الكتاب: اعترافات هارب من سجون الوهابية

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 263

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

كاتب هذه الاعترافات رجل كتب له في فترة من حياته أن يتبنى الفكر الوهابي، ويدعو إليه، ويستميت في دعوته، ولكن الله بفضله ومنه وكرمه قيض له من يخرجه من كل تلك السجون التي وقع فيها، وقد تعرض لكثير من الأذى بسبب خروجه.

وهو - إذ يحمد الله على فضله- يسعى من خلال هذه السلسلة، كما يسعى من خلال غيرها من السلاسل أن ينبه إخوانه من الوهابيين إلى استعمال عقولهم والرجوع إلى الحقيقة، فلا شيء أجمل من الحقيقة.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

المقدمة

البداية

كلهم في النار

الدين.. والجهل والبداوة

فلكيون.. بدون مراصد

كنائس مستباحة

شيوخ من اليهود

الشعراوي في قفص والبدعة والكفر

أهل السنة.. والشرك

رسول نجد

لا تذكروا (الله)

الذكر الجماعي:

الاسم المفرد:

الوقوف والتمايل في الذكر:

أبو الوهابية الأول: ذو الخويصرة التميمي

البربهاري.. والرعب الوهابي

معاوية.. والصحبة المزيفة

أعداء علي

ابن تيمية.. وأعداؤه

الصوفية:

الشيعة:

أهل الكتاب:

الأشاعرة:

القرضاوي.. وإسلام الفتنة

القحطاني.. وسنة الحقد

 

المقدمة

تحاول هذه السلسلة المعنونة بـ[الدين.. والدجل] تحقيق هدف كبير تسعى إليه بكل الوسائل، وهو مواجهة التشويهات العظيمة التي تعرض لها الإسلام في عصرنا الحديث، والتي صارت عائقا وحجابا بين الأمة والتحقق بما يطلبه دينها الأقوم الذي أمرها الله أن تتمسك به، وأن تخرج به للناس، وأن تكون لها من خلال ذلك الريادة والشهادة على سائر الأمم.

فالإسلام صار - بسبب تلك التشويهات الخطيرة - رمزا للعنف والإرهاب والتطرف وإلغاء الآخر، بل صار كل من يتمسك بهذا الدين مرتعا للكثير من العقد النفسية، والأمراض التي لا تؤذيه فقط، بل تؤذي العالم أجمع.. العالم الذي يتطلع إلى الخلاص من خلال رسالة الله التي تفنن الشياطين في تشويهها.

وقد رأيت - من خلال أدلة كثيرة - أنه لا يمكن مواجهة هذه التشويهات بالصمت والحياد، والذي طالبنا به الكثير حرصا علينا وعلى أن يشوه علماء الأمة أو تراثها أو تاريخها أو جماعاتها وحركاتها.

لكن الصمت أو الحياد لا يجدي شيئا.. فهو قد يصلح مع الخطايا التي أسرها صاحبها، ولم يعلنها، ولا يصح لأحد من الناس أن يفضحه بسببها.. ولكن عندما تفوح روائح الخطايا، فتصيب العالم أجمع بالزكام.. حينها لا يصح لنا أن نسكت.. ولا يحق لنا أن نفر من الحقيقة.. ولا يحق لنا أن نتذرع بتلك الذرائع الواهية التي تجعل الأمر كله مؤامرة علينا من العالم.

نحن حينها بين أمرين:

صفحة ( 4)

إما أن نقول للعالم: إن ما تشاهدونه من تصرفات مجنونة هي تصرفاتنا نحن بسبب سوء فهمنا لرسالة ربنا.. فنحن المتخلفون، وديننا دين حضارة.. ونحن إرهابيون، وديننا دين سلام.. ونحن متعصبون، وديننا دين سماحة.

وبين أن نقول لهم – حفاظا على سمعتنا وسمعة مشايخنا الذين نقدسهم-: لا.. نحن الصواب.. وما نفعله هو دين الله.. اقبلوه أو اضربوا رؤوسكم عرض الحائط.

لقد رأيت من خلال الواقع الفكري أن الكثير من أصحاب السمعة الطيبة، الذين يطبل لهم الإعلام، وتصفق لهم الأيادي، قد اختار الخيار الثاني، لست أدري هل كان ذلك بقناعة، أم كان لحرصة على سمعته ومنصبه وثروته بل وحياته، لأن الخيار الثاني لن يجني منه إلا الهجر والتكفير والتضليل وربما القتل..

لكن بالعودة إلى القرآن الكريم رسالة الله إلى عباده، نجده يدعونا إلى الخيار الأول.. بل يحذرنا من الخيار الثاني أعظم تحذير.. وقد ضرب لنا المثل على ذلك بمن سبقنا من الأمم.

فالله تعالى يقول مبينا اختيار علماء بني إسرائيل للخيار الثاني: {لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (78) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (79)} [المائدة: 78، 79]

لكن هذه الآية للأسف أولت تأويلا خطيرا حيث انصرف النهي عن المنكر فيها إلى المنكرات التي يقع فيها عوام الناس وبسطاؤهم.. أما المنكرات التي يقع

صفحة ( 5)

فيها العلماء والمفتون والجماعات والحركات.. والتي بسببها يقع الخراب والتشويه.. فقد وضعنا لهم من الحصانة ما يحميهم من كل تجريح أو نقد، بل صرنا نقول لكل من خولت له نفسه بالإنكار عليهم: (لحوم العلماء مسمومة، من شمها مرض، ومن أكلها مات) ليصدق علينا بذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف أقاموا عليه الحد)(1)

وهكذا فعلنا، فقد رحنا بسب تلك الفتاوى الضالة نحول المعروف منكرا، والمنكر معروفا، فقتلنا روح الإنسان فينا، وخنقنا الفطرة التي فطرنا الله عليها.

لقد حولت تلك الفتاوى والكتب التي تناصرها، والخطباء الذين يدعون لها، والجماعات التي تتحرك في سبيل تحقيقها: القسوة والكبرياء والطغيان والاستبداد والتخلف دينا ندين الله به، ثم نقول للعالم أجمع: هذا هو الإسلام.

فهل يصح لأحد بعد هذا أن يسكت.. وهل يصح له أن يقف موقف الحياد.. وهل يصح له أن يضع الطلاء على هذه الصورة المشوهة ليكذب على نفسه وعلى الناس وعلى العالم أجمع.

أم أن الواجب هو أن يسمي الأشياء بأسمائها، وينتقد بقوة وصراحة وصدق وجرأة.. لأن ذلك هو الواجب الذي لا يحق له أن يفر منه.

نحن اخترنا هذا.. ولمن شاء أن يختار غيره فليفعل.

__________

(1) رواه البخاري.

صفحة ( 6)

وبناء على هذا كانت هذه السلسلة التي تعرضنا بسببها للكثير من الأذى الذي نحتسب عند الله أجره.. ونحن نحمد الله تعالى على أن من علينا أن نتعرض لبعض ريح الأذى الذي تعرض له أنبياؤه وأولياؤه والقائمون بالقسط من الناس.

ونحن – كما أننا نزعم أننا ننهى عن المنكر بفعلنا هذا – ندعو كذلك كل صادق ومخلص أن ينكر علينا، وأن يصحح أخطاءنا.. لكن بصدق وإخلاص وعلم.. وله بعد ذلك أن يرمينا بما شاء.. ويحكم علينا بما شاء.. فلا تهمنا أحكام الناس، بل المهم الذي نتطلع إليه هو حكم الله، فهم أرحم الراحمين، وهو أعلم بنياتنا ومقاصدنا.

صفحة ( 7)

المقدمة

كاتب هذه الاعترافات رجل كتب له في فترة من حياته أن يتبنى الفكر الوهابي، ويدعو إليه، ويستميت في دعوته، ولكن الله بفضله ومنه وكرمه قيض له من يخرجه من كل تلك السجون التي وقع فيها، وقد تعرض لكثير من الأذى بسبب خروجه.

وهو - إذ يحمد الله على فضله- يسعى من خلال هذه السلسلة، كما يسعى من خلال غيرها من السلاسل أن ينبه إخوانه من الوهابيين إلى استعمال عقولهم والرجوع إلى الحقيقة، فلا شيء أجمل من الحقيقة.

وهو لذلك لا ينطلق من أي حقد أو ضغينة أو مرض من الأمراض النفسية، وإنما ينطلق من الحب والسلام.. فهو يعلم أن الكثير من أتباع الوهابية عوام مساكين لم يتح لهم أن يسمعوا أو يقرؤوا أو يطلعوا.. ولو أن الفرصة أتيحت لهم لحطموا الأغلال والقيود كما حطمتها، وكما حطمها الكثير ممن عرف الحقيقة، فأناب وتاب وتراجع.

وبناء على هذا، فأنا ومن وحي المناهل العذبة التي رزقني الله الشرب منها على يد أوليائه أعتذر لكل من تأذى من الوهابية بهذه الكلمات، فيعلم الله مدى محبتي لهم، ومدى حرصي عليهم.. وإني وإن شددت في بعض المحال لم يكن ذلك إلا كشدة الطبيب مع مريضه المقصر، أو مع الجراثيم التي تريد أن تفتك بمريضه المقصر.

صفحة ( 8)

وإني – مع هذا – مستعد للتراجع عن أي خطأ أنبه إليه، فالهدف هو الحق، وليس إلا الحق.

صفحة ( 9)

البداية

كنت حينها في البيت.. وكانت ليلة من ليالي الشتاء المظلمة.. وكنت على أهبة الاستعداد للقائه.. فقد فارق النوم عيني، فصرت أردد مع امرئ القيس قوله:

ولَيْلٍ كَمَوْجِ البَحْرِ أَرْخَى سُدُوْلَهُ... عَلَيَّ بِأَنْوَاعِ الهُمُوْمِ لِيَبْتَلِي...

فَقُلْتُ لَهُ لَمَّا تَمَطَّى بِصُلْبِهِ... وأَرْدَفَ أَعْجَازاً وَنَاءَ بِكَلْكَلِ...

ألاَ أَيُّهَا اللَّيْلُ الطَّوِيْلُ ألاَ انْجَلِي... بِصُبْحٍ، وَمَا الإصْبَاحُ منِكَ بِأَمْثَلِ

عندما دق الباب أسرعت إليه، وفتحته، وكأني معه على ميعاد..

دخل - بجبته القصيرة، ولحيته الطويلة، وقامته الفارعة - وهو يلهث، وقد ألجمه العرق إلجاما، فلم أتبين من كلامه الكثير كلمة واحدة.

أسرعت إلى الكرسي، فقدمته إليه، فجلس، وهو ممتلئ رعبا.

قلت مستفسرا عن سر حاله: ما بك؟.. ما بال الرعب قد احتواك؟.. أأنت خائف من شيء؟

قال: أغلق الباب وأحكم غلقه، فإن هناك من يبحث عني.. ولو ظفر بي لحكم علي بشر الأحكام.. بل إنه سيحكم عليك معي بتهمة إيوائك إياي.

قلت: أنت مجرم إذن.. فار من العدالة!؟

قال: بل طيب مغفل.. فار من المجرمين.

قلت: من هم المجرمون الذين تفر منهم؟

صفحة ( 10)

قال: عصابة من الناس تطلق على نفسها لقب (الوهابية)، ويطلق عليها من يحسن الظن بها لقب (السلفية).. وهم يؤثرون أن يلقبوا أنفسهم (أهل التوحيد)، و(أهل الحديث)، و(أهل الأثر)؟ وهي كلها:

ألقاب مملكة في غير موضعها... كالهر يحكي انتفاخا صولة الأسد

قلت: انظر ما تقول.. إن من تذكرهم قوم ممتلئون بالإيمان.. منشغلون بالسنة والحديث.. دأبهم العمل على تهذيب المجتمعات وتصفيتها.. شعارهم الذي لا يزالون يرفعونه: تحكيم كتاب الله وسنة رسول الله.

لقد قال شاعرهم محمد تقي الدين الهلالي في قصيدة بعنوان (أنا وهابي) يفخر بذلك:

نسبوا إلى الوهاب خير عباده... يا حبذا نسبي إلى الوهاب...

الله أنطقهم بحقٍ واضح... وهم أهالي فرية وكذاب...

أكرم بها من فرقة سلفية... سلكت محجة سنة وكتابِ...

وهي التي قصد النبي بقوله... هي ما عليه أنا وكل صحاب...

قد غاظ عباد القبور ورهطهم... توحيدنا لله دون تحاب...

الله طهرهم وأعلى قدرهم... عن نبز كل معطل كذاب

صفحة ( 11)

الله سماهم بنصِ كتابه... حنفاء رغم الفاجر المرتاب...

ما عابهم إلا المعطل والكفور... ومن غوى بعبادة الأرباب...

ودعا لهم خير الورى بنضارة... ضمت لهم نصراً مدى الأحقاب...

هم حزب رب العالمين وجنده... والله يرزقهم بغير حساب...

وينيلهم نصراً على أعدائهم... فهو المهيمن هازم الأحزاب...

إن عابهم نذل لئيم فاجر... فإليه يرجع كل ذاك العاب...

ما عابهم عيب العدو وهل يضي... ر البدر في العلياء نبح كلاب

وقال آخر، وهو عمرو بن كلثومهم:

أنا السَّلفيُّ يامَنْ تسألينا... أسيرُ على طريق السابقينا...

أحاربُ كلَّ مبتدع جهول... يرى في البدعة النُّور المبينا...

وأحترمُ الأئمةَ دون طعن... فقد كانوا هداة مهتدينا...

وإني لا أقلدهم بجهل... ولكن بالبصيرة قد رأينا

صفحة ( 12)

كمقبل وابن باز وابن نوح... وشيخ عنيزة بهم اقتفينا...

ولاننسى ربيعَا بنَ عُمير... إمام الجرح والتَّعديل فينا...

فهم علماؤنا في الدِّين دومًا... على درب الهدي هم سائرونا...

وأدعو للولاة بكل خير... ولو كانوا عصاة مذنبينا...

وأنصحهم بلطف دون عنف... وطاعتهم أرى مهما بقينا...

وإني لستُ حزبيًّا ذميمًا... لأن الحزبَ نهجُ الخاطئينا...

فلا الصوفي يغريني بجهل... وهرطقة الشيوخ الهالكينا...

يقيم لمولد الهادي احتفالا... ويزعم أنه في الذاكرينا...

ولا الإخوان تخدعني لأني... أراهم في الضلالة غارقينا...

وقالوا في الرِّياسة عزَّ قومي... فحادوا عن طريق السالفينا...

وقالوا حسبنا ما نحن فيه... وبالبنَّا وبالقُطب اقتدينا...

