الكتاب: الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1438 هـ

عدد الصفحات: 590

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

يتناول هذا الكتاب خمسة أبعاد مهمة يحتاج المربي إلى مراعاتها في تربية الأولاد، وهي:

البعد الإيماني: وهو المعارف الإيمانية العميقة التي تشكل قناعات المؤمن العقلية والروحية، والتي تبرمجه بعد ذلك ليسير في الحياة وفق ما تمليه حقيقة الكون والإنسان والحياة.

البعد الروحي: وهو ما ينتجه البعد الإيماني من آثار في روح المؤمن ليصلها بالله عبودية وخشوعا وإذعانا وترق في مقامات السلوك إلى الله.

البعد الأخلاقي: وهو تهذيب النفس وفق الآداب الشرعية، وكسوتها بكسوة الإنسانية التي ترفع عنها ما تتطلبه طبيعتها من سلوكات قد تخرجها عن الكمال الإنساني إلى البهيمية.

البعد الاجتماعي: وهو الارتباط الصحي بالمجتمع، فيتأدب معه وفق ما تتطلبه العلاقات الاجتماعية من آداب، ويكون عضوا إيجابيا فيه.

البعد المعرفي: وهو التزود بكل العلوم والمعارف التي أتاحها الله للإنسان، ليتعرف من خلالها على أسرار حقيقته وحقيقة الكون، وليسهل ما تتطلبه حياته من مرافق..

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

الفصل الأول

البعد الإيماني في تربية الأولاد

أولا ـ ضرورة التربية الإيمانية لبناء الشخصية السوية

1 ـ السلام النفسي

2 ـ الرقابة الإيمانية

3 ـ القوة والإنتاج

ثانيا ـ مصادر التربية الإيمانية وضوابط استثمارها

1 ـ الوحي

2 ـ عالم النفس والكون

ثالثا ـ شروط المعارف الإيمانية

1 ـ اليقين

2 ـ الصدق

رابعا ـ أركان التربية الإيمانية

1 ـ الإيمان بالله

2 ـ الإيمان بالنبوات

3 ـ الإيمان بعالم الغيب

الفصل الثاني

البعد الروحي في تربية الأولاد

أولا ـ عبادات القلب

1 ـ عبودية الحب

2 ـ عبودية الشكر

3 ـ عبودية الصبر

ثانيا: عبادات الجوارح

1 ـ إسلام الصبي

التمييز:

العقل:

التبعية:

التبعية للأبوين:

التبعية للدار:

2 ـ صلاة الصبي

حكم أمر الصبي بالصلاة:

حكم صلاة الصبي:

شروط صحة صلاة الصبي:

الذهاب بالأولاد إلى المساجد:

صلاة الجماعة بالصبيان:

إمامة الصبي:

موقف الصبي في الصف:

3 ـ صيام الصبي

العمر الذي يؤمر فيه الصبي بالصيام:

وقت وجوب الصوم على الصبي:

بلوغ الصبي أثناء الصوم:

قضاء ما مضى من الشهر قبل بلوغه:

4 ـ حج الصبي

إجزاء حج الصبي عن حجة الإسلام:

البلوغ حال الإحرام:

إحرام الصبي:

أفعال الحج:

نفقة الحج:

لزوم الفدية:

ما يلزمه من الفدية:

لزوم القضاء:

الفصل الثالث

البعد الأخلاقي في تربية الأولاد

أولا ـ الوقاية من أسباب الانحراف

1 ـ البيئة والمحيط التربوي

2 ـ وسائل الإعلام

ثانيا ـ علاج مظاهر الانحراف

1 ـ منابع الانحراف ومظاهره

2 ـ أساليب علاج الانحراف

الانحراف الجنسي

الكبر

الغضب

بتركها، فإذا تزين ظاهره بالعبادات وطهر عن المعاصي الظاهرة جوارحه نظر بقرائن الأحوال إلى باطنه ليتفطن لأخلاقه وأمراض قلبه، فإن رأى معه مالاً فاضلاً عن قدر ضرورته أخذه منه وصرفه إلى الخيرات وفرغ قلبه منه حتى لا يلتفت إليه، وإن رأى الرعونة والكبر وعزة النفس غالبة عليه فيأمره أن يخرج إلى الأسواق للكدية والسؤال، فإن عزة النفس والرئاسة لا تنكسر إلا بالذل ولا ذلّ أعظم من ذلك السؤال فيكلفه المواظبة على ذلك مدة حتى ينكسر كبره وعز نفسه، فإن الكبر من الأمراض المهلكة وكذلك الرعونة، وإن رلغالب عليه النظافة في البدن والثياب ورأى قلبه مائلاً إلى ذلك فرحاً به ملتفتاً إليه استخدمه في تعهد بيت الماء وتنظيفه وكنس المواضع القذرة وملازمة المطبخ ومواضع الدخان حتى تتشوش عليه رعونته في النظافة. فإن الذين ينظفون ثيابهم ويزينونها ويطلبون المرقعات النظيفة والسجادات الملونة لا فرق بينهم وبين العروس التي تزين نفسها طول النهار، فلا فرق بين أن يعبد الإنسان نفسه أو يعبد صنماً فمهما عبد غير الله تعالى فقد حجب عن الله، ومن راعى في ثوبه شيئاً سوى كونه حلالاً وطاهراً مراعاة يلتفت إليها قلبه فهو مشغول بنفسه)(1)

