الكتاب: معجزات علمية

المؤلف: د. نور الدين أبو لحية

الناشر: دار الأنوار للنشر والتوزيع

الطبعة: الثانية، 1437 هـ

عدد الصفحات: 569

صيغة: PDF

صيغة: DOCX

للاطلاع على جديد الكتب يمكن زيارة موقع المؤلف:

http://www.aboulahia.com/

الكتاب موافق للمطبوع

التعريف بالكتاب

تحاول هذه الرواية - من خلال الأدلة الكثيرة - أن تبين بتفصيل علمي دقيق البراهين التي ينطوي عليها القرآن الكريم، والتي تدل على أن مصدره هو الله خالق هذا الكون، وما فيه، ذلك أنه يستحيل - من الناحية العقلية - أن تتنزل أمثال تلك الحقائق العلمية الكثيرة - التي قضت البشرية كل عمرها في البحث عنها - في تلك البيئة البدوية البسيطة من ذلك الزمان الذي عم فيه الجهل والخرافة والأساطير.

وهي تتوجه كذلك لأولئك الحمقى والمغفلين من المسلمين الذين لم تهضم عقولهم المقيدة بداء الجهل والكبر المكتشفات العلمية، ولم تستسغ أن تخالف ما ورثوه عن سلفهم من فهوم حول الآيات المرتبطة بالحقائق العلمية، فلذلك راحوا يحاربون هذا النوع من تدبر القرآن وتفعليه في الحياة، والاستفادة منه في نشر الهداية.

فهرس المحتويات

التعريف بالكتاب

فهرس المحتويات

المقدمة

البداية

أولا ـ السماء

ولادة السماء

الانفجار العظيم:

توسع السماء:

الدخان الكوني:

حديث الكون:

بناء السماء

النجوم:

مواقع النجوم:

النجم الثاقب:

والنجم إذا هوى:

الخنس الكنس:

الشمس:

جري الشمس:

الشمس سراج:

كسوف الشمس:

المجموعة الشمسية:

القمر:

موازين السماء

الدقة:

التوازن:

السلامة:

التماسك:

تسخير السماء

الاهتداء:

الجمال:

الحفظ:

المواقيت:

ثانيا ـ الأرض

تاريخ الأرض

المرحلة الأولى:

المرحلة الثانية:

حقيقة الأرض

شكل الأرض:

حركة الأرض:

تغيرات الأرض:

تمهيد الأرض

مادة الأرض:

أثقال الأرض:

الأرضين السبع:

خرق الأرض:

تصديع الأرض:

البحر المسجور:

الجبال الرواسي:

حياة الأرض

إخراج الماء:

إخراج المرعى:

ثالثا ـ الحياة

أصل الحياة

الغرائز والوحي الإلهي:

تعقيد الحياة:

الحفريات:

امتداد الحياة

الامتداد المكاني:

الامتداد الزماني:

رابعا ـ الماء

أصل الماء

المياه المقدرة:

خزانات المياه:

الماء والحياة

الحياة:

الطهارة:

الأمطار

تشكل المطر:

تلقيح السحاب:

السحاب الركامي:

تشكل البَرَد:

الأمطار والصخور:

الأمطار والأنهار:

البحار

أصل البحار:

الفلك والبحر:

الثروة السمكية:

حلية البحر:

أمواج البحر:

البرزخ بين البحرين:

منطقة المصب:

خامسا ـ النبات

الزراعة

جنان الصحراء:

النظام الزراعي:

مخازن السنابل:

الإنبات

الماء:

التربة:

النبات:

سادسا ـ الحيوان

حيوانات مسخرة

الخيل:

الحمار:

البغال:

الإبل:

البقر:

عجائب الحشرات

العناكب:

النمل:

الذباب:

النحل:

وعي الحيوانات

أمم الحيوانات:

تصنيف الحيوانات:

رحمة الحيوانات:

هندسة الحيوانات:

منطق الحيوانات

سابعا ـ الإنسان

حقيقة الإنسان

تكريم الإنسان:

الطبيعة المزدوجة:

التراب:

الطين والحمأ:

أحسن تقويم:

الروح:

مراحل الإنسان

الجنين:

النطفة:

العلقة:

المضغة:

العظام واللحم:

النشأة:

الولادة:

الطفولة:

القوة:

الشيخوخة:

وظائف الأعضاء

الناصية:

الجلد:

الرحم:

الوجه:

عجب الذنب:

ثامنا ـ الغذاء

الغذاء الخبيث

الخنزير:

الميتة:

الدم:

الجوارح:

الخمر:

النجس:

المتسنه:

الغذاء الطيب

الماء:

الحبوب:

اللبن:

التمر:

الزيتون:

الخضر:

الفواكه:

الهواء:

آداب الأكل

الاقتصاد:

النظافة:

نظافة اليدين:

نظافة الفم:

هيئة الأكل:

تاسعا ـ الدواء

العلاج الروحي

العلاج الوقائي

الاستقامة:

الطهارة:

الحمية:

القوة:

العلاج المبارك

العسل:

الحجامة:

الحبة السوداء:

العلاج الأرضي

الشرعية:

العقلانية:

عاشرا ـ الآثار

فتنة المصريين:

نجاة فرعون ببدنه:

هامان:

ملك مصر:

مساكن عاد:

الهداية

المقدمة

هذا الكتاب من الكتب التي حاولت فيها - من خلال الأدلة الكثيرة - أن أبين البراهين التي ينطوي عليها القرآن الكريم، والتي تبين أن مصدره هو الله خالق هذا الكون، وما فيه، ذلك أنه يستحيل - من الناحية العقلية - أن تتنزل أمثال تلك الحقائق العلمية الكثيرة - التي قضت البشرية كل عمرها في البحث عنها - في تلك البيئة البدوية البسيطة من ذلك الزمان الذي عم فيه الجهل والخرافة والأساطير.

وهي تتوجه كذلك لأولئك الحمقى والمغفلين من المسلمين الذين لم تهضم عقولهم المقيدة بداء الجهل والكبر المكتشفات العلمية، ولم تستسغ أن تخالف ما ورثوه عن سلفهم من فهوم حول الآيات المرتبطة بالحقائق العلمية، فلذلك راحوا يحاربون هذا النوع من تدبر القرآن الكريم وتفعليه في الحياة، والاستفادة منه في نشر الهداية.

ولذلك اعتمدت في قالبها الروائي على هذه العقدة، والتي مثلها أبطال الرواية جميعا:

الشيخ صاحب القصة: وهو شخصية مسيحية من رجال الدين، وقد كلف بمهمة متابعة مؤتمر علمي في بعض البلاد الإسلامية تبناه مشايخ تقليديون يريدون من ورائه الرد على دعاة الإعجاز العلمي في القرآن الكريم، لكنه بعد أن عرف الحقيقة آمن بها، واهتدى، وهو الذي حكى القصة بأكملها للمؤلف.

علي: وهو يمثل دور العالم الذي جمع بين فهم القرآن الكريم وتدبره، والمعارف العلمية المختلفة، وهو يمثل في هذه الرواية دور الداعية الذي استطاع أن يوظف الإعجاز العلمي للقرآن الكريم ليبث الهداية في نفوس العلماء الأجانب، وقد نجح في الأخير في تحقيق ذلك.

