الكتاب: إيران ثورة وانتصار

الوصف: قراءة موضوعية لأسباب انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية

السلسلة: هذه إيران وهذا مشروعها

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: مؤسسة العرفان للثقافة الإسلامية

الطبعة: الأولى، 1440 هـ

عدد الصفحات: 357

صيغةPDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

هذا ليس كتابا في تاريخ الثورة الإيرانية، ولا في تفاصيل أحداثها، وإنما هو محاولة للتعرف على أسرار انتصارها، باعتبارها نموذجا مثاليا لم يحدث مثله في التاريخ.

وهو يستند في تحليلاته واستنباطاته بالدرجة الأولى لقادة الثورة أنفسهم، ذلك أنهم أولى من يتحدث عن الثورة، وهم أعرف بها من غيرهم، ومن الخطأ الكبير الذي وقع فيه بعض المؤرخين لهذه الثورة تجاوزهم لأولئك القادة، وتطبيقهم لتفكيرهم الرغبوي عليها.

وهو لذلك يهدف إلى القراءة الموضوعية والعميقة للثورة الإسلامية، ورد كل الشبه التي استهدفتها، واستعملت كل الوسائل لتشويهها، منذ انطلاقتها وإلى الآن.

وهو أيضا قراءة اعتبارية لهذه الثورة بناء على الرؤية القرآنية لسنن النصر في الثورات، عساها تصحح تلك الأخطاء الكثيرة التي وقعت فيها الثورات العربية، نتيجة عدم استفادتها من تلك العبر، وهو ما جعلها تنحرف عن مسارها، أو تنهزم هزيمة نكراء، أو تتحول إلى أداة من أدوات الحرب الناعمة لضرب الأمن والاستقرار.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

مقدمة الكتاب

الفصل الأول

الثورة الإسلامية.. والقيادة الرشيدة

أولا ـ المنبت الطيب للقائد:

ثانيا ـ الصفات العلمية للقائد:

1 ـ العلوم المرتبطة بالفلسفات والأفكار:

2 ـ العلوم المرتبطة بالحياة والمجتمعات:

ثالثا ـ الصفات الأخلاقية والروحية للقائد:

رابعا ـ قدرة القائد على البذل والتضحية:

خامسا ـ القدرة التسييرية للقائد:

سادسا ـ جاذبية للقائد:

الفصل الثاني

الثورة الإسلامية.. والطاقات البشرية

أولا ـ الطاقات الشعبية وإشراكها في الثورة والبناء:

1 ـ إشراك جميع الشعب في تحريك الثورة:

أ ـ مشاركة المرأة في الثورة الإسلامية:

ب ـ مشاركة المستضعفين في الثورة الإسلامية:

ج ـ مشاركة القوات المسلحة في الثورة الإسلامية:

2 ـ إشراك جميع الشعب في حفظ الثورة:

ثانيا ـ الطاقات النخبوية وإشراكها في القيادة والتوجيه

1 ـ دور علماء الدين في الثورة:

ب ـ التحذير من تشويه علماء الدين:

ج ـ تحذير العلماء من تشويه الإسلام:

د ـ التحذير من علماء السوء:

2 ـ دور النخبة المثقفة في الثورة:

الفصل الثالث

الثورة الإسلامية.. والمطالب الشرعية.

أولا ـ الثورة الإسلامية، ومواجهة التحريفات:

1 ـ التصحيح الديني والوحدة:

2 ـ التصحيح الديني والعدالة:

3 ـ التصحيح الديني والشريعة:

4 ـ التصحيح الديني والانفتاح:

ثانيا ـ الثورة الإسلامية، ومواجهة الاستبداد:

1 ـ المضار المادية للاستبداد:

2 ـ المضار المعنوية للاستبداد:

ثالثا ـ الثورة الإسلامية، ومواجهة الاستكبار:

1 ـ التحذير من مؤامرات الاستكبار العالمي:

2 ـ الوقوف مع المستضعفين ودعوتهم لمواجهة الاستكبار.

رابعا ـ الثورة الإسلامية، وتحقيق الإسلام في الواقع:

1 ـ نشر القيم الإسلامية وتربية الشعب عليها:

2 ـ تحقيق العدالة الاجتماعية وفق الرؤية الإسلامية:

الفصل الرابع

الثورة الإسلامية.. والأساليب الحكيمة

أولا ـ الثورة الإسلامية.. والتأثير الروحي:

1. الجانب الروحي ودوره في تحقيق الانتصار:

2. الجانب الروحي ودوره في المحافظة على الانتصار:

ثانيا ـ الثورة الإسلامية.. والتخطيط العلمي:

1 ـ الاستفادة من التجارب السابقة:

2 ـ الاستشراف المستقبلي:

ثالثا ـ الثورة الإسلامية.. والإقناع العقلي:

1. إثبات تهافت النظام الملكي

2. إثبات تهافت النظام الوضعي

رابعا ـ الثورة الإسلامية.. والحركة الواعية:

1 ـ الحركة الواعية والتحرر من الخوف:

أ ـ بث مفاهيم الشهادة وفضلها:

ب. استثمار الحركة الحسينية في المواجهة:

2 ـ الحركة الواعية والتحرر من العنف:

أ ـ التحرر من العنف قبل الانتصار:

ب ـ التحرر من العنف بعد الانتصار:

الفصل الخامس

الثورة الإسلامية.. والحفاظ على المكاسب

أولا ـ الجانب العقدي ودوره في الحفاظ على قيم الثورة:

1. التحذير من المندسين والانتهازيين:

2. التحذير من دعاة الفرقة والفتنة:

3. التحذير من دعاة التغريب والحداثة:

4. التحذير من أدوات الحرب الناعمة:

ثانيا ـ الجانب المؤسساتي ودوره في الحفاظ على قيم الثورة:

هذا الكتاب

مقدمة الكتاب

يحاول هذا الكتاب التعرف على الأسباب الموضوعية لانتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، واستمرار ذلك الانتصار، بل تصاعده طيلة أربعة عقود على الرغم من كل أنواع الحروب العالمية التي شنت على إيران وثورتها الإسلامية، والتي شملت الحروب العسكرية والسياسية والاقتصادية والثقافية، بل حتى الدينية، حيث ترك الكثير ممن يزعمون لأنفسهم الوصاية على الدين كل مشاريعهم في تربية المجتمعات وتهذيبها، وتفرغوا لتشويه إيران وحربها.

وقد اهتممنا بالجانب الموضوعي الذي دلت عليه الوثائق التاريخية المنصفة والمحايدة، ودل عليه قبل ذلك تراث قادة الثورة الإسلامية ومؤسسيها، باعتبارها المصادر الأساسية التي تعرف بحقيقة الانتصار من الداخل، لا من الخارج، ذلك أن أهل مكة أدرى بشعابها.

وقد دعانا إلى هذا قسمان من الدوافع:

القسم الأول: مرتبط بما قدمته الثورة الإسلامية الإيرانية للمحيط الداخلي والخارجي من خدمات أثرت فيه بطرق مباشرة وغير مباشرة، ومن جملة هذه التأثيرات:

1. تأثيرها على العالم الإسلامي، وخصوصا القضية الفلسطينية، حيث أنها ظهرت في وقت خطير جدا، كانت الصهيونية فيه قد أعدت عدتها، مع حليفها الأكبر أمريكا للقيام بتطبيع شامل مع الدول العربية، يكون مقدمة بعدها ذلك لتطبيعها مع العالم الإسلامي.. لكن شاء الله أن يكون ذلك العنفوان الذي حصل للصهيونية في تلك الفترة ميلادا للانتصار الذي صار يهددها وجوديا.

 إيران ثورة وانتصار (5/ صفحات الكتاب 357)

2. تأثيرها على العالم، وعلى المتدينين فيه، وخصوصا المسلمين، حيث أنها ألغت تلك المقولة التي كان يرددها الشيوعيون حينها، والتي تنص على أن الدين أفيون الشعوب، حيث اكتشف العالم قدرة الدين ورجل الدين على أن يخلص الناس من الاستبداد والقهر والظلم من غير أن يكسب لنفسه أي مكاسب، ولهذا، حصل ذلك الشرخ الكبير للاتحاد السوفيتي الذي كان يمثل الشيوعية حينها، والذي سرعان ما انهار بعده.

3. تأثيرها على الحركات الإسلامية بمختلف أشكالها، والتي دفعها ذلك الانتصار للانتشار والتمدد في المجتمعات الإسلامية، ولو أن الحظ حالفها، فتحالفت مع الثورة الإسلامية لكان وضعها الآن مختلفا، لكنها للأسف استجابت للمخططات الصهيونية والأمريكية، وبدل أن تستعين بانتصار الثورة، راحت إلى الخندق المواجه لها.

