الكتاب: النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 145

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

يعتبر فقه النوازل من أهم فروع الفقه الإسلامي، لدوره الكبير في بيان أحكام الشريعة الإسلامية المرتبطة بواقع الحياة في جميع مجالاتها، فدوره هو تنزيل أحكام الشريعة على الواقع الحياتي ليصبغه بصبغتها، ويجري عليه أحكامها.

انطلاقا من هذا، حاولنا استقراء مناهج الفقهاء في الفتوى في النوازل، وقد رأينا أنه يمكن تقسيمها إلى ستة مناهج:

1 ــ المنهج الاستدلالي.

2 ــ المنهج المذهبي.

3 ــ المنهج المذاهبي.

4 ــ منهج التيسير.

5 ــ منهج التشديد.

6 ــ المنهج المقاصدي.

وقد حاولنا في هذه الدراسة أن نبين - باختصار- الخصائص التي يتميز بها كل منهج، مع الأعلام الذين تبنوه، والآليات التنفيذية المرتبطة بتحقيق المنهج في الواقع.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

التمهيد

مفهوم فقه النوازل وأهميته

أولا ـ مفهوم فقه النوازل:

ثانيا ـ مصطلحات أخرى:

الفتاوى:

المسائل، أو الأسئلة:

ثالثا ـ أهمية فقه النوازل:

المبحث الأول

المنهج الاستدلالي

أولا ـ أعلامه:

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

الدليل الثالث:

الدليل الرابع:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

المبحث الثاني

المنهج المذهبي

أولا ـ أعلامه:

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

الدليل الثالث:

الدليل الرابع:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

المبحث الثالث

المنهج المذاهبي

أولا ـ أعلامه:

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

الدليل الثالث:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

المبحث الرابع

منهج التيسير

أولا ـ أعلامه:

الأصل الأول: جواز تتبع الرخص

الأصل الثاني: جواز التلفيق بين المذاهب

الأصل الثالث: جواز الحيل الفقهية

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

الدليل الثالث:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

الفريق الأول:

الفريق الثاني:

المبحث الخامس

منهج التشديد

أولا ـ أعلامه:

الأصل الأول: ترجيح العزيمة على الرخصة

الأصل الثاني: القول بسد الذرائع

الأصل الثالث: مراعاة الخلاف

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

المبحث السادس

المنهج المقاصدي

أولا ـ أعلامه:

الصنف الأول:

الصنف الثاني:

ثانيا ـ أدلته:

الدليل الأول:

الدليل الثاني:

ثالثا ـ منهجه في الفتوى:

المنهج الأول:

المنهج الثاني:

خاتمة

أولا: النتائج:

ثانيا: التوصيات:

قائمة المصادر والمراجع

المقدمة

يعتبر فقه النوازل من أهم فروع الفقه الإسلامي، لدوره الكبير في بيان أحكام الشريعة الإسلامية المرتبطة بواقع الحياة في جميع مجالاتها، فدوره هو تنزيل أحكام الشريعة على الواقع الحياتي ليصبغه بصبغتها، ويجري عليه أحكامها.

وهو لذلك المحك الذي تعرف من خلاله واقعية الشريعة الإسلامية ومدى مراعاتها لأحوال المكلفين، ومدى انسجامها مع طبيعة البيئة الزمانية والمكانية الحادثة.

ويعتبر كذلك، وبدرجة أهم، هو المنهج الذي من خلاله يستطيع الفقيه أن يجعل الشريعة هي الحاكم في كل شؤون الحياة، بالبحث عن الأحكام والبدائل المتناسبة مع القيم التي جاءت الشريعة لتحقيقها، ولذلك لا يقف فقيه النوازل منتظرا أن يستفتى فيفتي، بل يبادر فيبحث عن الأحكام، ويبحث في نفس الوقت عن البدائل الشرعية في حال الحاجة إليها.

ولهذه الأهمية الكبيرة، فإن تحصيل ملكة الاجتهاد فيه يتطلب - قبل كل شيء - معرفة منهج البحث فيه خطوة خطوة، حتى لا يقع الباحث فيما حذر منه القرآن الكريم من الفتوى بغير علم، أو الكذب على الله وعلى رسوله صلى الله عليه وآله

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 5/ صفحات الكتاب 145)

وسلم، كما قال تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ} (1)

وقال صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء، حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤوسا جهالا، فسئلوا فأفتوا بغير علم، فضلوا وأضلوا)(2)

وقد حصل في الواقع بعض ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من تصدي بعض من لم تتوفر فيهم القدرات العلمية الكافية على الفتوى في مسائل خطيرة، بناء على اجتهادات لم تستكمل أدواتها، فشوهوا بذلك شريعة الله السمحة، المبنية على العلم والحكمة والعدل والرحمة.

وقد أتاحت تلك الفتاوى الشاذة الفرصة للعلمانيين واللادينيين للسخرية من الشريعة الربانية، واستعمال هذه الفتاوى ذريعة لذلك، دون تفريق بين ما هو رباني في الشريعة، وبين ما هو اجتهاد بشري يقبل الخطأ والصواب.

__________

(1) سورة النحل: 116.

(2) رواه البخاري في كتاب العلم، باب كيف يقبض العلم رقم (100)(انظر: صحيح البخاري، محمد بن إسماعيل أبو عبدالله البخاري الجعفي، تحقيق: محمد زهير بن ناصر الناصر، دار طوق النجاة (مصورة عن السلطانية بإضافة ترقيم محمد فؤاد عبد الباقي)، الطبعة: الأولى، 1422 هـ، ج 1، ص 31)

ورواه مسلم في كتاب العلم، باب رفع العلم وقبضه، وظهور الجهل والفتن في آخر الزمان رقم (2673)(صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج أبو الحسن القشيري النيسابوري، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار إحياء التراث العربي – بيروت، ج 4 ص 2058)

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 6/ صفحات الكتاب 145)

وقد رأينا أن السبب الأكبر فيما نراه في واقع الفتوى هو المنهج الذي يعتمده الفقهاء والمفتون على الساحة الإسلامية، فالمنهج هو الأصل الذي يعتمد عليه المفتي، ولا يمكن أن نرقى بالفتوى في النوازل ما لم نتعرف على المنهج الصحيح الذي طلبت الشريعة التزامه.