وقال ربيعُنا فيهم كلامًا... فهم إخوانُ جهل مفلسينا

صفحة ( 13)

ولا نهج الروافض أقتفيه... فقد جعلوا إلههم الحسينا...

أرى التبليغ نهجًا ذا انحراف... فقد ضلُّوا ومنهجهم أبينا

ولهذا فهم يطلقون على أنفسهم لقب (أهل الحديث) و(أهل السنة).. ويطلقون على غيرهم أهل الأهواء وأهل البدعة.

قال: بهذا بدأت قصتي معهم.. ولاشك أنك لا تزال سجينا لأول سجن من سجونهم.

قلت: سجن!.. ما تقول؟.. أنت تراني حرا.

قال: أنت حر في جسدك.. لكن روحك قد تكون مقيدة بقيودهم العنيفة.

قلت: فهل تحررت أنت من سجونهم؟

قال: أجل.. بحمد الله.. لقد هداني الله فتحررت من جميع سجونهم.. ولهذا تراهم يطلبونني.

قلت: يطلبونك!؟.. لا أراهم يفعلون ذلك.. فهم منشغلون بما هم فيه من علم وبحث.. ورواية ودراية.. وجرح وتعديل.. وتهذيب وتصفية.

قاطعني بقوة قائلا: وتبديع وتضليل.. وتقتيل وتذبيح..

قلت: ما تقول؟

قال: لا أقول إلا الحقيقة.

قلت: أراهم يحملون أقلاما لا سيوفا.. والأقلام لا تستطيع إلا أن تكتب.

صفحة ( 14)

قال: بل تستطيع أن تقتل.. بل تستطيع أن تبيد الأخضر واليابس..

قلت: تلك أقلام المجرمين.

قال: وهم يحملون مثل هذه الأقلام.

قلت: تلك دعوى.

قال: ولدي أدلتها..

قلت: فهلم بها.

قال: ألا ترى أن القاتل لا يقتل إلا بعد أن يقتنع باستحقاق المقتول للقتل.

قلت: أجل.. إلا إذا كان في القاتل نزعة لسفك الدماء.. فهو يقتل لمجرد إرضاء غريزته.

قال: فهم لهذا صنفان: صنف يحمل لسان الإقناع ليقنع القتلة، وصنف يحمل السيوف لينفذ ما اقتنع به.. وإن شئت قلت: هم صنفان: صنف يحكم، وصنف ينفذ.. صنف يستعمل القلم، وصنف يستعمل السيف.

قلت: الذي أعلمه أن الخصومة بينهما شديدة.

قال: هي في الظاهر شديدة.. ولكن الحقيقة بكل جوارحها تنطق بأنهما وجهان لعملة واحدة، أو فردان في محكمة واحدة أحدهما يحكم والآخر ينفذ.

سكت قليلا، ثم قال: عد إلى تلك الأبيات التي كنت تنشدها لي..

قلت: أيها؟ أبيات هلاليهم.. أم أبيات ابن كلثومهم؟

قال: كلاهما.. فهما مقدمتان لنتيجة واحدة.. تقول بلسان فصيح: لسنا إلا نحن.. أو تقول: من لم يكن معنا فهو ضدنا.

صفحة ( 15)

قلت: ذلك صحيح.. فهم يرددون هذا الكلام، وينقلونه عن سلفهم.

قال: إن هذا هو نفسه ما ردده هتلر ولينين وشارون، وما ردده كل من تصوروا أنهم شعب الله المختار.

قلت: ولكنهم لا يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار.

قال: أليسوا يعتبرون أنفسهم الفرقة الناجية.. المنصورة.. وكل من خالفهم ضال مضل؟

قلت: ذلك صحيح.. وقد قال بعضهم في خاتمة رسالة له في العقيدة بكل كبرياء: (فمن أقر بما في هذا الكتاب وآمن به واتخذه إماما ولم يشك في حرف منه، ولم يجحد حرفا منه فهو صاحب سنة وجماعة كامل قد كملت فيه الجماعة ومن جحد حرفا مما في هذا الكتاب أوشك في حرف منه أو شك فيه أو وقف فهو صاحب هوى)(1)

قال: ليس الأمر قاصرا على هذا الصعلوك الدعي.. بل كلهم يدعي هذا، ويلزم الآخرين بأن يقولوه، وإلا فإن جميع صكوك الغفران سنتنزع منهم.. ولا ينفعهم عند الله أي شفاعة.. فلا يشفع الرسول ولا الملائكة المقربون ولا أولياء الله الصالحون - في تصورهم - حتى يأذن الوادعي والمدخلي والحربي وغيرهم.

قلت: إن ما تقوله خطير جدا.

__________

(1) البربهاري، شرح السنة: 58.

صفحة ( 16)

قال: ولهذا أنا أقوله، ولولا ما أخذ الله على العصاة من أنه لا تقبل توبتهم إلا إذا أصلحوا وبينوا ما أتيت إليك.

قلت: نعم أنا أقرأ في القرآن الكريم قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ (159) إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَبَيَّنُوا فَأُولَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (160)(البقرة).. ولكن لا أدري مدى انطباقها عليك.. ولا أدري بعد ذلك علاقتها بحديثك معي.

قال: لقد جئت إليك بعد أن سألت عنك، فقد قيل: إن لديك قلما لا يفارقك..

قلت: أجل.. فأنا منذ قرأت قوله تعالى عن القلم: (ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ (1)(القلم).. وأنا لا أكاد أترك القلم، وهو من تعلقه بي لا يكاد يفارقني.. أتراك تريد أن تقترضه مني؟

قال: لا.. أريدك أن تكتب به ما سأمليه عليك من اعترافات..

قلت: أنا لست من المباحث..

قال: لا بد لكل من كان له قلم أن يكون من المباحث.. فالمجرمون المختفون في جلابيب العدالة أخطر من المجرمين المتزرين برداء الإجرام.

قلت: وعيت هذا.. بل قد نطق به القرآن الكريم، فقد قال تعالى يصف نفرا من الناس: (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (204) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ

صفحة ( 17)

وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ (205) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (206)(البقرة)، وقال يصف المنافقين: (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (4)(المنافقون)

قال: فهذه الآيات تصف نفرا من هؤلاء.

قلت: لكن هؤلاء مسلمين.. والآيات تصف منافقين.

قال: أنا لا أكفر أحدا.. ولا أقول بأن أحدا من الناس منافق.. ولكن لهؤلاء من الأخلاق ما يشابه هذه الأخلاق.. ولا شأن لي بعد ذلك في أي صنف يوضعون.

قلت: لا بأس.. فلنفرض بأني سلمت لك بكل ما قلت.. ماذا تريد من قلمي أن يكتب؟

قال: اعترافاتي..

قلت: وعيت ذلك.. لكن أي اعترافات تريد أن تكتب.

قال: لقد لبست في عقود من الزمن ثياب من وصفتهم تلك الآيات الكريمة.. فكنت في أعين الناس حملا.. لكن قلبي كان مملوءا بالثعالب والذئاب.. ولولا أن قيض الله لي من نوره ما نبهني إلى حالي لعشت ذئبا ومت ذئبا دون أن يفطن لي أحد من الناس.

قلت: ولكن الله خلصك وعدت إلى طبيعتك وفطرتك السليمة، فما غايتك من الناس؟

صفحة ( 18)

قال: كيف لا تكون لي عندهم غاية.. وهم المحل الذي كنت أرتع فيه.. لقد كان الناس كلأ مباحا لي، وللذئاب التي كانت معي..

قلت: ولكنك كففت عنها.

قال: مجرم أنا إن تركت قطيع هذه الأمة للذئاب.. وأنا أعرف أنهم الذئاب.. ألم تكن قد قرأت لي الآيات الكريمة التي تنص على وجوب الببيان.

قلت: بلى..

قال: فتلك الآيات تأمرني، وتأمر من هو مثلي في حال توبته أن لا يكتفي بألفاظ يرددها، بل عليه أن يسعى ليصحح ما أوقع فيه غيره من أخطاء..

قلت: وعيت الآن ما تريد.. أنت تريد من قلمي أن يسجل شهادة لك بالتوبة عما كنت فيه.. ما أسهل هذا.. امل علي نص توبتك.. وسأوصي من يضعها معك في كفنك عند وفاتك.

قال: لا.. لم أرد هذا.. فالله يعلم بتوبتي وأنا أكتفي بعلم الله.. أتريدني يا رجل أن أرائي بالتوبة.

قلت: حيرتني في أمرك.. فأخبرني عن مرادك بالضبط.

قال: إن المبين الحقيقي هو الذي لا يكتفي بأن يذكر توبته جمله.. بل عليه أن يذكرها تفصيلا..

قلت: ما تعني بالتفصيل؟

صفحة ( 19)

قال: لقد سرى ما كنت أذكره مما تلقيته بين الناس كما يسري النار في الهشيم.. وعلي أن أسعى وراء كل أثر للنار لأعيد الحياة إلى ما أحرقته.. وإلا فإن الله سيسألني.

قلت: لم أفهم.

قال: سأبسط لك الأمر.. تصور أن رجلا سرق من عشرة محلات.. ثم تاب.. وقد أعطاه الله من المال والقوة والصحة ما يستطيع به إعادة ما سرق.. أتراه يكفيه أن يعيد ما سرقه إلى محل واحد، أم عليه أن يعيد ما سرقه لجميع المحلات؟

قلت: بل عليه أن يعيد لجميع المحلات ما سرق منها، وإلا فإنهم سيقفون خصوما بينه وبين ربه، لن ينفعه إلا ذلك..

قال: فهذا هو حالي.. فأنا السارق الذي كان يسرق من هذه الأمة فطرتها وجمالها وسماحتها ونبلها وسلامها.. وأنا السارق الذي كان يحمل راية الخيانة والغدر.. وأنا السارق الذي كان يشوه ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من مكارم الأخلاق.. ولا ينفعني عند الله إلا أن أرد جميع سرقاتي، وأعياد الحياة لجميع ما أصبته بسمومي.

قلت: ولكن ذلك يحتاج وقتا طويلا.. فقد ذكرت لي أن لك عقودا في هذه الصناعة.

قال: ولذلك جئت إليك.. فقد علمت أن لديك بيتا واسعا، وأنه لا يضيق بمن يزوره.. كما أن لك قلما سيالا لا يضيق بما يملى عليه.

قلت: لقد صدقت في هذا وهذا.. فمرحبا بك.. وهلم بما تريد أن تمليه علي.

صفحة ( 20)

قال: صبرا.. ألا ترى العرق قد ألجمني، والجهد قد كظني، والعناء قد احتواني.

قلت: فهمت مرادك.. تريد مني أن أؤجل الحديث.

قال: أجل.. فلنجعل لكل يوم حديثا وخبرا.. لأنبئك فيه بسر من أسرار السجون التي كنت أقبع فيها.

قلت: كم سجنا هي؟

قال: ما أكثرها.. اصبر علي.. وسأعدها لك واحدا واحدا.. لتنشرها بعد ذلك عساها تشفع لي عند ربي (يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ (88) إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ (89)(الشعراء)

***

هذا هو أول حديث لي مع هذا الرجل الغريب.. وقد تبعته أحاديث كثيرة سنقصها عليكم كما قصها علينا واحدا واحدا.. ويعلم الله مدى الأمانة التي يحملها قلمي.. ولذلك لن أزيد حرفا واحدا على ما يمليه علي إلا ما كان من باب التوضيح والتبسيط.. وكل من كان لديه رد على ما يقول، فليتوجه به إليه، فأنا واسطة بينكم وبينه.. أبلغه احتجاجاتكم، كما أبلغكم ردوده..

صفحة ( 21)

كلهم في النار

بعد أن أخذ صاحبي حظه من الراحة، دخلت إليه في أول اليوم الثاني غرفته، وأنا أحمل قلمي ودفتري لأكتب ما يمليه علي.. فعجبت لما رأيت منه.. بل أصابني نوع من الرعب الذي يصيبنا عند رؤية المجانين وغريبي الأطوار.

لقد رأيته يضع أمامه قصاصات كثيرة.. يصنفها ويخاطبها كما يخاطب الأستاذ تلاميذه.. لا.. بل كما يخاطب السجان مساجينه..

وكان مما سمعته منه مما أدخل في نفسي الرعب قوله، وهو يحمل بعض تلك القصاصات، ويخاطبها بغلظة: أما أنت يا إليزابيث فصوفية.. أعلم ذلك منك.. فإشاراتك توحي بذلك.. ولذلك ليس لك إلا أن تدخلي جهنم مع الداخلين.

أخذ قصاصة أخرى، وراح يخاطبها بقوله: أما أنت يا شافيز فجميع خطبك ومواقفك تشير إلى أنك رافضي أو إخواني.. لا يهم.. كلاهما سواء.. فلذلك اذهب إلى جهنم.

ثم أخذ قصاصة أخرى، وراح يخاطبها بقوله: وأنت يا هتلر.. أعرفك جيدا.. أنت تبليغي قح.. لقد رآك بعضهم تخرج مع جماعة التبليغ.. اذهب إلى السعير لتلتهمك لظى.

ثم أخذ قصاصة أخرى، وراح يقول لها بكل قوة: وأنت يا رامسفيلد.. أنت.. أنت.. نعم أنت (سروري).. اذهب إلى جهنم..

واذهب معه يا حافظ الأسد فأنت (رافضي)..

صفحة ( 22)

وهكذا يا مارادونا فأنت (مذبذب).. لا تزال منذ فترة مذبذبا.. لا.. بل ربما أنت رافضي تتقن التقية، فقد علمنا من مصادرنا أنك عازم على زيارة إيران.. ولا يزور إيران إلا الرافضة.. هيا.. أسرع، فجهنم تنتظرك!!

بعد أن رمى الكثير من القصاصات في قعر جهنم التفت إلي، فرآني مبهوتا محتارا، فابتسم، وقال: اقترب مني.

قلت: ماذا تريد أن تفعل بي؟.. أنا في عرضك.

قال: لا تخف.. فلن أفعل لك شيئا.

قلت: أخاف أن تقذفني في جهنم كما قذفت شافيز ورامسفيلد ومارادونا.

قال: لا تخف.. فأنت ترى أني لا أملك جنة ولا سعيرا.. بل لا يملك الجنة والسعير إلا بارئهما.

قلت: فما كنت تفعل بأوراقك هذه؟

ابتسم، وقال: هذه لعبة كنا نتسلى بها في سجون الوهابية.. لقد كنا نكتب قصاصات مثل هذه القصاصات.. ثم نصنفها أصنافا كثيرة.. ثم نشعل حطبا كثيرا ونرميها فيه لتشعر قلوبنا الباردة ببعض الحرارة.

