×

كلكم كفرة (1)

الكتاب: كلكم كفرة

الوصف: دراسة علمية تثبت بالأدلة القاطعة تكفير السلفية للأمة جميعا

السلسلة: الدين والدجل

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1437 هـ

عدد الصفحات: 418

كلكم كفرة (2)

يحاول هذا الكتاب ـ من خلال الأدلة والوثائق الكثيرة ـ إثبات المدى الذي وصل إليه التكفير السلفي بحق الأمة جميعا بمدارسها العقدية والفقهية والصوفية والحركية.. بالإضافة لطوائفها المتعددة من أهل سنة وشيعة وإباضية وغيرهم.

والنتيجة التي وصل إليها هي أن التكفير السلفي ـ سواء المطلق منه أو المعين ـ يشمل الأمة جميعا، ولا يستثنى منه أحد من الناس، حتى السلفية أنفسهم، وفيما بينهم نجد هذه الظاهرة، حيث نرى كل مدرسة تطبق مناهجها التكفيرية على غيرها من المدارس.

وهو يكشف تلك الحيل والخدع التي يمارسها المدافعون عن السلفية حين يحاولون رفع هذه التهمة عنهم من خلال عرض مقولاتهم المختلفة والمتناقضة والمرتبطة بالأحوال المختلفة.

كلكم كفرة (7)

المقدمة

من التهم التي طالت السلفية في عصورها المختلفة من لدن الكثير من العلماء المعتبرين تهمة [التكفير]، ولهذا نجدهم أحرص الناس على رميها عن أنفسهم، والاحتيال لذلك بكل صنوف الحيل والدهاء التي تعلموها من أساتذتهم من السلف الأول والآخر.

وأول تلك الحيل هي الاحتيال على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه، وذلك بتأويل كل ما ورد في النصوص من تحذيراته صلى الله عليه وآله وسلم من وجود طائفة من الأمة، تتقن التكفير كما تتقن الرياء والخداع، كما تتقن احتكار الدين ومصادره وتشريعاته، كما تتقن فن الإرهاب والعنف بكل أنواعه (1).. إلى طائفة قد ذهب بها التاريخ في غابر الزمان، ولم تمكث إلا فترة محدودة جدا لا تكاد تعتبر.. وكأن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الذي أولى تلك الطائفة كل تلك الأهمية غفل عن طائفة أخطر، وأكثر تضليلا وتكفيرا، وأكثر إرهابا وعنفا، وأطول مدة وزمنا.

وثاني تلك الحيل هو ما تعلموه في فن الجرح والتعديل من الجمع بين توثيق الراوي الواحد وتضعيفه، حتى إذا ما أعجبهم حديثه غلبوا التوثيق على التضعيف، وإذا لم يعجبهم حديثه غلبوا التضعيف على التوثيق.

وهكذا فعلوا مع التكفير.. وهكذوا غرروا بالكثير من الطيبين الذين لا يعرفون حيلهم ومكرهم، فأغروهم ببعض الكلمات المعسولة التي وردت عن سلفهم وخلفهم في أنهم طيبون، وأنهم لا يكفرون أحدا من أهل القبلة، وأن التكفير شأن الخوارج، وأن فلانا من الناس قال كذا يوم كذا.. وهكذا.

فإذا قيل لهم: كيف تقولون هذا، وقد أجمع سلفكم الأولون والآخرون على تكفير

__________

(1) أشير بذلك إلى قوله (: (سيخرج قوم في آخر الزمان، حدثاء الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من قول خير البرية، يقرؤون القرآن، لا يجاوز إيمانهم حناجرهم، يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية، فأينما لقيتموهم فاقتلوهم، فإن في قتلهم أجرا لمن قتلهم عند الله يوم القيامة)، رواه البخاري 9/ 86.

كلكم كفرة (8)

كل منكر للجهة، وأن من لم يقل بأن الله في السماء، فهو كافر زنديق، وجهمي معطل.. ولو طبقنا هذه المقولة وحدها على جميع مدارس الأمة وعلمائها من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وأتباع المذاهب الفقهية والصوفية والشيعة والزيدية والإباضية وغيرهم، لوجدناها تنطبق عليهم جميعا، لأنهم جميعا لا يقولون بالجهة، وينزهون الله عن المكان.

وهكذا لو طبقنا مقولات السلف الأول والآخر على أن الحروف القرآنية مخلوقة، فإن ذلك سيخرج الأمة جميعا من الملة.

وهكذا لو طبقنا مقولات السلف الأول والآخر على أن رؤية الله تتعلق بالقلب، ولا علاقة لها بالحس، وأن الله لا يرى كما ترى الأشياء، لأنه ليس كالأشياء..

وهكذا لو طبقنا الكثير من مقولاتهم التكفيرية التي تمتلئ بها كتب عقائدهم وفقههم وحديثهم وتفسيرهم.. فكلها مشحونة بأصناف التكفير..

لكنهم، ولدهائهم وحيلتهم بدل أن يتبرؤوا من تلك المقولات، ويستغفروا الله منها، يقومون بأنواع كثيرة من التقية، تجعلهم يحافظون على عصمة سلفهم في نفس الوقت الذي يحافظون فيه على سمعتهم، وأنهم ليسوا تكفيريين كالخوارج.

قد يقول البعض بأن هذه تقية، وأن الذي شرعها ووقع فيها هم الشيعة، وليسوا السلفية.. وهذا أيضا من أنواع الاحتيال التي مارسها السلفية مع خصومهم، فهم يطبقون جيدا تلك المقولة العربية المشهورة [رمتني بدائها وانسلت]، لأنهم يعمدون إلى معنى نبيل قام به قوم مضطهدون على مدار التاريخ، ليحموا أنفسهم من تلك المحاكم التفتيشية التي كانت تعقد لهم كل حين.. إلى تقية أخرى مملوءة بالكذب والدجل على الدين وعلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وعلى الأمة نفسها.

فالسلفية بمدارسهم المختلفة يطبقون ما قاله الشيخ ربيع المدخلي عن مدرسة من مدارس السلفية ينبزونها بـ (الحدادية)، فيذكر من مواصفات أصحابها: (التقية الشديدة،

كلكم كفرة (9)

فالرافضي يعترف لك بأنه جعفري، ويعترف ببعض أصوله، وعقائده الفاسدة، وهؤلاء لا يعترفون بأنهم حدادية، ولا يعترفون بشيء من أصولهم، وما ينطوون عليه) (1)

وهكذا نجد الشيخ عبدالرحمن عبدالخالق يشهد على الشيخ ربيع المدخلي أنه يستعمل التقية إذا ما احتاج إليها، أو كما عبر عن ذلك بقوله: (ولما وقع الشيخ ربيع فيما وقع فيه من وضع هذه الأصول الفاسدة أوقعه هذا في التناقض المشين، فبدأ يكيل بمكيالين! ويقول الشيء ونقيضه، وينقلب من الضد إلى الضد، وينزل أقوال السلف في غير منازلها، بل ويضع القرآن والحديث في غير مواضعه... وأصبح يرى أن العدل مع الدعاة والمصلحين من أصول أهل البدع، وإهدار الحسنات، والمؤاخذة بالزلات من أصول السنة، وأصبح يرى نفسه مضطراً إلى التقية والتدليس) (2)

بل إنه يشهد على أن هذه التقية مسلك سلفي يمارسه الكثير من الدعاة، فيقول: (لقد أوقع هذا المنهج الباطل أتباعه في التناقض والكيل بمكيالين، والحكم في المسألة الواحدة بقولين متناقضين، ولذلك أصبح كثير منهم من أهل التقية والكذب، فلهم أقوال في السر يبدعون بها سادات الناس لا يستطيعون قولها في العلن) (3)

بل إنهم شرعوا ذلك، واعتبروا الكذب فيه وفي غيره جائزا، لأنهم في حرب مع الأمة جميعا، والحرب خدعة، وقد قال الشيخ علي الخضير في بعض فتواه: (وإنما جازت المخادعة في الحرب مع ما فيها من الإيهام وإظهار خلاف الحقيقة لأن كون كل من المسلم والكافر قد نصب الحرب لصاحبه يدل دلالة صريحة على أنه يتربص به ويسعى للفتك به؛ بل يندب إليها كما يدل على ذلك صريح الحديث، واتفاق العلماء؛ ومفهوم الحرب في هذه الأحاديث

__________

(1) كشف أكاذيب وتحريفات وخيانات فوزي البحريني،37.

(2) الرد الوجيز، ص 7.

(3) الرد الوجيز، ص: 38.

كلكم كفرة (10)

أعم من أن يقصر على نصب القتال والتقاء الصفين وتقابل الزحفين.. ومن الحرب حرب الأفكار، وهي أشد من حرب القتال، فيجب استخدام الخدعة ويباح الكذب فيها لإظهار أهل البدع والشركيات وأهل الفرق الباطلة من روافض وزنادق وأهل علمنة وحداثة وقرامطة وغيرهم بمظهرهم المخزي لكي لايغتر بهم عوام المسلمين؛ وإظهار أهل السنة وأصحاب العقيدة السليمة بمظهرهم اللائق بهم.. ولهذا فإنه يجوز لك الكذب والشهادة وتغليظ اليمين لنصرة الدين الإسلامي ونهجه القويم ونصرة أخيك المسلم الصالح ممن يريدون به كيداً؛ وإذلال أهل البدع والضلالات والفرق الفاسدة) (1)

وما ذكره الشيخ الخضير هو ما يمارسه السلفية مع خصومهم من الأمة جميعا، فهم يكذبون عليهم، ويقولونهم ما لم يقولوا، ويكفرونهم بكل أنواع التكفير، لكنهم ـ وحرصا على سمعتهم وعلى منهجهم القويم كما يذكر الشيخ الخضير ـ ينكرون كل ذلك إذا ما كان المقام لا يسمح لذلك.

وقد أشار الشيخ الفوازان إلى هذا، فقد سئل هذا السؤال: (انتشر اليوم بين الشباب أنه يلزم الموازنة في النقد فيقولون: إذا انتقدت فلانا من الناس في بدعته وبينت أخطاءه يلزمك أن تذكر محاسنه، وهذا من باب الانصاف والموازنة، فهل هذا المنهج في النقد صحيح؟ وهل يلزمني ذكر المحاسن في حالة النقد؟)

فأجاب: (إذا كان المنتقد من أهل السنة والجماعة وأخطاؤه في الامور التي لاتخل بالعقيدة، فنعم، هذا تذكر ميزاته وحسناته، تُغمر زلاّته في نصرته للسنة. أما إذا كان المنتقد من أهل الضلال ومن أهل الانحراف ومن أهل المبادئ الهدامة والمشبوهة، فهذا لايجوز لنا أن نذكر حسناته - اذا كان له حسنات - لأننا إذا ذكرناها فإن هذا يغرر بالناس فيحسنون الظن بهذا الضال أو هذا المبتدع أو هذا الخرافي أو الحزبي، فيقبلون أفكار هذا الضال أو هذا

__________

(1) نقلا عن مقال بعنوان: متى يخلع شيوخ السعودية سراويلهم الغربية - شبكة المنطقة.

كلكم كفرة (11)

المبتدع أو ذاك المتحزب. والله جل وعلا ردّ على الكفرة والمجرمين والمنافقين ولم يذكر شيئا من حسناتهم، وكذلك أئمة السلف يردون على الجهمية والمعتزلة وعلى أهل الضلال ولايذكرون شيئا من حسناتهم. لأن حسناتهم مرجوحة بالضلال والكفر والالحاد والنفاق. فلا يناسب انك ترد على ضال، مبتدع، منحرف، وتذكر حسناته وتقول هو رجل طيب عنده حسنات وعنده كذا، لكنه غلط.. نقول لك: ثناؤك عليه أشد من ضلاله، لأن الناس يثقون بثنائك عليه، فإذا روجت لهذا الضال المبتدع ومدحته فقد غررت بالناس وهذا فتح باب لقبول أفكار المضللين) (1)

وهكذا نرى السلفية يمارسون كل أنواع الحيل والأكاذيب والخدع مع خصومهم، ويعتبرون ذلك مشروعا، لأن قيام المنهج السلفي عندهم، وسيطرته على مفاصل الأمة هو الهدف الذي تسترخص في سبيله كل وسيلة.

وهكذا أيضا يخادعون حين يجادلون عن أنفسهم بأنهم لا يكفرون، مع أن كل دواوينهم التي يقدسونها تمتلئ بالتكفير، بل هي أكبر مخزن للتكفير في العالم أجمع.

وكمثال على ذلك الاحتيال والخداع السلفي الموقف من الأشاعرة، والذين يشكلون أكبر طائفة في الأمة على مدار التاريخ، حيث تبنى مذهبهم العقدي أكثر الشافعية والمالكية والحنابلة، فإننا لو طبقنا مقولات سلف السلفية في الرمي بالتجهم والتعطيل كل من أنكر العلو، أو عطل الصفات ـ كما يفهمها السلفية ـ فإن الحكم المرتبط بهم هو التكفير، لكنهم وبحكم كثرة الأشاعرة، وكون السلطة الزمنية كانت للحكام الذين يوالونهم في فترات مختلفة من التاريخ تذبذت مواقف السلفية التصريحية لا الحقيقية، فلهذا إن ووجهوا بأنهم يكفرون الأشاعرة أخرجوا بعض الفتاوى التي تبرئهم من ذلك، من أمثال قول ابن باز: (الأشاعرة من أهل السنة في غالب الأمور، ولكنهم ليسوا منهم في تأويل الصفات، وليسوا

__________

(1) الأجوبة المفيدة في أسئلة المناهج الجديدة، 1/ 24.

كلكم كفرة (12)

بكفار، بل فيهم الأئمة والعلماء والأخيار، ولكنهم غلطوا في تأويل بعض الصفات، فهم خالفوا أهل السنة في مسائل؛ منها تأويل غالب الصفات، وقد أخطأوا في تأويلها، والذي عليه أهل السنة والجماعة إمرار آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت من غير تأويل ولا تعطيل ولا تحريف ولا تشبيه) (1)

لكنهم يخفون فتاوى كثيرة لابن باز نفسه تكفر كل من يقول بقول الأشاعرة في الجهة وغيرها، ومن أمثلة ذلك فتوى اللجنة الدائمة في السعودية برئاسة الشيخ ابن باز نفسه عن سؤال قال صاحبه: (في هذه القرية مسجد مبسط ويجتمع فيه حوالى خمسمائه من المسلمين، ولكن للأسف فإن إمام هذا المسجد يعتقد عقيدة فاسدة وحلولية، يعتقد أن الله في كل مكان. وهناك كثير من الخرافات والبدع تقام بهذا المسجد غلبتني نفسي حتى تناقشت مع إمام هذا المسجد وطرحت عليه الأدلة والبراهين بأن الله في السماء مستو على عرشه وفي هذا إذ لانكيف ولانمثل.. وكذلك ذكرت له ليلة الإسراء والمعراج وذكرت له حديث الجارية، وكذلك {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر: 10] ولم يقتنع بل ظل في عتوه وعقيدته هذه وبالعلم أن هناك مسجد آخر في هذه القرية ويحمل نفس الخرافات والبدع، حتى الآن لم أطرح سؤالي، وسؤالي هو، هل يجوز لي أن أصلي خلف هذا الإمام أم لا ومع أني أحب أن أصلي صلاة الجماعة؟)

فمع كون هذه العقيدة هي عقيدة كل المسلمين ـ بمن فيهم الأشاعرة ـ ما عدا السلفية، إلا أن أكبر هيئة سلفية للفتوى، وتحت رئاسة الشيخ ابن باز نفسه، أجابت عن ذلك بقولها: (إنهم كفار، ولا تجوز الصلاة خلفهم ولا تصح) (2)

وهنا نتساءل أيهما نقبل: هل تلك الفتوى الدبلوماسية التي ذكرها ابن باز أو ابن

__________

(1) مجموع فتاوى ابن باز، (28/ 256)

(2) فتاوى اللجنة الدائمة (7/ 365)

كلكم كفرة (13)

عثيمين أو الفوزان، أو غيرهما، حتى ينفوا عن أنفسهم ما يصفهم به خصومهم من التكفير، أم مثل هذه الفتاوى التي تصرح بتكفيرهم، بل تجعل الصلاة خلفهم باطلة، مع أنهم يجوزون الصلاة خلف كل بر وفاجر.

ومن الحيل التي يستعملها السلفية في هذا الباب ما يسمونه عدم تكفير المعين.. ويقصدون بذلك أنهم لا يطلقون على أحد لقب الكفر، ولكن يصفون أعماله أو مواقفه بالكفر، فيقولون مثلا: نحن لا نكفر الأشاعرة ولا الماتريدية.. ولكن نكفر من ينكر الجهة، أو يقول بأن الحرف والصوت في القرآن الكريم مخلوق، أو يقول بتأويل الصفات.. وهم يعلمون كما يعلم الناس جميعا أن هذه المقولات هي مقولات الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وغيرهم، بل كل الأمة، وهم يكفرونهم بذلك، لكن مع عدم ذكر الاسم فقط.. وهي لا تغني في منطق العقل شيئا، لأن المهم هو المسمى لا الاسم..

وهكذا نجدهم يذكرون في بعض المحال ما يسمونه العذر بالجهل.. مع أنهم لا يؤمنون بذلك، بل يذكرونه فقط من باب رفع العتب عنهم عندما يوصمون بالتكفير، وهم يرفعون هذا العذر عن كل جهة يريدون إعلان الحرب عليها، والحرب تبدأ عندهم بالتكفير.

ولهذا عندما احتاج الشيخ محمد بن عبد الوهاب وذريته وأتباعه إلى إعلان الحرب على عامة المسلمين، رد على هذه الشبهة، واستعمل التكفير المطلق، وحكم على عامة المسلمين بالشرك، وقد ذكر الشيخ علي بن خضير الخضير في كتابه [المُتَمِمَة لكلام أئمة الدعوة في مسألة الجهل في الشرك الأكبر] الكتابات الكثيرة التي ألفها أئمة الدعوة النجدية في الرد على تلك الشبهة، وإثبات أن كل من وقع ـ في نظرهم ـ في الشرك الأكبر مشرك عاميا كان أو عالما، فقال: (لم تظهر هذه الشبهة قبل عصر ابن تيمية، لأن كل من ادعى العذر فإن أقدم ما يستدل به من الأقوال كلام ابن تيمية أنه يعذر، ثم ظهرت هذه الشبهة في عصر

كلكم كفرة (14)

الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وظهرت هذه الشبهة في زمن الشيخ محمد بن عبد الوهاب على محورين: 1 ـ أناس ضلال أثاروها فرد عليهم في مفيد المستفيد، 2 ـ أخف لأنها ظهرت في أناس من باب الاشتباه وكانوا يطلبون الحق، أمثال بعض طلابه في الدرعية، وفي الاحساء ثم خمدت فيما بعد، ثم ظهرت في الجيل الثاني في زمن الحفيد عبد الرحمن بن حسن، تبناها داود بن جرجيس وعثمان بن منصور فتصدى لها الشيخ عبد الرحمن وساعده ابنه عبد اللطيف في مصنفات معروفة، وساعدهم أيضا الشيخ ابابطين، ثم ظهرت في الجيل الثالث فتصدى لها الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن والشيخ ابن سحمان في مصنفات وفتاوى وساعد على ذلك أبناء الشيخ عبد اللطيف وهما عبد الله وإبراهيم، ولازالت موجودة وتتجدد كل عصر، وهناك في العصر الحاضر من أظهر أن مسألة العذر بالجهل في الشرك الاكبر فيها خلاف، ثم يحكي الخلاف على قولين، وهذا موجود في بعض الكتب والمذكرات المعاصرة، مع أنه إذا ذكر الخلاف لاينسبه إلى أحد، وإنما ينسبه نسبة مطلقة، ومنشأ هذا الفهم هو ظنهم أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب له قولان في المسألة حيث نظروا إلى بعض نصوص الشيخ محمد ففهموا منها العذر بالجهل، وهومبني على توهم وظن وفهم خاطئ، وهذا سوف نتكلم عليه إن شاء الله في فصول لاحقة ونجيب فيها عمن فهم هذه النصوص على غير المراد ونذكر الفهم الصحيح لذلك) (1)

وشبه الشيخ علي بن خضير الخضير هذه المسألة بمسألة تكفير الجهمية. وهم يقصدون به كما ذكرنا في محال مختلفة جميع منزهة الأمة من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة وغيرهم ـ فقال: (وهذه مثل مسألة من قال إن تكفير الجهمية فيه خلاف على قولين ثم يحكي الخلاف ولا ينسبه إلى أحد إنما هو ظن خاطئ مبني على فهم خاطئ لبعض كلام ابن تيمية.. وهذا القائل لم يفرق بين استخدامات ابن تيمية لمسمى الجهمية، فإنه يختلف حسب السياق،

__________

(1) المُتَمِمَة لكلام أئمة الدعوة، ص 3.

كلكم كفرة (15)

وهذه ظهرت في عصر الشيخ سليمان بن سحمان فرد عليهم أن المسالة وفاقية في تكفير الجهمية وليس فيها خلاف كما في كتابه رفع الالتباس وكتاب كشف الشبهتين) (1)

بناء على هذا نرى السلفية في مواقفهم من غيرهم يستعملون أسلوبين:

الأول: وضع قوانين التكفير، أو ما يسمونه نواقض الإيمان، ويعتبرون كل من اتصف بها كافرا أو مشركا أو مرتدا، ثم يرتبون على ذلك الأحكام العملية المختلفة ابتداء من حرمة الصلاة خلفه إلى قتله، وهذا ما نسميه في كتابنا هذا بـ[التكفير المطلق]، وهم يتفقون في هذا سلفهم وخلفهم، بل يعتبرون منكر التكفير كافرا.

الثاني: تطبيق تلك القوانين والنواقض على آحاد الفرق والمذاهب، أو ما يسمونه [تكفير المعين]، وهنا يقع الخلاف بينهم على مدرستين أو منهجين، منهج يرى وجوب تسمية الأشياء بأسمائها، ومنهج يرى الأخذ بالتقية، مراعاة للأحوال المختلفة، فلذلك يطبق قوانين التكفير في كل مرحلة بحسب ما تدعو إليه الحاجة، حتى لا تجتمع السلفية على حرب الأمة جميعا في وقت واحد، فلهذا يعلنون الحرب مرة على الصوفية، ومرة على الحركات الإسلامية، ومرة على الشيعة وهكذا.

وهم في كل مرة يخرجون من خزائن سلفهم التكفيرية، ما يطبقونه على حسب كل حالة، ولهذا نراهم في الفترة الأخيرة يعلنون حربهم على الشيعة، وفي فترة سابقة أعلنوها على الصوفية.. ولو أن مشكلة حصلت بينهم أو بين أولياء أمورهم، والإباضية، فإنهم سيتوجهون جميعا وبكل قواهم لإعلان الحرب عليهم، واعتبارهم شرا من اليهود والنصارى.

ولأهمية بيان هذه المناهج لفهم الخدع السلفية في هذا الباب، فسنشرح ذلك باختصار، ليتضح ما سنذكره عن كل مدرسة وتكفير السلفية لها:

__________

(1) المُتَمِمَة لكلام أئمة الدعوة، ص 4.

كلكم كفرة (16)

أولا ـ المنهج التكفيري الصريح

وهو يعتمد على التصريح المباشر بالتكفير، وعلى تسمة الأشياء بأسمائها، وأول من مثل هذا المنهج سلف السلفية الأوائل، ومن تبعهم من أصحاب المصنفات الأولى، والتي تمثل عند السلفية المصدر الأول لما يسمونه [الإسلام العتيق]، والذي لا يكون سلفيا حقيقيا إلا من سلم له وآمن به، واعتقد بما فيه.. والذي نقله بعد ذلك ابن تيمية في كتبه ونظر له.. ونقله في مرحلة تالية الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه، وعلى أساسه قاموا بحروبهم على الأمة بجميع مذاهبها.

ويمثل هذا المنهج في كل عصر من العصور جماعة متشددة من السلفية تتفق في كل شيء مع الجماعات الأخرى إلا أنها تختلف عنها فقط في عدم مراعاتها للتقية، وهذا ما جعلها تسبب حرجا كبيرا للجماعات السلفية التي تتقن التقية.

ثانيا ـ المنهج التكفيري الخفي

وهي التي تمارس التكفير على ضوء الحاجة التي يتطلبها الواقع، لا على ما تنص عليه المعتقدات نفسها، فهي تتفق مع المنهج الأول في كل شيء، وتختلف عنه فقط في استعمال التكفير أو الإعلان به..

فلهذا إن بدا لها أن تعلن الحرب على الصوفية أخرجت ميراثها الكثير من فتاوى السلف والخلف في تكفير الصوفية بطرقها جميعا، وتضليلهم واعتبارهم أكفر من اليهود والنصارى.. لكن إن رأت المصلحة أو كان الواقع السياسي لا يسمح بذلك، فإنها تكف عنهم شرها، بل تعتبرهم من أهل السنة قصد المكاثرة على الأعداء.

وكمثال بسيط على ذلك أن الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي هو مرجع السلفية الحديثة، يصرح في كل كتبه كما يصرح جميع تلاميذه بتكفير الصوفية وعوام المسلمين

كلكم كفرة (17)

والحكم بكونهم مشركين شركا جليا، لكنهم في الوقت الحالي، وبسبب انشغالهم بالحرب مع الشيعة، نجدهم يوقفون كل تلك الحملة، التي تفرغ لها سلفهم، وقتلوا بها آلاف الناس، ليعتبروا العدو الأكبر هم الرافضة، وأن قضية الصحابة هي أكبر قضية في الدين.. مع أنهم لم يكونوا يهتمون بذلك كثيرا في الوقت الذي كانت علاقتهم فيه بمن يسمونهم الرافضة علاقة طيبة.

وهكذا نجد أصحاب هذا المنهج يمارسون كل أنواع الحيلة والخداع في إظهار التكفير أو الإسرار به، فإذا ما دعت الحاجة إلى ذلك أخرجوه، وإذا ما دعت إلى ضده كتموه..

ويمثل هذا المنهج ابن تيمية باعتبار الظروف الشديدة التي عاشها، والتي جعلته يضطر لممارسة أنواع من التقية في التكفير، والتي أقر أصحابه أنفسهم أن ابن تيمية لم يمارس ذلك التمييع مع المبتدعة أو الإرجاء إلا بسببها.

ويمثل هذا المنهج خصوصا كل من له علاقة بالدولة كهيئة كبار العلماء، ونحوهم، والتي تصدر البيانات، أو الفتاوى بحسب ما تتطلبه حاجة السلطان، فإن قضى أمر السلطان باعتبار القاعدة خوارج وكلاب أهل النار.. سموهم كذلك.. وأصدروا الفتاوى التحذرية منهم.. وإن رأى الحاكم أن من مصلحتهم استخدام هؤلاء المسلحين، أصدرت تلك الهيئات الفتاوى باعتبارهم مجاهدين، بل دعت إلى النفير العام الذي تزود به تلك الجماعات، لأنها أصلا لم تولد إلا من رحم تلك الفتاوى.

وقد ذكر الشيخ حسن بن فرحان المالكي العوامل السياسية، وتأثيرها في هذا المنهج، فقال: (العلماء من أواخر عهد ابن باز.. بدأت مرحلة جديدة فيه ملامح مذهب جديد في العقيدة، يقوم هذا المذهب على التلفيق بين أمرين.. الأول: العقائد الوهابية والتيمية من جهة الوصية بمصادرها والتشدد من نقدها.. الثاني: التسامح والاعتدال في المسائل السياسية فقط!... كالإمساك عن تكفير الدول الإسلامية وعن تكفير الحاكم بالقوانين

كلكم كفرة (18)

الوضعية وفي جواز الصلح مع اليهود... والتنصل من تأييد الحركات الإسلامية المحلية خاصة مع أنها ترجمة للعقائد الوهابية) (1)

بناء على هذا نرى أصحاب المنهج التكفيري الصريح يتشددون على أصحاب هذا المنهج، ويذكرون جهلهم بالمنهج السلفي، وبأقوال السلف، وبممارستهم التقية حفاظا على مصالحهم.

ومن الأمثلة على ذلك قول خالد بن علي المرضي الغامدي في رسالته في تكفير الأشاعرة: (سينكر علينا بعض الجهال بحقيقة الدين ومناطات التكفير من الذين اتبعوا الهوى، فأسلموا عقولهم للتقليد وتقديس الرجال وتقديم أقوالهم على الأدلة تكفيرنا للأشاعرة، وسيظنون أنه اجتهاد منا، مع أن السلف لم يخالف منهم أحد في تكفير منكر العلو بعينه والذي تتبجح به الأشاعرة، ومن زعم وجود خلاف فليأت بنقل واحد من كلام السلف يخالف ما قررناه، وإذا كان السيوطي الذي جمع بين التجهم ونفي علو الله تعالى وبين الاستغاثة بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم ودعاء الأموات ونسبة التصرف في الكون للأبدال والأولياء أنكروا علينا تكفيره فلا تعجب يا أخا التوحيد أن ينكروا علينا تكفير الأشعرية فلقد أنكروا علينا قبله تكفير الرافضة) (2)

ثم ذكر بعض هؤلاء، وبين أن عذرهم في ذلك هو عدم قراءتهم للتراث السلفي أو عدم فهمهم له، أو حرصهم على مناصبهم، وعلى عدم اتهامهم بالتكفير، فقال: (وإن من هؤلاء المنكرين عبد العزيز آل عبد اللطيف، وإني لأعجب منه ومن أمثاله الذين اتخذوا التوحيد والدعوة الوهابية ستارا وشعارا، فتراهم يقرؤون في كتب التوحيد لكن دون فهمها والاستفادة منها، وعلمهم بها لا يتعدى حدود أسطر وصفحات الكتب دون الخروج به

__________

(1) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 33.

(2) تكفير الأشاعرة، ص 12.

كلكم كفرة (19)

عملا في واقع حياتهم، فشروط التوحيد والكفر بالطاغوت ونواقض الإسلام قد يحفظونها لكن لا يعملون بمعانيها ومقتضاها ولا يطبقونها في واقع حياتهم خوفا من أن تصيبهم دائرة وطلبا للعزة والشهرة والمال والمنصب والشرف عند أعداء الله، فهذا الرجل ـ أعني ابن عبد اللطيف ـ أخرج كتابا عن دعاوى المناؤين لدعوة التوحيد لكن هو من المناؤين لها في الحقيقة، وكأنه لا يعلم أن من دعا إلى الشرك أنه يكفر كائنا من كان) (1)

بناء على هذا، فسنحاول في كتابنا هذا أن نذكر تكفير السلفية للأمة جميعا، إما تكفيرا مطلقا، أو تكفيرا معينا، وقد قسمنا هذه الدارسة إلى سبعة فصول، هي:

1. السلفية.. وتكفير المدارس العقدية

2. السلفية.. وتكفير المدارس الفقهية

3. السلفية.. وتكفير المدارس الصوفية

4. السلفية.. وتكفير المدارس الحركية

5. السلفية.. وتكفير المدارس الشيعية

6. السلفية.. وتكفير المدرسة الإباضية

7. السلفية.. وتكفير المدارس السلفية

ونحب أن ننبه هنا ـ كما نبهنا مرات كثيرة في هذه السلسلة وغيرها ـ أننا لا نكفر هؤلاء المكفرة، ولا نتعامل معهم بمثل ما يتعاملون به مع غيرهم، بل نكل أمرهم إلى الله تعالى، فمسؤولية المؤمن هو النصح والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أما الحكم على الناس، فهذا لله تعالى أولا وآخرا، وإن كنا نعلم أن جرائمهم في حق هذه الأمة، بل في حق الإنسانية جميعا أضعاف جريمة الكفر.. فالكفر والإيمان مسألة شخصية.. لكن تشويه الدين، وتكفير الناس، وقتلهم جريمة متعدية.

__________

(1) تكفير الأشاعرة، ص 12.

كلكم كفرة (20)

السلفية.. وتكفير المدارس العقدية

لا ينظر السلفية إلى العقيدة الإسلامية باعتبارها المجال الذي من خلاله تتم معرفة حقائق الوجود كما هي في الواقع فقط، وإنما ينظرون إليها قبل ذلك وبعده كأهم وسيلة ترضي نزوة العداء التي تمتلئ بها نفوسهم، أو انتقلت لهم من أسلافهم.

ولذلك نجدهم في كتبهم المسندة التي تأسست علىها عقيدتهم، لا يذكرون قضية من القضايا العقدية، حتى لو كانت بسيطة جدا، بل حتى لو كانت مجرد اجتهاد اجتهده بعض سلفهم المعصومين، إلا ويعقبون عليها بأن منكر هذه العقيدة جهمي معطل زنديق كافر.

وبناء على هذا وضع خلفهم ومتأخروهم ما يسمونه نواقض الإيمان، والتي تشمل الكثير من الأصول والفروع التي خالفهم فيها سائر المسلمين، والتي لو طبقت فإنها ستشمل الأمة جميعا.

ومع كون تلك النواقض من الوضوح بحيث لا تحتاج إلى فتاوى عينية تتعلق بكل طائفة أو مدرسة على حدة، إلا أننا مع ذلك نجد الفتاوى والكتب الكثيرة التي تكفر كل طائفة على حدة، وهو ما يسمونه التكفير العيني.

وبناء على هذا سنحاول في هذا الفصل أن نذكر كلا التكفيرين، وشمولهما لجميع المدارس العقدية، ما عدا المدرسة السلفية، أو المدارس التي لم يبق لها وجود بسبب انصهارها في السلفية كالكرامية والمقاتلية وغيرها من الفرق المشبهة والمجسمة.

وإن كنا من باب المنطق العلمي لا نحتاج إلى ذكر التكفير العيني لأي مدرسة، ما دام يشملها التكفير المطلق، ذلك أن من قال: [كل منتم للجامعة طالبا كان أو أستاذا يحق له الاستفادة من مكتبة الجامعة]، فإن ذلك لا يحتاج إلى تعليق إعلانات أخرى تخص كل

كلكم كفرة (21)

كلية أو قسم أو شخص على حدة.

وهكذا يفعل السلفية في التكفير المطلق، فهم يضعون مقدمة كلية عامة تنص على أن كل من قال بأن الله ليس في جهة، أوذكر بأنه لم يتكلم بحرف وصوت، أو اعتقد أنه ليس له يدان وساق، كافر معطل جهمي.. وعند تطبيق هذه المقولة على المدارس الإسلامية نجدهم جميعا ينصون عليها.. فهم ينزهون الله عن الجهة والحرف والصوت والأعضاء وغير ذلك مما يعتبره السلفية صفات الله تعالى.

والنتيجة الطبيعية لهاتين المقدمتين: هو أن كل مدرسة تقول بذلك كافرة ومعطلة بناء على المعتقدات السلفية.. لأن ذلك يشبه تماما ذلك المثال المنطقي المعروف: كل إنسان فان، وسقراط إنسان، إذن سقراط فان.

لكن السلفية نتيجة بغضهم للمنطق، ونقضهم له كما يتصورون، يقعون ـ عمدا أو جهلا ـ في الكذب على أنفسهم، والكذب على الناس، فإذا قيل لهم: أنتم تكفرون الأشاعرة مثلا.. يقولون: نحن لا نكفرهم.. فيقال لهم: فأنتم تكفرون كل من ينكر الجهة؟.. فيقولون: أجل.. فيقال لهم: وهل الأشاعرة يقولون بالجهة؟.. فيقولون: لا.. فيقال لهم: فهم كفار إذن بحسب مقدمتكم الكبرى.. فيقولون: لا.. نحن لم نقل ذلك.

وللأسف فإن هذه المغالطات التي يضحك بها السلفيون على عقولهم وعقول البسطاء من أمثالهم جعلتنا لا نكتفي بذكر تكفيراتهم المطلقة، وإنما نضيف إليها تكفيراهم العينية التي شملت مدارس الأمة جميعا، لنلزمهم بما ألزموا به أنفسهم.

أولا ـ التكفير المطلق

يضع السلفية ـ كما ذكرنا ـ الكثير من نواقض الإيمان التي تجعل من يقع فيها كافرا أو مشركا أو جهميا أو معطلا، وغيرها من التسميات التي يراد منها الكفر الجلي المخرج من

كلكم كفرة (22)

الملة، وهم يركزون كل جهودهم التكفيرية على المسائل الخلافية، فلم أر مع كثرة مطالعتي لمصادرهم أي كلام تكفيري يرتبط بأسماء الله الحسنى، أو الحقائق العقدية الضرورية، باعتبار كل المدارس الإسلامية تؤمن بذلك، وهم لا يهتمون بإيمان الأمة، وإنما يهتمون بإيمان الطائفة.. ولذلك احتقروا وتساهلوا فيما يسمونه توحيد الربوبية، وعظموا ما يسمونه توحيد الألوهية والأسماء والصفات، باعتبارها المداخل الكبرى للحكم على الأمة بالشرك والكفر.

بناء على هذا فسأكتفي هنا بثلاث قضايا كبرى تم بموجبها تكفير كل المدارس العقدية التنزيهية للأمة: أولها، ما يسميه السلفية العلو، أو الجهة، أو المكان، والثاني: تعطيل الصفات، والثالث: القول بخلق القرآن.

فكتب السلفية جميعا التي يعتبرونها مصادرهم العقدية، تمتلئ بتكفير كل من يخالفهم في هذه المسائل الثلاث، كما سنرى.

وقد أشار ابن تيمية إلى هذا عندما ذكر موضع النزاع بين أهل الحديث، وبين سائر المتكلمين، فقال: (.. إن أمهاتِ المسائل التى خالف فيها متأخرو المتكلمين ممن ينتحل مذهب مذهب الأشعرى لأهل الحديث ثلاثُ مسائل: وصفُ الله بالعلو على العرش، ومسألة القرآن، ومسألة تأويل الصفات) (1)

وسنتحدث هنا عن هذه القضايا بحسب الترتيب الذي ذكره ابن تيمية.

1 ـ نفي الجهة والمكان

يعتبر السلفية تحديد [جهة الله] من أعظم المسائل العقدية، ولهذا يقومون بامتحان الناس على أساسها، فمن أثبت الجهة اعتبروه مؤمنا وموحدا وسنيا وسلفيا، ومن خالفهم فيها اعتبروه جهميا ومعطلا وكافرا وملحدا.

__________

(1) مجموع الفتاوى، 6/ 354.

كلكم كفرة (23)

بل قد نقلوا إجماع الأمة على ذلك، وهو يدل على أنهم لا يعتبرون الأمة غيرهم.. فمن عداهم من الأمة من المتكلمين والصوفية وغيرهم من المنزهة لا يعتبرونهم ـ بسبب عدم قولهم بالجهة ـ من هذه الأمة، فضلا عن اعتبارهم من أهل السنة.

يقول أحد متقدميهم، وهو قتيبة بن سعيد (150 - 240 هـ): (هذا قول الائمة في الإسلام والسنة والجماعة: نعرف ربنا في السماء السابعة على عرشه، كما قال جل جلاله: الرحمن على العرش استوى)، وقد علق عليه الذهبي بقوله: (فهذا قتيبة في إمامته وصدقه قد نقل الإجماع على المسألة، وقد لقي مالكا والليث وحماد بن زيد، والكبار وعمر دهرا وازدحم الحفاظ على بابه) (1)

وقال ابن بطة العكبري (304 - 387 هـ) في كتابه المشهور [الإبانة عن شريعة الفرقة والناجية]: (باب الإيمان بأن الله على عرشه بائن من خلقه وعلمه محيط بخلقه: أجمع المسلمون من الصحابة والتابعين وجميع أهل العلم من المؤمنين أن الله تبارك وتعالى على عرشه فوق سمواته بائن من خلقه وعلمه محيط بجميع خلقه، ولا يأبى ذلك ولا ينكره إلا من انتحل مذاهب الحلولية وهم قوم زاغت قلوبهم واستهوتهم الشياطين فمرقوا من الدين وقالوا: إن الله ذاته لا يخلو منه مكان) (2)

وهكذا فإنهم يعتبرون كل من يخالفهم في هذا حلوليا زائغا مارقا من الدين، حتى لو كان يستند في هذا إلى ما نص عليه القرآن الكريم من استحالة الجهة والمكان لله كما قال تعالى: {مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوَى ثَلَاثَةٍ إِلَّا هُوَ رَابِعُهُمْ وَلَا خَمْسَةٍ إِلَّا هُوَ سَادِسُهُمْ وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا ثُمَّ يُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [المجادلة: 7]، وقال: {وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ

__________

(1) مختصر العلو، ص 187.

(2) الإبانة، 3/ 136.

كلكم كفرة (24)

أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ} [ق 16]، وغيرها من الآيات الكريمة.

وقد ذكر ابن عبد البر (ت 463 هـ) وهو من أئمة السلفية المعتبرين في العقائد مخالفة الأمة جميعا لهم في هذا، فقال ـ بعد ذكر حديث النزول: (وفيه دليل على أن الله عز وجل في السماء على عرشه من فوق سبع سموات كما قالت الجماعة وهو من حجتهم على المعتزلة والجهمية في قولهم إن الله عز وجل في كل مكان وليس على العرش) (1)، وقال: (أهل السنة مجمعون على الإقرار بالصفات الواردة كلها في القرآن والسنة، والإيمان بها وحملها على الحقيقة لا على المجاز، إلا انهم لا يكيفون شيئا من ذلك ولا يحدون فيه صفة محصورة وأما أهل البدع والجهمية والمعتزلة كلها والخوارج فكلهم ينكرها ولا يحمل شيئا منها على الحقيقة، ويزعمون أن من أقر بها مشبه، وهم عند من أثبتها نافون للمعبود، والحق فيما قاله القائلون بما نطق به كتاب الله وسنة رسوله وهم أئمة الجماعة والحمد لله) (2)

وهم لا يكتفون بنقل الإجماع على المسألة، وعدم اعتبار من ورد عنه خلافها، وهم أكثر الأمة، بل يضيفون إلى ذلك ما شاءت لهم عدوانيتهم من التصريحات التكفيرية التي لا تحتمل أي مجال للتأويل.

ومن أمثلتها قول ابن خزيمة (ت 311 هـ): (من لم يقل بأن الله فوق سمواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة)، وقال: (من لم يقر بأن الله على عرشه قد استوى، فوق سبع سمواته فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئا) (3)

وقد نقل ابن تيمية الإجماع على ما قاله ابن خزيمة، حيث قال في (درء تعارض العقل

__________

(1) فتح البر بترتيب التمهيد، 2/ 7.

(2) فتح البر بترتيب التمهيد، 2/ 48.

(3) انظر: درء تعارض العقل والنقل 6/ 264.

كلكم كفرة (25)

والنقل): (وجواب هذا أن يقال القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.. ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين) (1)

وقال في (مجموع الفتاوى) كعادته في نقل إجماع أهل الملل والنحل: (وقد اجتمع أهل الأديان مع المسلمين على أن الله تعالى على العرش، وقالوا هم ليس على العرش شئ وقال محمد بن اسحاق بن خزيمة امام الأئمة من لم يقل: إن الله فوق سمواته على عرشه بائن من خلقه وجب أن يستتاب فان تاب والا ضربت عنقه ثم ألقى على مزبلة لئلا يتأذى به اهل القبلة ولا أهل الذمة...) (2)

وهكذا نجد المتأخرين من السلفية يعتبرون إنكار الجهة كفرا وحلولا مع علمهم أن كل المدارس الإسلامية العقدية تقول بذلك، قال الشيخ سليمان بن سحمان في (كشف الشبهتين): (وإذا كان أعداء الله الجهمية، وعباد القبور قد قامت عليهم الحجة، وبلغتهم الدعوة، منذ أعصار متطاولة، لا ينكر هذا إلا مكابر، فكيف يزعم هؤلاء الجهلة أنه لا يقال لأحدهم: يا كافر، ويا مشرك، ويا فاسق، ويا متعور، ويا جهمي، ويا مبتدع وقد قام به الوصف الذي صار به كافراً، أو مشركاً، أو فاسقاً، أو مبتدعاً وقد بلغته الحجة، وقامت عليه، مع أن الذي صدر من القبورية الجهمية هؤلاء لم يكن من المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على الإنسان فَيُتَوقَّف في حال أحدهم، لكن قد علم بالضرورة من دين الإسلام أن من جحد علوا الله على خلقه، وأنكر صفاته ونعوت جلاله أنه كافر معطل لا يشك في ذلك مسلم، فكيف يظن بالإخوان أنهم يقولون للمسلم يا سني: يا جهمي، وليس كذلك، أو يا

__________

(1) درء تعارض العقل والنقل، (7/ 27)

(2) مجموع الفتاوى، (5/ 138)

كلكم كفرة (26)

كافر أو يا مبتدع) (1)

وقال: (وإذا أنكر هذا الصنف علو الله على خلقه فهم كفار، لأن الله تعالى في أعلى عليين، وأنه يدعى من أعلى لا من أسفل، ومن زعم أن الاستواء بمعنى الاستيلاء أو القدرة على الأشياء كما تقوله الجهمية فقد جحد علو الله على خلقه، لأن الله مستول على الأشياء كلها وقادر عليها فلو كان مستويا على العرش بمعنى الاستيلاء وهو عز وجل مستول على الأشياء كلها لكان مستويا على العرش وعلى الأرض وعلى السماء وعلى الحشوش والأقذار لأنه قادر على الأشياء مستول عليه، وإذا كان قادرا على الأشياء كلها ولم يجز عند أحد من المسلمين أن يقولوا إن الله مستو على الحشوش والأخلية لم يجز أن يكون الاستواء على العرش الاستيلاء الذي هو عام في الأشياء كلها ووجب أن يكون معنى الاستواء يختص العرش دون الأشياء كلها وقد كان من المعلوم بالضرورة أن الاستواء هو العلو والارتفاع على العرش وعلى جميع المخلوقات فمن زعم أن الاستواء بمعنى الاستيلاء أو غير ذلك من تفاسير الجهمية فقد جحد علو الله على خلقه واستواءه على عرشه ولا ينفعه الإقرار بلفظ الاستواء على العرش مع جحود معناه وصرفه عن ظاهره وما يليق به إلى ما لا يليق به، فإذا تبين لك هذا علمت أن هذا الصنف هم جهال المقلدين للجهمية وأنه لا خلاف في تكفيرهم) (2)

وقال: (إذا عرفت هذا فمسألة علو الله على خلقه من المسائل الجلية الظاهرة ومما علم بالضرورة فإن الله قد وضحها في كتابه وعلى لسان رسوله وهي مما فطر الله عليها جميع خلقه إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته واتبع هواه وأخلد إلى الأرض وكلام شيخ الإسلام إنما يعرفه ويدريه من مارس كلامه وعرف أصوله فإنه قد صرح في غير موضع أن

__________

(1) كشف الشبهتين ص: 31.

(2) تمييز الحق والمين، ص 139 وما بعدها.

كلكم كفرة (27)

الخطأ والجهل قد يغفرا لمن لم يبلغه الشرع ولم تقم عليه الحجة في مسائل مخصوصة إذ اتقى الله ما استطاع واجتهد بحسب طاقته وأين التقوى وأين الاجتهاد الذي يدعيه عباد القبور والداعون للموتى والغائبين والمعطلون للصانع عن علوه على خلقه واستواءه على عرشه ونفى أسماءه وصفات كماله ونعوت جلاله والقرآن يتلى في المساجد والمدارس والبيوت ونصوص السنة النبوية مجموعة مدونة معلومة الصحة والثبوت) (1)

وهذه النصوص وحدها كافية في الدلالة على تكفير السلفية لمخالفيهم من جميع الأمة الإسلامية من أشاعرة وماتريدية ومعتزلة فضلا عن الشيعة والإباضية وغيرهم.. لأن هؤلاء جميعا يقولون بنفي الجهة عن الله تعالى.

2 ـ القول بخلق القرآن

يعتبر السلفية القول بخلق القرآن من أخطر المسائل العقدية، ولهذا يوظفونه توظيفا خطيرا في تكفير من عداهم من الأمة، حتى المتوقفون منهم الذي يكتفون باعتبار القرآن الكريم كلام الله من غير إضافة الخلق أو عدمه.

بل إن السلفية يشترطون في الإيمان أن يعتقد المؤمن عندهم أن القرآن كلام الله تكلم به بفمه الذي هو صفة ذاته.. كما قال قال أبو يعلى: (اعلم أنه غير ممتنع إطلاق الفي عليه سبحانه، كما لم يمتنع إطلاق اليد والوجه والعين، وقد نص أحمد على ذلك في رسالة أبي العباس أحمد بن جعفر الفارسي: فقال: كلم الله موسى تكليما من فيه) (2).. ورووا عن بعض سلفهم في ذلك أنه سئل: (كيف كلم الله عز وجل موسى عليه السلام؟ قال: مشافهة) (3)، ورووا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أنه قال: (كأن الخلق لم يسمعوا القرآن حين سمعوه من فيه يوم

__________

(1) تمييز الحق والمين، ص 144.

(2) إبطال التأويلات، ص: 387.

(3) الطبري في التفسير، 6/ 29.

كلكم كفرة (28)

القيامة) (1)

وروى الإمام أحمد في كتابه (الرد على الجهمية والزنادقة) في [باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى] من حديث الزهري قوله: (لما سمع موسى كلام ربه قال: يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك؟ قال: نعم يا موسى هو كلامي، إنما كلمتك بقوة عشر آلاف لسان، ولي قوة الألسن كلها، وأنا أقوى من ذلك، وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك، ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت.. قال: فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له: صف لنا كلام ربك؟ قال: سبحان الله وهل أستطيع أن أصفه لكم. قالوا: فشبِّهه؟ قال: هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله) (2)

وقال أبو الفضل التميمي في اعتقاد الإمام أحمد –وهو الذي يعتمد عليه الأشعريان في نقل معتقده-: (وكان يقول: إن القرآن كيف تصرف غير مخلوق، وأن الله تعالى تكلم بالصوت والحرف) (3)

وبناء على هذا، فقد وضعوا الشروط الكثيرة المرتبطة باعتبار القرآن الكريم كلام الله، وهي كلها ترجع إلى تشبيه قراءتنا للقرآن الكريم بتكلم الله به.. وكأن مخارج حروفنا والهواء الذي يصدر من أجهزتنا عندما نتكلم، والذي يحصل بسببه الكلام هو نفسه يقع لله سبحانه وتعالى عما يقولون علوا عظيما.

ولهذا نراهم يبالغون فيما يسمونه محنة خلق القرآن الكريم مبالغة عظيمة، وكأن الإسلام كاد ينهد لولا وقوف سلف السلفية كالجدار المنيع دون تلك الفتنة التي كادت تقضي على القرآن الكريم.

__________

(1) إبطال التأويلات (ص: 387)

(2) الرد على الجهمية والزنادقة (ص 132)

(3) طبقات الحنابلة (2/ 296)

كلكم كفرة (29)

أو كما عبر على ذلك بعضهم، فقال: (لولا أحمد بن حنبل وبذل نفسه لما بذلها لذهب الإسلام) (1)

أو كما يروون عن علي بن المديني قوله: (أيد اللَّه هذا الدين برجلين لا ثالث لهما أبو بكر الصديق يوم الردة وأحمد بن حنبل فِي يوم المحنة) (2)

ويروون أنه قيل لبشر بن الحارث يوم ضرب أحمد: قد وجب عليك أن تتكلم، فقال: (تريدون مني مقام الأنبياء ليس هذا عندي.. حفظ اللَّه أحمد بن حنبل من بين يديه ومن خلفه) ثم قَالَ بعد ما ضرب أحمد لقد أدخل الكير فخرج ذهبة حمراء (3).

ويروون عن الربيع بن سليمان أن الشافعي قال: (من أبغض أحمد بن حنبل فهو كافر) فقيل له: تطلق عليه اسم الكفر، فقال: (نعم من أبغض أحمد بن حنبل عاند السنة، ومن عاند السنة قصد الصحابة، ومن قصد الصحابة أبغض النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم ومن أبغض النَّبِيّ صلى الله عليه وآله وسلم كفر بالله العظيم) (4)

وهكذا أصبح أحمد بن حنبل عند السلفية بسبب هذه المسألة نبيا، يمتحن على أساسه إيمان المؤمنين، فمن أحبه كان مؤمنا، ومن أبغضه كان كافرا.

وبناء على هذا ينطلق السلفية من إمامهم أحمد بن حنبل في تكفير من يقول بخلق القرآن، أو من يتوقف في ذلك، أو من يقول بأن الحروف والأصوات مخلوقة، وهذه جميعا أقوال أصحاب المدارس الإسلامية الكبرى، كما سنرى في المبحث الثاني.

ومن الأقوال التي يروونها عن الإمام أحمد في ذلك ما رواه ابنه عبد الله قال: (سألت أبي رحمه الله عن قوم، يقولون: لما كلم الله عز وجل موسى لم يتكلم بصوت؟ فقال أبي: بلى

__________

(1) طبقات الحنابلة (1/ 13)

(2) طبقات الحنابلة (1/ 13)

(3) طبقات الحنابلة (1/ 13)

(4) طبقات الحنابلة (1/ 13)

كلكم كفرة (30)

إن ربك عز وجل تكلم بصوت هذه الأحاديث نرويها كما جاءت).. وقال أبي رحمه الله: حديث ابن مسعود: إذا تكلم الله عز وجل سمع له صوت كجر السلسلة على الصفوان، قال أبي: وهذا الجهمية تنكره.. وقال أبي: هؤلاء كفار يريدون أن يموهوا على الناس، من زعم أن الله عز وجل لم يتكلم فهو كافر، ألا إنا نروي هذه الأحاديث كما جاءت) (1)

وروى أبو بكر الخلال عن المروذي قال: (سمعت أبا عبد الله وقيل له: أن عبد الوهاب قد تكلم وقال: من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت فهو جهمي عدو الله وعدو الإسلام، فتبسم أبو عبد الله وقال: ما أحسن ما قال عافاه الله) (2)

وبناء على هذا نص كل سلف السلفية وخلفهم على كفر من يقول بخلق القرآن، يقول إمام السلفية في عصره أبو محمد الحسن بن علي البربهاري (329 هـ): (والإيمان بأن الله تبارك وتعالى هو الذي كلم موسى بن عمران يوم الطور، وموسى يسمع من الله الكلام بصوت وقع في مسامعه منه لا من غيره، فمن قال غير هذا، فقد كفر بالله العظيم) (3)

وقال حافظ بن أحمد الحكمي: (القرآن (ليس بمخلوق) كما يقول الزنادقة من الحلولية والاتحادية والجهمية والمعتزلة وغيرهم تعالى الله عن أن يكون شيء من صفاته مخلوقاً.. وقد انعقد إجماع سلف الأمة الذين قضوا بالحق وبه كانوا يعدلون على تكفير من قال بخلق القرآن وذلك لأنه لا يخلو قوله من إحدى ثلاث: إما أن يقول إنه خلقه في ذاته أو في غيره أو منفصلا مستقلا وكل الثلاث كفر صريح، لأنه إن قال خلقه في ذاته فقد جعل ذاته محلا للمخلوقات، وإن قال إنه خلقه في غيره فهو كلام ذلك الغير فيكون القرآن على

__________

(1) رواه عبد الله في السنة (1/ 280 - 281)

(2) نقله ابن تيمية في شرح الأصفهانية (64) وفي درء تعارض العقل والنقل (2/ 39) وفي الفتاوى الكبرى (5/ 165)

(3) شرح السنة (ص 90)

كلكم كفرة (31)

هذا كلام تالٍ له.. وإن قال إنه خلقه منفصلا مستقلا فهذا جحود لوجوده مطلقا إذ لا يعقل ولا يتصور كلام يقوم بدون متكلم كما لا يعقل سمع بدون سميع ولا بصر بدون بصير ولا علم بدون عالم ولا إرادة بدون مريد ولا حياة بدون حي إلى غير ذلك تعالى الله عما يقول الظالمون والجاحدون علوا كبيرا، فهذه الثلاث لا خروج لزنديق منها ولا جواب له عنها فبهت الذي كفر والله لا يهدي القوم الظالمين وقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين) (1)

بل إن سلف السلفية وخلفهم لم يكتفوا بتكفير من يقول بخلق القرآن، بل ذهبوا إلى تكفير من توقف في تكفيره..

حيث يروون عن يحيى بن خلف المقرئ قوله: (أتيت الكوفة فلقيت أبا بكر بن عياش؛ فسألته: ما تقول في من قال: القرآن مخلوق؟ فقال: كافر، وكل من لم يقل: إنه كافر؛ فهو كافر. ثم قال: أيُشك في اليهودي والنصراني؛ أنهما كافران؟ فمن شك في هؤلاء أنهم كفار؛ فهو كافر، والذي يقول: القرآن مخلوق. مثلهما) (2)

ويروون عن يزيد بن هارون قوله: (من قال: القرآن مخلوق. فهو كافر، ومن لم يكفره؛ فهو كافر، ومن شك في كفره؛ فهو كافر) (3)

ويروون عن سفيان بن عيينة قوله: (القرآن كلام الله عز وجل؛ من قال: مخلوق. فهو كافر، ومن شك في كفره؛ فهو كافر) (4)

ويروون عن أحمد بن حنبل قوله: (من قال: القرآن مخلوق. فهو كافر، ومن شك في

__________

(1) معارج القبول بشرح سلم الوصول لحافظ بن أحمد الحكمي، 1/ 337.

(2) السنة لحرب الكرماني، 375.

(3) الإبانة، 257.

(4) السنة لعبدالله بن أحمد 25.

كلكم كفرة (32)

كفره؛ فهو كافر) (1)

وبناء على هذا كله ينقلون الإجماع على ذلك، قال ابن أبي حاتم: (سألت أبي وأبا زرعة؛ عن مذاهب أهل السنة في أصول الدين، وما أدركا عليه العلماء في جميع الأمصار، وما يعتقدان من ذلك؛ فقالا: أدركنا العلماء في جميع الأمصار حجازاً وعراقاً وشاماً ويمناً؛ فكان من مذهبهم: الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، والقرآن كلام الله غير مخلوق بجميع جهاته.. ومن زعم أن القرآن مخلوق؛ فهو كافر بالله العظيم كفراً ينقل عن الملة. ومن شك في كفره - ممن يفهم ولا يجهل - فهو كافر) (2)

وقال حرب الكرماني (توفي 280 هـ): (هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها من لدن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى يومنا هذا، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم، عليها؛ فمن خالف شيئاً من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أو عاب قائلها، فهو مبتدع خارج عن الجماعة، زائل عن منهج السنة، وسبيل الحق.. فكان من قولهم.. والقرآن كلام الله؛ تكلم به؛ ليس بمخلوق؛ فمن زعم أن القرآن مخلوق؛ فهو جهمي كافر. ومن زعم أن القرآن كلام الله، ووقف، ولم يقل: ليس بمخلوق. فهو أكفر من الأول، وأخبث قولاً. ومن زعم أن ألفاظنا بالقرآن، وتلاوتنا له؛ مخلوقة، والقرآن كلام الله؛ فهو جهمي خبيث مبتدع. ومن لم يكفر هؤلاء القوم، والجهمية كلهم؛ فهو مثلهم) (3)

وهكذا قال ابن بطة: (ونحن الآن ذاكرون شرح السنة، ووصفها، مما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام، وسائر الأمة، منذ بعث الله نبيه صلى الله عليه وآله وسلم، إلى وقتنا هذا.. من قال:

__________

(1) طبقات الحنابلة 1/ 173.

(2) شرح أصول الاعتقاد 321.

(3) السنة 66 - 67 - 68 – 69.

كلكم كفرة (33)

مخلوق، أو قال: كلام الله، ووقف، أو شك، أو قال بلسانه، وأضمره في نفسه، فهو كافر بالله حلال الدم، بريء من الله، والله منه بريء، ومن شك في كفره، ووقف عن تكفيره، فهو كافر) (1)

وهذه الكلمات الممتلئة بالتكفير كافية وحدها لاعتبار السلفية أكبر مدرسة تكفيرية في الأمة، لأن هذه المقولات تنطبق على جميع المدارس الإسلامية من دون حاجة لأي تعيين أو تسمية.

فالتعيين الذي يفر به بعض من يمارس التقية لا يقصد به العلماء ولا طلبة العلم، وإنما يقصد به عوام الناس وبسطاؤهم فقط، كما قال أحمد بن منيع البغوي: (من زعم أنه مخلوق؛ فهو جهمي، ومن وقف فيه؛ فإن كان ممن لا يعقل؛ مثل البقالين، والنساء، والصبيان؛ سُكت عنه، وعُلم، وإن كان ممن يفهم؛ فأجره في وادي الجهمية) (2)

3 ـ نفي الصفات

ذكرنا في كتابنا [السلفية والوثنية المقدسة] أن المقصود بالصفات عند السلفية هو الأعضاء، ولذلك يردون بشدة على ما يسميه المنزهة بنفي الكم المتصل عن الله، أو نفي التركيب عنه، بل يرون أن الله مركب من الساق واليد والوجه والحقو والضرس وغيرها، ويتعاملون مع هذه الأعضاء جميعا، باعتبارها صفات ذاتية لله، وأن منكر كل واحدة منها كافر معطل جهمي.

ومثله من أول أي كلمة منها على مقتضى كلام العرب، أو متوقف في شأنها.. فالجميع عندهم معطل، وسواء في الضلالة.

وهكذا ما يسمونه صفات أفعال، كالجري والمشي والهرولة والقعود والنزول

__________

(1) الشرح والإبانة 251.

(2) الحجة في بيان المحجة 1/ 424.

كلكم كفرة (34)

والضحك وغيرها.. فهم يعقبون كل وصف من هذه الأوصاف برمي المنكر لها بالتجهم والتعطيل والكفر والضلال.

وهم يستندون ـ بزعمهم ـ في هذا إلى الآيات القرآنية الكريمة التي نزلت وفق مقتضى كلام العرب من المجاز والاستعارة والكناية وغيرها، لكنهم حملوها على ظواهرها، وأولوا من أجلها كل الآيات المحكمة.

وكمثال على ذلك أن الدارمي ـ الذي يعتبر مصدرا أساسيا في العقيدة السلفية ـ ساق بعض تلك النصوص في كتابه [الرد على الجهمية]، ثم قال بنبرة غاضبة مخاطبا المدرسة التنزيهية بالشدة السلفية المعهودة: (فهذا الناطق من قول الله - عز وجل -، وذاك المحفوظ من قول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأخبار ليس عليها غبار، فإن كنتم من عباد الله المؤمنين؛ لزمكم الإيمان بها كما آمن بها المؤمنون، وإلا فصرحوا بما تضمرون، ودعوا هذه الأغلوطات التي تلوون بها ألسنتكم، فلئن كان أهل الجهل في شك من أمركم، إن أهل العلم من أمركم لعلى يقين، فإن قال قائل منهم: معنى إتيانه في ظلل من الغمام، ومجيئه والملك صفا صفا، كمعنى كذا وكذا، قلت: هذا التكذيب بالآية صراحا، تلك معناها بين للأمة لا اختلاف بيننا وبينكم وبين المسلمين في معناها المفهوم المعقول عند جميع المسلمين، فأما مجيئه يوم القيامة وإتيانه في ظلل من الغمام والملائكة، فلا اختلاف بين الأمة أنه إنما يأتيهم يومئذ كذلك لمحاسبتهم، وليصدع بين خلقه، ويقررهم بأعمالهم، ويجزيهم بها، ولينصف المظلوم منهم من الظالم، لا يتولى ذلك أحد غيره، تبارك اسمه وتعالى جده، فمن لم يؤمن بذلك؛ لم يؤمن بيوم الحساب) (1)

وهكذا يعطي السلفية لهذا الموقف التجسيمي هذا الحكم الخطير، وهو أنه من لم يؤمن بنزول الله على الغمام، لا يؤمن أصلا بيوم الحساب..

__________

(1) الرد على الجهمية (ص: 91)

كلكم كفرة (35)

وهكذا نراهم يتعاملون مع كل عضو من الأعضاء أو فعل من الأفعال، والتي يسمونها جميعا صفات.. فمن أنكر أي واحدة منها، حتى لو قبل بالجميع، فإنه يعتبر جهميا معطلا.

والنهاية الطبيعية التي تنتهي عندها هذه العقيدة عندهم هي أنه لا يتخلص أحد من وصف الجهمية وما يرتبط بها من تكفير حتى يشبه الله بالإنسان، فمن لم يؤمن عندهم بأن صورة الله هي نفس صورة الإنسان ـ مع اختلاف الكيف الذي لا ندري معناه ـ فإنه جهمي.

ولهذا ألف الشيخ حمود بن عبدالله بن حمود التويجري كتابا سماه [عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن]، وهو الكتاب الذي اعتنى به السلفية المعاصرون، بل قدم له شيخهم الكبير عبدالعزيز بن عبدالله بن باز، وقال في تقديمه له: (اطلعت على ما كتبه صاحب الفضيلة الشيخ حمود بن عبدالله التويجري وفقه الله وبارك في أعماله فيما ورد من الأحاديث في خلق آدم على صورة الرحمن.. فألفيته كتاباً قيماً كثير الفائدة قد ذكر فيه الأحاديث الصحيحة الواردة في خلق آدم على صورة الرحمن، وفيما يتعلق بمجيء الرحمن يوم القيامة على صورته، وقد أجاد وأفاد، وأوضح ما هو الحق في هذه المسألة، وهو أن الضمير في الحديث الصحيح في خلق آدم على صورته يعود إلى الله عز وجل، وهو موافق لما جاء في حديث ابن عمر أن الله خلق آدم على صورة الرحمن، وقد صححه الإمام أحمد وإسحاق بن راهويه والآجري وشيخ الإسلام ابن تيمية وآخرون من الأئمة رحمة الله عليهم جميعاً، وقد بين كثير من الأئمة خطأ الإمام ابن خزيمة رحمه الله في إنكار عود الضمير إلى الله سبحانه في حديث ابن عمر والصواب ما قاله الأئمة المذكورون وغيرهم في عود الضمير إلى الله عز وجل بلا كيف ولا تمثيل، بل صورة الله سبحانه تليق به وتناسبه كسائر صفاته ولا يشابهه فيها شيء من خلقه سبحانه وتعالى) (1)

__________

(1) عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن (7)

كلكم كفرة (36)

وقد ذكر التويجري في مقدمة هذا الكتاب أن منكر الصورة جهمي ـ والجهمي كافر عندهم بالإجماع ـ فقال: (ولا يزال القول بمذهب الجهمية مستمرا إلى زماننا. وقد رأيت ذلك في بعض مؤلفات المعاصرين وتعليقاتهم الخاطئة. وذكر لي عن بعض المنتسبين إلى العلم أنه ألقى ذلك على الطلبة في بعض المعاهد الكبار في مدينة الرياض. ولما ذكر له بعض الطلبة قول أهل السنة أعرض عنه وأصر على قول الجهمية. عافانا الله وسائر المسلمين مما ابتلاه به) (1)

وهو يقصد بالجهمة هنا كل منزهة الأمة، لأنهم جميعا، حتى مع تصحيح الحديث لا يقولون بمقتضاه الظاهر، بل يؤولونه بمختلف صنوف التأويلات.

وبذلك فإن منكر كون الله له صورة كصورة الإنسان ـ عند السلفية ـ جهمي.. والجهمي عندهم معطل وكافر.. ومن شاء أن يعرف حكم الجهمي عندهم، فليقرأ ما كتبه ابن تيمية وغيره عنه.

وبناء على هذا جاءت تعبيراتهم الكثيرة في الحكم بالكفر على من أنكر أي صفة من تلك الصفات، وقد نقل الذهبي عن معمر بن أحمد بن زياد الأصبهاني (توفي 418 هـ) بعد سرده لبعض ما أجمع عليه أهل الحديث والأثر من أن (.. الله استوى على عرشه بلا كيف ولا تشبيه ولا تأويل والاستواء معقول والكيف مجهول وأنه بائن من خلقه والخلق بائنون منه فلا حلول ولا ممازجة ولا ملاصقة وأنه سميع بصير عليم خبير يتكلم ويرضى ويسخط ويعجب ويضحك ويتجلى لعباده يوم القيامة ضاحكا وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا بلا كيف ولا تأويل كيف شاء فمن أنكر النزول أو تأول فهو مبتدع ضال) (2)

وقد عقد الدارمي بابا خاصا بهذا في كتابه [الرد على الجهمية] بعنوان [باب

__________

(1) عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن (6)

(2) العلو للعلي الغفار (ص: 244)

كلكم كفرة (37)

الاحتجاج في إكفار الجهمية] (1) قال في مقدمته: (ناظرني رجل ببغداد، منافحا عن هؤلاء الجهمية فقال لي: بأية حجة تكفرون هؤلاء الجهمية، وقد نهى عن إكفار أهل القبلة؟ بكتاب ناطق تكفرونهم؟ أم بأثر، أم بإجماع؟ فقلت: ما الجهمية عندنا من أهل القبلة، وما نكفرهم إلا بكتاب مسطور، وأثر مأثور، وكفر مشهور. أما الكتاب؛ فما أخبر الله - عز وجل - عن مشركي قريش، من تكذيبهم بالقرآن، فكان من أشد ما أخبر عنهم من التكذيب؛ أنهم قالوا: هو مخلوق، كما قالت الجهمية سواء) (2)

وهكذا راح يستعرض الآيات القرآنية التي وردت في تكذيب المشركين للقرآن الكريم ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ليطبقها على المسلمين الذين نزهوا الله عن الحرف والصوت، ليحكم عليهم جميعا حكما واحدا بالكفر، ثم قال: (ونكفرهم أيضا بكفر مشهور؛ وهو تكذيبهم بنص الكتاب، أخبر الله تبارك وتعالى أن القرآن كلامه، وادعت الجهمية أنه خلقه، وأخبر الله تبارك وتعالى أنه كلم موسى تكليما، وقال هؤلاء لم يكلمه الله بنفسه، ولم يسمع موسى نفس كلام الله، إنما سمع كلاما خرج إليه من مخلوق، ففي دعواهم؛ دعا مخلوق موسى إلى ربوبيته فقال: {إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ} [طه: 12] فقال له موسى -في دعواهم-: صدقت، ثم أتى فرعون يدعوه أن يجيب إلى ربوبية مخلوق، كما أجاب موسى-في دعواهم- فما فرق بين موسى وفرعون في مذهبهم في الكفر؟ إذا فأي كفر بأوضح من هذا؟! وقال الله تبارك وتعالى: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [النحل: 40] وقال هؤلاء: ما قال لشيء قط قولا وكلاما كن فكان، ولا يقوله أبدا، ولم يخرج منه كلام قط، ولا يخرج، ولا هو يقدر على الكلام -في دعواهم- فالصنم -في دعواهم- والرحمن بمنزلة واحدة في الكلام، فأي كفر بأوضح من هذا؟!.. وقال الله تبارك وتعالى: {بَلْ يَدَاهُ

__________

(1) الرد على الجهمية (ص: 179)

(2) الرد على الجهمية (ص: 179)

كلكم كفرة (38)

مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ} [المائدة: 64] و{مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [ص: 75] و{بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [آل عمران: 26] وقال: {يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [الفتح: 10]، قال هؤلاء: ليس لله يد، وما خلق آدم بيديه، إنما يداه نعمتاه ورزقاه، فادعوا في يدي الله أوحش مما ادعته اليهود {قَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ} [المائدة: 64] وقالت الجهمية: يد الله مخلوقة؛ لأن النعم والأرزاق مخلوقة لا شك فيها، وذاك محال في كلام العرب، فضلا أن يكون كفرا) (1)

وهكذا راح يكفرهم لإنكارهم كل مستلزمات التجسيم، يقول: (ونكفرهم أيضا بالمشهور من كفرهم، أنهم لا يثبتون لله تبارك وتعالى وجها ولا سمعا ولا بصرا ولا علما ولا كلاما ولا صفة، إلا بتأويل ضلال افتضحوا وتبينت عوراتهم، يقولون: سمعه، وبصره، وعلمه، وكلامه؛ بمعنى واحد، وهو بنفسه في كل مكان، وفي كل بيت مغلق، وصندوق مقفل، قد أحاطت به -في دعواهم- حيطانها وأغلاقها وأقفالها، فإلى الله نبرأ من إله هذه صفته، وهذا أيضا مذهب واضح في إكفارهم.. ونكفرهم أيضا؛ أنهم لا يدرون أين الله، ولا يصفونه بأين الله، والله قد وصف نفسه بأين، ووصفه به الرسول صلى الله عليه وآله وسلم) (2)

وكما لم يرحم السلفية المتوقفة في خلق القرآن، أو القائلين بأن القرآن الكريم كلام الله من غير تفصيل، فكذلك لم يرحموا المفوضة فيما يسمونه باب الصفات، وهم الذين يكلون علم المتشابه الوارد فيها إلى الله تعالى، وهو ما يعزوه المتكلمون، وخاصة الأشاعرة منهم إلى السلف الأول.

ولهذا نجد ابن تيمية يعتبرهم من شر المبتدعة والملاحدة، فيقول: (.. فتبين أن قول أهل التفويض الذين يزعمون أنهم متبعون للسنة والسلف من شر أقوال أهل البدع

__________

(1) الرد على الجهمية (ص: 180)

(2) الرد على الجهمية (ص: 182)

كلكم كفرة (39)

والإلحاد) (1)

بل إنه ـ كعاته في التنابز بالألقاب ـ سماهم بدل [أهل التفويض] بـ[أهل التجهيل]، فقال عنهم: (.. أما أهل التجهيل فهم كثير من المنتسبين إلى السنة واتباع السلف يقولون إن الرسول لم يعرف معانيَ ما أنزل الله إليه من آيات الصفات.. ولا السابقون الأولون عرفوا ذلك) (2)

وهذا من تحريف السلفية لحكاية الأقوال، فالمفوضة تركوا علم ما تشابه من النصوص على عقولهم لله تعالى، ولم يزعموا أبدا أن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم كان لا يعلم ذلك، معاذ الله وهو سيد الراسخين في العلم.

وهكذا يكتب الكثير من الردود الشديدة عليهم في كتابه (درء تعارض العقل والنقل) وفي (الفتوى الحموية)، ومثله ابن القيم في (الصواعق المرسلة)، وغيرها.

وهكذا نرى المتأخرين ينهجون منهج المتقدمين في تكفير المفوضة، حيث نرى ابن عثيمين يقول عنهم: (التفويض من شر أقوال أهل البدع.. وإذا تأملته وجدته تكذيباً للقرآن وتجهيلاً للرسول) (3)

وبهذا لا يبقى حل لمن يريد أن يسلم من التكفير السلفي سوى أن يقع في التجسيم والتشبيه بكل ألوانه وأنواعه، وإلا فلن يرحمه سيف التكفير السلفي لو توقف ولو عند مفردات من مفردات عقائدهم التجسيمية.

وبناء على هذا فإن السلفية أنفسهم يكفر بعضهم بعضا بسبب مواقفهم من بعض ما ورد في بعض الأحاديث.. ومن ذلك الموقف من المسألة التي أولاها السلفية اهتماما كبيرا،

__________

(1) درء تعارض العقل والنقل، 1/ 205.

(2) مجموع الفتاوى، 5/ 34.

(3) المحاضرات السنية، 1/ 67.

كلكم كفرة (40)

والتي عنونوها بـ[إقعاد الله تعالى لنبيه صلى الله عليه وآله وسلم على العرش]

فالسلفية المثبتون لهذا يكفرون من يخالف ذلك، باعتبار ثبوت هذا النوع من القرب لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن كل متقدميهم الذين يحتجون بهم في العادة على مخالفيهم (1) ومنهم أحمد بن حنبل، وهارون بن معروف، وإسحاق بن راهويه، وأبو عبيد القاسم بن سلام وعبد الوهاب الوراق، وأبو داود السجستاني، وعبد الله بن أحمد بن حنبل، وإبراهيم الحربي، وأبو بكر المروذي وأبو بكر الخلال،، وأبو القاسم الطبراني، وأبو بكر الآجري، وأبو عبد الله ابن بطة، وغيرهم كثير.

بل قال إبراهيم الأصبهاني في الحديث: (هذا الحديث صحيح ثبت، حدث به العلماء منذ ستين ومائة سنة)

وقال أبو بكر المروذي: قال أبو بكر بن حماد المقرئ: (من ذكرت عنده هذه الأحاديث فسكت فهو متهم على الإسلام! فكيف من طعن فيها؟!)

و قال أبو بكر بن صدقة: (ما حكمه عندي إلا القتل)

وقال أبو بكر بن أبي طالب: (من رده فقد رد على الله عز وجل، ومن كذب بفضيلة النبي صلى الله عليه وآله وسلم فقد كفر بالله العظيم).

وقال محمد بن إسماعيل السلمي: (من توهم أن محمدا صلى الله عليه وآله وسلم لم يستوجب من الله عز وجل ما قال مجاهد فهو كافر بالله العظيم)

وقال أبو بكر يحيى بن أبي طالب: (لا علمت أحدا رد حديث مجاهد يقعد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم على العرش)

وقال أبو قلابة: (لا يرد هذا إلا أهل البدع والجهمية)

__________

(1) انظر: السنة لأبي بكر بن الخلال (1/ 187)، فما بعدها، والرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص 10، فما بعدها، فقد ذكر فيه الأقوال الكثيرة لأعلام السلف في هذا، ومنه أخذنا هذه الأقوال.

كلكم كفرة (41)

وقال الحسن بن الفضل: (من رد هذه الأحاديث فهو مبتدع ضال ما أدركنا أحدا يرده إلا من في قلبه بلية، يهجر ولا يكلم)

وقال ابن بطة: سمعت أخي القاسم - نضر الله وجهه - يقول: (لم يكن البربهاري يجلس مجلسا إلا ويذكر فيه أن الله عز وجل يقعد محمدا صلى الله عليه وآله وسلم معه على العرش).

و قال محمد بن إسماعيل السلمي: (كل من ظن أو توهم أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يستوجب من الله عز وجل هذه المنزلة في حديث مجاهد فهو عندنا جهمي، وإن هذه المصيبة على أهل الإسلام أن يذكر أحد النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولا يقدموا عليه بأجمعهم!)

بل إن المتأخرين أيضا ممن لا يمارسون التقية قالوا بذلك، من أمثال الشيخ ابن فوزان فقد قال في شرحه على النونية عن أثر مجاهد: (هذا حديث صحيح وإن كان يشوش على ضعاف الإدراك فلا عبرة بهم لأنه لا يمكن أن يقال هذا الكلام من جهة الاجتهاد أو الرأي بل له حكم الرفع) (1)

وبذلك يقع الكثير من أعلام السلفية المعاصرين في الفخ الذي نصبوه للأمة، وكفروها على أساسه، ومن حفر حفرة لأخيه وقع فيها.

ومن أول هؤلاء الألباني الذي أنكر على الذهبي إيراده لخبر مجاهد في [مختصر العلو]، فقال: (لو أن المؤلف رحمه الله وقف عند ما ذكرنا لأحسن، ولكنه لم يقنع بذلك، بل سود أكثر من صفحة كبيرة في نقل أقوال من أفتى بالتسليم بأثر مجاهد في تفسير قَوْلِهِ تَعَالَى: {عَسَى أَنْ يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَحْمُودًا} قال: يجلسه أو يقعده على العرش. بل قال بعضهم: أنا منكر على كل من رد هذا الحديث وهو عندي رجل سوء متهم.. بل ذكر عن الإمام أحمد أنه قال: هذا تلقته العلماء بقبول إلى غير ذلك من الأقوال التي تراها في الأصل ولا حاجة بنا إلى استيعابها في هذه المقدمة. وذكر في مختصره المسمى بـ[الذهبية] أسماء جمع آخرين من

__________

(1) شرحه على النونية (2 - 453)

كلكم كفرة (42)

المحدثين سلموا بهذا الأثر ولم يتعقبهم بشيء هناك) (1)

ومنهم إمام التجريح في هذا العصر ربيع بن هادي المدخلي، الذي قال في شرحه على شرح السنة للبربهاري: (لايصح هذا من كلام مجاهد وهو لايثبت وليس من كلام الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام.. أما قول مجاهد غفر الله له فممكن أن يأخذه من الإسرائليات) (2)

وردا على أمثال هذه المقولات المعاصرة ألف بعض السلفية رسالة في رمي أصحابه الذين أنكروا هذا بالتجهم، وقد سمى رسالته (الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد) (3)، وقد قدم لها بقول محمد بن إسماعيل السلمي: (لولا أن أبا بكر المروذي رحمه الله اجتهد في هذا –أي في الرد على من أنكر أثر مجاهد- لخفت أن ينزل بنا وبمن يقصر عن هذا الضال المضل عقوبة، فإنه من شر الجهمية ما يبالي ما تكلم به) (4)

ثانيا ـ التكفير المعين

بناء على أن أهم المدارس العقدية الموجودة في الواقع الإسلامي الحالي، وفي أكثر فترات التاريخ هي: الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة، فسنتحدث عن موقف السلفية منهم هنا، أما ما عداهم من المدارس كالشيعة والإباضية والصوفية، فقد عقدنا فصلا خاصا بكل واحد منها، باعتبار الخلاف بينها وبين السلفية لا يقتصر على العقائد.

مدرسة الأشاعرة

تعتبر مدرسة الأشاعرة من أكثر المدارس الإسلامية أتباعا، ذلك أن أكثر العلماء

__________

(1) مختصر العلو للعلي العظيم (ص: 15)

(2) شرح السنة للبربهاري، 1/ 453.