حذيفة: وهو يمثل في بدايته دور المنكر للإعجاز العلمي للقرآن الكريم، والمتخوف منه، لكنه بعد صحبته لعلي في الأيام العشرة التي التقى بها العلماء من جميع التخصصات، اقتنع بمنهج علي واتبعه.

صفحة ( 12)

العلماء العشرة: وهم علماء من مختلف التخصصات، نفروا من الدين بسبب ما رأوه في الكتاب المقدس من أخطاء علمية كبيرة، لكنهم بعد أن اكتشفوا الحقائق العلمية الواردة في القرآن الكريم لم يجدوا إلا أن يسلموا لها في الأخير.

هؤلاء هم أبطال الرواية، أما الحقائق التي اهتمت هذه الرواية بذكرها، فهي كثيرة جدا، وقد قسمتها كالكثير من أمثال هذا النوع من الروايات إلى عشرة أقسام ابتدأت بالإعجاز العلمي الوارد في خلق السماء والتفاصيل الكثيرة المرتبطة بها.. ثم في خلق الأرض.. ثم في الحياة.. ثم في الماء.. ثم في النبات.. ثم في الحيوان.. ثم في الإنسان.. ثم في الغذاء.. ثم في الدواء.. ثم في الآثار.

وهي بذلك تعتبر موسوعة علمية لأهم ما اكتشف من نواحي الإعجاز العلمي في القرآن الكريم إلى الوقت الذي كتبت فيه هذه الرواية، وتتميز بأنها حاولت أن تجعل منها منظومة متكاملة، لأن الإعجاز لا يتم بالشاهد والشاهدين.. بل يحتاج إلى الأدلة الكثيرة، والشواهد المتعددة.

وقد حاولت أن أركز قدر الإمكان على القضايا الكبرى القطعية، سواء من الناحية العلمية، أو مما ورد للدلالة عليه من القرآن الكريم.

وتتميز هذه الطبعة الجديدة باختصارها مقارنة بالطبعة السابقة، فقد حذفت الكثير من التفاصيل العلمية التي قد تجهد القارئ العادي في فهمها أو الاستفادة منها.

وفي الأخير.. أشكر كل الذين نوهوا بالطبعة السابقة، أو دعوا إلى دراستها، أو قرروها في المحال التي يدرسون فيها، وهي بفضل الله جديرة بذلك، فهي لا تكتفي بعرض الحقائق، بل تبين كيفية إقناع الآخرين بها، والآداب المرتبطة بكل ذلك.

صفحة ( 13)

البداية

في ذلك الصباح الممتلئ بالبركات خرجت خارج القرية.. حيث الطبيعة الجميلة العذراء التي لم تمتد إليها بعد أيادي الإنسان لتخربها.

ما إن وصلت إلى المحل الذي تعودت أن أجلس فيه حتى رأيت شيخا ممتلئا وقارا وهيبة وسكينة.. فانشغلت بالنظر إليه عن النظر إلى الطبيعة الجميلة التي تحيط به..

كان ينظر إلى الماء، وهو ينساب بعذوبة في الجداول التي حفرها في بطون الصخور.. وينظر إلى الأشجار التي تميد أوراقها على نغمات العنادل التي تعتليها.. كان النسيم عليلا.. والروائح الطيبة التي تنبعث من دفء الربيع تغمر المكان.

ولم يكن ذلك كله ليؤثر في، فقد تعودت على هذه المناظر، ولم يعد لها تأثير كبير على نفسي.. ولكني رأيت الشيخ يكاد يحتضن كل ذلك، بل يكاد يتوحد معه.. فاقتربت منه، ورحت أقول: أرى أن مناظر الطبيعة تستهويك.

قال: وما لها لا تستهويني.. وقد أمرنا الله بأن نعبده من خلال النظر إليها، ألم تسمع قوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِراً نُخْرِجُ مِنْهُ حَبّاً مُتَرَاكِباً وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهاً وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} (الأنعام:99)؟

أحسست براحة كبيرة أثناء تلاوته للقرآن الكريم، وأحسست معها أن للشيخ أحاديث وأخبارا لابد أن أستفزه ليحدثني عنها، فقلت: صدق الله العظيم.. ما رأيت شيئا أضر على الإنسان من الألفة!؟

قال: المؤمن ينظر إلى الكون من خلال أسماء الله وتدبيرات الله، فلذلك يتجدد كل حين في نظره..

صفحة ( 14)

لا تحسب أن ما أراه الآن جديد علي.. هذه المناظر وغيرها تمتلئ بها الأرض.. بل يمتلئ بها الكون.. فالكون كله يصيح معرفا بربه، داعيا إلى التوجه إليه.

أترى ذلك الماء.. أو تلك الأوراق.. أو تلك العنادل المغردة.. كل واحد منها حرف من الحروف تتشكل منه معارف عميقة توصلنا إلى حقائق الأزل.

قلت: هنيئا لك سيدي هذا الإيمان العظيم.. فقلما نجد من يتحدث بمثل هذه الأحاديث في هذا الزمان.. من أي البلاد أنت؟.. وما اسمك؟

ابتسم، وقال: أما البلاد.. فقد كنت أسكن أصغر دولة في الدنيا.. ولكني رحلت عنها لأسكن الكون جميعا.

تعجبت من كلامه هذا، وقلت: الذي أعرفه أن أصغر دولة في الدنيا هي الفاتيكان.. ولا أحسبك منها.. فتلك دولة المسيحيين والكاثوليك خصوصا.. ولا يسكنها في العادة إلا رجال الدين المسيحي.. وشتان بينك وبينهم..

قال: ولم؟

قلت: أنت مسلم وهم مسيحيون.

قال: ألا يمكن أن يتحول المسيحي إلى مسلم.. أم أن من يسكن الفاتيكان يختم على قلبه.. فلا يرى شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم التي تشرفت بطلعتها كل الكائنات؟

قلت: الله تعالى هو الهادي.. وليس هناك مكان يطبع فيه على قلوب الناس.. بل القلوب التي تعرض عن الله هي التي تختار ذلك.. وقد كان من سكان مكة والمدينة من اختار أن يطبع على قلبه، ويحرم نفسه من الهداية الإلهية المبثوثة في كل الكون.

قال: صدقت.. وقد كان من سكان الفاتيكان ورجال دينهم الكبار من فتح الله عليه بنور الهداية، وأشرق عليه بشمسها.

صفحة ( 15)

قلت: فهل أنت أحدهم؟

قال: أجل.. بفضل الله ورحمته وهدايته.

قلت: فمن أنت منهم؟

قال: دعك من اسمي.. فهو لا ينفعك.. وقد يضرني أن تعرفه.

قلت: لا بأس.. لك ذلك.

قال: لا تنزعج.. فسأحدثك عما هو أهم من اسمي.. سأحدثك عن قصتي.. وقد جئت هنا لأجل أن أحدثك عنها.. فأنا أعلم أن لك قلما واعيا.

