الكتاب: مثالب النفس الأمارة

الوصف: أربعون رسالة في موانع التزكية وعلاجها

السلسلة: رسائل التزكية والترقية

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الأولى، 1440 هـ

عدد الصفحات: 618

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

الكتاب موافق للمطبوع

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

هذا الكتاب

يحاول هذا الكتاب التعريف بالعيوب والمثالب المشكلة للنفس الأمارة، ومنابعها التي تنبع منها، والثمار التي تثمرها، مع بيان كيفية التخلص منها، إما باستعمال الأدوية المعرفية، أو أنواع الممارسات العملية.

وقد حاولنا أن نصيغ فيه كل ما ذكر في كتب الأخلاق والتصوف والسلوك من معارف مرتبطة بهذه الجوانب، مع الابتعاد عن كل ما لا علاقة بها، أو ما نرى أنه من الدخن الذي أصاب هذه العلوم، مثل غيرها من العلوم.

ولذلك كان اعتمادنا في التعرف على مظاهر تلك المثالب ومنابعها وكيفية علاجها على المصادر المقدسة بالدرجة الأولى، باعتبارها المصدر الأول للتزكية، سواء من ناحية التعريف بها، أو بيان منابعها وثمارها، أو بيان كيفية علاجها والتخلص منها.

ولضرورة التبسيط والتوضيح، جعلناه على شكل رسائل يرسلها شيخ مرشد مرب إلى مريده الذي يطلب منه أن يعرفه بالمثالب المشكلة للنفس الأمارة، وكيفية علاجها، مع سؤاله عن بعض أسرار النصوص المقدسة المرتبطة بها.

وقد أرسل له في هذا الكتاب أربعين رسالة تشمل جميع الجوانب المرتبطة بذلك، وتشرح له كل ما يتعلق بها من معارف يحتاجها لذلك.

فهرس المحتويات

فهرس المحتويات

هذه السلسلة

المقدمة

الغفلة

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الغرور

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

العجب

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الكبر

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

اتباع الشيطان

التزيين والتسويل:

إنساء الذكر:

الإملاء والتمنية:

التخويف والتحزين:

اتباع الهوى

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

التثاقل إلى الدنيا

الدنيا والقرآن الكريم:

الدنيا والنبوة:

الدنيا وأئمة الهدى:

حب المال

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

حب الجاه

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

حب المدح

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

اتباع الشهوات

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الرّياء والسمعة

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

احتقار الذنوب

العلاج العرفاني:

العلاج السلوكي:

احتقار المذنبين

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الإثم والعدوان

علاج الإثم:

علاج العدوان:

الحدة والغضب

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الحقد والحسد

الحقد وعلاجه:

الحسد وعلاجه:

السخرية والاستهزاء

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

حصائد الألسن

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الغيبة والنميمة

الغيبة وعلاجها:

النميمة وعلاجها:

الخداع والمكر

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

البهتان والكذب

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

البغي والظلم

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

أكل الحرام

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الوهن والكسل

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

اللؤم والدناءة

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الحرص والبخل

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

موالاة الظالمين

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

خذلان الحق

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

الفواحش والمنكرات

الفواحش وعلاجها:

المنكرات وعلاجها:

المراء والجدال

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

اليأس والقنوط

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

العجلة والطيش

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

العنصرية والطائفية

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

التنازع والتفرق

العلاج المعرفي:

العلاج السلوكي:

العقوق والقطيعة

القطيعة وعلاجها:

العقوق وعلاجه:

الدجل والشعوذة

الدجل وعلاجه:

الشعوذة وعلاجها:

الإعراض والضلال

الإعراض وعلاجه:

الضلال وعلاجه:

التحريف والابتداع

التحريف وعلاجه:

الابتداع وعلاجه:

الغدر والخيانة

الغدر وعلاجه:

الخيانة وعلاجها:

هذا الكتاب

هذه السلسلة

تحاول هذه السلسلة المعنونة بـ[رسائل التزكية والترقية] بأجزائها الخمسة، ورسائلها المائتين، التعريف بالطريق إلى تزكية النفس وترقيتها ابتداء من مرحلتها الأولى: النفس الأمارة، وانتهاء بالمرحلة الأخيرة: النفس المرضية.

وهي تحاول أن تعتمد في ذلك، وبالدرجة الأولى على المصادر المقدسة من الكتاب والسنة المطهرة، بالإضافة إلى ما ذكره أئمة الهدى وورثة النبوة، أو ما انبنى على تلك التوجيهات المقدسة من تجارب وحكم ذكرها العلماء والحكماء من هذه الأمة وغيرها، فالحكمة ضالة المؤمن، أين وجدها، فهو أحق بها.

وهي تبتعد عن كل ذلك الدخن الذي أصاب الكتب التي ألفت في هذه الجوانب، بسبب اعتمادها على مصادر نهينا عن الاعتماد عليها، ولذلك أصبح العلم المرتبط بها، والذي يطلق عليه [التصوف] أو [العرفان] بشقيه النظري والعملي، محلا للكثير من الأطروحات التي لقيت الجدل الكبير، وتسببت بذلك في الابتعاد عن هذا العلم الجليل، حذرا من الدخن الذي وقع فيه.

ولذلك؛ فإن هذه السلسلة تحاول تجنب كل ذلك، وطرح القضايا المتعلقة بالتزكية والترقية من خلال المصادر الأصلية المعتمدة، بعيدا عن كل المؤثرات الخارجية، الشرقية والغربية.

بالإضافة إلى ذلك تحاول إقناع السالكين بضرورة التزكية في جوانبها المختلفة، باعتماد كل أنواع الاستمالات العقلية والعاطفية وغيرها، لأن الهدف من علم التزكية ليس حفظ مصطلحاته، ولا الغوص في تفاصيله وفروعه، وإنما هو وسيلة لتطهير النفس والعروج بها في معارج الكمال المتاحة لها.

وسبب تسميتنا لها بهذا الاسم [رسائل التزكية والترقية]، يعود إلى أنها عبارة عن رسائل يرسلها شيخ مرشد مرب إلى مريده الطالب للتزكية، يجيبه فيها على أسئلته وإشكالاته،

صفحة ( 9)

ويوضح له كيفية تزكية نفسه من كل الآفات التي يتعرض لها، بالإضافة إلى تعريفه بمراتب الترقي التخلقي والتحققي.

وبناء على كون النفس هي المجال الذي ترتبط به التزكية والترقية كما قال الله تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا (7) فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا (8) قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا (9) وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} [الشمس: 7 - 10]؛ فقد كانت عناوين هذه السلسلة جميعا مرتبطة بالنفوس، كما ذكرها القرآن الكريم.

وقد رأينا أنه ذكر خمس مراتب للنفوس، ولكل نفس حالتها ومراتبها الخاصة، وهذه النفوس هي:

1. النفس الأمارة: وهي من خلال اسمها تدل على المرحلة التي تكون فيها النفس خبيثة ممتلئة بالأهواء، مستعدة بدرجة كبيرة لتلقي الوساوس الشيطانية؛ فلذلك لا تأمر إلا بالشر.. وقد أشار الله تعالى إلى هذه النفس في قوله: {إِن النفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي} [يوسف: 53]

لكن هذا لا يعني عدم إمكانية تطهيرها وتزكيتها وترقيتها من تلك الحالة إلى حالة أخرى أكثر طهرا.. بل إن ذلك ممكن، والقرآن الكريم أشار إليه عند ذكره لتحول السحرة وغيرهم إلى الإيمان.. ولولا ذلك لما كان هناك حاجة لعلم الأخلاق وغيره من العلوم المرتبطة بسياسة النفس وتهذيبها.

وقد خصصنا الحديث على هذه النفس بالجزء الأول من هذه السلسلة، والمعنون بـ[مثالب النفس الأمارة]، وقد أوردنا فيه المثالب والعيوب والنقائص التي تسببت في تحول النفس من فطرتها الأصيلة إلى حالة النفس الأمارة المستعدة استعدادا كبيرا للشر.

ولم نكتف بإيراد ذلك، وإنما ذكرنا كيفية تطهير تلك المثالب، وعلاجها، وتصحيح ما تقع فيه النفس من أخطاء، حتى ترتقي إلى درجة أعلى في عالم النفوس.

صفحة ( 10)

2. النفس اللوامة: وقد ذكرها القرآن الكريم، وأثنى عليها في قوله تعالى: {وَلَا أُقْسِمُ بِالنفْسِ اللَّوَّامَةِ} [القيامة: 2]، والمراد منها تلك النفس الممتلئة بالورع والتقوى، والتي تلوم صاحبها على كل التصرفات التي تحول بينه وبين الكمال.

وقد خصصنا الحديث على هذه النفس بالجزء الثاني من هذه السلسلة، والمعنون بـ[مدارس النفس اللوامة]، وقد أوردنا فيه المناهج والرؤى المختلفة في كيفية التزكية والترقية، مما ذكرته المصادر المقدسة، أو ما بني عليها، أو على أصولها.