قلت: أكنتم تكتبون فيها أسماء رامسفيلد وشافيز ومارادونا؟

قال: لا.. معاذ الله.. فلم نكتب فيها إلا أسماء مسلمين.. بل علماء وربانيين.. بل مصلحين ومجددين.

قلت: ولكن منزل هؤلاء الجنة.

صفحة ( 23)

قال: لقد كنا نستعمل كل وسائل الاستقصاء لنخرجهم من الجنة، ونرسل بهم إلى حظيظ جهنم.

قلت: وما يضركم أن يدخلوا الجنة.. وما يضركم أن تتركوا أمرهم لله ليفعل بهم ما يشاء.. فالله هو رب الجنة والنار، وهو يدخل من يشاء فيهما، ويخرج من يشاء.. لقد قال علي في ذلك - بعد أن ذكر دخول أهل الجنة الجنة وأهل النار النار ووصف ذلك أحسن صفة -: (ويفعل الله بعد ذلك في خلقه ما يشاء)، وقال عبدالله بن عباس: (لا ينبغي لأحد أن يحكم على الله في خلقه، ولا ينزلهم جنة ولا نارا)، وقال أبو سعيد الخدري: (انتهى القرآن كله الى هذه الآية: (إِنَّ رَبَّكَ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ)(هود: من الآية 107)

قهقه بصوت عال، وقال: أنت ترجع إلى القرآن الكريم، وإلى آل البيت الطاهرين، وإلى الصحابة المنتجبين..

قلت: إذا لم أرجع لهؤلاء، فلمن أرجع؟

قال: لأئمة السلف.. فلا يمكن أن تفهم القرآن إلا على ضوء ما يقرره أئمة السلف.

قلت: فآل البيت والصحابة هم أئمة السلف.

قال: لا.. أول أئمة السلف وآخرهم وشيخهم هو محمد بن عبد الوهاب وشيخه (شيخ الإسلام ابن تيمية!!).. ألا ترى أنهم يطلقون عليه لقب (شيخ الإسلام).. وهو لقب لم يطلق حتى على علي ذلك الذي كان بابا لمدينة العلم والحكمة.

صفحة ( 24)

قلت: لكن هؤلاء من الخلف.. فكيف يكونون سلفا؟

قال: هم سلف السلف.. وهم الذين يقررون ما ينبغي أن يقول السلف، وما لا ينبغي أن يقولوه.

قلت: لا أزال محتارا.. كيف يكون المتأخر سلفا؟

قال: هكذا هو منطق الوهابيين.. إن لهم منطقا خاصا.. ألم تعلم أن شيخهم ابن تيمية قد نقض منطق أرسطو ليبني على أساسه هذا المنطق؟

قلت: ولكن هذا المنطق يتنافى مع الفطرة السوية والقلب السليم والعقل السليم..

قهقه بصوت عال، وقال: عن أي شيء تتحدث.. إن ما تتحدث عنه هو أول ما ينزع من صدور من يدخل سجون الوهابية.. فلا يمكن لصاحب الفطرة السوية والقلب السليم والعقل السليم أن يبقى محتفظا بسلامة فطرته، ولا سلامة قلبه وعقله.

قلت: لم؟

قال: لأنه لا يسمع في مجالسهم إلا الغيبة والنميمة والأحقاد والضغائن.. وأنت تعرف ما تفعله هذه في القلوب والعقول والفطر.

قلت: الغيبة والنميمة والأحقاد والضغائن حرام باتفاق الأمة.

ابتسم وقال: كل حرام يضع عليه محمد بن عبد الوهاب وتلاميذه ومشايخه يده عليه يصير حلالا.. ألا تعلم أن الله أحل لهم الحرام، ووضع عنهم إصرارهم

صفحة ( 25)

والأغلال التي كانت عليهم، بل وضع في يدهم الجنة والنار يدخلون من يشاءون ويخرجون من يشاءون.. فإياك أن تغضبهم فيرمونك في الدرك الأسفل من النار.

قلت: أنت تملؤني بالعجب.. لقد صرح القرآن الكريم بحرمة الغيبة والنميمة، وقد توعد أهلها وعيدا شديدا، وأخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن عقوبة من تصور نفسه موكلا بخزائن الرحمة والمغفرة يصرفها لمن يشاء، ويحرم منها من يشاء، فذكر أن رجلا قال: والله لا يغفر الله لفلان، فقال الله: من ذا الذي يتألى علي أن لا أغفر لفلان؟ فاني قد غفرت لفلان، وأحبطت عملك)(1)

وفي حديث آخر، قال صلى الله عليه وآله وسلم: (ألا أحدثكم حديث رجلين من بني إسرائيل؟ كان أحدهما يسرف على نفسه، وكان الآخر يراه بنو إسرائيل أنه أفضلهم في الدين والعلم والخلق، فذكر عنده صاحبه، فقال: لن يغفر الله له، فقال الله لملائكته: (ألم يعلم أني أرحم الراحمين؟ ألم يعلم أن رحمتي سبقت غضبي؟ فاني أوجبت لهذا الرحمة، وأوجبت على هذا العذاب، فذا تتألوا على الله)(2)

وفي حديث آخر قال صلى الله عليه وآله وسلم: (قال رجل لا يغفر الله لفلان، فأوحى الله إلى نبي من الانبياء أنها خطيئة، فليستقبل العمل)(3)

__________

(1) رواه مسلم.

(2) رواه أبو نعيم في الحلية وابن عساكر.

(3) رواه الطبراني في الكبير.

صفحة ( 26)

وفي حديث آخر ورد ما هو أعظم من ذلك، فقد قال صلى الله عليه وآله وسلم: (كان رجل يصلي، فلما سجد أتاه رجل فوطئ على رقبته، فقال الذي تحته: والله لا يغفر لك الله أبدا، فقال الله عزوجل: تألى عبدي أن لا أغفر لعبدي، فاني قد غفرت له)(1)

وقد سمى صلى الله عليه وآله وسلم هؤلاء الذين زعموا لأنفسهم امتلاك خزائن الجنان (المتألين)(2)، فقال: (ويل للمتألين من أمتي، الذين يقولون: فلان في الجنة، وفلان في النار)(3)

بل أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن هلاك هذا النوع من الناس، فقال: (إذا سمعت الرجل يقول: هلك الناس فهو أهلكهم)(4)، وقال: (إذا قال الرجل: هلك الناس فهو أهلكهم)(5)

قال: صدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.. لقد كان تأملي في هذه النصوص المقدسة نورا من أنوار الهداية، وبابا من أبواب الرحمة.. لقد قيض الله لي في ذلك الحين بعض الصالحين، وقد سألني حينها: (من أي فرقة أنت؟)، فأجبته

__________

(1) رواه الطبراني في الكبير.

(2) معنى يتألى: يحلف والالية اليمين.

(3) رواه البخاري في التاريخ.

(4) رواه مالك وأحمد ومسلم وأبو داود.

(5) رواه أحمد ومسلم وأبو داود.

صفحة ( 27)

بكل كبرياء: (أنا من الفرقة الناجية)، فابتسم، وقال: (وهل عندك صك بأنك منها)، فقلت: (لقد أخبر صلى الله عليه وآله وسلم عن أوصافها، فذكر أنها ما عليه صلى الله عليه وآله وسلم وأصحابه)، فقال: (وهل تطيق أن تنسب لنفسك هذا... إن الذين كانوا معه صلى الله عليه وآله وسلم كانوا أعظم تواضعا من أن ينسبوا لأنفسهم ما تنسبونه لأنفسكم... بل كانوا يتخوفون على أنفسهم من النفاق... ألم تسمع ما ورد عن السلف الصالح - رضي الله عنهم - في ذلك؟.. لقد قال أحدهم: (أدركت ثلاثين ومائة - وفي رواية خمسين ومائة - من أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم كلهم يخافون النفاق)

***

قال ذلك، ثم انفجر باكيا، فأردت أن أخفف عنه، فقلت: دعنا من هذا، فالله يقبل توبة عباده.. عد بنا إلى قصاصاتك.

ابتسم، وقال: هي أمامك.. خذ منها ما تشاء.. وسأذكر لك ما علمني أصحابي من وجوه استحقاقه لجهنم.

أخذت القصاصات.. فقرأت أسماء كثيرة.. تكاد تجمع جميع علماء المسلمين وصالحيهم.. وكان من عجبي أن رأيت اسما امتلأت له حبا وتقديرا هو اسم (مولانا محمد علاء الدين ماضى أبو العزائم) شيخ عموم الطريقة العزمية.

فقلت: ما لهذا الرجل قد وضع في هذه القصاصات.. أنا أحسب أنه من أولياء الله فهو يمتلئ محبة لله وحرصا على هذه الأمة.

صفحة ( 28)

قال: لقد أقمنا في سجوننا نفيرا بسبب تصريحات له أبدى استعجابه فيها ممن يطلقون على معاوية، ويزيد ابنه، وأبي سفيان، لقب سيدنا، قائلا: متى كانوا أسيادنا؟ فهل قتلة سيدنا الحسين هم أسياد لنا؟ مشيرا إلى أن بنى أمية موجودون إلى وقتنا هذا ويجب أن تفيق الأمة من غفوتها.

وهو فوق ذلك يرى أن الأمة الإسلامية مغيبة عن حاضرها، وأصبحت الآن في حالة من الفرقة التي تحتاج إلى تكاتف الجميع لكى تعود إلى مجدها، وأن ما حدث فى معركة كربلاء يدل على أن الأمة غابت عن منهج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان يجب بعد مقتل سبط الرسول سيدنا الحسين، أن تقوم الأمة وتنتفض، ولكن للأسف بدل أن تقوم وتنتفض نامت في سبات عميق لم تفق منه حتى وقتنا الحالي.

قلت: هذا كلام طيب، وهو دليل على وعي الرجل وفقهه وحرصه على الأمة.

قال: أنت تقول ذلك.. لكننا في سجوننا لا نقوله.. لقد عقدنا في ذلك المساء اجتماعا عاما دعي له جميع المعتقلين في سجوننا، وقد حكمنا فيه عليه بأحكام يربأ لساني عن ذكرها.. ثم رمينا قصاصته في جهنم، وتلذذنا بنارها الموقدة أياما.

صفحة ( 29)

الدين.. والجهل والبداوة

في اليوم الثالث، دخلت على صاحبي الوهابي الهارب غرفته التي استضفته فيها، فتعجبت إذ رأيتها على غير الصورة التي كانت عليها، ولولا أن عقلي كان معي، وأن ذاكرتي كانت تحفظ جيدا بيتي لتوهمت أني دخلت بيتا غير بيتي.

لقد صار بيتي أقرب إلى خيام الوبر منه إلى بيوت المدر..

سألته مستغربا: ما الذي حصل لبيتي؟

ابتسم، وقال: اعذرني سيدي.. فلا تزال لوثة الوهابية تطيف بعقلي أحيانا، فأتصرف من غير وعي، وأتحرك على غير رشد.

قلت: لا بأس عليك.. ولكن لم فعلت ببيتي هذا.. وأي ذكريات مؤلمة جعلتك تنحرف به هذا الانحراف؟

قال: ذكريات مؤلمة بدأت مع أول علاقتي بهم..

قلت: فهل تقصها علي؟

قال: ما دام قلمك معك، فسأقصها عليك.. فلا ينفعني عند الله إلا أن أقصها عليك.

أخذ صاحبي الوهابي الهارب نفسا عميقا، ثم قال: في تلك الأيام كنت طالبا جامعيا.. في تخصص من التخصصات العلمية الحديثة.. وكنت فخورا حينها بالحضارة التي أنتمي إليها حضارة العلم والمعرفة.. وقد كنت أتصور نفسي أسير على ما سار عليه أجدادي الذين قدموا أروع حضارة للعالم..

صفحة ( 30)

في بعض تلك الأيام شعرت بشوق يشدني إلى مجالس العلم، لما ورد فيها من الفضل.. فأسرعت إلى مجلس من المجالس، وليتني ما فعلت..

لقد وجدت في ذلك المجلس الذئب الذي يلبس ثياب الحمل محتلا لذلك العرش الذي لا يجلس عليه إلا العلماء العاملون.

لقد كان ضبعا حقيرا، ولكنه كان يزأر كزئير الأسود.. يريد أن يجرد بزئيره المسلمين والحضارة الإسلامية من كل منقبة، ليلصق بها بعد ذلك أي دعي أي مثلبة.

قلت: أمستشرق هو أم مبشر؟.. أم مستغرب هو أم ملحد؟

قال: ليته كان كذلك.. لقد كان مسلما ملتزما في سلوكه غاية الالتزام.. وقد رأيت أهل مجلسه يصفونه بأنه (السنة تمشي).. ولكنه كان في حديثه كحامل معول يريد أن ينقض على البنيان الذي بنته أجيال من هذه الأمة.

قلت: فهلا حدثتني حديثه؟

قال: يؤلمني أن أحدثك حديثه.. لقد أثر في ذلك المجلس كما لم يؤثر في أي مجلس.. لقد جلست مع المستشرقين والمستغربين والمبشرين فلم أسمع أحدا منهم ينهش في الأعراض مثلما ينهش.. وللأسف فقد انحرف ذلك المجلس بي انحرافا تاما، وبدل أن أتوجه إلى العلم توجهت إلى الجدل، وإلى الأودية السحيقة والسجون المظلمة لأسكن فيها عقودا من عمري.

قلت: ما دمت قد ذكرته لي.. فلا مناص من أن تحدثني حديثه.. من هو أولا؟

صفحة ( 31)

قال: دعنا من اسمه.. فلو ذكرناه لم نأمن أن يحصل لك شر بسببه أو بسبب من يحيط به.. فقد كان لهم من الأنفة والعزة ما لم يكن لمروان القرظ، ولا لأم قرفة (1).

قلت: فحدثني حديثه.

قال: لقد سمعته يقول (2): إن الفتن في هذه الأزمان قد تتابعت كقطع الليل، وأحييت معالم الدَّهْمَاء، وأثير نقع الفتن، واستوري زناد الهَزَاهِز.. ولكن مستثار الفتنة وعرصة غيِّها؛ هو فيما حازه الكفار من زخارف الدنيا، فإنها قد بلبلت كثيراً من المسلمين، فمنهم من انسلخ عن دينه.. ومنهم من بقي حائراً.. ومنهم من ثبت على دينه على دَخَنٍ.. ومنهم من لم يرفع بهذه الفتنة رأساً، ولم يلق لها بالاً، بل ثبت على دينه ثبات الجبال الرواسي.

وفي هذا الجو الكئيب من غبار الفتن العصيب ظهر قوم منا ينطقون بألسنتنا، ولكن قلوبهم مملوءة بالشقاق والنفاق وسوء الأخلاق.. لقد ظهر هذا الفريق

__________

(1) هذه أمثال عربية قديمة يقال (أعز من مروان القرظ)، و(أعز من أم قرفة).

