الكتاب: النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 145

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

يعتبر فقه النوازل من أهم فروع الفقه الإسلامي، لدوره الكبير في بيان أحكام الشريعة الإسلامية المرتبطة بواقع الحياة في جميع مجالاتها، فدوره هو تنزيل أحكام الشريعة على الواقع الحياتي ليصبغه بصبغتها، ويجري عليه أحكامها.

انطلاقا من هذا، حاولنا استقراء مناهج الفقهاء في الفتوى في النوازل، وقد رأينا أنه يمكن تقسيمها إلى ستة مناهج:

1 ــ المنهج الاستدلالي.

2 ــ المنهج المذهبي.

3 ــ المنهج المذاهبي.

4 ــ منهج التيسير.

5 ــ منهج التشديد.

6 ــ المنهج المقاصدي.

وقد حاولنا في هذه الدراسة أن نبين - باختصار- الخصائص التي يتميز بها كل منهج، مع الأعلام الذين تبنوه، والآليات التنفيذية المرتبطة بتحقيق المنهج في الواقع.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

التمهيد

مفهوم فقه النوازل وأهميته

أولا ـ مفهوم فقه النوازل:

ثانيا ـ مصطلحات أخرى:

الفتاوى:

المسائل، أو الأسئلة:

ثالثا ـ أهمية فقه النوازل:

المبحث الأول

المنهج الاستدلالي

أولا ـ أعلامه:

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

الدليل الثالث:

الدليل الرابع:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

المبحث الثاني

المنهج المذهبي

أولا ـ أعلامه:

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

الدليل الثالث:

الدليل الرابع:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

المبحث الثالث

المنهج المذاهبي

أولا ـ أعلامه:

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

الدليل الثالث:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

المبحث الرابع

منهج التيسير

أولا ـ أعلامه:

الأصل الأول: جواز تتبع الرخص

الأصل الثاني: جواز التلفيق بين المذاهب

الأصل الثالث: جواز الحيل الفقهية

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

الدليل الثالث:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

الفريق الأول:

الفريق الثاني:

المبحث الخامس

منهج التشديد

أولا ـ أعلامه:

الأصل الأول: ترجيح العزيمة على الرخصة

الأصل الثاني: القول بسد الذرائع

الأصل الثالث: مراعاة الخلاف

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

المبحث السادس

المنهج المقاصدي

أولا ـ أعلامه:

الصنف الأول:

الصنف الثاني:

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

المنهج الأول:

المنهج الثاني:

خاتمة

أولا: النتائج:

ثانيا: التوصيات:

قائمة المصادر والمراجع

المقدمة

يعتبر فقه النوازل من أهم فروع الفقه الإسلامي، لدوره الكبير في بيان أحكام الشريعة الإسلامية المرتبطة بواقع الحياة في جميع مجالاتها، فدوره هو تنزيل أحكام الشريعة على الواقع الحياتي ليصبغه بصبغتها، ويجري عليه أحكامها.

وهو لذلك المحك الذي تعرف من خلاله واقعية الشريعة الإسلامية ومدى مراعاتها لأحوال المكلفين، ومدى انسجامها مع طبيعة البيئة الزمانية والمكانية الحادثة.

ويعتبر كذلك، وبدرجة أهم، هو المنهج الذي من خلاله يستطيع الفقيه أن يجعل الشريعة هي الحاكم في كل شؤون الحياة، بالبحث عن الأحكام والبدائل المتناسبة مع القيم التي جاءت الشريعة لتحقيقها، ولذلك لا يقف فقيه النوازل منتظرا أن يستفتى فيفتي، بل يبادر فيبحث عن الأحكام، ويبحث في نفس الوقت عن البدائل الشرعية في حال الحاجة إليها.

ولهذه الأهمية الكبيرة، فإن تحصيل ملكة الاجتهاد فيه يتطلب - قبل كل شيء - معرفة منهج البحث فيه خطوة خطوة، حتى لا يقع الباحث فيما حذر منه القرآن الكريم من الفتوى بغير علم، أو الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله

صفحة ( 5)

وسلم، كما قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (1)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)(2)

وقد حصل في الواقع بعض ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تصدي بعض من لم تتوفر فيهم القدرات العلمية الكافية على الفتوى في مسائل خطيرة، بناء على اجتهادات لم تستكمل أدواتها، فشوهوا بذلك شريعة الله السمحة، المبنية على العلم والحكمة والعدل والرحمة.

وقد أتاحت تلك الفتاوى الشاذة الفرصة للعلمانيين واللادينيين للسخرية من الشريعة الربانية، واستعمال هذه الفتاوى ذريعة لذلك، دون تفريق بين ما هو رباني في الشريعة، وبين ما هو اجتهاد بشري يقبل الخطأ والصواب.

__________

(1) سورة النحل: 116.

(2) رواه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم رقم (100)(انظر: صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422 هـ، ج 1، ص 31)

ورواه مسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان رقم (2673)(صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج 4 ص 2058)

صفحة ( 6)

وقد رأينا أن السبب الأكبر فيما نراه في واقع الفتوى هو المنهج الذي يعتمده الفقهاء والمفتون على الساحة الإسلامية، فالمنهج هو الأصل الذي يعتمد عليه المفتي، ولا يمكن أن نرقى بالفتوى في النوازل ما لم نتعرف على المنهج الصحيح الذي طلبت الشريعة التزامه.

انطلاقا من هذا، حاولنا استقراء مناهج الفقهاء في الفتوى في النوازل، وقد رأينا أنه يمكن تقسيمها إلى ستة مناهج:

1 ــ المنهج الاستدلالي.

2 ــ المنهج المذهبي.

3 ــ المنهج المذاهبي.

4 ــ منهج التيسير.

5 ــ منهج التشديد.

6 ــ المنهج المقاصدي.

وقد حاولنا في هذه الدراسة أن نبين - باختصار- الخصائص التي يتميز بها كل منهج، مع الأعلام الذين تبنوه، والآليات التنفيذية المرتبطة بتحقيق المنهج في الواقع.

وقد قسمنا الدراسة إلى ستة مباحث، بالإضافة إلى تمهيد وخاتمة، وهي على الشكل التالي:

التمهيد: تناولنا فيه مفهوم فقه النوازل وأهميته.

المبحث الأول: تناولنا فيه المنهج الاستدلالي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الثاني: تناولنا فيه المنهج المذهبي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الثالث: تناولنا فيه المنهج المذاهبي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الرابع: تناولنا فيه منهج التيسير وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الخامس: تناولنا فيه منهج التشديد وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

صفحة ( 7)

المبحث السادس: تناولنا فيه المنهج المقاصدي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

التمهيد

مفهوم فقه النوازل وأهميته

أولا ـ مفهوم فقه النوازل:

لغة: النوازل على وزن فواعل من: نزل ينزل نزولا فهي نازلة، جاء في لسان العرب: نزل: النزول: الحلول، وقد نزلهم، ونزل عليهم، ونزل بهم، ينزل نزولاً ومَنْزَلاً ومَنْزِلاً، والنازلة: الشديدة تنزل بالقوم، وجمعها النوازل (1).

اصطلاحا: بما أن فقه النوازل لم يكن بابا من أبواب الفقه المعتمدة، وإنما كان ضمن المباحث الفقهية المختلفة، ولهذا لا نجد له في تراثنا الفقهي تعريفا خاصا دقيقا مثلما نجد ذلك في سائر المسائل والأبواب، ولهذا نذكر هنا بعض ما ذكره العلماء مما يمكن أن يستنتج من خلاله تصورهم له:

فقد عرفه معجم لغة الفقهاء بأنه: (الحادثة التي تحتاج إلى حكم شرعي)(2).

وعرفه الشيخ بكر أبو زيد بأنه (الوقائع والمسائل المستجدة، والحادثة المشهورة بلسان العصر باسم النظريات والظواهر)(3)

ولعل إطلاق النازلة على المسألة الواقعة يرجع إما لملاحظة معنى الشدة لما يعانيه الفقيه في استخراج حكم هذه النازلة، ولذا كان السلف يتحرجون من الفتوى ويسألون هل نزلت؟

__________

(1) لسان العرب، ابن منظور، دار صادر - بيروت، ج 11، ص 658.

(2) معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي وحامد صادق قنيبي، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، ط 2، 1408 هـ، ص 471.

(3) بكر أبو زيد، فقه النوازل، بيروت: مؤسسة الرسالة، ص 8.

صفحة ( 8)

أو أنها سميت نازلة لملاحظة معنى الحلول، فهي مسألة نازلة يجهل حكمها تحل بالفرد أو الجماعة }(1).

ثانيا ـ مصطلحات أخرى:

من المصطلحات التي تطلق على هذا النوع من الأحكام الفقهية:

الفتاوى:

وهي أشهر المصطلحات وأقدمها وأفضلها، فقد ذكر في القرآن الكريم في مواضع مختلفة منها قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} (2)

وقد عرفه الحطاب من المالكية بقوله: (هي الإخبار بحكم شرعي لا على وجه الإلزام)(3)

وعرّفه القرافي عند بيانه الفرق بين الفتوى وبين الحكم فقال: (فأما الفتوى فهي إخبار عن الله تعالى وبيان ذلك أن المفتي مع الله كالمترجم مع القاضي)(4)

والعلاقة بينها وبين فقه النوازل علاقة عموم وخصوص، فالفتوى أعم من فقه النوازل، ذلك أن المفتي يتعرض لكل المسائل سواء ما كان منها حادثا أو ما لم يكن، ولهذا نجد من أهم مصادر فقه النوازل الكتب المختصة بالفتاوى كفتاوى ابن تيمية، والفتاوى الهندية، وفتاوى ابن حجر الهيثمي، وفتاوى الشيخ عليش، وغيرها كثير.

المسائل، أو الأسئلة:

__________

(1) سبل الاستفادة من النوازل والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة، الدكتور عبد الله الشيخ المحفوظ بن بيه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ع 11 ج 2 ص 533.

(2) سورة النساء: 127.

(3) مواهب الجليل، الحطاب، دار الفكر، ط 3، 1992، ج 1، ص 32.

(4) الفروق، القرافي، بيروت، عالم الكتب، ج 4، ص 89.

صفحة ( 9)

وهي مثل الفتاوى، وقد ذكرت في القرآن الكريم كذلك كثيرا كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (1)

وسميت بذلك لأنها أسئلة يطرحها المستفتون على المفتين، ومن المؤلفات في هذا: مسائل القاضي أبي الوليد بن رشد.

وقد سميت كذلك في مراجع أخرى بالأجوبة، أو الجوابات، وهي تسمية لبعض علماء الأندلس لأنها مسائل أجاب عنها العلماء بطلب من الناس.

ثالثا ـ أهمية فقه النوازل:

لاشك في اعتبار فقه النوازل من أهم الفروع الفقهية وأشدها صعوبة، ذلك أنها محاولة لتطبيق الشريعة الإسلامية في حياة الناس، والإجابة على الإشكالات التي تعرض لهم، بل هو فوق ذلك محاولة للبحث عن البدائل المناسبة لتيسير ممارسة الحياة وفق الشريعة الإسلامية.

وقد ذكر الباحثون في هذا الباب الكثير من الفوائد المبينة لأهمية هذا الجانب، نذكر منها (2):

1 - البحث فيها يبرهن على صدق الإسلام وخلوده وصلاحيته للقيادة والريادة في هذه الحياة.

__________

(1) سورة البقرة: 189.

(2) انظر: الضوابط الشرعية لبحث القضايا المعاصرة في الرسائل العلمية، مجموعة من الباحثين، بحث مقدم لمؤتمر (الدراسات العليا ودورها في خدمة المجتمع)، والمنعقد بتاريخ 19/ 4/2011 في الجامعة الإسلامية - غزة، دت، دط، ص 7، فما بعدها.

صفحة ( 10)

2 - بيان ما يمتاز به الفقه الإسلامي عن غيره من التشريعات البشرية بثروته الهائلة، وتنوعه الشامل، وقواعده المحكمة وعطائه المتواصل مما يستوجب الاهتمام به علما وعملا، دراسة وتطبيقا.

3 - بحثها يعطي إمكانية الاطلاع على الجهود الفقهية العظيمة في كل عصر من العصور الإسلامية والتي واجهت كل طارئ وجديد، وكيف أن الفقه الإسلامي نجح في مواجهة تلك الإشكالات الواقعية، الميدانية، في حياة الناس اليومية، وأنه لم يقف يوما جامدا عاجزاً عن مواجهة تطورات الحياة ومشاكلها.

4 - أن لفقه النوازل أهمية كبرى تتصل بصفة النوازل الواقعية التي تعرض لنا صورا من المجتمع الذي وقعت فيه تلك النوازل من الناحية الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتاريخية والأدبية (1):

فمن الناحية الفكرية: يعرفنا فقه النوازل بالعلاقة بين المذاهب الفقهية، ويظهر ذلك من خلال المناظرات والمناقشات العلمية التي كانت تدور بين علماء المذاهب في أثناء التعرض لنازلة من النوازل.

ومن الناحية الاجتماعية: تقدم النوازل الكثير من الإشارات إلى أحوال المجتمع الإسلامي في منطقة النازلة، الأمر الذي يجعل منها مصدرا وثيقا لعالم الاجتماع مثلما هو للفقيه والعالم.

لذا نجد كثيرا من المؤرخين قد انصرف إلى مصنفات النوازل والفتاوى لدراستها واستنباط ظواهر اجتماعية منها واستنتاج إفادات تاريخية، ومن هؤلاء المستشرق الفرنسي جاك بارك الذي اعتنى بنوازل المازوني- الذي استفاد كثيرا من كتب فقه النوازل لإبراز جوانب اجتماعية للمغرب في عصر هذه النوازل.

__________

(1) انظر هذه الفوائد وغيرها في: د. عبد الحق بن أحمد حميش، مدخل إلى فقه النوازل، دت، دط، ص 15، فما بعدها.

صفحة ( 11)

ومن الناحية الأدبية: فإن لفقه النوازل فوائد عظيمة، فقد تحتوي الأسئلة والأجوبة عن تلك النوازل على قطع أدبية بليغة أو شعر نادر استشهد به، كما أنها تحافظ لنا على لغة الفقه والفقهاء الأدبية الرائعة.