3. النفس المطمئنة: وقد ذكرها القرآن الكريم، وأثنى عليها في قوله تعالى: {يَا أَيَّتُهَا النفْسُ الْمُطْمَئِنةُ} [الفجر: 27]، والمراد منها تلك النفس التي وصلت إلى حالة اليقين والطمأنينة والصلاح؛ فصار صاحبها مرتاحا من شغبها وجدلها ولومها وأمرها له بالسوء، ولذلك كانت مطمئنة لينة سهلة مسالمة.

وبما أن النفس في هذه المرحلة تصبح محلا للتحقق الخلقي، فقد ذكرنا في الجزء الخاص بها، وهو الجزء الثالث المعنون بـ[منازل النفس المطمئنة] تلك المراتب والمنازل التي تمر بها، والتي تجعلها أهلا لرضوان الله تعالى، لتحققها بكل متطلبات كمالها الممكنة.

4. النفس الراضية: وهي التي أشار إليها القرآن الكريم من غير تصريح عند ذكره للنفس المطمئنة، فقد قال بعدها: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً} [الفجر: 28]، أي أن من مواهب الله للنفس المطمئنة، أو من علامات اكتمالها، ونهاية سيرها حصولها على الرضا..

وبما أن الرضا مرتبط بالمعارف، فقد بحثنا في الجزء الخاص بهذه النفس تلك المعارف التي تملأ النفس بالرضا، وهي معارف مرتبطة بحقائق الوجود الكبرى، وقد أطلقنا على هذا الجزء اسم [معارف النفس الراضية]، وقصدنا من ذلك المعارف الذوقية التي هي ثمار للسلوك التخلقي.. فالتحقق العرفاني ثمرة للسلوك الأخلاقي.

وقد حاولنا في هذا الجزء خصوصا تبسيط تلك المعارف، واستعمال كل وسائل الإقناع المرتبط بها، وابتعدنا في نفس الوقت عن كل تلك المصطلحات والمفاهيم الدخيلة على ما يطلق عليه [العرفان النظري] أو [التصوف الفلسفي]

صفحة ( 11)

ولذلك كان هذا الجزء خاصا بهذا النوع من العرفان، ولكن في صورته القرآنية النبوية بعيدا عن الغنوصيات والآثار الأجنبية.

5. النفس المرضية: وهي التي أشار إليها القرآن الكريم من غير تصريح عند ذكره للنفس المطمئنة، فقد ذكر لتلك النفس مرتبتين أو صفتين: الراضية.. والمرضية، فقال: {ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً} [الفجر: 28]، ثم عقب عليها بقوله: {فَادْخُلِي فِي عِبَادِي (29) وَادْخُلِي جَنتِي (30)} [الفجر: 29، 30]

وقد فهمنا من خلال هذا الوصف، والتعقيب الذي عقب به على أن النفس المرضية هي النفس التي أصبحت محلا لتنزل الكرامات والفضل الإلهي في الدنيا والآخرة..

ولذلك خصصنا هذا الجزء المعنون بـ[مواهب النفس المرضية] بما وفره الله تعالى من فضل للصالحين الذين جاهدوا نفوسهم في ذات الله إلى أن استقامت لهم، وصلحت، وصارت محلا لكل أنواع الكرامة والمواهب.. وقد اعتبرنا هذا من باب الحوافز على السير والسلوك.

هذه هي أجزاء السلسلة الخمسة، وقد وضعنا في كل جزء منها أربعين رسالة، يمكن قراءة كل واحدة منها منفصلة، والاستفادة منها، من دون حاجة لغيرها.

وقد اعتمدنا على ذلك لتيسير تعلم المسائل المرتبطة بكل فرع من تلك الفروع، لأن كثرة التفريعات ـ في حال جعلها فصولا محدودة ـ تؤدي إلى الانشغال بها عن المطلوب منها.

وقد حاولنا في هذه الرسائل المزج بين الجانب النظري والعملي.. ذلك أن التزكية تحتاج إلى كليهما، فالمعرفة لها دور كبير في تأكيد الحقائق وتعميقها، حتى تذعن النفس لها وتقوم بالمتطلبات العملية المرتبطة بها.

صفحة ( 12)

المقدمة

يحاول هذا الكتاب التعريف بالعيوب والمثالب المشكلة للنفس الأمارة، ومنابعها التي تنبع منها، والثمار التي تثمرها، مع بيان كيفية التخلص منها إما باستعمال الأدوية المعرفية، أو أنواع الممارسات العملية.

وقد حاولنا أن نصيغ فيه كل ما ذكر في كتب الأخلاق والتصوف والسلوك من معارف مرتبطة بهذه الجوانب، مع الابتعاد عن كل ما لا علاقة بها، أو ما نرى أنه من الدخن الذي أصاب هذه العلوم، مثل غيرها من العلوم.

ولذلك كان اعتمادنا في التعرف على مظاهر تلك المثالب ومنابعها وكيفية علاجها على المصادر المقدسة بالدرجة الأولى، باعتبارها المصدر الأول للتزكية، سواء من ناحية التعريف بها، أو بيان منابعها وثمارها، أو بيان كيفية علاجها والتخلص منها.

ولضرورة التبسيط والتوضيح، جعلناه على شكل رسائل يرسلها شيخ مرشد مرب إلى مريده الذي يطلب منه أن يعرفه بالمثالب المشكلة للنفس الأمارة، وكيفية التخلص منها، مع سؤاله عن بعض أسرار النصوص المقدسة المرتبطة بها.

وقد أرسل له في هذا الكتاب أربعين رسالة تشمل جميع الجوانب المرتبطة بالنفس الأمارة، وتشرح له كل ما يتعلق بها من معارف يحتاجها لذلك.

وبما أن غرض الكتاب ورسائله تربوي بالدرجة الأولى؛ فإنا ابتعدنا كل البعد عن الأساليب الأكاديمية الجافة من التعريفات ومناقشة المفاهيم والمصطلحات وغيرها، حتى لا ينشغل القارئ بتلك الجوانب على الهدف المقصود من الكتاب، وهو تربية النفس وتهذيبها.

ولذلك حاولنا ـ في حال الخلاف في بعض المفاهيم ـ أن نتجاوز ذلك، وأن نذكر مباشرة ما ترجح لدنيا منه، وقد نشير إلى غيره مجرد إشارة لا تشغل القارئ عن الهدف الذي يهدف إليه.

ومن الأمثلة على ذلك أن أكثر كتب السلوك والتربية تتحدث عن الفوارق بين تلك المثالب، كذكر الفرق بين العجب والغرور، أو العجب والكبر ونحوها، وقد يختلفون في ذلك

صفحة ( 13)

اختلافا شديدا، وكل ذلك لا يعني القارئ.. ولذلك ذكرنا الفكرة التي نريدها مباشرة، لأن الهدف ليس التحقيق العلمي، وإنما الدعوة إلى السلوك والتهذيب والتربية، وهي لا تهتم بالمصطلحات بقدر ما تهتم بالحقائق.

لذلك حاولنا أن نضع في الكتاب أكبر قدر من النصوص المقدسة المرتبطة بالترغيب والترهيب من تلك المثالب، مع الدعوة للتأمل فيها، ومخاطبة العقل بأنواع الأمثلة التي ترغبه في المحاسن، وترهبه من المساوئ.

وقد اعتمدنا في تلك النصوص بالإضافة للقرآن الكريم ما ورد في السنة المطهرة من المصادر المعتمدة لدى المدارس الإسلامية، على المنهج الذي نعتمده فيها، وهو الاهتمام بمتن الحديث؛ فإن كان متوافقا مع القرآن الكريم، وأصول الدين، والفطرة السليمة؛ فإننا نقبله، ونثبته بغض النظر عن رواته، مع ملاحظة أننا نهذب ـ أحيانا ـ تلك النصوص بحذف ما نراه مدرجا فيها، أو متعارضا مع القرآن الكريم والقيم النبوية والفطرة السليمة.

ومثل ذلك اعتمدنا على ما ورد من الروايات عن أئمة الهدى وورثة النبوة، باعتبارهم أساتذة التزكية، وروادها، مع التنبيه إلا أننا ـ ولغاية الاختصار ـ لم نذكر كل ما ورد عنهم من روايات في تلك الجوانب، لأننا أفردنا الحديث عنهم فيها في سلسلة [أئمة وقيم]

وننبه في الأخير إلى أن أننا لم نرتب الخصال الواردة في الكتاب بأي نوع من أنواع الترتيب، ولم نجعل لأي منها علاقة بالأخرى، وذلك لغرض التبسيط، فكل رسالة يمكن قراءتها منفصلة، لأنها بمثابة الأدوية التي قد يحتاج البعض إلى بعضها، ويستغني عن الباقي.

لكن مع ذلك ننبه إلى أن هذه الخصال جميعا يؤثر بعضها في بعض، ولا يمكن فهم التزكية، ولا سلوك سبيلها دون التعرف عليها جميعا، ذلك أن بعضها ينبع من بعض، وبعضها يؤدي إلى بعض.

صفحة ( 14)

الغفلة

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تخبرني بألم عن شعورك باللامبالاة تجاه تلك الحقائق الجميلة التي كنت تستمع إليها أثناء الوعظ، وأخبرتني أن ذهنك حينها سرح وشرد في كل شيء، حتى في تلك الألوان التي كانت تزدهي بها السجادة التي كنت جالسا عليها، وتفاصيل خيوطها وأشكالها.