قلت: من أين عرفت ذلك؟

قال: دعك من البحث عما لا تطيقه.. واسمع قصتي.. وبشر بها.. فلعل الله أن تصيخ لها أسماع، وتخضع لها قلوب.. فتعود إلى بارئها، وتنعم بالاتصال به.

أصخت بسمعي إلى الشيخ الذي راح يحكي لي قصته بتفاصيلها الدقيقة، قال: جاءتني في ذلك اليوم رسالة مستعجلة من الإدارة العليا في الفاتيكان.. فأسرعت إليهم.. وبعد أن استقبلوني خير استقبال، وأكرموني بما شاء لهم كرمهم أن يكرموني به، أخبروني أنه سيقام في بعض البلاد الإسلامية مؤتمر علمي هام ينبغي لي أن أحضره..

قلت لهم: وما علاقتي بالمؤتمرات العلمية؟.. أنا رجل دين.. نذرت نفسي للكنيسة.. ولا علم لي بالفيزياء، ولا بالكيمياء.. ولا بشيء من هذه العلوم.

قال لي المكلف بإقناعي: لقد اخترناك لسببين:

الأول: أنك هادئ، كثير الصمت، قليل الجدال، لا يستفزك أحد، وهذا سينفعنا كثيرا، لأنك لن تفصح عن مقاصدك من هذا الحضور.

صفحة ( 16)

وأما الثاني، فما نعلمه عنك من علمك العميق بالعربية، وبالإسلام، وبالقرآن.. وهذا يجعلك أوعى لما يقولون.

قلت: أتريد أن تجعل مني جاسوسا؟

ابتسم، وقال: ولم تقول هذا؟.. إن هذا المؤتمر يخدمنا نحن، ويخدم أغراضنا.. ولو أنا بذلنا الأموال الكثيرة لنقيمه ما استطعنا إقامته.

قلت: فكيف أوحيتم لهؤلاء المسلمين إقامته بدلا عنكم؟

قال: نحن لم نوحي لهم بشيء.. هم الذي أوحوا لأنفسهم به.. وقد اتفقت مصالحنا معهم فيه فقط.

قلت: أنا إلى الآن لم أفهم موضوع المؤتمر.. ولا علاقته بالإسلام، ولا علاقته بالكنيسة.. ولم أعرف إلى الآن دوري في كل ذلك.

قال: أنت تعلم أن هناك في بلاد المسلمين، وفي بلادنا، من ينعق بأن في القرآن سبقا علميا في أمور كثيرة.

قلت: أجل.. أسمع بذلك.. ولكني أسمع في نفس الوقت أن من يتولى كبر هذه الدعوة العلماء والخبراء، لا الفقهاء أو المفسرون.

قال: وهذا مصدر خطر هذه الدعوة.. فكلام الخبراء في هذا المجال أكثر حرمة من كلام الفقهاء والمفسرين.

ثم ابتسم وقال: وهو في نفس الوقت مصدر راحة لنا ومتعة.

قلت: كيف ذلك؟

قال: هذا المؤتمر دليل على هذه المتعة والراحة.

قلت: لم أفهم قصدك.

صفحة ( 17)

قال: أنت تعلم أن كثيرا من الفقهاء والمفسرين لا يقبلون من أحد أن ينافسهم في التراث المقدس الذي اختصوا فيه.. إنهم يكادون يحتكرونه احتكارا.. فلذلك إذا رأوا من الخبراء أي بحث في هذا الباب قد يؤلبون عليهم الخصومة، والناس في هذا تبع للفقهاء، لا للخبراء.

قلت: فهذا المؤتمر يقيمه الفقهاء والمفسرون إذن ليشنوا حربهم على الخبراء والعلماء الباحثين عن أسرار الإعجاز العلمي في التراث المقدس للمسلمين.

قال: أجل.. ولكن الذي يقيمه ليس كل الفقهاء.. بل بعضهم.. وهو بعض مرض لنا من هذه الناحية.. إنهم يقدمون لنا من الخدمات ما لم يستطع أحد في العالم أن يقدمه.

قلت: وكيف أمنتم من انقلابهم علينا؟

قال: عقولهم.. وطريقة تفكيرهم جعلتنا في مأمن منهم.. ألم تسمع المثل الذي يقول: (يفعل الجاهل بنفسه ما لا يفعل العدو بعدوه)؟

قلت: أجل.. فهل هؤلاء جهلة؟

قال: لا.. هم علماء.. ولكنهم علماء لا يعلمون إلا ما في كتبهم العتيقة التي مرت عليها القرون الطوال.. وهم لذلك أعداء كل جديد.

وبما أن هذه العلوم والاكتشافات علوم جديدة، فهم أعداء لها.. بل إنهم في عداوتهم لها قد يستخدمون فهومهم للتراث المقدس لردها.

قلت: أوصل بهم الأمر إلى هذا الحد؟

قال: سأضرب لك مثالا عن بعض علمائهم ممن تبوؤوا المناصب الرفيعة.. فركنت لهم مهمة الفتوى ورئاسة العلماء والاهتمام بالدعوة.. ومناصب كثيرة تنقضي دون آحادها جهود الرجال الفحول.

قلت: ما به؟.. أكاد أعرف من تقصد؟

صفحة ( 18)

قال: لا يهم.. فهو فرد يمثل ثلة.. وهي تمثل نوعا من الفكر له تأثيره الواقعي الذي يمكن استثماره وخدمة التبشير به.

أنت تعلم أن أكبر منافس للمسيحية هو الإسلام.. وهؤلاء انتبدبتهم كنيسة بطرس من غير أن يشعروا ليخدموها، ويخدموا المسيح.

قلت: ما الذي فعله هذا الرجل ومن معه حتى يستحق كل هذا الثناء العطر؟

قال: سأذكر لك فتوى من فتاواه، نحن ننشرها في كل مكان، ونبشر بها أكثر من تبشيرنا بالمسيح، ولو علمنا اليوم الذي خرج بها إلى الناس لاتخذناه عيدا.. ولولا أن في إظهار تكريمنا له ما يصرف الناس عنه لأعطيناه أسمى المراتب وأرفعها.

قلت: ما تلك الفتوى التي استحقت كل هذا التكريم؟

قال: لقد نشرت (.... !؟} (1) في سنة (1402 هـ/1982 م) كتاباً من تأليف هذا العلامة الجليل يقول فيه: (أجمعت آراء السلف من أمثال شيخ الإسلام ابن تيمية وابن كثير وابن القيم على ثبوت الأرض)

قلت: أولئك قوم قد أكل الثرى أجسادهم، ولا حرج عليهم في أن يجمعوا، فقد كان قومنا يجمعون على ما أجمعوا عليه.

قال: ليس الخطر في ذلك.. ولكن الخطر الذي هو نعمة لنا هو اعتبار إجماعهم تراثا مقدسا لا يمس كما لا يمس القرآن.

لقد استنتج هذا المفتي بإخلاصه لمن ينقل عنهم بأن (القول بأن الشمس ثابتة، وأن الأرض دائرة قولٌ شنيعٌ ومنكر)، واستنتج ما هو أخطر من ذلك حين قال: (ومن قال بدوران الأرض

__________

(1)  لقد ذكرنا في الأجزاء الماضية أنا نحاول جهدنا أن لا نجرح أحدا بذكر اسمه، مهما كان، سواء كان مسلما أو مسيحيا، إلا لضرورة شديدة تستدعي ذلك.. وهذا من هذا الباب.. وهذا الكلام مما تمتلئ به مواقع المبشرين الذين لا يفرحون بشيء كما يفرحون بمثل هذه الفتاوى.