4. تأثيرها الداخلي على الإيرانيين الذي ذاقوا طعم النصر لأول مرة في تاريخهم الطويل؛ فلأول مرة تحكم إيران في ظل جمهورية إسلامية، للشعب فيها كامل حريته في تحقيق مطالبه وتنفيذها، وقد كان لذلك أثره الكبير في الانطلاقة الحضارية الجديدة، والتي لم يشهد الإيرانيون، ولا العالم الإسلامي نظيرا لها من قبل.

القسم الثاني: مرتبط بمحاولة الاستفادة من نجاح هذه الثورة في التعرف على أسباب الانتصار التي يمكن تعميمها للخروج من حالة الهزيمة التي عاشتها كل الثورات في العالم الإسلامي.

ذلك أن الثورة الإسلامية تعتبر من أحسن النماذج التاريخية لانتصار القيم العقدية على كل القيم المادية، فالإيرانيون استطاعوا بصبرهم على الحصار والحروب التي فرضت عليهم، أن يبرزوا مدى دور العقيدة في تحقيق الانتصار والصبر عليه، وتحقيق المنجزات في ظله.

 إيران ثورة وانتصار (6/ صفحات الكتاب 357)

وفوق ذلك تمكنوا من إعطاء نموذج للحكم الإسلامي، لا يوجد له نظير في جميع التاريخ الإسلامي، ولذلك يمكن اعتبار الثورة الإسلامية الإيرانية نموذجا تاريخيا مميزا لا نجد له نظيرا في التاريخ جميعا، الإسلامي وغير الإسلامي.

وفوق ذلك كله تلك الضمانات الكبرى التي استطاع قادة الثورة الإسلامية بمعونة شعبهم أن يكفلوها، وهي الحصانة التامة من كل أنواع الحروب الصلبة والناعمة، ولذلك لم تستطع كل جحافل الأعداء المتربصين بهم أن تحرك ساكنا يؤثر فيهم.

وقد رأينا من خلال استقراء الأسباب التي قام عليها انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، أن نكتشف خمسة أسباب كبرى، يمكن اعتبارها أركانا أساسية لا يمكن أن تنجح أي ثورة من دونها، وهي:

1. القيادة الرشيدة: ذلك أن كل ثورة تحتاج إلى إمام يحركها، ويقوم بتوجيهها، ولا يمكن أن تنجح أي ثورة من دون قائد أو إمام، وقد حظيت الثورة الإسلامية الإيرانية بشخصيات فذة، جمعت كل صفات القيادة الحكيمة، وهي شخصية إماميها الخميني والخامنئي، اللذين بدأ أولهما مسيرة قيادة الثورة، وأكملها الثاني، بكل وفاء، وبنفس المبادئ والقيم.

2. الطاقات البشرية: ذلك أن الجماهير هي التي تمارس ـ تحت توجيهات قيادتها الرشيدة ـ كل الأساليب والوسائل، وتقدم كل التضحيات التي تساهم في انتصار الثورة، وبقدر تنوع تلك الطاقات، ونفوذها في المحال المختلفة، بقدر نجاح الثورة في تحقيق مطالبها، وفي أقصر مدة.

3. المطالب الشرعية: ذلك أن المطالب إن لم تكن معقولة، ولا واضحة، ولا في خدمة الثائرين، لن تحرك فيهم دوافع الثورة.

4. الأساليب الحكيمة: ذلك أنها إن لم تكن مضبوطة ودقيقة ومستوعبة لكل الاحتمالات، فستفشل الثورة لا محالة.

 إيران ثورة وانتصار (7/ صفحات الكتاب 357)

5. الحفاظ على المكاسب: ذلك أن الثورة قد تنتصر انتصارها المبدئي والجزئي، لكنها إن لم تكن تحمل مشروعا كاملا يضمن لها البقاء، فستنقطع بها السبل، ولا يتحقق لها الانتصار الحقيقي الكامل والشامل والمستمر.

بناء على هذه الأسباب قسمنا هذا الكتاب إلى خمسة فصول تناولنا في كل فصل تحليلا للسبب وأهميته، بناء على ما ورد في القرآن الكريم من ذكر أسباب النصر، ثم حاولنا تطبيقها على الواقع الإيراني إبان الثورة وبعدها.

بالإضافة إلى ذلك، وبناء على ما ذكرناه في القسم الثاني من الدوافع، فقد حاولنا أن نقارن بين الثورة الإسلامية الإيرانية وغيرها من الثورات في كل جانب من الجوانب، لنبين أسباب النصر والهزيمة، لأن الغاية من الكتاب كما ذكرنا تتجاوز التجربة الإيرانية، لتحاول تعميمها على سائر بلاد العالم الإسلامي، ليتخلص من كل أسباب الهزيمة، ويتحقق بكل أسباب النصر.

الفصل الأول

الثورة الإسلامية.. والقيادة الرشيدة

الركن الأكبر من أركان انتصار الثورة الإسلامية الإيرانية، ومثلها انتصار أي ثورة، توفر القائد الذي يستطيع أن يحرك الشعب، ولو تأملنا كل أسباب الهزيمة التي نزلت بجميع الثورات العربية، وخصوصا ما يطلق عليه [الربيع العربي] نجد أنه يمكن اجتماعها في افتقادها للقائد، حيث أنها تحولت إلى حركة عشوائية فوضوية غير مضبوطة، ولذلك سهل اختراقها، وتحويلها عن مسارها الصحيح الذي يخدم الشعب والدولة إلى المسار الذي يخدم أعداء كليهما.

وفهم سر ذلك ليس صعبا، ذلك أن الشعب يتقمص جميعا شخصية القائد، بكل معانيها، ويتحول بذلك إلى قوة واحدة، يمكنها أن تحطم كل من يقف في طريقها، لكنها عند افتقاد القائد، يصبح لكل شخص قوته الخاصة، والتي قد تتعارض مع سائر القوى، وبذلك تأكل الثورة بعضها بعضا، ويأكل الشعب بعضه

 إيران ثورة وانتصار (8/ صفحات الكتاب 357)

بعضا مثلما نرى في ليبيا التي لا يزال التناحر بين الثوار أنفسهم، لأنهم لم ينطلقوا من قيادة موحدة، وإنما من قيادات كثيرة، حصل التنازع بعدها على المكتسبات.

وقد وردت الإشارة القرآنية إلى هذا المعنى في مواضع مختلفة، أولها، وأكثرها صراحة ما ورد في قصة طالوت؛ فهي تشير إلى أن التخلص من الهزيمة، لا يكفي فيه توفر الجيوش فقط، وإنما يحتاج أيضا إلى توفر القائد الحكيم الذي يعرف كيف يقود الجيوش للنصر، قال تعالى: {أَلَمْ تَرَ إِلَى الْمَلَإِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى إِذْ قَالُوا لِنَبِيٍّ لَهُمُ ابْعَثْ لَنَا مَلِكًا نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ} [البقرة: 246]

ووردت الإشارة إلى ذلك أيضا في سورة القصص، وهي السورة التي وضح الله غرضها في أولها، فقال: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6)} [القصص: 5 ـ 6]

ثم عقب عليها مباشرة بقوله: {وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} [القصص: 7]

أي أن إرادة الله بالتمكين للمؤمنين في الأرض، وإخراجهم من طاغوت فرعون بدأ بولادة موسى عليه السلام، فهو القائد المخلص، وهو الذي كان يفتقده بنو إسرائيل، وبمجرد ولادته بدأ معه الترقي في سلم النصر.

ولم يكتف القرآن الكريم بذكر هذا الشرط فقط، وإنما أضاف إليه الشروط التي لا يمكن للقائد أن يؤدي دوره من دونها، ومنها قوله تعالى في قصة طالوت: {قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنَ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ} [البقرة: 247]

 إيران ثورة وانتصار (9/ صفحات الكتاب 357)

ومنها قوله حكاية عن يوسف عليه السلام، وسر اختياره قائدا ومخلصا لمصر من الأزمة التي تتعرض لها: {قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ} [يوسف: 55]

ومنها قوله عن موسى عليه السلام، ومواصفات القيادة فيه، قال تعالى: {قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ} [القصص: 26]

وبناء على هذه النصوص جميعا ـ سواء تلك التي تشترط توفر القيادة لأي حركة تغييرية، أو تلك التي تذكر صفات القائد ـ يمكن قراءة سر نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية؛ فقد كان للإمام الخميني الدور الكبير في نجاحها، وذلك لتوفر جميع صفات القيادة الحكيمة في شخصه، بالإضافة إلى ممارسته الصحيحة والحكيمة لدوره القيادي، وفي أحلك الظروف.