ومن الناحية السياسية: تنقل هذه النوازل صورة واقعية لحوادث تاريخية تمس ذلك المجتمع الذي وقعت فيه النازلة في السلم والحرب مما قد يفيد السياسي في دراسته ومما يعينه في فهم كثير من أحداث الزمان.

ومن الناحية الاقتصادية: تقدم النوازل جملة من الصور عن الحالة الاقتصادية التي تمر بها البلاد الإسلامية، وعن الملكية والتجارة والبنوك وهذا كله يمكن معرفته من خلال تلك النوازل والمسائل المتعلقة بالمواضيع الاقتصادية، كطغيان البنوك الربوية على واقع المسلمين اليوم وكثرة الأسئلة التي يطرحها المسلمون ويطرحها الواقع المر الذي يتخبط فيه الجانب الاقتصادي في المجتمعات المسلمة، ومشكلة الديون التي تتعب كاهل الدول الإسلامية وغيرها من المواضيع الاقتصادية التي تحتاج إلى فقه واجتهاد في نوازلها وواقعاتها المريرة.

ومن الناحية التاريخية: تقدم النوازل أحداثا تاريخية وقعت للأمة الإسلامية ونزلت بها وتم الجواب عنها، وتقدم أحيانا أحداثا أغفلها المؤرخون الذين ينصب اهتمامهم غالبا بالشؤون السياسية وما يتصل بالحكام والأمراء ومثال عن ذلك ما يحدث اليوم في أفغانستان من تقاتل بين الفصائل الأفغانية، أو مثل الحرب العراقية الإيرانية التي وقعت في الثمانينيات أو اجتياح العراق للكويت وما ترتب عليه من استعانة بالكفار، وما حدث ويحدث لإخواننا المسلمين في يوغسلافيا من اضطهاد واغتصاب وما يستلزم ذلك من فقه واجتهاد يجيب عن تلك الشدائد والنوازل التي تنزل بالأمة الإسلامية في عصورها المتتالية.

صفحة ( 12)

5 - ومن فوائد فقه النوازل ذلك الأثر العلمي الذي تخلفه هذه الإجابات لأنها تحفظ لنا مسائل واجتهادات العلماء بنصها لتكون سجلا للفتوى والقضاء ومرجعا مهما للمهتمين بها من أهل الاختصاص لا يمكن الاستغناء عنها بحال.

6 - كما أن فقه النوازل يعرفنا بأسماء لامعة من العلماء المجتهدين المفتيين، الذين تصدوا لهذه النوازل، وكيف أنهم بذلوا الجهد والوسع للوصول إلى الحكم الشرعي وذلك باتباع أصول الاجتهاد دون تعصب أو هوى.

المبحث الأول

المنهج الاستدلالي

يمكن تعريف المنهج الاستدلالي بما عرف به العلماء الفقه نفسه، وهو أنه (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، أو هو مجموعة من الأحكام الشرعية العلمية المستفادة من أدلتها التفصيلية)(1)

ففي هذا التعريف نلاحظ أن الأحكام الشرعية تستنبط من الأدلة التفصيلية، وهي الأدلة المستنبطة من المصادر الكبرى للتشريع الإسلامي من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها.

يقول الدهلوي: (حقيقة الاجتهاد - على ما يفهم من كلام العلماء - استفراغ الجهد في إدراك الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية الراجعة كلياتها إلى أربعة أقسام الكتاب والسنة والإجماع والقياس ويفهم من هذا أنه أعم من أن يكون

__________

(1) علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع، عبد الوهاب خلاف، مطبعة المدني، المؤسسة السعودية بمصر، ص 13.

صفحة ( 13)

استفراغا في إدراك حكم ما سبق التكلم فيه من العلماء السابقين أو لا وافقهم في ذلك أو خالف)(1)

ولذلك فإن هذا المنهج يعتمد أصحابه في استنباط الأحكام الشرعية على تلك المصادر الأصلية والتبعية من غير نظر أو اهتمام لما توصل إليه غيرهم من الفقهاء من أصحاب المذاهب أو غيرهم، بل يعتبرون التقيد بأقوال الفقهاء والالتزام بها من غير نظر في الأدلة بدعة حادثة في الملة لا يستحق صاحبها أن يوصف بالمجتهد ولا الفقيه، ولا يحق له بالتالي أن يتصدر لمنصب الإفتاء إلا على سبيل النقل لقول غيره.

وأصحاب هذا المنهج إذا عرضت لهم حادثة يبدؤون أولا بالنظر فيما ورد حولها في المصدرين الأساسيين للدين من الكتاب والسنة.

وربما يكون هذا هو موضع الاتفاق الوحيد بينهم (2)، ذلك أن لكل منهم بعد ذلك مصادره الخاصة به، والتي يؤسس عليها رؤيته للاستنباط من مصادر الشريعة.

ويبدأ الخلاف من اعتبار الإجماع أو عدم اعتباره، وفي حال اعتباره يحصل الخلاف الطويل أيضا في كون المسألة التي ادعي فيها الاجماع مجمع عليها حقيقة أم لا،

__________

(1) عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد، أحمد بن عبد الرحيم المعروف بـ (الشاه ولي الله الدهلوي)، تحقيق: محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية - القاهرة (ص: 3).

(2) بل هم يختلفون أيضا في هذا من حيث آليات الاستنباط كما هو معروف في مظانه من كتب أصول الفقه، وكما ذكر العلماء ذلك بتفصيل في الكتب التي بينت أسباب خلاف الفقهاء، ومن أهمها: أسباب اختلاف الفقهاء، د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، تقديم: حسن بن عبد الله آل الشيخ وعبد الرزاق عفيفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 3، 1431 هـ / 2010 م.

صفحة ( 14)

فلا يهم أصحاب هذا المنهج أن يقفوا مع جماهير الفقهاء أو يخالفوهم، لأن العبرة عندهم بالدليل، لا بكثرة الفقهاء أو قلتهم (1).

ثم يتسلسل الخلاف بعد ذلك في اعتبار ما يطلق عليه بالأدلة المختلف فيها كالاستحسان وشرع من قبلنا، وغيرها، فإن أداهم الاجتهاد إلى صحة شيء منها أفتوا به، وإن تعارضت عندهم الأدلة فإنهم يفتون بما يترجح لديهم منها.

وهذا المنهج ينتقد بشدة سائر المناهج، وخاصة المناهج التي تعتمد التقليد، أو تعتمد الرأي المجرد، أو تعتمد أحوال المكلفين من التيسير والتشديد ومراعاة المصالح ونحو ذلك، لأنها تعتبر أن الأصل في الفتوى هو الإخبار عن مراد الله من عباده، وهذا المراد لا يمكن التعرف عليه إلا من المصادر الأصلية أو ما انبنى عليها.

انطلاقا من هذه الخلاصة المختصرة للرؤية العامة لأصحاب هذا المنهج، نحاول هنا باختصار أن نتعرف على كبار ممثليه من أعلام الفقهاء، ثم على الأدلة التي يعتمدون عليها في التأسيس لمنهجهم، ثم على الآليات العملية التي يعتمدونها في الفتوى.

أولا ـ أعلامه:

ليس من الصعب التعرف على العلماء الذين يتبنون هذا المنهج، ذلك أنهم جميعا كتبوا أو صرحوا بما يدل على ضرورة العودة إلى الاجتهاد وعدم غلق بابه، وعلى النهي عن التقليد وخاصة إذا تعارض التقليد مع النص، ولكنا مع ذلك نذكر كبار من يتبنون هذا المنهج ابتداء من العصر الأول إلى عصرنا:

__________

(1) انظر تفاصيل الخلافات الواردة حول الإجماع في كتب أصول الفقه، وكمثال على ذلك: أصول الفقه، محمد بن مفلح، أبو عبد الله الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763 هـ)، حققه وعلق عليه وقدم له: الدكتور فهد بن محمد السَّدَحَان، مكتبة العبيكان، ط 1، 1420 هـ - 1999 م، ج 2، ص 366، فما بعدها.

صفحة ( 15)

أولا ـ أعلام القرون الفاضلة الأولى من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة المذاهب الفقهية وغيرهم من الفقهاء الذين لم يكن لهم من التلاميذ من ينشر آراءهم ومذاهبهم، فأبو حنيفة كان يقول: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)(1)

والإمام أحمد كان يقول: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا)(2)

والشافعي كان يقول: (إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي)(3).

وقال المزني صاحب الشافعي في أول مختصره: (اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه)(4)

أما ابن حزم، وهو من أكبر أعلام المذهب الظاهري، فقد كان من كبار المتشددين على المقلدين، وخاصة مقلدي المذاهب الأربعة، وحصلت بينه وبينهم مناظرات، بل حصلت له بسبب ذلك محنة (5).

__________

(1) ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 1 ص 64.

(2) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل - بيروت، 1973، ج 2، ص 201.

(3) المرجع السابق، ج 2، ص 421.

(4) نقلا عن: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، علماء نجد الأعلام، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ط 6، 1417 هـ/1996 م، ج 5، ص 297.

(5) يقول ابن حيان واصفا المحنة التي تعرض لها ابن حزم: (استهدف إلى فقهاء وقته، فتألّبوا على بغضه، وردّ قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا أعوامهم عن الدنوّ إليه، والأخذ عنه، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيّرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به، منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة، وبها توفي غير راجع إلى ما أرادوا، به يبثّ علمه فيمن ينتابه بباديته من عامّة المقتبسين منه من أصاغر الطلبة الذين لا يحسّون فيه الملامة بحداثتهم، ويفقّههم ويدرسهم، ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف والإكثار من التصنيف حتى كمل من مصنّفاته في فنون العلم وقر بعير، حتى لأحرق بعضها بإشبيلية)(انظر: الإحاطة في أخبار غرناطة، محمد بن عبد الله الغرناطي الأندلس، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1424 هـ، ج 4، ص 91.

صفحة ( 16)

وقد عاتب في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) المقلدين لأئمة المذاهب عتابا شديدا، وعندما وصلت نوبة الحديث إلى الظاهرية، قال: (وأما أصحاب الظاهر فهم أبعد الناس من التقليد، فمن قلد أحدا مما يدعي أنه منهم فليس منهم، ولم يعصم أحد من الخطأ، وإنما يلام من اتبع قولا لا حجة عنده به، وألوم من هذا من اتبع قولا وضح البرهان على بطلانه، فتمادى ولج في غيه، وبالله تعالى التوفيق، وألوم من هذين وأعظم جرما من يقيم على قول يقر أنه حرام، وهم المقلدون الذين يقلدون ويقرون أن التقليد حرام، ويتركون أوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقرون أنها صحاح،

صفحة ( 17)

وأنها حق، فمن أضل من هؤلاء، نعوذ بالله من الخذلان ونسأله الهدى والعصمة فكل شيء بيده لا إله إلا هو)(1)

ثانيا - بعض أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم من الذين لم يمنعهم انتماؤهم في الظاهر لمذاهبهم عن التشدد مع المقلدين، ذلك أن اتباعهم للمذاهب ليس على سبيل التقليد، وإنما على سبيل الاتباع.

ومن الأمثلة على ذلك ابن عبد البر المالكي (ت 364 ه)، وهو من كبار المتشددين على المقلدين، وإن كان مالكي المذهب، وقد ضمن رأيه في التقليد قصيدة في كتابه (جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله) جاء فيها:

يا سائلي عن موضع التقليد... خذ عني الجواب بفهم لب حاضر

واصغ إلى قولي ودن بنصيحتي... واحفظ علي بوادري ونوادري

لا فرق بين مقلد وبهيمة... تنقاد بين جنادل ودعاثر (2)

__________

(1) الإحكام في أصول الأحكام، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم لأندلسي القرطبي الظاهري، تحقيق: الشيخ أحمد محمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ج 2، ص 120.

(2) جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر يوسف عبد البر النمري القرطبي، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط 1، 1414 هـ - 1994 م، ج 2، ص 988.

صفحة ( 18)

ومنهم العز بن عبد السلام، والذي كان شافعي المذهب، ومع ذلك كان يتعجب من المقلدين الذين يعرضون عن الأدلة، ويكتفون بما ذهب إليه أئمتهم، ومن تصريحاته في ذلك قوله: (ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ومع هذا يقلده فيه، ويترك من الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه جمودا على تقليد إمامه، بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده، وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس فإذا ذكر لأحدهم في خلاف ما وظن نفسه عليه تعجب غاية التعجب من استرواح إلى دليل بل لما ألفه من تقليد إمامه حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه أولى من تعجبه من مذهب غيره)(1)

ثم ذكر حال الفقهاء في عصره وغيره، فقال: (فالبحث مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع والتدابر من غير فائدة يجديها، وما رأيت أحدا رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له الحق في غيره بل يصير عليه مع علمه بضعفه وبعده، فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ولم أهتد إليه، ولم يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح، فسبحان الله ما أكثر من أعمى التقليد

__________

(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، 1414 هـ - 1991 م، ج 2، ص 159.

صفحة ( 19)

بصره حتى حمله على مثل ما ذكر، وفقنا الله لاتباع الحق أين ما كان وعلى لسان من ظهر)(1)

ثم قارن ذلك الوضع بما كان عليه السلف الصالح، فقال: (وأين هذا من مناظرة السلف ومشاورتهم في الأحكام ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر على لسان الخصم، وقد نقل عن الشافعي رحمه الله أنه قال: ما ناظرت أحدا إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني وإن كان الحق معه اتبعته)(2)

ثالثا - ظهر في العصور التي ترسخ فيها التقليد بعض الأعلام الكبار الذين دعوا إلى العودة إلى الدليل وترك التقليد، وقد كان من كبار هؤلاء ابن تيمية، فقد ألف الكتب والرسائل الكثيرة في الرد على التقليد، بل كانت له اجتهاداته الكثيرة في الفتوى، والتي جعلته يواجه الكثير من فقهاء المذاهب بسببها.

وقد ذكر في الفتاوى الكبرى بعض الجهد الذي بذله في ذلك، والأقوال التي انفرد بها عن أهل عصره، فحصل له بسببها من المحنة ما حصل: (ومن أقواله المعروفة المشهورة التي جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل قوله: بالتكفير في الحلف بالطلاق، وأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة، وأن الطلاق المحرم لا يقع، وله في ذلك مصنفات ومؤلفات. منها قاعدة كبيرة سماها: (تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان). نحو أربعين كراسة. وقاعدة سماها: (الفرق بين الطلاق واليمين). بقدر نصف ذلك. وقاعدة في (أن جميع أيمان المسلمين مكفرة) مجلد لطيف. وقاعدة في تقرير أن الحلف بالطلاق من الأيمان حقيقة. وقاعدة سماها: (التفصيل بين التكفير

__________

(1) المرجع السابق،، ج 2، ص 159.