وأخبرتني أنك عند دعائك لربك، كان لسانك يتحدث إلى الله من غير أن تشعر به، ولا بوجوده، ولا بتلك الألفاظ التي كنت ترددها، ولا بالمطالب العظيمة التي كنت تطلب منه أن يحققها لك..

وأخبرتني أنك في صلاتك صرت مثل تلك الآلة التي تقوم بحركاتها في منتهى الدقة، ومن غير أن تشعر بما تفعل، أو تتأثر به.

وكل ما ذكرته ـ أيها المريد الصادق ـ أعراض لأخطر الأمراض التي تصيب النفس، وتملؤها بالمسالك التي يتسرب منها الشيطان والأهواء.. وهو مرض الغفلة.. وهو أخطر الأمراض جميعا، لأنه المقدمة التي تتيح للجحود والكفر وكل أنواع المعاصي كبائرها وصغائرها أن تتمكن من النفس، وتحولها إلى نفس أمارة بالسوء، لا حظ لها من الخير، ولا علاقة لها به.

وسر ذلك واضح أيها المريد الصادق، ذلك أن الغفلة تشبه ذلك المخدر الذي يوضع على مراكز الشعور، لتشعر بعدم الإحساس بأي شيء، وحينها يمكن التحكم في العضو المخدر، ليصبح لينا سهلا يسهل التحكم فيه بكل سهولة.

ولهذا، فإن أول ما يبدأ به الشيطان إغواءه للإنسان تسليط الغفلة عليه، بحيث يصبح مخدرا لا يهتم لشيء، ولا يلقي باله ولا سمعه، لا لناصح ولا لمذكر.. فإذا وصل الإنسان إلى تلك الدرجة، سهل على الوساوس أن تتسرب، وسهل على ما بعدها أن يتمكن من النفس.

هذا تشخيص ما ذكرت ـ أيها المريد الصادق ـ والتشخيص نصف العلاج.. فلا تيأس.. فما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء، ولذلك فقد وفر لهذا الداء الكثير من الأدوية، والتي

صفحة ( 15)

سأختصرها لك في دواءين، عليك أن تمارسهما، حتى تشفى من هذه الحالة، وتستعيد نفسك عافيتها.

صفحة ( 16)

العلاج المعرفي:

وأولهما أن تعلم علم اليقين خطر الغفلة على حياتك ومستقبلك وجميع مصالحك.. فلا ينفي الغفلة شيء مثل الخوف والألم.. ذلك أنهما من المنبهات الشديدة التي تؤدي إلى اليقظة.

ألا ترى كيف يسير ـ حذرا ومتيقظا ـ من يعلم أن المطبات تملأ طريقه، والأشواك تعترض مسالكه.. فلذلك يحذر عند كل حركة يقوم بها خشية أن تؤدي إلى تلفه أو إعاقته أو إلحاق أي ضرر به؟

وهكذا الأمر بالنسبة لدينك الذي هو رأسمالك؛ فإذا علمت أن الغفلة عن حقائقه وقيمه لن تجني منها إلا الهلاك الأبدي، فسيجعلك ذلك حذرا خائفا، مثل ذلك الذي يسير في طريق الأشواك، أو في مفازة يخاف أن تلتهمه السباع.

ولهذا اعتبر الله تعالى الغفلة هي السبب في هلاك كل القرى وأصحابها الذين لم يعطوا رسلهم ما يستحقون من الاهتمام، قال تعالى ـ مبينا السبب الأكبر لهلاك قوم فرعون ـ: {فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 136]

واعتبر الغفلة السبب الأكبر لذلك الران الذي طغى على القلوب؛ فملأها بالكبر، وصرفها عن تدبر الحقائق، فقال: {سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 146]

وبذلك؛ فإن الغفلة أخطر من الكبر، ذلك أن المتكبر المستيقظ قد يسمع من الآيات، أو يرى من الحجج، ما يجعله متواضعا يستمع للحق، لكن الغافل المخدر يصم آذانه فلا يسمع حقا، ولا يقبل عليه في حال سماعه.

ولهذا أخبرنا الله تعالى أن الغفلة هي سبب الإعراض عن الحق، لعدم الاهتمام به، واللامبالاة تجاهه، قال تعالى: {اقْتَرَبَ لِلناسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} [الأنبياء: 1]

صفحة ( 17)

وأخبر عن أدراك الغافلين للآثار التي جنوها من غفلتهم، فقال: {وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَا وَيْلَنَا قَدْ كُنا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنا ظَالِمِينَ} [الأنبياء: 97]

وأخبر عن قول الملائكة وتأنيبها للغافلين، فقال: {وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (21) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ} [ق: 21، 22]

وأخبر عن أول تحذير إلهي للبشر من عالم الذر، وهو تحذيرهم من الغفلة، فقال: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنا كُنا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ} [الأعراف: 172]

إن هذا التحذير ـ أيها المريد الصادق ـ يشبه تحذير الطبيب مريضه من الغفلة عن استعمال أدويته، وفي أوقاتها المحددة، ذلك أن المشكلة ليست في عدم توفر الدواء، وإنما في الغفلة عن استعماله.

ولهذا، فإن على من عرف خطر الغفلة، وآثارها على حياته جميعا، أن يتخيل نفسه كل حين، وكأنه في سوق كثر لصوصه، أو في مفازة كثر سباعها.. فهو حذر كل حين على حقيقته التي يمكن أن تسلب منه في أي لحظة.

فلصوص الروح ـ أيها المريد الصادق ـ أخطر من لصوص المال، والسباع التي تنهش حقيقة الإنسان أخطر من السباع التي تنهش جسده..

فلذلك احذر من أولئك الذين يملؤونك بالرجاء الكاذب، أو يطمئنونك وأنت في هذه الفيافي الممتلئة بالمخاطر.. إنهم لا يختلفون أبدا عن أولئك اللصوص الذين يخدعونك بالكلام المعسول، والأماني الكاذبة قبل أن يقوموا بسرقتك.

وهكذا يفعل الشيطان وأولياؤه عندما يشعرونك بالأمان، قبل أن تقوم بالتحصينات اللازمة لمملكتك التي تهددها شياطين الإنس والجن كل حين.

صفحة ( 18)

إن مثلهم مثل من يأمرك بالسير إلى بلاد مملوءة بأنواع الوباء والفيروسات والجراثيم، ثم يدعوك إلى التوكل على الله، والاكتفاء بالثقة به، عن أن تحصن نفسك بأنواع التلقيحات.

وهكذا الأمر بالنسبة للغفلة، فإن أكبر أسبابها ذلك الوهن والكسل الناتج عن الثقة الزائدة، والأمل الكاذب.. لكن إن توفر ما يضادها من الخوف المقترن بالرجاء، فإن مفعول مخدر الغفلة سيزول لا محالة.

ولهذا دعا الله تعالى رسوله صلى الله عليه وآله وسلم إلى استعمال أسلوب الإنذار لا التبشر مع من تعتريهم الغفلة، لتحول بينهم وبين اليقظة، والجد في السير، قال تعالى: {وَأَنْذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ} [مريم: 39]

صفحة ( 19)

العلاج السلوكي:

إذا علمت ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ فإن أول ما عليك فعله حتى تتجنب الغفلة وآثارها، أن تستعمل الأدوية والأسلحة التي تضادها، وتواجهها، وتبطل مفعولها، وأن تحرص عليها حتى لا يسلبها منك الشياطين أثناء غفلتك عنها، كما أشار إلى ذلك قوله تعالى: {وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً} [النساء: 102]

فكما أن أول أهداف الأعداء الذين يريدون السيطرة على أي حصن من الحصون، الوصول إلى مراكز أسلحته، وسرقتها، حتى لا يتمكن أصحاب الحصن من الدفاع عن أنفسهم، فهكذا يفعل أعداء النفس، فهم يستغلون تلك الغفلة التي تعتري الإنسان، لسلب أسلحته، والقضاء عليه بها.

وكما أن أول ما يفعله من يفطن للأعداء تلك الصيحة التي يحذر بها منهم، فيفرون مدبرين.. فكذلك الأمر في عالم الروح؛ فقد علمنا الله تعالى كيف نصيح بتلك الصيحة، حتى تستيقظ كل لطائفنا، وتنتبه إلى العدو الذي يتربص بها.