انطلاقا من هذا، حاولنا استقراء مناهج الفقهاء في الفتوى في النوازل، وقد رأينا أنه يمكن تقسيمها إلى ستة مناهج:

1 ــ المنهج الاستدلالي.

2 ــ المنهج المذهبي.

3 ــ المنهج المذاهبي.

4 ــ منهج التيسير.

5 ــ منهج التشديد.

6 ــ المنهج المقاصدي.

وقد حاولنا في هذه الدراسة أن نبين - باختصار- الخصائص التي يتميز بها كل منهج، مع الأعلام الذين تبنوه، والآليات التنفيذية المرتبطة بتحقيق المنهج في الواقع.

وقد قسمنا الدراسة إلى ستة مباحث، بالإضافة إلى تمهيد وخاتمة، وهي على الشكل التالي:

التمهيد: تناولنا فيه مفهوم فقه النوازل وأهميته.

المبحث الأول: تناولنا فيه المنهج الاستدلالي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الثاني: تناولنا فيه المنهج المذهبي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الثالث: تناولنا فيه المنهج المذاهبي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الرابع: تناولنا فيه منهج التيسير وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

المبحث الخامس: تناولنا فيه منهج التشديد وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 7/ صفحات الكتاب 145)

المبحث السادس: تناولنا فيه المنهج المقاصدي وأعلامه وأدلته ومنهج الفتوى فيه.

التمهيد

مفهوم فقه النوازل وأهميته

أولا ـ مفهوم فقه النوازل:

لغة: النوازل على وزن فواعل من: نزل ينزل نزولا فهي نازلة، جاء في لسان العرب: نزل: النزول: الحلول، وقد نزلهم، ونزل عليهم، ونزل بهم، ينزل نزولاً ومَنْزَلاً ومَنْزِلاً، والنازلة: الشديدة تنزل بالقوم، وجمعها النوازل (1).

اصطلاحا: بما أن فقه النوازل لم يكن بابا من أبواب الفقه المعتمدة، وإنما كان ضمن المباحث الفقهية المختلفة، ولهذا لا نجد له في تراثنا الفقهي تعريفا خاصا دقيقا مثلما نجد ذلك في سائر المسائل والأبواب، ولهذا نذكر هنا بعض ما ذكره العلماء مما يمكن أن يستنتج من خلاله تصورهم له:

فقد عرفه معجم لغة الفقهاء بأنه: (الحادثة التي تحتاج إلى حكم شرعي)(2).

وعرفه الشيخ بكر أبو زيد بأنه (الوقائع والمسائل المستجدة، والحادثة المشهورة بلسان العصر باسم النظريات والظواهر)(3)

ولعل إطلاق النازلة على المسألة الواقعة يرجع إما لملاحظة معنى الشدة لما يعانيه الفقيه في استخراج حكم هذه النازلة، ولذا كان السلف يتحرجون من الفتوى ويسألون هل نزلت؟

__________

(1) لسان العرب، ابن منظور، دار صادر - بيروت، ج 11، ص 658.

(2) معجم لغة الفقهاء، محمد رواس قلعجي وحامد صادق قنيبي، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، ط 2، 1408 هـ، ص 471.

(3) بكر أبو زيد، فقه النوازل، بيروت: مؤسسة الرسالة، ص 8.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 8/ صفحات الكتاب 145)

أو أنها سميت نازلة لملاحظة معنى الحلول، فهي مسألة نازلة يجهل حكمها تحل بالفرد أو الجماعة }(1).

ثانيا ـ مصطلحات أخرى:

من المصطلحات التي تطلق على هذا النوع من الأحكام الفقهية:

الفتاوى:

وهي أشهر المصطلحات وأقدمها وأفضلها، فقد ذكر في القرآن الكريم في مواضع مختلفة منها قوله تعالى: {وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ} (2)

وقد عرفه الحطاب من المالكية بقوله: (هي الإخبار بحكم شرعي لا على وجه الإلزام)(3)

وعرّفه القرافي عند بيانه الفرق بين الفتوى وبين الحكم فقال: (فأما الفتوى فهي إخبار عن الله تعالى وبيان ذلك أن المفتي مع الله كالمترجم مع القاضي)(4)

والعلاقة بينها وبين فقه النوازل علاقة عموم وخصوص، فالفتوى أعم من فقه النوازل، ذلك أن المفتي يتعرض لكل المسائل سواء ما كان منها حادثا أو ما لم يكن، ولهذا نجد من أهم مصادر فقه النوازل الكتب المختصة بالفتاوى كفتاوى ابن تيمية، والفتاوى الهندية، وفتاوى ابن حجر الهيثمي، وفتاوى الشيخ عليش، وغيرها كثير.

المسائل، أو الأسئلة:

__________

(1) سبل الاستفادة من النوازل والعمل الفقهي في التطبيقات المعاصرة، الدكتور عبد الله الشيخ المحفوظ بن بيه، مجلة مجمع الفقه الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، ع 11 ج 2 ص 533.

(2) سورة النساء: 127.

(3) مواهب الجليل، الحطاب، دار الفكر، ط 3، 1992، ج 1، ص 32.