الانحراف الجنسي

الكبر

الغضب

ثالثا ـ الفضائل الخلقية وكيفية تنميتها

1 ـ حقيقة الخلق وضوابطه

حقيقة الخلق

2 ـ طريق التخلق

المراغمة:

المواظبة:

الفصل الرابع

البعد الاجتماعي في تربية الأولاد

أولا ـ آداب العلاقات الاجتماعية

1 ـ آداب الاستئذان

ما لا يحتاج إلى استئذان:

الاستئذان على الزوجة:

الاستئذان على المحارم:

استعمال منافع الغير:

استئذان ولي الأمر:

استئذان الأبوين:

2 ـ آداب التحية

حكم البدء بالسلام:

حكم رد السلام:

من يبدأ بالسلام:

السلام عند مفارقة المجلس:

السلام على المنشغل:

السلام على الصبي:

السلام على النساء:

السلام على الفساق:

السلام على الكفار غير المحاربين:

الرد بأحسن منها:

السلام بصيغة الجماعة:

تعريف السلام:

رفع الصوت به قدر الإبلاغ:

3 ـ آداب الزيارة والضيافة

زيارة الصالحين:

عيادة المريض:

زيارة الأقارب:

تحديد الموعد:

مراعاة النظافة والنظام:

خفة الزيارة:

إكرام الضيف:

احترام الضيف:

الخفة وعدم التكلف:

4 ـ آداب المجالس

التأثر بالمنكر:

الإقرار على المنكر:

أن لا يقام من مجلسه:

طرح الوسادة للزائر:

عدم التفريق بين الجالسين:

عدم الجلوس في وسط الحلقة:

5 ـ آداب الكلام

الخوض في الباطل:

المراء والجدال:

النميمة:

صدق التعبير:

التفاؤل والنشاط:

الفحش وبذاءة اللسان:

التفاصح:

التلطف في التعبير:

6 ـ آداب المشي

حرمة الطريق:

إماطة الأذى عن الطريق:

احترام الطريق:

7 ـ آداب المعاشرة مع أصناف الناس

مع الكبار:

مع الأصدقاء:

مع الوالدين:

مع المستضعفين:

ثانيا ـ المساهمة في التنمية الاجتماعية

1 ـ تنمية طاقة التحمل

تحمل المشاق:

2 ـ الاستغناء عن المجتمع

النهي عن السؤال:

الحض على العمل والتكسب:

النهي عن الترف:

3 ـ خدمة المجتمع

التكافل:

التناصر:

التناصح:

الفصل الخامس

البعد المعرفي في تربية الأولاد

أولا ـ أنواع المعرفة ومراتب تعلمها

1 ـ المعارف والحقائق

الاجتماع على القرآن الكريم:

القراءة على كل حال:

إشاعة التلاوة في كل المحال:

علوم الكتاب

علم الحكمة

أ ـ الناحية العلمية المحضة:

ب ـ الناحية العملية:

ثانيا ـ مواصفات طالب العلم

1 ـ الإخلاص

2 ـ المجاهدة

3 ـ الأدب

 

المقدمة

كما أن الشرع الحكيم بين لنا السبل والوسائل والأساليب التي نمارس بواسطتها التربية بأفضل ما يمكن وأجداه، كما عرفنا ذلك في الجزء السابق من هذه السلسلة، فإنه في الركن التالي للتربية، وأهم أسسها، وهو (أبعاد التربية) لم يتركنا ـ كذلك ـ لأنفسنا، لنعجن طينة فلذات أكبادنا بما تتطلبه أهواؤنا المتباينة، بل وضع لنا ملامح الشخصية السوية المتكاملة التي تمثل الإنسان في أرقى درجات كماله الممكنة، وأمرنا أن نبني من خلالها أنفسنا، ومن ولينا أمره من أهلنا.

ولذلك لم يكن البحث في هذه الأبعاد فضولا من القول أو حشوا من الكلام، بل هو من صميم الدين، وهو في الدين من صميم الفقه، لأن الفقيه ـ كما ذكرنا في الأجزاء السابقة ـ هو من يبحث عن تنفيذ الأوامر الإلهية وفق مقاصدها الحكيمة، لا الذي ينتظر ما أحدثه الناس ليحكم فيه صحة أو بطلانا، أو إباحة أو تحريما.