وتلك الصيحة هي ذكر الله تعالى، وحضور القلب معه، ولو تكلفا، فإن ذلك ـ مع الدوام عليه ـ سيعيد لكل لطائف الإنسان يقظتها، وهو ما يشير إليه قوله تعالى: {وَإِمَّا يَنْزَغَنكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِالله إِنهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِن الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ} [الأعراف: 200، 201]

ثم ذكر مقابلهم أولئك الذين يسكنون ويفرحون للغفلة، ويلتذون بها، لأنها تجعلهم في مأمن من كل ما تدعوهم إليه اليقظة من التكاليف، فقال: {وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ} [الأعراف: 202]

ولهذا اعتبر الله تعالى سبب استحواذ الشيطان على الإنسان، وتحويله عن إنسانيته الكريمة هو نسيانه لذكر الله، قال تعالى: {اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنْسَاهُمْ ذِكْرَ الله أُولَئِكَ حِزْبُ الشَّيْطَانِ أَلَا إِن حِزْبَ الشَّيْطَانِ هُمُ الْخَاسِرُونَ} [المجادلة: 19]

صفحة ( 20)

ولهذا ربط الذكر بالغفلة، واعتبره علاجا لها، فقال: {وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ} [الأعراف: 205]

وبناء على هذا وردت الأحاديث الكثيرة الدالة على فرار الشيطان من الذاكرين، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إذا نودي بالصّلاة أدبر الشّيطان، فإذا قضي أقبل، فإذا ثوّب بها أدبر، فإذا قضي أقبل، حتّى يخطر بين الإنسان وقلبه فيقول: اذكر كذا وكذا، حتّى لا يدري أثلاثا صلّى أم أربعا)(1)

وقد قال الله تعالى مقررا لذلك: {وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَى أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا} [الإسراء: 46]، فالآية الكريمة تشير إلى أن ذلك النفور سببه الذكر.. ولهذا كان الذكر أكبر دواء مضاد للغفلة.

وإياك ـ أيها المريد الصادق ـ أن (تترك الذكر لعدم حضور قلبك مع الله فيه، لأن غفلتك عن وجود ذكره أشد من غفلتك في وجود ذكره؛ فعسى أن يرفعك من ذكر مع وجود غفلة إلى ذكر مع وجود يقظة.. ومن ذكر مع وجود يقظة إلى ذكر مع وجود حضور.. ومن ذكر مع وجود حضور إلى ذكر مع غيبة عن ما سوى المذكور، وما ذلك على الله بعزيز)

لذلك التزم الذكر وداوم عليه، واحرص على حضور قلبك معه.. فإن اعترتك الغفلة أثناءه، فلا تيأس.. وإنما واصل ذكرك، وأنت تتألم لغفلتك.. وسترى كيف ينقذك الله منها.

ليس ذلك فقط ما يمكنك أن تقوم به ـ أيها المريد الصادق ـ لمواجهة داء الغفلة؛ فقد تجد من شياطين الإنس من يلقي إليك بالوساوس التي تجعل من ذكرك مجرد لقلقة لسان، لا أثر لها في نفسك، ولا تأثير لها في حياتك.

ولذلك كان أول الطريق البعد عمن ينسيك ذكر الله، والقرب ممن يذكرك به، كما قال تعالى: {وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ

__________

(1) البخاري [فتح الباري]، 6 (3285)

صفحة ( 21)

عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَنْ ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [الكهف: 28]

فهذه الآية الكريمة تحذرك من كل أولئك الشياطين الذين يملؤونك بالغفلة، وينحرفون بحقيقتك عن مسارها الصحيح.. فاحذر منهم.. واحذر من كل من لا تذكرك بالله رؤيته.. أو يدلك على الله حاله.. أو يزيد في علمك منطقه.. ذلك الذي إن رآك غافلا ذكرك.. وإن رآك ذاكرا أعانك.

لتكون مثل ذلك الذي قال لصاحبه: (تعال نؤمن بربنا ساعة)، فغضب الرجل، وجاء إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم، فقال: يا رسول الله، ألا ترى إلى ابن رواحة يرغب عن إيمانك إلى إيمان ساعة؟ فقال النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (يرحم الله ابن رواحة، إنه يحب المجالس التي تتباهى بها الملائكة)(1)

وقد روي أن هذا الصحابي الجليل الشاعر الشهيد عبد الله بن رواحة، كان يأخذ بيد النفر من أصحابه فيقول: (تعالوا نؤمن ساعة، تعالوا فلنذكر الله ونزدد إيمانا، تعالوا نذكره بطاعته لعله يذكرنا بمغفرته)(2)

وروي أنه قال لصاحب له: تعال حتى نؤمن ساعة، فقال صاحبه: أولسنا بمؤمنين؟ قال: (بلى، ولكنا نذكر الله فنزداد إيمانا)(3)

وقد صدق في ذلك، فالإيمان الحقيقي هو إيمان الذاكرين، لا الغافلين، والحاضرين، لا الناسين.. فهل يمكن أن تعتبر ذلك الغافل الذي لا يعرف ربه، ولا يذكره، ولا يتذكره في أي محل مؤمنا.. نعم هو مؤمن ظاهرا، لكن باطنه يغطي الله بحجب كثيرة تحول بينه وبين معرفته أو التواصل معه.

__________

(1) مسند أحمد (21/ 309)

(2) ابن أبي شيبة 11/ 43

(3) البيهقي في الشعب (50)

صفحة ( 22)

هذه ـ أيها المريد الصادق ـ الأدوية الكبرى لمرض الغفلة، وهناك أدوية كثيرة سأذكرها لك في سائر رسائلي، لذلك.. ليس عليك سوى استعمالها، وسترى كيف تنقشع الغفلة عن قلبك، وفي أقرب وقت، ليصبح مرآة تتجلى عليها كل حقائق الوجود بصورتها الجميلة الناصعة.. وستندم حينها على كل لحظة كنت فيها بعيدا عن تلك المشاهد التي لا يوجد ما هو أجمل منها.

صفحة ( 23)

الغرور

كتبت ـ أيها المريد الصادق ـ تشكرني على ما ذكرته لك من أدوية حول مرض الغفلة، وكيفية علاجه، وذكرت أنك جربت تلك الأدوية التي وصفتها لك، وأنك رأيت بعض آثارها العاجلة عليك، وعلى قلبك.. وأنك أصبحت ـ لذلك ـ تلتذ بالذكر بعد أن كنت تنفر منه، وترق للمواعظ بعد أن كنت تضيق منها.

وأنا أبشرك بأنك إن أدمنت على ذلك وداومت عليه، فستنقشع عن قلبك كل الحجب، وسيزول كل الران الذي يحول بينك وبين رؤية الحق واتباعه.

لكني ـ مع ذلك ـ أحذرك من مرض لا يقل خطرا عن الغفلة، بل قد يكون أخا توأما له، وهو مسلك من مسالك الشيطان التي يتخذها مع من نجا من استحواذه عليه بسبب الغفلة.

وذلك المرض الخطير، هو الغرور، ذلك الداء الذي تنقصم له الظهور.. جميع الظهور.. حتى ظهور الصالحين التي قد تتذوق حلاوته، فتأنس لها، وتنسى أن الامتحان لم ينته، وبذلك تسقط، ولو في آخر اللحظات.

لقد ذكر الله تعالى ذلك، وحذر منه أشد تحذير، وضرب المثل له بآدم عليه السلام، ذلك الذي جاءه الشيطان من هذا الباب، بعد أن علم استعداده للوسوسة من خلاله، فقال: {فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ} [الأعراف: 22]

فالشيطان استطاع أن يغري آدم بالأكل من الشجرة، بسبب ما رآه من طمأنينته في الجنة، وتوهمه أنها ستبقى له أبد الآباد، وأنه لن يزيحه منها أحد، خاصة بعد أن علم لطف الله ورحمته وكرمه.. ولذلك أتاه الشيطان من هذا الباب، وراح يقسم له بالأيمان المغلظة إلى أن صدقه.

ولذلك اعتبر الله تعالى الغرور من أكبر أسلحة الشيطان التي يستعملها في غواية الإنسان، قال تعالى: {يَعِدُهُمْ وَيُمَنيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 120]

صفحة ( 24)

وقال ـ مفصلا وسائله وأساليبه في ذلك ـ: {إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثًا وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَانًا مَرِيدًا (117) لَعَنَهُ الله وَقَالَ لَأَتَّخِذَن مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا (118) وَلَأُضِلَّنهُمْ وَلَأُمَنيَنهُمْ وَلَآمُرَنهُمْ فَلَيُبَتِّكُن آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنهُمْ فَلَيُغَيِّرُن خَلْقَ الله وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ الله فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا (119) يَعِدُهُمْ وَيُمَنيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [النساء: 117 - 120]

وقال مبينا إقرار الله للشيطان فيما يريد أن يستعمله من وسائل للإيقاع بالإنسان: {وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا} [الإسراء: 64]، ثم بين بعدها سر ذلك الإقرار، وهو تمييز الصادقين من المغترين، فقال: {إِن عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا} [الإسراء: 65]

وهكذا ذكر أن الغرور هو المصيدة التي يستعملها كل شياطين الإنس والجن، للإيقاع بمن يريدون ضمهم إلى صفوفهم، فقال: {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِن يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [الأنعام: 112]

وهكذا اعتبر كل ما ينحرف بالإنسان عن مسيرة الترقي التي هيأها له، نوعا من أنواع الغرور، ومادة من مواده.. وبما أن كل ذلك مجتمع في الدنيا، فقد اعتبرها المتاع الذي لا يقع في حبائله إلا المغترون، قال تعالى: {وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]

ولهذا كله اعتبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الغرور هو المصيدة التي لا ينجو منها إلا الفطنون الحذرون الصادقون الذي لا يسكنون لشيء، فقال: (حبّذا نوم الأكياس وفطرهم، كيف يغبنون سهر الحمقى واجتهادهم، ولمثقال ذرّة من صاحب تقوى ويقين أفضل من مل ء الأرض من المغترّين)(1)

__________

(1) ابن أبي الدنيا في كتاب اليقين.

