الكتاب: مثالب النفس الأمارة

الوصف: أربعون رسالة في موانع التزكية وعلاجها

السلسلة: رسائل التزكية والترقية

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1440 هـ

عدد الصفحات: 618

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

الكتاب موافق للمطبوع

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

هذا الكتاب

يحاول هذا الكتاب التعريف بالعيوب والمثالب المشكلة للنفس الأمارة، ومنابعها التي تنبع منها، والثمار التي تثمرها، مع بيان كيفية التخلص منها، إما باستعمال الأدوية المعرفية، أو أنواع الممارسات العملية.

وقد حاولنا أن نصيغ فيه كل ما ذكر في كتب الأخلاق والتصوف والسلوك من معارف مرتبطة بهذه الجوانب، مع الابتعاد عن كل ما لا علاقة بها، أو ما نرى أنه من الدخن الذي أصاب هذه العلوم، مثل غيرها من العلوم.

ولذلك كان اعتمادنا في التعرف على مظاهر تلك المثالب ومنابعها وكيفية علاجها على المصادر المقدسة بالدرجة الأولى، باعتبارها المصدر الأول للتزكية، سواء من ناحية التعريف بها، أو بيان منابعها وثمارها، أو بيان كيفية علاجها والتخلص منها.

ولضرورة التبسيط والتوضيح، جعلناه على شكل رسائل يرسلها شيخ مرشد مرب إلى مريده الذي يطلب منه أن يعرفه بالمثالب المشكلة للنفس الأمارة، وكيفية علاجها، مع سؤاله عن بعض أسرار النصوص المقدسة المرتبطة بها.

وقد أرسل له في هذا الكتاب أربعين رسالة تشمل جميع الجوانب المرتبطة بذلك، وتشرح له كل ما يتعلق بها من معارف يحتاجها لذلك.

فهرس المحتويات

فهرس المحتويات

هذه السلسلة

المقدمة

الغفلة

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الغرور

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

العجب

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الكبر

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

اتباع الشيطان

التزيين والتسويل:

إنساء الذكر:

الإملاء والتمنية:

التخويف والتحزين:

اتباع الهوى

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

التثاقل إلى الدنيا

الدنيا والقرآن الكريم:

الدنيا والنبوة:

الدنيا وأئمة الهدى:

حب المال

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

حب الجاه

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

حب المدح

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

اتباع الشهوات

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الرّياء والسمعة

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

احتقار الذنوب

العلاج العرفاني:

العلاج السلوكي:

احتقار المذنبين

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الإثم والعدوان

علاج الإثم:

علاج العدوان:

الحدة والغضب

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الحقد والحسد

الحقد وعلاجه:

الحسد وعلاجه:

السخرية والاستهزاء

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

حصائد الألسن

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الغيبة والنميمة

الغيبة وعلاجها:

النميمة وعلاجها:

الخداع والمكر

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

البهتان والكذب

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

البغي والظلم

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

أكل الحرام

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الوهن والكسل

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

اللؤم والدناءة

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الحرص والبخل

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

موالاة الظالمين

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

خذلان الحق

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الفواحش والمنكرات

الفواحش وعلاجها:

المنكرات وعلاجها:

المراء والجدال

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

اليأس والقنوط

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

العجلة والطيش

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

العنصرية والطائفية

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

التنازع والتفرق

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

العقوق والقطيعة

القطيعة وعلاجها:

العقوق وعلاجه:

الدجل والشعوذة

الدجل وعلاجه:

الشعوذة وعلاجها:

الإعراض والضلال

الإعراض وعلاجه:

الضلال وعلاجه:

التحريف والابتداع

التحريف وعلاجه:

الابتداع وعلاجه:

الغدر والخيانة

الغدر وعلاجه:

الخيانة وعلاجها:

هذا الكتاب

هذه السلسلة

تحاول هذه السلسلة المعنونة بـ[رسائل التزكية والترقية] بأجزائها الخمسة، ورسائلها المائتين، التعريف بالطريق إلى تزكية النفس وترقيتها ابتداء من مرحلتها الأولى: النفس الأمارة، وانتهاء بالمرحلة الأخيرة: النفس المرضية.

وهي تحاول أن تعتمد في ذلك، وبالدرجة الأولى على المصادر المقدسة من الكتاب والسنة المطهرة، بالإضافة إلى ما ذكره أئمة الهدى وورثة النبوة، أو ما انبنى على تلك التوجيهات المقدسة من تجارب وحكم ذكرها العلماء والحكماء من هذه الأمة وغيرها، فالحكمة ضالة المؤمن، أين وجدها، فهو أحق بها.

وهي تبتعد عن كل ذلك الدخن الذي أصاب الكتب التي ألفت في هذه الجوانب، بسبب اعتمادها على مصادر نهينا عن الاعتماد عليها، ولذلك أصبح العلم المرتبط بها، والذي يطلق عليه [التصوف] أو [العرفان] بشقيه النظري والعملي، محلا للكثير من الأطروحات التي لقيت الجدل الكبير، وتسببت بذلك في الابتعاد عن هذا العلم الجليل، حذرا من الدخن الذي وقع فيه.