(3) ألفها إبراهيم بن رجا بن شقاحي الشمري، وهي في موقعه على النت.

(4) الرد بالعدة والعتاد على من أنكر أثر مجاهد في الإقعاد، ص 3.

كلكم كفرة (43)

المتأخرين من المالكية والشافعية والحنابلة والصوفية وغيرهم قد اختاروا منهجهم العقدي، فقرروه في مدارسهم وزواياهم، بالإضافة إلى العوامل السياسية الكثيرة التي ساعدت على ذلك.

وهذا ما جعل السلفية في حرج كبير من أمرهم، لأنهم إن صرحوا بتكفيرهم، فسيضر ذلك بسمعتهم، ويجعل كل الأوصاف التي رموا بها من يسمونهم الخوارج تنطبق عليهم بالدرجة الأولى، فلذلك استعملوا أمرين: التكفير الخفي، والتكفير الصريح.

1 ـ التكفير الخفي

وقد مارسه أصحاب التقية من السلفية سواء كانوا من الذين يجمعون بين السلفية والسياسة من أمثال الشيخ عبد الرحمن عبد الخالق وغيره، أو من الذين وكلت لهم بعض المناصب الحساسة في الدولة والتي تتطلب بعض الحكمة والمرونة، كالإفتاء وغيره، أو من الذين عاشوا في مجتمعات ممتلئة بالأشاعرة، ولم يمكنهم التصريح بكفرهم، فعدلوا إلى التلميح، مثل ابن تيمية.

وهؤلاء يستعملون في التكفير التلميح لا التصريح، أو ذكر المكفرات، دون ذكر انطباقها على من يكفرونهم.

ومن أمثلة ذلك ما ذكرنا سابقا عن ابن باز من اعتباره عدم القول بالجهة والمكان كفر، وأن من قال ذلك كافر، لكنه عندما سئل عن الأشاعرة، ذكر أنهم من المسلمين، مع العلم أن مقولته بتكفير من ينكر الجهة تنطبق عليهم كما تنطبق على الجهمية والمعتزلة والماتريدية وغيرهم.

ومن أمثلة ذلك فتواه المتعلقة بعبد الله الحبشي الأشعري، فقد جاء فيها: (وأفيدك أن هذه الطائفة معروفة لدينا فهي طائفة ضالة ورئيسهم المدعو عبد الله الحبشي معروف بانحرافه وضلاله فالواجب مقاطعتهم وإنكار عقيدتهم الباطلة وتحذير الناس منهم ومن

كلكم كفرة (44)

الاستماع لهم أو قبول ما يقولون، ولا شك أن من أنكر أن الله في السماء فهو جهمي ضال كافر مكذب لقول الله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ}) (1)

وهذا تصريح ليس بعده تصريح في تكفير ابن باز للأشاعرة، أولا لأن عبد الله الحبشي منهم، وثانيا، لأنه كفره بسبب إنكاره للجهة والمكان، وهو قول الأشاعرة.

وهكذا قال الفوزان الذي يتعلق به من يمارس التقية من السلفية، فقد قال: (وهذا الذي ينفي كون الله في السماء يكذب القرآن ويكذب السنة ويكذب إجماع المسلمين فإن كان عالما بذلك، فإنه يكفر بذلك، أما إذا كان جاهلا فإنه يبين له فإن أصر بعد البيان فإنه كافر والعياذ بالله) (2)

بل هكذا أفتت اللجنة الدائمة للفتوى في السعودية، فقد جاء في بعض فتاواها: (من قال: لا نقول إن الله فوق ولا تحت ولا يمين ولا شمال فهو بهذا مخالف لما دل عليه الكتاب والسنة وأجمع عليه المسلمون من عهد الصحابة من أهل العلم والإيمان فيجب أن يُبين له الحق فإن أصر فهو كافر مرتد عن الإسلام لا تصح الصلاة خلفه) (3)

ومن أمثلة ذلك أيضا ترديدهم لكون الأشاعرة يقولون بخلق القرآن مع علمهم أن كتبهم السلفية لا ترحم أبدا من يقول بذلك.

ومن ذلك أن الشيخ العثيمين عندما تحدث عن الفرق بين الأشاعرة والمعتزلة في صفة الكلام، قال: (وقالت الأشعرية الذين تذبذبوا بين أهل السنة والمعتزلة قالوا: إن كلام الله تعالى هو المعنى القائم في نفسه، وما يُسمع فإنه مخلوق خلقه الله تعالى ليعبر عما في نفسه. فما الفرق إذن بين المعتزلة والأشعرية؟ الفرق: أن المعتزلة يقولون: لا ننسب الكلام إليه

__________

(1) مجموع فتاوى ابن باز، (9/ 315)

(2) الموقع الرسمي لصالح الفوزان تحت عنوان: إثبات صفة العلو لله سبحانه وتعالى.

(3) صدرت هذه الفتوى تحت توقيع كل من: العضو: عبد الله بن قعود... العضو: عبد الله بن غديان... نائب رئيس اللجنة: عبد الرزاق عفيفي... الرئيس: عبد العزيز بن عبد الله بن باز. انظر: فتاوى اللجنة الدائمة - 1 (1/ 515)

كلكم كفرة (45)

وصفا، بل فعلا وخلقا. والأشاعرة يقولون: ننسب الكلام إليه وصفا لا باعتبار أنه شيء مسموع، وأنه بحروف، بل باعتبار أنه شيء قائم بنفسه، وما يسمع أو يكتب فهو مخلوق؛ فعلى هذا يتفق الأشاعرة والمعتزلة في أن ما يُسمع أو يكتب مخلوق، فالأشاعرة يقولون: القرآن مخلوق، والمعتزلة يقولون: القرآن مخلوق، لكن المعتزلة يقولون: إنه كلامه حقيقة، كما أن السموات خلقه حقيقة، وقالت الأشاعرة: ليس هو كلام الله تعالى حقيقة، بل هو عبارة عن كلام الله!!، فصار الأشاعرة من هذا الوجه أبعد عن الحق من المعتزلة، وكلتا الطائفتين ظالم، لأن الكلام ليس شيئا يقوم بنفسه، والكلام صفة المتكلم، فإذا كان الكلام صفة المتكلم، كان كلام الله صفة، وصفات الله تعالى غير مخلوقة، إذ إن الصفات تابعة للذات، فكما أن ذات الرب عز وجل غير مخلوقة، فكذلك صفاته غير مخلوقة، وهذا دليل عقلي واضح) (1)

وهكذا قال الشيخ محمد أمان الجامي: (ما الفرق إذن بين الأشاعرة وبين المعتزلة في صفة الكلام؟ خلاف لفظي غير حقيقي كلهم يتفقون على أن هذا القرآن الذي نقرأه ونحفظه ونكتبه مخلوق وليس بكلام الله، تتفق الأشاعرة مع المعتزلة على هذا بل موقف الأشاعرة أخطر لأن موقف المعتزلة واضح) (2)

وهكذا نجد ابن تيمية ـ الذي يسوق السلفية بعض كلماته في عدم التكفير ـ يملح في كثير من كتبه إلى تكفير الأشاعرة، ومن ذلك قوله في: (كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علما وأصحابا اذا سعى الى الجمعة من قطعية الكرج الى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع ويقبل على من حضر ويقول اشهدوا على بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قاله الإمام ابن حنبل

__________

(1) الشيخ محمد بن صالح العثيمين في شرح كتابه عقيدة أهل السنة والجماعة: الفائدة 8.

(2) محمد أمان الجامي في محاضرة مفرغه بعنوان [الرد على الأشاعرة والمعتزلة].

كلكم كفرة (46)

لا كما يقوله الباقلاني وتكرر ذلك منه جمعات) (1)

وهو يشير بهذا إلى أن الباقلاني ـ وهو إمام من أئمة الأشاعرة الكبار ـ يقول بخلق القرآن.. وهو ينقل مع هذا القول ما يدعيه من إجماعات في تكفير من يقول بخلق القرآن.

وهكذا نراه في [مجموع الفتاوى] يقول: (فقال الشيخ كمال الدين لصدر الدين ابن الوكيل: قد قلت فى ذلك المجلس للشيخ تقى الدين أنه من قال إن حرفا من القرآن مخلوق فهو كافر، فأعاده مرارا، فغضب هنا الشيخ كمال الدين غضبا شديدا ورفع صوته، وقال هذا يكفر أصحابنا المتكلمين الأشعرية الذين يقولون: إن حروف القرآن مخلوقة مثل امام الحرمين وغيره، وما نصبر على تكفير أصحابنا) (2)

وهكذا نراه في مسألة الرؤية، والتي اتفق السلفية على تكفير جاحدها، فقد قال ابن تيمية: (أئمة أصحاب الأشعري لما تأملوا ذلك عادوا في الرؤية إلى قول المعتزلة وفسروها بزيادة العلم كما يفسرها الجهمية وهذا في الحقيقة تعطيل للرؤية) (3)

وهكذا نراه فيما يسمونه تعطيل الصفات يقول عنهم ببذاءته المعهودة: (.. ومن رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصراً نافذاً وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعاً أنهم يلحدون فى أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله. ولهذا كانوا يقولون إن البدع مشتقة من الكفر وآيلة إليه ويقولون إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة والأشعرية مخانيث المعتزلة. وكان يحيى بن عمار يقول المعتزلة الجهمية الذكور والأشعرية الجهمية الإناث ومرادهم الأشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية. وأما من قال منهم بكتاب الإبانة الذي صنفه الأشعرى فى آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد

__________

(1) درء تعارض العقل والنقل (2/ 96)

(2) مجموع الفتاوى (3/ 173)

(3) بيان تلبيس الجهمية 2/ 434.

كلكم كفرة (47)

من أهل السنة لكن مجرد الانتساب إلى الاشعرى بدعة. لا سيما وأنه بذلك يوهم حسناً بكل من انتسب هذه النسبة وينفتح بذلك أبواب شر) (1)

والكتاب الذي يشير إليه طبعا، وهو [الإبانة] لا يقول به أحد من الأشاعرة على مدار التاريخ، لأنه كتاب سلفي محض، لا يختلف عن سائر كتبهم التجسيمية، ولكنهم يتلاعبون بالألفاظ، ليوهموا البسطاء أن هناك أشاعرة مثبتة وأشاعرة معطلة.

وهكذا نرى ابن القيم يصرح بما لم يتجرأ ابن تيمية على التصريح به، فيقول عن الأشاعرة (2):

ليسوا مخانيث الوجود فلا إلى... الكفران ينحازوا ولا الإيمان

ويقول بلغة تكفيرية بذيئة (3):

أهون بذا الطاغوت لا عز اسمه... طاغوت ذي التعطيل والكفران

كم من أسير بل جريح بل قتيل... تحت ذا الطاغوت في الأزمان

وترى الجبان يكاد يخلع قلبه... من لفظه تبا لكل جبان

وترى المخنث حين يقرع سمعه... تبدو عليه شمائل النسوان

ويظل منكوحاً لكل معطل... ولكل زنديق أخي كفران

بل يعتبر أن هناك طائفتان وحيدتان في الأمة في باب الصفات: أحدهما أهل الإثبات، وهم أهل الحديث وحدهم، والثانية من عداهم، وهم الذين كنى عنهم بالجهمية، والمراد به كل من لم يوافق السلفية في التجسيم، فيقول: (.. بل الذي بين أهل الحديث والجهمية من الحرب أعظم مما بين عسكر الكفر وعسكر الإسلام) (4)

__________

(1) بيان تلبيس الجهمية، 6/ 359.

(2) شرح قصيدة ابن القيم 2/ 203.

(3) شرح قصيدة ابن القيم 2/ 320.

(4) اجتماع الجيوش الإسلامية 154، وانظر الصواعق المرسلة 4/ 1333.

كلكم كفرة (48)

وقال في النونية مبينا اتفاق الأشاعرة مع المعتزلة في الرؤية:

ولذاك قال محقق منكم لأهل الاعتزال مقالة بأمان

ما بيننا خُلف وبينكم لدى التحقيق في معنىً فيا إخواني

وقال ـ وهو يتحدث عن الأشاعرة ـ: (فتأمل هذه الأخوة التي بين هؤلاء وبين المعتزلة الذين اتفق السلف على تكفيرهم، وأنهم زادوا على المعتزلة في التعطيل) (1)

وهكذا يقول أبو محمد عبد الله بن محمد القحطاني الأندلسي (387 هـ) في نونيته التي لا زال السلفية يحفظونها، ويرددون ما فيها، ومنها هذه الأبيات التكفيرية (2):

والآن أهجو الأشعري وحزبه... وأذيع ما كتموا من البهتان

عطلتم السبع السموات العلا... والعرشَ أخليتم من الرحمن

لأقطعن بمعولي أعراضكم... ما دام يصحب مهجتي جثماني

ولأكتبن إلى البلاد بسبكم... فيسير سير البزل بالركبان

يا أشعرية يا أسافلة الورى... يا عمي يا صم بلا آذان

إني لأبغضكم وأبغض حزبكم... بغضاً أقل قليله أضغاني

لو كنت أعمى المقلتين لسرني... كيلا يرى إنسانكم إنساني

قد عشت مسروراً ومت مخفراً... ولقيت ربي سرني ورعاني

لم أدخر عملاً لربي صالحاً... لكن بإسخاطي لكم أرضاني

وهكذا قال أبو محمد موفق الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن قدامة المقدسي (المتوفى: 620 هـ)، وهو يلمح إلى الأشاعرة: (وهذا حال هؤلاء القوم لا محالة فهم زنادقة بغير شك، فإنه لا شك في أنهم يظهرون تعظيم المصاحف إيهاما أن فيها القرآن، ويعتقدون

__________

(1) مختصر الصواعق المرسلة (4/ 1382)

(2) انظر نونية القحطاني، 50.

كلكم كفرة (49)

في الباطن أنه ليس فيها إلا الورق والمداد، ويظهرون تعظيم القرآن ويجتمعون لقراءته في المحافل والأعرية، ويعتقدون أنه من تأليف جبريل وعبارته، ويظهرون أن موسى سمع كلام الله من الله ثم يقولون ليس بصوت) (1)

ومثل هؤلاء جميعا الشيخ عبيد الله بن سعيد بن حاتم السجزيّ (المتوفى: 444 هـ) الذي ألف رسالة في تكفير من أنكر الحرف والصوت، ويقصد بهم الأشاعرة بالدرجة الأولى، فقد قال ناقلا لقولهم في المسألة: (وقال أبو محمّد بن كلاب ومن وافقه، والأشعري وغيرهم (2): (القرآن غير مخلوق، ومن قال بخلقه كافر إلا أن الله لا يتكلم بالعربية، ولا بغيرها من اللغات ولا يدخل كلامه النظم، والتأليف، والتعاقب، ولا يكون حرفاً ولا صوتاً) (3)

ثم عقب عليه بقوله: (ومنكر القرآن العربي وأنه كلام الله كافر بإجماع الفقهاء ومثبت قرآن لا أوّل له ولا آخر كافر بإجماعهم، ومدعي قرآن لا لغة فيه جاهل غبي عند العرب) (4)

وهو بهذا ـ كسائر السلفية ـ يكفرون كل من يقول بالكلام النفسي، لأن من مقتضياته أن الله تعالى لم يتكلم بالحروف والأصوات التي ننطق بها عند قراءتنا للقرآن الكريم، وهذا هو قول الأشاعرة كلهم متقدمهم ومتأخرهم.

وهكذا قال بعده الشيخ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد بن علي الأنصاري الهروي (المتوفى: 481 هـ) في كتابه في [ذم الكلام وأهله]، وهو كتاب مشحون بتكفير الأشاعرة، وقد نقل ابن تيمية الكثير منه مستحسنا له، ومن ذلك قوله في [بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية]: (وقال شيخ الاسلام أبو اسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري

__________

(1) المناظرة على القرآن، ص 50.

(2) انظر الأشعري في المقالات 2/ 257، وقد ذكر الشهرستاني عن الأشعري أنه يقول ببعض ما ذكر. انظر: الملل 1/ 96..

(3) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: 154)

(4) رسالة السجزي إلى أهل زبيد في الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص: 154)

كلكم كفرة (50)

في كتاب ذم الكلام في آخره لما عقد بابا في ذكر هؤلاء الأشعرية المتأخرين فقال: باب في ذكر كلام الأشعري: (ولما نظر المبرزون من علماء الأمة وأهل الفهم من أهل السنة طوايا كلام الجهمية وما أودعته من رموز الفلاسفة ولم يقع منهم الا على التعطيل البحت، وأن قطب مذهبهم ومنتهى عقدتهم ما صرحت به رؤوس الزنادقة قبلهم، والفلك دوار والسماء خالية، وأن قولهم إنه تعالى في كل موضع وفي كل شيء ما استثنوا جوف كلب ولا جوف خنزير ولا حشا فرارا من الإثبات وذهابا عن التحقيق.. وقال أولئك ليس له كلام إنما خلق كلاما وهؤلاء يقولون تكلم مرة فهو متكلم به منذ تكلم لم ينقطع الكلام، ولا يوجد كلامه في موضع ليس هو به، ثم يقولون ليس هو في مكان، ثم قالوا ليس له صوت ولا حروف، وقالوا هذا زاج وورق وهذا صوف وخشب وهذا إنما قصد النفس وأريد به التفسير، وهذا صوت القاري إما يرى حسن وغير حسن وهذا لفظه أو ما تراه مجازا به حتى قال رأس من رؤوسهم: أو يكون قرآن من لبد وقال آخر من خشب، فراوغوا، فقالوا هذا حكاية عبر بها عن القرآن والله تكلم مرة ولا يتكلم بعد ذلك، ثم قالوا غير مخلوق، ومن قال مخلوق كافر، وهذا من فخوخهم يصطادون به قلوب عوام أهل السنة، وإنما اعتقادهم أن القرآن غير موجود لفظية الجهمية الذكور بمرة والجهمية الإناث بعشر مرات) (1)

وقد أقر ابن تيمية كلام الهروي، وأن الأشاعرة جهمية في باب صفة الكلام، وأنهم بذلك وقعوا في هذه البدعة المكفرة بإجماعهم.

وقد ذكر الشيخ الهروي سلفه في هذا، فقال: (ورأيت يحيى بن عمار ما لا أحصي من مرة على منبره يكفرهم ويلعنهم، ويشهد على أبي الحسن الأشعري بالزندقة، وكذلك رأيت عمر بن إبراهيم ومشائخنا) (2)

__________

(1) بيان تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية (4/ 405)

(2) ذم الكلام 1315.

كلكم كفرة (51)

وإلى هذا أيضا ذهب أبو القاسم هبة الله بن الحسن بن منصور الطبري الرازي اللالكائي (المتوفى: 418 هـ) وهو من مشايخهم الكبار المعتمدين، فقد قال في [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة]: (سياق ما دل من الآيات من كتاب الله تعالى وما روي عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصحابة والتابعين على أن القرآن تكلم الله به على الحقيقة، وأنه أنزله على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وأمره أن يتحدى به، وأن يدعو الناس إليه، وأنه القرآن على الحقيقة. متلو في المحاريب، مكتوب في المصاحف، محفوظ في صدور الرجال، ليس بحكاية ولا عبارة عن قرآن، وهو قرآن واحد غير مخلوق وغير مجعول ومربوب، بل هو صفة من صفات ذاته، لم يزل به متكلما، ومن قال غير هذا فهو كافر ضال مضل مبتدع مخالف لمذاهب السنة والجماعة) (1)

ثم عقد فصلا آخر خصصه للأشاعرة، فقال: (سياق ما روي في تكفير من قال: لفظي بالقرآن مخلوق) (2)

ثم ذكر الأئمة الذين ذهبوا إلى هذا المذهب، فقال: (روي ذلك عن الأئمة. عن محمد بن إدريس الشافعي، وأبي مصعب أحمد بن أبي بكر الزهري، وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وأبي ثور، وسويد بن سعيد، وأبي همام الوليد بن شجاع، ومحمد بن يحيى بن أبي عمر العدني، وهارون بن موسى الفروي، ويعقوب بن إبراهيم الدورقي، والحسن بن الصباح البزار، وهارون بن عبد الله الحمال، وعبد الوهاب بن الحكم الوراق، ومحمد بن منصور الطوسي، وإسحاق بن إبراهيم البغوي، وأبي نشيط محمد بن هارون، وعباس بن أبي طالب، ومحمد بن عبد الله بن أبي الثلج، وسليمان بن توبة النهرواني، وأبي الوليد الجارودي، ومحمد بن عبد الله بن يزيد المقرئ، وأبي يونس محمد بن أحمد بن يزيد الجمحي والحسن بن إبراهيم

__________

(1) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (2/ 364)

(2) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (2/ 385)

كلكم كفرة (52)

البياضي، ومحمد بن إسحاق بن يزيد أبي عبد الله الصيني..) (1) وغيرهم كثير.

وهكذا نجد كبار أئمة السلفية من المتقدمين والمتأخرين يصرحون بتكفير الأشاعرة بطرق لا تخفى على أي عاقل، لكنهم مع ذلك يظلون يجادلون، لا بالإنكار على أئمتهم الذين اعتبروا أمثال تلك المقولات مكفرة، ولكن بنفي التكفير عنهم.

ولست أدري أي منطق يعتمدون عليه في ذلك: هل المنطق الذي يقول: كل إنسان فان، وسقراط إنسان، إذن سقراط فان.. وهو المنطق الذي اتفقت البشرية جميعا عليه، وقياسا عليه: فإن كل من قال ـ بحسب الرؤية السلفية ـ بأن الحرف في الصوت والقرآن مخلوق كافر.. والأشاعرة قالوا بهذا.. إذن هم كفار.

لكنهم يأبون هذا من باب الخداع والحيلة.. لا من باب الصدق والحقيقة، ولهذا نحتاج إلى الحديث عن أهل الجرأة فيهم، والذين لم يكتفوا بالتلميح، وعدلوا إلى التصريح.

2 ـ التكفير الصريح

بناء على تلك المقولات والفتاوى الكثيرة التي يزدحم بها التراث السلفي، والتي لا يملك أي سلفي صادق إلا أن يذعن لها، لأنه إن لم يذعن لها، فسيقع في تكفير سلفه الصالح له، ظهرت الكثير من الرسائل والكتب التي لا تكتفي بالتكفير الخفي، بل تضم إليه التكفير الصريح.

ومن أوائل هؤلاء المصرحين أئمة الدعوة النجدية من أبناء وتلاميذ الشيخ محمد بن عبد الوهاب، والذين يعتبرهم السلفية المعاصرون من كبار مراجعهم الفكرية بعد سلفهم الأول، فقد ورد في [مجموعة الرسائل والمسائل النجدية] في عد رسائل الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن بن محمد بن عبد الوهاب (1225 - 1293 هـ) وهو من أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب هذه الرسالة [تكفير من أنكر الاستواء على العرش]

__________

(1) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة (2/ 386)

كلكم كفرة (53)

وقد قدموا لها بهذا التقديم: (وله أيضا –يقصد الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن - رسالة إلى عبد الله بن عمير صاحب الأحساء، لما بلغه مسبة مشائخ المسلمين، والوقوع في أعراضهم، ليتوصل هو وإخوانه بذلك إلى أغراضهم، من القدح فيما عليه المشايخ من العقيدة والدين، ونسبهم إلى تكفير المؤمنين والمسلمين، مع ما هو قائم به وأخدانه من أهل الأحساء من سوء العقيدة، وسلوك طريق أهل البدع والأهواء، ممن ينتسب في العقيدة إلى الأشعرية من تلامذة الجهمية الجاحدين لعلوه -سبحانه- على خلقه، واستوائه على عرشه، خلاف العقيدة المرْضِية والطريقة السلفية. وقد اتهم بإلقاء ورقة فيها الطعن في عقيدة من دعا الناس إلى عبادة الله، وترك عبادة ما سواه) (1)

وهذه مقتطفات من هذه الرسالة من هذا المرجع الكبير من مراجع السلفية: (.. بلغنا ما أنت عليه، أنت ومن غرك وأغواك، من مسبة مشايخ المسلمين، والقدح فيما هم عليه من العقيدة والدين، ونسبتهم إلى تكفير المؤمنين والمسلمين، وقد عرفت أني لما أتيتكم عام أربع وستين، بلغني أنك على طريقة من ينتسب إلى الأشعري، من تلامذة الجهمية الذين جحدوا علوه -تعالى- على خلقه، واستواءه على عرشه، وزعموا أن كتابه الكريم، الذي نزل به جبرائيل على عبده ورسوله محمد صلى الله عليه وآله وسلم عبارة أو حكاية عما في نفس الباري، لا أنه تكلم به حقيقة، وسمع كلامه الروح الأمين، وكذلك بقية الصفات التي ذهب الأشاعرة فيها إلى خلاف ما كان عليه سلف الأمة وأئمتها، ونقل عنك ما كنت تنتحله، من تصحيح العقود الباطلة في الإجارات، وشافهتك في البحث عن بعض ذلك فاعتذرت، وتنصلت وطلبت الكف عن هذه المادة، وأنك لا تعود إلى شيء من ذلك، فجريت معك بالسيرة الشرعية في الكف عمن أظهر الخير والتزمه، وترك السرائر إلى الله الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. وقد بلغنا عنك بعد ذلك أنك أبديت لأخدانك وجلسائك شيئا مما تقدمت

__________

(1) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 219.

كلكم كفرة (54)

الإشارة إليه، من السباب والقدح، لا سيما إذا خلوت بمن يعظمك، ويعتقد فيك من أسافل الناس وسقطهم، الذين لا رغبة لهم فيما جاءت به الرسل، من معرفة الله ومعرفة دينه وحقه، وما شرع من حقوق عباده المؤمنين، وقد عرفت يا عبد الله أن من باح بمثل هذا، وأظهر ما انطوى عليه من سوء المعتقد، وطعن في شيء من مباني الإسلام وأصول الإيمان، فدمه هدر وقتله حتم. وقد حكى ابن القيم عن خمسمائة إمام من أئمة الإسلام، ومفاتيه العظام أنهم كفّروا من أنكر الاستواء، وزعم أنه بمعنى الاستيلاء، ومن جملتهم إمامك الشافعي -رحمه الله-، وجملة من أشياخه كمالك وعبد الرحمن بن مهدي والسفيانين، ومن أصحابه أبو يعقوب البويطي والمزني، وبعدهم إمام الأئمة ابن خزيمة الشافعي، وابن سريج، وخلق كثير. وقولنا: إمامك الشافعي مجاراة للنسبة، ومجرد الدعوى، وإلا فنحن نعلم أنكم بمعزل عن طريقته في الأصول، وكثير من الفروع، كما هو معروف عند أهل العلم والمعرفة) (1)

ومنهم الشيخ عبد الرحمن بن حسن حفيد الشيخ محمد عبد الوهاب الذي كفر الأشاعرة صراحة، فقال: (وهذه الطائفة التي تنتسب إلى أبي الحسن الأشعري وصفوا رب العالمين بصفات المعدوم والجماد؛ فلقد أعظموا الفرية على الله، وخالفوا أهل الحق من السلف والأئمة وأتباعهم؛ وخالفوا من ينتسبون إليه، فإن أبا الحسن الأشعري، صرح في كتابه الإبانة، والمقالات، بإثبات الصفات؛ فهذه الطائفة المنحرفة عن الحق قد تجردت شياطينهم لصد الناس عن سبيل الله، فجحدوا توحيد الله في الإلهية، وأجازوا الشرك الذي لا يغفره الله، فجوزوا أن يعبد غيره من دونه، وجحدوا توحيد صفاته بالتعطيل) (2)

ومنهم الشيخ عبد الله بن عبد الرحمن الملقب بـ[أبابطين] (توفي 1282 هـ)، وقد تولي عدة مناصب حساسة في السعودية في أطوارها المختلفة، ففي ولاية عبد الله بن سعود

__________

(1) مجموعة الرسائل والمسائل النجدية: 3/ 220.

(2) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (3/ 210)

كلكم كفرة (55)

صار قضيا على عمان، ثم لما جاء عهد الحكومة السعودية الثانية صار قاضيا على مقاطعة الوشم، وقضاء سدير.. وهذا يبين نوع القضاة الذين يختارهم آل سعود وآل الشيخ محمد بن عبد الوهاب.

فعند مطالعة رسالة هذا الشيخ القاضي الذي أولاه الوهابيون كل تلك الثقة نرى شخصية ممتلئة بالحقد والتكفير لكل المسلمين، بمن فيهم الأشاعرة، ومن أمثلة ذلك الفصل الذي عنونه بـ[تقارب الأشعرية من المعتزلة والجهمية في بعض الصفات]، فمما جاء فيه قوله: (ومذهب السلف قاطبة: أن كلام الله غير مخلوق، وأن الله -تعالى- تكلم بالقرآن، حروفه ومعانيه، وأن الله -سبحانه وتعالى- يتكلم بصوت يسمعه من يشاء. والأشعرية لا يثبتون علو الرب فوق سماواته واستواءه على عرشه ويسمون من أثبت صفة العلو والاستواء على العرش مجسما مشبها، وهذا خلاف ما عليه أهل السنة والجماعة؛ فإنهم يثبتون صفة العلو، والاستواء، كما أخبر الله -سبحانه- بذلك عن نفسه، ووصفه به رسوله صلى الله عليه وآله وسلم، من غير تكييف ولا تعطيل. وصرح كثير من السلف بكفر من لم يثبت صفة العلو والاستواء. والأشاعرة وافقوا الجهمية في نفي هذه الصفة، لكن الجهمية يقولون: أنه -سبحانه وتعالى- في كل مكان، ويسمون الحلولية، والأشعرية يقولون: كان ولا مكان، فهو على ما كان قبل أن يخلق المكان. والأشعرية يوافقون أهل السنة في رؤية المؤمنين ربهم في الجنة، ثم يقولون: إن معنى الرؤية إنما هو زيادة علم، يخلقه الله في قلب الناظر ببصره، لا رؤية بالبصر حقيقة عيانا. فهم بذلك نافون للرؤية التي دل عليها القرآن، وتواترت بها الأحاديث عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ومذهب الأشاعرة: أن الإيمان مجرد التصديق، ولا يدخلون فيه أعمال الجوارح. قالوا: وإن سميت الأعمال في الأحاديث إيمانا، فعلى المجاز لا الحقيقة. ومذهب أهل السنة والجماعة: أن الإيمان تصديق بالقلب، وقول باللسان، وعمل بالجوارح. وقد كفر جماعة من العلماء من أخرج العمل عن الإيمان. فإذا تحققت ما ذكرنا عن مذهب

كلكم كفرة (56)

الأشاعرة من نفي صفات الله -سبحانه وتعالى- غير السبع التي ذكرنا، ويقولون: إن الله لم يتكلم بحرف، ولا صوت، وأن حروف القرآن مخلوقة، ويزعمون أن كلام الرب -سبحانه وتعالى- معنى واحد، وأن نفس القرآن هو نفس التوراة والإنجيل، لكن إن عبر عنه بالعربية فهو قرآن، وإن عبر عنه بالعبرانية فهو توراة، وإن عبر عنه بالسريانية فهو إنجيل، ولا يثبتون رؤية أهل الجنة ربهم بأبصارهم، إذا عرفت ذلك عرفت خطأ من جعل الأشعرية من أهل السنة، كما ذكره السفاريني في بعض كلامه، ويمكن أنه أدخلهم في أهل السنة مدارة لهم لأنهم اليوم أكثر الناس، والأمر لهم) (1)

وهذا تصرح من هذا الشيخ السلفي بأن التقية هي التي دعت بعض السلفيين إلى التساهل مع الأشاعرة، لأنه لا فرق بينهم وبين المعتزلة والجهمة، وما داموا قد كفروهما، فلم لا يكفرون من يقول بنفس قولهما.

وبناء على هذا نجد الكثير من الرسائل والكتب المعاصرة، والتي تنتشر بكثرة على النت، وفي المواقع المختلفة، وهي تصرح جميعا بأن الأشاعرة جهمية معطلة كفار، وتستند في ذلك لكل التراث السلفي المشحون بتكفير من يقول بقولهم.

وسأذكر هنا من باب المثال نموذجين عن تكفير الأشاعرة من خلال الكتابات السلفية المعاصرة:

النموذج الأول

وهو لرسالة بعنوان [تكفير الأشاعرة] لصاحبها الشيخ خالد بن علي المرضي الغامدي، وهو كما في ترجمته قد تتلمذ على كبار مشايخ السلفية المعاصرين، كالشيخ (عبد العزيز بن باز) الذي أخذ عنه الحديث والتوحيد والفقه والمصطلح، والشيخ (عبد الله بن حبرين) الذي درس على يديه الفقه والعقيدة والنحو، والشيخ (محمد بن عثيمين) ودرس

__________

(1) رسائل وفتاوى أبا بطين (ص: 177)

كلكم كفرة (57)

على يديه الفقه والنحو والعقيدة والحديث، بالإضافة لتتلمذه على الشيخ (عبد الله بن قعود) والشيخ (محمود التو يجري) وغيرهم.

وله كتابات كثيرة تمتلئ بالتكفير، وتحيي سنة سلفه الصالح في ذلك، ومنها (التوحيد وحقيقة الشرك) و(شرح نواقض الإسلام) و(شرح شروط لا اله إلا الله) و(الميثاق) و(نقض عقائد الأشاعرة) و(قواعد في البراء والولاء)

وقد قدم لرسالته هذه بقوله: (هذا كتاب في تكفير الأشاعرة الجهمية، وبيان قول أهل العلم فيهم، وتحقيق إجماع السلف على كفرهم، والرد على من زعم خلاف ذلك، كما وفيه بيان أن من أنكر صفات الله العقلية التي لا تقوم ربوبيته ولا تصح ألوهيته إلا بها كالعلم والقدرة والعلو والكلام والسمع والبصر ونحوها كافر لا يعذر بجهل أو تأويل، وعليه فمن علم منه عبادة غير الله كدعاء الأموات والحكم بغير ما أنزل الله أو إنكار ربوبية الله أو صفاته التي لا يكون الله تعالى ربا إلا بها والتي هي من لوازم ألوهيته وربوبيته فإنه يحكم بكفره ولا يعذر بجهله وتأوله ومن مات على هذه العقيدة فهو مشرك لا يترحم عليه) (1)

ثم صرح بأن البحث العلمي في التراث السلفي هو الذي دفعه إلى هذا القول دفعا، فقال: (هذا وإني كنت سابقاً لا أقول بتكفير الأشاعرة والماتريدية كما في كتابي نقض عقائد الأشاعرة تبعا لما رأيته من الكلام المنسوب للإمام ابن تيمية، وكنت أقول قديماً أن العذر بالجهل والتأويل في الشرك وإنكار الصفات خالف فيه بعض أهل السنة وكنت أخطئهم وذلك على أن المسألة خلافية وليس الأمر كذلك، فلما تأملت في الأدلة وكلام السلف رجعت من هذا القول وتبرأت منه ولا أحل أحدا أن ينقله عني أو ينسبه لي) (2)

__________

(1) تكفير الأشاعرة، ص 3.

(2) تكفير الأشاعرة، ص 3.

كلكم كفرة (58)

ثم ذكر قدوته وسلفه في ذلك، فقال: (ولي في ذلك أسوة وهو الإمام أحمد حين قال عن الجهمية: (كنت لا أكفرهم حتى قرأت آيات من القران) (1).. وأدعو من يخالف في المسألة إلى التبصر في الأدلة والاقتداء بمنهج السلف في تكفيرهم وعد إعذارهم، قال البخاري: (وإني لأستجهل من لا يكفر الجهمية إلا من لا يعرف كفرهم) وقال أحمد: (الجهمية كفار) وقال البربهاري: (الجهمي كافر ليس من أهل القبلة) وقال الدارمي: (وأي فرق بين الجهمية وبين المشركين حتى نجبن عن قتلهم وإكفارهم) (2)

ثم ذكر النتيجية التي وصل إليها، فقال: (فالحق الذي لا مرية فيه أن الأشاعرة جهمية، والجهمية كفار غير مسلمين، وأن المشرك الجاهل بالتوحيد منكر صفات الربوبية والألوهية لا يسمى مسلما ولو كان جاهلا او متأولاً، وهذا مما لا خلاف فيه بين أهل السنة، ومن خالف في هذه المسألة فلا اعتبار بخلافه لأنه يعد ناقضا للإجماع، والحمد لله الذي هدانا لهذا وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله) (3)

وبناء على أهمية ما ذكره في هذه الرسالة، ودلالتها على أنه يستحيل على أي سلفي صادق في سلفيته أن يتوقف عن التكفير، أو يتوقف فيه، فسأذكر بعض ما ذكره هنا للدلالة على أن التراث السلفي أعظم خزان للتكفير.

فقد مهد بعد المقدمة بتمهيد عنونه بـ[تمهيد بوجوب تكفير الأشعرية]، قال فيه: (اعلم أن مدار الرسالة يقف على أمرين: الأول: أن الأشاعرة وقعوا في مكفرات عديدة لم يختلف أحد من أهل السنة في تكفير فاعلها وقائلها ومعتقدها، وسنأتي بها على وجه التفصيل مع كلام أهل العلم.. الثاني: وجوب تكفير من كفره الله من الواقعين في فعل

__________

(1) طبقات الحنابلة 2/ 553.

(2) تكفير الأشاعرة، ص 3.

(3) تكفير الأشاعرة، ص 4.

كلكم كفرة (59)

ينقض إيمانهم، ومنهم الجهمية وأتباعهم الأشاعرة الذين أجمع السلف على وجوب تكفيرهم بأعيانهم وكفروا من لم يكفرهم) (1)

فهاتان مقدمتان منطقيتان، وكلاهما مما يمتلئ التراث السلفي بالدلالة عليهما.. وقد ساق الكاتب الكثير من النصوص الدالة على وجوب التكفير، وحرمة التوقف عنه أو فيه، ومما نقله من ذلك قول البربهاري فيمن وقع في نواقض الإسلام كإنكار علو الله: (وإذا فعل شيئاً من ذلك وجب عليك أن تخرجه من الإسلام) (2)

ونقل عن جماعة من العلماء من أصحاب الدعوة النجدية: (.. وأجاب الشيخ عبد الله والشيخ إبراهيم: ابنا الشيخ عبد اللطيف، والشيخ سليمان بن سحمان: لا تصح إمامة من لا يكفر الجهمية والقبوريين أو يشك في كفرهم؛ وهذه المسألة من أوضح الواضحات عند طلبة العلم وأهل الأثر، وذكروا نحواً مما تقدم من كلام الشيخ عبد اللطيف، ثم قالوا: وكذلك القبوريون لا يشك في كفرهم من شم رائحة الإيمان؛ وقد ذكر شيخ الإسلام، وتلميذه ابن القيم، رحمهما الله، في غير موضع: أن نفي التكفير بالمكفرات قوليها وفعليها، فيما يخفى دليله ولم تقم الحجة على فاعله، وأن النفي يراد به نفي تكفير الفاعل وعقابه قبل قيام الحجة عليه، وأن نفي التكفير مخصوص بمسائل النّزاع بين الأمة.) (3)

ونقل عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب قوله: (لو ذهبنا نعدد من كفره العلماء مع إدعائه الإسلام وأفتوا بردته وقتله لطال الكلام... وهل قال واحد من العلماء في هذه المكفرات وأسباب الردة إن هؤلاء يكفر أنواعهم ولا يكفر أعيانهم) (4)

ونقل عن عبدالله با بطين قوله: (وما سألت عنه من حكم تعيين إنسان بعينه بالكفر

__________

(1) تكفير الأشاعرة، ص 5.

(2) شرح السنة، 73.

(3) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (4/ 409)

(4) الدرر السنية 10/ 63.

كلكم كفرة (60)

إذا ارتكب شيئا من المكفرات؟ فإن من ارتكب شيئا من هذا النوع فهذا لا شك في كفره ولا بأس بمن تحققت منه أشياء من ذلك أن تقول كفر فلان بهذا الفعل) (1)

ثم نقل جملة من (كلام أهل العلم في كفر الممتنع عن تكفير من وقع في الكفر والردة)، ومنها قول ابن بطة: (من قال كلام الله مخلوق فهو كافر حلال الدم ومن شك في كفره ووقف في تكفيره فهو كافر) (2)

ومنها قول الإمام الملطي (توفي 377 هـ) في الشاك في كفر الكافر: (وجميع أهل القبلة لا اختلاف بينهم: أن من شك في كافر فهو كافر، لأن الشاك في الكفر لا إيمان له، لأنه لا يعرف كفرا من إيمان) (3)

ومنها قول بعض أئمة الدعوة النجدية: (فمن لم يكفر المشركين... فهو كافر مثلهم وإن كان يكره دينهم ويحب الإسلام فإن الذي لا يكفر المشركين غير مصدق بالقرآن) (4)

ومنها قول الشيخ سليمان بن عبد الله: (من كان شاكا في كفرهم أو جاهلاً بكفرهم بينت له الأدلة من كتاب الله وسنة رسوله على كفرهم، فإن شك بعد ذلك أو تردد فإنه كافر بإجماع العلماء على أن من شك في كفر الكافر فهو كافر) (5)

وبناء على هذه النقول وغيرها قال: (وبعد هذا الكلام ستعلم الفائدة من دعوتنا لتكفير الأشاعرة وأهميته، وأنه من الدين والكفر بالطاغوت، وتارك التكفير بالكلية امتناعا يكفر، لأن الامتناع عن تكفير المشركين يعد أحد نواقض الإسلام، والسلف كفروا الجهمية وأصحاب عقيدة نفاة صفات الكمال والعلو وكفروا من لم يكفر أصحابها، فتنبه فإني لك

__________

(1) الرسائل 1/ 657.

(2) الإبانة، 129..

(3) التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع ص:54.

(4) الدرر السنية 9/ 291.

(5) الدرر السنية 8/ 160..

كلكم كفرة (61)

ناصح والأمر جد خطير، كما أن في تكفير العلماء للواقع في الكفر تحذيرا للمرتدين لعلهم يرجعون، وقد بينت هذه المسألة في شرح نواقض الإسلام) (1)

ثم عقد فصولا يعدد فيها وجوه كون الأشاعرة فرقة من الجهمية، مثلهم مثل (المعتزلة والمريسية والكلابية والماتريدية والإباضية الخوارج والزيدية وغيرهم.. وتكفير السلف يشملهم جميعا لأن جميعهم منكرة للعلو) (2)

ومن تلك الوجوه: (قولهم بقول الجهم بن صفوان في الصفات والقدر والإيمان، واتباعهم لمذهبه فهم اليوم على معتقد الجهمية حذو القذة.. بل إن الأشعرية زادوا في الغلو، فأنكروا كثيرا من الصفات التي كان الأشعري يثبتها، وهذا من غير القول برجوع الأشعري عن مذهبه إن صح مع بقائهم على منهج الجهمية بعده، فكيف ينسبون له وقد تاب من عقيدته إن ثبت رجوعه. هذا واعلم أن كثيرا من أهل العلم لا يسمون الأشاعرة إلا بالجهمية، كالهروي وابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية وابن القيم في كتابه اجتماع الجيوش في غزو الجهمية والصواعق المرسلة على الجهمية وكذلك كثير من أئمة الدعوة وقصدوا بالجهمية الأشاعرة) (3)

ومن تلك الوجوه (إجماع الأمة على تكفير الجهمية)، وبما أن الأشاعرة جهمية أو فرق من فرق الجهمية كما ينص كل أعلام السلف، فإن هذا الإجماع يشملهم، قال الغامدي: (أجمع أئمة السلف على كفر الجهمية وصرحوا بتكفير أعيانهم وعدم صحة الصلاة خلفهم ولا أكل ذبائحهم ولا مناكحتهم)

ثم أخذ يعدد الأقوال التي كفرت الجهمية بها، والتي شاركم فيها الأشاعرة، فقال:

__________

(1) تكفير الأشاعرة، ص 12.

(2) تكفير الأشاعرة، ص 23.

(3) تكفير الأشاعرة، ص 23.

كلكم كفرة (62)

(اعلم أن الأقوال التي من أجلها كفر السلف الجهمية تقول بها الأشاعرة، ومنها: الأول: إنكار علو الله تعالى وهو أشنعها: والسلف أجمعوا على تكفير من أنكر علو الله تعالى، والأشاعرة تقول به تبعاً للجهمية.. قال ابن تيمية عن علو الله: (ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك لأنه عندهم معلوم بالإضطرار من الدين) (1).. بل لابد أن تعلم أن جميع الأشاعرة صرحوا بما لم يصرح به الجهمية، فالجهمية لم يتجرؤوا على إظهار إنكار العلو، بينما الأشاعرة يجاهرون بإنكاره) (2)

ثم نقل عن ابن تيمية قوله: (الجهمية أظهروا مسألة القرآن وأنه مخلوق وأنه لا يرى في الآخرة ولم يكونوا يظهرون لعامة المؤمنين وعلمائهم إنكار أن الله فوق العرش وأنه لا داخل العالم ولا خارجه، وإنما كان العلماء يعرفون هذا منهم بالاستدلال.. وهذا كما قال حماد بن زيد: (وما يحاولون إلا أن ليس في السماء إله)، وقال عبدالرحمن بن مهدي: (ليس في أصحاب الأهواء أشر من أصحاب جهم، يدورون على أن يقولوا ليس في السماء شيء) ومثل هذا كثير في كلام السلف والأئمة كانوا يردون ما أظهرته الجهمية من نفي الرؤية وخلق القرآن ويذكرون ما تبطنه الجهمية مما هو أعظم من ذلك: أن الله ليس على العرش، ويجعلون هذا منتهى قولهم، وأن ذلك تعطيل للصانع وجحود للخالق) (3)

وعلق عليه بقوله: (فلا تعجب بعد ذلك إن قلت لك إن ما لم يتجرأ على إظهاره الجهمية وهو نفي العلو تجاهر الأشاعرة بإظهاره فأوجبوا إنكار العلو بل وكفروا من يثبت لله العلو لأن هذا عندهم من التجسيم) (4)

ثم نقل بعض أقوال المتقدمين منهم، وعقب عليها بقوله: (ومن عرف عنه هذا القول

__________

(1) درء تعارض النقل والعقل 7/ 26..

(2) تكفير الأشاعرة، ص 23.

(3) بيان تلبيس الجهمية 3/ 522.

(4) تكفير الأشاعرة، ص 23.

كلكم كفرة (63)

كالنووي وابن حجر والهيتمي والقرطبي وغيرهم من الأشاعرة فلا يجوز أن يترحم عليه إلا أن يثبت رجوعه، بل يجب أن يحكم بكفره ونفي الإسلام عنه إن مات على هذه العقيدة الجهمية الكافرة التي لم يختلف السلف على كفر أصحابها) (1)

وبهذا فإن تطبيق أقوال سلف السلفية على أكثر علماء الأمة يجعلهم جهمية وكفارا لا يستثنى أحد منهم حتى لو كان في مرتبة النووي وابن حجر وغيرهما..

هذا هو النموذج الأول، وهو نموذج صادق في التعامل مع التراث السلفي لأنه من الغريب أن تقول فرقتان هما الجهمية والأشاعرة قولا واحدا، ثم تكفر إحداهما بسببه تكفيرا غليظا، ثم تعذر الأخرى.. لأن المنطق السليم ينص إما على اعتبار الجميع معذورين، أو اعتبارهم جميعا مدانين.

النموذج الثاني

وهو لكتاب بعنوان [تأكيد المسلمات السلفية في نقض الفتوى الجماعية بأن الأشاعرة من الفرقة المرضية]، وهو لعلم سلفي معروف لدى السلفية المعاصرين هو عبد العزيز بن ريس الريس، بالإضافة إلى أنه قدم له وقرظ وأثني عليه من طرف كبار أعلام السلفية المعاصرين من أمثال: الشيخ المحدث أحمد النجمي، والشيخ عبيد الجابري، بالإضافة لمراجعة كل من الشيخ صالح الفوزان والشيخ المحدث عبدالمحسن العباد، والكتاب منتشر على النت بكثرة، وهو يمثل وجهة نظرة سلفية كبيرة.

وهو في أصله رد علمي وبالأدلة الكثيرة على فتوى من بعض أصحاب المنهج التكفيري الخفي من السلفية، والذين رأوا أن المصلحة في الوقت الحالي تستدعي تخفيف الحرب على الأشاعرة، لتفرغهم لمن يسمونهم الروافض.

وأصحاب الفتوى ـ وهم الشيخ عبدالله الغنيمان والشيخ محمد السحيباني والشيخ

__________

(1) تكفير الأشاعرة، ص 23.

كلكم كفرة (64)

عبد العزيز القاري ـ ليس لهم شأن كبير لدى السلفية، لا في علمهم، ولا في مكانتهم، ولكنهم مع ذلك لقوا ردود فعل شديدة من أعلام السلفية الكبار، لانحرافهم عن المنهج السلفي الأصيل.

ونص الفتوى التي اجتهد الكاتب في نقضها هي: (الأشاعرة والماتريدية قد خالفوا الصواب حين أولوا بعض صفات الله سبحانه. لكنهم من أهل السنة والجماعة، وليسوا من الفرق الضالة الاثنتين والسبعين إلا من غلا منهم في التعطيل، ووافق الجهمية فحكمه حكم الجهمية [وهذا ينطبق على كل الأشاعرة، لأنهم جميعا متفقون على نفي الجهة ونفي الحرف والصوت وتعطيل كل ما يذكره السلفية من صفات اليد والوجه والساق وغيرها] (1) أما سائر الأشاعرة والماتريدية فليسوا كذلك [لأنه لا يوجد أشعري أو ماتريدي بالوصف الذي ذكره] (2)، وهم معذورون في اجتهادهم وإن أخطأوا الحق. ويجوز التعامل والتعاون معهم على البر والإحسان والتقوى، وهذا شيخ الإسلام ابن تيمية قد تتلمذ على كثير من العلماء الأشاعرة، بل قد قاتل تحت راية أمراء المماليك حكام ذلك الزمان وعامتهم أشاعرة، بل كان القائد المجاهد البطل نور الدين زنكي الشهيد، وكذا صلاح الدين الأيوبي من الأشاعرة كما نص عليه الذهبي في سير أعلام النبلاء، وغيرهما كثير من العلماء والقواد والمصلحين، بل إن كثيراً من علماء المسلمين وأئمتهم أشاعرة وماتريدية، كأمثال البيهقي والنووي وابن الصلاح والمزي وابن حجر العسقلاني والعراقي والسخاوي والزيلعي

__________

(1) التعليق مني.

(2) التعليق مني.

كلكم كفرة (65)

والسيوطي، بل جميع شراح البخاري هم أشاعرة وغيرهم كثير) (1)

وبعد أن أورد الكاتب نص الفتوى بدأ بنقضها، وأول ما فعله لذلك هو تقديمه لتقريظات وتزكيات من هم أوثق وأعلم لدى السلفية من أصحاب الفتوى، وفي مقدمتهم الشيخ المحدث أحمد النجيمي الذي في تقريظه للكتاب: (اطلعت على رسالة كتبها الشيخ عبدالعزيز بن ريس الريس - جزاه الله خيراً، وبارك فيه -؛ رد بها على فتوى كتبها مجموعة من المشائخ زعموا فيها أن الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة؛ كبرت كلمة تخرج من أفواههم، والحق الذي لا مرية فيه، أن الأشاعرة، والماتريدية؛ من طوائف أهل البدع، ولا يجوز لأحد أن يقول إنهم من أهل السنة، ومن زعم أن هاتين الطائفتين من أهل السنة والجماعة، فإنه قد أقحم نفسه في خطأ فادح، وخطر فاضح، وسيسأل يوم القيامة عن قيله قبل أن يُفرَج له عن سبيله) (2)

وقد يتصور البعض أن السلفية في هذا النص لم يفعلوا سوى أن أخرجوهم من أهل السنة والجماعة لا من الإسلام، وهذا لا يقوله إلا من لا يعرف السلفية، لأن الإسلام عندهم هو أهل السنة والجماعة، ومن عداها فضالون كافرون..

وقد رفع النجيمي نفسه اللبس عن ذلك حينما قال في تقريظه للكتاب بحماسة وغضب: (كيف يكون من أهل السنة والجماعة من يحكم العقل في القضايا الإيمانية الثابتة بالكتاب والسنة، فما قبله منها قبل، وما ردّه منها ردَّ، ولذلك فإنهم لا يثبتون من الصفات إلا سبع صفات، وما عداها فإنه يكون مصيرها التأويل؛ الذي يؤدي إلى التعطيل؛ كيف يكون من أهل السنة والجماعة من يؤول قوله تعالى {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} باستولى، فيكون كأنَّه مستولٍ عليه غيره، ثم استولى عليه بعد ذلك؛

__________

(1) تأكيد المسلمات السلفية، ص 8.

(2) تأكيد المسلمات السلفية، ص 3.

كلكم كفرة (66)

كيف يكون من أهل السنة والجماعة من يتأول حديث نزول الربِّ في الثلث الأخير من الليل.. فيقول المؤول: ينزل أمره مع أن أمر الله عز وجل هو نازل في كل وقت وحين؛ كيف يكون من أهل السنة والجماعة من يتأول اليدين بالنعمتين مع أن الله سبحانه وتعالى قد قرن ذلك بما يكون من خصائص اليد، وهو الإنفاق.. كيف يكون من أهل السنة والجماعة من يتأول حديث (لا ينظر الله إلى من جرّ ثوبه خيلاء)، وما في معناه؛ يتأول النظر في هذا الحديث بأن النظر هنا مجازٌ عن الرحمة بأنه لا يرحمهم؛ إلى غير ذلك من التأويلات المتعسفة، والتي يحيلون بها النصوص الواردة من الله عزّ وجل في كتابه أو على لسان رسوله مما يتضمن المعاني السامية التي تليق بالله عز وجل يتأولونها بتأويلات باطلة. وإذا فكرنا ما هو الذي أوجب لهم ذلك نجد أنهم زعموا إحالة العقول بأن يوصف الله بتلك الصفات؛ لأنهم جعلوا تأصيلات أهل الكلام هي الأساس، وحكموا بها على النصوص الشرعية؛ التي جاءت في كتاب الله، وفي سنة الرسول صلى الله عليه وآله وسلم تثبت لله عز وجل أسماءً، وصفات تليق بجلاله، فجعل الأشاعرة والماتريدية تلك التأصيلات الكلامية؛ التي هي مأخوذة عن الفلاسفة، وأهل المنطق ممن استغرقوا في علم الكلام، وأمضوا فيه أوقاتهم، وأفنوا فيه أعمارهم) (1)

فقوله كل حين (كيف يكون من أهل السنة والجماعة) نوع من التلبيس على القراء، لأن الصحيح عندهم هو (كيف يكون من المسلمين)، لأن كل ما ذكره من تأويلات هي ما يتفق السلفية جميعا على تكفير من يقول بها، ويسمونه جهميا، إما حقيقة ـ كما هو الحال بالنسبة للسلف الأول ـ أو تقية كما هو الحال بالنسبة للسلف

__________

(1) تأكيد المسلمات السلفية، ص 5.

كلكم كفرة (67)

الآخر، لأنه لم يبق أحد يتحدث في مثل هذه المسائل بهذا المنهج إلا الأشاعرة أو إخوانهم من الماتريدية أو المعتزلة أو إخوانهم من الشيعة والإباضية.

وبما أن سند السلفية الأول هو الرجال ومواقفهم، فقد وضع الكاتب فصلا لأعلام السلفية ومواقفهم من الأشاعرة، وأولهم هو رجل السلفية الأول، وعمدتهم الأكبر الإمام أحمد الذي بدع الكلابية الذين يعتبرهم السلفية سلف الأشاعرة الأوائل، كما قال ابن تيمية: (والكلابية هم مشايخ الأشعرية فإن أبا الحسن الأشعري إنما اقتدى بطريقة أبي محمد بن كلاب وابن كلاب كان أقرب إلى السلف زمنا وطريقة، وقد جمع أبو بكر بن فورك شيخ القشيري كلام ابن كلاب والأشعري وبين اتفاقهما في الأصول ولكن لم يكن كلام أبي عبد الرحمن السلمي قد انتشر بعد فإنه انتشر في أثناء المائة الرابعة لما ظهرت كتب القاضي أبي بكر بن الباقلانى ونحوه) (1)

وقد أورد عبدالعزيز الريس مقالة أبي بكر بن خزيمة لما قال له أبو علي الثقفي: (ما الذي أنكرت أيها الأستاذ من مذاهبنا حتى نرجع عنه؟ فقال: ميلكم إلى مذهب الكلابية، فقد كان أحمد بن حنبل من أشد الناس على عبد الله بن سعيد بن كلاب، وعلى أصحابه مثل الحارث وغيره) (2)

وعلق عليها بقوله: (فكيف لو أدرك من جاء بعدهم من الأشاعرة الذين ازدادوا سوءاً إلى أشاعرة زماننا الذين تميع فيهم هؤلاء المفتون وطار بفتواهم إذاعة ونشراً موقع الإسلام اليوم تحت نظر ورعاية من مشرفه سلمان العودة، فإن الأشاعرة كلما تأخروا زادوا بعداً عن السنة قال ابن تيمية: (فإن كثيراً من متأخري أصحاب الأشعري خرجوا عن قوله

__________

(1) الاستقامة (1/ 105)

(2) سير أعلام النبلاء (14/ 380)

كلكم كفرة (68)

إلى قول المعتزلة أو الجهمية أو الفلاسفة) (1)، وقال: (وهذا الكلام في الأصل-أي تقديم العقل على النقل- هو من قول الجهمية المعتزلة وأمثالهم وليس من قول الأشعري وأئمة أصحابه وإنما تلقاه عن المعتزلة متأخرو الأشعرية لما مالوا إلى نوع التجهم بل الفلسفة وفارقوا قول الأشعري وأئمة أصحابه الذين لم يكونوا يقرون بمخالفة النقل للعقل بل انتصبوا لإقامة أدلة عقلية توافق السمع ولهذا أثبت الأشعري الصفات الخبرية بالسمع وأثبت بالعقل الصفات العقلية التي تعلم بالعقل والسمع فلم يثبت بالعقل ما جعله معارضاً للسمع بل ما جعله معاضداً له وأثبت بالسمع ما عجز عنه العقل) (2)

ثم ذكر بعده الشيخ أبو نصر السجزي (توفي 444 هـ) الذي وصف الأشاعرة بأنهم متكلمون وفرقة محدثة وأنهم أشد ضرراً من المعتزلة فقال: (فكل مدع للسنة يجب أن يطالب بالنقل الصحيح بما يقوله، فإن أتى بذلك علم صدقه، وقبل قوله، وإن لم يتمكن من نقل ما يقوله عن السلف، عُلم أنه محدث زائغ، وأنه لا يستحق أن يصغى إليه أو يناظر في قوله، وخصومنا المتكلمون معلوم منهم أجمع اجتناب النقل والقول به بل تمحينهم لأهله ظاهر، ونفورهم عنهم بين، وكتبهم عارية عن إسناد بل يقولون: قال الأشعري، وقال ابن كلاب، وقال القلانسي، وقال الجبائي.. ومعلوم أن القائل بما ثبت من طريق النقل الصحيح عن الرسول صلى الله عليه وآله وسلم لا يسمى محدثاً بل يسمى سنياً متبعاً، وأن من قال في نفسه قولاً وزعم أنه مقتضى عقله، وأن الحديث المخالف له لا ينبغي أن يلتفت إليه، لكونه من أخبار الآحاد، وهي لا توجب علماً، وعقله موجب للعلم يستحق أن يسمى محدثاً مبتدعاً، مخالفاً، ومن كان له أدنى تحصيل أمكنه أن يفرق بيننا وبين مخالفينا بتأمل هذا الفصل في أول وهلة، ويعلم

__________

(1) شرح الأصفهانية (ص 107 - 108)

(2) درء تعارض العقل والنقل (7/ 97)، وانظر اجتماع الجيوش الإسلامية ص 207.

كلكم كفرة (69)

أن أهل السنة نحن دونهم، وأن المبتدعة خصومنا دوننا) (1)

ثم قال: (ثم بلي أهل السنة بعد هؤلاء؛ بقوم يدعون أنهم من أهل الاتباع، وضررهم أكثر من ضرر المعتزلة وغيرهم وهم أبو محمد بن كلاب وأبو العباس القلانسي، وأبو الحسن الأشعري.. وفي وقتنا أبو بكر الباقلاني ببغداد وأبو إسحاق الإسفرائني وأبوبكر بن فورك بخراسان فهؤلاء يردون على المعتزلة بعض أقاويلهم ويردون على أهل الأثر أكثر مما ردوه على المعتزلة.. وكلّهم أئمّةُ ضَلالة يدعونَ النّاسَ إلى مخالفةِ السّنةِ وتركِ الحديث) (2)

ثم ذكر ما ذكره ابن تيمية والعثيمين وغيرهما من كون الأشاعرة أشد خطرا من المعتزلة فقال: (لأن المعتزلة قد أظهرت مذهبها ولم تستقف ولم تُمَوِّه. بل قالت: إن الله بذاته في كل مكان وإنه غير مرئي، وإنه لا سمع له ولا بصر ولا علم ولا قدرة ولا قوة... فعرف أكثر المسلمين مذهبهم وتجنبوهم وعدوهم أعداء. والكلابية، والأشعرية قد أظهروا الرد على المعتزلة والذب عن السنة وأهلها، وقالوا في القرآن وسائر الصفات ما ذكرنا بعضه) (3)

ومن الأعلام الذين ذكرهم لاعتبار الأشاعرة من أهل البدع والأهواء المكفرة محمد بن أحمد بن خويز منداد، فقد روى عنه ابن عبد البرأنه قال في كتاب الشهادات في تأويل قول مالك: (لا تجوز شهادة أهل البدع والأهواء) قال: (أهل الأهواء عند مالك وسائر أصحابنا هم أهل الكلام، فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع أشعرياً كان أو غير أشعري، ولا تقبل له شهادة في الإسلام أبداً، ويهجر ويؤدب على بدعته فإن تمادى عليها استتيب منها) (4)

ومنهم ابن قدامة الذي نص على أنهم مبتدعة، فقال: (ولا نعرف في أهل البدع طائفة

__________

(1) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص 100 - 101)

(2) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص 222 - 223)

(3) انظر: الرد على من أنكر الحرف والصوت (ص 177 - 178)

(4) جامع بيان العلم وفضله (2/ 96)

كلكم كفرة (70)

يكتمون مقالتهم ولا يتجاسرون على إظهارها إلا الزنادقة والأشعرية) (1)

ومنهم أبو حامد الإسفرائني، الذي قال عنه ابن تيمية: (قال الشيخ أبو الحسن: وكان الشيخ أبو حامد الإسفرايني شديد الإنكار على الباقلاني وأصحاب الكلام، قال ولم يزل الأئمة الشافعية يأنفون ويستنكفون أن ينسبوا إلى الأشعري، ويتبرؤون مما بنى الأشعري مذهبه عليه، وينهون أصحابهم وأحبابهم عن الحوم حواليه على ما سمعت عدة من المشايخ والأئمة منهم الحافظ المؤتمن بن أحمد بن على الساجي يقولون: سمعنا جماعة من المشايخ الثقات قالوا كان الشيخ أبو حامد أحمد بن أبي طاهر الإسفرايني إمام الأئمة الذي طبق الأرض علمًا وأصحابا إذا سعى إلى الجمعة من قطعية الكرج إلى جامع المنصور يدخل الرباط المعروف بالزوزي المحاذي للجامع ويقبل على من حضر ويقول اشهدوا على بأن القرآن كلام الله غير مخلوق كما قاله الإمام ابن حنبل، لا كما يقوله الباقلاني وتكرر ذلك منه جمعات فقيل له في ذلك، فقال: حتى ينتشر في الناس وفي أهل الصلاح ويشيع الخبر في أهل البلاد أني بريء مما هم عليه ـ يعني الأشعرية ـ وبريء من مذهب أبي بكر بن الباقلاني فإن جماعة من المتفقهة الغرباء يدخلون على الباقلاني خفية ويقرؤون عليه فيفتنون بمذهبه، فإذا رجعوا إلى بلادهم أظهروا بدعتهم لا محالة فيظن ظان أنهم منى تعلموه قبله، وأنا ما قلته وأنا بريء من مذهب البلاقلاني وعقيدته) (2)

وقد ذكر ابن تيمية مستحسنا المعاناة الشديدة التي كان يعانيها الباقلاني من طرف الإسفرايني وتلاميذه من السلفية، فقال: (.. قال الشيخ أبو الحسن وسمعت الفقيه الإمام أبا منصور سعد بن علي العجلي يقول: سمعت عدة من المشايخ والأئمة ببغداد أظن الشيخ أبا إسحاق الشيرازي أحدهم قالوا: كان أبو بكر الباقلانى يخرج إلى الحمام متبرقعاً خوفاً من

__________

(1) المناظرة في القرآن ص 35.

(2) درء تعارض العقل والنقل (2/ 96)

كلكم كفرة (71)

الشيخ أبي حامد الإسفرايني) (1)

ومن الأعلام الذين ذكرهم، واستند إليهم في تكفير الأشاعرة أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري، الذي قال عنه ابن تيمية: (كأبي إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب كتاب ذم الكلام فإنه من المبالغين في ذم الجهمية لنفيهم الصفات وله كتاب تكفير الجهمية، ويبالغ في ذم الأشعرية مع أنهم من أقرب هذه الطوائف إلى السنة والحديث وربما كان يلعنهم وقد قال له بعض الناس: بحضرة نظام الملك أتلعن الأشعرية؟ فقال: ألعن من يقول ليس في السموات إله ولا في المصحف قرآن ولا في القبر نبي وقام من عنده مغضباً) (2)

وقد نبه الشيخ عبد العزيز الريس إلى أن ما ذكره ابن تيمية في أكثر من موضع من أن الأشاعرة أقرب إلى أهل السنة لا يفهم منه ظاهره، فـ (ليس معنى هذا تزكيتهم وأنهم من أهل السنة، بل معناه أنهم خير من الجهمية والمعتزلة على سوئهم الشديد كالقول إن النصارى أقرب إلى الإسلام من اليهود، فليس معنى هذا أن النصارى مسلمون فالله الذي قال: {لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا} [المائدة: 82] قد نص على أن النصارى كفار كما قال تعالى: {لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ} [المائدة: 73]) (3)

ورد كذلك على ما (شاع في هذا الزمن عند كثيرين إدخال الأشاعرة في أهل السنة معتمدين في هذا على كلام لابن تيمية وهو أن لأهل السنة اطلاقين: إطلاقاً عاماً وهو ما يقابل الرافضة، وإطلاقاً خاصاً والمراد بهم أهل الحديث، فعلى الإطلاق الأول تكون الأشاعرة من أهل السنة، وإذا أرادوا تعليل إدخال الأشاعرة في أهل السنة قالوا: هم أهل

__________

(1) الإصفهانية، 58.

(2) مجموع الفتاوى (14/ 354)

(3) تأكيد المسلمات السلفية، ص 19.

كلكم كفرة (72)

السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة) (1)

وبين أن من فعل هذا من أصحاب المنهج التكفيري الخفي وقع في خطئين (2):

الأول: في فهم كلام ابن تيمية فإنه لما ذكره أراد في استعمال عامة الناس، لا في استعمال الشرع، (وكلام العامة لاينبني عليه شرع، وإنما يذكر من باب الإخبار ببغض الناس للرافضة، ثم على فهم هؤلاء لكلام ابن تيمية تكون المعتزلة من أهل السنة)

الثاني: أنه يلزم على تعليلهم إدخال الرافضة في أهل السنة فيما وافقوا فيه أهل السنة، وقد أورد للدلالة على هذا نصوصا من كلام ابن تيمية يوضح بها مراده، منها قوله: (فالمقصود هنا أن المشهورين من الطوائف بين أهل السنة والجماعة العامة بالبدعة ليسوا منتحلين للسلف، بل أشهر الطوائف بالبدعة الرافضة، حتى إن العامة لا تعرف من شعائر البدع إلا الرفض، والسنى في اصطلاحهم من لا يكون رافضيا، وذلك لأنهم أكثر مخالفة للأحاديث النبوية ولمعاني القرآن وأكثر قدحا في سلف الأمة وأئمتها وطعنا في جمهور الأمة من جميع الطوائف، فلما كانوا أبعد عن متابعة السلف كانوا أشهر بالبدعة) (3)

وقال في موضع آخر: (فلفظ أهل السنة يراد به من أثبت خلافة الخلفاء الثلاثة فيدخل في ذلك جميع الطوائف إلا الرافضة، وقد يراد به أهل الحديث والسنة المحضة فلا يدخل فيه إلا من يثبت الصفات لله تعالى ويقول إن القرآن غير مخلوق وإن الله يرى في الآخرة ويثبت القدر وغير ذلك من الأصول المعروفة عند أهل الحديث والسنة. وهذا الرافضي ـ يعنى المصنف ـ جعل أهل السنة بالإصطلاح الأول، وهو اصطلاح العامة كل من ليس برافضي قالوا هو من أهل السنة، ثم أخذ ينقل عنهم مقالات لا يقولها إلا بعضهم

__________

(1) تأكيد المسلمات السلفية، ص 20.

(2) تأكيد المسلمات السلفية، ص 20.

(3) مجموع الفتاوى (4/ 155)

كلكم كفرة (73)

مع تحريفه لها فكان في نقله من الكذب والإضطراب ما لا يخفى على ذوي الألباب وإذا عرف أن مراده بأهل السنة السنة العامة) (1)

وهذا رد قوي من ابن تيمية على الذين ينقلون من كلامه ما يخدم التقية التي يمارسونها، ويقتدون بابن تيمية في ممارستها.

ثم عقد فصلا بعد هذا عنونه بـ[مختصر في معتقد الأشاعرة وسبب إخراجهم من الفرقة الناجية]، بين فيه أن معتقدات الأشاعرة لا تخرج عن معتقدات الجهمية التي اتفق سلف السلفية وخلفهم على تكفيرهم بسببها.

فمن المعتقدات التي اتفق سلف السلفية وخلفهم على تكفير معتقدها (2) (أنهم لا يثبتون شيئاً من الصفات الفعلية (3)).. ويقصدون بها المجيء والإتيان والنزول والهرولة وغيرها، وكلها مما ذكر سلف السلفية كفر من لا يعتقدها.. ومنها أن (الأشاعرة الذين هم من بعد أبي المعالي الجويني أنكروا علو الله على خلقه بذاته)، وهي أيضا مما لا يخالف أحد من السلفية في تكفير منكرها، بل في تكفير من لا يكفر منكرها.. ومنها أن (مآل قولهم في كلام الله أن القرآن مخلوق كما أفاده أحد أئمة الأشاعرة المتأخرين الرازي).. وهي أيضا من المكفرات الكبرى عند أعلام السلفية جميعا.

وغيرها من المعتقدات الكثيرة التي يكفي الواحد منها في وضعهم مع الجهمية في سلة واحدة، ذلك أنه ـ كما يقول الريس ـ (تخرج الطائفة والفرقة من طائفة أهل السنة إلى أهل البدعة إذا خالفت أهل السنة في أمر كلي ولو واحدا) (4)

__________

(1) منهاج السنة (2/ 221)

(2) تأكيد المسلمات السلفية، ص 22.

(3) هذه الكتب التي استند إليها المؤلف في هذا: الفتاوى الكبرى (5/ 68) (5/ 239) وانظر من كتب الأشاعرة الإرشاد للجويني ص 156.

(4) تأكيد المسلمات السلفية، ص 22.

كلكم كفرة (74)

وقد نقل عن ابن بطة مما يؤيد هذا، فقد قال: (ونحن الآن ذاكرون شرح السنة ووصفها، وما هي في نفسها، وما الذي إذا تمسك به العبد ودان الله به سمى بها واستحق الدخول في جملة أهلها، وما إن خالفه أو شيئاً منه دخل في جملة من عبناه وذكرناه وحذر منه من أهل البدع والزيغ مما أجمع على شرحنا له أهل الإسلام وسائر الأمة منذ بعث نبيه الله صلى الله عليه وآله وسلم إلى وقتنا هذا. ثم ذكر أمور الاعتقاد) (1)

ثم عقد فصلا في التحذير من المبتدعة وهجرهم واستعمال كل الوسائل لإذيتهم، كما هي عادة كل كتب السلفية العقدية، ومن النصوص التي ذكرها قول أبي عثمان الصابوني: (ويبغضون أهل البدع الذين أحدثوا في الدين ما ليس منه، ولا يحبونهم ولا يصحبونهم ولا يسمعون كلامهم ولا يجالسونهم.. واتفقوا مع ذلك على القول بقهر أهل البدع وإذلالهم وإخزائهم وإبعادهم وإقصائهم، والتباعد منهم ومن مصاحبتهم ومعاشرتهم، والتقرب إلى الله عز وجل بمجانبتهم ومهاجرتهم. وأنا بفضل الله عز وجل ومنّه متبع لآثارهم مستضيء بأنوارهم، ناصح لإخواني وأصحابي أن لا يزلقوا عن منارهم، ولا يتبعوا غير أقوالهم، ولا يشتغلوا بهذه المحدثات من البدع التي اشتهرت فيما بين المسلمين، والمناكير من المسائل التي ظهرت وانتشرت، ولو جرت واحدة منها على لسان واحد في عصر أولئك الأئمة لهجروه وبدعوه، ولكذبوه وأصابوه بكل سوء ومكروه، ولا يغرّن إخواني حفظهم الله كثرة أهل البدع ووفور عددهم، فإن وفور أهل الباطل وقلة عدد أهل الحق من علامات اقتراب اليوم الحق، فإن ذلك من أمارات اقتراب الساعة، إذ الرسول المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم قال: إن من علامات الساعة واقترابها أن يقل العلم ويكثر الجهل والعلم هو السنة، والجهل هو البدعة) (2)

وقد ذكر هذا بناء على أن أصحاب تلك الفتوى أجازوا التعاون بين السلفيين

__________

(1) الشرح والإبانة على أصول السنة والديانة، (175 - 176)

(2) عقيدة السلف وأصحاب الحديث ص 113.

كلكم كفرة (75)

وغيرهم من المسلمين الذين يعتقدون بمذهب الأشعري.

وقد ختم كتابه بذكر (عشرة أخطاء شرعية في هذه الفتوى الجماعية)، وهي (1):

1 - عدم جعلهم الأشاعرة من الثنتين والسبعين فرقة الضالة مع أن حالهم ما تقدم ذكره، فهذا إما أن يرجع إلى عدم معرفتهم بالأشاعرة والماتريدية أو عدم معرفتهم بتأصيل أهل العلم وضابطهم في إخراج الفرقة المخالفة من الناجية إلى عموم الاثنتين والشبعين فرقة وكلا الاحتمالين قبيح بأحدهم فكيف وهم مجتمعون.

2 - جوزوا التعاون مع أهل البدع على البر والتقوى، وهذا مخالف لهدي السلف مع أهل البدع، إذ الأصل العداء والبعد عنهم إلا لمصلحة شرعية وهو خلاف الأصل.

3 - خلطوا وقاسوا قياساً فاسداً وذلك أنهم قاسوا التعاون مع عموم الأشاعرة بالتعاون مع الحاكم وولي الأمر المبتدع كأن يكون أشعرياً، والشريعة فرقت بين ولاة الأمر وعامة الناس، ومعتقد أهل السنة كما في كتب الاعتقاد أن يقاتل ويصلى مع ولاة الأمر ولو كانوا فجاراً مبتدعة، وهذا ما لا يكون مع عامة الناس.

4 - أنهم جعلوا كثرة وجود الأشاعرة في العلماء دليلاً على أن الأشاعرة من أهل السنة، وهذا خطأ فإن مما يعرفه المبتدئون من طلاب العلم أن فعال وأقوال واعتقاد أهل العلم ليست حجة ما لم يجمعوا على ذلك فكيف جعلوا فعل الكثير حجة، وأنبه إلى أنه ليس معنى كونهم أشاعرة ألا يستفاد من علمهم فلا تعارض بين كونهم أشاعرة والاستفادة من علمهم عند الحاجة كما فصل ذلك علماء أهل السنة.

5 - جعْلُ المزي أشعرياً خطأ كبير بل هو من أئمة السنة كما يعرف ذلك من طالع كلام أئمة السنة في عصره.

6 -

7 -

__________

(1) تأكيد المسلمات السلفية، ص 28.

كلكم كفرة (76)

8 - جعلهم جميع شراح البخاري أشاعرة خطأ فاضح فإن مما يعلمه المبتدئون من طلاب العلم أن من شراح البخاري ابن كثير وابن رجب وهما من علماء السنة.

9 - القول بأنهم لم يعرفوا من أئمة السلف من أمر بإعادة الصلاة خلف المأمون قصور من قائله فقد روى عبدالله بن أحمد في كتاب السنة أن يحيى بن معين كان يعيد صلاة الجمعة مذ أظهر عبد الله بن هارون المأمون ما أظهر يعني القرآن مخلوق (1).

10 - قولهم: يجب التأدب بآداب السلف حق وها نحن ندعوهم من هذا المنطلق أن يتأدبوا بآداب السلف ويقوموا بواجب الله تجاه الأشاعرة وأن يتراجعوا عن فتواهم علانية.

11 - حصرُ خطأ الأشاعرة في تأويل بعض الصفات فحسب غلطٌ ظاهر يدل على عدم معرفتهم بحال الأشاعرة مما يبين أن حكمهم فيهم غير مقبول، فلا أدري هل العجب من حكمهم في الأشاعرة أم جهلهم بهم.

12 - الجزم بأن الأشاعرة كلهم معذورون في اجتهادهم ضرب من الغيب ومقتضاه ألا يكون بينهم من هو مفرط في طلب الحق أو من اجتهد وليس أهلاً لذلك أو معاند وهكذا... وهذا يكذبه الواقع الذي لا يخفى على كل عارف منصف.

مدرسة الماتريدية

تعتبر المدرسة الماتريدية هي المدرسة العقدية الثانية التي تتقاسم مع الأشعرية أكثر بلاد العالم الإسلامي، ذلك أنها تنتشر في كل المناطق التي يتنشر فيها المذهب الحنفي، باعتبار أن أبا منصور محمد بن محمد بن محمود الماتريدي (توفي 333 هـ) كان حنفيا.

وهي تنتشر في بلاد الهند وما جاورها من البلاد الشرقية: كالصين، وبنغلاديش، وباكستان، وأفغانستان، وتركيا، والكثير من المناطق في سوريا ولبنان ومصر، أي في جميع

__________

(1) كتاب السنة (1/ 130)

كلكم كفرة (77)

المناطق التي يوجد فيها الحنفية، أو كان لهم سلطان فيها.

وسبب انتشارهم وكثرهم يعود بالدرجة الأولى إلى المناصرة والتأييد من الملوك والسلاطين لعلماء المذهب، وبخاصة سلاطين الدولة العثمانية.. بالإضافة إلى المدارس الماتريدية الكثيرة التي كان لها دور كبير في نشر عقيدة هذه المدرسة، ومن أمثلتها: المدارس الديوبندية بالهند وباكستان وغيرها؛ حيث لا زال يدرس فيها كتب الماتريدية في العقيدة على أنها عقيدة أهل السنة والجماعة.. بالإضافة إلى كثرة علمائهم، وما تركوه من مصنفات.

وقد قال بعض الباحثين في بيان سبب انتشارها: (وعلى أية حال، فإن الماتريدية بلغت قمة قوتها وذروتها بتدعيم الدولة العثمانية لها وهي بالتحديد سنة (7001300 هـ)، إذ كانت دولة حنفية الفروع، ماتريدية العقيدة، ومن تركيا انتشرت العقيدة الماتريدية شرقا وغربا، ويعد الهند من أهم مراكز المذهب الماتريدي، منذ أن حكمها الملوك السامانيون قديما، ثم قوي المذهب الماتريدي في العصر الحديث بعد أن اعتنقها الديوبندية. ولا يزال في الأزهر الشريف تدريس العقيدة الماتريدية وبخاصة تدريس كتاب (شرح العقائد النسفية) للتفتازاني، وهو شرح لكتاب [العقائد النسفية] لنجم الدين عمر النسفي) (1)

ويضم التاريخ الماتريدي الكثير من الأعلام الكبار من أمثال الشيخ أبو اليسر البزدوي (توفي 493 هـ)، وأبو المعين النسفي (توفي 508 هـ)، ونجم الدين عمر النسفي (توفي 537 هـ)، وحافظ الدين عبد الله النسفي (توفي 710 هـ)، وأبو محمد نور الدين أحمد بن محمد الصابوني (توفي 580 هـ).. وغيرهم كثير (2).

ولذلك فإن التكفير السلفي لهذه المدرسة تكفير لكل المسلمين الذين تتلمذوا على يدي أعلامها، أو أخذوا بمعتقداتها.

__________

(1) الماتريدية النشأة والمنهج للدكتور كمال الدين نور الدين مرجوني.

(2) انظر: الماتريدية وموقفهم من توحيد الأسماء والصفات للشمس السلفي الأفغاني 1/ 262.

كلكم كفرة (78)

والسلفية ـ الذين تجرأوا فكفروا الأشاعرة بسبب معتقداتهم ـ لم تنقص جرأتهم في موقفهم من الماتريدية.. ذلك أن كليهما يعتبران من الجهمية عند السلفية.

