد ينطبق عليه، قال: (وهذا هو أصعب المراتب. وفي مثله قيل: ومن العناء رياضة الهرم، ومن التعذيب تهذيب الذيب) (1)

انطلاقا من هذا، فقد ذكر علماء السلوك المسلمين طريقين مهمين للتخلق، يختلف الجهد المبذول فيهما بحسب طبيعة النفوس ومرتبتها في سرعة الانقياد أو بطئه، وهذان الطريقان هما:

مجاهدة النفس

كما أن كل كمال في الإنسان لا يتحقق إلا بجهد عظيم يبذله لتحقيقه، كما قال تعالى: {لَقَدْ خَلَقْنَا الْأِنْسَانَ فِي كَبَدٍ} (البلد:4)، وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الْأِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ} (الانشقاق:6)، فإن الهيئة النفسية للإنسان، والتي تصدر عنها الأخلاق تحتاج هي الأخرى ـ إذا ما أراد صاحبها تعديلها ـ إلى جهد عظيم ورياضة شديدة، خاصة إذا انحرفت انحرافا خطيرا عن الجبلة التي خلقت عليها.

ويشير إلى هذا الطريق قوله تعالى: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى} (النازعات:40 ـ 41)، وقوله تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (العنكبوت:69)

بل يشير إلى هذا كل النصوص التي تدل على اختلاف مراتب النفوس، لأن الانتقال من مرتبة إلى مرتبة يحتاج إلى مجاهدة عظيمة، قال تعالى عن أخطر مراتب النفس: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ} (يوسف:53

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 56.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (293)

وقال عن النفس المجاهدة: {وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ} (القيامة:2)، وقال عن النفس التي بلغت مرادها: {يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ} (الفجر:27)

وتنطلق المجاهدة من مسلمة هي (أن إعطاء النفس مناها، وتيليغها ما تريده من شهواتها هو سبب انتكاستها عن حقيقتها)، فلذلك كانت المجاهدة هي رد النفس إلى جادة الصواب بالتشدد عليها والتضييق على مراداتها حتى تستقيم على الحق.

وقد يشير إلى هذا قول طالوت لجنوده: {فَلَمَّا فَصَلَ طَالُوتُ بِالْجُنُودِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ مُبْتَلِيكُمْ بِنَهَرٍ فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي إِلَّا مَنِ اغْتَرَفَ غُرْفَةً بِيَدِهِ فَشَرِبُوا مِنْهُ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ} (البقرة:249)، فقد كان هذا نوعا من الابتلاء، فمن ظهرت طاعته في ترك الماء علم أنه مطيع فيما عدا ذلك، ومن غلبته شهوته في الماء وعصى الأمر فهو في العصيان في الشدائد أحرى.

فالماء مباح لا حرمة فيه بدليل أنه أجاز الاغتراف منه، ولكنه أمرهم بمجاهدة النفس في تركه، ليظهر مدى تحكمهم في أنفسهم وشهواتهم، لأن أساس الفساد هو تحكم النفس في الإنسان، لا تحكم الإنسان في النفس.

ولهذا وردت العقوبة الشديدة لمن أفطر متعمدا في رمضان، وذلك لتعود لإنسان سيطرته على نفسه، فلا تهلكه في الهالكين.

وفي الدلالة على هذا تروى الآثار الكثيرة التي تكاد تجعل هذه المسألة إجماعا، كما قال جعفر بن حميد: (أجمعت العلماء والحكماء على أن النعيم لا يدرك إلا بترك النعيم)

ومن الآثار المروية عن الأنبياء ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ في ذلك ما يروى أن الله تعالى أوحى إلى داود عليه السلام: (يا داود حذر وانذر أصحابك أكل الشهوات، فإن القلوب المتعلقة بشهوات الدنيا عقولها عني محجوبة)، وقال عيسى عليه السلام: (طوبى لمن ترك شهوة حاضرة لموعود غائب لم يره)، ويروى أن امرأة العزيز قالت ليوسف عليه السلام، بعد أن ملك

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (294)