(2) المرجع السابق،، ج 2، ص 159.

صفحة ( 20)

والتحليل). وقاعدة سماها: (اللمعة)، وغير ذلك من القواعد والأجوبة في ذلك لا تنحصر ولا تنضبط)(1)

وقريب منه الشاطبي (ت 790) الذي لم يمنعه انتماؤه للمذهب المالكي من التصريح بضرورة العودة إلى الدليل وترك التقليد لأئمة المذاهب، يقول في (الاعتصام): (والرابع: رأي المقلدة لمذهب إمام يزعمون أن إمامهم هو الشريعة، بحيث يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم، وحتى إذا جاءهم من بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل ولم يرتبط إلى إمامهم رموه بالنكير، وفوقوا إليه سهام النقد، وعدوه من الخارجين عن الجادة، والمفارقين للجماعة، من غير استدلال منهم بدليل، بل بمجرد الاعتياد العامي)(2)

وضرب مثالا لذلك بما حصل لبقي بن مخلد، فقال: (ولقد لقي الإمام بقي بن مخلد حين دخل الأندلس آتيا من المشرق من هذا الصنف الأمرين، حتى أصاروه مهجور الفناء، مهتضم الجانب، لأنه من العلم بما لا يدي لهم به، إذ لقي بالمشرق الإمام أحمد بن حنبل وأخذ عنه مصنفه وتفقه عليه، ولقي أيضا غيره، حتى صنف المسند المصنف الذي لم يصنف في الإسلام مثله، وكان هؤلاء المقلدة قد صمموا على مذهب مالك، بحيث أنكروا ما عداه، وهذا تحكيم الرجال على الحق، والغلو في محبة المذهب، وعين الإنصاف ترى أن الجميع أئمة فضلاء، فمن كان متبعا لمذهب مجتهد لكونه لم يبلغ درجة الاجتهاد فلا يضره مخالفة غير إمامه لإمامه، لأن الجميع سالك

__________

(1) الفتاوى الكبرى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، دار الكتب العلمية، ط 1، 1408 هـ - 1987 م، ج 4، ص 161.

(2) الاعتصام، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، دار ابن عفان، السعودية، ط 1، 1412 هـ - 1992 م. ج 2 ص 865.

صفحة ( 21)

على الطريق المكلف به، فقد يؤدي التغالي في التقليد إلى إنكار لما أجمع الناس على ترك إنكاره)(1)

رابعا - ظهر في القرون المتأخرة بعد ابن تيمية بعض الأعلام الكبار الذين أحيوا الدعوة إلى فقه الدليل، وكتبوا في ذلك المؤلفات الكثيرة، وتعرضوا لبعض المحن بسبب ذلك.

ومن كبار هذه الطبقة الشوكاني صاحب المؤلفات الكثيرة في نصرة فقه الاستدلال بدل فقه التقليد، ومن تصريحاته في هذا الباب قوله بعد إيراده الخلاف في (قول الصحابي هل هو حجة أم لا): (والحق: أنه ليس بحجة (2)، فإن الله سبحانه

__________

(1) المرجع السابق، ج 2، ص 865..

(2) رد أبو زهرة بشدة على الشوكاني في هذه المسألة بقوله: (ولا شكَّ أن هذه مغالاة في ردِّ أقوال الصحابة، ومن الواجب علينا أن نقول: إنَّ الأئمة الأعلام عندما اتبعوا أقوال الصحابة لم يجعلوا رسالةً لغير محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يعتبروا حجَّةً في غير الكتاب والسنَّة، فهم مع اقتباسهم من أقوال الصحابة مستمسكون أشدَّ الاستمساك بأن النبي واحدٌ، والسنَّةَ واحدةٌ، والكتابَ واحدٌ، ولكنهم وجدوا أن هؤلاء الصحابة هم الذين استحفظوا على كتاب الله سبحانه وتعالى، ونقلوا أقوال محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى من بعدهم، فكانوا أعرف الناس بشرعه، وأقربهم إلى هديه، وأقوالهم قبسةٌ نبويةٌ، وليست بدعاً ابتدعوه، ولا اختراعاً اخترعوه، ولكنها تلمُّسٌ للشرع الإسلامي من ينابيعه، وهم أعرفُ الناس بمصادرها ومواردها، فمن اتبعهم فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)} [التوبة:100] (أصول الفقه، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، ص 218)، ونحب أن ننبه هنا بأن الشوكاني أيد القول بحجية الصحابي في كتابه (التقليد والإفتاء والاستفتاء)(انظر: التقليد والإفتاء والاستفتاء (ج 1 / ص 51) فما بعدها)

صفحة ( 22)

لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمورة باتباع كتابه، وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة وبين من بعدهم، في ذلك، فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، وباتباع الكتاب والسنة، فمن قال: إنها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله، وسنة رسوله، وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بمالم يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم، وتقول بالغ، فمن حكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله، أو أقوالهم حجة على المسلمين يجب عليهم العمل بها وتصير شرعا ثابتا متقررا تعم به البلوى، مما لا يدان الله عز وجل به، ولا يحل لمسلم الركون إليه، ولا العمل عليه، فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله، الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده لا لغيرهم، وإن بلغ في العلم والدين عظم المنزلة أي مبلغ)(1)

ثم ختم قوله: (فاعرف هذا، واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولا إلا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يأمرك باتباع غيره، ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفا واحدا، ولا جعل شيئا من الحجة عليك في قول غيره، كائنا من كان)(2)

__________

(1) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني اليمني، تحقيق: الشيخ أحمد عزو، دار الكتاب العربي، ط 1، 1419 هـ - 1999 م، ج 2، ص 188.

(2) المرجع السابق، ج 2، ص 189.

صفحة ( 23)

بالإضافة إلى الشوكاني، فقد ذكر السيوطي في كتابه المهم (الرد على من أخلد إلى الارض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض)(1) الكثير من أقوال الفقهاء المتأخرين الذين دعوا إلى فتح باب الاجتهاد والرجوع إلى المصادر الأصلية مباشرة، وأنه في الإمكان أن يظهر المجتهدون في العصور المختلفة.

ومن العلماء الذين ذكرهم (2):

1 - (الماوردي) في أول كتابه (الحاوي)

2 - و(الروياني) في أول (البحر)

3 - والقاضي (حسين) في (تعليقه)

4 - و(الزبيري) في كتاب (المسكت)

5 - و(ابن سراقة) في كتاب (الأعداد)

6 - و(إمام الحرمين) في كتاب السير من (النهاية)

7 - و(الشهرستاني) في (الملل والنحل)

8 - و(البغوي) في أوائل (التهذيب)

9 - و(الغزالي) في (البسيط)، و(الوسيط)

10 - و(ابن الصلاح) في (أدب الفتيا)

11 - و(النووي) في (شرح المهذب) و(شرح مسلم)

__________

(1). طبع في دار الكتب لعلمية سنة 1403 هـ في مجلد بتحقيق (خليل الميس)، وأهمية هذه الرسالة تكمن في تتبع السيوطي لكل أقوال العلماء الذين أيدوا هذا المنهج، وقد ذكر أقوالهم، وبعض المصادر التي اعتمد عليها مفقودة.

(2) انظر كتاب: الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض، تحقيق: (خليل الميس، دار الكتب لعلمية، 1403 هـ من (ص 68) إلى (ص 96).

صفحة ( 24)

12 - والشيخ (عز الدين بن عبد السلام) في (مختصر النهاية)

13 - و(ابن الرفعة) في (المطلب)

14 - و(الزركشي) في كتاب (القواعد)، و(البحر)

وممن نص على ذلك من أئمة المالكية القاضي (عبد الوهاب) في (المقدمات)، و(ابن القصار) في كتابه في أصول الفقه، ونقله عن مذهب (مالك) وجمهور العلماء، و(القرافي) في (التنقيح)، و(ابن عبد السلام) في (شرح مختصر ابن الحاجب)، و(أبو محمد بن ستاري) في (المسائل المنثورة) و(ابن عرفة) في كتابه (المبسوط) في الفقه.

خامسا - نتيجة للدعوات السابقة إلى فقه الدليل، فإن المنهج الغالب على الكثير من الباحثين والفقهاء في عصرنا الحاضر هو هذا المنهج، وإن كانوا يختلفون في امتلاك الآليات التي تتيح لهم ممارسته.

ثانيا ـ أدلته:

أفرد أصحاب هذا المنهج أو الدعاة له الكثير من المؤلفات في نصرته، والرد على المخالفين لهم، وخصوصا من أصحاب المنهج المذهبي أو المذاهبي، ومن أهم تلك المؤلفات (المختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول) لأبي شامة المقدسي، و(شرح قول المطلبي، إذا صح الحديث فهو مذهبي) للسبكي، و(جزء التمسك بالسنن) للذهبي، و(الاتباع) لابن أبي العز، و(فيض الشعاع، الكاشف للقناع، عن أركان الابتداع) للحسن بن أحمد الجلال اليماني، و(الوجه الحسن، المذهب للحزن، لمن طلب السنة ومشى على السنن) لإسحاق بن يوسف الصنعاني، و(إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد) للأمير الصنعاني، و(إيقاظ همم أولى الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار) لصالح الفُلاَّني، و(إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن) لمحمد بن علي السنوسي (مالكي)، و(القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد) و(أدب الطلب، ومنتهى الأرب) كلاهما للشوكاني، و(كشف الغمة عن سبب اختلاف الأمة) و(الاكتناف لأحكام الاختلاف) للأمير صديق حسن خان القنوجي، و(القول

صفحة ( 25)

السديد في أدلة الاجتهاد والتقليد) لأبي النصر علي بن حسن خان القنوجي، و(الطريقة المثلى في ترك التقليد واتباع ما هو الأولى) لأبي الخير نور الحسن بن حسن خان القنوجي، وغيرهم كثير.

وبما أن استيعاب كل ما ذكروه يحتاج إلى مجلدات ضحمة، فسنقتصر هنا على مجامع الأدلة دون تفاصيلها:

الدليل الأول:

ما ورد في النصوص الداعية إلى الرجوع إلى الكتاب والسنة مطلقا أو في حال النزع، وهي كثيرة جدا نقتصر منها على ما يلي:

من القرآن الكريم: وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدعو إلى العودة المباشرة إلى الكتاب والسنة، منها قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} (1)

وقال تعالى: {وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ} (2)

وقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ} (3)

من الحديث الشريف: وردت أحاديث كثيرة في الحث على العودة المباشرة إلى المصادر الأصلية منها ما حدث به العرباض بن سارية، قال: وعظنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم موعظة ذرفت منها العيون، ووجلت منها القلوب، قلنا: يا رسول

__________

(1) سورة النساء: 59.

(2) سورة المائدة: 92..

(3) سورة محمد: 33.

صفحة ( 26)

الله، إن هذه لموعظة مودع، فماذا تعهد إلينا؟ قال: (قد تركتكم على البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك، ومن يعش منكم، فسيرى اختلافا كثيرا، فعليكم بما عرفتم من سنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين، وعليكم بالطاعة، وإن عبدا حبشيا عضوا عليها بالنواجذ، فإنما المؤمن كالجمل الأنف حيثما انقيد انقاد)(1)

الدليل الثاني:

ما ورد من الأدلة الكثيرة من القرآن الكريم والسنة المطهرة والآثار عن الصحابة والتابعين على حرمة التقليد، وقد جمع ابن عبد البر الكثير منها كتابه (جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله) في (باب فساد التقليد ونفيه والفرق بين التقليد والاتباع)(2)، ومن الأدلة التي أوردها:

1 - ذم الله تبارك وتعالى التقليد في غير موضع من القرآن الكريم، كقوله تعالى: {وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31)} (3)، وقد ورد في تفسير هذه الآية عن عدي بن حاتم: أتيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي عنقي صليب فقال لي: يا عدي بن حاتم، ألق هذا الوثن من عنقك)، وانتهيت إليه وهو يقرأ سورة براءة حتى أتى

__________

(1) مسند الإمام أحمد بن حنبل، أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط وعادل مرشد، وآخرون، إشراف: د عبد الله بن عبد المحسن التركي، مؤسسة الرسالة، ط 1، 1421 هـ - 2001 م، ج 28، ص 367.

(2) جامع بيان العلم وفضله، ج 2، ص 975.

(3) سورة التوبة: 30، 31.

صفحة ( 27)

على هذه الآية {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} (1) قال: قلت: يا رسول الله إنا لم نتخذهم أربابا، قال: (بلى، أليس يحلون لكم ما حرم عليكم فتحلونه، ويحرمون عليكم ما أحل الله لكم فتحرمونه؟)، فقلت: بلى، قال: (تلك عبادتهم)(2)

2 – قوله تعالى: {وَكَذَلِكَ مَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ (23) قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (24)} (3)، فمنعهم الاقتداء بآبائهم من قبول الاهتداء فقالوا: إنا بما أرسلتم به كافرون.

3 – قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) يَاأَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (168)} (4)

__________

(1) سورة التوبة: 31.

(2) المعجم الكبير، سليمان بن أحمد، أبو القاسم الطبراني، تحقيق: حمدي بن عبد المجيد السلفي، مكتبة ابن تيمية – القاهرة، ط 2، ج 17، ص 92.

وانظر: سنن الترمذي، محمد بن عيسى بن سَوْرة، الترمذي، أبو عيسى، تحقيق وتعليق: أحمد محمد شاكر ومحمد فؤاد عبد الباقي، شركة مكتبة ومطبعة مصطفى البابي الحلبي – مصر، ط 2، 1395 هـ - 1975 م، ج 5، ص 278.

(3) سورة الزخرف: 23، 24.

(4) سورة البقرة: 166 - 168.