ولذلك؛ فإن هذه السلسلة تحاول تجنب كل ذلك، وطرح القضايا المتعلقة بالتزكية والترقية من خلال المصادر الأصلية المعتمدة، بعيدا عن كل المؤثرات الخارجية، الشرقية والغربية.

بالإضافة إلى ذلك تحاول إقناع السالكين بضرورة التزكية في جوانبها المختلفة، باعتماد كل أنواع الاستمالات العقلية والعاطفية وغيرها، لأن الهدف من علم التزكية ليس حفظ مصطلحاته، ولا الغوص في تفاصيله وفروعه، وإنما هو وسيلة لتطهير النفس والعروج بها في معارج الكمال المتاحة لها.

وسبب تسميتنا لها بهذا الاسم [رسائل التزكية والترقية]، يعود إلى أنها عبارة عن رسائل يرسلها شيخ مرشد مرب إلى مريده الطالب للتزكية، يجيبه فيها على أسئلته وإشكالاته،

 مثالب النفس الأمارة ( 9/ صفحات الكتاب 618)

ويوضح له كيفية تزكية نفسه من كل الآفات التي يتعرض لها، بالإضافة إلى تعريفه بمراتب الترقي التخلقي والتحققي.

وبناء على كون النفس هي المجال الذي ترتبط به التزكية والترقية كما قال الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10]؛ فقد كانت عناوين هذه السلسلة جميعا مرتبطة بالنفوس، كما ذكرها القرآن الكريم.

وقد رأينا أنه ذكر خمس مراتب للنفوس، ولكل نفس حالتها ومراتبها الخاصة، وهذه النفوس هي:

1. النفس الأمارة: وهي من خلال اسمها تدل على المرحلة التي تكون فيها النفس خبيثة ممتلئة بالأهواء، مستعدة بدرجة كبيرة لتلقي الوساوس الشيطانية؛ فلذلك لا تأمر إلا بالشر.. وقد أشار الله تعالى إلى هذه النفس في قوله: {إِن النفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53]

لكن هذا لا يعني عدم إمكانية تطهيرها وتزكيتها وترقيتها من تلك الحالة إلى حالة أخرى أكثر طهرا.. بل إن ذلك ممكن، والقرآن الكريم أشار إليه عند ذكره لتحول السحرة وغيرهم إلى الإيمان.. ولولا ذلك لما كان هناك حاجة لعلم الأخلاق وغيره من العلوم المرتبطة بسياسة النفس وتهذيبها.

وقد خصصنا الحديث على هذه النفس بالجزء الأول من هذه السلسلة، والمعنون بـ[مثالب النفس الأمارة]، وقد أوردنا فيه المثالب والعيوب والنقائص التي تسببت في تحول النفس من فطرتها الأصيلة إلى حالة النفس الأمارة المستعدة استعدادا كبيرا للشر.

ولم نكتف بإيراد ذلك، وإنما ذكرنا كيفية تطهير تلك المثالب، وعلاجها، وتصحيح ما تقع فيه النفس من أخطاء، حتى ترتقي إلى درجة أعلى في عالم النفوس.

 مثالب النفس الأمارة ( 10/ صفحات الكتاب 618)

2. النفس اللوامة: وقد ذكرها القرآن الكريم، وأثنى عليها في قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2]، والمراد منها تلك النفس الممتلئة بالورع والتقوى، والتي تلوم صاحبها على كل التصرفات التي تحول بينه وبين الكمال.

وقد خصصنا الحديث على هذه النفس بالجزء الثاني من هذه السلسلة، والمعنون بـ[مدارس النفس اللوامة]، وقد أوردنا فيه المناهج والرؤى المختلفة في كيفية التزكية والترقية، مما ذكرته المصادر المقدسة، أو ما بني عليها، أو على أصولها.

3. النفس المطمئنة: وقد ذكرها القرآن الكريم، وأثنى عليها في قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النفْسُ الْمُطْمَئِنةُ} [الفجر: 27]، والمراد منها تلك النفس التي وصلت إلى حالة اليقين والطمأنينة والصلاح؛ فصار صاحبها مرتاحا من شغبها وجدلها ولومها وأمرها له بالسوء، ولذلك كانت مطمئنة لينة سهلة مسالمة.

وبما أن النفس في هذه المرحلة تصبح محلا للتحقق الخلقي، فقد ذكرنا في الجزء الخاص بها، وهو الجزء الثالث المعنون بـ[منازل النفس المطمئنة] تلك المراتب والمنازل التي تمر بها، والتي تجعلها أهلا لرضوان الله تعالى، لتحققها بكل متطلبات كمالها الممكنة.

4. النفس الراضية: وهي التي أشار إليها القرآن الكريم من غير تصريح عند ذكره للنفس المطمئنة، فقد قال بعدها: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً} [الفجر: 28]، أي أن من مواهب الله للنفس المطمئنة، أو من علامات اكتمالها، ونهاية سيرها حصولها على الرضا..