صفحة ( 19)

وعدم جريان الشمس فقد كفر وضل، ويجب أن يستتاب، فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً، ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين)

وقد أيد هذا العلامة الجليل فتواه بأنه كان من جملة الناس الذين شاهدوا بعيونهم وأبصارهم سير الشمس وجريانها في مطالعها ومغاربها قبل أن يذهب نور عينيه، وهو دون العشرين.

واستدل لها بأنه لو كانت الشمس ثابتة لما كان هناك فصول أربعة، ولكان الزمان في كل بلد واحد لا يختلف.

وقد نصَّ في كتابه هذا على (أن كثيراً من مدرسي علوم الفلك ذهبوا إلى القول بثبوت الشمس ودوران الأرض، وهذا كفرٌ وضلال وتكذيبٌ للكتاب والسنة وأقوال السلف، وقد اجتمع في هذا الأمر العظيم النقل والفطرة وشاهد العيان فكيف لا يكون مثل هذا كافراً)

وقد حاجَّهم بقوله: (لو أن الأرض تتحرك لكان يجب أن يبقى الإنسان على مكانه لا يمكنه الوصول إلى حيث يريد، لذلك فالقول بهذه المعلومات الطبيعية وتدريسها للتلاميذ على أنها حقائق ثابتة يؤدي إلى أن يتذرع بها أولئك التلاميذ على الإلحاد حتى أصبح كثير من المسلمين يعتقدون أن مثل هذا الأمر من المسلمات العلمية)

واستدل لهذا بأنَّه (لو كانت الأرض تدور كما يزعمون لكانت البلدان والأشجار والأنهار لا قرار لها، ولشاهد الناس البلدان المغربية في المشرق والبلدان المشرقية في المغرب، ولتغيرت القبلة على الناس، لأن دوران الأرض يقتضي تغيير الجهات بالنسبة للبلدان والقارات هذا إلى أنه لو كانت الأرض تدور فعلاً لأحسَّ الناس بحركة كما يحسون بحركة الباخرة والطائرة وغيرها من المركوبات الضخمة)

صفحة ( 20)

وقد وصف المسلمين الذين يؤمنون بكروية الأرض (1) بأنهم يتبعون كلَّ ناعق يريد أن يفسد عقيدة المسلمين بأنهم بعيدون عن استعمال عقولهم وأنهم أعطوا قيادهم لغيرهم، فأصبحوا كبيهمة الأنعام العجماء بعد أن فقدوا ميزة العقل.

وقد خلص في الأخير إلى أن (القائل بدوران الأرض ضال قد كفر وأضل كذَّب القرآن والسنة، وأنه يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافراً مرتداً، ويكون ماله فيئاً لبيت مال المسلمين).

أخرج كتابا من درج مكتبه، وقال: أنا لست أتجنى.. انظر الكتاب.. ها هو عنوانه الذي يدل على محتواه.. (الأدلة النقلية والحسية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب)

فتح الكتاب، وقال: اسمع ما يقول..

راح يقرأ: (وكما أن هذا القول الباطل - يقصد ثبوت الشمس ودوران الأرض- مخالف للنصوص فهو مخالف للمشاهد المحسوس ومكابرة للمعقول والواقع لم يزل الناس مسلمهم وكافرهم يشاهدون الشمس جارية طالعة وغاربة، ويشاهدون الأرض قارة ثابتة ويشاهدون كل بلد وكل جبل في جهته لم يتغير من ذلك شيء، ولو كانت الشمس تدور كما يزعمون لكانت البلدان والجبال والأشجار والأنهار والبحار لا قرار لها ولشاهد الناس البلدان المغربية في المشرق والمشرقية في المغرب ولتغيرت القبلة على الناس حتى لا يقرّ لها قرار، وبالجملة فهذا القول فاسد من وجوه كثيرة يطول تعدادها)

قلب صفحات من الكتاب، ثم قال: واسمع ما يقول هنا..

__________

(1)  هذا ما هو موجود في المواقع التبشيرية، ولكن كل علماء المسلمين بما فيهم العلماء المعاصرين الذين يسمونهم يخالفون هذا، وينصون على كروية الأرض، وسنرى التفاصيل المرتبطة بذلك في الفصل الثاني من هذه الرواية.

صفحة ( 21)

راح يقرأ: (ثم هذا القول مخالف للواقع المحسوس، فالناس يشاهدون الجبال في محلها لم تسيّر.. فهذا جبل النور في مكة في محله.. وهذا جبل أبي قبيس في محله.. وهذا أُحد في المدينة في محلّه.. وهكذا جبال الدنيا كلها لم تسيّر وكل من تصور هذا القول يعرف بطلانه وفساد قول صاحبه وأنه بعيد عن استعمال عقله وفكره قد أعطى القياد لغيره كبهيمة الأنعام فنعوذ بالله من القول عليه بغير علم ونعوذ بالله من التقليد الأعمى الذي يردي من اعتنقه وينقله من ميزة العقلاء إلى خلق البهيمة العجماء)

قلب صفحات أخرى، ثم قال: اسمع ما يقول هنا..

راح يقرأ: (ثم الناس كلهم يشاهدون الشمس كل يوم تأتي من المشرق، ثم لا تزال في سير وصعود حتى تتوسط السماء، ثم لا تزال في سير، وانخفاض حتى تغرب في مدارات مختلفة بحسب اختلاف المنازل ويعلمون ذلك علما قطعيا بناء على مشاهدتهم وذلك مطابق لما دل عليه هذا الحديث الصريح –حديث سجود الشمس- والآيات القرآنية ولا ينكر هذا إلا مكابر للمشاهد المحسوس ومخالف لصريح المنقول.. وأنا من جملة الناس الذين شاهدوا سير الشمس وجريانها في مطالعها ومغاربها قبل أن يذهب بصري، وكان سني حين ذهاب بصري تسعة عشر عاما، وإنما نبهت على هذا ليعلم القراء أني ممن شاهد آيات السماء والأرض بعيني رأسه دهرا طويلا، والله المستعان وبالجملة، فالأدلة النقلية والحسية على بطلان قول من قال إن الشمس ثابتة أو قال إنها جارية حول نفسها كثيرة متوافرة، وقد سبق الكثير منها فراجعه ان شئت)

وقد خلص في الأخير إلى نتيجة.. اسمعها من فمه..