ومثله خليفته الإمام الخامنئي الذي تولى المهام الكبرى إبان حياة أستاذه الإمام الخميني، ثم واصل المسيرة بعده، ليضمن الانتصار النهائي للثورة الإسلامية على كل المؤامرات.

وقد رأينا من خلال استقراء ما ورد في المصادر المقدسة من صفات القيادة الرشيدة، أنه يمكن اجتماعها في ست صفات:

1. المنبت الطيب للقائد، والذي يجعله ثقة لدى شعبه، ويخلصه من كل التهم التي قد تلحق به من المناوئين له، والتي قد تعتبره عميلا أو مندسا، ولهذا نرى في الكثير من الدساتير اشتراط الجنسية فيمن يتولى أي مسؤولية كبرى في البلاد، ولهذا نرى أيضا سر ذكر القرآن الكريم للمنبت الطيب للأنبياء المخلصين.

2. القدرة العلمية، بمختلف أنواعها، وذلك لأن القيادة تحتاج إلماما بمعارف مختلفة، تكون هادية للقائد لاختيار القرارات المناسبة، وفي الوقت المناسب،

 إيران ثورة وانتصار (10/ صفحات الكتاب 357)

بالإضافة إلى أن المشروع الثوري لا يمكن أن يتأسس، ولا أن يؤتي نتاجه ما لم يكن قائما على أسس علمية عقلانية يكون لها دور في التوعية والتعبئة.

فلو لم يكن ليوسف عليه السلام علم التأويل، والعلم بكيفية الخروج من الأزمة الاقتصادية لمصر، لما استطاع أن يكون قائدا أو مخلصا لها في تلك الفترة.

3. القوة الأخلاقية والروحية، والتي تجعله محبوبا ومقبولا لدى شعبه، ذلك أن كل الشعوب تميل إلى القادة الروحيين أكثر من ميلها للقادة السياسيين، ولهذا وصف القادة في القرآن الكريم بالأمانة، وهي صفة تجمع جميع المعاني الروحية والأخلاقية.

4. قدرة القائد على البذل والتضحية، لأنها دليل صدقه وإخلاصه وبعده عن كل الأغراض الشخصية، وهذا يتجلى جليا فيما حصل للأنبياء والأئمة عليهم السلام من أنواع البلاء.

5 ـ القدرة التسييرية، والتي تقتضي التعرف على كيفية التعامل مع الشعب، والنواحي التي يمكن أن تؤثر فيه، وكيفية استدراجه لتحقيق المطالب الثورية بكل حكمة ولطف وتؤدة، وتقتضي كذلك التعرف على كيفية التعامل مع المناوئين للشعب، والذين تقوم الثورة ضدهم، وقد أشار إلى ذلك القرآن الكريم عند ذكره لاختيار موسى عليه السلام ليوم الزينة، واجتماع الناس، ليرى الجميع آيات الله التي تؤيده، ويكون ذلك مقدمة لحراكه.

وأشار إليه عند ذكره لطالوت، وما فعله من اختبارات لجنوده، حتي يدخل المعركة بالجنود الذين تتوفر فيهم شروط النصر.

6 ـ جاذبية القائد، وقدرته على إثارة الانتباه والاهتمام، وذلك للصفات التي توفرت فيه، وقد أشار القرآن الكريم إلى ذلك في مواضع كثيرة منها ما قصه عن يوسف عليه السلام، وانجذاب أهل السجن له، ومثلهم الملك الذي قال عنه: {ائْتُونِي بِهِ أَسْتَخْلِصْهُ لِنَفْسِي} [يوسف: 54]

 إيران ثورة وانتصار (11/ صفحات الكتاب 357)

أولا ـ المنبت الطيب للقائد:

وهو من الشروط المهمة والضرورية، والتي أشار إليها وإلى أهميتها القرآن الكريم، كما في قوله تعالى عن مريم عليها السلام، وأسرار اصطفائها: {فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنْبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا} [آل عمران: 37]

وسر ذلك يعود إلى أن المخلص يحتاج إلى سيرة صافية واضحة تبعد عنه كل الشبهات، التي قد يستغلها أعداؤه، لا لتشويهه فقط، وإنما لتشويه الحراك الذي يقوم به، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا المعنى عند ذكره لخطاب الأنبياء مع أقوامهم، فقد قال الله تعالى ملقنا رسوله صلى الله عليه وآله وسلم: {قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ} [يونس: 16]

وعند تطبيق هذا الشرط على الإمام الخميني وعلى الكثير من قادة الثورة الإسلامية الإيرانية، والذين اختارهم للقيادة معه وبعده، نجد هذا الشرط متوفرا، وفي أجمل وأكمل درجاته.

فالإمام الخميني سليل أسرة هاشمية، انحدرت من سلالة الإمام موسى الكاظم، لذلك عُرف ولقِّب باسم [آية اللَّه روح اللَّه، الموسوي، الحسيني، المصطفوي، الخميني] (1)

وكان لنسب الأسرة دوره في اهتماماتها العلمية والثورية، فقد كان لجده السيد أحمد الهندي ـ بما له من مكانة اجتماعية ـ دور في الثورة والتمرد على الاستعمار البريطاني في كشمير التي كان مستقرا بها حينها، وكانت خاضعة للاستعمار البريطاني؛ فاضطرت بريطانيا لإبعاده عن كشمير في بداية القرن التاسع عشر، فاختار

__________

(1) كتبت كتب كثيرة تؤرخ السيرة المفصلة للإمام الخميني، وقد رجعنا في هذا المحل إلى مقال بعنوان الإمام الخميني الهوية الشخصية، مجلة بقية الله، السنة 12، العدد 141، وانظر: حديث الانطلاق، أنصاري، حميد، ص 12 - 13.

 إيران ثورة وانتصار (12/ صفحات الكتاب 357)

النجف لتكون مقره الجديد، فأقام في النجف مدة من الزمن، إلى أن جاءت جماعة من بلدة خمين الإيرانية، والتقت به، وعرضت عليه أن يعود معهم إلى بلدة خمين، فوافق السيد على ذلك، وعاد معهم، وصاهرهم، وكان من ثمرة تلك المصاهرة، أن ولد له مصطفى، والد الإمام الخميني.

ثم ما لبث والده مصطفى أن استشهد ولم تمضِ على ولادته ستّة أشهر، وذلك على أيدي قطّاع الطرق المدعومين من قِبَل الحكومة آنذاك، وذلك عام 1320 للهجرة، وقد قامت بكفالته وتربيته بعد يتمه والدته المؤمنة السيّدة هاجر، التي تنتسب لأسرة اشتُهرت بالعلم والتقوى.

وهكذا اجتمع للإمام الخميني في أول مراحل حياته، العلم والتقوى مع الألم الذي سببته المظالم التي لحقت بأسرته، والتي جعلته بعد ذلك يشن حملته الشديدة على الاستكبار والاستعمار والظلم.

بعدها انصرف الإمام الخميني بكليته للعلم، فقد درس في مدينة خمين حتى سن التاسعة عشر مقدّمات العلوم بما فيها اللغة العربية والمنطق والأصول والفقه، وفي عام 1921 م التحق بالحوزة العلمية في مدينة أراك، وبعد أن مكث فيها عاماً، هاجر إلى مدينة قم لمواصلة الدراسة في حوزتها، وهناك وفضلاً عن مواصلة دراسته على يد فقهاء ومجتهدي عصره، اهتم بدراسة علم الرياضيات والهيئة والفلسفة.

ولذلك كانت سيرته مملوءة بالطهارة والنقاء، سواء من جانبه الشخصي، الذي كان يطغي عليه الدراسة والبحث العلمي، أو من جانب أسرته التي جمعت بين العلم والثورة على الاستبداد.

وهكذا الأمر بالنسبة لخليفته الحالي السيد علي الخامنئي، والذي كان ينتمى هو الآخر لأسرة من السادة المشهورين بالعلم والتقوى، فقد كان والده آية الله الحاج السيّد جواد، من المجتهدين وعلماء مشهد المحترمين، وكان من المبلِّغين المعروفين في مشهد، وكان جدّه آية الله السيّد حسين الخامنئيّ من علماء أذربيجان، ثمّ هاجر إلى

 إيران ثورة وانتصار (13/ صفحات الكتاب 357)

النَّجف، وأقام هناك، واشتغل بالتدريس والبحث، وكان ـ كما يذكر المؤرخون له ـ من أهل العلم والتقوى، وقضى عمره في الزهد والقناعة.