بل إن موقف السلفية من الماتريدية أشد، ذلك أنهم أقرب إلى المعتزلة، وأكثر استخداما للعقل، والسلفية لا يشككون في كفر المعتزلة وضلالهم، وضلال كل من يقترب منهم.. بل إن الأشاعرة ما حكم عليهم بالضلال إلا بسبب قربهم من المعتزلة، ولذلك فإن درجة كفر الماتريدية ـ عند السلفية ـ أكبر بسبب ذلك القرب.

وقد وضح الشيخ محمد أبو زهرة ـ وهو من أعلام الماتريدية المعاصرين ـ درجة ذلك القرب، فقال: (إن منهاج الماتريدية للعقل سلطان كبير فيه من غير أي شطط أو إسراف، والأشاعرة يتقيدون بالنقل ويؤيدونه بالعقل، حتى إنه يكاد الباحث يقرر أن الأشاعرة في خط بين الإعتزال وأهل الفقه والحديث، والماتريدية في خط بين المعتزلة والأشاعرة، فإذا كان الميدان الذي تسير فيه هذه الفرق الإسلامية الأربع، والتي لا خلاف بين المسلمين في أنها جميعا من أهل الإيمان، إذا أقسام أربعة، فعلى طرف منه المعتزلة، وعلى الطرف الآخر أهل الحديث، وفي الربع الذي يلي المعتزلة، الماتريدية، وفي الربع الذي يلي المحدثين، الأشاعرة) (1)

ومثله قال الشيخ محمد زاهد الكوثري ـ وهو من كبار أعلامهم الذين اتفق المعاصرون على تكفيرهم وتبديعهم واعتبارهم من الجهمية ـ: (الماتريدية هم الوسط بين الأشاعرة والمعتزلة، وقلما يوجد بينهم متصوف، فالأشعري والماتريدي هما إماما أهل السنة والجماعة في مشارق الأرض ومغاربها، لهم كتب لا تحصى، وغالب ما وقع بين هذين الإمامين من الخلاف من قبيل اللفظي) (2)

__________

(1) تاريخ المذاهب الاسلامية: ج 1 ص 199.

(2) مقدمة تبيين كذب المفتري: ص 19.

كلكم كفرة (79)

وقد ذكر الامام البزدوي، وهو أحد مشايخ الماتريدية الكبار في القرن الخامس المسائل الكبرى للخلاف بين الأشاعرة والماتريدية، وأنها لا تعدو مسائل معدودة، فقال: (وأبو الحسن الأشعري وجميع توابعه يقولون إنهم من أهل السنة والجماعة، وعلى مذهب الأشعري عامة أصحاب الشافعي، وليس بيننا وبينهم خلاف إلا في مسائل معدودة) (1)

ومن تلك المسائل قول الماتريدية بوجوب معرفة الله تعالى عقلا وفاقا للمعتزلة، وخلافا للأشاعرة الذين يرون الوجوب شرعيا لا عقليا، أو كما قال العضدي في المواقف: (النظر إلى معرفة الله واجب إجماعا، واختلف في طريق ثبوته، فهو عند أصحابنا السمع، وعند المعتزلة العقل) (2)

وعلى خلافهم الماتريدية التي عبر عن مذهبها في هذا البياضي بقوله: (ويجب بمجرد العقل في مدة الاستدلال، معرفة وجوده، ووحدته، وعلمه، وقدرته، وكلامه، وإرادته، وحدوث العالم، ودلالة المعجزة على صدق الرسول، ويجب تصديقه، ويحرم الكفر، والتكذيب به، لا من البعثة وبلوغ الدعوة) (3)

ومن تلك المسائل قول الماتريدية بالتحسين والتقبيح العقليين وفاقا للمعتزلة، وخلافا للأشاعرة الذين يرون التحسين والتقبيح يعرفان بالشرع لا بالعقل.

قال البياضي: (والحسن بمعنى استحقاق المدح والثواب، والقبح بمعنى استحقاق الذم والعقاب على التكذيب عنده (أي عند أبي منصور الماتريدي) إجمالا عقلي، أي يعلم به حكم الصانع في مدة الاستدلال في هذه العشرة ـ إشارة إلى ما ذكره من المسائل العشر خلال البحث في وجوب المعرفة عقلا ـ كما في التوضيح وغيره، لا بإيجاب العقل للحسن والقبح،

__________

(1) اصول الدين للامام محمد بن محمد بن عبد الكريم البزدوي: ص 242.

(2) المواقف: ص 28.

(3) اشارات المرام، ص 53..

كلكم كفرة (80)

ولا مطلقا كما زعمته المعتزلة، أما كيفية الثواب وكونه بالجنة، وكيفية العقاب وكونه بالنار، فشرعي، واختار ذلك الامام القفال الشاشي، والصيرفي، وأبو بكر الفارسي، والقاضي أبو حامد، وكثير من متقدميهم، كما في القواطع للامام أبي المظفر السمعاني الشافعي والكشف الكبير، وهو مختار الامام القلانسي ومن تبعه كما في (التبصرة البغدادية). ولا يجوز نسخ مالا يقبل حسنه أو قبحه السقوط كوجوب الايمان، وحرمة الكفر واختاره المذكورون.. ويستحيل عقلا اتصافه تعالى بالجور وما لا ينبغي، فلا يجوز تعذيب المطيع، ولا العفو عن الكفر، عقلا، لمنافاته للحكمة، فيجزم العقل بعدم جوازه، كما في التنزيهات) (1)

ومن تلك المسائل قول الماتريدية بأن التكليف بما لا يطاق غير جائز وفاقا للمعتزلة، وخلافا للأشاعرة الذين يرون عكس ذلك.

يقول البياضي: (ولا يجوز التكليف بما لا يطاق لعدم القدرة أو الشرط، واختاره الاستاذ أبو إسحاق الاسفرائيني كما في (التبصرة) وأبوحامد الاسفرائيني كما في شرح السبكي لعقيدة أبي منصور) (2)

ويقول أبو منصور الماتريدي: (إن تكليف من منع عن الطاقة فاسد في العقل، وأما من ضيع القوة فهو حق أن يكلف مثله، ولو كان لا يكلف مثله لكان لا يكلف إلا من يطيع) (3)

ومن تلك المسائل قول الماتريدية بأن أفعال الله سبحانه معللة بالغايات وفاقا للمعتزلة، وخلافا للأشاعرة الذين يرون عكس ذلك، يقول البياضي: (أفعاله تعالى معللة بالمصالح والحكم تفضلا على العباد، فلا يلزم الاستكمال ولا وجوب الأصلح واختاره

__________

(1) اشارات المرام، ص 54..

(2) اشارات المرام: ص 54.

(3) التوحيد: ص 266..

كلكم كفرة (81)

صاحب المقاصد) (1)

ومن تلك المسائل قول الماتريدية بأن صفاته تعالى عين ذاته وفاقا للمعتزلة، وخلافا للأشاعرة الذين يذكرون أنها قائمة بذاته، يقول النسفي: (ثم اعلم إن عبارة متكلمي أهل الحديث في هذه المسألة أن يقال: إن الله تعالى عالم بعلم، وكذا فيما وراء ذلك من الصفات، وأكثر مشايخنا امتنعوا عن هذه العبارة احترازا عما توهم أن العلم آلة وأداة فيقولون: إن الله تعالى، عالم، وله علم، وكذا فيما وراء ذلك من الصفات. والشيخ أبو منصور الماتريدي رحمه الله يقول: إن الله عالم بذاته، حي بذاته، قادر بذاته، ولا يريد منه نفي الصفات، لأنه أثبت الصفات في جميع مصنفاته، وأتى بالدلائل لإثباتها، ودفع شبهاتهم على وجه لا محيص للخصوم عن ذلك، غير أنه أراد بذلك دفع وهم المغايرة، وأن ذاته يستحيل أن لايكون عالما) (2)

بناء على هذا سنذكر هنا مقولاتهم في القضايا الثلاث الكبرى التي كفر السلفية على أساسها الجهمية والأشاعرة، لنرى مدى انطباق التكفير السلفي عليهم.

1 ـ نفي الجهة والمكان

يتفق الماتريدية مع الأشاعرة على نفي اتصاف الله تعالى بالجهة والمكان، يقول أبو منصور الماتريدي في تفسير قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5]ـ والتي يعتبرها السلفية ركنا من أركان التكفير ـ: (إن الله سبحانه كان ولا مكان، وجائز ارتفاع الأمكنة، وبقاؤه على ما كان، فهو على ما كان، وكان على ما عليه الآن. جل عن التغير والزوال، والاستحالة والبطلان، إذ ذلك أمارات الحدث التي بها عرف حدث العالم) (3)

__________

(1) اشارات المرام: ص 54.

(2) العقائد النسفية: ص 76.

(3) التوحيد: ص 69 و70..

كلكم كفرة (82)

ثم رد على أهل الحديث ـ سلف السلفية ـ القائلين بكونه تعالى على العرش، وأنه في جهة العلو، بأنه (ليس في الارتفاع إلى ما يعلو من مكان للجلوس أو القيام شرف ولا علو، ولا وصف بالعظمة والكبرياء كمن يعلو السطوح والجبال أنه لا يستحق الرفعة على من دونه عند استواء الجوهر، فلا يجوز صرف تأويل الآية إليه مع ما فيها ذكر العظمة والجلال، إذ ذكر في قوله تعالى: {إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ} [الأعراف: 54]، فدلك على تعظيم العرش) (1)

ثم ذكر ـ مثلما يذكر الأشاعرة عادة ـ مذهب التفويض، أي تفويض معنى الآية لله، لا تفويض الكيفية كما يقول السلفية، فقال: (وأما الأصل عندنا في ذلك أن الله تعالى قال: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى: 11] فنفى عن نفسه، شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه، فيجب القول بأن الرحمن على العرش استوى على ما جاء به التنزيل، وثبت ذلك في العقل. ثم لا نقطع تأويله على شيء لاحتمال غيره مما ذكرنا) (2)

وقد ذكرنا سابقا أن السلفية لم يرحموا أهل التفويض كما لم يرحموا أهل التأويل، بل إنهم يعتبرون التفويض أشد خطرا من التأويل.

وبناء على هذا ينص السلفية على كفر الماتريدية، أو كما عبر بعضهم، فقال: (المعتزلة والمريسية والكلابية والماتريدية والإباضية الخوارج والزيدية وغيرهم.. وتكفير السلف يشملهم جميعا لأن جميعهم منكرة للعلو) (3)

2 ـ القول بخلق القرآن

يتفق جميع المنزهة سواء كانوا أشاعرة أو ماتريدية أو معتزلة أو غيرهم على أن الله

__________

(1) التوحيد: ص 69 و70..

(2) التوحيد: ص 69 و74..

(3) تكفير الأشاعرة، ص 23.

كلكم كفرة (83)

تعالى منزه في كلامه عن الحرف والصوت، لارتباط ذلك كله بالحدوث والجارحة وغيرها، والله تعالى هو الغنى عن كل ذلك.

وقد ذكرنا سابقا النصوص الكثيرة الدالة على أن سلف السلفية وخلفهم يكفرون كل من يقول ذلك، وبناء عليه، سنذكر هنا ـ من باب التأكيد ـ ما يقوله الماتريدية، لنرى مدى انطباق تلك الأحكام عليهم.

يقول التفتازاني (792 هـ): (وتحقيق الخلاف بيننا وبينهم - (أي المعتزلة) - يرجع إلى إثبات الكلام النفسي، ونفيه، وإلا فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف – ولا بعدم كونها مخلوقة - وهم لا يقولون بحدوث الكلام النفسي) (1)

ويقول عبدالعزيز الفريهاري (كان حياً 1239 هـ) مبينا محال الاتفاق بين الماتريدية والمعتزلة في كلام الله: (وإن لم يختلف الفريقان في إثبات النفسي ونفيه فلا نزاع، فإنا إذا قلنا: القرآن غير مخلوق، أردنا النفسي. وإذا قلنا: القرآن مخلوق أردنا اللفظي. فنحن لا نقول بقدم الألفاظ والحروف. بل بحدوثه كما قالت المعتزلة. وهم لا يقولون بحدوث النفسي. بل ينكرون وجوده، ولو ثبت عندهم لقالوا بقدمه مثل ما قلنا. فصار محل البحث، هو أن النفسي ثابت أم لا؟) (2)

ويقول التفتازاني: (إن الكلام يطلق على الكلام النفسي فمعنى كونه كلام الله أنه صفته، ويطلق على اللفظي الحادث المؤلف من السور والآيات ومعنى إضافته إلى الله: أنه مخلوق لله ليس من تأليفات المخلوقين) (3)

وقال الفريهاري ـ في توجيه إضافة القرآن إلى الله تعالى ومعنى كونه كلام الله ـ: (أراد

__________

(1) شرح العقائد النسفية، (ص 58)

(2) النبراس، ص 223)

(3) شرح العقائد النسفية)) للتفتازاني (ص 61).

كلكم كفرة (84)

- يعني التفتازاني- أنه - أي القرآن الكريم - مخلوقٌ لله تعالى، بلا توسط كاسب من المخلوقين إما بإيجاد الصوت حتى يسمعه الملك أو الرسول، وإما بإيجاد النقوش في اللوح، وإما بخلق إدراك الحروف في قلب الملك أو الرسول وإما بخلق الحروف في لسانه بلا اختياره) (1)

بل إن أبا المعين النسفي (508 هـ) يذكر بكل صراحة بأن الله تعالى خلق صوتاً وحروفاً فأسمع جبريل كلامه بذلك الصوت والحروف فحفظه جبرائيل ونقله إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. معللا ذلك بأن كلام الله قديم لا بحرف ولا صوت (2).

وقال الكوثري: (والواقع أن القرآن في اللوح المحفوظ وفي لسان جبريل عليه السلام وفي لسان النبي صلى الله عليه وآله وسلم وألسنة سائر التالين وقلوبهم وألواحهم مخلوق) (3)

3 ـ نفي الصفات

يتفق الماتريدية مع الأشاعرة في اعتبار التأويل والتفويض أصلان من الأصول المنهجية التي يقوم عليها التعامل مع ما يسميه السلفية [صفات الله]، فقد ذكر الماتريدي بأن النصوص لا تحمل على ظواهرها بل يجب أن تفهم على المعنى الذي ورد في كلام العرب، حيث قال في (التأويلات): (إن الخطاب قد لا يوجب المراد والفهم على ظاهر المخرج ولكن على مخرج الحكمة والمعنى) (4)

وقال أبو المعين النسفي: (إن هذه الألفاظ الواردة في الكتاب والسنة المروية التي يوهم ظاهرها التشبيه وكون الباري جسما متبعضا متجزيا كانت كلها محتملة لمعان وراء الظاهر والحجج المعقولة.. غير محتملة، والعقول من أسباب المعارف وهي حجة الله تعالى،

__________

(1) (شرح العقائد النسفية)) (ص 61)

(2) بحر الكلام، ص 29.

(3) بحر الكلام، ص 29.

(4) التأويلات، 1/ل 977.

كلكم كفرة (85)

وفي حمل هذه الآيات على ظواهرها.. إثبات المناقضة بين الكتاب والدلائل المعقولة وهي كلها حجج الله تعالى ومن تناقضت حججه فهو سفيه جاهل.. والله تعالى حكيم لا يجوز عليه السفه.. فحمل تلك الدلائل السمعية على ظواهرها كان محالا ممتنعا) (1)

وقال في موضع آخر: (إن حمل الآيات على ظواهرها والامتناع عن صرفها إلى ما يحتمله من التأويل يوجب تناقضا فاحشا في كتاب الله تعالى.. فلا يجوز أن يفهم مما أضيف من الألفاظ إلى الله تعالى ما يستحيل عليه ويجب صرفه إلى ما لا يستحيل عليه أو تفويض المراد إليه والإيمان بظاهر التنزيل مع صيانة العقيدة عما يوجب شيئا من أمارات الحدث فيه) (2)

وقد ذكر التفتازاني ـ وهو من أعلام الماتريدية المعتبرين ـ القانون الذي يتعاملون به مع ما يسميه السلفية (آيات الصفات)، فقال: (.. والجواب أنها ظنيات سمعية في معارضة قطعيات عقلية، فيقطع بأنها ليست على ظاهرها، ويفوض العلم بمعانيها إلى الله مع اعتقاد حقيتها جرياً على الطريق الأسلم.. أو تؤول تأويلات مناسبة موافقة لما عليه الأدلة العقلية على ما ذكر في كتب التفاسير، وشروح الأحاديث، سلوكاً للطريق الأحكم - يعني طريقة المتكلمين -) (3)

وهذان المنهجان [التفويض والتأويل] كلاهما منكران عند السلفية كما ذكرنا ذلك سابقا، بل يعتبرون التفويض أشد بدعة وضلالا من التأويل.

وبناء على هذا أول الماتريدية الاستواء، الذي يعتبر السلفية تأويله تعطيلا وتجهما، قال الماتريدي: (وأما الأصل عندنا في ذلك أن الله تعالى قال ليس كمثله شيء، فنفى عن

__________

(1) تبصرة الأدلة، 77، 78.

(2) تبصرة الأدلة، ل 110، 111،113،)

(3) شرح المقاصد، 2/ 50.

كلكم كفرة (86)

نفسه شبه خلقه، وقد بينا أنه في فعله وصفته متعال عن الأشباه، فيجب القول بـ (الرحمن على العرش استوى) على ما جاء به التنزيل، وثبت ذلك في العقل، ثم لا نقطع تأويله على شيء، لاحتماله غيره مما ذكرنا، واحتماله أيضا ما لم يبلغنا مما يعلم أنه غير محتمل شبه الخلق، ونؤمن بما أراد الله به، وكذلك في كل أمر ثبت التنزيل فيه، نحو الرؤية وغير ذلك، يجب نفي الشبه عنه، والإيمان بما أراده من غير تحقيق على شيء دون شيء) (1)

ومثله قال الجرجاني: (.. ولا يجوز التعويل في إثباته - أي الاستواء- على الظاهر من الآيات والأحاديث مع قيام الاحتمال المذكور، هو أن المراد به الاستيلاء) (2)، وقال: (والحق أنها ـ أي الدلائل النقلية ـ قد تفيد اليقين في الشرعيات، نعم في إفادتها في العقليات نظر.. فلا جرم كانت إفادتها في العقليات محل نظر وتأمل) (3)

وهكذا أول البزدوي الكثير مما يسميه السلفية صفات أفعال، ويكفرون من أولها، ويسمونه معطلا، فقال في مسألة تحت عنوان (أن الله لا يشبه شيئا ولا يشبهه شيء): (فإن قالوا قد وجد دلائل الاجسام فإنه يوصف بالاتيان قال الله تعالى: {هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلَائِكَةُ} [البقرة: 210]، وقال: {وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا} [الفجر: 22]، ويوصف بالاستواء على العرش قال الله تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54]، والاتيان والاستواء على المكان من صفات الجسم، وكذلك يوصف بأن له أيديا وأعينا، قال الله تعالى: {مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَامًا} [يس: 71].. وهذا من أمارات الأجسام) (4)

ثم أجاب على هذا بقوله: (الصحيح من مذهب السنة ـ يقصد به قول الماتريدية ـ فلا

__________

(1) التوحيد للماتريدي: ص 74.

(2) شرح المواقف، 8/ 110 – 111.

(3) شرح المواقف، 2/ 56 - 57.

(4) اصول الدين: ص 25 ـ 28..

كلكم كفرة (87)

بد من الوصف بما وصف الله نفسه به، ولكن هذه الصفات ليست من صفات الأجسام، فإن الاتيان يذكر ويراد منه الظهور. قال الله تعالى: {فَأَتَى اللَّهُ بُنْيَانَهُمْ مِنَ الْقَوَاعِدِ} [النحل: 26].. معناه ـ والله أعلم ـ ظهرت آثار سخطه في بنيانهم، وظهرت آثار قدرته وقهره فيهم.. وكذا الاستواء ليس من صفات الأجسام فإن الاستواء هو الاستيلاء على الشيء والقهر عليه. قال الله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوَى آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا} [القصص: 14] معناه ـ والله أعلم ـ تقوى حاله بتمام البنية. واستوى أمر فلان: إذا تناهى، ومنه المستوي على الكرسي وهو القاعد عليه، عبارة عن الاستيلاء. فإنه (لا) يقال: استوى على الكرسي ما لم يجلس مستقرا عليه، فالمستقر على العرش مستو، فكان معنى قوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ} [الفرقان: 59]ـ والله أعلم ـ أى استوى عليه بعد خلقه، والله تعالى مستول على جميع العالم، إلا أنه خص العرش بالذكر لأنه أعظم الأشياء وأشرفها، ثم ذكر تفسير سائر الصفات الخبرية من اليد والعين) (1)

وهكذا ذهب الماتريدية إلى نفس ما ذهب إليه المنزهة من نفي الرؤية الحسية لله، وهو من المسائل التي كفر بها السلفية مخالفوهم.

يقول الماتريدي عند حديثه عن رؤية الله تعالى: (فإن قيل: كيف يرى؟ قيل: بلا كيف، إذ الكيفية تكون لذي صورة، بل يرى بلا وصف قيام وقعود، واتكاء وتعلق، واتصال وانفصال، ومقابلة ومدابرة، وقصير وطويل، ونور وظلمة، وساكن ومتحرك، ومماس ومباين، وخارج وداخل، ولا معنى يأخذه الوهم، أو يقدره العقل، لتعاليه عن ذلك) (2)

وما ذكره الماتريدي هو ما نص عليه جميع من المنزهة مما يسمونه الرؤية القلبية، خلافا

__________

(1) اصول الدين: ص 25 ـ 28..

(2) التوحيد للماتريدي: ص 85..

كلكم كفرة (88)

للرؤية التي يذهب إليها السلفية، والتي عبر عن رأيهم فيها مقارنة برأي غيرهم ابن عساكر، فقال: (قالت الحشوية المشبهة: إن الله سبحانه وتعالى يرى مكيفا محدودا كسائر المرئيات، وقالت المعتزلة والجهمية والنجارية: إنه سبحانه لا يرى بحال من الأحوال فسلك الأشعري طريقا بينهما فقال: يرى من غير حلول، ولا حدود، ولا تكييف، كما يرانا هو سبحانه وتعالى، وهو غير محدود، ولا مكيف) (1)

وقد سئل الشيخ عبد العزيز بن عبد الله بن باز عن منكر الرؤية الحسية، فأجاب بقوله: (رؤية الله تعالى في الآخرة ثابتة عند أهل السنة والجماعة. من أنكرها كفر. يراه المؤمنون يوم القيامة ويرونه في الجنة كما يشاء بإجماع أهل السنة) (2)

مدرسة المعتزلة

لا نحتاج إلى بذل جهد كبير لإثبات تكفير السلفية للمعتزلة، لأنهم يصرحون بذلك في كل حين، بل يعتبرون الاعتزال والمعتزلة مؤامرة على الدين، لتخريبه من الداخل، ويقصون في ذلك القصص الطويلة.

لكن بسبب إطلاقهم أسماء أخرى لهذه المدرسة المحترمة من مدارس الأمة وقع بعض الناس في اللبس، ذلك أنه كان يطلق عليها عند السلف الأول لقب الجهمية، لاشتراكها مع الجهمية الأصلية في مسائل كثيرة، مثل نفي الرؤية، وما يسميه السلفية الصفات، والقول بخلق القرآن، ولذلك فإن ما كتبه أوائل السلف من كتب في الرد على الجهمية، مثل الإمام أحمد في كتابه (الرد على الجهمية) والبخاري في الرد على الجهمية، كانوا يقصدون به المعتزلة.

وقد أشار ابن تيمية إلى هذا، فقال: (لما وقعت محنة الجهمية نفاة الصفات في أوائل

__________

(1) تبيين كذب المفتري لابن عساكر: ص 149 ـ 150..

(2) مجموع فتاوى ورسائل فضيلة الشيخ ابن باز ص 16.

كلكم كفرة (89)

المئة الثالثة على عهد المأمون وأخيه المعتصم ثم الواثق ودعوا الناس إلى التجهم وإبطال صفات الله تعالى... وطلبوا أهل السنة للمناظرة... لم تكن المناظرة مع المعتزلة فقط، بل كانت مع جنس الجهمية من المعتزلة والنجارية والضرارية وأنواع المرجئة، فكل معتزلي جهمي وليس كل جهمي معتزلياً؛ لأن جهماً أشد تعطيلاً لنفيه الأسماء والصفات) (1)

وقال في موضع آخر، وهو يتحدث عن العلاقة بين الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ـ ويدخل معهم طبعا الماتريدية ـ: (من رزقه الله معرفة ما جاءت به الرسل وبصرا نافذا وعرف حقيقة مأخذ هؤلاء علم قطعا أنهم يلحدون فى أسمائه وآياته وأنهم كذبوا بالرسل وبالكتاب وبما أرسل به رسله ولهذا كانوا يقولون ان البدع مشتقة من الكفر وآيلة اليه ويقولون: إن المعتزلة مخانيث الفلاسفة والاشعرية مخانيث المعتزلة، وكان يحيى بن عمار يقول المعتزلة الجهمية الذكور والاشعرية الجهمية الاناث ومرادهم الاشعرية الذين ينفون الصفات الخبرية، وأما من قال منهم بكتاب الابانة الذى صنفه الاشعرى فى آخر عمره ولم يظهر مقالة تناقض ذلك فهذا يعد من أهل السنة لكن مجرد الانتساب الى الاشعرى بدعة) (2)

ويقول في موضع آخر: (فالمعتزلة فى الصفات مخانيث الجهمية، وأما الكلابية في الصفات وكذلك الأشعرية ولكنهم كما قال أبو إسماعيل الأنصارى الأشعرية الإناث هم مخانيث المعتزلة ومن الناس من يقول المعتزلة مخانيث الفلاسفة لأنه لم يعلم أن جهما سبقهم الى هذا الأصل أو لأنهم مخانيثهم من بعض الوجوه) (3)

وقد ذكر ابن تيمية أثناء ذمه للأشاعرة أن أمر المعتزلة واضح، وأن العلماء من سلفه

__________

(1) منهاج السنة النبوية (2/ 604)

(2) مجموع الفتاوى (6/ 359)

(3) مجموع الفتاوى (8/ 227)

كلكم كفرة (90)

كفوه شأنهم، فقال: (كما يقال الأشعرية مخانيث المعتزلة والمعتزلة مخانيث الفلاسفة لكن لما شاع بين الأمة فساد مذهب المعتزلة ونفرت القلوب عنهم صرتم تظهرون الرد عليهم في بعض المواضع مع مقاربتكم أو موافقتكم لهم في الحقيقة وهم سموا أنفسهم أهل التوحيد لاعتقادهم أن التوحيد هو نفي الصفات، وأنتم وافقتموهم على تسمية أنفسكم أهل التوحيد وجعلتم نفي بعض الصفات من التوحيد وسموا ما ابتدعوه من الكلام الفاسد إما في الحكم وإما في الدليل أصول الدين وأنتم شاركتموهم في ذلك وقد علمتم ذم السلف والأئمة لهذا الكلام بل علم من يعرف دين الإسلام وما بعث الله به نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام ما فيه من المخالفة لكتب الله وأنبيائه ورسله وقد بسطنا الكلام على فساد هذه الأصول في غير هذا الموضع) (1)

ويطلق عليهم السلف كذلك لقب المعطلة، مثلما يطلقونه على الأشاعرة والماتريدية وكل المنزهة، ولهذا فإن مقصد ابن القيم من كتابه [الصواعق المرسلة في الرد على الجهميه والمعطلة] هو الرد على المعتزلة بالدرجة الأولى، باعتبارها ـ حسبما يصور السلفية ـ مصدرا لكل تعطيل حصل في الصفات.

وقد أضاف المعاصرون لقبا جديدا لمن يسمونهم [المعتزلة الجدد] وهو لقب العقلانيين أو العصرانيين أو غيرها من الألقاب، والتي سنتحدث عنها، وعن موقفهم منها في هذا المبحث.

وقد قسمنا الحديث فيه إلى قسمين: موقف المتقدمين، وموقف المتأخرين.

1 ـ تكفير متقدمي السلفية للمعتزلة

يذكر السلفية بفخر واعتزاز مواقف سلفهم الأول المتشددة من المعتزلة الأول، ابتداء من الحسن البصري إلى آخر المتقدمين في العصر السلفي الذهبي.

__________

(1) الفتاوى الكبرى (5/ 325)

كلكم كفرة (91)

ومن تلك المواقف موقف الحسن البصري من واصل بن عطاء، حيث طرده من حلقته (1) وبذلك سمي المعتزلة ـ في نظر السلفية ـ بهذا الاسم.

وقد رووا أن الإمام أحمد كان يفتي بأنه (لا يصلى خلف القدرية والمعتزلة) (2)

ورووا أن الإمام مالك سئل عن تزويج القدري، فقرأ قوله تعالى: {وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ} [البقرة: 221]) (3)

ورووا أن عمر بن عبدالعزيز كان يقول في القدرية: (أرى أن يستتابوا فإن تابوا وإلا قتلوا، قال أبو سهيل: وذلك رأيي، قال مالك: وذلك رأيي) (4)

ورووا أن رجلا قال للإمام عبدالله بن إدريس: يا أبا محمد إن قبلنا ناساً يقولون: إن القرآن مخلوق، فقال: من اليهود؟ قال: لا. قال: فمن النصارى؟ قال: لا. قال: فمن المجوس؟ قال: لا. فقال: فممن؟ قال: من الموحدين، قال: كذبوا هؤلاء ليسوا بموحدين، هؤلاء زنادقة، من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله مخلوق، ومن زعم أن مخلوق فقد كفر، هؤلاء زنادقة، هؤلاء زنادقة) (5)

ورووا أن معاذ بن معاذ قال: صليت خلف رجل من بني سعد ثم بلغني أنه قدري، فأعدت الصلاة بعد أربعين سنة، أو ثلاثين سنة) (6)

ورووا عن أبي عوانة قال: (ما رأيت عمرو ابن عبيد ولا جالسته قط إلا مرة واحدة، فتكلم وطول ثم قال حين فرغ: لو نزل من السماء ملك مازادكم على هذا، فقلت: غيري

__________

(1) سير أعلام النبلاء، 5/ 464.

(2) السنة لعبدالله بن أحمد، برقم 833.

(3) ابن أبي عاصم: (198)

(4) السنة لابن أبي عاصم برقم (199)

(5) السنة، لعبدالله برقم (29.

(6) السنة، لعبدالله برقم (839)

كلكم كفرة (92)

من عاد إليك) (1)

ورووا عن عبدالوهاب بن الخفاف قال: مررت بعمرو بن عبيد وحده، فقلت: مالك؟ تركوك؟ قال: نهى الناس عني ابن عون فانتهوا (2).

ورووا عن عدي بن الفضل قال: كلمت يونس بن عبيد في عبدالوارث، فقال: رأيته على باب عمرو بن عبيد جالساً لا تذكره لي (3).

ورووا عن قريش بن أنس قال: سمعت عمرو بن عبيد يقول: (يؤتى بي يوم القيامة فأقام بين يدي الله، فيقول لي: أنت قلت: إن القاتل في النار؟ فأقول: أنت قلته، ثم أتلو هذه الآية {وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ} [النساء: 93] فقلت – وليس في البيت أصغر مني-: أرأيت إن قال لك: أنا قلت: {إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء} [النساء: 48] من أين علمت أني لا أشاء أن أغفر لهذا؟ فما رد علي شيئاً) (4)

ورووا عن بعضهم، قال: كنت جالسا عند يونس بن عبيد، فجاء رجل فقال: يا أبا عبدالله، تنهانا عن مجالسة عمرو بن عبيد، وقد دخل عليه ابنك قبيل؟ قال: ابني؟ قال: نعم، فلم أبرح حتى جالسه، فقال: يا بني، ألم تعرف رأيي في عمرو بن عبيد، ثم تدخل عليه؟ قال: كان عنده فلان، قال: فجعل يعتذر، فقال يونس: أنهاك عن الزنا، والسرقة، وشرب الخمر، ولأن تلقى الله بهن أحب إلي من أن تلقاه برأي عمرو، وأصحاب عمرو (5).

بل إن سلف السلفية لم يرحموا المعتزلة حتى في منامهم، فقد رووا الكثير من الرؤى التي تصفهم بالضلال والبدعة، ويستدلون بذلك على ضلالاهم وبدعتهم، باعتبار عصمة

__________

(1) ابن حبان، المجروحين، 2/ 71.

(2) ميزان الاعتدال، 3/ 274.

(3) السنة، لعبدالله برقم (983)

(4) سير أعلام النبلاء، 3/ 273.

(5) الضعفاء، 3/ 285).

كلكم كفرة (93)

أحلام سلفهم..

ومن تلك الرؤى ما رواه عاصم الأحول قال: (.. فرأيت عمرو بن عبيد في المنام يحك آية من القرآن، قلت: ما تصنع؟ قال: إني أعيدها، قال: فحكها، قلت: أعدها! فقال: لا أستطيع) (1)

ورووا أن عمرو بن عبيد، وإسماعيل المكي جاءا إلى محمد بن سيرين فسألاه عن رجل رأى كأنه نصف رأسه مجزوزة، ونصف لحيته، فقال لهما: اتقيا الله، لا تظهروا أمراً، وتسرا خلافه، قال: فقال عمرو: والله، لا نأخذ عنه في اليقظة وكيف نأخذ عنه في المنام؟) (2)

ورووا عن محمد بن إدريس الرازي قال: سمعت الأنصاري يقول: (رأيت في النوم كأنا على باب عمرو بن عبيد، ننتظر خروجه، إذ خرج علينا قرد، قالوا: هذا عمرو بن عبيد) (3)

ولم يكتف سلف السلفية بهذا، بل كتبوا الردود الكثيرة المشحونة بكل صيغ التكفير، فمن كتبهم الأولى في ذلك (رسالة الرد على القدرية) ينسبونها لعمر بن عبدالعزيز (توفي 101 هـ) (4)

ومنها رسالة في (الرد على القدرية) لإسماعيل بن حماد (توفي 212 هـ)

ومنها رسالة (في أن القرآن غير مخلوق) لأبي إسحاق الحربي (ت 285 هـ)

ومنها رسالة في (الرؤية) لأبي بكر أحمد بن إسحاق الصبغي (ت 342 هـ)

ومنها رسالة (الرؤية) لأبي أحمد العسال (ت 349 هـ) (5)

__________

(1) العقيلي، الضعفاء، 3/ 281، 282.

(2) العقيلي، الضعفاء، 3/ 281، 282.

(3) ابن حبان، المجروحين، 2/ 71.

(4) أخرجها أبو نعيم في الحلية 5/ 346 - 353.

(5) ذكرها الذهبي في السير 16/ 11.

كلكم كفرة (94)

ومنها رسالة في (الرؤية) لعلي بن عمر الدارقطني (ت 385 هـ)

ومنها رسالة في (الرد على القدرية) لابن أبي زيد القيرواني (ت 386 هـ)

ومنها رسالة في (رؤية الله) لابن النحاس (ت 416 هـ)

ومنها رسالة في (الرد على القدرية) لأبي المظفر السمعاني (ت 489 هـ)

ومنها رسالة (الانتصار في الرد على القدرية الأشرار) ليحيى بن سالم العمراني (ت 558 هـ)

ومنها رسالة في (رؤية الباري) للذهبي (ت 748 هـ)

وقد ذكرنا سابقا الكثير من النصوص عن السلف في تكفير من ينفي الجهة أو يؤول الصفات أو يقول بخلق القرآن، وقصدهم من ذلك كله المعتزلة، لأن الأشاعرة والماتريدية لم يظهرا بعد، أوكان ظهورهما في ذلك الحين محتشما، بحيث لم يشكلا مدارس خاصة.

ولم يكتفوا بهذا، بل أضافوا إليه استخدام السلطة السياسية في قهر المعتزلة، والتنكيل بهم، حتى لو كانوا من أعلام الأمة الأجلاء، بل حتى لو كان الاعتزال مجرد تهمة لم تثبت عنهم.

ولذلك فإن ما فعلوه بالمعتزلة، وبغيرهم ممن يوافقهم في بعض الأفكار والمواقف لا يساوي شيئا أمام تلك الفتنة البسيطة التي قام بها المأمون، والتي لم يصب فيها الإمام أحمد مكروه كبير مقارنة بالمصائب والويلات التي ألحقوها بالمعتزلة.

ونحن هنا لا نقر المأمون، ولا غيره ممن يصادرون الأفكار، ولكنا في نفس الوقت لا نقبل أن يعتبر المأمون طاغية ومستبدا وظالما وكافرا، في نفس الوقت الذي يعتبر فيه المتوكل ـ وهو الذي وقف مع السلفية ضد المعتزلة ـ عادلا وطيبا وصالحا، بل وناصرا للسنة كما يزعم السلفية.

وبما أن جرائم المأمون في حق الفكر معروفة عند الجميع، فإني أحب هنا من باب

كلكم كفرة (95)

العدالة، والشهادة لله، أن أبين ما ذكره المحققون من المؤرخين في حق المتوكل الذي يعتبرونه من خلفاء الأمة العدول، بل هناك من يعتبره من الخلفاء الاثني عشر الذين أثنى عليهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.

فقد ذكر ابن الجوزي في كتاب (مناقب الإمام أحمد) أنّ المتوكِّل (في سنة 234 هـ أشخص الفقهاء والمحدِّثين، وأمرهم أن يجلسوا للنّاس وأن يحدِّثوا بالأحاديث فيها الردّ على المعتزلة والجهميّة، وأن يحدِّثوا في الرّؤية، فجلس عثمان بن أبي شيبة فى مدينة المنصور، ووضع له منبر واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً من الناس، وجلس أبوبكر بن أبي شيبة في مسجد الرصافة واجتمع عليه نحو من ثلاثين ألفاً) (1)

ومن هنا بدأ التطرف الشديد للسلفية بسبب ذلك الاستعلاء والكبرياء الذي أعانتهم عليه السلطة السياسية.. ولذلك راحوا يبالغون في التجسيم، وفي التكفير، ولأبسط المسائل، ومن يطالع ما كتب في تلك الفترة يرى هذا بوضوح.

وقد ذكرنا في محل سابق أن المتوكل كان يعتبر السلفية في ذلك الحين مرجعا له يستشيرهم في كل وظيفة يريد أن يقدم عليها، فقد رووا في ذلك عن أبي علي البلخي قوله: دخلت على أحمد ابن حنبل، فجاءه رسول الخليفة يسأله عن الاستعانة بأهل الأهواء ـ ويقصدون بهم كل المخالفين لهم ـ فقال أحمد: لا يستعان بهم، فقال: يستعان باليهود والنصارى ولا يستعان بهم، فقال: إن النصارى واليهود لا يدعون إلى أديانهم، وأصحاب الأهواء داعية (2).

وروى البيهقي في [مناقب أحمد] عن محمد بن أحمد بن منصور المروذي أنه استأذن على أحمد بن حنبل، فأذن له، فجاء أربعة رسل المتوكل يسألونه فقالوا: الجهمية ـ ويقصد

__________

(1) مناقب الامام أحمد: ص 375 ـ 385.

(2) الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 256)

كلكم كفرة (96)

بهم في ذلك الحين المعتزلة ـ يستعان بهم على أمور السلطان قليلها وكثيرها أولى أم اليهود والنصارى؟ ففقال أحمد: (أما الجهمية فلا يستعان بهم على أمور السلطان قليلها وكثيرها، وأما اليهود والنصارى فلا بأس أن يستعان بهم في بعض الأمور التي لا يسلطون فيها على المسلمين حتى لا يكونوا تحت أيديهم، قد استعان بهم السلف)، قال محمد بن أحمد المروذي: أيستعان باليهود والنصارى وهما مشركان، ولا يستعان بالجهمي؟ قال: (يا بني يغتر بهم المسلمون وأولئك لا يغتر بهم المسلمون) (1)

وقد قام المتوكل بنفس المضايقات التي كان يقوم بها المأمون، والتي يبالغ فيها السلفية، ويعظمونها تعظيما كبيرا، وبعتبرونها جناية في حق الإسلام نفسه، ولكنهم في نفس الوقت يثنون على تلك الجرائم التي قام بها المتوكل، ويعتبرونه ناصرا للسنة، لسبب بسيط، وهو أنهم كانوا شركاءه في تلك الجرائم.

يقول الطبري: (وقد كان المتوكِّل لمّا أفضت إليه الخلافة، نهى عن الجدال في القرآن وغيره، ونفذت كتبه بذلك إلى الآفاق، وهمّ بإنزال أحمد بن نصر عن خشبته، فاجتمع الغوغاء والرّعاع إلى موضع تلك الخشبة وكثروا وتكلّموا، فبلغ ذلك المتوكّل، فوجّه إليهم نصربن اللّيث، فأخذ منهم نحواً من عشرين رجلاً فضربهم وحبسهم، وترك إنزال جثّة أحمد بن نصر من خشبته لما بلغه من تكثير العامّة في أمره، وبقي الّذين أُخِذوا بسببه في الحبس حيناً... فلمّا دفع بدنه إلى أوليائه في الوقت الّذي ذكرت، حمله ابن أخيه موسى إلى (بغداد) وغسل ودفن وضمّ رأسه إلى بدنه) (2)

وهكذا انتقم السلفية لما حصل للإمام أحمد وغيره بالتنكيل بكل علماء المعتزلة، يقول الطبري: (وفي سنة 237 هـ غضب المتوكِّل على ابن أبي دؤاد وأمر بالتّوكيل على ضياع أحمد

__________

(1) نقلا عن الآداب الشرعية والمنح المرعية (1/ 256)

(2) تاريخ الطبري: ج 7، حوادث سنة 237، ص 368.

كلكم كفرة (97)

بن أبي دؤاد لخمس بقين من صفر، وحبس يوم السبت لثلاث خلون من شهر ربيع الأوّل ابنه أبا الوليد محمّد بن أحمد بن أبي دؤاد في ديوان الخراج وحبس إخوته عند عبيد الله بن السريّ خليفة صاحب الشرطة) (1)

ولم يكتفوا بذلك التنكيل الحسي، بل راحوا يملأون المساجد بالتنكيل المعنوي من التكفير واستعمال كل أساليب الولاء والبراء التي ورثوها من أسلافهم، والتي عاملوا بها قبل ذلك واصل بن عطاء وعمرو بن عبيد، ومن ذلك أنه روي أنه سأل أحدهم أحمد بن حنبل عمّن يقول إنّ القرآن مخلوق، فقال: كافر. قال: فابن دؤاد؟ قال كافر بالله العظيم (2).

وقد لخص الشيخ حسن بن فرحان المالكي ما فعله المتوكل من جرائم، والتي لا تزال آثارها إلى الآن، فقال: (أتى المتوكل عام 232 هـ؛ ومال مع العامة ضد الأتراك والثقافة السابقة برمتها؛ فعظم أهل الحديث - وعلى رأسهم أحمد - وأضطهد المعتزلة والشيعة؛ وتعرض المعتزلة ومن شايعهم؛ من أهل الفلسفة والمنطق وعلوم اليونان؛ لاضطهاد أيضاً؛ أحرقت كبتهم؛ ولاحقتهم السلطات؛ وكان الأثر على العامة كبيراً؛ وما زال أثر المتوكل قائماً إلى اليوم؛ في التيار السلفي والأشعري معاً؛ فقد عظم المتوكل أهل الحديث؛ وأجزل لهم العطايا؛ وتشكلت العقائد من أيامه.. العقائد والتصورات اليوم، عن الدين والعقائد والمذاهب، هي من آثار عصر المتوكل. فقد كان جاهلاً ظالماً كالمتعصم والواثق، ولكن على الضد) (3)

وقد ذكر تغاضي السلفية عن جرائم المتوكل التي تشهد بها جميع كتب التاريخ، كما هي عادتهم مع كل من يساندهم، فقال: (المتوكل لم يكن رجلاً صالحاً؛ حتى بمقياس أهل

__________

(1) تاريخ الطبري: ج 7، حوادث سنة 237، ص 367.

(2) تاريخ بغداد: 3/ 285.

(3) من مقال بعنوان [لسان حال السلطة: اعطوهم من هذا الدين حتى يشبعوا وينسوكم: المتوكل ناصر السنة] موقع الشيخ حسن بن فرحان المالكي.

كلكم كفرة (98)

الحديث؛ فقد كان غارقاً في الشهوات، مبغضاً لعلي والحسين، قاتلاً ظالماً؛ إلا أنه نصر الإمام أحمد.. أهل الحديث - وسط ما يشعرون به من انتصار سياسي - نسوا مظالم المتوكل، وسموه (ناصر السنة)؛ ونشطوا في هذه المرحلة؛ وغلوا وتطرفوا ضد الجميع.. هذه المرحلة هي التي دونت تكفير أبي حنيفة؛ وكان فيها الظلم كله؛ ونبش قبر الحسين؛ وإعلان بغض الإمام علي؛ وأهل الحديث ساكتون لأنه نصر أحمد! وكنت أقول لبعض الفضلاء من أهل الحديث؛ هل سنة المتوكل؛ في نصر الإمام أحمد؛ تغطي على بدعته في بغض علي والحسين؟ وأنتم تعترفون أنه ناصبي.. فكيف؟ بعض المحققين؛ من أهل الحديث؛ يعرفون هذا؛ وكان من عرف منهم هذا، كان السؤال محرجاً له بالمرة؛ فالسنة لا تتجزأ ولا تتمذهب؛ وأحمد لا يبلغ علياً) (1)

وقد شبه الشيخ حسن المتوكل بما يفعله داعش وخليفهم في عصرنا هذا، فقال: (المتوكل العباسي مات سنة 247 هـ؛ بعد أن قام بأفعال لا تقوم بها داعش اليوم؛ ولكن؛ العمى عند أهل الحديث؛ وشدتهم في الخصومة؛ نسوا كل جرائمه وبدعه! فأفعاله القبيحة عندي؛ في الجانب الجنائي؛ أبشع من بغضه لأهل البيت) (2)

ومن تلك الجرائم الداعشية التي قام بها المتوكل، والتي أثنى عليه السلفية بسببها واعتبروه ناصرا للسنة، (سل لسان اللغوي الكبير يعقوب بن السكيت من قفاه؛ وقطعه فمات) (3)

__________

(1) المرجع السابق.

(2) المرجع السابق.

(3) ذكرت القصة النجوم الزاهرة لابن تغري بردى (2/ 285) - عن ابن السكيت - قال له (المتوكل) يوما: أيّما أحبّ إليك: ولداى المؤيد والمعتزّ أم الحسن والحسين أولاد علىّ؟ فقال ابن السكيت: والله إنّ قنبرا خادم علىّ خير منك ومن ولديك؛ فقال المتوكل: سلّوا لسانه من قفاه، ففعلوا فمات من ساعته.. وقد اعترف بهذا معظم المؤرخين؛ ومنهم الحنابلة المعتدلون - كابن العماد الحنبلي في شذرات الذهب (3/ 204)

كلكم كفرة (99)

وقد علق عليها حسن بن فرحان بقوله: (هذه لم تعملها داعش.. هذه القصة الشنيعة؛ عندي؛ هي المؤثرة في قبح سيرة المتوكل؛ أكثر من النصب. لكن؛ أهل الحديث؛ غفر الله لهم وهداهم؛ فقراء في الجانب الحقوقي؛ إلى اليوم؛ والسبب الذي من أجله استل المتوكل لسان ابن السكيت من قفاه - حفروا للسانه من القفا وأخرجوه من هناك وقطعوه - لأنه فضل الحسن والحسين على ابنيه.. فأهل الحديث تذكروا النصب وذموه عليه - أعني علماء أهل الحديث ومنصفيهم – ولكنهم؛ لم يذموه على هذا التفنن في المثلة بإمام العربية في وقته) (1)

ومن جرائمه التي يسكت عنها السلفية ـ وهي أكبر بكثير من جريمة المأمون في حق الإمام أحمد ـ أمره بجلد المحدث الكبير نصر بن علي ألفي سوط - وهو محدث مشهور من طبقة أحمد وابن معين – وسبب ذلك أنه روى حديثاً في فضل علي؛ وظن المتوكل أنه شيعي!

قال الخطيب البغدادي: (لما حدث (نصر بن علي) بهذا الحديث، أمر المتوكل بضربه ألف سوط، فكلمه جعفر بن عبد الواحد؛ وجعل يقول له؛ هذا الرجل من أهل السنة، ولم يزل به حتى تركه!) (2)

وقد علق الخطيب البغدادي على الحادثة ـ معتذار له ـ بقوله: (إنما أمر المتوكل بضربه لأنه ظنه رافضيا، فلما علم أنه من أهل السنة تركه)

ولم يكن عصر المتوكل هو الوحيد الذي ساهم في إعلان الحرب على المعتزلة، وإنما تلت ذلك عصور كثيرة كان للسلفية كل السطوة فيها، ولذلك استعملوا كل ما ورثوه من سلفهم من أحقاد لقمع المعارضين.

ومن تلك العصور عصر القادر بالله الخليفة العباسي، الذي قام في سنة (408 هـ)

__________

(1) لسان حال السلطة: اعطوهم من هذا الدين حتى يشبعوا وينسوكم.

(2) تاريخ بغداد (15/ 389)

كلكم كفرة (100)

بنفس العمل الّذي قامت به المعتزلة في عصر المعتصم والواثق. يقول ابن كثير: (وفي سنة (408 هـ)، استتاب القادر بالله الخليفة فقهاء المعتزلة فأظهروا الرّجوع وتبرّأوا من الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للإسلام، وأخذت خطوطهم بذلك وأنّهم متى خالفوا أحلّ فيهم من النّكال والعقوبة ما يتّعظ به أمثالهم، وامتثل محمود بن سبكتكين أمر أمير المؤمنين في ذلك واستنّ بسنّته في أعماله الّتي استخلفه عليها من بلاد خراسان وغيرها في قتل المعتزلة والرافضة والإسماعيليّة والقرامطة والجهميّة والمشبّهة وصلبهم وحبسهم ونفاهم وأمر بلعنهم على المنابر وأبعد جميع طوائف أهل البدع ونفاهم عن ديارهم وصار ذلك سنّة في الإسلام) (1)

ولم يكتف بذلك، بل راح ـ باسم سلطته السياسية يقوم بما قام به قسطنطين من قبله ـ من وضع قوانين للإيمان وللدين لا نزالي نعاني آثارها إلى الآن.. قال الخطيب البغدادي: (وصنّف القادر بالله كتاباً في الأُصول ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبدالعزيز وإكفار المعتزلة والقائلين بخلق القرآن وكان الكتاب يقرأ كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي ويحضر النّاس سماعه) (2)

والسلفية يثنون كثيرا على هذا الكتاب المسمى بـ (بالبيان القادري)، والممتلئ بالتجسيم والتكفير، ويعتبرونه من فتوح الله لهم.

ولم يكتفوا بذلك، بل أضافوا إليه الكثير من ألوان الأذى للمعتزلة والفلاسفة وكل العلماء الذين يخالفونهم، يقول ابن الجزري في حوادث سنة (420 هـ): (ولمّا ملك محمود بن سبكتكين الريّ.. نفى المعتزلة إلى خراسان وأحرق كتب الفلسفة ومذاهب الاعتزال

__________

(1) البداية والنهاية: ج 12 ص 6..

(2) تاريخ بغداد: ج 4، ص 37 و38..

كلكم كفرة (101)

والنّجوم وأخذ من الكتب ما سوى ذلك مائة حمل) (1)

ويقول ابن كثير في حوادث سنة (456 هـ) ناقلاً عن ابن الجوزي: (وفي يوم الجمعة ثاني عشر شعبان هجم قوم من أصحاب عبدالصمد على أبي عليّ بن الوليد المدرس للمعتزلة فسبّوه وشتموه لامتناعه من الصلاة في الجامع وتدريسه للنّاس بهذا المذهب وأهانوه وجرّوه ولعنت المعتزلة في جامع المنصور وجلس أبو سعيد بن أبي عمامة وجعل يلعن المعتزلة) (2)

وذكر في حوادث سنة (477 هـ): (إنّ أبا عليّ بن الوليد شيخ المعتزلة كان مدرّساً لهم فأنكر أهل السنّة عليه فلزم بيته خمسين سنة إلى أن توفّي في ذي الحجّة منها) (3)

وذكر في حوادث سنة (461 هـ): (وفيها نقمت الحنابلة على الشيخ أبي الوفاء عليّ بن عقيل وهو من كبرائهم بتردّده إلى أبي عليّ بن الوليد المتكلّم المعتزلي واتّهموه بالاعتزال) (4)

ويقول في حوادث سنة (465 هـ): (وفي يوم الخميس حادي عشر المحرّم حضر إلى الديوان أبو الوفاء عليّ بن محمّد بن عقيل العقيلي الحنبلي وقد كتب على نفسه كتاباً يتضمّن توبته من الاعتزال) (5)

2 ـ تكفير متأخري السلفية للمعتزلة

انطلاقا من تلك المواقف التي وقفها السلف الأول، وصنفوا فيها المصنفات الكثيرة، لم يجد السلفية المتأخرون بدا من سلوك سبيل سلفهم الأول خشية على أنفسهم من أن

__________

(1) الكامل: ج 7، حوادث سنة 420..

(2) البداية والنهاية: الجزء 12، ص 91.

(3) البداية والنهاية: الجزء 12، ص 98.

(4) البداية والنهاية: الجزء 12، ص 98.

(5) البداية والنهاية: الجزء 12، ص 98.

كلكم كفرة (102)

تطالهم سيوف التكفير التي تطال كل من يشكك في كفر الجهمية إناثهم وذكورهم.

والأمثلة على ذلك التكفير أكثر من أن تحصى، ومنها قول الشيخ ابن باز في بعض فتاواه: (ومن قال: إن الله في الأرض، إن الله في كل مكان كالجهمية والمعتزلة ونحوهم فهو كافر عند أهل السنة والجماعة؛ لأنه مكذب لله ولرسوله، في إخبارهما بأن الله سبحانه في السماء فوق العرش جل وعلا، فلا بد من الإيمان بالله، فوق العرش فوق جميع الخلق، وأنه في السماء في العلو معنى السماء يعني العلو) (1)

وسئل: (ماحكم الشرع في نظركم فيمن ينفي الصفات الكلية والأسماء، أسماء الله وصفاته بالكلية ويقول هذا هو المعتقد الصحيح؟)، فأجاب: (هذا دين المعتزلة والجهمية، الجهمية ينفون أسماء الله وصفاته، والمعتزلة نفاة القدر ينفون صفات الله، ويثبتون أسماء بدون صفات يقولون: عليم بلا علم، رحيم بلا رحمة، سميع بلا سمع، وهذا باطل، والعياذ بالله، هذا كفر ردة عن الإسلام، تكذيب لله ولرسوله، الله جل وعلا أخبر عن نفسه إنه عليم وسميع وبصير، فمن نفى ذلك عن الله، وقال إنه يعلم بلا علم، لاعلم له ولا رحمة له ولا سمع له فهو كافر، مكذب لله ولرسوله، فالجهمية عند أهل السنة، والمعتزلة عند أهل السنة كفار بهذا الاعتقاد الباطل) (2)

وقد ورد في بعض أشرطته الصوتية هذا الحوار المهم، الذي يمكنه لوحده، أن يجعل من ابن باز مكفرا لكل طوائف الأمة ـ ما عدا طائفته. وسننقله كما هو، ونريد من الذين يتشبثون ببعض فتاواه الدبلوماسية أن يضموا إليها هذه الفتوى أيضا، والتي يوجد أمثالها في كتبه وفتاواه:

قال ابن باز: هذا معروف، أهل السنة يكفرون من قال بخلق القرآن، لأن معناه الله

__________

(1) فتاوى نور على الدرب لابن باز بعناية الشويعر (1/ 129)

(2) الأسئلة اليامية عن العقيدة الإسماعيلية السؤال:17.

كلكم كفرة (103)

ما يتكلم، معناه أن القرءان ليس كلام الله، معناه وصف الله بأنه لا يتكلم، ساكت.

فقال أحد الحضور: ما لهم شبهة يل شيخ؟

فقال ابن باز: كفر... لا.. نخرجه من الملة.. الله عز وجل له كلامه، وصفوه بأنه أبكم ما يتكلم {يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ} [الفتح: 15]، {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]، والرسول صلى الله عليه وآله وسلم يقول: (إن قريشا منعوني أن أبلغ كلام ربي)

قال أحد الحضور: هل يكفر المعتزلة؟

قال ابن باز: ما في شك، من قال بخلق القرآن فهو كافر.

قال أحد الحضور: أحمد بن أبي دؤاد يكفر؟

فقال بن باز: كل من قال بخلق القرآن فهو كافر.

فقال أحد الحضور: عينا يا شيخ؟

فقال الإمام بن باز: عينا إذا ثبت عليه ذلك.

فقال أحد الحضور: الذهبي في السير يا شيخ ذكر أحمد بن دؤاد قال: هذا وليس الرجل بكافر، فهو يشهد أن لا إله إلا الله، ويومن بالله.

فقال بن باز: الذهبي ليس من أهل الفقه والبصيرة، الذهبي عالم من الوسط، يعتني بمصطلح الحديث.

فقال أحد الحضور: حمل المأمون الناس على القول بذلك أليس كفرا؟

فقال الإمام بن باز: كفر، المأمون وغير المأمون (1).

ولم يكتف السلفية المتأخرون جدا بالاقتصار على مسائل الجهة والصفات وخلق

__________

(1) من شريط الدمعة البازية، وانظر مقالا بعنوان: (الدمعة البازية صورةٌ من التجرد للحق والثبات عليه)، ويمكن تحميل الحوار والمحاضرة المرتبطة به من النت، وهي منتشرة بكثرة.

كلكم كفرة (104)

القرآن ونحوها.. بل أضافوا إليها الكثير من الإضافات، ليشملوا بتكفيرهم كل من يستعمل عقله، لأنهم رأوا أن سبب المشكلة التي وقع فيها الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية وغيرهم هي استعمالهم لعقولهم، وعدم جلوسهم مع كعب الأحبار ووهب بن المنبه وغيرهما ليأخذو دينهم.

وكنموذج لهذا التكفير الجماعي للمفكرين والباحثين أحب أن أذكر هنا كتابا ينتشر بكثرة على النت يحمل عنوان [المشابهة بين المعتزلة الأوائل والمعتزلة الجدد] من تأليف فؤاد بن عبد العزيز الشلهوب، وهو كتاب يبحث عن نواحي الشبه بين مقولات المعتزلة الأوائل ومقولات المفكرين المحدثين أمثال الغزالي ومحمد عبده ورشيد رضا وغيرهم.. ليطبق عليهم جميعا سنة التجريح التي سنها سلفه، لأنه لكل عصر جهميته ومعتزليته.

وقد ذكر لذلك الكثير من المآخذ والمعايير التي على أساسها يكون الحكم على المفكر المعاصر بكونه معتزليا.. وطبعا يكفي وصمه بالاعتزال عند السلفية عن رميه بالكفر.. لأن مصطلح [المعتزلة] عندهم مساو تماما ومن كل الوجوه لمصطلح [الكفرة]

وسنقتصر على المآخذ الثلاثة التالية:

المأخذ الأول تقديس العقل وتقديمه على النقل

وأول تلك المآخذ ـ كما يرى الشلهوب ـ تقديس العقل وتقديمه على النقل (1).. ومن النصوص التي ذكرها عن سلفه، والتي اعتبرها معايير للحكم على المخالفين لها، قول ابن القيم: (فإذا تعارض النقل وهذه العقول أخذ بالنقل الصحيح، ورمي بهذه العقول تحت الأقدام، وحطت حيث حطها الله وأصحابها) (2)، وقول عبد الرحمن الوكيل: (والداعون إلى تمجيد العقل، إنما هم في الحقيقة يدعون إلى تمجيد صنم سموه عقلاً، وما كان العقل

__________

(1) المشابهة بين المعتزلة الأوائل والمعتزلة الجدد، ص 11.

(2) مختصر الصواعق المرسلة ص 82 - 83.

كلكم كفرة (105)

وحده كافياً في الهداية والإرشاد، وإلا لما أرسل الله الرسل) (1)

وفي مقابل هذا الفكر السلفي النير ينقل الكاتب تلك الطامات التي وقع فيها المعتزلة القدامى والمعتزلة الجدد.

أما المعتزلة القدامى، فقد نقل عن الزمخشري قوله: (امش في دينك تحت راية السلطان [ويعني بالسلطان: العقل] ولا تقنع بالراوية عن فلان وفلان، فما الأسد المحتجب في عرينه أعز من الرجل المحتج على قرينه. وما العنز الجرباء تحت الشمأل-[أي: الريح الباردة]- البليل أذل من المقلد عند صاحب الدليل، ومن تبع في أصول الدين تقليده، فقد ضيع وراء الباب المرتج إقليده [أقليده: المفتاح]) (2)

ومثله قول النظام: (إن المكلف – قبل ورود السمع – إذا كان عاقلاً متمكناً من النظر يجب عليه تحصيل معرفة الباري تعالى بالنظر والاستدلال) (3)

وقد سار على منوالهم كما يذكر الشلهوب المعتزلة الجدد من رجال المدرسة العقلية الحديثة، والذي عبر الشيخ محمد عبده على لسانهم، فقال: (ورفع القرآن من شأن العقل ووضعه في مكانه بحيث ينتهي إليه أمر السعادة والتمييز بين الحق والباطل والضار والنافع) (4)

فقد اعتبر الشلهوب هذا النص الواضح والذي يدل على حقيقة وظيفة العقل إدانة كبرى للشيخ محمد عبده، واعتباره بذلك من المعتزلة.. وما أدراك ما المعتزلة في العقل السلفي.

ومثله قوله: (اتفق أهل الملة الإسلامية إلا قليلاً ممن لا ينظر إليه على أنه إذا تعارض

__________

(1) مقدمة كتاب: موافقة صحيح المنقول لصريح المعقول (1/ 21)

(2) أطواق الذهب في المواعظ والخطب، مقالة 37 ص 28.

(3) الملل والنحل (1/ 60)

(4) رسالة التوحيد، ص 25.

كلكم كفرة (106)

العقل والنقل أخذ بما دل عليه العقل) (1)

وقد علق الشلهوب على هذا النص بقوله: (وفي حكاية هذا الاتفاق نظر، ولعله يقصد بأهل الملة الإسلامية: المعتزلة والأشاعرة ومن سلك طريقهم. وكثير من أئمة الدين المرضيين عند الموافق والمخالف لا يقدمون عقولهم على كلام نبيهم كأمثال الإمام مالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وسفيان الثوري، وابن المبارك، وابن عيينة، والدارمي، وغيرهم كثير يصعب حصرهم. فبطل بذا الاتفاق المزعوم) (2)

بل إن الشلهوب لم يرحم الشيخ محمد رشيد رضا مع كونه من أهل الحديث، ويثني على السلفية، بل حتى الوهابية منها، لأنه تكلم بما يدل على قيمة العقل، فقد نقل قوله: (ذكرنا في المنار غير مرة أن الذي عليه المسلمون من أهل السنة وغيرهم من الفرق المعتد بإسلامهم أن الدليل العقلي القطعي إذا جاء في ظاهر الشرع ما يخالفه فالعمل بالدليل القطعي متعين، ولنا في النقل التأويل أو التفويض وهذه المسألة مذكورة في كتب العقائد التي تدرس في الأزهر وغيره من المدارس الإسلامية في كل الأقطار كقول الجوهرة:

وكل نص أوهم التشبيها... أوله أو فوض ورم تنزيها) (3)

وقد علق عليه الشلهوب بقوله: (ما ذكره رشيد رضا ليس هو الذي عليه أهل السنة عند التحقيق، ومراده بأهل السنة هنا الأشاعرة –بلا شك- ومن لف لفهم. وقوله: (من الفرق المعتد بإسلامهم) فيه مجازفة كبيرة، فعلى كلامه فالسلف الذين يقدمون الدليل السمعي على العقلي عند التعارض، هم من الذين لا يعتد بإسلامهم، وعند النظر نجد أنه لا تعارض بين دليل سمعي صحيح وبين عقل صريح، كما قرره المحققون من أهل

__________

(1) الإسلام والنصرانية، ص 56.

(2) المشابهة بين المعتزلة الأوائل والمعتزلة الجدد، ص 13.

(3) شببهات النصارى وحجج الإسلام: محمد رشيد رضا ص 71 - 72.

كلكم كفرة (107)

العلم) (1)

وينقل عن فهمي هويدي ـ المعتزلي الجديد ـ قوله: (.. أن الوثنية ليست عبادة الأصنام فقط، ولكن وثنية هذا الزمان صارت تتمثل في عبادة القوالب والرموز، وفي عبادة النصوص والطقوس) (2)

ثم يعقب عليه بقوله: (متى كان الاعتصام بالكتاب والسنة وتقديمهما على آراء الرجال وثنية وعبادة أصنام؟!، أ فنقدم كلام هويدي على كلام نبينا صلى الله عليه وآله وسلم) (3)

المأخذ الثاني تفسير القرآن مخالفاً لتفسير السلف.

ومن المآخذ الكبرى والخطيرة التي وصم بها الشلهوب المعتزلة القدامى والجدد ما سماه [تفسير القرآن مخالفاً لتفسير السلف] (4) وكأن القرآن الكريم أنزل ومعه جميع قيود السلف، فمن لم يتقيد بها لم يفهم القرآن الكريم.

ومن النصوص التي ذكرها عن سلفه، واعتبرها معايير للحكم على المخالفين لها ما نقله عن ابن تيمية ـ إمامهم المقدس ـ من قوله: (إذا لم نجد التفسير في القرآن ولا في السنة رجعنا في ذلك إلى أقوال الصحابة فإنهم أدرى بذلك لما شاهدوه من القرآن والأحوال التي اختصوا بها، ولما لهم من الفهم التام والعلم الصحيح والعمل الصالح.. وإذا لم تجد التفسير في القرآن ولا في السنة، ولا وجدته عن الصحابة، فقد رجع كثير من الأئمة في ذلك إلى أقوال التابعين، كمجاهد ابن جبر، فإنه كان آية في التفسير.. فأما تفسير القرآن بمجرد الرأي فحرام) (5)

__________

(1) المشابهة بين المعتزلة الأوائل والمعتزلة الجدد، ص 13.

(2) نقلاً من العصرانيون ص 178.

(3) المشابهة بين المعتزلة الأوائل والمعتزلة الجدد، ص 13.

(4) المشابهة بين المعتزلة الأوائل والمعتزلة الجدد، ص 14.

(5) فتاوى ابن تيمية (13/ 363 - 370)

كلكم كفرة (108)

ثم علق على هذا بقوله: (والعقلانيون القدماء، وأصحاب المدرسة الحديثة، والعقلانيون الجدد سلكوا في تفسير القرآن خلاف منهج السلف وطريقتهم، فقدموا عقولهم واعتقدوا أولاً، ثم ذهبوا يحرفون الكلم عن مواضعه تارة، ويلوون أعناق النصوص تارة أخرى حتى توافق ما اعتقدوه بعقولهم وآرائهم) (1)

ثم استند في هذا التعليق بهذا النص المقدس من كلام ابن تيمية في المعتزلة الأوائل: (والمقصود أن مثل هؤلاء اعتقدوا رأيا ثم حملوا ألفاظ القرآن عليه وليس لهم سلف من الصحابة والتابعين لهم بإحسان ولا من أئمة المسلمين لا في رأيهم ولا في تفسيرهم وما من تفسير من تفاسيرهم الباطلة إلا وبطلانه يظهر من وجوه كثيرة) (2)

ومن النماذج التي ضربها للتفسير المعتزلي الأول، والبعيد عن منهج السلف في تصوره ما فسر به المعتزلة قوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} [القيامة: 22، 23] إلى أن النظر يكون بذلك إلى الثواب لا إلى الله عز وجل، (أي منتظرة ثواب ربها) (3) وهو مع كونه معنى صحيح في اللغة العربية، وقال به أئمة اللغة كالزمخشري، إلا أنه لمخالفته للسلف لم يقبله السلفية.

وهكذا نقل عن ابن تيمية تفسير قوله تعالى: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فقد قال: (وحرفوا كلام الله في قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] فقالوا: استوى: أي استولى وملك وقهر) (4)

ومن النماذج التي ضربها للمعتزلة الجدد ما فسر به الشيخ محمد عبده قوله تعالى: {وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ} [الفجر: 10]، فقد قال: (وفرعون هو حاكم مصر الذي كان في

__________

(1) المشابهة بين المعتزلة الأوائل والمعتزلة الجدد، ص 14.

(2) الفتاوى (13/ 358)

(3) تفسير الزمخشري = الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل (4/ 662)

(4) فتاوى ابن تيمية (5/ 143)

كلكم كفرة (109)

عهد موسى عليه السلام، وللمفسرين في الأوتاد اختلاف كبير وأظهر أقوالهم ملاءمة للحقيقة أن الأوتاد المباني العظيمة الثابتة، وما أجمل التعبير عما ترك المصريون من الأبنية الباقية بالأوتاد، فإنها هي الأهرام، ومنظرها في عين الرائي منظر الوتد الضخم المغروز في الأرض، بل إن شكل هياكلهم العظيمة في أقسامها شكل الأوتاد المقلوبة!، يبتديء القسم عريضاً وينتهي بأدق مما ابتدأ، وهذه هي الأوتاد التي يصح نسبتها إلى فرعون على أنها معهودة للمخاطبين) (1)

ومع أن هذا التفسير مجرد رأي، ولم يسقه الشيخ محمد عبده على أنه تفسير نهائي، وهو في النهاية أفضل بكثير من تلك الخرافات التي فسر بها سلف السلفية القرآن الكريم.. إلا أن السلفية لم يعجبهم هذا.. ولو أن كعب الأحبار هو الذي قال هذا لهشوا له وبشوا، ونقلوه في كل تفاسيرهم.. ولكن المشكلة أن محمد عبده لم يكن هو ولا أبوه يهوديا حتى ينال تلك المرتبة العظيمة في الوثاقة بما يقول.

وقد علق الشلهوب على ذلك الرأي الذي قاله الشيخ محمد عبده بقوله: (لا شك أن القرآن تكلم عن بعض الظواهر الكونية، فهذه نثبتها لأن القرآن أشار لها وتكلم عنها؛ لكن أن نتكلف في ربط آيات القرآن بما نشاهده في عالمنا أو بما يستجد من مخترعات، فهذا خطأ شنيع يرتكب في حق تفسير كلام الله، وكون المرء يقول المراد بالأوتاد هي الأهرامات، كأنه يقول ربنا جل في علاه يقصد هذا ويريد هذا، فالكلام في التفسير دقيقٌ جداً وخطرٌ جداً. وقد جنح لمثل ذلك بعض المفسرين من المتأخرين فأصبحوا يتكلفون في ربط القرآن بالظواهر الكونية والطبيعية والمخترعات الحديثة، وفاتهم أن المقصود الأعظم من الكتاب العزيز أنه كتاب هداية، وتشريع، لا كتاب فلك) (2)

__________

(1) تفسير جزء عم: محمد عبده ص 84.

(2) المشابهة بين المعتزلة الأوائل والمعتزلة الجدد، ص 15.

كلكم كفرة (110)

وما دمتم تؤمنون بهذا ـ يا معشر السلفية ـ فلم تملؤون تفاسيركم بتلك الأقوال الشنيعة من كلام سلفكم.. وهي لا تتناقض فقط مع جلالة القرآن، وإنما تتناقض أيضا مع كل العقول، وكل العلوم؟

المأخذ الثالث رد الأحاديث الصحيحة والطعن في الرواة.

ومن المآخذ الكبرى والخطيرة التي وصم بها الشلهوب المعتزلة القدامى والجدد ما سماه [رد الأحاديث الصحيحة والطعن في الرواة]، ذلك أن المستند الأكبر لكل البنيان السلفي هو أولئك الرجال الذين قدموهم على كل شيء.. على العقل والنقل وكل شيء.. وأعطوهم حصانة خاصة، فلذلك يشكل نقدهم أو التعرض لهم أكبر مهدد للبنيان السلفي.. ولهذا وقفوا بشدة مع كل من تسول له نفسه استعمال العقل والمنطق في تحليل أمثال تلك الشخصيات، أو وزنها بالموازين الشرعية، لأن الموازين الشرعية خاصة بالخلف لا بالسلف.

وقد ذكر الشلهوب أنواع التحريفات التي فعلها سلفه بالحديث وألصقها كما هي بمن يسميهم المعتزلة القدامى والجدد (1)، فقال: (وقف (أهل الأهواء) العقلانيون –قديماً وحديثاً- من السنة النبوية الصحيحة موقفاً مشيناً، وذلك لأن كثيراً من الأحاديث الصحيحة تقتلع أصولهم من جذورها، وتفسد عليهم منهجهم الذي أصلوه وبنوا عليه طريقتهم. ولذلك سلكوا في رد الأحاديث الصحيحة التي خالفتها عقولهم المريضة طرقاً مختلفة، فأول شيءٍ يؤولون الحديث بما يوافق أهوائهم وعقولهم، فإن أعياهم تأويل الحديث ولم يجدوا إلى ذلك سبيلاً، لجئوا إلى رد الحديث، فإن كان غير متواتر استراحوا وقالوا: هذا خبر آحاد ظني لا نقبله مطلقاً، وهؤلاء هم المعتزلة القدماء، والمعتزلة الحديثة والمعاصرة، قصروا قبول خبر الآحاد على الأحكام دون العقائد، وليس لديهم على هذا التفريق دليل

__________

(1) كما شرحنا ذلك بتفصيل في كتابي [هكذا يفكر العقل السلفي]، و[التراث السلفي تحت المجهر]

كلكم كفرة (111)

صحيح، وهم مع ذلك تراهم لا يلتزمون بهذا التأصيل الذي أصلوه في خبر الآحاد، فحتى الأحكام يردون بعض الأحاديث الظنية! فعاد الأمر إلى الهوى وتحكم العقل، ولا يعنيهم بعد ذلك أن يكون في الصحيحين أو في غيرهما من كتب الحديث، وإن كان متواتراً بحثوا في سنده، فإن كان أحد رواته قد روى شيئاً من الإسرائيليات ردوا حديثه لأنه قد يكون مأخوذاً من التوراة، أو بحثوا في سيرة رواته علّهم يجدون قشة يتعلقون بها للطعن بهم حتى يردوا الحديث. وقد تطاول العقلانيون قديماً وحديثاً على الصحابة وخصوصاً رواة الأحاديث، ونالوا من عرضهم وكذبوهم، معرضين بذلك عن تزكية الله لهم وثناء رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليهم. وهم – أي العقلانيين- سلكوا هذا السبيل لكي يسهل عليهم رد الحديث، فإذا طُعن في الراوي في أمانته وصدقه وعدله، كان ذلك مدخلاً لرد مروياته) (1)

ومن العجيب أن كل هذه الممارسات التي ذكرها مارسها سلفه الصالح، فتلاعبوا بالحديث كما شاءوا.. لكن إن تدخل أحد من العقلاء، فأول حديثا أو رده قامت عليه القيامة.

لكنهم يتصورون أن ذلك حق لهم وحدهم دون سائر الناس، أو كما نقل الشلهوب عن ابن تيمية قوله: (ومن المعلوم: أن أهل الحديث والسنة أخص بالرسول وأتباعه. فلهم من فضل الله وتخصيصه إياهم بالعلم والحلم وتضعيف الأجر ما ليس لغيرهم كما قال بعض السلف: (أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل)، فهذا الكلام تنبيه على ما يظنه أهل الجهالة والضلالة من نقص الصحابة في العلم والبيان أو اليد والسنان. وبسط هذا لا يتحمله هذا المقام. والمقصود: التنبيه على أن كل من زعم بلسان حاله أو مقاله: أن طائفة غير أهل الحديث أدركوا من حقائق الأمور الباطنة الغيبية في أمر الخلق والبعث والمبدأ والمعاد وأمر الإيمان بالله واليوم الآخر وتعرف واجب الوجود والنفس الناطقة

__________

(1) المشابهة بين المعتزلة الأوائل والمعتزلة الجدد، ص 20.

كلكم كفرة (112)

والعلوم والأخلاق التي تزكو بها النفوس وتصلح وتكمل دون أهل الحديث فهو - إن كان من المؤمنين بالرسل - فهو جاهل فيه شعبة قوية من شعب النفاق وإلا فهو منافق خالص من الذين {إِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُوا كَمَا آمَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا آمَنَ السُّفَهَاءُ أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلَكِنْ لَا يَعْلَمُونَ} [البقرة: 13]، وقد يكون من {الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ} [غافر: 35]، ومن {الَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ} [الشورى: 16] وقد يبين ذلك بالقياس العقلي الصحيح الذي لا ريب فيه - وإن كان ذلك ظاهرا بالفطرة لكل سليم الفطرة - فإنه متى كان الرسول أكمل الخلق وأعلمهم بالحقائق وأقومهم قولا وحالا: لزم أن يكون أعلم الناس به أعلم الخلق بذلك وأن يكون أعظمهم موافقة له واقتداء به أفضل الخلق) (1)

وهذا الكلام الخطير من ابن تيمية، والذي ادعى فيه احتكار أهل الحديث للسنة النبوية، بل اعتبرهم الفرقة الناجية الوحيدة، هو نص في تكفير كل المخالفين.. وقوله (أهل السنة في الإسلام كأهل الإسلام في الملل) وحده كاف في بيان تكفير ابن تيمية الجماعي للأمة جميعا ما عدا سلفه.

ومن النماذج التي ساقها الشلهوب للمعتزلة القدامى موقفهم من الحديث الذي يرفعونه إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو (ما من بني آدم مولود إلا يمسه الشيطان حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان غير مريم وابنها) (2)

فقد قال الزمخشري تعقيبا عليه: (وما يروى من الحديث ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه إلا مريم وابنها فالله أعلم

__________

(1) الفتاوى (4/ 140)

(2) البخاري (4/ 199)

كلكم كفرة (113)

بصحته، فإن صح فمعناه أن كل مولود يطمع الشيطان في إغوائه إلا مريم وابنها فإنهما كانا معصومين، وكذلك من كان في صفتهما.. واستهلاله صارخاً من مسه تخييل وتصوير لطمعه فيه.. وأما حقيقة المس والنخس كما يتوهم أهل الحشو فكلا، ولو سلط إبليس على الناس ينخسهم لامتلأت الدنيا صراخاً وعياطاً مما يبلونا به من نخسه) (1)

فهذا الكلام العقلاني الجميل والممتلئ بالأدب لم يعجب السلفية، بل اعتبروا صاحبه طاعنا في السنة، لأنه يقضي على ذلك الدجل والشعوذة والخرافة التي فتحوا بها عياداتهم في الرقية التي يصفونها بالشرعية.

ومن النماذج التي ساقها للمعتزلة الجدد، إنكار الشيخ محمد عبده لحديث سحر لبيد بن الأعصم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وقوله: (وعلي أي حال فلنا بل علينا أن نفوض الأمر في الحديث ولا نحكمه في عقيدتنا ونأخذ بنص الكتاب وبدليل العقل) (2)

فمع كون الشيخ محمد عبده عرض الحديث على القرآن، فرأى مخالفته له، فأنكره، لكون القرآن الكريم أقوى ثبوتا، وأوضح دلالة.. لكن السلفية لا يعجبهم هذا.. لأنهم مستعدون لضرب القرآن الكريم.. ولو بحديث واحد يرويه من كان، وكيف كان.

ولهذا، فقد عقب عليه بقوله: (رد الأحاديث والاقتصار على القرآن موافق لما أخبر عنه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (ألا إني أوتيت هذا الكتاب ومثله معه، ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول: عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه) (3)

وهكذا ينقل عن الشيخ محمد رشيد رضا ـ متهما إياه بالاعتزال والعقلانية ـ قوله:

__________

(1) تفسير الكشاف: (1/ 385 - 386)

(2) تفسير جزء عم: محمد عبده ص 186.

(3) رواه أبو داود: 4604.

كلكم كفرة (114)

(وإن في البخاري أحاديث في أمور العادات والغرائز، ليست من أصول الدين ولا فروعه.. وأنه ليست من أصول الإيمان، ولا من أركان الإسلام أن يؤمن المسلم بكل حديث رواه البخاري، مهما يكن موضوعه) (1)

وينقل موقفه من كعب الأحبار مجرما له، لكونه سماه: (بركان الخرافات)، وقال فيه: (كعب الأحبار الذي أجزم بكذبه، بل لا أثق بإيمانه) (2)

وعقب على هذا بغضب قائلا: (قلت: كعب الأحبار أخرج له مسلم، وأبو داود، والنسائي، والترمذي في كتبهم، واتهامه بتعمد الكذب يطعن في نقل أئمة الحديث عنه.. فكيف يصح لنا بعد ذلك أن نأخذ عنهم وهم يروون عن كذابين يتعمدون الكذب، لا نظن بهم ذلك إلا أن يذكروا في رواية –حاشا مسلم- تكون للاعتضاد، فهذا قد تجده) (3)

وبسبب هذا الموقف اتهم الشيخ محمد الغزالي بالعصرانية، والعقلانية والاعتزال، ونقل عنه ليثبت ذلك قوله: (إن ركاماً من الأحاديث الضعيفة ملأ آفاق الثقافة الإسلامية بالغيوم، وركاماً مثله من الأحاديث التي صحت، وسطا التحريف على معناها، أو لا بسها، كل ذلك جعلها تنبو عن دلالات القرآن القريبة والبعيدة، وقد كنت أزجر بعض الناس عن رواية الحديث الصحيح، حتى يكشفوا الوهم عن معناه، إذا كان هذا الوهم موهماً، مثل حديث: (لن يدخل أحد الجنة بعمله) إن طوائف من البطالين والفاشلين، وقفت عند ظاهره المرفوض) (4)

هذا مجرد نموذج عن القمع الفكري الذي يمارسه السلفية على كل باحث ومفكر وعاقل، وصدق نصر حامد أبو زيد حينما سمى كتابه [التفكير في زمن التكفير]، ذلك لأن

__________

(1) مجلة المنار: مجلد (29) ص 104.