(2) النص الذي نعرضه هنا ـ بتصرف ـ منتقدين له مستفاد من كتاب (حقيقة الحضارة الإسلامية)، للشيخ ناصر بن حمد الفهد، وقد اعتبر مذكرته هذه (جوابا عمَّن: جعل حضارة الإسلام؛ هي النبوغ في علوم الفلاسفة والملاحدة.. وجعلها هي تشييد المباني وزخرفة المساجد.. وجعل علماء الإسلام؛ هم الملاحدة).. وللأسف فإن مثل هذه الأفكار تجد سوقا واسعة هذه الأيام.. فكثير من الشباب يحملونها ويبشرون بها، بل يعتبرون التبشير بها من فروض الأعيان.. ويستغل المبشرون والمستشرقون والمستغربون ذلك أسوأ استغلال.

صفحة ( 32)

يحاول إبراز محاسن الإسلام للكافرين.. وأن المسلمين كانوا في حضارة وعلم من جنس حضارتهم وعلومهم..

وقد أخطأوا ـ ويلهم ـ خطأ شنيعا.. فالإسلام هو دين الحق والعلم والحضارة.. ولكنها حضارة غيرُ الحضارة وعلمٌ غير العلم.

سارت مشرقة وسرت مغرباً... شتان بين مشرقٍ ومغرب

حضارتهم دنيوية زائلة، وحضارتنا دينية نبوية باقية.. وعلومهم دنيوية دنيه، وعلومنا شرعية ربانية.. سلفية سنية نبوية.. ليست بذات شطحٍ ولا هذيانِ.

بعد أن أنهى محاضرته المملوءة بالسجع والجناس والطباق.. قام رجل من المحيطين به، وقال: حدثتنا عن حضارة السوء.. حضارة المزابل والقمامات.. فحدثنا عن حضارتنا.

رفع رأسه بأنفة وكبرياء، وقال: حضارتنا هي الحضارة الصحيحة.. وهي التي وجدت في القرون المفضلة.. في وقت الصحابة والتابعين، وأئمة الدين، فريق الهدى، وأشياع الحق، وكتائب الله في أرضه، الذين بلغوا من الدين والعلم والقوة غاية ليس وراءها مطلع لناظر، ولا زيادة لمستزيد، ففتحوا البلدان، وشيدوا الأركان، ودانت لهم الأمم، وتداعت لهم الشعوب.

وهم النجوم لكل عبدٍ سائرٍ... يبغي الإله وجنة الحيوانِ...

وسواهم والله قطّاع الطريق... أئمةٌ تدعو إلى النيرانِ

صفحة ( 33)

أهل حضارتنا هم (أبر الأمة قلوباً، وأعمقها علوماً، وأقلها تكلفاً، وأقومها هدياً، وأحسنها حالاً)(1)

فَمن كان مفاخراً؛ فليفاخِرْ بهم، ومن كان مكاثراً؛ فليكاثرْ بهم، فدينهم هو الدين، وعلمهم هو العلم، مكّن الله لهم في الأرض ففتحوا الدنيا وحكموا العالم في مدةٍ لا يبلغ فيها الرضيع أن يفطم.

قال الذهبي: (واستولى المسلمون في ثلاثة أعوام على كرسي مملكة كسرى وعلى كرسي مملكة قيصر، وعلى أمَّي بلادهما، وغنم المسلمون غنائم لم يسمع بمثلها قط من الذهب والحرير والرقيق، فسبحان الله العظيم الفتاح)(2)

قام رجل من أصحابه، وقال: لقد ظهر في هذه الأزمنة التي أتت بكل عجيب قوم بهرتهم زخارف بني الأصفر وبلبلت أفكارهم وفهومهم، فشعروا - لبعدهم عن الحق - بنقص إزاء ما يرونه.. فهبوا إلى التاريخ يقلبون أوراقه لعلهم يجدون فيه ملجأً أو مغاراتٍ أو مدَّخلاً يسترون فيه هذا النقص، فطووا ذكر القرون المفضلة لأنهم يعلمون أنه ليس فيها لشفرتهم محزّا، ولا لبغيتهم طائلاً، وأمعنوا النظر في دويلات البدع والضلالة، فأخرجوا منها زبالات التاريخ وحثالات المسلمين ممن تفلسف وتزندق وألحد في دين الله، فلمَّعوا وجوههم الكاحلة،

__________

(1) رواه سعيد بن منصور.

(2) تاريخ الإسلام: ص 159.

صفحة ( 34)

ونفضوا عنها الدَرَن والنتن.. فبارزوا بهم الكفار، فكانوا بحقٍ كعبدٍ صرعه أَمَةٌ، وكالمستجير من الرمضاء بالنار.

فهرفوا بما لم يعرفوا، فما كلامهم إلا خطل، وما حديثهم إلا هَذَر، وقديماً قيل: (مَنْ أكثرَ أهجَرَ)

فما سر هؤلاء فضيلة الشيخ.. وبقية السلف.. وسيد الخلف؟

رفع الشيخ رأسه بكبرياء، ثم قال: إن النكتة في ذلك ترجع إلى أن هؤلاء القوم إنما أرادوا مبارزة بني الأصفر بعلومٍ من جنس علومهم، وهذه العلوم لم يبرع فيها من المسلمين إلا الملاحدة، وغفلوا أو تغافلوا عن قوله تعالى: {كُلاًّ نُّمِدُّ هَؤُلاء وَهَؤُلاء مِنْ عَطَاء رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاء رَبِّكَ مَحْظُورًا} (الإسراء: 20)، وهذا من عطائه تعالى، والدنيا يعطيها الله لمن يحب ويكره، ولكن الدين لا يعطيه إلا لمن يحب، وإلا فهذه العلوم لا تدل على حق ولا تمنع من باطل، بدليل أنك لو جمعت ما عند ملاحدة اليونان والمسلمين من هذه العلوم ثم قارنتها بما عند الكافرين اليوم لما بلغت عشر معشارها.. والنقص إنما يشعر به من ابتعد عن جادة الدين، وإلا فمن سلكَ الجَدَد؛ أَمِنَ العثار.

ولو أمعنوا في دراسة التاريخ؛ لاتضح لهم جلياً أن المسلمين لم يضعفوا ويتسلط عليهم الكفار والتتار والباطنية وغيرهم إلا بعد انتشار مثل هذه العلوم والعلماء بين المسلمين.

لقد كان العلم الشرعي في عهد السلف محصورا فيما دل عليه القرآن والسنة وكلام السلف.. لا علوم الفلاسفة والملاحدة.

صفحة ( 35)

كل العلوم سوى القرآن مشغلة... إلا الحديث وإلا الفقه في الدين...

العلم ما كان فيه قال؛ حدثنا... وما سوى ذاك وسواس الشياطين

قال ذلك، ثم صاح بزئير كزئير الأسود: الله الله في الإسلام.. فإن الحضارة الإسلامية لا تقاس بعمران الدنيا ولا بعلومها، فإن المسلمين لما اشتغلوا ببناء القصور الفارهات، وبتعلّم الفلسفة والمنطق والطبيعيات، وركنوا إلى الدنيا واستهانوا بالعلوم الشرعيات؛ رماهم الله بالدواهي والمصيبات، فالفهمَ الفهمَ، فإن الإسلام لم يأتِ لعمارة الدنيا إلا بالطاعات.

قام رجل من القوم، وقال: إن بيننا من التبست عليه الأمور.. فراح يصف المارقين بأوصاف المسلمين.. وراح يعدل من ذكره ثقاتنا في المجروحين.. ونحن نطلب منك أيها الشيخ الوقور أن تذكر لنا الحكم الصحيح فيهم.. وهل هم من أهل الجنة أم من أهل النار؟.. أو هم من الطائفة المنصورة أم من طوائف البوار.. الذين يملؤون أطباق النار؟

قال الشيخ: سل عما بدا لك.. فلن تجد عندي إلا العلم الصحيح.. وكل حرف عداه بدعة.. وكل بدعة ضلالة.. وكل ضلالة في النار.

قال الرجل: نسألك عن عبد الله بن المقفع.

قال الشيخ: لقد كان مجوسياً فأسلم.. وكان يتهم بالزندقة.. وقد قال فيه المهدي: (ما وجدت كتاب زندقة إلا وأصله ابن المقفع)

قال الرجل: فأخبرنا عن جابر بن حيان.

صفحة ( 36)

قال الشيخ: لقد قال فيه شيخ الإسلام ـ عليه مني أفضل السلام، وأزكى الصلاة والإكرام ـ: (وأما جابر بن حيان صاحب المصنفات المشهورة عند الكيماوية؛ فمجهول لا يعرف، وليس له ذكر بين أهل العلم والدين)

ولو أثبتنا وجوده، فإنما نثبت ساحراً من كبار السحرة في هذه الملة، اشتغل بالكيمياء والسيمياء والسحر والطلسمات، وهو أول من نقل كتب السحر والطلسمات.

قال الرجل: فأخبرنا عن محمد بن موسى الخوارزمي.. ذلك الذي اشتهر باختراع (الجبر والمقابلة)، وكان داعيه لذلك المساعدة في حل مسائل الإرث.

قال الشيخ: لقد رد عليه شيخنا.. شيخ الإسلام.. الناطق باسم الإسلام.. عليه مني أزكى السلام.. بأن ذلك العلم وإن كان صحيحاً إلا أن العلوم الشرعية مستغنية عنه وعن غيره.

ثم هو فوق ذلك كان من كبار المنجّمين في عصر المأمون والمعتصم والواثق.. وكان من كبار مَنْ ترجم كتب اليونان وغيرهم إلى العربية.

قال الرجل: فأخبرنا عن عمرو بن بحر.. ذلك الذي لقب بالجاحظ.

قال الشيخ: ويل له.. ثم ويل له.. لقد كان من أئمة المعتزلة، تنسب إليه (فرقة الجاحظية).. وكان شنيع المنظر.. سيء المخبر.. رديء الاعتقاد.. تنسب إليه البدع والضلالات.. وربما جاز به بعضهم إلى الانحلال، حتى قيل: (يا ويح من كفّره الجاحط).

قال الرجل: فأخبرنا عن محمد بن موسى بن شاكر.

صفحة ( 37)

قال الشيخ: ويله.. ثم ويله.. لقد جمع جميع أنواع الضلالة.. فهو فيلسوف، موسيقي، منجّم، من الذين ترحموا كتب اليونان، وأبوه موسى بن شاكر، وأخواه أحمد والحسن؛ منجمون فلاسفة أيضاً.

قال الرجل: فأخبرنا عن الكندي.. يعقوب بن اسحاق.

قال الشيخ: ذلك المارق الفيلسوف.. لقد كان من أوائل الفلاسفة الإسلاميين.. وهو منجّم ضال، متهم في دينه كإخوانه الفلاسفة.

قال الرجل: فأخبرنا عن عباس بن فرناس.

قال الشيخ: ويله.. ثم ويله.. هو فيلسوف، موسيقي، مغنٍ، منجّم، نسب إليه السحر والكيمياء، وكثر عليه الطعن في دينه، واتهم في عقيدته، وكان إلى ذلك كله شاعراً بذيئاً في شعره مولعاً بالغناء والموسيقى.

قال الرجل: فأخبرنا عن ثابت بن قرة.

قال الشيخ: ويل للصابئ.. لقد كان كافرا، فيلسوفا، ملحدا، منجّما، وهو وابنه إبراهيم بن ثابت، وحفيده ثابت بن سنان.. كلهم ماتوا على ضلالهم..

قال الرجل: فأخبرنا عن اليعقوبي.. أحمد بن اسحاق.

قال الشيخ: ويل له.. لقد كان رافضيا، معتزليا، تفوح رائحة الرفض والاعتزال من تاريخه المشهور، ولذلك طبعته الرافضة بالنجف.

قال الرجل: فأخبرنا عن الرازي.. محمد بن زكريا الطبيب.

صفحة ( 38)

قال الشيخ: ويل له.. لقد كان من كبار الزنادقة الملاحدة.. يقول بالقدماء الخمسة الموافق لمذهب الحرانيين الصابئة.. وهو يفوق كفر الفلاسفة القائلين بقدم الأفلاك، وصنّف في مذهبه هذا ونصره، وزندقته مشهورة.

قال الرجل: فأخبرنا عن البثّاني.. محمد بن جابر الحراني.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان صابئاً.. فيلسوفاً.. منجّماً.

قال الرجل: فأخبرنا عن الفارابي.. محمد بن محمد بن طرخان.

قال الشيخ: ويله.. فقد كان من أكبر الفلاسفة، وأشدهم إلحاداً وإعراضاً، وكان ابن سينا على إلحاده خير منه.

قال الرجل: فأخبرنا عن المسعودي.. علي بن الحسين.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان معتزلياً، شيعياً.. قال فيه شيخنا.. شيخ الإسلام.. الجبل الهمام.. عليه مني أزكى السلام: (وفي تاريخ المسعودي من الأكاذيب ما لا يحصيه إلا الله تعالى، فكيف يوثق في كتاب قد عرف بكثرة الكذب؟)

قال الرجل: فأخبرنا عن المجريطي.. مسلمة بن أحمد.

قال الشيخ: ويله.. هو فيلسوف، كبير السحرة في الأندلس، بارع في السيمياء والكيمياء، وسائر علوم الفلاسفة، نقل كتب السحر والطلاسم إلى العربية.

قال الرجل: فأخبرنا عن مسكويه.. محمد بن أحمد.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان مجوسياً، فأسلم، وتفلسف، وصحب ابن العميد الضال، وخدم بني بويه الرافضة، واشتغل بالكيمياء فافتتن بها.

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن سينا.. الحسين بن عبد الله.

صفحة ( 39)

قال الشيخ: ويله.. لقد كان إمام الملاحدة، فلسفي النحلة، ضال مضل، من القرامطة الباطنية، كان هو وأبوه من دعاة الإسماعيلية.. كافر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم بالآخر.

مساوئ لو قسمن على الغواني = لما أمهرن إلا بالطلاق

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن الهيثم.. محمد بن الحسن بن الهيثم.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان من الملاحدة الخارجين عن دين الإسلام، من أقران ابن سينا علماً وسفهاً وإلحاداً وضلالاً.. وكان في دولة العبيديين الزنادقة..

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن النديم.. محمد بن اسحاق.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان رافضيا، معتزليا، غير موثوق به.

قال الرجل: فأخبرنا عن المعرّي.. أبي العلاء أحمد بن عبد الله.

قال الشيخ: ويله.. ذلك المشهور بالزندقة على طريقة البراهمة الفلاسفة، وفي أشعاره ما يدل على زندقته وانحلاله من الدين.. قال فيه شيخنا القحطاني ـ عليه مني السلام ـ في نونيته:

تعسَ العميُّ أبو العلاء فإنه = قد كان مجموعاً له العَمَيانِ

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن باجه.. أبي بكر بن الصائغ.