وبما أن الرضا مرتبط بالمعارف، فقد بحثنا في الجزء الخاص بهذه النفس تلك المعارف التي تملأ النفس بالرضا، وهي معارف مرتبطة بحقائق الوجود الكبرى، وقد أطلقنا على هذا الجزء اسم [معارف النفس الراضية]، وقصدنا من ذلك المعارف الذوقية التي هي ثمار للسلوك التخلقي.. فالتحقق العرفاني ثمرة للسلوك الأخلاقي.

وقد حاولنا في هذا الجزء خصوصا تبسيط تلك المعارف، واستعمال كل وسائل الإقناع المرتبط بها، وابتعدنا في نفس الوقت عن كل تلك المصطلحات والمفاهيم الدخيلة على ما يطلق عليه [العرفان النظري] أو [التصوف الفلسفي]

 مثالب النفس الأمارة ( 11/ صفحات الكتاب 618)

ولذلك كان هذا الجزء خاصا بهذا النوع من العرفان، ولكن في صورته القرآنية النبوية بعيدا عن الغنوصيات والآثار الأجنبية.

5. النفس المرضية: وهي التي أشار إليها القرآن الكريم من غير تصريح عند ذكره للنفس المطمئنة، فقد ذكر لتلك النفس مرتبتين أو صفتين: الراضية.. والمرضية، فقال: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 28]، ثم عقب عليها بقوله: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنتِي (30)} [الفجر: 29، 30]

وقد فهمنا من خلال هذا الوصف، والتعقيب الذي عقب به على أن النفس المرضية هي النفس التي أصبحت محلا لتنزل الكرامات والفضل الإلهي في الدنيا والآخرة..

ولذلك خصصنا هذا الجزء المعنون بـ[مواهب النفس المرضية] بما وفره الله تعالى من فضل للصالحين الذين جاهدوا نفوسهم في ذات الله إلى أن استقامت لهم، وصلحت، وصارت محلا لكل أنواع الكرامة والمواهب.. وقد اعتبرنا هذا من باب الحوافز على السير والسلوك.

هذه هي أجزاء السلسلة الخمسة، وقد وضعنا في كل جزء منها أربعين رسالة، يمكن قراءة كل واحدة منها منفصلة، والاستفادة منها، من دون حاجة لغيرها.

وقد اعتمدنا على ذلك لتيسير تعلم المسائل المرتبطة بكل فرع من تلك الفروع، لأن كثرة التفريعات ـ في حال جعلها فصولا محدودة ـ تؤدي إلى الانشغال بها عن المطلوب منها.

وقد حاولنا في هذه الرسائل المزج بين الجانب النظري والعملي.. ذلك أن التزكية تحتاج إلى كليهما، فالمعرفة لها دور كبير في تأكيد الحقائق وتعميقها، حتى تذعن النفس لها وتقوم بالمتطلبات العملية المرتبطة بها.

 مثالب النفس الأمارة ( 12/ صفحات الكتاب 618)

المقدمة

يحاول هذا الكتاب التعريف بالعيوب والمثالب المشكلة للنفس الأمارة، ومنابعها التي تنبع منها، والثمار التي تثمرها، مع بيان كيفية التخلص منها إما باستعمال الأدوية المعرفية، أو أنواع الممارسات العملية.

وقد حاولنا أن نصيغ فيه كل ما ذكر في كتب الأخلاق والتصوف والسلوك من معارف مرتبطة بهذه الجوانب، مع الابتعاد عن كل ما لا علاقة بها، أو ما نرى أنه من الدخن الذي أصاب هذه العلوم، مثل غيرها من العلوم.

ولذلك كان اعتمادنا في التعرف على مظاهر تلك المثالب ومنابعها وكيفية علاجها على المصادر المقدسة بالدرجة الأولى، باعتبارها المصدر الأول للتزكية، سواء من ناحية التعريف بها، أو بيان منابعها وثمارها، أو بيان كيفية علاجها والتخلص منها.

ولضرورة التبسيط والتوضيح، جعلناه على شكل رسائل يرسلها شيخ مرشد مرب إلى مريده الذي يطلب منه أن يعرفه بالمثالب المشكلة للنفس الأمارة، وكيفية التخلص منها، مع سؤاله عن بعض أسرار النصوص المقدسة المرتبطة بها.

وقد أرسل له في هذا الكتاب أربعين رسالة تشمل جميع الجوانب المرتبطة بالنفس الأمارة، وتشرح له كل ما يتعلق بها من معارف يحتاجها لذلك.

وبما أن غرض الكتاب ورسائله تربوي بالدرجة الأولى؛ فإنا ابتعدنا كل البعد عن الأساليب الأكاديمية الجافة من التعريفات ومناقشة المفاهيم والمصطلحات وغيرها، حتى لا ينشغل القارئ بتلك الجوانب على الهدف المقصود من الكتاب، وهو تربية النفس وتهذيبها.

ولذلك حاولنا ـ في حال الخلاف في بعض المفاهيم ـ أن نتجاوز ذلك، وأن نذكر مباشرة ما ترجح لدنيا منه، وقد نشير إلى غيره مجرد إشارة لا تشغل القارئ عن الهدف الذي يهدف إليه.