صفحة ( 25)

وقال في حديث آخر: (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والاحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأمانيّ)(1)

وليس ذلك فقط، ما ورد في النصوص المقدسة من التحذير من الغرور، وإن كان كافيا، بل إن (كلّ ما ورد في فضل العلم وذمّ الجهل فهو دليل على ذمّ الغرور، لأن الغرور عبارة عن بعض أنواع الجهل، إذ الجهل هو أن يعتقد الشي ء، ويراه على خلاف ما هو به، والغرور هو الجهل)(2)

بل هو أخطر أنواع الجهل، ذلك أن الغرور جهل مركب؛ فالمغرور لا يكتفي بأن يجهل، وإنما يضم إليه ذلك التفكير الرغبوي الذي يجعله يرى الأشياء كما يحب، لا كما هي في الواقع، ثم يذهب إلى المغالطات والأكاذيب ليعتمدها أدلة على صدق دعواه، وإن لم تكن كذلك.

ولذلك يصبح علمه علم هوى، لا علما موضوعيا واقعيا.. وذلك أخطر أنواع الجهل.. ولهذا عرف الحكماء الغرور بأنه (سكون النفس إلى ما يوافق الهوى، ويميل إليه الطبع عن شبهة وخدعة من الشيطان، فمن اعتقد أنه على خير إمّا في العاجل أو في الآجل عن شبهة فاسدة فهو مغرور)(3)، وعرفوه بأنه (إخفاء الخدعة في صورة النصيحة)(4)، وأنه (تزيين الخطإ بأنه صواب)(5)

لا تيأس ـ أيها المريد الصادق ـ فأنا لم أرد ملأك بالقنوط عند تحذيري لك من الغرور، وإنما قصدي أن تنتبه له، وتحذر منه، ولا تكتفي بتلك اللذة التي وجدتها عند ذكرك لربك، أو عبوديتك له، فقد يأتيك الشيطان من حيث لا تحتسب، وقد قال الله تعالى عن ذلك الذي لم

__________

(1) الترمذي والحاكم وأحمد وابن ماجه رقم 4260.

(2) المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، ج 6، ص: 293.

(3) المرجع السابق، ج 6، ص: 292.

(4) التوقيف ص 252.

(5) الكليات للكفوي ص 672.

صفحة ( 26)

يأخذ حذره من الغرور: {وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ} [الأعراف: 175، 176]

ولهذا؛ فإني أنصحك ـ أيها المريد الصادق ـ مثلما نصحني جميع أساتذتي ومشايخي بأن تستعمل كل يوم، بل كل لحظة هذين الدوائين اللذين سأصفهما لك.. وهما كسائر أدوية النفس، أحدهما يرتبط بالمعرفة، والثاني بالعمل.. أولهما المقدمة، وثانيهما النتيجة.

صفحة ( 27)

العلاج المعرفي:

أما الأول.. وهو العلاج المعرفي.. فاعلم أن السبب الأكبر للغرور هو عدم التصديق بوعد الله أو وعيده، أو ضعف ذلك التصديق.. وبقدر الضعف يكون الغرور.

ومثل ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ مثل شخص دخل مدينة، وكان معه ثروة كبيرة من أصناف الأموال، وعندما خالط أهل المدينة سكن لهم، وأنس بهم، وتأثر بأخلاقهم.. فجعله ذلك يغفل عن حراسة ثروته؛ فأخذ اللصوص الذين لم ينتبه لهم، يسلبون منه كل حين طرفا منها إلى أن سلبوها منه جميعا.

فهكذا الأمر ـ أيها المريد الصادق ـ مع من اغتر بما وصل إليه من مكاسب أو ناله من شهرة، أو حظي به من أصناف التكريم.. فإنه إن سكن إلى ذلك، جاءه الشياطين بصور الملائكة، وسلبوا منه كل شيء، ومن غير أن يعلم.

ولذلك حذر الله تعالى من السكون إلى الأشياء، قبل معرفة المصير الحقيقي، الذي لا يمكن معرفته ما دمنا في الدنيا، قال تعالى: {كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النارِ وَأُدْخِلَ الْجَنةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ} [آل عمران: 185]

إن مثل ذلك ـ أيها المريد الصادق ـ مثل تلميذ في الامتحان؛ فهو قد يجيب عن بعض الأسئلة؛ فيفرح بإجابته، ويسكن لها، ويطمئن إلى نجاحه، ويجعله ذلك يقصر في باقي المواد، إلى أن يخسر كل شيء بسبب تقصيره..

ولهذا، فإن الكيس لا يغتر بالخلق جميعا، ولو أجمعوا على الثناء عليه، لأنه يعلم أن ثناءهم لن يجديه عند ربه ما لم يكن صادقا ومخلصا؛ فالله تعالى هو الذي يميز وحده الناجحين من الراسبين، والفائزين من الخاسرين.

ولهذا تتوالى التحذيرات الإلهية من السكون إلى الدنيا وأهلها، والاغترار بمعسول كلامهم وثنائهم ورضاهم، لأن رضاهم لا يعني رضى الله، كما أن سخطهم لا يعني سخطه، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الناسُ إِن وَعْدَ الله حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنكُمْ بِالله الْغَرُورُ

صفحة ( 28)

(5) إِن الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [فاطر: 5، 6]، وقال: {إِن وَعْدَ الله حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنكُمْ بِالله الْغَرُورُ} [لقمان: 33]

وضرب المثل على ذلك بالمنافقين الذين توهموا أنهم ـ بذلك النور المزيف الذي اكتسبوه في الدنيا ـ نجحوا، لكنهم عرفوا في عالم الحقيقة والتجريد أن كل ما اكتسبوه لم يكن سوى أوهام لبّسوا بها على أنفسهم، قال تعالى: {يوْمَ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونَا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَرَاءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُورًا فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بَابٌ بَاطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظَاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذَابُ (13) يُنَادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قَالُوا بَلَى وَلَكِنكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّى جَاءَ أَمْرُ الله وَغَرَّكُمْ بِالله الْغَرُورُ} [الحديد: 13، 14]

لذلك لا تسكن ـ أيها المريد الصادق ـ لأي شيء قد يتلاعب بحقيقتك ومصيرك.. فأنت ما دمت في هذه الدنيا في امتحان واختبار، ولا أحد يضمن لك النجاح، فقد تسقط في آخر محطة من المحطات، وقد ورد في الحديث أن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أثنوا على بعض الناس ثناء حسنا بسبب شجاعته في الجهاد في سبيل الله، فقال رسول الله: (أما انه من أهل النار)، فتعجب القوم من ذلك، ثم إن بعضهم راح يتبعه، فخرج معه فكلما وقف وقف معه، وإذا أسرع أسرع معه، فرآه في بعض المعارك، قد جرح جرحا شديدا، فوضع نصل سيفه في صدره، وقتل نفسه، فخرج الرجل إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فقال: أشهد أنك رسول الله، قال: (وما ذاك؟) قال: (الرجل الذي ذكرت آنفا أنه من أهل النار، فأعظم الناس ذلك، فقلت: أنا لكم به، فخرجت في طلبه، ثم جرح جرحا شديدا، فاستعجل الموت فوضع نصل سيفه في الأرض وذبابه بين ثدييه، ثم تحامل عليه فقتل نفسه)، فقال رسول

صفحة ( 29)

الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس، وهو من أهل النار، وإن الرجل ليعمل عمل أهل النار، فيما يبدو للناس، وهو من أهل الجنة)(1)

وفي رواية أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لبلال حينها: (يا بلال، قم فأذن: لا يدخل الجنة الا مؤمن، وإن الله ليؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر)

فاحفظ ـ أيها المريد الصادق ـ هذا الحديث، وضعه نصب عينيك؛ فلو أن ذلك الرجل كان موقنا بوعد الله ووعيده، ولو علم ما ينتظر الشهداء من فضله، وما ينتظر المنتحرين من عقابه، لما أقدم على ذلك، وفي آخر لحظة من حياته.

ولا تنس أن تحفظ ما ورد في الرواية الثانية من تأييد الله لدينه بالرجل الفاجر.. فلا يغرنك ما يذكرونه من خدماتك للإسلام والمسلمين.. فذلك كله قد يحبط جميعا بموقف تقفه، أو فلتة تقع منك.. ولا تتعجب من ذلك، فأنت ترى الغابات الشاسعة تحترق بعود ثقاب واحد..

لقد ذكر بعض الحكماء هذاالمعنى، فقال: (رب معصية أورثت ذلاً وافتقاراً خير من طاعة أورثت عزاً وأستكباراً)

هل تعلم ـ أيها المريد الصادق ـ سر ذلك؟.. إن سره هو أن ذلك العز والاستكبار يتنافى مع عبوديتك لربك.. فلذلك ترى بعض من يغترون بأعمالهم الصالحة مثل الجبابرة والفراعنة، وكأن مفاتيح الجنان أصبحت بأيديهم، لا يكتفون هم بدخولها فقط، وإنما يرون أنفسهم من المتحكمين في الجنة يدخلون إليها من شاءوا، ويخرجون من شاءوا.