راح يقرأ: (فمن زعم خلاف ذلك، وقال إن الشمس ثابتة لا جارية، فقد كذّب الله وكذّب كتابه الكريم الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)

صفحة ( 22)

ثم يقول: (ومن قال هذا القول فقد قال كفرا وضلالا لأنه تكذيب لله، وتكذيب للقرآن وتكذيب للرسول صلى الله عليه وآله وسلم لأنه صلى الله عليه وآله وسلم قد صرح في الأحاديث الصحيحة أن الشمس جارية، وأنها إذا غربت تذهب وتسجد بين يدي ربها تحت العرش كما ثبت ذلك في الصحيحين من حديث أبي ذر وكل من كذب الله سبحانه أو كذب كتابه الكريم أو كذب رسوله الأمين عليه الصلاة والسلام فهو كافر ضال مضل يستتاب فإن تاب وإلا قتل كافرا مرتدا، ويكون ماله فيئا لبيت مال المسلمين، كما نص على مثل هذا أهل العلم)

التفت إلي، وقال: وهكذا تم تكفير كل ما قال بدوران الأرض..

نظر إلي، فرآني متعجبا مما أسمع، فقال: لا تتعجب.. هذا واحد منهم.. وقد تبوأ المناصب الرفيعة.. وهناك غيره ممن يقولون بقوله.. هذا أحدهم كتب كتابا في ذلك سماه (هداية الحيران في مسألة الدوران)

أخرج الكتاب من الدرج، وقال: اسمع ما يقول سماحة المبشر (.... !؟)

راح يقرأ: (العلوم العصرية عامة علومٌ عمَّت بها البلوى.. منها علوم مفسدة للإعتقاد كالقول بدوران الأرض، وغيره من علوم الملاحدة)

واسمع ما يقول هنا..

راح يقرأ: (القول بدوران الأرض أعظم من اعتقاد تسلسل الإنسان من القرود بكثير)

أغلق الكتاب، وقال: إن هذا الكتاب أعظم من أن يساوي وزنه ذهبا.. إن قيمة هذا الكتاب لا تقدر بثمن..

تصور لو أنا نشرنا هذا الكتاب.. أو لو أن واحدا من أولئك المحسنين، أصحاب البطون الكبيرة، والعقول الفارغة، تطوع فنشر مثل هذا الكتب مجانا على المدارس والجامعات..

إنها أخطر من القنبلة النووية..

صفحة ( 23)

إن الطالب الذي يقرأ في مدرسته أو جامعته أن الأرض تتحرك في الفضاء، ومعها تابعها القمر في دورة بيضاوية حول الشمس.. وأنها تسبح خلال هذا الفلك بسرعة 106.000 كلم بالساعة.. وأنها بالإضافة إلى ذلك تدور مرة واحدة حول محورها كل 23.56 ساعة و4.1 ثانية طبقا للسنة الشمسية.. وأنها بالإضافة إلى ذلك لها ثلاث حركات إضافية دورية تحدث مرتين في العام.. وأنها بالإضافة إلى ذلك كله تتحرك بسرعة 20.1 كلم بالثانية، باتجاه مجموعة هرقل النجمية..

تصور طالبا يقرأ عن هذه الحركات النشيطة التي تقوم بها الأرض في المحاور المختلفة، ويبرهن له على ذلك بكل البراهين، ثم يأتي للمسجد ليسمع الإمام يحمل هذه الكتب، ويرددها على مسامعه.

إنه في ذلك الحين يتحول إلى أحد شخصين كلاهما حبيب لنا:

أما الأول.. فهو أن يخرج من المساجد كافرا بالإمام، وبما يقول الإمام، بل كافرا بالقرآن نفسه، وبكل تراث المسلمين المقدس.. وحينذاك نستقبله نحن، أو يستقبله غيرنا.. ولا يهمنا من يستقبله.

وأما الثاني.. فأن يقبل ما يقوله الإمام، ويكفر بما يقوله الأستاذ والخبير.. وهو في هذه الحالة لا يقل عن حال الأول.. إنه يصير متطرفا يصدر لنا من المواقف ما تقر به أعيننا.. إن هذا النوع سيملأ هذه الرفوف التي تراها كتبا تقدم لنا أعظم الخدمات.. أنت تعلم بأن الصديق الجاهل أخطر من العدو العاقل..

قلت: وعيت ما ذكرت.. ولكن أجبني: هل ما يقوله هؤلاء هو الحقيقة التي جاء القرآن لتقريرها؟

قال: نحن لا يهمنا ذلك.. هذه فتوح فتح بها علينا.. ولا ينبغي للعاقل أن يفرط في استثمار غباء خصومه.

قلت: فلنعد إلى هذا المؤتمر المزمع انعقاده.. ما دوري أنا فيه؟

صفحة ( 24)

قال: أما المؤتمر، فيحمل عنوان (آيات الله في الآفاق والأنفس من خلال القرآن والعلم)، وهو يدوم عشرة أيام كاملة تعرض فيها المحاضرات المرتبطة بهذا الجانب، وكل من يلقي تلك المحاضرات من الصنف الذي حدثتك عنه.

قلت: ولكن.. كيف بدا لهم أن يدخلوا العلم في المسألة؟

قال: لقد رأوا اتهام الناس لهم بالتزمت والتطرف، فراحوا يتجملون بالعلم ليرضوهم.. ولكنهم مع ذلك حددوا مجالات معينة لهؤلاء العلماء حجروا عليهم أن يتجاوزوها.

وإن أردت الصراحة، فهم لم يريدوا منهم إلا كلمة واحدة يصفعون بها خصومهم.

قلت: وما تلك الكلمة؟

قال: أن يذكر هؤلاء الخبراء أنه لا صحة لما يزعمه من يرى أن في القرآن إعجازا علميا.

قلت: فهو خلاف داخلي إذن بينهم؟

قال: أجل.. ما أجمل هذا النوع من الخلاف.. إنه السبيل الوحيد لنصرة الحقيقة التي نؤمن بها.

قلت: وما دوري أنا بالضبط في ذلك المؤتمر.. هل كلفتموني بإلقاء محاضرة فيه؟

قال: لا.. لم نكلفك إلا بدورين بسيطين، ولكنهما عميقين:

أما أحدهما.. فبسيط جدا لا يعدو استعمال أذنيك لتسمع كل ما يقال.. ثم تعود لنا بتقارير عما سمعت.. وإن رأيت أي بحث له قيمة علمية أو عملية، مثل البحوث التي أسمعتك إياها، فتقرب من صاحبه.. وأعطه ما شاء من الأموال لينشر بحثه، وليستمر في بحثه.

نحن نثق فيك.. ولذلك سنضع لك ميزانية خاصة.. اصرف منها ما تشاء.. فما تفعله لا يقل عما يفعله أي مبشر في الأدغال، أو على رؤوس الجبال.

قلت: والثاني؟

صفحة ( 25)

قال: هو دور مهم، ولعله أهم من الأول.. وهو يحتاج إلى يقظة عظيمة، فالخبراء الذين سيذهبون إلى المؤتمر من بلادنا، وهم من خيرة علماء بلادنا، ونحن نخشى أن يندس إليهم بعض أولئك الذين ينعقون بإعجاز القرآن.. فينحرفون بهم.. ويؤلبوهم علينا، كما حصل للكثيرين قبلهم.

قلت: فما دوري أنا معهم.. هل سأكون حارسهم الشخصي؟

قال: أمر حراستهم موكول للبلاد التي سيزورونها.. أما دورك أنت فلا يعدو أن تظل معهم، وبصحبتهم.. بعد انتهاء المحاضرات سر بهم حيث شئت، وأنفق عليهم من الأموال ما شئت.. المهم أن يظلوا في صحبتك حتى لا يتعرضوا لأي أشعة قد تحرقهم.. فشمس تلك البلاد تحرق كل من يدخل إليها.