صفحة ( 28)

وقد علق ابن عبد البر على هذه الآيات وغيرها بقوله: (وقد احتج العلماء بهذه الآيات في إبطال التقليد ولم يمنعهم كفر أولئك من جهة الاحتجاج بها؛ لأن التشبيه لم يقع من جهة كفر أحدهما وإيمان الآخر وإنما وقع التشبيه بين التقليدين بغير حجة للمقلد كما لو قلد رجل فكفر وقلد آخر فأذنب وقلد آخر في مسألة دنياه فأخطأ وجهها، كان كل واحد ملوما على التقليد بغير حجة؛ لأن كل ذلك تقليد يشبه بعضه بعضا وإن اختلفت الآثام فيه، وقال الله عز وجل: {وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا يَتَّقُونَ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} (1)، وقد ثبت الاحتجاج بما قدمنا في الباب قبل هذا وفي ثبوته إبطال التقليد أيضا، فإذا بطل التقليد بكل ما ذكرنا وجب التسليم للأصول التي يجب التسليم لها وهي الكتاب والسنة أو ما كان في معناهما بدليل جامع بين ذلك)(2)

الدليل الثالث:

الاستدلالات العقلية، وكثير منها صيغ بشكل مناظرات وحوارات مع المخالفين من القائلين بالتقليد معاملة لهم بالمناهج التي يعتمدون عليها في الاستدلال، ومن الأمثلة على ذلك ما نقله الزركشي وغيره عن المزني من قوله: (يقال لمن حكم بالتقليد: هل لك من حجة فيما حكمت به؟ فإن قال: نعم أبطل التقليد؛ لأن الحجة أوجبت ذلك عنده لا التقليد، وإن قال: حكمت فيه بغير حجة قيل له: فلم أرقت الدماء وأبحت الفروج وأتلفت الأموال وقد حرم الله ذلك إلا بحجة؟ قال الله عز وجل: {إِنْ عِنْدَكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ بِهَذَا} (3) أي من حجة بهذا، فإن قال: أنا أعلم أني قد أصبت وإن لم أعرف الحجة؛ لأني قلدت كبيرا من العلماء وهو لا يقول إلا بحجة

__________

(1) سورة التوبة: 115.

(2) جامع بيان العلم وفضله، ج 2، ص 977.

(3) سورة يونس: 68.

صفحة ( 29)

خفيت علي، قيل له: إذا جاز تقليد معلمك لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت عليك فتقليد معلم معلمك أولى؛ لأنه لا يقول إلا بحجة خفيت على معلمك، كما لم يقل معلمك إلا بحجة خفيت عليك، فإن قال: نعم ترك تقليد معلم معلمه، وكذلك من هو أعلى حتى ينتهي إلى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وإن أبى ذلك نقض قوله وقيل له: كيف يجوز تقليد من هو أصغر وأقل علما ولا يجوز تقليد من هو أكبر وأكثر علما وهذا يتناقض، فإن قال: لأن معلمي وإن كان أصغر فقد جمع علم من هو فوقه إلى علمه، فهو أبصر بما أخذ وأعلم بما ترك قيل له: وكذلك من تعلم من معلمك فقد جمع علم معلمك وعلم من فوقه إلى علمه؛ فيلزمك تقليده وترك تقليد معلمك، وكذلك أنت أولى أن تقلد نفسك من معلمك؛ لأنك جمعت علم معلمك وعلم من هو فوقه إلى علمك، فإن فاد قوله جعل الأصغر ومن يحدث من صغار العلماء أولى بالتقليد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكذلك الصاحب عنده يلزمه تقليد التابع، والتابع من دونه في قياس قوله والأعلى الأدنى أبدا وكفى بقول يؤول إلى هذا قبحا وفسادا)(1)

ومثل ذلك ما روي عن سحنون، قال: كان مالك بن أنس، وعبد العزيز بن أبي سلمة، ومحمد بن إبراهيم بن دينار وغيرهم يختلفون إلى ابن هرمز، وكان إذا سأله مالك وعبد العزيز أجابهما وإذا سأله ابن دينار وذووه لم يجبهم، فتعرض له ابن دينار يوما فقال له: يا أبا بكر لم تستحل مني ما لا يحل لك؟ قال له: يا ابن أخي وما ذاك؟ قال: يسألك مالك وعبد العزيز فتجيبهما وأسألك أنا وذوي فلا تجيبنا؟ فقال: (أوقع

__________

(1) نقلا عن: البحر المحيط في أصول الفقه، أبو عبد الله بدر الدين محمد بن عبد الله بن بهادر الزركشي، دار الكتبي، ط 1، 1414 هـ - 1994 م، ج 8، ص 329، وانظر: جامع بيان العلم وفضله ج 2، ص 992، وانظر: إعلام الموقعين عن رب العالمين ج 2، ص 136.

صفحة ( 30)

ذلك يا ابن أخي في قلبك؟) قال: نعم، قال: إني قد كبر سني ورق عظمي، وأنا أخاف أن يكون خالطني في عقلي مثل الذي خالطني في بدني، ومالك وعبد العزيز عالمان فقيهان إذا سمعا مني حقا قبلاه، وإذا سمعا مني خطأ تركاه، وأنت وذووك ما أجبتكم به قبلتموه، قال محمد بن حارث: هذا والله هو الدين الكامل والعقل الراجح لا كمن يأتي بالهذيان، ويريد أن ينزل من القلوب منزلة القرآن)(1)

ومثل ذلك هذه المناظرة الافتراضية التي صاغها ابن عبد البر بقوله: (يقال لمن قال بالتقليد: لم قلت به وخالفت السلف في ذلك؟ فإنهم لم يقلدوا فإن قال: قلدت؛ لأن كتاب الله عز وجل لا علم لي بتأويله، وسنة رسوله لم أحصها والذي قلدته قد علم ذلك فقلدت من هو أعلم مني قيل له: أما العلماء إذا اجتمعوا على شيء من تأويل الكتاب أو حكاية سنة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أو اجتمع رأيهم على شيء فهو الحق لا شك فيه، ولكن قد اختلفوا فيما قلدت فيه بعضهم دون بعض، فما حجتك في تقليد بعض دون بعض، وكلهم عالم ولعل الذي رغبت عن قوله أعلم من الذي ذهبت إلى مذهبه، فإن قال: قلدته لأني علمت أنه صواب قيل له: علمت ذلك بدليل من كتاب أو سنة أو إجماع، فإن قال: نعم، فقد أبطل التقليد وطولب بما ادعاه من الدليل وإن قال: قلدته لأنه أعلم مني، قيل له: فقلد كل من هو أعلم منك فإنك تجد من ذلك خلقا كثيرا ولا يحصى من قلدته إذ علتك فيه أنه أعلم منك وتجدهم في أكثر ما ينزل بهم من السؤال مختلفين فلم قلدت أحدهم؟ فإن قال: قلدته لأنه أعلم الناس قيل له: فهو إذا أعلم من الصحابة وكفى بقول مثل هذا قبحا وإن قال: إنما قلدت بعض الصحابة قيل له: فما حجتك في ترك من لم تقلد منهم؟ ولعل من تركت

__________

(1) إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج 2، ص 137.

صفحة ( 31)

قوله منهم أعلم وأفضل ممن أخذت بقوله على أن القول لا يصح لفضل قائله وإنما يصح بدلالة الدليل عليه)(1)

وكثيرا ما نرى أصحاب هذا المنهج يحاجون المخالفين لهم من المقلدين بما ذكره أئمتهم الذين يقتدون بهم، فالأئمة الأربعة، قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولونه كما رأينا ذلك سابقا.

بل يذكر ابن القيم أن غير المقلدين أكثر احتراما للعلماء من المقلدين، فيقول في فصل بعنوان (الفرق بين تجريد متابعة المعصوم وإهدار أقوال العلماء وإلغائها): (فمن عرض أقوال العلماء على النصوص ووزنها بها وخالف منها ما خالف النص لم يهدر أقوالهم، ولم يهضم جانبهم، بل اقتدى بهم، فإنهم كلهم أمروا بذلك، فمتبعهم حقا من امتثل ما أوصوا به، لا من خالفهم، فخلافهم في القول الذي جاء النص بخلافه أسهل من مخالفتهم في القاعدة الكلية التي أمروا ودعوا إليها من تقديم النص على أقوالهم، ومن هنا يتبين الفرق بين تقليد العالم في كل ما قال وبين الاستعانة بفهمه والاستضاءة بنور علمه، فالأول يأخذ قوله من غير نظر فيه، ولا طلب لدليله من الكتاب والسنة، بل يجعل ذلك كالحبل الذي يلقيه في عنقه يقلده به، ولذلك سمي تقليدا بخلاف ما استعان بفهمه واستضاء بنور علمه في الوصول إلى الرسول صلوات الله وسلامه عليه، فإنه يجعلهم بمنزلة الدليل إلى الدليل الأول، فإذا وصل إليه استغنى بدلالته عن الاستدلال بغيره، فمن استدل بالنجم على القبلة فإنه إذا شاهدها لم يبق لاستدلاله بالنجم معنى)(2)

__________

(1) جامع بيان العلم وفضله: ج 2، ص 994.

(2) الروح في الكلام على أرواح الأموات والأحياء بالدلائل من الكتاب والسنة، محمد بن أبي بكر بن ابن قيم الجوزية، دار الكتب العلمية – بيروت، ص 264.

صفحة ( 32)

الدليل الرابع:

الرد على ما استند إليه المخالفون من أدلة، وأشهر ما انصب عليه اهتمامهم ما يستدل به المخالفون من أصحاب المناهج المذهبية أو المذاهبية كثيرا، وهو حديث (اختلاف أمتي رحمة)(1)، فقد جعل أصحاب المنهج المذهبي هذا الحديث شعارهم وقاعدتهم التي يحتمون بها (2)، وقد رد هؤلاء على هذا الحديث - أولا - ببيان وضعه (3)، و- ثانيا - بمعارضته الواضحة لما ورد في النصوص القطعية من القرآن والسنة من ذم الاختلاف، كقوله تعالى: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} (4)، وقوله: {وَلَا

__________

(1) باعتبار هذا الحديث محل خلاف بين المناهج، فسنتحدث عنه بتفصيل هنا، وفي محال أخرى من هذه الدراسة.

(2) نظر على سبيل المثال: شرح النووي على صحيح مسلم، النووي، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 2، 1392 هـ، ج 11 ص 91، وفيض القدير، المناوي، المكتبة التجارية الكبرى، مصر، 1356، ج 1 ص 210.

(3) من المراجع التي حققت في بيان وضعه: سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة وأثرها السيئ في الأمة، أبو عبد الرحمن محمد ناصر الدين الألباني، دار المعارف، الرياض، الممكلة العربية السعودية، الطبعة: الأولى، 1412 هـ / 1992 م، ج 1، ص 141، وصفة صلاة النبي، الألباني، السعودية مكتبة المعارف، د ت،: ص: 49.

(4) سورة الأنعام: 153.

صفحة ( 33)

تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ} (1)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (لا ترجعوا بعدي كفارا، يضرب بعضكم رقاب بعض)(2)

ومن السابقين من أصحاب هذا المنهج الذين اشتدوا في رد هذا الحديث ابن حزم، فقد قال بعد أن أشار إلى أنه ليس بحديث: (وهذا من أفسد قول يكون، لأنه لو كان الاختلاف رحمة لكان الاتفاق سخطا، وهذا ما لا يقوله مسلم، لأنه ليس إلا اتفاق أو اختلاف، وليس إلا رحمة أو سخط...)(3)

ومن الذين اشتدوا في بيان وضعه، ونشر ذلك بين الناس الشيخ الألباني، ومن ردوده عليه ما ذكره في تعليقه على هذا الحديث في الضعيفة: (لا أصل له، ولقد جهد المحدثون في أن يقفوا له على سند فلم يوفقوا)(4)

ثم ذكر الآثار السيئة لهذا الحديث، فقال: (وإن من آثار هذا الحديث السيئة أن كثيرا من المسلمين يقرون بسببه الاختلاف الشديد الواقع بين المذاهب الأربعة، ولا يحاولون أبدا الرجوع بها إلى الكتاب والسنة الصحيحة كما أمرهم بذلك أئمتهم، بل إن أولئك ليرون مذاهب هؤلاء الأئمة إنما هي كشرائع متعددة يقولون هذا مع علمهم بما بينها من اختلاف وتعارض لا يمكن التوفيق بينها إلا برد بعضها المخالف للدليل، وقبول البعض الآخر الموافق له، وهذا مالا يفعلونه، وبذلك نسبوا إلى الشريعة التناقض، وهو وحده دليل على أنه ليس من الله عز وجل لو كانوا يتأملون قوله تعالى في حق القرآن {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا

__________

(1) سورة الأنفال: 46.

(2) صحيح مسلم (1/ 81)

(3) الإحكام في أصول الأحكام، ج 5، ص 64.

(4) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ج 1، ص 141.

صفحة ( 34)

كَثِيرًا} (1)، فالآية صريحة في أن الاختلاف ليس من الله، فكيف يصح إذن جعله شريعة متبعة، ورحمة منزلة؟)(2)

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

كما عرفنا سابقا فإن هذا المنهج ينطلق من الدليل في أي مسألة يبحث فيها، وهذا لا يعني عدم استفادته من آراء الفقهاء السابقين، بل هو يستفيد منها، بل قد ينطلق منها في بحثه عن الجواب الشرعي في المسائل الحادثة أو غير الحادثة، ولكنه لا يكتفي بذلك كما يفعل المقلدون، بل يعرض تلك الفتاوى على المصادر الأصلية أو التبعية للدين.

وبذلك فإن هذا المنهج يعتمد على مصدرين كبيرين:

الأول: هو النظر في النصوص والاجتهاد في فهمها أو استنباط الحكم الشرعي من خلال منطوقها أو مفهومها، أو من خلال القياس عليها، ونحو ذلك، ويستدلون لهذا:

1 ـ بما ورد في الحديث المشهور أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال لمعاذ حين بعثه إلى اليمن،: (كيف تصنع إن عرض لك قضاء؟)، قال: أقضي بما في كتاب الله. قال: (فإن لم يكن في كتاب الله؟) قال: فبسنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، قال: (فإن لم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؟ قال: أجتهد رأيي، لا آلو. قال: فضرب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم صدري، ثم قال: (الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله لما يرضي رسول الله)(3)

__________

(1) سورة النساء: 82.

(2) سلسلة الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ج 1، ص 142.

(3) مسند أحمد، ج 36، ص 333، قال محققه: إسناده ضعيف لإبهام أصحاب معاذ وجهالة الحارث بن عمرو، لكن مال إلى القول بصحته غير واحد من المحققين من أهل العلم، منهم أبو بكر الرازي وأبو بكر بن العربي والخطيب البغدادي وابن قيم الجوزية.