(4) الفروق، القرافي، بيروت، عالم الكتب، ج 4، ص 89.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 9/ صفحات الكتاب 145)

وهي مثل الفتاوى، وقد ذكرت في القرآن الكريم كذلك كثيرا كقوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ} (1)

وسميت بذلك لأنها أسئلة يطرحها المستفتون على المفتين، ومن المؤلفات في هذا: مسائل القاضي أبي الوليد بن رشد.

وقد سميت كذلك في مراجع أخرى بالأجوبة، أو الجوابات، وهي تسمية لبعض علماء الأندلس لأنها مسائل أجاب عنها العلماء بطلب من الناس.

ثالثا ـ أهمية فقه النوازل:

لاشك في اعتبار فقه النوازل من أهم الفروع الفقهية وأشدها صعوبة، ذلك أنها محاولة لتطبيق الشريعة الإسلامية في حياة الناس، والإجابة على الإشكالات التي تعرض لهم، بل هو فوق ذلك محاولة للبحث عن البدائل المناسبة لتيسير ممارسة الحياة وفق الشريعة الإسلامية.

وقد ذكر الباحثون في هذا الباب الكثير من الفوائد المبينة لأهمية هذا الجانب، نذكر منها (2):

1 - البحث فيها يبرهن على صدق الإسلام وخلوده وصلاحيته للقيادة والريادة في هذه الحياة.

__________

(1) سورة البقرة: 189.

(2) انظر: الضوابط الشرعية لبحث القضايا المعاصرة في الرسائل العلمية، مجموعة من الباحثين، بحث مقدم لمؤتمر (الدراسات العليا ودورها في خدمة المجتمع)، والمنعقد بتاريخ 19/ 4/2011 في الجامعة الإسلامية - غزة، دت، دط، ص 7، فما بعدها.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 10/ صفحات الكتاب 145)

2 - بيان ما يمتاز به الفقه الإسلامي عن غيره من التشريعات البشرية بثروته الهائلة، وتنوعه الشامل، وقواعده المحكمة وعطائه المتواصل مما يستوجب الاهتمام به علما وعملا، دراسة وتطبيقا.

3 - بحثها يعطي إمكانية الاطلاع على الجهود الفقهية العظيمة في كل عصر من العصور الإسلامية والتي واجهت كل طارئ وجديد، وكيف أن الفقه الإسلامي نجح في مواجهة تلك الإشكالات الواقعية، الميدانية، في حياة الناس اليومية، وأنه لم يقف يوما جامدا عاجزاً عن مواجهة تطورات الحياة ومشاكلها.

4 - أن لفقه النوازل أهمية كبرى تتصل بصفة النوازل الواقعية التي تعرض لنا صورا من المجتمع الذي وقعت فيه تلك النوازل من الناحية الفكرية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والتاريخية والأدبية (1):

فمن الناحية الفكرية: يعرفنا فقه النوازل بالعلاقة بين المذاهب الفقهية، ويظهر ذلك من خلال المناظرات والمناقشات العلمية التي كانت تدور بين علماء المذاهب في أثناء التعرض لنازلة من النوازل.

ومن الناحية الاجتماعية: تقدم النوازل الكثير من الإشارات إلى أحوال المجتمع الإسلامي في منطقة النازلة، الأمر الذي يجعل منها مصدرا وثيقا لعالم الاجتماع مثلما هو للفقيه والعالم.

لذا نجد كثيرا من المؤرخين قد انصرف إلى مصنفات النوازل والفتاوى لدراستها واستنباط ظواهر اجتماعية منها واستنتاج إفادات تاريخية، ومن هؤلاء المستشرق الفرنسي جاك بارك الذي اعتنى بنوازل المازوني- الذي استفاد كثيرا من كتب فقه النوازل لإبراز جوانب اجتماعية للمغرب في عصر هذه النوازل.

__________

(1) انظر هذه الفوائد وغيرها في: د. عبد الحق بن أحمد حميش، مدخل إلى فقه النوازل، دت، دط، ص 15، فما بعدها.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 11/ صفحات الكتاب 145)

ومن الناحية الأدبية: فإن لفقه النوازل فوائد عظيمة، فقد تحتوي الأسئلة والأجوبة عن تلك النوازل على قطع أدبية بليغة أو شعر نادر استشهد به، كما أنها تحافظ لنا على لغة الفقه والفقهاء الأدبية الرائعة.

ومن الناحية السياسية: تنقل هذه النوازل صورة واقعية لحوادث تاريخية تمس ذلك المجتمع الذي وقعت فيه النازلة في السلم والحرب مما قد يفيد السياسي في دراسته ومما يعينه في فهم كثير من أحداث الزمان.

ومن الناحية الاقتصادية: تقدم النوازل جملة من الصور عن الحالة الاقتصادية التي تمر بها البلاد الإسلامية، وعن الملكية والتجارة والبنوك وهذا كله يمكن معرفته من خلال تلك النوازل والمسائل المتعلقة بالمواضيع الاقتصادية، كطغيان البنوك الربوية على واقع المسلمين اليوم وكثرة الأسئلة التي يطرحها المسلمون ويطرحها الواقع المر الذي يتخبط فيه الجانب الاقتصادي في المجتمعات المسلمة، ومشكلة الديون التي تتعب كاهل الدول الإسلامية وغيرها من المواضيع الاقتصادية التي تحتاج إلى فقه واجتهاد في نوازلها وواقعاتها المريرة.