قلت: متى سيبدأ هذا المؤتمر؟

قال: سيبدأ بعد شهر من اليوم، وقد استدعيناك، واستدعينا الأساتذة المختصين الذين سيذهبون بصحبتك لتقيم علاقتك بهم قبل الذهاب لتلك البلاد.

قال ذلك.. ثم أذن لي في الانصراف.

بقيت بعدها شهرا كاملا ألتقي بهؤلاء المختصين، وقد استفدت منهم كثيرا، فقد كان أسلوبهم يناسب طريقة تفكيري.. بل قد نسخ كلامهم كثيرا من الاهتمام الذي كنت أبديه للإسلام وللقرآن.

لست أدري لم.. ولكن السبب ربما يكمن فيما ذكر لي من تلك الفتاوى التي تزعم اصطدام النصوص المقدسة مع العلم.

***

في مساء اليوم الذي سبق رحلتي إلى تلك البلاد التي أقيم فيها ذلك المؤتمر سرت خارج المدينة إلى حديقة تمتلئ بالجمال.. هي لا تقل عن الجمال الذي يمتلئ به هذا المكان.

صفحة ( 26)

لقد جلست أنظر في الإبداع العظيم الذي صمم به الكون.. كل شيء في منتهى الدقة والجمال والكمال.

وكل ذلك يستدعي أن يكون الخالق مبدعا عالما، بل عليما خبيرا لطيفا، بل لا يمكن للسان أن يعبر عن علم هذا الخالق ولا لطفه ولا خبرته.

بينما أنا غارق في تلك التأملات إذا برجل – لست أدري من أين جاء، ولا كيف جاء -يجلس بين يدي دون أن أشعر بجلوسه، ويدور بيننا هذا الحوار القصير الذي غير مسيرة رحلتي وأهدافها.

لا أكتمك بأني كنت متألما للدور الذي كلفت بالقيام به، ولكني بعد أن التقيت بذلك الرجل ارتحت كثيرا.. بل اعتبرت هذه الرحلة فتحا عظيما فتح به علي لأدرك به الحقيقة..

وقد كانت بالفعل ـ على عكس ما أريد منها ـ رحلة للتعرض لأشعة جديدة من شمس محمد صلى الله عليه وآله وسلم.

سأذكر لك الحوار القصير الذي دار بيننا، والذي أسس لهدف نبيل لهذه الرحلة، حل بدل الهدف الدنيء الذي حاول صاحبي أن يقنعني به:

قال الرجل: هل أعجبتك الشمس، وهي تنحني مودعة ابنتها الأرض؟

قلت: أجل.. هو منظر يوحي إلي بالكثير.. كل مرة أرى أشياء جديدة.. وأسمع أشياء جديد من همساتها لي، وهمسات ما تراه من جمال.

قال: ألم تهمس إليك هذه المناظر الجميلة الدقيقة المتقنة شيئا عن مبدعها؟

قلت: بلى.. لقد همست لي.. بل جهرت..

قال: ألم تذكر لك عن علم مبدعها ولطفه وخبرته؟

قلت: بلى.. وقد كانت الساعة تحدثني عن هذه المعاني.

قال: لقد سمعتها بحسك الشفاف تنطق بهذا.. ولكن هل غيرك يسمعها، وهي تتحدث؟

صفحة ( 27)

قلت: بعضهم يسمع.. والكثير ربما لا يسمع.

قال: ألا يحتاجون تنبيها ينبه أسماعهم إلى سماعها؟

قلت: من أي نوع هذا التنبيه؟

قال: ألا ترى الرسام المبدع الذي ظل الليالي الطوال مع ريشته ولوحاته، كيف يتعامل مع المتفرجين في معرض لوحاته؟

قلت: أجل.. إني أراهم يطوفون عليهم ليروهم ما في لوحاتهم من نواحي الجمال والرمزية التي قد لا ينتبهون لها.

قال: تلك لوحات بسيطة لم تستغرق منهم إلا تحريك فرشاتهم ليرسموا بعض ما حبى الله الطبيعة من جمال، فكيف لا ينبه مبدع الطبيعة المتفرجين على ما فيها من جمال؟

قلت: هو نبههم بما وضع في عقولهم وأذواقهم من حب للجمال.. وما وضع في مداركهم من وسائل للإحساس به.

قال: ولكن الغفلة قد تعتريهم.. أو أن مداركهم قد لا تمتد لبعض ما في الطبيعة من جمال.. فهم يحتاجون لتنيه خاص، كما يحتاج متفرجو اللوحات إلى الرسام المبدع ليوضح لهم أغراضه منها.

قلت: ذلك صحيح.. ولكني لا أرى هذا في الواقع.

قال: يستحيل أن لا يكون ذلك في الواقع.. إن الرب الذي أبدع كل هذا يستحيل أن لا يدل عليه.

قلت: الكتب المقدسة هي كلمات الله إلى عباده.. ولم أر من خلال مطالعتي لها أنها تحتوي على ما قصدت..

نعم.. فيها الذكر العام لخلق الأشياء، ولكن ليس فيها من التفاصيل ما يدل على العليم الخبير الذي تكلم بها.

صفحة ( 28)

بل إنا نرى ما في الكتب المقدسة ما قد يتنافى مع الحقائق العلمية التي يعلمها الصبيان، وذلك مما يجعلنا في تشتت بين ما يقتضيه الإيمان من تسليم، وما يقتضيه العقل من احترام.

قال: فما ذكرته ليس كلمات مقدسة إذن.

قلت: فلا توجد كلمات مقدسة في الدنيا إذن.

قال: هل اطلعت على جميع كتب الدنيا لتقول هذا؟.

قلت: في بعض رحلاتي لبلاد المسلمين دب لنفسي شعور خطير بأن كتاب المسلمين المقدس.. القرآن.. هو الكتاب المقدس، وأنه كلام الله الذي تكلم به إلى عباده.. ولكني، وقبل أسبوعين فقط، بدأ هذا الاعتقاد يتلاشى.

قال: وما الذي جعله يتلاشى؟

قلت: لقد سمعت أن في هذا الكتاب ما يدل على ثبات الأرض، وأنها لا تتحرك خلافا لما يقوله العلم.. بل فوق ذلك أخبرت بأن في القرآن الدلالة على أن الشمس تطوف بالأرض كل يوم.. وهذا ما يضحك عليه الصبيان عندنا.

قال: هل قرأت في القرآن كل هذا؟

قلت: لم أقرأه بهذه التعابير.. ولكن مفسري المسلمين وعلمائهم ـ وهم أدرى مني بلغة كتابهم ـ ذكروا هذا.

قال: ألا يمكن أن يكون المفسر قد أقحم جهله في كتابه المقدس ليدنسه به؟

قلت: ما تقصد؟

قال: الفهوم السيئة ـ أحيانا كثيرة ـ تحرف مقاصد قائليها.

قلت: ذلك صحيح.