قال الشيخ: ويله.. فيلسوف كأقرانه، له إلحاديات، يعتبر من أقران الفارابي وابن سينا في الأندلس، من تلاميذه ابن رشد، وبسبب عقيدته حاربه المسلمون هو وتلميذه ابن رشد.

قال الرجل: فأخبرنا عن الأدريسي.. محمد بن محمد.

صفحة ( 40)

قال الشيخ: ويله.. لقد كان خادماً لملك النصارى في صقليه بعد أن أخرجوا المسلمين منها، وكفى بذلك لؤماً وضلالاً.

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن طفيل.. محمد بن عبد الملك.

قال الشيخ: ويله.. كان من ملاحدة الفلاسفة والصوفية، له الرسالة المشهورة (حي بن يقظان)، يقول بقدم العالم وغير ذلك من أقوال الملاحدة.

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن رشد الحفيد.. محمد بن أحمد بن محمد.

قال الشيخ: ويله.. فيلسوف، ضال، ملحد، يقول بأن الأنبياء يخيلون للناس خلاف الواقع.. ويقول بقدم العالم وينكر البعث، وحاول التوفيق بين الشريعة وفلسفة أرسطو في كتابيه (فصل المقال) و(مناهج الملة)، وهو في موافقته لأرسطو وتعظيمه له ولشيعته؛ أعظم من موافقة ابن سينا وتعظيمه له، وقد انتصر للفلاسفة الملاحدة في (تهافت التهافت)، ويعتبر من باطنية الفلاسفة، والحادياته مشهورة..

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن جبير.. محمد بن أحمد.. صاحب الرحلة المعروفة بـ (رحلة ابن جبير)

قال الشيخ: ويله.. ألا ترى في رحلته تلك تقديسه للقبور والمشاهد الشركية، وتعظيمه للصخور والأحجار، واعتقاده بالبدع والخرافات وغيرها كثير؟

قال الرجل: فأخبرنا عن الطوسي.. نصير الدين محمد بن محمد بن الحسن.

قال الشيخ: ويله.. نصير الكفر والشرك والإلحاد، فيلسوف، ملحد، ضال مضل، كان وزيراً لهولاكو وهو الذي أشار عليه بقتل الخليفة والمسلمين واستبقاء

صفحة ( 41)

الفلاسفة والملحدين، حاول أن يجعل كتاب (الإشارات) لابن سينا بدلاً من القرآن، وفتح مدارس للتنجيم والفلسفة..

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن البناء.. أحمد بن محمد.

قال الشيخ: ويله.. لقد كان شيخ المغرب في الفلسفة والتنجيم والسحر والسيمياء.

قال الرجل: فأخبرنا عن ابن بطوطة.. محمد بن عبد الله.

قال الشيخ: ويله.. ذلك الصوفي، القبوري، الخرافي، الكذّاب.. كان جل اهتماماته في رحلته المشهورة؛ زيارة القبور والمبيت في الأضرحة، وذكر الخرافات التي يسمونها (كرامات) وزيارة مشاهد الشرك والوثنية، ودعائه أصحاب القبور وحضور السماعات ومجالس اللهو، وذكر الأحاديث الموضوعة في فضائل بعض البقاع، وتقديسه للأشخاص، والافتراء على العلماء الأعلام.

***

بعد أن نفث ذلك الأسد الهصور سمومه في أذني سرت بكآبة لا تعدلها كآبة.. وصرت بين أمرين إما أن أستمر في دراسة العلوم الحديثة لتنزل علي بعدها ما نزل على أجدادي من اللعنات، أو أنقطع لأظفر بما يعده هؤلاء من الجنات.. وما أسرع ما ملت إلى الجنات، فقد كنت حينها عظيم الإخلاص، قليل البضاعة من العلم.

لقد سرت في اليوم الثاني، وسحبت انتمائي من الجامعة التي انتميت إليها لأدخل سجن الجهالة والبداوة مع من دخل إليه من الوهابيين وأذنابهم.

***

صفحة ( 42)

بعد أن حدثني صاحبي الوهابي بهذا سألته: فكيف أنقذك الله من هذا السجن؟

قال: بعد أن رأيت من الجهل والبداوة في أصحابي ما رأيت.. وفي يوم من أيام الله.. سرت حزينا في بعض البوادي، أقلب النظر فيما كنت فيه، وفيما صرت إليه، وبينا أنا كذلك إذ ربت على كتفي رجل.. وقال لي: لا تحزن.. وواصل بحثك.. فالحقيقة أعز من أن تراها عند طرف واحد.

قلت: من أنت؟.. وكيف عرفت أمري؟

قال: لا يهمك اسمي.. ولكني من أحفاد رجل عظيم من بناة الحضارة الإسلامية كان اسمه (أبو إسحاق إبراهيم بن يحيى النقاش الزُّرْقَالي)(1).. وقد عاش في القرن الرابع الهجري.. وولد في قرطبة.. وعمل في طليطلة بالأندلس.

قلت: استر نسبك.. قبل أن يصيبك من ويلاته ما يخرجك من الإسلام.

قال: تقصد ذلك الشيخ الجراح وأتباعه؟

قلت: أجل.. فلم أسمع منهم إلا تهم الإلحاد والزندقة.

__________

(1) الزرقالي (480 - 420 هـ/1087 - 1029 م) هو من أعظم راصدي الفلك في عصره، وواحد زمانه في علم العدد، والرصد، وعلم الأبراج، قام بأكثر أرصاده بها، ثم انتقل منها إلى قرطبة وبقي فيها حتى وفاته..

صفحة ( 43)

قال: لا عليك منه.. إن لأولئك تصورا خاطئا عن دين الله.. إن حالهم لا يختلف عن حال ذلك الأعرابي الذي قال في دعائه: (اللهم اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد معنا)(1)

قلت: ولكن ألا ترى في كلامه وجوها من الصحة؟

قال: إن ذلك الرجل لم يفهم سر حضارة الإسلام..

قلت: فما سرها؟

قال: لقد تعامل المسلمون مع الخلق بما أرشدهم إليه صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: (أنزلوا الناس منازلهم)(2)

قلت: ما تعني؟

قال: ألا ترى الحضارة الحديثة وكيف تزهو بنفسها؟

قلت: بلى.. أرى ذلك.

قال: فهل اختص ببنائها جنس دون جنس.. أو أهل دين دون أهل دين؟

__________

(1) هذا ما ورد في رواية ابن حبان في حديث الأعرابي الذي بال في المسجد، ونص روايته أنه (دخل أعرابي المسجد، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جالس، فقال: اللهم اغفر لي ولمحمد، ولا تغفر لأحد معنا. فقال صلى الله عليه وآله وسلم: لقد (احتظرت) واسعا.. ثم تنحى الأعرابي فبال في ناحية المسجد.. فقال الأعرابي بعد أن فقه الإسلام: إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال له: (إن هذا المسجد إنما هو لذكر الله، والصلاة ولا يبال فيه)، ثم دعا بسجل من ماء، فأفرغه عليه.

(2) رواه مسلم وغيره.

صفحة ( 44)

قلت: لا.. هي تضم كل الأديان والمذاهب والأجناس.

قال: فهكذا الإسلام.. لقد وفر للحضارة قيمها والظروف المناسبة لها.. ثم ترك للمبدعين ليتحركوا في مجالات الإبداع الصحيحة.. ولذلك فإن الحضارة الإسلامية شملت ببركاتها كل الأديان والمذاهب والأعراق والطوائف..

قلت: ولكن الشيخ ذكر ملاحدة؟

قال: لقد رآهم بنظره القاصر ملاحدة.. لقد ذكرت لك أن هؤلاء رسموا للإسلام إطارا معينا.. فكل من جاوزه لم ينجو من سيوفهم أو من تصنيفهم.

قلت: ولكن منهم من قال كلمات ربما تؤدي به إلى الإلحاد..

قال: لقد علمنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن لا ننظر إلى الأمور من هذه الزاوية.. لقد علمنا أن لا نمحو قناطير الحسنات بخطيئة واحدة قد لا تكون مقصودة.. وقد لا تكون خطيئة أصلا.

ألم تسمع أنه صلى الله عليه وآله وسلم ذكر (رجلا فيمن سلف أعطاه الله مالا، وولدا، فلما حضرت الوفاة، قال لبنيه، أي أب كنت لكم، قالوا: خير أب، قال: فإنه لم يبتئر، عند الله خيرا، وإن يقدر الله عليه، يعذبه، فانظروا إذا مت فأحرقوني، حتى إذا صرت فحما فاسحقوني، فإذا كان يوم ريح عاصف، فأذروني فيها ـ فأخذ مواثيقهم على ذلك، وربى ـ ففعلوا، ثم أذروه فى يوم عاصف، فقال الله عز وجل:

صفحة ( 45)

كن، فإذا هو رجل قائم، قال الله: أى عبدى، ما حملك على أن فعلت ما فعلت؟ قال: مخافتك ـ أو فرق منك ـ فما تلافاه أن رحمه عندها)(1)؟

قلت: إن هذا حديث عظيم.. دعني أذهب وأبشره به.. عساه يكف عن إدخال الناس إلى النار.

ابتسم، وقال: دعك منه.. فهو يحفظ الحديث.. ويحفظ أسانيده.. ولكن المسكين انشغل بعد رواته عن البحث عن معناه أو عن إدراك معناه.. ألم تسمع قوله صلى الله عليه وآله وسلم: (نضر الله امرءا سمع منا حديثاً فحفظه حتى يبلغه غيره، فرب حامل فقه إلى من هو أفقه منه، ورب حامل فقه ليس بفقيه)(2)

__________

(1) رواه البخاري ومسلم وغيرهما.

(2) رواه ابن حبان في صحيحه، والحاكم وقال: صحيح على شرط الشيخين.

صفحة ( 46)

فلكيون.. بدون مراصد

في اليوم الرابع، دخلت على صاحبي الوهابي الهارب غرفته التي استضفته فيها، وبقيت معه لحظات ألاطفه وأخفف عنه بعض ما يعانيه من أعباء الماضي، وقد عجبت إذ رأيته على غير عهدي به هادئا ممتلئا صفاء وسلاما..

وكان من قولي له - وأنا أجتهد في التخفيف عنه -: انظر إلى السماء وما حوت من مجرات ونجوم وكواكب وسدم وما نرى وما لا نرى.. لترى أن الواسع العليم الذي اتسعت قدرته لكل هذا لن تضيق مغفرته بما سبق لك من خطأ لم تكن تقصده.

بمجرد أن قلت هذا رأيت ملامحه تتبدل، وجبينه يتقطب، وسحنته يكسوها غضب شديد لم أدر سببه، ثم رأيته يقوم بقوة جهة الباب، وهو يقول: تكذبون.. تكذبون.. أنتم أجهل الناس.. أنتم أحقر الناس.. أنتم لا تتقنون إلا الدعاوى.. أنتم أصحاب الجهل المركب.. تجهلون، وتجهلون أنكم تجهلون..

اقتربت منه، وحاولت أن أخفف ما به، فرماني بيده، وهو يقول: دعني.. دعني.. فإن كوابيس أولئك المدعين لا تزال تطاردني كل حين.. ولو لم أقم لأرميهم بجمرات سبابي لانفجرت.

قلت: روديك.. ما الذي حصل؟.. ما الذي جعلك تفعل هذا؟

أخذ نفسا عميقا، ثم قال: ما أشد الظلمات التي كان عقلي يسكن فيها!!

صفحة ( 47)

قلت: العقل لا يسجن.. لا يسجن في هذه الدنيا إلا الجسد.. أما العقل، فلصاحبه مطلق الحرية فيه.. وكم رأينا من العلماء سجنوا، فلم يزدهم سجنهم إلا ذكاء ونشاطا ونبوغا.

قال: ولذلك قلت لك: إن سجون الوهابية لا تعادلها جميع سجون الدنيا.. ذلك لأن المسجون فيها ليس الجسد، وإنما العقل والروح والقلب.. وجميع اللطائف الكريمة.. المتحرر الوحيد في سجون الوهابية هو هذا الطين.. هذا الحمأ المسنون الذي لا يختلف عن كل حمأ تراه.

قلت: أنى لهم أن يسجنوا العقل.. العقل بيد صاحبه.. لا يستطيع أحد في الدنيا مهما كان أن يسلبه من صاحبه.

قال: إلا الوهابيون، ومن كان على شاكلتهم.. إن لهم القدرة على أن يقوموا بغسيل للعقل.. لا يعرف بعده معروفا ولا ينكر منكرا.. وهم يستغلون في ذلك أقدس كلام، وأعظم هدي.

قلت: ما تعني؟

قال: الوهابيون يستعملون النصوص المقدسة التي جبلت القلوب والبصائر على تعظيمها والتسليم لها ليقوموا بمهمتهم الخطرة.

قلت: للنصوص المقدسة من العصمة والقداسة ما يستحيل معه أن تمس طهارتها.. ألم تسمع قوله تعالى: (لَا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ (79)(الواقعة)، وقوله: (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)(فصلت)؟

صفحة ( 48)

قال: أجل.. هي كذلك.. ولكن ألم تسمع قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: (إن أخوف ما أخاف عليكم بعدي كل منافق عليم اللسان)(1)

قلت: أجل.. وما في هذا مما نحن فيه؟

قال: إن هذا الحديث يتحدث عن عين ما نحن فيه.. إن هؤلاء لا يتقنون إلا هذا الفن من العلم.. إنهم يعمدون إلى أقدس كلام لينجسوه بأفهامهم المدنسة.

قلت: لم أفهم ما تقول.. أو لعلي لم أقتنع بما تقول.

قال: سأقص عليك قصة ربما تجعلك تعي ما أقول.

قلت: هلم بها.. فما أحلى قصصك.

نظر من نافذة البيت إلى الأفق البعيد، ثم قال: في تلك الأيام المظلمة زار بيتي صديق قديم لي، كان يسكن أمريكا، وكان عالما كبيرا من علماء الفلك.. وكان مسيحيا من المسيحيين العرب.. وقد جمعتني به صداقة قديمة، ولكنه أتاني في تلك الأيام لأمر خاص.. خاص جدا.. طلب مني أن أكتمه عن الكل..

لقد كان يبحث حينها عن الحقيقة.. وقد ذكر لي أنه ظهر له من جمال الإسلام وقوته وروحانيته ما لم يظهر له في المسيحية، ولا في أي دين آخر.