ومن الأمثلة على ذلك أن أكثر كتب السلوك والتربية تتحدث عن الفوارق بين تلك المثالب، كذكر الفرق بين العجب والغرور، أو العجب والكبر ونحوها، وقد يختلفون في ذلك

 مثالب النفس الأمارة ( 13/ صفحات الكتاب 618)

اختلافا شديدا، وكل ذلك لا يعني القارئ.. ولذلك ذكرنا الفكرة التي نريدها مباشرة، لأن الهدف ليس التحقيق العلمي، وإنما الدعوة إلى السلوك والتهذيب والتربية، وهي لا تهتم بالمصطلحات بقدر ما تهتم بالحقائق.

لذلك حاولنا أن نضع في الكتاب أكبر قدر من النصوص المقدسة المرتبطة بالترغيب والترهيب من تلك المثالب، مع الدعوة للتأمل فيها، ومخاطبة العقل بأنواع الأمثلة التي ترغبه في المحاسن، وترهبه من المساوئ.

وقد اعتمدنا في تلك النصوص بالإضافة للقرآن الكريم ما ورد في السنة المطهرة من المصادر المعتمدة لدى المدارس الإسلامية، على المنهج الذي نعتمده فيها، وهو الاهتمام بمتن الحديث؛ فإن كان متوافقا مع القرآن الكريم، وأصول الدين، والفطرة السليمة؛ فإننا نقبله، ونثبته بغض النظر عن رواته، مع ملاحظة أننا نهذب ـ أحيانا ـ تلك النصوص بحذف ما نراه مدرجا فيها، أو متعارضا مع القرآن الكريم والقيم النبوية والفطرة السليمة.

ومثل ذلك اعتمدنا على ما ورد من الروايات عن أئمة الهدى وورثة النبوة، باعتبارهم أساتذة التزكية، وروادها، مع التنبيه إلا أننا ـ ولغاية الاختصار ـ لم نذكر كل ما ورد عنهم من روايات في تلك الجوانب، لأننا أفردنا الحديث عنهم فيها في سلسلة [أئمة وقيم]

وننبه في الأخير إلى أن أننا لم نرتب الخصال الواردة في الكتاب بأي نوع من أنواع الترتيب، ولم نجعل لأي منها علاقة بالأخرى، وذلك لغرض التبسيط، فكل رسالة يمكن قراءتها منفصلة، لأنها بمثابة الأدوية التي قد يحتاج البعض إلى بعضها، ويستغني عن الباقي.

لكن مع ذلك ننبه إلى أن هذه الخصال جميعا يؤثر بعضها في بعض، ولا يمكن فهم التزكية، ولا سلوك سبيلها دون التعرف عليها جميعا، ذلك أن بعضها ينبع من بعض، وبعضها يؤدي إلى بعض.

 مثالب النفس الأمارة ( 14/ صفحات الكتاب 618)

الغفلة

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تخبرني بألم عن شعورك باللامبالاة تجاه تلك الحقائق الجميلة التي كنت تستمع إليها أثناء الوعظ، وأخبرتني أن ذهنك حينها سرح وشرد في كل شيء، حتى في تلك الألوان التي كانت تزدهي بها السجادة التي كنت جالسا عليها، وتفاصيل خيوطها وأشكالها.

وأخبرتني أنك عند دعائك لربك، كان لسانك يتحدث إلى الله من غير أن تشعر به، ولا بوجوده، ولا بتلك الألفاظ التي كنت ترددها، ولا بالمطالب العظيمة التي كنت تطلب منه أن يحققها لك..

وأخبرتني أنك في صلاتك صرت مثل تلك الآلة التي تقوم بحركاتها في منتهى الدقة، ومن غير أن تشعر بما تفعل، أو تتأثر به.

وكل ما ذكرته ـ أيها المريد الصادق ـ أعراض لأخطر الأمراض التي تصيب النفس، وتملؤها بالمسالك التي يتسرب منها الشيطان والأهواء.. وهو مرض الغفلة.. وهو أخطر الأمراض جميعا، لأنه المقدمة التي تتيح للجحود والكفر وكل أنواع المعاصي كبائرها وصغائرها أن تتمكن من النفس، وتحولها إلى نفس أمارة بالسوء، لا حظ لها من الخير، ولا علاقة لها به.

وسر ذلك واضح أيها المريد الصادق، ذلك أن الغفلة تشبه ذلك المخدر الذي يوضع على مراكز الشعور، لتشعر بعدم الإحساس بأي شيء، وحينها يمكن التحكم في العضو المخدر، ليصبح لينا سهلا يسهل التحكم فيه بكل سهولة.

ولهذا، فإن أول ما يبدأ به الشيطان إغواءه للإنسان تسليط الغفلة عليه، بحيث يصبح مخدرا لا يهتم لشيء، ولا يلقي باله ولا سمعه، لا لناصح ولا لمذكر.. فإذا وصل الإنسان إلى تلك الدرجة، سهل على الوساوس أن تتسرب، وسهل على ما بعدها أن يتمكن من النفس.