وقال ابن القيم: (حديث وإن كان عن غير مسمين فهم أصحاب معاذ فلا يضره ذلك؛ لأنه يدل على شهرة الحديث وأن الذي حدث به الحارث بن عمرو عن جماعة من أصحاب معاذ لا واحد منهم، وهذا أبلغ في الشهرة من أن يكون عن واحد منهم لو سمي، كيف وشهرة أصحاب معاذ بالعلم والدين والفضل والصدق بالمحل الذي لا يخفى؟ ولا يعرف في أصحابه متهم ولا كذاب ولا مجروح، بل أصحابه من أفاضل المسلمين وخيارهم، لا يشك أهل العلم بالنقل في ذلك، كيف وشعبة حامل لواء هذا الحديث؟ وقد قال بعض أئمة الحديث: إذا رأيت شعبة في إسناد حديث فاشدد يديك به)(إعلام الموقعين عن رب العالمين، ج 1، ص 155.

صفحة ( 35)

2 ـ بما ورد عن الصحابة من منهجهم في الفتوى، ومن ذلك ما روي عن حريث بن ظهير- قال: أحسب- أن عبد الله قال: قد أتى علينا زمان وما نسأل، وما نحن هناك، وإن الله قدر أن بلغت ما ترون، فإذا سئلتم عن شيء فانظروا في كتاب الله، فإن لم تجدوه في كتاب الله ففي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فإن لم تجدوه في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فما أجمع عليه المسلمون فإن لم يكن فيما أجمع عليه المسلمون فاجتهد رأيك ولا تقل: إني أخاف وأخشى، فإن الحلال بين والحرام بين، وبين ذلك أمور مشتبهة، فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك)(1)

ومثله ما روي عن شريح، أن عمر بن الخطاب كتب إليه: (إن جاءك شيء في كتاب الله، فاقض به ولا تلفتك عنه الرجال، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله فانظر

__________

(1) مسند الدارمي المعروف بسنن الدارمي، أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، التميمي السمرقندي، تحقيق: نبيل هاشم الغمري، دار البشائر (بيروت)، ط 1، 1434 هـ - 2013 م، ص 136.

صفحة ( 36)

سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فاقض بها، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن فيه سنة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فانظر ما اجتمع عليه الناس فخذ به، فإن جاءك ما ليس في كتاب الله ولم يكن في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يتكلم فيه أحد قبلك، فاختر أي الأمرين شئت: إن شئت أن تجتهد برأيك ثم تقدم فتقدم، وإن شئت أن تتأخر، فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيرا لك)(1)

الثاني: هو الاستفادة من اجتهادات المجتهدين من الفقهاء من أصحاب المذاهب وغيرهم من غير تقليد لها، ولهذا فإن هذا المنهج لا ينكر التمذهب مطلقا، بل ينكر ترك الدليل لأجل المذهب، كما جاء في الدرر السنية: (ونحن أيضا في الفروع، على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، ولا ننكر على من قلد أحد الأئمة الأربعة، دون غيرهم، لعدم ضبط مذاهب الغير، الرافضة، والزيدية، والإمامية، ونحوهم، ولا نقرهم ظاهرا على شيء من مذاهبهم الفاسدة، بل نجبرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة.. ولا نستحق مرتبة الاجتهاد المطلق، ولا أحد لدينا يدعيها، إلا أننا في بعض المسائل، إذا صح لنا نص جلي، من كتاب، أو سنة غير منسوخ، ولا مخصص، ولا معارض بأقوى منه، وقال به أحد الأئمة الأربعة: أخذنا به، وتركنا المذهب، كإرث الجد والإخوة، فإنا نقدم الجد بالإرث، وإن خالف مذهب الحنابلة.. ولا نفتش على أحد في مذهبه، ولا نعترض عليه، إلا إذا اطلعنا على نص جلي، مخالف لمذهب أحد الأئمة، وكانت المسألة مما يحصل بها شعار ظاهر، كإمام الصلاة، فنأمر الحنفي، والمالكي مثلا، بالمحافظة على نحو الطمأنينة في الاعتدال، والجلوس بين السجدتين، لوضوح دليل ذلك، بخلاف جهر الإمام الشافعي بالبسملة، فلا نأمره بالإسرار، وشتان ما بين المسألتين، فإذا قوي الدليل أرشدناهم بالنص، وإن خالف المذهب، وذلك يكون نادرا جدا. ولا مانع من الاجتهاد في بعض المسائل دون بعض، فلا

__________

(1) المرجع السابق، ص 135.

صفحة ( 37)

مناقضة لعدم دعوى الاجتهاد، وقد سبق جمع من أئمة المذاهب الأربعة، إلى اختيارات لهم في بعض المسائل، مخالفين للمذهب، الملتزمين تقليد صاحبه)(1)

المبحث الثاني

المنهج المذهبي

يراد بالمنهج المذهبي (2) في الفتوى المنهج الذي يعتمد على ما أفرزه التقليد المذهبي للأئمة الأربعة خصوصا من تراث فقهي كبير مس جميع المجالات من كتب التفسير وشروح الحديث، إلى متون الفقه وشروحها وحواشيها، بالإضافة إلى ما كتب في خصوص الفتوى في المتغيرات الحادثة في كل عصر مما يسمى بفقه النوازل.

وهذا المنهج بدأ متقدما على المذاهب الأربعة، فقد كان لكل إمام من أئمة الفقه من يتبعه ويذهب مذهبه في الفتوى، كما قال ابن عبد البر: (وقد كان العلماء قديماً

__________

(1) الدرر السنية في الأجوبة النجدية، ج 1، ص 227.

(2) يطلق المذهب في اللغة: على الطريق ومكان الذهاب، يقال ذهب القوم مذاهب شتى إذا ساروا طرائق مختلفة، قال الزبيدي: (المذهب: المعتقد الذي يذهب إليه.. والمذهب الطريقة، يقال: ذهب فلان مذهباً حسناً، أي طريقة حسنة)(انظر: تاج العروس، الزبيدي، دار الرشاد، الدار البيضاء، ج 1 ص 752، وانظر: لسان العرب، 2/ 1081)

ويطلق في الاصطلاح: على ما ذهب إليه إمام من الأئمة في الأحكام الاجتهادية، ويطلق عند المتأخرين على ما به الفتوى، فيقولون المذهب في المسألة كذا من باب إطلاق الشيء على جزئه الأهم، كإطلاق الصلاة على الفاتحة، والحج عرفة، وبهذا فإن (المذهب المالكي: هو الطريق الذي سلكه مالك في استنباط الأحكام الاجتهادية. انظر: مواهب الجليل لشرح مختصر خليل، الحطاب، دار الفكر، ط:2، 1992، 1/ 24).

صفحة ( 38)

وحديثاً يحذرون الناس من مذهب المكيين أصحاب ابن عباس ومن سلك سبيلهم في المتعة والصرف، ويحذرون الناس من مذهب الكوفيين أصحاب ابن مسعود ومن سلك سبيلهم في النبيذ الشديد، ويحذرون الناس من مذهب أهل المدينة في الغناء)(1)

ولكنه بعد ذلك ولأسباب كثيرة، سنذكر هنا بعضها، اقتصرت دلالته على أتباع المذاهب الأربعة، والتي سرى إليها الخلاف هي أيضا، فصار لكل مذهب فقهاؤه الكبار الذين توزعوا على المدارس الفقهية التقليدية في العالم الإسلامية قرونا طويلة.

وقد اختلف أصحاب هذا المنهج في حكم الالتزام بهذه المذاهب بين متشدد ومتساهل:

فمن أمثال المتشددين ما عبر عنه صاحب (الفواكه الدواني)، وهو مالكي المذهب، بقوله: (وقد انعقد إجماع المسلمين اليوم على وجوب متابعة واحد من الأئمة الأربع: أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد بن حنبل وعدم جواز الخروج عن مذاهبهم، وإنما حرم تقليد غير هؤلاء الأربعة من المجتهدين، مع أن الجميع على هدى لعدم حفظ مذاهبهم لموت أصحابهم وعدم تدوينها، ولذا قال بعض المحققين: المعتمد أنه يجوز تقليد الأربعة، وكذا من عداهم ممن يحفظ مذهبه في تلك المسألة ودون حتى عرفت شروطه وسائر معتبراته، فالإجماع الذي نقله غير واحد كابن الصلاح

__________

(1) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد، أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر بن عاصم النمري القرطبي، تحقيق: مصطفى بن أحمد العلوي ، محمد عبد الكبير البكري، وزارة عموم الأوقاف والشؤون الإسلامية – المغرب، 1387 هـ، ج 10، ص 115.

صفحة ( 39)

وإمام الحرمين والقرافي على منع تقليد الصحابة يحمل على ما فقد منه شرط من ذلك)(1)

وقال الحطاب في (مواهب الجليل) معللا سبب الاقتصار على المذاهب الأربعة دون غيرها: (قال القرافي: ورأيت للشيخ تقي الدين بن الصلاح ما معناه أن التقليد يتعين لهذه الأئمة الأربعة دون غيرهم؛ لأن مذاهبهم انتشرت وانبسطت حتى ظهر فيها تقييد مطلقها وتخصيص عامها وشروط فروعها فإذا أطلقوا حكما في موضع وجد مكملا في موضع آخر، وأما غيرهم فتنقل عنه الفتاوى مجردة فلعل لها مكملا أو مقيدا أو مخصصا لو انضبط كلام قائله لظهر فيصير في تقليده على غير ثقة، بخلاف هؤلاء الأربعة قال: وهذا توجيه حسن فيه ما ليس في كلام إمام الحرمين)(2).

أما المتساهلون فهم الذين لم يحكموا بوجوب التزام هذه المذاهب، ولم يحكموا بوجوب الاقتصار عليها، كما ورد في (البحر الرائق) وهو من كتب الحنفية المعتبرة: (فصل: يجوز تقليد من شاء من المجتهدين، وإن دونت المذاهب كاليوم وله الانتقال من مذهبه، لكن لا يتبع الرخص فإن تتبعها من المذاهب فهل يفسق وجهان)(3)

__________

(1) الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، أحمد بن غانم (أو غنيم) بن سالم ابن مهنا، شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي، دار الفكر، دط، 1415 هـ - 1995 م، ج 2، ص 356.

(2) مواهب الجليل في شرح مختصر الشيخ خليل، ج 1، ص 99.

(3) البحر الرائق شرح كنز الدقائق، زين الدين بن إبراهيم بن محمد، المعروف بابن نجيم المصري، دار الكتاب الإسلامي، ط 2، ج 6، ص 292.

صفحة ( 40)

وقال النووي، وهو شافعي المذهب: (الذي يقتضيه الدليل أنه لا يلزمه التمذهب بمذهب، بل يستفتي مَن شاء، أو مَنِ اتَّفق من غير تلقُّطٍ للرخص، ولعل مَن مَنَعَه لم يثق بعدم تلقطه)(1)

ونقل ابن عابدين في حاشيته عن الشرنبلالي قوله: (ليس على الإنسان التزامُ مذهب معين، وأنه يجوز له العمل بما يخالف ما عمله على مذهبه مقلدًا فيه غيرَ إمامه مستجمعًا شروطه، ويعمل بأمرين متضادين في حادثتين لا تعلق لواحدة منهما بالأخرى، وليس له إبطال عين ما فعله بتقليد إمام آخر؛ لأن إمضاء الفعل كإمضاء القاضي لا يُنقَض)(2)

وهكذا نجد المتساهلين والمتشددين في كل مذهب من المذاهب، والمتساهلون عادة يقتربون من المنهج السابق، أو ربما يميلون إلى المناهج الأخرى التي سنعرض لها في المباحث اللاحقة.

بناء على هذا سنعرض هنا - باختصار شديد - لمثل ما عرضنا إليه في المبحث السابق من أعلام هذا المنهج الذين يمثلونه، وأدلتهم، والمنهج أو الآليات التنفيذية التي يعتمدون عليها في الفتوى.

أولا ـ أعلامه:

ليس من الصعوبة التعرف على أعلام هذا المنهج، والذين مثلوه طيلة التاريخ الإسلامي، ذلك أنهم يكادون يمثلون أكثر فقهاء هذه الأمة، وتمثل كتبهم كثيرا من التراث الفقهي الضخم الذي وصل إلينا.

__________

(1) روضة الطالبين وعمدة المفتين، محيي الدين النووي، المكتب الإسلامي، بيروت، الطبعة الثانية، 1405 هـ، ج 11، ص 117.

(2) رد المحتار على الدر المختار (حاشية ابن عابدين)، محمد أمين عابدين، دار إحياء التراث العربي (بيروت)، الطبعة الثانية 1407 هـ، 1987 م، ج 1، ص 51.

صفحة ( 41)

وهذا الأمر غير مستغرب، ذلك أن الذين اعتمدوا فقه الدليل كانوا من النخبة، وهي محدودة عادة، بخلاف الذين انتهجوا هذا المنهج فهم في أحسن أحوالهم مجتهدون في إطار المذهب لا يخرجون عنه.

وقد ساعد على هذه الوفرة في الأعلام والمشايخ الفقهاء أنهم رأوا أن مذاهبهم هي التي تمثل الشريعة، وبالتالي فإن نصرتها أو التعصب لها نصرة للشريعة نفسها، ومن الأمثلة على ذلك – ولسنا ندري مدى دقته - ما ذكره تاج الدين السُبكي الشافعي (ت قرن: 8 هـ) عن الحافظ عبد الله الأنصاري الهروي الحنبلي (ت 481 هـ) من شدة تمسكه بالمذهب الحنبلي إلى درجة أنه كان ينشد على المنبر:

أنا حنبلي ما حييتُ وإن متُ فوصيتي للناس أن يتحنبلوا

حتى أنه أيضا ترك الرواية عن شيخه القاضي أبي بكر الحيري لكونه أشعريا (1).

ولم يكن أمر العلماء أو طلبة العلم قاصرا على تمسكهم بمذاهبهم أو تعصبهم لها فقط، وإنما برز بنوع من العداوة للمخالفين لهم، وقد ساهم ذلك في تعميق هذا المنهج، ليصبح كل مذهب وكأنه شريعة من الشرائع مستقلا عن غيره.