(2) تفسير المنار مجلد (27) ص 697.

(3) المشابهة بين المعتزلة الأوائل والمعتزلة الجدد، ص 22.

(4) السنة النبوية بين أهل الفقه وأهل الحديث ص 119.

كلكم كفرة (115)

الموازين السلفية في التكفير تدعو المؤمن إلى إلغاء عقله وتفكيره وكل قدراته التحليلية ليحافظ على الإيمان، وإلا فإنه سيقع في التجهم والاعتزال والعقلانية والعصرانية.. وكل ذلك عندهم كفر وضلال.

كلكم كفرة (116)

السلفية.. وتكفير المدارس الفقهية

قد يعتقد الكثير أن التكفير السلفي يتوقف على المدارس العقدية، باعتبارها تبحث في المسائل العقدية.. وهذه المسائل تتعلق بأصل أصول الدين، ولذلك فإن التعامل معها يحتاج إلى الشدة والحزم، لتحفظ حقائق الدين من التحريف والتأويل والتعطيل.

لكن ذلك غير صحيح.. فطوفان التكفير السلفي الذي شمل الأمة جميعا، لم يتوقف عند متكلمي المعتزلة والأشاعرة والجهمية، بل راح يغرق كل فقهاء الأمة وتلاميذهم وأتباعهم على مدار التاريخ الإسلامي، ولم يستثن من ذلك إلا ثلة محدودة، قد لا تعدو أصحاب المذاهب وتلاميذهم الأوئل، بل إن منهم من تكلم فيه السلف وكفره وكفر كل من تبعه، وكفر كل من لم يكفره.

أما أسباب تكفير هؤلاء، فكثيرة جدا، لكنا سنقتصر في هذا الفصل على نوعين كبيرين منها، لنبين انطباقهما على جميع علماء الأمة ما عدا تلك الثلة القليلة التي نجت من سيف التكفير السلفي.

أما النوع الأول، فهو التكفير بسبب الوقوع في أخطاء أو انحرافات عقدية، مثل نفي الجهة عن الله تعالى، أو القول بخلق القرآن، أو ما يسميه السلفية تعطيل الصفات.. وجماهير علماء الأمة من المذاهب الأربعة وغيرها يقولون بهذا، ومنهم الفقهاء والمحدثون والمفسرون وغيرهم.. وسنرى النماذج الكثيرة عنهم، وعن تكفير السلفية لهم.

أما النوع الثاني، فهو التكفير بسبب الوقوع في بعض الأخطاء الفقهية، والتي يوليها السلفية شأنا كبيرا، بل يعتبرونها من مسائل العقائد، بل يعتبرونها من أهم ركن فيه عندهم، وهو توحيد الألوهية، وهذه المسائل كثيرة تشمل التوسل وزيارة قبور الصالحين والتبرك بها ونحو ذلك.. والسلفية يعتبرون كل هذا شركا جليا يكفر فاعله، سواء كان عالما أو

كلكم كفرة (117)

عاميا، ويتأكد التكفير إن كان عالما.

ولهذا نرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب يطلق الفتاوى الكثيرة على كفر علماء عصره من المذاهب الأربعة، ولا يكتفي بالتكفير المطلق، بل يضم إليه التكفير العيني، فيسمي الكثير من العلماء، ويعتبرهم كفرة.

وقد سار على دربه كل مشايخ السلفية المتأخرين، اللهم إلا تلك الثلة القليلة التي تستعمل التقية، فتصرح بالتكفير المطلق، وتصرح باحترامها لتكفير سلفها للعلماء، بل تعتبرهم مجددين، وأنه لولاهم لما حفظ الدين.. لكنها وحرصا على ألا توصم بالتكفير تغيره إلى ألفاظ قريبة لا تفيد عندهم إلا التكفير من أمثال [قبوريين]، وهي قد تتظاهر بالورع فتتوقف عن تكفير الأعيان، وإن كان واقعها لا يقول بذلك، ذلك أن من كفر واحدا من الناس لسبب من الأسباب، فقد شمل بتكفيره كل من وقع في ذلك السبب، لأنه لا محاباة في أمثال هذه المسائل.

ولذلك فإننا سننطلق من تلك المواقف التكفيرية الصريحة التي قام بها السلفية متقدموهم ومتأخروهم، ونبين انطباقها على سائر علماء الأمة.

وقد كان في إمكاننا في هذا الفصل أن نقتصر على مكفر واحد، كنفي الجهة، ونذكر النماذج عن كل العلماء الذين قالوا به، وكان ذلك وحده كافيا لتكفيرهم، لكنا لم نشأ ذلك، بل آثرنا أن نذكر النواقض المختلفة، حتى إذا جادلوا في أي ناقض منها، وجدوا أمامهم غيره، كما قال تعالى عن إبراهيم عليه السلام: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ} [البقرة: 258]

أولا ـ التكفير المطلق

كلكم كفرة (118)

يضع السلفية الكثير من القوانين التي على أساسها يكون التكفير، ويسمونها [نواقض الإيمان]، ويعتبرون كل من وقع فيها، أو في أي واحد منها كافرا أو مشركا شركا جليا حتى لو صام وصلى وتحلى بكل ما يتطلب الدين من قيم.

ولهذا نرى الشيخ محمد بن عبد الوهاب وأتباعه يطلقون التكفير على سائر الأمة، لاعتقادهم أنهم وحدهم أهل التوحيد، وأن من عداهم قد وقع إما في براثن المتكلمين، فصار ينفي الجهة ويعطل الصفات، أو وقع في براثن الصوفية فصار يتوسل ويتبرك.. وكل ذلك عندهم كفر وضلالة.

بناء على هذا، سنتحدث في هذا المبحث عن أهم سببين من أسباب التكفير، يمكن تطبيقهما على الأمة جميعا، ما عدا السلفية وإن كان لا ينجو جميعهم منها.. أولهما الوقوع في النواقض العقدية، كنفي الجهة والتعطيل والقول بخلق القرآن وهي جميعا مما اهتم به سلفهم الأول، وكفروا الأمة على أساسه.. وثانيهما الوقوع فيما يسمونه الشرك الجلي نتيجة القول بالتوسل أو الاستغاثة أو التبرك ونحوها، وهي مما وضع أسسه المتأخرون كابن تيمية، وطبقها من بعده محمد بن عبد الوهاب ومدرسته، وهي جميعا مسائل عملية فقهية أعطاها السلفية بعدا عقديا لإرضاء شهوة العدوانية والتكفير التي تربوا عليها من لدن سلفهم الصالح.

1 ـ التكفير بسبب الوقوع في نواقض الإيمان العقدية

ذكرنا في الفصل السابق النواقض العقدية الكثيرة التي اختص بها السلفية دون غيرهم من الفرق والمذاهب، والتي على أساسها شمل تكفيرهم كل المدارس العقدية من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة بالإضافة للصوفية والإمامية والزيدية والإباضية، فكل هؤلاء جميعا ينزهون الله عن الجهة والمكان والتركيب والأعضاء ونحوها..

وبما أن المدارس الفقهية ارتبطت بالمدارس العقدية التي كفرها السلفية، فإن التكفير

كلكم كفرة (119)

صار يشملها أيضا، فلم يستثن من ذلك إلا المتقدمون من أصحاب المذاهب الذين وقع الخلاف في بعضهم.

يقول الحافظ تاج الدين السبكي في كتابه [معيد النعم ومبيد النقم] عن علاقة أكثر المذاهب الفقهية بالمدرسة الأشعرية: (وهؤلاء الحنفية والشافعية والمالكية وفضلاء الحنابلة، ولله الحمد في العقائد يد واحدة، كلهم على رأي أهل السنة والجماعة، يدينون الله تعالى بطريق شيخ السنة والجماعة أبي الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، لا يحيد عنها إلا رعاع من الحنفية والشافعية لحقوا بأهل الإعتزال ورعاع من الحنابلة لحقوا بأهل التجسيم، وبرّأ الله المالكية فلم نر مالكيا إلا أشعري عقيدة، وبالجملة عقيدة الأشعرية هي ما تضمّنته عقيدة أبي جعفر الطحاوي التي تلقاها علماء المذاهب بالقبول ورضوها عقيدة) (1)

وكل مقولات هؤلاء ترجع للتنزيه المحض الذي يسميه السلفية تجهما وتعطيلا، كما قال ابن عساكر معبرا عنهم: (فإنهم – يعني الأشاعرة – بحمد الله ليسوا معتزلة، ولا نفاة لصفات الله معطلة، لكنهم يثبتون له سبحانه ما أثبته لنفسه من الصفات، ويصفونه بما اتصف به في محكم الآيات، وبما وصفه به نبيّه ‘ في صحيح الروايات وينزهونه عن سمات النقص والآفات، فإذا وجدوا من يقول بالتجسيم أو التكييف من المجسمة والمشبهة، ولقوا من يصفه بصفات المحدثات من القائلين بالحدود والجهة فحينئذ يسلكون طريق التأويل، ويثبتون تنزيهه تعالى بأوضح الدليل، ويبالغون في إثبات التقديس له والتنزيه خوفاً من وقوع من لا يعلم في ظُلم التشبيه، فإذا أمنوا من ذلك رأوا أن السكوت أسلم، وترك الخوض في التأويل إلا عند الحاجة أحزم، وما مثالهم في ذلك إلا مثل الطبيب الحاذق الذي يداوي كلّ داء من الأدواء بالدواء الموافق، فإذا تحقق غلبة البرودة على المريض داواه بالأدوية الحارّة، ويعالجه بالأدوية الباردة عند تيقنه منه بغلبة الحرارة.. وما مثال المتأوّل

__________

(1) معيد النعم ومبيد النقم، ص 75.

كلكم كفرة (120)

بالدليل الواضح إلا مثال الرجل السابح، فإنه لا يحتاج إلى السباحة ما دام في البر، فإن اتفق له في بعض الأحايين ركوب البحر، وعاين هوله عند ارتجاجه وشاهد منه تلاطم أمواجه، وعصفت به الريح حتى انكسر الفُلك، وأحاط به إن لم يستعمل السباحة الهُلك، فحينئذ يسبح بجهده طلباً للنجاة، ولا يلحقه فيها تقصير حبّاً للحياة، فكذلك الموحّد ما دام سالكاً محجّة التنزيه، آمناً في عقده من ركوب لجّة التشبيه، فهو غير محتاج إلى الخوض في التأويل لسلامة عقيدته من التشبيه والأباطيل، فأما إذا تكدّر صفاء عقده بكدورة التكييف والتمثيل، فلا بدّ من تصفية قلبه من الكدر بمصفاة التأويل، وترويق ذهنه براووق الدليل، لتسلم عقيدته من التشبيه والتعطيل) (1)

وكلا المنهجين ـ كما رأينا في الفصل السابق مرفوض لدى السلفية ـ بل يكفر القائل به، وسأسوق هنا بعض أقوال أئمتهم التي يرجعون إليها من مصدر مصادرهم المعتبرة، وهو كتاب السنة لعبد الله بن أحمد، لنطبق من خلاله تكفيرات السلفية على أعلام الأمة ومدارسها المختلفة.

فمن تلك النصوص الواضحة في التكفير، والتي لا تحتاج إلى أي شغب أو جدل، ما رواه عبد الله بن أحمد عن خارجة أنه قال: (الجهمية كفار بلغوا نساءهم أنهن طوالق، وأنهن لا يحللن لأزواجهن لا تعودوا مرضاهم ولا تشهدوا جنائزهم، ثم تلا: {طه (1) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى (2) إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى (3) تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى (4) الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 1 - 5] وهل يكون الاستواء إلا بجلوس) (2)

وهذا النص واضج جدا في تكفير كل المدارس الفقهية، لأنها جميعا تقف من الاستواء موقف التأويل أو التفويض.. وكلها تتفق على تنزيه الله عن الجلوس والمكان

__________

(1) تبيين كذب المفتري ص/ 388.

(2) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 105)

كلكم كفرة (121)

والحيز.

وروى عن علي بن الحسن بن شقيق، قال: سألت عبد الله بن المبارك كيف ينبغي لنا أن نعرف، ربنا عز وجل؟ قال: على السماء السابعة على عرشه، ولا نقول كما تقول الجهمية إنه هاهنا في الأرض) (1)

وهذا الكلام واضح في تكفير كل المدارس، لأنها جميعا تتفق على تنزيه الله عن المكان.

أما الإمام أحمد، فقد روى عنه ابنه عبد الله الكثير من النصوص التي لو طبقت على جميع المذاهب الإسلامية لحكم عليها بالكفر، ومنها قوله: (من قال: القرآن مخلوق فهو عندنا كافر، لأن القرآن من علم الله عز وجل وفيه أسماء الله عز وجل) (2)، وكل المذاهب الإسلامية ـ ما عدا السلفية ـ تقول بخلق القرآن كما سبق وأن ذكرنا ذلك في الفصل السابق.

وروى عبد الله عن أبيه: (من قال ذلك القول لا يصلى خلفه الجمعة ولا غيرها: إلا أنا لا ندع إتيانها فإن صلى رجل أعاد الصلاة، يعني خلف من قال: القرآن مخلوق)، وروى عنه: (إذا كان القاضي جهميا فلا تشهد عنده) (3)

وروى عن سفيان بن عيينة ـ أحد سلفهم المعتبرين ـ قوله: (القرآن كلام الله عز وجل، من قال: مخلوق، فهو كافر، ومن شك في كفره فهو كافر) (4)، وقوله: (من قال القرآن مخلوق كان محتاجا أن يصلب على ذباب يعني جبلا) (5)

وروى عن بعضهم أنه قال: (كنت عند عبد الله بن إدريس [وهو من أئمة السلفية المعتبرين]، فسأله بعض أصحاب الحديث ممن كان معنا فقال: ما تقول في الجهمية يصلى

__________

(1) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 111)

(2) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 102)

(3) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 103)

(4) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 112)

(5) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 112)

كلكم كفرة (122)

خلفهم؟ قال الفضل ثم اشتغلت أكلم إنسانا بشيء فلم أفهم ما رد عليه ابن إدريس فقلت للذي سأله: ما قال لك؟ فقال: قال لي: (أمسلمون هؤلاء لا، ولا كرامة، لا يصلى خلفهم) (1)

وروى عن آخر قال: حضرت عبد الله بن إدريس فقال له رجل: يا أبا محمد، إن قبلنا ناسا يقولون: إن القرآن مخلوق، فقال: (من اليهود؟) قال: لا، قال: (فمن النصارى؟) قال: لا، قال: (فمن المجوس؟) قال: لا، قال: (فممن؟) قال: من الموحدين، قال: (كذبوا ليس هؤلاء بموحدين هؤلاء زنادقة، من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أن الله عز وجل مخلوق، ومن زعم أن الله تعالى مخلوق فقد كفر، هؤلاء زنادقة هؤلاء زنادقة) (2)

وروى عن وكيع بن الجراح قوله: (أما الجهمي فإني أستتيبه فإن تاب وإلا قتلته) (3)، وقوله: (من زعم أن القرآن مخلوق فقد زعم أنه محدث ومن زعم أنه محدث فقد كفر) (4)، وقوله: (من زعم أن القرآن، مخلوق فقد زعم أنه محدث يستتاب فإن تاب وإلا ضربت رقبته) (5) وروى أنه سئل عن ذبائح الجهمية، فقال: (لا تؤكل هم مرتدون) (6)

وروى عن بعضهم قال: سألت معتمر بن سليمان، فقلت: يا أبا محمد: إمام لقوم يقول: القرآن مخلوق أصلي خلفه؟ فقال: (ينبغي أن تضرب عنقه)، قال فطر: وسألت حماد بن زيد فقلت: يا أبا إسماعيل لنا إمام يقول: القرآن مخلوق أصلي خلفه؟ قال: (صل خلف مسلم أحب إلي) وسألت يزيد بن زريع فقلت: يا أبا معاوية: إمام لقوم يقول: القرآن مخلوق

__________

(1) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 113)

(2) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 113)

(3) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 114)

(4) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 115)

(5) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 115)

(6) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 117)

كلكم كفرة (123)

أصلي خلفه؟ قال: (لا ولا كرامة) (1)

وروى عن عبد الرحمن بن مهدي قوله: (من زعم أن الله تعالى لم يكلم موسى صلوات الله عليه يستتاب فإن تاب وإلا ضربت عنقه) (2)، وقوله: (لو كان لي من الأمر شيء لقمت على الجسر فلا يمر بي أحد من الجهمية إلا سألته عن القرآن فإن قال: إنه مخلوق ضربت رأسه ورميت به في الماء) (3)، وقوله: (الجهمية يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم) (4)

وهكذا روى عن يزيد بن هارون قوله ـ وقد ذكرت الجهمية عنده ـ: (هم والله زنادقة عليهم لعنة الله) (5)، وقوله: (والله الذي لا إله إلا هو عالم الغيب والشهادة الرحمن الرحيم من قال: القرآن مخلوق فهو زنديق) (6)، وقوله: (من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما يقر في قلوب العامة فهو جهمي) (7)

بل إن عبد الله بن أحمد يروي عن أبيه وغيره شمولية هذه الأحكام حتى لمن يقول بأن القرآن كلام الله، ولكن التلاوة والألفاظ مخلوقة، وهو قول أكثر الأمة بناء على تبعيتها للمدرسة الأشعرية، فقد روى عنه أنه سأله: ما تقول في رجل قال: التلاوة مخلوقة وألفاظنا بالقرآن مخلوقة والقرآن كلام الله عز وجل وليس بمخلوق؟ وما ترى في مجانبته؟ وهل يسمى مبتدعا؟ فقال: (هذا يجانب وهو قول المبتدع، وهذا كلام الجهمية ليس القرآن

__________

(1) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 118)

(2) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 119)

(3) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 120)

(4) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 121)

(5) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 121)

(6) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 122)

(7) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 123)

كلكم كفرة (124)

بمخلوق) (1)

وروى عنه قوله: (من قال شيء من الله عز وجل مخلوق علمه أو كلامه فهو زنديق كافر لا يصلى عليه، ولا يصلى خلفه ويجعل ماله كمال المرتد ويذهب في مال المرتد إلى مذهب أهل المدينة أنه في بيت المال)

وقال: سألت أبي رحمه الله قلت: إن قوما يقولون: لفظنا بالقرآن مخلوق، فقال: (هم جهمية وهم أشر ممن يقف، هذا قول جهم، وعظم الأمر عنده في هذا، وقال: هذا كلام جهم)، وسألته عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فقال: قال الله عز وجل: {وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ} [التوبة: 6]) (2)

بل إن هذه الأحكام المتشددة الممتلئة بالعنف لم تشمل المتكلمين في تلك العقائد فقط، بل شملت أيضا أولئك البسطاء الورعين الذين توقفوا أو فوضوا أو اعتبروا البحث في أمثال هذه المسائل نوعا من الترف الذي لم نطالب به، وقد روى عبد الله بن أحمد في هذا عن أبيه قال: (من كان من أصحاب الحديث أو من أصحاب الكلام فأمسك عن أن يقول: القرآن ليس بمخلوق فهو جهمي) (3)

وقال: سمعت أبي رحمه الله مرة أخرى وسئل عن اللفظية، والواقفة فقال: (من كان منهم يحسن الكلام فهو جهمي، وقال مرة أخرى هم شر من الجهمية) (4)

وروى أنه ذكر ليحيى بن أيوب الشكاك الذين يقولون لا نقول القرآن مخلوق ولا غير مخلوق فقال: كنت قلت لأبي شداد صديق لي: (من قال هذا فهو جهمي صغير)، قال

__________

(1) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 163)

(2) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 164)

(3) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 151)

(4) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 179)

كلكم كفرة (125)

يحيى: (وهو اليوم جهمي كبير) (1)

هذه أمثلة عن بعض أعلام السلف، ومواقفهم من بعض الفروع التنزيهية البسيطة التي أصبح القول بها بديهيا عند جميع المدارس الإسلامية.

ولو أن السلفية تابوا من هذه المقولات، وخطأوا سلفهم فيها، وتراجعوا عنها، وذكروا أن الخلاف فيها وفي أمثالها فرعي، لما وصمناهم بالتكفير.. ولكنهم لا يزالون يصرون عليها، بل يذكرونها كل حين، ويؤيدونها، ويطبعون الكتب التي تنشر مثل هذا الفكر التكفيري الخطير، فكيف لا نعتبرهم مكفرة بعد هذا كله؟

بل إنهم يعتبرون مجرد النقد لمثل هذه الطروحات الإرهابية الخطيرة الممتلئة بالعنف والعدوانية طعنا في السلف والأئمة.. ومن طعن في السلف والأئمة طعن في الدين نفسه.

بناء على هذا، سنذكر نموذجين هنا للتكفير السلفي لإمامين كبيرين من أئمة الدين، هما أبو حنيفة وابن حجر.. وسنذكر التطبيقات المفصلة على أعيان المذاهب في المبحث الثاني الخاص بالتكفير المعين.

النموذج الأول الموقف من أبي حنيفة

بناء على تلك الأقوال السابقة التي اعتبرها السلفية معايير في الحكم على الأمة وأعلامها الكبار، نحب أن نذكر هنا نموذجا بسيطا للموقف الذي اتخذه سلف السلفية من أبي حنيفة (المتوفى: 150 هـ) صاحب المذهب المعروف، والمنتشر في كثير من بلاد العالم الإسلامي في القديم والحديث.

وسنعتمد في ذلك على المرجع السابق، باعتباره يمثل وجهة نظر كبار أعلام السلف الأوائل من أحمد بن حنبل وغيره من أصحابه وممن سبقه أو لحقه، وقد عنون عبد الله بن أحمد لهذا التكفير والتطاول على أبي حنيفة بهذا العنوان [ما حفظت عن أبي وغيره من

__________

(1) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 179)

كلكم كفرة (126)

المشايخ في أبي حنيفة]

ومن تلك الروايات التي أوردها ما رواه عن إسحاق بن منصور الكوسج، قال: قلت لأحمد بن حنبل: يؤجر الرجل على بغض أبي حنيفة وأصحابه؟ قال: إي والله (1).

وروى عن سعيد بن سلم، قال سألت أبا يوسف وهو بجرجان عن أبي حنيفة، فقال: (وما تصنع به مات جهميا) (2)، وقال: قلت لأبي يوسف أكان أبو حنيفة يقول بقول جهم؟ فقال: (نعم) (3)

وروى عن إسماعيل بن حماد بن أبي حنيفة، يقول: (هو دينه ودين آبائه يعني القرآن مخلوق) (4)

وروى عن أبي يوسف، قال: (أول من قال: القرآن مخلوق أبو حنيفة) (5)

وروى عن حازم الطفاوي قال: وكان من أصحاب الحديث: (أبو حنيفة إنما كان يعمل بكتب جهم تأتيه من خراسان) (6)

وروى عن عمر بن حماد بن أبي حنيفة، قال: أخبرني أبي حماد بن أبي حنيفة، قال: أرسل ابن أبي ليلى إلى أبي فقال له: تب مما تقول في القرآن أنه مخلوق وإلا أقدمت عليك بما تكره، قال: فتابعه قلت: يا أبه كيف فعلت ذا؟ قال: (يا بني خفت أن يقدم علي فأعطيت تقية) (7)

__________

(1) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 180)

(2) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 181)

(3) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 181)

(4) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 182)

(5) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 183)

(6) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 183)

(7) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 183)

كلكم كفرة (127)

وروى عن سفيان الثوري قوله: قال لي حماد بن أبي سليمان: (اذهب إلى الكافر يعني أبا حنيفة فقل له: إن كنت تقول: إن القرآن مخلوق فلا تقربنا) (1)

وروى عن سفيان الثوري، قال: سمعت حمادا، يقول: (ألا تعجب من أبي حنيفة يقول: القرآن مخلوق، قل: له يا كافر يا زنديق) (2)

وروى عن عبدة بن عبد الرحيم، قال دخلنا على عبد العزيز بن أبي رزمة نعوده أنا وأحمد بن شبويه وعلي بن يونس فقال لي عبد العزيز: يا أبا سعيد، عندي سر كنت أطويه عنكم فأخبركم، وأخرج بيده عن فراشه فقال سمعت ابن المبارك يقول: سمعت الأوزاعي يقول: (احتملنا عن أبي حنيفة كذا وعقد بأصبعه، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثانية، واحتملنا عنه كذا وعقد بأصبعه الثالثة العيوب حتى جاء السيف على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم فلما جاء السيف على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لم نقدر أن نحتمله) (3)

وروى عن الأوزاعي، أنه ذكر أبا حنيفة فقال لا أعلمه إلا قال ينقض عرى الإسلام (4)

وروى عنه أيضا قوله: (أبو حنيفة ضيع الأصول وأقبل على القياس) (5)، وقوله: (ما ولد في الإسلام مولد أشر من أبي حنيفة وأبي مسلم وما أحب أنه وقع في نفسي أني خير من أحد منهما وأن لي الدنيا وما فيها) (6)، وقوله: (لو كان هذا الخطأ في أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم لأوسعهم

__________

(1) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 184)

(2) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 184)

(3) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 185)

(4) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 186)

(5) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 186)

(6) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 187)

كلكم كفرة (128)

خطأ، ثم قال: ما ولد في الإسلام مولد أشأم عليهم من أبي حنيفة) (1)

وروى عن سلام بن أبي مطيع قوله: (كنت مع أيوب السختياني في المسجد الحرام فرآه أبو حنيفة فأقبل نحوه، فلما رآه أيوب قال لأصحابه: قوموا لا يعدنا بجربه، قوموا لا يعدنا بجربه) (2)

وروى عن أيوب قوله: (لقد ترك أبو حنيفة هذا الدين وهو أرق من ثوب سابري) (3)

وروى عن ابن عون قوله: (ما ولد في الإسلام مولود أشأم على أهل الإسلام من أبي حنيفة) (4)

وروى عن معرف قال: دخل أبو حنيفة على الأعمش يعوده فقال: يا أبا محمد لولا أن يثقل، عليك مجيئي لعدتك في كل يوم، فقال الأعمش: من هذا؟ قالوا: أبو حنيفة، فقال: (يا ابن النعمان أنت والله ثقيل في منزلك فكيف إذا جئتني) (5)

وروى عن سفيان بن سعيد قوله: (ما ابن يحطب بسيفه أقطع لعرى الإسلام من هذا برأيه يعني أبا حنيفة) (6)

وروى عن مالك أنه ذكر أبا حنيفة فذكره بكلام سوء وقال: (كاد الدين، وقال: من كاد الدين فليس من الدين) (7)، وقوله: (أيذكر أبو حنيفة ببلدكم؟) قلت: نعم، قال: (ما

__________

(1) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 187)

(2) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 188)

(3) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 189)

(4) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 189)

(5) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 190)

(6) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 198)

(7) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 199)

كلكم كفرة (129)

ينبغي لبلدكم أن يسكن) (1)، وقوله: (أبو حنيفة من الداء العضال.. أبو حنيفة ينقض السنن) (2)، وقوله: (ما ولد في الإسلام مولود أضر على أهل الإسلام من أبي حنيفة) (3)

وروى عن شريك بن عبد الله قوله: (لأن يكون في كل ربع من أرباع الكوفة خمار يبيع الخمر خير من أن يكون فيه من يقول بقول أبي حنيفة) (4)، وقوله: (أصحاب أبي حنيفة أشد على المسلمين من عدتهم من لصوص تاجر قمي) (5)

وروى عن أسود بن سالم قوله: (إذا جاء الأثر ألقينا رأي أبي حنيفة وأصحابه في الحش)، ثم قال لي أسود: (عليك بالأثر فالزمه أدركت أهل العلم يكرهون رأي أبي حنيفة ويعيبونه) (6)

وروى عن محمد بن جابر قوله: سمعت أبا حنيفة، يقول: (أخطأ عمر بن الخطاب، فأخذت كفا من حصى فضربت به وجهه) (7)

هذه مجرد نماذج عن مواقف سلف السلفية الأوائل من أبي حنيفة، وأحقادهم عليه، وهي تبين لنا بعض أسرار تلك العدوانية الموجودة في السلفية، وكيف لا يكونون كذلك، وهم يقدسون رجالا هذا شأنهم، وهذا أدبهم، وهذا تعاملهم مع قرين من أقرانهم، وزميل من زملائهم في العلم.

والسلفية الذين يمارسون التقية يغضون الطرف عن أمثال هذه النصوص،

__________

(1) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 199)

(2) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 199)

(3) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 200)

(4) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 203)

(5) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 203)

(6) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 224)

(7) السنة لعبد الله بن أحمد، (1/ 224)

كلكم كفرة (130)

ويكتمونها، ولا يتجرؤون أبدا على الإنكار عليها، لأنهم لو فعلوا فسيعتبرون من الطاعنين في أهل الحديث.. ولا يطعن فيهم إلا زنديق.

وقد ذكرنا هذا النموذج لنطبقه بعد ذلك على جميع أعلام الأمة من أصحاب المدارس المختلفة الذين يتفقون مع أبي حنيفة في كل ما طرحه من آراء ابتداء من القول بخلق القرآن.

النموذج الثاني الموقف من ابن حجر

وهو من النماذج التي أوقعت السلفيين في حيرة كبيرة، بل جعلتهم يكفر بعضهم بعضا بسببه، لأن ابن حجر يقول بما تقوله الأشاعرة، بل الجهمية، فيؤول كل ما اعتبروا تأويله، ولا يثبت الجهة لله، ولا يثبت المكان، ويعطل كل الصفات التي يتعلق بها السلفية في تكفير الجهمية والمدارس الكلامية.

وهو فوق ذلك من العلماء الذين لا يعذرون بجهلهم، بل هو مطلع على ما كتبه ابن تيمية، بل هو فوق ذلك يتعرض له، وينتقده بشدة..

ولكنه مع ذلك علم من الأعلام الذين لا يستطيعون الاستغناء عنهم، فهم يلجؤون إلى تحقيقاته كل حين، ويستفيدون منها، ويستدلون بها على خصومهم، وتكفيرهم له يشكل حرجا كبيرا بالنسبة لهم، وفرصة سانحة لأعدائهم.

لذلك وقفوا كله وقفوا منه موقفين متناقضين:

الموقف الأول الموقف السلفي الصريح

وهو يعتمد على ما ذكره السلف الأول، ومن بعدهم من ابن تيمية وغيره.. بل ما ذكره شيخهم ومجددهم الكبير في هذا العصر الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه.

وهو يستند إلى النصوص التي ذكرها ابن حجر في كتبه، وخاصة [فتح الباري]، ويرى أنه يطبق عليها كل ما طبقه سلف السلفية الأوائل على الجهمية والمدارس الكلامية.

كلكم كفرة (131)

ومن أمثلة هذا الموقف ما ذكره الشيخ إبراهيم بن رجا الشمري في كتابه [من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف] الذي ينتقد فيه بشدة المنهج السلفي الخفي، أو التمييعي كما يسميه، ومن تلك الانتقادات الموقف من ابن حجر، والكيل معه بمكاييل مختلفة عن المكاييل التي يكيلون بها لسائر الناس.

وقد قال في ذلك ـ بعد أن أورد نصوصا للسلف في تكفير منكر العلو ـ: (فقارن –يا طالب الحق- بين أقوال أهل العلم في منكري العلو وبين صنيع ابن باز لما علق على قول ابن حجر في فتحه: (فيه الرد على من زعم أنه على العرش بذاته) فقال: ليس في الحديث المذكور رد على من أثبت استواء الرب على عرشه بذاته.. وكذلك لما وقف ابن باز على قول ابن حجر (لا يتوجه عليه –سبحانه- في وجوده أين وحيث) علق قائلا: (الصواب عند أهل السنة وصف لله بأنه في جهة العلو)، ولما بلغه تأويل ابن حجر لصفة اليد قال في مجموعه: (اطلعت على ما ذكرتم في الرسالة المرفقة من جهة كلام الحافظ ابن حجر على قول عبد الله بن مسعود؛ والذي نفسي بيده.. إلخ؛ وأن المراد باليد القدرة وفهمته. ولا شك أنه كلام ناقص مخالف لما عليه أهل السنة والجماعة. والصواب: أن ما ورد في هذا من الأحاديث والآثار يراد به إثبات اليد والقدرة جميعا..)، ولا يخفى على ابن باز أيضا أن تأويل صفة اليد ونحوها من الصفات أنه من مسالك أهل البدع والزيغ فقد قال كما في مجموعه: (لا يجوز تأويل الصفات، ولا صرفها عن ظاهرها اللائق بالله، ولا تفويضها، بل هذا كله من اعتقاد أهل البدع..)، وقال أيضا: (إنما المؤولون هم الجهمية والمعتزلة، والأشاعرة في بعض الصفات، وأما أهل السنة والجماعة المعروفون بعقيدتهم النقية فإنهم لا يؤولون..)، وكذلك لما وقف على قول ابن حجر (لفظ الصوت مما يتوقف في إطلاق نسبته إلى الرب)، قال: (ليس الأمر كذلك بل إطلاق الصوت على كلام الله سبحانه قد ثبت..)، والحق أن من لم يثبت الصوت للباري فهو جهمي، كما قال عبد الرحمن بن حسن: قال الخلال: وحدثنا أبو

كلكم كفرة (132)

بكر المروذي قال: سمعت أبا عبد الله، وقيل له: إن عبد الوهاب قد تكلم، وقال: (من زعم أن الله كلم موسى بلا صوت، فهو جهمي، عدو لله، وعدو للإسلام) فتبسم أبو عبد الله، وقال: (ما أحسن ما قال! عافاه الله) (1)

وهكذا أخذ ينكر عليه، ويدله على ما كتبه في كتبه أو كتبه سلفه في تكفير من وقع في نفس ما وقع فيه ابن حجر، ويدعوه إلى رعاية العدل، وعدم الشفقة على أهل البدع، قال: (ولا يخفى على ابن باز أيضا حكم من لم يثبت الصوت للباري وقال بالكلام النفسي، فقد أحال في رسالته (العقيدة الصحيحة وما يضادها) إلى السنة لللالكائي، وقد تقدم قول اللالكائي –رحمه الله تعالى- فيمن قال بالحكاية، وابن باز قد اطلع أيضا على شرح ابن حجر الذي قال فيه: (قوله {اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الأعراف: 54] هو من المتشابه الذي يفوض علمه إلى الله تعالى)، وقد قال عبد الرحمن بن حسن عمن ينكر حقيقة الاستواء: (قوله: (فليس فوقك شيء) نص في أنه تعالى فوق جميع المخلوقات؛ وهو الذي ورد عن الصحابة، والتابعين من المفسرين وغيرهم، في معنى قوله: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] إن معنى استوى: استقر، وارتفع، وعلا، وكلها بمعنى واحد؛ لا ينكر هذا إلا جهمي زنديق، يحكم على الله وعلى أسمائه وصفاته بالتعطيل..) (2)

وقال: (وابن باز لا يخفى عليه حكم السلف في المفوضة، فقد قال في مجموعه: المفوضة قال أحمد فيهم: إنهم شر من الجهمية، والتفويض أن يقول القائل: الله أعلم بمعناها فقط وهذا لا يجوز؛ لأن معانيها معلومة عند العلماء. قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم والكيف مجهول) (3)

__________

(1) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 30.

(2) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 31.

(3) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 31.

كلكم كفرة (133)

وقال: (ثم إن ابن باز لا يخفى عليه أن أهل السنة مجمعون على البراءة والتحذير من المؤولة، فقد قال في مجموعه: أما التأويل للصفات وصرفها عن ظاهرها فهو مذهب أهل البدع من الجهمية والمعتزلة، ومن سار في ركابهم، وهو مذهب باطل أنكره أهل السنة والجماعة، وتبرؤوا منه، وحذروا من أهله) (1)

وقال ملخصا تناقضات ابن باز في تعامله مع ابن حجر: (والمقصود أنه مع علم ابن باز: بنفي ابن حجر العسقلاني لعلو الباري سبحانه.. وتأويله لصفة اليد.. وتوقفه عن إثبات الصوت.. واطلاعه على قول ابن حجر بالتفويض.. ومعرفته بانتصار ابن حجر لقول أهل الإرجاء في الإيمان.. ومعرفته ببدع ابن حجر القبورية كقوله بالتبرك فقد رد عليه ذلك في تعقباته.. ومعرفته لميل ابن حجر لتحريف صفة المحبة والنزول فقد رد عليه ذلك أيضا في تعقباته.. ومعرفته تحريف ابن حجر لصفة الحياء فقد رد عليه ذلك في تعقباته.. مع هذا كله فقد قال هو ومن معه من أعضاء اللجنة: (موقفنا من أبي بكر الباقلاني والبيهقي وأبي الفرج بن الجوزي وأبي زكريا النووي وابن حجر وأمثالهم ممن تأول بعض صفات الله تعالى أو فوضوا في أصل معناها: أنهم في نظرنا من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم فرحمهم الله رحمة واسعة وجزاهم عنا خير الجزاء، وأنهم من أهل السنة فيما وافقوا فيه الصحابة رضي الله عنهم وأئمة السلف في القرون الثلاثة التي شهد لها النبي صلى الله عليه وآله وسلم بالخير وأنهم أخطؤوا فيما تأولوه من نصوص الصفات وخالفوا فيه سلف الأمة وأئمة السنة رحمهم الله تعالى سواء تأولوا الصفات الذاتية وصفات الأفعال أم بعض ذلك وبالله التوفيق)، فانظر –عافاك الله من البلاء- إلى قولهم عن نفاة العلو للعلي القهار: (من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم فرحمهم الله رحمة واسعة)، واستحضر معه قول ابن سحمان في كشف الشبهتين: (فهذا التلطف والشفقة والرحمة لا يجوز أن يعامل بها من

__________

(1) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 32.

كلكم كفرة (134)

ينكر علو الله على خلقه، ويعطل أسماءه وصفاته، بل يعامل بالغلظة والشدة والمعاداة الظاهرة)، وبإسناده عن بعض السلف قال: (من أتى صاحب بدعة ليوقره فقد أعان على هدم الإسلام).. أما الجهمية.. فالرفق بهم، والشفقة عليهم، والإحسان، والتلطف، والصبر، والرحمة، والتبشير لهم، مما ينافي الإيمان، ويوقع في سخط الرحمن، لأن الحجة بلغتهم منذ أزمان.. أما جحد علو الله على خلقه، واستوائه على عرشه بذاته المقدسة على ما يليق بجلاله وعظمته، وأنه مباين لمخلوقاته، وكذلك نفي صفات كماله، ونعوت جلاله فهذا لا يشك مسلم في كفر من نفى ذلك، لأنه من المعلوم بالضرورة من دين الإسلام، ومما فطر الله عليه جميع خلقه إلا من اجتالته الشياطين عن فطرته) (1)

وهكذا أخذ يذكره بأقوال سلفه من العلماء المحافظين من أمثال حمود التويجري الذي قال في (ذيل الصواعق): (لا ينبغي تسمية أعداء الله باسم العلماء لأن هذه التسمية لا تليق بهم ولا تطابق حالهم.. ومن المعلوم أن اسم العالم والعلماء من أعلى صفات المدح والتعظيم، وعلى هذا فلا ينبغي مدح أعداء الله ولا تسميتهم بأسماء المدح والتعظيم؛ لأن ذلك مما يغضب الرب تبارك وتعالى ويهتز له العرش) (2)

بل إنه أخذ يذكره بأقواله التي يكفر فيها من وقع في نفس ما وقع فيه ابن حجر، فقال: (واعلم يا من تريد معرفة الحق أن ابن باز لا يخفى عليه أن نفي العلو كفر وردة، فقد قال في شرحه للحموية: (من أنكر أن الله في السماء أو أن الله فوق العرش فقد كفر.. هذا إجماع أهل السنة والجماعة).. وقال في شرحه لكشف الشبهات: (الحاصل أن الإنسان إذا أتى بكفر قولي أو فعلي أو قلبي من شك ونحوه كفر حتى لو قال أنا أشهد أن لا إله إلا الله لكن عندي شك هل الجنة حق.. أو شك في أن الله في السماء أو فوق العرش أو ما هو فوق

__________

(1) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 33.

(2) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 34.

كلكم كفرة (135)

العرش يكفر لأنه مكذب لله ولرسوله)، وقال أيضا في فتوى صوتية له لما سئل عن: حكم من خدم السنة وشرح كتب السنة، لكنه أنكر صفة من صفات الله كالعلو؟ فقال ابن باز: هذا مكذب بالقرآن! من يقل إن الله في كل مكان فهو يكذب بالقرآن، الله تعالى يقول: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [طه: 5] هذا مكذب بالقرآن. ثم سئل: هل يكفر بعينه؟ فقال: ما فيه شك! بعينه) (1)

وهكذا أخذ يذكره بما يقتضيه الولاء والبراء من مواقف، فقال: (وابن باز لا يخفى عليه أن الرجل لا يصير سنيا حتى يعتقد السنة ويتبرأ ممن خالفها من الفرق، فقد قال كما في فتوى له ولمن معه في اللجنة: (من كان يدعو إلى كتاب الله تعالى وإلى ما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الأحاديث ويعمل بذلك في نفسه، وينكر ما خالف ذلك ويجتهد في إزالة ما أحدث من البدع، ويتعاون مع أهل السنة ويواليهم ويعادي أهل البدع وينكر عليهم ما ابتدعوه في الإسلام على بينة وبصيرة - فهو من أهل السنة والجماعة)، ومع هذا كله فابن حجر عنده وعند أصحابه (من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم فرحمهم الله رحمة واسعة) (2)

ثم ختم حديثه في الرد على موقف ابن باز من ابن حجر بقوله: (ومن نظر إلى الفتوى السابقة بعين الإنصاف مع علمه بما كان عليه السلف الصالح عرف مباينة القوم لطريقة الأولين وسلوكهم لمنهج محدث جديد في الحكم على أصحاب البدع الكبرى المخالفين بين السلف والخلف) (3)

الموقف الثاني الموقف السلفي الخفي

__________

(1) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 35.

(2) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 36.

(3) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 37.

كلكم كفرة (136)

وهو ـ كما رأينا في الموقف السابق ـ موقف متناقض مع نفسه، ومع ما يصرح به في كتبه، بل مع نسبته السلفية نفسها، ذلك أنه بينما يصرح ـ مثلما رأينا من ابن باز ـ بالكفر العيني لكل من ينكر الجهة، أو يؤول الاستواء، أو يؤول ما يسميه الصفات ويعطلها، ومع ذلك، ومع كون ابن حجر فعل ذلك مثله مثل أكثر شراح الحديث إلا أنهم لم يستطيعوا أن يصرحوا بتكفيره، خشية من أن يتهموا بأنهم يرجعون إلى كفرة لا يؤمنون بإسلامهم، وخشية على سمعتهم من أن تدنس بتهمة التكفير.

وهذا عجيب جدا، ويدل على المكاييل المزدوجة للعقل السلفي، وإلا فكيف يمكن أن نصف قانونا من القوانين بالعدالة، وهو يضع العقوبات لجرائم واحدة، ثم يطبقها على قوم، ويستثني منها قوما، بل يكرمهم، ويثني عليهم، ولا يجيز الحديث فيهم.

إن هذا يصدق عليه بجدارة قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد) (1)

ولذلك فإن هذا النوع من السلفيين مطالب بأحد أمرين:

أولهما، وهو الأحسن والمستحب، بل الواجب، وهو إزالة تلك القوانين التي على أساسها كفروا الأمة، والتراجع عنها، وتخطئة سلفهم، وأولهم ابن تيمية، في اعتمادها، ليصبحوا كسائر المسلمين، لهم أن يعتقدو ما يشاءون، ويتركون الحرية لغيرهم ليعتقد ما يشاء.

والثاني، أن يضموا ابن حجر والنووي وغيرهما إلى سائر من كفروهم من الجهمية والمعطلة، لأن سنة الله تعالى في عباده واحدة، ولا يصح أن يطبقوها على قوم ويتركوا غيرهم، خاصة وأنهم يذكرون أنهم يعتقدون بالولاء والبراء، وأن من لم يكفر الكافر كافر.

خاصة وأن ابن حجر لا يكتفي بتلك العقائد التي يسمونها عقائد الجهمية، بل يضم

__________

(1) رواه البخاري (3733)

كلكم كفرة (137)

إليها موقفا سلبيا متشددا من ابن تيمية، ومن بعض أهل الحديث الذين يقدسونهم، فقد قال في ابن تيمية: (ثم نسب أصحابه إلى الغلو فيه واقتضى له ذلك العُجب بنفسه حتى زهى على أبناء جنسه واستشعر أنه مجتهد، فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم قديمهم وحديثهم، حتى انتهى إلى عُمر فخطّأه في شيء، فبلغ ذلك الشيخ إبراهيم الرقى فأنكر عليه فذهب إليه واعتذر واستغفر، وقال في حق عليّ أخطأ في سبعة عشر شيئاً.. وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة حتى أنه سب الغزالي فقام عليه قوم كادوا يقتلونه.. وافترق الناس فيه شيعاً فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك كقوله أن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله وأنه مستو على العرش بذاته فقيل له يلزم من ذلك التحيز والانقسام فقال أنا لا أسلم أن التحيز والانقسام من خواص الأجسام فألزم بأنه يقول بتحيز في ذات الله، ومنهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يستغاث به وأن في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم النبي صلى الله عليه وآله وسلم.. ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي ما تقدم ولقوله أنه كان مخذولاً حيث ما توجه وأنه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها وإنما قاتل للرياسة لا للديانة ولقوله أنه كان يحب الرياسة.. فألزموه بالنفاق لقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ولا يبغضك إلا منافق).. ونسبه قوم إلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه فكان ذلك مؤكداً لطول سجنه وله وقائع شهيرة وكان إذا حوقق وألزم يقول لم أر هذا إنما أردت كذا فيذكر احتمالاً بعيداً قال وكان من أذكياء العالم وله في ذلك أمور عظيمة..) (1)

كما أنه يمكن اعتباره ـ بحسب الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه ـ قبوريا، فقد ردّ بشدة على ابن تيمية في مسألة زيارة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في كتابه (الإنارة بطرق حديث الزيارة)، وانتصر للقبور التي يعتبرها السلفية أوثانا.

__________

(1) الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة (1/ 179)

كلكم كفرة (138)

بالإضافة إلى ذلك انهيار عقيدة الولاء والبراء عنده ـ بحسب المنهج السلفي ـ ففي الوقت الذي يؤنب فيه ابن تيمية ويقرعه ويكتب عليه نرى فيه ميولا إلى الشخصيات الشيعية التي واجهها ابن تيمية، وهي شخصية ابن مطهر الحلي، فقد قال في [لسان الميزان] عن ابن تيمية: (وجدته كثير التحامل إلى الغاية في رد الأحاديث التي يوردها ابن المطهر وإن كان معظم ذلك من الموضوعات والواهيات، لكنه رد –في ردّه– كثيراً من الأحاديث الجياد التي لم يستحضر حالة التصنيف مظانها، لأنه كان لاتساعه في الحفظ يتكل على ما في صدره. والإنسان عامد للنسيان. وكم من مبالغة لتوهين كلام الرافضي، أدّته أحياناً إلى تنقيص علي) (1)

ويقول في ترجمة ابن مطهر مثنيا عليه: (الحسين بن يوسف بن المطهر الحلي: عالم الشيعة وإمامهم ومصنفهم. وكان آية في الذكاء شرح مختصر بن الحاجب شرحاَ جيّداً سهل المآخذ، غايةً في الإيضاح. واشتهرت تصانيفه في حياته. وهو الذي رد عليه الشيخ تقي الدين بن تيمية في كتابه المعروف بالرد على الرافضي [مع أن اسم الكتاب هو منهاج السنة النبوية في الرد على الشيعة والقدرية، ومع ذلك لم يسمه بهذا الاسم تنقيصا له]، وكان ابن المطهر، مشتهر الذكر وحسن الأخلاق، ولما بلغه بعض كتاب ابن تيمية قال: (لو كان يفهم ما أقول، أجبته) (2)

لكن هذا النوع من السلفية مع ذلك لم يسكت عليه، بل كتب الكتب في بيان مخالفاته للعقيدة التي يعتقدونها، وردوا عليها ردودا هادئة جدا، مع كونهم تعاملوا مع من هو دونها بشدة وعنف.

ومن تلك الكتب التي لقيت قبولا كبيرا، ونحاول أن نعرض هنا بعض مواقفها

__________

(1) لسان الميزان (6/ 319)

(2) لسان الميزان (2/ 317)

كلكم كفرة (139)

ليكون نموذجا لغيرها كتاب [التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري] من تأليف علي بن عبد العزيز بن علي الشبل، وقد قرظه مشايخ السلفية الكبار من أمثال عبد العزيز بن باز وصالح الفوزان وعبد الله بن عقيل وعبد الله بن منيع، وغيرهم، وهو في أصله إكمال لما بدأه الشيخ عبد العزيز بن باز على فتح الباري بإشارته ومتابعته ومراجعته وقراءته.

ونحب قبل أن نورد ما أورده صاحب الكتاب من تعليقات على ابن حجر، ومواقفه منه، أن نستعرض ما ذكره بعض المشايخ المقرظين حول قيمة ابن حجر عندهم، وهي ما جعلتهم يحسبون ألف حساب للحكم بتكفيره كما حكموا على أمثاله، فقد قال الشيخ عبد الله بن محمد الغنيمان في تقريظه للكتاب: (.. إن من أصح الكتب المصنفة في الإسلام وأجمعها وأحسنها تبويباً واستنتاجاً كتاب الإمام البخاري، وقد عرف بشدة تمسكه بكتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم وترسمه طريقة الصحابة وأتباعهم، فلم يضع في كتابه ما يخالف نهجهم. وقد اعتنى العلماء بشرح كتابه وتقريبه وبيان ما اشتمل عليه من العلم والفوائد، وأعظم شروحه وأكثرها فوائد شرح الحافظ أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله، وهذا معلوم لدى أهل العلم، غير أنه أدخل فيه من مسائل المتكلمين وتأويلاتهم لصفات رب العالمين ما شان كتابه) (1)

وهكذا أصبحت تلك التأويلات والتعطيلات التي أقام عليها السلفية الدنيا ولم يقعدوها هينة لينة سهلة يترحم على صاحبها للمصلحة المرتبطة به في نفس الوقت الذي تقام المحاكم من أجل مخالفات مثلها أو أقل منها.. وهذا من تناقض العقل السلفي ومزاجيته التي تجلت في كل مواقفه ابتداء من التصحيح المزاجي للأحاديث وتضعيفها، وانتهاء بالحكم بالإيمان أو الكفر على من شاء ومتى شاء وكيف شاء.

ومن الأمثلة على تلك النصوص التي قالها ابن حجر، ولم يكفر بها، مع تكفيرهم

__________

(1) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 11.

كلكم كفرة (140)

لغيره فيها مواقفه من الاستواء، كقوله في [هدي الساري]، (قوله (استوى على العرش) هو من المتشابه الذي يفوض علمه إلى الله تعالى، ووقع تفسيره في الأصل) (1)

وقد علق عليه الشبل بقوله: (هذا ليس صحيحاً؛ إذ نصوص الصفات ومنها آيات الاستواء من النصوص المحكمة المعلومة المعنى والمعقولة المراد، وإنما يُفوض إلى الله تعالى كيفياتها وحقائقها التي هي عليه، كما هو مذهب سلف الأمة.. هذا وليس المتشابه من القرآن ما لا يعلم معناه إلا الله، كما يقوله أهل التفويض من النفاة، وجرى عليه الحافظ ابن حجر هنا) (2)

وقال ابن حجر فيما يسمونه صفة اليد، والتي اعتبروا معطلها جهميا: (وقع ذكر اليد في القرآن والحديث مضافاً إلى الله تعالى، واتفق أهل السنة والجماعة على أنه ليس المراد باليد الجارحة التي هي من صفات المحدثات. وأثبتوا ما جاء من ذلك وآمنوا به؛ فمنهم من وقف ولم يتأول، ومنهم من حمل كل لفظ منها على المعنى الذي ظهر له، وهكذا عملوا في جميع ما جاء من أمثال ذلك) (3)

وقد علق عليه الشبل بقوله: (الواجب إثبات اليدين حقيقة على الوجه اللائق بالله عز وجل حقيقة من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، وعلى هذا اتفق أهل السنة والجماعة أتباع السلف الصالح، أما التوقف عن الإثبات والتأويل بالتفويض، أو الجنوح للتأويل فمسلكا المؤولة والمفوضة من الأشاعرة والماتريدية في باب الصفات، وأهل السنة والجماعة منه براء) (4)

__________

(1) هدي الساري، 143.

(2) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 12.

(3) هدي الساري، 219.

(4) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 12.

كلكم كفرة (141)

وقال تعليقا على ما قال ابن حجر: (والمراد باليد هنا القدرة) (1): (هذا تأويل غير صحيح؛ بل اليد ثابتة لله عز وجل على حقيقتها، وهي صفة ذاتية من صفاته تعالى، فالواجب إثبات هذه الصفة على حقيقتها كما يليق بجلال الله وعظمته من غير تحريف ولا تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل كسائر الصفات. فكما أن لله قدرة لا تشبهها قدرة المخلوقين، فكذلك له يد لا تشبه أيدي المخلوقين، وله صفات لا تشبه صفاتهم، وإلا كان ذلك تفريقاً بين المتماثلات) (2)

وهذا الحديث الهادئ المؤدب مع خطورة المسألة خاص بابن حجر، فلو أن الذي قال بهذا غيره، لنقل له كل ما ذكره أئمة الحديث من كلامهم في معطل هذه الصفة، فقد قال ابن خزيمة إمام أئمتهم: (باب ذكر قصة ثابتة في إثبات يد الله جل ثناؤه بسنة صحيحة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم بيانا أن الله خط التوراة بيده لكليمه موسى، وإن رغمت أنوف الجهمية) (3)، ثم ساق النصوص التي تدل على هذه الصفة، واعتبر منكرها جهميا معطلا كافرا.

وقال ابن حجر في تعطيل ما يسمونه صفة الحياء: (قوله: (فاستحيا الله منه) أي رحمه ولم يعاقبه، قوله: (فأعرض الله عنه) أي سخط عليه، وهو محمول على من ذهب معرضاً لا لعذر، هذا إن كان مسلماً ويحتمل أن يكون منافقاً) (4)

وقد علق عليه الشبل بهدوء بقوله: (يوصف ربنا سبحانه وتعالى بالاستحياء والإعراض كما في النصوص الشرعية على وجه لا نقص فيه؛ بل على الوجه اللائق من غير تكييف ولا تعطيل ولا تحريف ولا تمثيل. ولا يجوز تأويلهما بغير معناهما الظاهر من لوازمها وغير ذلك، بل الواجب إثباتهما لله عز وجل على الوجه اللائق بجلاله وكماله من غير تحريف

__________

(1) فتح الباري، 1/ 419.

(2) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 14.

(3) التوحيد لابن خزيمة (1/ 126)

(4) فتح الباري،1/ 189.

كلكم كفرة (142)

ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل) (1)

وقال ابن حجر في نفي الرؤية الحسية لله تعالى، وهي مما يشنعون به كثيرا على المخالفين، ويكفرونهم على أساسه: (لأن الحق عند أهل السنة أن الرؤية لا يشترط لها عقلاً عضو مخصوص ولا مقابلة ولا قرب) (2)

ومع خطورة المسألة من الناحية العقدية السلفية إلا أنه من باب المصلحة لم يشنع عليه، بل قال له بهدوء: (بل رؤية الباري سبحانه في الدار الآخرة حقيقة بمقابلة ولقاء ورؤية وهو في علوه سبحانه وتعالى كما قال: {تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلامٌ}، مع قطع الاستشراف عن كيفية تلك الرؤية، أو تشبيه المرئي بالمخلوق. ونفي المقابلة والقرب بلا دليل صحيح – ما فيه من الإجمال – خطأ وباطل) (3)

هكذا بكل بساطة.. مجرد خطأ وباطل.. ولكن لو كان غيره لقال: كفر وضلال ومعارضة للقرآن الكريم.. وأتي له بكل ما قال سلفهم من شتائم وسباب.

وهكذا قال تعليقا على ما قال ابن حجر: (ومعاذ الله أن يكون لله جارحة..) (4): (نفي الجارحة عن الله من النفي المجمل الذي لم يرد به دليل شرعي، والاستفصال فيه أن يُقال: إن كان المراد بالجارحة، كما للمخلوق من أعضاء؛ فالنفي حق ويُعبَّر عنه بما في القرآن {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ}.. وإن كان المراد بنفي الجارحة نفي اليد عن الله أو نفي الصفات، فالنفي والحالة هذه باطل، ولابد. ففي باب النفي لابد من التوقيف فلا تنفي عن الله إلا ما نفاه عن نفسه أو نفاه عن رسوله صلى الله عليه وآله وسلم كما في باب الإثبات) (5)

__________

(1) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 14.

(2) فتح الباري،1/ 613.

(3) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 14.

(4) فتح الباري، 3/ 541.

(5) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 14.

كلكم كفرة (143)

وقال تعليقا على ما قال ابن حجر: (ومن بعد ذلك لزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم والصلاة في مسجده والتبرك بمشاهدة آثاره وآثار أصحابه) (1): (زيارة القبر إذا احتاجت إلى سفر مشروعة تبعاً لا استقلالاً، فلا يجوز السَّفر لقصد زيارة القبر، وإنما تشد الرحال لزيارة المساجد الثلاثة فقط. والتبرك بالمشاهد والآثار بدعة منكرة، ووسيلة إلى الشرك) (2)

ولو أن الذي قال هذا كان غير ابن حجر لاعتبر قبوريا مشركا شركا جليا.. ولكن الله رحم ابن حجر بكتابه فتح الباري، ولولاه لكان الآن في جهنم السلفيين، وفي سجلات تكفيرهم.

وقال ردا على ما ذكره ابن حجر: (اختلف في كون الخلوف أطيب عند الله من ريح المسك مع أنه سبحانه وتعالى منزه عن استطابة الروائح، إذ ذاك من صفات الحيوان، ومع أنه يعلم الشيء على ما هو عليه) (3): (هذا وما قبله تأويلات متكلفة لا مبرر لها، وخروج باللفظ عن حقيقته. والاستطابة لرائحة خلوف فم الصائم من جنس سائر الصفات العلى يجب الإيمان بها مع عدم مماثلة صفات المخلوقين، ومع عدم التكلف بتأويلها بآراء العقول ومستبعدات النقول، والذي يفضي بها إلى تعطيلها عن الله) (4)

وقال ردا على قول ابن حجر بخلق القرآن على حسب الرؤية الأشعرية: (قوله (أحدث الأخبار بالله) أي أقربها نزولاً إليكم من عند الله عز وجل، فالحديث بالنسبة إلى المنزول إليهم، وهو في نفسه قديم) (5): (هذا الموضع فيه إيهام يتعلق بصفة الكلام لله عز وجل، ويحتاج إلى تفصيل: فإن كان المراد أنه معنى قديم نفسي، فهذا قول الأشاعرة بأن

__________

(1) فتح الباري، 4/ 112.

(2) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 16.

(3) فتح الباري، 4/ 127.

(4) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 17.

(5) فتح الباري، 5/ 345.

كلكم كفرة (144)

القرآن معنى نفسي قائم بالله.. وإن كان جبريل لم يسمعه من الله وإنما تلقاه من غيره: من اللوح أو الهواء أو اللطيفة فهو باطل أيضاً. وهو قول الأشاعرة والمتكلمين لينفوا أن يكون الكلام مسموعاً. وهو راجع إلى الاحتمال الأول: بأن الكلام معنىً قديمٌ نفسيٌّ.. وإن أراد أنه قديم بمعنى أن الله كتبه في اللوح المحفوظ وسبق به علمه سبحانه ثم أنزله منجماً حسب الحوادث، وسمعه جبريل من الله. فهذا حق وصواب) (1)

هكذا بكل هدوء حاول أن يجد المبررات لكلامه مع علمه بكون ابن حجر أشعريا، ومع وضوح كلامه، لكن لو كان غيره هو الذي قال هذا الكلام لنقل له كل ما ذكرناه من تكفيرات ابن حنبل وابن الجراح وابن عينية.. ولطالب باستتابته وقتله.

وقال تعليقا على نفي ابن حجر للعلو الذي على أساسه كفروا الجهمية (2): (هذا جنوح إلى القول بعلو القهر وعلو الشرف. وهو الوصف بالعلو من جهة المعنى، دون علو الذات الذي أحاله الحافظ حساً، والحق أن لله العلو التام ذاتاً وقدراً وقهراً، وهو ما تواترت به نصوص الشريعة تواتراً قطعياً من وجوه كثيرة جداً تفوق الحصر) (3)

مع العلم أن هذه المسألة من المكفرات التي لم يتنازل السلفية عنها، وعلى أساسها كفروا تكفيرا عينيا كل من أنكرها، فقد قال ابن خزيمة: (من لم يقل بأن الله فوق سمواته، وأنه على عرشه، بائن من خلقه، وجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا ضربت عنقه، ثم ألقي على مزبلة لئلا يتأذى بنتن ريحه أهل القبلة ولا أهل الذمة)، وقال: (من لم يقر بأن الله على

__________

(1) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 17.

(2) النص هو قول ابن حجر في الفتح 6/ 158: (فناسب تنزيه الله عن صفات الانخفاض كما ناسب تكبيره عند الأماكن المرتفعة، ولا يلزم من كون جهتي العلو والسفل محال على الله ألا يوصف بالعلو؛ لأن وصفه بالعلو من جهة المعنى، والمستحيل كون ذلك من جهة الحس)

(3) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 21.

كلكم كفرة (145)

عرشه قد استوى، فوق سبع سمواته فهو كافر حلال الدم، وكان ماله فيئا) (1)

وقد نقل ابن تيمية الإجماع على ما قاله ابن خزيمة، حيث قال في (درء تعارض العقل والنقل): (وجواب هذا أن يقال القول بأن الله تعالى فوق العالم معلوم بالاضطرار من الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة.. ولهذا كان السلف مطبقين على تكفير من أنكر ذلك، لأنه عندهم معلوم بالاضطرار من الدين) (2)

بل إن اللجنة الدائمة للفتوى نفسها، وبرئاسة ابن باز أفتت بهذا في مواضع كثيرة منها أنها أجابت عن سؤال يقول صاحبه: (في هذه القرية مسجد.. ولكن للأسف فإن إمام هذا المسجد يعتقد عقيدة فاسدة وحلولية، يعتقد أن الله في كل مكان.. غلبتني نفسي حتى تناقشت مع إمام هذا المسجد وطرحت عليه الأدلة والبراهين بأن الله في السماء مستو على عرشه وفي هذا إذ لانكيف ولانمثل.. وكذلك ذكرت له ليلة الإسراء والمعراج وذكرت له حديث الجارية، ولم يقتنع بل ظل في عتوه وعقيدته هذه)، فأجابت أكبر هيئة سلفية للفتوى بقولها: (إنهم كفار، ولا تجوز الصلاة خلفهم ولا تصح) (3)

وقال الشبل تعليقا على تأويل ابن حجر نسبة الصورة لله (4): (الصواب عود الضمير على الرحمن كما جاء مصرحاً به في روايات صحيحة، والمقصود إثبات الصورة لله ولآدم كلٌ على ما يليق به. وقد بسط الكلام على المسألة وبيان عود الضمير على الله أبو العباس ابن تيمية في بيات تلبيس الجهمية في تأسيس بدعهم الكلامية بسطاً شافياً) (5)

__________

(1) انظر درء تعارض العقل والنقل 6/ 264.

(2) درء تعارض العقل والنقل (7/ 27)

(3) فتاوى اللجنة الدائمة (7/ 365)

(4) حيث قال في فتح الباري، 6/ 422: (وهذه الرواية تؤيد قول من قال: إن الضمير لآدم، والمعنى أن الله تعالى أوجده على الهيئة التي خلقه عليها)

(5) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 25.

كلكم كفرة (146)

ولو أن الذي قال هذا غيره لنقل له ما قال الشيخ حمود بن عبدالله بن حمود التويجري في الصورة، وفي تكفير كل من أنكرها، في كتابه العظيم [عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن]، ومن ذلك قوله ـ عند ذكره دوافع تأليف كتابه ـ: (ولا يزال القول بمذهب الجهمية مستمرا إلى زماننا. وقد رأيت ذلك في بعض مؤلفات المعاصرين وتعليقاتهم الخاطئة. وذكر لي عن بعض المنتسبين إلى العلم أنه ألقى ذلك على الطلبة في بعض المعاهد الكبار في مدينة الرياض. ولما ذكر له بعض الطلبة قول أهل السنة أعرض عنه وأصر على قول الجهمية. عافانا الله وسائر المسلمين مما ابتلاه به) (1)

لكن بما أن ابن حجر هو الذي قال هذا، فقد عفي عنه، وتساهلوا معه.. ولست أدري كيف، ولا بأي نص، ولا بأي عذر.

وقال الشبل ردا على تأويل ابن حجر للخلة (2): (إطلاق الخلة وهي أعلى درجات المحبة على الله صحيح وعلى الحقيقة اللائقة بالله، كما في صريح القرآن والسنة. وهي صفة ثابتة لائقة بالله لا تستلزم تشبيهاً ولا تمثيلاً، بل لله خلة لائقة به كما أن له سمعاً وبصراً وحياة تليق به. ونفي الخلة عن الله هو قول الجهمية عن الجعد، كما قال ابن القيم:

ولأجل ذا ضحى بجعد خالدُ إذا قال إبراهيمُ ليس خليله

شكر الضحية كلُّ صاحب سنة... قسريُّ يوم ذبائح القربان

كلا ولا موسى الكليم الداني لله درك من أخي قربان) (3)

وإيراد الشبل لهذه الأبيات هنا من عجائب التناقضات، فكيف يستحلون دم امرئ مسلم من أجل مقولة يقبلونها من غيره، بل يثنون عليه، ويثقون فيه.. وللأسف فإن الجعد

__________

(1) عقيدة أهل الإيمان في خلق آدم على صورة الرحمن 1/ 6).

(2) قال ابن حجر في الفتح 6/ 448: (وأما إطلاقه في حق الله تعالى فعلى سبيل المقابلة، وقيل: الخلة أصلها الاستصفاء، وسُمي بذلك لأنه يوالي ويعادي في الله تعالى، وخلة الله له نصره وجعله إماماً)

(3) التنبيه على المخالفات العقدية في فتح الباري، ص 24.

كلكم كفرة (147)

بن درهم لم يؤلف كتاب فتح الباري، وإلا فإنه لو كان ألفه لكان الذم متوجها إلى خالد القسري لا إليه..

هذه نماذج عن الكيل بالمكاييل المزدوجة في التكفير، وقد رأينا في محال مختلفة أنهم يستعملون لكل شيء موازينه الخاصة.. ولهذا فإن الاضطراب والتشتت واللاعقلانية أكبر ما يميز العقل السلفي والتراث السلفي والإنسان السلفي.

2 ـ التكفير بسبب الوقوع في نواقض الإيمان فقهية

ذكرنا في كتاب [التراث السلفي تحت المجهر] أن التراث السلفي لم يكتف بوضع المسائل النظرية فقط في الجانب العقدي، وإنما أضاف إليها الكثير من المسائل العملية، والتي ترتبط بالفقه، كمسح الخفين، وغيرها.

ومن تلك المسائل التي أولاها السلفية ـ وخاصة أتباع الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ اهتماما كبيرا، وكفروا الأمة على أساسها، ما يرتبط بتعظم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والصالحين والتوسل والتبرك بآثارهم وزيارة قبورهم ونحو ذلك.

والتي حولها السلفية من قضايا فرعية فقهية ـ مختلف فيها في أحسن الأحوال ـ إلى قضايا أصلية عقدية يعتبر مشركا شركا جليا كل من أقر ذلك أو فعله أو سكت عمن فعله.

وقد سئلت اللجنة الدائمة للفتوى برئاسة ابن باز هذا السؤال: (يقول بعض العلماء (إن التوسل قضية فقهية لا قضية عقيدة) كيف ذلك؟)، فأجابت: (التوسل إلى الله في الدعاء بجاه الرسول صلى الله عليه وآله وسلم أو ذاته أو منزلته غير مشروع؛ لأنه ذريعة إلى الشرك، فكان البحث فيه لبيان ما هو الحق من مباحث العقيدة، وأما التوسل إلى الله بأسمائه جل شأنه وبصفاته وباتباع رسوله والعمل بما جاء به من عقيدة وأحكام فهذا مشروع) (1)

بناء على هذا سنسوق هنا بعض النصوص الواضحة في تكفير الشيخ محمد بن عبد

__________

(1) فتاوى اللجنة الدائمة - 1 (1/ 520)

كلكم كفرة (148)

الوهاب للأمة جميعا فيما يتعلق بهذا النوع من المسائل، ذلك أن البعض ممن لا يقرؤون، أو لا يستعملون عقولهم عند القراءة يجادلون في ذلك ويشنعون على من يقول به.

فقد قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب في [كشف الشبهات]: (بيان أن توحيد العبادة هو معنى لا إله إلا الله وأن الكفار في زمنه صلى الله عليه وآله وسلم كانوا أعرف بمعناها من بعض من يدعي الإسلام وهذا التوحيد هو معنى قولك (لا إله إلا الله) فإن الإله عندهم هو الذي يقصد لأجل هذه الأمور سواء كان ملكا، أو نبيا، أو وليًّا، أو شجرة، أو قبرا، أو جنيا لم يريدوا أن الإله هو الخالق الرازق المدبر، فإنهم يعلمون أن ذلك لله وحده كما قدمت لك. وإنما يعنون بالإله ما يعني المشركون في زماننا بلفظ (السيد) فأتاهم النبي صلى الله عليه وآله وسلم يدعوهم إلى كلمة التوحيد وهي (لا إله إلا الله) والمراد من هذه الكلمة معناها لا مجرد لفظها. والكفار الجهال يعلمون أن مراد النبي - صلى الله عليه وآله وسلم - بهذه الكلمة هو (إفراد الله تعالى) بالتعلق و(الكفر) بما يعبد من دونه والبراءة منه، فإنه لما قال صلى الله عليه وآله وسلم قولوا (لا إله إلا الله) قالوا {أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ} [ص: 5] فإذا عرفت أن جهال الكفار يعرفون ذلك، فالعجب ممن يدعي الإسلام وهو لا يعرف من تفسير هذه الكلمة ما عرفه جهال الكفرة، بل يظن أن ذلك هو التلفظ بحروفها من غير اعتقاد القلب لشيء من المعاني. والحاذق منهم يظن أن معناه لا يخلق ولا يرزق إلا الله ولا يدبر الأمر إلا الله، فلا خير في رجل جهال الكفار أعلم منه بمعنى (لا إله إلا الله) (1)

فهذه الكلمات الخطيرة تحوي تصريحات بكفر كل الأمة ما عداهم، ذلك أنه يعتبر أن كل متوسل أو متبرك بالقبور والأشجار ونحوها مشركا شركا جليا، بل هو يتهم العلماء بذلك الشرك الجلي.

بل هو يعتبرهم أعداء يدعو لحربهم بكل الوسائل، فيقول: (وجوب التسلح

__________

(1) كشف الشبهات (ص: 8)

كلكم كفرة (149)

بالكتاب والسنة لدحض شبهات الأعداء إذا عرفت ذلك وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه أهل فصاحة وعلم وحجج. فالواجب عليك أن تعلم من دين الله ما يصير سلاحا لك تقاتل به هؤلاء الشياطين.. ولكن إذا أقبلت على الله وأصغيت إلى حجج الله والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين كما قال تعالى: {وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ} [الصافات: 173] فجند الله هم الغالبون بالحجة واللسان، كما أنهم الغالبون بالسيف والسنان) (1)

وهو يشير بقوله هذا، وبكل صراحة لكل علماء عصره ومن سبقهم ممن يقولون بالتوسل والتبرك.. يقول الشيخ حسن بن فرحان المالكي معلقا على النص السابق: (هذا تكفير واضح لعدد كبير من العلماء ويستحيل في العادة أن يوجد مثل هذا العدد الكبير (ألف) من العلماء الكفار في بلد واحد؛ فاعرف هذا فإنه مهم وهو من أدلة من يتهم الشيخ بتكفير من لم يتبعه!! والشيخ وأتباعه يقولون: معاذ الله أن نكفر المسلمين لكن هذا المسلم عند الشيخ له شروط طويلة يختلف فيها مع العلماء قبل العوام ولا تكاد تنطبق إلا على من يقلده ويتبعه) (2)

وبناء على هذا التكفير المطلق نرى ابن عبد الوهاب وأتباع مسيرته التكفيرية يقتدون به في ذلك، فيعممون التكفير على كل بلاد المسلمين ما عدا بلادهم التي يسكنون فيها والتي يسمونها [بلاد التوحيد]

يقول الشيخ حسن بن فرحان المالكي مبينا تاريخ الوهابية بعد ابن عبد الوهاب: (جاء تلاميذ الشيخ ومقلدوه رحمهم الله وسامحهم ليواصلوا التكفير فقالوا بتكفير من وافق أهل بلده في الظاهر وإن كان يرى خطأهم ومحب الشيخ في الباطن، وتكفير قبائل قحطان

__________

(1) كشف الشبهات (ص: 14)

(2) داعية وليس نبيا، ص 99.

كلكم كفرة (150)

والعجمان، وتكفير أهل حايل، وتكفير من خرج إلى البلدان خارج بلدان الدعوة إذا كان يرى إسلام أهل تلك البلدان.. وتكفير أهل مكة والمدينة، وتكفير الدولة العثمانية، بل وتكفير من لا يكفرها! وتكفير الإباضية..) (1)

ونحب أن ننقل هنا تأكيدا لكلام المالكي من [الدرر السنية في الأجوبة النجدية]، وهو من مصادر السلفية المعتبرة لتضمنه لرسائل الشيخ ابن عبد الوهاب وأبنائه وتلاميذه، ما يدل على تكفيرهم لجميع بلاد العالم الإسلامي ما عدا بلادهم التي يقيمون فيها.

ونبدأ ذلك بتكفيرهم لأهل الحرمين الشريفين مكة والمدينة، فقد ورد في الدرر السنية هذا النص الخطير: (وما ذكرت من جهة الحرمين الشريفين، الحمد لله على فضله وكرمه، حمدا كثيرا كما ينبغي أن يحمد، وعز جلاله، لما كان أهل الحرمين آبين عن الإسلام، وممتنعين عن الانقياد لأمر الله ورسوله، ومقيمين على مثل ما أنت عليه اليوم من الشرك والضلال والفساد، وجب علينا الجهاد بحمد الله فيما يزيل ذلك عن حرم الله وحرم رسوله صلى الله عليه وآله وسلم من غير استحلال لحرمتهما) (2)

وهكذا نراهم يكفرون الدولة العثمانية، ويكفرون من توقف في تكفيرها، ويكفرون كل من أعانها ووقف معها، ففي [الدرر السنية في الأجوبة النجدية] سئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف، عمن لم يكفر الدولة [يقصد الدولة العثمانية في ذلك الحين]، ومن جرهم على المسلمين، واختار ولايتهم وأنه يلزمهم الجهاد معه؛ والآخر لا يرى ذلك كله، بل الدولة ومن جرهم بغاة، ولا يحل منهم إلا ما يحل من البغاة، وأن ما يغنم من الأعراب حرام؟)، فأجاب بقوله: (من لم يعرف كفر الدولة، ولم يفرق بينهم وبين البغاة من المسلمين، لم يعرف معنى لا إله إلا الله،؛ فإن اعتقد مع ذلك: أن الدولة مسلمون، فهو أشد وأعظم،

__________

(1) داعية وليس نبيا، ص 222.

(2) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، (9/ 285)

كلكم كفرة (151)

وهذا هو الشك في كفر من كفر بالله، وأشرك به؛ ومن جرهم وأعانهم على المسلمين، بأي إعانة، فهي ردة صريحة. ومن لم ير الجهاد مع أئمة المسلمين، سواء كانوا أبرارا أو فجارا، فهو لم يعرف العقائد الإسلامية، إذا استقام الجهاد مع ذوي الإسلام، فلا يبطله عدل عادل ولا جور جائر؛ والمتكلم في هذه المباحث، إما جاهل فيجب تعليمه، أو خبيث اعتقاد، فتجب منافرته ومباعدته) (1)

ومثله هذا النص الخطير الذين يوزع التكفير على الأمة جميعا: (فلا يعصم دم العبد وماله، حتى يأتي بهذين الأمرين: الأول: قوله: لا إله إلا الله، والمراد معناها لا مجرد لفظها، ومعناها هو توحيد الله بجميع أنواع العبادة.. الأمر الثاني: الكفر بما يعبد من دون الله، والمراد بذلك تكفير المشركين، والبراءة منهم، ومما يعبدون مع الله. فمن لم يكفر المشركين من الدولة التركية، وعباد القبور، كأهل مكة وغيرهم، ممن عبد الصالحين، وعدل عن توحيد الله إلى الشرك، وبدّل سنّة رسوله صلى الله عليه وآله وسلم بالبدع، فهو كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم، ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين؛ فإن الذي لا يكفر المشركين، غير مصدق بالقرآن، فإن القرآن قد كفر المشركين، وأمر بتكفيرهم، وعداوتهم وقتالهم قال الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله في نواقض الإسلام (من لم يكفر المشركين، أو شك في كفرهم، أو صحح مذهبهم، كفر)، وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (من دعا علي بن أبي طالب، فقد كفر، ومن شك في كفره، فقد كفر.. الأمر الثالث: مما يوجب الجهاد لمن اتصف به: ظاهرة المشركين، وإعانتهم على المسلمين، بيد أو بلسان أو بقلب أو بمال، فهذا كفر مخرج من الإسلام، فمن أعان المشركين على المسلمين، وأمد المشركين من ماله، بما يستعينون به على حرب المسلمين اختيارا منه، فقد كفر) (2)

__________

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، (10/ 429)

(2) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، (9/ 291)

كلكم كفرة (152)

بل إن أتباع ابن عبد الوهاب لم يرحموا حتى أولئك الذين يحبونهم ويوالونهم من أهل الحجاز أواليمن أوالشام أو غيرها ما دام حبهم لم يخرج إلى الخارج، ولم يظهر في الواقع، فقد ورد في الدرر السنية هذه الرسالة من الشيخ سليمان بن عبد الله بن محمد بن عبد الوهاب: (اعلم، رحمك الله: أن الإنسان إذا أظهر للمشركين الموافقة على دينهم، خوفاً منهم ومداراة لهم، ومداهنة لدفع شرهم، فإنه كافر مثلهم، وإن كان يكره دينهم ويبغضهم، ويحب الإسلام والمسلمين؛ هذا إذا لم يقع منه إلا ذلك، فكيف إذا كان في دار منعة واستدعى بهم، ودخل في طاعتهم وأظهر الموافقة على دينهم الباطل، وأعانهم عليه بالنصرة والمال ووالاهم، وقطع الموالاة بينه وبين المسلمين، وصار من جنود القباب والشرك وأهلها، بعد ما كان من جنود الإخلاص والتوحيد وأهله؟ فإن هذا لا يشك مسلم أنه كافر، من أشد الناس عداوة لله ولرسوله صلى الله عليه وآله وسلم. ولا يستثنى من ذلك إلا المكره، وهو الذي يستولي عليه المشركون، فيقولون له: اكفر، أو افعل كذا وإلا فعلنا بك وقتلناك، أو يأخذونه فيعذبونه حتى يوافقهم، فيجوز له الموافقة باللسان مع طمأنينة القلب بالإيمان. وقد أجمع العلماء على أن من تكلم بالكفر هازلاً: أنه يكفر، فكيف بمن أظهر الكفر خوفاً وطمعاً في الدنيا) (1)

بل لم يرحم السلفية وأتباع ابن عبد الوهاب وتلاميذه حتى أولئك الذين يقيمون معهم، ويعتقدون بمعتقداتهم، ولكنهم يجمعون معها اعتقادهم بإسلام غيرهم من المسلمين، ففي الدرر السنية: (.. من يسافر إلى بلاد المشركين للتجارة، ويرجع إلى بلده في المسلمين، فهؤلاء قسمان أيضا: قسم ينزه دينه عن الصلاة وراء أئمتهم، ولا يأكل ذبحهم، ولا يركن إليهم بالمودة ولين الكلام، ويكفرهم، ولا يسلم عليهم، فهذا لا يعادى ولا يهجر، لأن بعض الصحابة سافر، ودخل بلاد الشرك للتجارة. والقسم الثاني: من يسافر إليهم، ويعتقد إسلامهم، وربما فضلهم على المسلمين، فهذا له حكم هذه الآية: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ

__________

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، (8/ 121)

كلكم كفرة (153)

أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ} [النساء: 51 - 52]. وهذا يوجد من كثير، يفضل أهل الشرك، ويجادل عنهم، فهذا تجب عداوته وهجره. وما أكثر هذا الضرب في الناس! فإنه يعاقب بالطبع على قلبه، حتى لا يعرف معروفاً، ولا ينكر منكراً، بل تراه كالمنافقين الذين قال الله فيهم: {الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ} [التوبة: 67]. ومن تدبر الكتاب والسنة، عرف ذلك. وأكثر الناس يتعصب لأهل الباطل، إما لأجل دنيا أو رياسة أو قرابة.. والفقيه الذي ينزل نصوص الكتاب والسنة على الواقع، فينفذ الحكم فيهم على وفق النص، ولا يقدم عادة الناس أو حظوظ نفسه، أو الخوف من أذاهم، فيداهن في دين الله فيهلك مع الهالكين) (1)

وبناء على هذا نرى الكتب والرسائل التي تؤرخ للوهابية تعتبر كل من خالف ابن عبد الوهاب مرتدا، فقد ورد في الدرر السنية: (وسئل أيضا: شيخ الإسلام، وعلم الهداة الأعلام، الشيخ محمد بن عبد الوهاب، رحمه الله تعالى، لما ارتد طائفة من أهل العيينة، ولما ارتد أهل حريملاء أن يكتب كلاما ينفع الله به. فأجاب..) (2)، وما أجاب به طبع في رسالة تلقى أهمية كبيرة لدى السلفية اسمها [مفيد المستفيد في حكم تارك التوحيد]

وهكا يذكر ابن غنام في [تاريخ نجدلابن غنام]، وهو الكتاب الذي أرخ للدعوة الوهابية: (وفي شوال من هذه السنة 1165 هـ ارتد أهل حريملاء.. وفي أواخر هذه السنة 1166 هـ ارتد أهل منفوحة) (3)

ولم يكتف السلفية من أتباع ابن عبد الوهاب بتكفير عامة الناس من أهل البلاد

__________

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، (8/ 424)

(2) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، (9/ 396)

(3) تاريخ نجدلابن غنام (ص:107)

كلكم كفرة (154)

المختلفة، بل راحوا يكفرون علماء الأمة الكبار الذين عاصروهم، واعتبروهم علماء شرك، وقدوتهم في ذلك شيخهم النجدي محمد بن عبد الوهاب الذي صرح في مواضع كثيرة من رسائله وكتبه بتكفير علماء عصره، ومن ذلك قوله: (فاعلم: أن الكلام في هذه المسألة سهل على من يسره الله عليه، بسبب أن علماء المشركين اليوم، يقرون أنه الشرك الأكبر، ولا ينكرونه.. وجواب هؤلاء كثير، في الكتاب والسنة، والإجماع؛ ومن أصرح ما يجابون به: إقرارهم في غالب الأوقات أن هذا هو الشرك الأكبر؛ وأيضا: إقرار غيرهم من علماء الأقطار، من أن أكثرهم قد دخل في الشرك، وجاهد أهل التوحيد) (1)

ومثله قوله في كشف الشبهات: (الرد على أهل الباطل إجمالا وتفصيلا، وأنا أذكر لك أشياء مما ذكر الله في كتابه جوابا لكلام احتج به المشركون في زماننا علينا) (2)

وهو يقصد بالمشركين الذين احتجوا عليه علماء الأمة من جميع المذاهب الفقهية، والذين اجتمعوا على الرد على تلك الأحكام المتشددة التي وقفها هو وسنده من آل سعود، وألفوا الكتب في ذلك.