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 12/ صفحات الكتاب 590)

وقد رأينا من خلال استقراء النصوص، ومن خلال ما نتصوره من مواصفات الشخصية المتكاملة: أن هناك خمسة أبعاد، من استكملها كملت شخصيته، وصار متحققا بمراد الله من وجوده، وهذه الأبعاد الخمسة هي:

البعد الإيماني: وهو المعارف الإيمانية العميقة التي تشكل قناعات المؤمن العقلية والروحية، والتي تبرمجه بعد ذلك ليسير في الحياة وفق ما تمليه حقيقة الكون والإنسان والحياة.

البعد الروحي: وهو ما ينتجه البعد الإيماني من آثار في روح المؤمن ليصلها بالله عبودية وخشوعا وإذعانا وترق في مقامات السلوك إلى الله.

البعد الأخلاقي: وهو تهذيب النفس وفق الآداب الشرعية، وكسوتها بكسوة الإنسانية التي ترفع عنها ما تتطلبه طبيعتها من سلوكات قد تخرجها عن الكمال الإنساني إلى البهيمية.

البعد الاجتماعي: وهو الارتباط الصحي بالمجتمع، فيتأدب معه وفق ما تتطلبه العلاقات الاجتماعية من آداب، ويكون عضوا إيجابيا فيه.

البعد المعرفي: وهو التزود بكل العلوم والمعارف التي أتاحها الله للإنسان، ليتعرف من خلالها على أسرار حقيقته وحقيقة الكون، وليسهل ما تتطلبه حياته من مرافق.

وبهذه الأبعاد الخمسة يبنى الإنسان، كما أنه بالأركان الخمسة يبنى الإسلام (1)، وهذه الأبعاد اقتباس من تلك الأركان:

__________

(1) نحب أن بين أن كون هذه الخمسة هي أركان الإسلام من المتفق عليه بين المسلمين جميعا، خلافا لمن يزعم أن الشيعة يخالفون المسلمين في ذلك، ففي (وسائل الشيعة 1: 27 حديث (33) أبواب مقدّمة العبادات، أمالي الطوسي: 518 المجلس (10) حديث (1134): عن الرضا، عن آبائه، عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (بني الإسلام على خمس خصال: على الشهادتين والقرينتين)، قيل له: أمّا الشهادتان فقد عرفناهما فما القرينتان؟ قال: (الصلاة، والزكاة، فإنّه لا تقبل إحداهما إلاّ بالأُخرى، والصيام، وحجّ البيت من استطاع إليه سبيلاً، وختم ذلك بالولاية)

وفي (وسائل الشيعة:1: 19 حديث (15) أبواب مقدّمة العبادات، الكافي 2: 31 كتاب الإيمان والكفر): عن أبي جعفر في حديث، قال: (بني الإسلام على خمس: شهادة أن لا إله إلى الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله، وإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، وحجّ البيت، وصيام شهر رمضان)

أما اعتبار الولاية من الأركان، فالولاية عندهم تعني الحاكمية، وقد تدخل في مضمون الشهادتين، لأن من مضامينها حاكمية الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم، ومن ولاه الله ورسوله صلى الله عليه وآله وسلم.

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 13/ صفحات الكتاب 590)

فالشهادتان بما تحملانه من معارف عميقة تشيران إلى البعد الإيماني.

والصلاة بما تحمله من صلة بالله تشير إلى البعد الروحي.

والصيام بما يحمله من تهذيب للطبيعة الإنسانية يشير إلى البعد الأخلاقي.

والزكاة بما تحمله من تكافل اجتماعي وإحساس بآلام الآخرين تشير إلى البعد الاجتماعي.

والحج بما يحمله من سياحة في الأرض، وتعرف على أرض الله وخلق الله يشير إلاالبعد المعرفي.

وقد حاولنا في هذا الجزء الذي طال ـ رغما عنا ـ أن نبحث عن الطرق العملية في تحصيل كل ما يحتاج إليه من هذه الأبعاد، وقد رجعنا في ذلك إلى المصادر المختلفة من

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 14/ صفحات الكتاب 590)

القرآن الكريم الذي هو الأصل، والسنة المطهرة (1)، وإلى كلام العلماء والمختصين فيما يتطلبه كل محل من معارف.

ونحب أن نبين ـ هنا ـ إلى أنا في كثير من الأحيان قد نهتم بذكر الأمثلة والنماذج، وقد نطيل فيها إذا اقتضى الأمر ذلك، وذلك لأن المربي قد يحتاج هذا النوع من النماذج.