ومن الأمثلة على هذا الفقيه الحنفي أبو عبد الله محمد البلاساغوني التركي (ت 506 ه)، والذي كان شديد التعصب للمذهب الحنفي، وشديد العداوة لمخالفيه، وخصوصا من المذهب الشافعي، وقد حكي عنه – ولسنا ندري مدى دقة ذلك- أنه كان يقول: (لو كان لي ولاية لأخذتُ الجزية من الشافعية)(2)

__________

(1) طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، حققه محمد الطناجي، ط 2، الجيزة، دار هجر، 1992، ج 2، ص 473..

(2) معجم البلدان، شهاب الدين أبو عبد الله ياقوت بن عبد الله لرومي الحموي، دار صادر، بيروت، ط 2، 1995 م ج 1، ص 476.

صفحة ( 42)

ومن الأمثلة الفقيه الشافعي أبو المظفر محمد بن محمد البروي (ت 567 ه)، وقد كان متعصبا للشافعي مناوئا للحنابلة، وكان يقول عنهم: (لو أن لي أمر لوضعتُ على الحنابلة الجزية)، وقد حصل له بسبب هذا أن دس له بعض الحنابلة من أهدى له شيئا فمات (1).

وهكذا، فإن التعصب الشديد لأصحاب المذاهب جعل فقهاء كل المذاهب يتنافسون في تكثير سواد التلاميذ وطلبة العلم على الأسس التي تمسكوا بها، ليتمكنوا من نشر المذهب والحفاظ على وجوده، وقد استخدموا لأجل هذا صنفين من الناس:

1 ـ الساسة والحكام: باعتبارهم من أولي الأمر الذين تجب طاعتهم، وبالتالي فإن الوصول إلى هؤلاء يضمن للمذهب الانتشار الواسع.

وكمثال على ذلك دولة المرابطين (453 - 541 ه) التي استطاعت أن تطبع المغرب العربي بطابع المذهب المالكي (2)، في مقابل دولة الموحدين (441 - 668 ه)

__________

(1) طبقات الفقهاء الشافعيين، أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي البصري ثم الدمشقي، تحقيق: د أحمد عمر هاشم، د محمد زينهم محمد عزب، مكتبة الثقافة الدينية، 1413 هـ، ج 2، ص 671.

(2) العبر، الذهبي، حققه صلاح الدين المنجد، ط 2، الكويت، مطبعة حكومة الكويت، 1984، ج 4 ص: 60، ومما رواه في هذا ما حصل للفقيه المالكي محمد بن زرقون (ت 622 ه)، ذلك أنه لما أمر السلطان الموحدي يوسف بن يعقوب بعدم قراءة كُتب الفروع عامة والمالكية خاصة، استمر ابن زرقون في تدريس الفقه المالكي متحديا لأمر السلطان، فلما ظُفر به يُدرّس الفقه أُخذ للقتل صبرا (نحو سنة 591 ه)، ثم سُجن ولم يُقتل، فطال سجنه وأحرقت كتبه (سيّر أعلام النبلاء، الذهبي، حققه بشار عواد، بيروت، مؤسسة الرسالة ج 22 ص: 311)

صفحة ( 43)

التي حاربت التمذهب عامة، واشتدت على خُصومها من المرابطين، فكفّرتهم واستباحت دماءهم (1).

بالإضافة إلى ما لهؤلاء الحكام من قدرة على بناء المدارس والمساجد التي ترسخ الانتماء المذهبي، وكمثال على ذلك الملك قطب الدين محمد بن الملك صاحب سنجار الزنكي (ت بعد:594 ه) الذي كان حنفيا مناوئا للشافعية، وقد بنى لأجل هذا مدرسة للحنفية بمدينة سنجار، وجعل النظر فيها للحنفية، بل اشترط أن يكون بواب المدرسة وفراشها على المذهب الحنفي (2).

ولأجل هذا انتشرت المدارس والمساجد المرتبطة بالمذاهب المختلفة، والتي لا يمكن ذكرها هنا لكثرتها (3)، وقد كان لها دور كبير في إمداد المذاهب الفقهية بالكثير من العلماء وطلبة العلم، وهذا ما كان سببا في كثرتهم وكثرة مصنفاتهم.

بالإضافة إلى هذا فقد كان الجهاز القضائي في الدولة بيد أصحاب المذاهب، وقد كان لذلك دوره الكبير في انتشار هذه المذاهب.

يقول المقريزي: (فلما كانت سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداريّ، ولي بمصر والقاهرة أربعة قضاة، وهم شافعيّ ومالكيّ وحنفيّ وحنبليّ. فاستمرّ ذلك من سنة خمس وستين وستمائة، حتى لم يبق في مجموع أمصار الإسلام مذهب يعرف من مذاهب أهل الإسلام سوى هذه المذاهب الأربعة، وعقيدة الأشعريّ، وعملت

__________

(1) الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى، الناصري احمد بن خالد، الدار البيضاء، دار الكتاب، ط 1، 1997 ج 1 ص: 125.

(2) وفيات الأعيان، ابن خلكان، حققه إحسان عباس، دار الثقافة، 1968. ج 2 ص: 331.

(3) للتوسع في ذلك انظر: الدارس في تاريخ المدارس، عبد القادر النعيمي، حققه جعفر الحسيني، دمشق، المجمع العلمي، 1951.

صفحة ( 44)

لأهلها المدارس والخوانك والزوايا والربط في سائر ممالك الإسلام، وعودي من تمذهب بغيرها، وأنكر عليه، ولم يولّ قاض ولا قبلت شهادة أحد ولا قدّم للخطابة والإمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلدا لأحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاء هذه الأمصار في طول هذه المدّة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ما عداها، والعمل على هذا إلى اليوم)(1)

وقد أشار الشوكاني إلى الدور الذي يمارسه القضاة في ترسيخ المذاهب، فقال: (وقد امتحن الله تلك الديار بقضاة من المالكية يتجرؤون على سفك الدماء، بما لا يحل به أدنى تعزير، فأراقوا دماء جماعة من أهل العلم جهالة وضلالة وجرأة على الله، ومخالفة لشريعة رسول الله، وتلاعبا بدينه، بمجرد نُصوص فقهية، واستنباطات فروعية ليس عليها أثارة من علم، فإنا لله وإنا إليه راجعون)(2)

2 ـ العامة والدهماء: والذين انتشر التعصب المذهبي بينهم، فجعلهم لا يهتمون ولا يستفتون إلا من يرون فيه ما رسخ فيهم من تمسك بالمذهب وتعصب له، بل وصل الأمر بهم إلى إيذاء المخالفين، وحصلت بسبب ذلك الفتن بين أتباع المذاهب المختلفة.

ومن الأمثلة على هذا ما ذكره المؤرخون في أحداث سنة 447 هجرية حيث حصلت فتنة بين الحنابلة والشافعية ببغداد، كان من أسبابها جهر الشافعية بالبسملة في الصلاة، فانقسمت العامة بين مؤيد ومخالف لهم، ثم انحازت كل طائفة إلى الطرف الذي مالت إليه، ثم توجه الحنابلة إلى أحد مساجد الشافعية، ونهوا إمامه عن الجهر

__________

(1) المواعظ والاعتبار بذكر الخطط والآثار، أحمد بن علي، تقي الدين المقريزي، دار الكتب العلمية، بيروت، ط 1، 1418 هـ، ج 3 ص 390.

(2) البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع، محمد بن علي بن محمد بن عبد الله الشوكاني اليمني، دار المعرفة - بيروت، ج 1، ص 21..

صفحة ( 45)

بالبسملة، ثم تطور النزاع إلى الاقتتال، فتقوى جانب الحنابلة وتقهقر جانب الشافعية، حتى أُلزموا البيوت، ولم يقدروا على حضور صلاة الجمعة ولا الجماعات، خوفا من الحنابلة (1).

والأمثلة على هذا أكثر من أن تحصر، وقد ساهمت جميعا في ترسيخ المذاهب، والاهتمام بتكوين الفقهاء فيها، حتى يتقوى كل طرف على الأطراف الأخرى.

ثانيا ـ أدلته:

يستند أصحاب هذا المنهج إلى أدلة كثيرة نلخص أهمها فيما يلي:

الدليل الأول:

صعوبة الاجتهاد، بل استحالته على العامة وطلبة العلم، بل لا يصل إلى الاجتهاد بحسب الشروط التي قرروها إلا الثلة القليلة من العلماء، والذين لا يعدون في تصورهم أصحاب المذاهب الأربعة ونظراؤهم.

وقد أجاب الشيخ عليش في فتاواه عن سؤال قال صاحبه: (ما قولكم فيمن كان مقلدا لأحد الأئمة الأربعة م وترك ذلك زاعما أنه يأخذ الأحكام من القرآن والأحاديث الصحيحة تاركا لكتب الفقه مائلا لقول أحمد بن إدريس بذلك قائلا: إن كتب الفقه لا تخلو من الخطأ، وفيها أحكام كثيرة مخالفة للأحاديث الصحيحة، وكيف تترك الآيات والأحاديث الصحيحة وتقلد الأئمة في اجتهادهم المحتمل للخطأ، وقائلا أيضا لمن تمسك بكلام الأئمة ومقلديهم أنا أقول لكم: قال الله أو قال رسول الله

__________

(1) أرخت الكثير من المراجع التاريخية لأمثال هذه الأحداث، منها على سبيل المثال: الكامل في التاريخ، ابن الأثير، حققه عبد الله القاضي، ط 2، بيروت، دار الكتب العلمية، 1995، ج 8 ص: 73.

صفحة ( 46)

صلى الله عليه وآله وسلم وأنتم تقولون قال مالك أو ابن القاسم أو خليل، فتقابلون كلام الشارع المعصوم من الخطأ بكلام من يجوز عليهم الخطأ)(1)

فكتب في الجواب: (.. لا يجوز لعامي أن يترك تقليد الأئمة الأربعة ويأخذ الأحكام من القرآن والأحاديث؛ لأن ذلك له شروط كثيرة مبينة في الأصول لا توجد في أغلب العلماء ولا سيما في آخر الزمان الذي عاد الإسلام فيه غريبا كما بدأ غريبا، ولأن كثيرا من القرآن والأحاديث ما ظاهره صريح الكفر ولا يعلم تأويله إلا الله تعالى والراسخون في العلم)(2)

واستدل لهذا بما ورد عن السلف من خطورة الرجوع إلى الكتاب والسنة وحدهما من غير استناد إلى رؤية المجتهدين من الفقهاء، فنقل عن ابن عيينه قوله: (الحديث مضلة إلا للفقهاء)، وعلق عليه بقوله: (يريد أن غيرهم قد يحمل الشيء على ظاهره وله تأويل من حديث غيره أو دليل يخفى عليه أو متروك أوجب تركه غير شيء مما لا يقوم به إلا من استبحر وتفقه)(3)

ونقل عن عبد الرحمن بن مهدي قوله: (السنة المتقدمة من سنة أهل المدينة خير من الحديث)

ونقل عن النخعي قوله: (لو رأيت الصحابة يتوضئون إلى الكوعين لتوضأت كذلك وأنا أقرؤها إلى المرافق؛ وذلك لأنهم لا يتهمون في ترك السنن وهم أرباب

__________

(1) فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك، محمد بن أحمد بن محمد عليش، أبو عبد الله المالكي (المتوفى: 1299 هـ)، دار المعرفة، ج 1، ص 85.

(2) فتح العلي المالك، ج 1، ص 90.

(3) فتح العلي المالك، ج 1، ص 90.

صفحة ( 47)

العلم وأحرص خلق الله على اتباع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولا يظن ذلك بهم أحد إلا ذو ريبة في دينه)(1)

وقد رد أصحاب المنهج الاستدلالي على هذا ببيان سهولة الاجتهاد، وأنه ليس بالصعوبة التي يعتقدها المقلدون، ومن الردود المفصلة في هذا ما رد به ابن الوزير (ت: 840 هـ) في كتابه (العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم)، فقد ذكر الآثار الكثيرة عن السلف، والتي تدل على أن الاجتهاد لا يحتاج إلى كل التعقيدات التي وضعها المذهبيون، يقول في ذلك: (إن اجتهادَ أولئك يَدُلُّ على سُهولَةِ الاجتهاد، لأن الظاهِرَ من أحوالهم أنَّهم ما اشتغلوا بالعلم مِثْلَ اشتغال المتأخرين، ولا قريباً منه، وكان الواحدُ منهم يَحْفَظُ مِنَ السُّنة ما اتفق أنَّه سَمِعَه من النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم مِن غيرِ درس لِما سَمِعَهُ، ولا تعليقٍ ولا مبالغةٍ في طلب النصوص مِن سائر أصحابه، وإنما كانوا يبحثون عندَ حدوثِ الحادثة عن الأدلة، فهذا أبو بكرٍ ما درى كَمْ نَصِيبُ الجَدَّةِ من الميراث، وأدنى طلبةِ العلمِ في زماننا لا يخفي عليه أنَّ لَهَا السُّدُسَ حتى قامَ فيهم وسألهم، ولو أن رجلاً ممن يَدَّعي الاجتهادَ في زماننا ما عَرَفَ نصيبَ الجدة، لكثَّر عليه أهلُ التعسير للاجتهاد، وعَظَّمُوا هذا عليه.. وكذلك عُمَر ما كان يَعْرِفُ النصوصَ في دِيَةِ الأصابع، وتوريثِ المرأه من دِية زوجها وكذلك ابنُ عباس قال: لا ربا إِلاُّ في النَّسيئة حتى بلغه النص، وكذلك ما عَرَفَ أن المُتْعَةَ منسوخةٌ)(2)

ثم تتبع كل الشروط التي وضعها المذهبيون شرطا شرطا، وبين أنها ليست بالصورة التي وضعوها، وأن قصدهم من ذلك ليس إلا غلق باب الاجتهاد.

__________

(1) فتح العلي المالك، ج 1، ص 90.

(2) العواصم والقواصم في الذب عن سنة أبي القاسم، ابن الوزير، محمد بن إبراهيم، تحقيق: شعيب الأرنؤوط، مؤسسة الرسالة للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ط 3، 1415 هـ - 1994 م، ج 2، ص 27.