هذا هو العلاج الأول ـ أيها المريد الصادق ـ ولا يعينك عليه شيء مثل كثرة قراءتك للقرآن الكريم، وتدبرك فيما ورد فيه من آيات.. فهو ينبهك كل حين من رقدتك، ويحذرك من السكون إلى الأشياء.. ويجعلك ترى العالم بصورته الحقيقية، لا بتلك الصورة التي يصوره

__________

(1) رواه البخاري.

صفحة ( 30)

لك بها المغترون، الذين يزينون لك أعمالك، إلى أن تلقى الله، وليس في صحيفتك حسنة واحدة.

ولهذا احذر أن تسكن إليهم، أو تفرح بما يذكرونه لك، فـ (لأن تلقى قوما يخوفونك حتى تجد الأمان، خير من أن تجد من يؤمنك إلى أن تجد المخافة)

واحذر من قولهم لك (إن الله كريم، وإنا نرجو عفوه)؛ أو ما ذكر عن بعضهم أنه قال: إذا قيل لك: (ما غرّك بربّك الكريم؟)، فقل: (غرّني ستورك المرخاة لأن الكريم هو السّتّار)

فكل هذا ناتج عن سوء فهم لقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ} [الانفطار: 6]، فكرم الله ورحمته ولطفه بعباده، لا يعنيان عدم وجود عدله أو انتقامه ممن حرف أو انحرف.. وقد قال المفسرون في الآية الكريمة: (هذا تهديد، لا كما يتوهّمه بعض الناس من أنه إرشاد إلى الجواب، حيث قال الكريم، حتّى يقول قائلهم غرّه كرمه، بل المعنى في هذه الآية: ما غرّك يا بن آدم بربّك الكريم، أي العظيم حتّى أقدمت على معصيته وقابلته بما لا يليق كما جاء فى الحديث: (يقول الله تعالى يوم القيامة: يا ابن آدم ما غرّك بي؟ يا بن آدم ما ذا أجبت المرسلين؟)(1)

ويدل لذلك قوله تعالى: {نَبِّئْ عِبَادِي أَني أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَن عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ} [الحجر: 49، 50]، فالذي يقتصر من معرفته بالله على المغفرة والرحمة دون أن يعلم أنه يمكن أن يعاقب ويعذب.. مثل ذلك الذي يأكل العسل المسموم، متوهما أن الحلاوة لا يمكن أن يختلط بها سم..

وبما أن الله تعالى خلق العسل والسم.. فالعاقل هو الذي يعلم أنه يمكن أن يرحم، كما أنه يمكن أن يعذب.. ولذلك كانت الفطنة في كلا المعرفتين، لا في الاقتصار على ما تشتهيه النفس منهما.

__________

(1) تفسير ابن كثير (4/ 451)

صفحة ( 31)

وإياك ـ أيها المريد الصادق ـ أن تورد لي هنا ما يورده المغترون الذين آثروا الحياة الدّنيا، واطمأنوا لها، وتوهموا أن مجرّد الإيمان يكفي للفوز، مع أن الله تعالى قرن مغفرته لعباده بالكثير من الشروط، فقال: {وَإِني لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} [طه: 82]

وإياك أن تسمع لتحريفهم للأسماء، وتبديلهم لها، حيث يسمون ذلك الغرور رجاء وحسن ظن بالله، ويوردون لك كل النصوص المقدسة التي تبين فضل ذلك..

وهؤلاء اشتبه عليهم الأمر؛ فأعملوا بعض النصوص، وضيعوا غيرها.. ولو فطنوا لأعملوها جميعا..

فلو أنهم تدبروا قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (الكيّس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والأحمق من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله)(1) لعلموا أنهم المقصودون بذلك، ذلك أنهم غيروا اسم [التّمني] باسم [الرجاء]، مع أن الرجاء الذي دعا إليه القرآن الكريم لا يرتبط بالكسالى والمقعدين والمغرورين، وإنما يرتبط بأولئك الذين وصفهم الله تعالى، فقال: {إِن الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ الله أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ الله وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة: 218]

ولو أنهم تدبروا كيف قرن الله تعالى الرجاء بالخوف، ثم رجح جانب الخوف، فقال في وصف عباده الصالحين: {أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِن عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا} [الإسراء: 57]

ولهذا، فإن أول علامات النجاة من الغرور، الحذر والحيطة التي يصحبها العمل لا الكسل، وقد قيل لبعض الحكماء: (قوم يقولون نرجو الله، ويضيّعون العمل)، فقال: (هيهات هيهات.. تلك أمانيّهم يترجّحون فيها، من رجا شيئا طلبه ومن خاف شيئا هرب منه)

قد تسألني ـ أيها المريد الصادق ـ عن محل الرّجاء؛ فاعلم أن الحكماء ذكروا له موضعين، أولهما مرتبط بذلك الذي أنهكته الذنوب، وطمع في التوبة، لكن شياطين الإنس والجن، راحوا

__________

(1) الترمذي والحاكم وأحمد وابن ماجه رقم 4260.

صفحة ( 32)

يسخرون من طمعه فيها، وراحوا يؤيسونه من رحمة الله تعالى، فذلك الذي عليه أن يرجو غفران الله إن صدق في توبته، وأصلح ما أفسده من حاله، كما قال الله تعالى: {قُلْ يَاعِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ الله إِن الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [الزمر: 53]

وأما الثاني؛ فذلك الذي يستعمل الرجاء محركا له للجد في العمل الصالح، فيقرأ ما ورد في فضائل الأعمال، وما أورده الله تعالى في كلماته المقدسة، ويمني نفسه بتحصيل ذلك الأجر العظيم، ثم يندفع إلى ذلك العمل بصحبة ذلك الأمل..

فكلا الشخصين لم يستعملا الرجاء كمخدر للوهم والخديعة، وإنما استعملاه كمنشط للقيام بالأعمال الصالحة.. ولهذا فإن الفرق بين الرجاء والغرور في نتيجة كليهما.. فمن جعله رجاؤه نشيطا جادا في العمل الصالح، فهو صاحب رجاء حقيقي، ومن جعله رجاؤه كسولا متثاقلا، فهو مغرور بالأماني الكاذبة.

صفحة ( 33)

العلاج السلوكي:

وأما العلاج الثاني للغرور؛ فهو ذلك الجهد والنشاط والهمة العالية التي تحول من المغرور كيّسا فطنا حذرا ورعا.. لا تغره الأماني الكاذبة، ولا معسول الكلام.. بل يسعى بهمته للعمل الصالح، ولا يكتفي به، بل يتفقد نفسه، ويراجعها ليبحث عن أي ثغرة قد يدخل إليه الشيطان منها.. أو أي فيروس قد يقضي على كل ما اكتسبه من أعمال.

لقد أشار الإمام الصادق إلى ذلك، فقال: (المغرور في الدّنيا مسكين وفي الآخرة مغبون لأنه باع الأفضل بالأدنى، ولا تعجب من نفسك حيث ربّما اغتررت بمالك وصحّة جسمك أن لعلّك تبقى، وربّما اغتررت بطول عمرك وأولادك وأصحابك لعلّك تنجو بهم. وربّما اغتررت بجمالك ومنيتك وإصابتك مأمولك وهواك، فظننت أنك صادق ومصيب، وربّما اغتررت بما ترى من الندم على تقصيرك في العبادة ولعلّ الله تعالى يعلم من قلبك بخلاف ذلك، وربّما أقمت نفسك على العبادة متكلّفا والله يريد الإخلاص، وربّما افتخرت بعلمك ونسبك وأنت غافل عن مضمرات ما في غيب الله، وربّما توهّمت أنك تدعو الله وأنت تدعو سواه، وربّما حسبت أنك ناصح للخلق، وأنت تريدهم لنفسك، وأن يميلوا إليك، وربّما ذممت نفسك وأنت تمدحها على الحقيقة، واعلم أنك لن تخرج من ظلمات الغرور والتمني إلّا بصدق الإنابة إلى الله والإخبات له ومعرفة عيوب أحوالك من حيث لا توافق العقل والعلم ولا يحتمله الدّين والشريعة وسنن القدوة وأئمة الهدى، وإن كنت راضيا بما أنت فيه، فما أحد أشقى بعلمك منك وأضيع عمرا فأورثت حسرة يوم القيامة)(1)

هذا ما قاله الإمام الصادق، وهو ما اتفق عليه جميع الحكماء، ودلت عليه جميع النصوص المقدسة.. ولذلك كانت منافذ الغرور دقيقة جدا، قل من ينجو منها إلا المخلصون الصادقون الذين حاسبوا أنفسهم في ذات الله، ولم يلينوا لها، ولم يسكنوا لشيء.

__________

(1) مصباح الشريعة، الباب السادس والثلاثين، نقلا عن: المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، ج 6، ص: 357.