هذا تشخيص ما ذكرت ـ أيها المريد الصادق ـ والتشخيص نصف العلاج.. فلا تيأس.. فما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، ولذلك فقد وفر لهذا الداء الكثير من الأدوية، والتي

 مثالب النفس الأمارة ( 15/ صفحات الكتاب 618)

سأختصرها لك في دواءين، عليك أن تمارسهما، حتى تشفى من هذه الحالة، وتستعيد نفسك عافيتها.

 مثالب النفس الأمارة ( 16/ صفحات الكتاب 618)

العلاج المعرفي:

وأولهما أن تعلم علم اليقين خطر الغفلة على حياتك ومستقبلك وجميع مصالحك.. فلا ينفي الغفلة شيء مثل الخوف والألم.. ذلك أنهما من المنبهات الشديدة التي تؤدي إلى اليقظة.

ألا ترى كيف يسير ـ حذرا ومتيقظا ـ من يعلم أن المطبات تملأ طريقه، والأشواك تعترض مسالكه.. فلذلك يحذر عند كل حركة يقوم بها خشية أن تؤدي إلى تلفه أو إعاقته أو إلحاق أي ضرر به؟

وهكذا الأمر بالنسبة لدينك الذي هو رأسمالك؛ فإذا علمت أن الغفلة عن حقائقه وقيمه لن تجني منها إلا الهلاك الأبدي، فسيجعلك ذلك حذرا خائفا، مثل ذلك الذي يسير في طريق الأشواك، أو في مفازة يخاف أن تلتهمه السباع.

ولهذا اعتبر الله تعالى الغفلة هي السبب في هلاك كل القرى وأصحابها الذين لم يعطوا رسلهم ما يستحقون من الاهتمام، قال تعالى ـ مبينا السبب الأكبر لهلاك قوم فرعون ـ: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136]

واعتبر الغفلة السبب الأكبر لذلك الران الذي طغى على القلوب؛ فملأها بالكبر، وصرفها عن تدبر الحقائق، فقال: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146]

وبذلك؛ فإن الغفلة أخطر من الكبر، ذلك أن المتكبر المستيقظ قد يسمع من الآيات، أو يرى من الحجج، ما يجعله متواضعا يستمع للحق، لكن الغافل المخدر يصم آذانه فلا يسمع حقا، ولا يقبل عليه في حال سماعه.

ولهذا أخبرنا الله تعالى أن الغفلة هي سبب الإعراض عن الحق، لعدم الاهتمام به، واللامبالاة تجاهه، قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلناسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 1]

 مثالب النفس الأمارة ( 17/ صفحات الكتاب 618)

وأخبر عن أدراك الغافلين للآثار التي جنوها من غفلتهم، فقال: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 97]

وأخبر عن قول الملائكة وتأنيبها للغافلين، فقال: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 21، 22]

وأخبر عن أول تحذير إلهي للبشر من عالم الذر، وهو تحذيرهم من الغفلة، فقال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنا كُنا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172]

إن هذا التحذير ـ أيها المريد الصادق ـ يشبه تحذير الطبيب مريضه من الغفلة عن استعمال أدويته، وفي أوقاتها المحددة، ذلك أن المشكلة ليست في عدم توفر الدواء، وإنما في الغفلة عن استعماله.

ولهذا، فإن على من عرف خطر الغفلة، وآثارها على حياته جميعا، أن يتخيل نفسه كل حين، وكأنه في سوق كثر لصوصه، أو في مفازة كثر سباعها.. فهو حذر كل حين على حقيقته التي يمكن أن تسلب منه في أي لحظة.

فلصوص الروح ـ أيها المريد الصادق ـ أخطر من لصوص المال، والسباع التي تنهش حقيقة الإنسان أخطر من السباع التي تنهش جسده..

فلذلك احذر من أولئك الذين يملؤونك بالرجاء الكاذب، أو يطمئنونك وأنت في هذه الفيافي الممتلئة بالمخاطر.. إنهم لا يختلفون أبدا عن أولئك اللصوص الذين يخدعونك بالكلام المعسول، والأماني الكاذبة قبل أن يقوموا بسرقتك.

وهكذا يفعل الشيطان وأولياؤه عندما يشعرونك بالأمان، قبل أن تقوم بالتحصينات اللازمة لمملكتك التي تهددها شياطين الإنس والجن كل حين.

 مثالب النفس الأمارة ( 18/ صفحات الكتاب 618)

إن مثلهم مثل من يأمرك بالسير إلى بلاد مملوءة بأنواع الوباء والفيروسات والجراثيم، ثم يدعوك إلى التوكل على الله، والاكتفاء بالثقة به، عن أن تحصن نفسك بأنواع التلقيحات.

وهكذا الأمر بالنسبة للغفلة، فإن أكبر أسبابها ذلك الوهن والكسل الناتج عن الثقة الزائدة، والأمل الكاذب.. لكن إن توفر ما يضادها من الخوف المقترن بالرجاء، فإن مفعول مخدر الغفلة سيزول لا محالة.