ومن الناحية التاريخية: تقدم النوازل أحداثا تاريخية وقعت للأمة الإسلامية ونزلت بها وتم الجواب عنها، وتقدم أحيانا أحداثا أغفلها المؤرخون الذين ينصب اهتمامهم غالبا بالشؤون السياسية وما يتصل بالحكام والأمراء ومثال عن ذلك ما يحدث اليوم في أفغانستان من تقاتل بين الفصائل الأفغانية، أو مثل الحرب العراقية الإيرانية التي وقعت في الثمانينيات أو اجتياح العراق للكويت وما ترتب عليه من استعانة بالكفار، وما حدث ويحدث لإخواننا المسلمين في يوغسلافيا من اضطهاد واغتصاب وما يستلزم ذلك من فقه واجتهاد يجيب عن تلك الشدائد والنوازل التي تنزل بالأمة الإسلامية في عصورها المتتالية.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 12/ صفحات الكتاب 145)

5 - ومن فوائد فقه النوازل ذلك الأثر العلمي الذي تخلفه هذه الإجابات لأنها تحفظ لنا مسائل واجتهادات العلماء بنصها لتكون سجلا للفتوى والقضاء ومرجعا مهما للمهتمين بها من أهل الاختصاص لا يمكن الاستغناء عنها بحال.

6 - كما أن فقه النوازل يعرفنا بأسماء لامعة من العلماء المجتهدين المفتيين، الذين تصدوا لهذه النوازل، وكيف أنهم بذلوا الجهد والوسع للوصول إلى الحكم الشرعي وذلك باتباع أصول الاجتهاد دون تعصب أو هوى.

المبحث الأول

المنهج الاستدلالي

يمكن تعريف المنهج الاستدلالي بما عرف به العلماء الفقه نفسه، وهو أنه (العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسبة من أدلتها التفصيلية، أو هو مجموعة من الأحكام الشرعية العلمية المستفادة من أدلتها التفصيلية)(1)

ففي هذا التعريف نلاحظ أن الأحكام الشرعية تستنبط من الأدلة التفصيلية، وهي الأدلة المستنبطة من المصادر الكبرى للتشريع الإسلامي من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وغيرها.

يقول الدهلوي: (حقيقة الاجتهاد - على ما يفهم من كلام العلماء - استفراغ الجهد في إدراك الأحكام الشرعية الفرعية من أدلتها التفصيلية الراجعة كلياتها إلى أربعة أقسام الكتاب والسنة والإجماع والقياس ويفهم من هذا أنه أعم من أن يكون

__________

(1) علم أصول الفقه وخلاصة تاريخ التشريع، عبد الوهاب خلاف، مطبعة المدني، المؤسسة السعودية بمصر، ص 13.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 13/ صفحات الكتاب 145)

استفراغا في إدراك حكم ما سبق التكلم فيه من العلماء السابقين أو لا وافقهم في ذلك أو خالف)(1)

ولذلك فإن هذا المنهج يعتمد أصحابه في استنباط الأحكام الشرعية على تلك المصادر الأصلية والتبعية من غير نظر أو اهتمام لما توصل إليه غيرهم من الفقهاء من أصحاب المذاهب أو غيرهم، بل يعتبرون التقيد بأقوال الفقهاء والالتزام بها من غير نظر في الأدلة بدعة حادثة في الملة لا يستحق صاحبها أن يوصف بالمجتهد ولا الفقيه، ولا يحق له بالتالي أن يتصدر لمنصب الإفتاء إلا على سبيل النقل لقول غيره.

وأصحاب هذا المنهج إذا عرضت لهم حادثة يبدؤون أولا بالنظر فيما ورد حولها في المصدرين الأساسيين للدين من الكتاب والسنة.

وربما يكون هذا هو موضع الاتفاق الوحيد بينهم (2)، ذلك أن لكل منهم بعد ذلك مصادره الخاصة به، والتي يؤسس عليها رؤيته للاستنباط من مصادر الشريعة.

ويبدأ الخلاف من اعتبار الإجماع أو عدم اعتباره، وفي حال اعتباره يحصل الخلاف الطويل أيضا في كون المسألة التي ادعي فيها الاجماع مجمع عليها حقيقة أم لا،

__________

(1) عقد الجيد في أحكام الاجتهاد والتقليد، أحمد بن عبد الرحيم المعروف بـ (الشاه ولي الله الدهلوي)، تحقيق: محب الدين الخطيب، المطبعة السلفية - القاهرة (ص: 3).

(2) بل هم يختلفون أيضا في هذا من حيث آليات الاستنباط كما هو معروف في مظانه من كتب أصول الفقه، وكما ذكر العلماء ذلك بتفصيل في الكتب التي بينت أسباب خلاف الفقهاء، ومن أهمها: أسباب اختلاف الفقهاء، د. عبد الله بن عبد المحسن التركي، تقديم: حسن بن عبد الله آل الشيخ وعبد الرزاق عفيفي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 3، 1431 هـ / 2010 م.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 14/ صفحات الكتاب 145)

فلا يهم أصحاب هذا المنهج أن يقفوا مع جماهير الفقهاء أو يخالفوهم، لأن العبرة عندهم بالدليل، لا بكثرة الفقهاء أو قلتهم (1).

ثم يتسلسل الخلاف بعد ذلك في اعتبار ما يطلق عليه بالأدلة المختلف فيها كالاستحسان وشرع من قبلنا، وغيرها، فإن أداهم الاجتهاد إلى صحة شيء منها أفتوا به، وإن تعارضت عندهم الأدلة فإنهم يفتون بما يترجح لديهم منها.

وهذا المنهج ينتقد بشدة سائر المناهج، وخاصة المناهج التي تعتمد التقليد، أو تعتمد الرأي المجرد، أو تعتمد أحوال المكلفين من التيسير والتشديد ومراعاة المصالح ونحو ذلك، لأنها تعتبر أن الأصل في الفتوى هو الإخبار عن مراد الله من عباده، وهذا المراد لا يمكن التعرف عليه إلا من المصادر الأصلية أو ما انبنى عليها.