صفحة ( 34)

وسأورد عليك ـ أيها المريد الصادق ـ بعض ما ذكروه عن أصناف المغترين، لا لتحفظه، أو تعتقد أنه النهاية.. بل لتحذر منه وتحذّر.. فمسالك الشيطان أكثر من أن يحصيها أحد.

فقد ذكروا أن من أوائل المغترين أولئك الذين لبسوا حلل أهل العلم، فتوهم الناس أن الجنة قد ضمنت لهم، مع أنهم في أشد المواضع خطرا، وقد أخبر الله تعالى عن غرور علماء من سبقنا من الأمم، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ الله} [التوبة: 34]

ونفس الحكم ينطبق على علماء هذه الأمة، ولذلك أخبر صلى الله عليه وآله وسلم أنه (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق أقتابه، فيدور بها كما يدور الحمار في الرحى فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا فلان ما شأنك أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالخير ولا آتيه وأنهاكم عن الشر وآتيه)(1)

وضرب صلى الله عليه وآله وسلم للذي لا يعمل بعلمه مثلا، فقال: (مثل الذي يعلم الناس الخير وينسى نفسه كمثل الفتيلة تضيء على الناس وتحرق هي نفسها)(2)

وأخبر عن العقاب الشديد الذي يصيب أولئك الذين اغتروا بما عندهم من العلم، فقال: (كل علم وباله على صاحبه إلا من عمل به)(3) وفي رواية: (أشد الناس عذابا يوم القيامة عالم لم ينفعه الله بعلمه)

ولهذا كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول في دعائه: (اللهم إني أعوذ بك من نفس لا تشبع ومن علم لا ينفع)(4)

__________

(1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

(2) رواه البزار وغيره.

(3) رواه الطبراني.

(4) رواه مسلم وغيره.

صفحة ( 35)

ولهذا، فإن كل من لم يلتفت لهذه النصوص المقدسة، وراح يزهو بما عنده من العلم مغتر، فأول علامات العالم تواضعه وعبوديته لله، وشده حذره من التكاليف المناطة به، وأولها أن يطبق ما تعلمه من علم، حتى يعطي النموذج الصالح عن علمه.

لقد ضرب بعض الحكماء مثلا لذلك الذي يغتر بالعلم المفصول عن العمل، بمريض به علّة لا يزيلها إلّا دواء مركب من أخلاط كثيرة لا يعرفها إلّا حذّاق الأطباء.. وبعد أن بذل كل جهده في طلب الطبيب.. وهاجر عن وطنه حتّى عثر عليه، (فعلّمه الدّواء وفصّل له الأخلاط وأنواعها ومقاديرها ومعادنها الّتي منها تجتلب وعلّمه كيفيّة دقّ كلّ واحد منها وكيفيّة الخلط والعجن، فتعلّم ذلك منه فكتب منه نسخة حسنة بخطّ حسن ورجع إلى بيته وهو يكرّرها ويقرؤها ويعلّمها المرضى ولم يشتغل بشربها واستعمالها، أ فترى أن ذلك يغني عنه من مرضه شيئا؟)(1)

هيهات هيهات.. وأنى له ذلك.. بل إنه (لو كتب منه ألف نسخة، وعلّمه ألف مريض حتّى شفى جميعهم وكرّره كلّ ليلة ألف مرّة لم يغنه ذلك من مرضه شيئا إلّا أن يزن الذّهب، ويشتري الدّواء، ويخلطه كما تعلّم ويشربه ويصبر على مرارته، ويكون شربه في وقته وبعد تقديم الاحتماء وجميع شروطه، وإذا فعل جميع ذلك فهو على خطر من شفائه فكيف إذا لم يشربه أصلا، فمهما ظن أن ذلك يكفيه ويشفيه فقد ظهر غروره)(2)

ولهذا، فإن الله تعالى قال عن النفس: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا} [الشمس: 9]، ولم يقل: (قد أفلح من تعلّم كيفية تزكيتها، وكتب علمها وعلّمها الناس).. وهكذا قال: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى (14) وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى} [الأعلى: 14، 15]، فربط الزكاة بالعمل، فلا تزكية من دون علم وعمل.

__________

(1) المحجة البيضاء في تهذيب الإحياء، ج 6، ص: 310.

(2) المرجع السابق، ج 6، ص: 311.

صفحة ( 36)

وهكذا يدخل في المغترين أولئك الذين اهتموا بالشعائر التعبدية دون ملاحظة مقاصدها؛ فحولوها من شعائر للتقرب إلى الله، وتزكية النفس إلى طقوس ظاهرية لا أثر لها في حياتهم إلا ذلك الكبر الذي يملأ نفوسهم.. فحولوا عبادة الله إلى وسيلة لعبادة أنفسهم.

وهؤلاء كثيرون جدا.. فمنهم من (أهملوا الفرائض، واشتغلوا بالفضائل والنوافل، وربّما تعمّقوا في الفضائل حتّى خرجوا إلى العدوان والسرف كالّذي تغلب عليه الوسوسة في الوضوء فيبالغ فيه ولا يرتضي الماء المحكوم بطهارته في فتوى الشرع ويقدّر الاحتمالات البعيدة قريبة في النجاسة)(1)

لكنه عند الورع عن أكل الحرام تجده ـ بعكس ذلك ـ (يقدّر الاحتمالات القريبة بعيدة، وربما أكل الحرام المحض)، مع أن النصوص المقدسة تتشدد في المال الحرام، وتيسر وترفع الحرج في الأمور المرتبطة بالطهارة والشعائر التعبدية.

ومنهم من راح يجعل كل اهتمامه عند قراءة القرآن الكريم على إخراج حروفه من مخارجها؛ (فلا يزال يحتاط في التشديدات والفرق بين الضاد والظاء.. لا يهمّه غيره، ولا يتفكّر فيما سواه ذاهلا عن معنى القرآن والاتّعاظ به وصرف الهمّ إلى فهم أسراره، وهذا من أقبح أنواع الغرور، فإنه لم يكلّف الخلق في تلاوة القرآن من تحقيق مخارج الحروف إلّا بما جرت به عادتهم في الكلام)(2)

إن مثل هؤلاء ـ أيها المريد الصادق ـ مثل (من حمل رسالة إلى مجلس سلطان، فأمر أن يؤدّيها على وجهها؛ فأخذ يؤدّي الرّسالة ويتأنق في مخارج الحروف ويكررها ويعيدها مرّة بعد أخرى، وهو في ذلك غافل عن مقصود الرّسالة ومراعاة حرمة المجلس، فما أحراه بأن تقام عليه السياسة فيردّ إلى دار المجانين ويحكم عليه بفقد العقل)

__________

(1) المرجع السابق، ج 6، ص: 333.

(2) المرجع السابق، ج 6، ص: 334.

صفحة ( 37)

ومنهم من راح يصب كل اهتمامه عند صومه على ترك المفطرات من الأكل والشرب، ويبالغون في ذلك، بينما هم (لا يحفظون ألسنتهم عن الغيبة، وخواطرهم عن الرّياء، وبطونهم عن الحرام عند الإفطار، وألسنتهم من الهذيان بأنواع الفضول طول النهار)

ومنهم من راح يجعل كل اهتمامه ـ في تدينه ـ بالإكثار من الحج والعمرة، (فيخرجون إلى الحجّ من غير خروج عن المظالم وقضاء الدّيون، واسترضاء الوالدين، وطلب الزّاد الحلال، وقد يفعلون ذلك بعد سقوط حجّة الإسلام ويضيّعون في الطريق الصلاة والفرائض.. ولا يحذرون في الطريق عن الرفث والخصام، وربّما جمع بعضهم الحرام وأنفقه على الرفقاء في الطريق وهو يطلب به السمعة والرّياء، فيعصي الله في كسب الحرام أوّلا وفي إنفاقه بالرّياء ثانيا، فلا هو أخذه من حلّه ولا هو وضعه في حقّه، ثمّ يحضر البيت بقلب ملوّث برذائل الأخلاق وذمائم الصفات، لم يقدم تطهير قلبه على حضور بيت ربّه، وهو مع ذلك يظن أنه على خير من ربّه وهو مغرور)

وهكذا ـ أيها المريد الصادق ـ يمكن أن يدخل الغرور في أي عمل من الأعمال، والعاقل هو الذي يحاسب نفسه، ويزن أعماله بميزان الشريعة، لا بميزان الهوى، حتى لا يلقى الله، وليس في جعبته حسنة واحدة، كما قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا (104) أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْنًا} [الكهف: 103 - 105]

فاحذر ـ أيها المريد الصادق ـ أن تكون من هؤلاء، وكن فطنا حذرا.. وراجع كل موقف تقفه، أو سلوك تقوم به.. ولا يغرنك أحد عن نفسك، فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (استفت قلبك، واستفت نفْسَك ثلاث مرات؛ البر ما اطمأنت إليه النفس، والإثم ما حاك في النفس، وتردد في الصدر، وإن أفتاك الناس وأفتوك)(1)

__________

(1) رواه أحمد 18006 والدارميُّ 2533.