وكان من جملة ما قال لي: انظر.. الإسلام هو الدين الوحيد المنسجم مع العلم.. وهو الدين الوحيد الذي لم يقع فيما وقعت فيه سائر الديانات وخصوصا المسيحية من الصراع مع العلم (2).

__________

(1) الطبراني في معجمه الكبير 18/ 237.

(2) تحدثنا بتفصيل عن هذا في (ثمار من شجرة النبوة)، و(معجزات علمية)

صفحة ( 49)

فلم يحدث في الإسلام ما حدث ل (ويكلف) الذي نبش قبره وأحرقت جثته.. ولا لـ (جون هيس) عميد جامعة براج الذي أحرق حيا.. ولا لـ (لوثر كنج) الذي عانى الكثير منهم.. ولا لـ (كلفن).. ولا لـ (نيكولاي كوبرنيكوس) الفلكي البولندي - رائد الانقلاب الذي حدث في علم الفلك، وحلت فيه الشمس في مركز النظام الشمسي - الذي أحرقته الكنيسة.

لم يحدث في الإسلام أن أحضر رجل بعظمة (جاليليو جاليلي) الفلكي المشهور إلى قاعة للتحقيق للإجابة على أسئلة المحقق للرد على الاتهامات التي وجهت إليه حول قوله بدوران الأرض ــ وهو قول مخالف لاعتقاد الكنيسة التي كانت تعتبر الأرض ثابتة وهي مركز الكون ــ حيث حوكم أمام عشرة من الكرادلة، وهي المحاكمة التي دفعته إلى التراجع عن رأيه، فكتب بخط يده: (أنا جاليلو جاليلي قد اعترفت بأخطائي علانية كما في أعلاه ودونتها بيدي)

لم يحدث في الإسلام أن اعتبر علم الكون هرطقة.. ولا محاولة فهم كتابكم المقدس لرجل غير رجال الدين هرطقة، كما حصل لنا.

بعد أن ذكر لي - متأسفا - هذا وغيره.. طلب مني أن أسير به لعالم من علماء الدين، ليسأله عن الإسلام، وليزداد معرفة به، ووعدني بأنه سيعتنق الإسلام إن زالت بعض الشبهات التي لا تزال تلاحقه.

صفحة ( 50)

عندما قال لي هذا، لم أجد إلا أن أسير به إلى عالم من علمائنا المعتقلين معنا في سجوننا المظلمة التي لم نكن نرى فيها سماء ولا نجوما.. كان يدعي المعرفة بكل شيء.. وكان أجهل الناس بكل شيء.. كان اسمه الذي يحرص أن ينادى به دائما رغم طوله هو (يحيى بن علي بن أحمد بن علي بن يعقوب الحجوري)(1)، وقد كان من أعمدة الوهابية في اليمن، وقد خلف الوهابي الكبير (مقبل بن هادي الوادعي) في التدريس في دار الحديث.

عندما دخلنا عليه مجلسه المكتظ بالمعتقلين، بادرنا مرحبا بي، ومغضيا في نفس الوقت عن صديقي الذي حضر معي، حتى أنه لم يمد يده إليه مصافحا، وقد فطنت إلى ذلك، فقد كان صاحبي حليقا.. والشيخ (يحي بن علي) كان يرى حرمة مصافحة حليقي اللحية قياسا على حرمة مصافحة المرأة.

لم أهتم بذلك، بل رحت أقدم صاحبي، قائلا: هذا صديق يبحث عن الحقيقة.. ليعتنقها.

__________

(1) انظر ترجمته لنفسه على هذا الموقع: (http://www.sh-yahia.net/show_news_10.html)، وننبه هنا إلى أن القصة التي نوردها هنا ليست حقيقية، وإنما هي رمز لما يفعله هؤلاء لأتباعهم.. بدليل أن الأفكار التي يطرحونها لا ندعيها عليهم، بل نقتبسها من كتبهم، وقد اقتبسنا النصوص الواردة هنا من كتاب (الصبح الشارق على ضلالات عبد المجيد الزنداني في كتابه توحيد الخالق) للشيخ يحي بطل هذه القصة.

صفحة ( 51)

قال يحي: فقد ولج الأمر من بابه.. فليس للحقيقة باب إلا بابنا.. وليس للسماء معراج إلا معراجنا.

قلت: ولذلك أتيت به إليك عساه ينتفع بكلامك.. فقد ذكر أن لديه شبهات يريد طرحها عليك لتجيبه عنها.

قال يحي: أجبني أولا.. ما وظيفته.. فلا يمكن أن يعالج المرض قبل أن يعرف المريض.

قلت: هو يعمل في (ناسا).

قال يحي: وما ناسا؟

قلت: هي وكالة الفضاء الأمريكية..

قال يحي: وكالة الفضاء!!.. وما وكالة الفضاء؟

قلت: هي المركز الذي يبحث فيه الفلكيون عن الكون وأجرامه وظواهره.. وهي تقوم في الأساس على: (الأرصاد الفلكية) و(الملاحظات التي يلاحظها العلماء الفلكيون) إما بالعين المجردة، أو بمعاونة الأجهزة العلمية المعروفة.

قال يحي: الفلكيون!!.. إنهم كذابون مخادعون سحرة.. لقد قال فيهم شيخنا شيخ الإسلام الناطق باسم الإسلام كلاما عظيما.. الآن عرفت مرضه.. فلا حاجة لأن يذكره لي.. وعرفت شبهته فلا حاجة أن يسردها علي.. بل أنا الذي سأتولى سردها عليه، وسأتولى فوق ذلك بما آتاني الله من علم أن أجيبه عنها.

احتار صاحبي في هذه القدرات العجيبة للشيخ يحي.. ولم يجد المسكين أي فرصة للحديث.. فقد أخذ الشيخ يحي بأزمة الكلام جميعا سؤاله وجوابه.

صفحة ( 52)

جلسنا بعد أن طلب منا الشيخ يحي الجلوس.. ثم أخذ المكبر، وراح يخاطب الجمع قائلا: اسمعوا.. سنرد اليوم بمعاول الهدم على شبهات خطيرة تنتشر في واقعنا انتشار النار في الهشيم.. سأرد عليها جميعا كالصبح الشارق الماحق لكل ظلام.. فاكتبوا جميع ما أمليه عليكم من حديثي مع هذا الرجل المارق..

قال بعض الحاضرين: فبماذا نعنون درسنا هذا.. نرجو أن يكون عنوانا جميلا كسابقيه.

قال يحي: العنوان بسيط وجميل كسائر العناوين التي أمليها عليكم.. اكتبوا (الصبح الشارق في الرد على الفلكي المارق)

ابتلع صاحبي المسكين غصته بعد أن تحول من مستفت إلى مارق.. لكنه كان صبورا حليما، فلم يتصرف أي تصرف قد يجر عليه الويلات.

بعد أن اعتدل الشيخ يحي في جلسته، نظر إلى الجمع، ثم قال: أول شبهة ننسفها هي شبهة (صعود الإنسان إلى القمر)

ضحك الحاضرون جميعا، وقالوا: الإنسان صعد إلى القمر!!.. في أي قصة هذا.. أو في أي أساطير.. وبأي أجنحة؟

صفحة ( 53)

قال يحي: اسمعوا.. (إن الكفار يدعون كذبا وزورا أنهم صعدوا إلى القمر، وهذه كذبة عظيمة بلغت الآفاق يستحق صاحبها أن يشرشر شدقه على قفاه ومنخره إلى قفاه وعينه إلى قفاه، ولا يزال يفعل به ذلك)(1)

التفت إلى صاحبي، فوجدته قد اصفر وجهه، وامتلأ رعبا.. واصل الشيخ يحي يقول: (وهذه الكذبة صنعها أعداء الإسلام لاحتقار من سواهم من المسلمين حيث لم يستطيعوا صعود القمر، ولغير ذلك من المقاصد الخبيثة، ونشرها الببغاوات.. وقد أنكرها ذلك السيف الصارم على البدع والمحدثات الشيخ حمود التويجري في كتابه (الصواعق الشديدة على أهل الهيئة الجديدة)، ومثله علامة اليمن شيخنا مقبل الوادعي حفظه الله برعايته، وجعله تحت بالغ لطفه وعنايته)

(وقد ظهرت هذه الكذبة منذ أكثر من أربعين سنة وإلى الآن فلم تتكرر ولم يأتوا لها بثانية، وحيث ظهر كذبُهم سكتوا إلا من لا يستحيي من هؤلاء.. ثم لماذا عِلْمهم هذا لم يتطور حتى يكون صعود القمر كصعود الطائرة الآن)

كبر الحضور معجبين بتلك الأدلة التي أوردها.. فانتفخ صاحبنا على كرسيه، ثم نظر إلي، وإلى من حوله، دون أن ينظر إلى صاحبي تورعا، ثم قال: أما الشبهة الثانية التي يريد هذا الرجل الحليق أن يطرحها علينا، والتي سننسفها بصبحنا

__________

(1) الكلام المنقول بين قوسين من كتاب (الصبح الشارق على ضلالات عبد المجيد الزنداني في كتابه توحيد الخالق) للشيخ المذكور، يمكن تصفحه وتحميله من خلال هذا الرابط: (http://www.sh-yahia.net/show_books_12.html)

صفحة ( 54)

الشارق، فهي قول الفلكيين السحرة الكذبة بوجوب أن يعتقد بأن (المجرة هي مجموعة كبيرة من النجوم)، وأن (الشمس أكبر من الأرض بمرات كثيرة.. وأن هناك من النجوم ما هو أصغر من الشمس ومنها ما هو أعظم من حجم شمسنا)

وهذا كلام باطل من وجهين: أولهما أن هؤلاء الكذبة يريدون أن يوجبوا على الناس ما لم يوجبه الله ولا رسوله ومن المعلوم عند الفقهاء والأصوليين أن الواجب يثاب فاعله ويستحق العقاب تاركه، وعليه فإن من لم يعلم الواجب فهو آثم فبالله عليكم أي دليل من كتاب الله وسنة رسوله اعتمد هؤلاء على إيجاب أن يعلم الناس أن الشمس أكبر من الأرض، وأن بعض النجوم أكبر من الشمس حتى يصير من لم يعلم ذلك آثمًا؟ أليس هذا من التشدد في الباطل وفيما العلم به لا ينقذ من نار ولا يدخل جنة، والجهل به لا يضر في دنيا ولا أخرى؟

أما الوجه الثاني، وهو الطامة الكبرى، فهو قول الفلكيين السحرة الكذبة (إن من النجوم ما هو أكبر من الشمس)، وأنا أشهد بالله أن هذا كذب لا دليل عليه من كتاب ولا سنة.. لقد أمدنا الله عز وجل بأبصار ناظره، وبصائر مدركة مميزة واعية نفرق بِها بين الصغير والكبير من المشاهدات.. وهذا يعتبر علمًا اضطراريًا عند كل بشر من المبصرين.. فمن الذي صعد إلى الشمس الملتهبة والنجوم الغابرة في الأفق ووزنَها بِهذا الميزان الدقيق، ورجح له في الميزان أن بعض النجوم أكبر من الشمس؟

ثم إن هؤلاء الجهلة غفلوا عما قاله أبو الخطاب قتادة بن دعامة، فقد قال قولا فصلا في هذا الباب.. قال: (خلق الله النجوم لثلاث علامات يهتدى بِها وزينة

صفحة ( 55)

للسماء ورجومًا للشياطين فمن تأول فيها غير ذلك فقد أخطأ وأضاع نصيبه وتكلف مالا علم له به)

وغفلوا قبل ذلك عن القرآن.. كلام الله.. فقد رتب الله عز وجل المخلوقات على عظمها في كتابه فقال تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَنْ يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ مُكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ (18)(الحج)، ولا يليق ببلاغة القرآن أن يأتي بالمفضول قبل ما هو أعظم منه.

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم نظر إلي، وإلى من حوله، دون أن ينظر إلى صاحبي، ثم قال: أما الشبهة الثالثة التي يريد هذا الرجل الحليق أن يطرحها علينا، والتي سننسفها بصبحنا الشارق، فهي قول الفلكيين السحرة الكذبة بوجوب أن يعتقد بأنه (يمكن تحديد المسافة بيننا وبين الشمس)، بل إنهم زادو طين كذبهم بلة، فزعموا أن المسافة بيننا وبين الشمس هي (93) مليون ميل يقطعها الضوء في ثمان دقائق..

وهذه المسألة كسابقتها مبنية على التهوكات والتهويلات.. وإلا فإنكم تلاحظون ما إن يخرج قرص الشمس من المشرق إلا وتمتلئ الدنيا بالضوء دون أقل من دقيقة واحدة، ولو أن الشمس كانت تحت السحاب ثم تجلى عنها لرأيت أن الدنيا سرعان ما تضيء بدون تحديد أقصر زمن، وكذلك القمر فمن التخرص الذي لا يصدقه ذو عقل وبصر وفطرة سليمة أن يقال (إن الشمس حين تطلع جلية من المشرق أو في السماء لا يصل الضوء إلى الأرض إلا بعد ثمان دقائق وتبقى السماء

صفحة ( 56)

صافية والشمس مضيئة مدة سبع دقائق والناس يشاهدون ذلك بين ظلمة الأرض وفي الدقيقة الثامنة يصل إليهم الضوء فتشرق الأرض)

فانظروا إخواني أعزكم الله إلى هذا الكلام السامج الذي يقوله الملاحدة يحاولون به إدخال الشكوك في قلوب جهال المسلمين وإضاعة أعمارهم في دراسة مثل هذا الهذيان الفارغ، بل الطعن في عقائد المسلمين وعلومهم والحط من قدر علماء الشريعة الإسلامية حيث لم يعلموا المسافة بين الشمس والأرض، ومن حسن حظهم أن تحصلوا على مجموعة خاوية من الحمقى والمغفلين يثبتون لهم هذه الأطروحات على أنَّها حقائق ويتعاونون معهم على الإثم والعدوان باسم الدين.. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وإن أرادوا أن الشمس لا تطلع والأرض مظلمة لكن عرفوا ذلك فيما يزعمون بسرعة الضوء ونحوه قلنا: كيف عرفوا ذلك وأنى لهم أن يعرفوا المسافة بسرعة الضوء في الأرض وأي ضوء وصل إلى الشمس وأضاء عليها على ذلك البعد الهائل من الأرض، فأفٍ لمن رضي بالكذب وأفٍ للكذابين.

عندما قال هذا كبر الحاضرون من فرط إعجابهم، فازداد انتفاخ الرجل، ثم نظر إلي، وإلى من حوله، دون أن ينظر إلى صاحبي، ثم قال: أما الشبهة الرابعة فهو زعمهم أن الكون في تمدد مستمر.. وهذا جهل عظيم..