وسبب ذلك هو أن الكلام النظري الإجمالي وحده قد يساء فهمه، وقد يصعب تطبيقه، فلذلك نذكر ما يوضح إجماله، ويفسر غموضه، كما نذكر من الأدلة ما نرى أنه يوصل إلى برد اليقين، ولو طالت، لأن العبرة بالنتيجة، لا بالوسيلة.

وكمثال على ذلك ما ذكرنا في المبحث الأول من البعد الإيماني، فقد فصلنا الكلام في (ضرورة البعد الإيماني) ودوره في تكوين الشخصية، وذلك لأن هناك قناعة منشرة باعتبار هذا البعد أمرا ثانويا، أو لا علاقة له بالشخصية السوية، فلذلك أطلنا الكلام فيه، لإقناع المربي بضرورته وأهميته.

وقد حاولنا أن نبحث عن الأدلة النصية لكل ما نذكره من أحكام، ولو من باب الإشارة، فلذلك اعتبرنا موعظة لقمان عليه السلام أصلا رجعنا إليه في كل محل، باعتبارها لم تذكر في القرآن الكريم حكاية أو مجرد قضايا، تنوع طرحها فيه، وإنما باعتبارها مقصودة بحد ذاتها في تشكيل شخصية الأولاد وتربيتهم.

الفصل الأول

البعد الإيماني في تربية الأولاد

أولا ـ ضرورة التربية الإيمانية لبناء الشخصية السوية

__________

(1) تساهلنا في هذا الجزء في تخريج الأحاديث، فاكتفينا بالرجوع إلى تخريجات العلماء، وخاصة (كنز العمال)، و(الجامع الصغير) دون أن نرجع إلى المصادر الأصلية.

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 15/ صفحات الكتاب 590)

إن الهدف الأساسي الذي يسعى كل مرب لتحقيقه هو بناء شخصية سوية لمن يربيه، تجعله إنسانا سليما في نفسيته، أمينا في أخلاقه، قويا في عمله وإنتاجه.

فهذه العناصر الثلاثة هي الأركان الأساسية التي تتكون منها الشخصية (1) السوية:

لأن من فقد السلام النفسي سيسقط في كهوف الخوف المرعبة التي تلمؤه حزنا وأسفا وضيقا واكتئابا، فيغرق في أوهامها، أو يتخلص منها بالهرب من كل شيء أو الهرب لكل شيء، ولذلك كان السلام هو بشرى المؤمن في الدنيا والآخرة، بل هو مقدمة كل كمال ولذة في الدنيا والآخرة.

أما من فقد الأمانة، فهو لص أو خائن أو كاذب، قد يغفل عنه المجتمع والقانون، فيخرج بزيه ومظهره لا يستر عورته أي ساتر، وقد لا يغفلون عنه، فيتسر عورات خيانته بأثواب شفافة قد تلقي عنه في أي حين ليظهر على حقيقته.

أما من فقد القوة، فهو متواكل ضعيف عاجز لا يستطيع من أمره ولا من أمر الناس شيئا، فوجوده كعدمه وحياته كموته.

__________

(1) عرف بعضهم الشخصية بـ (أنها وحدة متكاملة الصفات والمميزات، الجسمية والعقلية والاجتماعية والمزاجية التي تبدو في التعامل الاجتماعي للفرد، والتي تميزه عن غيره من الأفراد تمييزًا واضحًا، فهي تشمل دوافع الفرد وعواطفه وميوله واهتماماته وسماته الخلقية وآراءه ومعتقداته، كما تشمل عاداته الاجتماعية وذكاءه ومواهبه الخاصة ومعلوماته وما يتخذه من أهداف ومثل وقيم اجتماعية) انظر: الأمراض النفسيةوالعقلية لأحمد عزت:54.

وقد عرفت مجلة علم النفس (المجلد الأول، العدد الأول) الشخصية، بأنها (نظام متكامل من مجموعة من الخصائص الجسمية والوجدانية النزوعية والإدراكية التي تعين هوية الفرد وتميزه عن غيره من الأفراد تمييزًا بينًا، نقلا عن المرجع السابق.

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 16/ صفحات الكتاب 590)

فالعنصر الأول لازم لبناء (أنا) الإنسان السوي، والعنصر الثاني لازم لوقاية النفس والمجتمع من الوحش الذي قد يسكن (أنا الإنسان)، والعنصر الثالث لازم لإخراج الإنسانية من السلبية إلى الإيجابية، ومن الاستهلاك بكل أنواعه إلى الإنتاج بكل أنواعه.