ولهذا دعا الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى استعمال أسلوب الإنذار لا التبشر مع من تعتريهم الغفلة، لتحول بينهم وبين اليقظة، والجد في السير، قال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39]

 مثالب النفس الأمارة ( 19/ صفحات الكتاب 618)

العلاج السلوكي:

إذا علمت ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ فإن أول ما عليك فعله حتى تتجنب الغفلة وآثارها، أن تستعمل الأدوية والأسلحة التي تضادها، وتواجهها، وتبطل مفعولها، وأن تحرص عليها حتى لا يسلبها منك الشياطين أثناء غفلتك عنها، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102]

فكما أن أول أهداف الأعداء الذين يريدون السيطرة على أي حصن من الحصون، الوصول إلى مراكز أسلحته، وسرقتها، حتى لا يتمكن أصحاب الحصن من الدفاع عن أنفسهم، فهكذا يفعل أعداء النفس، فهم يستغلون تلك الغفلة التي تعتري الإنسان، لسلب أسلحته، والقضاء عليه بها.

وكما أن أول ما يفعله من يفطن للأعداء تلك الصيحة التي يحذر بها منهم، فيفرون مدبرين.. فكذلك الأمر في عالم الروح؛ فقد علمنا الله تعالى كيف نصيح بتلك الصيحة، حتى تستيقظ كل لطائفنا، وتنتبه إلى العدو الذي يتربص بها.

وتلك الصيحة هي ذكر الله تعالى، وحضور القلب معه، ولو تكلفا، فإن ذلك ـ مع الدوام عليه ـ سيعيد لكل لطائف الإنسان يقظتها، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِن الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 200، 201]

ثم ذكر مقابلهم أولئك الذين يسكنون ويفرحون للغفلة، ويلتذون بها، لأنها تجعلهم في مأمن من كل ما تدعوهم إليه اليقظة من التكاليف، فقال: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202]

ولهذا اعتبر الله تعالى سبب استحواذ الشيطان على الإنسان، وتحويله عن إنسانيته الكريمة هو نسيانه لذكر الله، قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ الله أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِن حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]

 مثالب النفس الأمارة ( 20/ صفحات الكتاب 618)

ولهذا ربط الذكر بالغفلة، واعتبره علاجا لها، فقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205]

وبناء على هذا وردت الأحاديث الكثيرة الدالة على فرار الشيطان من الذاكرين، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا نودي بالصّلاة أدبر الشّيطان، فإذا قضي أقبل، فإذا ثوّب بها أدبر، فإذا قضي أقبل، حتّى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا وكذا، حتّى لا يدري أثلاثا صلّى أم أربعا)(1)

وقد قال الله تعالى مقررا لذلك: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 46]، فالآية الكريمة تشير إلى أن ذلك النفور سببه الذكر.. ولهذا كان الذكر أكبر دواء مضاد للغفلة.

وإياك ـ أيها المريد الصادق ـ أن (تترك الذكر لعدم حضور قلبك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره؛ فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة.. ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور.. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عن ما سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزيز)

لذلك التزم الذكر وداوم عليه، واحرص على حضور قلبك معه.. فإن اعترتك الغفلة أثناءه، فلا تيأس.. وإنما واصل ذكرك، وأنت تتألم لغفلتك.. وسترى كيف ينقذك الله منها.

ليس ذلك فقط ما يمكنك أن تقوم به ـ أيها المريد الصادق ـ لمواجهة داء الغفلة؛ فقد تجد من شياطين الإنس من يلقي إليك بالوساوس التي تجعل من ذكرك مجرد لقلقة لسان، لا أثر لها في نفسك، ولا تأثير لها في حياتك.

ولذلك كان أول الطريق البعد عمن ينسيك ذكر الله، والقرب ممن يذكرك به، كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ

__________

(1) البخاري [فتح الباري]، 6 (3285)

 مثالب النفس الأمارة ( 21/ صفحات الكتاب 618)

عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]

فهذه الآية الكريمة تحذرك من كل أولئك الشياطين الذين يملؤونك بالغفلة، وينحرفون بحقيقتك عن مسارها الصحيح.. فاحذر منهم.. واحذر من كل من لا تذكرك بالله رؤيته.. أو يدلك على الله حاله.. أو يزيد في علمك منطقه.. ذلك الذي إن رآك غافلا ذكرك.. وإن رآك ذاكرا أعانك.

لتكون مثل ذلك الذي قال لصاحبه: (تعال نؤمن بربنا ساعة)، فغضب الرجل، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يرحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة)(1)

وقد روي أن هذا الصحابي الجليل الشاعر الشهيد عبد الله بن رواحة، كان يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: (تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ونزدد إيمانا، تعالوا نذكره بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته)(2)

وروي أنه قال لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة، فقال صاحبه: أولسنا بمؤمنين؟ قال: (بلى، ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا)(3)

وقد صدق في ذلك، فالإيمان الحقيقي هو إيمان الذاكرين، لا الغافلين، والحاضرين، لا الناسين.. فهل يمكن أن تعتبر ذلك الغافل الذي لا يعرف ربه، ولا يذكره، ولا يتذكره في أي محل مؤمنا.. نعم هو مؤمن ظاهرا، لكن باطنه يغطي الله بحجب كثيرة تحول بينه وبين معرفته أو التواصل معه.