خزائن الأرض وقعدت له على رابية الطريق في يوم موكبه وكان يركب في زهاء اثني عشر ألفاً من عظماء مملكته: (سبحان من جعل الملوك عبيداً بالمعصية وجعل العبيد ملوكاً بطاعتهم له. إن الحرص والشهوة صيرا الملوك عبيداً وذلك جزاء المفسدين، وإن الصبر والتقوى صيرا العبيد ملوكاً)، فقال يوسف عليه السلام، كما أخبر الله تعالى عنه: {إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} (يوسف:90)

وهكذا الآثار الواردة عن السلف، فعن الإمام علي قال: (من اشتاق إلى الجنة سلا عن الشهوات في الدنيا)، وعن سفيان الثوري قال: ما عالجت شيئاً أشد عليَّ من نفسي مرة لي ومرة عليَّ، وكان أبو العباس الموصلي يقول لنفسه: يا نفس لا في الدنيا مع أبناء الملوك تتنعمين ولا في طلب الآخرة مع العباد تجتهدين كأني بك بين الجنة والنار تحبسين، يا نفس ألا تستحين وقال الحسن: ما الدابة الجموح بأحوج إلى اللجام الشديد من نفسك، وقال رجل لعمر بن عبد العزيز: متى أتكلم؟ قال: إذا اشتهيت الصمت، قال: متى أصمت؟ قال: إذا اشتهيت الكلام، وكان مالك بن دينار يطوف في السوق فإذا رأى الشيء يشتهيه قال لنفسه: اصبري فوالله ما أمنعك إلا من كرامتك عليَّ.

ووصف يحيى بن معاذ الرازي طريقا كاملا من طرق السلوك الأخلاقي، فقال: (جاهد نفسك بأسياف الرياضة. والرياضة على أربعة أوجه: القوت من الطعام، والغمض من المنام، والحاجة من الكلام، وحمل الأذى من جميع الأنام، فيتولد من قلة الطعام موت الشهوات، ومن قلة المنام صفو الإرادات، ومن قلة الكلام السلامة من الآفات، ومن احتمال الأذى البلوغ إلى الغايات، وليس على العبد شيء أشد من الحلم عند الجفاء والصبر على الأذى، وإذا تحركت من النفس إرادة الشهوات والآثام وهاجت منها حلاوة فضول الكلام جردت عليها سيوف قلة الطعام من غمد التهجد وقلة المنام، وضربتها بأيدي الخمول وقلة الكلام حتى تنقطع عن الظلم والانتقام، فتأمن من بوائقها

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (295)

من بين سائر الأنام وتصفيها من ظلمة شهواتها فتنجو من غوائل آفاتها؛ فتصير عند ذلك نظيفة ونورية خفيفة روحانية فتجول في ميدان الخيرات وتسير في مسالك الطاعات كالفرس الفارة في الميدان وكالملك المتنزه في البستان)

وقد يقال هنا: لقد وردت النصوص الكثيرة بإباحة الطيبات، والشهوات، فكيف يقال بتركها ومجاهدة النفس في مخالفتها، وما علاقة ذلك بالسلوك الأخلاقي؟

والجواب عن هذا: أن الطيبات تظل مباحة لا يحرمها أحد، وكيف يجسر أحد على تحريم ما أحل الله {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ} (لأعراف:32)

ولكن الذي أباح هذه الطيبات هو الذي نهى عن الانشغال بها عن الله، وعن تكميل النفس، وقد قال تعالى لرسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} (الكهف:28)، وقال تعالى: {الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً} (الكهف:46)

زيادة على ذلك، فإن من لم يجرب نفسه في إمساكها عن المباح، ما الذي يضمن له قوته على إمساك نفسه عن الحرام، ولأجل هذا شرع الصوم، حتى تترك النفس شهواتها المباحة بمحض إرادتها، ولهذا قال تعالى عقب الأمر بالصوم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (البقرة:183)

فتقوى الله تحتاج إلى التورع عن بعض الحلال لتجنب الوقوع في الحرام، قال الغزالي: (لا يمكن إصلاح القلب لسلوك طريق الآخرة ما لم يمنع نفسه عن التنعم بالمباح،

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (296)

فإن النفس إذا لم تمنع بعض المباحات طمعت في المحظورات) (1)