قال: فهل يلام المتكلم، أم يلام الفاهم؟

صفحة ( 29)

قلت: في هذه الحالة يلام الفاهم.

قال: لا تتسرع في لوم الفاهم، فربما وجد في نص المتكلم ما يدل على قصده.

قلت: ذلك صحيح أيضا.. وفي هذه الحالة ينبغي أن نلوم المتكلم.. لأنه حمل كلامه من الألفاظ ما يسيء إلى الحقيقة التي يريد التعبير عنها.

قال: أنت الآن في حيرة.. هل تلوم المتكلم، أم تلوم الفاهم؟

قلت: أجل.. فهل اللوم على القرآن.. أم اللوم على مفسريه؟

قال: أنت تحتاج إذن إلى بحث عميق عن الحقيقة التي تخلصك من هذا الإشكال الذي وقع فيه عقلك.

قلت: وعند من أجد الحقيقة؟

قال: عند المخالفين، وعند الموافقين.. عند الأعداء، وعند الأصدقاء.. الحقيقة لا تخفى سواء نطق بها المحبون، أو نطق بها المبغضون.

قلت: أنا الآن سائر إلى مؤتمر إسلامي ربما يسيء إلى الحقيقة القرآنية.

قال: وربما يريك وجهها الحقيقي.

قلت: فهل ترى أن أذهب لأمتلئ بالقناعة التي تبعدني عن القرآن.. كما امتلأت بالقناعات التي أبعدتني عن الكتاب المقدس؟

قال: نعم.. إن وجدت مثل هذه القناعة، واقتنعت بها فعلا، فخذ بها.. اذهب، واعلم بأن البرنامج الذي وضعه الله في عقلك لا يتنافى مع كلام الله الذي توجه به إلى وجدانك، فكلام الله لا يتناقض مع برنامج الله.

صفحة ( 30)

قلت ـ وقد هزني السرور ـ: أتعلم.. لقد كنت منذ طلب مني حضور هذا المؤتمر متألما كثيرا، لأني أحسست أي سأقوم بدور يتنافى مع دور رجل الدين.. ولكني الآن شعرت بجمال الدور الذي سأقوم به.. إنه محاولة للتعرف على الحقيقة من مصادرها.

قال: من كل مصادرها.. من كل مصادرها..

قلت: ما تقصد؟

قال: أنت الآن سائر لمصدر من المصادر.. فلذلك لا تغفل عن سائر المصادر.. فقد يفهم الفاهم من الكلام غير ما يقصد المتكلم.

قلت: صدقت.. ولكن المؤتمر من تنظيم جهة واحدة.. فكيف أصل إلى سائر الجهات؟

قال: اذهب.. وسترى الله الذي أبدع تقدير كل شيء.. سيبدع من المقادير ما يريك سائر المصادر.

قال ذلك، ثم انصرف.. ولست أدري أين انصرف.

***

في اليوم التالي.. وصلت المدينة التي سيقام فيها المؤتمر بصحبة أولئك العلماء الخبراء.. كانت مدينة جميلة مزهوة بكل التقنيات الحديثة..

عندما تسير فيها تشعر بأنك في مدينة غربية متطورة.. لا علاقة لها بمدن الشرق.

تعجبت أن تزهو هذه المدينة بكل هذه التقنيات، ومع ذلك يرضى أصحابها بذلك الجهل الذي يتصورون به الأشياء على غير حقائقها.

وتعجبت أكثر من كون هؤلاء يقبلون تقنيات الغرب، ثم لا يقبلون علومه التي أسس عليها تقنياته.

صفحة ( 31)

لكني صرفت كل هذا التعجب، وعدت إلى طبيعتي الباحثة.. وقلت لنفسي: لا ينبغي أن يؤثر في طرف من الناس.. ذلك كلام صاحبي الذي دفعه إليه حرصه على دينه.. والواقع قد يكون خلاف ما قال.

سرنا إلى فندق ضخم أعد خصيصا لنا في ضاحية من ضواحي المدينة.. وما وضعت متاعي في غرفتي حتى ضاقت بي نفسي من كل تلك الخرسانات المسلحة التي تحيط بي، فاستأذنت رفاقي، وخرجت إلى منتزه لا يبعد كثيرا عن الفندق.. وعلى عشبه الحنون ارتميت أنظر إلى السماء المزهوة بأحلى ألوان الربيع.. ارتخيت لأسمع من همس جمال الطبيعة ما كنت أسمع قبل مجيئي.

لكن تلك الهمسات قطعت بجهر اثنين كانا يجلسان بجانبي، سمعتهمها يتحدثان عن المؤتمر المزمع انعقاده، كانا يتحدثان بانفعال شديد، فشدني كلامهما.. وهذا هو الحوار الذي تمكنت من سماعه:

قال الأول: لست أدري ما الذي يخطط له هؤلاء الأغبياء.

قال الثاني: لم تنعتهم بالأغبياء.. هم لا يقولون إلا ما أداه إليه اجتهادهم، والمجتهد له أجر، وإن أخطأ..

قال الأول: ولكن خطأهم عميق ومؤثر.. إنهم كمتهم أعطيت له أدلة براءته، فراح يقطعها، ويتهم من أعطاه تلك الأدلة.

قال الثاني: ولكنهم يستدلون لذلك بأدلة غاية في القوة:

إنهم ينقلون عن أبي اسحق الشاطبي (ت 790 هـ) قوله في كتابه الخطير (الموافقات): (إن كثيراً من الناس تجاوزوا في الدعوى على القرآن الحدَّ؛ فأضافوا إليه كل علم يذكر للمتقدمين، أو

صفحة ( 32)

المتأخرين، من علوم الطبيعيات والتعاليم، والمنطق، وعلم الحروف، وجميع ما نظر فيه الناظرون، من أهل الفنون، وأشباهها، وهذا إذا عرضناه على ما تقدم لم يصح.. } (1)

ثم يذكر أخطر دليل، فيقول: (وإضافة إلى هذا فإن السلف الصالح، من الصحابة، والتابعين ومن يليهم كانوا أعرف بالقرآن، وبعلومه، وما أودع فيه، ولم يبلغنا أنه تكلم أحد منهم في شئ من هذا المدعى، سوى ما تقدم، وما ثبت فيه من أحكام التكاليف، وأحكام الآخرة، وما يلي ذلك، ولو كان لهم في ذلك خوض، ونظر، لبلغنا منه ما يدلنا على أصل المسألة، إلا أن ذلك لم يكن، فدل على أنه غير موجود عندهم، وذلك دليل على أن القرآن لم يقصد فيه تقرير لشئ، مما زعموا)

بل إن الشاطبي يرى فوق ذلك كله أن المعاني، التي لا عهد للعرب بها، غير معتبرة فيقول: (وربما استدلوا على دعواهم بقوله تعالى: {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (النحل:8)، وقوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (الأنعام:38)، ونحو ذلك.. فأما الآيات فالمراد بها عند المفسرين: ما يتعلق بحال التكليف والتعبد، أو المراد بالكتاب في قوله تعالى: {مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ} (الأنعام:38) اللوح المحفوظ، ولم يذكروا فيها ما يقتضي تضمنه لجميع تلك العلوم، النقلية، والعقلية.. فليس بجائز أن يضاف إلى القرآن ما لا يقتضيه، كما أنه لا يصلح أن ينكر منه ما يقتضيه، ويجب الاقتصار في الاستعانة على فهمه، على كل ما يضاف علمه، إلى العرب خاصة، فبه يوصل إلى علم ما أودع من الأحكام الشرعية، فمن طلبه بغير ما هو أداة له، ضل عن فهمه، وتقول على الله ورسوله فيه} (2)

__________

(1)  الموافقات: 2/ 55 - 56.