صفحة ( 48)

الدليل الثاني:

أن وجود الأدلة وعدمها سواء بالنسبة للعامة، وغير من توفرت فيهم ملكة الاجتهاد، ولذلك لا مفر لهم من التقليد، وقد استدلوا لذلك بقوله تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (1)، يقول الشاطبي مبينا وجه الاستدلال بالآية على جواز التقليد، بل وجوبه: (والدليل عليه أن وجود الأدلة بالنسبة إلى المقلدين وعدمها سواء؛ إذ كانوا لا يستفيدون منها شيئا؛ فليس النظر في الأدلة والاستنباط من شأنهم، ولا يجوز ذلك لهم ألبتة وقد قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (2)، والمقلد غير عالم؛ فلا يصح له إلا سؤال أهل الذكر، وإليهم مرجعه في أحكام الدين على الإطلاق، فهم إذن القائمون له مقام الشارع، وأقوالهم قائمة مقام أقوال الشارع)(3)

ويبين الشيخ محمد حسنين مخلوف أن أقوال المجتهدين ليست سوى ترجمة للمصادر الشرعية، ولذلك فإن التلقي منها هو تلق من المصادر مباشرة، يقول في ذلك: (وقد اعتبر الأصوليون وغيرهم أقوال المجتهدين في حق المقلدين القاصرين كالأدلة الشرعية في حق المجتهدين، لا لأن أقوالهم لذاتها حجة على الناس تثبت بها الأحكام الشرعية كأقوال الرسل عليهم الصلاة والسلام فإن ذلك لا يقول به أحد؛ بل لأنها مستندة إلى مآخذ شرعية بذلوا جهدهم في استقرائها وتمحيص دلائلها مع عدالتهم وسعة اطلاعهم واستقامة أفهامهم وعنايتهم بضبط الشريعة وحفظ

__________

(1) سورة النحل: 43.

(2) سورة النحل: 43.

(3) الموافقات، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عفان، ط 1، 1417 هـ/ 1997 م، ج 5، ص 337.

صفحة ( 49)

نصوصها، ولذلك شرطوا في المستثمر للأدلة المستنبط للأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية - لكونها ظنية لا تنتج إلا ظنا - أن يكون ذا تأهل خاص وقوة خاصة وملكة قوية يتمكن بها من تمحيص الأدلة على وجه يجعل ظنونه بمثابة العلم القطعي صونا لأحكام الدين عن الخطأ بقدر المستطاع)(1)

ومن هذا المنطلق بين أن التقليد على العوام واجب، كما أن الاجتهاد على غيرهم ممن توفرت فيهم أدوات الاجتهاد واجب، يقول في ذلك: (وكما أمر الله تعالى ورسوله المستعدِّين للاجتهاد ببذل الوسع في النظر في المآخذ الشرعية لتحصيل أحكامه تعالى، أمر القاصرين عن رتبة الاجتهاد من أهل العلم باتِّباعهم والسعي في تحصيل ما يؤهلهم لبلوغ هذا المنصب الشريف، أو ما هو دونه حسب استعدادهم في العلم والفهم، وأمر العامَّة الذين ليسوا من أهل العلم بالرجوع إلى العلماء والأخذ بأقوالهم كما قال تعالى: {فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (2)، أي: بحكم النازلة ليخبروكم بما استنبطوه من أدلة الشريعة مقرونًا بدليله من قول الله، أو قول رسوله، أو مجردا عنه، فإن ذكر الدليل من المجتهد أو العالم الموثوق به بالنسبة لمَن لم يعلم حكم الله في النازلة غير لازم خصوصًا إذا كان ممَّن لا يفهم وجه الدلالة كأكثر عامَّة الأمة، أو كان الدليل ذا مقدمات يتوقف فهمها وتقريب الاستدلال بها على أمور ليس للعامي إلمام بها)(3)

الدليل الثالث:

__________

(1) بلوغ السول في مدخل علم الأصول، محمد حسنين محلوف، مطبعة مصطفى الحلبي، ص 15.

(2) سورة النحل: 43.

(3) بلوغ السول في مدخل علم الأصول، محمد حسنين محلوف، مطبعة مصطفى الحلبي، ص 15.

صفحة ( 50)

أن هناك مصالح كثيرة لا تتحقق إلا باتباع المذاهب الأربعة خصوصا، يقول الدهلوي: (مما يناسبُ هذا المقام التنبيه على مسائل ضلت في بواديها الأفهامُ، وزلت الأقدام، وطغت الأقلام منها أنَّ هذه المذاهب الأربعة المدونة قد اجتمعتِ الأمةُ أو من يعتدُّ به منها على جواز تقليدها إلى بومنا هذا وفي ذلك من المصالح ما لا يخفى لا سيما في هذه الأيام التي قصرت فيها الهمم، وأشربتِ النفوسُ الهوى، وأعجبَ كلُّ ذي رأي برأيه)(1)

الدليل الرابع:

ما ورد من الأدلة على أنه يجوز خلو العصر عن المجتهد، قال الزركشي ذاكرا هذا، ومن قال بها من العلماء: (يجوز خلو العصر عن المجتهد عند الأكثرين وجزم به في المحصول، وقال الرافعي: الخلق كالمتفقين على أنه لا مجتهد اليوم ولعله أخذه من الإمام الرازي، أو من قول الغزالي في الوسيط: قد خلا العصر عن المجتهد المستقل ونقل الاتفاق فيه عجيب، والمسألة خلافية بيننا وبين الحنابلة، وساعدهم بعض أئمتنا، والحق أن الفقيه الفطن القياس كالمجتهد في حق العامي، لا الناقل فقط)(2)

وقد أوردوا الأدلة الكثيرة على هذا، وردوا بشدة على من زعم لنفسه القدرة على الاجتهاد من أمثال السيوطي وبقي بن مخلد وابن حزم وغيرهم.

ولهذا نرى عالما كالسيوطي يحاول بكل الوسائل أن يبرهن لأهل عصره أنه قد بلغ مرتبة الاجتهاد، وأن دعوى غلق باب الاجتهاد غير صحيحة، يقول في رسالته

__________

(1) حجة الله البالغة، أحمد بن عبد الرحيم المعروف بـ (الشاه ولي الله الدهلوي، تحقيق: السيد سابق، دار الجيل، بيروت - لبنان، ط 1، 1426 هـ - 2005 م. ج 1، ص 263.

(2) البحر المحيط في أصول الفقه، ج 8 / ص 240.

صفحة ( 51)

(التحدث بنعمة الله): (فقد بلغتُ ولله الحمد والمنة، رُتبة الاجتهاد المطلق في الأحكام الشرعية وفي الحديث النبوي، وفي العربية)(1)

بل إنه فوق ذلك يُصرح بأنهُ مجدد المائة التاسعة، يقول: (فإن ثم من ينفخ أشداقهُ ويدعي مناظرتي، ويُنكر عليّ دعوى الاجتهاد والتفرد بالعلم على رأس هذهِ المئة، ويزعم أنهُ يُعارضُني ويستجيش عليّ بمن لو اجتمع هو وهُم في صعيد واحدٍ ونفخت عليهم نفخة صاروا هباءاً منثوراً)(2)

ولأجل هذا كتب كتابه المعروف (الرد على من أخلد إلى الارض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض)(3)

ولأجله أيضا كثرت كتبه ورسائله، لأنه كان يكتب في كل مسألة يختلف فيها مع المخالفين كتابا أو رسالة، مثل: (طرز العمامة في التفرقة بين المقامة والقمامة)، و(الاستنصار بالواحدِ القهار)، و(الكاوي في تاريخ السخاوي)

وقد نقل عنه بعض تلاميذه قوله: (وخالفتُ أهل عصري في خمسين مسألة، فألفتُ في كُلِ مسألة مؤلفاً أثبتُ فيه وجه الحق)(4)

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

__________

(1) التحدث بنعمة الله، السيوطي، تحقيق: إليزابيث ماري سارتين، المطبعة العربية الحديثة، مصر، 1972 م، ص 205.

(2) الكشف عن مجاوزة هذهِ الأمة الألف، مطبوعة ضمن الحاوي للفتاوي، جلال الدين عبد الرحمن السيوطي، دار الفكر، بيروت، ج 2، ص 86.

(3) طبع في دار الكتب لعلمية 1403، هـ في مجلد بتحقيق (خليل الميس)

(4) الطبقات الصُغرى، عبد الوهاب الشعراني، تحقيق: عبدالقادراحمد عطا، مكتبة القاهرة، مصر، 1970 م، ص 20.

صفحة ( 52)

بناء على ما ذكرنا سابقا من كثرة أعلام هذا المنهج، وكثرة تصانيفهم في جميع العلوم الشرعية، فإنه ليس من الصعوبة التعرف على منهج الفتوى عندهم، فهم ينطلقون من الآراء التي اختارها أئمة مذاهبهم أو أتباعهم الكبار باعتبارها أصلا يبنى عليه، وتفسر جميع النصوص على أساسه، بل وصل الأمر إلى أن تصبح كالمصادر الأصلية نفسها يقاس عليها ويستنبط منها، وهذا ما يسمى عندهم بمجتهد المذهب، أو مجتهد التخريج (1).

وأدنى منه من كانت له القدرة على الترجيح بين أقوال إمامه المذكورة في المذهب، ويطلق عليه (مجتهد الترجيح)(2)

وأدنى منه (مجتهد الفتوى)(3)، وهو من كانت له القدرة على فهم فقه مذهبه مع حفظه له، أو لأكثره وفهمه لضوابطه وتخريجات أصحابه، ويستطيع

__________

(1) معنى التخريج في الاصطلاح الفقهي: بناء فرع على أصل بجامع مشترك، وله طريقان: الأول يكون من القواعد الكلية، والثاني: يسمى التخريج بالنقل، بأن يجعل نص الإمام أصلا، ويقاس عليه. انظر: نوار بن الشلي، التخريج المذهبي أصوله ومناهجه، الرباط،1997، ص 52.

(2) انظر: يعقوب بن عبد الوهاب الباحسين، التخريج عند الفقهاء والأصوليين، الرياض، مكتبة الرشاد،1414 هـ، ص 313.

(3) الرد على من أخلد إلى الارض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض، السيوطي، تحقيق: خليل الميس، دار الكتب لعلمية 1403 هـ، ص 116.

صفحة ( 53)

الرجوع إلى مصادر هذا المذهب؛ غير أن عنده ضعفا في تقرير أدلته وتحرير أقيسته (1).

وهذا التقسيم نجده عند جميع أتباع المذاهب الأربعة، وإن اختلفت عباراتهم في ذلك.

ومن الأمثلة على ذلك هذا التقسيم الذي ذكره القرافي في كتابه (أنوار البروق في أنواء الفروق) تحت عنوان: (الفرق بين قاعدة من يجوز له أن يفتي وبين قاعدة من لا يجوز له أن يفتي)(2) فقد قسم الأحوال التي يكون عليها طلبة الفقه المالكي وعلماؤه إلى الأحوال التالية:

الحالة الأولى: وهي من يشتغل بمختصر من مختصرات مذهبه فيه مطلقات مقيدة في غيره وعمومات مخصوصة في غيره

والحكم في هذه الحالة - كما يقرر القرافي - هو أنه (متى كان الكتاب المعين حفظه وفهمه كذلك، أو جوز عليه أن يكون كذلك حرم عليه أن يفتي بما فيه وإن أجاده حفظا وفهما إلا في مسألة يقطع فيها أنها مستوعبة التقييد، وأنها لا تحتاج إلى معنى آخر من كتاب آخر، فيجوز له أن ينقلها لمن يحتاجها على وجهها من غير زيادة ولا نقصان، وتكون هي عين الواقعة المسئول عنها لا أنها تشبهها ولا تخرج عليها بل

__________

(1) أدب الفتوى وشروط المفتي وصفة المستفتي وأحكامه وكيفية الفتوى والاستفتاء، ابن الصلاح الشهر زوري، تحقيق: فوزي عبد المطلب، القاهرة، مكتبة الخانجي، ط 1، 1992.، ص 47..

(2) أنوار البروق في أنواء الفروق، أبو العباس شهاب الدين أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن المالكي الشهير بالقرافي، عالم الكتب، ج 2، ص 107.

صفحة ( 54)

هي هي حرفا بحرف لأنه قد يكون هنالك فروق تمنع من الإلحاق أو تخصيص أو تقييد يمنع من الفتيا بالمحفوظ فيجب الوقف)(1)

الحالة الثانية: أن يتسع تحصيل الطالب في المذهب بحيث يطلع من تفاصيل الشروحات والمطولات على تقييد المطلقات وتخصيص العمومات، ولكنه مع ذلك لم يضبط مدارك إمامه ومسنداته في فروعه ضبطا متقنا، بل سمعها من حيث الجملة من أفواه الطلبة والمشايخ.

والحكم في هذه الحالة كما يقرر القرافي، هو أنه (يجوز له أن يفتي بجميع ما ينقله ويحفظه في مذهبه اتباعا لمشهور ذلك المذهب بشروط الفتيا، ولكنه إذا وقعت له واقعة ليست في حفظه لا يخرجها على محفوظاته، ولا يقول هذه تشبه المسألة الفلانية لأن ذلك إنما يصح ممن أحاط بمدارك إمامه وأدلته وأقيسته وعلله التي اعتمد عليها مفصلة ومعرفة رتب تلك العلل ونسبتها إلى المصالح الشرعية، وهل هي من باب المصالح الضرورية أو الحاجية أو التتميمية، وهل هي من باب المناسب الذي اعتبر نوعه في نوع الحكم أو جنسه في جنس الحكم، وهل هي من باب المصلحة المرسلة التي هي أدنى رتب المصالح أو من قبيل ما شهدت لها أصول الشرع بالاعتبار أو هي من باب قياس الشبه أو المناسب أو قياس الدلالة أو قياس الإحالة أو المناسب القريب إلى غير ذلك من تفاصيل الأقيسة ورتب العلل في نظر الشرع عند المجتهدين)(2)

ثم علل هذه المحدودية بما ذكرناه عن أصحاب هذا المنهج من أنهم يعتبرون أقوال الأئمة أصلا يمكن أن يتعامل معه الفقيه كما يتعامل مع المصادر الأصلية نفسها، يقول: (وسبب ذلك أن الناظر في مذهبه والمخرج على أصول إمامه نسبته إلى مذهبه وإمامه كنسبة إمامه إلى صاحب الشرع في اتباع نصوصه، والتخريج على مقاصده،

__________

(1) المرجع السابق، ج 2، ص 107.

(2) المرجع السابق، ج 2، ص 107.