وضرب الأمثال على ذلك، فقال: (من أراد حفظ لسانه من الغيبة والفضول فحقه أن يلزمه السكوت؛ إلا عن ذكر الله وإلا عن المهمات في الدين، حتى تموت منه شهوة الكلام فلا يتكلم إلا بحق فيكون سكوته عبادة وكلامه عبادة. ومهما اعتادت العين رمي البصر إلى كل شيء جميل لم تتحفظ عن النظر إلا ما لا يحل، وكذلك سائر الشهوات، لأن الذي يشتهي به الحلال هو بعينه الذي يشتهي الحرام، فالشهوة واحدة وقد وجب على العبد منعها من الحرام فإن لم يعوّدها الاقتصار على قدر الضرورة من الشهوات غلبته. فهذه إحدى آفات المباحات)

وزيادة على هذا، فإن التنعم المبالغ فيه بالدنيا، بحجة إباحتها يجعل النفس (ثملة كالسكران الذي لا يفيق من سكره. وذلك الفرح بالدنيا سم قاتل يسري في العروق فيخرج من القلب الخوف والحزن وذكر الموت وأهوال يوم القيامة، وهذا هو موت القلب)

ولهذا ورد في القرآن الكريم النهي عن الركون للدنيا، والاطمئنان إليها، قال تعالى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ} (البقرة:86)، وقال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ} (الأنعام:32)، وقال تعالى: {وَذَرِ الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَعِباً وَلَهْواً وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا} (الأنعام:70)، وقال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ} (يونس:7)

انطلاقا من هذا، فإن المجاهدة الصحيحة المضبوطة بالضوابط الشرعية، هي المجاهدة التي يكون لها برنامج خاص هادف ينطلق من معرفة صفات النفس، وأمراضها، ثم كيفية علاجها، وقد وضع الغزالي في كتاب (التفكر) برنامجا لذلك يمكن الاستفادة منه

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 67.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (297)

في هذا المجال، وقد فصلنا هذا البرنامج في رسالة خاصة من رسائل السلام سميناها (مرابطات النفس اللوامة)

ولذلك سنكتفي هنا بذكر موضوع المجاهدة، وكيفية استثمارها في تنمية الاستقامة كما أردتها الشريعة، فالمجاهدة تستلزم ركنين أساسيين:

المراغمة

وذلك بحمل النفس على الأعمال التي يقتضيها الخلق المطلوب من سلوك، فيتصرف بفعله، وإن خلا من ذلك قلبه وهيئته النفسية، وذلك لأن لافعال الجوارح آثارها ـ لا محالة ـ على القلب والهيئة النفسية، كما أن للهيئة النفسية تأثيرها على الجوارح.

وقد ضرب الغزالي لهذا أمثلة ونماذج يمكن الاستفادة منها في التربية عل اسائر الأخلاق، قال: (فمن أراد مثلاً أن يحصل لنفسه خلق الجود فطريقه أن يتكلف تعاطي فعل الجواد وهو بذل المال، فلا يزال يطالب نفسه ويواظب عليه تكلفاً مجاهداً نفسه فيه حتى يصير ذلك طبعاً ويتيسر عليه فيصير به جواداً، وكذا من أراد أن يحصل لنفسه خلق التواضع وقد غلب عليه الكبر فطريقه أن يواظب على أفعال المتواضعين مدة مديدة وهو فيها مجاهد نفسه ومتكلف إلى أن يصير ذلك خلقاً له وطبعاً فيتيسّر عليه) (1)

ثم قال معمما ذلك على سائر الأخلاق: (وجميع الأخلاق المحمودة شرعاً تحصل بهذا الطريق، وغايته أن يصير الفعل الصادر منه لذيذاً فالسخي هو الذي يستلذ بذل المال الذي يبذله دون الذي يبذله عن كراهة، والمتواضع هو الذي يستلذ التواضع ولن ترسخ الأخلاق الدينية في النفس، ما لم تتعود النفس جميع العادات الحسنة وما لم تترك جميع الأفعال السيئة، وما لم تواظب عليه مواظبة من يشتاق إلى الأفعال الجميلة ويتنعم بها، ويكره الأفعال القبيحة ويتألم بها، كما قال: (وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلاةِ)، ومهما كانت العبادات وترك

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 58.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (298)