وقد قال الشيخ حسن بن فرحان المالكي تعليقا على ذلك النص: (يا ترى من هم هؤلاء المشركون الذين يغوصون في أدلة الكتاب والسنة مع فصاحة وعلم وحجج؟! أليسوا علماء مختلفين معه في دعوى كفر مخالفيه من علماء وعوام؟ لا ريب أن هذا فيه تكفير صريح للمخالفين له ممن نسميهم (خصوم الدعوة) أو (أعداء التوحيد) أو (أعداء الإسلام)، وهذا ظلم، لأن الشيخ كان يرد على مسلمين ولم يكن يرد على كفار ولا مشركين، وهذه رسائله وكتبه ليس فيها تسمية لمشرك ولا كافر وإنما فيها تسمية لعلماء المسلمين في عصره كابن فيروز، ومربد التميمي، وابني سحيم سليمان وعبد الله، وعبد الله بن عبد

__________

(1) الدرر السنية (424/ 9)

(2) كشف الشبهات (ص: 15)

كلكم كفرة (155)

اللطيف، ومحمد بن سليمان المدني، وعبد الله بن داود الزبيري، والحداد الحضرمي، وسليمان بن عبد الوهاب، وابن عفالق، والقاضي طالب الحميضي، وأحمد بن يحي، وصالح بن عبد الله، وابن مطلق، وغيرهم من العلماء الذين يطلق عليهم (المشركون في زماننا) (1)

وقد ذكر الشيخ المالكي ـ وهو الذي تربى في مدارس الوهابية ـ استمرار هذا السيل من التكفير من لدن أتباع ابن عبد الوهاب إلى وقتنا المعاصر، فقال: (وقد استمر علماء الدعوة بعده في تكفير أو تبديع يكاد يصل للتكفير لعدد آخر من علماء المسلمين –أخطأوا ولم يكفروا- في عهد الدولة السعودية الثانية كابن سلوم وعثمان بن سند وابن منصور وابن حميد وأحمد بن دحلان المكي وداود بن جرجيس وغيرهم.. وفي القرن الرابع عشر الهجري استمر تكفيرنا وتبديعنا لعلماء معاصرين – أخطأوا كما نخطيء ولم يكفروا- كالكوثري، والدجوي، وشلتوت، وأبي زهرة، والغزالي، والقرضاوي، والطنطاوي، والبوطي، والغماري، والكبيسي، وغيرهم، ولو نستطيع لقلنا عنهم (المشركون في زماننا) وقد قيل!!) (2)

وقد أشار الشيخ المالكي إلى أن الحائل دون الهيئات الرسمية من علماء السعودية وغيرها وتكفير كل من عداهم من الأمة هو السلطة السياسية التي لا ترغب في المزيد من الصراعات، ولذلك توظف ما تشاء من تلك التكفيرات مع من تراهم معادين لها فقط دون غيرهم، فقال: (من المؤسف أنه لا يوقف تكفيرنا وتبديعنا للآخرين إلا السلطة أو العجز، ولولاهما لما أبقينا أحداً إلا وصمناه بكفر أو بدعة مكفرة! مع أن الواجب أن يكون هذا التورع عن التكفير والتبديع من العلماء لا من الحكام، وفي كل الأوقات لا وقت العجز،

__________

(1) داعية وليس نبيا، ص 101.

(2) داعية وليس نبيا، ص 102.

كلكم كفرة (156)

لأن العلماء يعرفون عظمة حق المسلم وتحريم دمه وماله وعرضه) (1)

وقد أشار الصنعاني صاحب سبل السلام ـ وهو من المعاصرين لحركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب ـ إلى تلك التكفيرات الكثيرة التي كانت توزع على الأمة جميعا، وما يتبعها من السلب والنهب والقتل، فقال: (.. وكان قد تقدمه في الوصول إلينا بعد بلوغها الشيخ الفاضل عبد الرحمن النجدي، ووصف لنا من حال ابن عبد الوهاب أشياء أنكرناها، من سفك الدماء، ونهبه الأموال، وتجاريه على قتل النفوس ولو بالاغتيال، وتكفير الأمة المحمدية في جميع الأقطار، فبقي معنا تَرَدُّدٌ فيما نقله الشيخ الفاضل عبد الرحمن، حتى وصل الشيخ العالم مربد بن أحمد وله نباهة، ووصل ببعض رسائل ابن عبد الوهاب التي جمعها في وجه تكفيره أهل الإيمان، وقتلهم ونهبهم، وحقق لنا أقواله وأفعاله وأحواله، فرأينا أحواله أحوال رجل عرف من الشريعة شطرا، ولم يمعن النظر، ولا قرأ على من يهديه نهج الهداية، ويدله على العلوم النافعة ويفقهه فيها... ولما حقق لنا أحواله، ورأينا في الرسالة أقواله، وذكر لي أنه إنما عَظُمَ شأنه بوصول الأبيات التي وجهنا إليه، وأنه يتعين علنيا نقض ما قدمناه، وحَلُّ ما أبرمناه) (2)

ومثله صرح الشوكاني ـ وهو ممن يثق فيه السلفية ويعتمدون على كتبه، مثله مثل الصنعاني ـ فقد قال: (ولكنهم يرون أن من لم يكن داخلا تحت دولة صاحب نجد وممتثلا لأوامره خارج عن الإسلام، ولقد أخبرنى أمير حجاج اليمن السيد محمد بن حسين

__________

(1) داعية وليس نبيا، ص 102.

(2) إرشاد ذوي الألباب إلى حقيقة أقوال ابن عبد الوهاب، ص:110، وقد أقر أعلام السلفية الكبار بهذه الرسالة، ومنهم: الشيخ مقبل بن هادي الوادعي في، المصارعة، (ص:417)، ومنهم الشيخ عبد الله البسام في [علماء نجد خلال ثمانية قرون] حيث قال:، كثير من أصحاب القلوب السليمة ينفون صحة الرجوع عن الشيخ الصنعاني، وينسبون تزوير الرجوع والقصيدة الناقضة إلى ابنه، ولكنني تحققت من عدد من الثقات، ومنهم سماحة الشيخ محمد بن إبراهيم آل الشيخ رئيس القضاء بأن رجوع الأمير الصنعاني حقيقة، وأن القصيدة الناقضة له وليست لابنه.. انظر: علماء نجد خلال ثمانية قرون، (1/ 144)

كلكم كفرة (157)

المراجل الكبسى أن جماعة منهم خاطبوه هو ومن معه من حجاج اليمن بأنهم كفار وأنهم غير معذورين عن الوصول إلى صاحب نجد لينظر في إسلامهم فما تخلصوا منه إلا بجهد جهيد) (1)

ونحب أن نشير هنا من باب المثال والنموذج إلى العلماء الذين قام الشيخ محمد بن عبد الوهاب بتكفيرهم صراحة، بما ادعاه عليهم من الوقوع في الشرك الجلي، ويمكن أن يقاس عليهم غيرهم ممن هم مثلهم من جميع علماء الأمة، وما أكثرهم، بل كل العلماء في ذلك الحين وفي أحيان كثيرة من التاريخ كانوا على تلك الشاكلة، يقولون بالتوسل والتبرك وغيرها مما يعتبرها الوهابية شركا جليا.

فمن هؤلاء العلماء العلامة الكبير محمد بن فيروز الحنبلي، الذين لم تشفع له حنبليته عند الوهابية، فقد قال فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب: (.. وأيضا مكاتيب أهل الأحساء موجودة، فأما ابن عبد اللطيف، وابن عفالق، وابن مطلق، فحشو بالزبيل أعني: سبابة التوحيد، واستحلال دم من صدق به، أو أنكر الشرك؛ ولكن تعرف ابن فيروز، أنه أقربهم إلى الإسلام، وهو رجل من الحنابلة، وينتحل كلام الشيخ وابن القيم خاصة، ومع هذا صنف مصنفا أرسله إلينا، قرر فيه: أن هذا الذي يفعل عند قبر يوسف وأمثاله، هو الدين الصحيح، واستدل في تصنيفه بقول النابغة:

أيا قبر النبي وصاحبيه ووامصيبتنا لو تعلمونا

وفي مصنف ابن مطلق الاستدلال بقول الشاعر:

وكن لي شفيعا يوم لا ذو شفاعة سواك بمغن عن سواد بن قارب

ولكن الكلام الأول، أبلغ من هذا كله، وهو شهادة البدو، والحضر، والنساء والرجال، أن هؤلاء الذين يقولون: التوحيد دين الله ورسوله، ويبغضونه أكثر من بغض

__________

(1) البدر الطالع، (1/ 499 - 500)

كلكم كفرة (158)

اليهود والنصارى، ويسبونه، ويصدون الناس عنه، ويجاهدون في زواله وتثبيت الشرك، بالنفس والمال، خلاف ما عليه الرسل وأتباعهم، فإنهم يجاهدون {حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ} [البقرة: 193]) (1)

وصرح بذلك في موضع آخر، فقال في رسالة كتبها إلى أحمد بن عبد الكريم جاء فيها: (.. وصل مكتوبك تقرر المسألة التي ذكرت، وتذكر أن عليك إشكالا تطلب إزالته، ثم ورد منك مراسلة، تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ أزال عنك الإشكال، فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام. وعلى أي شيء يدل كلامه، من أن من عبد الأوثان عبادة أكبر من عبادة اللات والعزى، وسب دين الرسول صلى الله عليه وآله وسلم بعدما شهد به، مثل سب أبي جهل، أنه لا يكفر بعينه. بل العبارة صريحة واضحة، في تكفيره مثل ابن فيروز، وصالح بن عبد الله، وأمثالهما، كفرا ظاهرا ينقل عن الملة، فضلا عن غيرهما؛ هذا صريح واضح، في كلام ابن القيم الذي ذكرت، وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال، في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله، ودعاهم في الشدائد والرخاء، وسب دين الرسل بعدما أقر به، ودان بعبادة الأوثان بعدما أقر بها) (2)

ونلاحظ ان ابن عبد الوهاب يضيف ـ كالسلفية سلفهم وخلفهم ـ ناقضا جديدا للإيمان، يسمونه [سب دين الرسل]، وهم يقصدون منه انتقاد السلفية أو أهل الحديث.. لأنهم يعتبرون أنفسهم الممثل الشرعي الوحيد للإسلام، بل للرسل جميعا.. ولذلك لهم الحق في أن ينتقدوا العالم أجمع، ولا يحق لأحد أن ينتقدهم، ومن تجرأ وفعل صار كافرا، بل أكفر من اليهود والنصارى، لأن اليهود والنصارى لا يعرفون أهل الحديث، ولا ينتقدونهم.

ونحب أن نذكر هنا ترجمة مختصرة لابن فيروز ننقلها من كتاب من كتب الحنابلة،

__________

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 78)

(2) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 63)

كلكم كفرة (159)

حتى نعرف مدى الجرأة التي كان يمتلكها ابن عبد الوهاب وغيره من السلفية.

فقد قال ابن حميد المكي في كتابه [السحب الوابلة على أضرحة الحنابلة]: (محمد بن عبد الله بن محمد بن فيروز، التميمي، الأحسائي، العلامة الفهامة، كاشف المعضلات، وموضح المشكلات، ومحرر أنواع العلوم، ومقرر المنقول والمعقول، بالمنطوق والمفهوم.. وضع الله فيه من سرعة الفهم وقوة الإدراك وبطء النسيان وشدة الرغبة والحرص والفتوح الباطنة والظاهرة ما يتعجب منه فحفظ القرآن وهو صغير، وحفظ كثيراًً من الكتب منها: مختصر المقنع في الفقه وألفية العراقي في المصطلح وألفية ابن مالك في النحو.. كأن العلوم نصب عينيه أخذ الحديث عن علماء عصره وكذا الفقه والنحو والمعاني والبيان وسائر الفنون وأجازوه بإجازات مطولة ومختصرة وأثنوا عليه الثناء البليغ، ومهر في جميع هذه الفنون وتصدر للتدريس في جميعها وأفتى في حياة شيوخه وكتبوا على أجوبته وفتاواه بالمدح والثناء.. ونفع الله به نفعاًً جماًً، وصار يرحل إليه من جميع الأقطار حتى أنه يجتمع عنده من الطلبة نحو الخمسين وكان يقو م بكفاية أكثرهم ويتفقد أمورهم في جميع ما يلزم لهم كأنهم أولاد صلبه ولا يمَكِّن أحداًً ممن يأتي عنده من الأجانب لطلب العلم أن ينفق من كيسه ولو كان غنيا ويقول: (من لم ينتفع بطعامنا لا ينتفع بكلامنا)، فوضع الله له القبول في أقطار الأرض وكاتبه علماء الآفاق من البلاد الشاسعة والمدائح وطلب الإجازات والدعاء، ونجب خلق ممن قرأ عليه فكان أهل البلدان يأتون إليه ويطلبون أن يرسل معهم واحدا منهم يفقههم في الدين ويعظهم ويقضي ويدرس ويصلي بهم ويخطب فيرسل معهم من استحسن فلا يخالفه التلميذ في شيء أصلا بل كانت الطلبة يمتثلون منه أدنى إشارة ويعدونها أسنى بشارة.. وكان رحمه الله كثير العبادة والذكر، سخي النفس كثير الصدقات ولا يرد مسكينا وثب إليه وكان يدان على ذمته ويتصدق وعذل في ذلك فلم يلتفت لعاذله ويأتيه رزقه من حيث لم يحتسب، عليه أنوار زاهرة وآثار للعلم والصلاح ظاهرة، له حظ

كلكم كفرة (160)

من قيام الليل، مهيبا معظما عند الملوك فمن دونهم مقبول الكلمة نافذ الإشارة، لا يخاف في الله لومة لائم) (1) إلى آخر ما ورد في ترجمته، والتي تظهره مكانته الكبيرة في ذلك العصر، بالإضافة لعلمه وخلقه وتدينه.. ولكن كل ذلك لم يجعل لحمه مسموما يحرم التعرض له، كما يذكر السلفية عندما ينتقد أي علم من أعلامهم، وليتهم اكتفوا بنقده، بل أضافوا إلى ذلك تكفيره.

ولا يزال السلفية المعاصرون يصرون على ما قال شيخهم، ويدافعون عنه، وقد قال بعضهم في تبرير تكفير الشيخ لابن فيروز: (ولكن هذا الخصم - محمد بن فيروز - قد بلغت محاربته ومناهضته لهذه الدعوة حداً لا يوصف، لذا مدحه أحد خصوم هذه الدعوة وهو الحداد، حيث قال مادحاً لابن فيروز: (ولله در الشيخ محمد بن عبد الله بن فيروز الحنبلي لما قام مجتهداً ابتغاء مرضاة الله في إطفاء بدعة هذا الخبيث، كلما رأى وجهاً لبعض أهل المذاهب الأربعة، تبع ذلك الوجه إذا كان مخالفاً لما يعلمه أو يقوله ابن عبد الوهاب البدعي) (2) وبلغ من كيد ابن فيروز أنه – كما قال ابن حميد في السحب الوابلة - (كاتب السلطان عبد الحميد خان يستنجده على قتال البغاة الخارجين بنجد) (3)

ومن العلماء الذين صرح ابن عبد الوهاب بتكفيرهم العلامة الجليل عبد الله بن عيسى المويس (ت 1175 هـ)، فقد قال ابن عبد الوهاب في بعض رسائله: (وتذكرون: أني أكفّرهم بالموالاة، وحاشا وكلا؛ ولكن أقطع: أن كفر من عبد قبة أبي طالب، لا يبلغ عشر كفر المويس وأمثاله) (4)

فهو في هذا النص لا يكفر الشيخ المويس فقط، بل يكفر كل من تبكر بقبة أبي طالب

__________

(1) السحب الوابلة على أضرحة الحنابلة، لابن حميد المكي ص:969.

(2) مصباح الأنام وجلاء الظلام في رد شبه البدعي النجدي التي أضل بها العوام، ص 60.

(3) دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص 30.

(4) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 116)

كلكم كفرة (161)

التي هدمها الوهابية، وتصوروا أنهم بهدمها هدموا اللات والعزى.

وهكذا صرح مرة أخرى، فقال: (إذا عرف ما فعل المويس وأمثاله، مع قبة الكواز وأهلها، وما فعله هو، وابن إسماعيل، وابن ربيعة، وعلماء نجد في مكة سنة الحبس، مع أهل قبة أبي طالب، وإفتائهم بقتل من أنكر ذلك، وأن قتلهم وأخذ أموالهم، قربة إلى الله، وأن الحرم الذي يحرم اليهودي، والنصراني، لا يحرمهم ثم تفكر في الأحياء الذين صالوا معهم، هل تابوا من فعلهم ذلك وأسلموا، وعرفوا أن عشر معشار ما فعلوه ردة عن الإسلام، بإجماع المذاهب كلها) (1)

وهو يقصد هنا فتاوى العلماء من غير الوهابية للبلاد التي يسكنون فيها بالدفاع عن أنفسهم وبلادهم وآثارهم من هجمات الوهابيين، والتي اعتبرها ابن عبد الوهاب ردة، بل اعتبر أنه يكفي عشر ما فعلوه ليتهموا بالردة.. فكفرهم ـ كما يصرح ـ مضاعف.

وقد قال في بيان ذلك في موضع آخر: (فإذا أردت مصداق هذا، فتأمل باب حكم المرتد في كل كتاب، وفي كل مذهب، وتأمل ما ذكروه في الأمور التي تجعل المسلم مرتدا يحل دمه وماله؛ منها: من جعل بينه وبين الله وسائط، كيف حكى الإجماع في الإقناع على ردته؛ ثم تأمل ما ذكروه في سائر الكتب. فإن عرفت أن في المسألة خلافا، ولو في بعض المذاهب، فنبهني؛ وإن صح عندك الإجماع على تكفير من فعل هذا، أو رضيه، أو جادل فيه، فهذه خطوط المويس، وابن إسماعيل، وأحمد بن يحيى، عندنا، في إنكار هذا الدين، والبراءة منه، ومن أهله؛ وهم الآن مجتهدون في صد الناس عنه) (2)، فقد اعتبر مجرد ردود العلماء على الوهابية، وإنكارهم لتكفيرهم للأمة إنكارا للدين نفسه.

وهكذا ذكر الدكتور عبد الله العثيمين في تحليله لرسائل ابن عبد الوهاب الشخصية،

__________

(1) الدرر السنية (10/ 123)

(2) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 62)

كلكم كفرة (162)

أن العلماء الذين واجهوه وانتقدوه كانوا كلهم محل طعن منه بسبب هذا الموقف، فقال (واضح من رسائل الشيخ (الشخصية) أن دعوته لقيت معارضة شديدة من قبل بعض علماء نجد، فالمتتبع لها يلاحظ أن أكثر من عشرين عالماً أو طالب علم وقفوا ضدها في وقت من الأوقات، ويأتي في مقدمة هؤلاء المعارضين عبد الله المويس من حرمة، وسليمان بن سحيم من الرياض، ويستفاد من هذه الرسائل أن معارضي الشيخ من النجديين كانوا مختلفي المواقف، فمنهم من عارضه واستمر في معارضته مثل المويس، ومنهم من كان يعترف في بداية الأمر بأن ما جاء به الشيخ أو بعضه حق، لكنه غيّر موقفه مع مرور الزمن مثل ابن سحيم، ومنهم – أيضاً – من كان متأرجحاً في تأييده ومعارضته مثل عبد الله بن عيسى) (1)

ونحب أن نذكر هنا كما ذكرنا سابقا أن هذا العلامة الجليل الذين ناله سيف التكفير السلفي لم يكن من الهند أو من مصر، بل كان من علماء نجد التي كان ينتشر فيها المذهب الحنبلي، والذي لم يرحمه السلفية كما لم يرحموا سائر المذاهب، فقد ورد في ترجمته في كتاب [علماء نجد للبسام]: (عبد الله بن عيسى الشهير بالمويسي -تصغير موسى- ولد في بلدة حرمة من إحدى بلدان سدير في نجد، ونشأ فيها وقرأ على مشايخ نجد، ثم ارتحل إلى دمشق للأخذ عن علمائها فأخذ عنهم، ومن أشهرهم العلامة محمد السفاريني المشهور.. وجد واجتهد حتى مهر في الفقه ثم عاد إلى وطنه.. والمترجم بعد عودته من دمشق جلس في بلاده يفتي ويدرس وصار معتمد أهل بلده، ثم ولي قضاء بلدة حرمة إحدى بلدان سدير، فمكث في قضائها حتى توفي فيها سنة 1175 هـ) (1)

ولا زال السلفية إلى اليوم يصرون على تكفير هذا العلم الجليل مع أن أقواله وآراءه التي كفر على أساسها لا تختلف عن سائر أقوال وآراء كل العلماء من المذاهب الأربعة

__________

(1) علماء نجد للبسام 4/ 364.

كلكم كفرة (163)

وغيرهم.. فكيف بعد ذلك يذكرون أنهم لا يكفرون.. وهل يصح أن يكفر شخص لسبب، ثم يعفى عن آخر يرتكب نفس السبب؟.. وهل هذا الأمر دين، أم أنه مزاج شخصي، فيكفرون من شاءوا، متى شاءوا، ويسكتون على من شاءوا متى شاءوا؟

ومن الأمثلة على ذلك قول الشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف، وهو عندهم من المعتدلين، بل من المميعين للمنهج السلفي ـ كما يذكرون ـ فقد قال في كتابه الذي خصصه للدفاع عن ابن عبد الوهاب: (ومن أشد خصوم هذه الدعوة وأكثرهم عناداً ومناهضة، عبد الله بن عيسى المويس (ت 1175 هـ)، ومعاداته وخصومته ظاهرة جلية - من خلال رسائل الشيخ.. يقول ابن حميد في (السحب الوابلة) (وكان ممن أنكر على ابن عبد الوهاب وعلى أتباعه في ابتداء دعوتهم) (1)

وهذا تبرير عجيب، فهل أصبحت كتابة الكتب والرسائل التي تنتصر لعامة المسلمين، وتبين أن ما هم فيه ليس شركا، تهمة تصل بصاحبها إلى الشرك والردة.. فما دام الأمر كذلك، فلم يتوقف هذا الكاتب نفسه عن تكفير من عداه من العلماء، وقد وقعوا في نفس ما وقع فيه.. ولكن التقية تدعوهم إلى ذلك، وإلا فإنهم في قرارة نفوسهم وفي بطون كتبهم وفي خطبهم ودروسهم ومقرراتهم ليسوا سوى مكفرة لكل الأمة من دون اسثناء..

ومن الأعلام الذين نص ابن عبد الوهاب على تكفيره لهم الشيخ محمد بن عبد الرحمن بن عفالق (ت 1164 هـ)، وقد كان من كبار العلماء في ذلك الوقت، وكان ماهرا ـ كما يذكر مترجموه ـ (في الفقه والأصول والعربية وعلم الحساب والهيئة وتوابعها، واشتهر بتحقيق علم الفلك وتدقيقه في عصره فما بعده، وألف فيه التآليف البديعة.. وكان عالما عاملا فاضلا كاملا محققا ماهرا) (2)

__________

(1) دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص 32.

(2) السحب الوابلة على أضرحة الحنابلة، ص:927.

كلكم كفرة (164)

وسبب تكفيره له كما يذكر السلفية المعاصرون ـ في دفاعهم عن ابن عبد الوهاب ـ هو (رسالة وجهها إلى الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وكان عنوانها (تهكم المقلدين في مدعي تجديد الدين)، وقد تضمنت هذه الرسالة أسئلة تعجيزية تهكمية، وبأسلوب يحمل طابع التحدي والغرور، وقد قصد بها ابن عفالق الطعن والتوهين في محمد بن عبد الوهاب، والنيل منه والاستخفاف به - كما هو ظاهر في هذه الرسالة -، كما أن هذه الأسئلة – من خلال الاطلاع عليها - ليست وكذا الجواب عليها من أصول العلم وواجباته، بل أقرب ما تكون إلى فضول العلم وترفه.. ومن هذه الأسئلة – المترفة – التي وجهها ابن عفالق إلى الشيخ لكي يجيب عليها، قول ابن عفالق: (وبعد فأسألك عن قوله تعالى: {والعاديات... C إلى آخر السورة هي من قصار المفصل كم فيها من حقيقة شرعية وحقيقة لغوية وحقيقة عرفية، وكم فيها من مجاز مرسل ومجاز مركب، واستعارة تحقيقية، واستعارة وثاقية واستعارة عنادية واستعارة عامية واستعارة خاصية واستعارة أصلية واستعارة تبعية واستعارة مطلقة واستعارة مجردة واستعارة مرشحة وموضع الترشيح والتجريد فيها وموضع الاستعارة بالكناية والاستعارة التخيلية وما فيها من التشبيه الملفوف والمفروق والمفرد والمركب والتشبيه المجمل والمفصل. إلى آخر هذه الأسئلة)، كما ألفّ ابن عفالق رسالة وجهها إلى عثمان بن معمر أمير العيينة يشككه في دعوة الشيخ، ويطعن فيها حتى يتخلى عثمان عن نصرتها – في بادئ الأمر -، وادعى ابن عفالق أن ابن عبد الوهاب خالف ابن تيمية وابن القيم في مسائل التوحيد، وقد كتب ابن معمر رداً على رسالة ابن عفالق يذكر موافقته لدعوة الشيخ، مما جعل ابن عفالق يكتب جواباً عن رسالة ابن معمر وقد شنّع في هذا الجواب على الشيخ الإمام وابن معمر، ورماهما بتكفير المسلمين وتضليلهم، ويظهر من هذه الرسالة إلحاح ابن عفالق في إقناع ابن معمر بترك نصرة الشيخ) (1)

__________

(1) دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص 30.

كلكم كفرة (165)

وقد أثارت كل هذه التحديات ابن عبد الوهاب الذي كفره في مواضع من رسائله، ومنها قوله فيه: (فأما ابن عبد اللطيف، وابن عفالق، وابن مطلق، فحشو بالزبيل أعني: سبابة التوحيد، واستحلال دم من صدق به، أو أنكر الشرك) (1)

وهكذا نرى ابن عبد الوهاب يكفر علما آخر لا يقل عن العلمين السابقين، وهو من نجد أيضا، وقد أخذته الغيرة على أعراض المسلمين التي أصبحت منتهكة بسبب أحكام ابن عبد الوهاب وعصابته عليهم، وهو سليمان بن سحيم (ت 1181 هـ)، والذي ذكره الشيخ عبد العزيز بن محمد بن علي العبد اللطيف ـ السلفي المعتدل ـ أثناء تبريره لجرائم ابن عبد الوهاب، فقال: (سليمان بن سحيم.. عداوته ظاهرة وواضحة كما في الرسائل الشخصية للشيخ الإمام أثناء الرد على مفترياته.. وقد كانت رسالته المملوءة بالأكاذيب والشبهات ضد الدعوة السلفية، من أشد الوسائل تشويهاً للدعوة، وأشنعها تحريفاً وتزويراً لمبادئ هذه الدعوة ولأتباعها، حيث أن هذا الخصم قد بعث بتلك الرسالة إلى سائر علماء الأقطار والأمصار يستحثهم ويحرضهم ضد مجدد هذه الدعوة، ولقد كان لها آثارها وأصداءها السيئة ضد الدعوة ومجددها) (2)

فهذا الموقف النقدي الطبيعي من ابن سحيم جعل ابن عبد الوهاب يشن حملة شديدة عليه، كما جعل خلفه من السلفية المعاصرين يعتبرونه مثل أبي لهب وأبي جهل، لأنهم يعتبرون ابن عبد الوهاب هو الرسول بعد الرسول، فحكم من خالفه كحكم من خالف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم نفسه.

ومن الأمثلة على تلك الحملة ما ورد في الدرر السنية تحت عنوان: [رد ما صنفه ابن

__________

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 78)

(2) دعاوى المناوئين لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عرض ونقض، ص 32..

كلكم كفرة (166)

سحيم من الكفر والسب والتهورات] (1)، وهو نص طويل ننقله ببعض التصرف لنتبين مظان التكفير الوهابي، ونرى مدى انطباقها بعد ذلك على سائر علماء الأمة.

وقد بدأ ابن عبد الوهاب تكفيره للشيخ بقوله: (يعلم من يقف عليه: أني وقفت على أوراق، بخط ولد ابن سحيم، صنفها يريد أن يصد بها الناس عن دين الإسلام، وشهادة أن لا إله إلا الله، فأردت أن أنبه على ما فيها، من الكفر الصريح، وسب دين الإسلام، وما فيها من الجهالة التي يعرفها العامة) (2)

فقد اعتبر ابن عبد الوهاب ردود الشيخ عليه ونقده له ردودا على دين الإسلام وعلى شهادة أن لا إله إلا الله، مع أن الشيخ ابن سحيم علم من أعلام المسلمين، وصاحب مؤلفات ومصنفات، ومع ذلك صار عنده من المحاربين للإسلام، ولشهادة التوحيد.

ثم أخذ ابن عبد الوهاب يذكر المبررات التي جعلته يتناوله بسيف تكفيره، فقال: (الأول: أنه صنف الأوراق يسبنا، ويرد علينا في تكفير كل من قال لا إله إلا الله، وهذا عمدة ما يشبه به على الجهال وعقولها؛ فصار في أوراقه يقول: أما من قال لا إله إلا الله لا يكفر ومن أم القبلة لا يكفر، فإذا ذكرنا لهم الآيات التي فيها كفره وكفر أبيه، وكفر الطواغيت، يقول: نزلت في النصارى، نزلت في الفلاني.. الثاني: أنه ذكر في أوراقه، أنه لا يجوز الخروج عن كلام العلماء، وصادق في ذلك؛ ثم ذكر فيها كفر القدرية، والعلماء لا يكفرونهم، فكفر ناسا لم يكفروا، وأنكر علينا تكفير أهل الشرك.. الثالث: أنه ذكر معنى التوحيد: أن تصرف جميع العبادات، من الأقوال والأفعال لله وحده، لا يجعل فيها شيء، لا لملك مقرب، ولا نبي مرسل؛ وهذا حق. ثم يرجع يكذب نفسه، ويقول: إن دعاء شمسان وأمثاله في الشدائد، والنذر لهم، ليبرؤوا المريض، ويفرجوا عن المكروب، الذي لم يصل إليه

__________

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 46)

(2) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 46)

كلكم كفرة (167)

عبدة الأوثان، بل يخلصون في الشدائد لله، ويجعل هذا ليس من الشرك، ويستدل على كفره الباطل، بالحديث الذي فيه: (إن الشيطان يئس أن يعبد في جزيرة العرب).. الرابع: أنه قسم التوحيد إلى نوعين، توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية؛ ويقول: إن الشيخ بين ذلك؛ ثم يرجع يرد علينا في تكفير طالب الحمضي، وأمثاله، الذين يشركون بالله في توحيد الربوبية، وتوحيد الألوهية، ويزعمون أن حسينا، وإدريس، ينفعون ويضرون، وهذه الربوبية؛ ويزعم أنهم ينخون ويندبون، وهذا توحيد الألوهية.. الخامس: أنه ذكر في {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} أنها كافية في التوحيد؛ فوحد نفسه في الأفعال، فلا خالق إلا الله، وفي الألوهية، فلا يعبد إلا إياه، وبالأمر والنهي، فلا حكم إلا لله؛ فيقرر هذه الأنواع الثلاثة، ثم يكفر بها كلها، ويرد علينا؛ فإذا كفّرنا من قال: إن عبد القادر، والأولياء، ينفعون ويضرون، قال: كفّرتم أهل الإسلام، وإذا كفّرنا من يدعو شمسان، وتاجا، وحطابا، قال: كفرتم أهل الإسلام؛ والعجب: أنه يقول: إن من التوحيد توحيد الله بالأمر والنهي، فلا حكم إلا لله، ثم يرد علينا إذا عملنا بحكم الله، ويقول: من عمل بالقرآن كفر، والقرآن ما يفسر.. السادس: أنه ينهى عن تفسير القرآن، ويقول: ما يعرف، ثم يرجع يفسره في تصنيفه، ويقول: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ} فيها كفاية، فلما فسرها كفر بها.. السابع: أنه ذكر أن التوحيد له تعلق بالصفات، وتعلق بالذات؛ وقبل ذلك قد كتب إلينا: أن التوحيد في ثلاث كلمات: إن الله ليس على شيء، وليس في شيء، ولا من شيء؛ فتارة يذكر: أن التوحيد إثبات الصفات، وتارة يذكر ذلك، ويقول: التوحيد نفي الصفات.. الثامن: أنه ذكر آيات في الأمر بالتوحيد، وآيات في النهي عن الشرك، ثم قال: المراد بهذا الشرك، في هذه الآيات والأحاديث. الشرك الجلي، كشرك عباد الشمس، لا على العموم، كما يتوهمه بعض الجهال، فصرح: بأن مراد الله، ومراد النبي صلى الله عليه وآله وسلم لا يدخل فيه إلا عبادة الأوثان، وأن الشرك الأصغر لا يدخل فيه، ويسمى الذين أدخلوه فيه الجهال، ثم في آخر الصفح بعينه، قال: وقد يطلق الشرك بعبارات أخر؛ وكل

كلكم كفرة (168)

ذلك في قوله: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}؛ فرد علينا في أول الصفح، وكذب على الله ورسوله، في أن معنى ذلك بعض الشرك، ثم رجع يقرر ما أنكره، ويقول: إن الشرك الأكبر والأصغر، داخل في قوله: {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.. التاسع: أنه ذكر أن الشرك أربعة أنواع: شرك الألوهية، وشرك الربوبية، وشرك العبادة، وشرك الملك؛ وهذا كلام من لا يفهم ما يقول، فإن شرك العبادة هو شرك الإلهية، وشرك الربوبية هو شرك الملك.. العاشر: أنه قال في مسألة الذبح والنذر، ومن قال: إن النذر والذبح عبادة، فهو منه دليل على الجهل، لأن العبادة ما أمر به شرعا، من غير اطراد عرفي، ولا اقتضاء عقلي؛ لكن البهيم لا يفهم معنى العبادة، فاستدل على النفي بدليل الإثبات..) (1)

إلى آخر المبررات، والتي يعتبرها جميعا نواقض للإيمان، مع كونها قضايا فرعية خلافية بسيطة، ولكن بحكم مستواه العلمي المحدود، وبحكم تعلقه الشديد بابن تيمية صار يعتبرها ضرورات لا ينكرها إلا كافر.

ونحن نطلب من القارئ الكريم أن يتذكر هذه الرسالة جيدا، حتى لا يطالبنا كل حين بذكر كلام السلفية في أي علم من الأعلام نذكر تكفيرهم له.. لأن ابن عبد الوهاب أو السلفية لم يتعرضوا بالتعيين إلا لمن واجههم، أو انتقدهم، أما من عداهم من العلماء في الأزمنة القديمة، أو في الأماكن البعيدة، فإنهم اكتفوا بتكفيرهم تكفيرا مطلقا لا عينينا.

وقد ذكرنا سابقا أن التكفير المطلق كاف لكل عاقل، لأن كل من كفر لسبب من الأسباب، فسيشمل ذلك كل من وقع في ذلك السبب.

ثانيا ـ التكفير المعين

بناء على ما سبق من تصريحات أعلام السلفية المتقدمين والمتأخرين بتكفير كل من

__________

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 47)

كلكم كفرة (169)

يقع في أحد المكفرات العقدية أو الفقهية التي فصلناها في المبحث السابق، فإننا نحاول هنا أن ننظر في مدى انطباق تلك التكفيرات على المدارس الفقهية الكبرى في الأمة، من المدرسة الحنفية والمالكية والشافعية والحنبلية.

وقبل ذلك نحب أن نذكر هنا تصريحات ونصوصا من علم كبير من أعلام السلفية، ومن أحفاد الشيخ محمد بن عبد الوهاب، تبين وجوب تكفير كل من انطبقت عليه المكفرات بأنواعها المختلفة، وعدم جواز التوقف في ذلك.

وعنوان الرسالة هو [تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة] وهي من تأليف الشيخ المحدث الأصولي: إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ.

وهي من جملة رسائل وكتب كثيرة ألفت في الموضوع، لتبرر ما فعله ابن عبد الوهاب من تكفيره للمسلمين وحربه لهم، ومنها [مفيد المستفيد في كفر تارك التوحيد] للشيخ محمد بن عبد الوهاب، و[رسالة الانتصار لحزب الله الموحدين والرد على المجادل عن المشركين] للشيخ عبد الله بن عبد الرحمن أبابطين.

وقد ذكر الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ دوافعه لتأليفه الرسالة، فقال: (بلغنا وسمعنا من فريق يدعى العلم والدين وممن هو بزعمه مؤتم بالشيخ محمد بن عبد الوهاب إن من أشرك بالله وعبد الأوثان لا يطلق عليه الكفر والشرك بعينه، وذلك أن بعض من شافهني منهم بذلك سمع من بعض الإخوان أنه أطلق الشرك والكفر على رجل دعا النبي صلى الله عليه وآله وسلم واستغاث به، فقال له الرجل: لا تطلق عليه الكفر حتى تعرفه، وكان هذا وأجناسه لا يعبأون بمخالطة المشركين في الأسفار وفي ديارهم، بل يطلبون العلم على من هو أكفر الناس من علماء المشركين [وهو أيضاً من الجهمية من علماء مكة (1)] وكانوا قد لفقوا لهم شبهات على دعواهم يأتي بعضها في أثناء الرسالة ـ إن شاء الله تعالى ـ وقد غروا بها

__________

(1) يقصد الأشاعرة وهذا يدل على أن الوهابية يطلقون على الأشاعرة جهمية.

كلكم كفرة (170)

بعض الرعاع من أتباعهم ومن لا معرفة عنده ومن لا يعرف حالهم ولا فرق عنده ولا فهم. متحيزون عن الإخوان بأجسامهم وعن المشايخ بقلوبهم ومداهنون لهم وقد استَوحشوا واستُوحِش منهم بما أظهروه من الشبه وبما ظهر عليهم من الكآبة بمخالطة الفسقة والمشركين وعند التحقيق لا يكفرون المشرك إلا بالعموم وفيما بينهم يتورعون عن ذلك ثم دبت بدعتهم وشبهتهم حتى راجت على من هو من خواص الإخوان) (1)

وتحليل هذا النص وحده كاف في الدلالة على تكفير السلفية للأمة جميعا.. فهذا العلم الكبير من أعلام السلفية يصف علماء مكة بالجهمية الكفار.. ويصف عوام الناس من غيرهم بالمشركين.. بل يتهم حتى الموالين لهم بالتذبذب بين الإيمان والكفر بسبب نقص ولائهم وترددهم في تكفير المسلمين بأعيانهم.

ثم ذكر سبب ذلك، فقال: (وذلك والله أعلم بسبب ترك كتب الأصول وعدم الاعتناء بها وعدم الخوف من الزيغ رغبوا عن رسائل الشيخ محمد بن عبد الوهاب - قدس الله روحه - ورسائل بنيه فإنها كفيلة بتبيين جميع هذه الشبه جداً كما سيمر) (2)

وقد أشرنا سابقا إلى ما تحويه تلك الكتب من تكفير مطلق ومعين لكل الناس، وحتى الموالين الذين يترددون حكموا عليهم بالكفر.

ثم بين أن إطلاق الكفر على أوصاف معينة كاف بمفرده للتعيين من دون حاجة لتسمية كل شخص، فقال: (أش ومن له أدنى معرفة إذا رأى حال الناس اليوم ونظر إلى اعتقاد المشايخ المذكورين تحير جداً ولا حول ولا قوة إلا بالله وذلك أن بعض من أشرنا إليه بحثته عن هذه المسألة فقال: نقول لأهل هذه القباب الذين يعبدونها ومن فيها فعلك هذا شرك وليس هو بمشرك، فانظر ترى واحمد ربك واسأله العافية، فإن هذا الجواب من بعض أجوبة

__________

(1) تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، ص 11.

(2) تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، ص 11.

كلكم كفرة (171)

العراقي [يقصد داود بن جرجيس الذي رد عليه الشيخ عبد اللطيف في كتابه منهاج التأسيس والتقديس في كشف شبهات داود بن جرجيس] التي يرد عليها الشيخ عبد اللطيف وذكر الذي حدثني عن هذا أنه سأله بعض الطلبة عن ذلك وعن مستدلهم فقال نكفر النوع ولا نعين الشخص إلا بعد التعريف ومستندنا ما رأيناه في بعض رسائل الشيخ محمد - قدس الله روحه - على أنه امتنع من تكفير من عبد قبة الكواز وعبد القادر من الجهال لعدم من ينبهه، فانظر ترى العجب ثم اسأل الله العافية وأن يعافيك من الحور بعد الكور، وما أشبههم بالحكاية المشهورة عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب أنه ذات يوم يقرر على أصل الدين ويبين ما فيه ورجل من جلسائه لا يسأل ولا يتعجب ولا يبحث حتى جاء بعض الكلمات التي فيها ما فيها فقال الرجل ما هذه كيف ذلك فقال الشيخ قاتلك الله ذهب حديثنا منذ اليوم لم تفهم ولم تسأل عنه فلما جاءت هذه السقطة عرفتها أنت مثل الذباب لا يقع إلا على القذر أو كما قال) (1)

ثم أخذ يرد على هذه الشبهة، ويقرر أن التعيين واجب وضرورة، ولا يصح أن يراعى فيه أحد، فقال: (ومما هو معلوم بالإضطرار من دين الإسلام أن المرجع في مسائل أصول الدين إلى الكتاب والسنة وإجماع الأمة المعتبر وهو ما كان عليه الصحابة وليس المرجع إلى عالم بعينه في ذلك فمن تقرر عنده الأصل تقريراً لا يدفعه شبهة وأخذ بشراشير قلبه هان عليه ما قد يراه من الكلام المشتبه في بعض مصنفات أئمته إذ لا معصوم إلا النبي) (2)

ثم بين محل المسألة من الدين، فقال: (ومسألتنا هذه وهي عبادة الله وحده لا شريك له والبراءة من عبادة ما سواه وأن من عبد مع الله غيره فقد أشرك الشرك الأكبر الذي ينقل

__________

(1) تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، ص 18.

(2) تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، ص 19.

كلكم كفرة (172)

عن الملة هي أصل الأصول وبها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب وقامت على الناس الحجة بالرسول وبالقرآن وهكذا تجد الجواب من أئمة الدين في ذلك الأصل عند تكفير من أشرك بالله فإنه يستتاب فإن تاب وإلاّ قتل لا يذكرون التعريف في مسائل الأصول إنما يذكرون التعريف في المسائل الخفية التي قد يخفى دليلها على بعض المسلمين كمسائل نازع بها بعض أهل البدع كالقدرية والمرجئة أو في مسألة خفية كالصرف والعطف وكيف يعرفون عباد القبور، وهم ليسوا بمسلمين، ولا يدخلون في مسمى الإسلام، وهل يبقى مع الشرك عمل) (1)

وهكذا فإن الشروط التي يصورها بعض السلفية من باب التمويه والاحتيال على نفي التكفير، لا علاقة لها بهذا، فمجرد الوقوع عندهم في الشرك أو في نواقض العقيدة كفر، وصاحبها كافر، ويستتاب من غير تعريف ولا إقامة حجة.. وإلا قتل.

هذا في حق عوام الناس، فكيف بالعلماء الذين عرفوا وتبينوا، بل فيهم من قرأ كتب ابن تيمية وابن عبد الوهاب ورد عليها.. فهم عند السلفية أولى بالتكفير.. بل يعتبرونهم أشد كفرا وعنادا.

وقد نقل الشيخ إسحاق بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في رسالته التكفيرية من كلام ابن عبد الوهاب ما يبرهن له على هذا بكل صراحة ووضوح، فقد ورد فيها: (.. فقد وصل مكتوبك تقرر المسألة التي ذكرت وتذكر أن عليك إشكالاً تطلب إزالته، ثم ورد منك رسالة تذكر أنك عثرت على كلام للشيخ أزال عنك الإشكال فنسأل الله أن يهديك لدين الإسلام على أي شيء يدل كلامه أن من عبد الأوثان أكبر من عبادة اللات والعزى وسب دين الرسول بعد ما شهد به مثل سب أبي جهل أنه لا يكفر بعينه، بل العبارة صريحة واضحة في تكفير مثل ابن فيروز وصالح بن عبد الله وأمثالهما كفراً ظاهراً ينقل عن الملة

__________

(1) تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، ص 20.

كلكم كفرة (173)

فضلاً عن عن غيرهما، هذا صريح واضح، ففي كلام ابن القيم الذي ذكرت وفي كلام الشيخ الذي أزال عنك الإشكال في كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف وأمثاله ودعاهم في الشدائد والرخاء وسب دين الرسول بعدما أقر به ودان بعبادة الأوثان بعدما أقر بها وليس في كلامي هذا مجازفة بل أنت تشهد به عليهم) (1)

ثم أخذ ابن عبد الوهاب ـ كعادة السلفية في نشر أفكارهم ـ يحذر محدثه من التورع عن التكفير، حتى لا يقع هو نفسه في الكفر، لأن من لم يكفر الكافر كافر، فقال: (وأنا أخاف عليك من قوله تعالى: {ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَفْقَهُونَ} [المنافقون: 3]، والشبهة التي دخلت عليك هذه البضّيعة التي في يدك تخاف أن تضيع أنت وعيالك إذا تركت بلد المشركين وشاك في رزق الله وأيضاً قرناء السوء [أضلوك كما هي عادتهم] وأنت والعياذ بالله تنزل درجةً درجة أول مرة في الشك وبلد الشرك وموالاتهم والصلاة خلفهم) (2)

وقد علق الشيخ إسحق حفيد ابن عبد الوهاب على هذه الرسالة التكفيرية الخطيرة بقوله: (فتأمل قوله في تكفير هؤلاء العلماء وفي كفر من عبد الوثن الذي على قبر يوسف، وأنه صريح في كلام ابن القيم وفي حكايته عن صاحب الرسالة وحكم عليه بآية المنافقين، وأن هذا حكم عام، وكذلك تأمل اليوم حال كثير ممن ينتسب إلى الدين والعلم من أهل نجد يذهب إلى بلاد المشركين ويقيم عندهم مدة يطلب العلم منهم ويجالسهم ثم إذا قدم على المسلمين وقيل له اتق الله وتب إلى ربك من ذلك استهزأ بمن يقول له ذلك، ويقول أتوب من طلب العلم ثم يظهر من أفعاله وأقواله ما ينبئ عن سوء معتقده وزيفه ولا عجب من ذلك لأنه عصى الله ورسوله بمخالطة المشركين فعوقب، ولكن العجب من أهل الدين

__________

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 63)

(2) الدرر السنية في الأجوبة النجدية (10/ 64)

كلكم كفرة (174)

والتوحيد لانبساطهم مع هذا الجنس الذين أرادوا أن يقرنوا بين المشركين والموحدين، وقد فرق الله بينهم في كتابه وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم) (1)

ثم رد على الشبهة التي تعلق بها من يتوقف عن التكفير، والتي يستدل بها عادة أصحاب التقية من السلفية لينفوا عن أنفسهم تهمة التكفير، فقال: (وأما عبارة شيخ الإسلام ابن تيمية التي لبسوا بها عليك فهي أغلظ من هذا كله ولو نقول بها لكفرنا كثيراً من المشاهير بأعيانهم فإنه صرح فيها بأن المعين لا يكفر إلا إذا قامت عليه الحجة، فإذا كان المعين يكفر إذا قامت عليه الحجة فمن المعلوم أن قيامها ليس معناه أن يفهم كلام الله ورسوله مثل فهم أبي بكر الصديق بل إذا بلغه كلام الله ورسوله وخلا عن ما يعذر به فهو كافر كما كان الكفار كلهم تقوم عليهم الحجة بالقرآن مع قول الله تعالى: {إِنَّا جَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ} [الكهف: 57] وقوله: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ} [الأنفال: 22]) (2)

وربما يتوهم البعض أن في العذر الذي ذكره ما ينفي عن السلفية التكفير، وردا عليه نورد ما قال صاحب الرسالة نفسها، فقد اعتبر العذر في (الجنون وعدم البلوغ أو عدم القدرة على البحث أو كان ممن لا يفهم مدلول الخطاب ولم يحضر ترجمان يترجم له وهو المراد بقول ابن القيم (ومقلد لم يتمكن من العلم) وبقول الشيخ عبداللطيف: (إذا تمكنوا من طلب العلم ومعرفته وتأهلوا لذلك)

وبذلك فإنه لا عذر للأمة جميعا بهذا الاعتبار إلا صبيانها ومجانينها.. أما من عداهم، فحكمهم حكم من يتبعونهم من العلماء، وهو الكفر والشرك، كما كفر ابن فيروز وغيره، وكفر معهم قومهم.

__________

(1) تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، ص 25.

(2) تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، ص 26.

كلكم كفرة (175)

وحتى الصبيان، فإنهم عند السلفية في خطر، فقد سئل أبناء الشيخ محمد بن عبد الوهاب عبدالله وحسين عن حكم من مات قبل ظهور دعوة الشيخ ابن عبد الوهاب، فأجابوا: (من مات من أهل الشرك قبل بلوغ هذه الدعوة فالذي يحكم عليه أنه إذا كان معروفاً بفعل الشرك ويدين به، ومات على ذلك فهذا ظاهره أنه مات على الكفر فلا يدعى له ولايضحى له ولايتصدق عنه، وأما حقيقة أمره فإلى الله تعالى فإن قامت عليه الحجة في حياته وعاند فهذا كافر في الظاهر والباطن وإن لم تقم عليه الحجة في حياته فأمره إلى الله) (1)

وحتى نبين أن هذا التكفير الجماعي للمسلمين ليس وليد فكر ابن عبد الوهاب وتلاميذه فقط، بل هو وليد كل التراث السلفي وخصوصا ابن تيمية، الذي نقل عنه الشيخ إسحق حفيد ابن عبد الوهاب هذا النص من مجموع الفتاوى: (وهذا إذا كان في المقالات الخفية فقد يقال إنه مخطئ ضال لم تقم عليه الحجة التي يكفر تاركها لكن يقع في طوائف منهم في الأمور الظاهرة التي يعلم المشركون واليهود والنصارى أن محمداً بعث بها وكفر من خالفها مثل أمره بعبادة الله وحده لا شريك له ونهيه عن عبادة أحد سواه من النبيين والملائكة وغيرهم فإن هذا أظهر شعائر الإسلام ثم تجد كثيراً من رؤساءهم وقعوا في هذه الأنواع فكانوا مرتدين وكثير تارة يرتد عن الإسلام ردة صريحة- إلى أن قال- وأبلغ من ذلك أن منهم من صنف في الردة كما صنف الرازي في عبادة الكواكب وهذه ردة عن الإسلام باتفاق المسلمين) (2)

وقد علق عليه الشيخ إسحاق بقوله: (هذا لفظه بحروفه فتأمل كلامه في التفرقة بين المقالات الخفية وبين ما نحن فيه في كفر المعين، وتأمل تكفيره رؤساءهم فلاناً وفلاناً بأعيانهم وردتهم ردة صريحة، وتأمل تصريحه بحكاية الإجماع على ردة الفخر الرازي عن

__________

(1) الدرر السنية: (10/ 142)، والرد على جريدة القبلة للشيخ سليمان بن سحمان: ص (20، 21)

(2) مجموع الفتاوى 4/ 54 – 18/ 54

كلكم كفرة (176)

الإسلام مع كونه من أكابر أئمة الشافعية هل يناسب هذا من كلامه أن المعين لا يكفر ولو دعا عبد القادر في الرخا والشد) (1)

هذه مجرد نصوص قليلة من نصوص كثيرة تؤكد التكفير السلفي للأمة جميعا بعلمائها وعوامها، لا فرق في ذلك بين الإطلاق والتعيين، ومن شك فيما ذكرناه أو تردد فيه، فليعد للرسالة ليرى خطورة ما فيها، وأننا لم نتجن عليه، بل إن في الكثير مما أهملناه أخطر مما ذكرناه.

وسنحاول هنا بناء على ذلك أن نطبق هذه القوانين السلفية على علماء الأمة من أتباع المذاهب الأربعة أسوة بتلك التكفيرات الكثيرة التي نص عليها ابن عبد الوهاب وتلاميذه في حق علماء من المذاهب الإسلامية المختلفة.. وسنرى من خلال ذلك التطبيق أن الكفر في الرؤية السلفية شامل للأمة جميعا ما عدا أنفسهم.. وهم أنفسهم في خطر، لأنه يكفر بعضهم بعضا.

والقاعدة البسيطة التي يمكن من خلالها تطبيق تلك المقولات التكفيرية على أعيان أعلام المذاهب الأربعة هو أنه بعد نشوء المذاهب العقدية، واختيار الحنفية للمدرسة الماتريدية، واختيار المالكية والشافعية وأكثر الحنابلة للمدرسة الأشعرية دخل رافد جديد في التكفير السلفي لأصحاب المذاهب الأربعة، وهو التجهم والتعطيل والقول بخلق القرآن الكريم، أو القول بخلق ألفاظ القرآن الكريم.. وهذه محل اتفاق بين السلفية في كفر المعتقدين بها.. لأن أدنى ما يعتقده هؤلاء جميعا هو نفي الجهة عن الله، وتفويض أو تأويل ما تشابه من النصوص.. ونحو ذلك من العقائد التي لا يشك أحد من السلفية في كفر معتقديها.. بل لا يشكون في كفر من لم يكفرهم، كما رأينا تصريحاتهم الدالة على ذلك سابقا.

وبعد أن وجدت الطرق الصوفية، وصارت العادة جارية في اتباع أصحاب المذاهب

__________

(1) تكفير المعين والفرق بين قيام الحجة وفهم الحجة، ص 28.

كلكم كفرة (177)

لأصحاب الطرق الصوفية دخل رافد جديد في التكفير السلفي لأصحاب المذاهب الأربعة هو التكفير بسبب التصوف، والذي سنراه ونرى غلو السلفية فيه في الفصل الخاص به.

وعندما أدخل ابن عبد الوهاب التوسل والاستغاثة ونحوها في الشرك أضاف لأصحاب المذاهب الأربعة كفرا جديدا، بالإضافة للتكفيرات السابقة.. هو القبورية والوثنية والشرك الأكبر.. وبذلك تحول أصحاب المذاهب الأربعة أكفر من اليهود والنصارى، بل أكفر من مشركي قريش.

وعندما حصل الصراع بين الدولة العثمانية ـ التي كانت تتبنى المذهب الحنفي، وتحترم سائر المذاهب ـ وآل سعود، أضافوا إلى التكفير تكفيرا آخر وهو التكفير بالولاء للدولة الكافرة.. وقد ذكرنا تصريحاتهم الدالة على ذلك سابقا.

وبذلك فإن السلفية ينظرون إلى المذاهب الأربعة، وكأنها خزان من الكفر يتراكم بعضه على بعض، فكل عصر يضيف للتكفير السابق تكفيرا جديدا.

وقد أشار الألباني إلى ذلك جميعا في قوله: (فإن ما أنا فيه من الاشتغال بالمشروع العظيم - تقريب السنة بين يدي الأمة - الذي يشغلني عنه في كثير من الأحيان ردود تنشر في رسائل وكتب ومجلات من بعض أعداء السنة من المتمذهبة والأشاعرة والمتصوفة وغيرهم، ففي هذا الانشغال ما يغنيني عن الرد على المحبين الناشئين، فضلا عن غيره) (1)

فقد اعتبر المتمذهبة بهذا من أعداء السنة مثلهم مثل الأشاعرة والمتصوفة.. وهذا وحده كاف في الدلالة على تكفيرهم للأمة جميعا، لأنه لم يتمذهب بهذه المذاهب غيرهم.

بناء على هذا، سنذكر هنا بعض النماذج من علماء المذاهب الأربعة الكبار، والذين لا يصدق عليهم في المعايير السلفية إلا حكم الكفر على الإطلاق والتعيين، ومن شك في ذلك فسيصبح كافرا بالمنطلق السلفي.

__________

(1) السلسلة الصحيحة (6/ 285)

كلكم كفرة (178)

وبما أن عد ذلك كثير، لأنه يشمل كل علماء المذاهب الأربعة ما عد النزر القليل منهم، فإنا سنقتصر على من وقف منهم موقفا سلبيا من ابن تيمية (1)، لأن الردود على ابن تيمية تشمل اعتباره مجسما أو مشبها وذلك يعني ـ عند السلفية ـ أن الراد جهمي معطل.. أو تكون الردود عليه في موقفه من الصوفية.. وذلك يعني أن الراد صوفي.. أو تكون الردود عليه في موقفه من القبور.. وهذا يعني أن الراد قبوري مشرك وثني.

المدرسة الحنفية

ذكرنا في المبحث السابق ذلك العداء الذي بين السلفية والمدرسة الحنفية من أول نشوئها، فلذلك اتهم سلف السلفية الأوائل أبا حنيفة بالكفر، وبمثل ذلك اتهم سائر تلاميذه، وخاصة أبو يوسف ومحمد بن الحسن، فقد قال قال عمرو بن علي الفلاس: سمعت يحيى القطان، وقال له جار له: حدثنا أبو يوسف، عن أبي حنيفة، عن التيمي، فقال: مرجئ، عن مرجئ، عن مرجئ (2).

وقال نعيم بن حماد: سمعت ابن المبارك، وذكروا عنده أبا يوسف؛ فقال: لا تفسدوا مجلسنا بذكر أبي يوسف (3).

وقال حبان بن موسى: سمعت ابن المبارك، يقول: إني لأستثقل مجلساً فيه ذكر أبي يوسف (4).

وقال المسيب بن واضح: ما سمعت ابن المبارك ذكر أحداً بسوء قط؛ إلا أن رجلاً

__________

(1) استفدنا الكثير من المادة العلمية المرتبطة بالموضوع من كتاب [ابن تيمية وموقف أهل السنة منه]، للشيخ عادل كاظم عبدالله.

(2) تاريخ بغداد 16/ 372.

(3) تاريخ بغداد 16/ 372.

(4) تاريخ بغداد 16/ 372.

كلكم كفرة (179)

قال له: مات أبو يوسف؛ فقال: مسكين يعقوب؛ ما أغنى عنه ما كان فيه (1).

وقال عبدة بن عبدالله الخراساني: قال رجل لابن المبارك: أيما أصدق أبو يوسف، أو محمد؟ قال: لا تقل: أيما أصدق؛ قل: أيما أكذب (2).

وقال زكريا الساجي: يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف صاحب أبي حنيفة؛ مذموم مرجئ (3).

وقال عبدالله بن إدريس: كان أبو حنيفة ضالاً مضلاً. وأبو يوسف فاسق من الفاسقين (4).

وقال محمد بن إسماعيل البخاري: يعقوب بن إبراهيم أبو يوسف القاضي؛ تركوه (5).

وقال إسحاق بن منصور الكوسج: قلت لأحمد بن حنبل: يؤجر الرجل على بغض أبي حنيفة، وأصحابه؟ فقال: إي والله (6).

وقال أبو الطيب طاهر بن عبدالله الطبري: سمعت أبا الحسن الدارقطني سئل عن أبي يوسف القاضي، فقال: أعور بين عميان (7).

وقال محمد بن إسماعيل أبو إسماعيل: سمعت أحمد بن حنبل، وذكر ابتداء محمد بن الحسن؛ فقال: كان يذهب مذهب جهم (8).

__________

(1) تاريخ بغداد 16/ 372.

(2) تاريخ بغداد 16/ 372.

(3) تاريخ بغداد 16/ 372.

(4) تاريخ بغداد 16/ 372.

(5) تاريخ بغداد 16/ 372.

(6) السنة لعبدالله بن أحمد 228.

(7) تاريخ بغداد 16/ 372.

(8) تاريخ بغداد 2/ 561.

كلكم كفرة (180)

وقال أبو زرعة الرازي: كان محمد بن الحسن جهمياً (1).

وقال زكريا الساجي: محمد بن الحسن كان يقول بقول جهم، وكان مرجئاً (2).

وقال يحيى بن معين: كان محمد بن الحسن كذاباً، وكان جهمياً (3).

وهكذا كان الأمر من بعدهم، وخاصة بعد أن صار الحنفية ماتريدية العقائد، فقد كفرهم السلفية حينها بتهمة التجهم والتعطيل.. وبعد أن مال أكثرهم إلى التصوف تحولوا جميعا إلى حلولية وقبورية ومشركين.

ومن العلماء الذين ينطبق عليهم التكفير السلفي لهذه الأسباب وغيرها قاضي القضاة الشيخ شمس الدين أبوالعباس أحمد بن إبراهيم السّروجي الحنفي (المتوفى 710 هـ)، والذي قال فيه مترجموه: (وكان بارعاً في علوم شتى وله اعتراضات على ابن تيمية في علم الكلام) (4)، وقال ابن حجر في ترجمته: (ومن تصانيفه: الرد على ابن تيمية، وهو فيه منصف متأدب صحيح المباحث، وبلغ ذلك ابن تيمية فتصدى للردّ على ردّه) (5)

ورده على ابن تيمية في علم الكلام كاف في تكفيره عند السلفية، لأن القضايا التي انتصر لها ابن تيمية في تصوره قضايا نهائية لا يحق لأحد الجدال فيها.

ومنهم الفقيه أبو الفتح نصر بن سليمان المنبجي الحنفي (المتوفى 719 هـ) الذي قال عنه الذهبي: (الشيخ الإمام القدوة، المقرئ، المحدث، النحوي، الزاهد العابد القانت الرباني، بقية السلف، أبوالفتح نصر بن سليمان بن عمر المنبجي، نزيل القاهرة وشيخها)، وقد ذكره ابن حجر العسقلاني ضمن العلماء الذين عارضوا عقائد ابن تيمية، بل كان من

__________

(1) تاريخ بغداد 2/ 561.

(2) تاريخ بغداد 2/ 561.

(3) تاريخ بغداد 2/ 561.

(4) لنجوم الزاهرة، ابن تغردي بردي، ج 9 ص 213،

(5) رفع الإصر عن قضاة مصر، ابن حجر العسقلاني، ص 42،

كلكم كفرة (181)

أعظم القائمين عليه والمحرضين ضده، وكان يغري به بيبرس الجاشنكير (1).

وقد ذكر ابن عبدالهادي المقدسي أن لابن تيمية رسالة كتبها للشيخ المنبجي وأسماها بالرسالة المصرية (2)، وقد ذكر ابن حجر الرسالة ـ وفيها ما يكفي للدلالة على تكفير السلفية له ـ فقد جاء فيها: (واتفق الشيخ نصر المنبجي كان قد تقدم في الدولة لاعتقاد بيبرس الجاشنكير فيه فبلغه أن ابن تيمية يقع في ابن العربي لأنه كان يعتقد أنه مستقيم، وأن الذي ينسب إليه من الاتحاد أو الإلحاد من قصور فهم من ينكر عليه، فأرسل ينكر عليه وكتب إليه كتاباً طويلاً ونسبه وأصحابه إلى الاتحاد الذي هو حقيقة الإلحاد فعظم ذلك عليهم) (3)

وقد اتهم ابن تيمية تيمية هذا الشيخ الجليل بالإلحاد، قال ابن كثير: (وذلك أن الشيخ تقي الدين بن تيمية كان يتكلم في المنبجي وينسبه إلى اعتقاد ابن عربي)

ومنهم الشيخ أحمد بن عثمان التركماني الجوزجاني الحنفي (المتوفى 744 هـ) الذي كتب رسالة في الردّ على ابن تيمية بعنوان (الأبحاث الجلية في الرد على ابن تيمية)

ومنهم الشيخ أحمد بن عثمان التركماني الجوزجاني الحنفي (المتوفى 744 هـ) الذي كتب رسالة في الردّ على ابن تيمية بعنوان (الأبحاث الجلية في الرد على ابن تيمية) (4)

ومنهم الفقيه الشيخ محمد بن محمد العلاء البخاري الحنفي (المتوفى 841 هـ)، الذي قيل في ترجمته: (كان يُسئل عن مقالات ابن تيمية التي انفرد بها فيجيب بما ظهر له من الخطأ، وينفر عنه قلبه إلى أن استحكم ذلك عليه فصرّح بتبديعه ثم تكفيره، ثم صار يُصرح في مجلسه أن من أطلق على ابن تيمية أنه شيخ الإسلام فهو بهذا الإطلاق كافر واشتهر

__________

(1) الدرر الكامنة، ج 1 ص 147

(2) العقود الدرية، ابن عبدالهادي، ص 56،

(3) الدرر الكامنة، 154

(4) كتاب السلفية الوهابية ص 136..

كلكم كفرة (182)

ذلك..) (1)

ومنهم الفقيه الشيخ الملا علي بن سلطان محمد القاري الهروي الحنفي (المتوفى 1014 هـ) الذي يعده السلفية قبوريا، وقد قال في (شرح كتاب الشفا): (وقد فرّط ابن تيمية من الحنابلة حيث حرّم السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم) (2)

ومنهم الفقيه الشيخ أبو الحسنات محمد عبد الحي اللكنوي الحنفي (المتوفى 1304 هـ)، من علماء الهند، صاحب المصنفات الكثيرة في الفقه والحديث والتراجم ومنها كتاب (إبراز الغي الواقع)، ومما ذكره فيه: (أقول: مسألة زيارة خير الأنام صلى الله عليه وآله وسلم كلام ابن تيمية فيها من أفاحش الكلام، فإنه يحرم السفر لزيارة قبر الرسول صلى الله عليه وآله وسلم ويجعله معصية ويحرم نفس زيارة القبر النبوي أيضاً، ويجعلها غير مقدورة وغير مشروعة وممتنعة، ويحكم على الأحاديث الواردة في الترغيب إليها كلها موضوعة من حسن بعضها، أو لعلمي أن علم ابن تيمية أكثر من عقله، ونظره أكبر من فهمه، وقد شدّدّ عليه بسبب كلامه في هذه المسألة علماء عصره بالنكير، وأوجبوا عليه التعزير) (3)

ومنهم الفقيه المحدث الشيخ محمد زاهد بن حسن الكوثري الحنفي (المتوفى 1371 هـ) الذي ألف السلفية الكتب الكثيرة في تكفيره، وهو من علماء تركيا الكبار وكان وكيل المشيخة الإسلامية بدار الخلافة العثمانية، وهو من كبار المخالفين لابن تيمية وله معه وقفات وردود كثيرة، منها قوله: (ولو قلنا لم يبل الإسلام في الأدوار الأخيرة بمن هو أضر من ابن تيمية في تفريق كلمة المسلمين لما كنا مبالغين في ذلك، وهو سهل متسامح مع اليهود والنصارى يقول عن كتبهم انها لم تحرف تحريفاً لفظياً فاكتسب بذلك إطراء المستشرقين له،

__________

(1) البدر الطالع، ج 2 ص 137..

(2) شرح الشفا، ملا علي القاري، ج 2 ص 152.

(3) سعادة الدارين في الرد على الفرقتين، ابراهيم السمنودي، ج 1 ص 173.

كلكم كفرة (183)

شديد غليظ الحملات على فرق المسلمين لا سيما الشيعة... ولولا شدة ابن تيمية في رده على ابن المطهر في منهاجه إلى أن بلغ به الأمر إلى أن يتعرض لعلي بن أبي طالب كرم الله وجهه على الوجه الذي تراه في أوائل الجزء الثالث منه بطريق يأباه كثير من أقحاح الخوارج مع توهين الأحاديث الجيدة في هذا السبيل) (1)

وقال في الرد على ثناء ابن تيمية على كتاب (النقض على المريسي) للدارمي: (فتباً لابن تيمية وصاحبه ابن القيم حيث كانا يوصيان بكتابه هذا أشد الوصية ويتابعان في كل ما في كتابه كما يظهر من صفحة خاصة منشورة في أول الكتاب، فأصبحا بذلك في صفّ هذا المؤلف المجسم الفاقد العقل، فلا إمام لمن اتخذ هؤلاء أئمة في الأصول أو الفروع، ومن هنا يظهر كل الظهور مبلغ شناعة إتباعهما في شواذهما الفقهية بترك ما عليه أئمة الهدى فنعوذ بالله من الخذلان) (2)

ومن كلامه في ابن تيمية: (وقد سئمت من تتبع مخازي هذا الرجل المسكين الذي ضاعت مواهبه في شتى البدع، وفي تكملتنا على (السيف الصقيل) ما يشفي غلة كل غليل إن شاء الله تعالى في تعقب مخازي ابن تيمية وتلميذه ابن القيم) (3)

ومن السلفية الذين صرحوا بتكفيره الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الحميد حسونة الذي سماه (مجنون أبي حنيفة الجهمي الضال) (4)

ومنهم الشيخ مقبل بن هادي الوادعي الذي قال فيه: (من ضلالات الكوثري عدو السنة وأهلها: (تكفيره للعالم الرباني والصديق الثاني ابن القيم أعلى الله درجته ونقله عن بعض الرافضة قوله: إن الشوكاني يهودي مدسوس على المسلمين) وسكوته عنه، ونقل عن

__________

(1) الإشفاق في أحكام الطلاق، محمد زاهد الكوثري، ص 268.

(2) مقالات الكوثري، محمد زاهد الكوثري، ص 265.

(3) مقالات الكوثري، ص 293.

(4) تسيير سرية من اجتماع الجيوش الإسلامية، ص (39 - 40)

كلكم كفرة (184)

الفخر الرازي أن كتاب التوحيد لابن خزيمة [كتاب الشرك] وسكت.. فهو رجل ضال مضل) (1)

ثم قال: (يعد من أئمة المبتدعين والمعطلة لصفات رب العالمين.. حيث يذهب في صفة العلو مذهب الجهمية المعطلة، وهو نفي علو الله تعالى بذاته على مخلوقاته، ويرى أن الله تعالى لا داخل العالم ولا خارجه ويقول عن السلف: الذين أثبتوا علو الله على خلقه واستواءه على عرشه (لا حظ لهم في الإسلام، غير أن جعلوا صنمهم الأرضي صنماً سماوياً) (2).. ثانياً: صفة الاستواء: تابع الكوثري فيها الجهمية، فعطل صفة الاستواء، وحرف نصوصها، وقال: (وللاستواء في كلام العرب خمس عشرة معنى ما بين حقيقة ومجاز، منها ما يجوز على الله، فيكون معنى الآية، ومنها ما لا يجوز على الله بحال، وهو ما إذا كان الاستواء بمعنى التمكن أو الاستقرار (3).. ثالثاً: صفة النزول: تابع الكوثري فيها الجهمية، فعطل صفة النزول، وحرّف نصوصها إلى نزول الملك (4).. وحرف حديث النزول تحريفاً لفظياً، فذكر لفظ [يُنزل] بضم الأول وهذا عين المناقضة لمذهب أهل السنة والجماعة.. رابعاً: صفة اليدين: يذهب الكوثري في صفة اليدين مذهب الجهمية المعطلة، فقد عطل صفة اليدين، وحرف نصوصها إلى العناية الخاصة بدون توسط (5).. أو المراد من اليد: القدرة (6)، وهذا مناقض لمذهب أهل السنة والجماعة، فقد أثبتوا صفة اليدين كما جاءت بها النصوص، ومن لم يحملها على الحقيقة عندهم فهو معطل.. خامساً: صفة

__________

(1) فضائح ونصائح، ص (266)

(2) تبديدالظلام، ص (35،78)

(3) مقالات الكوثري، ص (294،303)

(4) مقالات الكوثري، (349) وتبديد الظلام، (53،90) وتعليقاته على كتاب الأسماء والصفات، (449 - 450)

(5) تعليقاته على كتاب الأسماء والصفات، (317)

(6) تعليقاته على كتاب الأسماء والصفات، (314)

كلكم كفرة (185)

الكلام: تابع الكوثري الجهمية في تعطيل صفة الكلام والقول بخلق القرآن، وحرف نصوصها إلى الكلام النفسي (1)، بل.. ويعترف الكوثري بأنه ليس بينه وبين المعتزلة خلاف في كون القرآن مخلوقا (2)، كما أنه لا يرى جواز سماع كلام الله تعالى، فلم يسمع منه جبريل؛ لأن كلام الله تعالى ليس بحرف ولا بصوت (3)، وهذا مناقض لمذهب سلف الأمة وأئمتها، الذي يوافق الأدلة العقلية الصريحة، وهو أن القرآن كلام الله، منزل، غير مخلوق، منه بدأ، وإليه يعود فهو -سبحانه- المتكلم بالقرآن والتوراة والإنجيل وغير ذلك من كلامه ليس مخلوقاً منفصلاً عنه بل سبحانه يتكلم بمشيئته وقدرته.. موقفه من توحيد الألوهية: اعتنق الكوثري من مهلكات القبورية، والبدع الشركية، من ذلك: جواز بناء المساجد على القبور: وادعى أنه أمر متوارث كما في مقالاته (4)، وهذا خلاف الأحاديث الصحيحة في النهي عن بناء المساجد على القبور ولعن فاعله.. جواز إيقاد السرج والشموع على القبور.. جواز الصلاة في مسجد جعل على قبر رجل صالح بقصد التبرك بآثاره وإجابة دعائه (5)):

هذه بعض الأسباب التي كفر بها الوادعي الكوثري، وقد نقلناها لنبين انطباقها على أكثر علماء المذاهب الأربعة.

ومن علماء الحنفية الذين يشملهم التكفير السلفي الشيخ أحمد خيري المصري (المتوفى 1387 هـ)، وهو من الذين تتلمذوا على الشيخ محمد زاهد الكوثري بعد هجرته إلى مصر، وبعد وفاة أستاذه كتب كتاباً عن سيرته أسماه (الإمام الكوثري)، وقد قال فيه: (وقد عاش المترجم طول حياته خصماً لابن تيمية ومذهبه، وسرد آراء الأستاذ يخرج

__________

(1) تأنيب الخطيب، (96 - 97)

(2) تعليق الكوثري على كتاب الأسماء والصفات، ص (251)

(3) تعليق الكوثري على كتاب الإنصاف، ص (95)

(4) مقالات الكوثري، ص (156 - 157)

(5) مقالات الكوثري: (156 - 157)

كلكم كفرة (186)

بالترجمة عن القصد، وهي مبسوطة في كثير من تآليفه وتعاليقه، وعلى الرغم من أن لابن تيمية بعض المشايعين الآن بمصر، فإنه سيتبين إن عاجلاً وإن آجلاً، ولو يوم تعرض خفايا الصدور أن ابن تيمية كان من اللاعبين بدين الله، وأنه في جلّ فتاواه كان يتبع هواه وحسبك فساد رأيه في اعتبار السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم سفر معصية لا تقصر فيه الصلاة.) (1)، وهذا النص وحده كاف لإدانته وتكفيره عند السلفية.

ومنهم الشيخ محمد أبو زهرة (المتوفى 1394 هـ)، وله علاقة طيبة جدا بأستاذه الكوثري، وقد أثنى عليه كثيرا، ومما يدينه به السلفية أنه سئل: (.. قال أحد الخطباء على المنبر يوم الجمعة بأن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام كأيامنا هذه وبدأ خلق الأرض يوم الأحد وفرغ من الخلق عصر يوم الجمعة، وخلق الإنسان بعد عصر يوم الجمعة ثم استوى على العرش فهو مستو عليه، ولما سئل عن العرش قال: إنه الكرسي، وهو يوزع رسائل من تأليفه تثبت الجهة لله ويقول: إن العقل يوجب أن يكون الله في جهة لأن ما ليس في جهة فهو معدوم، ونحن العوام قد تبلبلت أفكارنا لأننا نعتقد أن الله في كل مكان وهو معنا أينما كنا وهو ثالث الثلاثة ورابع الأربعة، نرجو بيان الأمر على صفحات المجلة؟)

فأجاب أبو زهرة بقوله: (ما يقوله الشيخ إتّباعٌ لما قيل عن ابن تيميه فهو في هذا يقلده فيما روي عنه في الرسالة الحموية، والحق أنه تعالى منزه عن المكان، ومنزه عن أن يجلس كما يجلس البشر، وأن العلماء الصادقين من عهد الصحابة يفسرون هذا بتفسير لا يتفق مع المكان، ولا يمكن أن تفسر الأيام الستة بأيامنا هذه، لأن أيامنا ناشئة من دوران الأرض حول الشمس إلا أن تفسر بمقدارها لا بحقيقتها، ولا نرى موافقة الشيخ في الخوض في هذه الأمور، ونباب الموعظة وبيان الحقائق الإسلامية التكليفية متسع، والله

__________

(1) الإمام الكوثري، أحمد خيري، ص 29.

كلكم كفرة (187)

تعالى هو الموفق والهادي إلى سواء السبيل) (1)

وهذا النص وحده كاف لإدانته السلفية ورميه بكل الموبقات التي رموا بها الجهمية والمعطلة.

المدرسة المالكية

على الرغم من ثناء ابن تيمية والكثير من السلفية على المدرسة المالكية، واعتبارها مدرسة سلفية، فإن هذا الثناء ـ عند التأمل فيه ـ نجده بلا معنى، بل نجده نوعا من الاحتيال والتلاعب.

ونحن لن نناقشهم هنا في صاحب المذهب نفسه، لأن لهم روايات ترتبط به تجعله سلفيا كسائر سلفيتهم.. وللمالكية روايات أخرى تجعله جهميا عند أهل الحديث، وتضع له من الصفات ما يتناقض مع الرؤية السلفية تماما.

وهذا المحل ليس محل مناقشة أمثال هذه المسائل، لأن مرادنا هو المدرسة التي تشمل مئات بل آلاف الفقهاء الذين توزعوا في التاريخ والجغرافيا لفترات طويلة، ولأماكن كثيرة.

وكلهم ـ إن لم نقل أكثرهم ـ كان يقول بما تقول به الأشاعرة من التأويل أو التفويض، ولا يعتقد بالجهة، ويقول بأن الحرف والصوت مخلوق، وغير ذلك من العقائد التي يكفر السلفية معتقدها.

بالإضافة إلى ذلك البعد الصوفي الذي دخل المذاهب الإسلامية جميعا، وخصوصا المذهب المالكي الذي كان الكثير من أعلامه الكبار مشايخ للطرق الصوفية، كابن عطاء الله السكندري وغيره.. وهم لذلك يعتبرون عند السلفية حلولية وقبورية بالإضافة إلى تجهمهم وتعطيلهم.