انطلاقا من هذا، فإن الأدلة على ضرورة التربية الإيمانية في بناء الشخصية السوية للطفل وغيره تتكشف من خلال ضرورة الإيمان لتحقيق هذه الأركان الثلاثة، فالإيمان هو المنبع الذي تستقى منه هذه الفضائل العظيمة، ولذلك كان أول ما وعظ به لقمان عليه السلام ابنه أن قال له: {وَإِذْ قَالَ لُقْمَانُ لاِبْنِهِ وَهُوَ يَعِظُهُ يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ} (لقمان:13)

فالشرك إشارة لكل ما ينحرف بالعقيدة عن حقيقتها وأهدافها، ويدخل فيه الإلحاد والتحريف، ويدخل فيه الكثير من الضلالات التي تسربت للمؤمنين كما تسربت قبل ذلك لغيرهم، فبقدر الضلالة يكون البعد عن الله، ويقدر البعد عن الله يكون انحراف الشخصية.

ويشير إلى هذه الضرورة أيضا قوله صلى الله عليه وآله وسلم وهو يعظ ابن عباس: (يا غلام إني أعلمك كلمات: احفظ اللَّه يحفظك، احفظ اللَّه تجده تجاهك، إذا سألت فسأل اللَّه، وإذا استعنت فاستعَنْ باللَّه، واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا عَلَى أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)(1)

وفي رواية: (احفظ اللَّه تجده أمامك، تعرف إِلَى اللَّه في الرخاء يعرفك في الشدة، واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك، واعلم أن النصر مع الصبر، وأن الفرج مع الكرب، وأن مع العسر يسرا)

__________

(1) رواه الترمذي، وقال: حديث حسن صحيح.

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 17/ صفحات الكتاب 590)

ففي هذه الموعظة إشارة للجوانب الثلاثة من السلام والأمانة والقوة، وهو ما سنبين مواضع الإشارة منه في محالها.

ونحب أن نبين أن الدراسات النفسية الحديثة أكدت أهمية هذا الجانب وضرورته، ولا بأس أن نسوق هنا ما قاله بعض المختصين في هذا، وهو الدكتور (هنري لنك) الطبيب النفسي الأمريكي، صاحب كتاب (العودة إلى الإيمان)

فقد قال منكرا على النظريات التي أشاعتها بعض المدارس النفسية الحديثة، رادا بذلك على خصوم التربية الدينية: (إن تربية الأطفال لمن أشق الواجبات وأخطرها وأدقها، ومشاكلها شديدة التعقيد والعسر، وهي بعد ذلك ذات أوجه متناقضة عند حلها يكون معها الآباء في مسيس الحاجة إلى أية معونة خارجية، مهما بلغت درجة تواضعها وبساطتها.. وقد كان طبيعياً: بعد أن استغنى الآباء المستنيرون عن المعتقدات الدينية، وضربوا بها عرض الحائط، أن يولوا وجوههم شطر مصدر جديد من مصادر المعونة، فلم يجدوا أمامهم سوى علم النفس الخاص بالأطفال، ولكن علم نفس الأطفال لم يكن بعد، على استعداد لتقديم المعونة لهم، لأن الثقة بهذا العلم لم تكن قد تعدت الثقة النظرية حتى ذلك الوقت. وكان البرهان العلمي حينذاك في مهده صغيراً برغم تعدد نظرياته. ومن هنا بدأ الآباء يعتنقون هذه النظريات التي كان أبرزها أن العقوبة البدنية ضارة من الوجهة النفسية. وأنه من الأفضل إقناع الطفل بعمل شيء ما، لا إرغامه بالقوة والعنف عليه، وأنه لا يجوز كبت الطفل بل على العكس يجب منحه الفرصة كي يعبر عن ذاته.. وأنه يجب منح الأطفال علاوة منتظمة حتى يمكنهم إدراك قيمة المال، وأن بعض الأطفال يولدون بطبيعتهم عصبيين أو ذوى حساسية مرهفة، وعليه فلا يجوز إرغامهم على أن يفعلوا، ويعملوا ما يفعله ويعمله غيرهم. وللأسف،

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 18/ صفحات الكتاب 590)

لم يظهر أي برهان علمي أو نفسي يؤيد هذه النظريات، بل بالعكس ثبت أن كل هذه النظريات خاطئة)(1)