وهكذا كانت والدته كريمة حجَّة الإسلام السيّد هاشم نجف آبادي من علماء مشهد المعروفين، وكانت امرأة شريفة عالمة، وكان له دور كبير في تربية ابنها السيد علي، كما يذكر ذلك عنها.

وقد كانت نشأة السيد علي الخامنئي لا تختلف عن نشأة أستاذه الإمام الخميني، فقد جمع بين طلب العلم مع الظروف المعيشية الصعبة التي جعلته يشعر بمرارة الاستكبار والظلم، وقد عبر عن ذلك، فقال: (لقد قضيت طفولتي في عسرة شديدة خصوصًا أنَّها كانت مقارنة لأيَّام الحرب. وعلى الرغم من أنَّ مشهد كانت خارجة عن حدود الحرب، وكان كلُّ شيء فيها أكثر وفورًا وأقلَّ سعرًا نسبة إلى سائر مدن البلاد، إلاّ أنَّ وضعنا المادّيَّ كان بحيث لم نكن نتمكّن من أكل خبز الحنطة، وكنّا عادة نأكل خبز الشعير، وأحيانًا خبز الشعير والحنطة معًا، ونادرًا ما كنّا نأكل خبز الحنطة. إنّني أتذكّر بعض ليالي طفولتي حيث لم يكن في البيت شيء نأكله للعشاء، فكانت والدتي تأخذ النقود ـ الّتي كانت جدتي تعطيها لي أو لأحد أخواني أو أخواتي أحيانًا ـ وتشتري بها الحليب أو الزبيب لنأكله مع الخبز. لقد كانت مساحة بيتنا الّذي ولدت وقضيت حوالي خمس سنوات من عمري فيه بين (60 ـ 70 مترًا) في حيّ فقير بمشهد وفيه غرفة واحدة وسردابٌ مُظلم وضيّق.. وعندما كان يحلّ علينا ضيف. وبما أنَّ والدي كان عالمًا ومرجعًا لشؤون الناس، فكان دائم الضيوف، كان علينا الذهاب إلى السرداب حتّى يذهب الضيف. وبعد فترة اشترى بعض المريدين لوالدي قطعة أرض بجوارنا وألحقوها ببيتنا، فاتسّع البيت إلى ثلاث غرف.. ولم يكن ملبسنا أفضل من ذلك، فقد كانت والدتي تخيط لنا من ملابس والدي القديمة شيئًا عجيبًا وغريبًا، كان لباسًا طويلًا يصل إلى أسفل الرُّكبة يحتوي

 إيران ثورة وانتصار (14/ صفحات الكتاب 357)

على عدّة وصلات، طبعًا يجب أن يقال إنَّ والدي لم يكن يغيّر ملابسه بهذه السرعة، فعلى سبيل المثال بقي أحد ملابسه بلا تغيير لمدّة أربعين عامًا)(1)

وهذه النشأة لكلا القائدين كان لها أثرها البالغ في موقفهما من الاستكبار والظلم، ودعوتهما لنصرة المستضعفين، وكان لها دور كذلك في ثقة الشعب الإيراني فيهما ذلك أن الأبطال الحقيقيين هم الأبطال الذين يولدون من رحم الشعب ومعاناته، لا الذين ينظرون إليه من أبراجهم العاجية.

وكما أن مرارة اليتم لم تصرف الإمام الخميني عن طلب العلم، بل جعلته يقبل عليه بكليته، فهكذا حصل لتلميذه وخليفته السيد علي الخامنئيّ الذي التحق بالكتاتيب لتعلّم القرآن الكريم، وهو لما يتجاوز الخمس سنوات.

وبعد أن أكمل المرحلة الابتدائيّة، التحق بالدراسة المسائيّة في المدرسة الحكوميّة وحصل على الشهادة المتوسّطة، ثمَّ أنهى دراسته الثانويَّة خلال سنتين، وحصل على الشهادة الثانويَّة.

وقد حدّث عن مدى الاهتمام الذي كانت توليه أسرته لطلب العلم، على الرغم من ظروفها الصعبة، فقال: (لقد كان والدي العامل الرئيسيّ في انتخابي طريق العلم النيّر والعلماء. ولقد شوّقني ورغّبني بذلك.. فعندما شرعت بالدروس الدينيَّة، كان الفارق في العمر بيني وبين والدي شاسعًا، إضافة إلى ذلك فقد كانت لوالدي مكانة علميَّة بارزة، وكانت لديه إجازة اجتهاد، وتخرّج على يديه الكثير من طلبة العلوم الدينيَّة في مستويات عالية، لذا لم يكن من المناسب وهو في هذه المكانة العظيمة أن يدرّسني وأنا في المرحلة الأولى من دراستي، ولم تكن لديه الرغبة ولا الصبر على ذلك. لكن نظرًا لاهتمامه بتربيتنا، فقد درّسني وأخي الأكبر ومن بعدنا درّس أخانا الأصغر، فحقّه عظيم علينا في مجال التدريس والتربية وخصوصًا عليّ،

__________

(1) الإمام الخامنئي دام ظله القائد المرجع (ص: 13)

 إيران ثورة وانتصار (15/ صفحات الكتاب 357)

لأنّه لو لم يكن موجودًا لما وُفِّقنا في تحصيل الفقه والأصول، وقبل ذهابي إلى قمّ، حضرت. علاوة على دراستي عند والدي. الدروس العامّة في مشهد. وفي العطلة الصيفيَّة كان والدي يضع لنا برنامجًا دراسيًّا ويباشر تدريسنا، ولهذا السبب لم يحصل توقُّف في دراستي خلافًا للّذين كانوا يدرسون في الحوزات العامّة والّتي كانت تعطّل في شهري محرّم وصفر وشهر رمضان المبارك وفي العطلة الصيفيَّة. فأنهيت دروس السطوح جميعها، وشرعت بالبحث الخارج وأنا في السادسة عشر من عمري.. إنّ لدعم والدي النصيب الأوفر في تقدّمي الدراسيّ، فبلغت فترة دراستي منذ اللحظة الأولى في طلبي العلم حتّى شروعي بحث الخارج خمس سنوات ونصفا، أي أنَّني أنهيت السطوح في خمس سنوات ونصف)(1)

وهكذا كان لوالدته الدور الكبير في تربيته وتعليمه، وإتقانه للغة العربية، وقد أشاد بها كثيرا في مذكراته [إنّ مع الصبر نصرا]، فقد قال عنها: (الوالدة نجفية المولد، عربيّة اللهجة، كانت تتكلم في صباها باللهجة العربية النجفية، عارفة بالقرآن، تحسن القراءة بصوت رائع. وفي أواخر حياتها بُحَّ صوتها، فكنت أذكّرها بصوتها الحَسَن. كانت تواظب علي قراءة القرآن الكريم كلَّ يوم في مصحف مُهدي لها من والدها. وكانت طريقتها في القراءة تجتذبنا ونحن صغار، فنلتف حولها، ونصغي إلي تلاوتها. وهي كانت تغتنم الفرصة فتترجم لنا معاني بعض الآيات إلي الفارسية، وتحكي لنا قصص الأنبياء. شغفها بحياة موسي (عليه السلام) كان يدفعها لأن تقصَّ علينا

__________

(1) المرجع السابق، ص 15، وانظر حديث القائد عن ذكرياته في هذا المجال في خطاب للشباب المجاهدين، ثماني مواعظ لطيفة في السلوك المعنوي، الإمام الخامنئي (ص: 28)

 إيران ثورة وانتصار (16/ صفحات الكتاب 357)

حياة هذا النبي العظيم بكل تفاصيلها، وتتكلم عن موسي بإعجاب يثير فينا لهفة لاستماع أخباره)(1)

وقد كان لذلك كله أثره الكبير في تكوينه إذ مكنه من الاطلاع على الكثير من الكتب باللغة العربية والفارسية وغيرها، كما ذكرنا اهتمامه الكبير بالمطالعة في الجزء السابق من هذه السلسلة.

ثانيا ـ الصفات العلمية للقائد:

وهي من الصفات الأساسية الكبرى التي لا يمكن لأي ثورة ناجحة أن تتحقق من دونها، وقد أشار القرآن الكريم إلى هذا الشرط في مواضع كثيرة، مبينا أنه لا يمكن أن يقود الناس جاهل.