لكن البعض قد يجادلنا بأن السلفية يثنون على الكثير من أعلام المالكية، بل

__________

(1) فتاوى الشيخ محمد أبوزهرة، ص 118.

كلكم كفرة (188)

ويستدلون بهم في مواجهة البدع، والتحريفات التي أدخلها الخلف على الدين، ومنهم وعلى رأسهم إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي (المتوفى: 790 هـ)، ذلك الذي يسبحون بكتابه [الاعتصام] صباح مساء، وعلى أساسه يبدعون الطرق الصوفية، والكثير من السلوكات العادية للمسلمين.

حتى أن الشيخ الفوزان سئل في بعض دروسه: (أحسن الله اليكم ما رأيكم بكتاب الاعتصام للإمام الشاطبي وكذلك كتابه الموافقات؟)، فأجاب بقوله: (ما مثلي يحكم على كتاب الاعتصام والموافقات، الامام الشاطبي امام جليل وإمام تقدره العلماء ويرجعون إلى كتابيه الاعتصام والموافقات، يرجعون إليهما ويستفيدون منهما فلا مجال للتهويل في شأن الكتابين او السؤال عن الشاطبي او كتابيه فإن هذا معروف عن العلماء والأئمة وهما مرجعان عظيمان لأهل العلم) (1)

وهذا الكلام نوع من الاحتيال على الحقيقة التي يؤمن بها الفوزان نفسه، والأمر فيه مثل الأمر في ابن حجر، وقد رأينا أنهم يكفرونه، ولكن لا يصرحون بذلك، لمصلحة لهم فيه.

ولهذا كتب بعض الباحثين من السلفيين مقالا مطولا في الرد على موقف الفوزان، يلزمه من خلاله بتطبيق منهجه ومنهج السلف في تكفير الشاطبي، وعنوان المقال هو: [الشاطبي بين حكم السلف على أمثاله وبين ثناء الفوزان]

وقد رد فيه بأدلة كثيرة ألزم بها الفوزان بما يعتقده، وقدم لذلك بقوله ـ ردا على منهج التمييع السلفي ـ: (صدقت فلست أنت من يسأل عن الشاطبي ولا مثلك من يحكم عليه وعلى كتبه لأنك جاهل بعقيدة السلف ومنهجهم في التعامل مع المبتدعة والزنادقة، فكم لك من تمييع مع أمثال الشاطبي ومع من هم أشد كفرا وزندقة منه، وما اعتراضك على

__________

(1) من شريط تفسير المفصل من السور.

كلكم كفرة (189)

كلام السلف في أبي جيفة [يقصد أبا حنيفة] عنا ببعيد) (1)

بالإضافة إلى ذلك كتب بعض السلفية (2) من أصحاب المنهج الخفي في التكفير كتابا في مخالفة الشاطبي لمعتقدات السلف، من دون تكفير له فيها، مع كونه يكفر من هم دونه، وقد قال في مقدمة كتابه المسمى [الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام]: (فقد كان لمؤلفات أبي إسحاق الشاطبي أثرٌ عظيمٌ بين العلماء وطلبة العلم، تلقوها بالقبول، وتناولوها بالتعليم والشرح والتلخيص، وانتفع بها من شاء الله من الناس، وأعظم ما ألفه كتابي (الموافقات) في أصول الشريعة و(الاعتصام) في لزوم السنة والتحذير من البدع، وقد كان طرحه في الكتابين طرحاً لم يسبق إليه.. ولما كان للشاطبي جهود في حرب البدعة، وحرب البدع مما اشتهر به السلفيون، فقد انتشر بين الناس أنه سلفي الاعتقاد – حتى بين بعض طلبة العلم-، والحقيقة التي تظهر لكل من يقرأ كتابيه هذين أنه أشعري المعتقد في باب الصفات والقدر والإيمان وغيرها، ومرجعه في أبواب الاعتقاد هي كتب الأشاعرة.. وموقف الشاطبي من البدع العملية (وهي البدع في العبادات) في تحذيره منها وبيان مفاسدها والتشديد على التمسك بالسنة فيها موقف جيد، وعمل مشكور، ولكنه مع ذلك وقع في بدع الأشاعرة والمتكلمين الاعتقادية في الصفات والقدر وغيرها) (3)

وقد بين الكاتب السلفي أن هذا النوع من البدع ليس خاصا به فقط، بل شمل كل من يستفيد السلفية من مواقفهم من البدع العملية.. فهم ينقلون عنهم في هذا الباب، ويكفرونهم في باب البدع العقدية.. وهذا من عجائب السلوكات السلفية.. فهم يضربون الأمة بعضها ببعض.. يضربون الصوفية بالشاطبي.. ويضربون الشاطبي بسلفهم الأول.

__________

(1) مقال: الشاطبي بين حكم السلف على أمثاله وبين ثناء الفوزان.

(2) هو الشيخ ناصر بن حمد الفهد.

(3) الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام، ص 3.

كلكم كفرة (190)

يقول في ذلك: (ولم ينفرد الشاطبي بهذا الأمر بين العلماء؛ فقد وقع فيه غيره كأبي بكرٍ الطرطوشي فإنه ألّف كتاب (البدع والحوادث) في التحذير من البدع العملية ومع ذلك فقد وافق الأشاعرة في أصولهم، وكأبي شامة الدمشقي فإن له كتاب (الباعث في إنكار البدع والحوادث) في البدع العملية وهو أشعري المعتقد) (1)

ثم بين أن السبب في ذلك يعود إلى (أن علماء الكلام لم يتطرقوا لمثل هذه الأمور؛ لهذا لم يفسدوها بأصولهم فلم تلتبس على من أراد الحق وسعى إليه بخلاف الاعتقادات كالأسماء والصفات والقدر والإيمان وغيرها فإن المتكلمين أفسدوها بأصولهم المبتدعة وشبهوا على كثيرٍ من العلماء الفضلاء فيها فوافقوهم في أصولهم وبدعهم) (2)

وسأذكر هنا باختصار بعض ما ذكره من مخالفات خطيرة لمنهج السلف، ليس لها حكم عندهم إلا الكفير الصريح.

وأولها هو مواقفه العقدية، والتي لخصها الكاتب بقوله: (ذهب الشاطبي إلى مذهب الأشاعرة – في الجملة - ففي باب الصفات أوّل بعضها كالفوقية والنزول والكلام وغيرها، وإن ذكر مذهب الصحابة والسلف في هذا وحثّ على اتباعه فإنما يعني به التفويض – تفويض المعنى والكيفية -، وفي باب القدر أنكر الأسباب – تبعاً للأشاعرة- وجعل المسببات لاتدخل تحت قدرة المكلف، وأنكر التحسين والتقبيح العقليين تبعاً لإنكار الأشاعرة للحكمة وجعلهم الأعيان لا تتصف بحسنٍ ولا قبحٍ قبل ورود الشرع وأن الله سبحانه إنما يأمر وينهى لمحض المشيئة فقط، واتبع الشاطبي أيضاً المتكلمين في كثيرٍ من أصولهم الكلامية في إثبات الصانع وحدوث العالم، وفي النبوات، وفي حكم الدلائل اللفظية

__________

(1) الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام، ص 3.

(2) الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام، ص 5.

كلكم كفرة (191)

وغيرها) (1)

ومع أن الكثير مما ذكره هنا يكفرون على أساسه إلا أنه ـ من باب المصلحة السلفية ـ توقف عن التكفير.. ولست أدري دليله الشرعي في ذلك.. وهل يمكن عقلا أن يكفر عامي بسيط بسبب إنكاره الجهة، بينما يتسامح مع عالم جليل في عقل الشاطبي؟

بل إنه في رده عليه، ولست أدري هل فطن لذلك أم لا، ينقل من كلام السلف وابن تيمية ما يحكم عليه بالكفر، فمن الوجوه التي رد بها عليه (الوجه الرابع: أن هؤلاء المتكلمين الذين ابتدعوا في الصفات والقدر والنبوات وفي غيرها –وقد تبعهم الشاطبي في ذلك- قد سلكوا في استدلالاتهم على بدعهم هذه طرقاً مبتدعة –زعموها عقلية-تلقفوها من الفلاسفة والجهمية والمعتزلة) (2)

وهذا تكفير محض، وإلا فكيف يستقيم أن يعتقد نفس معتقدات الجهمية والمعتزلة، ثم يكفرون ويعفى عنه.. ولست أدري نوع العفو.. هل هو ملكي أم رئاسي؟

ثم ذكر (مخالفته للسلف في توحيد الربوبية)، فقال: (ذهب أبو إسحاق الشاطبي إلى ما ذهب إليه المبتدعة في إثبات الصانع وإثبات حدوث العالم باتباع طريقة الأعراض وهي طريقة جهمية معتزلية مبتدعة، فقد نقل الشاطبي عن أبي بكرٍ الطرطوشي كلاماً طويلاً وفيه قوله: (لا طريق إلى معرفة حدوث العالم وإثبات الصانع إلا بثبوت الأعراض) (3) ـ ثم قال الشاطبي مقرّراً لجميع كلامه: (وهو حسن من التقرير)، وهذه الطريقة هي طريقة الجهمية والمعتزلة في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع، وأول من قال بها الجهم بن صفوان مقدم الجهمية وأبو الهذيل العلاف مقدم المعتزلة، وقد التزموا من أجلها لوازم أفسدوا بها

__________

(1) الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام، ص 9.

(2) الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام، ص 9.

(3) الاعتصام، 2/ 723..

كلكم كفرة (192)

الدين، وأحدثوا البدع، وحرفوا النصوص، وخالفوا المنقول والمعقول) (1)، وهكذا يرميه بجرائم المعتزلة والجهمية.. ثم يكفرهم ويعفو عنه.

ثم يذكر (مخالفاته في توحيد الأسماء والصفات) التي يكفرون على أساسها كل الأمة، فيقول: (تعددت مخالفات الشاطبي في هذا التوحيد تبعاً لمخالفات الأشاعرة، فإنه إنما ينقل الاعتقادات من كتبهم الكلامية، فكان إذا أراد عرض معتقد الصحابة والسلف في الصفات عرضها بما يتوافق مع عقيدة المفوّضة – وهو نفس فهم الأشاعرة لمعتقد السلف -، ويبني أحكامه في الصفات تبعاً لألفاظٍ مجملة، وإذا تكلم عن بعض الصفات أوّلها كتأويلات الأشاعرة والمبتدعة، وإذا تعرض للخلاف بين المذهبين – يعني مذهب السلف ومذهب الخلف في الصفات – هوّن الخلاف بينهم وجعله شبيهاً بالخلافات الواقعة في الفروع) (2)

وقد ذكر كثرة مخالفاته في هذا الباب، فقال: (ولكثرة مخالفاته هذه فقد رأيت أن أقسم هذا الفصل إلى أربعة مباحث..) (3)

وبناء عليه ذكر الكثير من النصوص من الاعتصام أو الموافقات والتي يحكموها على أمثالها، بل على ما هو دونها بالكفر، ومن أمثلة تلك النصوص، قول الشاطبي في (الموافقات): (كما زعم أهل التشبيه في صفة الباري حين أخذوا بظاهر قوله تعالى: (تجري بأعيننا) (مما عملت أيدينا) (وهو السميع البصير) (والأرض جميعاً قبضته يوم القيامة) وحكموا مقتضاه بالقياس على المخلوقين فأسرفوا ما شاءوا) (4)، وهذا طعن صريح منه للسلفية وأهل الحديث برميهم بالتشبيه، ومع ذلك لم يتشدد معه، كما تشدد مع من هم دونه.

__________

(1) الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام، ص 12.

(2) الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام، ص 12.

(3) الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام، ص 12.

(4) الموافقات، 4/ 223.

كلكم كفرة (193)

وهكذا نقل عنه في (الموافقات) تحت قاعدة إذا ثبتت قاعدة عامة أو مطلقة فلا تؤثر فيها معارضة قضايا الأعيان: (كما إذا ثبت لنا أصل التنزيه كلياً عاماً ثم ورد موضع ظاهره التشبيه في أمرٍ خاصٍ يمكن أن يراد به خلاف ظاهره على ما أعطته قاعدة التنزيه فمثل هذا لا يؤثر في صحة الكلية الثابتة) (1)، وهذا النص يقضي على كل البنيان السلفي، ومع ذلك لم يعره أهمية كبيرة.

وهذا نقل عنه قوله - تحت مسألة من الخلاف ما يكون ظاهره الخلاف وليس في الحقيقة كذلك، وذكر من أسبابه-: (التاسع: أن يقع الخلاف في التأويل وصرف الظاهر عن مقتضاه إلى ما دل عليه الدليل الخارجي، فإن مقصود كل متأول الصرف عن ظاهر اللفظ إلى وجهٍ يتلاقى مع الدليل الموجب للتأويل، وجميع التأويلات في ذلك سواء، فلا خلاف في المعنى المراد، وكثيراً ما يقع هذا في الظواهر الموهمة للتشبيه) (2)

وهكذا نقل عنه تعطيله لما يسميه السلفيه صفة العلو ـ وهي مما اتفقوا على تكفير معطلها ـ ومما نقل عنه في ذلك قوله: (.. ومثاله في ملة الإسلام مذاهب الظاهرية في إثبات الجوارح للرب –المنزه عن النقائص – من العين، واليد، والرجل، والوجه، والمحسوسات، والجهة، وغير ذلك من الثابت للمحدثات) (3)

ونقل عنه من (الاعتصام) قوله: (لا يشك في أن البدع يصح أن يكون منها ما هو كفر كاتخاذ الأصنام لتقربهم إلى الله زلفى، ومنها ما ليس بكفر كالقول بالجهة عند جماعة) (4)، وهكذا خالفهم في أصل أصول اعتقادهم، بل جعله بدعة وأقرب إلى الكفر، بل مما وقع الخلاف في تكفير القائل به..

__________

(1) الموافقات، 4/ 10.

(2) الموافقات، 5/ 216.

(3) الاعتصام، 1/ 305.

(4) الاعتصام، 2/ 707.

كلكم كفرة (194)

ونقل عنه من (الموافقات) ـ تحت مسألة مالا بد من معرفته لمن أراد علم القرآن ـ قوله: (ومن ذلك معرفة عادات العرب في أقوالها وأفعالها ومجاري أحوالها حالة التنزيل، وإن لم يكن ثم سبب خاص لا بد لمن أراد الخوض في علوم القرآن منه، وإلا وقع في الشُبه والإشكالات التي يتعذر الخروج منها إلا بهذه المعرفة – ثم ذكر أمثلةً على ذلك ومنها قوله: والثالث: قوله تعالى {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك: 16] وأشباه ذلك، إنما جرى على معتادهم في اتخاذ الآلهة في الأرض وإن كانوا مقرين بإلهية الواحد الحق، فجاءت الآيات بتعيين الفوق وتخصيصه تنبيهاً على نفي ما ادعوه في الأرض، فلا يكون فيه دليل على إثبات جهة البتة) (1)

ومن العجب أنه في وجوه ردوده عليه يذكر كلام سلفه في تكفير من يقول بذلك، وقد قال مقدما لها: (مذهب الشاطبي – كما يتبين من مجموع النصوص السابقة- يدل على نفيه للعلو، ونفي العلو إنما ذهب إليه متأخرو الأشاعرة بعد أن غلب عليهم التجهم والاعتزال.. بل إن الجهمية الأوائل والمعتزلة الذين امتحنوا الأئمة بخلق القرآن كانوا لا يجرؤون على التصريح بهذه العقيدة وإنما يلمحون إليها، كما قال حماد بن زيد وعباد بن العوام ووهب بن جرير وأبو بكر بن عياش وغيرهم رحمهم الله تعالى: (إنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء شيء) (2)

ثم نقل قول ابن تيمية في ذلك –وهو يخاطب الأشاعرة-: (ووافقتم المعتزلة على نفيهم وتعطيلهم الذي ما كانوا يجترئون على إظهاره في زمن السلف والأئمة وهو قولهم إن الله لا داخل العالم ولا خارجه، وأنه ليس فوق السماوات رب، ولا على العرش إله، فإن هذه البدعة الشنعاء والمقالة التي هي شر من كثير من اليهود والنصارى لم يكن يظهرها أحد

__________

(1) الموافقات، 4/ 154.

(2) انظر (السنة) لعبد الله بن أحمد 1/ 117 - 118،127.

كلكم كفرة (195)

من المعتزلة للعامة ولا يدعو عموم الناس إليها، وإنما كان السلف يستدلون على أنهم يبطنون ذلك بما يظهرونه من مقالاتهم) (1)

وهكذا نقل تأويلات الشاطبي للاستواء ـ وهو مما اتفق سلف السلفية وخلفهم على اعتباره تأويله تجهما وكفرا ـ فقد قال (الاعتصام): (بدعة الظاهرية ـ يقصد الحشوية والسلفية ـ فإنها تجارت بقومٍ حتى قالوا عند ذكر قوله تعالى (على العرش استوى): قاعد، قاعد، وأعلنوا بذلك وتقاتلوا عليه) (2)

ومن الوجوه التي رد بها عليه، ولا تحمل إلا على التكفير قوله: (معتقد أهل السنة في الاستواء سبق ذكره عند ذكر كلام ربيعة بن أبي عبدالرحمن ومالك فيه، وهو أن معنى الاستواء معلوم لنا ولكن الكيفية مجهولة، وقد كان نفي الاستواء علامة من علامات الجهمية يُستدل بها عليهم، كما روى عبدالله بن أحمد عن يزيد بن هارون أنه سئل: من الجهمية؟ قال: من زعم أن (الرحمن على العرش استوى) على خلاف ما يقر ذلك في قلوب العامة فهو جهمي) (3)) (4)

ولكن لست أدري لم لم يقل صراحة عن الشاطبي: إنه جهمي.. مع أنهم يرمون بهذا كل من قال بذلك.. بل يرمون به من توقف في ذلك، أو لم يكفر قائله، ولكن موازين السلفية المتناقضة والمزاجية تقبل كل شيء.

وذكر له في هذا المقام ما يدل على طعنه على السلفية وأهل الحديث بسبب أخذهم بظاهر لفظ الاستواء.. وهم يعتقدون أن من يفعل ذلك زنديق زنديق زنديق ـ كما ينقلون عن الإمام أحمد ـ فقد قال الشاطبي: (حكى ابن العربي في (العواصم) قال: أخبرني جماعة

__________

(1) نقلا عن الصواعق المرسلة، 2/ 404.

(2) الاعتصام، 2/ 787.

(3) السنة، 1/ 123

(4) الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام، ص 32.

كلكم كفرة (196)

من أهل السنة – ويعني بهم الأشاعرة – بمدينة السلام أنه ورد بها الأستاذ أبو القاسم عبدالكريم بن هوازن القشيري الصوفي من نيسابور فعقد مجلساً للذكر وحضر فيه كافة الخلق، وقرأ القارئ (الرحمن على العرش استوى) قال لي أخصهم: من أنت –يعني الحنابلة – يقومون في أثناء المجلس ويقولون: قاعد، قاعد، بأرفع صوتٍ وأبعده مدى، وثار بهم أهل السنة – يعني الأشاعرة – من أصحاب القشيري ومن أهل الحضرة وتثاور الفئتان..) (1)

ثم نقل موقفه من خلق القرآن الكريم ـ وقد رأينا موقف سلف السلفية وخلفهم منه ـ والذي عبر عنه ـ كما في (الاعتصام) بقوله: (وأما كون الكلام هو الأصوات والحروف فبناءً على عدم النظر في الكلام النفسي وهو مذكور في الأصول) (2)، وقوله: (كلام الباري إنما نفاه من نفاه وقوفاً مع الكلام الملازم للصوت والحرف وهو في حق الباري محال، ولم يقف مع إمكان أن يكون كلامه تعالى خارجاً عن مشابهة المعتاد على وجهٍ صحيحٍ لائقٍ بالرب، إذ لا ينحصر الكلام فيه عقلاً، ولا يجزم العقل بأن الكلام إذا كان على غير الوجه المعتاد محال، فكان من حقه الوقوف مع ظاهر الأخبار مجرداً) (3)، وقوله ـ كما في (الموافقات) ـ: (إن كلام الله في نفسه كلام واحد لا تعدد فيه بوجهٍ ولا باعتبار حسبما تبين في علم الكلام) (4)

وهذه الأقوال جميعا مما لا شك عند السلفية جميعا في تكفير قائلها، فقد ذكر ابن تيمية وغيره (أن القول بأن كلام الله سبحانه معنى نفسي وهو واحد لا تعدد فيه وليس بحرفٍ ولا صوت قول محدث مبتدع في الإسلام لم يعرف إلا في القرن الثالث وأول من قاله ابن

__________

(1) الاعتصام، 2/ 785.

(2) الاعتصام، 1/ 307.

(3) الاعتصام، 2/ 843،844.

(4) الموافقات، 4/ 274.

كلكم كفرة (197)

كُلاّب وتبعه على ذلك الأشعري والأشاعرة وهو مما اختص به الأشاعرة والكلاّبية دون بقية المبتدعة) (1)

وقد رد الكاتب السلفي على ما ذكره الشاطبي بقوله: (لذلك فالأشاعرة يقولون بأن الألفاظ والحروف التي بين أيدينا-في المصحف- مخلوقة –وهو نفس كلام المعتزلة- وقد اعترف علماؤهم بأن الخلاف بينهم وبين المعتزلة لفظي، كما قال الرازي في (المحصل): (فالحاصل أن الذي ذهبوا إليه –يعني المعتزلة – فنحن لا ننازعهم فيه) وقال: (واعلم أننا لا ننازعهم في المعنى) (2)، ولهذا قال أبو محمد بن قدامة: (ومدار القوم –يعني الأشاعرة - على القول بخلق القرآن ووفاق المعتزلة، ولكنهم أحبوا أن لا يعلم بهم فارتكبوا مكابرة العيان، وجحد الحقائق، ومخالفة الإجماع، ونبذ الكتاب والسنة وراء ظهورهم، والقول بشئ لم يقله قبلهم مسلم ولا كافر، ومن العجب أنهم لا يتجاسرون على إظهار قولهم ولا التصريح به إلا في الخلوات ولو أنهم ولاة الأمر وأرباب الدولة) (3)) (4)

وهذا القول وحده في إدانة الشاطبي ـ على حسب الرؤية السلفية العتقية والجديدة ـ فالنصوص عندهم في تجريم وتكفير من يقول بخلق القرآن لا عد لها ولا حصر، وقد قال ابن تيمية -مخاطباً الأشاعرة-: (وكذلك قولكم في القرآن، فإنه لما اشتهر عند الخاص والعام أن مذهب السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق، وأنهم أنكروا على الجهمية المعتزلة وغيرهم من الذين قالوا القرآن مخلوق حتى كفروهم، وصبر الأئمة على امتحان الجهمية مدة استيلائهم حتى نصر الله أهل السنة وأطفأ الفتنة، فتظاهرتم بالرد على المعتزلة وموافقة السنة والجماعة، وانتسبتم إلى أئمة السنة في ذلك، وعند التحقيق: فأنتم موافقون للمعتزلة

__________

(1) انظر (الرد على من أنكر الحرف والصوت) ص 81،109، و(الفتاوى) 5/ 463،533،553.

(2) انظر (المحصل) ص 172،173، و(درء تعارض العقل والنقل) 7/ 237.

(3) حكاية المناظرة في القرآن، ص 34،وانظر: (الرد على من أنكر الحرف والصوت) ص 137،181.

(4) الإعلام بمخالفات الموافقات والإعتصام، ص 37.

كلكم كفرة (198)

من وجه، ومخالفوهم من وجه، وما اختلفتم فيه أنتم وهم فأنتم أقرب إلى السنة من وجه، وهم أقرب إلى السنة من وجه، وقولهم أفسد في العقل والدين من وجه، وقولكم أفسد في العقل والدين من وجه) (1)

وما دام الأمر بهذه الصورة، والمعتزلة والأشاعرة متفقان فيها، فلم يكفر المعتزلة بسببها ويسكت عن الأشاعرة؟

بل إن ابن القيم يذكر ما هو أخطر من ذلك، فقال: (فتأمل الأخوّة التي بين هؤلاء – يعني الأشاعرة- وبين هؤلاء المعتزلة الذين اتفق السلف على تكفيرهم، وأنهم زادوا على المعتزلة في التعطيل، فالمعتزلة قالوا: هذا الكلام العربي هو القرآن حقيقة لا عبارة عنه وهو كلام الله وإنه مخلوق) (2)

هذه مجرد نماذج عن شخصية كبرى في المذهب المالكي، لها قيمتها عند السلفية، ولكنهم ـ مع ذلك ـ وبحسب قوانينهم التكفيرية لا يملكون إلا الحكم عليها بالكفر.

ومثلها شخصية أخرى لا تزال تنال حظها من الاهتمام لدى السلفية باعتبار نصرتها لأحباب السلفية من بني أمية، وهي شخصية ابن العربي المالكي.. والذي يستدلون بعواصمه وقواصمه كل حين.. وفي نفس الوقت يضمرون تكفيره، لأنه أشعري جلد كما يقولون.. فهم يضربون به الشيعة وكل محبي آل البيت الطاهرين.. ويضربونه هو بعد ذلك لتجهمه وتعطيله وكفره.

فمن الأدلة على الصريحة على تجهمه وتعطيله ـ بحسب الرؤية السلفية ـ قوله بخلق القرآن، فقد جاء في كتابه [المسالك]: (قلنا: الدليل في قول أبي هريرة؛ لأنه قال: (اقرأ بها في نفسك يا فارسي). والقراءة في النفس تسمى قرآناً حقيقة؛ كما قال الأخطل: إن الكلام لفي

__________

(1) الفتاوى الكبرى، 6/ 632.

(2) مختصر الصواعق، ص 500.

كلكم كفرة (199)

الفؤاد، وإنما جعل الكلام على اللسان دليلاً) (1)

وقال: (اعلم أن القرآن لا يتحدد معناه، ولا يتقدر مقتضاه؛ فقد يراد به الكلام القديم الموجود بذات الرب تعالى، وقد يراد به القراءة الحادثة؛ كما قال تعالى: {فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ}، وقد يضاف إليه من حيث إنه موجود بذاته، وصفة من صفاته، وقد يراد به القراءة الحادثة؛ كما أنها توصف بأنها كلامه؛ قال الله تعالى: {فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ}، والثاني: أنها دلالة على كلامه الموجود بذاته) (2)

وقال: (قوله: (على سبعة أحرف) والحروف هاهنا: هي القراءة بالأصوات، وهي ضد كلام البارئ سبحانه؛ لأن البارئ كلامه القديم الذي هو صفة من صفاته لا تفارقه؛ ليس هو بصوت، ولا حرف) (3)

وهذه كلها تصريحات واضحة لا يحكم على صاحبها عند السلفية سلفهم وخلفهم إلا بالتكفير، وقد رأينا النصوص الدالة على ذلك، وإجماعهم عليه.

وهكذا نراه يؤول النزول وينفي الحركة والانتقال عن الله، وهم يعتبرون تأويل كل ذلك تعطيلا وتجهما وكفرا، فقد قال في كتابه السابق: (اعلم أن معنى النزول في اللغة، والقرآن، والسنة؛ ينطبق على تسعة معان؛ منها معان مختلفة، ولم يكن هذا اللفظ مما يخص أمراً واحداً؛ حتى لا يمكن العدول عنه إلى غيره؛ بل وجدناه مشترك المعنى؛ فاحتمل التأويل، والتخريج، والترتيب في ذلك؛ فمن ذلك: النزول بمعنى الانتقال، والبارئ تعالى؛ يتنزه عنه، وإنما ذلك في المخلوقات؛ مثل قوله تعالى: {وَأَنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُورًا}؛ هذا على معنى النقلة، والتحويل) (4)

__________

(1) المسالك 2/ 374 - 375..

(2) المسالك 3/ 379 - 380..

(3) المسالك 3/ 380..

(4) المسالك 3/ 447..

كلكم كفرة (200)

وقال: (وهذه الوجوه من القرآن واللغة؛ على أن البارئ تعالى لا يجوز عليه النقلة، ولا الحركة، وأن نزوله بخلاف مخلوقاته؛ إنما نزوله نزول رحمة وإحسان، أو يكون كما قال بعض العلماء الصوفية: إن نزوله ثلث الليل؛ إنما هو نزول من حال الغضب إلى حالة الرحمة، وإلا إذا أضفت النزول إلى السكينة؛ لم يكن، وإذا أضفته إلى الكلام؛ لم يكن أيضاً تفريغ مكان، ولا شغل مكان، وإنما أراد به: إقباله على أهل الأرض بالرحمة، والاستعطاف بالتوبة، والإنابة. هذا تفسيره عند علمائنا من أهل الكلام. وأما من تعدى عليه بالتفسير، والقول النكير؛ فإنهم قالوا: في هذا الحديث دليل على أن الله تعالى في السماء على العرش من فوق سبع سماوات. قلنا: هذا جهل عظيم؛ إنما قال: (ينزل إلى سماء الدنيا)، ولم يقل في الحديث: من أين ينزل، ولا كيف ينزل) (1)

وقال: (وأما قوله: (ينزل) و(يجيء) و(يأتي) وما أشبه ذلك من الألفاظ التي لا تجوز على الله في ذاته معانيها؛ فإنها ترجع إلى أفعاله، وههنا نكتة، وهي أن أفعالك أيها العبد؛ إنما هي في ذاتك، وأفعال الله لا يجوز أن تكون في ذاته، ولا ترجع إليه، وإنما تكون في مخلوقاته؛ فإذا سمعت أن الله يفعل كذا؛ فمعناه في المخلوقات؛ لا في الذات) (2)

وهذا تصريح خاطر ليس له حكم عند السلفية إلا الكفر.. وإلا فإنهم ملزمون بالعفو عن كل الطوائف التي كفروها بمثل هذه الأسباب، فلا يستقيم عقلا ولا شرعا أن يؤاخذ قوم بما يعفى به عن آخرين.

ومثل ذلك تعطيله للجهة، والتي كتب فيها السلفية كتبهم الكثيرة، والممتلئة بتكفير من ينكرها، فقد قال ابن العربي في نفيها: (والذي يجب أن يعتقد في ذلك: أن الله كان ولا شيء معه؛ ثم خلق المخلوقات من العرش إلى الفرش؛ فلم يتغير، ولا حدثت له جهة منها،

__________

(1) المسالك 3/ 449 - 450..

(2) المسالك 3/ 452..

كلكم كفرة (201)

ولا كان له مكان فيها؛ فإنه لا يحول، ولا يزول؛ قدوس لا يحول، ولا يتغير) (1)

وهكذا قال في تنزيه الله عن الجوارح، والتي يسميها السلفية صفات، ويقيمون الدنيا ويقعدوها من أجلها، فقد قال ابن العربي فيها: (فصل في مفترقات من الآيات، ومجموع الوظائف من الأحاديث المشكلات، وهي ثمانية أحاديث: الحديث الأول: وقع في الصحيح لمسلم؛ قوله: (إن الله يمسك السماوات على إصبع، والشجر والثرى على إصبع، والخلائق على إصبع؛ ثم يقول: أنا الملك)؛ قال علماؤنا: قد استقر في عقائد المسلمين؛ أن البارئ تعالى منزه عن الجارحة؛ لأنه إنما يراد به القدرة، والاجتماع. وقال قوم: إن الإصبع هنا؛ هي النعمة. وقال آخرون: إنما أراد به؛ أن الله تعالى خلق السماوات والأرض، وما بينهما في ستة أيام، ولم يدركه في ذلك لغوب ولا نصب. وقال آخرون: يحتمل أن يريد بالإصبع: بعض خلقه. وهذا غير مستنكر في قدرة الله. وقال آخرون: قد يريد أن تكون المخلوقات؛ اسم: إصبع؛ فأخبر بخلق هذه الأشياء عليه. والغرض في هذا الحديث: إبطال أن تكون لله جارحة؛ لإحالة العقل) (2)

وقال: (قوله: (إن الله يطوي السماوات يوم القيامة؛ ثم يأخذهن بيده اليمنى؛ ثم يقول: أنا الملك، أنا الجبار، أين المتكبرون، ثم يطوي الأرض بشماله، ثم يقول: أنا الملك، أين المتكبرون) قد تقدم الكلام في اليدين، واختلاف الأصوليين في ذلك، وإنهما بمعنى الصفة؛ لا بمعنى الجارحة) (3)

وقال في تأويل ما يسميه السلفية صفة الضحك والعجب والقدم والوجه وغيرها: (قوله: (يضحك الله..)؛ معناه: يظهر لهما أدلة الكرامة وعلامات الرضا، كما يفعل الضاحك

__________

(1) المسالك 3/ 451..

(2) المسالك 3/ 463 - 464..

(3) المسالك 3/ 463..

كلكم كفرة (202)

منا لما يسر به. قوله: (عجب ربكم من شاب ليست له صبوة)؛ معناه: فعل به من الكرامة فعل المتعجب من فعله، ووله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا تزال النار يلقى فيها، حتى يضع الجبار فيها قدمه) وفي بعض طرقه: (حتى يضع الجبار فيها قدمه، فتقول: قط قط)؛ قال علماؤنا: معنى (قدمه) خلق من خلقه يسمى قدماً؛ أضافه إضافة الملك إلى نفسه.. وقال آخر: معناه: أن البارئ تعالى يخلق خلقاً يسمى قدماً؛ يملأ بهم جهنم. قوله: (إذا ضرب أحدكم عبده فليتق الوجه، فإن الله خلق آدم على صورته)؛ معناه: على صورة المضروب، فالهاء عائدة على عبده، وغير ذلك من الأحاديث المشكلات، والتأويل عليها يطول) (1)

هذه مجرد أمثلة ونماذج عن مقولاته المرتبطة بخلق القرآن الكريم وما يسميه السلفية [الصفات الذاتية والفعلية]، بالإضافة إلى هذا فإنه يحمل بشدة على أهل الحديث والسلفية ويسخر من تشبيههم وتجسيمهم.. وليس لكل هذا حكم عند السلفية إلا الكفر.

وهم مدعوون بهذا إما إلى إزالة أمثال هذه المسائل من قاموس تكفيرهم، وإلا تطبيقها على ابن العربي مثله مثل سائر العلماء.. وإلا فإنه لا يجوز شرعا ولا عقلا المحاباة والمجاملة في أمثال هذه المسائل.

ومن المالكية الذين يصدق عليهم التكفير السلفي قاضي القضاة الفقيه المحدث الشيخ تقي الدين محمد بن أبي بكر بن عيسى السعدي الإخنائيّ المالكي المصري (المتوفى 750 هـ)، والذي كان من العلماء الذين وقفوا بشدة في وجه ابن تيمية وخاصة في مواقفه من الزيارة والقبور والتوسل وغيرها مما يسميه السلفية [الشرك في توحيد الألوهية]، والذي على أساسه كفر ابن عبد الوهاب ابن فيروز وغيره من علماء زمانه، فمن كتبه في هذا المجال: (المقالة المرضية في الردّ على من ينكر الزيارة المحمدية)

ويضاف إلى ذلك وقوفه في وجه دعوة التوحيد ـ كما يعبر ابن عبد الوهاب وتلاميذه

__________

(1) المسالك 3/ 463 - 464.

كلكم كفرة (203)

ـ وذلك عندهم من أكبر مصادر الكفر، قال ابن حجر العسقلاني في ترجمته: (وكان كثير الحط على الشيخ تقي الدين بن تيمية وأتباعه، وهو الذي عزر الشهاب ابن مري وكان على طريقة الشيخ تقي الدين ويتكلم على الناس بلسان الوعظ لما قدم مصر.. إلى أن جرت مسألة التوسل فتكلم فيها بكلام شيخه فأنكروا عليه، وبلغ ذلك القاضي فطلبه وعزره، وطوف به وبالغ في إهانته وتألم له كثير من الناس) (1)

ومن المالكية الذين ينطبق عليهم التكفير السلفي المفتي الفقيه الشيخ ضياء الدين خليل بن إسحاق المالكي (المتوفى 776 هـ)، الذي يعتبر كتابه (مختصر الشيخ خليل) من أشهر المختصرات الفقهية على مذهب المالكية، بل ربما كان أشهرها على الإطلاق في القرون المتأخرة، ويشهد لذلك عناية العلماء به وعكوف طلاب العلم على حفظه ودراسته، وتلقيهم له بالقبول إلى اليوم.

و له بالإضافة إلى هذا كتاب في مناسك الحج والزيارة، نقل عبارات منه عدةٌ من فقهاء المالكية، منهم الإمام الزرقاني الذي قال في كتابه (شرح المواهب اللدنية): (ونحو هذا في منسك العلامة خليل، وزاد: (وليتوسل به صلى الله عليه وآله وسلم، ويسأل الله تعالى بجاهه في التوسل به، إذ هو محط جبال الأوزار وأثقال الذنوب، لأن بركة شفاعته وعظمها عند ربه لا يتعاظمها ذنب، ومن اعتقد خلاف ذلك فهو المحروم الذي طمس الله بصيرته وأضل سريرته، ألم يسمع قوله تعالى {ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك}، فقال الزرقاني مُعلقاً على كلام الخليل بن إسحاق: (ولعل مراده التعريض بابن تيمية) (2) (1)

ومن أعيان المالكية، والذي كان يمثل ثقافة زمانه وأزمنة كثيرة الرحالة الشيخ أبو عبدالله محمد بن عبدالله اللواتي الطنجي الشهير بابن بطوطة (المتوفى 779 هـ)، والذي

__________

(1) رفع الإصر، ص 353.

(2) شرح المواهب اللدنية، الزرقاني، ج 12 ص 219.

كلكم كفرة (204)

يسميه السلفية [القبوري]، ويحكمون بشركه، ويحاربونه في كل محل بسبب قوله في كتابه (تحفة النظار في غرائب الأمصار وعجائب الأسفار) عند ذكر ما شاهده في دمشق عندما زارها: (وكان بدمشق من كبار الفقهاء الحنابلة تقي الدين بن تيمية كبير الشام يتكلم في الفنون، إلا أن في عقله شيئاً. وكان أهل دمشق يعظمونه أشد التعظيم، ويعظهم على المنبر، وتكلم مرة بأمر أنكره الفقهاء، ورفعوه إلى الملك الناصر فأمر بإشخاصه إلى القاهرة، وجمع القضاة والفقهاء بمجلس الملك الناصر، وتكلم شرف الدين الزواوي المالكي وقال: إن هذا الرجل قال كذا وكذا، وعدد ما أنكر على ابن تيمية، وأحضر العقود بذلك ووضعها بين يدي قاضي القضاة وقال قاضي القضاة لابن تيمية: ما تقول؟ قال: لا إله إلا الله فأعاد عليه فأجاب بمثل قوله. فأمر الملك الناصر بسجنه فسجن أعواماً، وصنف في السجن كتاباً في تفسير القرآن سماه البحر المحيط، في نحو أربعين مجلداً. ثم إن أمه تعرضت للملك الناصر، وشكت إليه، فأمر بإطلاقه إلى أن وقع منه مثل ذلك ثانية. وكنت إذ ذاك بدمشق، فحضرته يوم الجمعة وهو يعظ الناس على منبر الجامع ويذكرهم، فكان من جملة كلامه أن قال: إن الله ينزل إلى سماء الدنيا كنزولي هذا ونزل درجة من درج المنبر، فعارضه فقيه مالكي يعرف بابن الزهراء وأنكر ما تكلم به، فقامت العامة إلى هذا الفقيه وضربوه بالأيدي والنعال ضرباً كثيراً حتى سقطت عمامته، وظهر على رأسه شاشية حرير، فأنكروا عليه لباسها واحتملوه إلى دار عز الدين بن مسلم قاضي الحنابلة، فأمر بسجنه وعزره بعد ذلك، فأنكر فقهاء المالكية والشافعية ما كان من تعزيره، ورفعوا الأمر إلى ملك الأمراء سيف الدين تنكيز، وكان من خيار الأمراء وصلحائهم، فكتب إلى الملك الناصر بذلك، وكتب عقداً شرعياً على ابن تيمية بأمور منكرة، منها أن المطلق بالثلاث في كلمة واحدة لا تلزمه إلا طلقة واحدة ومنها المسافر الذي ينوي بسفره زيارة القبر الشريف زاده الله طيباً لا يقصر الصلاة، وسوى ذلك ما يشبهه وبعث العقد إلى الملك الناصر فأمر بسجن ابن تيمية بالقلعة،

كلكم كفرة (205)

فسجن بها حتى مات في السجن) (1)

ومن أعلام المالكية الكبار الذين يشملهم التكفير السلفي العلامة الكبير الشيخ أبوعبدالله محمد بن عرفة التونسي الورغمي المالكي (المتوفى 803 هـ)، فقد قال الشيخ الكتاني في كتابه (فهرس الفهارس) عند ترجمة ابن تيمية: (ومن أشنع ما نقل عن ابن تيمية أيضاً قوله في حق شفاء القاضي عياض: غلا هذا المغيربي) (2)

ومنهم الشيخ أحمد زروق المالكي (المتوفى 899 هـ) الذي قال عن ابن تيمية: (ابن تيمية رجل مسلم له باب الحفظ والإتقان، مطعون عليه في عقائد الإيمان، مثلوب بنقص العقل فضلاً عن العرفان..) (3)، ومن طعن في عقائد ابن تيمية ـ عند السلفية ـ ليس له حكم إلا الكفر.

ومنهم الشيخ محمد البرلسي الرشيدي المالكي، الذي قال: (وقد تجاسر ابن تيمية عامله الله بعدله وادعى أن السفر لزيارة النبي صلى الله عليه وآله وسلم محرم بالإجماع، وأن الصلاة لا تقصر فيه لعصيان المسافر به، وأن سائر الأحاديث الواردة في فضل الزيارة موضوعة، وأطال بذلك بما تمجه الأسماع وتنفر منه الطباع، وقد عاد شؤم كلامه عليه حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس المستحق لكل كمال أنفس وحاول ما ينافي العظمة والكمال بادعائه الجهة والتجسيم، وأظهر هذا الأمر على المنابر، وشاع وذاع ذكره في الأصاغر والأكابر وخالف الأئمة في مسائل كثيرة، واستدرك على الخلفاء الراشدين باعتراضات سخيفة حقيرة، فسقط من عين أعيان علماء الأمة، وصار مُثله بين العوام فضلاً عن الأئمة، وتعقب العلماء كلماته الفاسدة وزيفوا حججه الداحضة الكاسدة وأظهروا عوار سقطاته، وبينوا قبائح أوهامه وغلطاته، حتى

__________

(1) تحفة النظار في غرائب الأمصار، ابن بطوطة، ص 52.

(2) فهرس الفهارس، ج 1 ص 278.

(3) شواهد الحق، ص 453.

كلكم كفرة (206)

قال في حقه العز بن جماعة: إن هو إلا عبد أضله الله وأغواه، وألبسه رداء الخزى وأرداه) (1)، وهذا النص وحده كاف عند السلفية لتسجيله في قوائم الكفرة.

ومنهم المحدث الفقيه الشيخ محمد بن عبدالباقي الزرقاني المالكي (المتوفى 1122 هـ) صاحب (شرح الموطأ)، و(شرح المنظومة البيقونية)، و(شرح المواهب اللدنية)، وهي مراجع كبرى للمالكية وغيرهم، فقد قال الشيخ القسطلاني في (المواهب اللدنية) ما يلي: (وقد روي أن مالكاً لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي: يا أبا عبدالله أأستقبل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وأدعو، أم استقبل القبلة وأدعو؟ فقال له مالك: ولم تصرف وجهك عنه وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم عليه السلام إلى الله عزوجل يوم القيامة. لكن رأيتُ منسوباً للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه: أنّ هذه الحكاية كذب على مالك، وأنّ الوقوف عند القبر بدعة، قال: ولم يكن أحدٌ من الصحابة يقف عنده ويدعو لنفسه ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك) (2)

وقد عقب الشيخ الزرقاني في (شرح المواهب اللندنية) على هذا بقوله: (هذا تهور عجيب، فإن الحكاية رواها أبو الحسن علي بن فهر في كتابه فضائل مالك بإسناد لا بأس به، وأخرجها القاضي عياض في الشفاء من طريقه عن شيوخ عدة من ثقات مشايخه، فمن أين أنها كذب وليس في إسنادها وضاع ولا كذاب) (3)

وقال تعليقا على قول ابن تيمية (وأن الوقوف عند القبر بدعة، قال: ولم يكن أحدٌ من الصحابة يقف عنده ويدعو لنفسه): (نفيه مردود عليه من قصوره أو مكابرته، ففي الشفاء قال بعضهم: رأيت أنس بن مالك أتى قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم فوقف فرفع يديه حتى ظننت

__________

(1) شواهد الحق، ص 15.

(2) شرح المواهب اللدنية، ج 12 ص 194.

(3) شرح المواهب اللدنية، ج 12 ص 194.

كلكم كفرة (207)

أنه افتتح الصلاة، فَسَلّم على النبي صلى الله عليه وآله وسلم ثم انصرف) (1)

وقال تعليقا على قول ابن تيمية (ولكن كانوا يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده صلى الله عليه وآله وسلم، قال: ومالك من أعظم الأئمة كراهية لذلك): (كذا قال وهو خطأ قبيح، فإن كتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر مستقبلاً له مستدبر القبلة) (2)

ثم قال تعليقا على ذلك كله: (ولكن هذا الرجل ابتدع له مذهباً وهو عدم تعظيم القبور، وإنها إنما تزار للترحم والاعتبار بشرط أن لا يُشدّ إليها رحل، فصار كل ما خالفه عنده كالصائل لا يبالي بما يدفعه، فإذا لم يجد له شبهة واهية يدفعه بها بزعمه، انتقل إلى دعوى أنه كَذب على من نُسب إليه، مجازفة وعدم نصفه، وقد أنصف من قال فيه: علمه أكبر من عقله...) (3)

وقيمة هذا الكلام هنا هو أن نظرة المدرسة المالكية لمالك تختلف اختلافا جذريا عن نظرة السلفية له، وكذا رواياتهم عنه تختلف اختلافا جذريا عن روايات السلفية.. ومطالعة روايات المالكية عن مالك لا تحكم عليه إلا بالكفر عند السلفية..

ومن أعلام المالكية الكبار الذين يشملهم التكفير السلفي العالم الفقيه الشيخ أبوالمحاسن جمال الدين يوسف بن أحمد بن نصر الدجوي المالكي (المتوفى 1365 هـ)، فمن كلامه في رسالة بعثها إلى الشيخ الكوثري: (وأظن أنك ذكرتَ لي يوم كنا مع المرحوم الشيخ عبدالباقي سرور نعيم أن بعض علماء الهند ذكر هنات ابن تيمية وزلاته وأفاض في الردّ عليها.. وقد ذكرتَ حفظك الله كثيراً من هناته التي خرق بها الإجماع، وصادم بها المعقول والمنقول، وبينت مراجعها من كتبه وكتب تلميذه ابن القيم، ولا معنى للمكابرة في ذلك

__________

(1) شرح المواهب اللدنية، ج 12 ص 194.

(2) شرح المواهب اللدنية، ج 12 ص 194.

(3) شرح المواهب اللدنية، ج 12 ص 194.

كلكم كفرة (208)

بعد رسائله في العقائد المطبوعة في آخر فتاويه، وبعد ما قرره في مواضع من منهاج السنة وموافقة المعقول والمنقول ورسائله الكبرى إلى غير ذلك من مؤلفاته فقد كان سامحه الله مولعاً بنشر تلك الآراء الشاذة والعقائد الضالة كلما سنحت فرصة لتقرير معتقده الذي ملك عليه مشاعره حتى أصبح عنده هو الدين كله، على ما فيه من جمود وحجود وخلط وخبط! وكذلك تلميذه ابن القيم رحمه الله كان مستهتراً بما جُنّ به شيخه من تلك الآراء المنحرفة، فكان دائماً يرمي إليها عن قرب أو بعد حتى إنه في كتاب (الروح) الكثير الفوائد التي تلطف الأرواح لم ينس ما شغف به من تلك المقالات الحمقاء) (1)

ثم قال ملخصا كل ما ذكره من مثالب ابن تيمية: (إن ابن تيمية في رأيي لا يصح أن يكون إماماً لأن الإمامة الحقة لا ينالها من يُقدّس نفسه هذا التقديس، فإنه إذا قدّس نفسه كان متبعاً لآرائها، غير متهم لها، فكان سائراً مع أهوائها، غير منحرف عنها، ومن اتبع هواه ضل عن سبيل الله من حيث يدري أولا يدري، ومن قدّس نفسه لم يتبع سبيل المؤمنين شاء أم أبى.. وقد أدى ذلك العالم الكبير ابن تيمية، بسرعته –ولا نقول طيشه– إلى أن يجازف فيقول: (لم يرد ذكر إبراهيم وآل إبراهيم، في رواية من الروايات الواردة في الصلاة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم، مع أن ذلك في البخاري وهو يحفظه.. وقد أنكر حديث الزيارة وهو صحيح كما أوضح السبكي في (شفاء السقام) إلى غير ذلك، مع أنه من الحُفّاظ، وأشهر شيء من مزاياه هو أنه محدث، ولكنه التسرع يُذهب من النفس رشدها، والمجازفة تعمي عين البصيرة وتفقأ بصر العقل) (2)

ثم قال ردا على سلفية عصره: (وأرجو أن تعذرني فقد أهاج حفيظتنا واستثار الكامن منا ما نراه الآن من أولئك الزعانف الذين يدعون الاجتهاد وقد رددوا صدى مقال إمامهم

__________

(1) السلفية المعاصرة إلى أين؟، محمد زكي إبراهيم، ص 88.

(2) السلفية المعاصرة إلى أين؟، محمد زكي إبراهيم، ص 88.

كلكم كفرة (209)

ابن تيمية، وأكثروا من ذكر الكتاب والسنة وهو أبعد الناس عنهما وأخلاهم منهما.

فرقة تدعي الحديث ولكن

لا يكادون يفقهون حديثا

ولو عقلوا لعلموا أنهم من مقلدة ابن تيمية على غير هدى ولا بصيرة، فهم أعظم الناس جهلاً، وأكبرهم دعوى، يعادون المسلمين، ويكفرون المؤمنين، ولا غروا فقد كفّر أسلافهم من الخوارج عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، واعترض جدهم الأعلى ذو الخويصرة على النبي صلى الله عليه وآله وسلم) (1)

وهذا النص وحده يكفي لتكفيره.. بل وتكفير آبائه وأجداده وكل من يتصل به.

ومن أعلام المالكية الكبار الذين يشملهم التكفير السلفي العلامة الحافظ الشيخ أبي الفيض أحمد بن محمد بن الصديق الغماري الحسني (المتوفى 1380 هـ) الذي لم تشفع له حصانته التي اكتسبها من علم الحديث، وكونه من أعلامه الكبار في هذا العصر.. فقد ألف السلفية في شأنه وشأن تكفيره الكثير من الكتب والرسائل باعتباره جهميا قبوريا حلوليا صوفيا رافضيا.. وغيرها من الألقاب.

بالإضافة إلى ذلك عداؤه الشديد لابن تيمية وأهل الحديث، فقد كان ينتقده في كل محل، ومن أقواله فيه قوله في (البرهان الجلي): (بل بلغت العداوة من ابن تيمية إلى درجة المكابرة وانكار المحسوس فصرّح بكل جرأة ووقاحة ولؤم ونذالة ونفاق وجهالة أنه لم يصح في فضل علي عليه السلام حديث أصلاً، وأن ما ورد منها في الصحيحين لا يثبت له فضلاً ولا مزية على غيره... بل أضاف ابن تيمية إلى ذلك من قبيح القول في علي وآل بيته الأطهار، وما دل على أنه رأس المنافقين في عصره لقول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الحديث الصحيح المخرج في صحيح مسلم مخاطبا لعلي (لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق) كما ألزم

__________

(1) السلفية المعاصرة إلى أين؟، محمد زكي إبراهيم، ص 88.

كلكم كفرة (210)

ابن تيمية بذلك أهل عصره وحكموا بنفاقه... وكيف لا يلزم بالنفاق مع نطقه قبحه الله بما لا ينطق به مؤمن في حق فاطمة سيدة نساء العالمين وحق زوجها أخي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وسيد المؤمنين، فقد قال في السيدة فاطمة البتول: أن فيها شبهاً من المنافقين الذين وصفهم الله بقوله (فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِن لَّمْ يُعْطَوْا مِنهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ) قال لعنة الله عليه: فكذلك فعلت هي إذ لم يعطها أبو بكر من ميراث والدها صلى الله عليه وآله وسلم، أما عليّ فقال فيه أنه أسلم صبياً وإسلام الصبي غير مقبول على قول، فراراً من إثبات أسبقيته للإسلام وجحوداً لهذه المزية، وأنه خالف كتاب الله تعالى في سبع عشرة مسألة وأنه كان مخذولاً حيثما توجه وأنه كان يحب الرياسة ويقاتل من أجلها لا من أجل الدين وأن كونه رابع الخلفاء الراشدين غير متفق عليه بين أهل السٌّنة.. وزعم قبحه الله أن علياً مات ولم ينس بنت أبي جهل التي منعه النبي صلى الله عليه وآله وسلم الزواج بها، بل فاه في حقه بما هو أعظم من هذا، فحكى عن بعض اخوانه المنافقين أن علياً حفيت أظفاره من التسلق على أزواج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالليل، في أمثال هذه المثالب التي لا يجوز أن يتهم بها مطلق المؤمنين فضلاً عن سادات الصحابة رضي الله عنهم فضلاً عن أفضل الأمة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقبّح الله ابن تيمية وأخزاه وجزاه بما يستحق وقد فعل والحمد لله، إذ جعله إمام كل ضال مضل بعده، وجعل كتبه هادية إلى الضلال، فما أقبل عليها أحد واعتنى بشأنها إلا وصار إمام ضلالة في عصره) (1)

ومن أعلام المالكية الكبار الذين يشملهم التكفير السلفي الحافظ الشيخ محمد عبدالحي بن عبدالكبير الكتاني المغربي (المتوفى 1382 هـ)، بسبب أشعريته وصوفيته وموقفه من أهل الحديث عموما والسلفية خصوصا، فقد قال في بعض كتبه: (فإني أرى هذه الضلالات وما يتبعها من الشناعات التي كان أول مذيع لها وموضح لظلامها الشيخ أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى وعفا عنه قد كادت الآن أن تشيع وفي كل بلاد أهل السنة

__________

(1) البرهان الجلي، أحمد الغماري، ص 53.

كلكم كفرة (211)

تذيع...) (1)

وقال في كتابه الشهير (فهرس الفهارس والأثبات ومعجم المعاجم والمسلسلات): (ومن أبشع وأشنع ما نقل عنه رحمه الله قوله في حديث ينزل ربنا في الثلث الأخير من الليل كنزولى هذا قال الرحالة ابن بطوطة في رحلته وشاهدته نزل درجة من المنبر الذي كان يخطب عليه وقال القاضي أبو عبدالله المقري الكبير في رحلته نظم اللآلي في سلوك الأمالي حين تعرض لشيخيه ابني الإمام التلمساني ورحلتهما ناظرا تقي الدين ابن تيمية وظهرا عليه وكان ذلك من أسباب محنته، وكان له مقالات شنيعة من إمرار حديث النزول على ظاهره وقوله فيه كنزولي هذا، وقوله فيمن سافر لا ينوي إلا زيارة القبر الكريم لا يقصر لحديث لا تشد الرحال اه، ونقله عنه حفيده أبو العباس المقري في أزهار الرياض وأقره مع أن تآليفه المتداولة الآن بالطبع ليس فيها إلا التوريك في مسألة إبقاء المتشابه على ظاهره مع التنزيه والتنديد بالمؤولين وهو على الإجمال مصيب في ذلك، وأما مسألة الزيارة فإنه انتدب للكلام معه فيها جماعة من الأئمة الأعلام وفوقوا إليه فيها السهام كالشيخ تقي الدين السبكي والكمال ابن الزملكاني وناهيك بهما وتصدى للرّد على ابن السبكي ابن عبد الهادي الحنبلي ولكنه ينقل الجرح ويغفل عن التعديل وسلك سبيل العنف والتشديد وقد ردّ عليه وانتصر للسبكي جماعة منهم الإمام عالم الحجاز في القرن الحادي عشر الشمس محمد علي بن علان الصديقي المكي له (المبرد المبكي في ردّ الصارم المنكي) ومن أهل عصرنا البرهان إبراهيم بن عثمان السمنودي المصري سماه (نصرة الإمام السبكي بردّ الصارم المنكي) وكذا الحافظ ابن حجر له (الإنارة بطرق حديث الزيارة) وانظر مبحثها من فتح الباري والمواهب اللدنية وشروحها...) (2)

__________

(1) شواهد الحق، ص 14.

(2) فهرس الفهارس والأثبات، ج 1 ص 227.

كلكم كفرة (212)

وهذا النص وحده كاف لإدانيته وتكفيره عند السلفية.

هذه مجرد نماذج عن تكفير السلفية لكبار علماء المالكية في المجالات المختلفة، ويقاس عليهم غيرهم.. لأن إحصاء ذلك مستحيل لكثرته، وعلى العموم يمكن إطلاق القول بأن الأصل في كل متمذهب عندهم بمذهب مالك الكفر، وحتى يخرج منه يحتاج إلى إثبات، لأن أكثر علماء المالكية إن لم نقل كلهم كان له صلة بالمذهب الأشعري، أو يقول بالتأويل، بالإضافة للبعد الصوفي الذي شمل معظم متأخري المالكية، بالإضافة للبعد القبوري نتيجة تعظيم المالكية لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وللأولياء والصالحين.

المدرسة الشافعية

وهي من المدارس التي شمل التكفير السلفي أكثر أعلامها، إن لم نقل كلهم، وقد نص على بعض النماذج من ذلك صراحة الشيخ سليمان بن سحمان، فقد صرح بتكفير السبكي والرملي شارح المنهاج فقال: (فهذا الرجل الشهاب الرملي إن كان من المعروفين بالعلم لأني لا أعرف حاله فهو من جنس السبكي وأضرابه الغالين الذين يصنفون في إباحة الشرك زاعمين أن ذلك من تعظيم الرسول ثم لو كان الرملي من أهل العلم.. هذا يوجب كفره وارتداده) (1)

فتطبيق هذا النص وحده على أعلام الشافعية كاف في تكفير جميع المدرسة، ذلك أن أكثر علماء الشافعية إن لم نقل كلهم كانوا إخوانا للسبكي والرملي، أو نسخا مشابهة لهما.. وحتى الذين يرضى عنهم السلفية مثل ابن حجر العسقلاني، فقد رأينا تصريحاتهم وتلميحاتهم في تكفيره، ومثله النووي، وسنرى تكفيرهم له في هذا المبحث.

بل قد صرح بعضهم بتكفير الشّافعي صاحب المذهب نفسه باعتباره قبوريا متصوّفا يزكّي أبا حنيفة، ومن زكى الكافر كافر، فقد قال: (الشّافعي العاذريّ الارتيابيّ المرجئ

__________

(1) الصواعق المرسلة، 260..

كلكم كفرة (213)

المذهبيّ الجلد قبوري متصوّف يزكّي أبا حنيفة الّذي أجمع السّلف على تكفيره. وترحّمه عليه في كتابه [الأمّ] يبيّن أنّ تضليله له عنى به في أقصى الحالات تبديعا دون تكفير) (1)

واستدل على قبوريته بما رواه علي بن ميمون قال: سمعت الشافعي يقول: (إنى لأتبرك بأبي حنيفة وأجيء إلى قبره في كل يوم - يعني زائرا - فإذا عرضت لي حاجة صليت ركعتين وجئت إلى قبره، وسألت الله تعالى الحاجة عنده، فما تبعد عني حتى تقضى) (2)

بالإضافة إلى هذا فقد اتهم بالتشيع، واستندوا في ذلك كما ينقل الذهبي إلى موافقته الشيعة في عدة مسائل فقهية كالجهر بالبسملة والقنوت في صلاة الصبح والتختم باليمين (3).

وقد قال عنه الحافظ أحمد بن عبد الله العجلي: (هو ثقة، صاحب رأي ليس عنده حديث، وكان يتشيع)، وقد علق عليه الذهبي بعد أن نقل ذلك عنه بقوله: (فكان العجلي يوهم في الإمام أبي عبد الله التشيع لقوله:

إن كان رفضاً حب آل محمد... فلشهد الثقلان أني رافضي (4)

بل إن يحيى بن معين ـ إمام الجرح والتعديل على الإطلاق عند السلفية ـ حكم على الشافعي بأنه ليس بثقة، ومثله المحدث أبو عبيد القاسم بن سلام.

قال ابن عبد البر في [جامع بيان العلم وفضله]: (ومما نقم على ابن معين وعيب به أيضاً قوله في الشافعي أنه ليس بثقة، وقيل لأحمد بن حنبل: أن يحيى بن معين يتكلم في الشافعي. فقال أحمد: ومن أين يعرف يحيى الشافعي، وهو لا يعرف ولا يقول ما يقول الشافعي أو نحو هذا، ومن جهل شيئاً عاداه.. وقد صح عن ابن معين من طرق أنه كان

__________

(1) انظر مقالا بعنوان: الشّافعي العاذريّ المرجئ المذهبيّ الجلد قبوري متصوّف يزكّي أبا حنيفة، مدونة الموحدين الغرباء.

(2) تاريخ بغداد (1/ 123)

(3) الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لايوجب ردهم ص 32.

(4) الرواة الثقات المتكلم فيهم بما لايوجب ردهم ص 32.

كلكم كفرة (214)

يتكلم في الشافعي على ما قدمت لك حتى نهاه أحمد بن حنبل، وقال له: لم تر عيناك قط مثل الشافعي) (1)

أما النووي ـ شارح صحيح مسلم وغيره ـ فحاله لا يختلف عن حال ابن حجر، ذلك أن السلفية يرجعون كثيرا إلى كتبه، ويستدلون بها على خصومهم، وهذا ما جعلهم في حرج من التصريح بكفره، وإن كانوا يلمحون لذلك.

وقد كتب بعضهم كتابا في إثبات كفره، وفي الرد على السلفية المميعة والمرجئة ـ كما يذكر ـ وهو يلزمها بلوازم أقوالها في غيره، لأنه لامعنى أن يفرق بين الناس في الأحكام الشرعية.

والكتاب بعنوان [بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية]، وهو لإبراهيم بن رجا الشّمّريّ، وقد قال في مقدمته في بيان وجوب تسمية المبتدعة والتحذير منهم: (والمبتدع حقه الإهانة والثناء بالشر والتحذير والحذر، قال طاووس للناس لما رأى مبتدعاً يطوف في البيت: (هذا فلان، فأهينوه)، والعمل بهذه الواجبات والسنن متوقفة على معرفة أصحابها ومعرفتهم متوقفة على معرفة سنن السلف ومنهجهم في هذا الباب، فصار الأمر في غاية الأهمية والضرورة لتحقيق هذا المطلوب والتقرب إلى الله عز وجل به، لأجل هذا وغيره صنف الأئمة مصنفات مستقلة في بيان حال أهل الزيغ والكلام، وذكروا في مقامات تبيين السنة أئمة السنة بأسمائهم، وجعلوا حب المرء وذكره لهم علامة على سنيته، وكذلك ذكروا رؤوس المبتدعة بأسمائهم وجعلوا ذكرهم علامة على ابتداع ذاكرهم، وقد قال الوليد الكرابيسي –وصدق- في وصف أهل السنة: (ألم تروا إلى الواحد منهم يجيء إلى الرجل الجليل فيبدعه، ويمزق في وجهه)، هكذا هم أهل السنة ساروا على ما كان يبايع به النبي صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه من (أن يقولوا الحق أينما كان ولا يخافوا في الله لومة لائم)، فالواجب على كل

__________

(1) جامع بيان العلم وفضله، ج 2 ص 160.

كلكم كفرة (215)

متبع صادق في اتباعه إعمال هذا المنهج في الحكم على الصغير والكبير مهما عظمت منزلت المرء عند بعض الخلق فلا يخاف السني في الله لومة لائم) (1)

وبناء على هذه الدوافع التي سنها السلفيون الأوائل، والتي لا يكون السلفي سلفيا إلا بمراعاتها، رد على المتقلبين من السلفية الذين يكيلون بالمكاييل المزدوجة، فيظهرون سلفيتهم مع من شاءوا، فيكفرونهم، ويتميعون مع آخرين، فيسكتون عنهم، فقال: (وبما أنه قد أثيرت في السنوات الأخيرة مسألة الحكم على بعض الأشخاص والموقف منهم ومن آثارهم من تصانيف ومؤلفات، وقد تناولها البعض بشيء من العاطفة وعدم الضبط لأصول أهل السنة في باب التبديع والحكم على المخالف مما نتج عنه فساد عظيم من نشر أصول بدعية وقواعد تمييعية لو طبقت لم تكد أن تبقي على الأرض مبتدعا، ولأظهرت منهج السلف عند إلتزامها –عياذا بالله- بصورة المنهج المتعسف الظالم الذي يخمد الحسنات ويطوي الخيرات ويذكر الهنات ويسقط العلماء بالزلات، ولأظهر أهله –وهم سلفنا الكرام- بصورة المنحرفين عن الطريق المستقيم وعن العدل حين الحكم في الرجال، والله المستعان على زمان فشت فيه البدع، وظهرت فيه الضلالات والموبقات حتى أصبح يصرخ ويقال لمن دعا إلى السنة (غيرت السنة)، ووالله (لو أن رجلا أنشر فيكم من السلف، ما عرف غير هذه القبلة) كما قال أبوقلابة رحمه الله تعالى في زمان هو خير من زماننا هذا) (2)

بناء على هذه الدوافع السلفية ذكر الكاتب دوافعه لاختيار النووي كشخصية تمثل المدارس الفقهية في غالب تاريخها، فقال: (لذا ارتأيت نشر هذه الرسالة مشاركة في الخير، ومن باب عدم حقران شيء من المعروف.. وقد اخترت من بين تلك الأسماء المشهورة والتي كانت سببا في إيقاع كثير من الشرور بناءا على الموقف منها: شارح صحيح الإمام

__________

(1) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 8.

(2) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 9.

كلكم كفرة (216)

مسلم يحيى بن شرف المعروف بالنووي، وذلك لظهور حاله عند من خبره، مما يجعل النزاع لأجله والتبديع والتجديع للمحذر من طريقته والمبين لمنهجه نزاعا غريبا أجنبيا عن العلم وأهله لا ينبغي تركه من غير تحقيق المسائل التي تعلقت به والتي ترتب من ورائها ما ترتب من الآثار، وقد اختار قوم –ممن عرفوا الحق- الدعة والسلامة -فيما يظنونه – في ترك البيان لحقيقة هذه المسائل خوفا من ألسن الطاعنين من الجهلة والسفهاء وما أكثرهم، وهم في هذا قد وقعوا في شر عظيم وغش مبين) (1)

بناء على هذا قسم فصول الكتاب عارضا لأقوال النووي على محكات التكفير السلفية، والتي على أساسها كفر الجهمية والمعتزلة والصوفية وغيرهم.. وهو يطالب في ذلك كله أصحابه من السلفية الجبناء ـ كما يسميهم ـ بالتصريح بدل التمليح، وبترك الكذب على أنفسهم وعلى الناس.

وقد بدأ ذلك كله بذكر عقيدته ـ الجهمية كما يسميها ـ في العلو والجهة، فنقل من قوله في (شرح مسلم) قوله في حديث الجارية: (هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيها مذهبان تقدم ذكرهما مرات في كتاب الإيمان، أحدهما: الإيمان به من غير خوض في معناه مع اعتقاد أن الله تعالى ليس كمثله شيء وتنزيهه عن سمات المخلوقات، والثاني تأويله بما يليق به فمن قال بهذا قال: كان المراد امتحانها هل هي موحدة تقر بأن الخالق المدبر الفعال هو الله وحده وهو الذي إذا دعاه الداعي استقبل السماء كما إذا صلى المصلي استقبل الكعبة وليس ذلك لأنه منحصر في السماء كما أنه ليس منحصرا في جهة الكعبة بل ذلك لأن السماء قبلة الداعين كما أن الكعبة قبلة المصلين أو هي من عبدة الأوثان العابدين للأوثان التي بين أيديهم فلما قالت في السماء علم أنها موحدة وليست عابدة للأوثان..) (2)

__________

(1) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 9.

(2) شرح مسلم: 5/ 24.

كلكم كفرة (217)

ثم نقل عن القاضي عياض قوله: (لا خلاف بين المسلمين قاطبة فقيههم ومحدثهم ومتكلمهم ونظارهم ومقلدهم أن الظواهر الواردة بذكر الله تعالى في السماء كقوله تعالى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذَا هِيَ تَمُورُ} [الملك: 16] ونحوه ليست على ظاهرها بل متأولة عند جميعهم، فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول في السماء أي على السماء، ومن قال من دهماء النظار والمتكلمين وأصحاب التنزيه بنفي الحد واستحالة الجهة في حقه سبحانه وتعالى تأولوها تأويلات بحسب مقتضاها) (1)

وقد علق الشمري على هذا النص بقوله: (حاصل هذا التقرير أن النووي لا يثبت العلو للعزيز القهار، وأنه يدور في كلامه الآنف الذكر على ما دارت حوله الجهمية الأوائل، قال محمد بن يحيى بن سعيد القطان: كان أبي وعبد الرحمن بن مهدي يقولان: (الجهمية تدور أن ليس في السماء شيء)، وأخرج عبدالله في السنة عن حماد بن زيد قال: (إن هؤلاء الجهمية إنما يحاولون يقولون: ليس في السماء شيء)، وقال جرير بن عبدالحميد: (كلام الجهمية أوله عسل وآخره سم، وإنما يحاولون أن يقولوا ليس في السماء إله).. وعلق البخاري في خلق أفعال العباد وصححه ابن القيم عن وهب بن جرير قوله: (إياكم ورأي جهم، فإنهم يجادلون أنه ليس في السماء شيء، وما هو إلا من وحي إبليس، وما هو إلا الكفر)، فالنووي هنا إنما جنح في هذه المسألة إلى رأي جهم عياذا بالله) (2)

وبناء عليه حكم عليه بالكفر، وفي الصفحات الأولى من كتابه، ومن نص واحد من النصوص التي ذكرها في شرحه على صحيح مسلم.. وما زاد على ذلك، فهو تكفير على تكفير، وتضليل على تضليل.

__________

(1) شرح مسلم: 5/ 24.

(2) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 12.

كلكم كفرة (218)

وهكذا تعامل مع موقفه من حديث النزول، فقد قال النووي فيه: (هذا الحديث من أحاديث الصفات، وفيه مذهبان مشهوران للعلماء.. ومختصرهما أن أحدهما: وهو مذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين أنه يؤمن بأنها حق على ما يليق بالله تعالى وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد.. ولا يتكلم في تأويلها مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق وعن الانتقال والحركات وسائر سمات الخلق.. والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعات من السلف وهو محكي هنا عن مالك والأوزاعي أنها تتأول على ما يليق بها بحسب مواطنها فعلى هذا تأولوا هذا الحديث تأويلين: أحدهما تأويل مالك بن أنس وغيره معناه تنزل رحمته وأمره وملائكته كما يقال فعل السلطان كذا إذا فعله أتباعه بأمره، والثاني أنه على الاستعارة ومعناه الإقبال على الداعين بالإجابة واللطف) (1)

وقد علق عليه بذكر كلام السلف في منكر النزول، واعتباره جهميا، ثم قال: (سبق بيان بطلان الزعم أن مذهب السلف التفويض وزاد هنا بلية أخرى وهي قوله (مع اعتقاد تنزيه الله تعالى عن صفات المخلوق وعن الانتقال والحركات)، وهذا كذب آخر على السلف فإن الحركة قد أثبتها عامة السلف والقول بنفيها هو المشهور عند الجهمية ومن وافقهم، يقول حرب الكرماني في السنة: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها، وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئًا من هذه المذاهب، أو طعن فيها، أوعاب قائلها فهو مبتدع خارج من الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق، وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد، وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور، وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم فكان من قولهم... والله تبارك وتعالى سميع لا يشك، بصير لا يرتاب، عليم لا يجهل، جواد لا يبخل، حليم لا يعجل، حفيظ لا ينسى، يقظان لا يسهو، رقيب لا

__________

(1) شرح مسلم: 6/ 36.

كلكم كفرة (219)

يغفل، يتكلم ويتحرك) (1)

ونقل عن ابن تيمية في تكفير من يؤول هذا قوله: (.. وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين، وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم، كحرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما، بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة، وأن ذلك هو مذهب أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين، وذكر حرب الكرماني أنه قول من لقيه من أئمة السنة كأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد ين منصور، وقال عثمان بن سعيد وغيره: إن الحركة من لوازم الحياة، فكل حي متحرك، وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات، الذين اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم) (2)

وبعد أن أتى بالنصوص الكثيرة الدالة على تكفير السلف ـ بمن فيهم ابن تيمية ـ لمن أنكر النزول، أو أوله، أو فوض فيه، علق عليها بقوله ـ منكرا على من يسميهم المميعة الذين يكيلون بالمكاييل المزدوجة، فيوزعون التكفير بحسب المصلحة ـ: (فهذا شيء من أقوال السلف فيمن يرد حديث النزول، أما حاله عند كثير من الخلف هو: أن هذا لا ينقص من مكانته ولا علمه ولكل جواد كبوة، وليس من شرط العالم أن لا يزل.. وما دام قدم في خدمة السنة ما قدم فهو إمام) (3)

ثم رد على هذه الأقوال التي انتهجها أصحاب التكفير التلميحي بقوله: (فأقول نعم قولكم (هذا لاينقص من مكانته) هذا على طريقة الخلف، أما على سنن السلف فإن الأمر مختلف فإن تلبس المرء بالبدع مما ينقص مكانته عندهم بلا مثنوية كما قال السجزي عنهم: كان في وقتهم علماء لهم تقدم في علوم، واتباع على مذهبهم لكنهم وقعوا في شيء من البدع

__________

(1) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 63.

(2) درء تعارض العقل والنقل (2/ 7)

(3) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 63.

كلكم كفرة (220)

إما القدر، وإما التشيّع أو الإرجاء عرفوا بذلك فانحطت منزلتهم عند أهل الحق.. وأما إدخال هذه البدع الكفرية في قول من يقول (لكل جواد كبوة) باطل لازمه الطعن في السلف، إذ الكلام هنا عن (الكبوات الكبرى =البدع والضلالات الكبرى) فمن زعم أن لكل عالم كبوات من هذا الجنس فقد طعن في العلماء، وعلى رأس العلماء السلف الكرام، فانظر كيف وقع هؤلاء القوم في الطعن بالعلماء دفاعاً عن المنحرفين.. أما أنه (ليس من الشرط العالم أن لا يزل) فصحيح، ولكن من شرطه ألا يكثر منه أو يفحش في الزلات العظام، وإلا فما الفرق بين العالم والجاهل حينئذ، بل قد يصير العالم جاهلاً بزلة واحدة.. كما أنه قد يرفع اسم الإيمان –لا الإسلام- بزلة واحدة.. ثم إن العالم حقاً هو الفقيه المتبع لا المبتدع المخالف للسنة.. وأما قول القائل في معرض الكلام عمن وقع في بدع كبرى (كفى بالمرء نبلاً أن تعد معايبه) غلو في الإرجاء، إذ جَعل الوقوع في هذه الضلالات من النبل، وهذا من أقبح الإرجاء عند (مرجئة التبديع=الذين لا يريدون أن يبدعوا إلا المعاند المتعمد في مخالفة الشرع).. وأما قولهم (ما دام قدم في خدمة السنة ما قدم فهو إمام) أقول نعم، هذا على طريقة المنتكسين من الخلف في حصانتهم البدعية لكل من توسع في معرفة المعلومات، أما سلفنا الصالح فوربي قد بدعوا وضللوا أناساً أفضل من الشارح بكثير كيعقوب بن شيبة والكرابيسي وداود الظاهري وغيرهم، ورضي الله عن حذيفة القائل (إن كان الرجل ليتكلم بالكلمة على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فيصير بها منافقا، وإني لأسمعها اليوم من أحدكم عشر مرات).. فالرجل قد يخرج بكلمة واحدة من السنة بل من الإسلام) (1)

وهكذا تعامل معه في موقفه من تأويل صفة العين ـ كم يراها السلفية ـ كما نص على ذلك في شرحه لما رووه عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من قوله: (إن الله تبارك وتعالى ليس بأعور ألا إن المسيح الدجال أعور عين اليمنى): (معناه أن الله تعالى منزه عن سمات الحدث وعن جميع

__________

(1) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 79.

كلكم كفرة (221)

النقائص وأن الدجال مخلوق من خلق الله تعالى ناقص الصورة فينبغي لكم أن تعلموا هذا وتعلموه الناس لئلا يغتر بالدجال من يرى تخييلاته وما معه من الفتنة) (1)

وقد علق الشمري على هذا تعليقا مطولا بإيراد أقوال السلف في تنكير منكر هذا، أو مؤوله، ومما جاء فيه قوله: (هذا تعطيل لدلالة الحديث هربا من إثبات الصفة، فإن صفة العين ثابتة بالكتاب والسنة والآثار وقد أجمع العلماء وأئمة الدين على إثباتها.. قال ابن خزيمة في كتاب التوحيد: (فواجب على كل مؤمن أن يثبت لخالقه وبارئه ما ثبت الخالق البارئ لنفسه، من العين، وغير مؤمن من ينفي عن الله تبارك وتعالى ما قد ثبته الله في محكم تنزيله، ببيان النبي صلى الله عليه وآله وسلم الذي جعله الله مبينا عنه، عز وجل، في قوله: {وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ} [النحل: 44].. وقد قال ابن عثيمين في عقيدة أهل السنة والجماعة: (وأجمع أهل السنة على أن العينين اثنتان، ويؤيده قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم في الدجال (إنه أعور، وإن ربكم ليس بأعور) (2)، وبهذا يعلم أن النووي في تأويله لهذه الصفة أيضا سلك مسلك الجهمية ومن وافقهم وخالف الكتاب والسنة والإجماع) (3)

وبعد أن ذكر الشمري فصولا كثيرة تبين وقوع النووي في التجهم والتعطيل، وأنه لا يصح السكوت عن تكفيره، كما لم يصح السكوت عن تكفير غيره، عقد فصلا خاصا بتوحيد الألوهية عند النووي، ليثبت فيه وقوعه في الشرك الجلي.. ليضم إلى تجهمه وتعطيله الشرك الجلي المخرج من الملة.

وقد قدم لذلك الفصل بما تنص عليه الرؤية السلفية، وخاصة الوهابية من تعظيم هذا النوع من التوحيد، فقال: (فإن من المعلوم لدى كل موحد –إن شاء الله- أن الله

__________

(1) شرح النووي على مسلم 2 - 236.

(2) عقيدة أهل السنة والجماعة ص 12.

(3) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 84.

كلكم كفرة (222)

عزوجل خلق العباد لعبادته وتعظيمه.. وقد بين نبينا صلى الله عليه وآله وسلم التوحيد أتم بيان، وحمى جناب التوحيد أتم حماية وسد وسائل الشرك أكمل إسداد، وهذه المسألة =مسألة سد الوسائل المفضية إلى الشرك ـ مسألة عظيمة، فالشرك إنما حصل في هذه الأمة بسبب الفتنة في القبور والغلو فيها، وبسبب الغلو في الصالحين، والغلو في الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، فالشرك إنما حصل في هذه الأمة بسبب هذه الأمور، منذ أن بنيت المساجد على القبور، ومنذ أن ظهر التصوف في هذه الأمة، والشرك يكثر ويتعاظم في هذه الأمة الا من رحم الله فالأمر خطير جدا.. فالرسول صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الصلاة عند القبور، ونهى عن الدعاء عند القبور، ونهى عن البناء على القبور، ونهى عن العكوف عند القبور، واتخاذ القبور عيدا، إلى غير ذلك، كل هذا من الوسائل التي تفضي إلى الشرك، وهي ليست شركا في نفسها، بل قد تكون مشروعة في الأصل، ولكنها تؤدي إلى الشرك بالله عز وجل، ولذلك منعها صلى الله عليه وآله وسلم.. وكره صلى الله عليه وآله وسلم إطلاق [الإستغاثة] عليه فيما يستطيعه، ويقدر عليه، حماية لجناب التوحيد، وسدا لذريعة الشرك، وإن كان يجوز إطلاقه فيما يقدر عليه المخلوق، فحماية جناب التوحيد من مقاصد الرسول صلى الله عليه وآله وسلم، ومن قواعد هذه الشريعة المطهرة.. فالأمر في هذا الباب كما قال عبداللطيف آل شيخ: حماية جناب التوحيد، وسد الذرائع الشركية: من أكبر المقاصد الإسلامية) (1)

ثم ذكر من أدلة وقوع النووي في الشرك الجلي قوله في [المجموع] مبينا ما يستحب أن يقوله من يزور النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا وقف أمام قبره، فقد قال: (ثم يرجع إلى موقفه الأول قبالة وجه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويتوسل به في حق نفسه ويستشفع به إلى ربه سبحانه وتعالى، ومن أحسن ما يقول ما حكاه الماوردي والقاضي أبو الطيب وسائر أصحابنا - يعني سائر الشافعية - عن العتبي مستحسنين له، قال: (كنت جالسا عند قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فجاء أعرابي فقال: السلام عليك يا رسول الله، سمعت الله يقول: (ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم

__________

(1) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 190.