وانطلاقا من هذا العجز الذي مني به علم النفس في القيام بدور البديل عن الإيمان يدعو هذا الطبيب النفسي إلى ضرورة العودة إلى الإيمان، يقول: (فقد سمعنا الكثيرين من الآباء يرددون: انهم لا يبعثون بأولادهم إلى الدروس الدينية أو إلى محلات العبادة، حتى يصلوا إلى السن التي يدركون عندها ما يجري. غير أن ما يضايقهم، ويقض مضجعهم هو هذا السؤال: ترى هل يكتسب هؤلاء الأولاد ذلك الشعور القوي الذي يمكنهم به أن يميزوا بين الخطأ والصواب؟ هل يؤمنون بتلك المثل الخلقية الواضحة التي آمنا بها منذ طفولتنا؟.. لقد قلنا فيما مضى أن بعض الأعمال خطأ والبعض الآخر صواب، لأن الله سبحانه وتعالى قد بين ذلك، أو لأن كتابه قد أورد ذلك بمعنى آخر. وقد تكون هذه الطريقة فطرية بدائية، غير أنه مما لا شك فيه أن تأثيرها كان طيباً فقد عرفنا على الأقل الكثير عن طيب الأفعال وخبيثها. أما الآن فإننا لا نقول لأولادنا إلا أن هذا التصرف خطأ، وأن ذاك صواب، لأننا نرى ذلك، أو لأن المجتمع قد اتفق على ذلك. فهل لهذا الود من القوة والبيان ما لسابقه؟ وهل له مثل أثره وهل يكتسب أطفالنا القيم الخلقية الأساسية للحياة دون الحاجة إلى ضغط العقائد الدينية، تلك القيم التي نتقبلها ونسلم بها حتى بعد أن أصبحنا لا نسلم بمصدرها الإلهي؟)(2)

ويعود إلى ذلك حين يتحدث عن مقدار ما يسديه الدين من عون للآباء في تربية أبنائهم وتهذيبهم، وتكوين شخصياتهم الفاضلة فيقول: (وبديهي أن الأطفال يختلفون،

__________

(1) العودة إلى الإيمان: 113.

(2) العودة إلى الإيمان:110.

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 19/ صفحات الكتاب 590)

سواء بطبيعتهم أم بحسب وراثتهم، ولكن مهما كانت هذه الطبيعة أو الوراثة طيبة جيدة، فإنه لا يمكن غرس العادات الأساسية بغير (النظام) ولما كان استياء الطفل من النظام واتجاهه عكسياً، كلما حاولت إنماء العادات الطيبة فيه، أمراً لا مفر منه، كان من الواجب استخدام كل وسيلة ذات تأثير أو ذات صفة إرغامية، تساعد على الإسراع في اكتساب هذه العادات. والواقع أن معظم الآباء يكونون في أشد الحاجة إلى الاستعانة بنصائح غيرهم، في أثناء عملية غرس العادات المرغوبة في أطفالهم. وإذا بحثنا من الناحيتين: العقلية والنفسية، وجدنا أن أعظم مصادر هذا العون هو الدين.. فالايمان بوجود الله ورسله وكتبه يهيئ للأبوين ملجأ أميناً موثوقاً به يلجئون إليه، ويضع بين أيديهم سلطة كبرى على أطفالهم كانوا يفتقرون إليها حتى لو لم يؤمنوا بها. فإن هؤلاء الآباء الذين كانوا يتساءلون كيف ينمون عادات أولادهم الخلقية ويشكلونها، في حين تنقصهم هم أنفسهم تلك التأثيرات الدينية التي كانت قد شكلت أخلاقهم من قبل، كانوا في الحقيقة يجابهون مشكلة لا حل لها، فلم يوجد بعد ذلك البديل الكامل الذي يحل محل تلك القوة الهائلة التي يخلقها الإيمان بالخالق وبناموسه الخلقي الإلهي في قلوب الناس. فتجد الآباء الذين تحرروا من الإيمان عن طريق ثقافتهم وأعمال فكرهم حيارى متسائلين على الدوام. إذن كيف يتسنى لأولئك الحيارى أن يكونوا أنفسهم ملجأ لأولادهم؟)(1)

وهو يذكر الدراسات المقارنة المؤكدة لذلك، فيقول، وهو يتحدث عن أثر دور العبادة في تشكيل شخصية الطفل: (ليس من المستغرب أن يدلنا الاختبار السابق الذكر على أن الطفل الذي يستمع إلى الدروس الدينية يتمتع بصفات شخصية أفضل ممن لا يحضرها، وأن الطفل الذي يذهب والداه إلى المعبد ذو شخصية أحسن من الطفل الذي لا يذهب والداه إليه. وقد اتضح لي بعد دراسة كاملة لعشرة آلاف شخص، أن أولئك

__________

(1) المرجع السابق: 119 وما بعدها.