انطلاقا من هذه الخلاصة المختصرة للرؤية العامة لأصحاب هذا المنهج، نحاول هنا باختصار أن نتعرف على كبار ممثليه من أعلام الفقهاء، ثم على الأدلة التي يعتمدون عليها في التأسيس لمنهجهم، ثم على الآليات العملية التي يعتمدونها في الفتوى.

أولا ـ أعلامه:

ليس من الصعب التعرف على العلماء الذين يتبنون هذا المنهج، ذلك أنهم جميعا كتبوا أو صرحوا بما يدل على ضرورة العودة إلى الاجتهاد وعدم غلق بابه، وعلى النهي عن التقليد وخاصة إذا تعارض التقليد مع النص، ولكنا مع ذلك نذكر كبار من يتبنون هذا المنهج ابتداء من العصر الأول إلى عصرنا:

__________

(1) انظر تفاصيل الخلافات الواردة حول الإجماع في كتب أصول الفقه، وكمثال على ذلك: أصول الفقه، محمد بن مفلح، أبو عبد الله الصالحي الحنبلي (المتوفى: 763 هـ)، حققه وعلق عليه وقدم له: الدكتور فهد بن محمد السَّدَحَان، مكتبة العبيكان، ط 1، 1420 هـ - 1999 م، ج 2، ص 366، فما بعدها.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 15/ صفحات الكتاب 145)

أولا ـ أعلام القرون الفاضلة الأولى من الصحابة والتابعين وتابعيهم وأئمة المذاهب الفقهية وغيرهم من الفقهاء الذين لم يكن لهم من التلاميذ من ينشر آراءهم ومذاهبهم، فأبو حنيفة كان يقول: (إذا صح الحديث فهو مذهبي)(1)

والإمام أحمد كان يقول: (لا تقلدني ولا تقلد مالكا ولا الثوري ولا الأوزاعي وخذ من حيث أخذوا)(2)

والشافعي كان يقول: (إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط، وإذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فهي قولي)(3).

وقال المزني صاحب الشافعي في أول مختصره: (اختصرت هذا من علم الشافعي، ومن معنى قوله، لأقربه على من أراده، مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره، لينظر فيه لدينه ويحتاط فيه لنفسه)(4)

أما ابن حزم، وهو من أكبر أعلام المذهب الظاهري، فقد كان من كبار المتشددين على المقلدين، وخاصة مقلدي المذاهب الأربعة، وحصلت بينه وبينهم مناظرات، بل حصلت له بسبب ذلك محنة (5).

__________

(1) ابن عابدين، رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار في فقه مذهب الإمام الأعظم أبي حنيفة النعمان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ج 1 ص 64.

(2) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله ابن القيم الجوزية، إعلام الموقعين عن رب العالمين، تحقيق: طه عبد الرؤوف سعد، دار الجيل - بيروت، 1973، ج 2، ص 201.

(3) المرجع السابق، ج 2، ص 421.

(4) نقلا عن: الدرر السنية في الأجوبة النجدية، علماء نجد الأعلام، تحقيق: عبد الرحمن بن محمد بن قاسم، ط 6، 1417 هـ/1996 م، ج 5، ص 297.

(5) يقول ابن حيان واصفا المحنة التي تعرض لها ابن حزم: (استهدف إلى فقهاء وقته، فتألّبوا على بغضه، وردّ قوله، وأجمعوا على تضليله، وشنّعوا عليه، وحذّروا سلاطينهم من فتنته، ونهوا أعوامهم عن الدنوّ إليه، والأخذ عنه، فطفق الملوك يقصونه عن قربهم، ويسيّرونه عن بلادهم، إلى أن انتهوا به، منقطع أثره بتربة بلده من بادية لبلة، وبها توفي غير راجع إلى ما أرادوا، به يبثّ علمه فيمن ينتابه بباديته من عامّة المقتبسين منه من أصاغر الطلبة الذين لا يحسّون فيه الملامة بحداثتهم، ويفقّههم ويدرسهم، ولا يدع المثابرة على العلم والمواظبة على التأليف والإكثار من التصنيف حتى كمل من مصنّفاته في فنون العلم وقر بعير، حتى لأحرق بعضها بإشبيلية)(انظر: الإحاطة في أخبار غرناطة، محمد بن عبد الله الغرناطي الأندلس، أبو عبد الله، الشهير بلسان الدين ابن الخطيب، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة: الأولى، 1424 هـ، ج 4، ص 91.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 16/ صفحات الكتاب 145)

وقد عاتب في كتابه (الإحكام في أصول الأحكام) المقلدين لأئمة المذاهب عتابا شديدا، وعندما وصلت نوبة الحديث إلى الظاهرية، قال: (وأما أصحاب الظاهر فهم أبعد الناس من التقليد، فمن قلد أحدا مما يدعي أنه منهم فليس منهم، ولم يعصم أحد من الخطأ، وإنما يلام من اتبع قولا لا حجة عنده به، وألوم من هذا من اتبع قولا وضح البرهان على بطلانه، فتمادى ولج في غيه، وبالله تعالى التوفيق، وألوم من هذين وأعظم جرما من يقيم على قول يقر أنه حرام، وهم المقلدون الذين يقلدون ويقرون أن التقليد حرام، ويتركون أوامر النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويقرون أنها صحاح،

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 17/ صفحات الكتاب 145)

وأنها حق، فمن أضل من هؤلاء، نعوذ بالله من الخذلان ونسأله الهدى والعصمة فكل شيء بيده لا إله إلا هو)(1)

ثانيا - بعض أتباع المذاهب الأربعة وغيرهم من الذين لم يمنعهم انتماؤهم في الظاهر لمذاهبهم عن التشدد مع المقلدين، ذلك أن اتباعهم للمذاهب ليس على سبيل التقليد، وإنما على سبيل الاتباع.