كلكم كفرة (223)

جاءوك فاستغفروا الله وأستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما) وقد جئتك مستغفرا من ذنبي مستشفعا بك إلى ربي) (1)

ثم علق على هذا بقوله: (وهذا القول خلل في التوحيد من الشارح –كفى الله المسلمين شره- فإن قوله عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يتوسل به.. يستشفع به..)، ألفاظ يستمعلها هؤلاء المتصوفة ومرادهم منها السؤال والاستغاثة بالمخلوقين لا مجرد التوسل بذاته صلى الله عليه وآله وسلم حال سؤال الله تعالى، ولا يستغربن مستغرب عدي للشارح من المتصوفة فإنه متصوف جلد، وله كتاب اسمه [المقاصد] ذكر فيه أصول التصوف الخمسة، كما أنه قد أخذ الطريقة الصوفية من شيخه -في الخزعبلات! - ياسين المراكشي، كما قال السخاوي في كتابه [المنهل الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي] عن النووي نقلا عن السبكي في الطبقات الكبرى: شيخه في الطريق [قلت: أي التصوف]: الشيخ ياسين المراكشي، الماضي، ويشهد له ما أسلفناه عن الذهبي في ترجمته: أن الشيخ كان يخرج إليه ويتأدب معه ويزوره، ويرجو بركته ويستشيره في أمور) (2)، وللنووي أذكار مشهورة لايزال المتصوفة يرونها بأسانيدهم متصلة إليه، فهذه حقيقة لا شك فيها عند المنصفين المطلعين، ولكن بعض الناس حالهم كما قال الله تعالى {إن الذين حقت عليهم كلمت ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية}) (3)

ثم لخص حكمه على النووي بناء على ذلك النص، فقال: (والمقصود وبناءا على ما تقدم يقال هنا: إن أراد الشارح بالتوسل والاستشفاع أي: سؤال الله عند قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم متوسلا بذاته صلى الله عليه وآله وسلم فهذه بدعة شركية ووسيلة من وسائل الشرك الأكبر عياذا بالله، وإن أراد الشارح الاستدلال بهذا الأثر على سؤال النبي صلى الله عليه وآله وسلم والاستغاثة به –وهي التي يسميها

__________

(1) المجموع، 8 – 274.

(2) المنهل الروي في ترجمة قطب الأولياء النووي ص 5.

(3) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 191.

كلكم كفرة (224)

أصحاب الشارح من المتصوفة توسلا- فهذا شرك أكبر مخرج من الملة، علما بأنه قد استدل غير واحد من الملاحدة بهذه القصة على دعاء الأموات والاستغاثة بهم منهم محمد الكسم وداود بن جرجيس وغيرهما من أهل الزندقة والشرك) (1)

هذه مجرد نماذج عن الموقف من فقيه محدث له وزنه في المذهب الشافعي خصوصا، وعند سائر المذاهب الإسلامية عموما.. ولا يخرج سائر فقهاء المدرسة الشافعية عن هذا النسيج، بل لعل فيهم من هو أكثر تطرفا بالنسبة للمواقف السلفية.

وسنذكر هنا بناء عليه نماذج أخرى، وخاصة منها تلك التي وقفت موقفا سلبيا من ابن تيمية وعقيدته.. وفي ذلك كفاية للدلالة على الكفر عند السلفية، لأن المنكر على ابن تيمية في العقيدة إما أن ينكر عليه في الصفات، فيكون بذلك جهميا مؤولا معطلا، أو ينكر عليه في الموقف من التوسل والاستغاثة والتبرك، فيكون بذلك قبوريا مشركا.

فمن هؤلاء الأعلام من الشافعية الذين يشملهم التكفير السلفي الفقيه الشيخ نجم الدين أحمد بن محمد ابن الرفعة الشافعي المصري (المتوفى 710 هـ) الذي وصفه ابن قاضي شهبه الدمشقي في (طبقات الشافعية) بأنه (الشيخ العالم العلامة شيخ الإسلام وحامل لواء الشافعية في عصره) (2)، وقد كان من الذين انتدبوا لمناظرة ابن تيمية، وهذا يدل على خلافه معه في المسائل التي ذكرنا.

ومنهم المفتي قاضي القضاة الشيخ كمال الدين محمد بن علي بن عبدالواحد الزملكاني الأنصاري الشافعي (المتوفى 727 هـ) الذي انتهت إليه رئاسة المذهب الشافعي تدريساً وإفتاء ومناظرة، وله مؤلفات في الردّ على ابن تيمية منها (العمل المقبول في زيارة

__________

(1) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 192.

(2) طبقات الشافعية، ابن قاضي شهبة، ج 3 ص 66.

كلكم كفرة (225)

الرسول) (1)، وهو بذلك يصنف ضمن القبورية عند السلفية.

وقد ذكر ابن كثير ـ تلميذ ابن تيمية النجيب ـ معجزة تحققت لابن تيمية ـ تتعلق بابن الزملكاني، وكيف أن المنية عاجلته قبل عودته إلى الشام فمات في الطريق بسبب دعاء ابن تيمية، قال ابن كثير: (وكان من نيته الخبيثة إذا رجع إلى الشام متولياً أن يؤذي شيخ الإسلام ابن تيمية، فدعا عليه فلم يبلغ أمله ومراده فتوفي في سحر يوم الأربعاء سادس عشر شهر رمضان بمدينة بلبيس) (2)

ومنهم المفتي المحدث الشيخ شهاب الدين أحمد بن يحيى بن إسماعيل بن جهبل الحلبي (المتوفى 733 هـ)، وهو من علماء دمشق والقدس وكان مفتياً ومحدثاً ومعلماً، وصفه الذهبي قائلاً: (ابن جهبل العلامة، مفتي المسلمين) (3)، وله ردٌّ طويلٌ على ابن تيمية في نفي الجهة أورده السبكي في طبقات الشافعية الكبرى.. وذلك الرد وحده كاف لتكفيره عند السلفية.. فالجهة عندهم لا تقل عن التوحيد، بل تفوقه لأن منكر الجهة يقول بعدم الإله كما نص على ذلك سلفهم.

ومنهم الحافظ قاضي القضاة الشيخ تقي الدين علي السبكي الشافعي (المتوفى 756 هـ)، وهو من علماء الشافعية الكبار، بل هو مثلهم الأعلى، ويمثل طبقة كبيرة من العلماء في عصره ومن بعدهم إلى عصرنا الحالي.. ولذلك فإن تكفير السلفية له تكفير لكن من اتبعه أو استفاد منه أو اعتقد عقيدته.

ومن أهم ما يلزم السلفية بتكفيره زيادة على رميهم له ولأمثاله بالتجهم والتعطيل هو تلك المصنفات التي تجعله عندهم من القبورية والمشركين شركا جليا، فمن مؤلفاته:

__________

(1) طبقات الشافعية الكبرى، ج 5 ص 106.

(2) البداية والنهاية، ج 2 ص 2169.

(3) ذيل تاريخ الإسلام، ص 307.

كلكم كفرة (226)

(شفاء السقام في زيارة خير الأنام)، و(الدرة المضية في الردّ على ابن تيمية)، و(شنّ الغارة على من أنكر سفر الزيارة)

وسأنقل هنا من رسالته (الدرة المضية في الردّ على ابن تيمية) ما يلزم السلفية بالحكم عليه بمثل ما حكم ابن عبد الوهاب على محمد بن فيروز الحنبلي، والذي كفره بأقل مما قاله وفعله السبكي وإخوانه من الشافعية، فقد محمد بن عبد الوهاب في ابن فيروز: (ولكن تعرف ابن فيروز أنه أقربهم إلى الإسلام وهو رجل من الحنابلة، وينتحل كلام الشيخ وابن القيم خاصة ومع هذا صنف مصنفاً أرسله إلينا قرر فيه هذا الذي يفعل عند قبر يوسف وأمثاله هو الدين الصحيح) (1)

أما السبكي فينكر ابن تيمية ومدرسته أصلا، فقد قال في [الدرة المضيئة]: (فإنه لما أحدثَ ابنُ تيمية ما أحدثَ في أصول العقائد، ونقضَ من دعائم الإسلام الأركان والمعاقد، بعد أن كان مستتراً بتبعية الكتاب والسنة، مظهراً أنه داعٍ إلى الحق هادٍ إلى الجنة، فخرج عن الاتِّباع إلى الابتداع، وشذَّ عن جماعة المسلمين بمخالفة الإجماع...) (2)

وقال في كتابه (شفاء السقام في زيارة خير الأنام): (اعلم أنه يجوز ويحسن التوسل والاستغاثة والتشفع بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم إلى ربه سبحانه وتعالى، وجواز ذلك وحُسنه من الأمور المعلومة لكل ذي دين، المعروفة من فعل الأنبياء والمرسلين وسير السلف الصالحين والعلماء والعوام من المسلمين، ولم ينكر أحد ذلك من أهل الأديان، ولا سمع به في زمن من الأزمان، حتى جاء ابن تيمية فتكلم في ذلك بكلام يُلبس فيه على الضعفاء الأغمار وابتدع ما لم يسبق إليه في سائر الأعصار.. وحسبك أن إنكار ابن تيمية للاستغاثة والتوسل

__________

(1) الرسائل الشخصية (1/ 121)

(2) الدرة المضية، تقي الدين السبكي، ص 3.

كلكم كفرة (227)

قول لم يقله عالم قبله وصار به بين أهل الإسلام مُثلة) (1)

وقال في كتابه (فتاوى في فروع الفقه الشافعي) عن ابن تيمية: (وهذا الرجل كنت رددت عليه في حياته في إنكاره السفر لزيارة المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، وفي إنكاره وقوع الطلاق إذا حلف به، ثم ظهر لي من حاله ما يقتضي أنه ليس ممن يعتمد عليه في نقل ينفرد به لمسارعته إلى النقل لفهمه، كما في هذه المسألة، ولا في بحث ينشئه لخلطه المقصود بغيره، وخروجه عن الحد جداً، وهو كان مكثراً من الحفظ ولم يتهذب بشيخ، ولم يرتض في العلوم، بل يأخذها بذهنه، مع جسارته واتساع خياله، وشغب كثير، ثم بلغني من حاله ما يقتضي الإعراض عن النظر في كلامه جملة، وكان الناس في حياته ابتلوا بالكلام معه للرد عليه، وحبس بإجماع المسلمين وولاة الأمور على ذلك ثم مات. ولم يكن لنا غرض في ذكره بعد موته لأن تلك أمة قد خلت، ولكن له أتباع ينعقون ولا يعون، ونحن نتبرم بالكلام معهم ومع أمثالهم، ولكن للناس ضرورات إلى الجواب في بعض المسائل) (2)

هذه أمثلة مما قاله في بعض كتبه ورسائله، وهو يدل على أن صفات أتباع ابن تيمية من السلفية المعاصرين للسبكي لا يختلفون في أي شيء عن أتباع أتباع ابن تيمية بعدهم إلى عصرنا، وكيف يختلفون ومأكل عقولهم ومشربها واحد، وهو تلك الكتب المليئة بالحقد والكراهية على جميع المسلمين، بل على جميع البشر.

ومن أتباع المدرسة الشافعية الذين سلط عليهم السلفية سيف التكفير الإمام الحافظ المفتي الشيخ صلاح الدين خليل العلائي الدمشقي المقدسي (المتوفى 760 هـ)، الذي ألف كتابا في مشروعية زيارة قبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، والرد على ابن تيمية في ذلك، وذلك ما يجعله قبوريا جلدا ـ كما يعبر السلفية ـ

__________

(1) شفاء السقام، تقي الدين السبكي، ص 171.

(2) فتاوى السبكي في فروع الفقه الشافعي، تقي الدين السبكي، ج 2 ص 163.

كلكم كفرة (228)

ومنهم الحافظ قاضي القضاة العز بن جماعة (المتوفى 767 هـ) الذي ذكر المؤرخون أنه وقّع على فتوى ابن تيمية بعدم جواز شد الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقبور الأنبياء بقوله: (القائل بهذه المقالة ضال مبتدع) (1).. وذلك يكفي لاعتباره قبوريا مشركا، بالإضافة لتجهمه وتعطيله الذي لا يخلو منه شافعي صادق الاتباع للشافعي.

ومنهم الشيخ عفيف الدين أبو السعادات اليافعي المكي الشافعي، (المتوفى 768 هـ) صاحب الكتاب التاريخي المشهور (مرآة الجنان وعبرة اليقظان)، وقد أرخ فيه لسنة وفاة ابن تيمية بقوله: (وفيها مات بقلعة دمشق الشيخ الحافظ الكبير تقي الدين أحمد بن عبدالحليم بن عبدالسلام بن عبدالله بن تيمية معتقلاً، ومنع قبل وفاته بخمسة أشهر من الدواة والورق.. سمع من جماعة وبرع في حفظ الحديث والأصلين، وكان يتوقد ذكاء ومصنفاته قيل أكثر من مائتي مجلد، وله مسائل غريبة أنكر عليه فيها وحبس بسببها مباينة لمذهب أهل السنة، ومن أقبحها نهيه عن زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وطعنه في مشائخ الصوفية العارفين كحجة الإسلام أبي حامد الغزالي والأستاذ الإمام أبي القاسم القشيري والشيخ ابن العريف والشيخ أبي الحسن الشاذلي وخلائق من أولياء الله الكبار الصفوة الأخيار.. وكذلك عقيدته في الجهة وما نقل عنه فيها من الأقوال الباطلة، وغير ذلك مما هو معروف في مذهبه) (2)

وهذا النص وحده كاف عند السلفية لإدانيته بالتصوف والتجهم والقبورية والشرك الجلي والطعن في المقدسين المعصومين من أهل الحديث.

ومنهم قاضي القضاة المحدث الشيخ تاج الدين السبكي الشافعي (المتوفى 771 هـ)، صاحب (طبقات الشافعية الكبرى) وغيرها من المؤلفات التي لا يزال الشافعية وغيرهم

__________

(1) دفع شبه من شبه وتمرد، أبو بكر الحصني، ص 325.

(2) مرآة الجنان وعبرة اليقظان، عبدالله بن أسعد اليافعي، ج 4 ص 209.

كلكم كفرة (229)

يعتمدونها، وهو لا يختلف عن والده في عقيدته أو مواقفه من ابن تيمية.

وقد قال في ترجمته لوالده الحافظ السبكي الذي مر معنا في هذا المبحث، والذي كان معاصرا لابن تيمية ومن المتصدين له: (إمامٌ ناضح عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بنضاله وجاهد بجداله ولم يلطخ بالدماء حد نصاله، حمى جناب النبوة الشريف بقيامه في نصره وتسديد سهامه للذب عنه من كنانة مصره فلم يخط على بعد الديار سهمه الراشق ولم يخف مسام تلك الدسائس فهمه الناشق، ثم لم يزل حتى نقى الصدور من شبه دنسها ووقي من الوقوع في ظلم حندسها، قام حين خلط على ابن تيمية الأمر وسول له قرينه الخوض في ضحضاح ذلك الجمر حين سد باب الوسيلة يغفر الله له ولا حرمها، وأنكر شدّ الرحال لمجرد الزيارة لا واخذه الله) (1)

ومنهم المحدث الكبير الذي يرجع إليه السلفية كثيرا في كتبه ومنظوماته الحديثية مع أنهم يكفرونه الحافظ زين الدين عبدالرحيم بن الحسين العراقي (المتوفى 804 هـ) الذي نقل عنه تلميذه الحافظ بدر الدين العيني في (عمدة القاري شرح صحيح البخاري) ما يدل على كونه قبوريا جلدا ـ كما يعبر السلفية ـ فقد قال ناقلا عنه: (.. وأما تقبيل الأماكن الشريفة على قصد التبرك وكذلك تقبيل أيدي الصالحين وأرجلهم فهو حسن محمود باعتبار القصد والنية، وقد سأل أبو هريرة الحسن أن يكشف له المكان الذي قبله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وهو سرته فقبله تبركاً بآثاره وذريته صلى الله عليه وآله وسلم، وقد كان ثابت البناني لا يدع يد أنس حتى يقبلها ويقول: يد مست يد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وقال أيضاً: وأخبرني الحافظ أبو سعيد بن العلائي قال: رأيت في كلام أحمد بن حنبل في جزء قديم عليه خط ابن ناصر وغيره من الحفاظ، أن الإمام أحمد سُئل عن تقبيل قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وتقبيل منبره فقال: لا بأس بذلك. قال: فأريناه للشيخ تقي الدين بن تيمية فصار يتعجب من ذلك ويقول: عجبت أحمد عندي جليل يقوله؟ هذا كلامه

__________

(1) طبقات الشافعية الكبرى، ج 5 ص 310.

كلكم كفرة (230)

أو معنى كلامه. وقال: وأي عجب في ذلك وقد روينا عن الإمام أحمد أنه غسل قميصاً للشافعي وشرب الماء الذي غسله به وإذا كان هذا تعظيمه لأهل العلم فكيف بمقادير الصحابة وكيف بآثار الأنبياء عليهم الصلاة والسلام) (1)

وقيمة هذا النص أنه يضع كلا الإمامين الكبيرين الشافعي وأحمد تحت سطوة السيف التكفيري السلفي، خاصة وأن الذي ذكر هذا موثوق عندهم في الفن الذي يتصورون أنهم يحتكرونه علم الحديث.

وقد ذكرنا سابقا أن الرؤية التي يتصورها أصحاب المذاهب لأئمة مذاهبهم تختلف اختلافا جذريا عن الرؤية السلفية، ولهذا فإن من الحيل التي يستعملها من ينفي التكفير عن السلفية هو قولهم: نحن لا نكفر أصحاب مالك ولا الشافعي.. وهم يريدون بذلك أصحابهم الذين يتصورون أنهم يتبعون أولئك الأئمة بحسب الصورة السلفية.

وهكذا عندما يقولون: لا نكفر أصحاب الأشعري، فالأشعري عندهم مختلف عن أشعري الأشعرية ذلك أنهم ينسبون إليه كتاب الإبانة الذي لا يختلف عن كتب ابن بطة والبربهاري، وأصحاب المدرسة الأشعرية ينكرون ذلك الكتاب.. والعبرة يما يقول أصحاب المدرسة، لا بما يقول غيرهم.

ومنهم الحافظ الشيخ ولي الدين نجل الحافظ زين الدين العراقي (المتوفى 826 هـ) الذي كفر كما كفر والده بسبب انتقاداته على ابن تيمية، وذلك في كتابه (الأجوبة المرضية في الردّ على الأسئلة المكية)

ومنهم الإمام الفقيه تقي الدين أبي بكر الحسيني الحصني الشافعي (المتوفى 829 هـ) الذي تهجوه كل كتب السلفية بسبب انتقاداته الشديدة على ابن تيمية، ومن تصريحاته التي تثبت قبوريته ـ كما يعبرون ـ قوله: (زيارة قبر سيد الأولين والآخرين محمد صلى الله عليه وآله وسلم وكرّم

__________

(1) عمدة القاري، بدر الدين العيني، ج 9 ص 349.

كلكم كفرة (231)

ومجّد من أفضل المساعي وأنجح القرب إلى رب العالمين وهي سُنة من سنن المسلمين ومجمع عليها عند الموحدين ولا يطعن فيها إلا من في قلبه خبث ومرض المنافقين، وهو من أفراخ السامرة واليهود وأعداء الدين من المشركين، ولم تزل هذه الأمة المحمدية على شدّ الرحال إليه على ممر الأزمان من جميع الأقطار والبلدان سواء في ذلك الزرافات والوحدان، والعلماء والمشايخ والكهول والشبان، حتى ظهر في السنين الخداعة مبتدع من حران لبّس على أتباع الدجال ومن شابههم من شين الأفهام والأذهان، وزخرف لهم من القول غروراً كما صنع إمامه الشيطان فصدهم بتمويهه عن سبل أهل الإيمان، وأغواهم عن الصراط السوي إلى بُنيات الطريق ومدرجة الشيطان فهم بتزويقه في ظلمة الخطأ والإفك يعمهون، وعلى منوال بدعته يهرعون، صُمّ بُكم عُميّ فهم لا يعقلون) (1)

وقال في مقدمة كتابه (دفع شبه من شبه وتمرد ونسب ذلك إلى الإمام أحمد) الذي ألفه في الرد على ابن تيمية، وفي حيله التي كان يعتمدها هو وأتباعه: (.. ثم اعلم أن مثل هؤلاء لا يقدرون على مقاومة العلماء إذا قاموا في نحره فجعل له مخلصاً منهم بأن ينظر إلى من الأمر إليه في ذلك المجلس، فيقول له ما عقيدة إمامك؟ فإذا قال: كذا وكذا قال: أشهد أنها حق، وأنا مخطيء، واشهدوا أني على عقيدة إمامك وهذا كان سبب عدم إراقة دمه، فإذا انفض المجلس أشاع أتباعه أن الحق في جهته ومعه، وأنه قطع الجميع، ألا تروه كيف خرج سالماً؟ حتى حصل بسبب ذلك افتتان خلق كثير، لا سيما من العوام، فلما تكرر ذلك منه علموا أنه إنما يفعل ذلك خديعة ومكراً، فكانوا مع قوله ذلك يسجنونه، ولم يزل ينتقل من سجن إلى سجن حتى أهلكه الله عز وجل في سجن الزندقة والكفر. ومن قواعده المقررة عنده وجرى عليها أتباعه التوقي بكل ممكن، حقاً كان أو باطلاً ولو بالأيمان الفاجرة، سواءً

__________

(1) دفع شبه من شبه وتمرد-تحقيق عبدالواحد مصطفى (ص: 294)

كلكم كفرة (232)

كانت بالله عزوجل أو بغيره) (1)

وقال ـ مبينا بعض خدع ابن تيمية، والتي لا يزال السلفية المعاصرون يستعملونها ـ: (ثم اعلم قبل الخوض في ذكر بعض ما وقع منه وانتقد عليه أنه يؤكد في بعض مصنفاته كلام رجل من أهل الحق ويدس في غضونه شيئاً من معتقده الفاسد، فيجري عليه الغبي بمعرفة كلام أهل الحق فيهلك وقد هلك بسبب ذلك خلق. وأعمق من ذلك أنه يذكر أن ذلك الرجل ذكر ذلك في الكتاب الفلاني وليس لذلك الكتاب حقيقة وإنما قصده بذلك انفضاض المجلس، ويؤكد قوله بأن يقول ما يبعد أن هذا الكتاب عند فلان، ويسمى شخصاً بعيد المسافة، كل ذلك خديعة ومكراً وتلبيساً، لأجل خلاص نفسه، ولا يحيق المكر السيء إلا بأهله) (2)

وقال: (إن ابن تيمية الذي كان يوصف بأنه بحر من العلم، لا يستغرب فيه ما قاله بعض الأئمة عنه من أنه زنديق مطلق، وسبب قوله ذلك أنه تتبع كلامه فلم يقف له على اعتقاد حتى أنه في مواضع عديدة يكفر فرقة ويضللها وفي آخر يعتقد ما قالته أو بعضه، مع أن كتبه مشحونة بالتشبيه والتجسيم، والإشارة إلى الازدراء بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم، والشيخين وتكفير عبدالله بن عباس وأنه من الملحدين، وجعل عبدالله بن عمر من المجرمين وأنه ضال مبتدع) (3)

ونحن وإن كنا لا نحبذ التكفير من أي طرف من الأطراف، لكن قيمة كتاب الحصني أنه كشف تلك الدسائس والحيل التي كان ابن تيمية يمارسها، والتي لا يزال أتباعه للأسف يفعلونها بحذاقة.. وكيف لا يفعلوها وهو إمامهم المقتدى، وشيخ إسلامهم

__________

(1) دفع شبه من شبه وتمرد، ص 314.

(2) دفع شبه من شبه وتمرد، ص 315.

(3) دفع شبه من شبه وتمرد، ص 343.

كلكم كفرة (233)

المعتبر.

ومنهم قاضي القضاة الشيخ نجم الدين عمر بن حجي السعدي الشافعي (توفي 830 هـ)، فمن أقواله في ابن تيمية ـ التي تدينه عند السلفية، بل تكفره ـ: (هذا الرجل المسئول عنه في الاستفتاء كان عالماً متعبداً، ولكنه ضلّ في مسائل عديدة عن الطريق المستقيم والمنهج القويم، لا جرم سجن بسجن الشرع الشريف بعد الترسيم وأفضى به إعجابه بنفسه إلى الجنوح إلى التجسيم الذي ابتدعته اليهود الذين أشركوا بالواحد الأحد المعبود. وتغالى فيه أصحابه وأتباعه حتى قدموه على جميع الأئمة وعلى علماء الأمة. وهجر مذهب الإمام أحمد الذي أتباعه بالإجماع أولى وأحمد، ورد عليه العلماء المحققون. وسجنه حكام الشريعة الأقدمون ونودى بدمشق أن لا ينظر أحدٌ في كلامه وكتبه وهرب كلٌّ من أتباعه ومَن هو على مذهبه واعتقاده. والعجب كل العجب من جُهَّال حنابلة هذا الزمان يغضبون إذا قيل لهم: (أخطأ ابن تيمية)، وربما اعتقد بعضهم أن قائل ذلك ملحد، ولا يغضبون إذا قيل لهم: أخطأ الشافعي وأبو حنيفة ومالك والإمام أحمد. اللهم اشهد أني برئ من كل مجسم ومشبه ومعطل وإباحي وحلولي واتحادي وزنديق وملحد ومن كل من خالف اعتقاد أهل السنة والجماعة. وبرئ من كل من منع من زيارة قبر سيدنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن شدّ الرحل إليه ومن زيارة قبور الأنبياء والمرسلين والأولياء والصالحين. اللهم وإني أسألك وأتوسل إليك بسيد الأولين والآخرين رسول رب العالمين والأولياء والصالحين أن تحييني على الإسلام وتميتني على الإيمان على اعتقاد أهل السنة والجماعة سالماً من اعتقاد أهل الزيغ والضلال والبدع والإضلال.) (1)

ومنهم الحافظ شهاب الدين أحمد بن محمد القسطلاني (المتوفى 923 هـ) صاحب (المواهب اللدنية بالمنح المحمدية)، وهو بالمعايير السلفية بالإضافة لتجهمه وتعطيله قبوري

__________

(1) الفتاوى السهمية، ص 45.

كلكم كفرة (234)

مشرك، فقد قال في (المواهب اللدنية) عن ابن تيمية: (وللشيخ تقي الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب يتضمن منع شد الرحال للزيارة النبوية المحمدية، وأنه ليس من القرب بل بضد ذلك، وردّ عليه الشيخ تقي الدين السبكي في (شفاء السقام) فشفى صدور المؤمنين) (1)

ومنهم الشيخ أحمد بن حجر الهيتمي المكي الشافعي (المتوفى 974 هـ) المشهور بانتقاداته الشديدة على ابن تيمية، وفيها ما يكفي للدلالة على تكفيره ـ على حسب المعايير السلفية ـ فمن أقوال في ابن تيمية: (ابن تيمية عبد خذله الله وأضله وأعماه وأصمه وأذله، وبذلك صرح الأئمة الذين بينوا فساد أحواله وكذب أقواله، ومن أراد ذلك فعليه بمطالعة كلام الإمام المجتهد المتفق على إمامته وجلالته وبلوغه مرتبة الاجتهاد أبي الحسن السبكي وولده التاج والشيخ الإمام العز بن جماعة وأهل عصرهم وغيرهم من الشافعية والمالكية والحنفية، ولم يقصر اعتراضه على متأخري الصوفية بل اعترض على مثل عمر بن الخطاب وعليّ بن أبي طالب كما سيأتي، والحاصل أن لا يقام لكلامه وزن بل يرمى في كل وعر وحزن، ويعتقد فيه أنه مبتدع ضال ومضل جاهل غال، عامله الله بعدله وأجارنا من مثل طريقته وعقيدته وفعله.. وأخبر عنه بعض السلف أنه ذكر عليّ بن أبي طالب في مجلس آخر فقال: إن علياً أخطأ في أكثر من ثلاثمائة مكان، فيا ليت شعري من أين يحصل لك الصواب إذا أخطأ عليّ بزعمك) (2)

وقال في (الجوهر المنظم في زيارة القبر الشريف النبوي المكرم): (فإن قلت كيف تحكي الإجماع السابق على مشروعية الزيارة والسفر إليها وطلبها، وابن تيمية من متأخري الحنابلة منكر لمشروعية ذلك كله؟.. قلت: من ابن تيمية حتى ينظر إليه أو يعول في شيء

__________

(1) المواهب اللدنية، القسطلاني، ج 4 ص 574.

(2) الفتاوى الحديثية، ابن حجر الهيتمي، ص 144.

كلكم كفرة (235)

من أمور الدين عليه، وهل هو إلا كما قال جماعة من الأئمة الذين تعقبوا كلماته الفاسدة وحججه الكاسدة حتى أظهروا عوار سقطاته وقبائح أوهامه وغلطاته كالعز بن جماعة: عبد أضله الله تعالى وأغواه وألبسه رداء الخزي وأرداه، وباه من قوة الافتراء والكذب ما أعقبه الهوان وأوجب له الحرمان.. حتى تجاوز إلى الجناب الأقدس منزه سبحانه وتعالى عن كل نقص والمستحق لكل كمال أنفس، فنسب إليه العظائم والكبائر، وأخرق سياج عظمته وكبرياء جلالته بما أظهره للعامة على المنابر من دعوى الجهة والتجسيم، وتضليل من لم يعتقد ذلك من المتقدمين والمتأخرين حتى قام عليه علماء عصره وألزموا السلطان بقتله أو حبسه وقهره، فحبسه إلى أن مات، وخمدت تلك البدع وزالت تلك الظلمات، ثم انتصرت له أتباع لم يرفع الله تعالى لهم رأساً، ولم يظهر لهم جاهاً ولا بأساً بل ضربت عليهم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون) (1)

ومنهم المحدث محمد بن عبدالرؤوف المناوي الشافعي (المتوفى 1031 هـ) صاحب (فيض القدير شرح الجامع الصغير) الذي يعتبر مرجعا كبيرا في شرح الحديث وتخريجه، والسلفية ـ وخصوصا الألباني ـ يرجعون إليه كثيرا، وإن كانوا يكفرون صاحبه.

بل إنه هو نفسه يكفرهم، فقد قال في شرح حديث (أبى الله أن يقبل عمل صاحب بدعة حتى يدع بدعته): (والكلام كله في مبتدع لا يكفر ببدعته، أما من كفر بها، كمنكر العلم بالجزئيات، وزاعم التجسيم أو الجهة أو الكون، أو الاتصال بالعالم أو الانفصال عنه، فلا يوصف عمله بقبول ولا ردّ لأنه أحقر من ذلك) (2)، وهذا النص وحده كاف في تكفيره لهم، وتكفيرهم له.

ومنهم المحدث الشيخ محمد بن علي الصديقي المكي الشافعي (المتوفى 1057 هـ

__________

(1) الجوهر المنظم، ص 29.

(2) فيض القدير، للمناوي، ج 1 ص 96.

كلكم كفرة (236)

صاحب (المبرد المبكي في الردّ على الصارم المنكي)، في الرد على كتاب ابن عبدالهادي تلميذ ابن تيمية، والذي يعتمد عليه السلفية في مناقب شيخهم.. والكتاب وحده كاف في الدلالة على تكفيره بمعاييرهم المختلفة: التجهم والتعطيل والقبورية وغيرها.

ومنهم الشيخ شهاب الدين أحمد بن محمد الخفاجي المصري، (المتوفى 1069 هـ) صاحب (نسيم الرياض في شرح شفاء القاضي عياض)، فقد قال في فصل عقده لزيارة قبره صلى الله عليه وآله وسلم: (وزيارة قبره سنة مأثورة مستحبة مجمع عليها، أي على كونها سنة، ولا عبرة بمن خالف فيها كابن تيمية.. واعلم أن هذا الحديث هو الذي دعا ابن تيمية ومن تبعه كابن القيم إلى مقالته إلى مقالته الشنيعة التي كفروه بها، وصنف فيها السبكي مصنفاً مستقلاً وهي منعه من زيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم وشدّ الرحال إليه.. فتوهم أنه حمى جانب التوحيد بخرافات لا ينبغي ذكرها، فإنها لا تصدر عن عاقل فضلاً عن فاضل سامحه الله عزوجل) (1)

ومنهم الشيخ رضوان العدل بيبرس الشافعي المصري (المتوفى 1303 هـ) وهو الذي قال مؤرخا للوهابية في كتابه (روضة المحتاجين لمعرفة قواعد الدين): (ثم ظهر بعد ابن تيمية محمد بن عبدالوهاب في القرن الثاني عشر، وتبع ابن تيمية وزاد عليه سخفاً وقبحاً، وهو رئيس الطائفة الوهابية قبحهم الله، وتبرأ منه أخوه الشيخ سليمان بن عبدالوهاب وكان من أهل العلم) (2)

ومنهم المحدث عبد ربه بن سليمان القليوبي الأزهري، (كان حياً في عام 1377 هـ) صاحب كتاب (فيض الوهاب في بيان أهل الحق ومن ضل عن الصواب)، وهو كتاب ضخم في ستة أجزاء في الردّ على ابن تيمية وابن عبدالوهاب والسلفية جميعا، وذلك وحده كاف لإدانته وتكفيره.

__________

(1) نسيم الرياض، أحمد بن محمد الخفاجي، ج 5 ص 96.

(2) روضة المحتاجين لمعرفة قواعد الدين، ص 384.

كلكم كفرة (237)

ومن كلامه في ابن تيمية قوله: (ابن تيمية الذي أجمع عقلاء المسلمين أنه ضال مضل، خرق الإجماع وسلك مسالك الابتداع، الذي ما ترك أمراً مخالفاً ولا مبدءاً معارضاً لما عليه إجماع المسلمين إلا وسلكه، فكان كل من كان على هذا المبدأ من أهل الضلالة المقابل لأهل الحق يدعو إلى هذا المبدأ، وهم حزب الشيطان المقابل لحزب الرحمن، إذ الأمر في الدين اثنان لا ثالث لهما) (1)

ومنهم العلامة الجليل الشهيد الدكتور الشيخ محمد سعيد رمضان البوطي الذي يتهمه السلفية بكل ما يتهمون به سائر الشافعية وأصحاب المذاهب المختلفة بالتجهم والتعطيل والقبورية والشرك ونحوها.. وقد ذكرنا في كتابنا [لحوم مسمومة] موقف السلفية المتشدد منه، واعتباره رأسا من رؤوس الضلال، فلا نعيده هنا.

وقد ختم حياته رحمه الله بالشهادة على أيديهم.. فهنيئا له بها، ورزقنا الله مثلها.

ومنهم العلامة المعاصر الجليل المحدث الشيخ محمود سعيد بن ممدوح الشافعي، صاحب التحقيقات الكثيرة في الحديث وغيره، والذي يتهم بكل ما اتهم به الشافعية من تجهم وتعطيل وقبورية بالإضافة للرفض.. لانتصاره لآل البيت وأتباعهم.

ومن أقواله التي لا تحمل إلا على الكفر ـ عند السلفية ـ قوله: (وآخرون يتولون العترة المطهرة، ولكن بحد وإلى مقام لا يتجاوزونه البتة، فتراهم يأتون إلى كل فضيلة لعليّ عليه السلام ثابتة بالأحاديث الصحيحة فيتأولونها دفعاً بالصدر لتوافق بعض المذاهب، فإذا جاء في الأحاديث الصحيحة أن علياً مولى المؤمنين وأنه لا يغادر الحق وأنه أعلم وأشجع الصحابة وأسبقهم إسلاماً وهو الكرار الذي لم يهزم، إلى غير ذلك اشتغلوا بتأويل الأحاديث الصحيحة بما يوافق المذهب، وازداد بعضهم جحوداً بالالتجاء إلى منهاج بدعة

__________

(1) فيض الوهاب، ج 5 ص 151.

كلكم كفرة (238)

ابن تيمية فيعولون عليه في نفي خصائص عليّ عليه السلام، وتدعيم أسس النّصب) (1)

هذه مجرد نماذج عن تكفير السلفية لأعيان المدرسة الشافعية، ومن شاء أن يستزيد، فليذهب للمكتبة الشافعية، وليقرأ ما كتبه أعلامها ابتداء من القرون الأولى لظهورها، وسيكتشف في كل كتاب منها من النصوص ما يضع صاحبه في سجلات التكفير السلفية الضخمة.

مدرسة الحنابلة

قد يتصور البعض ممن لا يعرف تاريخ المدارس الفقهية، ولم يطلع على تراثها وأعلامها أن الحنابلة شيء واحد، وأنهم مدرسة ممتدة من أحمد بن حنبل بل من قبله من أهل الحديث إلى عصرنا الحالي، وهذا خطأ جسيم.. لأن الحنابلة كسائر المذاهب الفقهية كان فيها الكثير من الصوفية ـ الذين يكفرهم السلفية لتصوفهم ـ وكان فيهم الكثير من المؤولة والمفوضة ـ الذين يكفرهم السلفية لتجهمهم وتعطيلهم ـ وكان فيهم الكثيرمن الذين يمتلئ تاريخهم بمحبة الصالحين والتبرك بقبورهم، ممن يسميهم السلفية قبورية ومشركين.

ومن أقوى الأدلة على ذلك أن ابن عبد الوهاب كفر الحنابلة المعاصرين له، بل المساكنين له في نجد بسبب رميه لهم بالقبورية والشرك الأكبر، وقد سبق ذكر بعض النماذج على ذلك.

بل حتى أحمد بن حنبل نفسه، نجد له صورتين: صورة سلفية هي التي يعظمونها، ويقدرونها، ويلصقون بها كل تجسيم ونصب.. وصورة أخرى نجدها عند الفريق الآخر من الحنابلة تمثله ورعا تقيا عفيفا منزها.

ونحن لا يعنينا أي صورتين هي الصحيحة.. لأن الأمر فوق الأشخاص، وإنما يعنينا هنا أن نبحث في شمولية التكفير السلفي للأمة جميعا، بما فيها فريق كبير محترم من

__________

(1) غاية التبجيل، محمود سعيد بن ممدوح، ص 119.

كلكم كفرة (239)

الحنابلة.

وحتى لا نقع في أي جدال مع أي طرف حول ما يصح وما لا يصح في تاريخ أي شخص، وما روي عنه، فسأكتفي هنا بنموذجين للتكفير السلفي للحنابلة، وكلاهما يمثل قسما محترما منهم، أما أولهما فيرتبط بالمنزهة من الحنابلة، وتكفير السلفية لهم بتهمة التعطيل والتجهم، وأما الثاني، فيرتبط بالصوفية أو من يتبركون بالقبور ونحوها، وهم ممن يطلق عليهم السلفية لقب القبورية، ويتهمونهم بالشرك الجلي.

وقبل ذلك أسوق نصا مهما من رجل تربي بين الحنابلة، وفي المدرسة الوهابية، وهو أدرى بها، وبأقسامها، وهو الشيخ حسن بن فرحان المالكي، وذلك في كتابه المهم [نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية]، والذي ذكر فيه الكثير من نماذج تكفير كبار علماء السعودية للمسلمين، وغلوهم في ذلك.

وقد احتاج في مقدمة كتابه أن يوضح معنى كلمة علماء السعودية، ومذاهبهم، ويعنينا من كلامه مدى ارتباطهم بالمذهب الحنبلي، فقد قال تحت عنوان [القيد السابع: علماء في (عقائد الحنبلية) فقط]: (كان هذا القيد ضرورياً وعلمياً أكثر من القيود السابقة، وهذه القيود تأتي فائدتها عندما نرى أنها من أكبر عوامل الوحدة وأقوى محفزات التواضع والهدوء والعلمية، فقد سبق أن ذكرنا أن لقب (أهل السنة) لقب استحوذ عليه مذهبان (الأشاعرة والحنابلة)، فهذا ما لا ينكره علماء المملكة.. كما أن (لقب السلفية) محل تنازع في التفسير لا في الاسم.. وعلماء المملكة لا يدعون أنهم أشاعرة في العقيدة، بل هم يذمون الأشاعرة ويبدعونهم ويعدونهم من الفرق الهالكة يوم القيامة، ولا يستطيعون إثبات أن تلك التفصيلات العقدية كان يعتقدها (السلف) من الصحابة وكبار التابعين، فما بقي إلا كونهم (حنابلة) فهنا يقل النزاع... ويسلم خصومهم من أهل السنة الآخرين.. ويستطيعون أن ينسبوا لأحمد بن حنبل ماعجزوا عن نسبته إلى السلف من الصحابة والتابعين.. إذن فهم

كلكم كفرة (240)

(حنابلة في الأصل، رغم أنهم منتسبون إلى الألقاب المتنازع عليها كأهل السنة والسلفية) (1)

وهنا يقع إشكال كبير في مدى صدق انتساب هؤلاء للمذهب الحنبلي، وقد حل هذا الإشكال بقوله: (لكننا نجدهم لا يتسمون بـ (الحنابلة) إلا من جهة الفقه فقط، أما من جهة العقيدة فإنهم يتسمون أو يتلقبون بالألقاب الأكثر سعة (كأهل السنة والسلفية) ربما لأنهم يريدون أن يثبتوا أنهم هم (أهل سنة) فقط وغيرهم (مبتدعة) وإن انتسبوا (للسنة)... وأنهم (أتباع السلف الصالح من الصحابة والتابعين) وإن انتسب غيرهم لسلف صالح من صحابة وتابعين.. ربما.. لكن بما أنهم يرون أن الإمام أحمد هو إمام أهل السنة.. وأن عقيدته ومدرسته سنية سلفية فهم (حنابلة) في العقيدة... مادام أن الحنابلة سنة وسلفية... فلا ضير في نسبتهم إلى أحمد عقيدة وفقهاً.. لقلة من ينازعهم على هذا اللقب، وكثرة من ينازعهم على الألقاب الأخرى العامة) (2)

لكن الشيخ حسن يعود فيتساءل: (هل هم حنابلة في العقيدة؟ وهل الحنابلة في العقيدة مذهب أم مذاهب؟) (3)

ثم يجيب عن هذا التساؤل بقوله: (سؤال لا يعرف دقته إلا من قرأ المسيرة الحنبلية.. عندها سيعرف أن الحنابلة مذاهب وتيارات.. فمن أي هذه التيارات أتت المدرسة الحنبلية التي ينتمي إليها علماء المملكة؟.. إنها مدرسة ابن تيمية.. إذن فالقيد الواجب إضافته يكون على النحو التالي: القيد الثامن: علماء في (العقيدة الحنبلية التيمية) فقط.. [ذلك] أن (العقيدة الحنبلية) تنازع فيها فريقان من الحنابلة المتفقين في الفقه والمختلفين في العقيدة.. ثم جاء فرقة ثالثة (وهي فرقة ابن تيمية) خالفتهما معاً في العقيدة في أمر هو عندها (لب العقيدة)

__________

(1) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 21.

(2) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 21.

(3) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 22.

كلكم كفرة (241)

وهي مسألة القبور وتوابعها من تبرك وتوسل وتعظيم وصلاة عندها... وبما أن هذه المسألة (القبور والصالحين والتبرك..) هي من صلب العقيدة عند ابن تيمية فلا بد أن تكون كافية لجعل (التيمية) فرقة مستقلة رغم أنها تلتقي مع الحنابلة في كثير من العقائد كالصفات والرؤية والصحابة والقدر) (1)

ثم يبين الشيخ حسن انقسام الحنابلة من حيث العقائد إلى قسمين أولهما: (حنابلة هم أقرب للأشعرية كابن الجوزي فهو حنبلي اتفاقاً من حيث الفقه، ولكنه من حيث العقيدة هو من (المنزهة)، وكونه من المنزهة أنكر بعض الحنابلة حنبليته في العقيدة وإن أقر بها في الفقه، وعلى كل ففيه خلاف هل هو أشعري ينتسب لأحمد أم حنبلي ينتسب لأحمد.. فهو ينتسب لأحمد ويقول عن نفسه (حنبلي) ويكتب في (مناقب أحمد) ويصنف في (الفقه الحنبلي) ويقول إن أحمد (كان مثله منزهاً) فابن الجوزي لكن بالإجماع (منزه ومؤول) سواء كان هذا التأويل هو مذهب أحمد أو مذهب الأشعري.. ومن قرأ كتابه (دفع شبه التشبيه) وجده مؤولاً في العقائد بوضوح... وقد كان لهذا الشيخ الحنبلي المنزه صولة في القرن السادس ثم اضمحل مذهبه شيئاً فشيئاً... إلى أن قضى عليه ابن تيمية في القرن الثامن) (2)

والقسم الثاني: (حنابلة هم أقرب للكرامية [وهي فرقة جمعت بين التصوف والتجسيم] كالحنابلة المتقدمين من تلاميذ أحمد كعبد الله بن أحمد والمروذي والدارمي (قبل 300 هـ) ثم تلاميذهم كالخلال والبربهاري (بعد 300 هـ) ثم تلاميذهم كابن بطة (قبل 400 هـ) ثم تلاميذه كابن حامد (على رأس الـ 400 هـ) ثم تلاميذه كأبي يعلى (458 هـ)... وهم أغلبية الحنابلة المتقدمين.. ومن قرأ كتبهم في العقائد يجدهم (مشبهة).. وهذه الحنبلية

__________

(1) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 23.

(2) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 24.

كلكم كفرة (242)

انتصر لها ابن تيمية إلا في مسألة القبور وتوابعها) (1)

وبذلك فإن هذا القسم من الحنابلة، وإن كان معتبرا من ناحية التجسيم والتشبيه عند السلفية إلا أنه مكفر من جهة تعظيم القبور، أو الميل للتصوف.

وقد بين المالكي مزايا الحنبلية التيمية ودوافع ظهورها، فقال: (الحنبليتان السابقتان حنبلية ابن الجوزي وحنبلية المتقدمين – مع اختلافهما القوي في الصفات- إلا أنهما يتفقان في الفقه وفي التصوف.. أما الفقه فلا يهمنا هنا فقد سبق الكلام عنه.. وليس ذي إشكال كبير لا عند ابن تيمية ولا عند علماء المملكة.. وأما الصفات فقد انتصر ابن تيمية لفرقة الحنابلة المتقدمين.. وقضى على ما تبقى من حنبلية ابن الجوزي كما سبق.. وأما التصوف ومسألة القبور فقد كانت منطقة الإفتراق بين ابن تيمية والمذهبين الحنبليين السابقين كليهما.. ومن هنا (نشأت الفرقة الحنبلية الثالثة وهي: التيمية).. وهذا اللقب معروف عند كثير من المؤلفين في العقائد) (2)

وقد ختم المالكي هذه التحليلات التاريخية المهمة جدا، باعتبار الحنابلة مدسة تشمل تيارات متعددة، والتكفير على أكثرها سار مثله مثل سائر المذاهب، فقال: (إذن فليس الحنابلة على مذهب واحد في العقيدة.. ومن حسن الحظ أننا نستطيع اليوم أن نقول هذا باطمئنان لأن كتب هذه الفرق الثلاث مطبوعة متوفرة وهي مختلفة في العقائد يرد بعضها على بعض ويضلل بعضها بعضاً ويبدعه... إذن فليس عندنا الرغبة في تقسيم المقسم... وإنما هذه حقيقة... الحنابلة أنفسهم مختلفون في العقائد... وانتقل هذا الإختلاف من التبديع في عهد ابن الجوزي إلى الحكم على الفعل بالشرك في عهد ابن تيمية.. إلى تبادل

__________

(1) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 25.

(2) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 26.

كلكم كفرة (243)

التكفير الصريح بين علماء الحنابلة في عهد الشيخ محمد بن عبد الوهاب ومدرسته) (1)

وقد ضرب بعض الأمثلة على ذلك، فقال: (من يقرأ مناقب أحمد لابن الجوزي الحنبلي (المؤول المنزه) يجده معظماً لمسألة القبور وتوابعها، ومن يقرأ آراء الحنابلة المتقدمين (المشبهة المثبتة) في التراجم... يجدهم معظمين لمسألة القبور وتوابعها... بل بعضهم موغل في التصوف إلى القول بوحدة الوجود كالهروي الحنبلي.. ومن يقرأ كتب ابن تيمية يجده مستنكراً لمسألة القبور وتوابعها، ففارق ابن تيمية في هذه المسألة المذهب الحنبلي كله) (2)

وبذلك فإن مدرسة الحنابلة بالنسبة للسلفية لا يختلف الحكم عليها عن سائر المدارس، اللهم إلا من تبع ابن تيمية منهم.. بل لا يكفي ذلك، فقد كان من أتباع ابن تيمية من كفره ابن عبد الوهاب..

وقد لخص المالكي الفروقات بين ابن تيمية والحنابلة، فقال: (فابن تيمية اتفق مع حنبلية ابن الجوزي في الفقه فقط.. واتفق مع حنبلية المتقدمين في الفقه والصفات معاً.. ولكنه اختلف مع الحنبليتين في (موضوع القبور والتبرك والتوسل).. من هنا قلنا: إن ابن تيمية له مذهب في العقائد يختلف عن الحنابلة كلهم في هذه المسألة) (3)

ولخص الفروقات التي ميزت حركة الشيخ محمد بن عبد الوهاب عن مدرسة ابن تيمية بقوله: (ومن هنا نعلم سر اختيار الشيخ محمد بن عبد الوهاب لمدرسة ابن تيمية دون غيرها من مدارس الحنابلة العقدية.. فضلاً عن مدارس السنة.. لقد اختار مدرسة ابن تيمية وجلبها إلى نجد لأجل هذه العقيدة ضد أصحاب القبور والتوسل والتبرك والتصوف فقط.. فهو لم يجلب (ابن تيمية) من أجل (الفقه).. ولا من أجل (ذم الجهمية والمعتزلة

__________

(1) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 27.

(2) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 28.

(3) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 28.

كلكم كفرة (244)

والشيعة).. ولا من أجل (مسألة خلق القرآن).. ولا الرؤية والميزان والصراط والشفاعة وصفة نعيم الجنة وعذاب النار... كلا.. لأن هذه الأمور (الفقه والعقائد) كانت موجودة أصلاً عند حنابلة نجد.. وهي أصيلة في التيارات أو الاتجاهات الحنبلية الثلاثة.. وقد كانت كتب ابن تيمية (الفقهية لا العقدية) محل اهتمام عند حنابلة نجد.. وبما أن كتب ابن تيمية (الفقهية) معروفة عند حنابلة نجد.. فكأن الشيخ محمد بن عبد الوهاب يقول: هذا شيخكم الحنبلي شيخ الإسلام صاحب الإختيارات وماليء الدنيا وشاغل الناس يقرر بأن ما أنتم عليه هو (الشرك الأكبر) الذي يوجب القتل والجهاد) (1)

ولخص الإضافات الوهابية للمدرسة الحنبلية والتيمية، فقال: (أما إضافات الوهابية، فأشهرها الحكم على البلدان الإسلامية التي فيها (تعظيم للقبور أو تبرك وتوسل بالصالحين) بأنها بلا د شرك وليس بلاد إسلام.. والحكم على سكانها أو المتأولين من علمائها بأنهم كفار.. والتصريح بتكفير للمعينين من علماء الحنابلة فضلاً عن غيرهم.. وإنزال الآيات التي نزلت في المشركين وجعلها في المسلمين... وتقسيم بلاد الإسلام لديار إسلام تابعة للوهابية وديار كفر تابعة لمخالفيهم.. وإضافة شروط لـ (لا إله إلا الله).. وإضافة نواقض لها... وجعلها في المسلمين المخالفين للوهابية.. فإذا كان من نواقض الإسلام التي ذكرها ابن تيمية (مظاهرة المشركين على المسلمين) فقد جعلها الوهابية (في مظاهرة المشركين من أهل العيينة على المسلمين من أهل الدرعية).. أعني أنزلوا خصومهم منزلة المشركين الأصليين وأنزلوا أنفسهم منزلة المسلمين فقط الذين لا يوجد في الأرض غيرهم) (2)

وتأكيدا لهذا الوصف الدقيق الذي ذكره الشيخ حسن بن فرحان المالكي للتاريخ الحنبلي، والذي يدل عليه كل التراث الحنبلي، سأنقل هنا وصفا من كتاب علمي أكاديمي

__________

(1) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 29.

(2) نصيحة لشباب المسلمين في كشف غلو العلماء المعاصرين في المملكة العربية السعودية، ص 30.

كلكم كفرة (245)

أرخ فيه صاحبه لنجد وحنابلتها في الوقت الذي ظهر فيه الشيخ محمد بن عبد الوهاب، وهو يبين بوضوح أن السيطرة في المذهب الحنبلي كانت للجناح الذي اختارته الأمة جميعا: التنزيه في العقائد على منهج المتكلمين، والتربية الروحية على منهج الصوفية.

وبذلك فإن المدرسة الحنبلية في الحقيقة لم تكن تختلف كثيرا عن سائر المدارس الإسلامية، وخاصة في مواقفها التنزيهية أو التبرك بالأولياء وزيارة القبور ونحوها، ولهذا بدأ تكفير ابن عبد الوهاب وتلاميذه للأمة من تكفيره للحنابلة المعاصرين له ومن قبلهم.

والكتاب بعنوان [مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية: خلال القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر] من تأليف د. عبدالعزيز بن محمد بن علي آل عبداللطيف، وهو أستاذ مشارك بقسم العقيدة والمذاهب المعاصرة بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

وقد قال الكاتب في مقدمة كتابه: (هذا بحث يهدف إلى جمع آراء علماء نجد في مسائل الاعتقاد قبل الدعوة الإصلاحية، وخلال القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر الهجري، وتبرز أهمية هذا البحث بأن الواقع العقدي لبلاد نجد قبل الدعوة لم يأخذ حظّه من الدراسة والتحرير، وإن وُجدت دراسات فهي تقتصر على الجانب التاريخي فحسب، وقد يخفى على الكثير أن المسالك الكلامية وطرائق الصوفية قد غشيت بلاد نجد – كما هو مذكور في هذا البحث- فلا يزال واقع نجد قبل الدعوة محل اختزال عند بعض الباحثين، كما أن هذا الواقع وما يحتمله من الذم أو المدح هو محل جدل ونقاش بين الباحثين المعاصرين، ففريق يغرق في ذم هذا الواقع، ويعمم في قدحه، وآخر يقلص هذا الانحراف، ويقلل من شأنه. إضافة إلى ذلك فإن جملة من العداء والخصومة بين الدعوة ومخالفيها في مسائل التوحيد والشرك والتكفير والقتال، فإنه لا ينفك عند الخصوم من جذور كلامية، وشطحات صوفية، وقد تتبع الباحث آراء مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة،

كلكم كفرة (246)

واستخرجها من كتب الاعتقاد والفقه، والتاريخ والتراجم، والرسائل الشخصية والأشعار.. ثم صنفها) (1)

ومن فصول الكتاب المهمة التي بين فيها الباحث التوافق الشديد بين سائر مذاهب الأمة والمذهب الحنبلي: (الفصل الثاني: علم الكلام عند علماء نجد.. والفصل الثالث: التصوف عند علماء نجد)، وقد بين فيهما بالأدلة الكثيرة من كتب الحنابلة أنفسهم، ومن كتب أئمة الدعوة الوهابية أن الحنابلة في ذلك الحين دخلهم علم الكلام والتنزيه الكلامي الذي يتناقض مع الرؤية السلفية التي تعتبره تجهما وتعطيلا وكفرا.. ودخلهم كذلك البعد الصوفي بجميع آثاره، والذي يرميه السلفية بالقبورية والشرك الجلي.. والأدلة كلها تشير إلى أن غيرهم من الحنابلة في سائر بلاد العالم الإسلامي كانوا على منهاجهم.

وقد أشار الكاتب في الفصل الذي عقده عن حنابلة نجد وعلم الكلام إلى أن الحنابلة الحقيقيين الذين ساروا على منهج السلف لم يكونوا إلا عددا محدودا جدا مقارنة بغيرهم.

وقد نقل من ذلك عن ابن القيم قوله: (وجميع المتقدمين من أصحابه على مثل منهاجه، وإن كان بعض المتأخرين منهم من دخل في نوع من البدعة التي أنكرها أحمد، ولكن الرعيل الأول من أصحابه كلهم وجميع أئمة الحديث قولهم قوله) (2)

وقد علق الكاتب على هذا النص بقوله: (فالحنابلة الأوائل على طريقة الإمام أحمد كالخلال وأبي داود ونحوهما، وكذا من سلك طريقة المحدثين من أصحابه كالآجري وابن بطة وغيرهما، بخلاف المتأخرين من الحنابلة كالتميميين وأشباههم) (3)

وقد أشار ابن تيمية ـ في معرض حديثه عن التميميين ـ إلى هذا، فقال: (أما التميميون

__________

(1) مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية، ص 3.

(2) اجتماع الجيوش الإسلامية لابن القيم صـ 213.

(3) مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية، ص 29.

كلكم كفرة (247)

كأبي الحسن وابن أبي الفضل وابن رزق الله، فهم أبعد عن الإثبات وأقرب إلى موافقة غيرهم وألين لهم؛ ولهذا تتبعهم الصوفية ويميل إليهم فضلاء الأشعرية: كالباقلاني والبيهقي؛ فإن عقيدة أحمد التي كتبها أبو الفضل هي التي اعتمدها البيهقي مع أن القوم ماشون على السنة. وأما ابن عقيل فإذا انحرف وقع في كلامه مادة قوية معتزلية في الصفات والقدر وكرامات الأولياء) (1)

وبهذا الإقرار من ابن تيمية وابن القيم يصبح كبار أعلام الحنابلة وفضلاءهم من جملة المنزهة الذين لا يتوقف السلفية في تكفيرهم.. وهم يروون عن أحمد وأصحابه الكبار ما يدل على التنزيه.. وبذلك يكون يصبحون جميعا محل الخلاف من السلفية.. لأنه إذا صح ما يروى عن أحمد وتلاميذه الكبار من التنزيه أو من التبرك فلن ينجو أحد من الحنابلة ما عدا الذين يعظمهم ابن تيمية والسلف المتأخرين كابن بطة وغيره.

وهكذا أشار إلى هذا ابن تيمية في موضع آخر، فقال: (إن الإمام أحمد في أمره باتّباع السنة، ومعرفته بها ولزومه لها، ونهية عن البدع، وذمّه لها ولأهلها بالحال التي لا تخفى ثم إن كثيراً مما نصّ هو على أنه من البدع، صار بعض أتباعه يعتقد أن ذلك من السنة، وأن الذي يُذم من خالف ذلك.. وكذلك ما أثبته أحمد من الصفات التي جاءت بها الآثار، واتفق عليها السلف، كالصفات الفعلية من الاستواء والنزول والمجيئ والتكلم إذا شاء وغير ذلك، فينكرون ذلك بزعم أن الحوادث لا تحل به، ويجعلون ذلك بدعة، ويحكمون على أصحابه بما حكم به أحمد في أهل البدع، وهم من أهل البدعة الذين فهم أحمد، لا أولئك، ونظائر هذا كثيرة، بل قد يُحكى عن واحد من أئمتهم إجماع المسلمين على أن الحوادث لا تحلّ بذاته، لينفي بذلك ما نصّ أحمد وسائر الأئمة عليه من أنه يتكلم إذا شاء، ومن هذه

__________

(1) مجموع الفتاوى (6/ 53)

كلكم كفرة (248)

الأفعال المتعلقة بمشيئته) (1)

وهكذا نرى علما كبيرا من أعلام السلفية ينكر على الحنابلة ميلهم إلى المنزهة، وذلك في فصل عقده لذلك بعنوان: [الحذر من الركون إلى كل أحد، والأخذ من كل كتاب؛ لأن التلبيس قد كثر، والكذب على المذاهب قد انتشر] (2)، قال فيه: (إن أحوال أهل الزمان قد اضطربت، والمعتمد فيهم قد عزّ، والكذب على المذاهب قد انتشر، فالواجب على كل مسلم يحب الخلاص أن لا يركن إلى كل أحد، ولا يعتمد على كل كتاب، ولا يسلم عنانه إلى من أظهر له الموافقة، فلقد وقفت على رسالة عملها رجل من أهل أصبهان يعرف بابن اللبان، وسماها [شرح مقالة الإمام الأوحد أبي عبدالله أحمد بن حنبل] وذكر فيها مذهب الأشعري المخالف لأحمد، أعطى نسخاً إلى جماعة يطوفون بها في البلاد) (3)

ومثله ذكر أبو العباس بن الحسين العراقي (توفي 588 هـ) خروج الحنابلة من العقائد التي سنها السلف، وارتماؤهم في أحضان المنزهة ـ كسائر المذاهب الإسلامية ـ فقال: (وإنما الشكوى إلى الله من قوم إلى مذهب أحمد ينتمون، وبالسنة يتوسمون، ويدّعون التمسك بقوله وفعله، وهم مع ذلك يخالفون نصوصه، ويطرحون عمومه وخصوصه، فكأنهم يدعون إليه ويبعدون منه، وجميع ما يرد عليهم من السنة الثابتة ينفرون عنها، ويسلّطون على ما جاء في الصفات من الأخبار والآيات ما سلّطه المتكلمون من التأويل، ويسلكون فيه مسالك أهل الإلحاد والتعطيل) (4)

وقد علق د. عبدالعزيز بن محمد بن علي آل عبداللطيف، على هذه النصوص التي تبين انحراف الحنابلة على مذاهب السلف بقوله: (المقصود أن جملة من متأخري الحنابلة قد

__________

(1) الاستقامة 1/ 15، 16 بتصرف.

(2) رسالة السجزي إلى أهل زبيد ص 231.

(3) رسالة السجزي إلى أهل زبيد ص 231 بتصرف.

(4) فتيا وجوابها في ذكر الاعتقاد وذم الاختلاف لأبي العلاء الهمذاني ص 29.

كلكم كفرة (249)

غشيتهم طرائق المتكلمين في الاعتقاد، وظهر موجب ذلك في مصنفاتهم وتقريراتهم، مع تفاوت بينهم في هذا الأثر والتأثير؛ إذ ليسوا سواءً، فإذا كان القاضي أبو يعلى ليس كابن عقيل مثلاً، فكذا الإمام ابن قدامة ليس كابن حمدان، وهكذا، وعلماء نجد –قبل الدعوة الإصلاحية- هم امتداد لأولئك العلماء، فلا غرو أن يلحقهم أثر وموجب أسلافهم المتأخرين كابن حمدان والبلباني وعبدالباقي المواهبي ونحوهم، كما أنهم يتفاضلون في هذا الشأن، فالأثر الكلامي على ابن قائد –مثلاً – أظهر وأشدّ من أثره على ابن عطوة) (1)

وقد ذكر أمثلة كثيرة على ذلك من خلال التراث العقدي للحنابلة في ذلك الحين منها أن الشيخ ابن البسام (توفي 945 هـ) -في أسئلته إلى معين الدين محمد الإيجي – (قد أثبت صفة الاستواء لله تعالى، لكنه أعقبه بقول (لا مجاز ولا معنى)، فنفي المعنى يوهم مذهب التجهيل والتفويض، اللهم إن كان مقصوده نفي المعاني الفاسدة كتأويلات المعطلة ونحوها، لاسيما وأنه قرر معنى الاستواء وأنه العلو والارتفاع، لكنه تردد في هذا الإثبات، وكذا تردد في إثبات الحرف والصوت فقال: (ثم قدح في خاطري بعد ذلك ريب أن يكون بخلاف ذلك مما رأيت من كلام العلماء في ذلك، واختلافهم فيه، وقدح لي أيضاً في الحرف والصوت مثل ذلك، لا أدري أ مخلوقان أم منزلان)، فابن بسام كان مثبتاً للصفات الإلهية، لكن عَرَض له تردد واضطراب وتوقف بشأن صفة الاستواء والحرف والصوت، ومن المعلوم أن التوقف والشك من طرائق المتكلمين، خاصة وأن المسؤول ليس على جادة أهل السنة المحضة) (2)

ومن الأمثلة التي ذكرها لذلك رسالة (طُرَف الطَّرف في مسألة الحرف والصوت) لابن عطوة (948 هـ)، ففي مطلع السؤال أن أقواماً من طلاب العلم في نجد يجاهرون

__________

(1) مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية، ص 29.

(2) مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية، ص 29.

كلكم كفرة (250)

بتمشعرهم، ويشهدون أن القرآن لا حرف ولا صوت، وأن من يقول هو حرف وصوت كافر (1).

وقد علق على هذا بقوله: (في ذلك ما يكشف عن واقع الأثر الكلامي الأشعري على طلاب علم في نجد) (2)

هذه شهادة سقناها من باب {وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا} [يوسف: 26] لنبين من خلالها أن سيف التكفير السلفي كما شمل سائر المذاهب الفقهية لم يراع حرمة أتباع الإمام أحمد، بل زجهم جميعا في سجين تكفيره.

بناء على هذا سنحاول أن نذكر هنا النموذجين اللذين أشرنا إليهما سابقا.

النموذج الأول التكفير بسبب التعطيل

ينص الحنابلة المنزهة على أن الإمام أحمد ـ كان كسائر الأئمة ـ أبعد الناس عن التجسيم والتشبيه الذي وقع فيه من يدعون التبعية له، وأن ما ينسب إليه من كتب وروايات في ذلك لا تصح عنه، فكتاب [الرد على الجهمية] ليس هو من تصنيفه إنما هو من تصنيف من يتظاهر باتباعه من المشبهة والمجسمة، وقد نص الحافظ الذهبي في ترجمة الامام أحمد في [سير أعلام النبلاء] على أن كتاب [الرد على الجهمية] موضوع على الامام أحمد إذ قال: (لا كرسالة الاصطخري، ولا كالرد على الجهمية الموضوع على أبي عبد الله) (3)

ومن تأويلاته التي ينقلونها عنه تأويله لقوله تعالى: (وجاء ربك) بجاء ثوابه (4).

وهكذا أصبح الإمام أحمد نفسه بسبب الروايات التي يرويها الحنابلة المنزهة عنه معطلا وجهميا..

__________

(1) انظر: طُرَف الطَّرف ص 31.

(2) مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية، ص 29.

(3) سير أعلام النبلاء (11/ 286)

(4) رواه عنه الحافظ البيهقي كما نقل ذلك عنه ابن كثير في البداية (10/ 327)

كلكم كفرة (251)

أما أتباعه المنزهة، فلعل أحسن من يمثلهم، والذي انتقد انتقادا شديدا، وصرح بتكفيره جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن الجوزي (المتوفى: 597 هـ)، والذي تختلف تصويراته للمذهب الحنبلي عن التصويرات التي يعرضها السلفية عنه.

وقد عبر عن ذلك في مقدمة كتابه الذي انتقد فيه أبا يعلى الفراء، صاحب كتاب التأويلات، فقال بعد أن ذكر بعض أعلام الحنابلة الذين انتصروا للتجسيم والتشبيه: (ورأيت من أصحابنا مَنْ تكلَّم في الأصول بما لا يصلح، وانتدب للتصنيف ثلاثة: أبو عبد الله بن حامد وصاحبه القاضي وابن الزاغوني، فصنفوا كتباً شانوا بها المذهب، ورأيتهم قد نزلوا إلى مرتبة العوام، فحملوا الصفات على مقتضى الحس، فسمعوا أن الله تعالى خلق آدم على صورته فأثبتوا له صورة ووجهاً زائداً على الذات، وعينين وفماً ولهوات وأضراساً وأضواء لوجهه هي السُبُحات، ويدين وأصابع وكفاً وخنصراً وإبهاماً وصدراً وفخذاً وساقين ورجلين، وقالوا ما سمعنا بذكر الرأس!! وقالوا: يجوز أن يَمَسَّ ويُمَس، ويدني العبد من ذاته. وقال بعضهم: ويتنفَّس. ثم يُرْضون العوام بقولهم: لا كما يعقل!! وقد أخذوا بالظاهر في الأسماء والصفات، فسموها تسمية مبتدعة لا دليل لهم في ذلك من النقل ولا من العقل، ولم يلتفتوا إلى النصوص الصارفة عن الظواهر إلى المعاني الواجبة لله تعالى ولا إلى إلغاء ما يوجبه الظاهر من سمات الحدوث) (1)

وقد ذكر في كتابه ـ بناء على هذا ـ الكثير من التأويلات على النصوص التي تعلق بها السلفية في وصفهم لله تعالى.. ولا داعي لذكر ذلك هنا، وإن كان ذكرها كاف في تكفيره، لكنا بدل ذلك سنذكر ما صرح به بعض من كفره من السلفية المعاصرين الذين يدعون إلى انتهاج نهج السلف الأول في تسمية الأشياء بأسماء، وعدم استعمال الخدع والحيلة والكذب.

ومن أمثلتهم الشمري الذي قال فيه: (وبهذا يعلم تجهم ابن الجوزي –عامله الله

__________

(1) دفع شبه التشبيه بأكف التنزيه، ص (97)

كلكم كفرة (252)

بعدله- لما قال عمن يستدل بأحاديث النزول على إثبات العلو قال: (هذا كلام جاهل بمعرفة الله عز وجل لأن هذا استسلف من حسه ما يعرفه من نزول الجسام. فقاس صفة الحق عليه)، ولابن الجوزي أقوال عديدة تدل على تجهمه بل وتجلده في ذلك كقوله: (عجبت من أقوام يدعون العلم، ويميلون إلى التشبيه بحملهم الأحاديث على ظواهرها)، وهذه لغة الجهمية المحضة يسمون كل من أثبت الصفات مشبها.. وقال أخزاه الله: (ومن قال: استوى بذاته فقد أجراه مجرى الحسيات، وينبغي ألا يعمل ما يثبت به الأصل، وهو العقل).. وقال لا رحمه الله: (ومجيء وإتيان على معنى بر ولطف)، وقال أيضاً: (الواجب علينا أن نعتقد أنّ ذات الله لا تتبعض ولا يحويها مكان، ومنها قوله عن حديث النزول: (يستحيل على الله تعالى الحركة والنقلة والتغير، فبقي الناس رجلين؛ أحدهما: المتأول له بمعنى أنه يقرب رحمته... الثاني: الساكت عن الكلام في ذلك مع اعتقاد التنزيه).. ومنها قوله فض الله فاه: ثم لم يذكر الرسول الأحاديث جملة (أي: أحاديث الصفات)، وإنما كان يذكر الكلمة في الأحيان؛ فقد غلط من ألفها أبوابا على ترتيب صورة غلطا قبيحا، وقوله: قال الله تعالى {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ} قال المفسرون: معناه: يبقى ربك، وكذا قال في قوله {يُريدُونَ وجَهْهُ}، أي: يريدونه، وقوله: وقال الحسن في قوله تعالى {يَدُ اللهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ}، أي: منته وإحسانه، قلت: وهذا كلام المحققين.. وقوله لعنه الله: وقد ذهب القاضي أبو يعلى إلى أن الساق صفة ذاتية، وقال مثله في (يضع قدمه في النار)... قلت: وذكرُ الساق مع القدم تشبيه محض) (1)

وقد نقل الشمري رسالة كتبها حنبلي مجسم هو إسحاق العثلي الحنبلي ينصح فيها الحنبلي المنزه ابن الجوزي، وكان مما قال له فيها: (فكيف تصفون اللَّه سبحانه بشيء مَا وقفتم عَلَى صحته، بَل بالظنون والواقعات، وتنفون الصفات الَّتِي رضيها لنفسه، وأخبر بها

__________

(1) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 71.

كلكم كفرة (253)

رسوله بنقل الثقات الأثبات، يحتمل، ويحتمل... لَقَدْ آذيت عباد اللَّه وأضللتهم، وصار شغلك نقل الأقوال فحسب... ولقد سودت وجوهنا بمقالتك الفاسدة، وانفرادك بنفسك، كأنك جبار من الجبابرة، ولا كرامة لَك ولا نعمى، ولا نمكنك من الجهر بمخالفة السنة) (1)

بل نقل عن ابن تيمية ما يدل على تكفيره ورميه بالتجهم والتعطيل، فقد قال في [درء تعارض العقل والنقل]: (فإن قيل قلت إن أكثر أئمة النفاة من الجهمية والمعتزلة كانوا قليلي المعرفة بما جاء عن الرسول واقوال السلف في تفسير القرآن وأصول الدين وما بلغوه عن الرسول ففي النفاة كثير ممن له معرفة بذلك، قيل هؤلاء أنواع نوع ليس لهم خبرة بالعقليات بل هم يأخذون ما قاله النفاة عن الحكم والدليل ويعتقدونها براهين قطعية وليس لهم قوة على الاستقلال بها بل هم في الحقيقة مقلدون فيها، وقد اعتقد أقوال أولئك فجميع ما يسمعونه من القرآن والحديث وأقوال السلف لا يحملونه على ما يخالف ذلك، بل إما أن يظنوه موافقا لهم وإما أن يعرضوا عنه مفوضين لمعناه، وهذه حال مثل أبي حاتم البستي وأبي سعد السمان المعتزلي ومثل أبي ذر الهروي وأبي بكر البيهقي والقاضي عياض وأبي الفرج ابن الجوزي وأبي الحسن علي بن المفضل المقدسي وأمثالهم) (2)

وقد علق على هذا النص من ابن تيمية بقوله: (وتأمل كيف عد عياضاً مع النفاة والذي جل شرح النووي –في الحقيقة- نقل عنه وعن أخدانه من الأشاعرة والمتكلمين وأمرهم كما قال بعض السلف: [اعتبروا الناس بأخدانهم]) (3)

بالإضافة إلى هذا يذكر الشمري من الأمور الموجبة لكفر ابن الجوزي قبوريته

__________

(1) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 72.

(2) درء تعارض العقل والنقل (7/ 32)

(3) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 73.

كلكم كفرة (254)

وشركه الجلي، فقال: (والرجل –أعني ابن الجوزي- قبوري هالك فمن أقواله: كثر ضجيجي من مرضي، وعجزت عن طب نفسي، فلجأت إلى قبور الصالحين، وتوسلت في صلاحي..)، ولأجل هذا وغيره اشتد نكير العلماء عليه ونقموا أقواله، كما قال ابن رجب) (1)

وقال الشمري في كتاب آخر يتحدث عنه ويعاتب العلماء الذين يتوقفون في تكفيره على الرغم من تكفير من هم دونه: (الوجه الثالث: قولهم عن ابن الجوزي أنه (من كبار علماء المسلمين الذين نفع الله الأمة بعلمهم)، باطل من القول بل الرجل جهمي جلد، وقد ذكر ابن رجب أنه قد اشتد نكير العلماء عليه ونقموا أقواله.. وقد قال عنه عبدالرحمن السعدي –وهو من أئمة العصريين-: خلط تخليطا عظيما في باب الصفات وتبع في ذلك الجهمية والمعتزلة، فسلك سبيلهم في تحريف كثير منها وخالف السلف في حملها على ظاهرها، وقدح في المثبتين، ونسبهم إلى البلاهة، وهذا الموضوع من أكبر أغلاطه، ولذلك أنكر عليه أهل العلم وتبرأ منه الحنابلة في هذا الباب ونزهوا مذهب الإمام أحمد.. هذا وقد قال ابن باز نفسه في شرح كشف الشبهات: (الأصل فيها أنه لا يعذر من كان بين المسلمين، من بلغه القرآن والسنة، ما يعذر الله جل وعلا قال: {هَذَا بَلَاغٌ لِلنَّاسِ} [إبراهيم: 52]، وقال: {وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [الأنعام: 19]، من بلغه القرآن والسنة غير معذور، إنما أوتي من تساهله وعدم مبالاته)، وقال ابن باز في فتاوى نور على الدرب: ليس في العقيدة والتوحيد توحيد الربوبية والإلهية والأسماء والصفات ليس فيها عذر يجب على المؤمن أن يعتقد العقيدة الصحيحة.. وليس له عذر في التساهل في هذا الأمر الا إذا كان بعيدا عن المسلمين في أرض لا يبلغه فيها الوحي فإنه معذور في هذه الحالة وأمره إلى الله ويكون حكمه حكم أهل الفترات.. وأما كونه بين المسلمين ويبقى على الشرك

__________

(1) بيان تلبيس الأشعرية ونقض بدعهم الكفرية، ص 74.

كلكم كفرة (255)

وإنكار الأسماء والصفات فهذا غير معذور بالجهل) (1)

وقد علق الشمري على هذه النصوص بقوله: (فهل ابن الجوزي لم يبلغه القرآن فيعذر في نفيه لعلو الله وغير ذلك من الصفات؟!) (2)

هذه نصوص واضحة تبين أن المنهج التلميحي في التكفير لم يكن يقصد من تلك الكلمات المعسولة إلا التغطية على مواقفه التكفيرية الحقيقية، والتي يدل عليها كل شيء.. ولكنه مع ذلك يسهل التلاعب بها على العقول المخدرة التي لا يستعملها أصحابها.

النموذج الثاني التكفير بسبب التصوف وتوابعه

ويمثله الكثير من الحنابلة، بل يمثله أكثر الحنابلة المتأخرين، وقد أشار د. عبدالعزيز بن محمد بن علي آل عبداللطيف في كتابه الذي سبق الإشارة إليه إلى انتشار التصوف بين الحنابلة مثلهم مثل سائر المذاهب، فقال: (وقبل أن نتحدث عن واقع نجد ومدى تأثره بالتصوف، يجدر بنا أن نشير إلى أن تأثر بعض علماء نجد بالتصوف قد يكون امتداداً لتأثر متأخري الحنابلة بالتصوف، فإن القاريء لتراجم الحنابلة في كتاب السحب الوابلة –على سبيل المثال- ليجد أعداداً كبيرة من الحنابلة الذين تلبّسوا بالطرق الصوفية المحدثة (3).. وأحسب أن التصوف لدى علماء نجد – قبل الدعوة الإصلاحية – أقل ظهوراً وتأثيراً من تصوف الحنابلة في مصر والشام ونحوها، فأولئك الحنابلة ينتسبون إلى طرق صوفية، واحتفاء بلبس الخرقة، والتعبّد بالعزلة والخلوة، وغير ذلك من شطح الصوفية ومخاريقهم، وهذا ما لم يكن ظاهراً لدى أولئك النجديين ولذا جزم بعض الباحثين أن الصوفية لم تكن ذات جذور في نجد.. وعلى كلٍّ فإن جملة من هذا التعبّد مما ليس مشروعاً،

__________

(1) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 36.

(2) من مخالفات الخلف لما كان عليه السلف، ص 37.

(3) انظر: السحب الوابلة 1/ 22، 2/ 444، 753، 759، 806، 850، 863، 865، 868، وغيرها.

كلكم كفرة (256)

قلد يلحظ في ثنايا كتب الفقه عند متأخري الحنابلة، فكتاب كشاف القناع عن الإقناع للبهوتي يحوي أمثلة متعددة على ذلك، مثل الذكر الجماعي، والتوسل بذوات الصالحين، والدعاء وقراءة القبور عند القبور، وشدّ الرحال لزيارة قبر النبي صلى الله عليه وآله وسلم (1)، والبهوتي ومؤلفاته لها مكانتها ومنزلتها عند علماء نجد آنذاك) (2)

والنتيجة التي خلص إليها من خلال التحقيق التاريخي في منطقة نجد ـ مع أنها أقل تأثرا بالتصوف على خلاف سائر الحنابلة في المناطق الأخرى من العالم الإسلامي ـ عبر عنها بقوله: (مهما يكن فإن التصوف المحدث، وما يشتمله من عبادات مبتدعة، وأذكار غير مشروعة، وغلو في الأولياء ونحوهم، والافتتان بالقبور، وسائر البدع المتنوعة.. إن ذلك ليظهر على عموم الناس، بخلاف الأثر الكلامي النظري، فقد لا يظهر إلا على خاصة الناس من العلماء وأشباههم. وهذا ما نلمسه في واقع نجد، فإن رسوم التصوف وشطحاته تلحظ من خلال معلومات متفرقة سواءً في رسائل العلماء وتقريراتهم، أو كتب التراجم والتاريخ، والأشعار والمنظومات) (3)

وهذا يدل على أن الواقع الحنبلي في فترات تاريخية كثيرة كان لا يختلف في قليل أو كثير عن واقع سائر المذاهب الإسلامية.. وما دام التكفير السلفي قد شملها بسبب هذا، فإنه لم يغادر الحنابلة أيضا على عكس ما يتصور الكثير.

وقد أورد د. عبدالعزيز بن محمد بن علي آل عبداللطيف الكثير من النصوص والرسائل التي تدل على تكفير الوهابية للحنابلة في ذلك العصر وما قبله من العصور، اللهم إلا من حافظ على منهج السلف منهم، وما أقلهم.

__________

(1) انظر: رسالة، المسائل العقدية التي خالف فيها بعض فقهاء الحنابلة إمام المذهب – كتاب كشاف القناع أنموذجاً-، لحمود السلامة، رسالة ماجستير- غير منشورة – جامعة الملك سعود.

(2) مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية، ص 56.

(3) مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية، ص 56.