قال بعض الحاضرين: ولكن الله تعالى يقول في القرآن: (وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ (47)(الذاريات)

صفحة ( 57)

نظر إليه الشيخ يحي بشزر، ثم قال: هذا من التلاعب بالقرآن وليِّ أعناق النصوص لتبرير أفكار اليهود ونظرياتِهم.

ويدل على هذا أن جميع المفسرين الموجودة تفاسيرهم في مكتبة شيخنا العامرة يفسرون قوله تعالى: (وَإِنَّا لَمُوسِعُونَ)، أي قد أوسعناها، أو بنحو هذا التفسير الدال على أن الله عز وجل قد خلق السموات وفرضها وأوسعها وفرغ منها حتى جاء هؤلاء المارقين يذكرون يفسرها بتفسير محدث يقتضي أن الله عز وجل لا يزال يزيد في السماء قليلاً قليلاً كحال من يعجز عن إيجاد الشيء دفعة واحدة تعالى الله عن ذلك.

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم نظر إلي، وإلى من حوله، دون أن ينظر إلى صاحبي، ثم قال: أما الشبهة الرابعة التي يريد هذا الرجل الحليق أن يطرحها علينا، والتي سننسفها بصبحنا الشارق، فهي قول الفلكيين السحرة الكذبة بأن (الليل يحيط بالأرض من كل مكان، وأن الجزء الذي تتكون فيه حالة النهار هو الهواء الذي يحيط بالأرض ويمثل قشرة رقيقة تشبه الجلد وإذا دارت الأرض سلخت حالة النهار الرقيقة)

وللجواب على هذه الشبهة نقول: كيف استطاع هؤلاء أن يعرفوا سمك النهار، وأنه قشرة رقيقة تشبه الجلد فإن المعلوم يقينا أن الليل والنهار ليست له سماكة محسوسة بحاسة اللمس.. ثم إن المفسرين من سلفنا الصالح لم يفهموا هذا الفهم الذي فهمه اليهود والنصارى ونشره عنهم تلاميذهم.

صفحة ( 58)

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم نظر إلي، وإلى من حوله، دون أن ينظر إلى صاحبي، ثم قال: أما الشبهة الخامسة التي يريد هذا الحليق أن يطرحها علينا، والتي سننسفها بصبحنا الشارق، فهي زعمه أن (السحاب ماء يطير في الهواء فإذا كان كثيرًا تكونت منه السيول العظيمة)

قال بعض الحاضرين: ألا يمكن أن يستدل لهذا بقوله تعالى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَسَلَكَهُ يَنَابِيعَ فِي الْأَرْضِ ثُمَّ يُخْرِجُ بِهِ زَرْعاً مُخْتَلِفاً أَلْوَانُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَجْعَلُهُ حُطَاماً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَذِكْرَى لِأُولِي الْأَلْبَابِ)(الزمر:21)

نظر الشيخ يحي بشزر إلى السائل، ثم قال: لا أزال أرى في عقلك لوثة لا يزيلها إلا فصل رأسك..

ثم التفت إلى الحضور، وقال: ليس في الآية دليل على هذا الباطل.. فالآية تدل على أن الله ينْزل من السماء ماءً، ثم إن هذا الماء ينتفع به أهل الأرض فيكون فيها ينابيع وتحصل منه الثمار ونحو ذلك ولا يعود إلى السماء، بل يبقى في الأرض كما هو ظاهر الآية.

ثم التفت إلى السائل، وقال: لم يذهب أحد من مفسري السلف الصالح إلى ما ذكرت، فهنيئًا لك تقليد المستشرقين الملاحدة الذين يطالبون بتجديد الدين فيما يزعمون فيريدون توحيدًا جديدًا وتفسيرًا جديدًا وفقهًا جديدًا كل ذلك على غير نَهج الأنبياء والمرسلين والسلف الصالح رضوان الله عليهم.. وتالله إن هذا لم يقله كبار المنافقين في القرون المفضلة. فينبغي لكل مسلم عنده محبة لدين الإسلام أن يحذر هذا الخطر الداهم ويحذِّر غيره منه.

صفحة ( 59)

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم قال: أما الشبهة السادسة التي يريد هذا الحليق أن يطرحها علينا، والتي سننسفها بصبحنا الشارق، فهي زعمه أنه (يمكن حساب الأشعة الشمسية التي ننتفع بِها في أرضنا)

وهذا مروق من القول.. فمن قدر ذلك فهو من الكاذبين لأن الله يقول: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ (34)(إبراهيم).. ومن الذي استطاع أن يزن ضوء الشمس المتفرق في جميع أرض الله الواسعة فيحصره بِهذا العدد المحدود! وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حين قال: (إِذَا لَم تَستَحِ فَاصنَع مَا شِئتَ)(1)

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم قال: أما الشبهة السابعة التي يريد هذا الحليق أن يطرحها علينا، فهي زعمه أن (الأرض واحدة من الكواكب السيارة حول الشمس)، بل جاوز حده فاعتبر الأرض كوكبا، فقال – لا هداه الله- (الكوكب الأرضي)

انظروا ما يقول أصحاب العقول السخيفة.. ولكن حراس الحدود من أصحابنا وقفوا في وجه هؤلاء المدعين منذ زمان طويل:

فقد رد على هذا الادعاء أبلغ رد شيخنا الكبير محمد بن يوسف الكافي، فقد قال رادًا على بعض أشياع محمد عبده المصري: (قوله: (هي كوكب) كذب وافتراء على الله تعالى من سماها كوكبًا لأن الله تعالى الذي خلقها سماها أرضًا، والكوكب

__________

(1) رواه البخاري.

صفحة ( 60)

هو النجم ومحله العلو ومن صفاته الإضاءة والإشراق والأفول والطلوع والأرض بخلاف ذلك)(1)

ونقل عنه هذا الرد البليغ الشيخ الكبير (حمود التويجري) في كتابه (الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة)

بل رد على هؤلاء جميعا ابن كثير، فقد ذكر في تفسيره (2) عدم الخلاف في أن الأرض خلقت قبل السماء بما في السماء من نجوم وغيرها، وذكر عند قول الله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُم مَا في الأَرضِ جَمِيعًا ثُمَّ استَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبعَ سَمَوَاتٍ، وغيرها، ثم قال: ففي هذه دلالة على أنه تعالى ابتدأ بخلق الأرض أولاً ثم خلق السموات سبعًا وهذا شأن البناء يبدأ بعمارة أسافله ثم عاليه.

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم قال: أما الشبهة الثامنة التي يريد هذا الحليق أن يطرحها علينا، فهي زعمه أن (المجموعة الشمسية هي الشمس وما يدور حولها من كواكب كعطارد والزهراء والأرض والمريخ وغيرها، وأن كلا منها يدور في فلك محدود وطريق مرسوم)

وهذا كذب وافتراء، فأين الدليل على تسمية الأرض والنجوم شمسًا، ثم إن هذا تناقض مفضوح كيف يقول هذا الرجل وشاكلته أن الأرض كوكب واحد من الكواكب، ثم يقول إن الأرض هي واحد من مجموعة الشمس، فهذا القول فيه أن

__________

(1) انظر: (الصواعق الشديدة على أتباع الهيئة الجديدة) ص (117)

(2) تفسير ابن كثير (ج 1 ص 69)

صفحة ( 61)

الكون كله متحد بعضه ببعض فالنجوم عندهم يقال لها أرض، والأرض من النجوم، والشمس يقال لها أرض، والأرض من الشمس، والنجوم من الشمس، والشمس من النجوم.. وهلم جرًا، فما أقرب هذا القول من قول ابن عربي الحلولي الكافر الذي يقول إن الله حال ومتحد في مخلوقاته، فيقول في شعره:

أنا الله والله أنا... وإذا أبصرته أبصرتنا

فإذا أبصرتني أبصرته كلانا روحان حللنا بدنا

كبر الحاضرون، فازداد انتفاخ الرجل، ثم قال: أما الشبهة التاسعة التي يريد هذا الحليق أن يطرحها علينا، فهي زعمه أن (المجرة هي مجموعة كبيرة جدًا من النجوم.. وأن علماء الفلك يعتقدون أن في مجرتنا حوالي مائة مليون نجم في مدينتنا النجمية)

وقد رد الله على هذه السخافات، فقال: (قُتِلَ الْخَرَّاصُونَ (10) الَّذِينَ هُمْ فِي غَمْرَةٍ سَاهُونَ (11)(الذاريات).. فكل ما يقوله هؤلاء مبني على الهوس والوساوس الإبليسية والتقليد والثقة بأعداء رب البرية من ذوي الملل والنحل اليهودية والنصرانية ليزاحموا بِهذه التخرصات علوم الكتاب والسنة النبوية فيشغلوا بذلك السذج من أبناء المسلمين والذين لا يهمهم أمر هذا الدين فيبقون على هذه التراهات عاكفين وبِها معجبين ومفتخرين، فيقتلون فيها الأوقات ويضلون بِها العامة وأشباههم من ذوي الجهالات فيغضبون بذلك رب الأرض والسموات.. فتبًا لمن أعرض عن ذكر الله وسنة رسوله وأقبل على دعم كيد الماكرين من أهل الشرق والغرب واليونان.

صفحة ( 62)

***

عندما بلغ الحديث بالشيخ يحي إلى هذا الموضع أذن المؤذن.. فقطع حديثه.. ثم قمنا إلى الصلاة.. وبعد الخروج من المسجد اجتهدت في البحث عن صاحبي المسيحي العربي.. لكني لم أجده.. ومنذ ذلك الحين لم أجده..

لقد فر المسكين بجسده خشية أن يحصل له ما حصل لـ (ويكلف) أو (جون هيس) أو (لوثر كنج) أو (نيكولاي كوبرنيكوس) أو (جاليليو جاليلي) ممن أخبرني عن أحاديثهم متأسفا.

صفحة ( 63)

كنائس مستباحة

في اليوم الخامس، كنت جالسا في بيتي أصغي إلى بعض البرامج، وفجأة رأيت صاحبي الوهابي يدخل علي، ثم يجلس بجانبي من دون استئذان، ثم يقول بحماسة: لقد قررت أن أفعل اليوم كل ما تفعله.. فقد اقتنعت بأني لن أخرج من جلابيب أولئك المجرمين إلا بعد أن ألبس ما تلبسه من ملابس الأبرياء.

قلت: مرحبا بك.. ولو أني لست أهلا لذلك.. فأنا عبد ضعيف حقير ممتلئ بالتقصير.

قال: أعلم ذلك.. ولكن التقصير الذي تقع فيه لا يصل إلى حد الجريمة.. فذنوبك على الأقل بينك وبين ربك، وما أسرع مثلها للغفران.

ما قال هذا حتى انقطع البرنامج الذي كنت أصغي إليه باهتمام، ثم جاءت الأخبار العاجلة تعلن أن الأيادي الآثمة امتدت إلى كنيسة القديسين في الإسكندرية، كما امتدت قبلها إلى رهائن في كنيسة سيدة النجاة بحي الكرادة العراقي أثناء تجمع نحو 100 شخص في قداس مسائي (1).

__________

(1) وقد أسفرت عملية كنيسة سيدة النجاة عن مصرع 52 شخصاً على الأقل، من بينهم 25 رهينة وسبعة من رجال الأمن العراقيين وخمسة من الانتحاريين.

صفحة ( 64)

ثم جاءت التصريحات والتحاليل تؤكد أن الواقفين وراء الحادث لهم علاقة بالفكر الوهابي المتطرف.. فقد جاء في التصريحات (1) أن تنظيم القاعدة أصدر من

__________

(1) وردت هذه التصريحات في موقع يحمل اسم (شبكة شموخ الإسلام)، ففيه هذه النداءات: (قم ودع عنك الرقاد مهم بخصوص تفجير الكنائس أثناء الاحتفال بعيد الكريسماس)

وقد تضمن البيان تحريضا صريحا على الإرهاب واستهداف الأقباط في مصر، حيث جاء به التالي (أتوجه بندائي هذا إلى نفسي وإلى كل مسلم غيور على عرض أخواته بتفجير دور الكنائس أثناء الاحتفال بعيد الكريسماس، أي في الوقت الذي تكون فيه الكنائس مكتظة)

وحوى البيان بالتفصيل أسماء وعناوين بعض الكنائس في مصر. بالإضافة إلى بعض الكنائس القبطية في أوروبا، ومن ضمن هذه الكنائس كنيسة القديسين في الإسكندرية التي استهدفها التفجير الأخير.

ويتضمن البيان تفاصيل تصنيع عبوة ناسفة قائلاً: (الآن نذهب إلى الإعداد وحتى يكون الهجوم مباغتاً وفتاكاً يحصيهم ويأخذهم اخترنا العبوة اليدوية الناسفة من إنتاج دولة العراق الإسلامية)

ويعرض الموقع صوراً لعبوات يدوية مختلفة، منها ما هو على شكل قنينة ومنها على شكل علب (بيبسي كولا) يتم إدخال المواد المتفجرة داخلها.

ويتضمن الموقع إشارات بتنفيذ عملية الاسكندرية منها رسالة مضى عليها يوم واحد فقط كتبها الكاتب نفسه (أيمن) يقول فيها: (اللهم لك الحمد والمنة سيأتيكم ما يسوؤكم بإذن الله)

وتحته رسالة كتبها شخص يلقب نفسه بـ (أبو القعقاع مجاهد) وفيها أسماء أربع كنائس في مدينة الإسكندرية بينها بخط عريض وبارز اسم كنيسة القديسين، بما يوحي أن هذه الكنائس كانت مستهدفة في ذلك التوقيت وأن التنفيذ تم فقط في تلك الكنيسة.

صفحة ( 65)

خلال ما يسمى (دولة العراق الإسلامية) أمراً باستهداف عدد من الكنائس القبطية في مصر وأوروبا خلال رأس السنة.

عندما سمعت هذا شعرت بألم كبير يعتصرني، فصحت من حيث لا أشعر: ويل للآثمين.. ما بالهم يمتدون إلى الذين عهد إلينا بحمايتهم.. ألم تكفهم تلك الدماء التي أسالوها من أجسادنا حتى راحوا إلى أجساد إخواننا وجيراننا يسيلونها ليؤلبونا عليهم، أو يؤلبوهم علينا؟

ألم يقرؤوا قوله تعالى: {وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ} (الحج: من الآية 40)؟

ألم يسمعوا قوله - صلى الله عليه وسلم -: (لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما)(1)، وقوله: (يأتي القاتل متعلقا رأسه بأحدى يديه متلببا قاتله بيده الاخرى تشخب أوداجه دما حتى يأتي به تحت العرش فيقول المقتول لله: رب هذا قتلني! فيقول الله للقاتل: تعست! ويذهب به إلى النار)(2)؟

__________

(1) رواه البخاري.

(2) رواه الطبراني في الكبير.