المحظورات مع كراهة واستثقال فهو النقصان ولا ينال كمال السعادة به)

المواظبة

انطلاقا من الركن الأول، فإن حمل النفس على خلق من الأخلاق لن يؤتي ثماره بترسيخ الخلق في النفس إلا بالمواظبة والتكرار، فللتكرار أثره العظيم في ترسيخ الخلق، كما أن للتكرار أثره في ترسيخ أي شيء من الأشياء في الذاكرة، قال الغزالي: (وهذا من عجيب العلاقة بين القلب والجوارح ـ أعني النفس والبدن ـ فإن كل صفة تظهر في القلب يفيض أثرها على الجوارح حتى لا تتحرك إلا على وفقها لا محالة، وكل فعل يجري على الجوارح فإنه قد يرتفع منه أثر إلى القلب، والأمر فيه دور) (1)

ويضرب لذلك مثالا بمن أراد أن يصير الحذق في الكتابة له صفة نفسية ـ حتى يصير كاتباً بالطبع ـ فلا طريق له إلا أن يتعاطى بجارحة اليد ما يتعاطاه الكاتب الحاذق ويواظب عليه مدة طويلة يحاكي الخط الحسن، فإن فعل الكاتب هو الخط الحسن فيتشبه بالكاتب تكلفاً، ثم لا يزال يواظب عليه حتى يصير صفة راسخة في نفسه، فيصدر منه في الآخر الخط الحسن طبعاً كما كان يصدر منه في الابتداء تكلفاً، فكان الخط الحسن هو الذي جعل خطه حسناً، ولكن الأول بتكلف إلا أنه ارتفع منه أثر إلى القلب ثم انخفض من القلب إلى الجارحة فصار يكتب الخط الحسن بالطبع.

ويطبق هذ المثل على التربية الأخلاقية، فيقول: (وكذلك من أراد أن يصير فقيه النفس فلا طريق له إلا أن يتعاطى أفعال الفقهاء، وهو التكرار للفقه حتى تنعطف منه على قلبه صفة الفقه فيصير فقيه النفس. وكذلك من أراد أن يصير سخياً عفيف النفس حليماً متواضعاً فيلزمه أن يتعاطى أفعال هؤلاء تكلفاً حتى يصير ذلك طبعاً له، فلا علاج له إلا ذلك، وكما أن طالب فقه النفس لا ييأس من نيل هذه الرتبة بتعطيل ليلة ولا ينالها بتكرار

__________

(1) إحياء علوم الدين:3/ 67.

الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد (299)

ليلة، فكذلك طالب تزكية النفس وتكميلها وتحليتها بالأعمال الحسنة لا ينالها بعبادة يوم ولا يحرم عنها بعصيان يوم) (1)

ولهذا كانت العبادات حميعا تستدعي التكرار وتتطلبه لتؤتي ثمارها التي أرادها الشرع، ولذلك قال تعالى في الصلاة: {الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ دَائِمُونَ} (المعارج:23)، وقال تعالى: {وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَهُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ} (الأنعام:92)

وقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أحب الأعمال إلى اللّه أدومها وإن قلّ) (2)، وقالت عائشة: (وكان رسول اللّه صلى الله عليه وآله وسلم إذا عمل عملاً داوم عليه)، وقال لابن عمرو: (يا عبد الله لا تكن مثل فلان كان يقوم الليل، فترك قيام الليل) (3)

ولهذا ذكرنا في المبحث السابق أن المواظبة على الصغائر قد تكون أخطر من فعل كبيرة واحدة من غير تكرار ولا عودة.

ومما يدل على تأثير المواظبة على الفعل في ترسيخه في النفس أن النفس إذا أدمنت شيئا صعب إقلاعها عنه، بل قد يصبح خروج الروح أهون عليها من الإقلاع، يقول الغزالي في رد استغراب تأثير المواظبة في ترسيخ الأخلاق والعبادات والتلذذ بها: (لا ينبغي أن يستبعد مصير الصلاة إلى حد تصير هي قرة العين، ومصير العبادات لذيذة فإن العادة تقتضي في النفس عجائب أغرب من ذلك؛ فإنا قد نرى الملوك والمنعمين في أحزان دائمة، ونرى المقامر قد يغلب عل