ومن الأمثلة على ذلك ابن عبد البر المالكي (ت 364 ه)، وهو من كبار المتشددين على المقلدين، وإن كان مالكي المذهب، وقد ضمن رأيه في التقليد قصيدة في كتابه (جامع بيان العلم وفضله وما ينبغي في روايته وحمله) جاء فيها:

يا سائلي عن موضع التقليد... خذ عني الجواب بفهم لب حاضر

واصغ إلى قولي ودن بنصيحتي... واحفظ علي بوادري ونوادري

لا فرق بين مقلد وبهيمة... تنقاد بين جنادل ودعاثر (2)

__________

(1) الإحكام في أصول الأحكام، أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم لأندلسي القرطبي الظاهري، تحقيق: الشيخ أحمد محمد شاكر، دار الآفاق الجديدة، بيروت، ج 2، ص 120.

(2) جامع بيان العلم وفضله، أبو عمر يوسف عبد البر النمري القرطبي، تحقيق: أبي الأشبال الزهيري، دار ابن الجوزي، المملكة العربية السعودية، ط 1، 1414 هـ - 1994 م، ج 2، ص 988.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 18/ صفحات الكتاب 145)

ومنهم العز بن عبد السلام، والذي كان شافعي المذهب، ومع ذلك كان يتعجب من المقلدين الذين يعرضون عن الأدلة، ويكتفون بما ذهب إليه أئمتهم، ومن تصريحاته في ذلك قوله: (ومن العجب العجيب أن الفقهاء المقلدين يقف أحدهم على ضعف مأخذ إمامه بحيث لا يجد لضعفه مدفعا ومع هذا يقلده فيه، ويترك من الكتاب والسنة والأقيسة الصحيحة لمذهبه جمودا على تقليد إمامه، بل يتحلل لدفع ظواهر الكتاب والسنة، ويتأولهما بالتأويلات البعيدة الباطلة نضالا عن مقلده، وقد رأيناهم يجتمعون في المجالس فإذا ذكر لأحدهم في خلاف ما وظن نفسه عليه تعجب غاية التعجب من استرواح إلى دليل بل لما ألفه من تقليد إمامه حتى ظن أن الحق منحصر في مذهب إمامه أولى من تعجبه من مذهب غيره)(1)

ثم ذكر حال الفقهاء في عصره وغيره، فقال: (فالبحث مع هؤلاء ضائع مفض إلى التقاطع والتدابر من غير فائدة يجديها، وما رأيت أحدا رجع عن مذهب إمامه إذا ظهر له الحق في غيره بل يصير عليه مع علمه بضعفه وبعده، فالأولى ترك البحث مع هؤلاء الذين إذا عجز أحدهم عن تمشية مذهب إمامه قال: لعل إمامي وقف على دليل لم أقف عليه ولم أهتد إليه، ولم يعلم المسكين أن هذا مقابل بمثله ويفضل لخصمه ما ذكره من الدليل الواضح والبرهان اللائح، فسبحان الله ما أكثر من أعمى التقليد

__________

(1) قواعد الأحكام في مصالح الأنام، أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام، راجعه وعلق عليه: طه عبد الرؤوف سعد، مكتبة الكليات الأزهرية - القاهرة، 1414 هـ - 1991 م، ج 2، ص 159.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 19/ صفحات الكتاب 145)

بصره حتى حمله على مثل ما ذكر، وفقنا الله لاتباع الحق أين ما كان وعلى لسان من ظهر)(1)

ثم قارن ذلك الوضع بما كان عليه السلف الصالح، فقال: (وأين هذا من مناظرة السلف ومشاورتهم في الأحكام ومسارعتهم إلى اتباع الحق إذا ظهر على لسان الخصم، وقد نقل عن الشافعي رحمه الله أنه قال: ما ناظرت أحدا إلا قلت اللهم أجر الحق على قلبه ولسانه، فإن كان الحق معي اتبعني وإن كان الحق معه اتبعته)(2)

ثالثا - ظهر في العصور التي ترسخ فيها التقليد بعض الأعلام الكبار الذين دعوا إلى العودة إلى الدليل وترك التقليد، وقد كان من كبار هؤلاء ابن تيمية، فقد ألف الكتب والرسائل الكثيرة في الرد على التقليد، بل كانت له اجتهاداته الكثيرة في الفتوى، والتي جعلته يواجه الكثير من فقهاء المذاهب بسببها.

وقد ذكر في الفتاوى الكبرى بعض الجهد الذي بذله في ذلك، والأقوال التي انفرد بها عن أهل عصره، فحصل له بسببها من المحنة ما حصل: (ومن أقواله المعروفة المشهورة التي جرى بسبب الإفتاء بها محن وقلاقل قوله: بالتكفير في الحلف بالطلاق، وأن الطلاق الثلاث لا يقع إلا واحدة، وأن الطلاق المحرم لا يقع، وله في ذلك مصنفات ومؤلفات. منها قاعدة كبيرة سماها: (تحقيق الفرقان بين التطليق والأيمان). نحو أربعين كراسة. وقاعدة سماها: (الفرق بين الطلاق واليمين). بقدر نصف ذلك. وقاعدة في (أن جميع أيمان المسلمين مكفرة) مجلد لطيف. وقاعدة في تقرير أن الحلف بالطلاق من الأيمان حقيقة. وقاعدة سماها: (التفصيل بين التكفير

__________

(1) المرجع السابق،، ج 2، ص 159.