__________

(1) مسند أحمد (21/ 309)

(2) ابن أبي شيبة 11/ 43

(3) البيهقي في الشعب (50)

 مثالب النفس الأمارة ( 22/ صفحات الكتاب 618)

هذه ـ أيها المريد الصادق ـ الأدوية الكبرى لمرض الغفلة، وهناك أدوية كثيرة سأذكرها لك في سائر رسائلي، لذلك.. ليس عليك سوى استعمالها، وسترى كيف تنقشع الغفلة عن قلبك، وفي أقرب وقت، ليصبح مرآة تتجلى عليها كل حقائق الوجود بصورتها الجميلة الناصعة.. وستندم حينها على كل لحظة كنت فيها بعيدا عن تلك المشاهد التي لا يوجد ما هو أجمل منها.

 مثالب النفس الأمارة ( 23/ صفحات الكتاب 618)

الغرور

كتبت ـ أيها المريد الصادق ـ تشكرني على ما ذكرته لك من أدوية حول مرض الغفلة، وكيفية علاجه، وذكرت أنك جربت تلك الأدوية التي وصفتها لك، وأنك رأيت بعض آثارها العاجلة عليك، وعلى قلبك.. وأنك أصبحت ـ لذلك ـ تلتذ بالذكر بعد أن كنت تنفر منه، وترق للمواعظ بعد أن كنت تضيق منها.

وأنا أبشرك بأنك إن أدمنت على ذلك وداومت عليه، فستنقشع عن قلبك كل الحجب، وسيزول كل الران الذي يحول بينك وبين رؤية الحق واتباعه.

لكني ـ مع ذلك ـ أحذرك من مرض لا يقل خطرا عن الغفلة، بل قد يكون أخا توأما له، وهو مسلك من مسالك الشيطان التي يتخذها مع من نجا من استحواذه عليه بسبب الغفلة.

وذلك المرض الخطير، هو الغرور، ذلك الداء الذي تنقصم له الظهور.. جميع الظهور.. حتى ظهور الصالحين التي قد تتذوق حلاوته، فتأنس لها، وتنسى أن الامتحان لم ينته، وبذلك تسقط، ولو في آخر اللحظات.

لقد ذكر الله تعالى ذلك، وحذر منه أشد تحذير، وضرب المثل له بآدم عليه السلام، ذلك الذي جاءه الشيطان من هذا الباب، بعد أن علم استعداده للوسوسة من خلاله، فقال: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22]

فالشيطان استطاع أن يغري آدم بالأكل من الشجرة، بسبب ما رآه من طمأنينته في الجنة، وتوهمه أنها ستبقى له أبد الآباد، وأنه لن يزيحه منها أحد، خاصة بعد أن علم لطف الله ورحمته وكرمه.. ولذلك أتاه الشيطان من هذا الباب، وراح يقسم له بالأيمان المغلظة إلى أن صدقه.

ولذلك اعتبر الله تعالى الغرور من أكبر أسلحة الشيطان التي يستعملها في غواية الإنسان، قال تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 120]

 مثالب النفس الأمارة ( 24/ صفحات الكتاب 618)

وقال ـ مفصلا وسائله وأساليبه في ذلك ـ: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ الله وَقَالَ لَأَتَّخِذَن مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنهُمْ وَلَأُمَنيَنهُمْ وَلَآمُرَنهُمْ فَلَيُبَتِّكُن آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنهُمْ فَلَيُغَيِّرُن خَلْقَ الله وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 117 - 120]

وقال مبينا إقرار الله للشيطان فيما يريد أن يستعمله من وسائل للإيقاع بالإنسان: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء: 64]، ثم بين بعدها سر ذلك الإقرار، وهو تمييز الصادقين من المغترين، فقال: {إِن عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: 65]

وهكذا ذكر أن الغرور هو المصيدة التي يستعملها كل شياطين الإنس والجن، للإيقاع بمن يريدون ضمهم إلى صفوفهم، فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِن يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112]

وهكذا اعتبر كل ما ينحرف بالإنسان عن مسيرة الترقي التي هيأها له، نوعا من أنواع الغرور، ومادة من مواده.. وبما أن كل ذلك مجتمع في الدنيا، فقد اعتبرها المتاع الذي لا يقع في حبائله إلا المغترون، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]

ولهذا كله اعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغرور هو المصيدة التي لا ينجو منها إلا الفطنون الحذرون الصادقون الذي لا يسكنون لشيء، فقال: (حبّذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يغبنون سهر الحمقى واجتهادهم، ولمثقال ذرّة من صاحب تقوى ويقين أفضل من مل ء الأرض من المغترّين)(1)

__________

(1) ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين.

 مثالب النفس الأمارة ( 25/ صفحات الكتاب 618)

وقال في حديث آخر: (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والاحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانيّ)(1)

وليس ذلك فقط، ما ورد في النصوص المقدسة من التحذير من الغرور، وإن كان كافيا، بل إن (كلّ ما ورد في فضل العلم وذمّ الجهل فهو دليل على ذمّ الغرور، لأن الغرور عبارة عن بعض أنواع الجهل، إذ الجهل هو أن يعتقد الشي ء، ويراه على خلاف ما هو به، والغرور هو الجهل)(2)

بل هو أخطر أنواع الجهل، ذلك أن الغرور جهل مركب؛ فالمغرور لا يكتفي بأن يجهل، وإنما يضم إليه ذلك التفكير الرغبوي الذي يجعله يرى الأشياء كما يحب، لا كما هي في الواقع، ثم يذهب إلى المغالطات والأكاذيب ليعتمدها أدلة على صدق دعواه، وإن لم تكن كذلك.