صفحة ( 38)

واحذر أن تسلم دينك لأحد من الناس، فينطبق عليك قوله تعالى: {إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَن لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ الله أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النارِ} [البقرة: 166، 167]، وقوله: {يَوْمَ تُقَلَّبُ وُجُوهُهُمْ فِي النارِ يَقُولُونَ يَالَيْتَنَا أَطَعْنَا الله وَأَطَعْنَا الرَّسُولَا وَقَالُوا رَبَّنَا إِنا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا} [الأحزاب: 66، 67]

فاحذر من كل فتوى تبعدك عن ربك وعن دينك وعن القيم المقدسة التي جاء بها، والتي دلت عليها الفطرة السليمة.. فإنه لن يجديك عند الله أن تبرئ نفسك، وتلقي التهمة على من أفتاك أو خدعك عن نفسك..

صفحة ( 39)

العجب

كتبت إلي ـ أيها المريد الصادق ـ تخبرني عما أطلقت عليه [الثقة بالنفس]، وأخبرتني أنك دخلت دورة تدريبية خاصة بها، وأنها أثرت فيك تأثيرا بليغا، فصرت ترى من قدراتك ما لم تكن ترى، وتقتحم الحياة بجرأة لم تعهدها من نفسك.

وأنا لا أريد أن أثبطك أو أمنعك أو أحرم عليك ما اخترته لنفسك، وما رأيته صالحا لها؛ فما أنزل الله داء إلا أنزل له دواء.. والضعف والخور والعجز واهتزاز الثقة كلها أمراض، ويمكنك أن تعالجها بما تراه مناسبا لها.

لكني أريد أن أذكر لك أمرا قد يكون ناشئا عن تلك الثقة التي تحدثت عنها، أو قد يكون ناشئا من المبالغة فيها، وهو ما نص عليه قوله تعالى: {لَقَدْ نَصَرَكُمُ الله فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ} [التوبة: 25]

فهذه الآية الكريمة تذكر نوعا من الثقة في النفس، كان سببا في الهزيمة، لا في الانتصار، لجيش كامل، على الرغم من أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كان معهم، لكنهم لم يلتفتوا إليه، ولا إلى المدد الإلهي، ولا إلى أخذ الحيطة والحذر، وإنما اكتفوا بالنظر إلى الكثرة التي أُعجبوا بها، فكانت سببا في هزيمتهم.

وهكذا أخبر الله تعالى عن إعجاب يهود بني النضير بحصونهم، وثقتهم فيها، وهو ما جعلهم يتبجحون، ويستكبرون، ويتصورون أنهم لا يمكن أبدا أن يُغلبوا أو يُهزموا.. لكن الله تعالى أتاهم من حيث لم يحتسبوا، فأُخرجوا من تلك الحصون، بل صاروا يدمرون بيوتهم التي كانوا يتباهون بها بأيديهم، قال تعالى: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنوا أَنهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ الله فَأَتَاهُمُ الله مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَاأُولِي الْأَبْصَارِ} [الحشر: 2]

صفحة ( 40)

وهكذا أخبر الله تعالى عن الخاسرين الذين لم يكتشفوا خسارتهم إلا بعد فوات الأوان، ذلك أن إعجابهم بأنفسهم وأعمالهم جعلهم منشغلين بالنظر إليها والفرح بها عن التحقق من مدى موافقتها للشريعة، ومدى توجههم بها لربهم، قال تعالى: {قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالًا (103) الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا} [الكهف: 103، 104]

هل رأيت ـ أيها المريد الصادق ـ كيف كان ذلك الإعجاب الذي قد يكون نوعا من الإسراف في الثقة بالنفس، سببا في الهلاك والخسارة؟

وكيف لا يكون كذلك.. وهو الحائل الأكبر بين الإنسان والتوبة؟.. وهل يمكن أن يتوب من يثق في أعماله، ويرى أنه منزه معصوم.. كل أعماله صالحة؟

وكيف لا يكون كذلك.. وهو الحائل الأكبر بين الإنسان ومراجعة نفسه، وتصحيح أخطائه ومواقفه.. والبحث عن الحقيقة والسراط المستقيم؟.. وهل كان سبب بقاء المشركين على شركهم، والضالين على ضلالهم إلا بسبب إعجابهم بأنفسهم، وفرحهم بما تركه لهم آباؤهم وأجدادهم، كما قال تعالى: {فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِنْدَهُمْ مِنَ الْعِلْمِ وَحَاقَ بِهِمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ} [غافر: 83]

وكيف لا يكون كذلك.. وهو الحائل بين الإنسان والاستفادة من غيره، وتجاربهم، وخبراتهم.. وهل يمكن أن يستفيد من آراء غيره من امتلأ عجبا برأيه؟

وكيف لا يكون كذلك.. وهو السبب الأكبر في إحباط الأعمال، وقد قال الله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَن وَالْأَذَى} [البقرة: 264]، فهل يمكن أن يمن الإنسان بصدقاته وأعماله ما لم يكن معجبا بها؟

وكيف لا يكون كذلك.. وهو المدد الأكبر لنهر الكبر والإعراض والاستبداد والطغيان.. فكل هؤلاء معجبون بأنفسهم.. ولولا إعجاب فرعون بنفسه لما قال: {أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى} [النازعات: 24]، ولما قال: {مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي} [القصص: 38]

صفحة ( 41)

لا تحسبن ـ أيها المريد الصادق ـ أن تلك المقولة مقولة فرعون وحده، بل هي مقولة كل معجب بنفسه، مغتر بما آتاه الله من الطاقات والمواهب والمكاسب.. وبدل أن يتواضع بها لله، راح يتبجح بها ويستكبر.

ولذلك كان العجب سببا من أسباب الهلاك الكبرى.. ومثلبا من مثالب النفس الأمارة العظمى.. ومن لم يتفقد هذا الداء من نفسه، ويعالجه، فإنه هالك لما محالة.

ليس هذا قولي ـ أيها المريد الصادق ـ وإنما هو قول ربنا.. فقد سمعت ما قرأته عليك من الآيات.. وهو قول نبينا صلى الله عليه وآله وسلم.. فقد ورد في الحديث قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ثلاث مهلكات: شح مطاع، وهوى متبع، وإعجاب المرء بنفسه)(1)

وقال في حديث آخر: (إذا رأيت شحا مطاعا وهوى متبعا وإعجاب كل ذي رأى برأيه فعليك نفسك)(2)

بل إنه صلى الله عليه وآله وسلم اعتبر المذنب المنكسر المتواضع أفضل من المطيع الممتلئ بالعجب بنفسه، ولذلك عندما سئل عن الذنوب، قال: (لو لم تذنبوا لخشيت عليكم ما هو أكبر من ذلك، العجب العجب)(3)

وهكذا حذر أئمة الهدى من العجب، واعتبروه أكبر حجاب يحول بين الإنسان والوصول إلى الحق، أو الإذعان له، فعن الإمام الصادق قال: (إن الله تعالى علم أن الذنب خير للمؤمن من العجب ولو لا ذلك ما ابتلى مؤمنا بذنب أبدا)(4)، وقال: (من دخله

__________

(1) رواه البيهقي في الشعب.

(2) رواه أبو داود والترمذي وحسنه وابن ماجه.

(3) رواه البزار وابن حبان في الضعفاء والبيهقي في الشعب.

(4) الكافي ج 2 ص 313 رقم 1.

صفحة ( 42)

العجب هلك)(1)، وقال: (إن الرجل ليذنب الذنب فيندم عليه ويعمل العمل فيسره ذلك فيتراخى عن حاله تلك فلأن يكون على حاله تلك خير له مما دخل فيه)(2)

وحكى قصة تبين خطر العجب، فقال: (أتى عالم عابدا فقال له: كيف صلاتك؟ فقال: مثلي يسأل عن صلاته؟! وأنا أعبد الله منذ كذا وكذا، قال: فكيف بكاؤك؟ قال: أبكي حتى تجري دموعي، فقال العالم: إن ضحكك وأنت خائف أفضل من بكائك وأنت مدل.. إن المدل لا يصعد من عمله شي ء)(3)

وحكى قصة أخرى، فقال: (دخل رجلان المسجد أحدهما عابد والآخر فاسق فخرجا من المسجد والفاسق صديق والعابد فاسق، وذلك أنه يدخل العابد المسجد مدلا بعبادته يدل بها فتكون فكرته في ذلك وتكون فكرة الفاسق في الذم على فسقه ويستغفر الله مما صنع من الذنوب)(4)

وروى عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من أخبار الأنبياء أنه (بينما موسى عليه السلام جالس إذ أقبل إبليس وعليه برنس ذو ألوان فلما دنا منه خلع البرنس وقام إلى موسى عليه السلام فسلم عليه فقال له موسى عليه السلام: من أنت فقال: أنا إبليس، قال: أنت فلا قرب الله دارك، قال: إني إنما جئت لأ سلم عليك لمكانك من الله تعالى، فقال له موسى عليه السلام: فما هذا البرنس؟ قال: أختطف به قلوب بني آدم، فقال له موسى: فأخبرني بالذنب

__________

(1) الكافي ج 2 ص 313 رقم 2.

(2) الكافي ج 2 ص 313 رقم 4.