صفحة ( 55)

فكما أن إمامه لا يجوز له أن يقيس مع قيام الفارق لأن الفارق مبطل للقياس والقياس الباطل لا يجوز الاعتماد عليه، فكذلك هو أيضا لا يجوز له أن يخرج على مقاصد إمامه فرعا على فرع نص عليه إمامه مع قيام الفارق بينهما لكن الفروق إنما تنشأ عن رتب العلل وتفاصيل أحوال الأقيسة فإذا كان إمامه أفتى في فرع بني على علة اعتبر فرعها في نوع الحكم لا يجوز له هو أن يخرج على أصل إمامه فرعا مثل ذلك الفرع لكن علته من قبيل ما شهد جنسه لجنس الحكم فإن النوع على النوع مقدم على الجنس في النوع ولا يلزم من اعتبار الأقوى اعتبار الأضعف)(1)

الحالة الثالثة: وهي أن يتحقق طالب العلم بالتمكن من المذهب أصوله وفروعه، وحكم هذا كما يذكر القرافي هو أنه (يجوز له أن يفتي في مذهبه نقلا وتخريجا ويعتمد على ما يقوله في جميع ذلك)(2)

وقد نقل ابن فرحون عن المازري: أن الذي يتصدى للفتوى، أقل مراتبه أن يكون قد استبحر في الاطلاع على روايات المذهب، وتأويل الأشياخ لها، وتوجيههم لما وقع من الاختلاف فيها وتشبيههم مسائل بمسائل سبق إلى الذهن تباعدها، وتفريعهم بين مسائل يقع في النفس تقاربها (3).

وبهذا فإن الفتيا في هذا المنهج لا تعتمد المصادر الأصلية إلا على سبيل التبعية، فالنص عندهم هو الذي ينقاد للمذهب، لا المذهب ينقاد للنص، كما هو عليه الحال في المنهج السابق.

__________

(1) المرجع السابق، ج 2، ص 108.

(2) المرجع السابق، ج 2، ص 110.

(3) تبصرة الحكام، ابن فرحون، مكتبة الكليات الأزهرية، القاهرة، ط 1، 1986، ج 1، ص 76.

صفحة ( 56)

وبناء على هذا ألفت التفاسير وشروح الحديث الكثيرة، والتي تختلف الفهوم فيها باختلاف المذاهب التي يتبعها أصحاب تلك الكتب، وقد برز التعصب المذهبي وآثاره على تلك المصنفات، حيث أصبحت الآيات تفسر على قواعد المذهب في استنباط الأحكام، وأخرجت للناس تفاسير لا نكاد نجد بينها وبين أمهات كتب الفقه كبير فارق، وخالط بعضها تعصب للمذهب مذموم، وجاء بعضها الآخر محموداً (1)

ومن الأمثلة على ذلك الفقيه المالكي ابن العربي صاحب (حكام القرآن) الذي يقول عنه محمد حسين الذهبي: (إن الكتاب يعتبر مرجعاً مهماً للتفسير الفقهى عند المالكية، وذلك لأن مؤلفه مالكى تأثر بمذهبه، فظهرت عليه فى تفسيره روح التعصب له، والدفاع عنه، غير أنه لم يشتط فى تعصبه إلى الدرجة التي يتغاضى فيها عن كل زَلَّة علمية تصدر من مجتهد مالكي، ولم يبلغ به التعسف إلى الحد الذى يجعله يفند كلام مخالفه إذا كان وجيهاً ومقبولاً، والذى يتصفح هذا التفسير يلمس منه روح الإنصاف لمخالفيه أحياناً، ما يلمس منه روح التعصب المذهبي التي تستولى على صاحبها فتجعله أحياناً كثيرة يرمى مخالفه وإن كان إماماً له قيمته ومركزه بالكلمات المقذعة اللاذعة، تارة بالتصريح، وتارة بالتلويح. ويظهر لنا أن الرجل كان يستعمل عقله الحر، مع تسلط روح التعصب عليه، فأحياناً يتغلب العقل على التعصب، فيصدر حكمه عادلاً لا تكدره شائبة التعصب، وأحياناً - وهو الغالب - تتغلب العصبية المذهبية على العقل، فيصدر حكمه مشوباً بالتعسف، بعيداً عن الإنصاف)(2)

__________

(1) انظر: اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر، د. فهد الرومي، طبع بإشراف إدارة البحوث العلمية، الرياض، الطبعة الأولى،1407، ج 2، ص 714.

(2) التفسير والمفسرون، الدكتور محمد السيد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة ج 2، ص 331.

صفحة ( 57)

وقد خصص أصحاب هذا المنهج للمتغيرات الحاصلة في كل عصر ما يسمونه بكتب (النوازل)، والمؤلفات فيها كثيرة جدا، ومعظمها لا يكاد يخرج عن المذهب الذي اعتمده.

ومن الأمثلة على ذلك في المذهب الحنفي الفتاوى العالمكيرية، المشهورة باسم (الفتاوى الهندية)، وهي منسوبة إلى الملك محمد أورنك زيب، ويلقب بعالمكير، أي فاتح العالم، وقد بسط سلطانه على الهند من سنة [1029 إلى 1119 هـ / 1608 - 1707 م] وقد جمع هذا الملك لتأليف هذا الكتاب فقهاء الحنفية في عصره، برئاسة الشيخ (نظام الدين) وأجرى عليهم النفقات، ثم انتخبوا من جمع كتب المذهب الحنفي أصح ما قيل فيها من الأحكام وصاغوها في هذا المؤلَف مع عزو كل حكم إلى مصدره، فاحتوى على ما لا يوجد في سواه، طبعت هذه الفتاوى لأول مرة سنة 1282 هـ بمصر في ستة مجلدات ضخمة (1).

ومن أهمها في المذهب الشافعي (فتاوى الإمام النووي)، واسمه (المنثورات وعيون المسائل المهمات) درسه وحققه، أحمد عطاء وطبعه بمؤسسة الكتب الثقافية في جزء واحد فقط، يقول النووي في المقدمة: (ولا ألتزم فيها ترتيبا، لكونها حسب الوقائع فإن كملت يرجى ترتيبها.. وألتزم فيها الإيضاح وتقريبها إلى أفهام المبتدئين ممن لا اختلاط لهم بالفقهاء، لتكون أعم نفعا)(2)

__________

(1) المدخل الفقهي العام، مصطفى أحمد الزرقا، دار الفكر، دمشق، ط 9، 1998، ج 1، ص 190.

(2) الفتاوى، النووي، تحقيق: عبد القادر أحمد عطاء، لبنان، مؤسسة الكتب الثقافية، ط 2، 1988، ص 17.

صفحة ( 58)

ومنها الحاوي للفتاوى للسيوطي، وفتاوى شيخ الإسلام زكريا الأنصاري الشافعي، والفتاوى الكبرى لابن حجر الهيثمي (1).

وفي الفقه الحنبلي نجد (فتاوى شيخ الإسلام ابن تيمية): (وقد طبعت عدة مرات وآخرها تلك المجموعة التي استلها جامعها من مختلف المكتبات والكتب، وطبعها بالمملكة السعودية في سبعة وثلاثين مجلدا، المجلدان الأخيران فهارس للفتاوى)(2)

أما في الفقه المالكي، فهي كثيرة جدا، وأهمها: (المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى علماء إفريقية والأندلس والمغرب) لأبي العباس الونشريسي، وقد جمع فيه فتاوى المتقدمين والمتأخرين من علماء المغرب والأندلس، وزاد فيه فتاويه الخاصة.

المبحث الثالث

المنهج المذاهبي

نريد بالمنهج المذاهبي المنهج الذي يتميز أصحابه بثلاث خصائص:

الأولى: أنهم لا يرون ضرورة الالتزام بالمذهب الواحد، على عكس أصحاب المنهج المذهبي.

الثانية: أنهم يرون صعوبة الاجتهاد أو سد بابه، ولهذا لا يرون ضرورة العودة إلى النصوص مباشرة لاستنباط الأحكام منها، على خلاف المنهج الاستدلالي.

الثالثة: وهي التي على أساسها اكتسبوا هذا الوصف، وهي أنهم يرون أن كل ما كتبه الفقهاء سواء كانوا من أتباع المذاهب الأربعة أو غيرهم، يمكن الاعتماد عليه

__________

(1) تاريخ الفقه الإسلامي، عمر سليمان الأشقر، الجزائر، قصر الكتاب، 1990، ص 135.

(2) ابن تيمية، أبو زهرة، مصر، دار الفكر العربي، 1991، ص 433 وما بعدها.

صفحة ( 59)

والرجوع إليه، إما لاعتبارهم أن كل مجتهد في الفروع مصيب، أو أن المصيب واحد ولكن لا نستطيع أن نعينه.

وبناء على هذا فإن المفتي على حسب هذا المنهج يبحث في كل التراث الفقهي عن المسألة التي سئل عنها، ويورد الأقوال فيها ليترك للمستفتي حرية الاختيار بينها.

بناء على هذا سنعرض هنا - باختصار شديد - لمثل ما عرضنا إليه في المبحثين السابقين من أعلام هذا المنهج الذين يمثلونه وأدلتهم والمنهج أو الآليات التنفيذية التي يعتمدون عليها في الفتوى.

أولا ـ أعلامه:

على عكس ما ذكرنا في المنهج السابق، فإن عدد المتبنين لهذا المنهج في الواقع الإسلامي، طيلة التاريخ الإسلامي محدود جدا، لأنه لا ينطبق إلا على القائلين بأن كل مجتهد في الفروع مصيب، وعدد هؤلاء محدود جدا.

وقد ذكر السيوطي في رسالته التي وضعها لنصرة هذا المنهج، والتي أسماها بـ (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب) أن (ترجيح القول بأن كل مجتهد مصيب، وأن حكم الله في كل واقعة تابع لظن المجتهد، هو أحد القولين للأئمة الأربعة، ورجحه القاضي أبو بكر، وقال في (التقريب): الأظهر من كلام الشافعي، والأشبه بمذهبه ومذهب أمثاله من العلماء القول بأن كل مجتهد مصيب، وقال به من أصحابنا: ابن سريج، والقاضي أبو حامد، والداركي، وأكثر العراقيين، ومن الحنفية: أبو يوسف، ومحمد بن الحسن، وأبو زيد الدبوسي، ونقله عن علمائهم جميعاً)(1)

ولكن مع ذلك، وفي الفروع الفقهية المختلفة يمكن أن نجد الكثير من الفقهاء المتبنين لهذا المنهج:

__________

(1) جزيل المواهب فى اختلاف المذاهب، عبد الرحمن بن أبي بكر، جلال الدين السيوطي، تحقيق: عبد القيوم محمد شفيع البستوي، دار الاعتصام، ص 35.

صفحة ( 60)

فالشيخ عبد الوهاب الشعراني - مثلا – مع كونه شافعي المذهب، يمكن اعتباره من أعلام هذا المنهج، فقد سلك مسلكا في إرجاع مسائل الخلاف الفقهي إلى الوفاق، بأن حمل كل قول من أقوال المختلفين على حال من أحوال المكلفين، وقد بنى كتابه (الميزان) على هذا المبدأ الذي عبر عنه بقوله: (إن الشريعة المطهرة قد جاءت من حيث الامر والنهي: على مرتبتين: تخفيف وتشديد، لا على مرتبة واحدة، كما يظنه غالب الناس، ولكل من المرتبتين رجال في حال مباشرتهم للتكاليف، فمن قوي منهم خوطب بالعزيمة والتشديد الوارد في الشريعة صريحا، أو المستنبط منها في مذهبه أو غيره، ومن ضعف منهم: خوطب بالرخصة والتحقيق الوارد في الشريعة صريحا أو مستنبطا منها في مذهبه أو غيره. فلا يؤمر القوي بالنزول إلى مرتبة الرخصة، مع قدرته على فعل العزيمة، ولا يكلف الضعيف بالصعود إلى مرتبة العزيمة، مع عجزه عنها، فالمرتبتان على الترتيب الوجودي، لا على التخيير)(1)

ومثله ابن القيم، فمع كونه من علماء، بل من أعيان المنهج الاستدلالي إلا أنه في بعض المسائل يميل إلى هذا المنهج، وقد أشار إلى هذا، بل اعتمده ـ مع قوله بعدم صحة اعتبار أن كل مجتهد مصيب ـ عند بيانه لمخارج الطلاق، فقد عقد فصولا مهمة للمخارج من الوقوع في التحليل، قال في مقدمتها: (أي قول من أقوال المسلمين خرج به من لعنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان أعذر عند الله ورسوله وملائكته وعباده المؤمنين من ارتكابه لما يلعن عليه ومباءته باللعنة)(2)

ثم ذكر مصدره الذي اعتمده لاستنباط هذه المخارج، فقال: (فإن هذه المخارج التي نذكرها دائرة بين ما دل عليه الكتاب والسنة أو أحدهما أو أفتى به الصحابة

__________

(1) كتاب الميزان، أبو المواهب عبد الوهاب بن أحمد الشعراني، تحقيق: الدكتور عبد الرحمن عميره، عالم الكتب، ط 1، 1409 هـ - 1989 م، ص 8.

(2) إعلام الموقعين: 4/ 47.

صفحة ( 61)

بحيث لا يعرف عنهم فيه خلاف، أو أفتى به بعضهم، أو هو خارج عن أقوالهم، أو هو قول جمهور الأمة أو بعضهم أو إمام من الأئمة الأربعة، أو أتباعهم أو غيرهم من علماء الإسلام، ولا تخرج هذه القاعدة التي نذكرها عن ذلك، فلا يكاد يوصل إلى التحليل بعد مجاوزة جميعها إلا في أندر النادر، ولا ريب أن من نصح لله ورسوله وكتابه ودينه، ونصح نفسه ونصح عباده أن أيا منها ارتكب فهو أولى من التحليل)(1)

ثانيا ـ أدلته:

يستند أصحاب هذا المنهج إلى أدلة كثيرة نلخص أهمها فيما يلي:

الدليل الأول:

اعتبار أن الخلاف الفقهي الحاصل في الأمة خلاف رحمة وتوسعة على عكس ما يرى أصحاب المنهج الأول، يقول السيوطي في كتابه (جزيل المواهب في اختلاف المذاهب): (اعلم أن اختلاف المذاهب في الملة نعمة كبيرة، وفضيلة عظيمة، وله سر لطيف أدركه العالمون، وعمي عنه الجاهلون، حتى سمعت بعض الجهال يقول: النبي صلى الله عليه وآله وسلم جاء بشرع و