ولذلك يصبح علمه علم هوى، لا علما موضوعيا واقعيا.. وذلك أخطر أنواع الجهل.. ولهذا عرف الحكماء الغرور بأنه (سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان، فمن اعتقد أنه على خير إمّا في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور)(3)، وعرفوه بأنه (إخفاء الخدعة في صورة النصيحة)(4)، وأنه (تزيين الخطإ بأنه صواب)(5)

لا تيأس ـ أيها المريد الصادق ـ فأنا لم أرد ملأك بالقنوط عند تحذيري لك من الغرور، وإنما قصدي أن تنتبه له، وتحذر منه، ولا تكتفي بتلك اللذة التي وجدتها عند ذكرك لربك، أو عبوديتك له، فقد يأتيك الشيطان من حيث لا تحتسب، وقد قال الله تعالى عن ذلك الذي لم

__________

(1) الترمذي والحاكم وأحمد وابن ماجه رقم 4260.

(2) المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، ج 6، ص: 293.

(3) المرجع السابق، ج 6، ص: 292.

(4) التوقيف ص 252.

(5) الكليات للكفوي ص 672.

 مثالب النفس الأمارة ( 26/ صفحات الكتاب 618)

يأخذ حذره من الغرور: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176]

ولهذا؛ فإني أنصحك ـ أيها المريد الصادق ـ مثلما نصحني جميع أساتذتي ومشايخي بأن تستعمل كل يوم، بل كل لحظة هذين الدوائين اللذين سأصفهما لك.. وهما كسائر أدوية النفس، أحدهما يرتبط بالمعرفة، والثاني بالعمل.. أولهما المقدمة، وثانيهما النتيجة.

 مثالب النفس الأمارة ( 27/ صفحات الكتاب 618)

العلاج المعرفي:

أما الأول.. وهو العلاج المعرفي.. فاعلم أن السبب الأكبر للغرور هو عدم التصديق بوعد الله أو وعيده، أو ضعف ذلك التصديق.. وبقدر الضعف يكون الغرور.

ومثل ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ مثل شخص دخل مدينة، وكان معه ثروة كبيرة من أصناف الأموال، وعندما خالط أهل المدينة سكن لهم، وأنس بهم، وتأثر بأخلاقهم.. فجعله ذلك يغفل عن حراسة ثروته؛ فأخذ اللصوص الذين لم ينتبه لهم، يسلبون منه كل حين طرفا منها إلى أن سلبوها منه جميعا.

فهكذا الأمر ـ أيها المريد الصادق ـ مع من اغتر بما وصل إليه من مكاسب أو ناله من شهرة، أو حظي به من أصناف التكريم.. فإنه إن سكن إلى ذلك، جاءه الشياطين بصور الملائكة، وسلبوا منه كل شيء، ومن غير أن يعلم.

ولذلك حذر الله تعالى من السكون إلى الأشياء، قبل معرفة المصير الحقيقي، الذي لا يمكن معرفته ما دمنا في الدنيا، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النارِ وَأُدْخِلَ الْجَنةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]

إن مثل ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ مثل تلميذ في الامتحان؛ فهو قد يجيب عن بعض الأسئلة؛ فيفرح بإجابته، ويسكن لها، ويطمئن إلى نجاحه، ويجعله ذلك يقصر في باقي المواد، إلى أن يخسر كل شيء بسبب تقصيره..

ولهذا، فإن الكيس لا يغتر بالخلق جميعا، ولو أجمعوا على الثناء عليه، لأنه يعلم أن ثناءهم لن يجديه عند ربه ما لم يكن صادقا ومخلصا؛ فالله تعالى هو الذي يميز وحده الناجحين من الراسبين، والفائزين من الخاسرين.

ولهذا تتوالى التحذيرات الإلهية من السكون إلى الدنيا وأهلها، والاغترار بمعسول كلامهم وثنائهم ورضاهم، لأن رضاهم لا يعني رضى الله، كما أن سخطهم لا يعني سخطه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الناسُ إِن وَعْدَ الله حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنكُمْ بِالله الْغَرُورُ

 مثالب النفس الأمارة ( 28/ صفحات الكتاب 618)

(5) إِن الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 5، 6]، وقال: {إِن وَعْدَ الله حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنكُمْ بِالله الْغَرُورُ} [لقمان: 33]

وضرب المثل على ذلك بالمنافقين الذين توهموا أنهم ـ بذلك النور المزيف الذي اكتسبوه في الدنيا ـ نجحوا، لكنهم عرفوا في عالم الحقيقة والتجريد أن كل ما اكتسبوه لم يكن سوى أوهام لبّسوا بها على أنفسهم، قال تعالى: {يوْمَ ي