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 20/ صفحات الكتاب 590)

الذين يواظبون على الذهاب إلى دور العبادة، كانوا ذوى صفات شخصية أفضل ممن لا يذهبون)(1)

وهو يطلب من الآباء الاهتمام بهذه الناحية منذ السنين الأولى للطفل، قبل أن يتسرب إليه الانحراف، يقول: (إن الوقت الأمثل لتعليم الطفل كيف يخضع دوافعه لقيم عليا، هو السن التي يستطيع فيها أن يتقبل ما يقال له دون أن يفهمه، فإذا استقر رأي الآباء على عدم إرسال أولادهم إلى الدروس الدينية، حتى يبلغوا السن التي يفهمون عندها ما يستمعون إليه، فهم في الحقيقة يتبعون مبدأ هاماً، لأن الوقت يكون قد فات لإصلاح ما فسد إذا بلغ الطفل السن التي يفهم بها كل ما حوله، فانه حينئذ يكون قد أضاع من عمره سنين ثمينة)(2)

انطلاقا من هذا الكلام الذي سقناه لمن يستهينون بهذه الناحية المهمة من التربية، سنحاول في هذا المبحث أن نبين أثر الإيمان في تحقيق الأركان الثلاثة التي تتكون منها الشخصية السوية للإنسان:

1 ـ السلام النفسي

ويشير إليه من موعظة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لابن عباس قوله: (احفظ اللَّه يحفظك)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (واعلم أن الأمة لو اجتمعت عَلَى أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه اللَّه لك، وإن اجتمعوا عَلَى أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه اللَّه عليك، رفعت الأقلام وجفت الصحف)، وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، وما أصابك لم يكن ليخطئك)

__________

(1) العودة إلى الإيمان: 122.

(2) العودة إلى الإيمان: 130.

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 21/ صفحات الكتاب 590)

ففيها يخبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ابن عباس بأن الله هو الحفيظ الذي يحفظ العبد من كل طوارق السوء، وأنه ـ لذلك ـ لو اجتمعت كل القوى على أن تضر من حفظه الله، فلن تستطيع، ولو اجتمعت على عكس ذلك بأن تنفعه لم تستطع، لأن الله هو النافع الضار، وهذا ما يجمع شتات الإنسان وهمته فلا يخاف إلا الله، ولا يرجو إلا الله.

ولهذا يخبرنا القرآن الكريم أنه لا يشعر بالأمن الحقيقي إلا المؤمن الذي شغل قلبه بالله، ولم يشتت قلبه بين الشركاء، قال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام:82)، وفي ذلك إشارة إلى أن مصدر المخاوف هو الشرك، واشتغال القلب بغير الله.

وكلما اشتد الشرك وعظم عظمت المخاوف، وكلما نقص الشرك أو تلاشى نقصت المخاوف أو تلاشت، فمعرفة الله والتوجه إليه هي بر الأمان، وهي سفينة نوح التي من ركبها لم تغرقه الأمواج، وهي ظل الله الذي يحتمي به من أحرقته شموس الرعب.

وقد أخبر تعالى في آية أخرى أن الشرك هو مصدر الرعب، وأنه عقوبة إلهية تقتضيها طبيعة الكفر، فقال تعالى: {سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ بِمَا أَشْرَكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَاناً وَمَأْوَاهُمُ النَّارُ وَبِئْسَ مَثْوَى الظَّالِمِينَ} (آل عمران:151)، فقد أخبر تعالى أن مصدر خوفهم هو شركهم بالله.

وفي مقابل ذلك ذكر الله تعالى مواقف المؤمنين الصادقين الذين ملأوا قلوبهم بالله، فرزقهم الأمن التام، والسكينة المطلقة، فهذا إبراهيم عليه السلام وحده في الأرض يوحد الله، ووحده في الأرض يعبد الله، وتدعوه غيرته على أن يعبد غير الله، ورأفته على الجاهلين بالله، فيتحدى قومه، ويتحدى الأرض معهم، فيحطم الأصنام من غير خوف ولا وجل، وهو يدرك المصير الذي يتعرض له من يحطم تلك الأوثان المقدسة.

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 22/ صفحات الكتاب 590)

ولكن إبراهيم عليه السلام انشغل بالله، وبجوار الله عن كل المخاوف التي يتذرع بها الخلق، وعندما خوفه قومه من آلهتهم التي دعا إلى نبذها، قال متعجبا: {وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ} (الأنعام:81)

فإبراهيم عليه السلام في ذلك الموقف كان يقارن بين القوة الوهمية التي يستند إليها قومه، والقوة الوهمية التي كانوا يتصورون أنهم يملكونها، وبين قوة الله تعالى فأخبر أن قومه أولى بالخوف منه.