ومن الأمثلة على ذلك نموذج ذي القرنين الذي ذكره القرآن الكريم باعتباره مثالا للقائد الصالح، وقد ذكر أنه لم يكن ليخرج بعض الأقوام الذين مر بهم من الذلة والضياع لولا العلم الذي آتاه الله، قال تعالى: {حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَاذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97)} [الكهف: 93 ـ 97]

ومثله يوسف عليه السلام، الذي كان علمه بكيفية حفظ الزرع من الفساد، وما أوتيه من علوم التأويل دور في تخليص المصريين ومن جاورهم من المجاعة التي كانت تنتظرهم.

__________

(1) إنّ مع الصبر نصرا، مذكرات الإمام الخامنئي العربية..

 إيران ثورة وانتصار (17/ صفحات الكتاب 357)

ومن خلال تأمل ما ورد في القرآن الكريم حول العلوم المرتبطة بهذا الجانب، نجد نوعين من العلوم يحتاج القائد لتعلمها، بل لا يمكن أن يمارس دوره من دونها:

أولها ـ العلوم المرتبطة بالعقائد والفلسفات والأفكار، والتي تمثل الجانب الفكري للشخصية القيادية.

الثاني: العلوم المرتبطة بالحياة وتجاربها المختلفة، والواقع والأقطاب المتحكمة فيه، والمجتمع والبنية المشكلة له، وغيرها من العلوم التي تجعله ينظر للواقع نظرة صحيحة بعيدة عن كل أشكال الهوى والتفكير الرغبوي.

وهذه جميعا نجدها مجتمعة لدى الإمام الخميني وخليفته الإمام الخامنئي؛ فكلاهما نال حظه من هذه المعارف، كما سنشرح بعض ذلك من خلال العنوانين التاليين:

1 ـ العلوم المرتبطة بالفلسفات والأفكار:

من أهم الميزات التي طبعت الثورة الإسلامية في إيران أن جميع قادتها ابتداء من الإمام الخميني، وغيره من القادة السياسيين والفكريين كان لهم اهتمام شديد بالفلسفة، والعلوم العقلية، والتي أعطتهم القدرة على التحليل الجيد للأوضاع المختلفة، وكيفية التعامل معها.

ولذلك كانت مناهج دراستهم تختلف كثيرا عن تلك المنتشرة في العالم الإسلامي سواء في البيئة السنية أو الشيعية، ذلك أن الغالب على المدارس الدينية حفظ الفروع الفقهية، وتلقين الأصول الدينية، دون الغوص في العلوم العقلية، سواء تلك المرتبطة بالدين أو بالفلسفة عموما، وسنرى بعض النماذج على ذلك في الفصول التالية عند بيان قدرة الثورة الإسلامية على استقطاب الفلاسفة والمفكرين، وغيرهم، وقدرتها على صياغة خطابها بلغة عقلانية مقبولة من الجميع، حتى من غير المتدينين.

 إيران ثورة وانتصار (18/ صفحات الكتاب 357)

ونكتفي هنا بذكر مدى اهتمام القائدين الكبيرين للثورة الإسلامية بهذه الجوانب..

أما الإمام الخميني، فتشهد له كل كتبه ومحاضراته وخطبه بالباع الطويل في الفلسفة وعلم الكلام والعرفان، وجميع العلوم العقلية، ولذلك كان يستعمل تلك التحليلات واللغة المرتبطة بها في خطاباته جميعا، حتى الخطابات الشعبية، مع تبسيطها وتيسيرها ليفهمها عامة الناس وخاصتهم.

ولذلك دور كبير في ثقة الأمة بقائدها، ذلك أنه كلما كان مستواه العلمي والفكري رفيعا، وكلما كانت خطبه راقية، كلما كانت الثقة به أعظم، لأن الشعب يشعر حينها أنه بين أيد أمينة، لها من العلم ما ينقذها من كل تهور.

ومن خلال الاطلاع على ما كتبه الإمام الخميني في هذه الجوانب، نجده فيلسوفا ومفكرا رائدا، بل صاحب مدرسة فكرية راقية، وليس مجرد شخص مقلد أو حافظ مثلما هو الحال في الكثير من أساتذة الفلسفة في الدول العربية، والذين اقتنعوا من الفلسفة بتبني أحد مدارسها والدفاع عنها دون أن تكون لهم بصمات واضحة في مجال اختصاصهم.

وقد كان لإتقانه للعلوم العقلية آثارها في مرحلة أستاذيته، حيث وفرت له الكثير من التلاميذ الكبار الذين لم يكونوا يجدون عند غيره ما يجدون عنده من العلوم، وقد كان أولئك التلاميذ هم القادة الفكريون الذين كان لهم دور كبير في نجاح الثورة الإسلامية.

وفي نفس الوقت كان لذلك آثاره السلبية في الذين يخالفون أمثال تلك العلوم، كما ذكر الإمام الخميني ذلك عن نفسه، فقال: (في مدرسة الفيضية تناول ابني الصغير المرحوم مصطفى وعاءً وشرب منه الماء، فقام أحدهم وطهَّر الوعاء

 إيران ثورة وانتصار (19/ صفحات الكتاب 357)

لأنني كنتُ أُدرِّس الفلسفة، فقد كانت دراسة الفلسفة والعرفان تُعَدّ ذنبًا وشِرْكًا)(1)

وأشار إليه في موضع آخر عند رده على ذلك الصراع الذي استشرى فترة طويلة في التاريخ الإسلامي بين الفقهاء والفلاسفة، فقال: (لا ينبغي لهذه الفئة أن تتعرض لتلك، ولا لتلك الفئة أن تتعرض لهذه، فكل فئة من هؤلاء تتبنّى قضية مستقلة ومسألة محدودة لحالها. عقلك أنت لا يستوعب ما هو (الفقه) مثلًا، فلماذا تعتدي على الفقه؟ عقلك لا يستوعب ما هي (الفلسفة) وما فوق الفلسفة، لماذا تتجاسر على أصحابها؟ فأنت الذي لا تستطيع أن تستوعب. فإن من لا يستطيع فهم ما تقوله تلك الطائفة أو الفئة، وما تتوخّاه لا يحقّ لهُ الاعتراض عليها، فقد يكون فكره هو محدوداً!)(2)

ثم بين المنهج الأمثل في التعامل مع كلا الصنفين من العلوم، فقال: (على الجميع أن يتكاتفوا فيما بينهم، ويتعاضدوا، يجب أن يتوحّدوا فقيهاً ومهندساً وطبيباً وطلاباً وجامعيين وطلبة مدارس، على الجميع أن يتآزروا، حتى يتمكّنوا من القيام بعمل ما، ليتخلّصوا من هذه الأعباء)(3)

ومما يدل على مدى اهتمام الإمام الخميني بكلا النوعين من العلوم الشرعية والعقلية تلك الإجابة البديهية السريعة على سؤال من بعض الصحفيين عن أهم الشخصيات والكتب التي تأثر بها ما عدا المصادر المقدسة، فقال: (لا أستطيع أن

__________

(1) انظر: الإمام الخميني، بيان صادر في الخامس عشر من رجب لعام 1409 هـ ق.، نقلا عن: عبد الجبار الرفاعي، مبادئ الفلسفة الإسلامية، ط 1، دار الهادي، بيروت، 2001 م.، ج 1، ص 97..

(2) صحيفة الإمام، ج 3، ص: 219.

(3) المرجع السابق، ج 3، ص: 219.

 إيران ثورة وانتصار (20/ صفحات الكتاب 357)

أجيب عن هذا السؤال الآن، فهو يحتاج إلى الكثير من التأمل.. لدينا الكثير من الكتب، فربما أستطيع أن أقول في الفلسفة: الملا صدرا، ومن كتب الأخبار والمعلومات: الكافي، ومن الفقه: الجواهر، فعلومنا الإسلامية غنية جداً، ولدينا الكثير من الكتب. ولا نستطيع إحصاءها لكم)(1)

وهكذا استطاع الإمام الخميني بفضل مزجه بين العلوم المختلفة، العقلية والنقلية أن يضم إليه كل أصناف الناس، سواء من مال منهم إلى الفقه وعلوم الفروع، أو من مال إلى العلوم العقلية بمختلف أصنافها، كما عبر عن ذلك بعض تلاميذه، فقال: (أول صفة جديرة بالاهتمام يمتاز بها الإمام هي درجته العلمية، فإن الكثير من مجتهدينا وفقهائنا قد تخصصوا في فرع واحد من فروع العلوم الإسلامية، فمنهم من تخصص بالفقه، والآخر بالأصول، وآخر بالفلسفة. ومن النادر أن يوجد مجتهد له اختصاص عام بجميع موارد الفقه، وفي الوقت نفسه له اختصاص مماثل في علم الأصول، أو أن مجتهداً في علم الأصول بالدرجة الأولى، قد اجتهد أيضاً بعلم الفقه وبالفلسفة، وقد يكون فيلسوفاً وفقيهاً في آن واحد، وأمثال هؤلاء من القلة النادرة. وفي هذا الوسط النادر نجد أن الإمام قد تجاوز الحد الطبيعي في مختلف العلوم، فهو ـ باعتراف الكثير من الأفاضل، والعلماء، وذوي الخبرة في الأصول والفلسفة وفي سائر المعارف الإسلامية ـ ليس له نظير بين المراجع وعلماء الإسلام، ليس في تاريخنا المعاصر فحسب، بل وعلى مر التاريخ، إذ قلما نجد بين الفقهاء والمجتهدين في ذلك العصر من نبغ منهم في كل العلوم والمعارف الإسلامية (عدا من

__________

(1) المرجع السابق، ج 5، ص: 187.