كلكم كفرة (257)

ومن تلك النصوص قول الشيخ عبدالوهاب والد الشيخ ابن عبد الوهاب ـ: (واعلموا أن أهل حرمة وأضرابهم الذين اتبعوا هذا الشيطان، اتباع كل ناعق، وأن من حضرهم منهم، أو جادل عنهم، أو قال لهم أشياء مستحسنة فلا يصلى خلفه، ولا تقبل شهادته) (1)

ومن تلك النصوص قول الشيخ محمد بن عبدالوهاب: (من أعظم الناس ضلالاً متصوفية في معكال وغيره، مثل ولد موسى بن جوعان، وسلامة بن مانع وغيرهما يتبعون مذهب ابن عربي وابن الفارض، وقد ذكر أهل العلم أن ابن عربي من أئمة أهل مذهب الاتحادية، وهم أغلظ كفراً من اليهود والنصارى) (2)

ومنها ما يدل على أن من أتباع الحنابلة في ذلك الوقت من كان ينتصر لابن عربي وابن الفرضي وغيرهما ممن لا يتوقف السلفية في تكفيرهما، كما لم يتوقف قبل ذلك مشايخهما الأوائل، ومن تلك النصوص قول الشيخ عبدالله بن عيسى: (وأما الاتحادي ابن عربي صاحب الفصوص المخالف للنصوص، وابن الفارض الذي لدين الله محارب، وبالباطل للحق معارض، فمن تمذّهب بمذهبهما فقد اتخذ مع غير الرسول سبيلاً، وانتحل طريق المغضوب عليهم والضالين المخالفين لشريعة سيد المرسلين، فإن ابن عربي وابن الفارض ينتحلان نحلاً تكفرهما، وقد كفّرهم كثير من العلماء العاملين) (3)

وقد ذكر د. عبدالعزيز بن محمد بن علي آل عبداللطيف عن الشيخ محمد بن عبد الوهاب ما يشير إلى ما ذكرناه مرارا من ممارسة السلفية للتقية حين يتهمون بالتكفير، فقد ذكر أنه لما اتهم ابن عبد الوهاب بتكفير ابن عربي وابن الفارض نفى ذلك عنه، وقال:

__________

(1) مجموعة الرسائل النجدية 1/ 524.

(2) مجموعة مؤلفات الشيخ 5/ 189 (الرسائل الشخصية)

(3) مجموعة مؤلفات الشيخ 5/ 192، (الرسائل الشخصية)

كلكم كفرة (258)

(سبحانك هذا بهتان عظيم) (1)

ثم أجاب د. عبدالعزيز آل عبداللطيف على هذا بقوله: (ولا شك أن هذه الدعوة وكذا جوابها تعطي دلالة جليّة على فداحة الانحراف سواءً في نجد أو خارجه وتكشف شدة التلبيس والمغالطة في شأن هذين الملحدين، فابن سحيم يهوّل من هذا الاتهام، ويرسل إلى الآفاق أن الشيخ الإمام يكفّرهما.. والشيخ الإمام ينفي هذا الاتهام، ويجعله بهتاناً عظيماً مع أن كفرهما ظاهر بيّن، حتى قال الإمام الذهبي –عن ابن عربي-: (ومن أردأ تواليفه كتاب الفصوص، فإن كان لا كفر فيه، فما في الدنيا كفر، نسأل الله العفو والنجاة، فواغوثاه بالله) (2)، والإمام البقاعي إنما جعل كتابه تنبيهاً للغبيّ فحسب! فسمّاه (تنبيه الغبي في تكفير ابن عربي)، كما قال الذهبي – عن تائية ابن الفارض -: (فإن لم يكن في تلك القصيدة صريح الاتحاد الذي لا حيلة في وجوده، فما في العالم زندقة ولا ضلالة) (3)، وإنما نفى الشيخ الإمام عن نفسه دعوى تكفير ابن عربي وابن الفارض؛ فلأنه لم يقرر تكفيرهم ولم يتحدث عنها أو يشتغل بهما، لاسيما وأن الشيخ الإمام في مستهل دعوته، وابتداء تعليمه وتبليغه، ويحتاج إلى الترفق بالناس وتأليفهم (4). خاصة وأن فئاماً من الناس يعظّمون ابن عربي، وينخدعون بكتابه [الفتوحات المكية]، وكذا ابن الفارض) (5)

ولم يقتصر اهتمام الحنابلة بالتصوف على المتأخرين، بل سبقهم إليه الكثير من المتقدمين، بل من كبار المتقدمين الذين واجهوا الجهمية، ولذلك نرى ابن تيمية يخفف لهجته في نقد الصوفية الأوائل، بناء على أن بعضهم أو الكثير منهم كان حنبليا، أو كان له موقف

__________

(1) مجموعة مؤلفات الشيخ 5/ 12، (الرسائل الشخصية)

(2) سير أعلام النبلاء 23/ 48.

(3) سير أعلام النبلاء 22/ 368.

(4) انظر: مجموعة التوحيد النجدية ص 339.

(5) مسائل الاعتقاد عند علماء نجد قبل الدعوة الإصلاحية، ص 58.

كلكم كفرة (259)

من الجهمية.

ومن أشهر الأمثلة على ذلك نموذج يعظمه السلفية كثيرا، لموقفه المتشدد من الأشاعرة.. ولكنهم في نفس الوقت وبناء على مواقفهم من الصوفية لا يجدون إلا أن يكفروه.. فهم يستعملونه ويكفرونه.. مثلما يستعملون ابن حجر والنووي وابن الجوزي والشاطبي وابن العربي والمازري لضرب الطوائف المختلفة.. ثم يرموهم بعد ذلك في جهنم تكفيرهم.

وهذا النموذج هو أبو إسماعيل الأنصاري الهروي صاحب كتاب: [منازل السائرين] الذي شرحه ابن القيم في مدارج السالكين، وهم يعظمونه وينقلون عنه مواقفهم من الجهمية والأشاعرة، مثلما فعل الحافظ الذهبي في كتابه العلو (1).

وهو صاحب [كتاب ذم الكلام وأهله]، وهو أشهر كتبه، وقد نقل منه ابن تيمية نصوصا كثيرة في رسالته التسعينية، التي هي عبارة عن كتاب يتضمن تسعين وجها في نقض مذهب الأشاعرة، وخاصة في مسألة الكلام والقرآن.

وله كتاب [الفاروق في صفات الله سبحانه وتعالى]، والذي جرى فيه على منهج السلفية، ولذلك يعجبون به كثيرا، ويعتبرونه على أساسها من سلفهم.

قال الذهبي في ترجمة الإمام أبي إسماعيل عبدالله بن محمد بن علي الأنصاري الهرروي: (ولقد بالغ أبو إسماعيل في ذم الكلام على الاتباع فأجاد، ولكنه له نفس عجيب لا يشبه أئمة السلف في كتابه [منازل السائرين]، ففيه أشياء مطربة، وفيه أشياء مشكلة، ومن تأمله لاح له ما أشرت إليه، والسنة المحمدية صلفة، ولا ينهض الذوق والوجد إلا على تأسيس الكتاب والسنة. وقد كان هذا الرجل سيفا مسلولا على المتكلمين، له صولة وهيبة واستيلاء على النفوس ببلده، يعظمونه، ويتغالون فيه، ويبذلون أرواحهم فيما يأمر

__________

(1) مختصر العلو، ص (278)

كلكم كفرة (260)

به. كان عندهم أطوع وأرفع من السلطان بكثير، وكان طودا راسيا في السنة لا يتزلزل ولا يلين، لولا ما كدر كتابه [الفاروق في الصفات] بذكر أحاديث باطلة يجب بيانها وهتكها، والله يغفر له بحسن قصده...) (1)

وقال: (قد انتفع به خلق، وجهل آخرون، فإن طائفة من صوفة الفلسفة والاتحاد يخضعون لكلامه في منازل السائرين، وينتحلونه، ويزعمون أنه موافقهم. كلا، بل هو رجل أثري، لهج بإثبات نصوص الصفات، منافر للكلام وأهله جدا، وفي منازله إشارات إلى المحو والفناء، وإنما مراده بذلك الفناء الغيبة عن شهود السوي، ولم يرد محو السوي في الخارج، وياليته لا صنف ذلك، فما أحلى تصوف الصحابة والتابعين! ما خاضوا في هذه الخطرات والوساوس، بل عبدوا الله، وذلوا له وتوكلوا عليه، وهم من خشيته مشفقون، ولأعدائه مجاهدون، وفي الطاعة مسارعون، وعن اللغو معرضون، والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) (2)

وقد قال ابن تيمية وهو يتحدث عنه: (وأما الفناء الذي يذكره صاحب المنازل فهو الفناء في توحيد الربوبية لا في توحيد الإلهية، وهو يثبت توحيد الربوبية مع نفي الأسباب والحكم كما قول القدرية المجبرة كالجهم بن صفوان ومن اتبعه والأشعري وغيره، وشيخ الإسلام وإن كان رحمه الله من أشد الناس مباينة للجهمية في الصفات وقد صنف كتابه الفاروق في الفرق بين المثبتة والمعطلة وصنف كتاب تكفير الجهمية وصنف كتاب ذم الكلام وأهله وزاد في هذا الباب حتى صار يوصف بالغلو في الإثبات للصفات لكنه في القدر على رأي الجهمية نفاة الحكم والأسباب والكلام في الصفات نوع والكلام في القدر نوع) (3)

__________

(1) سير أعلام النبلاء (18/ 509)

(2) سير أعلام النبلاء (18/ 509)

(3) منهاج السنة (5/ 359)

كلكم كفرة (261)

والسلفية المعاصرون يصرحون بتكفيره، كما قال الشيخ أبو عبدالرحمن بن عقيل الظاهري: (ومما يرد من قوله تعسفه وتكلفه في تسويغ حماقات الهروي صاحب منازل السائرين عندما يحوم حول الاتحاد والحلول وهما مذهبان غبيان كافران، وعندما يتكلف في استعراض رياء الصوفية وتظاهرهم بالشهقات والقشعريرة من خوف الله (زعموا) ويحولها إلى عبادات وصفاء روحي ونحن نعرفهم عن كثب لم يمتحوا من السنة بذنوب ولم يتأسوا بسلف صالح كجيل الصحابة وجيل أحمد بن حنبل، ومن تبعهم بإحسان، وإنما كانوا قوما يواصلون الصيام البدعي ويعتكفون في المقابر والخربات ويهمون بأوراد وضعية وطلسمات ممحوجة، وربما انتهجوا منهج صاحب كتاب (شمس المعارف الكبرى) فتجلت لهم الأرواح الأرضية وأملت عليهم السخام، فأحدهم يدعي أنه يسمع آذان ملائكة العرش والآخر كالمأفون محيي الدين بن عربي يزعم أن الرحمن تجلى له، وأن الرسول صافحه، وأنهما أمليا عليه أحكماما توصي بنسخ الشريعة، وهؤلاء حقهم أن تطهر منهم صحائف المسلمين ولا تلتمس التسويغ لكفرهم الغبي ولهذا قلت: يرد الكثير الكثير مما ورد في مدارك السالكين لاسيما ما أنكره سلفنا من إدراك السوي (الغير) (1)

وهكذا قال المعلقون على [مدارج السالكين] من أمثال الشيخ محمد الفقي، والأستاذ عماد عامر التي تدل على تكفيرهم له، فقد علق عماد عامر على النصوص التي ذكر الهروي فيها الفناء بقوله: (هذا لسان كفر ظاهر، ما كان أغنى ابن القيم عن الاعتذار لأصحابه بغياب العقل وفقد الإدراك والتمييز مع هذا الكلام، قد كان حسبه أن يشير إلى فساد هذا الكلام وبطلانه، ثم الله أعلم بأحوال هؤلاء) (2)

وعلق حامد الفقي فقال: (وهل في شرع الرسالة الموحى بها من عند ربنا الرحمن

__________

(1) الفنون الصغرى، (242 ـ 243)

(2) مدارج السالكين (1/ 148)

كلكم كفرة (262)

الرحيم هذا الفناء وما يستلزمه ويفضي إليه ويناسبه؟ غفر الله للشيخ الإمام ابن القيم فقد أجهد نفسه كثيرا جدا ـ بقلب سليم ـ في محاولة غسل أوضار الصوفية فهل بلغ غايته ونجح في مقصده؟)

بل إن تكفير السلفية للهروي يكاد يتعدى إلى ابن القيم نفسه الذي شرح كتابه، وسكت عن الكثير من المكفرات التي يعتبر السلفية الساكت عنها أو المقر لها كافرا، ولهذا نرى السلفية المحدثين يحذرون من كتاب مدارج السالكين، ويطلبون أن يقرأ بدله تهذيبه (1)، بل فيهم من حاول أن ينفي نسبة الكتاب لابن القيم لتضمنه الكثير من المكفرات..

ولذلك يمكن القول أنه ـ لولا التقية التي يمارسها السلفية في حق ابن تيمية وتلاميذه ـ لصرحوا بكفر صاحب المدارج، كما صرحوا بكفر صاحب المنازل، لأنه لا فرق بينهما، ومن يطالع تعليقات الشيخ محمد حامد الفقي على المدارج، يستطيع أن يستنبط الكثير من وجوه تكفير السلفية لابن القيم.. ولكنهم لو صرحوا بكفره لانهدت أركان كثيرة من البنيان السلفي الهش.

__________

(1) وقد سئل بعض أعلام السلفية المعاصرين: (ما رأي فضيلتكم في كتاب مدارج السالكين، حيث سمعت التحذير منه؟)، فأجاب: (كتاب: مدارج السالكين ـ غني عن التعريف، وفوائده جمة في بابه، ومع ذلك فإنه لا يخلو من بعض الملاحظات، بسبب المشرب الصوفي لمؤلف المنازل نفسها، شيخ الإسلام الهروي وليس هذا مجال لتفصيل ذلك، وقد قام غير واحد بتهذيب الكتاب، فلو رجع السائل لأحد هذه التهذيبات لكان أنفع له، كتهذيب عبد المنعم صالح العزي) انظر موقع الفتاوى في شبكة أسلام ويب.

كلكم كفرة (263)

السلفية.. وتكفير المدارس الصوفية

أخطر ما وصل إليه التكفير السلفي هو تكفيره للمدارس الصوفية بمشايخها وعلمائها ومريديها ومحبيها ومناصريها والمدافعين عنها.. فلم يسلم من سيف تكفيره بسببها إلا السلفية، وبعضهم ـ ممن هادن أو سكت ـ على خطر، كما سنرى في الفصل الأخير من هذا الكتاب.

وما ذكرناه ليس سهلا ولا بسيطا ولا محدودا، ذلك أن الطرق الصوفية، ولفترات طويلة من التاريخ الإسلامي كانت هي المسيطرة والمؤثرة في المجتمع، فلم تكن تخلو أسرة ولا بيت من مريد لطريقة من الطرق، ومن عداهم كانوا ينظرون إلى الطريقة باعتبارها محلا للصالحين، ومأوى للطاهرين الموحدين.. وكانوا جميعا يعظمون الأولياء ويتبركون بهم ويزرون قبورهم.. وكانوا جميعا يتوسلون برسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ويستغيثون به، ويكتبون القصائد في مدحه..

وكيف لا يكون الأمر كذلك، وأكثر الأمة أسلم بسبب رجال الطرق الصوفية ومريديها ومحبيها.. فقد كانوا هم مفتاحهم للإسلام، وهل يمكن لأحد أن يعرض عن المفتاح الذي فتح الله له به الهداية؟

بناء على هذا لن نبذل جهدا كبيرا في هذا الفصل في إثبات تكفير السلفية للطرق الصوفية إما تكفيرا مطلقا، أو تكفيرا معينا.. لأنهم هم أنفسهم كفونا ذلك ـ وخاصة في هذا العصر ـ حيث ألفوا الكتب الكثيرة، وأصدروا الفتاوى الطويلة في تكفير كل رجالا التصوف وطرقها والمؤيدين لها.

والمعاصرون من السلفيين قد تميزوا عن السابقين بتوسيع دائرة التكفير لتشمل الأوائل من الصوفية كالجنيد ورابعة وغيرهما، ممن كان سلفهم الأول ينظر إليهم بنوع من

كلكم كفرة (264)

الاحترام والتقدير.

وقد ألفوا المؤلفات الكثيرة في ذلك.. والتي تحاول أن تعطي قاعدة مفادها: كل صوفي كافر.. ولا يهم في ذلك أن يكون متقدما أو متأخرا.. سلفيا أو خلفيا.. فمجرد نسبته للتصوف تطبعه بطابع الكفر، حتى لو برأه منه ابن تيمية وغيره.. فلا عبرة بذلك، لأن ابن تيمية ـ كما يقول هؤلاء السلفيون ـ لم يكن يدرك الحيل التي احتالوا بها عليه، ليبرئهم، ويسكت عنهم.

ومن باب المثال، أذكر هنا كتابا لقي إقبالا كبيرا من السلفيين منذ تأليفه إلى الآن، وهو مرجعهم الأكبر في هذا ـ بدل ابن تيمية ـ وهو كتاب (الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ) الذي يعتبر من أعظم الكتب التكفيرية التي كتبها السلفية، وخالفوا بها حتى مشايخهم الأوائل، وقد بدأ محمود عبد الرؤوف القاسم ـ صاحب الكتاب ـ كتابه هذا ببيان أن الصوفية جميعا شيء واحد، ويحملون فكرة واحدة، ولذلك فإن تكفير ابن تيمية أو غيره لأي واحد منهم، يجعل الجميع تحت طائلة التكفير.

يقول في ذلك: (لا يوجد إلا صوفية واحدة، غايتها واحدة، وحقيقتها واحدة (وسنرى أن طريقتها واحدة) منذ أن وجدت الصوفية حتى النهاية، وإن اختلفت الأسماء، وهذه براهين من أقوال عارفيهم (وصاحب البيت أدرى بما فيه) (1)

ونقل من نصوص الصوفية ما يدل على ذلك، كقول الجنيد (سيد الطائفة): (الصوفية أهل بيت واحد لا يدخل فيهم غيرهم) (2)، وقول أبي نصر السراج (صاحب اللمع): (لأن علم الحقائق ثمرة العلوم كلها، ونهاية جميع العلوم، وغاية جميع العلوم إلى علم الحقائق، إذا انتهى إليها وقع في بحر لا غاية له، وهو علم القلوب، وعلم المعارف،

__________

(1) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 5

(2) الرسالة القشيرية (ص:127)

كلكم كفرة (265)

وعلم الأسرار، وعلم الباطن، وعلم التصوف، وعلم الأحوال، وعلم المعاملات، أي ذلك شئت فمعناه واحد) (1)، وقول أبي طالب المكي: (فأما المعرفة الأصلية التي هي أصل المقامات ومكان المشاهدات، فهي عندهم واحدة؛ لأن المعروف بها واحد، والمتعرف عنها، إلا أن لها أعلى وأول، فخصوص المؤمنين أعلاها، وهي مقامات المقربين، وعمومهم أولها، وهي مقامات الأبرار، وهم أصحاب اليمين) (2)

وهكذا نص على هذا الصوفية المتأخرون من أمثال ابن عجيبة الذي قال: (.. بخلاف مذهب الصوفية، فهي متفقة في المقصد والعمل وإن اختلفت المسالك.. فمرجع كلام القوم في كل باب لأحوالهم، وإلا فلا تنافي بين أقوالهم لمن تأملها، وذلك بخلاف مذهب غيرهم، والوجه فيه أن الحق واحد وطريقه واحدة وإن اختلفت مسالكها، فالنهاية واحدة، والذوق واحد، وفي معنى ذلك قال قائلهم:

الطرق شتى وطريق (3) الحق واحدة والسالكون طريق الحق أفراد

ومذهب الصوفية هو الاتفاق في الأصول والفروع، أما الأصول فنهايتهم الشهود والعيان، وهم متفقون فيه لأنه أمر ذوقي لا يختلف) (4)

وهكذا قال الشيخ عبد القادر عيسى: (وإن الطريق واحدة في حقيقتها، وإن تعددت المناهج العملية، وتنوعت أساليب السير والسلوك، تبعاً للاجتهاد وتبدل المكان والزمان، ولهذا تعددت الطرق الصوفية، وهي في ذاتها وحقيقتها وجوهرها واحدة) (5)

وهكذا قال الشيخ عبد الحليم محمود: (وفي الناس من يرى أن التصوف مذاهب

__________

(1) اللمع (ص:457)

(2) قوت القلوب: (2/ 79)

(3) ليستقيم البيت يجب أن يكون (الطرق شتى ودرب الحق...)

(4) الفتوحات الإلهية، (ص:101) وما بعدها.

(5) حقائق عن التصوف، (ص:272)

كلكم كفرة (266)

وفرق وطوائف، ولكن هذا التفكير المنحرف تأتى إِلى القائلين به من نظرتهم إلى علم الكلام وإلى الفلسفة؛ ففي علم الكلام: أشاعرة ومعتزلة ومشبهة، وفي الفلسفة: أرسطيون وإِفلاطونيون وديكارتيون.. ولقد خلط الكاتبون بين هذه الدراسات والتصوف، فزعموا أن في التصوف مذاهب وفرقاً وطوائف ولو أمعنوا النظر، لعرفوا أن التصوف تجربة روحية، وليس نظراً عقلياً، وإذا كان النظر العقلي يفرق الناظرين إلى طوائف وفرق، فإن التجربة لا يختلف فيها اثنان.. وكما أنه لا يستساغ الخلط بين الوسائل والغايات في أي ميدان من الميادين، فإنه لا يجوز أن يستساغ الخلط بين طرق التصوف، وهي وسائل، وبين الغاية، وهي التصوف نفسه، فطرق التصوف متعددة مختلفة، وبعضها أوفق من بعض، وبعضها أسرع من بعض، ولكنها على اختلافها وتعددها، تؤدي إلى هدف واحد وغاية واحدة. التصوف إذن مذهب (بصيغة المفرد) لا مذهب (بصيغة الجمع) (1)

ومع كون ما ذكره هؤلاء الصوفية واضح لا حرج فيه، فالتجربة الصوفية تختلف عن الرؤى العقلية، ولذلك فإنها واحدة من حيث أهدافها لأنها جميعا تهدف إلى التعرف على الله والتواصل معه إلا أن الكاتب راح يستنتج منها ـ كعادة السلفية ـ أن إثبات كفر واحد من هؤلاء سيعمم النتيجة على الجميع، وتصبح المعادلة كالتالي: كل صوفي كافر، و(س) صوفي، إذن هو كافر..

وحينها لا نحتاج لإثبات كفر أي شخص إلا لإثبات ميوله الروحية، ومحبته للصالحين، أو قراءة كتبهم، فإن دعا الآخرين إلى ذلك صار كفره مضاعفا، لأنه سيتحمل وزر كل من كفر بسببه.

يقول في ذلك: (هذه أقوال لبعض كبار القوم، نخلص منها إلى أن للصوفية عقيدة واحدة يدين بها كل المتصوفة قديمهم وحديثهم، وأن الطرق الصوفية (كالشاذلية والرفاعية

__________

(1) التعرف لمذهب أهل التصوف، (ص:12، 13)

كلكم كفرة (267)

والقادرية والخلوتية والنقشبندية واليشرطية والمولوية والبكطاشية والتجانية وغيرها وغيرها، وإن اختلفت أسماؤها، فهي كلها تؤدي إلى هدف واحد هو العقيدة الصوفية الواحدة) (1)

وهو ـ كسائر السلفية في تعاملهم مع المخالفين لهم ـ يشق على قلوبهم، ويرميهم بالتقية إن دافعوا عن أنفسهم في وجه أي بهتان يصب عليهم.. ويصورهم بصورة المتآمرين على ذلك الإسلام السلفي النظيف، فيقول: (سيظن الكثيرون -بناء على ما تقدم- أنه يكفي لدراسة الصوفية أن ندرس عقيدة صوفي واحد، كالغزالي مثلاً، أَو ابن عربي، أو ابن عجيبة، أو غيره، ثم نطلق حكماً بكل ثقة واطمئنان على جميع المتصوفة، وإن حكمنا سيكون علمياً صحيحاً، فنقول: هذا صحيح كل الصحة من الناحية العلمية، ولكننا أمام جماعة باطنية لهم عقيدة سرية، استهوت عقولهم ونفوسهم واستحوذت عليها، فلا يهتدون سبيلًا إِلا سبيلها، وهم يدافعون عنها بكل ما لديهم من إِمكانيات وبالمراوغات والمغالطات واللف والدوران وجميع الأساليب اللاعلمية واللاأخلاقية) (2)

ثم يضرب مثلا على ذلك فيقول ـ بيقين ليس وراءه يقين ـ (وكمثل على ذلك: إِنهم يعلمون يقيناً وخاصة الواصلون منهم أن الصوفية هي كفر وزندقة بالنسبة للشريعة الإسلامية، ومع ذلك فهم يكتمون هذه الحقيقة ويشيعون بين الناس أن الصوفية هي قمة الإسلام والإيمان وهي منتهى التقى والورع، وهي مقام الِإحسان، وقد انطلت هذه الخدعة على الناس وصدقوها، حتى لو قلت لأحدهم: إِن الصوفية زندقة، لثار عليك واتهمك الاتهامات التي لا تخطر لك على بال، رغم أَنه ليس صوفيًّا، ولكنه اقتنع بالخدعة وانجرت

__________

(1) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 8.

(2) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 8.

كلكم كفرة (268)

عليه ذيولها) (1)

وهو ـ كسائر السلفية ـ لا يقبل من الصوفية ـ كما لا يقبل من غيرهم ـ إلا أن يخضعوا لكل ما ينسبونه لهم، فإن دافعوا عن أنفسهم بالحقائق العلمية القطعية اعتبروا مراوغين مخادعين يستعملون أساليب الباطنية، يقول في ذلك: (ومثل من مراوغاتهم المعتادة: لو جئتهم بدراسة عن صوفية ابن عربي مثلًا، لسمعت من يقول لك: هذا مدسوس عليه، أَو لسمعت من يقول: هذا شيء لا يدين به الباقون، أو لسمعت: هذا كان فيما مضى من الزمان، ولم يبق له أثر، أو تسمع من يقول: الصوفية الآن لا يعرفون هذه الأمور ولا يفهمونها، فأَكثرهم بسطاء وسذج، أو هذا يعرفه بعضهم ويجهله الآخرون، وإن كانت الدراسة حول صوفي غير مشهور، فسيكون الجواب: هذا مندس على الصوفية، مدع لها، والصوفية الحقة بريئة منه ومن أمثاله، والصوفية الحقة هي قمة الِإسلام والِإيمان.. ولو أتيتهم بنصوص صوفية للغزالي مثلاً، وبرهنت لهم على صحتها وصحة نسبتها إلى قائلها وأريتهم مواضع الضلال فيها، فالجواب الذي ستسمعه: هذا كلام له تأويل! أو يجب أن نؤوله! أو هذا كلام لا نفهمه، ومثل هذه الأجوبة، نسمعها أيضاً من غير المتصوفة من كثير من الناس، لأنهم سمعوها سابقاً من المتصوفة، وسمعوها وسمعوها كثيراً حتى اقتنعوا بها) (2)

وللأسف فإنهم هم أنفسهم ـ أي السلفية ـ تأتيهم بالبراهين القاطعة من كتبهم، فيذكرون لك أن فيها فلان، وهو ضعيف، وفلان لم يوثقه ابن حبان، أو تكلم فيه ابن أبي زرعة.. فإن ذكرت لهم شيئا مما قاله ابن تيمية أو غيره مما ينكرونه زعموا أنه مدسوس عليهم.. فإن ذكرت لهم رجلا من السلف الذي أثنى عليه ابن القيم كالهروي، ذكر لك أن ابن القيم انخدع فيه.. وهكذا يتيحون لأنفسهم ما يمنعون منه غيرهم.

__________

(1) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 9.

(2) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 10.

كلكم كفرة (269)

حتى أنه في موضوعنا هذا المتعلق بالتكفير.. إذا نقلت لهم النصوص الكثيرة من تكفير سلفهم للأشاعرة أو غيرهم، يأتيك بنص قاله واحد من المتأخرين.. ثم يقول لك: نحن لا نقول بذلك، وها هو فلان أفتى بهذه الفتوى.. فيسمحون للواحد منهم أن ينسخ كل جرائم سلفه.. بينما يكلفون الصوفية أو غيرهم من مخالفيهم بأن يتحملوا أوزار أي واحد منهم.

وهذا يذكرنا بموقف السلفية من تحريف الشيعة للقرآن الكريم، حيث يلجأون إلى كتاب واحد ألفه رجل منهم، ليس له أي مكانة بينهم، ويتغافلون عن مئات الكتب والتصريحات والنصوص التي تؤكد أن قرآن الشيعة هو نفسه قرآن سائر المسلمين.

وهذا كله من التطفيف السلفي في الميزان الذي جعلهم يضعون مكاييل خاصة بهم، ومكاييل خاصة بغيرهم.

وأحب أن أبين هنا أن الصوفية وعلى مدار التاريخ كانوا من أكثر الناس تسامحا مع الأمة جميعا، بل مع البشر جميعا، ولهذا لم يحفظ عنهم أي إساءة أو أذى أو ممارسة عنف مع أي جهة من الجهات.. وهذا ما جعلهم ينتشرون في كثير من مناطق الإسلامي، وينشرون معهم الإسلام وسماحة الإسلام.

وقد قال الصوفي الكبير الأستاذ السيد محمد زكي إبراهيم رائد العشيرة المحمدية في كتابه المعنون بـ[أهل القبلة كلهم موحدون وكل مساجدهم مساجد التوحيد، ليس منهم كافر ولا مشرك ولا وثني ولا مرتد، وان قصر أو اخطأ أو تجاوز] يبين سماحة الصوفية مع كل مذاهب الأمة وطوائفها، وذلك تعليقا على الحديث الذي يتعلق به السلفية في تكفير سائر الأمة والحكم بهلاكها، فقد قال: (بقي الكلام عن الحديث الذي لا يزال يلغط به بعضهم، ابتغاء تطبيقه على الجماعات الصوفية بخاصة وليس إلا [هو يقصد في الفترة التي كتب فيها الكتاب حيث كانت الحرب حينها متوجهة للصوفية، أما الآن فهي متوجهة

كلكم كفرة (270)

للشيعة].. ونحن على تقدير صحته، قد بينا لك من نصوص القرآن ثم من المسلمات البديهية أن تعدد السبل إلى المقصود الواحد أمر طبيعي وشرعي، فلا ينسحب عليه حكم (تعدد الفرق) لأن الذي يطلق عليها تجاوزا أو مجازا اسم (الفرق) الآن في الإسلام، كلها دائرة في فلك الكتاب والسنة، فهي على ما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو وأصحابه. فهى (مذاهب) أو (مشارب) أو (سبل) تبتدئ من الشهادتين، وتنتهي عندها حقهما وأثرهما. فهى واحدة).. فالسادة المالكية، والأحناف، والشافعية، والحنابلة، والزيدية، والظاهرية والإباظية والإمامية والهادوية والصوفية والسلفية، والأشعرية والما تريدية، بل والمعتزلة (المعتدلين) كل هؤلاء وأمثالهم يسيرون في طريق واحد على (أساليب) مختلفة من الفهم والاستنباط والمقارنة والبحث.. ويلحق بهؤلاء جميعا سائر الهيئات والجماعات الإسلامية السليمة المنتشرة في بقاع الأرض وهي ألوف لا تحصى) (1)

ثم بين موضع انطباق الحديث، فقال: (وإنما ينطبق الحديث (على فرض صحته) على غلاة الخوارج والباطنية والقرامطة والبهائية والتاديانية والجماعات المستحدثة من السلفية ونحو هؤلاء من الفرق التي ذكرها أصحاب كتب (الملل والنحل) ممن خالفوا الأصول عمدا، وأنكروا المعلوم من الدين بالضرورة، وليس في طوائف الصوفية خاصة وبقية الطوائف الاسلامية المعتدلة من خالف الاصول عمدا أو أنكر المعروف من الدين بالضرورة وإن تطرف أو غالى، ربما كان فيهم المقصرون، أو المخطئون، أو العصاة، وهذا لا يحرمهم من الدين ولا يسحب عليهم حكم الفرق الكافرة، فبعض الفرق أشد غلوا وانحرافا وتطرفا وانجرافا، ومع هذا فهى مسلمة، فالمعصية شيء، والردة والزندقة والشرك والكفر شيء آخر) (2)

__________

(1) أهل القبلة كلهم موحدون، ص 24.

(2) أهل القبلة كلهم موحدون، ص 25.

كلكم كفرة (271)

بناء على هذا سنحاول في هذا الفصل أن نثبت بالأدلة القطعية تكفير السلفية للصوفية تكفيرا مطلقا أو تكفيرا معينا.

أولا ـ التكفير المطلق

يضع السلفية الكثير من نواقض الإيمان المرتبطة بالتصوف، منها ما يرتبط بالعقائد والتصورات، ومنها ما يرتبط ببعض السلوكات العملية التي يدرجها السلفية ضمن نواقض توحيد الألوهية، وقد استقرأنا أقوالهم في ذلك ابتداء من السلف الأول إلى اليوم، فوجدنا أنه يمكن تصنيفها إلى أربعة نواقض كبرى:

1 ـ تهمة التنزيه المطلق للحضرة الإلهية: فالسلفية يتهمون الصوفية بالقول بوحدة الوجود بمعناها الفلسفي الذي يجعل من الخالق والمخلوق شيئا واحدا، أو وحدة الموجود ـ كما يعبر بعضهم ـ أو تنزيه الله عن أن يوجد معه غيره كما يمكن أن يعبر..

2 ـ تهمة المواجيد والأشواق الروحية: أو وحدة الشهود والفناء والحلول والاتحاد.

3 ـ تهمة تعظيم الحضرة النبوية: بالتوسل والاستغاثة بها، وكتابة القصائد والزيارات والاحتفال بالمناسبات المختلفة..

4 ـ تهمة تقديس الولاية والأولياء: ومنها تعظيم آل بيت النبوة، واتهام الصوفية بالتشيع على أساس ذلك، أو بالقبورية والشرك نتيجة تعظيم مقامات الأولياء.

1 ـ تهمة التنزيه المطلق للحضرة الإلهية

وهذه أكبر التهم، وقد اهتم بها ابن تيمية كثيرا، وعلى أساسها كفر كثيرا من مشايخ الصوفية المتأخرين.. والمعاصرون من السلفية يرمون بها كل الصوفية ابتداء من الجنيد إلى آخر صوفي.. وهم يقرؤون كل ما يقوله الصوفية من معان تحض على التوحيد إلى هذا المعنى.

كلكم كفرة (272)

ومن أمثلة ذلك قول صاحب كتاب [الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ] في فصل خصصه لوحدة الوجود عند الصوفية: (إن الصوفيين كلهم، من أولهم إلى آخرهم، (إلا المبتدئين)، يؤمنون بوحدة الوجود) (1)

ثم راح يسوق الكثير من تلك النصوص الجميلة التي ذكرها الصوفية، والتي راحوا من خلالها يعمقون صلة المؤمنين بالله، ليجعلوا قبلة قلوبهم واحدة هي الله.. لكنها لم تكن جميلة عند السلفية، لأن لوثة الخوف من الشرك التي امتلأت بها عقولهم جعلتهم ينكرون كل شيء، ويشكون في كل شيء.. وليتهم إذ لم يفهموها، أو لم تعجبهم، سكتوا، بل إنهم شنوا حملة كبيرة عليها، واعتبروها زندقة وهرطقة، واعتبروا أولئك العارفين الذين نطقوا بها زنادقة منحرفين ضالين.

ومن أمثلة ذلك تلك النصوص الجميلة الممتلئة بتنزيه الله وتعظيمه، قول أبي حامد الغزالي: (.. فمن عرف الحق رآه في كل شيء، إذ كل شيء فهو منه وإليه وبه وله، فهو الكل على التحقيق، ومن لا يراه في كل ما يراه فكأنه ما عرفه، ومن عرفه عرف أن كل شيء ما خلا الله باطل، وأن كل شيء هالك إلا وجهه، لا أنه سيبطل في ثاني الحال، بل هو الآن باطل) (2)

وقد علق صاحب الكتاب على هذا بقوله: (يبين لنا الغزالي هنا كيف يفهمون الجملة (كل شيء ما خلا الله باطل)، والآية {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص:88]، ومنذ الآن يجب أن نعرف كيف يفهمونها، ولا نحاول التأويل واللف والدوران مثلهم) (3)

وينقل عن الغزالي قوله: (نعلم أن للقلب ميلاً إلى صفات بهيمية.. وإلى صفات

__________

(1) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 75.

(2) إحياء علوم الدين: (1/ 254)

(3) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 91.

كلكم كفرة (273)

سبعية.. وإلى صفات شيطانية.. وإلى صفات ربوبية.. فهو لما فيه من الأمر الرباني يحب الربوبية بالطبع؟! ومعنى الربوبية التوحد بالكمال، والتفرد بالوجود على سبيل الاستقلال؛ فصار الكمال من صفات الإلهية، فصار محبوباً بالطبع للإنسان. والكمال بالتفرد بالوجود، فإن المشاركة في الوجود نقص لا محالة؛ فكمال الشمس في أنها موجودة وحدها، فلو كان معها شمس أخرى لكان ذلك نقصاً في حقها إذ لم تكن منفردة بكمال معنى الشمسية. والمنفرد بالوجود هو الله تعالى إذ ليس معه موجود سواه، فإن ما سواه أثر من آثار قدرته لا قوام له بذاته، بل هو قائم به... وكما أن إشراق نور الشمس في أقطار الآفاق ليس نقصاناً في الشمس بل هو من جملة كمالها، وإنما نقصان الشمس بوجود شمس أخرى.. فكذلك وجود كل ما في العالم يرجع إلى إشراق أنوار القدرة.. فإذاً معنى الربوبية التفرد بالوجود، وهو الكمال... ولذلك قال بعض مشايخ الصوفية: (ما من إنسان إلا وفي باطنه ما صرح به فرعون من قوله: {أَنَا رَبُّكُمُ الأَعْلَى} [النازعات:24]، ولكنه ليس يجد له مجالاً، وهو كما قال) (1)

ومع أن هذا النص واضح في تنزيه الله وتعظيمه وأنه صاحب الوجود الحقيقي، وما عداه لا يملك هذا الوجود الأصلي، بل وجوده تبعي، فقد علق عليه الكاتب بقوله: (هذا النص مشحون ـ أي بوحدة الوجود ـ لكن أهم ما فيه هو: 1 - استعمال الغزالي أساليب علم الكلام لإثبات أمر غيبي تتعذر معرفته إلا عن طريق الوحي.. 2 - قوله: (المنفرد بالوجود هو الله تعالى إذ ليس معه موجود سواه) يعني: أن الله جلت قدرته، لم يخلق شيئاً من العدم، إذ لو خلق شيئاً من العدم لكان هذا الشيء غير الله، ولكان مع الله موجود آخر غيره، لكن الحجة يقرر أن ليس مع الله موجود سواه، وهذه هي: (وحدة الوجود).. 3 - إعطاؤه لكلمة (الربوبية) معنى لم يرد عن خير البشر، ولا عن خير القرون، ولا عن

__________

(1) إحياء علوم الدين: (3/ 243)

كلكم كفرة (274)

تابيعهم.. 4 - إيراده القول الذي يعزوه إلى بعض مشايخ الصوفية والذي يفيد: (أ- إن فرعون رب في الباطن، وقد صرح بهذه الربوبية. لننتبه إلى كلمة (صرّح). ب- هذه الربوبية هي في باطن كل إنسان، أي: أن كل إنسان هو رب في الباطن، لكنه لا يجد مجالاً لاستشعار هذه الربوبية أو للتصريح بها مثل فرعون).. 5 - تقرير الغزالي صحة هذا القول لقوله: (وهو كما قال) (1)

بهذه الطريقة يحلل السلفية كلام العارفين، وبقلوبهم المريضة يحولون تلك المعاني الرقيقة السامية إلى هذا المنحدر السحيق.. كل ذلك ليرضوا نزوة تكفير علم عظيم اتفقت الأمة على احترامه والاستفادة منه.

وهكذا ينقل قول الغزالي ـ وهو يتحدث عن إكرامات الله للسالكين إليه ـ: (ومن ارتفع الحجاب بينه وبين الله تجلى صورة الملك والملكوت في قلبه، فيرى جنةً عرض بعضها السماوات والأرض، أما جملتها فأكثر سعة من السماوات والأرض؛ لأن السماوات والأرض عبارة عن عالم الملك والشهادة.. وأما عالم الملكوت، وهي الأسرار الغائبة عن مشاهدة الأبصار، المخصوصة بإدراك البصائر، فلا نهاية له. نعم، الذي يلوح للقلب منه مقدار متناهٍ.. وجملة عالم الملك والملكوت إذا أخذ دفعة واحدة تسمى (الحضرة الربوبية)؛ لأن الحضرة الربوبية محيطة بكل الموجودات، إذ ليس في الوجود شيء سوى الله تعالى وأفعاله؟ ومملكتُه وعبيدُه من أفعاله) (2)

وعلق على ذلك بتوضيح مراد الغزالي الحقيقي على حسب ما يفهم العقل السلفي، فقال: (نحن الآن نعرف مما سبق ومما سيأتي من نصوص، أنه وأنهم يعنون بقوله وقولهم:

__________

(1) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 85.

(2) إحياء علوم الدين: (3/ 13)

كلكم كفرة (275)

(أفعال الله) أي: حركاته (سبحانه عما يصفون) (1)

وهكذا ينقل هذه الدرر الجميلة من كلام الغزالي عن حقيقة تنزيه الصوفية المطلق لله، في قوله: (والثالثة: أن يشاهد ذلك بطريق الكشف بواسطة نور الحق، وهو مقام المقربين، وذلك بأن يرى أشياء كثيرة، ولكن يراها على كثرتها صادرة عن الواحد القهار. والرابعة: أن لا يرى في الوجود إلا واحداً، وهي مشاهدة الصديقين، وتسمِّيه الصوفية (الفناء في التوحيد).. والثالث: موحد، بمعنى أنه لم يشاهد إلا فاعلًا واحداً إذا انكشف له الحق كما هو عليه، ولا يرى فاعلًا بالحقيقة إلا واحداً وقد انكشفت له الحقيقة كما هي عليه، لا أنه كلَّف قلبه أن يعقد على مفهوم لفظ الحقيقة، فإن تلك رتبة العوام والمتكلمين.. والرابع: موحد بمعنى أنه لم يحضر في شهوده غير الواحد، فلا يرى الكل من حيث إنه كثير، بل من حيث إنه واحد. وهذه هي الغاية القصوى في التوحيد) (2)

ثم يجيب عن سر ذلك، فيقول: (فإن قلت: كيف يتصوّر أن لا يشاهد إلا واحداً، وهو يشاهد السماء والأرض، وسائر الأجسام المحسوسة، وهي كثيرة؟ فكيف يكون الكثير واحداً؟ فاعلم أن هذه غاية علوم المكاشفات.. وهو أن الشيء قد يكون كثيراً بنوع مشاهدةٍ واعتبار، ويكون واحداً بنوع آخر من المشاهدة والاعتبار، وهذا كما أن الِإنسان كثير إن التفتّ إلى روحه وجسده وأطرافه وعروقه وعظامه وأحشائه، وهو باعتبارٍ آخر ومشاهدةٍ أخرى واحدٌ، إذ نقول: إنه إنسان واحد.. والفرق بينهما أنه في حالة الاستغراق والاستهتار به مستغرقٌ بواحد ليس فيه تفريق، وكأنه في عين (الجمع)؛ والملتفتُ إلى الكثرة في (تفرقة) فكذلك كل ما في الوجود من الخالق والمخلوق له اعتبارات ومشاهدات كثيرة مختلفة، فهو باعتبار واحدٍ من الاعتبارات واحدٌ، وباعتبارات أخر سواه كثيرٌ... وهذه المشاهدة التي لا

__________

(1) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 86.

(2) إحياء علوم الدين: (4/ 212)

كلكم كفرة (276)

يظهر فيها إلا الواحد الحق، تارة تدوم، وتارة تطرأ كالبرق الخاطف، وهو الأكثر، والدوام نادر عزيز) (1)

ثم يعلق الكاتب على هذا التوحيد العرفاني السامي بقوله: (أرجو الانتباه إلى كلمتى: (الجمع والتفرقة) اللتين يشرح معناهما بوضوح، ويقول: (فكذلك عقولنا ضعيفة، وجمال الحضوة الِإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة، وفي غاية الاستغراق والشمول، حتى لم يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات والأرض، فصار ظهوره سبب خفائه، فسبحان من احتجب بإشراق نوره، واختفى عن البصائر والأبصار بظهوره، ولا يُتعجب من اختفاء ذلك بسبب الظهور، فإن الأشياء تُستبان بأضدادها، وما عمّ وجوده حتى إنه لا ضدّ له، عسر إدراكه) (2)) (3)

ومع وضوح هذا الكلام وجماله وروحانيته إلا أن السلفية لا يستفيدون منه إلا شيئا واحدا هو كفر صاحبه.. أما لو ذكر الغزالي بأن الله ليس سوى جرم من الأجرام، أو جسم من الأجسام، وأن له بيتا في الجنة، وأنه يجلس ويستلقي ويجري ويهرول، فإنه حينها يصير موحدا ومسلما.

هذا مجرد مثال عن مواقف السلفية من كلام أبي حامد الغزالي في التوحيد السني التنزيهي، لا التوحيد السلفي الوثني.

ونحب أن نسوق هنا للدلالة على معنى وحدة الوجود عند الصوفية، والتي كفرهم ابن تيمية والسلفية جميعا بسببها، كلام عالمين جليلين نالا حظهما من الاهتمام من لدن الصوفية بمدارسها المختلفة، كما نالا حظهما من التكفير من المدارس السلفية المختلفة.

__________

(1) الِإحياء: (4/ 213)

(2) الإِحياء: (4/ 276)

(3) الكشف عن حقيقة الصوفية لأول مرة في التاريخ، ص 86.

كلكم كفرة (277)

أما أولهما، فهو الشيخ عبد القادر عيسى، وهو شيخ طريقة له مريدوه، وشهادته لها أهميتها الكبرى، باعتبار علاقته العملية بالتصوف.. وأما الثاني فهو الشيخ عبد الحليم محمود، وهو باحث وأكاديمي ومطلع على الفلسفات المختلفة، بالإضافة لممارسته للتصوف.

أما الأول، وهو الشيخ عبد القادر عيسى فقد عقد فصلا في كتابه العظيم [حقائق عن التصوف] لرد هذه الشبهة عن الصوفية قدم له بقوله: (اختلف علماء النظر في موقفهم من العارفين المحققين القائلين بوحدة الوجود، فمنهم من تسرع باتهامهم بالكفر والضلال، وفهم كلامهم على غير المراد. ومنهم من لم يتورط بالتهجم عليهم، فتثبت في الأمر ورجع إِليهم ليعرف مرادهم. لأن هؤلاء العارفين مع توسعهم في هذه المسألة لم يبحثوا فيها بحثاً يزيل إِشكال علماء النظر، لأنهم تكلموا في ذلك ودوَّنوا لأنفسهم وتلاميذهم لا لمن لم يشهد تلك الوحدة من غيرهم، لذلك احتاج الأمر للإِيضاح لتطمئن به قلوب أهل التسليم من علماء النظر) (1)

وبناء على هذا فقد راح ـ وهو الشيخ المربي صاحب الطريقة ـ يشرح المراد منها عند الصوفية، وأن معناها لا يعود إلا لتنزيه الله عن مشابهة مخلوقاته في أي شيء حتى في الوجود نفسه، فالله صاحب الوجود الحقيقي الواجب، وأما مخلوقاته، فوجودها تبعي لا ذاتي، وناقص لا كامل، فقال: (ونظراً لأن مسألة وحدة الوجود أخذت حظاً كبيراً من اهتمام بعض العلماء، وشغلت أذهان الكثير منهم، أردنا أن نزيد الموضوع إِيضاحاً وتبسيطاً خدمة للشريعة وتنويراً للأفهام فنقول: إِن الوجود نوعان: وجود قديم أزلي؛ وهو واجب، وهو الحق سبحانه وتعالى، قال تعالى: {ذلِكَ بأنَّ اللهَ هُوَ الحَقُّ} [الحج: 22]. أي الثابت

__________

(1) حقائق عن التصوف، ص 543.

كلكم كفرة (278)

الوجود، المحَقَّق، ووجود جائز عرضي ممكن، وهو وجود من عداه من المُحْدَثات) (1)

وبناء على هذه البديهية القرآنية والعقلية راح يميز بين الفهم الشرعي لوحدة الوجود كما يقول بها الصوفية، ووحدة الوجود الفلسفية، والتي يتوهم السلفية أنها من مقولات الصوفية.

فذكر أن وحدة الوجود الفلسفية والتي تعني (اتحاد الحق بالخلق، وأنه لا شيء في هذا الوجود سوى الحق، وأن الكل هو، وأنه هو الكل، وأنه عين الأشياء، وفي كل شيء له آية تدل على أنه عينه) (2)

وقد حكم على هذا النوع من الوحدة بأنه (كفر وزندقة وأشد ضلالة من أباطيل اليهود والنصارى وعبدة الأوثان، وقد شدَّد الصوفية النكير على قائله، وأفتَوْا بكفره، وحذَّروا الناس من مجالسته. قال العارف بالله أبو بكر محمد بناني: (فاحذر يا أخي كلَّ الحذر من الجلوس مع من يقول: ما ثَمَّ إِلا الله، ويسترسل مع الهوى، فإِن ذلك هو الزندقة المحضة، إِذ العارف المحقق إِذا صح قدمه في الشريعة، ورسخ في الحقيقة، وتَفَوَّهَ بقوله: ما ثَمَّ إِلا الله، لم يكن قصدهُ من هذه العبارة إِسقاطَ الشرائع وإِهمال التكاليف، حاش لله أن يكون هذا قصده) (3)) (4)

أما وحدة الوجود الثانية، والتي يقصدها الصوفية بتعبيراتهم المختلفة، فهي (وحدة الوجود القديم الأزلي، وهو الحق سبحانه، فهو لاشك واحد منزه عن التعدد. ولم يقصدوا بكلامهم الوجود العرضي المتعدد. وهو الكون الحادث، نظراً لأن وجوده مجازي، وفي أصله عَدَمِيٍّ لا يضر ولا ينفع. فالكون معدوم في نفسه، هالك فانٍ في كل لحظة. قال تعالى: {كُلُّ

__________

(1) حقائق عن التصوف، ص 544.

(2) حقائق عن التصوف، ص 544.

(3) مدارج السلوك إِلى ملك الملوك للعارف الكبير محمد بناني المتوفى 1284 هـ.

(4) حقائق عن التصوف، ص 544.

كلكم كفرة (279)

شَيءٍ هالِكٌ إلا وَجهَهُ} [القصص: 88]. وإِنما يُظهره الإِيجاد، ويُثْبتُه الإِمداد. الكائنات ثابتة بإِثباته، وممحوةٌ بأَحدِّيَة ذاته، وإِنما يُمْسكه سر القيومية فيه) (1)

وهم يستشهدون لهذا المعنى بالمعنى الإشاري المبثوث في ثنايا قوله تعالى: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ} [القصص: 88]، فيفهمون منها أن كل ممكن هو باعتبار ذاته هالك، أو هو عدم محض ونفي صرف، وإنما له الوجود من جهة ربه، فهو هالك باعتبار ذاته، موجود بوجه ربه، أي أن وجوده قاصر على جهة ربه.

وربما يفيد سياق الآية هذا المعنى، فهو قد ورد في أثناء الدعوة إلى توحيد الله في الدعاء والعبادة، ليقول من جهة لا تتخذ أي ند تدعوه من دون الله فسيأتي اليوم الذي يهلك فيه، فلا يبقى شيء غير الله، وقد تفيد ما يريده خالعو لباس الكون المعدوم من نفي الوجود الذاتي، فلذلك يكون من دعا غير الله، متوجها بالدعاء إلى الوهم، قال تعالى: {وَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ لَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ} [القصص: 88]

ولا تنافي بين المعنيين، ولا تصادم بينهما، ولا يلغي أحدهما الآخر (2)، بل إن المعنى الأول مؤسس على المعنى الثاني.

وهكذا يفهم العارفون من كل النصوص الواردة في إثبات وحدانية الحق أو أحديته أو أحقيته: وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلم إذا قام إلى الصلاة في جوف الليل قال من ضمن دعاء التهجد: (أنت الحق ووعدك الحق وقولك الحق ولقاؤك الحق والجنة حق والنار حق

__________

(1) حقائق عن التصوف، ص 545.

(2) وقد أنكر ابن تيمية هذا التفسير بوجوه من الإنكار قال في التقديم لها: وإذا كان المقصود هنا الكلام في تفسير الآية تفسير الآية بما هو مأثور ومنقول عن من قاله من السلف والمفسرين من أن المعنى كل شيء هالك إلا ما أريد به وجهه هو أحسن من ذلك التفسير المحدث، بل لا يجوز تفسير الآية بذلك التفسير المحدث، وهذا يبين بوجوه بعضها يشير إلى الرجحان وبعضها يشير إلى البطلان. انظر: مجموع الفتاوى:2/ 28.

كلكم كفرة (280)

والساعة حق والنبيون حق ومحمد حق) (1)

ففي قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (أنت الحق) أي واجب الوجود؛ فأصله من حق الشيء أي ثبت ووجب، فوجود الله هو الوجود الحقيقي إذ وجوده لنفسه، لم يسبقه عدم ولا يلحقه عدم؛ وما عداه مما يقال عليه هذا الاسم مسبوق بعدم، ويجوز عليه لحاق العدم، ووجوده من موجده لا من نفسه، فهو معدوم باعتبار ذاته في كل الأحوال، كما قال الشيخ أبو مدين (2):

الله قل وذر الوجود وما حوى... إن كنت مرتاداً بلوغ كمال...

فالكل دون الله أن حققته... عدم على التفصيل والإجمال...

واعلم بأنك والعوالم كلها... لولاه في محو وفي اضمحلال...

من لا وجود لذاته من ذاته... فوجوده لولاه عين محال...

والعارفون بربهم لم يشهدوا شيئاً... سوى المتكبر المتعال...

ورأوا سواه على الحقيقة هالكاً... في الحال والماضي والاستقبال

وعبر الآخر عن انشغال العارف بالله عن الكون بقوله:

شغل المحب عن الهواء بسره... في حب من خلق الهواء وسخره...

والعارفون عقولهم معقولة... عن كل كون ترتضيه مطهره...

فهم لديه مكرمون وفي الورى... أحوالهم مجهولة ومستره

وباعتبار هذا المعنى كان أصدق كلمة قالها الشاعر، كما ورد في الحديث كلمة

__________

(1) صحيح البخاري (2/ 61)

(2) أبو مدين، الديوان، ص 57.

كلكم كفرة (281)

لبيد (1): ألا كل شيء ما خلا الله باطل (2).

ومن هذا الباب جاءت أسماء الله تعالى التي نص عليها قوله تعالى: {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]

فالتأمل في المعاني العميقة التي تحملها هذه الأسماء يلبس الأشياء جميعا ثوب العدم، ليبقى الحق وحده هو المتفرد بالوجودالحقيقي.

وقد قال سيد قطب مبينا عمق المعاني التي تدل عليها هذه الأسماء الحسنى: (وما يكاد يفيق من تصور هذه الحقيقة الضخمة التي تملأ الكيان البشري وتفيض، حتى تطالعه حقيقة أخرى، لعلها أضخم وأقوى. حقيقة أن لا كينونة لشيء في هذا الوجود على الحقيقة. فالكينونة الواحدة الحقيقية هي لله وحده سبحانه؛ ومن ثم فهي محيطة بكل شيء، عليمة بكل شيء {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد: 3]

ويقول عن المعاني التي يستشعرها، وهو يعيش في ظلال هذه الأسماء: (الأول فليس قبله شيء. والآخر فليس بعده شيء. والظاهر فليس فوقه شيء. والباطن فليس دونه شيء.. الأول والآخر مستغرقا كل حقيقة الزمان، والظاهر والباطن مستغرقا كل حقيقة المكان. وهما مطلقتان. ويتلفت القلب البشري فلا يجد كينونة لشيء إلا لله. وهذه كل مقومات الكينونة ثابتة له دون سواه. حتى وجود هذا القلب ذاته لا يتحقق إلا مستمدا من وجود الله. فهذا الوجود الإلهي هو الوجود الحقيقي الذي يستمد منه كل شيء وجوده. وهذه الحقيقة هي الحقيقة الأولى التي يستمد منها كل شيء حقيقته. وليس وراءها حقيقة ذاتية ولا وجود ذاتي لشيء في هذا الوجود) (3)

__________

(1) وقد ورد الحديث بصيغ مختلفة منها أشعر كلمة تكلمت بها العرب، وفي رواية أصدق كلمة قالها شاعر، وفي أخرى أصدق بيت قاله الشاعر، وفي أخرى أصدق بيت قالته الشعراء، وفي أخرى أصدق كلمة قالتها العرب.

(2) صحيح البخاري (5/ 53)، صحيح مسلم (7/ 49)

(3) سيد قطب (5/ 3161)

كلكم كفرة (282)

ونحب أن نبين هنا أن سيد قطب على الرغم من عدم انتمائه لأي طريقة صوفية، ومع ذلك رمي بسبب هذه الكلمات بالقول بوحدة الوجود.. وكفر بسببها، وبأسباب أخرى سنراها في الفصل الخاص بتكفير السلفية للحركات الإسلامية.

وقد نبه الشيخ عبد القادر عيسى في نهاية بيانه لموقف الصوفية من وحدة الوجود إلى أن الصوفية يتواصون بينهم في عدم الحديث عن أمثال هذه المسائل، لأنها مسائل ذوقية، والعارف هو الذي يعيش الحقيقة لا الذي يجادل بها، فقال: (وعلى كلٌّ فالأَوْلى بالصوفي في هذا الزمان أن يبتعد عن الألفاظ والتعابير التي فيها إِيهام أو غموض أو اشتباه، لئلا يوقع الناس بسوء الظن به، أو تأويل كلامه على غير ما يقصده، ولأن كثيراً من الزنادقة والدخلاء على الصوفية قد تكلموا بمثل هذه العبارات الموهمة والألفاظ المتشابهة، لِيَظْهروا ما يُكِنُّونَه في قلوبهم من عقائد فاسدة، ولِيصلوا بذلك إِلى إِباحة المحرمات، ولِيبرِّرُوا ما يقعون فيه من المنكرات والفواحش، فاختلط الحق بالباطل، وأُخِذَ المؤمن الصادق بجريرة الفاسق المنحرف، ولهذا سيَّجَ الصوفية بواطنهم وظواهرهم بالشريعة الغرَّاء، وأوْصَوْا تلامذتهم بالتمسك بها قولاً وعملاً وحالاً، فهي عندهم باب الدخول وسلم الوصول، ومَنْ حاد عنها كان من الهالكين) (1)

بعد أن عرفنا تفسير الشيخ عبد القادر عيسى لحقيقة وحدة الوجود ـ كما يفهمها الصوفية، لا كما يفهمها الفلاسفة ـ نذكر الآن تفسير الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود شيخ الأزهر السابق، والذي اهتم بالتصوف كثيرا، إلى جانبه اهتمامه بالفلسفة، وشهادته لها أهميتها الكبرى في هذا المجال.

وقد تعرض لها الشيخ عبد الحليم محمود في مواطن كثيرة من كتبه، وبين اتفاقها مع العقائد الإسلامية، وبعدها عن الفلسفات الإلحادية، ومن ذلك ما ذكره في كتابه (أبو

__________

(1) حقائق عن التصوف، ص 546.

كلكم كفرة (283)

العباس المرسي) حيث قال: (نريد أن نبدأ مباشرة بملاحظة تزيل – بصورة غير متوقعة – حدة المناقشة في هذا الموضوع. وذلك أننا بصدد (وحدة الوجود) ولسنا بصدد وحدة الموجود. والموجود متعدد: سماء وأرضا. جبالا وبحارا. لونا ورائحة وطعما. متفاوت ثقلا وخفة.. ولم يقل أحد من الصوفية الحقيقيين – ومنهم ابن العربي والحلاج – بوحدة الموجود – وما كان للصوفية، وهم الذروة من المؤمنين أن يقولوا – وحاشاهم – بوحدة الموجود) (1)

وبعد أن بدأ هذه النتيجة المهمة التي توضح الفرق بين معنى وحدة الوجود عند الصوفية ومعناها عند الفلاسفة، أخذ يتحدث عن سبب إلصاق تهمة القول بوحدة الوجود الفلسفية بالصوفية، فقال: (وقد تتساءل: من أين اذن أتت الفكرة الخاطئة التي يعتقدها كثير من الناس. من أن الصوفية يقولون بوحدة الموجود؟! وتفسير ذلك لا عسر فيه: إن فريقا من الفلاسفة في الأزمنة القديمة، وفي الأزمنة الحديثة، يقولون بوحدة الموجود. بمعنى أن الله – سبحانه وتعالى عن إفكهم – هو والمخلوقات شيء واحد. قال بذلك هيراقليط في العهد اليوناني: والله عند نهار وليل صيف وشتاء، وفرة وقلة، جامد وسائل – أنه على حد تعبيره – كالنار المعطرة تسمى بإسم العطر الذي يفوح منها تقدس سبحانه وتنزه عما يقول، والله سبحانه وتعالى في رأي (شلي) في العصور الحديثة. هو هذه البسمة الجميلة على شفتي طفل باسم. وهو هذه النسائم العليلة التي تنعشنا ساعة الأصيل. وهو هذه الإشراقة المتألقة بالنجم الهادي في ظلمات الليل، وهو هذه الوردة اليافعة تنفتح وكأنها ابتسامات شفاه جميلة. إنه الجمال إينما وجد، ولكنه أيضا – سبحانه وتعالى – القبح أينما كان. وكما يكون طفلا فيه نضرة، وفيه وسامة. يكون جثة ميت، ويكون دودة تتغذى من جسد ميت. ويكون قبرا يضم بين جدرانه هذه الجثة، وهذا الدود. أستغفرك ربي أوتوب اليك. ولوحدة الوجود – بمعنى وحدة الموجود – أنصار في كل زمان. ولما قال الصوفية.. بالوجود الواحد.. شرح

__________

(1) أبو العباس المرسي، ص 132.

كلكم كفرة (284)

خصومهم الوجود الواحد بالفكرة الفلسفية عن وحدة الوجود بمعنى وحدة الموجود وفرق كبير بينهما. ولكن الخصومة كثيرا ما ترضى عن التزييف وعن الكذب في سبيل الوصول إلى هدم الخصم. والغاية تبرر الوسيلة كما يقولون) (1)

هذا هو السبب الأول، وهو مرتبط بالاشتراك اللفظي بين المصطلحين: الفلسفي والصوفي مع أن لكل منهما دلالته الخاصة.

وأما الثاني فمرتبط باشتراك لفظي آخر.. ليس بين الصوفية والفلاسفة.. وإنما بين الصوفية والمتكلمين، وقد وضحه الشيخ عبد الحليم محمود بقوله: (وشيء آخر في غاية الأهمية، كان له أثر كبير في الخطأ في فهم فكرة الصوفية عن الوجود الواحد، وهو أن الإمام الأشعري رأي في فلسفته الكلامية أن الوجود هو عين الموجود، ولم يوافقه الكثير من الصوفية على هذه الفكرة الفلسفية. ولم يوافقه الكثير من مفكري الإسلام وفلاسفته على رأيه. وهو رأي فلسفي يخطئ فيه أبو الحسن الأشعري أو يصيب، وما مثله في آرائه الفلسفية الا مثل غيره في هذا الميدان يخطئ تارة ويصيب أخرى، ورأى مخالفوه أن الوجود غير الموجود. وأنه ما به يكون وجود الموجود. ولما قال الصوفية بالوجود الواحد. شرح خصومهم فكرتهم في ضوء رأي الأشعري، دون أن يراعوا مذهبهم ولا رأيهم. ففسروا قولهم بالوجود الواحد على أنه قول بالموجود الواحد) (2)

ثم ذكر سببا ثالثا لذلك الخلط بين قول الصوفية وقول الفلاسفة ـ وهو الذي يتشبت به السلفية في العادة ـ وهو (هذه الكلمات التي تناثرت هنا وهناك مخترعة ملفقة مزيفة، ضالة في معناها، تافهة في قيمتها الفلسفية غريبة على الجو الإسلامي تنادي بصورتها ومعناها: أنها اخترعت تضليلا وافتياتا، إنها هذه الكلمات التي يعزونها الى الحلاج، أو الى غيره.. لا توجد

__________

(1) أبو العباس المرسي، ص 133.

(2) أبو العباس المرسي، ص 134.

كلكم كفرة (285)

في كتاب من كتبه ولم يخطها قلمه.. لقد اخترعوها اختراعا ثم وضعوها أساسا تدور عليه أحكامهم بالكفر والإضلال. ويكفي أن يتشبث بها انسان فيكون في منطق البحث غير أهل الثقة) (1)

وبناء على هذا راح الشيخ عبد الحليم محمود يوضح مدى عقلانية وشرعية ما يطرحه الصوفية من معان حول وحدة الوجود، فقال: (الوجود الواحد: وهل في الوجود الواحد من شك؟ إنه وجود الله المستغني بذاته عن غيره، وهو الوجود الحق الذي أعطى ومنح الوجود لكل كائن، وليس لكائن غيره سبحانه. الوجود من نفسه، انه سبحانه الحالق. وهو البارئ المصور.. وصلة الله بالإنسان إذن: هي أنه سبحانه يمنحه الوجود الذي يريده له في كل لحظة من اللحظات المتتابعة. فشكل حياته في كل بصورة أمده سبحانه وتعالى بها. وصلة الله بكل كائن: إنما هي على هذا النمط) (2)

ثم بين أن معنى وحدة الوجود في النصوص القرآنية هو نفسه معنى القيومية، فالله سبحانه وتعالى (قيوم السموات والأرض قائم على كل نفس بما كسبت، وقائم على كل ذرة من كل خلية وقائم على كل ما هو أصغر من ذلك وما هو أكبر، بحيث لا يعزب عن هيمنته وعن قيوميته مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء. هذه القيومية أخذ القرآن والسنة يتحدثان عنها في استفاضة مستفيضة ليهزا الإنسان هزة عنيفة، فلا يخلو على الأرض، ولا يتبع هواه، وانما يرتفع ببصره، ويستشرف بكاينه الى الملأ الأعلى مستخلصا نفسه من عبودية المادة ليوحد الله سبحانه وتعالى في عبودية خالصة، وفي إخلاص لا يشوبه شرك من هوى أو شرك من سيطرة المادة أو الغرائز) (3)

__________

(1) أبو العباس المرسي، ص 135.

(2) أبو العباس المرسي، ص 136.

(3) أبو العباس المرسي، ص 137.

كلكم كفرة (286)

وبناء على هذا راح يستعرض آيات القرآن الكريم التي يستدل بها الصوفية عادة في إثبات وحدة الوجود القرآنية التي يؤمنون بها، ومنها قوله تعالى: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تُمْنُونَ (58) أَأَنْتُمْ تَخْلُقُونَهُ أَمْ نَحْنُ الْخَالِقُونَ} [الواقعة: 58، 59]، وقوله: {أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَحْرُثُونَ (63) أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ} [الواقعة: 63، 64]، وقوله: {أَفَرَأَيْتُمُ الْمَاءَ الَّذِي تَشْرَبُونَ (68) أَأَنْتُمْ أَنْزَلْتُمُوهُ مِنَ الْمُزْنِ أَمْ نَحْنُ الْمُنْزِلُونَ} [الواقعة: 68، 69]

ثم علق على هذه الآيات الكريمة وغيرها مبينا قيمة النظرة إلى الكون بهذه الصفة، بقوله: (هذه الهيمنة وهذه القيومية يمر بها قوم فلا يعيرونها التفاتا، إنهم يمرون بها مرور الحيوانات بما تدرك ولا تعقل، إن الله سبحانه وتعالى لا يحتل من شعورهم درجة أيا كانت، وهمهم كل همهم مصبحين ممسين، إنما هو ملء البطن، أو كنز الذهب والفضة، أو النزاع على جاه، أو العمل لتثبيت سلطان. انهم يمرون بآيات الله فلا يشهدونها، وتحيط بهم آثاره، فلا ينظرون اليها، وتغمرهم نعماؤه وآلاؤه، فلا يوجههم ذلك الى الحمد لا الى الشكر. إن الله سبحانه وتعالى لا يحتل في قلوبهم ولا في تفكيرهم ولا في بيئتهم، قليلا ولا كثيرا. والطرف الآخر المقابل لهذا هو هؤلاء الذي انغمسوا حقا في محيط الإلهية. سبحوا في بحارها، واستشقوا نسائمها الندية، وغمرهم لألاؤها وضياؤها؛ لقد بدأوا بحمد الله وشكره على نعماه وآلائه التي تحيط بهم من جميع أقطارهم، فزادهم نعما وآلاء.. لقد اتقوا الله حق تقاته فعلمهم الله.. لقد اكتفوا بالله هاديا ونصيرا، فهداهم الله إلى صراطه المستقيم، ونصرهم على أنفسهم وعلى أعائدهم) (1)

وبناء على هذا فإن الشرك عند الصوفية ينطلق من هذه النظرة للكون، واعتقاد وجوده الذاتي القائم بنفسه، يقول عبد الحليم محمود مبينا مدى سمو الفهم الصوفي للتوحيد مقارنة بغيرهم: (.. وأخذوا شيئا فشيئا يحاولون تحقيق التوحيد: قولا وعقيدة، وذوقا

__________

(1) أبو العباس المرسي، ص 138.

كلكم كفرة (287)

وتحقيقا، وأخذوا يرون في [أشهد أن لا إله إلا الله] معاني لا يتطلع إليها غيرهم، وبدأ معنى الشرك يتضح لهم بصورة لا تخطر على بال اللاهين الذين شغلتهم أموالهم وأهلوهم، وبدأوا يحطمون الشرك يحطمون أصنامه وأوهامه. ومن النفس والهوى والشيطان، ومن الغرائز الحيوانية، والغرائز الإنسانية. وانهار الشرك حتى همسات الفؤاد لقد انهار الشرك الواضح، وانهار الشرك الخفي، وثبت في أذواقهم واستقر في أحوالهم ومقاماتهم أن (لا إله إلا الله) وأنه: {فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ} [البقرة: 115]، وأينما كانوا فالله معهم وهو أقرب اليهم من حبل الوريد. وهو أقرب اليهم من جلسائهم ومعاشريهم. انه يغمر كيانهم، فلا يرون غيره سبحانه، لا يرون غير قيوم السموات والأرض، ولا يرون غيره مصرفا لليسير من الأمور وللعظيم منها، ولا يرون غيره مالكا للملك.. لقد أصبحوا ربانيين، وأصبح الله في بصرهم وسمعهم وجوارحهم وفي قلوبهم من قبل ذلك ومن بعده. يشغله كله فلا يدع فيه مكانا للأغيار) (1)

وبناء على هذا كانت أساليب الصوفية في عرض الحقائق العقدية مختلفة عن سائر المناهج لأنهم في تعبيراتهم التي أساء السلفية فهمها، وكفروهم على أساسها (يشرحون أن الله سبحانه وتعالى الممد الوجود لكل موجود. إنه يمد القائم بالقيام، ويمد الماشيء بالمشي، والمتحرك بالحركة. إنه – على حد تعبير أهل السنة والأشاعرة ـ الذي يقطع، وليست السكين هي التي تقطع. وهو الذي يحرق وليست النار هي التي تحرق، وهو الذي حينما يريد، يقول للنار: كوني بردا وسلاما، فتكون بردا وسلاما، ومهما عبر الصوفية في هذا الميدان عن الوجود الواحد، فقالوا في ذلك فإنهم سوف لا يبلغون المدى الذي بلغته تلك الآية الكريمة، التي تمثل في روعة رائعة الهيمنة المهيمنة، والاستغراق القاهر، والجلال الشامل؛ والتي لا تعني وحدة متحدة، ولا اتحادا متطابقا بين الحالق وبين المخلوق، أو العابد

__________

(1) أبو العباس المرسي، ص 139.

كلكم كفرة (288)

والمعبود، والآية هي {هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ} [الحديد: 3]) (1)

هذه ـ ببساطة ـ مفاهيم الصوفية حول وحدة الوجود ـ كما يوضحها أعلامهم الكبار، بل كما يشير إليها القرآن الكريم نفسه، وكان الأجدى بالسلفية قبل أن يصدروا أحكامهم القاسية بتكفير كل من يقول بهذا المعنى أن يراجعوا هؤلاء، ليفهموا منهم معناها، فخير من يعبر عن المرء لسانه.

ولكنهم ـ حتى لو ذهبوا إليهم ـ فسيظلون على تكفيرهم لهم، لأن المشكلة عندهم ليست في هذا المعنى، وإنما المشكلة الكبرى في تنزيه الله وعدم القول بتجسيمه وتقييده وتحديده.. ولهذا فإنهم يضعون المنزهة جميعا بمدارسهم الكلامية والصوفية في سلة واحدة، لأن أول العقيدة في الله عندهم هي أن الكون شطران: شطر يسكنه الله، وهو العرش وما علا.. وشطر يسكنه الخلق، وهو ما دون العرش إلى الأرض السفلى (2).

2 ـ تهمة المواجيد والأشواق الروحية

من المميزات التي تميز بها الصوفية عن سائر المدارس الإسلامية اهتمامهم الشديد بالصلة الروحية أو الوجدانية أو العاطفية بين العبد وربه سبحانه وتعالى، ولهذا كانت جميع الطرق الصوفية عبارة عن تجارب مختلفة تحاول أن تختصر للسالك والمريد الطريق إلى هذا التواصل.

فلا يكفي في التواصل الروحي مع الله ـ عند الصوفية ـ ممارسة الشعائر، ولا أداء التكاليف الظاهرة، فكل ذلك جميل، ولكنه لا يكفي.. بل الذي يجب قبل ذلك وبعده هو تلك المحبة والشوق والتطلع الروحي للتواصل مع الله.

وقد كان من أساليبهم في تربية المريدين على هذه المعاني السامية التعبير عنها بما

__________

(1) أبو العباس المرسي، ص 140.

(2) انظر الأدلة على قول السلفية بهذا في كتابنا [السلفية والوثنية المقدسة]

كلكم كفرة (289)

يرغب فيها، وبما أن التعبير عن المعاني الوجدانية لا تجدي فيه طريقة المتكلمين ولا الفلاسفة، فقد كان المنهج الأسهل لذلك هو التعبير الشاعري عنها.

ذلك أنه بناء على صعوبة التعبير عن المعاني الوجدانية التي يتحقق بها السالك، فإنه يلجأ إلى اللغة الرمزية أو القصصية أو الشعرية، كما فعل أكثر العرفاء المسلمون كابن الفارض وجلال الدين الرومي والأمير عبد القادر، والشيخ ابن عليوة، والشيخ أبو العزائم، وغيرهم من مشايخ الصوفية.

ومن الأمثلة على ذلك توظيفهم لاسم ليلى كتعبير رمزي للذات الإلهية، كما قال الشيخ ابن عليوة في موشحة المشهور والذي لا يزال تردد في الحضرات الصوفية (دنوت من حي ليلى) (1):

دنوت من حي ليلى... لما سمعت نداها

يا له من صوت يحلو... أودُّ لا يتناهى

رضت عني جذبتني... أدخلتني لحماها

أنستني خاطبتني... أجلستني بحذاها

قربت ذاتها مني... رفعت عني رداها

أدهشتني تيهتني... حيرتني في بهاها

وليلي عنده ــ كما هي عند غيره من الصوفية ــ رمز للذات المقدسة، وكأن العاشق هو قيس ليصور لنا تعلقه وهيامه بها، بحيث يستحضر القارئ أو المستمع صورة (قيس) ذلك العاشق الولهان.

وقد نجح الشيخ ابن عليوة في نقل هذه المعاني الحسية من الغزل العادي إلى الغزل الإلهي، بحيث أضحت معاني روحية صرفة، فحب ليلى هو رمز الحضرة الإلهية، والقرب

__________

(1) العلاوي، الديوان، ص 36.

كلكم كفرة (290)

أو الدنو من ليلى هو القرب من ذات الله تعالى، ورفع الرداء رمز لانكشاف الحجاب، وكذا ألفاظ الأنس والحضور الغيبية، ليست إلا رموزا تعكس لنا بصدق، شوق الشاعر وتعلقه بالله وحده، وانقطاع قلبه عن كل شيء إلا عن محبته (1).

بل إن الصوفية لا يعتبرون من ليلى ومثيلاتها مجرد رموز، بل إنهم يذكرون أن قيسا في الحقيقة لم يكن يحب مظهر ليلى، وإنما كان يحب الحقيقة المختفية وراءها، كما عبر جلال الدين الرومي عن ذلك بقوله: (إن كل ضروب الرغبة والميل والمحبة والشفقة التي يكنها الناس لأنواع الأشياء تعد ضروبا من محبة الحق والتوق إليه.. وتلك الأشياء جميعا حجب، وعندما يمضي الناس من هذا العالم ويرون ذلك الملك من دون هذه الحجب يعلمون أن هذه الأشياء جميعا لم تكن سوى حجب وأغظية، مطلوبهم على الحقيقة ذلك الأوحد) (2)

لكن هذه اللغة لم تعجب السلفية أو لم يفهموها، فلذلك راحوا يرمون الصوفية نتيجية لذلك بكل أنواع التهم كالحلول والاتحاد وغيرها.

ومن العجب أن بعضهم يجمع بين رمي الصوفية بالحلول والاتحاد وبين رميهم بوحدة الوجود بمفهومها الفلسفي، وهذا هو التناقض بعينه، ذلك أن الحلول والاتحاد يستلزم ذاتين منفصلتين يحلان ببعضهما، أو يتحدان، بينما وحدة الوجود تعنى وجود ذات واحدة.

وقد رد الصوفية على هذه التهم الموجهة لها بصنوف من الاستدلالات منها قول الشيخ عبد القادر عيسى عند عرضه لهذه الشبهة: (إِن من أهم ما يتحامل به المغرضون على السادة الصوفية اتهامهم جهلاً وزوراً بأنهم يقولون بالحلول والاتحاد، بمعنى أن الله سبحانه وتعالى قد حلَّ في جميع أجزاء الكون؛ في البحار والجبال والصخور والأشجار والإِنسان

__________

(1) انظر: الشارف لطروش، الشيخ بن مصطفى العلاوي، رائد الحركة الصوفية في القرن العشرين، ص 7.

(2) جلال الدين الرومي، فيه ما فيه، دمشق: دار الفكر، ص 71.

كلكم كفرة (291)

والحيوان.. ولاشك أن هذا القول كفر صريح يخالف عقائد الأمة. وما كان للصوفية وهم المتحققون بالإِسلام والإِيمان والإِحسان أن ينزلقوا إِلى هذا الدرك من الضلال والكفر، وما ينبغي لمؤمن منصف أن يرميهم بهذا الكفر جزافاً دون تمحيص أو تثبت، ومن غير أن يفهم مرادهم، ويطلع على عقائدهم الحقة التي ذكروها صريحة واضحة في أُمهات كتبهم، كالفتوحات المكية، وإِحياء علوم الدين، والرسالة القشيرية وغيرها) (1)

وبناء على هذا راح يستعرض ردود الصوفية على هذه التهمة، ومن ذلك قول الشيخ عبد الوهاب الشعراني: (ولعمري إِذا كان عُبَّاد الأوثان لم يتجرؤوا على أن يجعلوا آلهتهم عين الله؛ بل قالوا: ما نعبدهم إِلا ليقربونا إِلى الله زلفى، فكيف يُظَن بأولياء الله تعالى أنهم يدَّعون الاتحاد بالحق على حدٌّ ما تتعقله العقول الضعيفة؟! هذا كالمحال في حقهم رضي الله تعالى عنهم، إِذ ما مِن وليٌّ إِلا وهو يعلم أن حقيقته تعالى مخالفة لسائر الحقائق، وأنها خارجة عن جميع معلومات الخلائق، لأن الله بكل شيء محيط) (2)

والمنطق العقلي يؤكد هذا المعنى فـ (الحلول والاتحاد لا يكون إِلا بالأجناس، والله تعالى ليس بجنس حتى يحلَّ بالأجناس، وكيف يحل القديم في الحادث، والخالق في المخلوق!؟ إِن كان حلولَ عَرَض في جوهر فالله تعالى ليس عرضاً، وإِن كان حلولَ جوهر في جوهر فليس الله تعالى جوهراً، وبما أن الحلول والاتحاد بين المخلوقات محال؛ إِذ لا يمكن أن يصير رجلان رجلاً واحداً لتباينهما في الذات؛ فالتباين بين الخالق والمخلوق، وبين الصانع والصنعة، وبين الواجب الوجود والممكن الحادث أعظم وأولى لتباين الحقيقتين) (3)

ولهذا فقد نص الصوفية جميعا باختلاف مناهجهم على استحالة الحلول والاتحاد،

__________

(1) حقائق عن التصوف، ص 531.

(2) اليواقيت والجواهر، ج 1 ص 83.

(3) حقائق عن التصوف، ص 531.

كلكم كفرة (292)

كما قال الشيخ محي الدين بن عربي في عقيدته الصغرى: (تعالى الحق أن تحله الحوادث أو يحلها) (1)

وقال في عقيدته الوسطى: (اعلم أن الله تعالى واحد بالإِجماع، ومقام الواحد يتعالى أن يحل فيه شيء، أو يحل هو في شيء، أو يتحد في شيء) (2)

وقال في باب الأسرار: (لا يجوز لعارف أن يقول