(2) المرجع السابق،، ج 2، ص 159.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 20/ صفحات الكتاب 145)

والتحليل). وقاعدة سماها: (اللمعة)، وغير ذلك من القواعد والأجوبة في ذلك لا تنحصر ولا تنضبط)(1)

وقريب منه الشاطبي (ت 790) الذي لم يمنعه انتماؤه للمذهب المالكي من التصريح بضرورة العودة إلى الدليل وترك التقليد لأئمة المذاهب، يقول في (الاعتصام): (والرابع: رأي المقلدة لمذهب إمام يزعمون أن إمامهم هو الشريعة، بحيث يأنفون أن تنسب إلى أحد من العلماء فضيلة دون إمامهم، وحتى إذا جاءهم من بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل ولم يرتبط إلى إمامهم رموه بالنكير، وفوقوا إليه سهام النقد، وعدوه من الخارجين عن الجادة، والمفارقين للجماعة، من غير استدلال منهم بدليل، بل بمجرد الاعتياد العامي)(2)

وضرب مثالا لذلك بما حصل لبقي بن مخلد، فقال: (ولقد لقي الإمام بقي بن مخلد حين دخل الأندلس آتيا من المشرق من هذا الصنف الأمرين، حتى أصاروه مهجور الفناء، مهتضم الجانب، لأنه من العلم بما لا يدي لهم به، إذ لقي بالمشرق الإمام أحمد بن حنبل وأخذ عنه مصنفه وتفقه عليه، ولقي أيضا غيره، حتى صنف المسند المصنف الذي لم يصنف في الإسلام مثله، وكان هؤلاء المقلدة قد صمموا على مذهب مالك، بحيث أنكروا ما عداه، وهذا تحكيم الرجال على الحق، والغلو في محبة المذهب، وعين الإنصاف ترى أن الجميع أئمة فضلاء، فمن كان متبعا لمذهب مجتهد لكونه لم يبلغ درجة الاجتهاد فلا يضره مخالفة غير إمامه لإمامه، لأن الجميع سالك

__________

(1) الفتاوى الكبرى، تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم ابن تيمية، دار الكتب العلمية، ط 1، 1408 هـ - 1987 م، ج 4، ص 161.

(2) الاعتصام، إبراهيم بن موسى بن محمد اللخمي الغرناطي الشهير بالشاطبي، تحقيق: سليم بن عيد الهلالي، دار ابن عفان، السعودية، ط 1، 1412 هـ - 1992 م. ج 2 ص 865.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 21/ صفحات الكتاب 145)

على الطريق المكلف به، فقد يؤدي التغالي في التقليد إلى إنكار لما أجمع الناس على ترك إنكاره)(1)

رابعا - ظهر في القرون المتأخرة بعد ابن تيمية بعض الأعلام الكبار الذين أحيوا الدعوة إلى فقه الدليل، وكتبوا في ذلك المؤلفات الكثيرة، وتعرضوا لبعض المحن بسبب ذلك.

ومن كبار هذه الطبقة الشوكاني صاحب المؤلفات الكثيرة في نصرة فقه الاستدلال بدل فقه التقليد، ومن تصريحاته في هذا الباب قوله بعد إيراده الخلاف في (قول الصحابي هل هو حجة أم لا): (والحق: أنه ليس بحجة (2)، فإن الله سبحانه

__________

(1) المرجع السابق، ج 2، ص 865..

(2) رد أبو زهرة بشدة على الشوكاني في هذه المسألة بقوله: (ولا شكَّ أن هذه مغالاة في ردِّ أقوال الصحابة، ومن الواجب علينا أن نقول: إنَّ الأئمة الأعلام عندما اتبعوا أقوال الصحابة لم يجعلوا رسالةً لغير محمد صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يعتبروا حجَّةً في غير الكتاب والسنَّة، فهم مع اقتباسهم من أقوال الصحابة مستمسكون أشدَّ الاستمساك بأن النبي واحدٌ، والسنَّةَ واحدةٌ، والكتابَ واحدٌ، ولكنهم وجدوا أن هؤلاء الصحابة هم الذين استحفظوا على كتاب الله سبحانه وتعالى، ونقلوا أقوال محمد صلى الله عليه وآله وسلم إلى من بعدهم، فكانوا أعرف الناس بشرعه، وأقربهم إلى هديه، وأقوالهم قبسةٌ نبويةٌ، وليست بدعاً ابتدعوه، ولا اختراعاً اخترعوه، ولكنها تلمُّسٌ للشرع الإسلامي من ينابيعه، وهم أعرفُ الناس بمصادرها ومواردها، فمن اتبعهم فهو من الذين قال الله تعالى فيهم: {وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (100)} [التوبة:100] (أصول الفقه، محمد أبو زهرة، دار الفكر العربي، ص 218)، ونحب أن ننبه هنا بأن الشوكاني أيد القول بحجية الصحابي في كتابه (التقليد والإفتاء والاستفتاء)(انظر: التقليد والإفتاء والاستفتاء (ج 1 / ص 51) فما بعدها)

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 22/ صفحات الكتاب 145)

لم يبعث إلى هذه الأمة إلا نبينا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، وليس لنا إلا رسول واحد، وكتاب واحد، وجميع الأمة مأمورة باتباع كتابه، وسنة نبيه، ولا فرق بين الصحابة وبين من بعدهم، في ذلك، فكلهم مكلفون بالتكاليف الشرعية، وباتباع الكتاب والسنة، فمن قال: إنها تقوم الحجة في دين الله عز وجل بغير كتاب الله، وسنة رسوله، وما يرجع إليهما، فقد قال في دين الله بمالم يثبت، وأثبت في هذه الشريعة الإسلامية شرعا لم يأمر الله به، وهذا أمر عظيم، وتقول بالغ، فمن حكم لفرد أو أفراد من عباد الله بأن قوله، أو أقوالهم حجة على المسلمين يجب عليهم العمل بها وتصير شرعا ثابتا متقررا تعم به البلوى، مما لا يدان الله عز وجل به، ولا يحل لمسلم الركون إليه، ولا العمل عليه، فإن هذا المقام لم يكن إلا لرسل الله، الذين أرسلهم بالشرائع إلى عباده لا لغيرهم، وإن بلغ في العلم والدين عظم المنزلة أي مبلغ)(1)