(2)  الموافقات: 2/ 55 - 56.

صفحة ( 33)

قال الأول: ربما يكون الشاطبي قد قصد من كلامه غير ما فهموه.. ربما يكون قد رأى ثلة من الناس تؤول القرآن ليتوافق مع الخرافات التي نشرها العقل اليوناني أو الهندي.. فراح يحذر من ذلك.. ويأمرهم بالعودة إلى ظواهر اللغة كما فهمها العرب.. هو لا يقصد ما يفعله هؤلاء الذين يجردون القرآن من أهم مزاياه.

قال الثاني: إن كلام الشاطبي واضح.. وهو لا يتعلق بعصر دون عصر.. إنه يضع القواعد التي تحمي القرآن من كل تحرف.

قال الأول: وهو سيبقى كلاما للشاطبي.. والشاطبي بشر.. وهو فوق ذلك يتحدث بناء عن ثقافة عصره.. والتي تبعد عنا القرون الطوال.

قال الثاني: هم ينقلون عن المعاصرين الذين رأوا العلوم في قمة عنفوانها.. فهذا محمد حسين الذهبي، وهو من المعاصرين يبرهن على إنكاره للتفسير العلمي للقرآن من جهات متعددة: من الناحية اللغوية.. ومن الناحية البلاغية.. ومن الناحية الاعتقادية:

أما الناحية اللغوية، فهي: أن كثيرا من الألفاظ القرآنية تغيرت وتوسعت دلالاتها بمرور الزمان.. وهذه المعاني كلها تقوم بلفظ واحد، بعضها عرفته العرب وقت نزول القرآن، وبعضها لا علم للعرب به، وقت نزول القرآن، نظراً لحدوثه، وطروئه، على اللفظ، فهل يعقل أن نتوسع هذا التوسع العجيب، في فهم ألفاظ القرآن، وجعلها تدل على معان، وجدت باصطلاح حادث؟

وأما الناحية البلاغية.. والبلاغة هي المطابقة لمقتضى الحال.. فإن التفسير العلمي للقرآن يضر ببلاغة القرآن، لأن من خوطبوا بالقرآن في وقت نزوله: إن كانوا يجهلون هذه المعاني، وكان الله يريدها من خطابه إياهم لزم على ذلك أن يكون القرآن غير بليغ، لأنه لم يراع حال المخاطب؟ وإن كانوا يعرفون هذه المعاني، فلم لم تظهر نهضة العرب العلمية، من لدن نزول القرآن، الذي حوى علوم الأولين والآخرين؟

صفحة ( 34)

وأما الناحية الاعتقادية.. فقد أنزل الله القرآن إلى الناس كافة حتى قيام الساعة، ولو ذهبنا مذهب من يحمل القرآن كل شئ، وجعلناه مصدراً للعلوم، لكنا بذلك قد أوقعنا الشك في عقائد المسلمين نحو القرآن الكريم، وذلك لأن قواعد العلوم، وما تقوم عليه من نظريات لا قرار لها ولا بقاء. ولو ذهبنا إلى تقصيد القرآن، ما لم يقصد، من نظريات، ثم ظهر بطلان هذه النظريات فسوف يتزلزل اعتقاد المسلمين في القرآن الكريم. لأنه لا يجوز للقرآن أن يكذب اليوم، ما صححه بالأمس (1).

ولكنه مع هذا يرى أن في القرآن إعجازا علميا هو في عدم مخالفته ما يذكره المعاصرون من علوم.. لقد قال في هذا: (وحسبهم أن لا يكون في القرآن نص صريح يصادم حقيقة علمية ثابتة) أليس كون القرآن لا يصادم حقائق علمية ثابتة معجزة علمية؟)

قال الأول: كل ما ذكرته أقوال اجتهادية، وفهوم بشرية، قد تحترم، وقد لا تحترم، وأنا شخصيا لا أحترمها، ولا أظن أن عاقلا يرى احترامها.

قال الثاني: كف عن غلوك وتطرفك.. كيف تقول هذا عن كلام علماء أعلام لهم جاههم وخدماتهم الكبيرة للدين!؟

قال الأول: أنا لا أنكر خدماتهم، ولكني أنكر سوء فهمهم.. وأنكر احتكارهم للقرآن.. هم يريدون منا أن نتعامل مع القرآن الكريم كما نتعامل مع المعلقات السبع..

هم ـ من حيث لا يشعرون ـ يجعلون الله كأولئك الشعراء الذين ضاقت بهم أجواء البيئة العربية، فراحوا ينفسون عن أنفسهم بالأشعار.. فلم تخرج أشعارهم عن بيئتهم.

البيئة العربية ـ يا صاحبي ـ أضيق من أن تحتوي الحقائق التي نطق بها كتاب الله الذي جاء رسالة للبشرية جميعا، وفي بيئاتها جميعا، وفي أزمنتها جميعا.

__________

(1)  التفسير والمفسرون للذهبي.

صفحة ( 35)

وقد كان من إعجاز القرآن أنه حوى الحقائق من غير أن يصادم القدرات العقلية للبيئة التي نزل فيها، وللعصور التي سبقت عصرنا.

إن هذا من دلائل الإعجاز.. لا من دلائل صرف الإعجاز، كما يدعي المقيدون بالقيود التي وضعتها عقول أسلافهم.

قال الثاني: ولكن الخوض في مثل هذا سيصرف الناس عن هداية القرآن ليحوله إلى كتاب علوم، لا كتاب هداية.

قال الأول: هو لن يكون كتاب هداية حتى يكون كتاب علوم.. الهداية ـ يا صاحبي ـ فرع عن العلم.. والجاهل لن يهديك إلا إلى جهله.

قال الثاني: العلوم مختلفة.. والعلوم التي جاء القرآن لتقريرها هي علوم الحقائق الأزلية، والوظائف التي كلف الله بها الإنسان.

قال الأول: أليس الله هو مبدع كل شيء؟

قال الثاني: أجل.. وهل في ذلك شك؟

قال الأول: فهل ترى أن الله الذي أبرز دلائل علمه في مكوناته لا يبرزها في كلامه؟

قال الثاني: هو يبرزها بما لا يصطدم مع البيئات المختلفة.. والعصور المتناقضة.

قال الأول: ذلك عندما يكون المتكلم هو نحن، أو شعراؤنا وبلغاؤنا.. أما عندما يكون المتكلم هو الله، فإن اللغة التي سيكتسي بها كلامه ستحمل من المعاني ما لا تختفي معه الحقائق، وما لا تتناقض معه العصور.

سكت قليلا، ثم قال: أليس القرآن الكريم معجزة ممتدة لكل العصور؟