صفحة ( 66)

ما بال هؤلاء، وقد تحولت أرواح بني آدم عندهم كأرواح الثيران والدجاج لا يبالون بها، ولا يهتمون لها؟

ويلهم ليتهم – إن حن بهم الطبع إلى سفك الدماء المحرمة - سفكوا من دمائنا ما تعودوا أن يسفكوا، ولم يمدوا أيديهم الآثمة إلى هؤلاء.. إنهم بهذه الدماء يشوهون تلك التعاليم الجميلة التي جاء الإسلام للدعوة إليها وتربية الناس عليها..

ويلهم.. إنهم يزعمون أنهم يقرؤون القرآن.. ألم يقرؤوا فيه قوله تعالى: {لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (8)} (الممتحنة)؟

ويلهم.. ألم يقرأوا وصية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بأهل مصر، فقد ورد في الحديث عن أبى ذر قال قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: (إنكم ستفتحون مصر وهى أرض يسمى فيها القيراط فإذا فتحتموها فأحسنوا إلى أهلها فإن لهم ذمة ورحما)(1)

ألم يقرؤوا ما كتبه الفقيه الأصولي المحقق شهاب الدين القرافي وهو يشرح معنى البر المذكور في القرآن، فذكر منه: (الرفق بضعيفهم، وسد خلة فقيرهم، وإطعام جائعهم، وكساء عاريهم، ولين القول لهم ـ على سبيل اللطف لهم والرحمة لا على سبيل الخوف والذلة ـ واحتمال إذايتهم في الجوار ـ مع القدرة على إزالته ـ

__________

(1) صحيح مسلم (7/ 190).

صفحة ( 67)

لطفًا منا بهم، لا خوفًا ولا طمعًا، والدعاء لهم بالهداية، وأن يجعلوا من أهل السعادة، ونصيحتهم في جميع أمورهم، في دينهم ودنياهم، وحفظ غيبتهم، إذا تعرض أحد لأذيتهم، وصون أموالهم وعيالهم وأعراضهم وجميع حقوقهم ومصالحهم، وأن يعانوا على دفع الظلم عنهم، وإيصالهم إلى جميع حقوقهم..)(1)؟

لست أدري كيف تغير صاحبي بعد أن ذكرت قول القرافي، ثم صاح في منفعلا: اسكت يا رجل.. فمن منهم يسمع بالقرافي.. بل من منهم من يسمع من رسول الله.. بل من منهم من يسمع من الله نفسه؟

قلت: ويلهم.. فلمن يسمعوا إن لم يسمعوا من هؤلاء؟

قال: إن صنمهم الذي يسمعون إليه واحد..

قلت: من هو؟.. ألم يحرم الإسلام عبادة الأصنام؟

قال: ابن تيمية.. إنه الصنم الذي يشرع لهم.. فيخضعون له.. ويعبدونه من دون الله.

قلت: رويدك يا رجل.. ما دخل ابن تيمية المسكين في هذا.. ألم تعلم في أي عصر عاش؟.. كف عن هذا، فإن لحوم العلماء مسمومة؟

قال: دعني من حديثك.. فإني لا أذكر لك إلا ما رأيت، وما سمعت.. ولو أن الله لم يمن علي بالتوبة لكنت الآن من الساجدين شكرا له على ما حصل.

__________

(1) الفروق: 3/ 15.

صفحة ( 68)

قلت: أكنت رجلا من القاعدة؟

قال: وهل القاعدة بجحافلها سوى تلاميذ بسطاء لابن تيمية وابن عبد الوهاب؟.. أليس هؤلاء هم المنظرون، وهم الأساتذة، وهم السند الفكري الذي يتغذى منه أولئك السفاحون؟

قلت: أنت تعلم أني لا أقبل تهمة من غير دليل يدل عليها.. إني أخاف أن ينطبق علي قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (8)} (المائدة)، أو قوله تعالى: {وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا (36)} (الإسراء)

قال: وما كان لي بعد أن من الله علي بالتوبة أن أتقول على خلقه بغير علم.. سأقص عليك قصة من ماضي المؤلم لتعلم بأني لم أتهم أحدا.. فما أقوله هو ما يقولونه في مجالسهم وكتبهم وفضائياتهم..

***

اعتدل صاحبي في جلسته، وسرح بطرفه، ثم قال: كان لنا في تلك الأيام الغبراء شيخ نرجع إليه في كل شيء من ديننا ودنيانا.. لست أدري هل سحرنا ببيانه، وبما نتوهمه من علمه وحجته؟.. أم سحرنا بتلك السيوف التكفيرية والتضليلية التي يتوجه بها لمن يخالفه؟

لم نكن نعرف اسمه بالضبط، ولكنه من كثرة ما كان يردد اسم (ابن تيمية) صرنا نطلق عليه (ابن تيمية)

صفحة ( 69)

في ذلك اليوم المشؤوم كان معنا شباب ممتلئ بالقوة والنشاط، وكان مستعدا من فرط حماسته لكل شيء.. لست أدري ربما كان من أولئك الشباب الذين كانوا معنا من نسف نفسه في هذه الكنيسة.. ولست أدري كم من الشباب ممن لا يزال يعد نفسه لمثل تلك الفعلة.

في ذلك اليوم.. وبعد أن دخلنا عليه مجلسه رأيناه يضع أمامه خارطة تشمل بلادا كثيرة كالشام والعراق ومصر وغيرها.. ويضع على محال كثيرة من تلك الخارطة علامات حمراء..

بعد أن جلسنا بين يديه، وبعد أن قدم المقدمات الكثيرة التي شحن بها عواطفنا البريئة، قال: لقد جئتكم اليوم برسالة من شيخنا شيخ الإسلام العظيم ابن تيمية يمكن أن يطلق عليها (مسألة في الكنائس).. وهي رسالة تستحق منا الدراسة.. بل تستحق منا أن نسعى لتنفيذنا بكل ما أوتينا من وسائل.. إنها رسالة معطلة..

لقد طبقنا رسائل ابن تيمية في القبور.. فهدمناها.. وطبقنا رسائله في تكفير الصوفية والشيعة والخواص والعوام، فشننا حروبنا عليهم.. ولكنا للأسف لازلنا مقصرين مع هذه السورة من مصحف ابن تيمية.

أخرج لنا الرسالة، ثم قال: انظروا إنها مطبوعة في بلاد التوحيد.. وهي بتحقيق الحجة ناصر السنة (علي بن عبدالعزيز الشبل) اسمعوا إلى ما تحمله هذه الرسالة من العلم.. وما ينبغي علينا بعده من العمل.

صفحة ( 70)

تبدأ الرسالة كعادة رسائل ابن تيمية بسؤال يقول صاحبه: (ما تقول السادة العلماء أئمة الدين، وهداة المسلمين رضي الله عنهم أجمعين، وأعانهم على إظهار الحق المبين، وإخمال الكفار والمنافقين، في الكنائس التي بالقاهرة وغيرها التي أغلقت بأمر ولاة الأمور، إذا ادعى أهل الذمة: أنها غلِّقت ظلماً، وأنهم يستحقون فتحها، وطلبوا ذلك من ولي الأمر أيده الله تعالى ونصره.. فهل تقبل دعواهم؟ وهل تجب إجابتهم أم لا؟!)(1)

قرأ السؤال بطوله، ثم التفت إلينا، وقال: أتدرون بما أجاب شيخنا، بل شيخ الإسلام ابن تيمية..

لقد قال في قوته التي واجه بها التتر والصوفية والشيعة والأشاعرة والمعتزلة وغيرهم: (الحمد لله رب العالمين، أما دعواهم أن المسلمين ظلموهم في إغلاقها فهذا كذبٌ مخالفٌ لأهل العلم.. فإنهم.. أي علماؤنا.. وسلفنا الصالح.. متفقون على أن الإمام لو هدم كل كنيسةٍ بأرض العنوة كأرض مصر والسواد (2) بالعراق، وبر الشام ونحو ذلك، مجتهدًا في ذلك، ومتبعًا في ذلك لمن يرى ذلك، لم يكن ذلك

__________

(1) تقي الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن تيمية الحراني، مسألة في الكنائس، تحقيق: علي بن عبدالعزيز الشبل، مكتبة العبيكان – الرياض، الطبعة: الأولى 1416 هـ، ص 1.

(2) المقصود بأرض السواد الأرياف وأماكن الزراعة ، وصارت علماً على ما حول دجلة والفرات من أراضي الزراعة.

صفحة ( 71)

ظلماً منه؛ بل تجب طاعته في ذلك.. وإن امتنعوا عن حكم المسلمين لهم، كانوا ناقضين العهد، وحلت بذلك دماؤهم وأموالهم)(1)

قال شاب منا ممتلئ حيوية ونشاطا: أيحل لنا بهذه الفتوى هدم جميع ما نراه من كنائس في بلادنا.. أنا من سكان القاهرة.. وفيها كنائس كثيرة.. أيجيز لي شيخ الإسلام أن أسعى لهدمها؟

قال الشيخ: أجل.. ولك أجر عظيم على ذلك.. انظر ما يقول ابن تيمية في خصوص كنائس القاهرة تحت عنوان (تكذيب دعوى وجود الكنائس بالقاهرة منذ عهد الخلفاء الراشدين).. إنه يقول: (وأما قولهم إن هذه الكنائس من عهد أمير المؤمنين عمر بن الخطاب وأن الخلفاء الراشدين أقروهم عليها، فهذا أيضًا من الكذب. فإن من المعلوم المتواتر أن القاهرة بنيت بعد عمر بثلاثمائة سنة، بنيت بعد بغداد، وبعد البصرة والكوفة وواسط.. وقد اتفق المسلمون على أن ما بناه المسلمون من المدائن لم يكن لأهل الذمة أن يحدثوا فيها كنيسة، مثل ما فتحه المسلمون صلحاً، وأبقوا لهم كنائسهم القديمة، بعد أن شرط عليهم فيه عمر بن الخطاب أن لا يحدثوا كنيسة في أرض الصلح، فكيف في بلاد المسلمين؟!)(2)

قال الشاب: ولكن كيف بقيت كنائس القاهرة كل هذه المدة لم تمتد إليها يد المسلمين؟.. أليس في هذا ما ينقض قول ابن تيمية من اتفاق السلف والخلف؟

__________

(1) مسألة في الكنائس (ص: 102)

(2) مسألة في الكنائس (ص: 102)

صفحة ( 72)

قال الشيخ: اسمع.. لقد أجاب ابن تيمية عن هذه الشبهة.. إنه يقول في هذه الرسالة العظيمة: (فإن القاهرة بقي ولاة أمورها نحو مائتي سنةٍ، على غير شريعة الإسلام، فقد كانوا يظهرون أنهم رافضة.. واتفق طوائف المسلمين: علماؤهم، وملوكهم، على أنهم كانوا خارجين عن شريعة الإسلام، وأن قتالهم كان جائزاً، بل نصّوا على أن نسبهم كان باطلاً.. وهؤلاء من أعظم الناس عداوة للمسلمين وملوكهم، ثم الرافضة بعدهم فالرافضة يوالون من يعادي أهلَ السنة والجماعة، يوالون التتار، ويوالون النصارى)(1)

التفت إلى الشاب، وقال: أرأيت السر في انتشار الكنائس وبقائها.. إنهم أولئك الكفار الذين تسلطوا على مصر فحكموها قرونا من الزمان.. إنهم الشيعة الرافضة أعداء الصحابة.. إنهم وحدهم الملاذ الأمين الذي يأمن في ظله النصارى.

قال الشاب: فما قال شيخ الإسلام في الكنائس القديمة في بر مصر؟

قال الشيخ: انظر.. إن شيخنا، بل شيخ الإسلام كان يقرأ ما في باطنك.. فقد أجابك من ذلك الزمن البعيد..

لقد صدق ابن القيم حين وصف فراسته، فقال: (ولقد شاهدت من فراسة شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أمورا عجيبة وما لم أشاهده منها أعظم وأعظم ووقائع فراسته تستدعي سفرا ضخما أخبر أصحابه بدخول التتار الشام سنة تسع وتسعين وستمائة وأن جيوش المسلمين تكسر وأن دمشق لا يكون بها قتل عام ولا

__________

(1) مسألة في الكنائس (ص: 104)

صفحة ( 73)

سبي عام وأن كلب الجيش وحدته في الأموال: وهذا قبل أن يهم التتار بالحركة ثم أخبر الناس والأمراء سنة اثنتين وسبعمائة لما تحرك التتار وقصدوا الشام: أن الدائرة والهزيمة عليهم وأن الظفر والنصر للمسلمين وأقسم على ذلك أكثر من سبعين يمينا فيقال له: قل إن شاء الله فيقول: إن شاء الله تحقيقا لا تعليقا

وسمعته يقول ذلك قال: فلما أكثروا علي قلت: لا تكثروا كتب الله تعالى في اللوح المحفوظ: أنهم مهزومون في هذه الكرة وأن النصر لجيوش الإسلام)(1)

التفت بعضنا إلى بعض منبهرين، ثم لم نشعر إلا ونحن نكبر تعظيما لهذا الرجل الذي ما ترك كتابا إلا اطلع عليه حتى اللوح المحفوظ.

عندما رأى الشيخ منا هذا قال: اسمعوا ما أجاب به ابن تيمية هذا الشاب حول كنائس مصر القديمة: (وقد كان في بر مصر كنائس قديمة، لكن تلك الكنائس أقرهم المسلمون عليها حين فتحوا البلاد؛ لأن الفلاحين كلهم كانوا نصارى، ولم يكونوا مسلمين، وإنما كان المسلمون الجندَ خاصة، فأقرهم كما أقر النبي صلى الله عليه وآله وسلم اليهود على خيبر لما فتحها؛ لأن اليهود كانوا فلاحين، وكان المسلمون مشتغلين بالجهاد. ثم إنه بعد هذا في خلافة عمر لما كثر المسلمون واستغنوا عن اليهود، أجلاهم عن خيبر، حتى لم يبق في خيبر يهودي. وهكذا القرية التي يكون أهلها نصارى وليس عندهم مسلمون، ولا مسجدٌ

__________

(1) مدارج السالكين بين منازل إياك نعبد وإياك نستعين (2/ 489)

صفحة ( 74)

للمسلمين، فإذا أقرهم المسلمون على كنائسهم التي فيها، جاز ذلك، كما فعله المسلمون)(1)

قال الشاب: فهل لنا أن نفعل ذلك؟

صاح الشيخ بشدة: لا.. لا ينبغي أن تبقى كنيسة في بلاد العرب.. إن كل أرض دخلها مسلم لا يجوز أن يبقى فيها غير الإسلام.

قال ذلك، ثم راح يقرأ لنا من الرسالة ما ملأنا قناعة بما يقول..