 إيران ثورة وانتصار (21/ صفحات الكتاب 357)

كان لديه مجرد الاطلاع على بعضها)، فعلاوة على الاطلاع الكافي، فإن الإمام كان يمتلك التخصص في ذلك)(1)

وهكذا الأمر بالنسبة للإمام الخامنئي، فقد كان من المهتمين بالفلسفة والعلوم العقلية، والبارعين فيها، وخطاباته كلها ممتلئة بالدعوة للتأمل العقلي في القضايا المطروحة، ومن الأمثلة على ذلك قوله في بعض خطاباته: (إن الفلسفة لنا، ومهدها هو بلدنا. وما هو موجود في بلدنا تحت عنوان الفلسفة هو أقرب بكثير إلى الفلسفة مما هو موجود في الغرب الذي ملأ ضجيجه الآفاق. حسنا، فليفعلوا ما يريدون. وحوزاتنا هي مركز الفلسفة، والذين يتخرجون منها أساتذة كبار. وفي الجامعات أيضا فقد ترسّخ هذا الأمر بحمد الله. لهذا يجب العمل في مجال إنتاج الفكر الذي ينبعث من الرؤية الفلسفية)(2)

وهو مثل أستاذه الإمام الخميني يدعو إلى الخروج من التقليد في الفلسفة، إلى الإبداع فيها، والإبداع في كل العلوم، يقول في بعض خطاباته مشيرا إلى ذلك: (لو تمّ إعمال الاجتهاد وفق المنهج الصحيح المبني على الكتاب والسنّة، وبتلك المنهجية المنطقية المعقولة السليمة المدقّقة الناضجة فهو أمرٌ ممتاز. إن الاجتهادات، ولو استتبعت نتائج مختلفة، تؤدّي إلى الارتقاء والتقدّم. مجتهدونا وفقهاؤنا عبر تاريخ فقهنا، قدّموا آراء متباينة في المسائل المختلفة. فالتلميذ ينقض آراء أستاذه، ويأتي تلميذه لينقض عليه، فلا إشكال في ذلك، فهذا ما يؤدي إلى الارتقاء والتطور، ويجب تقوية هذا الاجتهاد في الحوزة. والاجتهاد لا يختص بالفقه، ففي العلوم العقلية وفي

__________

(1) انظر: شهادة سماحة السيد حميد، الإمام قدوة في الوعي والعلم والسياسة، من كتاب الإمام الخميني قدوة، ص 63..

(2) خطابات الخامنئي 2010 (ص: 317).

 إيران ثورة وانتصار (22/ صفحات الكتاب 357)

الفلسفة والكلام، اجتهاد أصحاب هذه الفنون ضروريٌّ، ولو لم يكن هذا الاجتهاد لأصبحنا مستنقعاً راكداً)(1)

وقد شهد له بالبراعة في هذا الجوانب خطبه الكثيرة المملوءة بالتحليلات العقلية العميقة، وشهد له بها كذلك من عرفوه من الباحثين والمفكرين، ومن الأمثلة على ذلك ما قاله الدكتور محمد علي آذرشب عند ذكره لذكرياته مع الإمام الخامنئي، وصحبته له، فقد قال عنه: (السّيد الإمام الخامنئي يجمع بين الفقاهة وبين الأدب فهو أولاً فقيه، وثانياً أديب من الدرجة الأولى ولذلك ففقاهته وأدبه يتغلّبان أو يدفعان الإنسان دفعاً إلى أن يكون متعمّقاً في اللّغة العربيّة والأدب العربي. إضافة إلى ذلك، الإمام الخامنئي يمتاز بشيءٍ آخر وهو الذّوق الأدبي. الذّوق الأدبي هو أمر مغاير لمسألة التعرّف على الأدب العربي وعلى اللغّة العربيّة. الأدباء الإيرانيّون والشعراء الإيرانيّون يعرفون السّيد الخامنئي باعتباره ناقداً عظيماً للأدب الفارسي، يعني حينما يجلس في جلساتهم يتناول الأدب الفارسي تناولاً ذوقيّاً نقديّاً ويدخل في أعماق التّجربة الشعوريّة للشاعر والأديب وهذه مسألة مهمّة على الصعيد النقدي. وكذلك هذا الناقد الكبير حينما يدخل إلى أدب آخر يتذوّقه بهذا الشكل؛ حينما يتناول السّيد الإمام الخامنئي الأدب العربي يدخل أيضاً في التجربة الشعورية للشعر ويتذّوق هذا الشعر، يعني حينما ينشد الشعر العربي أحياناً لا يستطيع أن يجلس ويقوم ويتحرك مما يدلّ على تفاعله الشديد مع الأدب. من هنا فإن فقاهته وأدبه وذوقه النقدي كانت تدفعه إلى عقد هذه الجلسات الأدبيّة الأسبوعيّة ليتناول فيها مجمل قضايا الأدب العربي واللّغة العربيّة وأيضاً قضايا العالم العربي ويتحدّث فيها باللّغة العربيّة)(2)

__________

(1) المرجع السابق، (ص: 402)

(2) انظر مقالا بعنوان: هذا الكتاب سيُطلع العرب على السّبب الذي أهّل الإمام الخامنئي ليكون قائدا، د. محمد على آذرشب معدّ كتاب [إنّ مع الصبر نصرا]

 إيران ثورة وانتصار (23/ صفحات الكتاب 357)

وعند عرض هذه المواقف الدالة على الاهتمام بجميع العلوم العقلية وغيرها، وربطها بالعلوم الشرعية، يتبين لنا الفرق الكبير بين الحركات الإسلامية والثورة الإسلامية الإيرانية، ذلك أن كل الحركات لم تول تلك العلوم العقلية أي اهتمام، بل إنها احتقرتها، وبعضها ذهب إلى حد تكفير المشتغلين بها، بسبب تأثره بالمدرسة الوهابية.

2 ـ العلوم المرتبطة بالحياة والمجتمعات:

وهي من أهم العلوم التي يحتاجها القائد حتى لا يكرر التجارب الخاطئة التي وقع فيها غيره، ولذلك نرى اهتماما كبيرا من قادة الثورة الإسلامية بتفاصيل ما يجري في الواقع بجوانبه المختلفة، كما سنرى ذلك بتفصيل في سائر الفصول.

وقد أشار الإمام الخميني إلى ضرورة هذه العلوم، وذلك عند ذكره لصفات وخصائص المجتهد الجامع للشرائط، حيث قال: (يجب أن يكون المجتهد محيطاً بأمور زمانه، وليس مقبولاً للناس والشباب وحتى العوام أن يقول مرجعهم ومجتهدهم: أنا لا أعطي رأياً في المسائل السياسية.. إن معرفة طريقة مواجهة حيل وتزويرات الثقافة المسيطرة على العالم، وامتلاك البصيرة والرؤية الاقتصادية، والاطلاع على كيفية التعامل مع الاقتصاد المتحكم بالعالم، ومعرفة السياسات وحتى السياسيين، وتعليماتهم التي يملونها، وإدراك ظروف ونقاط القوة والضعف في قطبي الرأسمالية والشيوعية التي ترسم في الحقيقة استراتيجية السلطة في العالم، كل أولئك من خصائص المجتهد الجامع للشرائط.. يجب أن يتحلى المجتهد بالبراعة والذكاء والفراسة لقيادة المجتمع الإسلامي الكبير، وحتى غير الإسلامي)(1)

وعندما نطالع خطب الإمام الخميني والحوارات التي أجريت معه نرى ذلك العمق في فهم الواقع بجوانبه المختلفة، ومن الأمثلة على ذلك ما قاله في الرد على