وقد عقب الله تعالى على قول إبراهيم عليه السلام مقررا هذه الحقيقة المطلقة، ومقننا هذه السنة الإلهية التي لا تتخلف، فقال تعالى: {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ} (الأنعام:82)

وعلى خطى إبراهيم عليه السلام سار أصحاب محمد صلى الله عليه وآله وسلم الذين: {الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} (آل عمران:173)

ولذلك فإن مصدر المخاوف التي تعتري النفوس فتملأها هما وحزنا، هو حصاد نبات الغفلة والشرك، وهما مرتع من مراتع الشيطان، قال تعالى: {إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} (آل عمران:175)

وبخلاف هذا نجد الغافلين والجاحدين أكثر الناس مخاوف، فهم يخافون كل شيء، وقد يدركون ما يخافون، وقد لا يدركون، كما عبر بعضهم عن نفسه بقوله عن مخاوفه التي لا تنتهي، والتي لا يعلم لها سببا: (إنني أعيش في خوف دائم، في رعب من الناس والأشياء، ورعب من نفسي، لا الثروة أعطتني الطمأنينة، ولا المركز الممتاز أعطانيها ولا الصحة، ولا الرجولة، ولا المرأة، ولا الحب، ولا السهرات الحمراء... ضقت بكل شيء، بعد أن جربت كل شيء)

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 23/ صفحات الكتاب 590)

فالمعرفة الصحيحة بالله والتي تتولد عنها جميع المعارف، وتصحح بها جميع الفهوم، وتنشق عنها جميع المشاعر هي التي تقي المؤمن من الخوف الذي يستعبد الناس.

وسنحاول هنا ـ باختصار ـ تبيان دور الإيمان في الوقاية من ثلاث مخاوف كبرى، هي في أصلها أم المخاوف ومنبعها:

الموت:

فالموت هو الشبح الأكبر الذي يملأ القلب بالمخاوف، فيتوزع منه الخوف لنفس الإنسان وسلوكه ومواقفه، شعر بذلك أو لم يشعر.

ولا يقي من أذى هذا الشبح، بل لا يقتله إلا الإيمان بالله المحيي المميت، وبحقائق الآخرة، التي تجعل الموت رحلة سعيدة ينتقل بها الإنسان إلى عوالم أكمل وأجمل.

أما العلم الأول، فيخلص الإنسان من عبودية المخاوف لكل القوى التي مثلها النمروذ عندما قال: {أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ} (البقرة:258)، وحينها ينطق المؤمن بما نطق به سعيد بن جبير عندما هدده الحجاج بالقتل فقال له: (لو علمت أن الموت والحياة في يدك ما عبدت إلها غيرك)

فقد كان سعيد يدرك أن ما يتشبث به الحجاج من قوة وهم عظيم سكن عقله، فالله تعالى هو مالك الآجال، لا الحجاج ولا أي طاغية غيره، قال تعالى: {وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (لأعراف:34)، وقال تعالى: {قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي ضَرّاً وَلا نَفْعاً إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ لِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ فَلا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (يونس:49)، وقال تعالى: {فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ} (النحل:61} (الأعراف: 34)

فلذلك لا يفر من الموت إلا واهم سيطر عليه الخوف، فمنعه من التفكير السليم، قال تعالى: {قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ ثُمَّ تُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ

 الأبعاد الشرعية لتربية الأولاد ( 24/ صفحات الكتاب 590)

الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (الجمعة:8)، وقال تعالى: {أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ} (النساء:78)، وقال تعالى: {قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِم} (آل عمران:154)

أما العلم الثاني، فيلطف من العلم الأول، لأنه يحيل الموت بابا من أبواب السعادة، أو هو ـ بتعبير النورسي ـ بمثابة التقاعد الذي يناله الإنسان بعد أن تستنفذ جميع قواه العملية، يقول بديع الزمان: (إن الموت ليس عدماً، ولا اِعداماً، ولا فناءً، ولا لعبة العبث، ولا إنقراضاً بالذات من غير فاعل، بل هو: تسريح من العمل، من لدن فاعل حكيم، وهو استبدال مكان بمكان، وتبديل جسم بجسم، وانتهاءٌ من وظيفة، وانطلاق من سجن الجسم، وخلق منتظم جديد وِفقَ الحكمة الإلهية)(1)

أما ما بعد الموت، فهو المحل الذي يلقى المؤمن فيه كل ما هفت إليه نفسه في الدنيا وقصرت عنه يداه، فهو الباب الذي تنفتح من كوته الأماني، وتتحقق الرغبات، فهو قدوم على الله، ومن لا يحب القدوم على الله، وقد قيل لأعرابي اشتد مرضه: إنك ستموت، فقال: وإلى أين يذهب بي بعد الموت؟ قالوا: إلى الله، فقال: ويحكم، وكيف أخاف الذهاب إلى من لا أرى الخير إلا من عنده؟

ولهذا قال يحيى بن معاذ: (لا يكره لقاء الموت إلا مريب، فهو الذي يقرب الحبيب من الحبيب)

ولهذا أخبر الله تعالى أن الملائكة تبشر المؤمنين، وتنهاهم عن الاستسلام لشبح الخوف والحزن، وتذكرهم بالمصير الذي يقدمون عليه، قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ} (فصلت:30)

__________