ثم ختم قوله: (فاعرف هذا، واحرص عليه، فإن الله لم يجعل إليك وإلى سائر هذه الأمة رسولا إلا محمدا صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يأمرك باتباع غيره، ولا شرع لك على لسان سواه من أمته حرفا واحدا، ولا جعل شيئا من الحجة عليك في قول غيره، كائنا من كان)(2)

__________

(1) إرشاد الفحول إلى تحقيق الحق من علم الأصول، محمد بن علي الشوكاني اليمني، تحقيق: الشيخ أحمد عزو، دار الكتاب العربي، ط 1، 1419 هـ - 1999 م، ج 2، ص 188.

(2) المرجع السابق، ج 2، ص 189.

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 23/ صفحات الكتاب 145)

بالإضافة إلى الشوكاني، فقد ذكر السيوطي في كتابه المهم (الرد على من أخلد إلى الارض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض)(1) الكثير من أقوال الفقهاء المتأخرين الذين دعوا إلى فتح باب الاجتهاد والرجوع إلى المصادر الأصلية مباشرة، وأنه في الإمكان أن يظهر المجتهدون في العصور المختلفة.

ومن العلماء الذين ذكرهم (2):

1 - (الماوردي) في أول كتابه (الحاوي)

2 - و(الروياني) في أول (البحر)

3 - والقاضي (حسين) في (تعليقه)

4 - و(الزبيري) في كتاب (المسكت)

5 - و(ابن سراقة) في كتاب (الأعداد)

6 - و(إمام الحرمين) في كتاب السير من (النهاية)

7 - و(الشهرستاني) في (الملل والنحل)

8 - و(البغوي) في أوائل (التهذيب)

9 - و(الغزالي) في (البسيط)، و(الوسيط)

10 - و(ابن الصلاح) في (أدب الفتيا)

11 - و(النووي) في (شرح المهذب) و(شرح مسلم)

__________

(1). طبع في دار الكتب لعلمية سنة 1403 هـ في مجلد بتحقيق (خليل الميس)، وأهمية هذه الرسالة تكمن في تتبع السيوطي لكل أقوال العلماء الذين أيدوا هذا المنهج، وقد ذكر أقوالهم، وبعض المصادر التي اعتمد عليها مفقودة.

(2) انظر كتاب: الرد على من أخلد إلى الأرض وجهل أن الاجتهاد في كل عصر فرض، تحقيق: (خليل الميس، دار الكتب لعلمية، 1403 هـ من (ص 68) إلى (ص 96).

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 24/ صفحات الكتاب 145)

12 - والشيخ (عز الدين بن عبد السلام) في (مختصر النهاية)

13 - و(ابن الرفعة) في (المطلب)

14 - و(الزركشي) في كتاب (القواعد)، و(البحر)

وممن نص على ذلك من أئمة المالكية القاضي (عبد الوهاب) في (المقدمات)، و(ابن القصار) في كتابه في أصول الفقه، ونقله عن مذهب (مالك) وجمهور العلماء، و(القرافي) في (التنقيح)، و(ابن عبد السلام) في (شرح مختصر ابن الحاجب)، و(أبو محمد بن ستاري) في (المسائل المنثورة) و(ابن عرفة) في كتابه (المبسوط) في الفقه.

خامسا - نتيجة للدعوات السابقة إلى فقه الدليل، فإن المنهج الغالب على الكثير من الباحثين والفقهاء في عصرنا الحاضر هو هذا المنهج، وإن كانوا يختلفون في امتلاك الآليات التي تتيح لهم ممارسته.

ثانيا ـ أدلته:

أفرد أصحاب هذا المنهج أو الدعاة له الكثير من المؤلفات في نصرته، والرد على المخالفين لهم، وخصوصا من أصحاب المنهج المذهبي أو المذاهبي، ومن أهم تلك المؤلفات (المختصر المؤمل في الرد إلى الأمر الأول) لأبي شامة المقدسي، و(شرح قول المطلبي، إذا صح الحديث فهو مذهبي) للسبكي، و(جزء التمسك بالسنن) للذهبي، و(الاتباع) لابن أبي العز، و(فيض الشعاع، الكاشف للقناع، عن أركان الابتداع) للحسن بن أحمد الجلال اليماني، و(الوجه الحسن، المذهب للحزن، لمن طلب السنة ومشى على السنن) لإسحاق بن يوسف الصنعاني، و(إرشاد النقاد إلى تيسير الاجتهاد) للأمير الصنعاني، و(إيقاظ همم أولى الأبصار للاقتداء بسيد المهاجرين والأنصار) لصالح الفُلاَّني، و(إيقاظ الوسنان في العمل بالحديث والقرآن) لمحمد بن علي السنوسي (مالكي)، و(القول المفيد في أدلة الاجتهاد والتقليد) و(أدب الطلب، ومنتهى الأرب) كلاهما للشوكاني، و(كشف الغمة عن سبب اختلاف الأمة) و(الاكتناف لأحكام الاختلاف) للأمير صديق حسن خان القنوجي، و(القول

 النوازل الفقهية ومناهج الفقهاء في التعامل معها ( 25/ صفحات الكتاب 145)

السديد في أدلة الاجتهاد والتقليد) لأبي النصر علي بن حسن خان القنوجي، و(الطريقة المثلى في ترك التقليد واتباع ما هو الأولى) لأبي الخير نور الحسن بن حسن خان القنوجي، وغيرهم كثير.