__________

(1) المنطلق الإمام الخميني الفكر والثورة (ص: 12)

 إيران ثورة وانتصار (24/ صفحات الكتاب 357)

بعض الصحفيين عندما سأله قائلا: (إن سعر النفط الإيراني متدن كثيراً مقارنة بدول الأوبك. هل تعتقدون بأن سعر النفط الإيراني معقول مقارنة بالسلع الرأسمالية المستوردة من الغرب، أم تفكرون بإجراء تعديلات عليه؟)

فأجابه الإمام الخميني ببداهة: (إن الطبقة الرأسمالية الغربية، وبدافع الحصول على أكبر حجم من الأرباح وكذلك امتصاص الأزمات الاقتصادية، تسرف في استهلاك النفط إلى حد كبير دون أن تفكر بتبعات ذلك على مستقبل العالم إذا نضبت هذه المادة الحيوية.. وإن هذه الأزمة سوف تؤدي إلى فقدان الدول المنتجة للنفط قدرتها الشرائية بعد أن ينضب احتياطي النفط، كذلك ستضطر الدول الأخرى إلى دفع مبالغ باهضة من أجل الطاقة.. لذا فإن قضية النفط، لا تقتصر على الأسعار فقط التي ليست عادلة حالياً.. القضية هي أن للنفط دوره المرجو والمدروس في اقتصاد الدول، والأحرى بالدول الغنية بالنفط أن تكرس جهودها لأحداث تنمية حقيقية في اقتصاداتها وليس نمواً كاذباً، ونحن سوف ننظم سياستنا النفطية على هذا الأساس، وفي هذه الحالة سنعمل على قدم المساواة وبصورة عادلة بالنسبة إلى أسعار النفط ومشتقاته، وأسعار السلع التي نشتريها)(1)

والأمثلة على ذلك كثيرة جدا، وهي جميعا تدل على مدى استيعاب الإمام الخميني للواقع الدولي والمحلي، كما شهد له بذلك السيد علي الخامنئي حيث قال: (لقد كان يعرف إيران جيداً: فمن جهة كان يدرك موقعها الجغرافي الحساس والمصيري، ويعي جغرافيتها السياسية ومواردها الطبيعية والإنسانية، ويحيط بتطلعاتها وأهدافها وآمالها الكبيرة، ومن جهة أخرى كان محيطاً بتاريخها على مدى المئة والخمسين عاماً الأخيرة الزاخر بالمحن، وأبعاد هيمنة الأجانب ونهبهم لثرواتها، وخيانة وفساد واستبداد الأسرة البهلوية وآلاف الأسر المرتبطة بها، وما فُرض عليها

__________

(1) صحيفة الإمام، ج 4، ص: 367.

 إيران ثورة وانتصار (25/ صفحات الكتاب 357)

من فقر وتخلف علمي وصناعي وأخلاقي و.. وأهم من ذلك كلّه إدراكه لروحية شعبها العظيم والأصيل والرشيد والمؤمن، كما أنه كان على اطلاع بأوضاع العالم والشعوب المستعمرة والدول المستكبرة والجيل الشاب التائه الحيران والمتعطش للحقيقة، ولا سيما الأوضاع المؤسفة للدول والأمة الإسلامية. وكان يتألم لكل ذلك. وكانت القضية الفلسطينية ومعاناتها المؤلمة تعتصر قلبه الكبير)(1)

وهكذا نجد الإمام الخامنئي يهتم بكل ما يرتبط بالجوانب المختلفة من الحياة، ويتحدث فيها حديث العالم الخبير، كما سنرى ذلك في الفصول التالية، وهو لا يكتفي بنفسه، بل إنه يدعو في خطاباته الموجهة للمسؤولين والطبقة المثقفة في المجتمع إلى التعرف على كل الأفكار والاتجاهات والمذاهب ودراسة التاريخ والواقع دراسة علمية، حتى تقام كل المشاريع على أسسها.

ومن الأمثلة على ذلك ما جاء في خطاب له حول المرأة، يبين فيه الفرق بين الحقوق التي أعطاها إياها الإسلام مقارنة بالحقوق التي توهم الغرب أنه أعطاها لها، حيث قال: (بالطبع، هذا لا يعني أن نظنّ بأنّ الغربيين متقدّمون علينا في هذا المجال؛ أبداً.. لدى هذا العبد إحصاءات كثيرة عن ذلك؛ وباليقين إنّ الوضع الداخلي للأسرة الغربية من ناحية مظلومية المرأة وعدم رعاية حقوقها هو أسوأ من وضع الأسر الإسلامية والإيرانية والشرقية، وما لم تكن أسوأ، فهي ليست أفضل؛ وفي بعض الموارد هي أسوأ.. نحن إذاً لا ننظر إليهم وهم ليسوا قدوتنا)(2)

والإمام الخامنئي لا يكتفي في خطاباته بالدعوة للاهتمام بهذا النوع من العلوم، وإنما يدعو كل حين إلى الإبداع فيها، ومن الأمثلة على ذلك ما ذكره في خطاب له مع بعض المثقفين قال فيه: (هناك مسألة بيّنتها هذه السيّدة المحترمة بما

__________

(1) وذلك في تقديمه لصحيفة الإمام، ج 1، ص: 11.

(2) خطابات الخامنئي 2011 (ص: 166)

 إيران ثورة وانتصار (26/ صفحات الكتاب 357)

يتعلّق بالعلوم الإنسانية وهي صحيحة تماماً. أولاً، هذا المطلب الذي ذُكر كان مدروساً بدقّة. ما يُقال من أنّ تطور الفكر يقف خلف تقدّم العلوم، وما يُقال من أنّ مبدأ التغيّر والتحول في الشعوب قبل العلم والتجربة هو الفكر، هو كلامٌ صحيحٌ تماماً ومُثبت. ولهذا أنا أظهر حساسية تجاه قضايا العلوم الإنسانية. نحن لم نقل إنّه لا ينبغي أن نستفيد بأيّ شكلٍ من الأشكال من معارف الغربيين التي كان فيها الكثير من الطفرات وعبر قرون عدة في مجالات العلوم الإنسانية المختلفة أو أن لا نقرأ كتبهم، لكن ما نقوله هو أن لا تقلّدوا. وهذه السيّدة في كلمتها أشارت إلى هذه المسألة وهي مسألة صحيحة)(1)

ثم أضاف مبينا سر الدعوة للانفتاح على الثقافات المختلفة، ولكن وفق المنهج الإسلامي: (إنّ مباني العلوم الإنسانية في الغرب تنبع من الفكر المادّي، وكلّ من اطّلع على تاريخ النهضة ولديه معرفة بذلك وتعرّف إلى شخصيّات هذا العصر، فإنّه سيصل إلى هذه النتيجة قطعاً. حسناً، لقد كانت النهضة مبدأ التغيّرات المختلفة في الغرب، لكنّ المباني الفكرية الموجودة عندنا تختلف عن مبانيهم. ولا يوجد أي إشكال في أن نستفيد نحن من علم النفس، وعلم الاجتماع، والفلسفة، وعلوم الاتصالات، وجميع الفروع العلمية الإنسانية التي ابتُكرت في الغرب أو توسّعت هناك. لقد قلت مراراً إّننا لا نشعر بالمذلّة من التعلّم بأي شكلٍ من الأشكال. علينا أن نتعلّم، نتعلّم من الشرق ومن الغرب، (اطلب العلم ولو في الصين)، فهذا أمرٌ واضحٌ. إنّنا نشعر بالمذلّة عندما لا يكون هذا التعلّم مؤدياً إلى المعرفة والوعي والقدرة على التفكّر عندنا. فلا ينبغي أن نبقى دائماً تلامذة، نكون تلامذة حتى نصبح أساتذة. والغربيون لا يريدون هذا الأمر، لقد كانت السياسة الاستعمارية للغرب

__________

(1) المرجع السابق، (ص: 296)

 إيران ثورة وانتصار (27/ صفحات الكتاب 357)

مبنيّة ومنذ البداية على هذا، حيث أرادوا أن يكون هناك في العالم تمييز وهويتان، ومستويان في القضايا العلمية)(1)

ثم بين أهمية دراسة التاريخ، فقال: (فالتاريخ، أحد العلوم الإنسانية: التاريخ الذي أوصي مرة أخرى بقراءته، طالعوا التاريخ في عصر الاستعمار لتروا أيّة انتهاكات ارتكبها الغربيون في هذا المجال، بالرغم من ظاهرهم الأنيق المعطّر والمنظّم والمرتّب وادّعاءاتهم حول حقوق الإنسان. لم يكتفوا بقتل البشر، بل سعوا كثيراً لإبعاد الشعوب المستعمَرة عن مجال التقدّم وسلبها إمكانية التطوّر في جميع المجالات. وما نريده نحن هو أن لا يحصل هذا الأمر. نحن نقول ادرسوا العلوم الإنسانية لكي تتمكّنوا من إنتاجها بشكلها المحلّي، وبعدها صدّروها إلى العالم. أجل، عندما يحدث هذا، فإنّ كلّ من يتخرّج من محيطنا سيكون مورد أملنا واعتمادنا. لهذا نحن نقول أن لا نكون مقلّدين في هذه العلوم. هذا هو كلامنا في مجال العلوم الإنسانية)(2)

ثالثا ـ الصفات الأخلاقية والروحية للقائد:

وهي من الصفات الأساسية للقائد الناجح، وخاصة إذا كان يحمل هدفا رساليا يدعو به إلى ما دعا إليه الأنبياء عليهم السلام وورثتهم، ذلك أن الأخلاق هي جوهر الدين، ومظهره الأكبر، ولا يمكن للقائد أن يكون ممثلا للدين دون أن يكون متحليا بما يتطلبه من أخلاق.

وقد أشار إلى هذا النوع من الشروط قوله تعالى في وصف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: {فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ

__________

(1) المرجع السابق، (ص: 296)

(2) المرجع السابق، (ص: 297)

 إيران ثورة وانتصار (28/ صفحات الكتاب 357)

حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران: 159]

وعند تطبيق هذا الشرط على إمامي الثورة الإسلامية الإيرانية الخميني والخامنئي نجده في أرقى درجاته؛ فكلاهما يمثلان القيم الرفيعة للأخلاق والروحانية السامية، وكل من رآهما وصحبهما شهد لهما بذلك، وذلك من أكبر أسباب انجذاب الإيرانيين لهما، فلا يمكن للقائد الذي لا يضبط سلوكه أن ينجح في التأثير، بل إن فضائحه قد تجعله غرضا لكل السهام.

وقد اعتبر الإمام الخامنئي هذه الصفة من أهم صفات الإمام الخميني، وسر كل ما حققه من نجاح، يقول عنه: (أودّ الإشارة على هامش الحديث إلى أنّ جهاد هذا الرجل العظيم لا يقتصر على الجهاد السياسي والاجتماعي أو الجهاد الفكري، وإنّما رافق كلَّ حالات الجهاد هذه جهادُ الباطن وجهادُ النفس والالتزام بالارتباط الدائم والمستمر بالله سبحانه وتعالى، وهذا درس لنا؛ إذا ما خضنا ساحة الجهاد الفكري أو الجهاد العلمي أو الجهاد السياسي فهذا لا يعني أنه يحقّ لنا الإعراض عن هذا القسم من الجهاد، لقد كان إمامنا العظيم من أهل الخشوع والبكاء والدعاء والتوسل والتضرع. ولطالما كرّر في شهر شعبان المبارك هذه الفقرة من المناجاة الشعبانية خلال كلماته قائلًا: (إِلهي هَب لي کَمالَ الِانقِطاعِ إِليكَ وَأَنِر أَبصارَ قُلوبِنا بِضِياءِ نَظَرِها إِلَيكَ حَتَّي تَخرِقَ أَبصارُ القُلوبِ حُجُبَ النّورِ فَتَصِلَ إِلي مَعدِنِ العَظَمَة)؛ هكذا كان سلوك الإمام. فإنّ بكاءه في الأسحار، ومناجاته، ودعاءه، واتصاله الدائم، كلّها كانت تشكّل الدعم المعنوي لمتابعة واستمرار جهاد هذا الرجل العظيم)(1)

__________

(1) كلمة الإمام الخامنئي دام ظله في الذكرى السادسة والعشرين لرحيل الإمام الخميني، شبكة المعارف الإسلامية.

 إيران ثورة وانتصار (29/ صفحات الكتاب 357)

ومن يطالع بيانات وخطب وكلمات الإمام الخميني يلاحظ هذه المعاني بكل سهولة، ومن الأمثلة على ذلك قوله في تأبين السيد أشرفي أصفهاني، وبيان صفاته، وكونها ممثلة للشخصية الإسلامية: (كم هم سعداء أولئك الذين يمضون العمر في خدمة الإسلام والمسلمين، وينالون في آخر العمر الفاني، الفيض العظيم الذي يتمناه عشاق لقاء الله.. كم هم سعداء وفي منزلة سامية، أولئك الذين سعوا طوال حياتهم إلى تهذيب النفس والجهاد الأكبر، والتحقوا في نهاية حياتهم بكل فخر، بركب الشهداء على طريق الحق وفي سبيل تحقيق الأهداف الإلهية.. كم هم سعداء ومنتصرون أولئك الذين لا يقعون في الشراك الشيطانية والوساوس النفسانية خلال رحلتهم في الحياة بكل تعرجاتها وسموها ودناءتها، واخترقوا آخر حجاب بينهم وبين المحبوب، بتضرجهم بدماء الشهادة، والالتحاق بمقر المجاهدين في سبيل الله.. كم هم سعداء ومحظوظون أولئك الذين أداروا ظهورهم للدنيا وزخارفها، وقضوا العمر بالزهد والتقوى، وفازوا بأسمى مدارج السعادة في محراب العبادة وفي خلال إقامة الجمعة، على يد أحد المنافقين والمنحرفين الأشقياء، والتحقوا بأسمى شهداء المحراب الذين التحقوا بالملأ الأعلى بفعل اليد الخائنة لأشقى الأشقياء)(1)

هذه هي القيم النبيلة التي مثلها الإمام الخميني في حياته جميعا، ولذلك استطاع أن يزرع في كل قادة الثورة الذين تأثروا به هذه المعاني، والتي أخرجت لنا جيلا من المفكرين والساسة لم يكن له نظير على مدار التاريخ، كما عبر عن ذلك الإمام الخامنئي بقوله: (لقد كنّا في الحقيقة أمواتاً فأحيانا الإمام، وكنّا ضلاّلاً فهدانا الإمام، وكنّا غافلين عن الوظائف الكبرى للإنسان المسلم فأيقظنا الإمام وأرشدنا

__________

(1) صحيفة الإمام، ج 17، ص: 48.

 إيران ثورة وانتصار (30/ صفحات الكتاب 357)

إلى سواء السبيل، بحيث أمسك أيدينا وشجّعنا على المسير، وكان هو في طليعة السائرين)(1)

وقد كان الإمام الخميني ينتهج في حياته جميعا نهج الإمام علي، الذي ملك عليه كل كيانه، حيث كان كثير الذكر له، وللقيم النبيلة التي مثلها، ومن الأمثلة على ذلك موعظته التي ألقاها على جمع من أعضاء الفريق الوطني وهيئة رفع الأثقال في طهران، فقد قال لهم فيها: (إنكم وكما تتدربون وتعملون على تقوية عضلاتكم سوف تكونون مفيدين إن شاء الله لبلدكم في المستقبل، لابد لكم من التربية الرياضية لجميع أبعادكم الوجودية. فهذا علي (عليه السلام) نجد اسمه أمامنا أينما ذهبنا، عندما نذهب إلى الفقهاء نجد فقه علي، عندما نذهب إلى الزهاد نجد زهد علي، وإذا ذهبنا إلى المتصوفة نجدهم يذكرون أن التصوف مأخوذ من علي، حتى عندما نذهب إلى الرياضيين فإننا نجدهم يقولون أيضاً: علي. ويبدؤون باسم علي.. فعلي هذا فيه كل شيء. ويجب أن يكون قدوة لنا. ففي العبادة هو فوق جميع العبَّاد، وفي الزهد فوق جميع الزهَّاد، وفي الحرب فوق جميع المحاربين، وفي القوة فوق جميع الأقوياء وهو أعجوبة إذ يجمع فيه الأضداد، فالإنسان العابد لا يمكنه عادة أن يكون رياضياً، الإنسان الزاهد لا يمكنه أن يكون مقاتلًا. الفقيه لا يمكنه فعل هذه الأمور أيضاً)(2)

ولا يمكننا هنا أن نذكر الشواهد التي تدل على مدى روحانية الإمام الخميني وأخلاقه العالية، فقد ألفت في ذلك المؤلفات الكثيرة، وشهد له كل من عرفه بذلك،

__________

(1) معارف الإسلام، ص 404.

(2) صحيفة الإمام، ج 7، ص: 201.